Полный текст (1 418 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
بِالْكُلِّ وَكَذَلِكَ إِذا تَتَابَعَت أَلْفَاظ عَامَّة ثمَّ ثَبت التَّخْصِيص فِي بَعْضهَا فَلَا يُوجب تَخْصِيصه تَخْصِيص مَا عداهُ إِذا اسْتَقَلت كل جملَة بِنَفسِهَا، وَكَذَلِكَ قد يتوالى أَمْرَانِ، وَأَحَدهمَا عِنْد الْقَائِلين بِالْوُجُوب مَحْمُول على حَقِيقَته فِي اقْتِضَاء الْإِيجَاب، وَالثَّانِي مَصْرُوف عَن حَقِيقَته، وأمثلة ذَلِك.
فَأَما إِذا قُلْنَا أَن بعض الْخطاب قد يخْتَص مَعَ تَعْمِيم بعضه فَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلثة قُرُوء﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك﴾ .
فالمطلقات فِي صدر الْآيَة تعم الباينات والرجعيات. وَقَوله: ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ مُخْتَصّ بالرجعيات وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرشتم﴾ فَهَذَا يعم الصَّغَائِر والكبائر والمحجورات والمطلقات، ثمَّ قَالَ فِي آخر الْآيَة: ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ ، فاختص ذَلِك بالمطلقات العاقلات.
[٦٨٢] وَأما تتَابع الْأَوَامِر فِي سِيَاق من الْكَلَام مَعَ اخْتِلَاف الْمَقَاصِد فنحو قَوْله تَعَالَى: ﴿كلوا منثمره إِذا أثمر وءاتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾
стр. 492
فَقَوله تَعَالَى:: ﴿كلوا من ثمره﴾ على الْإِبَاحَة أَو النّدب دون الْإِيجَاب، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وءاتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ مَحْمُول على الْوُجُوب، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا واءتوهم﴾ .
فَمن زعم من الْفُقَهَاء أَن الإيتاء وَاجِب حمل قَوْله: ﴿فكاتبوهم﴾ . على النّدب وَقَوله: ﴿وءاتوهم﴾ على الْإِيجَاب، وَكَذَلِكَ قَوْله: (فطلقوهن
стр. 493
[٨٠ / أ] لعدتهن / وأحصوا وَالْعدة) وتكثر نَظَائِر ذَلِك فِي السّنة، مِنْهَا: قَوْله ﷺ : " أَلا فزوروها وَلَا تَقولُوا هجرا " وَمِنْهَا: قَوْله: " انتبذوا فِي الظروف " وَاجْتَنبُوا كل مُسكر " وتكثر نَظَائِر ذَلِك.
стр. 494
(١٣٢) بَاب
ذكر جمل مَا يخصص بِهِ مَعَ تَبْيِين أقسامها
[٦٨٣] اعْلَم أَن مَا يَقع بِهِ تَخْصِيص الْأَلْفَاظ الْعَامَّة على مَذَاهِب الْقَائِلين بِالْعُمُومِ يَنْقَسِم إِلَى أَدِلَّة يقطع بهَا، وتفضي إِلَى الْعلم، وَإِلَى مَالا تُفْضِي إِلَى الْقطع، وَلَا يُفْضِي إِلَى الْعلم.
فَأَما الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْقطع فَمِنْهُ أَدِلَّة الْعقل، وَمِنْه النُّصُوص الْمَقْطُوع بهَا الَّتِي لَا تقبل التَّأْوِيل وَالصرْف عَن مقتضاها وفحواها، لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، وَمِنْهَا الْإِجْمَاع.
وَأما الإمارات المنصوبة على اقْتِضَاء الْأَفْعَال دون الْعُلُوم فَهِيَ كأخبار الْآحَاد الَّتِي مِنْهَا الْأَقْوَال.
وَمِنْهَا أَفعَال الرَّسُول ﷺ الْقَائِمَة مقَام الْأَقْوَال، على مَا سنفصل القَوْل فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَمِنْهَا: المقاييس مَعَ اخْتِلَاف رتبها.
وَمِنْهَا: آثَار الصَّحَابَة على مَذْهَب من يَرَاهَا حجَّة.
وَنحن نتكلم أَولا فِي الْأَدِلَّة القاطعة، ثمَّ ننعطف على الإمارات الدَّالَّة على الْأَفْعَال دون الْعُلُوم
стр. 495
[٦٨٤] ونبدأ بِدلَالَة الْعقل.
فَاعْلَم أَن الْعقل مِمَّا يخصص بِهِ الْعُمُوم وَالْمعْنَى بقولنَا أَنه يخصص بِهِ الْعُمُوم، أَن الصِّيغَة الْعَامَّة فِي مَذَاهِب الْقَائِلين بِالْعُمُومِ إِذا وَردت وَاقْتضى الْعُقَلَاء امْتنَاع تعميمها فنعلم من جِهَة الْعقل أَن المُرَاد خُصُوص فِيمَا لَا يحيله الْعقل، فَهَذَا هُوَ الْمَعْنى بالتخصيص، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ أَن الْعقل صلَة
стр. 496
للصيغة نازلة منزلَة الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل بالْكلَام، وَلَكِن المُرَاد بِهِ مَا قدمْنَاهُ من أَنا نعلم بِالْعقلِ أَن مُطلق الصِّيغَة لم يرد تعميمها.
[٦٨٥] وَقد أنكر بعض النَّاس تَخْصِيص الْعُمُوم بِدلَالَة الْعقل وَلَو ورد
стр. 497
ذَلِك الِاخْتِلَاف إِلَى التَّحْصِيل آل الِاخْتِلَاف إِلَى التناقش فِي عبارَة لَا طائل تحتهَا.
[٦٨٦] وَالْأولَى فِي مفاتحة من يخالفك أَن تستدل بأتي من الْكتاب منطوية على صِيغ الْعُمُوم، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿الله خلق كل شَيْء﴾ ، وَقَوله: ﴿أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ . فَظَاهر الشَّيْء ينْطَلق على الْقَدِيم والحادث، ثمَّ عرفنَا بِدلَالَة الْعقل أَن الْقُدْرَة لَا تتَعَلَّق بِذَاتِهِ وَإِن كَانَ شَيْئا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شَيْء رزقا﴾ . عرفنَا بقضية الْعُقُول فِي مجاري الْعَادَات أَن ثَمَرَات جملَة الاشياء لَا تجبى إِلَيْهَا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ فَظَاهر اسْم النَّاس مَحْمُول على الْعُقَلَاء والمجانين، وَعلمنَا بِالْعقلِ حمله على الْعُقَلَاء دون المجانين إِلَى
стр. 498
غير ذَلِك من ظواهر الْكتاب وَالسّنة فَلَيْسَ فِيهَا صلات من حَيْثُ اللَّفْظ تحملهَا على بعض مسمياتها، وَلَكنَّا عرفنَا بقضية الْعقل فِي معتصمنا هَذَا أَن المُرَاد بهَا خُصُوص، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده.
