Полный текст (1 418 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
لَا نكفله أَن ينعَت لَهَا وَجه الصِّحَّة فِيمَا يشْهد عَلَيْهِ بل يَكْتَفِي بِإِطْلَاقِهِ القَوْل.
[١١٢٧] وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الَّذِي ينْقل من تَمام عَدَالَته ومعرفته أَن لَا ينْقل على اعْتِقَاده مَعَ تجويزه الِاخْتِلَاف، فَإِنَّهُ لَو فعل ذَلِك كَانَ مُجْتَهدا، وَلم يكن نَاقِلا موثوقا بِهِ، وَلَو عرفنَا ذَلِك من ناقل كَانَ مطعنا فِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُبْدِي مَا لَو تحقق كَانَ طَعنا فِي الصَّحَابِيّ.
[١١٢٨] ويحكى عَن داؤد من اصحاب الظَّاهِر أَنه صَار إِلَى التَّوَقُّف فِي قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا رَسُول الله ﷺ ، وَقد أوضحنا وَجه الرَّد عَلَيْهِ.
(٢٠٥) فصل
[١١٢٩] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا قَالَ الرَّاوِي الصَّحَابِيّ أمرنَا رَسُول الله ﷺ فَهَل يحمل ذَلِك على الْعُمُوم، حَتَّى يعم كَافَّة أهل الاعصار.
قُلْنَا: هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء، فَمنهمْ من حمله على الْعُمُوم، وَمِنْهُم لم يحملهُ على الْعُمُوم. وَالصَّحِيح عندنَا أَن نفس اللَّفْظ لَا يحمل على الْعُمُوم، وَلَكِن إِن اقْترن بِهِ من حَال الرَّاوِي مَا يدل على أَنه أَرَادَ بِهِ تثبيت الشَّرْع عُمُوما فَيحمل عَلَيْهِ بِالْقَرِينَةِ حِينَئِذٍ وَهَذَا مِمَّا سبق منا إيضاحه فِي مسَائِل الْعُمُوم.
стр. 807
(٢٠٦) فصل
[١١٣٠] اخْتلف الأصوليون من اصحاب الشَّافِعِي وَغَيره فِي مسئلتين: إِحْدَاهمَا أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: " أمرنَا بِكَذَا " و " نهينَا عَن كَذَا "، فَهَل يحمل [١٢٦ / ب] ذَلِك على أَمر الرَّسُول ﷺ / وَنَهْيه؟
فَذهب بَعضهم إِلَى انه لَا يحمل عَلَيْهِ، لجَوَاز أَن يَعْنِي بقوله " أمرنَا " بعض الْخُلَفَاء أَو اعْتِقَاد أَمر الله تَعَالَى بِظَاهِر يتَمَسَّك بِهِ من الْكتاب.
وَمِنْهُم من قَالَ يحمل ذَلِك على امْر الرَّسُول ﷺ . وَإِلَيْهِ صَار
стр. 808
الْأَكْثَرُونَ.
[١١٣١] وَالَّذِي يجب أَن نَخْتَار فِي ذَلِك ان اللَّفْظَة مترددة، فَإِن تعرت عَن الْقَرَائِن وقارنها الِاحْتِمَال فَلَا يحمل على أَمر الرَّسُول ﷺ . وَإِن اقْترن اللَّفْظ من قيد مقَال، أَو قرينَة حَال فَيجْرِي على قضيتها حِينَئِذٍ.
[١١٣٢] والمسئلة الْأُخْرَى الَّتِي اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ من السّنة كَذَا أَو كَذَا.
فَمن الْعلمَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَغَيره من يحمل ذَلِك على سنة رَسُول الله ٧.
وَالْقَوْل فِيهِ مَا قُلْنَا من اعْتِبَار الْقَرَائِن.
(٢٠٧) فصل
[١١٣٣] فَإِن قَالَ قَائِل: قد كثر مِنْكُم إِطْلَاق الصَّحَابِيّ فِيمَا قدمتموه من الْأُصُول، فَمن الصَّحَابِيّ وَمَا وَصفه؟
قُلْنَا: إِن رددنا إِلَى حَقِيقَة اللُّغَة فالصحابي مُشْتَقّ من الصُّحْبَة، فَكل من
стр. 809
صحب فَهُوَ صَحَابِيّ، وَلَا يخْتَص ذَلِك بدهر وزمن، بل اصل اللُّغَة يَقْتَضِي تَحْقِيق الِاسْم وَإِن تحققت الصُّحْبَة فِي لَحْظَة وَسَاعَة، غير ان الَّذِي غلب فِي الِاسْتِعْمَال أَن من يصحب رجلا لَحْظَة فِي عمره لَا يُسمى فِي الْإِطْلَاق من اصحابه، بل إِنَّمَا يُطلق ذَلِك فِي عرف الِاسْتِعْمَال على من طَالَتْ صحبته فِي مُدَّة ممتدة لَا تنضبط مبلغها.
فَكل من صَاحب رَسُول الله ﷺ لَحْظَة اقْتَضَت اللُّغَة تَسْمِيَته صحابيا، بيد أَن عرف الِاسْتِعْمَال يمْنَع ذَلِك فِي من طَالَتْ صحبته.
[١١٣٤] فَإِن قيل: فَهَل تَقولُونَ أَن من عاصر رَسُول الله ﷺ وَكَانَ فِي دهره وعصره فَهُوَ صَحَابِيّ؟
قُلْنَا: لَا نقُول ذَلِك فَإِنَّهُ يعاصر الرجل من لَا يرَاهُ أصلا وَلَا يتَّفق بَينهمَا قَرَار لتباعد الديار وَقد يرَاهُ ويصحبه وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِهِ.
стр. 810
(٢٠٨) بَاب القَوْل فِي إرْسَال الحَدِيث، وَمَعْنَاهُ، وَذكر الِاخْتِلَاف فِي وجوب الْعَمَل بالمراسيل
[١١٣٥] إرْسَال الحَدِيث: هُوَ أَن يضيف الْإِنْسَان الحَدِيث إِلَى من لم يلقه، من غير أَن يذكر من بَيته وَبَينه، كالتابعي يضيف الحَدِيث إِلَى
стр. 811
رَسُول الله ﷺ ، وَهَكَذَا التَّصْوِير فِي عصرين بَينهمَا ثَالِث لم يتَعَرَّض لَهُ أهل الْعَصْر الْأَخير، ثمَّ قد يُرْسل الْمُرْسل من غير تعرض أصلا، وَقد يتسبب بالتعرض لَهُ، وَقد يذكر رجلا وَلَا يُسَمِّيه مثل أَن يَقُول عَن رجل عَن الرَّسُول ﷺ ، فَهَذَا كُله من الْمَرَاسِيل.
