Полный текст (1 418 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَذهب بَعضهم إِلَى أَن كل اللُّغَات تثبت / مواطأة ومواضعة [١٠ / أ] وَاصْطِلَاحا. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن بَعْضهَا يثبت توقيفا وَبَعضهَا اصْطِلَاحا.
[٩٥] والمرتضى عندنَا من الْمذَاهب أَنه يسوغ فِي الْعقل أَن تثبت كلهَا توقيفا وَيجوز أَن يثبت بَعْضهَا توقيفا وَبَعضهَا اصْطِلَاحا. وَيجوز أَن تثبت كلهَا اصْطِلَاحا وَيجوز أَن يسْبق من الله تَعَالَى تَوْقِيف على لُغَة من اللُّغَات. ثمَّ تتفق الْمُوَاضَعَة من أَقوام على لُغَة توَافق مَا تثبت توقيفا. وكل ذَلِك من جائزات الْعُقُول ثمَّ كل مَا يثبت توقيفا من الله تَعَالَى سمعا فالسمع مُتبع فِيهِ وَالَّذِي يدل على ثُبُوت جَمِيعهَا عَن تَوْقِيف أَن الرب عز اسْمه مَوْصُوف بالاقتدار على
стр. 72
أَن يخلق فِينَا علوما ضَرُورِيَّة بمقاصد اللُّغَات. ومضمون الْعبارَات حَتَّى إِذا علمنَا مِنْهَا مَا نستقل بِهِ فِي التفاهم أوقفنا على بَقِيَّة اللُّغَات وَحيا أَو إلهاما. وَهَذَا أوضح أَن يحْتَاج فِيهِ إِلَى زِيَادَة إِيضَاح وكشف.
[٩٦] فَإِن قيل: فَكيف نفهم أول مَا يخاطبنا الله تَعَالَى بِهِ وَلم يسْبق تعارف؟
قيل: يضطرنا إِلَى مَعْرفَته. فالرب مقتدر على مَا يَشَاء. وكل مَا يجوز حُدُوثه وَكَونه فَهُوَ من قبيل المقدورات وَهَذَا بَين لاخفاء بِهِ.
[٩٧] وَالدَّلِيل على تَصْوِير ثُبُوت اللُّغَات بالمواضعات من غير تقدم تَوْقِيف فِي شَيْء مِنْهَا: أَن أَرْبَاب الْأَلْبَاب لَا يَسْتَحِيل اقتدارهم على أَجنَاس اللُّغَات فَإِنَّهَا فِي التَّحْقِيق رَاجِعَة إِلَى ضروب من الْأَصْوَات، وَلَا يستبعد انصرافهم بدواعيهم إِلَى مَا يتفاهمون بِهِ عَمَّا يغيب وَيشْهد ثمَّ يكررون الْأَصْوَات الْمُقطعَة على المسميات، ويقترن بهَا قَرَائِن الْأَحْوَال فتتمهد اللُّغَات على هَذَا الْمنْهَج وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنا نرى
стр. 73
الخرس يستقلون بالتواضح على ضروب من الإشارات وَنصب الأمارات يتفاهمون بهَا مقاصدهم وَإِن لم يتعلموها. وَلَو أَن طَائِفَة من الخرس أفردوا عَن أضرابهم قبل أَن يبلغُوا مبلغ التَّمْيِيز.
فَإِذا بلغُوا ومست حَاجتهم إِلَى التفاهم لم يستبدع مِنْهُم أَن يبلغُوا ويتوصلوا إِلَى وضع أَمَارَات يتلقون بهَا مَا يتلَقَّى أهل اللِّسَان من لغاتهم ثمَّ إِذا تقرر مَا ذكرنَا [جَوَازه إِلَى] الْكل فَوجه تَقْدِيره وتصويره فِي الْبَعْض هَين.
[٩٨] فَإِذا تحقق ذَلِك فَمَتَى قَامَت دلَالَة سمعية على أَن بعض اللُّغَات يثبت توقيفا أَو تواضعا اتَّبعنَا السّمع فِيهِ مَعَ أَنا نجوز عقلا مَا نطق بِهِ السّمع وَكَانَ يجوز غَيره أَيْضا.
[٩٩] فَإِن تمسك الصائرون إِلَى أَن اللُّغَات لَا تثبت إِلَّا توقيفا بقوله : ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ .
قُلْنَا: لَو سلم لكم أَن اللُّغَات تثبت توقيفا لم يكن ملْجأ لكم فِيهِ، فَإنَّا نجوز ثُبُوتهَا سمعا وتوقيفا، ونجوز غَيرهمَا. وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَنه يَسْتَحِيل أَن تثبت إِلَّا توقيفا. وَلَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة مَا يتَضَمَّن اسْتِحَالَة ثُبُوت اللُّغَات تواضعا.
ثمَّ نقُول: مَضْمُون الْآيَة أَن الله تَعَالَى علم آدم الآسماء كلهَا.
فَمَا الدَّلِيل على أَن الْأَسْمَاء ثبتَتْ ابْتِدَاء عِنْد تَعْلِيم الله آدم. فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنَّهَا كَانَت ثَابِتَة بتواضع أمة من أُمَم الله تَعَالَى.
стр. 74
فعلمها الله آدم. وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْمَلَائِكَة قبل آدم [١٠ / ب] كَانُوا / يتفاهمون ويتخاطبون وَقد خاطبهم الله تَعَالَى فِي أَمر آدم قبل خلق آدم فَقَالَ: ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ فَبَطل الاسترواح إِلَى الْآيَة.
(٣٥) القَوْل فِي معنى الْمُحكم والمتشابه
[١٠٠] قد أَكثر أهل التَّفْسِير فِي ذَلِك. فَمنهمْ من قَالَ: الْمُحكم فِي كتاب الله تَعَالَى مَا اتَّصَلت حُرُوفه. والمتشابه مِنْهُ مَا انفصلت حُرُوفه.
стр. 75
يعنون بذلك الْحُرُوف الْمُقطعَة وحروف التهجئ فِي أَوَائِل السُّور. نَحْو ألم، وطسم، وَنَحْوهمَا. وَتَخْصِيص الْمُتَشَابه بذلك محَال فَإِن الْكَلِمَات رُبمَا تتصل وَلَا تستقل بِنَفسِهَا فِي إِفَادَة الْمعَانِي. وتتردد بَين احتمالات وجائزات وتعد متشابهة أوغير محكمَة. فَبَطل الْمصير إِلَى ذَلِك مَعَ أَن الْعَرَب قد تتفاهم الْمعَانِي الصَّحِيحَة بِأَن تذكر الْحُرُوف الْمُقطعَة من الْكَلِمَة اسْتِدْلَالا بهَا على الْكَلِمَات. وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن تَنْزِيل الْمُحكم والمتشابه على محمل مَعْلُوم مِمَّا لَا يدْرك عقلا وَلم يرد فِيهِ نَص سمع يستروح إِلَيْهِ ولكنهما عبارتان من لُغَة الْعَرَب فَالْأولى أَن نردهما على قَضِيَّة اللُّغَة عِنْد الْإِطْلَاق، والتخصيص للمتشابه بالحروف الْمُقطعَة مِمَّا لَا تَقْتَضِيه اللُّغَة عِنْد الْإِطْلَاق.
[١٠١] وَمن الْمُفَسّرين من قَالَ: الْمُحكم مَا يَصح أَن يعرف مِنْهُ مَا يُعلمهُ الله والمتشابه مَا اسْتَأْثر الله بِعلم مَعْنَاهُ. وَهَذَا أَيْضا غير سديد. فَإِن اللُّغَة لَا تنبئ عَنهُ وَرب كَلَام يفهم مَعْنَاهُ وَلكنه متناقض فَلَا يتَبَيَّن معنى يطْلب مِنْهُ فِي نظم الْكَلَام وَلَا يُسمى محكما. وَإِن كَانَ الْمَفْهُوم الْمَعْنى على تناقضه وبطلانه، وَتَخْصِيص الْمُتَشَابه بِأَنَّهُ الَّذِي يستأثر الله بِعلم مَعْنَاهُ مِمَّا لَا تَقْتَضِيه اللُّغَات.
[١٠٢] وَقَالَ بَعضهم: الْمُحكم هُوَ الْوَعْد والوعيد وَالْأَحْكَام وتفصيل الشَّرَائِع، والمتشابه الْقَصَص وسير الْأَوَّلين. فاللغة لَا تشهد لذَلِك.