[٦٨٧] وأمثال ذَلِك متقرر فِيمَا يتفاوض بِهِ أهل اللُّغَات فَإِن من قَالَ: رَأَيْت النَّاس عرفنَا بقضية الْعُقُول أَنه يَسْتَحِيل أَن يرى هُوَ جملَة النَّاس فِي [٨٠ / ب] مجاري الْعَادَات، فنعلم / أَنه مَا أَرَادَ كلهم.
[٦٨٨]] فَإِن قيل: فَكيف تكون دلَالَة الْعقل مخصصة وَهِي قد تسبق على الْعُمُوم الْوَارِد، وَمن شَرط الْمُخَصّص أَن يكون مُتَّصِلا بالْكلَام الْمُخَصّص إِمَّا مُتَأَخِّرًا عَنهُ، وَإِمَّا مُتَقَدما عَلَيْهِ على الِاتِّصَال كالاستثناء.
فَيُقَال لَهُم: تصور الْمَسْأَلَة يغنيكم عَن هَذَا التَّأْوِيل، فَإنَّا قدمنَا أَنا لَا نعني بالتخصيص بِدلَالَة الْعقل كَون الْعقل صلَة للْكَلَام فَيلْزم ذَلِك مَا ألزمتموه، وَإِنَّمَا [نعني] بذلك أَنا نعلم بقضية الْعقل أَن المُرَاد بالصيغة خُصُوص.
[٦٨٩] فَإِن قيل: فَنحْن نقُول بذلك، وَلَا نسمي ذَلِك تَخْصِيصًا.
стр. 499
قُلْنَا: فالمقصد الِاتِّفَاق فِي الْمعَانِي وَلَا معنى للمناقشة فِي الْعبارَة
[٦٩٠] فَإِن قيل: إِنَّمَا يخصص من اللَّفْظ مَا يُمكن دُخُوله تَحْتَهُ وَالَّذِي يحيله الْعقل يَسْتَحِيل دُخُوله تَحت اللَّفْظ ليقدر تخصصه فِيهِ.
قيل لَهُم: هَذَا من النمط الَّذِي قدرتموه، وَهَذَا اعْتِرَاف مِنْكُم بِالْمَقْصُودِ فَإِن محصول كلامنا يؤول إِلَى أَنا نعلم عقلا أَن الصِّيغَة غير عَامَّة، فقولكم مَا يحيله الْعقل لَا يدْخل تحتاللفظ تَأْكِيد مِنْكُم لمرامنا، فَإِن مقصدنا أَن نبين أَنه تبين فِي الْعقل أَن الصِّيغَة غير عَامَّة، وَلَيْسَ يقْصد أَن يثبت عُمُوما أَولا ثمَّ يعقبه باستخراج بعض المسميات من قَضِيَّة اللَّفْظ، لَا فَإِنَّهُ لَو ثَبت ذَلِك كَانَ ذَلِك نسخا وَلم يكن تَخْصِيصًا فَإِن التَّخْصِيص تَبْيِين المُرَاد بِاللَّفْظِ، لَا رَفعه بعد ثُبُوته، فَتبين الْمَقْصُود، ووضح أَن قصارى الْكَلَام يعود إِلَى عبارَة تنَازع فِيهَا.
(١٣٣ (فصل
\
[٦٩١] إِذا وَردت صِيغَة يعم مثلهَا عِنْد أَهلهَا وَلَكِن أَجمعت الْأمة على أَنَّهَا لاتجري على شمولها فالإجماع مُخَصص
стр. 500
لَهَا وَالْمعْنَى بِكَوْنِهِ مُخَصّصا أَنا نتبين بِهِ المُرَاد، من الصِّيغَة كَمَا [قَررنَا] فِي دلَالَة الْعقل، ولسنا نعني بذلك نصف الْإِجْمَاع صلَة فِي اللَّفْظ، وَقد خَالف فِي ذَلِك من خَالف فِي دلَالَة الْعقل.
(١٣٤) فصل
[٦٩٢ -] اعْلَم، وفقك الله، أَن التَّخْصِيص إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الصِّيَغ الدَّالَّة على الْكَلَام الْقَائِم بِالنَّفسِ، فَأَما الْكَلَام الْحَقِيقِيّ الْقَائِم بِالنَّفسِ فَلَا يتَصَوَّر التَّخْصِيص فِيهِ فَإِنَّهُ وصف ثَبت لنَفسِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ من وَصفه وَلَا يسوغ تَقْدِير وَصفه وجنسه، فَإِذا قَامَ بِالنَّفسِ كَلَام مُتَعَلق بالمسميات عُمُوما فَلَا يتَصَوَّر تخصيصها فَإِن تخصيصها قلب جِنْسهَا، وَكَذَلِكَ الْكَلَام الْخَاص الْقَائِم بِالنَّفسِ لَا يتَصَوَّر تعميمه فَإِنَّهُ فِيهِ قلب جنسه، وَهَذَا كَمَا لَا يتَصَوَّر قلب الْإِرَادَة علما وَالْعلم حَرَكَة، إِلَى غير ذَلِك من الْأَجْنَاس.
стр. 501
فَيخرج لَك من هَذِه الْجُمْلَة أَن الْخُصُوص بعد تخيل الْعُمُوم وتوقعه إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الصِّيَغ وَهِي الْعبارَات دون حَقِيقَة الْكَلَام.
[٦٩٣] وَيَتَرَتَّب على هَذِه الْجُمْلَة أَن كَلَام الرب يَسْتَحِيل تَخْصِيص عَامَّة وتعميم خَاصَّة، فَإِن كَلَامه معنى قائ بِنَفسِهِ [٨١ / أ] متصفا / بالاتحاد مُتَعَلق بمتعلقاته، يجل ويتقدس عَن التَّغْيِير والتبديل، وَهَذَا وَإِن كَانَ يتَعَلَّق بالديانات فَلَا يَد أَن تحيط علما بِهِ.
فَهَذِهِ جملَة مقنعة فِي التَّخْصِيص بِدلَالَة الْعقل وَالْإِجْمَاع، وَأما النُّصُوص فَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهَا فِي أَبْوَاب الْبَيَان إِن شَاءَ الله.
(١٣٥) القَوْل فِي تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب وَالسّنة
الْمَقْطُوع بهَا باخبار الْآحَاد
[٦٩٤] اعْلَم وفقك الله أَن هَذَا بَاب عظم اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ فَذهب ذاهبون إِلَى نفي أَخْبَار الْآحَاد جملَة، فَلَا تفِيد مكالمتهم فِي الْبَاب قبل إِثْبَات أَخْبَار الآحادعليهم وَسَيَأْتِي فِي ذَلِك أَبْوَاب مقنعة إِن شَاءَ الله.
[٦٩٥] وَأما الْقَائِلُونَ بِقبُول أَخْبَار الْآحَاد الصائرون إِلَى أَنَّهَا توجب الْعَمَل افْتَرَقُوا فرقا فَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْعُمُوم يخصص بأخبار الْآحَاد
стр. 502
وَزعم هَؤُلَاءِ: أَن الْأَدِلَّة قد دلّت عَلَيْهِ.
