← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(٢٢٤) فصل [١٢٣٢] يجوز نسخ الْعِبَادَة بِعبَادة أشق مِنْهَا وَقد أنكر ذَلِك شرذمة من الْمُعْتَزلَة وكل مَا يدل على اصل النّسخ فَهُوَ دَال على ذَلِك وَلَيْسَ لَهُم

стр. 877

فِي الْمَسْأَلَة عصمَة يتمسكون بهَا إِلَّا مَا يَهْتَدُونَ بِهِ من الْمصَالح فَيَقُولُونَ لَيْسَ من مصَالح الْعباد تَعْظِيم الْمَشَقَّة عَلَيْهِم، بل الْأَصْلَح لِعِبَادِهِ فِي بعض الزَّمَان تَكْلِيف الأشق، على أَن مَا قَالُوهُ يتَوَجَّه عَلَيْكُم فِي بَدْء الشَّرِيعَة فَيُقَال لَهُم: كَانَ يجوز ان يقدر أخف مِنْهَا فَمَا بالها وَقعت شاقة. وَرُبمَا يستدلون بظواهر من الْكتاب، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يرد بكم الْعسر﴾ . فَيُقَال ورد هَذَا فِي مُخَاطبَة المرضى من الْمُسلمين لما خفف الصّيام عَنْهُم، على أَن المُرَاد بِالْآيَةِ يُرِيد الله بكم مَا ستنالون من الْيُسْر فِي العقبى وَلَا يُرِيد مُجَردا عتابكم فِي الدُّنْيَا. وعَلى هَذَا الْوَجْه يستدلون بظواهر وَوجه الْجَواب مَا قدمنَا. [١٢٣٣] وَمِنْهُم من يَقُول: يجوز النّسخ بالأشق عقلا وَيمْتَنع سمعا لهَذِهِ الْآيَات. ثمَّ نقُول: وَكم من حكم ينْسَخ بأشق مِنْهُ، وَهَذَا كَمَا أَن الصُّلْح [١٣٦ / ب] عَن الْكفَّار نسخ بمقاتلتهم / وبذل المهج وَالْأَمْوَال فِي مجاهدتهم، وَجَوَاز ترك الصَّوْم من غير عذر بِشَرْط الْفِدْيَة، وَنسخ حليل الختمر، وَهَذَا شَأْن كل تَحْرِيم يعقب تحليلا فَبَطل مَا قَالُوهُ عقلا وسمعا.

стр. 878

(٢٢٥) القَوْل فِي نسخ حكم الْآيَة وتلاوتها، وَوجه الْخلاف فِيهِ [١٢٣٤] اعْلَم أَنه يجوز أَن تشْتَمل الاية على ثُبُوت حكم من الْأَحْكَام وَيُوجب الله تَعَالَى علينا تلاوتها ثمَّ ينْسَخ الله عَنَّا حكمهَا وَوُجُوب تلاوتها وَيجوز أَن ينْسَخ عَنَّا حكم الْآيَة ويديم علينا وجوب تلاوتها، وَهَذَا مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم الْمُحَقِّقين. وَذهب بعض النَّاس إِلَى انه لَا يجوز نسخ تِلَاوَة الْآيَة مَعَ بَقَاء حكمهَا، وَذهب الْآخرُونَ على الْعَكْس من ذَلِك فَقَالُوا لَا يجوز نسخ حكم الْآيَة مَعَ بَقَاء تلاوتها.

стр. 879

[١٢٣٥] وَالدّلَالَة الَّتِي قررناها من نفي الاستحالة وَإِثْبَات الْجَوَاز يطرد على الطَّائِفَتَيْنِ، فَلَا فَائِدَة فِي إِعَادَتهَا، وَالْجُمْلَة فِي مَضْمُون الْبَاب أَن تِلَاوَة الْآيَة وَمَا يطوي عَلَيْهِ الْآيَة حكمان متباينان يجوز فِي الْعقل تَقْدِير أَحدهمَا مَعَ انْتِفَاء الثَّانِي، فَمن هَذَا الْوَجْه لم يبعد النّسخ فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا. [١٢٣٦] فَإِن قَالَ من منع نسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة: الاية وَردت دَالَّة على الحكم وَمن المستحيل أَن تبقى الدّلَالَة ويرتفع مدلولها. وَهَذَا لَا تَحْقِيق لَهُ، وَذَلِكَ أَن الْآيَة إِنَّمَا نصبت دلَالَة بِشَرْط أَن لَا ينْسَخ حكمهَا فإذانسخ حكمهَا فقد خرجت عَن أَن تكون دلَالَة فَإِنَّهَا مادلت على الحكم دلَالَة العقليات على مدلولها. [١٢٣٧] فَإِن قَالَ من أحَال نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم: إِذا ثَبت الحكم بمورد الْآيَة فَيَنْبَغِي أَن لَا يَنْتَفِي بِوُقُوع تلاوتها، كَمَا أَن الحكم إِذا علق بعلة ثَبت بثبوتها وانتفى بنفيها، فَيُقَال: هَذَا سَاقِط من وَجْهَيْن أَحدهمَا: إِن وجوب تِلَاوَة الْآيَة لم يكن دَلِيلا على ثُبُوت الحكم وَإِنَّمَا الدَّلِيل على ثُبُوته مَضْمُون الْآيَة وَوُجُوب تلاوتها حكم يغاير مَضْمُون الْآيَة، على أَنا نقُول: لَا يبعد أَن يثبت حكم عَقْلِي وتدل عَلَيْهِ دلَالَة عقلية ثمَّ ترْتَفع الْأَدِلَّة وَلَا يرْتَفع مدلولها. فَإِذا جَازَ فِي الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة تَقْدِير الِارْتفَاع مَعَ وجود ثُبُوت الْمَدْلُول، فَلِأَن يجوز ذَلِك مَعَ الْأَدِلَّة السمعية أولى. وَبَيَان ذَلِك أَن الْعَالم دَال على صانعه، فَلَو قَدرنَا عدمهَا لم تقتض ذَلِك انْتِفَاء مدلولها. [١٢٣٨] ثمَّ نقُول لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: قد اشْتَمَل الْقُرْآن، على مَا يُخَالف

стр. 880

مذهبكم فَأَما نسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة فمتحقق فِي آي من كتاب الله، مِنْهَا أَن النّسخ فِي حق المطيق بَين الصّيام والفدية مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة﴾ وَكَذَلِكَ نسخ الْوَصِيَّة للأقربين مَعَ ثُبُوت التِّلَاوَة فِي آيَة الْوَصِيَّة، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: (كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين

стр. 881

والأقربين﴾ . وَكَذَلِكَ نسخ الله تَعَالَى تَحْرِيم الْمُبَاشرَة فِي ليَالِي الصّيام مَعَ ثُبُوت تِلَاوَة الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم. .﴾ الْآيَة بِمَا فِيهَا.