стр. 76
[١٠٣] والسديد أَن نقُول الْمُحكم هُوَ السديد النّظم وَالتَّرْتِيب الَّذِي يُفْضِي إِلَى إثارة الْمعَانِي القويمة المستقيمة من غير تنَاقض وَلَا تناف.
والمتشابة هُوَ الَّذِي [لَا يُحِيط] الْعلم بِالْمَعْنَى الْمَطْلُوب بِهِ من حَيْثُ اللُّغَة إِلَّا أَن تقترن بهَا أَمارَة، وقرينة.
[١٠٤] ويندرج تَحت ذَلِك الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة بَين الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة من الْقُرْء وَغَيرهَا. وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ يعرف من اللُّغَة وَقَضِيَّة اللِّسَان. ثمَّ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب يتَعَلَّق بعبارات لَا طائل لَهَا.
(٣٦) القَوْل فِي تَقْسِيم الْخطاب وَمَا يفِيدهُ
[١٠٥] اعْلَم، أَن الْعبارَات الْمَوْضُوعَة للأنباء عَن الْكَلَام ونطق الْقلب ومضمون الأفئدة تَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام.
стр. 77
فقسم مِنْهَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الْكَشْف عَن جَمِيع مُقْتَضَاهُ وَمَعْنَاهُ ومتضمنه من كل وَجه فَلَا احْتِمَال فِي شَيْء من مَعَانِيه.
وَالْقسم الثَّانِي: مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي بعض مَعَانِيه من وَجه وَلَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ / فِي بعض الْوُجُوه. [١١ / أ]
وَالْقسم الثَّالِث: مَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي شَيْء من الْمعَانِي الْمَطْلُوبَة مِنْهُ.
[١٠٦] فَأَما مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ من كل وَجه قصد بِهِ. فَهُوَ يَنْقَسِم قسمَيْنِ فَمِنْهُ مَا يسْتَقلّ بِمَعْنَاهُ نصا وإفصاحا ونطقا. وَمِنْه مَا يسْتَقلّ بمعانيه الملتمسة وبلحنه وفحواه وَمَفْهُومه.
[١٠٧] فَأَما الَّذِي يسْتَقلّ بِنَفسِهِ نصا فنحو قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ . وَقَوله: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله﴾ وَألْحق بِهَذَا الْقَبِيل (وَلَا تقربُوا
стр. 78
الزِّنَى) ﴿﴾ (وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم) ﴿﴾ (وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم﴾ فَهَذِهِ وأمثالها نُصُوص فِي مَعَانِيهَا سميت نصوصا لظهورها، من قَوْلهم نصت الظبية إِذا عنت وَظَهَرت، وَمِنْه قيل للكرسي الَّذِي يجلس عَلَيْهِ الْعَرُوس منصة.
[١٠٨] وَأما مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ من حَيْثُ اللّحن والفحوى فنحو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ فالتأفيف مُصَرح بِهِ لفظا. وَتَحْرِيم الضَّرْب والتعنيف مَفْهُوم من لحنه وفحواه نصا بِحَيْثُ لَا يستريب فِيهِ كَمَا لَا يستريب فِي مَفْهُوم الْأَلْفَاظ الْمُصَرّح بهَا. وَذكر فِي القبيلين نصا ولحنا أَمْثِلَة من كتاب الله تَعَالَى. وَسنة رَسُول الله [ ﷺ ] .
وَالْجُمْلَة الجامعة لَهَا أَن كل لَفْظَة وضعت فِي اللُّغَة بِمَعْنى على التَّجْرِيد والتقرير، لَا يتفاهمون على الْإِطْلَاق إِلَّا ذَلِك الْمَعْنى، وَلَا تتقابل فِيهِ جِهَات الِاحْتِمَالَات فَهُوَ نَص فِيهِ صَرِيحًا أَو لحنا.
стр. 79
[١٠٩] ثمَّ يلْتَحق بِهَذَا الْقَبِيل مَا يحذف من الْكَلَام لدلَالَة الْبَاقِي على الْمَحْذُوف وَلَكِن لَا تستريب الْعَرَب فِي مَعْنَاهُ. وَذَلِكَ كَمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر﴾ فَمَعْنَاه فافطر. فَهَذَا مِمَّا يفهم نصا من مقصد الْخطاب. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿اضْرِب بعصاك الْبَحْر فانفلق﴾ مَعْنَاهُ فَضرب فانفلق، إِلَى غير ذَلِك.
[١١٠] فَأَما مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي بعض الْمعَانِي دون بعض فنحو قَوْله: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ فالحصاد مَعْلُوم وَالْأَمر بالإتيان مَعْلُوم وَحقه غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ فالقتل مَعْلُوم،
стр. 80
والمشرك مَعْلُوم، واستغراق جنس الْمُشْركين اَوْ تَخْصِيص بعض آحادهم مِمَّا لَا يسْتَقلّ الْخطاب بِهِ إِذا نَفينَا صِيغَة الْعُمُوم وَآثرنَا الْوَقْف كَمَا سنذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[١١١] وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي إثارة شَيْء من الْمعَانِي فَهُوَ المجملات وَالْمجَاز على مَا سَيَأْتِي تَفْصِيل هَذِه الْأَقْسَام بأبوابها إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(٣٧) القَوْل فِي معنى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز والفصل بَينهمَا
[١١٢] قَالَ القَاضِي ﵁: الْحَقِيقَة تطلق وَيُرَاد بهَا خَاص وصف الشَّيْء الَّذِي يتَمَيَّز ويوافق ويماثل وَهُوَ حَده عَنهُ. وَذَلِكَ كَمَا يُقَال حَقِيقَة الْعَالم من قَامَ بِهِ الْعلم. وَحَقِيقَة الْجَوْهَر المتحيز إِلَى غير ذَلِك. وَهَذَا مَا لَا نطلبه فِي مَضْمُون هَذَا الْبَاب.
وَقد تطلق الْحَقِيقَة فِي اللُّغَات ومجاري المحاورات فَهَذَا مقصدنا من هَذَا الْبَاب. فَإِذا قُلْنَا هَذِه الْعبارَة حَقِيقَة فِي هَذَا الْمَعْنى فَمَعْنَاه أَنَّهَا مستعملة [١١ / ب] فِيمَا وضعت فِي أصل / وضع اللُّغَة لَهُ فَهَذَا مَا نريده بِالْحَقِيقَةِ. فَأَما الْمجَاز
стр. 81
فَهُوَ مَا [اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ فِي أصل] وضع اللُّغَة.
وَيُسمى هَذَا الضَّرْب مجَازًا لِأَن أهل اللُّغَة يتجاوزون بِهِ عَن أصل الْوَضع توسعا مِنْهُم. وَذَلِكَ نَحْو تسميتهم الشجاع البطل من الرِّجَال أسدا والبليد حمارا والأسد فِي أصل الْوَضع لحيوان مَعْلُوم بيد أَنهم قد أَطْلقُوهُ توسعا على من يتخصص بشاعته وجرأته، وعدوا من هَذَا الْقَبِيل أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ فإضافة الْإِرَادَة إِلَى الْجِدَار لَيْسَ فِي أصل وضع اللُّغَة بل هُوَ من الْمجَاز وَيكثر نَظَائِر ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة.
[١١٣] وَقد عد بعض أَئِمَّتنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسُئِلَ الْقرْيَة﴾ من هَذَا الْقَبِيل فَإِن الْمَعْنى بالقرية أهل الْقرْيَة. وَمن أَصْحَابنَا من عد ذَلِك من قبيل
стр. 82
الْمجَاز. وَزعم أَن الْقرْيَة وضعت مَوضِع أهل الْقرْيَة وعنى بهَا نَفسهَا أَهلهَا تجوزا.
وَمِنْهُم من قَالَ هَذَا وَأَمْثَاله من الْمُضْمرَات. وَلَا نقُول أُقِيمَت الْقرْيَة مقَام أَهلهَا بل حذف من الْخطاب ذكر أهل الْقرْيَة لدلَالَة بَقِيَّة الْخطاب عَلَيْهِ. وأبواب الْإِضْمَار والحذف لَا يلْتَحق بالمجازات. فَإِن الْمجَاز لَفْظَة مستعملة فِي غير مَا وضعت لَهُ.
