← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الْكفْر هُوَ التغطية فِي أصل اللُّغَة. وَمِنْه يُسمى اللَّيْل كَافِرًا لتغطيته النعم وَكَذَلِكَ يُسمى الْفَلاح كَافِرًا لتغطيته الْبذر بِبَعْض طَبَقَات الأَرْض. ثمَّ سموا جَاحد النعم كَافِرًا وتارك الشُّكْر كَافِرًا لتغطيته النعم فَهَذَا وَجه اسْتِعْمَاله فِي اللُّغَة. وَيُسمى ترك الْمعرفَة فِي الدّين كفرا. وَالْفِسْق فِي اللُّغَة هُوَ الْخُرُوج والتنصل عَن الْأَمر. وَمِنْه قَوْلهم فسقت الرّطبَة إِذا تفقأت عَنْهَا قشرتها. فَهَذِهِ الْأَسْمَاء الدِّينِيَّة عِنْد الْقَوْم. ومرامهم بذلك اسْتِعْمَال الْإِيمَان فِي غير مَا اسْتعْمل فِي أصل اللُّغَة حَقِيقَة ومجاز. وَكَذَلِكَ الْكفْر وَالْفِسْق. [١٤٢] والمعتزلة يفارقون الْخَوَارِج فِي خلة وَاحِدَة. هِيَ أَنهم قَالُوا مقارف الْكَبِيرَة مَعَ اسْتِصْحَاب الْمعرفَة والتصديق لَا يَتَّصِف بِالْإِيمَان وَلَا بالْكفْر بل يتسم بالفسوق. والخوارج يطلقون القَوْل بِأَن الْخَارِج من الْإِيمَان كَافِر.

стр. 107

[١٤٣] ثمَّ ذهب أَبُو الْهُذيْل إِلَى أَن اسْم الْإِيمَان يتَنَاوَل فَرَائض الدّين ونوافله وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام فقسم مِنْهُ يكفر تَاركه. وَهُوَ الْمعرفَة والتصديق. وَقسم يفسق تَاركه وَلَا يكفر وَهُوَ مفترضات الدّين من جملَة الطَّاعَات. وَقسم مِنْهُ لَا يكفر تَاركه وَلَا يفسق. وَأنكر عَلَيْهِ كَافَّة الْمُعْتَزلَة وَقَالُوا اسْم الْإِيمَان وَاقع على فَرَائض الدّين دون نوافله. فَهَذِهِ الْأَسْمَاء الدِّينِيَّة عِنْد الْقَوْم. [١٤٤] فَأَما الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة فَهِيَ عِنْدهم أَسمَاء لغوية نقلت فِي الشَّرْع عَن أصل وَضعهَا إِلَى أَحْكَام شَرْعِيَّة نَحْو الصَّلَاة، وَالْحج، وَالزَّكَاة، وَالصِّيَام وَمَا يضاهيها فزعموا أَن هَذِه الْأَحْكَام لما حدثت من الشَّرْع نقلت إِلَيْهَا هَذِه الْأَسْمَاء من اللُّغَة. وَقد تبع هَؤُلَاءِ شرذمة من الْفُقَهَاء الحائدين عَن التَّحْقِيق، [وَمَا] راموا مرامهم بيد أَنهم زلوا عَن سَوَاء الطَّرِيق.

стр. 108

[١٤٥] وَأما الْأَسْمَاء اللُّغَوِيَّة فَهِيَ الْجَارِيَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي أصل الْوَضع من غير تَحْرِيف وَنقل وَهِي الْأَغْلَب من أَلْفَاظ صَاحب الشَّرَائِع. [١٤٦] فَمن أوضح مَا نستدل بِهِ أَن نقُول قد ثبتَتْ اللُّغَات وضعا واستعمالا. وتقرر اسْتِقْرَار هَذِه الْأَسَامِي الَّتِي فِيهَا التَّنَازُع على مسمياتها فِي أصل الْوَضع، ثمَّ ادعيتم معاشر الْمُخَالفين نقلهَا إِلَى قَضِيَّة الدّين أَو إِلَى عرفية شَرْعِيَّة فَنَقُول لكم لَا تخلون إِمَّا أَن تتوصلوا إِلَى معرفَة ذَلِك عقلا أَو سمعا. فَإِن أَنْتُم زعمتم أَنكُمْ توصلتم إِلَى معرفَة ذَلِك عقلا فَلَا تخلون إِمَّا أَن تسندوا دعواكم إِلَى ادِّعَاء الضَّرُورِيّ فِي مُقْتَضى الْعُقُول فتخرجون عَن قَضِيَّة النَّقْل. فَأول مَا نلزمكم فِي مُقَابلَة دعواكم بِمِثْلِهَا. وَإِن أَنْتُم زعمتم أَنكُمْ تبلغتم بدلالات الْعُقُول إِلَى معرفَة النَّقْل فَهَذَا محَال. فَإِن أصُول اللُّغَة لَا تضبط عقلا، وَلَا تدل عَلَيْهَا دلَالَة عقلية فَكيف يدل على النَّقْل مِنْهُمَا. وَإِن زعمتم أَن التَّوَصُّل إِلَى معرفَة مَا أنكرتموه بِدلَالَة سمعية ففصلوها لنا نتكلم عَلَيْهَا. فَإِن الدّلَالَة السمعية خبر أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس وَلَا إِجْمَاع مَعَ اخْتِلَاف. [١٦ / أ] وَلَا يثبت نقل / اللُّغَات بالمقاييس لما بَيناهُ فِي بَابه فَلَا يبْقى بعدهمَا إِلَّا الْأَخْبَار. ثمَّ هِيَ تَنْقَسِم إِلَى متواتر وَإِلَى مستفيض وَنقل آحَاد. وَأَنْتُم معاشر الْمُخَالفين لَا تقدرون على نقل خبر من طَرِيق الْآحَاد عَنهُ [ ﷺ ] فِي نقل الْأَسَامِي عَن أصل اللُّغَات. فَإِذا تبين عجزكم عَن إِسْنَاد دعواكم إِلَى طَرِيق من طرق الْأَدِلَّة. وَبَطل ادِّعَاء الضَّرُورَة لم يبْق لكم مستروح. وَهَذَا مَا لَا طَرِيق لَهُم إِلَى الْقدح فِيهِ.

стр. 109

[١٤٧] فَإِن قيل: فَفِي كتاب الله تَعَالَى وَسنة نبيه مُحَمَّد ﵇ مَا لَا يُوجد فِي اللُّغَات وضعا واستعمالا. وعدوا من ذَلِك جملا. مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ قَالُوا فالإيمان هُوَ التَّصْدِيق فِي اللُّغَة وَالْمرَاد بِهِ فِي الْآيَة صَلَاة الَّذين صلوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نسخ التَّوَجُّه إِلَيْهِ فَهَذَا خَارج من اللُّغَة وضعا واستعمالا ومنقول إِلَى غَيره. وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : ((الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ جُزْءا أَعْلَاهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق)) قَالُوا فَسمى النَّبِي [ ﷺ ] طاعات الشَّرَائِع إِيمَانًا واستشهدوا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَالْحج فِي قبيل الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة. وَزَعَمُوا أَنَّهَا لم تعهد فِي أصل اللُّغَات مستعملة فِي مواقعها الشَّرْعِيَّة. فَيُقَال لَهُم: أما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ فَمَعْنَاه وَمَا كَانَ الله لِيُضيع تصديقكم بالصلوات إِلَى الْقبْلَتَيْنِ فَهُوَ إِذا مَحْمُول على حَقِيقَة اللُّغَة. وَأما تمسكهم بالْخبر فَهُوَ من الْآحَاد. وَالَّذِي نَحن فِيهِ لَا يثبت إِلَّا