стр. 882

وَهَكَذَا نسخ تربص المتوفي عَنْهَا زَوجهَا / مَعَ ثُبُوت الْآيَة الدَّالَّة على [١٣٧ / أ] ذَلِك وَيكثر نَظَائِر ذَلِك فِي الْقُرْآن. [١٢٣٩] فَأَما نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم فكثير أَيْضا، مِنْهَا: الرَّجْم كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لَوْلَا أَن يُقَال زَاد عمر فِي كتاب الله تَعَالَى لأثبتها على حَاشِيَة الْمُصحف، وَهِي " الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ ".

стр. 883

(٢٢٦) القَوْل فِي حكم النّسخ بعد انْقِضَاء وَقت الْفِعْل وَوجه الْخلاف فِيهِ [١٢٤٠] اعْلَم: لَا يَسْتَحِيل على أصلنَا أَن يتَعَلَّق الْخطاب بالمكلف فِي حكم وَلَا يتَّفق لَهُ الْإِقْدَام على الِامْتِثَال فَينْسَخ عَنهُ الْفِعْل ووجوبه، وَلَيْسَ الْمَعْنى بنسخه عَنهُ مَعَ مُضِيّ وَقت إِمْكَان أَدَائِهِ أَن ينْسَخ عَنهُ إِيقَاعه فِي الزَّمَان الْمَاضِي، أَو يُؤمر بإيقاع تَركه فِي الزَّمَان الْمَاضِي، فَإِن ذَلِك من المستحيلات. وَالَّذِي نَحن فِيهِ الْآن منع تَكْلِيف الْمحَال، فَأَما الْأَمر بترك الْفِعْل فِي الِاسْتِقْبَال، وَنسخ وُجُوبه فشائع. [١٢٤١] ثمَّ اعْلَم أَنا لَا نستبعد أَن يُؤمر بترك [عين] الْفِعْل الَّذِي كَانَ يَقع فِي ي الزَّمَان الأول لَو قدر وجوده وَإِن كَانَ التّرْك فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان. وَقد أنْكرت الْمُعْتَزلَة ذَلِك أَشد الْإِنْكَار فَقَالُوا يَسْتَحِيل تَقْدِير وُقُوع ترك الْفِعْل فِي الزَّمَان الْمُسْتَقْبل فَإِن زمَان الْفِعْل إِذا انْقَضى فقد انْقَضى زمَان تَركه أَيْضا وَإِذ لم يتَصَوَّر فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان الْفِعْل الَّذِي كَانَ يَقع فِي الزَّمَان الأول فَكَذَلِك لَا يتَصَوَّر وُقُوع تَركه فِي الِاسْتِقْبَال فَإِن التّرْك إِنَّمَا يتَصَوَّر بَدَلا من الْفِعْل. [١٢٤٢] وَاعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَا يَتَّضِح إِلَّا بعد الْإِيمَاء إِلَى مُقَدّمَة، فَمن اصل أهل الْحق أَن مَا وجد من افعال الْعباد وَعدم، فيتصور إِعَادَته بِعَيْنِه، وَهُوَ من مَقْدُور الله تَعَالَى، وكما يتَصَوَّر إِعَادَة عين الْفِعْل فَكَذَلِك

стр. 884

يتَصَوَّر إِعَادَة الْقُدْرَة عَلَيْهِ، فَلَا يبعد إِذا أَن يصدر من الْمُكَلف فعل مكتسب لَهُ، ويعدم فعله وَقدرته، ثمَّ يعيدهما الله تَعَالَى فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان. وَأنْكرت الْمُعْتَزلَة فِي اصول الديانَات إِعَادَة أَفعَال الْعباد، فعلى هَذَا القَوْل على قَضِيَّة اصلنا إِذا يتَصَوَّر فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان عود الْأَفْعَال فَلَا يبعد عود تَركهَا أَو تصور تَركهَا، فَخرج من ذَلِك أَنه يجوز أَن يُؤمر بِعَين الْفِعْل الْمَاضِي على إِعَادَته وَيجوز أَن يُؤمر بِعَين ترك الْفِعْل الْمَاضِي على تَقْدِير الْإِعَادَة. [١٢٤٣] وَقد ذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى مُوَافقَة الْمُعْتَزلَة اغْتِرَارًا مِنْهُم بتمويهاتهم ومصيرا مِنْهُم إِن الْفِعْل بعد مَا مضى وقته لَا يتَحَقَّق هُوَ وَلَا تَركه فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان. وَلَا نظن بهؤلاء مُوَافقَة الْمُعْتَزلَة فِي فَاسد أصلهم، فالطريق أَن نقرر لَهُم أَن الْمُعْتَزلَة بنت أَصْلهَا على منع الاعادة فِي مُعظم الْأَعْرَاض، وَيقدر لَهُم منع الْإِعَادَة، وَلم يصف الرب تَعَالَى بالإقتدار عَلَيْهَا، فيلزمهم من ذَلِك نفي الْإِعَادَة فِي جملَة أَجنَاس الْحَوَادِث [و] ذَلِك تسبب إِلَى منع ابْتِدَاء الْخلق فَإِن إِنْكَاره الْإِعَادَة يُفْضِي إِلَى إِنْكَار أصل الْأَحْدَاث فَإِذا قَررنَا للفقهاء من / أَصْحَابنَا هَذَا من اصحاب الْمُعْتَزلَة فيرغبون عَن موافقتهم [١٣٧ / ب] لَا محَالة. [١٢٤٤] فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن أُعِيد الْفِعْل فِي الثَّانِي مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَبِمَ يعرف المكتسب أَن مَا أعَاد عين فعله، وَكَيف يتَحَقَّق التَّكْلِيف بِهِ على التَّعْيِين والتخصيص؟

стр. 885

قُلْنَا يتَصَوَّر ذَلِك من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن يُعلمهُ الله ضَرُورَة أَنه عين فعله الْمُقْتَضى، وَقد عَاد. وَالثَّانِي أَن يُخبرهُ من تجب عصمته بَان مَا يُوجد مِنْهُ إِذا أقدم على امْتِثَال فَهُوَ عين فعله. (٢٢٧) القَوْل فِي جَوَاز نسخ الْفِعْل قبل دُخُول وقته وَذكر الْخلاف فِيهِ [١٢٤٥] اعْلَم: هَذَا الْبَاب مِمَّا ظهر فِيهِ اخْتِلَاف الْأُصُولِيِّينَ فَمَا صَار إِلَيْهِ الْمُعظم من الْمُحَقِّقين من أَصْحَابنَا تَجْوِيز النّسخ قبل دُخُول وَقت الْفِعْل وجوزوا ايضا ثُبُوت النّسخ قبل انْقِضَاء وَقت الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ.