وَقد ذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه لَا يجوز تَخْصِيص الْعُمُوم بأخبار الْآحَاد وَقَالَ هَؤُلَاءِ قد دلّت الدّلَالَة على منع التَّخْصِيص بأخبار الْآحَاد.
стр. 503
وَذَهَبت طَائِفَة مِنْهُم عِيسَى بن أبان إِلَى أَن الْعُمُوم إِن دخله التَّخْصِيص بطرِيق يقطع بِهِ جَازَ [تَخْصِيصه] بِخَبَر الْوَاحِد وَإِن لم يدْخلهُ التَّخْصِيص أصلا فَلَا يجوز افْتِتَاح تَخْصِيصه بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا مَبْنِيّ على
стр. 504
أصل لَهُ قد قدمْنَاهُ، وَهُوَ أَن الْعُمُوم إِذا خص بعضه صَار مُجملا فِي بَقِيَّة المسميات، لَا يسوغ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِيهَا، فَيجْعَل الْخَبَر على التَّحْقِيق مثبتا حكما ابْتِدَاء، وَلَيْسَ سَبيله سَبِيل التَّخْصِيص إِذا حققته، فَإِنَّهُ لَا يجوز الِاسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ الْمُجْمل فِي عُمُوم وَلَا خُصُوص قبل وُرُود الْخَبَر وَبعده، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه يجوز أَن يتعبد بتخصيص الْعُمُوم بِخَبَر الْوَاحِد، وَيجوز أَن يتعبد بالتمسك بِالْعُمُومِ وَترك خبر الْوَاحِد، وَكِلَاهُمَا جَائِز عقلا، وَلم تدل دلَالَة على أحد الْقسمَيْنِ.
[٦٩٦] وَمَا اخْتَارَهُ القَاضِي ﵁ مَعَ تَقْرِير القَوْل بِالْعُمُومِ أَن الْخَبَر الْمَنْقُول بطرِيق لَا يُوجب الْقطع مَعَ الْعُمُوم الثَّابِت أَصله بطرِيق يُوجب الْقطع إِذا اجْتَمَعنَا ولوقدرنا التَّمَسُّك بالْخبر لزم تَخْصِيص صِيغَة الْعُمُوم، وَلَو قَدرنَا إِجْرَاء الصِّيغَة على ظَاهرهَا فِي اقْتِضَاء الْعُمُوم لزم ترك الْخَبَر فَإِذا تقابلا فيتعارضان فِي الْقدر الَّذِي يَخْتَلِفَانِ فِيهِ وَلَا يتَمَسَّك بِوَاحِد مِنْهُمَا ويتمسك بالصيغة الْعَامَّة فِي بَقِيَّة المسميات الَّتِي لم يَتَنَاوَلهَا
стр. 505
الْخَبَر الْخَاص فَينزل الْخَبَر مَعَ الْعُمُوم فِيمَا يخْتَلف فِيهِ ظاهرهما منزلَة خبرين [مختلفي] الظَّاهِر نقلا مطلقين.
وعول فِيمَا صَار إِلَيْهِ على أَن القَوْل: إِذا قَررنَا القَوْل بِالْعُمُومِ فَلَا يمكننا ادِّعَاء الْقطع فِيهَا، فَإِنَّهَا عرضة التَّأْوِيل وَجوز مَعَ القَوْل بالشمول أَن المُرَاد بِهِ الْخُصُوص وَقد اقترنت بِهِ قرينَة اقْتَضَت تَخْصِيصًا، بيد أَنا كلفنا أَن نعمل بقضية الشُّمُول.
وَكَذَلِكَ أصل نقل خبر الْوَاحِد مِمَّا لَا يثبت قطعا فَإِن نقلته غير [٨١ / ب] معصومين / عَن الزلل، وَلَكنَّا كلفنا الْعَمَل بِهِ على مَا نُقِيم الدّلَالَة عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فقد سَاوَى الْخَبَر ظَاهر الْعُمُوم فِي أَن وَاحِدًا مِنْهُمَا لَا يُفْضِي إِلَى الْعلم الْمَقْطُوع بِهِ وَلَيْسَ أَحدهمَا بالتمسك بِهِ أولى بِهِ من الآخر فَلَزِمَ الْمصير إِلَى التَّعَارُض.
وأوثق مَا اعْتصمَ بِهِ أَن قَالَ: إِذا أبطلنا شُبْهَة المتمسكين بظاهرالعموم التاركين للْخَبَر، وأبطلنا شُبْهَة المتمسكين بالْخبر الصائرين إِلَى ترك ظَاهر الْعُمُوم فَلَا يبْقى بعد بطلَان شُبْهَة الطَّائِفَتَيْنِ إِلَّا التَّعَارُض.
стр. 506
[٦٩٧] شُبْهَة الْقَائِلين بِأَن التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ أولى إِذا ثَبت اصله مَقْطُوعًا بِهِ: فَإِن قَالُوا: أصل عُمُوم الْكتاب ثَبت قطعا، وَأما خبر الْوَاحِد فَلم يثبت قطعا والتمسك بِمَا ثَبت أَصله قطعا أولى.
فَالْجَوَاب على ذَلِك من أوجه: أَحدهَا: أَن نقُول: لَو كَانَ على مَا قلتموه لزمكم على منع التَّمَسُّك بِخَبَر الْوَاحِد لَو قدر مُجَردا عَن مُعَارضَة عُمُوم.
ثمَّ نقُول: لَو كُنَّا نتشبث بالْخبر إِلَى رفع أصل الْعُمُوم لَكَانَ مَا ذكرتموه يتَحَقَّق، وَنحن لَا نصير إِلَى ذَلِك اصلا، فَإِن القَوْل بِهِ ذهَاب إِلَى النّسخ، وَقد ثَبت أَن مَا ثَبت قطعا لَا ينْسَخ بِمَا لم يثبت قطعا فَإِنَّمَا يؤول الْكَلَام إِلَى اقْتِضَاء الشُّمُول، وَكَون اللَّفْظ مقتضيا للشمول لَيْسَ بثبات قطعان وَمَا هُوَ ثَابت قطعا، لَا يرفض بِخَبَر الْوَاحِد فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه، وَتبين أَن اقْتِضَاء اللَّفْظ للْعُمُوم مِمَّا لَا يقطع بِهِ وَلكنه يَقْتَضِي الْعَمَل، وَكَذَلِكَ خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم وَيُوجب لعمل.
[٦٩٨] فَإِن قيل: فَنحْن نعلم أَن اللَّفْظ الْعَام يَقْتَضِي الْعَمَل بِالْعُمُومِ؟
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ نعلم أَن خبر الْوَاحِد مَعَ كَونه مشكوكا فِي أَصله يَقْتَضِي
стр. 507
الْعَمَل كَمَا تَقْتَضِي شَهَادَة الشُّهُود على القَاضِي إبرام الحكم مَعَ انه لَا يستيقن صدقهم.