стр. 110

بمقطوع بِهِ فَإِن الْمصير إِلَى نفي سمة الْإِيمَان وَإِثْبَات سمة الْكفْر مِمَّا يجل خطره فِي الدّين فَلَا يتشبث فِيهِ بأخبار الْآحَاد ثمَّ لَو قبلناه فَالْمَعْنى بِهِ أَن الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة دَلَائِل الْإِيمَان وأماراته لَا أَنَّهَا نفس الْإِيمَان. وأمثال ذَلِك لَا تستبدع فِي اسْتِعْمَال اللُّغَات فَإنَّك تَقول لمن تُرِيدُ تَحْقِيق تَصْدِيقه وَقد [بَدَت مِنْهُ] أَعمال دَالَّة على تَصْدِيقه إياك، فَتطلق القَوْل على آحَاد أَعماله فَإِنَّهُ تَصْدِيق مِنْهُ وَإِن لم تكن نفس التَّصْدِيق بل كَانَت دلالات عَلَيْهِ. وَقد تسمى الْعَرَب الشَّيْء لكَونه مِنْهُ أَو لكَونه بِسَبَب مِنْهُ وَهَذَا [كَمَا] أَنَّهَا تسمى الْبَدَائِع من صنع الله قدرَة الله. وتعنى بذلك أَنَّهَا مقدوراته، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تتبعه، فَأَما تعلقهم فِيهِ بالأسامي الشَّرْعِيَّة وادعاؤهم نقلهَا فَهَذَا بَاطِل، فَأَما الْحَج فَهُوَ الْقَصْد فِي أصل اللُّغَة. وَقد اسْتشْهدُوا عَلَيْهِ بنظم الْعَرَب ونثرها وَالْحج الشَّرْعِيّ هُوَ قصد بَيت الله الْحَرَام. وَالصَّلَاة فِي أصل اللُّغَة هِيَ الدُّعَاء. وَالْعِبَادَة الشَّرْعِيَّة [الْمُسَمَّاة] بِالصَّلَاةِ منطوية على الدُّعَاء، فسميت الدَّعْوَات صَلَاة جَريا على أصل اللُّغَة. وَالصِّيَام هُوَ الْإِمْسَاك فيسمى الْإِمْسَاك عَن المفطرات صياما وَالزَّكَاة هِيَ النَّمَاء فيسمى مَا يُؤَدِّي عَن نَمَاء [١٦ / ب] المَال غَالِبا زَكَاة / وَهِي أَيْضا سَبَب فِي تنمية المَال على وعد صَاحب الشَّرْع فَسمى الْمخْرج لإدائه إِلَى تنمية المَال نَمَاء وَهُوَ مَوْضُوع للنماء. [١٤٨] فَإِن قيل: الْحَج هُوَ الْقَصْد، وَلَكِنَّكُمْ لَا تجتزون بِمُجَرَّد الْقَصْد

стр. 111

فِي اسْم الشَّرْع بل تشترطون ضروبا فِي الْأَعْمَال والأقوال. وَكَذَلِكَ لَا تجتزون بِمُجَرَّد الدَّعْوَات فِي الصَّلَوَات. وَلَا تكتفون بِمُجَرَّد الْإِمْسَاك فِي الصّيام فأوضحوا مثل ذَلِك فِي الزَّكَاة. وَهَذِه عصمتهم. فَإِن تفصيت عَنْهَا تبدد شملهم. وانبت كَلَامهم فَنَقُول: الْمُسَمّى بِالْحَجِّ هُوَ الْقَصْد عِنْد وجوب أَسبَاب وشرائط والمسمى بِالصَّلَاةِ هِيَ الدَّعْوَات عِنْد اتِّصَال أَفعَال وأقوال بهَا. والمسمى بالصيام هُوَ نفس الْإِمْسَاك عِنْد تقدم النِّيَّة والشرائط. فقد تبين تَقْرِير الْأَسَامِي على أصل موضوعاتها. [١٤٩] فَإِن قيل: فاللغة [لَا] تَقْتَضِي تَخْصِيص الْحَج بِقصد مَشْرُوط وَتَخْصِيص الصَّلَاة وَالصِّيَام بِأَسْبَاب مقترنة بالدعوات والإمساك فَمن هَذَا الْوَجْه خالفتم اللُّغَة. قُلْنَا: قد أوضحنا عَلَيْكُم تَقْدِير الْأَسَامِي على مَا وضعت لَهُ. فَأَما مَا ادعيتموه من أَن اللُّغَة لَا تَقْتَضِي تخصيصها فَهَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه لَا يستبدع فِي اسْتِعْمَال اللُّغَة أَن يعمد إِلَى اسْم مُشْتَرك بَين معَان فَيخْتَص بِبَعْض محتملاته اسْتِعْمَالا عِنْد غَلَبَة الْعرف وَلَا يُسمى ذَلِك نقلا وَلَا تبديلا. وَذَلِكَ نَحْو الدَّابَّة وَغَيرهَا مِمَّا قدمناها فِي بَابهَا. وَالْوَجْه الثَّانِي: من الْجَواب أَن نقُول لَو اقْتضى الشَّرْع نفي اسْم الْحَج وَالصَّلَاة وَالصَّوْم عِنْد عدم الشَّرَائِط رُبمَا كَانَ يستتب لكم قَوْلكُم. وَلَكِن لَيْسَ فِي الشَّرْع ذَلِك، بل فِيهِ تَسْمِيَة الْقَصْد حجا عِنْد وجود الشَّرَائِط من غير منع

стр. 112

من إِطْلَاق اسْم الْحَج على قصد غير ذَلِك. وَكَذَلِكَ وَردت الشَّرِيعَة بِتَسْمِيَة الدَّعْوَات الْمَخْصُوصَة بشرائطها صَلَاة، وَلم يرد منع بِتَسْمِيَة غَيرهَا من الدَّعْوَات صَلَاة كَيفَ وَقد وَردت الشَّرِيعَة صَرِيحًا بِتَسْمِيَة الدُّعَاء الْمَحْض صَلَاة فَإِنَّهُ تَعَالَى وَجل قَالَ لرَسُوله [ ﷺ ] : ﴿وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ وَالْمعْنَى بِصَلَاة الْمَلَائِكَة دعاؤهم فقد تبين بِمَا نبهناك عَلَيْهِ أَن شَيْئا من الْأَسَامِي الَّتِي اعتضدوا بهَا غير خَارج من أصل اللُّغَة. وَطَرِيق اسْتِعْمَالهَا.

стр. 113

(٤٤) القَوْل فِي الرَّد على من زعم أَن فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ من لُغَة الْعَرَب وكلامها [١٥٠] اعْلَم، وفقك الله أَن مَا صَار إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من أَرْبَاب الشَّرَائِع أَن الرب تَعَالَى لم يخاطبنا فِي الشَّرِيعَة بِمَا لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب. وَكَذَلِكَ رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن كلمة / خَارِجَة عَن لُغَة الْعَرَب ولسنها. [١٧ / أ] وَزَعَمت طَائِفَة مِمَّن يتعاطى اللُّغَة أَن الْقُرْآن يشْتَمل على كَلِمَات لَيست من كَلَام الْعَرَب أصلا. وَإِنَّمَا هِيَ من سَائِر اللُّغَات.