стр. 886

وَالْأولَى بِنَا تَصْوِير مَضْمُون الْبَاب أَولا، ثمَّ نرتب ذكر الْمذَاهب عَلَيْهِ فلمضمون الْبَاب ثَلَاث صور، وَاحِد مِنْهَا مُتَّفق عَلَيْهِ وَاثْنَانِ مُخْتَلف فيهمَا. فَأَما الْمُتَّفق عَلَيْهَا فَهُوَ أَنه إِذا انْقَضى على الْمُكَلف وَقت إِمْكَان الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ وأقدم فِيهِ على الِامْتِثَال أَو لم يقدم عَلَيْهِ فَيجوز أَن ينْسَخ عَنهُ الْفِعْل فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان وَالْحَالة هَذِه، وَيكون ذَلِك النّسخ على التَّحْقِيق وَاقعا قبل الْفِعْل، فَإِن الَّذِي مضى لَا يقدر نسخه على تَقْدِير ارْتِفَاع التّرْك فِي الزَّمَان الْمَاضِي، فَكل نسخ إِذا قبل الْفِعْل أَو لَا يتَحَقَّق النّسخ فِي عين الْفِعْل الْمَاضِي مَعَ تَقْدِيره لإيقاع التّرْك فِي الزَّمَان الْمَاضِي وَإِنَّمَا يتَصَوَّر النّسخ فِي الْفِعْل الْمَاضِي على تَقْدِير الْإِعَادَة كَمَا قدمْنَاهُ. [١٢٤٦] فَأَما الصورتان اللَّتَان فيهمَا الِاخْتِلَاف فأحدهما أَن نقُول إِذا قَالَ الرب جلت قدرته إِذا زَالَت الشَّمْس فصلوا، ثمَّ يَقُول قبل زَوَال الشَّمْس: قد نسخت عَنْكُم مَا أوجبت عَلَيْكُم، ويتصل النّسخ بالمخاطبين قبل الزَّوَال أَيْضا، فَهَذَا مِمَّا يجوز على مَذْهَب أهل الْحق ومنعته الْمُعْتَزلَة

стр. 887

بأسرها وَكَذَلِكَ إِذا أوجب الله فعلا على الْعباد لَا يَسعهُ إِلَّا وَقت ممتد فانقضى وَقت الْفِعْل الَّذِي يسع الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا، فنسخ الله وجوب تِلْكَ الْعِبَادَة عَن عبَادَة قبل مُضِيّ وَقت الْفِعْل بعد تَكْلِيفه، فَهَذَا مِمَّا يجوز أَيْضا وأطبقت الْمُعْتَزلَة على إِنْكَاره، فَهَذَا وَجه تَصْوِير الْخلاف. [١٢٤٧] ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا فِي وَجه تَصْوِير النّسخ، وَذَلِكَ السُّؤَال يُوَجه عَلَيْهِم، فَقيل لَهُم إِذا أَمر الله تَعَالَى بِشَيْء، ثمَّ نهى عَنهُ قبل تحقق وَقت يُمكن إِيقَاع الْفِعْل فِيهِ فقد صَار عين الْمَأْمُور مَنْهِيّا من غير تغاير بَينهمَا، ويستحيل ان يكون الشَّيْء الْوَاحِد مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه وَاحِد. [١٢٤٨] وَاخْتلف من لم يعظم حَظه بالأصول، فَقَالَ بَعضهم قد وَقع النَّهْي على خلاف الْوَجْه الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْأَمر، وَإِنَّمَا المستبعد تعلق الْأَمر [١٣٨ / أ] وَالنَّهْي بالشَّيْء الْوَاحِد على الْوَجْه وأوضحوا / ذَلِك بِأَن قَالُوا إِذا أَمر الله سُبْحَانَهُ العَبْد بِفعل فَإِنَّمَا يُوَجه عَلَيْهِ التَّكْلِيف بِشَرْط بَقَاء الْأَمر عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ أوجبت عَلَيْك الْفِعْل بِشَرْط أَن يبْقى الْأَمر مُتَّصِلا بك وَبقيت مَأْمُورا، فَإِذا نَهَاهُ فقد زَالَ عَنهُ تعلق الْأَمر، وَتعلق النَّهْي بِهِ على وَجه يُوَافق شَرط تعلق الْأَمر، فَلَا يضاده، وَلَا تنَاقض فِي تَصْوِير تعلق الْأَمر وَالنَّهْي جَمِيعًا على هَذَا الْوَجْه وَرجع محصول هَذَا القَوْل أَنه فِي كَونه مَأْمُورا شَرط عَلَيْهِ دوَام [اتِّصَال] الْأَمر بِهِ. [١٢٤٩] وَقد أَشَارَ القَاضِي ﵁ إِلَى طريقتين: إِحْدَاهمَا إِن