[١١٤] وَكَذَلِكَ من أَئِمَّتنَا من صَار إِلَى أَن قَوْله: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فَقَالَ: الْكَاف والمثل تجوزا وتوسعا، وَهَذَا الْقَائِل يَقُول من ضروب الْخطاب مَا يلْتَحق بالمجاز لنُقْصَان شَيْء مِنْهُ كَمَا قدمْنَاهُ. وَمِنْه مَا يلْتَحق بِهِ لزِيَادَة شَيْء فِيهِ، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ .
ونرى القَاضِي يمِيل إِلَى عد ذَلِك من قبيل الْمجَاز.
[١١٥] ويلتحق بذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جزاؤا الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ .
مَعْنَاهُ أهل الله ومصدقيه ومتبعي شرائعه.
стр. 83
[١١٦] فَكل كَلَام وضع فِي أصل اللُّغَة فَإِذا نقص مِنْهُ شَيْء مَعَ اسْتِبْقَاء تَمام المُرَاد فَهُوَ مجَاز. فَإِنَّهُ من هَذَا الْوَجْه معدول عَن أصل الْوَضع وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة وَهَذَا لعمري سديد.
(٣٨) فصل
[١١٧] اعْلَم أَنا نتبع وضع اللُّغَة فِي الْحَقَائِق وَاسْتِعْمَال أَهلهَا فِي التجوزات والتوسعات فَلَا يسوغ لنا أَن نتعدى فِي المجازات مَوَاضِع استعمالهم كَمَا لَا يجوز لنا أَن نتعدى أصل الْوَضع فِي الْحَقَائِق.
[١١٨] وَقد ذكر ﵁ فصلا نَحن ذاكروه. وَهُوَ أَنه ... الْحَقِيقَة تتعدى إِلَى جَمِيع مَا وضعت لإفادته وَإِن لم تصادف جَمِيعهَا منصوتة لَهُم.
стр. 84
وَبَيَان ذَلِك أَنهم لما سموا من يصدر مِنْهُ الضَّرْب منا ضَارِبًا فيطلق اسْم الضَّارِب على من يصدر مِنْهُ الضَّرْب من الضاربين. وَإِذا نقل عَنْهُم واسئل الْقرْيَة والرباع والأطلال على إِرَادَة أَهلهَا فَلَا يعدى ذَلِك عَن مورده حَتَّى نقُول واسأل الدَّوَابّ. ونعني أَهلهَا. وَهَذَا سديد، وَلَكِن لَو رد إِلَى التَّحْقِيق لم يقتض كَبِير معنى فَإِن الأَصْل أننا فِي الْحَقَائِق نتبع أصل الْوَضع، وَفِي الْمجَاز نتبع اسْتِعْمَال أهل اللُّغَة.
وَإِنَّمَا نسمي كل من يصدر مِنْهُ الضَّرْب ضَارِبًا متبعين لَا قائسين وَلَا معتبرين فَإِن الصَّحِيح عندنَا منع الْقيَاس فِي اللُّغَات وَلَكِن ثَبت بِأَصْل [١٢ / أ] الْوَضع نصا أَنهم مَا / خصصوا الضَّارِب بِجِنْس بل سموا كل من يصدر مِنْهُ الضَّرْب ضَارِبًا. وَلَو ثَبت عندنَا استعمالهم نصا أَن كل مَا ينتسب إِلَى أهل وَمَال يعبر عَن صَاحبه مجَازًا لأطلقنا ذَلِك عُمُوما كَمَا أطلقناه فِي الضَّارِب وَنَحْوه من حقائق اللُّغَات. فَدلَّ أَن محصول الْكَلَام منع الْقيَاس فِي اللُّغَات وَيتبع الْوَضع فِي الْحَقَائِق والاستعمال فِي الْمجَاز من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان.
[١١٩] ثمَّ ذكر القَاضِي ﵁ طرقا تنفصل بهَا الْحَقَائِق عَن الْمجَاز، بَعْضهَا اتِّفَاق فِي بعض الْمَوَاضِع غير مطرد فِي الْبَابَيْنِ عُمُوما.
فَأول مَا ذكره فِي الْفَصْل بَينهمَا مَا فَرغْنَا مِنْهُ آنِفا فِي أَن الْحَقِيقَة تعدِي
стр. 85
عَن موضوعها اتبَاعا لما راموا من الْفَائِدَة فِيمَا نصوا عَلَيْهِ. كالضارب وَنَحْوه بِخِلَاف الْمجَاز. وَقد أشبعنا القَوْل فِيهِ.
[١٢٠] وَالثَّانِي أَن مَا وضع حَقِيقَة تشتق مِنْهُ. وَاسْتِعْمَال الِاشْتِقَاق يجْرِي فِيهِ. وَإِذا اسْتعْمل مجَازًا لم يجر فِيهِ الِاشْتِقَاق.
وَبَيَان ذَلِك أَن حَقِيقَة الْأَمر فِي أصل الْوَضع اقْتِضَاء الْفِعْل من الْمَأْمُور على مَا سنبينه. ثمَّ قد يسْتَعْمل فِي الشَّأْن. فَيُقَال كَيفَ شَأْنك وأمرك. وَهُوَ مجَاز فِي معنى الشَّأْن فَلَا جرم، واشتق من الْأَمر الَّذِي يضاد النَّهْي وَسَائِر مَا يصدر عَن المصادر، وَإِذا اسْتعْمل فِي الشَّأْن لم تصدر عَنهُ النعوت وَالْأَفْعَال. وَهَذَا الَّذِي فِي الصُّور الَّتِي ذَكرنَاهَا سديد. وَلَكِن لَيْسَ يطرد فَرب حَقِيقَة لَا تصدر مِنْهُ النعوت. وَهُوَ إِذا لم تكن مصدرا. وَرب مجَاز ورد التَّجَوُّز بنعوت صادرة عَنهُ كَمَا ورد الِاسْتِعْمَال فِي أَصله فَكل مَا حل مَحل المصادر وضعا واستعمالا فالأغلب أَنه تصدر مِنْهُ النعوت فَدلَّ أَن ذَلِك مِمَّا لَا يطرد فِي الْبَابَيْنِ: الْحَقِيقَة وَالْمجَاز.
стр. 86
[١٢١] وَمِمَّا ذكره فِي الْ فَصْل بَينهمَا أَن الِاسْم إِذا اسْتعْمل فِي شَيْء مجَازًا وَجمع فَجَمعه فِي الْحَقِيقَة يُخَالف جمعه فِي الْمجَاز. وَاسْتشْهدَ بِالْأَمر فَإِن الْأَمر إِذا اسْتعْمل فِي حَقِيقَته فَجَمعه الْأَوَامِر. وَإِذا اسْتعْمل فِي الشَّأْن فَجَمعه الْأُمُور. فَلَيْسَ هَذَا أَيْضا مِمَّا يلْزم طرده فَإِنَّهُ قد يتَّفق جَمعهمَا كَمَا أَن [جمع] الْأسد فِي السَّبع الْمَشْهُور وَفِي البطل بِمَثَابَة وَاحِدَة. وَكَذَلِكَ جمع [الْحمار] فِي الدَّابَّة الْمَعْرُوفَة. وَفِي البليد بِمَثَابَة وَاحِدَة، فعندي [أَنه] مَا ذكر هَذِه الفروق لتمييز الْبَابَيْنِ اطرادا، وَلَكِن ذكر ضروبا من الاتفاقات فِي الْفَصْل بَين الْحَقَائِق والتجوزات.
(٣٩) فصل
[١٢٢] ذهب من لَا تَحْقِيق وَرَاءه إِلَى أَنه لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى
стр. 87
مجَازًا وَهَذَا الْقَائِل إِن كَانَ يَقُول فِي اللُّغَة مجَازًا فَيلْزمهُ الْمصير إِلَى انطواء كتاب الله تَعَالَى على ذَلِك وأمثلته لَا تحصى وَلَا تحصر وَإِن ذهب
стр. 88
إِلَى نفي الْمجَاز عَن اللُّغَة جملَة فقد أَخطَأ. وَقد حُكيَ عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَق
стр. 89
وَالظَّن بِهِ أَن ذَلِك لَا يَصح عَنهُ.