стр. 114

وَالدَّلِيل على الرَّد عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى: ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ فنعت الْقُرْآن كُله بِكَوْنِهِ عَرَبيا مُبينًا فتقوم الدّلَالَة بِمُقْتَضى الْآيَة على الْخُصُوم سِيمَا مَعَ قَوْلهم بِالْعُمُومِ. ويتأكد الِاسْتِدْلَال على قَول نفاة الْعُمُوم بمضمون الْآيَة، والمقصد من سياقها، وَذَلِكَ أَن العندة من الْكَفَرَة زَعَمُوا أَن رَسُول الله [ ﷺ ] يتلَقَّى الْقُرْآن من سلمَان الْفَارِسِي وَمِنْه يتلقف قصَص الْأَوَّلين وسير الماضين فاحتج الله عَلَيْهِم فِي رد مقالتهم وَقَالَ: (لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ أعجمي وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ

стр. 115

مُبين﴾ فَلَو كَانَ من جملَة الْقُرْآن فِي تضاعيف نظمه كَلِمَات أَعْجَمِيَّة لبطل الِاحْتِجَاج على الْعَرَب بِمَا ذكره الله ولتشبثت الْعَرَب بِتِلْكَ الْكَلِمَات وتوصلت بهَا إِلَى ادِّعَاء تلقيها من فَارسي. ولخصم سيد الْأَوَّلين والآخرين ﵇ فِي احتجاجه عَلَيْهِم. فَدلَّ سِيَاق الْآيَة فِي مُقْتَضى الِاحْتِجَاج مَعَ ظَاهرهَا على مَا ذَكرْنَاهُ. وعَلى هَذَا الْوَجْه يسْتَدلّ بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا لقالوا لَوْلَا فصلت آيَته أعجمي وعربي﴾ وَالْمعْنَى بِالْآيَةِ أَنا لَو بَعْضنَا الْقُرْآن فَجعلنَا بعضه أعجميا وَبَعضه عَرَبيا لقالت الْعَرَب أعجمي وعربي. واستدلت بقصور الْكَلَام فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة حَتَّى احْتَاجَ إِلَى امداده بلغَة أُخْرَى. وَهَذَا الْمَعْنى بقوله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا فصلت آيَته﴾ بلغَة من غير أَن يشوبها مَا لَيْسَ مِنْهَا فَدلَّ ذَلِك على تمحض لُغَة الْعَرَب فِي كتاب الله تَعَالَى. [١٥١] فَإِن قيل: فِي الْقُرْآن أَلْفَاظ معربة من لُغَة الْعَجم مِنْهَا الإستبرق. وَهُوَ مُعرب استبره بِلِسَان الْعَجم. والمشكاة كلمة هندية

стр. 116

والسندس والقسطاس كلمتان روميتان وَقد زعم أهل اللُّغَة أَن الْأَب لم يُوجد فِي شَيْء من كَلَام الْعَرَب فَتبين بذلك خُرُوج هَذِه الْأَلْفَاظ عَن أصل اللُّغَة. قُلْنَا: لَئِن صَارَت شرذمة إِلَى مَا قلتموه فقد صَار مُعظم الْمُفَسّرين إِلَى إِلْحَاق ذَلِك باللغات وتفسيرها على الْمنْهَج الَّذِي فسروا سَائِر الْكَلِمَات، فتتقابل الْمذَاهب. وَيبقى لنا الِاسْتِدْلَال بِنَصّ الْكتاب ثمَّ نقُول مَا ذكرتموه من كَون الإستبرق معربا من قَول الْعَجم استبره بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْعَجم عبرت عَن استبرق باستبره على الضِّدّ مِمَّا ادعيتموه وَأما الْمشكاة فَهِيَ لُغَة مَعْرُوفَة [و] وجودهَا فِي لُغَة الْهِنْد لَا ينفيها عَن لُغَة الْعَرَب. وَقد تتفق اللغتان فِي اسْم وفَاقا. فَهَذَا مَا لَا استشهاد فِيهِ وَهَذَا وَجه الْكَلَام على السندس والقسطاس. وَأما الْأَب فقد فسره مُعظم أهل اللُّغَة بالكلأ واللغات تَنْقَسِم. فَمِنْهَا مَا يظْهر، وَمِنْهَا مَا ينْدر وَلَا يعثر عَلَيْهِ إِلَّا المتبحر [١٧ / ب] فِي اللُّغَة. وَذُهُول / الْبَعْض عَنهُ لَا يَنْفِيه عَن اللُّغَة.

стр. 117

[١٥٢] فَإِن قيل: لَيْسَ فِي لُغَة الْعَرَب اسْم على وزن استفعل. والاستبرق لَا نَظِير لَهُ فِي وَضعه ووزنه. قيل: وَكم من اسْم شَاذ فِي وضع اللُّغَة لَا نَظِير لَهُ. وَانْتِفَاء نَظِيره لَا يَنْفِيه عَن أصل اللُّغَة. وَذَلِكَ نَحْو قرعبلانة وذويل وصعفوق وخذعل فَإِن فعلالا إِنَّمَا يكون فِي المضاعف كالزلزال.

стр. 118

(٤٥) القَوْل فِي تَفْسِير جمل من الْحُرُوف [١٥٣] اعْلَم، وفقك الله أَن الْحُرُوف تَنْقَسِم إِلَى معَان. فَتطلق وَالْمرَاد بِهِ طرف الْجِسْم وشفيره كَمَا يُقَال حرف الْوَادي وحرف الْجَبَل. وَقد يُطلق وَالْمرَاد بِهِ النَّاقة المهزولة. وَيُطلق وَالْمرَاد بِهِ الْوَاحِد من حُرُوف المعجم وَيُطلق وَالْمرَاد بِهِ أحد الْحُرُوف الَّتِي هِيَ أصوات مقطعَة بادرة من مخارج الْعبارَات وَقد يُطلق وَالْمرَاد بِهِ الْكَلَام التَّام المنتظم، وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تمسك بالحرف الْفُلَانِيّ فِي الْمَسْأَلَة وتعني بِهِ نُكْتَة ارتضيتها. وَيُطلق وَالْمرَاد بِهِ اللَّفْظ الْمُتَّصِل بالأسماء وَالْأَفْعَال وجمل الْمقَال لتعتبر مَعَانِيهَا وفوائدها. وَهَذَا مَقْصُود الْبَاب. وَهُوَ نَحْو من وَأي وَبعد، وَحَتَّى. وَمَا شاكلها. (٤٦) القَوْل فِي معنى ((من)) [١٥٤] اعْلَم أَن هَذِه الْحُرُوف ترد لثلاث جِهَات. فتجيء مَجِيء الْخَبَر نَحْو قَوْلك: أعجبني من رَأَيْت وَقد تَجِيء مَجِيء الشَّرْط وَالْجَزَاء نَحْو قَوْلك: من جَاءَنِي أكرمته وَمن عَصَانِي عاقبته. وَترد مورد الِاسْتِفْهَام نَحْو قَوْلك الاستعلام لمن تخاطبه: من عنْدك وَمن كلمك.

стр. 119

[١٥٥] ثمَّ اعْلَم أَن هَذِه الْحُرُوف فِي أصل الْوَضع مُخَصص بالعقلاء. فَإِن اسْتعْمل فِي غَيرهم كَانَ تجوزا فَإِذا قلت مستفهما: من عنْدك؟ لم يحسن من الْمُخَاطب أَن يَقُول: ثوب أَو دَابَّة. (٤٧) القَوْل فِي معنى ((أَي)) [١٥٦] هَذَا يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام: فَيرد مورد الْخَبَر نَحْو قَوْلك لأُكلمَن أَيهمْ قَامَ تَعْنِي بِهِ من قَامَ. وَيرد مورد الِاسْتِفْهَام نَحْو قَوْلك: أَي النَّاس رَأَيْت؟ وَيرد فِي معرض الشَّرْط وَالْجَزَاء نَحْو قَوْلك: أَيهمْ يضربني أضْرب. (٤٨) القَوْل فِي معنى ((من)) [١٥٧] هَذَا الْحَرْف يتنوع بِمَعْنَاهُ فَيرد وَالْمرَاد بِهِ إِفَادَة ابْتِدَاء الْغَايَة. وَهَذَا أظهر مَعَانِيه. وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك: مشيت من دَاري إِلَى دَارك. فَهُوَ فِي اقْتِضَاء الْغَايَة نقيضته ((إِلَى)) . فَإِنَّهُ يُنبئ عَن ابْتِدَاء الْغَايَة و ((إِلَى)) تنبئ عَن انتهاءها. وَقد يرد وَالْمرَاد بِهِ التَّبْعِيض نَحْو قَوْلك: أخذت من الدَّرَاهِم. تَعْنِي أخذت بَعْضهَا.

