← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أبي مُوسَى لما انْصَرف عَن بَابه ثمَّ رد عَلَيْهِ فَقَالَ معتذرا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الاسْتِئْذَان ثَلَاث فَإِن أذن لكم وَإِلَّا فانصرفوا قَالُوا فقد صَحَّ مِنْهُم رد الْأَحَادِيث. [١٠٤١] فَنَقُول لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرتموه معتصم فَأَما قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ فدليل عَلَيْكُم فَإِنَّهُ قبل فِيهَا خبر أَبَا بكر عمر وَأَنْتُم إِذا أنكرتم ثمَّ خبر الْآحَاد تنكرون خبر الثَّلَاثَة كَمَا تنكرون خبر الْوَاحِد، أما حَدِيث الْأَشْجَعِيّ فَإِنَّمَا رده عَليّ ﵁ لِأَنَّهُ لم يكن

стр. 737

عدلا موثوقا بِهِ على شَرَائِط الروَاة، وَلِهَذَا قَالَ عَليّ ﵁ فِي تهجينه مَا كنت لأقبل قَول أَعْرَابِي بوال على عَقِبَيْهِ، وأقصى مَا روى عَنهُ ﵁ أَنه كَانَ إِذا اتهمَ بعض الروَاة حلفه على رِوَايَته وَلَيْسَ هَذَا رد مِنْهُ لأخبار الثِّقَات. وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان فَإِنَّهُ من قبيل مَا سبق فَإِن عمر بن الْخطاب ﵁ مَا رد خَبره بل طلب من شهد لَهُ، وَأما حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس فقد اتهمها عمر بن الْخطاب ﵁ ولعمرنا كَانَت هِيَ متهمة فَإِنَّهَا نقلت خَبرا يَقْتَضِي نفس السُّكْنَى وَلم تنقل سَببه وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك إخْرَاجهَا من مسكن النِّكَاح بذاءة لسانها واستطالتها على أحمائها فنقلت

стр. 738

إخْرَاجهَا من مسكن النِّكَاح وَلم تتعرض لنقل الْمُقْتَضى لذَلِك فَتبين بطلَان مَا قَالُوهُ من كل وَجه، على أَن مَا استروحوا من طرق الرَّد لَا تبلغ أَنْت تكون استفاضة وَلكنهَا آحَاد، وَمَا استروحنا إِلَيْهِ ثَبت استفاضة. [١٠٤٢] وَمن اوضح مَا يسْتَدلّ بِهِ فِي الْمَسْأَلَة مَا ظهر عَن الرَّسُول ﷺ من بعثة الرَّسُول والحكام والولاة والسعاة فِي الأقطار جماعات ووحدانا، كتأميره أَبَا بكر الصّديق ﵁ فِي الْمَوْسِم وتوليته عمر ﵁ على الصَّدقَات وَبَعثه معَاذًا إِلَى الْيمن، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَلَا يحصر.

стр. 739

وَكَذَلِكَ سعاته، وخارصوه ﷺ كَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأبي عُبَيْدَة وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعَمْرو بن حزم، وَقيس بن عَاصِم، وَمَالك بن نُوَيْرَة، وَغَيرهم، فَهَذَا من أوضح الْأَدِلَّة

стр. 740

على أَنه كلف الْمَبْعُوث إِلَيْهِم الْعَمَل بالْخبر الْوَاحِد وتلقيه بِالْقبُولِ وَهَذَا مَا لَا منجا عَنهُ للخصم. [١٠٤٣] فان قَالُوا: إِن كَانَ يَبْعَثهُم فِي أُمُور سبق من الرَّسُول ﷺ إعلامهم إِيَّاهَا واتفاقهم عَلَيْهَا فَمَا كَانُوا / ينقلون الْأَحْكَام من الْأَخْبَار. [١١٨ / ١] قُلْنَا: الْآن قد أبديتم صفحة العناد فَإنَّا نعلم قطعا أَن رسل رَسُول الله ﷺ كَانُوا يخبرون عَن أَحْكَام لَا تتتلقى إلامنهم، وأنى يسوغ مِنْهُم أَن يدعوا أَن سكان إقليم الْيمن جبالها وسهلها كَانُوا قد سبقوا إِلَى معرفَة كل مَا أخْبرهُم معَاذ بن جبل ﵁، وَكَذَلِكَ وَجه التَّقْرِير عَلَيْهِم فِي الرُّسُل حَتَّى يصل الرُّسُل يخبرون عَمَّا حملُوا، وَهَذَا مَالا سَبِيل إِلَى جَحده. [١٠٤٤] وَقد اسْتدلَّ أَصْحَابنَا بفصلين، أَحدهمَا: قبُول الشَّهَادَات وَالْحكم بهَا مَعَ الاسترابة فِيمَا تشهد بِهِ الشُّهُود، وَقد قدمنَا فِي ذَلِك كلَاما مغنيا. والفصل الثَّانِي: الْمصير إِلَى قَول الْمُفْتِي فِي المجتهدات فَإِن هَذَا مجمع عَلَيْهِ لم يُنكره السّلف وَالْخلف مَعَ علمنَا بَان الَّذِي يُفْتِي بصدد الزلل.

стр. 741

وَلست أخْتَار لَك التَّمَسُّك بِهَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ ابْتِدَاء، فَإنَّك تكون فِي ذَلِك طاردا وَلَا تستمر دلالتك على سير الْأُصُولِيِّينَ، وقصاراه أَن يَقُول لَك الْخصم: قد ثَبت الشَّهَادَة وَالْفَتْوَى بِدلَالَة قَاطِعَة لم يثبت الْخَبَر بِمِثْلِهَا، [فتلجئك] الضَّرُورَة إِلَى ذكر الْأَدِلَّة على وجوب الْعَمَل بأخبار الْآحَاد فاكتف بِمَا سبق، وَأعد هذَيْن الْفَصْلَيْنِ لنقض شبه الْمُخَالفين. [١٠٤٥] فَإِن تمسك من أنكر الْعَمَل باخبار الْآحَاد بقوله : ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ . الْآيَة. [فقد] قدمنَا وَجه الْكَلَام على هَذِه الْآيَة فِيمَا سبق وَإِن استروحوا إِلَى رد الصَّحَابَة أَخْبَار الرَّسُول ﷺ الَّذِي نقلهَا الْآحَاد فقد قدمنَا فِيهِ كلَاما شافيا، وَإِن انعطفوا على شُبْهَة من منع التَّمَسُّك بأخبار الْآحَاد عقلا، فقد أوضحنا وَجه الرَّد عَلَيْهِم وتقصينا كل شُبْهَة لَهُم، على أَن كل مَا يتمسكون يبطل عَلَيْهِم بالشهادات وَالْفَتْوَى. [١٠٤٦] فَإِن اسْتدلَّ من شَرط الْعدَد فِي الرِّوَايَة بِبَعْض مَا قدمْنَاهُ من الْقَصَص فِي اشْتِرَاط الصَّحَابَة ﵃ رِوَايَتَيْنِ فِي جمل من الْأَحْكَام، فَأول مَا نفاتح بِهِ هَؤُلَاءِ أَن نقُول لَئِن سَاغَ لكم التَّمَسُّك بِمَا أشرتم إِلَيْهِ فَمَا