[١١٣٦] وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب الْعَمَل بِهِ.
فَذهب جُمْهُور الْفُقَهَاء إِلَى وجوب الْعَمَل بِهِ مِنْهُم مَالك وَأهل الْمَدِينَة، وَأَبُو حنيفَة وَأهل الْعرَاق.
стр. 812
وَذهب فريق إِلَى أَنه يجب الْعَمَل بِهِ، وَمِنْهُم الشَّافِعِي وَغَيره.
وَقد يقبل الشَّافِعِي بعض الْمَرَاسِيل على مَا نفصل مذْهبه بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[١١٣٧] ثمَّ اخْتلف رد مَرَاسِيل التَّابِعين وتابعي التَّابِعين فِي مَرَاسِيل الصَّحَابَة، وَإِذا قَالَ الصَّحَابِيّ عَن رجل عَن رَسُول الله ﷺ [فَمنهمْ] من يقبل ذَلِك مَعَ رده للمراسيل، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ، وَمِنْهُم من رد / ذَلِك [١٢٧ / أ]
стр. 813
أَيْضا.
وَمِنْهُم من يقدم مَرَاسِيل الْكِبَار من الْأَئِمَّة على المسندات، وَيَزْعُم أَن االإمام لَا يُرْسل الحَدِيث إِلَّا مَعَ نِهَايَة الثِّقَة وَالصِّحَّة.
[١١٣٨] قَالَ القَاضِي ﵁: وَالَّذِي نختاره أَنه لَا يجب الْعَمَل بِشَيْء من الْمَرَاسِيل حسما للباب.
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن نقُول: قد قدمنَا أَنه لَا تقبل رِوَايَة من لم تتبين عَدَالَته، وأوضحنا أَنا لَا نكتفي بالظواهر، فَإِذا أرسل الْمَرَاسِيل وَلم يتَعَرَّض لشيخه فَلَا تعرف عَدَالَته.
[١١٣٩] فَإِن قَالُوا: إِذا روى الْعدْل وَأطلق الرِّوَايَة فروايته تعديتل
стр. 814
مِنْهُ وَهَذِه نُكْتَة المسئلة فتأملها.
فَنَقُول: لسنا نسلم أَن رِوَايَته تَعْدِيل مِنْهُ، فَإِن الْعدْل قد يروي عَن الْعدْل وَقد يروي عَمَّن لم يعلم عَدَالَته وَلَا الطعْن فِيهِ، وَهَذَا مطرد فِي رِوَايَة الْأمة، حَتَّى قد يروي الإِمَام عَن شيخ فيتساءل عَنهُ فيبدي جَهله بِحَالهِ، وَلَو كَانَ الْإِمْسَاك عَن الْجرْح تعديلا كَانَ الْإِمْسَاك عَن التَّعْدِيل جرحا.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الشَّاهِد إِذا شهد على شَهَادَة غَيره فَأَطْلقهُ وَلم يمسهُ لم يكتف مِنْهُ بِإِطْلَاق حَتَّى يُسَمِّيه ويخبر عَدَالَته، وَإِن كَانَ إِطْلَاقه الشَّهَادَة على زعمكم ينبىء عَن تَعْدِيل الشَّاهِد أصل.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه لَو كَانَت رِوَايَته تعديلا لَكَانَ ترك الْعدْل الرِّوَايَة عَن بعض النَّاس جرحا مِنْهُ، وإخراجا لَهُ عَن كَونه مرضيا فِي الرِّوَايَة.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَيْضا أَن الْمعدل لَو سُئِلَ عَن الرَّاوِي فَسكت عَنهُ فَلَا يَجْعَل سُكُوته جرحا وَلَا تعديلا، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه، على أَنا نقُول أَكثر مأمولكم أَن تقدروا رِوَايَة الْعدْل تعديلا، وَلَو أَنه أرسل وَصرح بتعديل شَيْخه مُطلقًا من غير تَسْمِيَة إِيَّاه، فَلَا يقبل أَيْضا فَإِنَّهُ لم يسمه، فقد يعرفهُ عدلا وَلَو ذكره لعرفه غَيره بجرحه، فَبَطل مَا عولوا عَلَيْهِ من كل وَجه.
[١١٤٠] فَإِن قَالُوا: قد استشهدتم فِي أثْنَاء كلامكم بِالشَّهَادَةِ، وَلَا
стр. 815
يَصح الاستشهاد بهَا، فَإِن الْأَمر فِيهَا [أغْلظ] ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّهَا تخْتَص بِعَدَد وَلَفظ مَخْصُوص، بِخِلَاف الرِّوَايَة.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَا يبل من الشَّاهِد على الشَّهَادَة أَن يَقُول: سمعته يَقُول، أَو يَقُول: " سَمِعت فلَانا عَن فلَان " فَيشْهد على رتبتين بالعنعنة، وكل ذَلِك سَائِغ فِي الرِّوَايَة.
قُلْنَا: كل مَا ذكرتموه لَا يُوجب الْفَصْل بَين الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة فِي الْعَدَالَة، فَإِن وَجه الْبَحْث عَن عَدَالَة الروَاة كوجه الْبَحْث عَن عَدَالَة الشُّهُود، وَمَا ذكرتموه لَا يُوجب الْفَصْل فِي هَذَا الحكم.
[و] قيل لَهُ اخْتصّت الشَّهَادَة بِالْعدَدِ وَاللَّفْظ بِمَا لَا يتَعَلَّق بِالْعَدَالَةِ فَلم يقْدَح مَا ذكرتموه من الفروق فِي الْوَصْف الْمَطْلُوب.
[١١٤١] فَإِن قَالُوا: إِذا قَالَ الرَّاوِي أخبرنَا زيد عَن عَمْرو فَيجوز أَن يَقُول أخبرنَا رجل عَن سَمَاعه من عَمْرو، فَأَما قَوْله عَن عَمْرو فمتردد بَين الْإِسْنَاد والإرسال، وَلَيْسَ بمصرح بِهِ فِي الْإِسْنَاد وَمَعَ ذَلِك هُوَ مَقْبُول.