стр. 120

وَقد ترد صلَة زَائِدَة نَحْو قَوْلك: مَا جَاءَنِي من أحد. يَعْنِي مَا جَاءَنِي أحد. (٤٩) القَوْل فِي معنى ((مَا)) [١٥٨] هَذَا من أَكثر الْحُرُوف انقساما: فَترد على معنى الْجحْد نَحْو قَوْلك مَا لزيد عِنْدِي حق. وَترد فِي الْكَلَام للتعجب نَحْو قَوْلك مَا أحسن زيدا، وَترد على معنى الَّذِي فِي الْخَبَر نَحْو قَوْلك فعلت مَا قلت أَي فعلت [١٨ / أ] الَّذِي قلت. وَترد على معنى الِاسْتِفْهَام نَحْو قَوْلك، مَا فعل / زيد؟ إِلَى غير ذَلِك من انقسامه فِي الْمعَانِي. [١٥٩] ثمَّ اخْتلف أهل اللُّغَة فَقَالَ بَعضهم: تتخصص ((مَا)) على معنى الْخَبَر بِغَيْر الْعُقَلَاء. وَقَالَ بَعضهم هُوَ مُسْتَعْمل فِي الْعُقَلَاء وَغير الْعُقَلَاء

стр. 121

و ((من)) متخصص بالعقلاء لَا ينْقل عَنْهُم إِلَّا توسعا وتجوزا. (٥٠) القَوْل فِي معنى ((أم)) [١٦٠] أصل مَوْضُوع هَذَا الْحَرْف للاستفهام فَإنَّك تَقول أسكت

стр. 122

فلَان أم نطق. وَقد يقوم فِي معنى الِاسْتِفْهَام مقَام أَيهمَا. وَذَلِكَ إِذا قلت زيد عنْدك أم عَمْرو فَمَعْنَاه أَيهمَا عنْدك. وَتقوم مقَام أَو تَقول زيد عنْدك أم عَمْرو تَعْنِي بذلك أَو عَمْرو. (٥١) القَوْل فِي معنى ((إِلَى)) [١٦١] هَذَا الْحَرْف مَوْضُوع لإِفَادَة انْتِهَاء الْغَايَة. وَهِي نقيضة ((من)) . ثمَّ ظَاهر اللَّفْظ الْبِدَايَة والغاية بِنَفْي دخل الحدين تَحت الْمَحْدُود بهما. وَإِنَّمَا يدخلَانِ تَحْتَهُ بِدلَالَة تقوم من غير قَضِيَّة اللَّفْظ. وَفِي ذَلِك بَاب يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [١٦٢] وَأما الْوَاو: فَإِنَّهُ مَوْضُوع للْجمع

стр. 123

والنسق وَتَحْقِيق الِاشْتِرَاك بَين الْمَذْكُورين نَحْو قَوْلك ضربت زيدا وعمرا. وَمن زعم من الْفُقَهَاء أَنه يَقْتَضِي التَّرْتِيب فَهُوَ حيد عَن حَقِيقَة مَعْنَاهُ، وَقد ترد الْوَاو بِمَعْنى أَو نَحْو قَوْله تَعَالَى:

стр. 124

﴿فانحكوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ . مَعْنَاهُ أَو ثَلَاث. [١٦٣] فالدليل على أَن الْوَاو يَقْتَضِي الْجمع أَنه يسْتَعْمل من غير تجوز فِي مَا لَا تَرْتِيب فِيهِ أصلا، وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك: اقتتل زيد وَعَمْرو، واختصم بكر وخَالِد فَلَا تعد [الْوَاو] فِي هَذَا الْموضع مستعملة فِي غير محلهَا. وَإِن كَانَ الاقتتال لَا يتَوَقَّع ترتيبه بَين الْمَذْكُورين. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن ((ثمَّ)) لما كَانَت للتَّرْتِيب بعد اسْتِعْمَاله فِي هَذَا الْموقع فَلَا تَقول اقتتل زيد ثمَّ عَمْرو. (٥٢) القَوْل فِي معنى ((الْفَاء)) [١٦٤] اعْلَم أَن الْفَاء فِي مَحل النسق والعطف يَقْتَضِي التَّرْتِيب والتعقيب وَنفي الإبطاء وَهِي تخَالف الْوَاو فِي اقْتِضَاء التَّرْتِيب وتخالف ثمَّ

стр. 125

فِي اقْتِضَاء التعقيب وَنفي المهلة. وَكَذَلِكَ أَن ((ثمَّ)) يَقْتَضِي التَّرْتِيب وَلَا يَقْتَضِي التعقيب. وَلذَلِك دخل الْفَاء فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء لِأَنَّهُ أَدخل مدْخل التَّعْجِيل فَتَقول: لَا تضربني فأضربك. ويستبعد فِي هَذَا الْمَعْنى لَا تضربني ثمَّ أضربك. [١٦٥] وَأما ((ثمَّ)) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّرْتِيب فَإِذا قلت ضربت زيدا ثمَّ عمرا اقْتضى ذَلِك تخَلّل زمن بَينهمَا. وَقد ترد مجَازًا بِمَعْنى الْوَاو نَحْو قَوْله : ﴿ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ﴾ . مَعْنَاهُ وَالله شَهِيد. (٥٣) القَوْل فِي معنى ((حَتَّى)) [١٦٦] اعْلَم أَن هَذَا الْحَرْف قد يرد للغاية نَحْو قَوْلك: أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا. مَعْنَاهُ انْتَهَيْت إِلَى رَأسهَا. وَذَلِكَ إِذا كسرت مَا بعد حَتَّى. وَقد يكون بِمَعْنى الْوَاو نَحْو قَوْلك: كلمت الْقَوْم حَتَّى زيدا. تُرِيدُ وزيدا كَلمته.

стр. 126

(٥٤) القَوْل فِي معنى ((مَتى)) و ((أَيْن)) و ((حَيْثُ)) [١٨ / ب] [١٦٧] أما مَتى فَإِنَّهُ / ظرف زمَان وَالسُّؤَال عَنهُ يُنبئ عَن الزَّمَان فَإِذا قلت: مَتى الْحَرْب: قَالَ مخاطبك: غَدا. [١٦٨] وَأما ((أَيْن) فتنبئ عَن الْمَكَان وَهِي فِي عبارَة الْقَوْم ظرف مَكَان وجوابها يَقع بِهِ، فَإِذا قلت: أَيْن زيد؟ قَالَ مخاطبك: فِي الْمَسْجِد أَو الدَّار. [١٦٩] كَذَلِك حَيْثُ ظرف مَكَان. (٥٥) القَوْل فِي معنى ((إِذا)) و ((إِذْ)) [١٧٠] هما ظرفان. فَإذْ لما مضى، وَإِذا لم يسْتَقْبل فَتَقول: قُمْت إِذْ قَامَ زيد. وأقوم إِذا قَامَ عَمْرو. فَهَذِهِ جمل فِي الْحُرُوف كَافِيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (٥٦) القَوْل فِي أَنه هَل يجوز أَن يُرَاد بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ ؟ [١٧١] اعْلَم، وفقك الله أَن الْأَسْمَاء والألفاظ منقسمة. فَمِنْهَا مَا وضع لإِفَادَة معنى وَاحِد وَلم يسْتَعْمل عرفا فِي غَيره فَلَا يُفِيد فِي الْإِطْلَاق إِلَّا مُقْتَضَاهُ وَمِنْهَا: مَا وضع فِي أصل اللُّغَة لمعنيين فَصَاعِدا. ثمَّ ذَلِك يَنْقَسِم فَمِنْهُ

