← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

العادلة وَمِنْهُم من يَقُول لَو اجْتمع عَليّ وَطَلْحَة فِي شَهَادَة لم تقبل شَهَادَتهمَا وَهَذَا يبْنى على أصُول تقررت فِي الْإِمَامَة. (١٩٤) فصل [١٠٨٦] من كَانَ من أهل الْقبْلَة وَلَكِن بدر مِنْهُ فسق، بِاتِّفَاق الْأمة يَقْتَضِي رد شَهَادَته، وَإِن أقدم عَلَيْهِ متأولا ظَانّا أَنه مستحل غير مَحْظُور

стр. 772

وَكَذَلِكَ من كفر من أهل الْقبْلَة وَصدر مِنْهُ مَا يُوجب تفكيره فَهُوَ مَرْدُود الشَّهَادَة وَإِن كَانَ من المتأولين المنتمين إِلَى أهل الْقبْلَة

стр. 773

وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى ان من بدر مِنْهُ الْفسق وَهُوَ متأول ظان أَنه مُبَاح فَذَلِك لَا يُوجب رد شَهَادَته إِذا كَانَ مشهرا بِالصّدقِ وتوقي الْخلف، وَذَلِكَ نَحْو قتل الْخَوَارِج النَّاس واستحلالهم الْأَمْوَال والدماء على اعْتِقَاد الْإِبَاحَة مَعَ استشهادهم بتوقي الْخلف ومصيرهم إِلَى أَنه كفر. [١٠٨٧] وَالْمُخْتَار عندنَا رد شَهَادَتهم لكفرهم وَمَا يبدر مِنْهُم من فسقهم وَإِن اعتقدوه حسنا، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك اتِّفَاق الْأمة على أَن تأويلهم وظنهم وحسابهم لَا يعذرهم فِيمَا يبدر مِنْهُم وَلَكِن اعْتِقَاد الْحسن فِيمَا أجمع الْمُسلمُونَ على قبحه إِذا انْضَمَّ إِلَى الْقَبِيح كَانَا قبيحين / منضمين لَا يقدر انْفِصَال أَحدهمَا من الآخر إِجْمَاعًا واتفاقا، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْكفْر وتأويله وَلَو سَاغَ أَن يعْذر المأولون سَاغَ أَن يعْذر أهل الْملَل وَتقبل شَهَادَة من يشْتَهر مِنْهُم بِالصّدقِ كالرهبان وَغَيرهم. ] ١٠٨٨] فَإِن قيل: من اسْتحْسنَ مَا يبدر مِنْهُ مِمَّا أقدم عَلَيْهِ قَاصِدا إِلَى الْفسق هُوَ متأول. قيل لَهُم: فَكَذَلِك القَوْل فِي الْكَفَرَة ومنكري الشَّرِيعَة فَإِنَّهُم مَا اقدموا على مَا اقدموا عَلَيْهِ إِلَّا واعتقادهم أَنه الْحق وَالصَّوَاب وَمَا عداهُ ضلال ثمَّ

стр. 774

انتصب ذَلِك شَيْئا مفضيا إِلَى قبُول الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة فَلَا يعذرُونَ فِي الْفَاسِق المتأول وَالْكفَّار شَيْئا إِلَّا انعكس عَلَيْهِم فِي أهل الْملَل. وَالَّذِي نرتضي لَك التعويل عَلَيْهِ أَن تعد الْكَافِر الْأَصْلِيّ نقضا لما يتمسكون بِهِ، فَإِن رمت احتجاجا قلت: قد ثَبت رد شَهَادَة الْكفَّار وَالَّذِي نَحن فِيهِ كَافِر، وَثَبت رد شَهَادَة الْفَاسِق، وَالَّذِي نَحن فِيهِ فَاسق، وَإِنَّمَا قَامَت دلَالَة الْإِجْمَاع فِي قبُول أَخْبَار الثِّقَات فَلَا يقبل خبر غَيرهم إِلَّا بِدلَالَة تدل، فَإِن الْأَمر بأخبار الْآحَاد لاتضبط عقلا. [١٠٩٠] وَمِمَّا عول عَلَيْهِ من يقبل أَخْبَار هَذَا الصِّنْف - وَالشَّافِعِيّ ﵁ من المائلين إِلَى ذَلِك - إِجْمَاع الصَّحَابَة على قبُول أَخْبَار الْفَاسِقين بالتأويل فَإِن الَّذين فسقوا بمحاصرة عُثْمَان وَقَتله من الْمَذْكُورين والمشاهير وارادوا ذَلِك حَقًا لم ترد شَهَادَتهم وروايتهم، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِج مَا زَالُوا يتلقون ويروون وَتقبل روايتهم. فَيُقَال: دَعْوَى الْإِجْمَاع فِي ذَلِك مِمَّا لَا يكَاد يسْتَمر من أوجه، أَحدهَا: أَنه [إِن] صَحَّ قبُول رِوَايَة بَعضهم فَلم يتَحَقَّق ذَلِك من كَافَّة الصَّحَابَة حَتَّى يدعى إِجْمَاعهم فِي قبُول خبر من هَذَا وَصفه، وَالْأُخْرَى أَن من الصَّحَابَة من كَانَ يعْتَقد

стр. 775

اسْتِحْبَاب عُثْمَان ﵁ لما جرى عَلَيْهِ، وَهَذَا بَين فِي كَلَامهم نظما ونثرا فَلم يثبت الْإِجْمَاع على فسقهم فِيمَا صدر مِنْهُم، ثمَّ الِاتِّفَاق على قبُول خبرهم. فَبَطل ادِّعَاء الْإِجْمَاع من كل وَجه، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن عمار بن يَاسر وعدي بن حَاتِم وسودان بن حمْرَان وَالْأَشْتَر وَغَيره من المصرحين بالاعتزاء إِلَى قتل عُثْمَان واعتقاد كَون ذَلِك صَوَابا فَسقط دَعْوَى الْإِجْمَاع وَاسْتمرّ مَا قدمْنَاهُ.