[٦٩٩] فَإِن قيل: إِنَّمَا يجب الْعَمَل بالْخبر إِذا لم يُعَارض عُمُوما.
قُلْنَا: وَإِنَّمَا يجب الْعَمَل بِالْعُمُومِ إِذا لم يُعَارض خَبرا فتصادم الْقَوْلَانِ.
[٧٠٠] شُبْهَة أُخْرَى للمتمسكين بِالْعُمُومِ، فَإِن قَالُوا: لَو جَازَ تَخْصِيص الْعُمُوم بِخَبَر الْوَاحِد جَازَ نسخ النُّصُوص بأخبار الْآحَاد.
قُلْنَا: هَذِه دَعْوَى، فَلم زعمتم ذَلِك وَمَا الْجَامِع بَين الْأَصْلَيْنِ؟
ثمَّ نقُول: نسخ حكم النَّص بِخَبَر الْوَاحِد مِمَّا لَا يستبعد عقلا، حَتَّى قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَو كلفنا صَاحب الشَّرِيعَة الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد قطعا وَلَكِن قَامَت الْإِجْمَاع على منع نسخ النُّصُوص الثَّابِتَة قطعا بأخبارالآحاد وَمَا انْقَطع إِجْمَاع مثله فِي منع التَّخْصِيص.
стр. 508
ثمَّ يُقَال: النّسخ: رفع الحكم الثَّابِت قطعا، والتخصيص سَبيله سَبِيل الْبَيَان إِذا نقصد بالتخصيص تَبْيِين أَن المُرَاد بالصيغة الإختصاص بِبَعْض المسميات. فَلم يسغْ اعْتِبَار أَحدهمَا بِالثَّانِي. فَهَذَا مَا عولت إِلَيْهِ الفئة.
[٧٠١] فَأَما من قطع القَوْل بتخصيص الْعُمُوم بالْخبر الْخَاص فقد اسْتدلَّ بَان الْعُمُوم عرضة للتأويل، واللفظة المنقولة عَن الرَّسُول ﷺ خَاصَّة لَا تقبل التَّأْوِيل فالتمسك بهَا وتنزيل الْمُحْتَمل عَن قضيتها تها أولى وَأَحْرَى.
فَيُقَال لهَؤُلَاء: مَا قررتمونا من الِاحْتِمَال فِي اقْتِضَاء اللَّفْظ للْعُمُوم يَتَقَرَّر مثله فِي اصل نَقله الْآحَاد، فَإنَّا كَمَا لَا نقطع / باقتضاء الْعُمُوم، فَكَذَلِك [٨٢ / أ] لَا نقطع بِثُبُوت أصل الْخَبَر، فالاحتمال فِي أحدهم كالاحتمال فِي الثَّانِي، وَلَو قدر كل وَاحِد مِنْهُمَا مُجَردا لزم التَّمَسُّك بِهِ، فَإِذا تقاومت الْبَيِّنَة لزم الْمصير إِلَى التَّعَارُض.
[٧٠٢] وَرُبمَا يسْتَدلّ بعض الطوائف الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ بقصص فِي زمَان أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَرَضي عَنْهُم، وَلَا بُد من ذكرهَا ومعارضتها بأمثالها. حَتَّى تتقاوم طرق التَّمَسُّك بهَا.
فَإِن قَالَ المتمسكون بِالْعُمُومِ: قد رُوِيَ أَن فَاطِمَة - رَضِي الله
стр. 509
عَنْهَا - بنت قيس رَوَت أَن النَّبِي ﷺ لم يَجْعَل للمبتوتة نَفَقَة وَلَا سُكْنى، فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁: لَا نَدع كتاب رَبنَا بقول امْرَأَة لَعَلَّهَا وهمت، أونسيت
стр. 510
وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم﴾ وَوجه التَّمَسُّك بِهَذِهِ الْقِصَّة أَن عمر ﵁ رأى التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ أولى من قبُول الْخَبَر الَّذِي روته فَاطِمَة.
قيل: قد قابلكم مخالفكم بقصص ترك أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الْعُمُوم فِيهَا بالأخبار.
مِنْهَا: أَنهم تركُوا ظَاهر قَوْله تَعَالَى فِي الْمُحرمَات بِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِك﴾ ، فَاقْتضى ذَلِك تَحْلِيل سوى الْمَذْكُورَات فِي آيَة الْمُحرمَات، وروى أَبُو هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا ".
стр. 511
وخصوا عُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أولدكم﴾ مَعَ أَوْلَادكُم مَعَ تنَاوله للْقَاتِل من الْأَوْلَاد، بِمَا رَوَاهُ عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه ﷺ قَالَ: " لَيْسَ للْقَاتِل من الْمِيرَاث شَيْء ".
وَكَذَلِكَ خصصوا ظَاهر تَوْرِيث الْأَوْلَاد فِي حق فَاطِمَة ﵂ بِمَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ قَالَ: " إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث " إِلَى غير ذَلِك.
стр. 512
ثمَّ زعم هَؤُلَاءِ أَن حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس إِنَّمَا ترك لعِلَّة فِي نقلهَا فَلَمَّا استرابوا فِيهَا لم يقبلُوا حَدِيثهَا فتقابلت الدعاوي إِذا، وَتعين بعد ذَلِك الْمصير إِلَى التَّعَارُض.
وَأما الرَّد على من قَالَ: إِن الْخَبَر يقبل فِي عُمُوم دخله التَّخْصِيص بِدَلِيل قَاطع.
فَيُقَال: هَل تجوزون اسْتِعْمَال الصِّيغَة المحتملة من غير وُرُود خبر فِي بَقِيَّة المسميات على التَّحْقِيق أم لَا تجوزون ذَلِك؟ فَإِن حكمتم بالصيغة بِأَن بالتخصيص تصير مجملة فقد سبق الْكَلَام عَلَيْكُم وَإِن زعمتم أَنَّهَا حَقِيقَة فِي بَقِيَّة المسميات فَوجه الْكَلَام فِي بَقِيَّة المسميات كوجه الْكَلَام فِي كلهَا.
(١٣٦) القَوْل فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ
[٧٠٤] اخْتلف فِي هَذَا الْبَاب، وتميز من هَذَا الْبَاب مَذْهَب نفاة الْعُمُوم، ونفاة الْقيَاس. فَإِن مَضْمُون الْبَاب مترتب على القَوْل بهما عِنْد الِانْفِرَاد، فَمن قَالَ [بهما] افْتَرَقُوا فَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْعُمُوم أولى من الْقيَاس وَإِلَيْهِ صَار طَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين وَإِلَيْهِ صَار ابْن مُجَاهِد من
стр. 513
اصحابنا، والجبائي وَابْنه، من الْمُعْتَزلَة ثمَّ رَجَعَ ابْن الجبائي عَن هَذَا الْمَذْهَب، وَصَارَ الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة إِلَى وجوب تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ جليا كَانَ أَو خفِيا، [٨٢ / ب] وَإِلَيْهِ صَار شَيخنَا أَبُو الْحسن ﵁، وَذهب شرذمة من الْفُقَهَاء /
стр. 514
إِلَى تَخْصِيص الْعُمُوم بالجلي من الْقيَاس دون الْخَفي.