стр. 888

قَالَ: لَا حَاجَة بِنَا إِلَى تَصْوِير هَذَا الشَّرْط وَلَكنَّا نفصح بِالْمَقْصُودِ فَنَقُول: تعلق الْأَمر على اقْتِضَاء الْإِيجَاب بالشَّيْء الْوَاحِد، ثمَّ ارْتَفع الْوُجُوب فِي عينه فَتعلق النَّهْي بِهِ من غير حَاجَة إِلَى فرض شَرط وَتَقْدِير مَشْرُوط، وَمن صَار إِلَى غير ذَلِك فقد ذهل عَن الْمَذْهَب وَجبن عَن حَقِيقَته، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن مَا ذكره الْقَائِل الأول غير مُسْتَقِيم فَإِنَّهُ قَالَ تعلق الْأَمر بِهِ مَشْرُوط بِبَقَاء اتِّصَال الْأَمر بِهِ، وَهَذَا لَا يتَحَقَّق لَهُ وَذَلِكَ إِنَّه لَا يتَصَوَّر كَونه مَأْمُورا إِلَّا باتصال الْأَمر بِهِ فَلَا معنى لقَوْل الْقَائِل إِنَّه إِنَّمَا يكون مَأْمُورا مَا دَامَ الْأَمر مُتَّصِلا بِهِ، وَلَا فَائِدَة فِي جعل ذَلِك شرطا، فَإِن كَونه مَأْمُورا عين اتِّصَال الْأَمر بِهِ، فَلَا فرق بَين أَن يَقُول الْقَائِل هُوَ فِي كَونه مَأْمُورا مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ مَأْمُورا وَبَين ان يَقُول هُوَ فِي كَونه مَأْمُورا مَشْرُوطًا باتصال الْأَمر بِهِ. فَهَذَا إِذا من قبيل شَرط الشَّيْء فِي نَفسه وَهُوَ محَال غير مَعْقُول. [١٢٥٠] وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه إِنَّمَا يجوز أَن يقدر الشَّيْء شرطا فِي الشرعيات إِذا تقدر وُقُوع الْمَشْرُوط دون الشَّرْط، وَذَلِكَ نَحْو الطَّهَارَة، فَلَمَّا شرطت فِي الصَّلَاة تصور تَقْدِير وُقُوع الصَّلَاة فِي صورتهَا من غير طَهَارَة وَلَا يتَصَوَّر كَونه مَأْمُورا من غير اتِّصَال الْأَمر بِهِ فَلَا وَجه لتقدير الِاتِّصَال شرطا. [١٢٥١] وَالَّذِي يُوضح ذَلِك إِنَّه لما لم يتَصَوَّر وُقُوع الِاكْتِسَاب من العَبْد إِلَّا ان يكون قَادِرًا لم يسع لَا جرم وَأَن يُقَال للْعَبد اكْتسب الْفِعْل بِشَرْط أَن تكون قَادِرًا أَو بِشَرْط أَن تكون مَوْجُودا أَو بِشَرْط أَن يُوجد فعلك فِي مَحل قدرتك، فَكل ذَلِك من لَغْو الْكَلَام، فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر وُقُوع الْكسْب إِلَّا على هَذَا الْوَجْه.

стр. 889

[١٢٥٢] ثمَّ قَالَ القَاضِي ﵁: وَإِن لم يكن من تَقْدِير شَرط بُد دَفعهَا للسؤال فَالْأولى أَن نقُول: كَانَ الرب تَعَالَى قَالَ: افْعَل الْفِعْل الْفُلَانِيّ تقربا مِنْك إِلَيّ مَا دَامَ الْأَمر مُتَّصِلا بك، فَإِذا نهيتك عَنهُ فَلَا تَفْعَلهُ تقربا إِلَيّ وَلَا تقربا إِلَى غَيْرِي، ليتبين للْعَبد أَنه [عِنْد] النَّهْي مَنْهِيّ عَن قصد التَّقَرُّب بِمَا أَمر بِهِ أَولا إِلَى الله، وَهُوَ مَنْهِيّ عَن اصل فعله أَيْضا من غير قصد التَّقَرُّب فَهَذَا وَجه تَفْصِيل الْمذَاهب. [١٢٦٥] وَالدَّلِيل على مَا صرنا إِلَيْهِ مَا قدمْنَاهُ فِي اصل النّسخ [من [١٣٨ / ب] نفي] طرق الاستحالة وتبيين ثُبُوت الجوازعند انْتِفَاء الأسئلة / على مَا سبق طرد الدّلَالَة. [١٢٦٤] فَإِن قَالُوا: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن فِي تَقْدِير النّسخ على الْوَجْه الَّذِي قلتموه أعظم الاستحالة وَذَلِكَ انه إِذا أَمر بامر ثمَّ نهى عَنهُ قبل تصور التَّمَكُّن من فعله وَقبل تصورعين فعله، وَهُوَ مفضي إِلَى عين البداء، فَكَأَنَّهُ أوجب شَيْئا فَبَدَا لَهُ فَرفع وُجُوبه تَعَالَى الله عَن كل نقص وَهَذَا مِمَّا يعظمون الظنة فِيهِ، وينسبونه لأَجله إِلَى تَجْوِيز البداء على الله. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه اقْتِصَار مِنْكُم على مُجَرّد الدَّعْوَى، وَقد أوضحنا اندفاع القَوْل بالبداء وَهَا نَحن نريده إيضاحا، فَنَقُول: البداء إِمَّا أَن يرجع إِلَى اسْتِدْرَاك علم، أَو إِلَى تبدل إِرَادَة، فَأَما تجدّد الْعلم فاستدراكه فَإِنَّمَا يلْزم إِن لَو كَانَ

стр. 890

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى غير عَالم بِمَا سينسخ مَا أوجبه فَأَما إِذا أوجب وَصفه بِكَوْنِهِ عَالما بِمَا سَيكون فَلَا يلْزم من قبيل الْعلم البداء وَلَا يلْزم أَيْضا من قبيل الْإِرَادَة، لما أوضحنا أَولا من عدم تعلق الشَّرَائِع بالإرادة، وَلما قَرَّرْنَاهُ فِي الديانَات من جَوَاز الْأَمر بِمَا لَيْسَ بِمُرَاد لله وَجَوَاز تعلق النَّهْي بِمَا هُوَ مُرَاد لله، فقد بَطل ادِّعَاء البداء من كل وَجه. [١٢٥٥] فَإِن قَالُوا: إِذا أوجب الله سُبْحَانَهُ شَيْئا مَعَ علمه بِأَنَّهُ سينهي عَن عين مَا أوجبه قبل إِمْكَان فعله، فَهَذَا مِمَّا لَا يتَصَوَّر فِي الْمَعْقُول، وَكَأَنَّهُ أوجب عين مَا علم إِنَّه لَا يجب. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه يبطل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنا نقُول: إِذا أوجب الله شَيْئا فقد ثَبت وُجُوبه فَإِذا رفع وُجُوبه بالنسخ فقد ارْتَفع وُجُوبه، وَثَبت أَنه أوجب وَاجِبا ثمَّ رفع وُجُوبه، وَهَذَا مَا لَا اسْتِحَالَة فِيهِ بِوَجْه، ثمَّ نقُول النّسخ حَيْثُ سننق وَعَلِيهِ هَكَذَا يَقع أَن يُحَقّق فَإِنَّهُ رفع للْحكم بعد ثُبُوته فيتقرر فِيمَا ذكرتموه. [١٢٥٦] فَإِن قَالُوا لَا يتَحَقَّق بالنسخ رفع ثَابت وَلَكِن يتَبَيَّن بِهِ انْقِطَاع مُدَّة الْوُجُوب فقد قدمنَا عَلَيْهِم فِي ذَلِك أوضح الرَّد وَبينا أَن هَذَا إِنْكَار مِنْهُم لأصل النّسخ وَفصل النّسخ عَن الْمَنْسُوخ وَقطع لأَحَدهمَا عَن الثَّانِي. [١٢٥٧] فان قَالُوا: لَو كَانَ فِي إِيجَابه مصلحَة فَلَا يجوز رفع الْمصلحَة