стр. 742

قَوْلكُم فِيمَا استفاض فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد كَمَا قبلوا خبر الصّديق فِي أَحْكَام، وقبلوا حَدِيث عَائِشَة فِي جمل من أَحْكَام الشَّرَائِع وَرجع عمر ﵁ إِلَى مَا روى عَليّ فِي قصَص لَا تحصى وَلَا تحصر، وَرَجَعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، وعول أهل الْعَصْر على رِوَايَة رَافع بن خديج فِي النَّهْي عَن المخابرة وَهَذَا مِمَّا يطول تتبعه وَكَذَلِكَ بعث رَسُول الله ﷺ أفرادا من رسله كمعاذ وَعمر وَغَيرهمَا وَبعث عليا وَحده إِلَى مَكَّة ليبين لَهُم بَرَاءَة الله من الْمُشْركين، فِي غير ذَلِك. وَأما الْقَصَص الَّتِي استروحوا إِلَيْهَا فَفِي كل وَاحِد مِنْهَا عذر بَين. وَأما حَدِيث الْمُغيرَة فِي مِيرَاث الْجدّة فانما توقف الصّديق ﵁ أَن الْمُغيرَة لم ينْقل لَفْظَة عَامَّة عَن الرَّسُول ﷺ وَلكنه نقل قَضَاء فجوز الصّديق ﵁ أَن يكون ذَلِك خَاصّا غير عَام فتوقف حَتَّى نقل

стр. 743

[١١٨ - ب] مُحَمَّد بن مسلمة لَفْظَة عَامَّة، وَأما حَدِيث عُثْمَان / ﵁ فقد قيل أَن الحكم ادّعى إِذن رَسُول الله ﷺ وَأقَام عُثْمَان مقَام الشُّهُود وَكَانَ مفصل حكم، فَاشْتَرَطُوا فِي ذَلِك عددا، على أَن من الصَّحَابَة من كَانَ يرد شَهَادَة الْقَرِيب للقريب، وَكَانَ الحكم قريب عُثْمَان، وَكَانَ ﵁ مَشْهُورا بِأَنَّهُ كلف بأقاربه وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان فَإِنَّمَا كَانَ لِأَن عمر بن الْخطاب ﵁ هم بتأديبه، فَلَمَّا روى الْخَبَر كَانَ كالدافع عَن نَفسه، فَاشْترط رِوَايَة غَيره فَبَطل مَا قَالُوهُ، وَقَامَت الْحجَّة عَلَيْهِم بعادات أَصْحَاب الرَّسُول ﷺ وبعثته ﷺ أَفْرَاد الرُّسُل فِي الأقطار. [١٠٤٧] ثمَّ نقُول للجبائي: لقد ابتدعت قولا لم تسبق إِلَيْهِ، وَمَا نرَاك إلاتوصلت إِلَى دَرك الْأَخْبَار، وَذَلِكَ أَنَّك قلت إِذا نقل عَن الرَّسُول ﷺ فَلَا بِدَم، اثْنَتَيْنِ ثمَّ إِذا نقل عَن الناقلين فَلَا بُد فِي كل نقل من ناقلين هَكَذَا إِلَى أَن تَنْتَهِي النّوبَة إِلَيْنَا، وَنحن نعلم أَن هَذَا الْعدَد لَو جمع وَقد توالت الْأَعْصَار وَبلغ النقلَة عشرَة فَصَاعِدا فيبلغون عدد التَّوَاتُر، وَيزِيدُونَ، وَلَو تتبعنا الْأَخْبَار لم نجد فِيهَا على شرطك إِلَّا الْقَلِيل، فَهَذَا تَصْرِيح مِنْكُم برد أَخْبَار الرَّسُول ﷺ .

стр. 744

فأوضح بالمذاهب وانتمى إِلَى الروافض وَإِلَى أدمن الْأَخْبَار. (١٨٣) القَوْل فِي صِفَات الروَاة [١٠٤٨] اعْلَم، وفقك الله، أَن الْعلمَاء أَجمعُوا على أَن الْخَبَر لَا يقبل من كل أحد وَاتَّفَقُوا على إِن الَّذين يقبل خبرهم وَيجب الْعَمَل بِهِ يتميزون عَن الَّذين يرد خبرهم بأوصاف، اخْتلفُوا فِي بَعْضهَا، وَاتَّفَقُوا فِي بَعْضهَا، وَنحن نذْكر الْآن مِنْهَا مَا فِيهِ كِفَايَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فَأول مَا نبدأ بِهِ أَن نقُول: الشَّرْط ان يحْتَمل الْخَبَر مُمَيّز ضَابِط فَلَو قَرَأت مسامع الصَّبِي الَّذِي لَا يُمَيّز الْأَخْبَار لم يجز لَهُ رِوَايَتهَا إِذا بلغ مبلغ الرِّوَايَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَعَ الِاتِّفَاق أَن الرِّوَايَة فِي التَّحْقِيق إِنَّمَا هُوَ نقل مَا سَمعه، وَلنْ يتَحَقَّق نقل مَا سَمعه إِلَّا بعد أَن يُعلمهُ، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْمَجْنُون لَو سمع فِي جُنُونه ثمَّ أَفَاق لم يسع رِوَايَة لَهُ. [١٠٤٩] فَإِن قيل: أفتشترطون أَن يعلم مَعَاني الْأَخْبَار؟ قُلْنَا: لَا نشترط ذَلِك، كَيفَ وَلَا نشترطه فِي الرِّوَايَة فَإنَّا نصحح رِوَايَة الشي ءمع أَن الرَّاوِي لَا يعلم مَعْنَاهُ فَإِذا لم نشترطه فِي الرِّوَايَة فَكيف

стр. 745

نشترطه فِي التَّحَمُّل، فَهَذَا مَا لَا نشترط فِي التَّحَمُّل. [١٠٥٠] فَأَما مَا عداهُ من الْأَوْصَاف الْمَشْرُوطَة فِي الأدار أَو الرِّوَايَة فَلَا نشترط فِي التَّحَمُّل، [فَلَو] تحمل وَهُوَ فَاسق أَو كَافِر ثمَّ استجمع شَرَائِط الروَاة فروى مَا علم هُوَ لصَحَّ ذَلِك فَهَذَا فِي التَّحَمُّل عَنهُ. [١٠٥١] فَأَما فِي الرِّوَايَة فَلَا بُد من أَوْصَاف. أَحدهمَا: كَمَال الْعقل، وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ وَهُوَ وَاضح بطرِيق الْحجَّاج. وَمِنْه: الْإِسْلَام، فَإِن الْكَافِر لَا تقبل رِوَايَته لإِجْمَاع الْأمة، وَمِنْهَا: الْبلُوغ، فَإِن الصَّبِي لَا تقبل رِوَايَته للْأَخْبَار، وَقد ادّعى القَاضِي ﵁ فِي ذَلِك الْإِجْمَاع، وَهَذَا مَا الفيته فِي كتب الْأُصُول، وَكَانَ