وَذهب آخَرُونَ إِلَى التَّفْصِيل الَّذِي قدمْنَاهُ] فِي الْبَاب السَّابِق فَقَالَ: إِن ثَبت بِدلَالَة قَاطِعَة فَلَا يسوغ تَخْصِيصه بِالْقِيَاسِ.
[٧٠٥] وكل مَا ذَكرْنَاهُ فِي الأقيسة الشَّرْعِيَّة، وَأما الْعَقْلِيَّة فَإِنَّهَا قواطع، وَقد سبق الْكَلَام فِي أَدِلَّة الْعقل.
[٧٠٦] قَالَ القَاضِي ﵁: وَالَّذِي نختاره أَن الْقيَاس إِذا عَارض الْعُمُوم لم يكن أَحدهمَا أولى من الآخر فيتعارضان، وَيجب الِاشْتِغَال بِغَيْرِهِمَا من الْأَدِلَّة، وَاسْتدلَّ على مَا صَار بِأَن قَالَ: قد ثَبت أَن اقْتِضَاء الشُّمُول غير مَقْطُوع بِهِ، وَثُبُوت الْقيَاس على [التَّعْيِين] فِي الصُّورَة الَّتِي
стр. 515
يجْتَمع فِيهَا والعموم غيرمقطوع بِهِ، وَلم تثبت دلَالَة عقلية بتسليط أحدهم على الاخر، فَإِن الْعقل يجوز كل وَاحِد مِنْهُمَا وَلَيْسَ فِي أَدِلَّة السّمع مَا يُوجب ذَلِك الْمَعْنى فَإِن الْأَدِلَّة القاطعة السمعية مضبوطة فَمِنْهَا النُّصُوص الثَّابِتَة قطعا، وَمِنْهَا الْإِجْمَاع، وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَة وَاحِد مِنْهُمَا.
ثمَّ أرْدف الدَّلِيل بِأَن قَالَ: أذكر شبه الْمُخْتَلِفين فِي الْبَاب وأتتبعها بِالنَّقْضِ حَتَّى إِذا انتقضت وتقابلت الْأَقْوَال فَلَا يبْقى إِلَّا مَا ارتضيت.
[٧٠٧] شبه السائرين إِلَى تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ.
فَإِن استدلوا بِأَن قَالُوا: الْقيَاس إِذا ثَبت فَلَا يَصح نَقله وَلَا التَّجَوُّز بِهِ وَلَا تَخْصِيصه، وَلَيْسَ كالعموم فَإِنَّهُ يقبل التَّخْصِيص والتجوز، وللتوسع مجَال فِي الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة، فَمَا لَا يقبل ذَلِك أولى بالثبوت.
فَيُقَال لهَؤُلَاء: كل مَا قررتموه من الِاحْتِمَال فِي الْعُمُوم يَتَقَرَّر اضعافه فِي الْقيَاس، فَإنَّا نجوز أَن يكون الْقيَاس الَّذِي تمسك بِهِ الْمُخَصّص غير صَحِيح على الشَّرَائِط، وَرُبمَا لم يستكمل الْمُجْتَهد أَوْصَاف الِاجْتِهَاد، وَرُبمَا قصر فِي الِاجْتِهَاد، عَامِدًا اَوْ مخطئا، وَرُبمَا قصر فِي استنباط وَجه الشّبَه فَلم يلْحق الشَّيْء بمشابهه وَرُبمَا زل فِي الطّرق الَّتِي تثبت بهَا الْعِلَل، فَتبين بذلك تقَابل الجائزات فِي أصل الْقيَاس.
стр. 516
[٧٠٨] فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا قَوْلنَا فِي قِيَاس يَصح.
قُلْنَا: فلانتصور فِي المجتهدات قِيَاسا يقطع بِصِحَّتِهِ، ثمَّ إِن صورتم قِيَاسا قَاطعا فصوروا صِيغَة يقطع بعمومها فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا
[٧٠٩] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم، قَالُوا: فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ اسْتِعْمَال إبِْطَال أَحدهمَا، واستعمالهما أولى وعنوا بذلك أَن الْقيَاس الْمُخَصّص يتسلط على بعض مُقْتَضى الْعُمُوم فَيبقى بَقِيَّة المقتضيات.
فَيُقَال: هَذَا محَال، فَإِن التَّعَارُض إِنَّمَا يتَحَقَّق بَين الْقيَاس وَالْقدر الَّذِي يخصص من الْعُمُوم، فَأَما مَا لَا يتَنَاوَلهُ الْقيَاس من قَضِيَّة الْعُمُوم فَلَا يتَحَقَّق اجْتِمَاع الدَّلِيلَيْنِ فِيهِ.
وَالْمَقْصُود من ذَلِك أَن الْقدر الَّذِي تحقق اجْتِمَاع اللَّفْظ وَالْقِيَاس فِيهِ تركْتُم فِيهِ قَضِيَّة اللَّفْظ، وَالْقدر الَّذِي بَقِي من اللَّفْظ لم يمانعه الْقيَاس فَنزل اللَّفْظ فِي بَاقِي المسميات منزلَة اللَّفْظ الْأُخْرَى فَبَطل / ادِّعَاء اسْتِعْمَال [٨٣ / أ] الدَّلِيلَيْنِ فِي مَحل الِاجْتِمَاع فِي الدَّلِيلَيْنِ. ٣ ب ٧١٠] شُبْهَة الْقَائِلين بِتَقْدِيم الْعُمُوم على الْقيَاس.
فَإِن قَالُوا: الدَّلِيل على ذَلِك أَن الْعُمُوم من لفظ صَاحب الشَّرِيعَة يجوز
стр. 517
أَن يكون أصلا للمقاييس وَهِي تتفرع عَنهُ وتستنبط مِنْهُ فَإِنَّهُ إِذا ثَبت حكم بقضية عُمُوم سَاغَ استنباط علته وإلحاق غَيره بِهِ وَإِذا ثَبت كَون الْعُمُوم اصلا وَالْقِيَاس فرعا لم يستقم ترك الأَصْل بفرعه.
وَهَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل من أوجه أقربها أَن نقُول لَيست كل المقاييس مستنبطة من المعلومات وَلَكِن مِنْهَا مَا يستنبط من مواقع الْإِجْمَاع وَمن موارد النُّصُوص، وَإِطْلَاق القَوْل بِأَن الْقيَاس والعبر فروع للعمومات غير مُسْتَقِيم، وَإِن تصور أَن يكون فرعا لبَعض الْعُمُوم، فَإِن مَا يكون للفظ لم يُقَابله قِيَاس يناقضه وَثَبت عُمُومه وَإِنَّمَا نَحن فِي صِيغَة قابلها قِيَاس. ثمَّ التَّحْقِيق فِي ذَلِك أَن نقُول: إِذا استنبطنا فِي ذَلِك قِيَاسا من مورد عُمُوم تثبيت عُمُومه، وانتفى تَخْصِيصه فَإِن أردنَا أَن نخصص بِهِ عُمُوما هُوَ عرضة التَّخْصِيص فَهَذَا الْقيَاس لَيْسَ بفرع لهَذَا الْعُمُوم الَّذِي فِيهِ الْكَلَام وَإِنَّمَا فرع لعُمُوم غَيره وَكَونه فرعا لغيره لَا يُوجب كَونه فرعا لَهُ.