стр. 127

مَا يُنبئ عَن أَشْيَاء متماثلة وَمِنْه مَا يُنبئ عَن معَان مُخْتَلفَة فَالَّذِي يُنبئ عَن أَشْيَاء متماثلة فَهُوَ نَحْو قَوْلك. السوَاد وَالْبَيَاض. فالسواد يُنبئ عَن آحَاد جنسه وَكَذَلِكَ كل مَا يضاهيه وَأما الَّذِي يُنبئ عَن معَان مُخْتَلفَة فنحو الْعين والقرن والبيضة والقرء، فَإِنَّهُ على الْأَصَح مُتَرَدّد بَين الطُّهْر وَالْحيض. وَمِمَّا يلْتَحق بِهَذَا الْقسم أَن اللَّفْظَة قد تُوضَع فِي أصل اللُّغَة لِمَعْنى وَاحِد ثمَّ تسْتَعْمل فِي غير ذَلِك تجوزا، وَذَلِكَ نَحْو اللَّمْس بِالْيَدِ وَغَيرهَا ثمَّ اسْتعْمل مجَازًا فِي الوطئ. وَكَذَلِكَ النِّكَاح حَقِيقَة الوطئ فِي أصل اللُّغَة ثمَّ غلب اسْتِعْمَاله فِي إِرَادَة العقد وَمن الْأَلْفَاظ المنقسمة بَين معَان قَوْلك أَي شَيْء يحسن زيد. يَنْقَسِم إِلَى الِاسْتِفْهَام وَإِلَى الازدراء بِمَا يُحسنهُ وَإِلَى التَّعْظِيم لما يُحسنهُ. [١٧٢] ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك كُله أَن كل لَفْظَة تنبئ عَن مَعْنيين فَإِن كَانَا متناقضين لَا يتَحَقَّق اجْتِمَاعهمَا فَلَا تجوز إرادتهما باللفظة الْوَاحِدَة وكل مَعْنيين غير متناقضين تنبئ اللَّفْظَة عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فَتجوز إرادتهما باللفظة وَإِن أطلقت مرّة وَاحِدَة. ثمَّ كَمَا يجوز إِرَادَة مَعْنيين بِلَفْظَة وَاحِدَة وضعت لَهما حَقِيقَة فَكَذَلِك يجوز إِرَادَة مَعْنيين بِلَفْظ هُوَ حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَاز فِي الثَّانِي وإيضاح ذَلِك بالأمثلة أَن قَول الْقَائِل ((افْعَل)) . عِنْد منكري

стр. 128

الصِّيغَة مُتَرَدّد بَين الْإِبَاحَة والإيجاب وَالنَّدْب والزجر وَغير ذَلِك. فَلَا تصح إِرَادَة هَذِه الْمعَانِي باللفظة الْوَاحِدَة لتناقضها وَالْعين لما ترددت بَين معَان مُخْتَلفَة لَا تتناقض فَتَصِح إرادتهما بِاللَّفْظِ مَعَ إيجازه وَأما تَمْثِيل حمل اللَّفْظ على الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَهُوَ مثل اللَّمْس يجوز حمله على مُجَرّد الْمَسِيس وعَلى الوطئ مَعًا. [١٧٣] وَفِي هَذَا الْقسم أصل تزل فِيهِ أفهام المستطرفين. وَنحن [١٩ / أ] ننبهك عَلَيْهِ، وَهُوَ أَن مُطلق هَذَا اللَّفْظ لَو خطر لَهُ قصر اللَّفْظ / على الْحَقِيقَة أَو قصر اللَّفْظ على الْمجَاز لم يتَصَوَّر الْجمع بَين الْمَعْنيين فَلَا يَتَقَرَّر اسْتِعْمَاله على حَقِيقَة مَعَ الْجمع بَينهمَا وَبَين وَجه التَّجَوُّز فَإِن الْحَقِيقَة تَقْتَضِي قصرهَا والتجوز يَقْتَضِي تعديتها عَن أصل وَضعهَا فَافْهَم ذَلِك. وَاعْلَم أَن إِرَادَة الْجمع إِنَّمَا تصح مِمَّن لم يخْطر لَهُ التَّعَرُّض للْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَلَكِن يقْتَصر على إِرَادَة الْمَسِيس من غير تعرض لوجه الِاسْتِعْمَال حَقِيقَة وتجوزا. [١٧٤] فَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مَذَاهِب المحققة وجماهير الْفُقَهَاء؟

стр. 129

[١٧٥] وَزعم ابْن الجبائي من الْمُعْتَزلَة وشرذمة من أَصْحَاب أبي حنيفَة أَنه لَا يجوز إِرَادَة مَعْنيين بِلَفْظَة وَاحِدَة تطلق مرّة وَاحِدَة، سَوَاء كَانَت حَقِيقَة فيهمَا أَو مجَازًا أَو حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَازًا فِي الثَّانِي.

стр. 130

[١٧٦] وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك عَلَيْهِم أَن نقُول أَنْتُم لَا تخلون إِمَّا أَن تَقولُوا يَسْتَحِيل من مُطلق اللَّفْظ الْمُشْتَرك إِرَادَة الْمَعْنيين مَعًا، وَإِمَّا أَن تَقولُوا لَا يَسْتَحِيل مِنْهُ إرادتهما وَلَكِن لَا يفهم من مُطلق اللَّفْظ جمع الْمَعْنيين من غير قرينَة. فَإِن قُلْتُمْ يَسْتَحِيل إِرَادَة الْمَعْنيين جَمِيعًا فَهَذَا قرب مِنْكُم من جحد الضَّرُورَة والمعهود فِي الْمَعْقُول. فَإنَّا نعلم قطعا جَوَاز إِرَادَة الْمُخْتَلِفين غير المتناقضين مَعًا. وجاحد ذَلِك مفصح بالعناد. وَإِن أَنْتُم زعمتم أَن ذَلِك لَا يَسْتَحِيل وَلَكِن لَا يفهم من مُطلق اللَّفْظ فَهَذَا مَا نقُول بِهِ. فَإنَّا نقُول إِذا احْتمل إِرَادَة الْمَعْنيين وَاحْتمل تَخْصِيص اللَّفْظ بِأَحَدِهِمَا فَيتَوَقَّف فِي معنى اللَّفْظ على قرينَة تدل على الْجمع أَو التَّخْصِيص. وَكَيف لَا نقُول ذَلِك وَنحن على نصْرَة نفي صِيغَة الْعُمُوم. [١٧٧] فَإِن قيل: إِذا جوزتم إِرَادَة الْمَعْنيين أفتتعلق بهما إِرَادَة وَاحِدَة أم إرادتان؟ قُلْنَا: الْأَصَح عندنَا أَن الْإِرَادَة الْحَادِثَة لَا تتَعَلَّق إِلَّا بِمُرَاد وَاحِد

стр. 131

فَلَا تتَحَقَّق إِرَادَة المرادين إِلَّا بإرادتين وَهَذَا لَو أطنبنا فِيهِ لتَعلق الْكَلَام بالديانات فِي حقائق صِفَات المتعلقات. (٥٧) القَوْل فِي بَيَان الطّرق إِلَى معرفَة مُرَاد الله تَعَالَى وَمُرَاد رَسُوله [ ﷺ ] بِالْخِطَابِ [١٧٨] فَأَما خطاب الله فَاعْلَم أَنه يتَّصل بذوي الْأَلْبَاب على وَجْهَيْن من غير وَاسِطَة وَلَا تخَلّل مؤد وَرَسُول مبلغ. وَذَلِكَ تكليم الله من حمله وحيه من مَلَائكَته. وَهُوَ نَحْو تكليم الله مُوسَى وَنَبِينَا صلوَات الله عَلَيْهِمَا. فَإِن كَانَت المخاطبة على هَذَا الْوَجْه فَلَا طَرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا والإحاطة بعلمها إِلَّا الِاضْطِرَار. فَإِذا كلم الله عبدا من عباده يضطره إِلَى الْعلم بِأَن مخاطبه رب الْعَالمين ويبدع لَهُ الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَن مَا سَمعه كَلَام الله تَعَالَى. وَالدَّلِيل على تَحْقِيق مَا قُلْنَاهُ أَن كَلَام الرب يُخَالف الْأَجْنَاس فَلَا يتبلغ بِمَعْرِِفَة ضروب الْكَلَام إِلَى معرفَة كَلَامه وَلَا يتَوَصَّل باللغات / والمواضعات على الإطلاقات والعبارات إِلَى الْعلم بِكَلَامِهِ سُبْحَانَهُ [١٩ / ب] وَتَعَالَى. فَإِنَّهُ يُخَالف الْعبارَات، وَجُمْلَة ضروب الْكَلَام واللغات، وَلَا تدل على كَلَامه دلَالَة عقلية، نَحْو دلَالَة الْحُدُوث على الْمُحدث والاتقان على الْعلم والتخصيص على المريد فَلَا تبقي طَريقَة فِي مدرك الْعلم بِكَلَامِهِ سوى الِاضْطِرَار.