[١٢٣] وَوجه التَّحْقِيق فِي ذَلِك أَن يُقَال إِن أَرَادَ فِي الْمجَاز بقوله كلهَا حقائق أَن الِاسْتِعْمَال يجْرِي فِي جَمِيعهَا فَهَذَا مُسلم. وَإِن أَرَادَ بذلك اسْتِوَاء الْكل فِي أصل الْوَضع / فَهَذِهِ مراغمة الْحَقَائِق. فَإنَّا [١٢ / ب] نعلم أَن الْعَرَب مَا وضعت اسْم الْحمار للأبله البليد. وَلَو قيل: البليد حمَار على الْحَقِيقَة كالدابة الْمَعْهُودَة وَإِن تنَاول الِاسْم لَهما متساو فِي الْوَضع فَهَذَا دنو من جحد الضَّرُورَة. وَكَذَلِكَ من زعم أَن الْجِدَار لَهُ إِرَادَة حَقِيقَة تمسكا بقوله تَعَالَى: ﴿يُرِيد أَن ينْقض﴾ عد ذَلِك من مستشنع الْكَلَام.
стр. 90
(٤٠) القَوْل فِي منع الْقيَاس فِي الْأَسْمَاء اللُّغَوِيَّة
[١٢٤] مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم الْمُحَقِّقين من الْفُقَهَاء والمتكلمين أَن الْأَسْمَاء فِي اللُّغَات لَا تثبت قِيَاسا وَلَا مجَال للأقيسة فِي إِثْبَاتهَا. وَإِنَّمَا تثبت اللُّغَات نقلا وتوقيفا.
وَذهب بعض الْفُقَهَاء والمنتمين إِلَى الْكَلَام إِلَى أَن الْأَسْمَاء قد تثبت قِيَاسا وَهَذَا كَمَا أَنهم [لم ينصوا] فِي اللُّغَة على تَسْمِيَة النَّبِيذ خمرًا والنباش سَارِقا وَآتى الْبَهِيمَة زَانيا وَالشَّرِيك الخليط جارا فَمن الْعلمَاء من يثبت اسْم الْخمر فِي النَّبِيذ. وَزعم أَنهم إِنَّمَا سموا الْخمر بِهَذَا الِاسْم لِأَنَّهَا تخامر
стр. 91
الْعقل أَو تخمره كَمَا تخمر الْأَوَانِي. وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِي النَّبِيذ وطردوا مثل ذَلِك فِي أمثالهم. وَالصَّحِيح منع الْقيَاس فِي اللُّغَات جملَة. وَوُجُوب اتِّبَاع النَّقْل مَعَ الاجتزاء والاكتفاء بِهِ. وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن نقُول: إِذا سمت الْعَرَب الشَّرَاب الْمُسكر العنبي الني خمرًا. وَلم يرد ذَلِك نصا فِي النَّبِيذ فَلَا يَخْلُو الْحَال فِي ذَلِك من أَقسَام إِمَّا أَن يَصح من أهل اللُّغَة وضعا إِن خصصنا هَذَا الِاسْم بِهَذَا الْمُسَمّى نصا. وَإِن كَانَ من التخمير، فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا معترض عَلَيْهِ وَلَا يسوغ طرد الْقيَاس فِي مثل هَذِه الصُّورَة وفَاقا. وَهَذَا كَمَا أَنهم سموا الْفرس الْأسود أدهم وَثَبت عندنَا أَنهم خصصوه، وَمنعُوا تعديته إِلَى كل أسود فَلَا جرم أَنا لم نسم الثَّوْب الْأسود أدهم اتبَاعا لوضعهم وَهَذَا لَو نصوا على التَّخْصِيص. وَإِن هم قَالُوا كل مَا يخَامر الْعقل خمر، فَمن [سمى] غير هَذَا الشَّرَاب خمرًا وَهُوَ مخامر فَلَا يكون قِيَاسا، بل هُوَ مُتبع للتوقيف، وَهَذَا مَا لَا [نزاع] فِيهِ وَإِن صحت التَّسْمِيَة وجوزنا أَنهم أَرَادوا التَّخْصِيص وَلم يبوحوا بِهِ، وجوزنا أَنهم أَرَادوا التَّعْدِيَة وَلم يتَبَيَّن لنا نَص نقل مِنْهُم، فبماذا تصح عندنَا إرادتهم. وَإِذا أثبتنا اسْما فلسنا نبتدئ بِهِ من تِلْقَاء أَنْفُسنَا إِثْبَات اللُّغَات، وَلَكنَّا ندعي على أهل اللُّغَات أَنهم أَرَادوا ذَلِك. وَنحن مترددون فِي إرادتهم مَعَ الِاعْتِرَاف بذلك التَّرَدُّد. وَكَيف ندعي الْعلم بِأَنَّهُم أَرَادوا تَسْمِيَة النَّبِيذ خمرًا وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك أَنا وجدنَا
стр. 92
كل مَا يطرد من الْمعَانِي منتقضة، فَإِن مخامرة الْعقل متحققة فِي البنج. وَسَائِر مَا [يخمر] وَيُورث الغشية، ثمَّ شَيْء مِنْهَا لَا يُسمى خمرًا.
[١٢٥] فَإِن قيل: إِذا استنبطنا فِي الشرعيات قِيَاسا: فلسنا نقطع بِأَن [١٣ / أ] صَاحب الشَّرِيعَة نَصه علما وَمَعَ ذَلِك تطرد الأقيسة فَمَا أنكرتم من مثل ذَلِك / فِي اللُّغَات.
قُلْنَا: اعلموا أَنكُمْ وافقتمونا أَن اللُّغَة لَا تثبت جَدِيدا فِي يَوْمنَا. وَإِنَّا إِنَّمَا نعلم ثُبُوت المسميات إِذا علمنَا أَن أهل اللُّغَة أرادوها وخطرت لَهُم ضمنا أَو تَصْرِيحًا فِي أصل الْوَضع، فَلَا تثبت اللُّغَة إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَة.
فَإِذا تقرر ذَلِك قُلْنَا: فقد ثَبت التَّرَدُّد فِي فصل الِاقْتِصَار والتعدية جَمِيعًا فَأنى نتحقق بِأَنَّهُم أرادوه.
أما الْقيَاس الشَّرْعِيّ فحاشا أَن نقُول نعلم طرده أَن صَاحب الشَّرِيعَة نَصبه علما. بل نَحن متشككون فِي ذَلِك. وَلَكِن ثَبت بِدلَالَة قَاطِعَة أَن الرب تَعَالَى أَمر بِالْعَمَلِ مهما غلب على ظنوننا طرد قِيَاس صَحِيح فنعمل عملا. فَأَما أَن نعلم أَن هَذَا علم شَرْعِي.
قُلْنَا: لعمرنا هُوَ علم لوُجُوب الْعَمَل علينا. وَلم يثبت فِي اللُّغَات وجوب عمل عِنْد طرد قِيَاس، فَإِن الْأَعْمَال لَا مجَال لَهَا فِي اللُّغَات وَقد بَينا أَن أصل اللُّغَة لم نعلمهُ فَإِذا لم نعلمهُ وَجب التَّوَقُّف فِيهِ.
وَهَذَا وَاضح لَا شكّ فِيهِ.
стр. 93
ثمَّ معنى المخامرة مَوْجُود فِي كثير من الْأَدْوِيَة.
فَإِن قيل: يعْتَبر بالسكر وَالِاضْطِرَاب مَعَ المخامرة.
قُلْنَا: فَلَيْسَ فِي اسْم الْخمر اقْتِضَاء الِاضْطِرَاب. وَإِنَّمَا فِيهِ المخامرة فَحسب، فبمَا حسبتم الْقيَاس فِي اللُّغَات.
(٤١) القَوْل فِي الْأَسْمَاء الْعُرْفِيَّة وَمَعْنَاهَا)
[١٢٦] فَإِن قيل / فَمَا معنى الِاسْم الْعرفِيّ فِي تجَاوز أهل اللُّغَات؟
قيل: يَنْقَسِم ذَلِك إِلَى مَعْنيين:
أَحدهمَا أَن الِاسْم فِي أصل وضع اللُّغَة إِذا انقسم بَين معَان فغلب الِاسْتِعْمَال فِي وَضعه عرفا فِي أحد مَعَانِيه حَتَّى لَا يفهم مِنْهُ عِنْد إِطْلَاقه إِلَّا بعض مَا وضع لَهُ. فيسمى عِنْد اخْتِصَاصه بِبَعْض مَا وضع لَهُ عِنْد غَلَبَة الِاسْتِعْمَال فِي الْعرف عرفيا. وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم دَابَّة.