فَنَقُول قد تواضع أهل الصَّنْعَة من الروَاة والنقلة فِي العنعنة فِي الرِّوَايَات لما طَالَتْ الْأَسَانِيد وَكَثُرت الْأَسْمَاء، وَلَو ذكرُوا بَين كل اسْمَيْنِ لفظا مُصَرحًا بِهِ فِي اقْتِضَاء السماع لتضعف الدفاتير وَثقل
стр. 816
الْأَمر وَكَذَلِكَ آثروا فِي الْكِتَابَة / الِاقْتِصَار على رقم فِي أخبرنَا وَحدثنَا فقد [١٢٧ / ب] أعلمونا بتواضعهم أَن كل شَخْصَيْنِ جَمعهمَا عصر، واتصل بَينهمَا الْإِسْنَاد بعن فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ السماع، حَتَّى لَو ذكر ذَاكر هَذِه اللَّفْظَة وَلم يكن قد سمع عد مدلسا، حَتَّى قَالَ المحقون من أَصْحَابنَا: لَو تبين لنا فِي بعض الْأَعْصَار إِطْلَاق العنعنة عَن غير سَماع تجنبناها وَلم نقتصر على الْإِطْلَاق بهَا.
[١١٤٢] فَإِن اسْتدلَّ من نَص وجوب الْعَمَل بالمراسيل من الْأَحَادِيث بِأَن قَالَ: أَجمعت الصَّحَابَة على قبُول الْمَرَاسِيل، وَكَذَلِكَ التابعون. وإيضاح ذَلِك أَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَكثر الرِّوَايَة حَتَّى زَادَت رواياته على رِوَايَة من كثرت صحبته، وامتدت فِي معاصرة رَسُول الله ﷺ مدَّته، وَمَا كَانَ قد أدْرك من زمن رَسُول الله ﷺ إِلَّا الْقَلِيل حَتَّى يرْوى أَنه لم ينْقل من رَسُول الله ﷺ إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث وتلقى الْبَاقِي من الصَّحَابَة، ثمَّ كَانَ يُطلق الرِّوَايَة، وَكَانَ ابْن عمر وَغَيرهمَا من أَحْدَاث الصَّحَابَة، حَتَّى رُوِيَ أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَن قَوْله ﷺ " لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة " فَقَالَ حَدثنِي بِهِ
стр. 817
أُسَامَة بن زيد.
وَلما رُوِيَ أَنه ﷺ لم يزل يُلَبِّي فِي حجه حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة، فَلَمَّا استكشف فِي ذَلِك قَالَ: حَدثنِي بِهِ أخي الْفضل. وَكَذَلِكَ ابْن عمر روى مُطلقًا أَنه ﷺ قَالَ: من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط الحَدِيث ثمَّ تبين أَنه رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة.
стр. 818
وروى أَبُو هُرَيْرَة أَنه قَالَ ﷺ من أصبح جنبا أفطر، فَلَمَّا نُوقِشَ فِي ذَلِك قَالَ أَخْبرنِي بِهِ الْفضل بن عَبَّاس.
وَيكثر ذَلِك فِي التَّابِعين أَيْضا. وَمَوْضِع الِاسْتِدْلَال [أَن] الصَّحَابَة علمُوا قلَّة سَماع ابْن عَبَّاس من رَسُول الله ﷺ وإكثاره الرِّوَايَة وَكَذَلِكَ علم التابعون ذَلِك وقبلوا رواياته. فَنَقُول: إِن كَانَ استدلالكم بإرسال هَؤُلَاءِ فَلَا مستروح فِيهِ، فَإِن من لَا يَقُول بالمراسيل قد يُرْسل الحَدِيث.
ثمَّ لَو كَانَ الْإِرْسَال دَلِيلا على القَوْل بالمرسل فَإِنَّمَا أرسل الْأَحَادِيث أَقوام لَا يُمكن دَعْوَى الْإِجْمَاع من أهل الْعَصْر فِيهِ، فَإِن كَانَ الِاحْتِجَاج بِمَا أطلقهُ ابْن عَبَّاس فَوجه الْخطاب أَن نقُول: رُبمَا يتَّفق السماع الْكثير فِي الْمدَّة الْيَسِيرَة وَمَا ذكرتموه انه لم يسمع إِلَّا اربعة أَحَادِيث فَهَذَا بهت عَظِيم، فَإنَّا نعلم أَن من كَانَ لَهُ همة فِي نقل الشَّرِيعَة فيزيد مسموعه فِي الْيَوْم الْوَاحِد أَرْبَعَة أَحَادِيث سِيمَا فِي حق من قَوْله وَفعله وسكوته شرع، وَلَو حصرنا من
стр. 819
وَقت تَمْيِيزه إِلَى وَفَاة الرَّسُول ﷺ لبلغ سِنِين عدَّة، فَبَطل مَا قَالُوهُ.
وَأما مَا رَوَوْهُ من الْإِرْسَال فِي الحَدِيث والحديثين فمما لَا تقوى بِهِ الْحجَّة فِي مناقشة. إِذْ الدَّلِيل قد دلّ ترك الْإِجْمَاع على الْعَمَل بالمراسيل، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه، وَلم يستقم ادِّعَاء الْإِجْمَاع لنا.
وَإِن قبلنَا مَرَاسِيل الصَّحَابَة واكتفينا فِي تعديلهم لتعديل الله إيَّاهُم فَيَكْفِي مُؤنَة السُّؤَال.
[١١٤٣] وَمِمَّا استدلوا بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من خلال اسئلة وَهُوَ أَنهم قَالُوا: إِذا قَالَ الْعدْل: " قَالَ رَسُول الله ﷺ : " فَلَا يجوز إِطْلَاق ذَلِك إِلَّا مَعَ الْعلم الظَّاهِر / باتصال النَّقْل ". فَإِن الَّذِي فِي الْوسط لَو كَانَ معلولا لَكَانَ لَا يَلِيق بِالْعَدْلِ الثِّقَة وَالْحَالة هَذِه إِطْلَاق الِاتِّصَال. وَهَذَا مَا تقصينا عَنهُ، وَبينا أَنه رُبمَا يعْتَقد ذَلِك أحدا بِظَاهِر الْحَال دون الْبَحْث عَن الْعَدَالَة، كَمَا صَار إِلَيْهِ بعض الْعلمَاء، وَرُبمَا مَا يرَاهُ عدلا وَغَيره بجرحه لَو أظهره، وَالْجرْح أولى من الْعَدَالَة، كَيفَ وَقد روى أَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ إِمَام الصَّنْعَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا كوشف فِيمَن أخبرهُ قَالَ أَخْبرنِي بِهِ رجل على بَاب مَرْوَان لَا أعرفهُ.
(٠٢٠٩) فصل
[١١٤٤] قَالَ الشَّافِعِي ﵁: لَا تقبل الْمَرَاسِيل إِلَّا إِذا تجمعت فِيهَا أَوْصَاف وعدها فِي الرسَالَة. وَكلهَا مدخولة عِنْد القَاضِي.