[٧١١] فَإِن قيل: فالعمومان مثلان؟
قُلْنَا: هَيْهَات فَإِن الْعُمُوم الَّذِي استنبط الْقيَاس من موارده اسْتَقر عُمُومه وَلم يُعَارضهُ مَا يمْنَع تعميمه وإجراءه على شُمُوله.
[٧١٢] فَإِن قيل: أجيزوا النّسخ بِالْقِيَاسِ، قُلْنَا: قد سبق الْجَواب عَن مثل هَذَا السُّؤَال فِي الْمَسْأَلَة الأولى.
стр. 518
[٧١٣] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: فَإِن قَالُوا: الأقيسة الشَّرْعِيَّة تستند إِلَى عِلّة غير مَنْطُوق بهَا وَلكنهَا مستنبط [تحريا] واجتهاداً والعموم مَنْطُوق بِهِ والمنطوق بِهِ أولى.
قيل لَهُم: فَظَاهر مَا قلتموه يبطل عَلَيْكُم بِدلَالَة الْعقل فَإِنَّهَا رُبمَا تكون عشير مَنْطُوق بهَا فِي دلالات الشَّرِيعَة ثمَّ تخصص الصِّيَغ الْمَوْضُوعَة للْعُمُوم، ثمَّ نقُول من سلط الْقيَاس على التَّخْصِيص لَا يسلم لكم أَن الشُّمُول مَنْطُوق بِهِ فَإِنَّهُ لَو سلم ذَلِك ثمَّ أدّعى رفع مَا هُوَ مَنْطُوق بِهِ كَانَ نَاسِخا وَلكنه يَقُول إِنَّمَا الْمَنْطُوق بِهِ مَا أُرِيد بِاللَّفْظِ، وَإِنَّمَا اريد بِاللَّفْظِ الْقدر الَّذِي لم يُعَارضهُ فِيهِ قِيَاس.
[٧١٤] فَإِن قَالُوا: أَلَيْسَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِمعَاذ بن جبل: بِمَ تحكم يَا معَاذ؟ قَالَ: بِكِتَاب الله، قَالَ: فَإِن لم تَجِد؟ قَالَ: فبسنة رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: فان لم تَجِد؟ قَالَ: اجْتهد رَأْيِي فأقره رَسُول الله ﷺ على مَا قَالَه.
стр. 519
صفحة فارغة
стр. 520
يُقَال لَهُم: هَذِه اللَّفْظَة بِعَينهَا من أَخْبَار الْآحَاد، وَإِن كَانَت قصَّة بعثة معَاذ مِمَّا ثَبت تواترا، ثمَّ نقُول: فيلزمكم أَن لَا تخصصوا عُمُوم الْكتاب بالْخبر الْمَنْقُول عَنهُ ﷺ تواترا فَإِن ظَاهر مَا قَالَه تَقْدِيم الْكتاب [على] جنس السّنة. ثمَّ نقُول: لم يذكر فِيمَا ذَكرْنَاهُ حكم الْعقل وَإِن كَانَ ينزل عَلَيْهِ جملَة ذكر المعلومات أولى.
[٧١٥] فَأَما وَجه الرَّد على الْفَاصِل بَين خَفِي الأقيسة وجليها، فَإِنَّمَا يسْتَمر بَان نذْكر لَك فِي أَبْوَاب / المقاييس مَرَاتِب الأقيسة على أَنا نقُول: [٨٣ / ب] قِيَاس الشّبَه يُوجب الْعَمَل مَعَ كَونه مظنونا فِي أَصله، وَكَذَلِكَ الْعُمُوم فَإِذا
стр. 521
لم يتَحَقَّق فِي وَاحِد مِنْهُمَا قطع لم يكن أَحدهمَا بالإسقاط بِأولى من الثَّانِي.
[٧١٦] فَإِن قَالَ قَائِل: فأقيسة الشّبَه اضعف، والعموم أظهر، كَانَ ذَلِك قَول لَا يتَحَصَّل مِنْهُ طائل عِنْد الرَّد إِلَى التَّحْقِيق فَإِن الْعلم لَا يطْلب من وَاحِد مِنْهُمَا وَالْعَمَل يثبت بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا.
[٧١٧] ثمَّ إِن القَاضِي ﵁ لما أبطل شبه الْقَوْم على وَجه يرشدك إِلَى إبِْطَال كل مَا يوردونه وَجه فِي على نَفسه سؤالا وجده من أهم الأسئلة وَذَلِكَ أَنه قَالَ: إِن قَالَ قَائِل: من صَار إِلَى التَّعَارُض فقد خرق الْإِجْمَاع فَإِن من النَّاس من يقدم الْعُمُوم على الْقيَاس، وَمِنْهُم من يقدم الْقيَاس، فَأَما الْمصير إِلَى التَّعَارُض فَمَا صَار إِلَيْهِ أحد.
ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا أَنه قَالَ مصيرنا إِلَى التَّعَارُض مصير إِلَى رد الْقيَاس فِي صُورَة التَّعَارُض، ورد الْعُمُوم، وَقد قَالَ برد الْعُمُوم على الْجُمْلَة قَائِلُونَ، وَقَالَ برد الْقيَاس آخَرُونَ، فَإِذا جَمعنَا بَين المذهبين فِي صُورَة التَّنَازُع لَا ننتسب إِلَى الْمُخَالفَة.
[٧١٨] فَإِن قيل: فَمن قَالَ بِالرَّدِّ عمم القَوْل فِيهِ، فتخصيص هَذِه الصُّورَة بِالرَّدِّ مِمَّا لم يسْبقُوا إِلَيْهِ.
قُلْنَا: هَذَا كَلَام لَا طائل تَحْتَهُ فَإنَّا قد ثبتنا أَن عين مَا قُلْنَاهُ مَنْقُول فِي الْمذَاهب، وَمَا ذكرتموه من التَّخْصِيص لَا يلْزمنَا مِمَّا فِيهِ كلامنا خرق الْإِجْمَاع. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن طَائِفَة من الْعلمَاء لَو صَارُوا إِلَى تَحْلِيل فِي صُورَة متباينة،، وَصَارَ آخَرُونَ إِلَى التَّحْرِيم فِيهَا، فَلَو اجْتهد مُجْتَهد فَأخذ
стр. 522
بقول المحللين فِي صُورَة، وَبقول المحرمين فِي صُورَة أُخْرَى فَلَا يعد خارقا للْإِجْمَاع، فَإِن خرق الْإِجْمَاع لَا يَتَقَرَّر فِي صُورَتَيْنِ مختلفتين وَهَذَا مِثَال مَا ألزمونا.