стр. 746

الإِمَام ﵁ / يَحْكِي وَجها بَعيدا فِي صِحَة رِوَايَة الصَّبِي وَلَعَلَّه [١١٩ / ١] قد كَانَ أسْقطه، وَالله أعلم، ثمَّ أعتلوا من اشْتِرَاط الْبلُوغ فَقَالُوا: رددنا رِوَايَة الْفَاسِق لقلَّة مبالاته واكتراثه بالديانة وَالْأَمَانَة واجترائه على الْكَبَائِر وَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق فِي الصَّبِي إِذا علم بِأَنَّهُ لَا يُكَلف وَلَا يُؤَاخذ بِمَا يبدر مِنْهُ، فَهَذَا أولى بِأَن يجريه على الْكَذِب من الْفسق، فَإِن الْفَاسِق من اجترائه رُبمَا يتداخله فِي الْأَحَايِين الْمُؤَاخَذَة فِي الْعَاقِبَة، وَالصَّبِيّ لَيْسَ كَذَلِك، وَاعْتَلُّوا ايضا بِأَن إِقْرَاره على نَفسه لَا يقبل فَلِأَن لايقبل خَبره فِي حق غَيره أولى وَهَذَا فِيهِ دخل فان العَبْد رُبمَا لَا يقبل إِقْرَاره على نَفسه فِي حكم وَلَو نقل فِيهِ خَبرا عَن الرَّسُول ﷺ قبل مِنْهُ. وَالَّذِي عول القَاضِي عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْإِجْمَاع، فاعلمه. [١٠٥٢] وَمن الْأَوْصَاف الْمَشْرُوطَة فِي الرِّوَايَة: الْعَدَالَة، فَاعْلَم أَن الْفسق مهما ظهر اقْتضى ذَلِك رد الرِّوَايَة إِجْمَاعًا. ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء بعد

стр. 747

ذَلِك فَذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀ إِلَى أَن من ثَبت إِسْلَامه ظَاهرا وَلم نعلم مِنْهُ فسقا فَهُوَ فِي حكم الرِّوَايَة عدل، قَالُوا كَذَلِك فِي الشَّهَادَة على الْأَمْوَال، وَأَجْمعُوا اشْتِرَاط ثُبُوت الْعَدَالَة فِي الشَّهَادَة على الْحُدُود وَمَا يتَعَلَّق بالأبضاع، وسنفرد الْكَلَام عَلَيْهِم بعد الْفَرَاغ من تَفْصِيل الْمذَاهب. وَمَا اخْتَارَهُ الدهماء من الْعلمَاء الْقَائِلين بأخبار الْآحَاد أَنا لَا نكتفي بِمَا اكتفوه بِهِ وَلَكنَّا نشرط ثُبُوت أَوْصَاف الْعَدَالَة فِي الشَّهَادَة وَالْعلم بهَا أَو غَلَبَة الظَّن. [١٠٥٣] فَإِن قيل: فَمَا الْعَدَالَة الَّتِي ذكرتموها؟ قيل: قد أَكْثرُوا فِي ذَلِك وَلم يُحَقّق أحد فِي ذَلِك قولا جَامعا مَانِعا، وَأكْثر مَا قَالَه الشَّافِعِي ﵁ أَن قَالَ: لَيْسَ فِي النَّاس من يمحض الطَّاعَة فَلَا يمزجها بِمَعْصِيَة وَلَا فِي الْمُسلمين من يمحض الْمعْصِيَة

стр. 748

فَلَا يمزجها بِطَاعَة، وَلَا سَبِيل إِلَى رد الْكل وَلَا إِلَى قبُول الْكل وَإِذا كَانَ الْأَغْلَب على الرجل من أمره الطَّاعَة والمروءة قبلت شَهَادَته، وَإِذا كَانَ الْأَغْلَب من أمره الْمعْصِيَة وَخلاف الْمُرُوءَة ردَّتْ شَهَادَته وَرِوَايَته. قَالَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي فِيمَن قارف كَبِيرَة ردَّتْ شَهَادَته وَمن قارف صَغِيرَة لم ترد شَهَادَته وَلَا رِوَايَته، وتتابع الصَّغَائِر كمقارفة الْكَبَائِر وَقَالَ هُوَ أَيْضا: لَو ثَبت كذب الرَّاوِي لردت شَهَادَته إِذا تَعَمّده، وَإِن كَانَ لَا يعد الْكَذِب فِيهِ من الْكَبَائِر، لِأَنَّهُ قَادِح فِي نفس الْمَقْصُود بالرواية. وَقد ذكر القَاضِي ﵁ عبارَة جَامِعَة فِي الْعَدَالَة فَقَالَ: الْعَدَالَة اتِّبَاع أَمر الله على الْجُمْلَة، وَمُخَالفَة أَمر الله تَعَالَى تضَاد الْعَدَالَة، ثمَّ تثبت الْعَدَالَة فِي شَيْء بِاتِّبَاع أَمر الله فِيهِ، وَلَا يمْنَع من تحَققه ثُبُوت الْمُخَالفَة فِي غَيره. [١٠٥٤] فَإِن قيل: فَهَذَا ذكر على الْجُمْلَة فَمَا عَدَالَة الرَّاوِي. قُلْنَا: لَا نشترط تحقق الْعَدَالَة فِيهِ من كل وَجه لما قدمْنَاهُ. وَلَكِن إِجْمَاع القَوْل فِيهِ أَن يُقَال: الْعدْل المشتهر بأَدَاء الْفَرَائِض وامتثال الْأَوَامِر وتوقي المزاجر وَاجْتنَاب مَا / مرض الْقُلُوب وَيُورث التهم فِيمَا جلّ وَقل فَيخرج لنا من مَضْمُون ذَلِك عبارَة وحيدة وَهِي أَنا نشترط أَن لَا يقدم الرَّاوِي على مَا إِذا أقدم عَلَيْهِ أورث ذَلِك تُهْمَة ظَاهِرَة فِي رِوَايَته، وَلَا فرق بَين أَن يكون من الصَّغَائِر أَو من الْكَبَائِر.

стр. 749

وَأما الْكَبَائِر فَلَا شكّ أَن الْإِقْدَام عَلَيْهَا يُورث التهم، والصغائر على الانقسام، فَرب صَغِيرَة تورث ذَلِك، فَإنَّك إِذا رَأَيْت الرجل سرق بصلَة أَو باذنجانة أَو مَا أشبههما أَو يطفف الْمِكْيَال وَالْمِيزَان فِي حَبَّة فَهَذَا لَا [يقطع] أَن يكون كَبِيرَة وَرُبمَا كُنَّا بمجاري الْعَادَات نعلم أَن من أقدم على مثل ذَلِك فَيُؤَدِّي بقلة نزاهته ورقة أَمَانَته، فاضبط ذَلِك ايأس من ضبط أَوْصَاف محصورة يُقَال أَنَّهَا الْعَدَالَة الْمَشْرُوطَة وَإِنَّمَا عظم الِاجْتِهَاد فِي التَّعْدِيل وَالْجرْح لخُرُوج صفاتهما عَن الضَّبْط والحصر. [١٠٥٥] فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل تشترطون مَعَ مَا ذكرتموه التوقي عَن الْمُبَاحَات القادحات فِي المروءات نَحْو الْجُلُوس على قوارع الطّرق وَالْأكل فِي الاسواق ومصاحبة الْعَوام الأرذال والإكثار من المداعبة. فَقَالَ القَاضِي ﵁: من عُلَمَائِنَا من صَار إِلَى أَن ذَلِك يقْدَح فِي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة. ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِك ان لَا يقطع القَوْل بذلك بل نفوض الْأَمر إِلَى اجْتِهَاد القَاضِي فَرب شخص فِي نِهَايَة التورع والتدين يبدر مثل ذَلِك مِنْهُ فَلَا يتهم وَيعلم أَن قَصده ترك الرِّيَاء وتجنب التَّكَلُّف وَرب شخص يُؤذن صُدُور ذَلِك مِنْهُ بقلة مبالاته، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى ضَبطه وَيخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات والاحوال والأشخاص فَلَا وَجه للْقطع فِيهِ وَلَكِن