فمما ذكره الشَّافِعِي ﵀ من الْأَوْصَاف أَن يكون الَّذِي رَوَاهُ الْعدْل
стр. 820
مُرْسلا قد رَوَاهُ غير [هـ] مُسْندًا.
قَالَ القَاضِي ﵁: وَهَذَا مَا لَا وَجه فِي اشْتِرَاطه، فَإِنَّهُ إِذا روى مُسْندًا من وَجه فَلَا حَاجَة إِلَى الْمُرْسل، وَإِن كَانَ الْمسند دَلِيلا على صِحَة الْمُرْسل كَانَ ذَلِك بَاطِلا.
وَإِن مَا لَا يصلح على حياله، وَكَذَلِكَ لَو وَافقه خبر،
стр. 821
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ الرِّوَايَة عَن الضَّعِيف، فَإِنَّهُ لَا يحكم بِصِحَّتِهِ وَإِن وَافقه خبر عدل.
[١١٤٥] وَمِمَّا شَرطه الشَّافِعِي ﵁ أَن قَالَ: يَنْبَغِي أَن يُوَافق إرْسَاله إرْسَال غَيره فتتفق طَائِفَة من الْحفاظ على الْإِرْسَال. وَهَذَا فِيهِ نظر أَيْضا فَإِن الْإِرْسَال ضَعِيف فِي طرق الحَدِيث وَكَثْرَة الْإِرْسَال لَا يُوجب تقويته، وَهَذَا كَمَا أَن الرِّوَايَة عَن الضَّعِيف لما لم يُوجب الْعَمَل فَكَذَلِك الرِّوَايَة عَن جمَاعَة من الضُّعَفَاء، فَلَو كَانَ إرْسَال الْجَمَاعَة يُؤثر فِي الْقبُول لَكَانَ يَقع الاجتزاء بالرواية الْوَاحِدَة.
[١١٤٦] وَمِمَّا شَرطه الشَّافِعِي أَن قَالَ: الحَدِيث الْمُرْسل إِذا عاضده
стр. 822
مَذَاهِب الْعَامَّة فَهُوَ مِمَّا يقويه، فَقَالَ لَهُ: إِن عنيت بالعامة الْعلمَاء عَامَّة، فكأنك شرطت الْإِجْمَاع فِي قبُول الْمَرَاسِيل وَإِذا ثَبت الْإِجْمَاع اسْتغنى عَن الْمُرْسل، وَإِن أومىء بذلك إِلَى مَذَاهِب الْعَوام، فَهُوَ أجل قدرا من أَن تظن بِهِ ذَلِك، فَإِن الْعَوام لَا مُعْتَبر لَهُم فِي وفَاق وَلَا خلاف وَإِنَّمَا الْمُعْتَبر بِخِلَاف الْعلمَاء واتفاقهم، وَإِن عَنى بِمَا قَالَه مُعظم الْعلمَاء، فَهُوَ مَدْخُول أَيْضا فَإِن مصير الْمُعظم مَعَ تَقْدِير الْخلاف إِلَى مَذْهَب لَا يكون حجَّة وَلَو وَجَاز تَقْوِيَة الْمُرْسل بذلك لجَاز تَقْوِيَة الرِّوَايَة عَن الضَّعِيف بذلك.
[١١٤٧] وَمِمَّا شَرطه ايضا أَن يُوَافق الْمُرْسل مَذْهَب بعض الصَّحَابَة.
وَهَذَا فِيهِ نظر ايضا فَإِن الصَّحَابِيّ كَغَيْرِهِ فِي أَنه لَا يحْتَج بقوله، فَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ فِي الْجد.
[١١٤٨] ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي: إِذا اجْتمعت هَذِه الْأَوْصَاف فاستحب قبُوله وَهَذَا هُوَ مَدْخُول أَيْضا فَإِن مَا كَانَ بِمحل الْقبُول يجب أَن يقبل وَمَا
стр. 823
لم يكن بِمحل الْقبُول [لَا يحل] لنا أَن نقبل، فَلَا معنى للاستحباب.
[١١٤٩] ثمَّ من أَصْحَاب الشَّافِعِي من يسند إِلَيْهِ تَخْصِيص الْقبُول بمراسيل سعيد بن الْمسيب، وَهَذَا مَا لَا يَصح عَنهُ، وَإِنَّمَا الصَّحِيح عَنهُ أَن مَا استجمع هَذِه الْأَوْصَاف فَهُوَ بِمحل الْقبُول.
[١١٥٠] وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن لَا يغْفل عَنهُ أَن نعلم أَن الْكَلَام فِي الْمَرَاسِيل
стр. 824
نفيا / وإثباتا لَيْسَ من القواطع وَإِنَّمَا هُوَ من المجتهدات، هَكَذَا قَالَ القَاضِي [١٢٨ / ب] ﵁.
(٢١٠) فصل
[١١٥١] من أسْند حَدِيثا قد أرْسلهُ غَيره فَيقبل إِذا كَانَ بِحَيْثُ لَو انْفَرد قبل، وَذهب بعض الغلاة فِي رد الْمَرَاسِيل إِلَى أَن مَا أسْندهُ عدل فَلَا يجب الْعَمَل بِهِ إِذا ارسله عدل آخر، وَهَذَا سَاقِط من القَوْل، وَذَلِكَ أَن الْإِرْسَال لَا يضعف الْإِسْنَاد وَلَا يزِيد فِي الْإِرْسَال رُتْبَة على الرِّوَايَة عَن ضَعِيف، وَلَو رُوِيَ عدل خَبرا عَن عدل وَرَوَاهُ عدل آخر عَن مطعون فَالرِّوَايَة عَن المطعون لَا يُوجب رد حَدِيث الْعدْل عَن الْعدْل.
стр. 825
(٢١١) بَاب فِي مَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَفِي مَا لَا يقبل ذَلِك فِيهِ، وَوجه الْخلاف فِيهِ وتبيين الْأَصْلَح
[١١٥٢] اعْلَم، وفقك الله، أَن كل مَا يطْلب الْعلم فِيهِ فَلَا يقبل فِيهِ أخبارالآحاد، فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي، وَإِنَّمَا يثبت بِدلَالَة قَاطِعَة وجوب الْعَمَل بهَا.
[١١٥٣] فَإِن قيل: فَهَلا قُلْتُمْ: إِن خبر الْوَاحِد يُوجب [الْعلم] من حَيْثُ أَنه يُوجب الْعَمَل، فَإنَّا إِذا علمنَا أَنه يُوجب الْعَمَل فقد أوصلنا إِلَى ضرب من الْعلم.
