← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(١٧٧) فصل [١٠٠٣] مَا ارْتَضَاهُ أهل الْحق أَن أقل عدد التَّوَاتُر مِمَّا لَا سَبِيل لنا إِلَى مَعْرفَته وَضَبطه، وَإِنَّمَا الَّذِي نضبطه مَا قدمنَا ذكره أَن الْأَرْبَع فَمَا دونه لَيْسُوا عدد التَّوَاتُر، فَأَما فَوق الْأَرْبَع فَلَا نشِير إِلَى عدد فنفى عَنهُ كَونه اقل التَّوَاتُر، وَكَذَلِكَ لَا نشِير إِلَى عدد مَحْصُور فنزعم أَنه الْأَقَل. [١٠٠٤] فَإِن قيل: فَلَو اتّفق أَن يخبرنا خَمْسَة عَن مُشَاهدَة فيضطر إِلَى الْعلم بِمَا اخبروه، فَهَل يقطع عِنْد اتِّفَاق ذَلِك أَن أقل عدد التَّوَاتُر خَمْسَة؟ قيل: لَو اتّفق ذَلِك كَمَا وصفتموه لقطعنا القَوْل بِمَا ذكرتموه بيد أَن ذَلِك لم يتَّفق على اسْتِمْرَار الْعَادة [١٠٠٥] فَإِن قيل: إِذا أخبرونا خَمْسَة فَلم يَقع الْعلم الضَّرُورِيّ بصدقهم وَوَجَب الْقطع بِأَنَّهُم لَيْسُوا عدد التَّوَاتُر؟ قُلْنَا: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإنَّا نقطع بِأَن عدم حُصُول الْعلم مُرَتّب على نُقْصَان الْعدَد غير أَنا نجوز أَن يكون ذَلِك لَكَاذِب فيهم أَو مقلد مخمن، فَإِذا كُنَّا نجوز أَيْضا مَا قلتموه وَإِذا أخبرنَا عشرَة مثلا واضطررنا إِلَى صدقهم

стр. 702

وَجب أَن يقطع بكونهم أقل الْعدَد. قُلْنَا: لَا سَبِيل إِلَى ذَلِك، فَإنَّا نجوز أَن يحصل الْعلم بأخبار عدد دونهم. فَخرج مِمَّا قدمْنَاهُ أَن أقل عدد التَّوَاتُر مِمَّا لَا يَنْضَبِط، وَلَا يدل على عدد بِعَيْنِه دلَالَة عقلية وَلَا دلَالَة سمعية وَقد أوضحنا فَسَاد كل تَقْدِير قَالَ بِهِ أحد الْعلمَاء، فَلم يبْق إِلَّا الْمصير إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ. (١٧٨) فصل [١٠٠٦] قد ذهب فريق من الْمُتَكَلِّمين إِلَى أَن صدق أهل التَّوَاتُر قد [يعرف] ضَرُورَة، وَقد [يعرف] اسْتِدْلَالا، فَأَما مَا يعرف ضَرُورَة فنحو أَخْبَار المخبرين عَن كَون بَغْدَاد فِي الدُّنْيَا وَغَيرهَا من الْأَمْصَار وَالسير والدول وَأَيَّام الماضين. وَأما مَا يعرف صدق المخبرين فِيهِ اسْتِدْلَالا فَهُوَ مثل أَن يخبر عدد يعلم بمستقر الْعَادة أَنهم لَا يتَّفق مِنْهُم الْأَخْبَار عَن مخبر وَاحِد وفَاقا من غير رَغْبَة عَنهُ وَرَهْبَة وداعية وتواطىء، وتواضع وَخير يَقع وَدفع ضرّ، فَإِذا بدرت مِنْهُم الْأَخْبَار ونعلم باستمرار الْعَادة أَنهم لَا يتفقون من غير سَبَب، وعرفنا باطراد الْعَادة أَنه لَو تحقق سَبَب مَا ذَكرْنَاهُ لما أتكتم ويتحدثوا بِهِ على مر الزَّمَان فَإِن من قَضِيَّة الْعَادة أَن شَيْئا من الْأَسْبَاب الَّذِي قدمْنَاهُ لَا يعلم الْجمع الْكثير والجم الْغَفِير ثمَّ ينكتم، فَإِذا لم يظْهر عرف عدمهَا، فعلى هَذَا الْوَجْه يسْتَدلّ على صدقهم. [١٠٠٧] قَالَ القَاضِي ﵁ هَذَا ذُهُول عَن التَّحْقِيق وَذَهَاب عَن تَحْصِيل مَقْصُود الْبَاب وَذَلِكَ أَنا نقُول: عدد التَّوَاتُر إِذا أخبروا عَن

стр. 703

مُشَاهدَة وَكَانُوا صَادِقين لم يكن فيهم مقلد وَلَا مخمن فنعلم اضطرار صدقهم، وَلَا سَبِيل إِلَى دَرك صدقهم دَلِيلا، وَقد أوضحنا وَجه الرَّد على من زعم من الكعبي وَأَتْبَاعه أَن الْعلم بِصدق الْمُتَوَاتر علم اكْتِسَاب واستدلال، فَإِذا وَجب حُصُول هَذَا الْعلم اضطرارا فَإِذا لم يضْطَر إِلَى صدقهم فنعلم أَنهم كذبة أَو فِئَة مِنْهُم كذبة فِي الْأَخْبَار عَن الْمُشَاهدَة، وَلَوْلَا ذَلِك [١١٢ / ب) لعرفنا صدقهم ضَرُورَة / فَإِن الَّذين نَعْرِف صدقهم ضَرُورَة لَا يجوز أَن تخْتَلف الْعَادة فيهم، فَإِن الْمعول فِي دَرك صدقهم على اسْتِمْرَار الْعَادة، فَلَو حرزنا اخْتِلَاف الْعَادة فِي ذَلِك لزمنا أَن نجوز أَن يخبر أهل بَغْدَاد عَن مُشَاهدَة صدقا فنعلم صدقهم تَارَة ضَرُورَة ويخبرون أُخْرَى فنتشكك فِي إخبارهم، وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ وَفِيه خلط الْبَاب، والخبط الْعَظِيم فِيهِ، فَخرج مِمَّا ذَكرْنَاهُ أَن أهل التَّوَاتُر إِذا لم يعرف صدقهم ضَرُورَة فَذَاك بِأَن فيهم مُقَلدًا أَو كذابا أَو مقلدين، وَكَذَلِكَ بِحَيْثُ ينقص الصادقون عَن أقل الْعدَد الْمُتَوَاتر فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى، فَإِذا كُنَّا نصير إِلَى الَّذين لَا نَعْرِف صدقهم ضَرُورَة فنعلم أَن فيهم كذبة فَأنى يَسْتَقِيم مَعَ ذَلِك وَطَلَبه عَن صدقهم. وَالْوَجْه الَّذِي نفى الْعلم الضَّرُورِيّ أثبت الْقطع بِالْكَذِبِ فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ مزلة الْبَاب والذاهب عَنهُ سر التَّوَاتُر. [١٠٠٨] فَإِن قيل: فَلَو أَن أهل التَّوَاتُر أخبروا عَن مُشَاهدَة وَلم