стр. 750

تَفْوِيض الْأَمر فِيهِ إِلَى الِاجْتِهَاد. (١٨٤) مَسْأَلَة [١٠٥٦] ذكرنَا من أصلنَا أَن لَا نجتزي فِي قبُول رِوَايَة الرَّاوِي بِظُهُور الْإِسْلَام وَعدم الْعلم بِالْفِسْقِ بل نبحث عَن حَاله سرا وعلنا لنعلم أَو يغلب على ظننا اتصافه بِمَا قدمْنَاهُ من الْأَوْصَاف. وَذهب بعض الْعلمَاء من أهل الْعرَاق إِلَى الِاكْتِفَاء بِالظَّاهِرِ فِي الرِّوَايَة، نستدل عَلَيْهِم بِالشَّهَادَةِ فِي الْحُدُود فَنَقُول: ألستم شرطتم الْعَدَالَة

стр. 751

فِيهِ وسبيله سَبِيل الْأَخْبَار، فَهَلا شرطتم مثل ذَلِك فِي الروايه؟ فَإِن قيل: قد افترق البابان فَإِن الْأَمر فِي الشَّهَادَة أغْلظ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ اعْتِبَار الْعدَد فِيهِ. قُلْنَا: فَهَذَا الَّذِي ذكرتموه بِالْعَكْسِ أولى فَإِن الَّذِي لم يشْتَرط فِيهِ الْعدَد لَو لم يُبَالغ فِي تطلب الْعَدَالَة كَانَ ذَلِك نِهَايَة التَّفْرِيط، فَهَذَا بِالِاحْتِيَاطِ أولى، على أَن مَا ذَكرُوهُ يبطل بالمفتي فَإِنَّهُ يشْتَرط ظُهُور عَدَالَته واستجماعه لشرائط الْفَتْوَى مَعَ أَنه لَا يشْتَرط عدد. [١٠٥٨] وعَلى هَذَا الْوَجْه اسْتدلَّ القَاضِي ﵁ بالشهادات من طَرِيق آخر فَقَالَ: إِذا شهِدت طَائِفَة من الشُّهُود على شَهَادَة أُخْرَى فَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنا نبحث عَن عَدَالَة الْأُصُول وَلَا نكتفي بِشَهَادَة هَؤُلَاءِ الْعُدُول على شَهَادَتهم وَإِن كَانَ ظَاهرا شَهَادَة الْعُدُول تنبىء عَن مَنْهَج الْعُلُوم السمعية فِي الْمسَائِل المجتهدة فَإِنَّمَا الَّذِي يُقَوي ذَلِك شَيْئَانِ اثْنَان أَحدهمَا أَن نقُول: [١٢٠ / ١] نَحن نعلم أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مَا كَانُوا يقبلُونَ إِلَّا مِمَّن ظَهرت عَدَالَته ووضحت أَمَانَته وَكَانُوا يتخيرون فِي ذَلِك ويبحثون أَشد الْبَحْث حَتَّى كَانَ عَليّ ﵁ يزِيد على ذَلِك فَيحلف بعض الروَاة. وَهَذَا فِيهِ نظر أَيْضا، فَإِن آكِد مَا يعتصم بِهِ أَن نقُول: الْعَمَل بأخبار الْآحَاد مِمَّا لَا يسْتَدرك وُجُوبه عقلا وَقد قدمنَا فِي ذَلِك مَا فِيهِ كِفَايَة فَإِذا وضح ذَلِك تبين أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِنَّمَا ثَبت بِدلَالَة سمعية قَاطِعَة وَقد قَامَت

стр. 752

الْأَدِلَّة القاطعة على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل المستجمع للأوصاف الَّتِي قدمناها، وَبَقِي تنازعنا فِي الَّذِي لم تظهر عَدَالَته فَإِن أبدوا شَيْئا من أدلتهم وَزَعَمُوا أَنه قَاطع تفصينا عَنهُ بأوضح وَجه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [١٠٥٩] فَإِن استدلوا بِأَن قَالُوا: لقد قبل رَسُول الله ﷺ شَهَادَة أَعْرَابِي فِي رُؤْيَة الْهلَال وَهَذَا اكْتِفَاء مِنْهُ بِالظَّاهِرِ. قيل لَهُم: هَذَا إِثْبَات مِنْكُم لنَوْع من أَخْبَار الْآحَاد بِخَبَر من أَخْبَار الْآحَاد وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ فَإِن طَرِيق إِثْبَات أصل أَدِلَّة الشَّرْع القواطع، على أَنا نقُول وَكَونه أَعْرَابِيًا لَا يمْنَع أَن يكون عدلا عِنْد رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ لكم فِي الحَدِيث معتصم فَكَمَا لم ينْقل فِي الْخَبَر عَدَالَته فَكَذَلِك لم ينْقل إِسْلَامه وَقد اتفقنا على اشْتِرَاطه. فَإِن استدلوا بِأَن قَالُوا: لَا مَعْصِيّة قبل الْبلُوغ وَمن بلغ أَوَان حلمه بَرِيئًا فَالْأَصْل بَقَاء هَذِه الْحَالة حَتَّى يرفعها رَافع.