قُلْنَا: هَذَا خطأ، فَإنَّا لَا نعلم وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِعَين خبر الْوَاحِد وَإِنَّمَا نعرفه بِالدّلَالَةِ القاطعة الْمُقْتَضِيَة وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد، فَلم يحصل الْعلم بالْخبر إِذا، وَإِنَّمَا يحصل بِالدَّلِيلِ الدَّال عَلَيْهِ وَهُوَ مَقْطُوع بِهِ، فَاعْلَم ذَلِك، فَخرج لَهُ من هَذِه أَن خبر الْوَاحِد لَا يقبل فِي العقليات واصول العقائد وكل مَا يلْتَمس فِيهِ الْعلم.
[١١٥٤] وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن نعلمهُ أَن الْخَبَر قد ينْقل آحادا فَيقطع بكذبه، وَذَلِكَ يتَحَقَّق فِي منَازِل مِنْهَا أَن من نقل شَيْئا استمرت الْعَادة شيوعه وذيوعه لَو كَانَ صدقا حَقًا فَإِذا انْفَرد بِهِ الْوَاحِد لم يُتَابِعه عَلَيْهِ عدد التَّوَاتُر فَهُوَ كذب، وَهُوَ مجوز أَخْبَار الْآحَاد عَن موت خَليفَة أَو فتْنَة عَامَّة استمرت الْعَادة بانتشارها.
стр. 826
وَمن هَذَا الْقَبِيل ايضا نقل معجزات الرُّسُل إِذا صدرت عَن مَلأ مصدر الإشاعة وإذاعة الدعْوَة، وَهَذَا مِمَّا سبق استقصاء القَوْل فِيهِ، وَمِمَّا يجب أَن ينْقل متواترا مَا كَرَّرَه رَسُول الله ﷺ عودا على بَدْء قولا وفعلا ودعا الكافة إِلَيْهِ نَحْو أصل الصَّلَوَات الْخمس وَاصل الزَّكَاة وَالْحج.
وَالَّذِي يجمع مَا قُلْنَاهُ أَن يكون الْمَنْقُول مَا تَقْتَضِي الْعَادة فِي استمرارها نَقله تواترا واستفاضة.
[١١٥٥] فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا قَوْلكُم فِي الْأَخْبَار فِيمَا تعم الْبلوى هَل تقبلون فِيهِ أَخْبَار الْآحَاد؟
قُلْنَا: مَا صَار إِلَيْهِ القدماء من الْعلمَاء وجوب قبُول الْأَخْبَار فِيمَا تعم فِيهِ الْبلوى، وَلم يؤثرمحى فِي ذَلِك خلاف إِلَّا عَن الْكَرْخِي وَطَائِفَة من متأخري أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀ فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم
стр. 827
الْبلوى نَحْو الَّذِي يتَعَلَّق بالصلوات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة والطهارات وَنَحْوهَا، وتوصلوا بِهَذَا الأَصْل إِلَى رد خبر بسرة بنت صَفْوَان فِي مس الذّكر، وَغَيره من الْأَخْبَار، وَهَذِه قَاعِدَة عَظِيمَة أجترأوا عَلَيْهَا. وَالَّذِي يُوضح الْحق فِيهَا أَن نقُول هَل تجوزون صدق الرَّاوِي الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ / الْبلوى أم
стр. 828
تقطعون بكذبه فَإِن جوزتم صدقه فَلَيْسَ الْمَطْلُوب الْعلم وَإِنَّمَا الْمَطْلُوب الْعَمَل فَمَا الَّذِي يمْنَع من قبُول خَبره مَعَ كَونه موثوقا بِهِ.
[١١٥٦] فَإِن قَالُوا لِأَن مَا تعم بِهِ الْبلوى يكثر السُّؤَال عَنهُ لعُمُوم الْحَاجة فِيهِ، ثمَّ كَثْرَة السُّؤَال يُفْضِي إِلَى كَثْرَة النَّقْل.
قُلْنَا: فافطعوا على مُوجب ذَلِك بكذبه كَمَا يقطع بكذب من انْفَرد بِنَقْل موت الْخَلِيفَة والحريق الْعَام لأقليم من الأقاليم وَنَحْوهَا مِمَّا يشيع ويذيع، فَلَمَّا لم تقطعوا بكذبه بَطل مَا قلتموه، وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك ان نقُول: لَو يَصح مَا قلتموه لوَجَبَ أَن يثبت كل مَا تعم بِهِ الْبلوى شَائِعا حَتَّى لَا يبْقى حكم فِي حَادِثَة تعم بِهِ الْبلوى إِلَّا وَقد نقل عَن رَسُول الله ﷺ تواترا كَمَا نقل فِي مُسْتَقر كل أَمر يتَكَرَّر على النَّاس فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مرَارًا، فَلَمَّا ثَبت مُعظم الْأَحْكَام فِي المجتهدات فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى وَفِيمَا لَا تعم، صَحَّ بذلك بطلَان مَا قلتموه.
[١١٥٧] وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَنكُمْ [قبلتم] الأقيسة فِيهَا وَإِن لم تقبلُوا فِيهَا الْأَخْبَار، فَلَو كَانَ الْمطلب فِيهِ قطع كَمَا رمتموه لما قبل فِيهِ قِيَاس الشّبَه، فَإِن الْقيَاس السمعي لَيْسَ مِمَّا يسْتَدرك عقلا وَلَكِن مستنبطه يثبت عِنْده بِغَلَبَة
الظَّن أَن الَّذِي استنبطه قِيَاسا مِمَّا نَصبه رَسُول الله ﷺ فِي الحكم تَصْرِيحًا وتنبيها، فَإِذا جَازَ أَن تقبل مَا فِيهِ توقع النَّقْل فَلَنْ يجوز ذَلِك فِيمَا نَقله الثِّقَات أولى.