стр. 704

يضطروا إِلَى صدقهم فَأخْبر نَبِي أَنهم غير صَادِقين افيجوز ذَلِك؟ قُلْنَا: حاشا وكلا أَن نجوز ذَلِك فَإنَّا قَطعنَا بالطريقة الَّتِي مهدنا أَنا إِذا لم نعلم صدقهم ضَرُورَة فنعلم كذبهمْ أَو كذب بَعضهم، فَكيف يجوز وُرُود الْخَبَر عَن النَّبِي على خلاف الدَّلِيل الْمَبْنِيّ على الْعَادة مَعَ استمرارها. [١٠٠٩] فَإِن قيل: فَلَو صدق اربعة فِي خبرهم فَمَا قَوْلكُم فِيهَا؟ قُلْنَا: نعلم صدقكُم بتصديقه فَإِنَّهُم لَيْسُوا مِمَّا يجب صدقهم ضَرُورَة حَتَّى إِذا لم يحصل الْعلم الضَّرُورِيّ بصدقهم فيستدل بذلك على كذبهمْ وَلَيْسوا كعدد أهل التَّوَاتُر، فَتَأمل ذَلِك وتجنب هَذِه الشُّبْهَة الطارئة على هَؤُلَاءِ. [١٠١٠] فَإِن قيل: فَإِذا أخبرنَا الْعدَد الَّذِي اقْتضى إخبارهم مرَارًا الْعلم الضَّرُورِيّ وَلم يقتض إخبارهم فِي هَذِه الْكَثْرَة الْعلم الضَّرُورِيّ، أفتقطعون بكذبهم أَو كذب بَعضهم من غير تواطىء وشاغر أَو من غير سَبَب جَامع من رَغْبَة وَرَهْبَة. قُلْنَا: لَا بُد فِي مُسْتَقر الْعَادة من سَبَب فِي ذَلِك. فَإِن قَالُوا: أفتجوزون أَن يكون شَيْء من ذَلِك وينكتم وَلَا يظْهر. قُلْنَا: لَا بُد وَأَن يظْهر ذَلِك فِي مُسْتَقر الْعَادة، فَخرج من ذَلِك أَن أهل التَّوَاتُر إِذا لم تقتض أخبارهم عَن الْمُشَاهدَة الْعلم الضَّرُورِيّ فَيقطع أَن فيهم كذبة، وَيقطع أَن ذَلِك اتّفق على تواطىء وَنَحْوه، وَلَا بُد أَن يظْهر ذَلِك إِذا تصور الْحَال فِي هَذِه الصُّورَة، وَقد يتَصَوَّر أَن يخبرنا جمع فِيهِ كذبة لَو تميزوا لقصر عدد الصَّادِقين فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى عَن أقل عدد التَّوَاتُر، وَكَانَ الكذبة بِحَيْثُ قد يتَّفق فِي مُسْتَقر الْعَادة الْكَذِب من مثلهم من غير سَبَب جَامع، وَإِذا

стр. 705

كَانَت الْحَالة كَذَلِك فَلَا نحتاج إِلَى تَصْوِير الْأَسْبَاب وظهورها فَاعْلَم هَذِه الْجُمْلَة وتتبع حقائقها. [١٠١١] فَإِن قيل: فالشيعة بأسرها ينْقل نَص الرَّسُول ﷺ على عَليّ ﵁ وَلَا شكّ أَنهم عدد التَّوَاتُر وَكَذَلِكَ الْيَهُود ينْقل تَوْقِيف مُوسَى ﵇ على تأبيد شَرِيعَته وَلَا يحصل بهَا الْعلم الضَّرُورِيّ. قُلْنَا: أما الشِّيعَة فَمَا نقلوا عَن رَسُول الله ﷺ شفاها وَلَكِن نقلوا مَا [١١٣ / أ] ادعوهُ عَمَّن تقدمهم / وَنحن نضطر إِلَى الْعلم بانهم سمعُوا مَا نقلوه وَلَا نستريب فِي ذَلِك، بيد أَنه لم يتَحَقَّق فِي جملَة النقلَة من الْأَوْصَاف مَا يتَحَقَّق فيهم فِي زمننا، وَهَذَا هُوَ المعني بِمَا قدمْنَاهُ من اشْتِرَاط اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ والواسطة، وَكَذَلِكَ الْيَهُود صَادِقَة فِي سماعهَا الْمقَالة الَّتِي نقلهَا عَن من تقدمها وَلَكِن لم يستو طرف النقلَة وأوساطهم إِلَى مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ، وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء: ان أول من لقنهم ذَلِك ابْن الراوندي لَعنه الله بأصبهان، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنهم فِي زمن الرَّسُول ﷺ مَا أبدوا هَذِه

стр. 706

الْمقَالة مَعَ اشتداد جدالهم وخصامهم، فَدلَّ أَنه قَول مُحدث، وَمثل هَذِه الدَّعْوَى لَو كَانَت فِي زمن الرَّسُول ﷺ لنقلت فِي خصامهم، وَمَا كَانَت مِمَّا تخفى وَتذهب عَنْهَا النقلَة فِي اسْتِقْرَار الْعَادة. (١٧٩) القَوْل فِي الْخَبَر الَّذِي يعلم صدقه بِدَلِيل، والإيماء إِلَى وُجُوه الْأَدِلَّة على الصدْق [١٠١٢] اعْلَم وفقك الله: أَن صدق الْخَبَر يعرف بأوجه، يجمعها قِسْمَانِ: أَحدهمَا: الضَّرُورِيّ وَالثَّانِي: الدَّلِيل، فَأَما الضَّرُورِيّ فقد سبق القَوْل فِيهِ، وَذكرنَا مَا يعرف صدقه اضطرارا، والمقصد من هَذَا الْبَاب تَبْيِين مَا يعرف صدقه اسْتِدْلَالا، وطرق الْأَدِلَّة على صدق الْأَخْبَار منقسمة. فَمِنْهَا: دلالات الْعُقُول، فَكل خبر أنبأ عَن تثبيت شَيْء اَوْ نَفْيه وَدَلِيل الْعقل يَقْتَضِي ذَلِك الْمخبر على حسب مَا يَقْتَضِيهِ الْخَبَر وَهُوَ دَلِيل على صدقه. وَمن الْأَدِلَّة على الصدْق: أَن يصدق الرب مخبرا فِي خَبره، أَو يصدق رَسُوله ﷺ الَّذِي ثَبت وجوب صدقه، وَإِنَّمَا يَتَقَرَّر أَمْثَال ذَلِك فِي زمن النُّبُوَّة.

стр. 707

وَمن الْأَدِلَّة على الصدْق: إِجْمَاع الْأمة فمهما أَجمعت الْأمة على صدق مخبر فِي خَبره علمنَا صدقه وَكَانَ الْإِجْمَاع دَلِيله عَلَيْهِ. وَمن الْأَدِلَّة على الصدْق: أَن يخبر الْمخبر بَين يَدي رَسُول الله ﷺ عَمَّا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الشَّرْع فيقرره رَسُول الله ﷺ على أخباره وَلَا يُبْدِي عَلَيْهِ نكيرا مَعَ دلَالَة الْحَال على انْتِفَاء السَّهْو وَالنِّسْيَان عَنهُ ﷺ . وَمن الْأَدِلَّة على صدق الْأَخْبَار: أَن يخبر الْمخبر بَين أظهر جمَاعَة لَا يجوز عَلَيْهِم فِي مُسْتَقر الْعَادة التواطؤ على الْكَذِب من غير أَن يظْهر ذَلِك مِنْهُم، فَإِذا قَالَ الْمخبر لقد شَاهد هَؤُلَاءِ فلَانا يفعل كَذَا، أَو شاهدوه يَقُول كَذَا، فَإِذا صمت الْجَمِيع وسكتوا وَلم يبدوا عَلَيْهِ نكيرا، وَلم يظْهر مِنْهُ سَبَب تواطىء، فنعلم باستمرار الْعَادة أَن سكوتهم وَعدم ظُهُور الْأَسْبَاب الحاملة على الْكَذِب تدل على صدق الْمخبر. [١٠١٣] فَإِن قيل: فَلَو أخبر الْجَمِيع الَّذين وصفتهم عَن أنفسهم فَمَا كَانَ قَوْلكُم فِي أخبارهم؟ قُلْنَا: لَو أخبروا بِأَنْفسِهِم عَمَّا شاهدوه وَكَانُوا عدد التَّوَاتُر وتجمعت فيهم جملَة الْأَوْصَاف الْمَشْرُوطَة فَيحصل لنا الْعلم الضَّرُورِيّ بصدقهم. فَأَما صمتهم وتقريرهم الْمخبر عَنْهُم فَلَا يَقْتَضِي الْعلم الضَّرُورِيّ بيد أَنا نستدل على الصدْق عِنْد اسْتِمْرَار الْعَادة. وَاعْلَم أَن ذَلِك مِمَّا لَا يسوغ تَعْلِيله، فَإِن الْعَادَات يجوز تَقْدِير انقلابها [١١٣ / ب] عقلا، فَإِذا استمرت على مَنْهَج مَعْلُوم وَلم يُعلل استمرارها / فَلَو أجْرى الله تَعَالَى الْعَادة بِحُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ عِنْد سكوتهم وتقريرهم الْمخبر يحصل ذَلِك كَمَا يحصل عِنْد أخبارهم بِأَنْفسِهِم.