стр. 776

(١٩٥) فصل [١٠٩١] اعْلَم أَن الشَّاهِد يُخَالف الرَّاوِي فِي جمل من الْأَوْصَاف تشْتَرط فِي الشَّاهِد وَلَا تشْتَرط فِي الرَّاوِي. فَمن ذَلِك الْحُرِّيَّة فَإِنَّهَا غير مَشْرُوطَة فِي الرِّوَايَة وَالْعَبْد الموثوق بِهِ كَالْحرِّ، وَمن ذَلِك الْأُنُوثَة فَإِنَّهَا تمنع قبُول الشَّهَادَة فِي بعض الْمَوَاضِع وَلَا تمنع قبُول الرِّوَايَة فِي شَيْء من الْأَحْكَام، وَمِنْهَا الْعَدَاوَة وَأَسْبَاب التهم فِي الْخَيْر وَالدَّفْع فانها تَتَضَمَّن رد الشَّهَادَة على تَفْصِيل، وَشَيْء من ذَلِك لَا يمْنَع رد الْخَبَر، فَتقبل رِوَايَة الْعَدو على عدوه، وَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن الرِّوَايَة لَا تخصه بل الرَّاوِي يساهمه فِيهِ، واكتف بِالْإِجْمَاع فِي ذَلِك، ودع عَنْك التَّمَسُّك بالتلويحات. [١٠٩٢] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي الرَّاوِي الْمَجْهُول؟

стр. 777

صفحة فارغة

стр. 778

قُلْنَا: إِن جهلت عَدَالَته فَلَا تقبل رِوَايَته وَإِن علمت عَدَالَته قبلت [١٢٣ / ١ أ] رِوَايَته وَلَا يضر أَن يكون مَجْهُول النّسَب فَإِن الْمعول على الْعَدَالَة مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ مَعهَا من الْأَوْصَاف. (١٩٦) فصل [١٠٩٣] من سمع كتابا وَتحقّق عِنْده سَمَاعه وَلَكِن أشكل عَلَيْهِ عين مَا سمع مِنْهُ فَلَا تحل لَهُ رِوَايَته حَتَّى يعلم على قطع من بلغه. وَذهب

стр. 779

[بعض] الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنه إِذا علم سَماع الْكتاب من ثِقَة فَلهُ رِوَايَته إِذا كَانَ حَافِظًا وضابطا وَقد أومى الشَّافِعِي ﵀ إِلَيْهِ فِي الرسَالَة، وَهَذَا لَا يَصح، فَإِن الرِّوَايَة لَا تستقل إِلَّا بالمروي عَنهُ، فَإِذا لم يعرف عَنهُ لم تخل، إِمَّا أَن يطبق رِوَايَته وَلَا يسندها إِلَى مَرْوِيّ عَنهُ وَإِمَّا أَن يسندها إِلَى شخص بِعَيْنِه، فَإِذا لم يسندها إِلَى شخص فقد أرسل، وَلَا حجَّة فِي الْمَرَاسِيل على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِن اسنده إِلَى شخص بِعَيْنِه مَعَ الاسترابة فقد أقدم على رِوَايَة مَا يستريب فِيهِ وَهَذَا من أعظم التهم فِي التساهل فِي الرِّوَايَة، وَلَو جَازَ ذَلِك جَازَ فِي أصل الرِّوَايَة مَعَ التشكيك فِيهِ حَتَّى يروي خَبرا مَعَ تشككه فِي أَنه هَل سَمعه أم لَا. فَإِذا لم يجز ذَلِك لم يجز إِسْنَاده إِلَى شخص مَعَ التشكيك وَإِن استيقن اصل السماع. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَيْضا من أصل الشَّافِعِي أَن من تحمل شَهَادَة استيقن تحملهَا، وأشكل عَلَيْهِ عين من تحمل الشَّهَادَة عَنهُ [فَلَا] يجوز لَهُ إِقَامَة الشَّهَادَة على من يغلب على ظَنّه أَن الْمَشْهُود عَلَيْهِ هُوَ. [١٠٩٤] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِيهِ إِذا تشكك فِي حَدِيث من جملَة الْأَحَادِيث والتبس عَلَيْهِ شَيْخه. قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِك حَتَّى يتَذَكَّر على قطع سَمَاعه وَلَيْسَ لَهُ الِاعْتِمَاد

стр. 780

على مُجَرّد الْخط، وعَلى هَذَا الْقيَاس نجري فِي الشَّهَادَة. [١٠٩٥] فَإِن قيل: فَهَلا جوزتم للراوي ابْتِدَاء أَن يروي عَمَّن غلب على ظَنّه السماع فِيهِ، كَمَا جوزتم الْعَمَل بِخَبَرِهِ وَإِن كَانَ ذَلِك آحادا لغَلَبَة الظَّن فَإِنَّمَا لَا يستيقن صدقه. قُلْنَا: هَذَا لِأَن يعرض لما يُؤَدِّي إِلَى خرق الْإِجْمَاع، فَإنَّا نعلم أَن من سبق فِي عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَا كَانُوا يستجيزون النَّقْل على غَلَبَة الظَّن بل إِنَّمَا كَانُوا يرَوْنَ مَا يقطعون بِهِ، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الرَّاوِي إِذا قَالَ: غلب على ظَنِّي سَمَاعه وَكَانُوا لَا يقطعون بذلك وَلَا يقدرونه خَبرا، يُوضحهُ اتِّفَاق الْأمة على أَن من أَرَادَ أَن يشْهد على إِقْرَار بِغَلَبَة الظَّن من غير أَن يستيقن صدوره من شخص معِين فَلَا يجد إِلَى ذَلِك طَرِيقا، وَلذَلِك مَا رووا شَهَادَة العميان على

стр. 781

الأقارير وَإِن كَانَ مِمَّن تحقق مِنْهُم غلبات الظنون. [١٠٩٦] فَإِن قَالَ قَائِل: ألستم جوزتم للَّذي شَاهد الشَّيْء فِي يَد غَيره بُرْهَة وَهُوَ يتَصَرَّف فِيهِ تصرف الْملاك أَن يشْهد لَهُ بِالْملكِ. قُلْنَا: هَذَا موقع اخْتِلَاف الْفُقَهَاء فَمنهمْ من لايجوزه فَإِن جوزناه فَنَقُول على قَضيته: لَو نقل الشَّاهِد مَا علمه من ثُبُوت الْيَد فِي زمن ممتد لَكَانَ للْقَاضِي أَن يحكم بِالْملكِ لأَجله، فَهَذِهِ جملَة كَافِيَة فِيمَا ذَكرْنَاهُ.