стр. 891

قبل [تقررها] قيل: هَذَا لِأَنَّهُ [خوض] مِنْكُم فِي فَاسد أصلكم وَنحن لَا نراعي فِي مَوَانِع الشَّرِيعَة الْمصَالح، على أَنا نقُول رُبمَا تكون الْمصلحَة فِي أَن يُوجب الله تَعَالَى الشَّيْء على الْمُكَلف ليعتقد وُجُوبه والعزم على امتثاله، ثمَّ يعلم أَن مصْلحَته بَان ينْسَخ عَنهُ الْفِعْل ويثاب على الْعَزْم فَإِنَّهُ لَو دَامَ عَلَيْهِ التَّكْلِيف لعصى وأثم واستوجب النَّار، فَبَطل كل مَا ادعوهُ من وُجُوه الإحالة. [١٢٥٨] وَمِمَّا يُقَوي التَّمَسُّك بِهِ قَوْله فِي قصَّة إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ وَابْنه الذَّبِيح لما امْرَهْ بذَبْحه ثمَّ نسخ عَنهُ قبل اتِّفَاق الذّبْح، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أسلما وتله للجبين، ونديناه أَن بإبراهيم، قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ فَهَذَا هُوَ النّسخ بِعَيْنِه قبل إِمْكَان الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ. [١٢٥٩] وَلَهُم على الْآيَة أسئلة مِنْهَا أَن قَالُوا: مَا أمره الله تَعَالَى: الذّبْح بِعَيْنِه وَمَا أَرَادَ مِنْهُ ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ اختباره وابتلاء سره وامتحان صدقه [١٣٩ / أ] . وَهَذَا بهت عَظِيم وَقرب من هدم الْأُصُول فِي / العقائد فَإنَّا نقُول:

стр. 892

ابتلاء السِّرّ وامتحانه لَا يتحق من الْعَالم بالسر وأخفى. ثمَّ هَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ مُخَالفَة مِنْهُم لموجب الْآيَة ايضا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي المر بِالذبْحِ وَقَول الذَّبِيح يَقْتَضِي الاستسلام لما قَالَ: ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين﴾ ون المستحيل أَن يعْتَقد الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ فِي الْأَمر غير مَا أُرِيد بِهِ، ثمَّ فداؤه بِالذبْحِ الْعَظِيم من أدل الدَّلِيل على أَنه كَانَ مَأْمُورا بِالذبْحِ. [١٢٦٠] فَإِن قَالُوا: كَانَ مَأْمُورا بالعزم على الذّبْح، واعتقاد وُجُوبه، وَلم يكن مَأْمُورا بِنَفس الذّبْح، قُلْنَا: من المستحيل أَن يُؤمر الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ بِالْجَهْلِ، واعتقاد الشَّيْء على غير مَا هُوَ بِهِ جهل، وَإِن كَانَ مَأْمُورا باعتقاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ، فَهُوَ علم مِنْهُ إِذا [بِوُجُوب] الذّبْح، ويستحيل الْعلم بِوُجُوبِهِ مَعَ أَنه فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى غير وَاجِب، ثمَّ كل مَا ذَكرْنَاهُ من الْقَرَائِن تبطل مَا قَالُوهُ من التَّأْوِيل. [١٢٦١] فَإِن قَالُوا: لم يكن قد اتَّصل بِهِ ﷺ أَمر على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا

стр. 893

كَانَ رُؤْيا ومناما مُجَردا. قُلْنَا: فَهَذَا الْآن إزراء على الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم وتنقيص لرتبهم فَإِن أهل التَّأْوِيل أَجمعُوا على أَنه ﷺ كَانَ يعْتَقد كَونه مَأْمُورا بِالذبْحِ، وَمن المستحيل فِي حَاله ﷺ أَن يعْتَقد كَونه مَأْمُورا فِي هَذِه الْحَالة الْعَظِيمَة وتل ابْنه للجبين على هَذَا الِاعْتِقَاد ويعتقد الابْن حَقِيقَة الْأَمر حَتَّى يَقُول: ﴿يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر ستجدني﴾ . وَمَعَ ذَلِك كُله كَانَا جَمِيعًا مخطئين فِي اعْتِقَاد كَونهمَا مأمورين وَقد استدركتهم من مُوجب الْقِصَّة مَا لم يفهمهُ الْخَلِيل ﵇، فَهَذَا هُوَ البهت الْعَظِيم، لَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكرتموه لَكَانَ الرب يبين فِي الْقُرْآن أَنه لم يكن مَأْمُورا فَلَمَّا أنزل على نبيه مَا دلّ نصا على كَون الذّبْح مَأْمُورا بِهِ ثمَّ لم يقرنه بِمَا بَين أَن الْأَمر بِخِلَاف مَا اعتقده الْخَلِيل ﵇ دلّ ذَلِك على بطلَان مَا قلتموه، ثمَّ الْفِدَاء بِالذبْحِ مَعَ قَوْله: ﴿إِن هَذَا لَهو البلؤا الْمُبين﴾ ، يُوضح مَا قلتموه. [١٢٦٢] فَإِن قَالُوا: كَانَ مَأْمُورا بِالذبْحِ وَلَكِن كَانَ مَمْنُوعًا عَنهُ وَكَانَ قد خلق الله بَين شفرة السكين وأوداج إِسْمَاعِيل صفحة من حَدِيد أَو نُحَاس.

стр. 894

قُلْنَا: هَذَا بَاطِل سِيمَا على أصلكم فَإِن من أعظم المحالات عنْدكُمْ تَكْلِيف مَا لَا يطيقه الْمُكَلف، وَمَا ذكرتموه تَصْرِيح بذلك، فَإِنَّكُم زعمتم أَنه كَانَ مَأْمُورا بِالذبْحِ مَمْنُوعًا عَنهُ، وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَمر الْمُقَيد المكبل بِالْمَشْيِ والترداد مَعَ الْمَانِع الَّذِي بِهِ. [١٢٦٣] فَإِن قَالُوا كَانَ ﷺ مَأْمُورا بإضجاعه وَشد يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ رِبَاطًا وتله للجبين وَلم يكن مَأْمُورا بِنَفس الذّبْح بل كَانَ مَأْمُورا بمقدماته. قُلْنَا: هَذَا خلاف قَوْله: ﴿إِلَى أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ فَإِن مَا ذكرتموه م مُقَدمَات الذّبْح لَا يُسمى ذبحا، على أَن الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ مُعْتَقدًا وجوب الذّبْح وَكَذَا ابْنه، وَإِلَّا فَلَو علمنَا أَن الْمَأْمُور بِهِ مَا ذكرتموه كَانَ لأمر سهل المرام، وَكَانَ الصُّورَة الَّتِي ذكرتموها من / قبيل الْعَبَث واللعب وَمَا عظم الِابْتِلَاء فِيهِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِن [١٣٩ / ب] هَذَا لَهو البلؤا الْمُبين﴾ ثمَّ افتداؤه بِالذبْحِ يبطل مَا قلتموه بطلانا صَرِيحًا فَإِنَّهُ لَو كَانَ أقدم على مَا أَمر بِهِ لم يكن فِي افتدائه معنى، وَقد يعم الْمَأْمُور بِهِ، فَتبين أَن مَا قَالُوهُ تعسف واجتراء على إبِْطَال ظَاهر الْآيَة. [١٢٦٤] فَإِن قَالُوا فِي الْآيَة مَا يدل على ذَلِك فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (صدقت