стр. 708

[١٠١٤] فَإِن قيل: فَهَل تَقولُونَ على طرد ذَلِك أَن الْمخبر لَو أخبر عَمَّا يدْرك مُشَاهدَة وحسا وَلَكِن يعلم بطرِيق النّظر، فَإِذا نطق بذلك بَين أظهر جمع كَمَا وصفتموه فَلم يبدر مِنْهُم [نَكِير] فَهَل يسْتَدلّ بسكوتهم على مَا أخبر عَنهُ اعْتِقَادهم حَتَّى ينزل ذَلِك تصريحهم بالحكم؟ قُلْنَا: لَا نقُول ذَلِك، وَالسُّكُوت فِيمَا يدْرك بالاستدلال لَا ينزل منزلَة التَّصْرِيح، وَمَا قدمْنَاهُ فِيهِ إِذا اسند الْمخبر مَا أخبر عَنهُ إِلَى مُشَاهدَة الْجَمَاعَة وإحساسهم فَأَما إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ مدرك النّظر [فَلَا] يكون الْأَمر كَذَلِك وَهَذِه الْمَسْأَلَة تستقصى فِي مسَائِل الْإِجْمَاع إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [١٠١٥] فَهَذِهِ الْأَدِلَّة على صدق خبر الْمخبر، وَلَيْسَ من جملَة الْأَدِلَّة أَن تتواتر الْأَخْبَار عَن جمع عدد التَّوَاتُر وَلَا يضْطَر إِلَى صدقهم، فَإِنَّهُ لَا يسوغ الِاسْتِدْلَال على صدقهم لَا يعلم صدقهم ضَرُورَة، وَقد استقصينا القَوْل فِي ذَلِك. [١٠١٦] وَمِمَّا لَا يدل على صدق الْخَبَر أَن ينْقل خبر [فَيعْمل] أهل الْحل وَالْعقد بِمُوجبِه، فَلَا يدل عمله بِمُوجبِه على صدق الْخَبَر. وَهَذَا

стр. 709

يَنْقَسِم قسمَيْنِ، أَحدهمَا أَن يتَّفق عَمَلهم بِمُوجب الْخَبَر وَيجوز أَنهم أطبقوا على الْعَمَل بِدلَالَة أُخْرَى سوى الْخَبَر الْمَنْقُول، أَو يجوز أَن يكون عمِلُوا بالْخبر فَلَا يقطع بِصدق الْخَبَر عِنْد تقَابل هذَيْن الجائزين. \ وَالْقسم الثَّانِي: أَن يعملوا بِمُوجب الْخَبَر وَيعلم بِصَرِيح قَوْلهم أَنهم إِنَّمَا أطبقوا على الْعَمَل بالْخبر فَلَا يقطع أَيْضا فِي هَذِه الصُّورَة بِصدق الْخَبَر، وَذَلِكَ أَنا نقُول إِجْمَاعهم على الْعَمَل لَا يتَضَمَّن بِصدق الْخَبَر فَإِن العاملين بِخَبَر الْآحَاد يعْملُونَ بِهِ وَلَا يقطعون بصدقه فَلَيْسَ فِي عَمَلهم بِهِ مصير إِلَى تَصْدِيق الْخَبَر، وَهَذَا كَمَا أَن الْأمة مجمعة على الحكم بِشَهَادَة الشُّهُود على الْجُمْلَة مَعَ إِجْمَاعهم على اسْتِحَالَة الْقطع بِصدق بعض الشُّهُود فِي الحكومات. فَإِن قيل: قدمتم فِي صدر الْبَاب أَن إِجْمَاع الْأمة من الْأَدِلَّة على صدق الْخَبَر. قُلْنَا: ذَلِك لَو أَجمعُوا على صدقه، وَالْإِجْمَاع على الْعَمَل بِهِ لَيْسَ بِإِجْمَاع على صدقه.

стр. 710

(١٨٠) فصل [١٠١٧] قد ذكرنَا وُجُوه الْأَدِلَّة على صدق الْأَخْبَار، وَنحن نشِير آنِفا إِلَى الطّرق الَّتِي يعلم بهَا كذب الْأَخْبَار. فَاعْلَم أَن الطّرق الَّتِي أومينا إِلَيْهَا فِي الصدْق لَو تصورت على الضِّدّ لدلت على الْكَذِب، فَكَمَا دلّ تَصْدِيق الرب الْمخبر على صدقه فَكَذَلِك تَصْدِيق رَسُوله ﷺ وتصديق الْأمة فَكَذَلِك تَكْذِيب الله الْمخبر وَتَكْذيب رَسُوله ﷺ ، وَإِجْمَاع الْأمة على كَونه كذبا يدل على ثُبُوت صفة الْكَذِب، وكما تدل الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة على صدق الْخَبَر فقد تدل على الْكَذِب فَمن أخبر عَن قدم الْعَالم دلّت دلالات حدوثها على كذبه. [١٠١٨] وَمن الدلالات على الْكَذِب: أَن يخبر الْمَرْء عَن مُشَاهدَة فيكذبه فِي خَبره عدد لَا يجوز فِي مُسْتَقر الْعَادة اتِّفَاق كذبهمْ عَن غير تواطىء وَسبب جَامع حَامِل مَحل الْكَذِب، وَلَو كَانَ قد تحقق شَيْء من هَذِه الْأَسْبَاب لظهر، فَإِذا لم يظْهر عرفنَا صدقهم فِي تكذيبهم وَكذب من كذبوه. [١٠١٩] وَمن الْأَدِلَّة على كذب الْمخبر: أَن يعلم / من أخبر عَن أَمر [١١٤ / أ] لَو كَانَ على مَا أخبرهُ لشاع وذاع وتواترت نقلته، وَمَا اسْتَقل بنقله الْآحَاد والأفراد، وَهَذَا بَين فِي اسْتِمْرَار الْعَادة واطرادها، فَإنَّا نعلم أَن من أخبر عَن

стр. 711

قتل [خَليفَة] على مَلأ من النَّاس فَمثل ذَلِك مَا يتواتر نَقله وَكَذَلِكَ لَو تقدرت فتْنَة صد لأَجلهَا الحجيج عَن الْمَنَاسِك فَمثل ذَلِك مَا يشيع فَإِذا نَقله الاحاد وَلم ينْقل تَوَاتر علم كذب النقلَة قطعا. وبهذه الطَّرِيقَة نرد على من قَالَ: إِن الْقُرْآن قوبل وَلم ينْقل، فَإِنَّهُ لَو صَحَّ ذَلِك مَعَ توفر دواعي العندة الْكَفَرَة على الْقدح فِي الْإِسْلَام لَا نبث وانتشر فِي النَّاس ولتواتر نَقله وإظهاره واللهج بِذكرِهِ ونشره، وبمثل هَذِه الطَّرِيقَة نرد على من زعم أَن النَّبِي ﷺ نَص على إِمَامَة عَليّ ﵁ فِي مَلأ من أَصْحَابه، فَإِن مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم لَا يغْفل عَن نَقله أهل التَّوَاتُر، فَلَمَّا لم ينْقل يَوْم السَّقِيفَة وَالْأَيْدِي ممتدة إِلَى بيعَة الصّديق ﵁ وَلم يذكر فِي زمن عمر وَعُثْمَان ﵄ دلّ ذَلِك على أَنه لم يكن، إِذْ لَو يقدر كَونه لأفضى إِلَى انخراق الْعَادة. [١٠٢٠] فَإِن قيل: فقد نقل الْآحَاد أَشْيَاء يجب أَن تشتهر وَلم يقطع بكذبهم، مِنْهُ صفة حج النَّبِي ﷺ فِي قرانه وإفراده، وَقد

стр. 712

كَانَ ﷺ بَين أظهر أَصْحَابه وَمَا نقل ذَلِك تواترا، وَكَذَلِكَ نقل نِكَاحه مَيْمُونَة آحَاد وَإِن كَانَ ذَلِك على مَلأ، وَنقل انْشِقَاق الْقَمَر