[٧١٩] وَالْجَوَاب الآخر أَن الَّذين صَارُوا إِلَى رد الْعُمُوم أَو الْقيَاس لَيْسُوا كل الْعلمَاء الَّذين ينْعَقد بهم الْإِجْمَاع، فَإِن فِي النَّاس من نفى المقاييس فَلَا يقوم الْحجَّة إِذا بالذين ردوا الْعُمُوم أَو الْقيَاس عِنْد التَّعَارُض.
[٧٢٠] فَإِن قيل: قد خالفتم نفاة الْقيَاس أَيْضا.
стр. 523
قُلْنَا: مَا خالفناهم فِي صُورَة التَّنَازُع فَانْدفع السُّؤَال وانجلى الْإِشْكَال.
(١٣٧) القَوْل فِي يخصص الْعُمُوم
بقول الصَّحَابِيّ ﵁
[٧٢١] اخْتلف أَولا فِي أَن قَول الصَّحَابِيّ هَل ينْتَصب حجَّة وسنقرر ذَلِك فِي آخر الْكتاب إِن شَاءَ الله .
فَمن لم يَجعله حجَّة و [هُوَ] مَا نختاره لم يتخصص بِهِ، وَهُوَ كَمَا لَا يتخصص بقول وَاحِد من مجتهدي الْعَصْر.
وَمن رَآهُ حجَّة افْتَرَقُوا فِي ذَلِك فَمنهمْ من صَار إِلَى تَخْصِيص الْعُمُوم بقول الصَّحَابِيّ وَقد [ينْسب] ذَلِك إِلَى الشَّافِعِي ﵁ فِي قَوْله الَّذِي يُقَلّد الصَّحَابِيّ فِيهِ، وَنقل عَنهُ أَنه لَا يخصص بِهِ إِلَّا إِذا انْتَشَر فِي
стр. 524
أهل الْعَصْر وَلم ينكروه، وَجعل / ذَلِك نَازل منزلَة الْإِجْمَاع وَالَّذِي [٨٤ / أ] يَصح أَن ذَلِك لَا يكون إِجْمَاعًا لما سنقرره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي أَبْوَاب الْإِجْمَاع فَيخرج لَك من مَضْمُون مَا نختاره، أَن قَول الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة على الْمُجْتَهدين وَلَو انْتَشَر فَلَا يكون إِجْمَاعًا، وَإِن اتّفق الْإِجْمَاع فقد سبق القَوْل فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْإِجْمَاع.
[٧٢٢] فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا قُلْتُمْ بتخصيص الصَّحَابِيّ، فَإِن الظَّن بِهِ أَنه لَا [يخصصه] إِلَّا بِمَا يُوجب تَخْصِيصه.
قُلْنَا: هَذَا بِعَيْنِه سُؤال من لم يلْزم قبُول قَوْله وَيثبت ابْتِدَاء الْأَحْكَام. ثمَّ نقُول إِذا كَانَ بصدد الزلل وَقد ثَبت عندنَا أَن من كَانَ هَذَا نَعته فَلَا يحْتَج بقوله: فَكَمَا يجوز ترقب زلته فِي الإنباء عَن أصل الْأَحْكَام فَكَذَلِك فِي الْإِخْبَار عَن التَّخْصِيص والتعميم.
(١٣٨) القَوْل فِي أَنه هَل يجب تَخْصِيص الْعُمُوم بقول الرَّاوِي أَو بمذهبه ؟
[٧٢٣] أما الْكَلَام فِي التَّخْصِيص بقول الصَّحَابِيّ وهم الروَاة الناقلون
стр. 525
فقد سبق وَبينا أَن قَول الصَّحَابِيّ فِي التَّخْصِيص لَا يلْزم قبُوله ويتنزل منزلَة قَوْله فِي سَائِر الْأَحْكَام.
[٧٢٤] فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن نقل الصِّيغَة [الْعَامَّة] وَذكر مَعَ ذَلِك أَنِّي اضطررت إِلَى برأة الرَّسُول ﷺ التَّخْصِيص بقرائن الْأَحْوَال فَهَل يقبل ذَلِك مِنْهُ؟
قُلْنَا: أجل، فَإِن هَذَا لَيْسَ من قبيل الإجتهاد، وَإِنَّمَا هُوَ نقل مَا علمه اضطرارا وَنَقله مَقْبُول وفَاقا، فَإِن كَانَ مَا يبْدَأ بِهِ اجتجاجا فَرُبمَا لَا يقبل.
[٧٢٥] فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِذا روى الصَّحَابِيّ خَبرا ومذهبه بِخِلَاف ظَاهر عُمُوم اللَّفْظ الَّذِي نَقله، فَمَا قَوْلكُم فِيهِ؟
قُلْنَا: مَسْأَلَتنَا عَن ذَلِك لَغْو مَعَ تصريحنا بِأَنَّهُ لَو خصصه وَصرح بتخصيصه لم يلْزم قبُوله.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَذهب بَعضهم إِلَى أَن مَذْهَب الرَّاوِي إِذا اقْتضى نفي التَّعْمِيم خصص اللَّفْظ الَّذِي نَقله وَذهب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ
стр. 526
إِلَى أَن مُجَرّد مذْهبه لَا يُوجب ذَلِك وَلَكِن إِن صدر ذَلِك الْمَذْهَب ومصدره التَّأْوِيل والتخصيص فَيقبل وتخصيصه أولى.
[٧٢٦] وَأما الَّذِي ارتضيناه فَهُوَ أَن تَخْصِيصه كتخصيص أحد مجتهدي الزَّمَان وَقد دللنا عَلَيْهِ بأوضح طَرِيق.
[٧٢٧] فَإِن قيل: أَفَرَأَيْتُم لَو أظهر دَلِيلا؟
قُلْنَا: إِن كَانَ قَاطعا فالتخصيص بِهِ لَا بقول الصَّحَابِيّ، وَإِن كَانَ من أَخْبَار الْآحَاد أَو من المقاييس فقد يبْقى القَوْل فِي الْعُمُوم إِذا قابله خبر، أَو قِيَاس، وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن الصَّحَابِيّ ﵁ فِي ذَلِك لَا أثر لَهُ وَقَوله كَقَوْل غَيره. ٣ [٧٢٨] فَإِن قيل: فَبِمَ تنكرون على من يَقُول إِذا أطلق الصَّحَابِيّ التَّخْصِيص وَلم يسْندهُ إِلَى قِيَاس وَطَرِيق اجْتِهَاد، فدلالته ثَبت عَنهُ نَص قَاطع؟
قيل: هَذَا محَال وَلَا يسوغ تثبيت النُّصُوص بِمثل هَذَا وَلَيْسَ هَذَا الْقَائِل بأسعدحالا مِمَّن يقلب عَلَيْهِ وَيَقُول لَو قَالَه عَن نَص لنقله، فانحسمت هَذِه الْأَبْوَاب وَوَجَب قصر التَّخْصِيص / على الدّلَالَة. [٨٤ / []
стр. 527
(١٣٩) القَوْل فِي الصَّحَابِيّ إِذا قدر مَالا يدْرك تَقْدِيره بِالْقِيَاسِ هَل يحمل ذَلِك على أَنه قدره توقيفا ؟
[٧٢٩] هَذَا الْبَاب يشْتَمل على فُصُول مُتَفَرِّقَة فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَنحن نجمع جملها فِي فُصُول إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
فصل
[٧٣٠] ذكر القَاضِي ﵁ وَهُوَ غير مُتَعَلق بالخصوص والعموم مِمَّا شابهت أَدِلَّة الْمَسْأَلَة السَّابِقَة، وَهِي التَّخْصِيص بقول الرَّاوِي، ذكره هَهُنَا.