стр. 829
(٢١٢) بَاب ذكر مَا يدْخلهُ التَّرْجِيح من الْأَلْفَاظ، وتبيين رتب التَّرْجِيح
[١١٥٨] اعْلَم وفقك الله: أَن الْأَلْفَاظ الثَّابِتَة عَن صَاحب الشَّرِيعَة منقسمة، فَمِنْهَا مَا ثَبت قطعا كالأخبار المستفيضة المتواترة الْمُوجبَة للْعلم، فَإِذا تقَابل خبران من هَذَا الْقَبِيل وتعارضا فَلَا وَجه فيترجيح أَحدهمَا على الاخر، ليتقدر التَّرْجِيح ثَانِيًا، وَالْآخر سَاقِطا، فَإِن الْمَقْصُود من التَّرْجِيح
стр. 830
جلب غَلَبَة الظَّن بِضَرْب من التَّلْوِيح فِي أحد الْخَبَرَيْنِ، وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك فِيمَا يَقْتَضِي الْعلم من الْأَخْبَار، فَإِن كل وَاحِد من الْخَبَرَيْنِ إِذا نقل استفاضة وَعلمنَا ثُبُوته من رَسُول الله ﷺ قطعا فَلَا معنى للتمسك بالترجيح ليتوصل بِهِ إِلَى تَقْوِيَة أَحدهمَا، فَإِن كل شَيْئَيْنِ، يَقْتَضِي كل وَاحِد مِنْهُمَا الْعلم، لَا يتَحَقَّق فِي الْمَعْقُول أَن يكون أحد العلمين الثابتين مرجحا على الثَّانِي، فَإِن الْعلم بالشَّيْء لَا يتَفَاوَت فِي كَونه علما بِهِ. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن غلبات الظنون يضاد الْعُلُوم، فَلَا يتَصَوَّر أَن تعلم شَيْئا وَأَنت على غَالب ظن فِيهِ، وَالتَّرْجِيح لَا يُفِيد فِي مجْرى الْعَادة إِلَّا غلبات الظنون، فَبَطل التَّرْجِيح فِي خبر يَقْتَضِي الْعلم، وَلَكِن إِن كَانَا مؤرخين تمسكنا بالمتأخرين مِنْهُمَا وَإِن كَانَا مطلقين وَقد أَجمعت الْأمة على اسْتِحَالَة الْجمع بَينهمَا فَلَا يجوز الِاسْتِدْلَال بِوَاحِد مِنْهُمَا، وَإِن اتّفقت الْأمة على أَن الحكم لَا يعدوهما وَقد الْتبس الْأَمر وأشكل / فقد [١٢٩ / ب] قدمنَا من ذَلِك فِي تعَارض العمومين مَا فِيهِ متسع.
[١١٥٩] وَالضَّرْب الثَّانِي من الْأَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يُوجب الْعلم، فَإِذا تعَارض اثْنَان مِنْهُمَا، وَأمكن الْجمع بَينهمَا بِضَرْب من
стр. 831
التَّأْوِيل، أَو لم يكن الْجمع بَينهمَا فَيجوز تَرْجِيح أَحدهمَا على الثَّانِي بِمَا يغلب الظَّن فِي صِحَّته وثبوته وَإِن كَانَ لَا يُفْضِي بِنَا إِلَى الْعلم.
وَالدَّلِيل على ذَلِك الْإِجْمَاع أَولا، فَإِن الْقَائِلين بأخبار الْآحَاد أَجمعُوا على تَرْجِيح بَعْضهَا على بعض، والتمسك بِمَا يتقوى بالترجيح.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الصَّحَابَة مَا زَالَت فِي عصرها ترتاد غلبات الظنون فِيمَا ينْقل لَهُم من الْأَخْبَار، حَتَّى كَانُوا يَلْتَمِسُونَ ذَلِك بطرق، فَرُبمَا كَانُوا يَلْتَمِسُونَ فِي الْأَحَايِين بِعَدَد الرَّاوِي، فيروي الْوَاحِد وهم على ريث ومهل، فينضم إِلَيْهِ راو آخر فيرون الحكم وَكَانُوا يقدمُونَ نقل من ظَهرت ثقته، ويرون أَن التَّمَسُّك بِمَا لَا يخْتَص الرِّجَال بالاطلاع عَلَيْهِ - نَحْو التقاء الختانين، وَغَيره - بروايات أَزوَاج رَسُول الله ﷺ أولى، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا اعتبروه واعتبره التابعون، فَثَبت ذَلِك إِجْمَاعًا.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك جَوَاز التَّمَسُّك بِكَثْرَة الْأَشْبَاه فِي استنباط الْقيَاس، وَإِن كَانَت لَا تُفْضِي إِلَّا إِلَى غلبات الظنون.
[١١٦٠] فَإِن قيل: فَيجب أَن تعتبروا التَّرْجِيح فِي الشَّهَادَات أَيْضا،
стр. 832
حَتَّى إِذا شهد شَاهِدَانِ على شَيْء وقابلها شُهُود على ضِدّه فترجح شَهَادَة الشُّهُود إِذا كثر عَددهمْ.
قُلْنَا: لَا نصير إِلَى ذَلِك إِجْمَاعًا ونصير إِلَى تَرْجِيح الْأَخْبَار إِجْمَاعًا.
[١١٦١] فَإِن قيل: إِذا كَانَ التَّرْجِيح لَا يُفِيد علما فَأَي فَائِدَة فِي التَّمَسُّك بِهِ؟
قُلْنَا: فَأصل نقل الْآحَاد لَا يُفِيد علما أَيْضا، وَإِن ثَبت بِالدّلَالَةِ القاطعة التَّمَسُّك بِهِ.
[١١٦٢] فَإِن قيل: فلسنا نعقل ظنا أغلب من ظن.
قُلْنَا: هَذَا الْآن بهت مِنْكُم فَإنَّا نعلم بديهة أَن الْإِنْسَان قد يغلب شَيْء على ظَنّه حَتَّى لَا يكَاد يتزايد ذَلِك وَهُوَ يُدْرِكهُ من نَفسه.
وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن الْمُفْتِي إِذا نظر إِلَى الْمسَائِل المجتهدة [فيجد] بَعْضهَا أوضح من بعض، وَإِن كَانَ لَا يتَمَسَّك بِالْيَقِينِ فِي شَيْء مِنْهَا.
[١١٦٣] فَإِن قيل: فَهَل يجوز فِي الْعقل أَن لَا يتَمَسَّك بالترجيح.
قُلْنَا: يجوز ذَلِك، وَلَوْلَا مَا دلّ شرعا وسمعا على ذَلِك لما توصلنا إِلَيْهِ عقلا.
(٢١٣) فصل
[١١٦٤] إِذا تقَابل خبران نقلاجميعا استفاضة وتواترا عَن
стр. 833
رَسُول الله ﷺ فَلَا يسْبق ثمَّ تَرْجِيح اصل أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر، كَمَا قدمْنَاهُ فِي صدرالباب، وَلَكِن يجوز أَن يتَمَسَّك بِمَا يَقْتَضِي تَرْجِيح أح العلمين بِمُوجب أحد الْخَبَرَيْنِ على الثَّانِي، بِأَن يجده اقْربْ إِلَى أصُول الْأَدِلَّة ومواقع الشَّرْع، وَيكون ذَلِك تَرْجِيح أحد العلمين على الثَّانِي، وَلَا يكون تَرْجِيح أحد الْخَبَرَيْنِ. وافضل من الضدين من الترجيحين فَهَذَا إِثْبَات أصل التَّرْجِيح.