стр. 713

آحادا مَعَ عظم شَأْنه وَوُجُوب شيوعه فِي اسْتِمْرَار الْعَادة الَّتِي ادعيتموها. وَكَذَلِكَ لم ينْقل النَّصَارَى تكليم عِيسَى ﵇ أمه فِي المهد صَبيا، وَإِن كَانَ من الْآيَات الْعَظِيمَة، وَلم ينْقل سَائِر آيَات رَسُول الله ﷺ كَمَا نقل الْقُرْآن،، وَكَذَلِكَ اخْتلف النقلَة فِي دُخُوله مَكَّة عنْوَة أَو صلحا مَعَ أَن

стр. 714

ذَلِك يَتَّضِح فِي الْعَادة. فَيُقَال لَهُم: لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرتموه مَا يقْدَح فِي الأَصْل الَّذِي اصلناه، فَإِن قرَان الرَّسُول ﷺ وإفراده فَلَيْسَ مِمَّا يظْهر للخاص وَالْعَام فَإِن الْقرَان لَا يتَمَيَّز عَن الْإِفْرَاد إِلَّا فِي حق من أحَاط علما باوفر حَظّ من الْفِقْه ثمَّ كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يجب عَلَيْهِ أَن يظْهر مَا يخْتَص بِهِ بل كَانَ يظْهر مَا فِيهِ تَعْلِيم الكافة، وَالْقرَان فِي التَّحْقِيق يؤول إِلَى عِنْد ذِي نِيَّة وَكَانَ مُخْتَصًّا بِهِ ﷺ فَلذَلِك لم يظهره إِظْهَارًا ينْقل تواترا. وَأما نِكَاح مَيْمُونَة فَكَذَلِك فَإِنَّهُ لَيْسَ من الْأُمُور الْعِظَام، وَلم ينْقل أَنه نَكَحَهَا على الْمَلأ، فَلَعَلَّهُ خلا بِبَعْض أَصْحَابه ونكحها على وَجه لَا يشيع. وَأما انشتقاق الْقَمَر فَلَقَد كَانَ آيَة ليلية، وَمَا كَانَ قد فرط من رَسُول الله ﷺ من مواضعة الْكَفَرَة ومواعدتهم، بل كَانَ تكلم فِي الْمَسْجِد الْحَرَام شرذمة من الْكفَّار فاقترحوا عَلَيْهِ شقّ الْقَمَر وَلم يكن ذَلِك على مَلأ بل كَانَ ومعظم النَّاس نيام وَإِنَّمَا يدْرك مثل ذَلِك من يراقبه، فَكَأَن النَّاس كَانُوا على انقسام واكثرهم نيام، وَمن كَانَ يتَّفق لَهُ رُؤْيَة ذَلِك من غير تقدم بمعاهدة

стр. 715

[٨١٤ ب] ومواعدة كَانَ يحمل على تحرّك غيم أَو تخَلّل سَحَابَة شَيْئا من الْقَمَر / أَو كَانَ يخيل إِلَيْهِ أَن ذَلِك اتّفق تخيلا لعَارض عرض فِي بَصَره وَمَا كَانَ ذَلِك أَكثر من فلقَة انفصلت ثمَّ عَادَتْ فِي ألطف زمَان. وَأما دُخُوله ﷺ مَكَّة فمما نقل تواترا، وَنقل أَيْضا دُخُوله مَعَ أَصْحَابه معتدين شاكين فِي الأسلحة وَإِنَّمَا اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيمَا يؤول إِلَى قَصده الْحَرْب أَو قصد السّلم وَالصُّلْح وَذَلِكَ مِمَّا لَا يظْهر. وَأما تكليم عِيسَى ﵇ فِي المهد فَلم يكن أَيْضا على الْمَلأ بل كَانَ بَين أظهر شرذمة قَليلَة. [١٠٢١] فَإِن قيل: مَا تَقولُونَ فِيمَن قَالَ: المعوذتين لم تنقلا نقل سَائِر السُّور؟ قُلْنَا: حاشى لله أَن نقُول ذَلِك، فَإِنَّهُمَا تواترا كَمَا نقل سَائِر السُّور، فقد أكد وَتعرض لِلطَّعْنِ فِي الْقُرْآن، فَثَبت بذلك أَن شَيْئا مِمَّا ذَكرُوهُ لم يكن يقْدَح فِيمَا اسْتَثْنَاهُ، وَتبين فِي قَضِيَّة الْعَادة المستمرة أَن كل أَمر ذِي خطر يَبْدُو على مَلأ لَا يسوغ فِي الْعَادة أَن ينْقل آحَاد وَلَو سَاغَ انخراق الْعَادة لساغ فِي جملَة الْعَادَات وقضاياها، إِذْ الْعلم باستمرار الْعَادة من كَمَال الْعقل.

стр. 716

(١٨١) فصل [١٠٢٢] قد ذكرنَا فِيمَا قدمنَا طرق الْأَدِلَّة على صدق الْأَخْبَار وَهِي الَّتِي لَا تدل على صدقه وَلَا على كذبه دَلِيل فَمَا كَانَ هَكَذَا لم يقطع بصدقه وَلَا بكذبه. [١٠٢٣] فَإِن قيل: فمثلوا لنا هَذَا النَّوْع. قُلْنَا: إِنَّمَا يتَصَوَّر ذَلِك فِي الْأَخْبَار عَن الجائزات فَإِن الْمخبر عَنهُ لَو كَانَ مستحيلا عرف قطعا كذب الْمخبر، وَلَو كَانَ وَاجِبا عرف صدق الْمخبر، فَإِذا كَانَ جَائِزا يقدر وُقُوعه وَيقدر فَقده وَلم تدل دلَالَة من الطّرق الي ذَكرنَاهَا على الصدْق، وَلم تدل أَيْضا دلَالَة من السبل الَّتِي أومينا على الْكَذِب، والمخبر عَنهُ جَائِز فِي نَفسه، وَلَيْسَ النقلَة أهل التَّوَاتُر، فَإِذا اجْتمعت هَذِه الأصاف لم يمكنا أَن نقطع بِالصّدقِ وَلَا بِالْكَذِبِ، وَجُمْلَة أَخْبَار الْآحَاد فِي أَحْكَام الشَّرَائِع يحل هَذَا الْمحل. [١٠٢٤] فَإِن قَالَ قَائِل: مَا أنكرتم على من يَقُول لكم أَن الْخَبَر الَّذِي وصفتموه كذب قطعا.

стр. 717

قُلْنَا: أتعرفون كذبه ضَرُورَة أَو دلَالَة فَإِن ادعيتم معرفَة كذبه ضَرُورَة كُنْتُم مباهتين، على أَنكُمْ تقابلون بِمثل دعواكم على ضدها، وَإِن زعمتم أَنا عرفنَا ذَلِك بِدَلِيل فَمَا دليلكم عَلَيْهِ؟ فَإِن قَالُوا: الدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ صدقا لنصب الرب على صدقه دَلِيلا لاتصافه بالاقتدار عَلَيْهِ، فَلَمَّا لم ينصب عَلَيْهِ دَلِيلا قَطعنَا بصدقه، فَإِذا تقَابل الْقَوْلَانِ تساقطا، وَلزِمَ الْمصير إِلَى الْوَقْف، وَترك قطع القَوْل بِأَحَدِهِمَا. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك إِجْمَاع الْأمة على الحكم بِشَهَادَة الشُّهُود مَعَ اتِّفَاقهم على اسْتِحَالَة الْقطع بكذبهم، فَإِن من يقطع بكذبهم يَسْتَحِيل إبرام الحكم بِشَهَادَتِهِم فِي مُوجب الشَّرْع، وَمَعَ ذَلِك فَلَا سَبِيل إِلَى الْقطع بِصدق الشُّهُود مَعَ أَنهم لَا يعتصمون. [١٠٢٥] فَإِن قيل: ألستم وافقتمونا على أَن من ادّعى النُّبُوَّة وَلم تدل على صدقه دلَالَة قَاطِعَة فتقطع بكذبه، فَمَا أنكرتم مثل ذَلِك فِي كل مخبر عَن الرَّسُول؟ قُلْنَا: قبل أَن نجيب عَمَّا ذكرتموه يلزمكم على قوده جحد الضَّرُورَة فَإنَّا [١١٥ / أ] نعلم / أَن من قطع بِأَن جملَة المخبرين آحَاد عَن الشَّرَائِع وَالديَّان والمعاملات الدائرة كاذبون فقد جحد الضَّرُورَة، فَإنَّا نعلم بضرورة الْعقل أَن فيهم صَادِقين، وَإِن كُنَّا نعلم أَنه لَيْسَ مَعَ كل وَاحِد من المخبرين دلَالَة قَاطِعَة