стр. 782

(١٩٧) بَاب يجمع فصولا فِي كَيْفيَّة السماع، وَلَفظ الرِّوَايَة، وَوجه الِاخْتِلَاف وتبيين الْأَصَح [١٠٩٧] اعْلَم أَن أقوى الطّرق فِي النَّقْل أَن يسمعك شيخك الحَدِيث فَتحدث عَنهُ مَا سمعته شفاها، ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ أَن تقرا عَلَيْهِ وَهُوَ صَامت، ثمَّ إِذا تنجزت قراءتك فيقررك عَلَيْك تَصْرِيحًا وَيَقُول: كَمَا / قَرَأت، أوتقول [١٢٣ / ب] لَهُ أَنْت: كَمَا قَرَأت؟ فَيَقُول: نعم

стр. 783

[١٠٩٨ ي ثمَّ أجَاز مُعظم الْمُحدثين أَن تطلق فَتَقول أَخْبرنِي فلَان وَإِن كَانَ ساكتا إِذا قررك، قَالَ القَاضِي ﵁: وَأولى عندنَا غير ذَلِك، فَإِن التقى من الشَّيْخ يَنْقَسِم طَرِيقه فَرُبمَا يكون بِأَن يسمعك من قِرَاءَة نَفسه، وَرُبمَا يقررك على قراءتك، فَإِذا أطلقت الْأَخْبَار والتبس النوعان، فَالَّذِي تَقْتَضِيه النزاهة فِي الرِّوَايَة وتوقي الْإِبْهَام أَن تميز فَتَقول: أَخْبرنِي قِرَاءَة عَلَيْهِ، أَو قَرَأت عَلَيْهِ وَهُوَ سَاكِت فقررني. [١٠٩٩] فَإِن قيل: فَإِذا لم يبدر مِنْهُ تَقْرِير لفظ فَمَا قَوْلكُم فِيهِ؟ قُلْنَا: مَا اخْتَار مُعظم أهل الحَدِيث أَن سُكُوته مَعَ سَلامَة الْأَحْوَال نَازل منزلَة صَرِيحَة بالتقرير وعنينا بسلامة الْحَال أَن يَنْتَفِي عَنْهَا إلجاء اَوْ إِكْرَاه

стр. 784

أَو غَفلَة مُقَارنَة للسكوت، فَإِذا انْتَفَت هَذِه الْمَوَانِع وأمثالها فالسكت يكْتَفى بِهِ، فَإِن الَّذِي ينْقل عَنهُ إِذا كَانَ ثِقَة وَعلم أَن الَّذِي يقْرَأ عَلَيْهِ لَا بُد أَن يُؤثر عَنهُ، وَهُوَ مُخْتَار مقتدر على رد مَا يقْرَأ عَلَيْهِ، فَلَو سكت غير مُقَرر كَانَ ذَلِك مُؤذنًا بِفِسْقِهِ فالطريق الَّذِي يَقْتَضِي حمل لَفظه على الصدْق - وَهُوَ الثِّقَة وَالْعَدَالَة - فَذَلِك بِعَيْنِه يَقْتَضِي تنزل سكته منزلَة تَقْرِيره. وَقد ذهب بعض أهل الظَّاهِر إِلَى أَنه لَا بُد من التَّصْرِيح بالتقرير، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ أوضح الرَّد عَلَيْهِم. (١٩٨) فصل [١١٠٠] اعْلَم أَن الشَّيْخ إِذا أجَاز أَن يرْوى عَنهُ حَدِيثا بِعَيْنِه أَو كتابا بِعَيْنِه وَقَالَ أجزت لَك أَن تحدث عني بِمَا فِي هَذَا الْكتاب، فَتجوز الرِّوَايَة

стр. 785

على هَذَا الْوَجْه، وَرُبمَا تعتضد الْإِجَازَة بالمناولة، وَهُوَ أَن يُجِيز الشَّيْخ رِوَايَة كتاب ويناول الْكتاب من أجَاز لَهُ رِوَايَته، وَلَيْسَت المناولة من الشَّرَائِط بل هُوَ مُؤَكد، ثمَّ لَا يَنْبَغِي للناقل أَن يُطلق فَيَقُول: حَدثنِي فلَان، فَإِن فِيهِ إيهاما وتدليسا وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يفصح بِالْإِجَازَةِ، ويتوقى اللّبْس. وَقد أَجمعُوا على جَوَاز النَّقْل على هَذَا الْوَجْه، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك مَعَ الْإِجْمَاع أَنه إِذا

стр. 786

صرح بِالْإِجَازَةِ فقد نقل مَا سمع من غير استرابة، وَمن نقل مَا لَا يستريب فِيهِ وَلَا منع من الإنباء عَنهُ فَلَا شكّ فِي جَوَاز إخْبَاره. [١١٠١] فَإِن قَالَ قَائِل: قد ثبتمْ جَوَاز النَّقْل على وَجه الْإِجَازَة، فَهَل تَقولُونَ إِنَّه يجب الْعَمَل بِهِ كَمَا يجب الْعَمَل بِالَّذِي سَمعه الرَّاوِي؟ قُلْنَا: هَذَا موقع االاختلاف فَذهب أهل الظَّاهِر وَمن تَابعهمْ من الْمُتَأَخِّرين إِلَى أَنه لَا يجب الْعَمَل بِهِ، وَيجْرِي مجْرى الْمُرْسل من الْأَخْبَار وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور من الْعلمَاء أَنه يجب الْعَمَل بِهِ، وَهُوَ الَّذِي نختاره وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن نقُول: لَا خلاف أَنا لَا نشترط سَماع الحَدِيث من لفظ الشَّيْخ، فَإِنَّهُ لَو أقرّ عَلَيْهِ وَقع الاجتزاء بِهِ، فَدلَّ أَنا إِنَّمَا نشترط أَن يصدر من الشَّيْخ عَلامَة دَالَّة على أَن الَّذِي ينْقل مِمَّا يَصح عِنْده، وَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق بِالسُّكُوتِ، ويتحقق بِأَن يَقُول: انقل عني هَذَا الحَدِيث، فَإِنَّهُ صَحِيح عِنْدِي. [١١٠٢] فَإِن قيل: فَنحْن لَا نكتفي بِالسُّكُوتِ، بل نشترط أَن يُقرر الشَّيْخ للقارئ كَمَا قَرَأت. قُلْنَا: قد سبق الرَّد منا عَلَيْكُم فِي ذَلِك، على أَن تَقْرِيره إِيَّاه لَيْسَ هُوَ