стр. 753

قُلْنَا: هَذَا من أعظم الْكَلَام فَأول مَا يلْزم عَلَيْهِ الشَّهَادَات فِي صُورَة الِاتِّفَاق وَكَذَلِكَ حَال الْمُفْتِي فِي ورعه، ثمَّ نقُول: رُبمَا يبلغ ويقارف أول بُلُوغه مَعْصِيّة فَلم أدعيتم بَرَاءَته عِنْد بُلُوغه؟ ثمَّ نقُول: هَذَا الَّذِي ذكرتموه ينعكس عَلَيْكُم فِيمَا لَا مدفع لَهُ فَإنَّا نقُول: ألستم قُلْتُمْ أَن انْتِفَاء الْمعْصِيَة فِي بَدْء الْأَمر مستيقن ثمَّ إِذا استصحبنا الْحَال لم يدم لنا الْيَقِين فِي ذَلِك، فَكَمَا لَا يَقْتَضِي الِاسْتِصْحَاب دوَام الْيَقِين فَكَذَلِك مَا نَحن فِيهِ، وسنتكلم فِي الِاسْتِصْحَاب بأوضح وَجه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [١٠٦٠] فَإِن قَالُوا: فَإِن أخبرنَا مخبر عَن نَجَاسَة مَاء أَو طَهَارَته فَلَا يشْتَرط أَن يكون على وصف الْعُدُول، فَالْجَوَاب السديد فِي هَذَا وَأَمْثَاله أَن يُقَال: مَا ثَبت فِيهِ إِجْمَاع قُلْنَا فِيهِ من ظَاهر الْعَدَالَة للاتفاق، وَمَا لم يقم فِيهِ إِجْمَاع لم نعمل بِهِ حَتَّى تكون دلَالَة قَاطِعَة، فَمَا اسْتشْهدُوا بِهِ مِمَّا لايدعى الْإِجْمَاع فِيهِ. فَإِن قُلْنَا: لَا يشْتَرط فِيهِ الْعَدَالَة لم يبعد، هَذَا مَا قَالَ القَاضِي ﵁. [١٠٦١] وَمِمَّا يشْتَرط فِي الشَّهَادَة والراوي أَن لَا يكون مغفلا، فانه وَإِن استجمع جملَة مَا قدمْنَاهُ من الْأَوْصَاف فَإِذا غلب عَلَيْهِ النسْيَان والغفلة فَلَا نَأْمَن تحريفه كَمَا لَا نَأْمَن اجتراء الْفَاسِق على تعمد الْكَذِب. (١٨٥) فصل [١٠٦٢] قد قدمنَا فِيمَا سبق رِوَايَة الصَّبِي لَا تصح، وَيصِح تحمله،

стр. 754

ثمَّ يُؤَدِّي مَا تحمله فِي بُلُوغه وَذهب بعض المنتمين إِلَى الْأُصُول أَن التَّحَمُّل لَا يَصح إِلَّا من بَالغ عَاقل وَمَا سَمعه الصَّبِي فِي صباه لم يَصح مِنْهُ رِوَايَته وَهَذَا أقرب من خرق الْإِجْمَاع فانا نعلم أَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَابْن عمر والنعمان بن بشير وَغَيرهم رووا عَن رَسُول الله ﷺ بعد مَا

стр. 755

بلغُوا مَا رَوَوْهُ فِي صباهم وَلم يُنكر عَلَيْهِم. [١٠٦٣] فَإِن قَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذين عددتموهم بلغُوا فِي عصر [١٢٠ / ٥] الرَّسُول / ﷺ قُلْنَا: فنعلم قطعا أَنهم لم يقتصروا على رِوَايَة مَا شاهدوه بعد الْبلُوغ وَتَقْدِير هَذَا تكلّف، فَإِنَّهُ بَين إِن شَاءَ الله ثمَّ ابْن عَبَّاس كَانَ ابْن سبع لما توفّي رَسُول الله ﷺ وَمَا بلغ ابْن الزبير حلمه أَيْضا فِي حَيَاته ﷺ .

стр. 756

(١٨٦) بَاب يجمع القَوْل فِي التَّعْدِيل وَالْجرْح وَعدد الْمعدل والجارح وَصفَة التَّعْدِيل وَالْجرْح [١٠٦٤] اخْتلف الْعلمَاء فِي أَنا هَل نجتزئ فِي تَعْدِيل الرَّاوِي وتزكيته بمعدل وَاحِد، فَمَا صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْهُم أَنا نكتفي بِعدْل وَاحِد وَكَذَلِكَ نكتفي بجارح وَاحِد وَذهب بعض الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَن تَعْدِيل الرَّاوِي لَا يثبت إِلَّا بعدلين. [١٠٥] وَأما تَعْدِيل الشُّهُود فَالْمَشْهُور من الْمذَاهب أَنه لَا يثبت إِلَّا

стр. 757

بمزكيين، وَالْقَاضِي ﵁ يُشِير فِي تضاعيف الْكَلَام إِلَى الِاكْتِفَاء بمزك وَاحِد فِي الشُّهُود على مَا نشِير إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [١٠٦٦] وَالدَّلِيل على الِاكْتِفَاء بمعدل وَاحِد فِي الرِّوَايَة مَا قدمنَا من أوضح الْحجَج فِي قبُول خبر الْوَاحِد وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ، وأخبار الْمعدل عَن عَدَالَة الرَّاوِي من قبيل الْأَخْبَار فَوَجَبَ الْعَمَل بِمُوجبِه مَعَ اتحاده، وَالدَّلِيل على أَنه أَخْبَار أَنه غير مُتَّصِل بفصل الْقَضَاء وَغير مُرْتَبِط بِالدَّعْوَى وَلَا يشْتَرط فِيهِ لفظ الشَّهَادَة، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك وجوب الِاكْتِفَاء بالمفتي الْوَاحِد لما لم يكن سَبيله سَبِيل الشُّهُود، وَمن مُوجب ذَلِك ارْتكب القَاضِي ﵁ اتِّحَاد الْمُزَكي للشُّهُود من حَيْثُ أَن تزكيته لم تجر مجْرى الشَّهَادَات، على أَن قَارنا لَو قرن بَين معدل الشُّهُود ومعدل الروَاة بِأَن الشُّهُود لما اشْترط فيهم الْعدَد جَازَ أَن يشْتَرط فِي معدليهم الْعدَد وَلما لم يشْتَرط الْعدَد فِي الرِّوَايَة لم يشْتَرط فِي تزكيتهم. [١٠٦٧] فَإِن قيل: فَقولُوا على طرد ذَلِك أَن التَّزْكِيَة تقبل من الْعَاميّ كَمَا تقبل رِوَايَته؟

стр. 758

قيل: هَذَا فرق وَحَقِيقَته الْجمع فَإنَّا نشترط أَن يكون الرَّاوِي على صفة من يعلم الْمَرْوِيّ وَالْمَنْقُول على وَجه م نَقله، فَلَو تصور أَن يعلم الْعَاميّ صِفَات الْعَدَالَة حَتَّى ينقلها على علم وَضبط لصَحَّ ذَلِك مِنْهُ، فَلَمَّا لم يتَصَوَّر مِنْهُ مَعَ الْخُلُو عَن ضروب من الْعُلُوم الْعلم بِالْعَدَالَةِ لم يَصح مِنْهُ التَّعْدِيل، وَلما صَحَّ مِنْهُ نقل عين مَا سَمعه قبلت رِوَايَته فِيهِ، فَكل مِنْهُمَا يقبل مِنْهُ بالغلبة على الْقلب إِلَى نَقله على الْعلم فالمعاني تتبع دون الصُّور. (١٨٧) فصل [١٠٦٨] فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا اللَّفْظ الَّذِي إِذا صدر من الْعدْل للشَّاهِد أَو الرَّاوِي يَكْتَفِي بِهِ؟ قُلْنَا: ذهب مَالك ﵀ وَأهل الْمَدِينَة إِلَى أَنا نكتفي بِأَن يَقُول الْمعدل فلَان عدل رَضِي. وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀: يَنْبَغِي أَن يَقُول فلَان عدل مَقْبُول [القَوْل] عَليّ ولي، وَإِن كَانَ شَاهدا قَالَ هُوَ مَقْبُول الشَّهَادَة عَليّ ولي. [١٠٦٩] قَالَ القَاضِي ﵁: وَالظَّن بهؤلاء الْأَئِمَّة أَنهم مَا قصدُوا حصر التَّعْدِيل فِي عبارَة مَخْصُوصَة وَلَكِن ابتدر كل وَاحِد إِلَى عبارَة وفَاقا تنبىء عَن الْمَقْصُود. والسديد أَن يُقَال: بنبغي أَن يبدر الْمعدل لَفْظَة تَقْتَضِي تَعْدِيل الرَّاوِي وَالشَّاهِد بِحَيْثُ تَنْتفِي عَنهُ الِاحْتِمَالَات والتجويزات.