стр. 718

على صدقه، وطرد مَا ذَكرُوهُ يُوجب عَلَيْهِم تَكْذِيب الشُّهُود لعروهم عَن الدلالات الدَّالَّة على الصدْق. ثمَّ نقُول لَهُم: إِنَّمَا قُلْنَا: فِي المتنبىء مَا قُلْنَاهُ لِأَنَّهُ ثَبت بالأدلة القاطعة أَنا مكلفون بِمَعْرِِفَة نبوة كل نَبِي يظْهر، مخاطبون بِالْقطعِ على عصمته وطهارته وتنزهه فِي سَرِيرَته وَحسن سيرته فِي نوبَته. ثمَّ عرفنَا أَن الْقطع لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا بِدلَالَة تُفْضِي إِلَيْهِ فَمن ادّعى النُّبُوَّة بِلَا دَلِيل وَمن حكمهَا أَن يعلم فَيعلم قطعا كذبه، فانفصل مَا اسْتشْهدُوا بِهِ عَمَّا نَحن فِيهِ. [١٠٢٦] فَإِن قيل: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن من لَا سَبِيل إِلَى الْقطع بصدقه لَا تقوم الْحجَّة بنقله وَإِذا لم تقم الْحجَّة بنقله اسْتَحَالَ تَعْلِيق الْعَمَل بِهِ. قُلْنَا: هَذَا خلط بَاب بِبَاب، فَإِن مقصدنا من هَذَا الْفَصْل أَن نبين امْتنَاع الْقطع بِالصّدقِ أَو الْكَذِب فِي النَّوْع الَّذِي وصفناه من الْأَخْبَار فَأَما مُوجب الْعَمَل بهَا، وَصِحَّة وُرُود التَّعَبُّد بِوُجُوب الْعَمَل، فمما نستقصيه بعد ذَلِك فِي بَاب مُفْرد إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فَسَلمُوا لنا ترك الْقطع بِالْكَذِبِ، ثمَّ كلمونا بعد ذَلِك فِي الْعَمَل كَيفَ يجب، وَلَا تنكر إِلَّا وَيجب الْعَمَل بِإِخْبَار مخبر مَعَ امْتنَاع الْقطع بكذبه. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن الشَّاهِد الْوَاحِد لَا يقطع بكذبه إِذْ لَو قطع بكذبه لردت شَهَادَته وَإِن شهد بعده غَيره، ثمَّ مَعَ أَنا لَا نقطع بكذبه لَا نحكم

стр. 719

بِشَهَادَتِهِ، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي العبيد الثِّقَات وَغَيرهم من الَّذين لَا تثبت شَهَادَتهم، فَدلَّ أَن الْعَمَل بالأخبار بمعزل عَن الْقطع بالتصديق أَو التَّكْذِيب كَيفَ وَقد يقطع بِصدق الْخَبَر وَلَا يعْمل بِهِ. فَإِن الْخَبَر الَّذِي نقل عَن صَاحب الشَّرِيعَة تواترا مَقْطُوعًا بِهِ مستيقن الصدْق، فَإِذا ثَبت بِدلَالَة قَاطِعَة نسخ حكمه فَلَا يقلب النّسخ الْخَبَر عَن سمة الصدْق. فقد تبين أَن الحكم بالتصديق والتكذيب مِمَّا لَا تعلق لَهُ بِوُجُوب الْعَمَل وَنفي وُجُوبه.

стр. 720

(١٨٢) بَاب فِي الْخَبَر الْوَاحِد وَمَعْنَاهُ وَصِحَّة التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِهِ، وَذكر اخْتِلَاف النَّاس فِيهِ [١٠٢٧] اعْلَم، وفقك الله، أَن أول مَا نصدر الْبَاب بِهِ معنى خبر الْوَاحِد، فَاعْلَم أَن أَرْبَاب الْأُصُول لَا يعنون بإطلاقهم خبر الْوَاحِد الْخَبَر الَّذِي يَنْقُلهُ الْوَاحِد أَو خبر الْآحَاد فِي الِاصْطِلَاح، وَلَكِن كل خبر عَن خابر مُمكن لَا سَبِيل إِلَى الْقطع بصدقه، وَلَا سَبِيل بكذبه، لَا اضطرارا وَلَا اسْتِدْلَالا، فَهُوَ خبر الْوَاحِد، أَو خبر الْآحَاد فِي اصْطِلَاح أَرْبَاب الْأُصُول،

стр. 721

سَوَاء نَقله وَاحِد أَو جمع منحصرون. وَقد يخبر الْوَاحِد فَيعلم صدقه كالنبي يخبرنا عَن الغائبات فنعلم صدقه قطعا، وَلَا يعد ذَلِك من أَخْبَار الْآحَاد، فَتبين لَك مَقْصُود الْقَوْم فِي [١١٥ / ب] الِاصْطِلَاح، والمعاني هِيَ / المتبعة دون الْعبارَات. [١٠٢٨] فَإِذا أحطت علما بذلك فَاعْلَم بعده أَن من النَّاس من زعم أَن الْخَبَر الَّذِي يَنْقُلهُ الثِّقَات عَن الرَّسُول ﷺ يُوجب الْعلم ثمَّ فصلوا القَوْل فِيهِ فَقَالُوا يُوجب الْعلم الظَّاهِر دون الْعلم الْبَاطِن. وَذهب مُعظم الروافض وَمن تَبِعَهُمْ من أهل الْمذَاهب إِلَى أَن خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم وَلَا يُوجب الْعَمَل، ثمَّ افْتَرَقُوا فرقتان فَزعم جُمْهُور

стр. 722

الْقَدَرِيَّة وَمن تَابعهمْ من أهل الظَّاهِر كالقاساني وَغَيره أَن التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد محَال عقلا وَزعم بَعضهم أَن وُرُود التَّعَبُّد فِي ذَلِك من جائزات الْعُقُول وَلَكِن لم ترد دلَالَة سمعية صَحِيحَة فِي التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بأخبار الْآحَاد وَزعم الجبائي من الْقَدَرِيَّة أَن التَّعَبُّد لَا يَقع إِلَّا إِذا أخبر اثْنَان عَدْلَانِ ضابطان. وَصَارَ الدهماء من الْعلمَاء وجماهير الْفُقَهَاء إِلَى جَوَاز التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِخَبَر الْوَاحِد، ثمَّ قَالُوا قد دلّت الْأَدِلَّة على التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بهَا وافترقوا فِي الْأَدِلَّة، فَزعم بعض من غلا فِي ذَلِك أَن الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة لَا تدل على