стр. 895

الرُّؤْيَا﴾ ، فَدلَّ أَنه امتثل مَا أَمر بِهِ. قُلْنَا: التَّصْدِيق من افعال الْقُلُوب وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ االأفعال الظَّاهِرَة فَمَعْنَى قَوْله: ﴿قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ ، أَي: قد آمَنت بِوُجُوبِهَا فِيمَا يعظم خطره فَهَذِهِ حَقِيقَة التَّصْدِيق لَا مَا يخيل إِلَيْكُم. [١٢٦٥] فَإِن قَالُوا: كَانَ الْخَلِيل يمر السكين وَهِي تفرى وتقطع وَلَا تقطع جُزْء إِلَّا ويلتحم مَا يَلِيهِ فَمَا فرغ تَمام الذّبْح حَتَّى تمّ الالتحام. قيل لَهُم: هَذَا جهل مِنْكُم عَظِيم فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكرتموه لَكَانَ ذَلِك من أعظم الْآيَات وأوضح الْبَينَات، وَكَانَ أول مَا ينْقل فِي حجج إِبْرَاهِيم وآياته كَمَا نقلهم سَائِر آيَاته فَلَمَّا لم ينْقل بَطل مَا قلتموه على أَن الْآيَة نَص فِي إِنَّه لما تله للجبين وهم بذَبْحه نسخ عَنهُ الْأَمر فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وتله للجبين﴾ . ثمَّ قَالَ: ﴿وندين﴾ ، ثمَّ نقُول لَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكرتموه لما

стр. 896

استقام الافتداء بِالذبْحِ مَعَ تَحْقِيق الذّبْح، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه، وَصحت الْآيَة عَلَيْهِم نصا. (٢٢٨) القَوْل فِي حكم الزِّيَادَة على النَّص، وَذكر الْخلاف فِيهِ ل [١٢٦٦] اعْلَم - وفقك الله - أَن ارباب الْأُصُول نقلوا عَن أهل الْعرَاق مُطلقًا أَن الزِّيَادَة على النَّص نسخ، وَلم يفضلوا القَوْل فِي ذَلِك حق التَّفْصِيل، وَهَا نَحن نذْكر تَفْصِيل الْمذَاهب، ونوضح الصَّحِيح من الْمذَاهب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. اعْلَم أَن الزِّيَادَة إِذا لم يكن لَهَا تعلق بِالنَّصِّ السَّابِق بِوَجْه فَلَا يكون نسخا إِجْمَاعًا وَذَلِكَ نَحْو أَن يثبت فِي الشَّرِيعَة إِيجَاب الصَّلَاة ثمَّ يثبت بعد

стр. 897

ذَلِك وجوب الصَّوْم فلاخلاف أَن ثَبت الصَّوْم لَا يتَضَمَّن نسخا لحكم الصَّلَاة، فَإِن هَذِه زِيَادَة فِي الشَّرِيعَة وَلَا تعلق لَهَا بِالصَّلَاةِ، وَلَا يعد زِيَادَة فِي الصَّلَاة وَحكمهَا، فَبَطل بذلك إِطْلَاق الْحِكَايَة فِي أَن الزِّيَادَة على النَّص نسخ، فَأَما إِذا كَانَت الزِّيَادَة مُتَعَلقَة فيتضمن تثبيت زِيَادَة فِي الحكم الْمَنْصُوص على وَجه التَّعَلُّق بِهِ والاختصاص فقد أطلق أَصْحَاب أبي حنيفَة القَوْل فِي امثال هَذِه الصُّورَتَيْنِ أَن الزِّيَادَة على النَّص نسخ حَتَّى قَالُوا: إِثْبَات التَّغْرِيب سنة فِي حد الزِّنَا زِيَادَة فِي حكم الْحَد الثَّابِت فِي قَوْله: ﴿فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ .

стр. 898

ثمَّ أطلق أَصْحَابنَا القَوْل بِأَن الزِّيَادَة على النَّص لَا تكون نسخا اصلا من غير تَفْصِيل.

стр. 899

[١٢٦٧] قَالَ القَاضِي ﵁ وَالصَّحِيح فِي ذَلِك أَن نقُول إِن تَضَمَّنت الزِّيَادَة رفع حكم فِي الْمَزِيد عَلَيْهِ فَهُوَ نسخ لما تَضَمَّنت رَفعه، وَإِن لم تَتَضَمَّن رفع حكم فِي الْمَزِيد عَلَيْهِ لَا يعد نسخا وتبيين ذَلِك بالمثال أَنه

стр. 900

لما ثَبت أَن الصَّلَاة فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام كَانَت رَكْعَتَيْنِ / رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ الظّهْر [١٤٠ / أ] تُقَام رَكْعَتَيْنِ ثمَّ زيد عَلَيْهِمَا أخريان فَصَارَت أَرْبعا فَهَذَا يتَضَمَّن نسخا وَذَلِكَ أَنه تضمن رفعا للْحكم وَذَلِكَ أَن مَا ثَبت فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام اقْتضى صِحَة الرَّكْعَتَيْنِ المفردتين وكونهما عبَادَة تَامَّة ثمَّ اقْتَضَت الزِّيَادَة رفع ذَلِك الحكم وَهُوَ جَوَاز الِاقْتِصَار على رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ ذَلِك ر رفعا لهَذَا، وَقد أنكر مُعظم الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَغَيرهم كَون ذَلِك نسخا. [١٢٦٨] وَالدَّلِيل على النّسخ أَن حَقِيقَة النّسخ رفع الحكم الثَّابِت على الْحَد الَّذِي شرطناه فِي حَقِيقَة النّسخ، وَهَذَا معنى مُتَحَقق فِي الصُّورَة الَّتِي استشهدنا بهَا فَإِنَّهُ ثَبت بِمَا سبق جَوَاز الِاقْتِصَار على رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ ذَلِك رفعا لهَذَا الحكم وصحتها عِنْد الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا، ثمَّ ثَبت أَنه لَو اقْتصر الْمُكَلف عَلَيْهِمَا كَانَ بَاطِلا وَلم تكن عبَادَة، فقد تضمن ذَلِك صَرِيحًا رفع حكم ثَابت، وَلَو لم يكن ذَلِك نسخا لما تصور النّسخ أصلا.