стр. 759

(١٨٨) فصل [ ١٢١ / ١] [١٠٧٠] اعْلَم، أَن صِفَات الْعَدَالَة تخْتَلف فَمِنْهَا مَا يشْتَرك / فِي دركها الْعَام الْخَاص وَمِنْهَا: لَا يُحِيط بهَا إِلَّا أولُوا الْعلم. . فَالَّذِي يشْتَرك فِيهَا الْعَام وَالْخَاص فنحو إِقَامَة الْفَرَائِض الظَّاهِرَة وتجنب الْفَوَاحِش الموبقة. وَالَّذِي يخْتَص بِهِ الْخَواص فَهُوَ نَحْو الْعلم بالضبط والتيقظ ووجوه تَحْصِيل الْعلم. [١٠٧١] ثمَّ اعْلَم مَا ذَكرْنَاهُ من التَّعْدِيل والتزكية إِنَّمَا هُوَ فِي حق من يخفى حَاله، وَأما الَّذِي اشْتهر من النَّاس بالديانة وَالْأَمَانَة وَشهِدت لَهُ بِهِ النُّفُوس بِصِفَات الْمَدْح فَلَا حَاجَة فِي تَعْدِيل مثله، واستفاضة الْأَخْبَار على مر الْأَعْصَار أقوى من تَعْدِيل وَاحِد أَو اثْنَيْنِ.

стр. 760

(١٨٩) فصل [١٠٧٢] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا عدل الْمعدل الرَّاوِي أَو الشَّاهِد فَهَل تشترطون أَن يُفَسر وَجه التَّعْدِيل والنعوت الَّتِي عدله لأَجلهَا؟ قُلْنَا: مَا صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور من الْعلمَاء أَن ذَلِك لَا يشْتَرط فِي الْمعدل أصلا. وَذهب شرذمة إِلَى اشْتِرَاط الشَّرْح فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف الظَّاهِر فِي الْجرْح فَمَا صَار إِلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَن من جرح رَاوِيا وَشَاهدا فَلَا يقبل جرحه حَتَّى يبين سَببه، هَكَذَا قَالَ القَاضِي ﵁ وَغَيره من الْأَئِمَّة.

стр. 761

[١٠٧٣] وَالَّذِي اخْتَارَهُ القَاضِي ﵁ أَن ذَلِك لَا يشْتَرط فِي الْعدْل إِذا عدل وَلَا إِذا جرح. ثمَّ قسم الْكَلَام على وَجه ينطوي على تَفْصِيل الْمذَاهب وتثبيته فَقَالَ: إِن كَانَ الْمخبر عَن الْعَدَالَة وَالْجرْح مِمَّن يوثق بِهِ فِي علم مَا يجرح بِهِ وَعلم مَا يعدل بِهِ فَيقبل مِنْهُ الْجرْح الْمُطلق وَالتَّعْدِيل الْمُطلق، وَلَا يتجسس كَمَا أَن الْعدْل لَو شهد على بيع أَو نِكَاح أَو مَا شابههما من الْعُقُود والفسوخ وَنَحْوهمَا بِالصِّحَّةِ فَيحكم بِظَاهِر شَهَادَته وَلَا نسائله عَن لفظ العقد وَصفته وَإِن كنت تعلم أَن الِاجْتِهَاد لَهُ أعظم المجال فِي مَوَاضِع الْعُقُود وصحتها

стр. 762

وفسادها، وَكَذَلِكَ يقبل مِنْهُ التَّعْدِيل الْمُطلق. وَإِن كَانَ من يخبر عَن الْجرْح وَالتَّعْدِيل غير عَالم بِمَا يَقع بِهِ التَّعْدِيل وَالْجرْح فَلَا يقبل مِنْهُ مَا يُطلقهُ وَلَكِن لَو أخبر عَن أَوْصَاف ضَبطهَا من الرَّاوِي وَالشَّاهِد وَكَانَ موثوقا بِهِ قبلناها ثمَّ نَظرنَا فِيهَا فعدلنا أَو جرحنا. [١٠٧٤ فَإِن فصل فاصل بَين التَّعْدِيل وَالْجرْح أَن الْخلاف يكثر فِي الْجرْح فَلَا نَأْمَن أَن يجرح بِمَا يَعْتَقِدهُ جرحا وَالْقَاضِي لَا يَعْتَقِدهُ كَذَلِك فَلذَلِك استسفرناه. قُلْنَا: فَهَذَا يبطل بالتعديل فَإِن فِيهِ الِاخْتِلَاف أَيْضا ثمَّ لم يشْتَرط فِيهِ الْكَشْف وَيبْطل بِالشَّهَادَةِ على مُطلق الْعُقُود فَإنَّا لَا نشترط فِيهَا الاستكشاف مَعَ علمنَا بِوُقُوع الْخلاف فِيهَا. [١٠٧٥] فَإِن قَالُوا: السَّبَب الَّذِي يَقع بِهِ الْجرْح لَا يطول ذكره

стр. 763

وأوصاف الْعَدَالَة يطول ذكرهَا قُلْنَا: لَيْسَ يطول ذكر أَوْصَاف الْعَدَالَة وَيُمكن حصرها فِي أسطر، ثمَّ الْوَاجِبَات لَا يسْقط بالطول وَالْقصر، فَبَطل مَا قَالُوهُ، فَلَا يظهرون فِي الْجرْح عِلّة إِلَّا وَهِي تنعكس فِي التَّعْدِيل. [١٩٠] فصل [١٠٧٦] الرَّاوِي إِذا عدله معدل يقبل تعديله وجرحه جارح يقبل جرحه لَو قدر مُفردا وَالْجرْح أولى من التَّعْدِيل، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الشَّاهِد إِذا عدل وجرح، وَهَذَا إِجْمَاع الْعلمَاء وَهُوَ أقوى الْحجَج، فاكتف بِهِ، على

стр. 764

أَنَّك تعضده فَتَقول الْجرْح ينبىء عَن زِيَادَة خلا عَنْهَا التَّعْدِيل، فَكَأَن الْجَارِح يصدق الْمعدل فِي الْأَوْصَاف الَّتِي أخبر عَنْهَا ويخبر عَن صفة كامنة ذهل عَنْهَا الْمعدل، فَيَقُول صدق الْمعدل / بيد أَنه لم يطلع على مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ، وَلَو [١٢١ / ب] أَرَادَ الْمعدل نفي مَا أثْبته الْجَارِح كَانَ مخبرا عَن نفي والإخبار عَن النَّفْي يضعف وَلذَلِك ردَّتْ الشَّهَادَة على النَّفْي. [١٠٧٧] وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِيهِ إِذا اتَّحد الْمعدل والجارح أَو اسْتَويَا فِي الْعدَد. فَأَما إِن كثر عدد المعدلين وَقل عدد الجارحين فقد صَار بعض الْعلمَاء إِلَى ان الْعَدَالَة فِي مثل هَذِه الصُّورَة أولى وَهَذَا غير سديد فَإِن كل وَاحِد من الْجرْح وَالتَّعْدِيل يسْتَقلّ بِنَفسِهِ لَو قدر مُفردا فَالزِّيَادَة لَا تَقْتَضِي تَغْيِير ذَلِك، وَالَّذِي يُوضحهُ أَن عشرَة من