стр. 723

وجوب، وَإِنَّمَا الْوُجُوب يتلَقَّى من الْأَدِلَّة السمعية فنعلم عِنْدهَا جَوَاز التَّعَبُّد ويتوصل إِلَى وُجُوبه بدلالات السّمع، ثمَّ الْقَائِلُونَ بِخَبَر الْوَاحِد صَارُوا إِلَى أَن الثِّقَة الْوَاحِد يقبل خَبره وَيعْمل بِهِ وَلَا يشْتَرط عدد مَحْصُور فِي الروَاة وَهَذَا مَذْهَب ابْن الجبائي وَأَتْبَاعه. [١٠٢٩] فَهَذِهِ جمل الْمذَاهب وَهَا نَحن نرد على الْبَاطِل مِنْهَا، ونختار الصَّحِيح، فَالصَّحِيح جَوَاز التَّعَبُّد عقلا وَثُبُوت وُجُوبه بالأدلة السمعية الَّتِي سنذكرها، ثمَّ لَا نصير إِلَى أَن خبر الْوَاحِد مِمَّا يعلم بِهِ صدقه، فَهَذَا مِمَّا ننصره ونذب عَنهُ، ونرد على كل مَذْهَب سواهُ. [١٠٣٠] فَأَما وَجه الرَّد على من زعم أَن خبر الْوَاحِد يعلم صدقه ظَاهرا فَيُقَال لَهُ: أَنْت لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تَقول أَن من أخبرنَا نقطع بصدقه وَلَا يجوز أَن يغلط وَلَا يزل، أَو يسوغ أَن يتَعَمَّد الْكَذِب، أَو لَا يجوز أَن يكون مَاجِنًا فَاسِقًا بَاطِنا، وزيه زِيّ الْعدْل، فَإِن لم تقرروا هَذِه الْأَوْجه فقد صرفتم عَن الْمَعْقُول، فَإنَّا نعلم قطعا أَن تَجْوِيز مَا ذَكرْنَاهُ لَيْسَ من المستحيلات، فَإِذا لم يكن مستحيلا لم يبْق إِلَّا أَن يكون جَائِزا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَين الاستحالة وَالْجَوَاز رُتْبَة، وأنى يسوغ الْمصير إِلَى اسْتِحَالَة تَجْوِيز الْكَذِب مَعَ أَنا نعلم ظُهُور كثير من ذَلِك فِي الْعَادَات فكم من شخص ظن عَن أَعلَى رُتْبَة الْعَدَالَة وَصدق

стр. 724

القَوْل ثمَّ تبين [خبث] دَخلته وَفَسَاد سَرِيرَته، فَمَا من أحد يخبر مِمَّن لَا تجب عصمته إِلَّا وَهَذَا وَصفه فِي الْجَوَاز. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك اتِّفَاق الكافة على أَنا لَا نعلم صدق الشُّهُود فِيمَا يشْهدُونَ فِيهِ مَعَ ظَاهر عدالتهم، فَالْخَبَر يحل هَذَا الْمحل. فَإِذا ثَبت تَجْوِيز الْكَذِب فَكيف يتَحَقَّق مَعَه الْعلم بِالصّدقِ. [١٠٣١] فَإِن قيل: فَالَّذِي أطلقتموه وَهُوَ الْعلم الْبَاطِن، وَالَّذِي أطلقناه هُوَ الْعلم الظَّاهِر. قُلْنَا: هَذَا الْكَلَام خلو عَن التَّحْقِيق فَإِن الْعلم مهما تحقق اسْتَحَالَ أَن يُجَامع الريب سَوَاء كَانَ علما بِظَاهِر أَو بَاطِن، فَإِن الْعلم يتَعَلَّق بالشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ، وَلَا يَسْتَقِيم إِطْلَاق الْعلم مَعَ جَوَاز ضِدّه، اللَّهُمَّ، وَأَن يعنوا بِالْعلمِ الظَّاهِر سماعهم الْخَبَر، فَسلم لَهُم / ذَلِك فَإِنَّهُ يعلم ضَرُورَة، فَأَما الصدْق فَلَا [١١٦ / أ] سَبِيل إِلَى علمه، وَإِن حملُوا الْعلم بِالظَّاهِرِ على غَلَبَة الظَّن فيرتفع الْخلاف فِي الْمَعْنى، فيؤول الْكَلَام إِلَى المناقشة فِي الْعبارَة. [١٠٣٢] فَإِن قَالُوا يسوغ إِطْلَاق الْعلم فِي مثل هَذِه الْمنزلَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ ، مَعَ أَن نعلم أَنا لَا نتوصل إِلَى الْقطع بالسرائر وَمَا تكنه الْقَرَائِن من الضمائر. قُلْنَا: الْآن بَعْدَمَا ارْتَفع الْخلاف فِي الْمَعْنى فَلَا نحجزكم من التَّجَوُّز بالعبارات وَالْعرب قد تسْتَعْمل الظَّن م مَوضِع الْعلم، وَقد تضع الْعلم مَوضِع

стр. 725

الظَّن والحسبان، وَفِي الْمجَاز متسع، على أَنا نقُول: الْمَعْنى بقوله تَعَالَى: ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ . أَي فَإِن علمتموهن متلفظات بِالْإِيمَان فَهَذَا مِمَّا نعلم قطعا وَيبقى بعد ذَلِك الْكَلَام فِي تَجْوِيز القَوْل إِيمَانًا وَهُوَ خَارج عَن مسئلتنا، فَهَذَا وَجه الرَّد على هَؤُلَاءِ، مَعَ أَن كل مَا يذكرُونَهُ يبطل عَلَيْهِم بِشَهَادَة الشُّهُود إِذْ لَا خلاف فِيهَا. [١٠٣٣] وَأما وَجه الردعلى من أنكر جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِخَبَر الْوَاحِد فَهُوَ أَن نقُول: الْجَوَاز والاستحالة معلومان بقضية الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَكل مَا انحسمت فِيهِ طرق الاستحالة وَجب الْقطع بِجَوَازِهِ، والتعبد بِخَبَر الْوَاحِد مِمَّا لَا يَسْتَحِيل عقلا. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الرب لَو أسمعنا عَزِيز كَلَامه، أَو أخبر الرَّسُول ﷺ عَنهُ وَقَالَ: اعلموا أَن ربكُم يَقُول لكم. مهما نقل موثوق بِهِ ظَاهرا مَعَ انطواء الْبَاطِن عَنْكُم خَبرا عَن رَسُول الله ﷺ فاعملوا بِمُوجبِه، وَإِن جوزتم كذبه وَغلب على ظنكم صدقه، فاعلموا أَن أَخْبَار من هَذَا وَصفه وغلبه ظنونكم آتٍ فِي إِثْبَات وجوب الْعَمَل عَلَيْكُم، فَمثل هَذَا لَو قدر لم يكن مستحيلا، وَلم يكن كَمَا لَو قدر مُقَدّر تَكْلِيف الْمحَال وَجمع المتضادات إِلَى غير ذَلِك من ضروب المستحيلات. وَالَّذِي يعضد الْأَدِلَّة بِهِ اتِّفَاق الكافة على ثُبُوت التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بقضية شَهَادَة الشُّهُود فِي الحكومات والخصومات مَعَ الاسترابة فِي الصدْق وَالْكذب، وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على صِحَة الْمصير إِلَى قَول الْمُفْتِي فِي الْحَوَادِث مَعَ تقَابل الجائزات فِي حَقه، فَكَذَلِك من أخبر عَن نَفسه بِإِيمَان أَو كفر فقد ثَبت التَّعَبُّد بالجري على مُوجب قَوْله مَعَ جَوَاز كذبه، فَتبين التحاق ذَلِك بالجائزات.

стр. 726

[١٠٣٤] وللمخالفين فُصُول يتمسكون بهَا بَين الشَّهَادَات وَالْأَخْبَار، وَنحن نومىء إِلَى معظمها ونبين فَسَادهَا. فَإِن قَالُوا: لَا يسوغ الاستشهاد بالشهادات وَذَلِكَ أَن التَّعَبُّد بهَا ثَابت بالأدلة، وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَخْبَار. قُلْنَا: لاتضربوا بِإِثْبَات وَلَا تتخبطوا، فان الْمَقْصد من ذَلِك ثبيت الْجَوَاز الْعقلِيّ، فَهَلا جوزتم أَن يثبت على الْأَخْبَار وَالْقَصْد بهَا من الْأَدِلَّة السمعية مَا ثَبت على الشَّهَادَات، وَهَذَا مَا لَا محيص لَهُم عَنهُ، فتدبره، ثمَّ نقُول قد ثَبت أَخْبَار الْآحَاد بالأدلة السمعية القاطعة للمقادير على مَا سنذكرها بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فَلَا فصل. ] ١٠٣٥] فَإِن قَالُوا: الْفرق بَين الشَّهَادَة وَالْأَخْبَار أَن الشَّهَادَة نازلة منزلَة إِقْرَار الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَلَو أقرّ حكم عَلَيْهِ بِهِ مَعَ ترداد إِقْرَاره م بَين الصدْق وَالْكذب فَنزلت الشَّهَادَة منزلَة الْإِقْرَار فَينزل الْخَبَر منزلَة إِخْبَار الرَّسُول ﷺ وإخبار الرَّسُول ﷺ يعلم صدقه قطعا، [١١٦ / ٥] فَكل خبر علم صدقه أقيم مقَام أَخْبَار الرَّسُول ﷺ . فَنَقُول: هَذَا الَّذِي ذكرتموه لَا ينجيكم عَمَّا أُرِيد بكم فَإِن مقصدنا تثبيت جَوَاز التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِمَا لم يعلم صدقه، وَمَا ذكرتموه من نزُول الشَّهَادَة منزلَة الْإِقْرَار لَا يغنيكم، فَإِن الْإِقْرَار الَّذِي إِلَيْهِ مستروحكم أقوى الْحجَج عَلَيْكُم، فَإِنَّهُ يحكم بِهِ مَعَ تردد، فَإِذا انْقَلب مَا قدروه انفصالا اسْتِدْلَالا عَلَيْهِم فقد بَطل مَا راموه، على أَن نقُول قد ثبتَتْ الشَّهَادَة فِي مَوضِع لَا يَصح فِيهِ الْإِقْرَار، وَهُوَ الشَّهَادَات على الْأَطْفَال والمجانين وَالْعَبِيد فِي بعض أحكامهم، فاضمحل مَا قَالُوهُ على أَنا نقُول ذكر الشَّهَادَة لَيْسَ من أَرْكَان الدّلَالَة الَّتِي عولنا عَلَيْهَا فَإِن