(٢١٤) القَوْل فِيمَا يَقع بِهِ أحد الْخَبَرَيْنِ اللَّذين نقلا آحادا على الثَّانِي
[١١٦٥] فَمَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح كَثْرَة الروَاة فِي أحد الْحَدِيثين وقلته فِي الآخر، مَعَ تَسَاوِي الروَاة فِي الْعَدَالَة / والثقة.
стр. 834
ويحكى عَن بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة أَنه لَا يرى ذَلِك تَرْجِيحا. ويستدل بعادات أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُم استظهروا بِالْعدَدِ فِي كثير من الْأَخْبَار، حَتَّى روى الْمُغيرَة مِيرَاث الْجدّة، فَلم يبرم الصّديق ﵁ الحكم، حَتَّى رَوَاهُ مُحَمَّد بن مسلمة فَقضى بِهِ حِينَئِذٍ.
وَأَيْضًا فَإِن الْمَقْصُود من التَّرْجِيح غلبات الظنون، وَالْخَبَر إِذا رَوَاهُ جمَاعَة من الْأَئِمَّة فثبوته وَضَبطه اقْربْ إِلَى الْقُلُوب.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أحد [الراويين] لَو كَانَ اشْتهر بِالْعَدَالَةِ والثقة فَلَا خلاف إِن التَّمَسُّك بِهِ أولى.
[١١٦٦] فَإِن تمسكوا بِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يرجح حكمهَا بِالْعدَدِ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَا يرجح أحد الْبَيِّنَتَيْنِ على الْأُخْرَى، وَإِن كَانَت أظهر
стр. 835
الثِّقَة وَالْعَدَالَة، وايضا فَإِن فِي الشَّهَادَة عددا مضبوطا محصورا شرعا لَا حكم للزِّيَادَة عَلَيْهِ.
[١١٦٧] وَمن اسباب التَّرْجِيح أَن يكون أحد [الراويين] اضبط وأتقن فِي الرِّوَايَة وَأشهر فِي الْعَدَالَة.
[١١٦٨] وَمِنْهَا أَن يكون أحد الراويين مباشرا لنَفس الْقِصَّة، أَو يكون صَاحب الْقِصَّة، وَذَلِكَ نَحْو حَدِيث مَيْمُونَة، فَإِنَّهَا رَوَت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 836
تزَوجهَا وَهِي حَلَال، وروى ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ محرما، فَكَانَت رِوَايَة مَيْمُونَة وَهِي صَاحِبَة الْقِصَّة أولى، وَكَذَلِكَ رِوَايَة أبي رَافع أولى من رِوَايَته، وَقد روى أَنه كَانَ حَلَالا، قَالَ: " [وَكنت] السفير بَينهمَا [فَلَمَّا باشرته] الْقِصَّة ترجح رِوَايَته.
стр. 837
[١١٦٩] وَمِنْهَا: ان يكون متن [أحد] الْحَدِيثين مُسْتَقِيم اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَلَفظ الحَدِيث الثَّانِي مُضْطَرب فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فينقل على أوجه متباينة، فَالَّذِي لم يتَحَقَّق ذَلِك فِيهِ أولى، لِأَن استقامة الْمَتْن تنبىء عَن ضبط الرَّاوِي.
[١١٧٠] فَإِن قَالُوا: فيلزمكم أَن لَا تقبلُوا الزِّيَادَة الَّتِي ينْفَرد بهَا الثِّقَة.
قُلْنَا: لَيست الزِّيَادَة من اضْطِرَاب الْمَتْن فِي شَيْء، وَلكنهَا تنزل منزلَة خبر آخر، على مَا قدمْنَاهُ.
[١١٧١] وَمِنْهَا: ان يكون سَنَد [أحد] الْحَدِيثين سديدا لَا لبس فِيهِ، وَفِي إِسْنَاد الاخر لبس فِي تَفْصِيل الْأَسَامِي.
стр. 838
[١١٧٢] وَمِنْهَا: أَن يكون مَوضِع أحد [الروايين] أقرب من رَسُول الله ﷺ ، وَهَذَا نَحْو حَدِيث ابْن عَمْرو فِي إِفْرَاد رَسُول الله ﷺ الْحَج، مَعَ حَدِيث أنس فِي الْقرَان، وَعلمنَا بِقرب ابْن عَمْرو من رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك كَانَ يَقُول ﷺ : " ليليني ذَوُو الأحلام مِنْكُم والنهى ".
стр. 839
[١١٧٣] وَمِنْهَا: أَن يكون أَحدهمَا قد سمع من رَسُول الله ﷺ الحَدِيث بِغَيْر حجاب، فَهُوَ أولى من غَيره فَإِنَّهُ أبعد عَن اللّبْس، وَرُبمَا شَاهد من قَرَائِن الْأَحْوَال مَا ذهبت عَن صَاحبه.
[١١٧٤] وَمِنْهَا: ان يكون أَحدهمَا أحسن سياقا وتفصيلا للفظه نَحْو حَدِيث جَابر فِي نقل االإفراد، فَإِنَّهُ نقل اللَّفْظَة على وَجههَا، وساقها أحسن سِيَاق.
[١١٧٥] وَمِنْهَا: أَن تخْتَلف الرِّوَايَة على أحد الراويين، وَلَا تخْتَلف عَن الثَّانِي، ثمَّ اخْتلفت عبارَة أَصْحَابنَا فِي ذَلِك، فَمنهمْ من يَقُول:
стр. 840
تتعارض الرِّوَايَتَانِ عَن أحدهم وتسقطان.
وَمِنْهُم من يَقُول لَا بل يرجح الحَدِيث الَّذِي لم تخْتَلف الرِّوَايَة فِيهِ، لكَونه أقرب إِلَى الضَّبْط وابعد عَن التَّرَدُّد.
[١١٧٦] وَمنا: أَن يكون أحد الْحَدِيثين مُوَافقا لظَاهِر الْكتاب فَهُوَ أولى من الَّذِي لَا يُوَافق الظَّاهِر.
[١١٧٧] وَمِنْهَا: ان يُوَافق أَحدهمَا مَعَاني آخر.
[١١٧٨] وَمِنْهَا: أَن ينْقل أَحدهمَا عَنهُ صَرِيحًا وَيكون فِي الثَّانِي تردد
стр. 841
وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول أحد [الراويين] سَمِعت رَسُول الله ﷺ يذكر لفظا ينبىء عَن صَرِيح سَمَاعه وَلَفظ الثَّانِي ظَاهر السماع، وَلَكِن فِيهِ التَّرَدُّد.