стр. 765

الْعُدُول لَو شهدُوا على ثُبُوت دين وَشهد عَدْلَانِ على إِبْرَاء مُسْتَحقَّة عَنهُ فتقضي بِالْإِبْرَاءِ فَإِنَّهُمَا أخبرا عَمَّا أخبر الشُّهُود عَنهُ وانفردا بِزِيَادَة علم وَهَذَا شَأْن الْجَارِح مَعَ المعدلين على مَا قدمْنَاهُ. (١٩١) فصل [١٠٧٨] الْعدْل الثِّقَة إِذا روى عَن إِنْسَان خَبرا فروايته لَا تكون تعديلا مِنْهُ للَّذي روى عَنهُ، هَذَا مَا صَار إِلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَذهب بعض من لَا يحصل علم هَذَا الْبَاب إِلَى أَن الرِّوَايَة عَنهُ تَعْدِيل وَهَذَا بَاطِل من

стр. 766

وَجْهَيْن، أَحدهمَا أَنا نرى الْأَئِمَّة يروون الضَّعِيف من الْأَخْبَار كَمَا يروون الصَّحِيح مِنْهَا لأغراض لَهُم فِي علم الصَّنْعَة، فَلَا سَبِيل إِلَى الِاسْتِدْلَال بروايتهم على تَعْدِيل الَّذين رووا عَنْهُم. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْعدْل قد يروي عَمَّن لم يعرفهُ بعدالة وَلَا جرح فيصمت عَن وَصفه بهما جَمِيعًا فَمن هَذَا الْوَجْه بَطل الِاسْتِدْلَال بروايته، اللَّهُمَّ أَن يَقُول الْعدْل اعلموا أَنِّي لَا أروي إِلَّا عَن موثوق بِهِ فَإِذا صدر مِنْهُ مثل هَذَا القَوْل فَتكون رِوَايَته تعديلا. (١٩٢) فصل [١٠٧٩] إِذا روى الرَّاوِي خَبرا وَعمل بِهِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يجوز أَنه عمل بِدلَالَة أُخْرَى من خبر أَو قِيَاس أَو غَيرهمَا، وَوَافَقَ عمله مُوجب الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ، فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا يكون عمله بِهِ تعديلا، وَإِن تحقق عندنَا أما بقوله وَإِمَّا بقرائن الْأَحْوَال أَنه لم يعْمل إِلَّا بالْخبر الَّذِي رَوَاهُ فَيكون عمله بِهِ تعديلا لَا محَالة وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى ان عمله بِهِ لَا يكون

стр. 767

تعديلا. [١٠٨٠] وَالَّذِي يُوضح مَا قُلْنَاهُ أَن نقُول: إِذا تحقق عندنَا كَون الْمعدل عدلا موثوقا بِهِ فِي دينه وأمانته، وتقرر مَعَ ذَلِك علمه بِمَا يَقع بِهِ التَّعْدِيل وَالْجرْح، فَإِذا استجمعت هَذِه الْأَوْصَاف فالظن بِظَاهِر فعله مَعَ اعتقادنا فِيهِ اجْتِنَاب الزلل وَالْخَطَأ على تعمد فينبىء ظَاهر فعله عَن التَّعْدِيل كَمَا ينبى قَوْله عَن ذَلِك وَلَو سَاغَ حمل فعله على غير وَجه الصِّحَّة سَاغَ ذَلِك فِي قَوْله. ٣ [١٠٨١] فَإِن قيل: فيلزمكم على اطراد ذَلِك أَن تَقولُوا إِذا روى الْعدْل عَن إِنْسَان وَترك الْعَمَل بِمَا رَوَاهُ فَيكون ذَلِك جرحا مِنْهُ، قَالَ القَاضِي ﵁: إِن تحقق تَركه الْعَمَل للْخَبَر مَعَ ارْتِفَاع الدوافع والموانع وتقرر عندنَا تَركه مُوجب الْخَبَر على انه لَو كَانَ ثَابتا للَزِمَ الْعَمَل بِهِ فَيكون ذَلِك جرحا نازلا

стр. 768

منزلَة القَوْل وَإِن كَانَ مَضْمُون الْخَبَر مِمَّا سوغ تَركه وَلم يتَبَيَّن قَصده إِلَى مُخَالفَة الْخَبَر فَلَا يكون ذَلِك جرحا حِينَئِذٍ، وَنَظِيره مَا لَو عمل بِمَا يُوَافق مُوجب الْخَبَر وجوزنا أَن يكون عمله بِمُقْتَضى غير الْخَبَر فَلَا يكون ذَلِك تعديلا. [١٠٨٢] فَإِن قيل: فيلزمكم أَن تَقولُوا أَن / القَاضِي إِذا حكم بِشَهَادَة [٢٢ / ١] الشُّهُود فَيكون ذَلِك حكما مِنْهُ بِعَدَالَتِهِمْ حَتَّى لَا يبْقى لقاض آخر فيهم اجْتِهَاد. قُلْنَا: القَوْل فِي ذَلِك على تَفْصِيل، فَإِن عول القَاضِي على المزكى وَلم يعدل الشُّهُود بِنَفسِهِ فَلَا يكون إبرامه الحكم تعديلا مِنْهُ بل يكون اتبَاعا على قَول المزكى، وَإِن صدر مِمَّا القَاضِي مِمَّا يدل على أَنه عدل الشُّهُود بِأَن تولى بِنَفسِهِ الْبَحْث عَنْهُم ثمَّ تبين فِي مقَالَة أَو حَالَة قصدا لتعديل فَيكون ذَلِك تعديلا مِنْهُ، حَتَّى قَالَ المخلصون بِعلم هَذَا الْبَاب: لَو فرض القَاضِي تَنْفِيذ حُكُومَة مُشْتَمِلَة على الشَّهَادَة إِلَى من رشح لتزكية الشُّهُود فنفذها بِشَهَادَتِهِم، فَيكون ذَلِك تعديلا مِنْهُ إيَّاهُم، فَإِنَّهُ منتصب لتعديل الشُّهُود، فَيحمل إبرامه الحكم على التَّعْدِيل، فَافْهَم. (١٩٣) فصل [١٠٨٣] اعْلَم أَن مَا صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور من أَصْحَابنَا أَن الروَاة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار معدلون بِنَصّ الْكتاب وهم