стр. 132

[١٧٩] فَإِن قيل: فَلَو قرن خطابه مَعَ انْتِفَاء الوسائط بِالْآيَاتِ الظَّاهِرَة والمعجزات الباهرة أفتدل؟ قيل: مَا نرى أَنَّهَا تدل، فَإِنَّهُ لَا تعلق لمبدعات الرب تَعَالَى وصنائعه بِكَوْن المسموع كَلَامه. وَإِنَّمَا تدل المعجزات على صدق الْأَنْبِيَاء ﵈ لاقتران التحدي مَعَ عجز الَّذين تعلق بهم التحدي عَن الْمُقَابلَة والمعارضة. فَلَو خضنا فِي وَجه دلَالَة المعجزة على الصدْق لخرج عَن الْمَقْصُود. وَهُوَ مِمَّا يتَعَلَّق بالديانات. [١٨٠] وَقد ذهب القلانسي وَعبد الله بن سعيد وَغَيرهمَا من سلفنا أَن نفس سَماع كَلَام الله تَعَالَى يعقب الْعلم بِهِ لَا محَالة. قَالَ القَاضِي ﵁ وَهَذَا مِمَّا لَا أرتضيه وأجوز سَماع كَلَام الله تَعَالَى مَعَ الذهول عَن كَونه كلَاما لله تَعَالَى، فَلَا طَرِيق مَعَ تَقْدِير انْتِفَاء

стр. 133

الوسائط يُوصل إِلَى الْعلم إِلَّا الِاضْطِرَار، فَلَو خَاطب الرب تَعَالَى عَبده من غير توَسط مبلغ وَرَسُول. [١٨١] فَأَما الْوَجْه الثَّانِي من الْخطاب فَهُوَ الَّذِي يتَّصل بالمخاطبين من جِهَة الرُّسُل المبلغين، فَمَا هَذَا سَبيله تترتب مَعْرفَته على الْعلم بِصدق الْمُرْسل أَولا وَوُجُوب عصمته عَن الْخلف فِي التَّبْلِيغ. وَإِنَّمَا يتَبَيَّن ذَلِك بالمعجزات فَإِذا استيقن الْمُكَلف صدق [الْمبلغ] فِيمَا بلغه. [١٨٢] ثمَّ صِيغ الْكَلَام تَنْقَسِم إِلَى نُصُوص ومحتملات. فَأَما النُّصُوص على مَذْهَبنَا لم يُتَابع عَلَيْهِ ... فتستقل بأنفسها فِي إثارة الْمعَانِي ... أَمر لذاته ... فِي دَرك المُرَاد مِنْهَا حَتَّى تقترن بهَا قرينَة من حَال أَو مقَال تَقْتَضِي تَحْقِيق المُرَاد بهَا، على مَا ستأتيك الْقَرَائِن ومنازلها فِي أَبْوَاب الْعُمُوم وَالْخُصُوص وأبواب الْأَوَامِر والنواهي. فَهَذَا وَجه انقسام معرفَة خطاب الله تَعَالَى. [١٨٣] فَأَما معرفَة خطاب رَسُوله [ ﷺ ] فينقسم أَيْضا إِلَى شفَاه ووجاه وَإِلَى مَا يبلغ عَنهُ. فَأَما مَا خَاطب بِهِ من عاصره وجاها فَمِنْهُ مَا كَانَ نصا علم المخاطبون مَعْنَاهُ وفحواه قطعا. وَمِنْهَا مَا كَانَ مُحْتملا فِي نَفسه، ووضح لديهم مَعْنَاهُ بقرائن الْحَال. وَمِنْه مَا بَقِي على الِاحْتِمَال وَلم [يتَّفق] فِيهِ استفصال وَهَذَا الْقَبِيل يتَعَلَّق بالوعد والوعيد وأنباء الْآخِرَة، فَإِنَّهُ [ ﷺ ] مَا كَانَ

стр. 134

ينْطق بِمَا يُنبئ عَن الشَّرْع إِلَّا ويوضحه على مَا نقرر التَّحْقِيق فِي ذَلِك فِي أَبْوَاب الْبَيَان إِن شَاءَ الله . وَأما مَا يبلغ عَنهُ فينقسم إِلَى تَوَاتر وآحاد واستفاضة. ثمَّ يَنْقَسِم [٢٠ / أ] الْمَنْقُول / إِلَى نَص ومحتمل فَهَذَا وَجه الْإِيمَاء إِلَى جمل مدارك خطاب الله وَرَسُوله وتفصيلها يَأْتِي فِي مُعظم أَبْوَاب الْكتاب.

стр. 135

بَاب الْكَلَام فِي الْأَوَامِر (٥٨) القَوْل فِي الْأَمر وَحَقِيقَته [١٨٤] اعْلَم، وفقك الله أَنا نحتاج إِلَى تَقْدِيم أصل قبل الْخَوْض فِي تَحْرِير عبارَة عَن حَقِيقَة الْأَمر. فَاعْلَم أَن الْكَلَام على أصُول الْمُحَقِّقين معنى فِي النَّفس

стр. 136

وَهُوَ مَا تدل الْعبارَات عَلَيْهِ. وَلَا تسمى الْعبارَات كلَاما إِلَّا تجوزا

стр. 137

وتوسعا فالعبارة إِذا دلَالَة على الْكَلَام، وَلَيْسَت بِعَين الْكَلَام وَهِي نازلة

стр. 138

منزلَة الرموز والإشارات المعقبة أفهام المخاطبين وَكَذَلِكَ طرق المكاتبات وَغَيرهَا من ضروب الأمارات المنصوبة لإفهام الْكَلَام الْقَائِم بِالنَّفسِ. وَإِنَّمَا يستقصي ذَلِك فِي أصُول الديانَات إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَإِذا أحطت علما بِهِ فَاعْلَم أَن الْأَمر من أَقسَام الْكَلَام. وَهُوَ معنى قَائِم بِنَفس الْآمِر غيرالعبارة. فَإِذا أطلق الْأَمر فِي أبوابه فَاعْلَم أننا نعني بِهِ الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ دون الْأَصْوَات وضروب الْعبارَات. [١٨٥] فَإِن قيل: فَمَا حَقِيقَة الْأَمر إِذا؟ قيل: هُوَ القَوْل المتضمن اقْتِضَاء الطَّاعَة من الْمَأْمُور لفعل الْمَأْمُور بِهِ فيندرج تَحت ذَلِك الْإِيجَاب والإلزام وَالْمَنْدُوب والاستحباب. وَيخرج فِيهِ مَا سواهُ وعداه كالإباحة وَالتَّحْرِيم. وَمَا ضاهاهما من أَقسَام الْأَحْكَام المتلقاة من مجاري الْكَلَام. [١٨٦] فَإِن قيل: ظَاهر مَا أطلقتموه يَقْتَضِي تَسْمِيَة النّدب أمرا. قُلْنَا: هَذَا مَا نقُوله وسنوضحه فِي بَابه إِن شَاءَ الله .