стр. 901

[١٢٦٩] وَاعْلَم أَن الْمَقْصُود من هَذِه المسالة لَا يتهذب إِلَّا بالْكلَام فِي أَمْثِلَة [مِنْهَا] مَا ذَكرْنَاهُ فِي الصَّلَاة وأوضحنا فِيهِ وَجه الصَّوَاب. [١٢٧٠] فَإِن قَالَ قَائِل لَو كَانَت الزِّيَادَة على الرَّكْعَتَيْنِ نسخا لَكَانَ لَا يَأْتِي الْمُكَلف بهما وَمَعْلُوم أَنه يَأْتِي بالركعتين وَيضم إِلَيْهِمَا آخريين فَبَطل ادِّعَاء النّسخ. [قُلْنَا] : نَحن لم نَدع النّسخ فِي صُورَة الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَكنَّا قُلْنَا: إِنَّمَا نسخ جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا وَالْحكم بصحتهما لَو انْفَرد فَإِنَّهُ لَا يجوز إِلَّا أَن الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا وإفرادهما من غير عذر، وَهَذَا بَين لَا كَلَام عَلَيْهِ. [١٢٧١] فَإِن قيل: فَيجب على طرد مَا قلتموه أَن تكون الزِّيَادَة فِي الطَّهَارَة بِإِثْبَات التَّرْتِيب وَالنِّيَّة نسخا لمضمون قَوْله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ﴾ الْآيَة، فَإِن ذَلِك زِيَادَة على الْمَنْصُوص عَلَيْهِ. قُلْنَا: هَذَا غير مُسْتَقِيم من أوجه: مِنْهَا أَن من الْعلمَاء من استنبط النِّيَّة وَالتَّرْتِيب من نفس الْآيَة وَيطول ذكره. ثمَّ نقو لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يدل على صِحَة الطَّهَارَة دون النِّيَّة وَالتَّرْتِيب بل فيهمَا الْأَمر بِالْغسْلِ فِي المغسول وَالْمسح فِي الْمَمْسُوح وَلم يثبت أَن الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا مِمَّا يَقع الِاكْتِفَاء بِهِ وَلَكِن تَضَمَّنت الْآيَة إِثْبَات مَا أنبأت عَنهُ، وأنبأت سَائِر الْأَدِلَّة عَن إِثْبَات غَيرهَا، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن ستر الْعَوْرَة وَمَا عداهُ من شَرَائِط الصَّلَاة لَيْسَ بمنصوص عَلَيْهِ فِي الْآيَة وَإِن لم يكن مِنْهَا بُد فِي صِحَة الصَّلَاة، على أَنا

стр. 902

نقُول إِنَّمَا يسْتَمر مَا ادعيتم لَو ثَبت جَوَاز الِاقْتِصَار على الْغسْل وَالْمسح، وتمهد الحكم فِيهِ، وَلَا يُغير نِيَّة وَلَا تَرْتِيب ثمَّ، وَثَبت وجوب التَّرْتِيب وَالنِّيَّة بعد ذَلِك، فَكَانَ يقدر نسخا، فَإِنَّهُ ثبتَتْ صِحَة الطَّهَارَة دون النِّيَّة، ثمَّ ارْتَفَعت صِحَّتهَا دونهَا فَأَما والخصم يَقُول مَا ثَبت جَوَاز الِاقْتِصَار على مَا ذكرتموه اصلا، وَمَا ثبتَتْ الطَّهَارَة فِي ابْتِدَاء ثوبتها إِلَّا وَالنِّيَّة مَشْرُوطَة فِيهَا، فَكيف يَسْتَقِيم مَعَ ذَلِك تَجْوِيز النّسخ. [١٢٧٢] فَإِن قَالُوا فِيمَا تمثلتم بِهِ أَولا من الصَّلَاة وَالزِّيَادَة فِي ركعتيها تحل هَذَا الْمحل. قُلْنَا: قد ثَبت أَنَّهَا رَكْعَتَانِ أَولا حَتَّى لَو أنكر مُنكر ذَلِك وَقَالَ لم تكن رَكْعَتَيْنِ أَولا فَلَا يَسْتَقِيم مَعَ هَذَا / الْإِنْكَار ادِّعَاء النّسخ. فَلَو [١٤٠ / ب] ناقشنا مناقش وَزعم أَنه لم يثبت الِاقْتِصَار على رَكْعَتَيْنِ قطّ كَمَا نازعناكم، وَقُلْنَا: لم يثبت الِاقْتِصَار على الْغسْل وَالْمسح، لما تصور ادِّعَاء النّسخ، ثمَّ نقُول هَذَا الَّذِي ذكرتموه وألحقتموه بِالزِّيَادَةِ على النَّص هُوَ نُقْصَان من النَّص لَو تأملتموه. وَوجه التَّحْقِيق فِيهِ أَن ظَاهر الْآيَة يدل على صِحَة الطَّهَارَة مَعَ النِّيَّة وَالْقَصْد، وَمن غير نِيَّة وَقصد، فَمن قَالَ: لَا تصح إِلَّا عِنْد الْقَصْد فقد خصص صِحَّتهَا بِحَالَة، فَهَذَا إِذا نُقْصَان لَا شكّ فِيهِ، فَيجب أَن يكون تَخْصِيصًا على مُقْتَضى أصُول الْخصم.

стр. 903

[١٢٧٣] فَإِن قَالُوا فَمَا قَوْلكُم فِيمَا ظَاهره النُّقْصَان هَل تجعلونه نسخا؟ قُلْنَا: إِن ثَبت قطعا عُمُوم الحكم أَولا ثمَّ ثَبت الِاخْتِصَاص مُتَأَخِّرًا عَنهُ فَهُوَ نسخ لَا شكّ فِيهِ فَإِنَّهُ تضمن رفع الحكم فِي مَا ثَبت الْعُمُوم فِيهِ وَإِن لم يثبت الْعُمُوم قطعا وَكَانَ الْخطاب على الِاحْتِمَال وَتبين أَن المُرَاد بهَا خُصُوص فَلَا يكون نسخا حِينَئِذٍ، فالغير إِذا يرفع الحكم بعد ثُبُوته على قطع سَوَاء تحقق ذَلِك فِي زِيَادَة أَو نُقْصَان. ٣ [١٢٧٤] فَإِن قَالُوا يجب ان يكون الشَّاهِد وَالْيَمِين إِذا قدر ثُبُوته نسخا لقَوْله تَعَالَى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ وَذَلِكَ أَن هَذِه الْآيَة تَضَمَّنت منع الحكم عِنْد عدم الشَّاهِدين. وَالشَّاهِد والمرأتين.