стр. 769

مقرون على الْعَدَالَة إِلَى ان يتَحَقَّق قطعا مَا يقْدَح فِي وَاحِد مِنْهُم. [١٠٨٤] فَإِن قيل: فَأَي آيَة تعنون اشتمالها على تعديلهم؟ قُلْنَا: هِيَ أَكثر من وَاحِدَة فَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى فِي مُخَاطبَة الصَّحَابَة ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ . وَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى فِي مخاطبتهم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي أهل بيعَة الرضْوَان: ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ وَمِنْهَا: الْآيَات الْمُشْتَملَة على حسن الثَّنَاء على الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار﴾ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تتبعه من الْكتاب وَالسّنة، ثمَّ لَا تَظنن أَنه مندرج تَحت هَذِه هـ الْجُمْلَة كل

стр. 770

من لَقِي رَسُول رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا ذَلِك فِي صُحْبَة الَّذين امتثلوا أمره وبذلوا عَلَيْهِ الْأَمْوَال والمهج وهم المعرفون الْمُسلمُونَ. [١٠٨٥] وَقد اضْطَرَبَتْ الْمُعْتَزلَة اضطرابا عَظِيما، فَذهب الْجُمْهُور مِنْهُم إِلَى تفسيق عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَجُمْلَة الَّذين قَاتلُوا الفئة

стр. 771

العادلة وَمِنْهُم من يَقُول لَو اجْتمع عَليّ وَطَلْحَة فِي شَهَادَة لم تقبل شَهَادَتهمَا وَهَذَا يبْنى على أصُول تقررت فِي الْإِمَامَة. (١٩٤) فصل [١٠٨٦] من كَانَ من أهل الْقبْلَة وَلَكِن بدر مِنْهُ فسق، بِاتِّفَاق الْأمة يَقْتَضِي رد شَهَادَته، وَإِن أقدم عَلَيْهِ متأولا ظَانّا أَنه مستحل غير مَحْظُور

стр. 772

وَكَذَلِكَ من كفر من أهل الْقبْلَة وَصدر مِنْهُ مَا يُوجب تفكيره فَهُوَ مَرْدُود الشَّهَادَة وَإِن كَانَ من المتأولين المنتمين إِلَى أهل الْقبْلَة

стр. 773

وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى ان من بدر مِنْهُ الْفسق وَهُوَ متأول ظان أَنه مُبَاح فَذَلِك لَا يُوجب رد شَهَادَته إِذا كَانَ مشهرا بِالصّدقِ وتوقي الْخلف، وَذَلِكَ نَحْو قتل الْخَوَارِج النَّاس واستحلالهم الْأَمْوَال والدماء على اعْتِقَاد الْإِبَاحَة مَعَ استشهادهم بتوقي الْخلف ومصيرهم إِلَى أَنه كفر. [١٠٨٧] وَالْمُخْتَار عندنَا رد شَهَادَتهم لكفرهم وَمَا يبدر مِنْهُم من فسقهم وَإِن اعتقدوه حسنا، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك اتِّفَاق الْأمة على أَن تأويلهم وظنهم وحسابهم لَا يعذرهم فِيمَا يبدر مِنْهُم وَلَكِن اعْتِقَاد الْحسن فِيمَا أجمع الْمُسلمُونَ على قبحه إِذا انْضَمَّ إِلَى الْقَبِيح كَانَا قبيحين / منضمين لَا يقدر انْفِصَال أَحدهمَا من الآخر إِجْمَاعًا واتفاقا، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْكفْر وتأويله وَلَو سَاغَ أَن يعْذر المأولون سَاغَ أَن يعْذر أهل الْملَل وَتقبل شَهَادَة من يشْتَهر مِنْهُم بِالصّدقِ كالرهبان وَغَيرهم. ] ١٠٨٨] فَإِن قيل: من اسْتحْسنَ مَا يبدر مِنْهُ مِمَّا أقدم عَلَيْهِ قَاصِدا إِلَى الْفسق هُوَ متأول. قيل لَهُم: فَكَذَلِك القَوْل فِي الْكَفَرَة ومنكري الشَّرِيعَة فَإِنَّهُم مَا اقدموا على مَا اقدموا عَلَيْهِ إِلَّا واعتقادهم أَنه الْحق وَالصَّوَاب وَمَا عداهُ ضلال ثمَّ

стр. 774

انتصب ذَلِك شَيْئا مفضيا إِلَى قبُول الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة فَلَا يعذرُونَ فِي الْفَاسِق المتأول وَالْكفَّار شَيْئا إِلَّا انعكس عَلَيْهِم فِي أهل الْملَل. وَالَّذِي نرتضي لَك التعويل عَلَيْهِ أَن تعد الْكَافِر الْأَصْلِيّ نقضا لما يتمسكون بِهِ، فَإِن رمت احتجاجا قلت: قد ثَبت رد شَهَادَة الْكفَّار وَالَّذِي نَحن فِيهِ كَافِر، وَثَبت رد شَهَادَة الْفَاسِق، وَالَّذِي نَحن فِيهِ فَاسق، وَإِنَّمَا قَامَت دلَالَة الْإِجْمَاع فِي قبُول أَخْبَار الثِّقَات فَلَا يقبل خبر غَيرهم إِلَّا بِدلَالَة تدل، فَإِن الْأَمر بأخبار الْآحَاد لاتضبط عقلا. [١٠٩٠] وَمِمَّا عول عَلَيْهِ من يقبل أَخْبَار هَذَا الصِّنْف - وَالشَّافِعِيّ ﵁ من المائلين إِلَى ذَلِك - إِجْمَاع الصَّحَابَة على قبُول أَخْبَار الْفَاسِقين بالتأويل فَإِن الَّذين فسقوا بمحاصرة عُثْمَان وَقَتله من الْمَذْكُورين والمشاهير وارادوا ذَلِك حَقًا لم ترد شَهَادَتهم وروايتهم، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِج مَا زَالُوا يتلقون ويروون وَتقبل روايتهم. فَيُقَال: دَعْوَى الْإِجْمَاع فِي ذَلِك مِمَّا لَا يكَاد يسْتَمر من أوجه، أَحدهَا: أَنه [إِن] صَحَّ قبُول رِوَايَة بَعضهم فَلم يتَحَقَّق ذَلِك من كَافَّة الصَّحَابَة حَتَّى يدعى إِجْمَاعهم فِي قبُول خبر من هَذَا وَصفه، وَالْأُخْرَى أَن من الصَّحَابَة من كَانَ يعْتَقد

стр. 775

اسْتِحْبَاب عُثْمَان ﵁ لما جرى عَلَيْهِ، وَهَذَا بَين فِي كَلَامهم نظما ونثرا فَلم يثبت الْإِجْمَاع على فسقهم فِيمَا صدر مِنْهُم، ثمَّ الِاتِّفَاق على قبُول خبرهم. فَبَطل ادِّعَاء الْإِجْمَاع من كل وَجه، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن عمار بن يَاسر وعدي بن حَاتِم وسودان بن حمْرَان وَالْأَشْتَر وَغَيره من المصرحين بالاعتزاء إِلَى قتل عُثْمَان واعتقاد كَون ذَلِك صَوَابا فَسقط دَعْوَى الْإِجْمَاع وَاسْتمرّ مَا قدمْنَاهُ.
следующие страницы →