فَإِن هَذِه الْكَلِمَة مَوْضُوعَة فِي أصل اللُّغَة لكل مَا دب ودرج. ثمَّ غلب استعمالهم لَهَا فِي الْبَهَائِم ذَوَات الْأَرْبَع القوائم. وَكَذَلِكَ الْفَقِيه فِي أصل اللُّغَة وضعا هُوَ الْعَالم و ... غلب اسْتِعْمَاله فِي ضرب من الْعُلُوم إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تتبعه. فَهَذَا ضرب أَسد فِي السَّبع الْمَشْهُور وَفِي البطل.
стр. 94
الثَّانِي: المتلحق ببابها لَفْظَة تجوز بهَا عَن أصل الْوَضع على مَنْهَج استعمالهم ...
غلب اسْتِعْمَاله عرفا على إِرَادَة معنى غير مَا وضع أصل اللَّفْظ لَهُ أصلا فيفهم مِنْهَا الْقَصْد بِهِ لغَلَبَة الْعرف كَمَا يفهم من الْحَقَائِق مَعَانِيهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ ، وَقَوله: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ ، وَقَوله ﵇: ((حرمت الْخمر لعينها)) فَهَذِهِ أَلْفَاظ وَردت فِي معرض الْمجَاز. وَوجه التَّجَوُّز فِيهَا أَن ظَاهر قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ ، يَقْتَضِي تَحْرِيم أعيانهن وَظَاهر قَوْله: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ يُنبئ عَن تَحْلِيل أَعْيَان الصيود. وَقد أطبق أَرْبَاب الشَّرَائِع على اسْتِحَالَة نعت [١٣ / ب] الْأَعْيَان المنعوتة فِي سِيَاق هَذَا الْبَيَان بِالتَّحْرِيمِ إِذْ التَّحْرِيم إِنَّمَا يتَعَلَّق بِمَا / ينْدَرج تَحت التَّكْلِيف. وَإِنَّمَا المندرج تَحت قضيتها أَفعَال الْمُكَلّفين دون الْأَجْسَام الْخَارِجَة عَن قبيل مقدورات الْخَلَائق، والمقصد من ذَلِك أَن الْمَعْنى لتَحْرِيم الْأُم تَحْرِيم فعل فِي الْأُم إِذْ تَحْرِيمهَا فِي عينهَا غير مُتَحَقق فتجوزوا فِي الْإِطْلَاق. وسوغوا الإنباء عَن فعل مُتَعَلق بالأعيان بِعِبَارَة عَن الْأَعْيَان. فَهَذَا وَجه التَّجَوُّز فَلَمَّا غلب الِاسْتِعْمَال فِي هَذِه الْأَلْفَاظ وأمثالها. وَإِن كَانَت
стр. 95
لَو ردَّتْ إِلَى أصل الْوَضع لم تصادف على مُقْتَضى الأَصْل وَلَكِن لما غلب اسْتِعْمَالهَا فِي مقصد معنى تنزل فِي إثارته منزلَة الْحَقَائِق.
[١٢٧] فَإِن قيل: قد عَرَفْتُمْ الْأَسْمَاء الْعُرْفِيَّة فِي شَيْئَيْنِ أَحدهمَا تَخْصِيص اللَّفْظ اسْتِعْمَالا بِبَعْض مُقْتَضَاهُ وضعا. وَالثَّانِي غَلَبَة الِاسْتِعْمَال فِي التجوزات فَمَا دليلكم عَلَيْهِ؟
قُلْنَا: الدَّلِيل على أَن الِاسْم الْعرفِيّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون يُرَاد بوصفه أَنه عرفي أَنه ابتدئ وَضعه فِي الأَصْل لما جرى عَلَيْهِ. وَذَلِكَ محَال لِاتِّفَاق الكافة على اخْتِصَاص الْأَسَامِي الْعُرْفِيَّة [بِبَعْض] الْأَسَامِي فَلَو صرفت إِلَى أصل الْوَضع لزم تَسْمِيَة جملَة اللُّغَات عرفية وَهَذَا مَا لم يصر إِلَيْهِ صائر من الخائضين فِي معنى الِاسْم الْعرفِيّ.
وَكَذَلِكَ لَا يسوغ أَن يُقَال: إِنَّهَا متجردة ابتدئ وَضعهَا بعد اسْتِقْرَار اللُّغَات، فَإِن هَذَا سَبِيل كل لُغَة سبقتها أُخْرَى. فَلَزِمَ من ذَلِك أَن نقُول: إِذا سبقت لُغَة الْعَرَب لُغَة ثمَّ تَجَدَّدَتْ لُغَة الْعَرَب اصْطِلَاحا أَو توقيفا أَن تكون متصفة لتجددها بِكَوْنِهَا عرفية. ويستحيل أَن يصرف معنى الْعرفِيّ إِلَى أَنه ابتدأه غير أهل اللُّغَة من الْعلمَاء وَأهل الصَّنَائِع والمهن والحرف تواضعا مِنْهُم فِيمَا بَينهم على ابْتِغَاء معَان فَإِن ذَلِك فِي حُقُوقهم لَو قدر مِنْهُم جَوَازه كوضع أهل اللُّغَة، من حَيْثُ أَنهم لم يسندوا استعمالهم إِلَى وَاضع سبقهمْ بل ابتدأوه تواضعا من تِلْقَاء أنفسهم. وَلَو سَاغَ وصف مَا هَذَا سَبيله بالعرفي وَجب وصف على كل لُغَة لم يسبقها تَوْقِيف بِكَوْنِهِ عرفيا.
[١٢٨] فَإِن قيل: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْعرفِيّ هُوَ الَّذِي اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ وَنقل من أصل مَوْضُوعه؟
стр. 96
قُلْنَا: فَيلْزم من قَول ذَلِك أَن نقُول لَو سمى مسم منا الْجَارِحَة الْمُسَمَّاة يدا رَأْسا والمسماة بِالرَّأْسِ يدا ابْتِدَاء كَانَ ذَلِك اسْما عرفيا. وَإِن لم يُوَافق هَذَا الْمُطلق على إِطْلَاقه إِذْ قد تحقق فِي ذَلِك النَّقْل والتعدية عَن أصل الْوَضع.
[١٢٩] فَإِن قيل: إِنَّمَا يَتَّصِف بالعرفي إِذا غلب فِي عرف أهل اللِّسَان.
قيل: هَذَا أحد الْقسمَيْنِ الَّذين ذكرناهما فِي معنى الْأَسْمَاء الْعُرْفِيَّة فَإنَّا قُلْنَا الْمجَاز إِذا غلب اسْتِعْمَاله الْتحق بمضمون هَذَا الْبَاب فمصيركم إِلَى هَذَا السُّؤَال اعْتِرَاف مِنْكُم بمرامنا ومضمون كلامنا.
[١٣٠] فَخرج من جملَة مَا قُلْنَاهُ أَن الْعرفِيّ لَا يُنبئ عَن أصل الْوَضع [١٤ / أ] وَلَا عَن تَجْدِيد اللُّغَات وَإِنَّمَا يُنبئ عَمَّا يغلب اسْتِعْمَاله / عرفا من المجازات أَو يغلب تَخْصِيصه بِبَعْض المقتضيات اسْتِعْمَالا وإرسالا فَسُمي مَا يلغي تَخْصِيصه بِبَعْض المقتضيات من الْعرف عرفيا وَسمي الْمجَاز الْغَالِب فِي الْعرف بمجاوزته ضروب المجازات غير الْغَالِبَة عرفيا.
(٤٢) فصل
[١٣١] وَقد ألحق الْمُحَقِّقُونَ بِهَذَا الْفَصْل ضروبا من الْأَلْفَاظ الشَّرْعِيَّة زاغ فِيهَا بعض نابتة الْفُقَهَاء وجروا فِيهَا على خلاف الْحَقَائِق. وَهَذِه الْأَلْفَاظ المتضمنة لنفي مُضَاف إِلَى الْأَعْيَان، والمقصد مِنْهُ نفي حكم فِيهَا لَا نفي ذواتها
стр. 97
نَحْو قَوْله ﵇: ((رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان)) وَقَوله: ((لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد)) ، ((وَلَا نِكَاح إِلَّا بولِي)) .