стр. 787

نطق مِنْهُ بِنَفس الْخَبَر وَإِنَّمَا هُوَ لفظ دَال على أَن مَا قرئَ عَلَيْهِ صَحِيح عِنْده، وَهَذَا يتَحَقَّق فِي الْإِجَازَة لَا محَالة [١٢٤ / أ] . [١١٠٣] فَإِن / قيل: الْإِجَازَة تنزل منزلَة الْمُرْسل من الْأَخْبَار. قُلْنَا: هَذَا تحكم مِنْكُم، فَلم قُلْتُمْ ذَلِك، وَلَو جَازَ تَنْزِيله هَذِه الْمنزلَة [جَازَ] تَنْزِيل الْقِرَاءَة مَعَ سكُوت الشَّيْخ منزلَة الْمُرْسل، سنشبع القَوْل فِي الْمَرَاسِيل إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (١٩٩) فصل [١١٠٤] إِذا نقل الْمعدل عَن الْعدْل حَدِيثا، ثمَّ أَن الْمَرْوِيّ عَنهُ أنكر الْخَبَر، فَهَل تصح رِوَايَة النَّاقِل عَنهُ؟ قُلْنَا: لَا يَخْلُو إِنْكَاره إِمَّا أَن يكون [إِنْكَار] مستريب وَإِمَّا أَن يكون إِنْكَار مصمم، فَإِن كَانَ إِنْكَار مستريب مثل أَن يَقُول الشَّيْخ الْمَنْقُول عَنهُ: لست أذكر مَا رويته، وَأَنا مشكك فِيهِ، فَهَذَا لَا يُوجب رد الرِّوَايَة عِنْد مُعظم أهل الحَدِيث، وَهُوَ الَّذِي نختاره فَأَما إِذا صمم على تَكْذِيب النَّاقِل

стр. 788

فَقَالَ: مَا سَمِعت مني أصلا، فَلَا يعْمل بِهَذَا الحَدِيث، ويتوقف فِيهِ، فَإِنَّهُ تعَارض فِيهِ قطع الْمَنْقُول عَنهُ بِالنَّفْيِ وَقطع النَّاقِل بِالنَّقْلِ، وَلَيْسَ أَحدهمَا أولى من الثَّانِي. [١١٠٥] فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا جعلتم النَّاقِل أولى فَإِنَّهُ تثبيت زِيَادَة؟

стр. 789

قُلْنَا: فَإِن كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَفِي مُقَابلَته أصل آخر، وَهُوَ أَن القَوْل قَول الْمَنْقُول عَنهُ، فَإِنَّهُ الأَصْل وَمِنْه النَّقْل، فَلَمَّا تعَارض الأصلان أعرضنا عَن الحَدِيث. [١١٠٦] فَإِن قيل: فَهَلا يكون تَكْذِيب الشَّيْخ للناقل جرحا مِنْهُ لَهُ؟ قُلْنَا: لَا فَإِنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك جَازَ أَن يُقَال: تَكْذِيب النَّاقِل شَيْخه فِي إِنْكَاره يكون جرحا لَهُ، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل اليه، فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا لم يُصَرح بِالْجرْحِ، بل يجوز أَن يقدر فِي قَول كل وَاحِد مَا لَا يَقْتَضِي الْجرْح، وَهُوَ ان يَقُول الشَّيْخ: أقطع بِأَنَّهُ لم يسمعهُ مني، وَلكنه لَعَلَّه غلط فَظن أَنه سمع، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الطّرف الآخر، فَهَذَا مَا نختاره، وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء، وَزعم الْكَرْخِي وَمن تَابعه من متأخري أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀ أَنه لَا يجب الْعَمَل بالْخبر إِذا تشكك فِيهِ الشَّيْخ وَلذَلِك لم يجوزوا الِاحْتِجَاج بِخَبَر الزُّهْرِيّ مُسْندًا إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن

стр. 790

وَليهَا فنكاحها بَاطِل " لن ذَلِك ذكر لِلزهْرِيِّ ﵀ وَلم يذكرهُ وَكَذَلِكَ ردوا خبر سُهَيْل بن ابي صَالح فِي الشَّاهِد وَالْيَمِين لِأَنَّهُ عرض عَلَيْهِ فَلم يذكرهُ وَرُبمَا كَانَ يَقُول: حَدثنِي بن ربيعَة عني. [١١٠٧] وَالدَّلِيل على مَا صرنا إِلَيْهِ أَن نقُول: من نقل الحَدِيث وَهُوَ موثوق بِهِ وَلم يُصَرح شَيْخه بإنكاره فَلَيْسَ من شَرط اسْتِدَامَة الرِّوَايَة وَالنَّقْل دوَام الْعلم. فَإِن الْمَنْقُول عَنهُ لَو جن أَو مَاتَ أَو صَار مغفلا فَلَا تَنْقَطِع الرِّوَايَة عَنهُ إِذا تحملهَا الرَّاوِي بسلامة الْحَال، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ اتِّفَاق الكافة على أَن الْمَنْقُول عَنهُ لَو شكّ بعد زمَان فِي لفظ من الحَدِيث أَو إِعْرَاب فَلَا يَقْتَضِي

стр. 791

ذَلِك رد الرِّوَايَة، وَكَذَلِكَ إِذا نسي أصل الْخَبَر. فَإِن قَالُوا: تردده فِي الحَدِيث يوهنه ويضعفه، فَإِنَّهُ يبعد أَن يروي حَدِيثا ويدوم لَهُ السَّلامَة عَن الْآفَات والعاهات ثمَّ ينساه فِي مجاري الْعَادَات. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ بَاطِل، فَإِن الْإِنْسَان قد ينسى فِي اطراد الْعَادة أَكثر من ذَلِك، وَمن ادّعى على الْعَادة أَن الشَّيْخ الَّذِي نقل مائَة ألف حَدِيث لَا يجوز فِي الْعَادة أَن ينسى مِنْهَا وَاحِدًا فقد قرب من خرق الْعَادَات، وادعاء [١٢٤ / ب] المحالات، كَيفَ وَقد ينسى الْإِنْسَان قصَّة من الْقَصَص يعْذر اقتصاؤهاايام فِي فَكيف الظَّن بِحَدِيث لفظ بِهِ فِي سَاعَة. [١١٠٨] فَإِن قَالُوا: إِذا نسي الرَّاوِي الحَدِيث فَلَا يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ، فَكيف يجب على الْغَيْر الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْمَنْقُول عَنهُ وَلَا يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ وَهُوَ الأَصْل. قُلْنَا: هَذَا تلبيس مِنْكُم فانا نوجب عَلَيْهِ الْعَمَل كَمَا نوجب على غَيره مهما حدث عَنهُ عدل ثِقَة، وَهَكَذَا كَانَ يَأْخُذ سُهَيْل بن أبي صَالح بِمَا يرويهِ ربيعَة عَنهُ، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه. (٢٠٠) القَوْل فِي حكم الْعدْل إِذا انْفَرد بِنَقْل زِيَادَة لم يساعده عَلَيْهَا غَيره [١١٠٩] مَا صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث أَن الزِّيَادَة