فَإِذا نقل عَن الصَّحَابِيّ ﵁ تَقْدِير فِي حد اَوْ كَفَّارَة أَو نَحْوهَا فقد صَار أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى أَن نقل ذَلِك يدل على ثُبُوت خبر عَن رَسُول الله ﷺ فَإِن الصَّحَابِيّ إِذا نقل عَنهُ التَّقْدِير وَهُوَ مِمَّا لَا يدْرك فِي المقاييس وَلَا نظن بِهِ إبداع الحكم من تِلْقَاء نَفسه من غير دَلِيل فنعلم [أَنه مَا] قَالَه إِلَّا عَن تَوْقِيف وَذهب بعض أهل الْعرَاق إِلَى أَن ذَلِك القَوْل
стр. 528
الصَّادِر إِن صدر من مُجْتَهد فَلَا يمكننا أَن نسنده إِلَى خبر، لجَوَاز أَن يكون قَالَه عَمَّا ظَنّه اجْتِهَادًا صَحِيحا، وَإِن صدر عَمَّن لَيْسَ بمجتهد وَهُوَ موثوق بِهِ فنعلم أَنه مَا قَالَه إِلَّا عَن غبر.
[٣١] وَالَّذِي يَصح عَن كَافَّة الْمُتَكَلِّمين وَأَصْحَاب الشَّافِعِي أَنا لَا نقدر فِي هَذَا الْمِثَال خَبرا مَا لم ينْقل صَرِيحًا.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه رُبمَا يقدر بِاجْتِهَادِهِ ظَانّا أَن التَّقْدِير بِالِاجْتِهَادِ جَائِزا، وَيجوز أَن لَا يكون مُجْتَهدا ويظن نَفسه مُجْتَهدا أَو يكون مُجْتَهدا [فيزل] فِي اجْتِهَاده أَو يُقَلّد صحابيا ويعتقد جَوَاز التَّقْلِيد فَإِذا تقابلت هَذِه الجائزات استمال تثبيت خبر استنباطا.
[٧٣٢] وَأما مَا عولوا عَلَيْهِ فِي صدر كَلَامهم فمبناه على منع الْقيَاس فِي الْمَقَادِير وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك فانا نستدل إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تثببيت المقاييس فِي المقدرات فِي أَبْوَاب الْقيَاس إِن شَاءَ الله تَعَالَى على أَن نقُول وَإِن سلمنَا فِي منع الْقيَاس فوجوه الْغَلَط لَا تنحسم فِي حق من لَا يعْصم وَلَا سَبِيل إِلَى تَقْدِير الْأَخْبَار مَعَ تقَابل وُجُوه الْإِمْكَان.
[٧٣٣] فَإِن قيل: فَلَو صدر مثل هَذَا القَوْل عَن صَحَابِيّ ابْتَدَأَ ثمَّ اجمعت الْأمة على تصويبه فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة؟ هَل تَقولُونَ: إِن إِجْمَاعهم على تصويبه دَال على تثبيت خبر.
قُلْنَا: هَذَا لَا يَنْقَسِم القَوْل فِيهِ فَإِن أَجمعُوا على تصويبه وَلم يجمعوا على منع دركه بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد فَيثبت الحكم قطعا، وَيبقى مَا يسْتَند إِلَيْهِ
стр. 529
الْإِجْمَاع على التّرْك، فَيجوز أَن يكون خَبرا، وَيجوز أَن يكون ضربا من الِاجْتِهَاد، وَإِن أَجمعُوا على الحكم وعَلى منع الْقيَاس فِي مثله فيستند لحكم حِينَئِذٍ إِلَى تَوْقِيف، فَإِن أَدِلَّة الشَّرْع الَّتِي يسْتَند الْإِجْمَاع إِلَيْهَا لَا تخرج عَن لَفْظَة شَرْعِي مَعَ مَا يَلِيق بِهِ من مُقْتَضَاهُ أَو عَن مستنبط من ثَابت بِلَفْظ شَرْعِي، فَإِذا ثَبت الْإِجْمَاع انسد إِذا اُحْدُ الْبَابَيْنِ [و] ثَبت الثَّانِي لَا محَالة.
(١٤٠) فصل [٧٣٤] ذهب عِيسَى بن أبان إِلَى أَن إِمَامًا من الْأَئِمَّة فِي الصَّحَابَة إِذا [٨٥ / أ] بلغه خبر ثمَّ رَأَيْنَاهُ يعْمل بِخِلَافِهِ فعمله / بِخِلَاف الْخَبَر الَّذِي لَا يقبل التَّأْوِيل دَلِيل على أَنه مَنْسُوخ وَاسْتشْهدَ بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ " الْبكر بالبكر جلد مئة وتغريب عَام ". ثمَّ رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب رَضِي
стр. 530
الله عَنهُ أَنه قَالَ: " لَا أغرب بعد هَذَا أبدا ".
وَقَالَ عَليّ ﵁ كفى بِالنَّفْيِ فتْنَة فعملهما مَعَ بُلُوغ الْخَبَر إيَّاهُمَا دَلِيل على نسخه، فَإنَّا لَا نظن بِمن فِي مثل حَالهمَا الانحراف والحيد عَن سنَن الْحق، وَلَا محمل فِي فعلهمَا سوى أَن نقُول عرفا نسخ الحَدِيث فَلم يعملا بِهِ.
[٧٣٥] وَهَذَا بَاطِل وَقد بَينا فِيمَا قدمنَا منع التَّخْصِيص بِمُجَرَّد قَول الصَّحَابِيّ، والنسخ أرفع مِنْهُ فَإِذا امْتنع التَّخْصِيص فالنسخ بذلك أولى، على أَنا نقُول: فِي الِانْفِصَال عَمَّا خيل إِلَى عِيسَى بن أبان، لَعَلَّه اعْتقد نسخه بِخَبَر مُرْسل نَقله إِلَيْهِ تَابِعِيّ، والمراسيل لَيست بِحجَّة عندنَا، أَو لَعَلَّه اعْتقد تَخْصِيص الْخَبَر بِحَال، أَو شخص، أَو وصف، أَو رِعَايَة مصلحَة متخصصة بِزَمَان، وَالْأَمر على خلاف مَا قدر فَإِنَّهُ بصدد الزلل فَمَعَ إِمْكَان ذَلِك كُله كَيفَ
следующие страницы →