стр. 98
وَقَوله: الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَقَوله: لَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام من اللَّيْل إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يضاهيها.
стр. 99
[١٣٢] فَذهب شرذمة من الْفُقَهَاء إِلَى الحاق هَذَا الْقَبِيل بالمجملات الَّتِي لَا تستقل بأنفسها فِي إثارة الْمعَانِي وتلقوا هَذَا الْإِجْمَال من إِضَافَة النَّفْي إِلَى الْأَعْيَان مَعَ تَحْقِيق ثُبُوتهَا.
والمصير إِلَى الْإِجْمَال على هَذَا الْمنْهَج سجية الْجُهَّال بحقائق الْجِدَال.
стр. 100
وَذهب الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء إِلَى إِلْحَاق هَذَا الْقَبِيل بالمستقلات من الْكَلَام وَحَمَلُوهُ على نفي الْأَحْكَام وَنَفَوْا عَنهُ سمة الْإِبْهَام وأدانوا الْمصير إِلَى توقع نفي الْأَعْيَان من فحوى الْخطاب وَالْبَيَان.
ثمَّ افترق هَؤُلَاءِ فرقا فَمن صائرين إِلَى أَن النَّفْي إِذا أضيف إِلَى الْأَعْيَان اقتضي بِظَاهِرِهِ انْتِفَاء الْأَعْيَان وَالْأَحْكَام جَمِيعًا، ثمَّ إِذا قَامَت دلالات الْمَعْقُول على ثُبُوت الْأَعْيَان الَّتِي انطوى عَلَيْهَا الْخطاب خصصت الْأَعْيَان من مُقْتَضى الْخطاب، وَبقيت الْأَحْكَام على مُوجبهَا وَينزل ذَلِك منزلَة تَخْصِيص اللَّفْظ الشَّامِل للعام.
وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَن نفي الْأَعْيَان لَا يقدر دُخُوله تَحت الْخطاب لتلجيء الْحَاجة إِلَى تخصيصها. وَمَا انطوى مَضْمُون اللُّغَة إِلَّا على الْأَحْكَام فتضمن اللَّفْظ نَفيهَا عُمُوما فَإِن قَامَت دلَالَة فِي قَوْله [ ﷺ ] : (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد)) دَالَّة على أَجزَاء الصَّلَاة فَمن اقْتِضَاء النَّفْي فِي إِطْلَاقه نفي الْجَوَاز والكمال. فَإِذا قَامَت الدّلَالَة على الْجَوَاز نفي الْكَمَال تَحت قَضِيَّة النَّفْي الْمَنْقُول وَالَّذِي نرتضيه بطلَان هَذِه الْمذَاهب كلهَا. فَالْأولى أَن نوضح بُطْلَانهَا ثمَّ نذْكر السديد من الْمذَاهب عندنَا.
[١٣٣] فَأَما وَجه الرَّد عَن من يزْعم أَن الْخطاب يلْتَحق بالمجملات
стр. 101
لإضافة النَّفْي إِلَى الْأَعْيَان مَعَ ثُبُوتهَا فَيُقَال لهَؤُلَاء هَل تنكرون فِي إطلاقات الْعَرَب وتفاهمها وتجاوزها إِطْلَاق الشَّيْء نفيا وإثباتا وَالْمرَاد نفي وصف مِنْهُ أَو إِثْبَات وصف لَهُ. فَإِن جَحَدُوا ذَلِك انتسبوا إِلَى إِنْكَار مَا عَلَيْهِ أَرْبَاب اللِّسَان قبل انبعاث الرَّسُول [ ﷺ ] وَبعده فَإنَّا نعلم فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء قبل انبعاث خَاتم الْأَنْبِيَاء ﵇. وَكَانُوا يتفاوضون بِرَفْع الزلل وَالْخَطَأ أَن يَقُول الْمَرْء لمن دونه: رفعت / عَنْك زلتك وخطأك، وَلَا يعنون بذلك رفع [١٤ / ب] الْأَعْيَان. وَإِنَّمَا مرامهم نفي الْمُؤَاخَذَة بالْخَطَأ. وَمن الْمَشْهُور السائر فِي كَلَامهم قَوْلهم للَّذي عمل من غير نِيَّة وطوية فِي ارتياد طَاعَة، وَلَكِن بدر مِنْهُ الْعَمَل وفَاقا: مَا عملت شَيْئا، وَلَا يعنون بذلك نفي صُورَة الْعَمَل وَإِنَّمَا يعنون بذلك نفي الْمَقْصُود والنيات، كَمَا قَالَ ﵇: ((لَا عمل إِلَّا بنية)) إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول اقتصاصه وتتبعه، فتقرر بِمَا قُلْنَاهُ أَن نفي الصِّفَات تعقل من النَّفْي الْمُضَاف إِلَى الذوات.
فَإِذا تمهد ذَلِك قُلْنَا النَّفْي الْمَنْقُول عَنهُ ﵇ مُضَافا إِلَى شَيْء، لَهُ مصرفان لَا يتوسطهما ثَالِث، أَحدهمَا نفي الْأَعْيَان والذوات. وَالثَّانِي نفي غَيرهمَا مِمَّا تتصل بهما من الآثام وَالْأَحْكَام. وَقد يفهم من اللَّفْظ كِلَاهُمَا. ويستحيل حمل النَّفْي الْمَنْقُول عَنهُ ﵇ على نفي الْأَعْيَان مَعَ الْقطع بثبوتها، وَالْعلم باستحالة الْكَذِب على الرَّسُول ﵇. فَإِذا علمنَا قطعا اسْتِحَالَة الْحمل على نفي الْأَعْيَان. تعين الْمصرف الثَّانِي. ويتضح ذَلِك بِمَا لَا دفع لَهُ. وَهُوَ أَن الْإِجْمَال إِنَّمَا يتوقى عِنْد توقع الْإِضْمَار. واشتباه الْحَال
стр. 102
ويستحيل اسناد الْإِبْهَام إِلَى مَا يستيقن بُطْلَانه. وَقد ثَبت بطلَان الْمصير إِلَى نفي الْأَعْيَان فَلم يبْق لاسناد الْإِجْمَال إِلَى ذَلِك أصل.
[١٣٤] فَإِن قيل: إِذا أضيف النَّفْي وَالْإِثْبَات إِلَى عين لم يعقل فِيهِ إِلَّا انْتِفَاء الْعين أَو ثُبُوتهَا، فَيُقَال لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه يبطل عَلَيْكُم من أوجه، أقربها أَن قَوْله عز اسْمه: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ لَيست من المجملات وفَاقا. وَالتَّحْرِيم مُضَاف إِلَى أَعْيَان الْأُمَّهَات مَعَ اسْتِحَالَة تعلق أَحْكَام التَّكْلِيف بِغَيْر أَفعَال الْمُكَلف على مَا سبق إيضاحه. وَهَذَا مَا لَا مدفع لَهُ.
ثمَّ نقُول قد أوضحنا عَلَيْكُم من تفاوض الْعَرَب إِطْلَاق الْأَعْيَان فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات. والمقصد بِالنَّفْيِ أَحْكَامهَا دون ذواتها. ثمَّ نقُول مَا ذكرتموه من أَنه لَا يفهم من نفي الْعين إِلَّا نفي ذَاته تَصْرِيح مِنْكُم بالتوصل إِلَى حمل خطاب الرَّسُول ﵇ على الْخلف الْمَحْض وَهَذَا الْكَلَام خَارج عَن دَعْوَى الِاحْتِمَال، بل هُوَ إفصاح بِحمْل خطاب صَاحب الشَّرْع على خلاف الْمَعْقُول فِي الْحَال.
[١٣٥] فَإِن قيل: إِذا نقل لفظ مَا هَذَا وَصفه استربنا فِي ناقليه وبرأنا عَنهُ الرَّسُول [ ﷺ ] .