стр. 792

من الثِّقَة مَقْبُولَة، وَإِن انْفَرد بهَا من بَين نقلة شَيْخه وَرُوَاته. وَذهب بعض أهل الحَدِيث إِلَى أَنَّهَا لَا تقبل وَإِلَيْهِ مَال مُعظم أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀. وَالَّذين قَالُوا بِقبُول الزِّيَادَة افْتَرَقُوا فرقا:

стр. 793

فَمنهمْ من قَالَ: إِنَّمَا تقبل الزِّيَادَة إِذا رجعت إِلَى لَفْظَة أَو حَالَة لَا تَقْتَضِي حكما زَائِدا. وَمِنْهُم من عكس ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا نقبلها إِذا اقْتَضَت فَائِدَة جَدِيدَة، فَأَما إِذا كَانَت شاغرة عَن اقْتِضَاء فَائِدَة فَلَا نقبل. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن من روى خَبرا مرّة ثمَّ نَقله أُخْرَى وَزَاد فِيهِ فَلَا تقبل زِيَادَته إِذا سمع ذَلِك الحَدِيث مِنْهُ دون الزِّيَادَة مرّة، فَأَما إِذا استبدل الْعدْل بِنَقْل الزِّيَادَة وَإِن لم ينقلها غَيره فَيقبل مِنْهُ. [١١١٠] وَالَّذِي يَصح فِي ذَلِك عندنَا قبُول الزِّيَادَة من الثِّقَة فِي كل هَذِه الْأَحْوَال من غير فصل. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ اتفاقالكافة على أَن وَاحِدًا من أَصْحَاب الشَّيْخ الْمَنْقُول عَنهُ لَو انْفَرد بِرِوَايَة خبر تَامّ لم يساعده عَلَيْهِ سَائِر النقلَة فَيقبل مِنْهُ فَإِذا قبل مِنْهُ خبر انْفَرد بِهِ لكَونه ثِقَة مَأْمُونا فَكَذَلِك الزِّيَادَة، فَإِن المراعي فِي اصل الْخَبَر وزيادته ثِقَة الرَّاوِي، وَهُوَ فِي الأَصْل كَهُوَ فِي [الزِّيَادَة] . [١١١١] فَإِن قيل: الْفرق بَين الخ خبر وَالزِّيَادَة أَنه غير مُمْتَنع أَن يسمع

стр. 794

الْوَاحِد الحَدِيث وَحده من شَيْخه أَو من رَسُول الله ﷺ وَيمْتَنع أَن يحضر جمَاعَة وَيذكر لَهُم شيخهم خَبرا فيشذ عَن جَمِيعهم زِيَادَة ويستقل بهَا وَاحِد. قُلْنَا: هَذَا بَاطِل من أوجه، أَحدهَا: أَنه لَا يبعد أَن يُعِيد الشَّيْخ أوالنبي ﷺ الحَدِيث الْوَاحِد مرَارًا أَو يزِيد فِيهِ مرّة زِيَادَة، وَيكون ذَلِك بمشهد الَّذِي انْفَرد بنقلها دون غَيره، وَكَذَلِكَ فَلَا يبعد أَن يحضر طَائِفَة مَجْلِسا فيخص وَاحِدًا مِنْهُم بِنَقْل زِيَادَة والاتفاق عثوره عَلَيْهَا واشتغال البَاقِينَ عَنْهَا، وَيكثر تصور ذَلِك فِي الْعَادَات. وَالَّذِي يُوضح مَا قُلْنَاهُ أَن نقُول: الثِّقَة يقطع بِسَمَاع الزِّيَادَة الَّتِي نقلهَا، وَغَيره من الثِّقَات لَا يكذبونه فِي ذَلِك. بل يَقُولُونَ: لم يبلغنَا. فَإِذا لم يكذبوه وَهُوَ قَاطع بنقله فَلَا شكّ أَن الْأَخْذ بِمَا قطع بِهِ الثِّقَة أولى من الْأَخْذ بِمَا يشكك فِيهِ آخَرُونَ، فَإِذا أحكمت ذَلِك هان عَلَيْك إبِْطَال التفصيلات الَّتِي ذَكرنَاهَا. [١١١٢] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا روى الرَّاوِي حَدِيثا فجوده، ثمَّ رَوَاهُ مرّة أُخْرَى وَزَاد فِيهِ فَهَذَا يُوجب اتهامه فِي مجاري االعادات. قُلْنَا: هَذِه / دَعْوَى مُجَرّدَة ويسبب إِلَى المطاعن فِي الثِّقَات من غير [١٢٥ / أ] تَحْقِيق، وَذَلِكَ أَن الْعدْل قد يروي الحَدِيث وَهُوَ جَاهِل عَن الزِّيَادَة، ثمَّ يتذكرها ويرويها، كَذَلِك لَيْسَ عَلَيْهِ أَن ينْقل جملَة الْقِصَّة فَرُبمَا نقل بَعْضهَا لِأَن الْحَاجة مست إِلَيْهِ فَلَمَّا تحققت الْحَاجة إِلَى الْبَقِيَّة نقلهَا.