стр. 727

الدّلَالَة مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا دون ذكر الشواهد وَلَو قدرناكم مِمَّا يعين فِي الشَّهَادَات لاطرحت الدّلَالَة عَلَيْكُم فِي الْأَخْبَار والشهادات مَعًا، فَإنَّا بَينا أَن تَقْدِير وُرُود التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ لَيْسَ من المستحيلات الَّتِي لَا يتَصَوَّر التَّوَصُّل إِلَيْهَا. وَقد ذكرنَا فِيمَا قدمنَا أَن كل مَا يَصح اكتسابه صَحَّ وُرُود التَّكْلِيف بِهِ، وَلَو تتبعنا الْأُصُول الْفَاسِدَة للمعتزلة فِي بِنَاء التَّكْلِيف على مصَالح الْخلق وَطلب اللطف لم يبعد اسْتِمْرَار الدّلَالَة على هَذَا الأَصْل، وَأَنا نقُول: يجوز أَن يعلم الرب تَعَالَى أَنه لَو تعبد عبيده بِالْعَمَلِ بأخبار الْآحَاد لأطاعوا وتحسسوا عَن صِفَات الْعَدَالَة، واستوجبوا بالبحث عَنْهَا الْأجر الجزيل، وَلَو نصب الْأَدِلَّة القاطعة لعلم أَن ذَلِك كَانَ يُؤَدِّي إِلَى الْمفْسدَة، فَلم يسْتَحل مَا قُلْنَاهُ على وَاحِد من الْأُصُولِيِّينَ. [١٩٣٦] فَهَذَا وَجه الرَّد على هَؤُلَاءِ، فَلم يبْق لَهُم معتصم سوى أَن يَقُولُوا فجوزوا وُرُود التَّكْلِيف بِالْعَمَلِ بِخَبَر الْفَاسِق، قُلْنَا: وَهَذَا مَا نقُول بِهِ، وَلَا نتحاشى مِنْهُ، وَهُوَ من مجوزات الْعُقُول وَلَكِن وَردت الْأَدِلَّة السمعية بِمَنْع ذَلِك. [١٠٣٧] وَأما وَجه الرَّد على من زعم أَن خبر الْوَاحِد يجب التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِهِ عقلا وسمعا فَوَاضِح الْبطلَان، فَإنَّا قدمنَا فِي صدر

стр. 728

الْكتاب، وسنشبع فِي إثْبَاته القَوْل باستحالة أَوْصَاف الْوُجُوب إِلَى مدارك الْعُقُول، وَحصر دَرك الْأَحْكَام فِي السمعيات، وَلَيْسَ للْقَوْم عصمَة يعتصمون بهَا مِمَّا يُسَاوِي الْحِكَايَة، فَرَأَيْنَا الإضراب عَن شبههم. [١٠٣٨] وَأما وَجه الرَّد على من زعم أَن التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بالْخبر الْوَاحِد من الجائزات عقلا وَلَكِن لم تدل دلَالَة سمعية على ثُبُوت التَّعَبُّد إِذْ دلّت الْأَدِلَّة السمعية على منع التَّعَبُّد فوضح على هَؤُلَاءِ أَن الدّلَالَة السمعية القاطعة فِي التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ، ثمَّ ننعطف على شبههم ونتفصى عَنْهَا بعون الله تَعَالَى. فَمن أوضح الْأَدِلَّة إِجْمَاع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين إِلَى أَن تبع المخالفون، وَوجه الْإِيضَاح فِي ادِّعَاء الْإِجْمَاع أَن نقُول: رَأَيْت الصَّحَابَة فِي الصَّدْر الأول تلم بهم الْحَوَادِث ومشكلات الْأَحْكَام فِي الْحَلَال وَالْحرَام فَكَانُوا يَلْتَمِسُونَ فِيهَا أَخْبَارًا عَن الرَّسُول ﷺ / وَإِذا روى لَهُم تسرعوا إِلَى [١١٧ / ١] الْعَمَل بِهِ، فَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده، وَلَا سَبِيل أَيْضا إِلَى حصر الْأَمر فِيهِ، فَإِنَّهُ لَو انحصرت الْأَخْبَار الَّتِي استروحوا إِلَيْهَا مستفيضة لقارنت الْآحَاد ووهاها ادِّعَاء الْإِجْمَاع، على أَنا نومئ إِلَى قصَص مستفيضة، مِنْهَا: أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ أشكل عَلَيْهِ خبر الْجَنِين فاستفتى فِيهِ الْأَصْحَاب مستشيرا لَهُم مسترشدا حَتَّى روى حمل بن مَالك بن النَّابِغَة

стр. 729

حَدِيث الْجَنِين فِي قصَّة تطول، وَرجع الصّديق ﵁ إِلَى مَا رُوِيَ فِي حَدِيث الْجدّة وَرجع عُثْمَان ﵁ فِي السُّكْنَى إِلَى حَدِيث فريعة بنت مَالك وَرجع عَليّ ﵁ إِلَى جمل من الْأَحَادِيث بيد

стр. 730

أَنه رُبمَا كَانَ يحْتَاط فَيحلف الرَّاوِي إِن استراب فِي رِوَايَته ثمَّ كَانَ يعْمل بِخَبَرِهِ. وَمن ذَلِك أَن زيد بن ثَابت كَانَ يروي أَن الْحَائِض الناسكة لاتصدر

стр. 731

عَن مَكَّة حَتَّى تطهر وتودع الْبَيْت فروت لَهُ أنصارية أَن رَسُول الله ﷺ رخص لَهَا فِي الصَّدْر دون وداع وَمن ذَلِك مَا روى أَن مُعَاوِيَة بَاعَ آنِية من فضَّة بِأَكْثَرَ من وَزنهَا فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء قد نهى رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ مُعَاوِيَة لَا أرى بذلك بَأْسا فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء من يعذرني من مُعَاوِيَة أخبر عَن رَسُول الله ﷺ ويخبرني عَن رَأْيه وَالله لَا أساكنه بِأَرْض أبدا.