قيل: فقد ورطكم أصلكم فِي أقبح المطاعن فِي الْأَخْبَار وَحملهَا على الْمحَال. ثمَّ انعطفتم بِفساد أصلكم على الطعْن فِي الروَاة والثقات ثمَّ الْكَلَام
стр. 103
عَلَيْكُم فِي ذَلِك أَن الْحمل على الْمُجْمل الَّذِي ذكرتموه محَال قطعا. وبدور الْمحَال من الرَّسُول محَال سمعا وعقلا. وَلَا تستريبوا فِيمَا هَذَا سَبيله بل اقْطَعُوا بكذب النقلَة حَتَّى تصرحوا بِأَن قَوْله " لَا عمل إِلَّا بنية " خلف على الرَّسُول [ ﷺ ] قطعا.
وَهَذَا مَا لم يصر إِلَيْهِ صائر. ثمَّ نقُول إِنَّمَا يستتب لكم هَذَا فِي أَخْبَار الْآحَاد وَنقل الْأَفْرَاد. وَقد ثَبت فِي ظواهر الْكتاب والمستفيض من الْأَخْبَار / [١٥ / أ] إِضَافَة النَّفْي وَالْإِثْبَات إِلَى أَعْيَان مَعَ اسْتِحَالَة حملهَا على التَّخْصِيص بالذوات فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَلَئِن سَاغَ اتهام الثِّقَات فِي الْآحَاد لَا نحسم هَذَا الْبَاب فِي ظواهر الْكتاب ومستفيض السّنَن فَهَذَا وَجه الرَّد على هَذِه الطَّائِفَة.
[١٣٦] فَأَما وَجه الرَّد على من زعم أَن النَّفْي يعم الْمَنْفِيّ وَحكمه ثمَّ يخصص ذَوَات الْأَفْعَال بدلالات الْعُقُول، فَهُوَ أَن نقُول انطواء اللَّفْظ على الْمَعْنيين المتضادين مُسْتَحِيل وفَاقا. وَالْحمل على نفي الْعين وَنفي حكمهَا محَال فَإِن نفي الحكم جَوَازًا أَو كَمَا لَا يُنبئ عَن ثُبُوت الْفِعْل مَعَ انْتِفَاء الحكم، وَنفي الذوات يُصَرح باستحالة الثُّبُوت. وَالْحمل عَلَيْهِمَا حمل على المتناقضين، فَهَذَا مَا لَا محيص عَنهُ.
[١٣٧] وبمثل هَذِه الطَّرِيقَة نرد على من يزْعم أَن النَّفْي يتَضَمَّن نفي الْجَوَاز والكمال فَإِن نفي الْكَمَال يُنبئ عَن ثُبُوت الْجَوَاز والأجزاء مَعَ انْتِفَاء سمة الْفَضِيلَة. وَنفي الْجَوَاز يُنَافِي ذَلِك. وَهَذَا كَمَا أَنا نقُول نفي سمة الْإِبَاحَة تنَاقض وصف الْوُجُوب. وَيبْطل قَول من قَالَ من نابتة الْفُقَهَاء أَن كل وَاجِب مُبَاح.
стр. 104
وَلَيْسَ كل مُبَاح وَاجِبا فَإِن الْمُبَاح مَا يُخَيّر الْمُكَلف فِي فعله وَتَركه من غير لوم وَاسْتِحْقَاق ذمّ فِي وَاحِد مِنْهُمَا. وَهَذِه الصِّيغَة مَعْدُومَة فِي الْوُجُوب فَكَذَلِك نفي الْكَمَال إِذا قدر مُجَردا انبأ عَن الْأَجْزَاء، وَنفي الْأَجْزَاء يناقضه، فالحمل عَلَيْهِمَا مَحل على النقيضين. فقد بطلت الْمذَاهب الَّتِي قدمناها.
[١٣٨] فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي ترتضونه؟
قُلْنَا " مَا نرتضيه إِلْحَاق اللَّفْظ بالمحتملات لتردد النَّفْي بَين الْكَمَال وَالْجَوَاز. واستحالة الْحمل عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فَلَا طَرِيق إِلَّا التَّوْقِيف ليتعين أحد المحتملين.
[١٣٩] فَإِن قيل: فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب الأول فِي ادِّعَاء الْإِجْمَال.
قُلْنَا: الْفرق بَين المذهبين أَن الَّذين ادعوا الْإِجْمَال أَولا أسندوه إِلَى توقع نفي الْأَعْيَان، وَهُوَ مُسْتَحِيل. وَنحن أسندنا ادِّعَاء الْإِبْهَام إِلَى الْأَحْكَام، ثمَّ هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مَعَ الْمصير إِلَى القَوْل بِالْعُمُومِ. وَإِن نَحن نَفينَا الْعُمُوم لم نحتج إِلَى إِيضَاح وَجه الْإِجْمَال على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
стр. 105
(٤٣) القَوْل فِي الرَّد على من زعم أَن فِي أَلْفَاظ صَاحب الشَّرِيعَة كَلِمَات خَارِجَة عَن قَضِيَّة اللُّغَة
[١٤٠] اعلموا - أحسن الله إرشادكم - أَن الْمُعْتَزلَة وَطَوَائِف من الْخَوَارِج قسموا الْأَلْفَاظ فِي الشَّرِيعَة ثَلَاثَة أَقسَام:
أَحدهَا: الْأَسَامِي الدِّينِيَّة.
وَالثَّانِي: الْأَسَامِي الشَّرْعِيَّة.
وَالثَّالِث: الْأَسَامِي اللُّغَوِيَّة.
[١٤١] فَأَما الْأَسَامِي الدِّينِيَّة فَثَلَاثَة: الْإِيمَان، وَالْكفْر، وَالْفِسْق.
فَأَما الْإِيمَان فقد وضع فِي تواضع اللُّغَة للتصديق وَاسْتَعْملهُ صَاحب الشَّرِيعَة فِي الطَّاعَات المفترضة قولا وفعلا وعقدا فَمن أخل بِشَيْء مِنْهَا خرج عَن وصف الْإِيمَان شرعا. وَإِن كَانَ متصفا / بالتصديق لُغَة وَعرفا وَكَذَلِكَ [١٥ / ب]
стр. 106
الْكفْر هُوَ التغطية فِي أصل اللُّغَة. وَمِنْه يُسمى اللَّيْل كَافِرًا لتغطيته النعم وَكَذَلِكَ يُسمى الْفَلاح كَافِرًا لتغطيته الْبذر بِبَعْض طَبَقَات الأَرْض. ثمَّ سموا جَاحد النعم كَافِرًا وتارك الشُّكْر كَافِرًا لتغطيته النعم فَهَذَا وَجه اسْتِعْمَاله فِي اللُّغَة. وَيُسمى ترك الْمعرفَة فِي الدّين كفرا. وَالْفِسْق فِي اللُّغَة هُوَ الْخُرُوج والتنصل عَن الْأَمر. وَمِنْه قَوْلهم فسقت الرّطبَة إِذا تفقأت عَنْهَا قشرتها. فَهَذِهِ الْأَسْمَاء الدِّينِيَّة عِنْد الْقَوْم. ومرامهم بذلك اسْتِعْمَال الْإِيمَان فِي غير مَا اسْتعْمل فِي أصل اللُّغَة حَقِيقَة ومجاز. وَكَذَلِكَ الْكفْر وَالْفِسْق.
[١٤٢] والمعتزلة يفارقون الْخَوَارِج فِي خلة وَاحِدَة. هِيَ أَنهم قَالُوا مقارف الْكَبِيرَة مَعَ اسْتِصْحَاب الْمعرفَة والتصديق لَا يَتَّصِف بِالْإِيمَان وَلَا بالْكفْر بل يتسم بالفسوق.
والخوارج يطلقون القَوْل بِأَن الْخَارِج من الْإِيمَان كَافِر.
стр. 107
[١٤٣] ثمَّ ذهب أَبُو الْهُذيْل إِلَى أَن اسْم الْإِيمَان يتَنَاوَل فَرَائض الدّين ونوافله وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام فقسم مِنْهُ يكفر تَاركه. وَهُوَ الْمعرفَة والتصديق. وَقسم يفسق تَاركه وَلَا يكفر وَهُوَ مفترضات الدّين من جملَة الطَّاعَات. وَقسم مِنْهُ لَا يكفر تَاركه وَلَا يفسق. وَأنكر عَلَيْهِ كَافَّة الْمُعْتَزلَة وَقَالُوا اسْم الْإِيمَان وَاقع على فَرَائض الدّين دون نوافله. فَهَذِهِ الْأَسْمَاء الدِّينِيَّة عِنْد الْقَوْم.