стр. 795

[١١١٣] وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن من ثبتَتْ عَدَالَته وامتحنت أَمَانَته فَمَا يبدر مِنْهُ مَا يقْدَح فِي الْعَدَالَة تَحْقِيقا لَا يحكم بالقدح بِسَبَبِهِ وَمَا أمكن حمله على مَا لَا يُنَافِي الْعَدَالَة، وَظهر وَجه قبُوله. وَهَذَا الأَصْل هُوَ الْعُمْدَة فِي نفي المطاعن عَن الصَّحَابَة، فَإِنَّهُ قد تقررت لنا عدالتهم، وكل مَا يوردونه من المطاعن فيهم، أَو فِي بَعضهم لَيْسَ يتحد وَجهه فِي اقْتِضَاء الطعْن فَكَانَ اسْتِصْحَاب الأَصْل أولى من رفضه بِمَا تقَابل فِيهِ الْجَوَاز. (٢٠١) فصل [١١١٤] فَإِن قَالَ قَائِل: هَل يجوز للراوي أَن يروي بعض الحَدِيث، وَيتْرك بعضه فَلَا يرويهِ، ثمَّ يرويهِ بعد حِين؟ قُلْنَا: تَفْصِيل القَوْل فِيهِ عندنَا أَن مَا تَركه إِن كَانَ من تَمام مَا نَقله بِأَن يكون مُشْتَمِلًا على مَا هُوَ شَرط فِي مَضْمُون مَا وَرَاءه، فَلَا يجوز لَهُ ترك رِوَايَته اصلا، فَإِن الَّذِي رَوَاهُ لَا يسْتَقلّ دونه، وتمس الْحَاجة إِلَيْهِ، فينسب إِلَى الْإِخْلَال، أَو نقص الْمَنْقُول فِي هَذَا الْحَال. فَأَما إِذا لم يكن مَا تَركه شَرط مَا قدمه، وَلم يكن مِنْهُ تسبب، بل اسْتَقل كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ بِنَفسِهِ، فَلهُ رِوَايَة الْبَعْض والإضراب عَن الْبَعْض.

стр. 796

وَهَذَا كَمَا يشْتَمل الْخَبَر الْوَاحِد على بَيَان الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَلَا تعلق لأَحَدهمَا بِالْآخرِ. وَذهب بعض أهل الحَدِيث إِلَى أَن التَّبْعِيض لَا يجوز فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا. وَذهب بَعضهم إِلَى جَوَازه فِي الْحَالَتَيْنِ. [١١١٥] فَأَما وَجه الرَّد على من لم يجزه فِي الْحَالَتَيْنِ فَهُوَ أَن نقُول: إِذا اسْتَقل كل كَلَام بِنَفسِهِ وَلم يتَعَلَّق تَمام أَحدهمَا بِالثَّانِي، فينزلان منزله خبرين. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن تفرق الْمجَالِس لَا يُغير حكم النَّقْل، فَلَا فرق

стр. 797

بَين أَن يسمع الرَّاوِي أحكاما فِي مجْلِس وَاحِد سردا أَو بَين أَن يسْمعهَا نكرات ودفعات، وَهَذَا وَاضح. [١١١٦] وَأما وَجه الرَّد على من جوز فِي الْحَالَتَيْنِ التَّبْعِيض وَهُوَ أَن نقُول إِذا كَانَ الْمَنْقُول يفْتَقر فِي تَمَامه إِلَى بَيَان مَا سكت عَنهُ وَلم يَنْقُلهُ فَهَذَا إخلال بَين، وَأَقل مَا فِيهِ أَن يتسلط المجتهدون على اسْتِدْرَاك بَقِيَّة الْأَحْكَام بالمقاييس، فَرُبمَا يُخَالف مجاريها مَا لم يَنْقُلهُ ويقتصرون على رُوَاة من غير شَرط صِحَّته فَيَقَع ذَلِك مِنْهُم بَاطِلا. (٢٠٢) فصل [١١١٧] اعْلَم أَن الأولى بالشيخ أَن يتَجَنَّب التهم وموجبات الظنة فَإِذا علم أَنه لَو بعض خَبرا رَوَاهُ مرّة نَاقِصا وَمرَّة تَاما فيستوطن النقلَة بِهِ إِلَى تهمته ويعرفونه بِسوء الْحِفْظ لاعتقادهم منع ذَلِك وَإِذا تساوى الظَّن بِهِ أعلوه وَتركُوا مَا رَوَوْهُ وعطلوه فَإِذا علم ذَلِك مِنْهُم فَلَا يَنْبَغِي أَن يبعض الحَدِيث عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ لَو فعله كَانَ لبسا إِلَى مَا يكَاد يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل أَخْبَار رَسُول الله ﷺ ، فَأَما إِذا علم أَنه وَإِن بعض الْخَبَر فَلَا جرح عَلَيْهِ لَو بعض. (٢٠٣) فصل [١١١٨] اخْتلف النَّاس فِي أَن الرَّاوِي لَو [اراد] نقل الحَدِيث

стр. 798

بِالْمَعْنَى، وَترك لفظ / الرَّسُول ﷺ ، وَلَفظ شَيْخه، فَهَل يجوز لَهُ ذَلِك؟ فَمنهمْ من منع ذَلِك، وَأوجب نقل أَلْفَاظ الرَّسُول ﷺ حرفا حرفا من غير إخلال وتبديل. وَمِنْهُم من جوز النَّقْل على الْمَعْنى

стр. 799

و [إِلَيْهِ] صَار مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي كتاب الرسَالَة. وَلَكِن فِيهِ تَفْصِيل، وَهُوَ أَن نقُول: إِن بدل اللَّفْظ فِيمَا يقطع عَن الله تَعَالَى فَإِن التبديل لَا يُغير الْمَعْنى فَلَا حرج عَلَيْهِ فِي هَذَا النَّوْع من التبديل.

стр. 800

وَذَلِكَ مثل أَن يُبدل قَوْله: " قَامَ " بقوله: " انتصب ناهضا "، وَقَوله " قعد " بقوله " جلس "، وَقَوله " علم " بقوله " عرف " إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يعلم قطعا أَنه لم يُبدل تَبْدِيل اللَّفْظ معنى. وَأما إِذا جوز أَن الْمَعْنى يتبدل بتبديل اللَّفْظ، أَو علم أَنه لَا يتبدل بِاجْتِهَاد واستدلال وَهُوَ يجوز أَن يُؤَدِّي اجْتِهَاد غَيره إِلَى خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، فَلَا يسوغ هَذَا الضَّرْب من التبديل. وَكَذَلِكَ من كَانَ جَاهِلا بمواقع الْخطاب، وَيجوز أَن يفضى بتبديله إِلَى تَغْيِير فَلَا نجد إِلَى ذَلِك سَبِيلا. [١١١٩] وَالدَّلِيل على جَوَاز التبديل عِنْد الْأَمْن من تَحْويل الْمَعْنى اتِّفَاقهم على جَوَاز تَرْجَمَة أَخْبَار الرَّسُول ﷺ لأهل اللُّغَات الْمُخْتَلفَة، وَهَذَا تَغْيِير اللَّفْظ، وَهُوَ أعظم من تَبْدِيل الْكَلِمَة الْعَرَبيَّة بِمِثْلِهَا. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك مَا قُلْنَاهُ: أَن الْمَقْصُود بِنَقْل أَلْفَاظ الرَّسُول ﷺ مَعَانِيهَا وَمَا فِيهَا من قَضِيَّة التَّكْلِيف، وَلَيْسَ الْمَقْصُود أَعْيَان الْأَلْفَاظ، فَإِذا