[١١٧٩] وَمِنْهَا أَن يكون أَحدهمَا قولا وفعلا وتقريرا فَإِنَّهُ أبلغ.
[١١٨٠] وَمِنْهَا: أَن يكون أَحدهمَا عَاما لم يدْخلهُ التَّخْصِيص، وَالثَّانِي قد دخله التَّخْصِيص من وَجه، فالتمسك بِالْعَام أولى.
[١١٨١] وَمِنْهَا: أَن يكون أَحدهمَا مُطلقًا مُجَردا عَن سَبَب، وَيكون الثَّانِي واردا بِخُصُوص يجوز عَن قدر اخْتِصَاصه، وَيجوز أَن يقدر تعميمه.
[١١٨٢] وَمِنْهَا: أَن يتقوى أحد الْحَدِيثين [بِالْإِجْمَاع] فعلا فَهَذَا من اقوى الترجيحات، وَلَو اقْترن بِأحد الْحَدِيثين الْإِجْمَاع على صِحَّته وتصديق نَقله، فَيخرج ذَلِك عَن قبيل التَّرْجِيح، ويلتحق باقتضاء الْعلم وإيجابه.
[١١٨٣] وَمِنْهَا: ان يكون مَضْمُون أحد الْحَدِيثين مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ، من غير تَقْدِير حذف وَلَا ضمير، وااثاني لَا يسْتَقلّ دون أَحدهمَا، فَالَّذِي لَا حَاجَة فِيهِ للإضمار والحذف اأولى.
[١١٨٤] وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي مسَائِل:
مِنْهَا: أَن أحد الْحَدِيثين إِذا تضمن نفيا والْحَدِيث الثَّانِي يتَضَمَّن إِثْبَاتًا، فَمنهمْ من يَجْعَل الَّذِي يتَضَمَّن الْإِثْبَات
стр. 842
أولى.
وَمَا اخْتَارَهُ القَاضِي ﵁ أَن ذَلِك لَا يُوجب تَرْجِيحا، فَإِن النَّفْي مِمَّا يَصح نَقله، وَيقطع بِهِ كَمَا يَصح نقل الْإِثْبَات.
стр. 843
[١١٨٥] وَمِمَّا اخْتلف فِيهِ الْأَصْحَاب أَيْضا أَن يعْمل أحد الراويين بِخَبَرِهِ دون الاخر.
فَمَا صَار إِلَيْهِ الْمُعظم أَن ذَلِك يُوجب تَرْجِيحا.
وَمَا اخْتَارَهُ القَاضِي أَنه لَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح.
قَالَ القَاضِي ﵁: وَمَا عندنَا أَنه لَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح، فَإنَّا إِنَّمَا نرجح بِمَا يتَعَلَّق بِالنَّقْلِ من الضعْف والوهاء وَلَا معول على مَا لَا يتَعَلَّق بطرِيق النَّقْل.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أهل الْأَعْصَار السَّابِقَة قبلت الْأَحَادِيث فِيمَا لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ، كَمَا قبلوها فِي مجَال الْقيَاس، وَلم يشرطوا زِيَادَة احْتِيَاط، فَهَذَا نَحْو قبولهم الْخَبَر الْمُشْتَمل على ضرب الْعقل على الْعَاقِلَة، إِلَى غَيره من أَمْثَاله.
[١١٨٦] وَمِمَّا اخْتلف فِيهِ الْأَصْحَاب أَيْضا: أَن الْخَبَرَيْنِ إِذا ارقتضى أَحدهمَا حظرا وَالثَّانِي إِبَاحَة
فَمنهمْ من قَالَ: الحاظر مِنْهُمَا أولى، أخذا بالأحوط. وَمِنْهُم، قَالَ كِلَاهُمَا، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ القَاضِي ﵁، فان
стр. 844
الِاحْتِيَاط لَيْسَ مِمَّا يتَعَلَّق بطرِيق النَّقْل، وَشرط مَا يتَمَسَّك بِهِ من الترجيحات أَن تكون مُؤثرَة فِي طَرِيق النَّقْل بقضية فِيهَا غلبات الظنون، على أَن الْإِبَاحَة رُبمَا يكون أحوط فِي بعض الْمنَازل. [١١٨٧] وَمِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ أَيْضا: أَن أحد الْحَدِيثين إِذا تضمن دَرْء حد، وتضمن الثَّانِي إِيجَابه /.
стр. 845
(٢١٥) [بَاب النّسخ]
[١١٨٨] إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالُوا: فَلَو خرج الْمَأْمُور بِهِ عَن كَونه مَأْمُورا بِهِ وَصَارَ مَنْهِيّا عَنهُ أدّى ذَلِك إِلَى أَن يصيرالحسن قبيحا وَلَو قدر الْأَمر على الضِّدّ من ذَلِك أدّى ذَلِك إِلَى أَن يصير الْقَبِيح حسنا إِذا انْقَلب الْمنْهِي عَنهُ مَأْمُورا بِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي ان يصير المُرَاد مَكْرُوها وَالْمَكْرُوه مرَادا وَالطَّاعَة عصيانا والعصيان طَاعَة، وَهَذَا محَال مفضى إِلَى قلب الْأَجْنَاس، فَإِن الْقبْح وَالْحسن من صِفَات الْأَجْنَاس عِنْدهم، وَتَقْدِير مَا يقلب الْأَجْنَاس محَال، فالنسخ على تَقْدِير رفع الْأَمر إِثْبَات فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى يُؤذن بقلب الْأَجْنَاس أَو البداء على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ، وَهَذَا بِعَيْنِه مَذْهَب الْيَهُود الَّذين يُنكرُونَ النّسخ عقلا.
[١١٨٩] فَإِذا وضح ذَلِك من اصلهم قَالُوا: فالنسخ على التَّحْقِيق لَيْسَ هُوَ رفع لعين مَا ثَبت من الحكم فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى، وَلَكِن إِنَّمَا هُوَ تَبْيِين أَن المُرَاد بِالنَّصِّ الأول تثبيت الحكم إِلَى وَقت وُرُود النَّاسِخ، وَأَنه لم يرد بِهِ تثبيت الحكم الأول تثبيت الحكم بِالنَّصِّ على التَّأْبِيد، فِي ابْتِدَاء مورده، فَيكون النّسخ تبيينا لما أُرِيد بِاللَّفْظِ الأول، وَلَا يكون فِي الْحَقِيقَة رَافعا لحكم ثَابت فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى، وَلذَلِك قيدوا حَدهمْ فَقَالُوا: هُوَ النَّص الدَّال على
следующие страницы →