стр. 139

[١٨٧] وَقد خرج عَن قَضِيَّة الْحَد المسئلة والاستدعاء وَذَلِكَ نَحْو ... ابتهاله إِلَى ربه فِي دُعَائِهِ. وَقَوله ارْحَمْنِي واغفر لي فَإِن هَذَا وَأَمْثَاله [لَيْسَ بِأَمْر، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤال وَطلب] . [١٨٨] [وعرفه] بعض أَئِمَّتنَا بالتحرز من ذَلِك، فَقَالَ هُوَ القَوْل الْمُقْتَضى للْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ على غير وَجه [الْمَسْأَلَة] وَهُوَ يَنُوب مناب مَا قدمْنَاهُ، مَعَ أَنه أَسد وأوضح، وسندل على كَون النّدب أمرا إِن شَاءَ الله . [١٨٩] وَخرج مِمَّا قدمْنَاهُ أَن الْأَمر إِذا أطلقناه لم نرد بِهِ الصِّيَغ والعبارات. وَإِنَّمَا أردنَا الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ ثمَّ ذكرنَا أَنه يتَرَدَّد أَيْضا بَين الْإِيجَاب وَالنَّدْب. [١٩٠] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي قَول الْقَائِل افْعَل، وعنى السَّائِل بذلك الْعبارَة. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي أَوْمَأت إِلَيْهِ لَيْسَ هُوَ نفس الْأَمر وَلَيْسَ عين الْكَلَام وَإِنَّمَا هُوَ من قبيل الدلالات على الْكَلَام كالإشارة والرموز وَالْكِنَايَة وَنَحْوهَا من الدلالات.

стр. 140

[١٩١] فَإِن قيل: فعلى مَا يدل قَول الْقَائِل: افْعَل؟ قُلْنَا: هَذِه عبارَة مترددة بَين الدّلَالَة على الْإِلْزَام وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة والتهديد وَغَيرهَا من المصارف الَّتِي سنذكرها. فَالْأَمْر الْحَقِيقِيّ إِذا مُتَرَدّد [٢٠ / ب] بَين النّدب والإيجاب. وَهَذِه الْعبارَة الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا السَّائِل تترد فِي / كَونهَا دلَالَة بَين المصارف الَّتِي أومأنا إِلَيْهَا. [١٩٢] فَإِن قيل: قد ذكرْتُمْ حَقِيقَة الْأَمر فَلم كَانَ الْأَمر أمرا؟ قُلْنَا: كَون الْأَمر أمرا وصف يرجع إِلَى ذَاته. وَهُوَ مَا لَا يُعلل بعلة. وَلَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ مُعَلّق تَخْصِيص وَإِرَادَة. فَإِذا قيل لَك: لماذا كَانَ الْأَمر أمرا؟ فجوابك السديد أَن تَقول: إِنَّمَا كَانَ الْأَمر أمرا لنَفسِهِ وَتَحْقِيق قَول الْقَائِل ثَبت الحكم لنَفس الشَّيْء يرجع إِلَى أَنه ثَبت لَا لعِلَّة، وَلَا تَظنن أَنا نعني بِإِضَافَة الْوَصْف إِلَى النَّفس تَعْلِيله بِهِ. وَالْأَحْكَام منقسمة. فَمِنْهَا: مَا يُعلل. وَمِنْهَا: مَا يَسْتَحِيل تَعْلِيله. وأوصاف الْأَجْنَاس مِمَّا يَسْتَحِيل تعليلها. وَكَون الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ أمرا وصف جنسه وَنَفسه، وَهُوَ نَحْو كَون الْعلم علما، وَالْقُدْرَة قدرَة. [١٩٣] فَإِذا قيل: لم كَانَ الْعلم علما؟ كَانَ المرتضى فِي جوابك أَن

стр. 141

تَقول للسَّائِل إِن رمت بِمَا قلت طلب تَعْلِيل، فالمسؤول عَنهُ مِمَّا لَا يُعلل. وَوجه إيجاز الْجَواب أَن الْعلم علم لنَفسِهِ، ثمَّ يعود الْكَلَام عِنْد الْإِيضَاح إِلَى أَنه علم لَا لعِلَّة. [١٩٤] وَأما الْمُعْتَزلَة فقد أطبقوا على أَن أَقسَام الْكَلَام رَاجِعَة إِلَى الْعبارَات وأنكروا مَا عَداهَا من كَلَام النَّفس الَّذِي نثبته. وصرفوا الْأَمر إِلَى الْعبارَة نَفسهَا ثمَّ الْأَكْثَرُونَ صَارُوا إِلَى أَن قَول الْقَائِل: افْعَل، لَيْسَ بِأَمْر لنَفسِهِ وجنسه فَإِنَّهُ قد يُوجد والمقصد مِنْهُ الْوَعيد والتهديد. وَقد يبدر جنسه من الهاذي فَلَا يُسمى أمرا مَعَ صُدُور اللَّفْظ مِنْهُ. قَالُوا: فَإِنَّمَا يصير أمرا بِثَلَاث إرادات، إِحْدَاهَا: تتَعَلَّق بحدوث هَذِه اللفظية. وَالْأُخْرَى: تتَعَلَّق بِكَوْنِهَا أمرا. وَالثَّالِثَة: تتَعَلَّق بالمأمور بِهِ، إِذْ الْأَمر لَا يتَحَقَّق عِنْد الْقَوْم إِلَّا مَعَ كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر. [١٩٥] وأبدع الكعبي مِنْهُم مذهبا لم يُتَابع عَلَيْهِ. . [فَقَالَ] قَول الْقَائِل افْعَل أَمر لنَفسِهِ وجنسه، وَيكون أمرا لذاته. فَإِذا قيل لَهُ: فقد ترد هَذِه الْعبارَة بِعَينهَا وَالْمرَاد بهَا الْإِبَاحَة. فَقَالَ مرتكبا: الْإِبَاحَة أَمر والمباح مَأْمُور بِهِ وسنوضح وَجه الرَّد عَلَيْهِم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله .

стр. 142

فَقيل لَهُ: فقد يرد وَالْمرَاد بِهِ التهديد نَحْو قَوْله عز اسْمه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ . فَقَالَ: إِذا ورد لاقْتِضَاء هَذَا المُرَاد فَهُوَ فِي جنسه مُخَالف للَّذي يَقْتَضِيهِ الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة. وَهَذَا الَّذِي ذكره [قَول بَين فِي] جحد الضروريات فَإنَّا نعلم أَن هَذِه الْأَصْوَات مجانسة للَّتِي ترد مورد الْأَمر، والصائر إِلَى أَنَّهَا تخالفها فِي الْجِنْس منتسب إِلَى الْمصير إِلَى اخْتِلَاف المتجانسات المتماثلات. [١٩٦] وَقد زعم كثير من الْفُقَهَاء الَّذين لم يحظوا بِحَقِيقَة الْأُصُول أَن الْأَمر يرجع إِلَى هَذِه الْأَصْوَات المتقطعة والحروف المنتظمة. ثمَّ زَعَمُوا أَن قَول افْعَل يكون أمرا إِذا تجرد عَن الْقَرَائِن الصارفة لَهُ عَن اقْتِضَاء الْوُجُوب [٢١ / أ] فَإِذا سئلوا وَقيل لَهُم لم كَانَ / الْأَمر أمرا؟ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ أمرا بصيغته وتجرده عَن الْقَرَائِن. [١٩٧] وَالدَّلِيل على تَحْقِيق الرَّد على هَؤُلَاءِ أَن نقُول: أَنْتُم لَا تخلون إِمَّا أَن تَقولُوا: إِن الصِّيغَة الَّتِي ذكرتموها أَمر لنَفسهَا، أَو تَقولُوا: إِنَّمَا تصير أمرا لتجردها عَن الْقَرَائِن أَو تَقولُوا تصير أمرا لنَفسهَا ولتجردها عَن الْقَرَائِن.