стр. 801

علم قطعا أَدَاء الْمَعْنى مَعَ تجنبه الريب فِي مواقع الْخلاف، فقد أدّى الْمَقْصد. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن الشَّاهِد إِذا أدّى مَا يحمل الشَّهَادَة عَلَيْهِ، فَلَا يُكَلف فِيهِ أَدَاء صور الْأَلْفَاظ، وَإِنَّمَا الْمَأْخُوذ، عَلَيْهِ أَدَاء الْمَعْنى الْمَقْطُوع بهَا. [١١٢٠] فَأَما الدَّلِيل على منع الْجَاهِل بمواقع الْخطاب والمستريب من التبديل فالإجماع على أَنه يعتضد أَن شَرط النَّقْل أَن يكون النَّاقِل قَاطعا بِمَا نقل، فَهَذَا يقْدَح فِي الْقطع بِالنَّقْلِ. [١١٢١] فَإِن اسْتدلَّ من أوجب نقل الْأَلْفَاظ بِأَعْيَانِهَا وَإِلَيْهِ صَار مُعظم أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵀ وَإِن كَانَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ كَلَامه فِي " الرسَالَة " يجوز التبديل على الشَّرْط الَّذِي ذَكرْنَاهُ. فَإِنَّهُ قَالَ ﵁: يجب أَن يروي الْمُحدث بِحُرُوفِهِ كَمَا سَمعه وَلَا يحدث بِهِ على الْمَعْنى وَهُوَ غير عَالم بِمَا يحِيل مَعْنَاهُ لما روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ رحم الله امراء سمع مَقَالَتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا فَرب مبلغ أوعى من سامع وَرب حَامِل الْفِقْه وَلَيْسَ بفقيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ.

стр. 802

[فَهَذَا] لَا حجَّة لَهُم فِيهِ فَإِن النَّبِي ﷺ أَوْمَأ إِلَى الْعِلَل الْمَانِعَة من التبديل، لما ذكر من اخْتِلَاف الْأَحْوَال وتباين النَّاقِل وَالْمَنْقُول إِلَيْهِ فِي الصِّفَات، فَدلَّ سِيَاق الْخطاب على ان التبديل إِذا كَانَ يَقْتَضِي قطعا أَو توقعا أحَال الْمَعْنى فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ، وَهَذَا مَا نقُول بِهِ، على أَن هَذَا الحَدِيث قد قوبل بِمَا روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " إِذا أصبت الْمَعْنى فَلَا بَأْس " وَهَذَا عَام فِي الْبَلَاغ عَنهُ وَعَن غَيره، على أَنه لَا يبلغ مبلغ الْخَبَر الأول فِي الصِّحَّة. [١١٢٢] فَإِن قَالُوا من الْأَحْكَام مَا يُرَاعى فِيهَا أَعْيَان الْأَلْفَاظ

стр. 803

[٢٦ / أ] كالتكبيرات فِي الصَّلَوَات وَنَحْوهَا من / الدَّعْوَات فَلَا سَبِيل إِلَى تَغْيِير الْأَلْفَاظ. قُلْنَا: هَذَا تلبيس، وَذَلِكَ أَن مَا أشرتم إِلَيْهِ مَتى أوجب قولا ولفظا فَيتَعَيَّن نقل الْأَلْفَاظ وَلَيْسَ إِذا قَالَ رَسُول الله ﷺ " صلوا " فَإنَّا نعلم أَنه لَيْسَ الْمَقْصُود لفظ يذكر، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود امْتِثَال مَعْنَاهُ، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده فافترق الْأَمْرَانِ.

стр. 804

(٢٠٤) بَاب يجمع فصولا وجملا من أَلْفَاظ الصَّحَابَة وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهَا [١١٢٣] اتّفق من تقدم من عُلَمَاء الْأُصُول على أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: أَمر رَسُول الله ﷺ فَهَذَا يحمل على الْأَمر، وَلَا يشْتَرط أَن ينْقل لفظ رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا لم يَنْقُلهُ يتَوَقَّف، وَلَكِن إِذا رددنا الْأَمر بَين الْإِيجَاب والاستحباب فَيتَوَقَّف فيهمَا.

стр. 805

[١١٢٤] فَإِن قيل: ألستم قُلْتُمْ إِن الْأَمر قد يرد على معنى الْحَظْر تَارَة، وعَلى معنى الْإِبَاحَة أُخْرَى؟ . قيل: هَذِه غَفلَة عَظِيمَة من مَذْهَبنَا، فَإِن الْأَمر لَا يتَرَدَّد إِلَّا بَين النّدب وَالْإِبَاحَة، فَإِن حَقِيقَة اقْتِضَاء الطَّاعَة كَمَا وصفناه، وَإِنَّمَا يتَرَدَّد بَين الْأَبْوَاب الَّتِي ذكرتموها للصيغ، وَهِي عِبَارَات، وَلَيْسَت بأوامر على الْحَقِيقَة. فَإِذا قَالَ الصَّحَابِيّ أَمر رَسُول الله ﷺ حمل ذَلِك على الْأَمر الْحَقِيقِيّ. [١١٢٥] فَإِن قيل: إِذا كَانَت الصِّيَغ لَا تدخل عنْدكُمْ فَبِأَي وَجه يتَوَصَّل الصَّحَابِيّ إِلَيْهِ؟ قُلْنَا: الصَّحَابِيّ يتَوَصَّل بقرائن الْأَحْوَال الَّتِي يقارنها الْعلم الضَّرُورِيّ على مجاري الْعَادَات وَقد سبق تقريرنا ذَلِك بِمَا فِيهِ كِفَايَة. ١١٢٦ -] فَإِن قيل: فَإِذا لم ينْقل اللَّفْظ فَمَا يؤمننا أَن يكون قد سمع لفظا واعتقده أمرا وَلَيْسَ الْأَمر على مَا اعتقده عِنْد بعض الْعلمَاء. قُلْنَا: الثِّقَة الْعدْل إِذا نقل شَيْئا مُطلقًا فَلَا يتَعَرَّض لتقرير وُجُوه الْبطلَان فِيهِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الشَّاهِد إِذا شهد على بيع أَو إِجَارَة أَو غَيرهمَا من الْعُقُود