стр. 732

وَمن الْقَصَص الْمَشْهُورَة مَا لَا تحصى كَثْرَة من مراجعاتهم زَوْجَات النَّبِي ﷺ فِي الْأُمُور الْبَاطِنَة من الْغسْل، وَنَحْوه، وجاحد رُجُوع الصَّحَابَة إِلَى الْأَخْبَار فِي المشكلات يقرب من جحد التَّوَاتُر. وَكَذَلِكَ التابعون كَانُوا من أحرص النَّاس على جمع أَخْبَار الرَّسُول ﷺ وَالْعَمَل بهَا، وَكَانُوا يوبخون الْجَامِع الَّذِي لَا يعْمل بِمَا جمع. [١٠٣٩] فان قَالُوا لَا سَبِيل إِلَى جحد عَمَلهم على وفْق وَمُوجب الْأَخْبَار فَمن أَيْن لكم أَنهم عمِلُوا بهَا وَمَا أنكرتم على من يَقُول لكم أَنهم عمِلُوا بأدلة غير الْأَخْبَار فَوَافَقت أَعْمَالهم مُوجبَات الْأَخْبَار. قُلْنَا: هَذَا أَخذ مِنْكُم بيد، وَإِعْطَاء بيد أُخْرَى، فَكَمَا عرفنَا علمهمْ مَا

стр. 733

نفيتموه فَكَذَلِك عرفنَا تسرعهم إِلَى الْعَمَل بالأخبار والجري على مُوجبهَا وَترك الآراء بهَا وَالْخُرُوج عَن حيّز اللّبْس إِلَى حيّز التجلي، كَانُوا يطْلبُونَ الْأَخْبَار يتوقفون فِي الْحَوَادِث على رِوَايَتهَا حَتَّى إِذا رويت لَهَا ركنوا إِلَيْهَا وَعمِلُوا بهَا فِيمَا عرفنَا مُوَافقَة أَعْمَالهم فِي الْحَوَادِث لأخبار الْآحَاد استفاضة، فَكَذَلِك عرفنَا بطرِيق الاستفاضة تسرعهم إِلَى الْعَمَل بمقضى الْأَخْبَار، وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِهِ. وَالَّذِي يعضد الدّلَالَة أَن نقُول كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أعرف فِي زَمَانه بالأخبار المستفيضة وَاعْلَم بمواقعها فَإِنَّهُم كَانُوا أهل الْعَصْر وَقد شهدُوا وَغَابَ غَيرهم، وَلَو كَانُوا مَا يعْملُونَ بِهِ من الْأَخْبَار مستفيضة لما تحقق فِي مجاري الْعَادة التصلب لَهَا والبحث عَنْهَا والمناشدة فِيهَا والتربص فِي تَنْفِيذ الْأَحْكَام حَتَّى يروي لَهُم الْوَاحِد خَبرا فيعملون بِهِ. [١٠٤٠] فان قَالُوا لَئِن ثَبت عَنْهُم ردهَا، فَأول من ردهَا [١١٧ / ٥] رَسُول الله ﷺ / فَإِنَّهُ لما سلم من اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أقصرت الصَّلَاة أم نسبت فَلم يعول رَسُول الله ﷺ قَوْله، وَسَأَلَ أَبَا بكر

стр. 734

وَعمر، وَصَحَّ أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ رد خبر الْمُغيرَة بن شُعْبَة فِيمَا رَوَاهُ من مِيرَاث الْجدّة ورد عمر بن الْخطاب ﵁ خبر عُثْمَان فِيمَا رَوَاهُ من اسْتِئْذَان الرَّسُول ﷺ فِي رد الحكم بن أبي العَاصِي

стр. 735

وَكَذَلِكَ رد على خبر ابْن أبي سِنَان الْأَشْجَعِيّ فِي قصَّة بروع بنت واشق ورد عمر حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس ورد أَيْضا

стр. 736

أبي مُوسَى لما انْصَرف عَن بَابه ثمَّ رد عَلَيْهِ فَقَالَ معتذرا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الاسْتِئْذَان ثَلَاث فَإِن أذن لكم وَإِلَّا فانصرفوا قَالُوا فقد صَحَّ مِنْهُم رد الْأَحَادِيث. [١٠٤١] فَنَقُول لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرتموه معتصم فَأَما قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ فدليل عَلَيْكُم فَإِنَّهُ قبل فِيهَا خبر أَبَا بكر عمر وَأَنْتُم إِذا أنكرتم ثمَّ خبر الْآحَاد تنكرون خبر الثَّلَاثَة كَمَا تنكرون خبر الْوَاحِد، أما حَدِيث الْأَشْجَعِيّ فَإِنَّمَا رده عَليّ ﵁ لِأَنَّهُ لم يكن

стр. 737

عدلا موثوقا بِهِ على شَرَائِط الروَاة، وَلِهَذَا قَالَ عَليّ ﵁ فِي تهجينه مَا كنت لأقبل قَول أَعْرَابِي بوال على عَقِبَيْهِ، وأقصى مَا روى عَنهُ ﵁ أَنه كَانَ إِذا اتهمَ بعض الروَاة حلفه على رِوَايَته وَلَيْسَ هَذَا رد مِنْهُ لأخبار الثِّقَات. وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان فَإِنَّهُ من قبيل مَا سبق فَإِن عمر بن الْخطاب ﵁ مَا رد خَبره بل طلب من شهد لَهُ، وَأما حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس فقد اتهمها عمر بن الْخطاب ﵁ ولعمرنا كَانَت هِيَ متهمة فَإِنَّهَا نقلت خَبرا يَقْتَضِي نفس السُّكْنَى وَلم تنقل سَببه وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك إخْرَاجهَا من مسكن النِّكَاح بذاءة لسانها واستطالتها على أحمائها فنقلت

стр. 738

إخْرَاجهَا من مسكن النِّكَاح وَلم تتعرض لنقل الْمُقْتَضى لذَلِك فَتبين بطلَان مَا قَالُوهُ من كل وَجه، على أَن مَا استروحوا من طرق الرَّد لَا تبلغ أَنْت تكون استفاضة وَلكنهَا آحَاد، وَمَا استروحنا إِلَيْهِ ثَبت استفاضة. [١٠٤٢] وَمن اوضح مَا يسْتَدلّ بِهِ فِي الْمَسْأَلَة مَا ظهر عَن الرَّسُول ﷺ من بعثة الرَّسُول والحكام والولاة والسعاة فِي الأقطار جماعات ووحدانا، كتأميره أَبَا بكر الصّديق ﵁ فِي الْمَوْسِم وتوليته عمر ﵁ على الصَّدقَات وَبَعثه معَاذًا إِلَى الْيمن، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَلَا يحصر.

стр. 739

وَكَذَلِكَ سعاته، وخارصوه ﷺ كَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأبي عُبَيْدَة وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعَمْرو بن حزم، وَقيس بن عَاصِم، وَمَالك بن نُوَيْرَة، وَغَيرهم، فَهَذَا من أوضح الْأَدِلَّة

стр. 740

على أَنه كلف الْمَبْعُوث إِلَيْهِم الْعَمَل بالْخبر الْوَاحِد وتلقيه بِالْقبُولِ وَهَذَا مَا لَا منجا عَنهُ للخصم. [١٠٤٣] فان قَالُوا: إِن كَانَ يَبْعَثهُم فِي أُمُور سبق من الرَّسُول ﷺ إعلامهم إِيَّاهَا واتفاقهم عَلَيْهَا فَمَا كَانُوا / ينقلون الْأَحْكَام من الْأَخْبَار. [١١٨ / ١] قُلْنَا: الْآن قد أبديتم صفحة العناد فَإنَّا نعلم قطعا أَن رسل رَسُول الله ﷺ كَانُوا يخبرون عَن أَحْكَام لَا تتتلقى إلامنهم، وأنى يسوغ مِنْهُم أَن يدعوا أَن سكان إقليم الْيمن جبالها وسهلها كَانُوا قد سبقوا إِلَى معرفَة كل مَا أخْبرهُم معَاذ بن جبل ﵁، وَكَذَلِكَ وَجه التَّقْرِير عَلَيْهِم فِي الرُّسُل حَتَّى يصل الرُّسُل يخبرون عَمَّا حملُوا، وَهَذَا مَالا سَبِيل إِلَى جَحده. [١٠٤٤] وَقد اسْتدلَّ أَصْحَابنَا بفصلين، أَحدهمَا: قبُول الشَّهَادَات وَالْحكم بهَا مَعَ الاسترابة فِيمَا تشهد بِهِ الشُّهُود، وَقد قدمنَا فِي ذَلِك كلَاما مغنيا. والفصل الثَّانِي: الْمصير إِلَى قَول الْمُفْتِي فِي المجتهدات فَإِن هَذَا مجمع عَلَيْهِ لم يُنكره السّلف وَالْخلف مَعَ علمنَا بَان الَّذِي يُفْتِي بصدد الزلل.
следующие страницы →