стр. 143

وَالْأولَى لَك بعد مَا قدمت هَذِه الْأَقْسَام أَن تعقبه بتقسيم يجمع الْمَقَاصِد. فَتَقول هَذَا الْوَصْف الَّذِي ثبتموه لهَذِهِ الصِّيغَة فَلَا يَخْلُو من أحد أَمريْن أما أَن يرجع إِلَيْهَا رُجُوع الْأَوْصَاف إِلَى الذوات والأجناس حَقِيقَة. وَإِمَّا أَن تزعموا أَنه ينْصَرف إِلَيْهَا تواضعا وَاصْطِلَاحا، فَإِن زعمتم أَن الْوَصْف الَّذِي فِيهِ الْكَلَام يثبت بِهَذِهِ الصِّيغَة من غير تواضع واصطلاح فيلزمكم عَلَيْهِ مَا لَا قبل لكم بِهِ، مِنْهَا: أَن هَذِه اللَّفْظَة تبدر من النَّائِم والمغشى عَلَيْهِ وَلَا تسمى أمرا فَلَو كَانَت أمرا لنَفسهَا وجنسها وَجب تَحْقِيق هَذَا الْوَصْف كلما تحقق نَفسه اللَّفْظ. [١٩٨] فَإِن قيل: إِنَّمَا اتصفت هَذِه الصِّيغَة بِكَوْنِهَا أمرا عِنْد تجردها عَن الْقَرَائِن، وَمن الْقَرَائِن الَّتِي يشْتَرط تجرد الصِّيغَة عَنْهَا الْمعَانِي المضادة لكَمَال الْعقل. قيل: فَمَا قدمْنَاهُ من التَّقْسِيم فِي صدر الْكتاب يعود. فإننا نقُول: إِن كَانَت الصِّيغَة أمرا لنَفسهَا لزمكم مَا ألزمناكم. وَإِن كَانَ كَونهَا أمرا مُعَللا بِانْتِفَاء الْقَرَائِن كَانَ ذَلِك مستحيلا فَإِن الانتفاء لَا يَقْتَضِي تثبيت وصف وَإِنَّمَا الْمُقْتَضى للْأَحْكَام ثُبُوت الْعِلَل والذوات. فَإِن أَنْتُم زعمتم أَن الْمُقْتَضى لهَذَا الْوَصْف نفس الصِّيغَة مَعَ انْتِفَاء الْقَرَائِن كَانَ ذَلِك مستحيلا أَيْضا. فَإِن الانتفاء إنباء عَن عدم، ويستحيل تَأْثِير الْعَدَم والانتفاء فِي إِيجَاب الْأَحْكَام لَا على سَبِيل الِاسْتِقْلَال وَلَا على سَبِيل الانضمام إِلَى غَيره، فَإِن مَا لَا يكون كَيفَ يتَصَرَّف بالتأثير اسْتِقْلَالا أَو انضماما. ولعلنا نوضح القَوْل فِي ذَلِك فِي بَاب الْعِلَل عَن قَضِيَّة الْمَعْقُول لَهُم الْقَرَائِن الَّتِي شرطتم تجرد الصِّيغَة اللفظية عَنْهَا:

стр. 144

هِيَ الْقَرَائِن الدَّالَّة على خلاف الْإِلْزَام والإيجاب نَحْو مَا يدل على الْإِبَاحَة وَالنَّدْب أَو اقْتِضَاء التهديد. وَقد تحقق انْتِفَاء هَذِه الْقَرَائِن فِي حق الهاذي. فَهَذَا لَو زَعَمُوا أَن هَذِه الصِّيغَة تكون أمرا لَا على جِهَة التَّوَاضُع والاصطلاح. [١٩٩] فَإِن قَالُوا: إِنَّهَا أَمر تواضعا وَلَيْسَ ينْصَرف وصفهَا بِكَوْنِهَا أمرا إِلَى نَفسهَا وجنسها. وَلَكِن اصْطلحَ أَرْبَاب اللُّغَات على تثبيت هَذَا الْوَصْف لَهَا عِنْد تعريها عَن الْمَوَانِع والدوافع. وَجُمْلَة الْقَرَائِن المنافية لاقْتِضَاء الْإِلْزَام وَهَذَا مَا يعول عَلَيْهِ من ينتمي إِلَى التَّحْقِيق من هَذِه الفئة. فَنَقُول: إِذا زعمتم أَن أهل اللُّغَة اصْطَلحُوا على تَسْمِيَة هَذِه الصِّيغَة أمرا وإلزاما وإيجابا عِنْد فقد قَرَائِن الْإِبَاحَة وَالنَّدْب والوعيد فَبِمَ تنكرون على من [٢١ / ب] يعكس عَلَيْكُم / دعواكم. وَيَقُول لَا بل وضعوها للاذن وَالْإِطْلَاق وَالْإِبَاحَة عِنْد تجردها عَن قَرَائِن الْإِلْزَام وَالنَّدْب والوعيد. فتتقابل الدعوتان وتتساقطان على مَا سنوضحه فِي بَاب الْوَقْف إِن شَاءَ الله . [٢٠٠] ثمَّ يَتَّضِح ذَلِك بِمَا عَلَيْهِ الْمعول فِي إِثْبَات اللُّغَات ونفيها فَنَقُول: معاشر الْمُخَالفين! إِلَى مَا تسندون علمكُم بِمَا ادعيتموه فَإِن أسندتموه إِلَى اضطرار انتسبتم إِلَى التَّصْرِيح بالعناد. وَأول مَا يلزمكم عَلَيْهِ أَن تقابلوا دعواكم فِي ضد مقصودها فتتقابل دعوتا الِاضْطِرَار وتتساقطان. وَإِن أَنْتُم أسندتم علمكُم إِلَى دلَالَة عقلية فقد أخطاتم مقصدكم، فَإِن الْعُقُول لَا يتَوَصَّل بهَا إِلَى مجاري اللُّغَات، وَتَخْصِيص الْأَسَامِي بالمسميات. وَإِن أَنْتُم أسندتم علمكُم إِلَى سَماع وَهُوَ مَا يتلَقَّى مِنْهُ اللُّغَات فَلَا تخلون إِمَّا أَن تزعموا: أَن

стр. 145

أَرْبَاب اللُّغَات نقلوا مَا ذكرتموه نقل تَوَاتر وإطباق، [أَو تزعموا] أَنه نقل آحَاد، فَإِن ادعيتم نقلا عَن سَبِيل الِاتِّفَاق والإطباق أحلتم بِمَا قُلْتُمْ وانتسبتم إِلَى مُجَرّد الدَّعْوَى. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الواقفين والحاملين الْأَمر على النّدب والحاملين على الْإِبَاحَة لَو جمعت فرقهم لأربوا فِي أعدادهم على الْقَائِلين بِالْوُجُوب فَمَا لهَذَا النَّقْل المطبق عَلَيْهِ اخْتصَّ بكم وَذهل عَنهُ مخالفكم، فَلَا يستتب نقل مَا ادعوهُ عَن اللُّغَة. وَإِن هم زَعَمُوا أَن ذَلِك نقل آحَاد فَالْكَلَام عَلَيْهِم من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن نقُول لم يَصح أَيْضا عندنَا على سَبِيل الْآحَاد عَن أحد مِمَّن يوثق بِهِ من أَئِمَّة اللُّغَات أَن الصِّيغَة الَّتِي فِيهَا تنازعنا عِنْد تجردها عَن الْقَرَائِن تَقْتَضِي الْإِيجَاب، فَهَذَا مِمَّا لَا يُؤثر عَن أحد من أَرْبَاب اللُّغَات. وَلم يسطر ذَلِك مَعَ إِرَادَته مصنفاتهم. فقد بَطل مَا ادعوهُ على سَبِيل النَّقْل إِجْمَاعًا وآحادا على أَنا نقُول: اللُّغَات لَا تثبت آحادا وَقد أومأنا إِلَى ذَلِك فِي بَاب مَأْخَذ
следующие страницы →