стр. 806

لَا نكفله أَن ينعَت لَهَا وَجه الصِّحَّة فِيمَا يشْهد عَلَيْهِ بل يَكْتَفِي بِإِطْلَاقِهِ القَوْل. [١١٢٧] وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الَّذِي ينْقل من تَمام عَدَالَته ومعرفته أَن لَا ينْقل على اعْتِقَاده مَعَ تجويزه الِاخْتِلَاف، فَإِنَّهُ لَو فعل ذَلِك كَانَ مُجْتَهدا، وَلم يكن نَاقِلا موثوقا بِهِ، وَلَو عرفنَا ذَلِك من ناقل كَانَ مطعنا فِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُبْدِي مَا لَو تحقق كَانَ طَعنا فِي الصَّحَابِيّ. [١١٢٨] ويحكى عَن داؤد من اصحاب الظَّاهِر أَنه صَار إِلَى التَّوَقُّف فِي قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا رَسُول الله ﷺ ، وَقد أوضحنا وَجه الرَّد عَلَيْهِ. (٢٠٥) فصل [١١٢٩] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا قَالَ الرَّاوِي الصَّحَابِيّ أمرنَا رَسُول الله ﷺ فَهَل يحمل ذَلِك على الْعُمُوم، حَتَّى يعم كَافَّة أهل الاعصار. قُلْنَا: هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء، فَمنهمْ من حمله على الْعُمُوم، وَمِنْهُم لم يحملهُ على الْعُمُوم. وَالصَّحِيح عندنَا أَن نفس اللَّفْظ لَا يحمل على الْعُمُوم، وَلَكِن إِن اقْترن بِهِ من حَال الرَّاوِي مَا يدل على أَنه أَرَادَ بِهِ تثبيت الشَّرْع عُمُوما فَيحمل عَلَيْهِ بِالْقَرِينَةِ حِينَئِذٍ وَهَذَا مِمَّا سبق منا إيضاحه فِي مسَائِل الْعُمُوم.

стр. 807

(٢٠٦) فصل [١١٣٠] اخْتلف الأصوليون من اصحاب الشَّافِعِي وَغَيره فِي مسئلتين: إِحْدَاهمَا أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: " أمرنَا بِكَذَا " و " نهينَا عَن كَذَا "، فَهَل يحمل [١٢٦ / ب] ذَلِك على أَمر الرَّسُول ﷺ / وَنَهْيه؟ فَذهب بَعضهم إِلَى انه لَا يحمل عَلَيْهِ، لجَوَاز أَن يَعْنِي بقوله " أمرنَا " بعض الْخُلَفَاء أَو اعْتِقَاد أَمر الله تَعَالَى بِظَاهِر يتَمَسَّك بِهِ من الْكتاب. وَمِنْهُم من قَالَ يحمل ذَلِك على امْر الرَّسُول ﷺ . وَإِلَيْهِ صَار

стр. 808

الْأَكْثَرُونَ. [١١٣١] وَالَّذِي يجب أَن نَخْتَار فِي ذَلِك ان اللَّفْظَة مترددة، فَإِن تعرت عَن الْقَرَائِن وقارنها الِاحْتِمَال فَلَا يحمل على أَمر الرَّسُول ﷺ . وَإِن اقْترن اللَّفْظ من قيد مقَال، أَو قرينَة حَال فَيجْرِي على قضيتها حِينَئِذٍ. [١١٣٢] والمسئلة الْأُخْرَى الَّتِي اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ من السّنة كَذَا أَو كَذَا. فَمن الْعلمَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَغَيره من يحمل ذَلِك على سنة رَسُول الله ٧. وَالْقَوْل فِيهِ مَا قُلْنَا من اعْتِبَار الْقَرَائِن. (٢٠٧) فصل [١١٣٣] فَإِن قَالَ قَائِل: قد كثر مِنْكُم إِطْلَاق الصَّحَابِيّ فِيمَا قدمتموه من الْأُصُول، فَمن الصَّحَابِيّ وَمَا وَصفه؟ قُلْنَا: إِن رددنا إِلَى حَقِيقَة اللُّغَة فالصحابي مُشْتَقّ من الصُّحْبَة، فَكل من

стр. 809

صحب فَهُوَ صَحَابِيّ، وَلَا يخْتَص ذَلِك بدهر وزمن، بل اصل اللُّغَة يَقْتَضِي تَحْقِيق الِاسْم وَإِن تحققت الصُّحْبَة فِي لَحْظَة وَسَاعَة، غير ان الَّذِي غلب فِي الِاسْتِعْمَال أَن من يصحب رجلا لَحْظَة فِي عمره لَا يُسمى فِي الْإِطْلَاق من اصحابه، بل إِنَّمَا يُطلق ذَلِك فِي عرف الِاسْتِعْمَال على من طَالَتْ صحبته فِي مُدَّة ممتدة لَا تنضبط مبلغها. فَكل من صَاحب رَسُول الله ﷺ لَحْظَة اقْتَضَت اللُّغَة تَسْمِيَته صحابيا، بيد أَن عرف الِاسْتِعْمَال يمْنَع ذَلِك فِي من طَالَتْ صحبته. [١١٣٤] فَإِن قيل: فَهَل تَقولُونَ أَن من عاصر رَسُول الله ﷺ وَكَانَ فِي دهره وعصره فَهُوَ صَحَابِيّ؟ قُلْنَا: لَا نقُول ذَلِك فَإِنَّهُ يعاصر الرجل من لَا يرَاهُ أصلا وَلَا يتَّفق بَينهمَا قَرَار لتباعد الديار وَقد يرَاهُ ويصحبه وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِهِ.

стр. 810

(٢٠٨) بَاب القَوْل فِي إرْسَال الحَدِيث، وَمَعْنَاهُ، وَذكر الِاخْتِلَاف فِي وجوب الْعَمَل بالمراسيل [١١٣٥] إرْسَال الحَدِيث: هُوَ أَن يضيف الْإِنْسَان الحَدِيث إِلَى من لم يلقه، من غير أَن يذكر من بَيته وَبَينه، كالتابعي يضيف الحَدِيث إِلَى
следующие страницы →