[١٤٤] فَأَما الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة فَهِيَ عِنْدهم أَسمَاء لغوية نقلت فِي الشَّرْع عَن أصل وَضعهَا إِلَى أَحْكَام شَرْعِيَّة نَحْو الصَّلَاة، وَالْحج، وَالزَّكَاة، وَالصِّيَام وَمَا يضاهيها فزعموا أَن هَذِه الْأَحْكَام لما حدثت من الشَّرْع نقلت إِلَيْهَا هَذِه الْأَسْمَاء من اللُّغَة. وَقد تبع هَؤُلَاءِ شرذمة من الْفُقَهَاء الحائدين عَن التَّحْقِيق، [وَمَا] راموا مرامهم بيد أَنهم زلوا عَن سَوَاء الطَّرِيق.
стр. 108
[١٤٥] وَأما الْأَسْمَاء اللُّغَوِيَّة فَهِيَ الْجَارِيَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي أصل الْوَضع من غير تَحْرِيف وَنقل وَهِي الْأَغْلَب من أَلْفَاظ صَاحب الشَّرَائِع.
[١٤٦] فَمن أوضح مَا نستدل بِهِ أَن نقُول قد ثبتَتْ اللُّغَات وضعا واستعمالا. وتقرر اسْتِقْرَار هَذِه الْأَسَامِي الَّتِي فِيهَا التَّنَازُع على مسمياتها فِي أصل الْوَضع، ثمَّ ادعيتم معاشر الْمُخَالفين نقلهَا إِلَى قَضِيَّة الدّين أَو إِلَى عرفية شَرْعِيَّة فَنَقُول لكم لَا تخلون إِمَّا أَن تتوصلوا إِلَى معرفَة ذَلِك عقلا أَو سمعا. فَإِن أَنْتُم زعمتم أَنكُمْ توصلتم إِلَى معرفَة ذَلِك عقلا فَلَا تخلون إِمَّا أَن تسندوا دعواكم إِلَى ادِّعَاء الضَّرُورِيّ فِي مُقْتَضى الْعُقُول فتخرجون عَن قَضِيَّة النَّقْل. فَأول مَا نلزمكم فِي مُقَابلَة دعواكم بِمِثْلِهَا. وَإِن أَنْتُم زعمتم أَنكُمْ تبلغتم بدلالات الْعُقُول إِلَى معرفَة النَّقْل فَهَذَا محَال. فَإِن أصُول اللُّغَة لَا تضبط عقلا، وَلَا تدل عَلَيْهَا دلَالَة عقلية فَكيف يدل على النَّقْل مِنْهُمَا. وَإِن زعمتم أَن التَّوَصُّل إِلَى معرفَة مَا أنكرتموه بِدلَالَة سمعية ففصلوها لنا نتكلم عَلَيْهَا. فَإِن الدّلَالَة السمعية خبر أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس وَلَا إِجْمَاع مَعَ اخْتِلَاف. [١٦ / أ] وَلَا يثبت نقل / اللُّغَات بالمقاييس لما بَيناهُ فِي بَابه فَلَا يبْقى بعدهمَا إِلَّا الْأَخْبَار. ثمَّ هِيَ تَنْقَسِم إِلَى متواتر وَإِلَى مستفيض وَنقل آحَاد. وَأَنْتُم معاشر الْمُخَالفين لَا تقدرون على نقل خبر من طَرِيق الْآحَاد عَنهُ [ ﷺ ] فِي نقل الْأَسَامِي عَن أصل اللُّغَات. فَإِذا تبين عجزكم عَن إِسْنَاد دعواكم إِلَى طَرِيق من طرق الْأَدِلَّة. وَبَطل ادِّعَاء الضَّرُورَة لم يبْق لكم مستروح. وَهَذَا مَا لَا طَرِيق لَهُم إِلَى الْقدح فِيهِ.
стр. 109
[١٤٧] فَإِن قيل: فَفِي كتاب الله تَعَالَى وَسنة نبيه مُحَمَّد ﵇ مَا لَا يُوجد فِي اللُّغَات وضعا واستعمالا. وعدوا من ذَلِك جملا. مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ قَالُوا فالإيمان هُوَ التَّصْدِيق فِي اللُّغَة وَالْمرَاد بِهِ فِي الْآيَة صَلَاة الَّذين صلوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نسخ التَّوَجُّه إِلَيْهِ فَهَذَا خَارج من اللُّغَة وضعا واستعمالا ومنقول إِلَى غَيره. وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : ((الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ جُزْءا أَعْلَاهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق)) قَالُوا فَسمى النَّبِي [ ﷺ ] طاعات الشَّرَائِع إِيمَانًا واستشهدوا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَالْحج فِي قبيل الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة. وَزَعَمُوا أَنَّهَا لم تعهد فِي أصل اللُّغَات مستعملة فِي مواقعها الشَّرْعِيَّة.
فَيُقَال لَهُم: أما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ فَمَعْنَاه وَمَا كَانَ الله لِيُضيع تصديقكم بالصلوات إِلَى الْقبْلَتَيْنِ فَهُوَ إِذا مَحْمُول على حَقِيقَة اللُّغَة. وَأما تمسكهم بالْخبر فَهُوَ من الْآحَاد. وَالَّذِي نَحن فِيهِ لَا يثبت إِلَّا
стр. 110
بمقطوع بِهِ فَإِن الْمصير إِلَى نفي سمة الْإِيمَان وَإِثْبَات سمة الْكفْر مِمَّا يجل خطره فِي الدّين فَلَا يتشبث فِيهِ بأخبار الْآحَاد ثمَّ لَو قبلناه فَالْمَعْنى بِهِ أَن الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة دَلَائِل الْإِيمَان وأماراته لَا أَنَّهَا نفس الْإِيمَان. وأمثال ذَلِك لَا تستبدع فِي اسْتِعْمَال اللُّغَات فَإنَّك تَقول لمن تُرِيدُ تَحْقِيق تَصْدِيقه وَقد [بَدَت مِنْهُ] أَعمال دَالَّة على تَصْدِيقه إياك، فَتطلق القَوْل على آحَاد أَعماله فَإِنَّهُ تَصْدِيق مِنْهُ وَإِن لم تكن نفس التَّصْدِيق بل كَانَت دلالات عَلَيْهِ. وَقد تسمى الْعَرَب الشَّيْء لكَونه مِنْهُ أَو لكَونه بِسَبَب مِنْهُ وَهَذَا [كَمَا] أَنَّهَا تسمى الْبَدَائِع من صنع الله قدرَة الله. وتعنى بذلك أَنَّهَا مقدوراته، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تتبعه، فَأَما تعلقهم فِيهِ بالأسامي الشَّرْعِيَّة وادعاؤهم نقلهَا فَهَذَا بَاطِل، فَأَما الْحَج فَهُوَ الْقَصْد فِي أصل اللُّغَة. وَقد اسْتشْهدُوا عَلَيْهِ بنظم الْعَرَب ونثرها وَالْحج الشَّرْعِيّ هُوَ قصد بَيت الله الْحَرَام. وَالصَّلَاة فِي أصل اللُّغَة هِيَ الدُّعَاء. وَالْعِبَادَة الشَّرْعِيَّة [الْمُسَمَّاة] بِالصَّلَاةِ منطوية على الدُّعَاء، فسميت الدَّعْوَات صَلَاة جَريا على أصل اللُّغَة. وَالصِّيَام هُوَ الْإِمْسَاك فيسمى الْإِمْسَاك عَن المفطرات صياما وَالزَّكَاة هِيَ النَّمَاء فيسمى مَا يُؤَدِّي عَن نَمَاء [١٦ / ب] المَال غَالِبا زَكَاة / وَهِي أَيْضا سَبَب فِي تنمية المَال على وعد صَاحب الشَّرْع فَسمى الْمخْرج لإدائه إِلَى تنمية المَال نَمَاء وَهُوَ مَوْضُوع للنماء.
[١٤٨] فَإِن قيل: الْحَج هُوَ الْقَصْد، وَلَكِنَّكُمْ لَا تجتزون بِمُجَرَّد الْقَصْد
следующие страницы →