стр. 904

قُلْنَا: لَا نسخ فِي ذَلِك، فَإِن الْآيَة تَتَضَمَّن إِثْبَات الحكم بِالشَّاهِدِ والمرأتين وَلَا تَتَضَمَّن نفي الشَّاهِد وَالْيَمِين، وَلَيْسَ فِي إِثْبَات الشَّاهِد وَالْيَمِين إِخْرَاج الشَّاهِدين عَن حكم الشَّهَادَة وَمَا ادعوهُ من أَن الْآيَة تَضَمَّنت منع الحكم عِنْد عدم الشَّاهِدين فَلَيْسَ كَمَا قَالُوا بل تَضَمَّنت ثُبُوت الحكم عِنْد عدم الشَّاهِدين وَمن يخالفنا فِي المسالة يوافقنا فِي منع القَوْل بِدَلِيل الْخطاب، وَلَا يَسْتَقِيم ادِّعَاء مَا عدا الشَّاهِدين إِلَّا من قبيل الْمَفْهُوم وَدَلِيل الْخطاب، وَهَذَا وَاضح بطلَان مَا ذَكرُوهُ، ثمَّ نقُول إِنَّمَا يَسْتَقِيم مَا قلتموه لَو ثَبت أَولا حكم الشَّاهِدين وَمنع مَا عداهما، ثمَّ تَأَخّر عَنْهَا ثُبُوت الشَّاهِد وَالْيَمِين، فَأَما والخصم يَقُول: لَا نسلم تَأْخِير الشَّاهِد وَالْيَمِين بل لَعَلَّه ثَبت مَعَ ثُبُوت الشَّاهِدين فَأنى يَسْتَقِيم مَعَ ذَلِك النّسخ. [١٢٨٥] وَمِمَّا يَدعِي النّسخ فِيهِ قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَة الظِّهَار: (فَتَحْرِير رَقَبَة ٩، قَالُوا: فاقتضت الْآيَة إِجْزَاء الرَّقَبَة الْمُطلقَة فَمن صَار إِلَى اشْتِرَاط الْإِيمَان فقد زَاد على مُطلق الرَّقَبَة، وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ فَيُقَال لَهُم هَذَا

стр. 905

الَّذِي ذكرتموه من قبيل النُّقْصَان فَإِن الْآيَة على زعمكم اقْتَضَت اجزاء كل رَقَبَة عُمُوما، مُؤمنَة كَانَت أَو كَافِرَة، فَإِذا قيل: لَا تجزي إِلَّا المؤمنة، فَهَذَا تنقيص لمقْتَضى الْخطاب. [١٢٧٦] فَإِن قيل: فَهَل تَقولُونَ إِن ذَلِك نسخ؟ قُلْنَا: لَو ثَبت قطعا أَولا أَن كل رَقَبَة تُجزئ، ثمَّ ثَبت بعد ذَلِك انه لَا تُجزئ إِلَّا رَقَبَة مُؤمنَة، كَانَ ذَلِك نسخا الا شكّ فِيهِ، فَأَما إِذا كَانَت الْآيَة [١٤١ / أ] مُحْتَملَة مترددة، وَلم / يثبت عُمُوم قطعان فَلَا يكون ذَلِك من قبيل النّسخ، ثمَّ نقُول إِنَّمَا يَسْتَقِيم ادِّعَاء النّسخ لَو سلم لكم خصمكم أَن ثُبُوت الْإِيمَان مُتَأَخّر عَن وجوب الْآيَة، فَأَما وَهُوَ يَقُول مَا ثبتَتْ الرَّقَبَة أصلا إِلَّا وَالْإِيمَان مَشْرُوط فِيهَا، فَلَا يتَحَقَّق مَعَ ذَلِك نسخ. وَمن هَذَا الْقَبِيل ادعاؤهم كَون التَّغْرِيب نسخا فِي حد الزِّنَا فَإِن التَّغْرِيب لَا يتَضَمَّن نفي الْجلد. [١٢٧٧] فَإِن قيل: فقد ثَبت جَوَاز الِاقْتِصَار على مائَة جلدَة، وتقرر أَنه الْحَد الْكَامِل فَإِذا زيد التَّغْرِيب كَانَ ذَلِك رفعا للْحكم السَّابِق الثَّابِت. قُلْنَا: لَيْسَ فِي الْآيَة إِلَّا إِثْبَات الْجلد فَأَما الْمصير إِلَى جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَيْهِ فَهُوَ دَعْوَى لَا يسوغ إِثْبَاتهَا إِلَّا بَان تدعوا أتخنصيص الْجلد بِالذكر يدل على نفي مَا عداهُ، وَهَذَا من قبيل مَفْهُوم الْخطاب وَقد اتفقنا على ترك القَوْل بِهِ.

стр. 906

[١٢٧٨] فَإِن قَالُوا: افرأيتم لَو ثَبت نفي وجوب مَا عدا الْجلد ثمَّ ثَبت التَّغْرِيب. قُلْنَا: لَو كَانَ كَمَا قلتموه لَكَانَ ثُبُوت التَّغْرِيب نسخا لنفي وجوب مَا زَاد على الْجلد، لَو تقرر انْتِفَاء مَا سواهُ على مَا ادعيتموه. [١٢٧٩] فَخرج لَك من كلامنا فِي هَذِه الْأَمْثِلَة أَنه مهما تصور فِي زِيَادَة أَو نُقْصَان يُوصل إِلَى رفع حكم ثَابت تحقق ثُبُوته فَهُوَ مَنْسُوخ، وَإِن لم يتَحَقَّق رفع حكم فَلَيْسَ بنسخ وَلَا وَجه فِي ادِّعَاء النّسخ مَعَ احْتِمَال غَيره. وَقد أدرجنا فِي خلل الْكَلَام شبه الْقَوْم والتفصي عها وَلَا فَائِدَة فِي إِعَادَتهَا. [١٢٨٠] فَإِن قَالُوا: الزِّيَادَة على النَّص لَا تثبت بأخبار الاحاد وَالْقِيَاس [فتتضمن] نسخا وَلَو أَنَّهَا [لَا] تَتَضَمَّن نسخا لجَاز إِثْبَاتهَا بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس. \ قُلْنَا إِن كَانَ مَا قلتموه فِي صُورَة نوافقكم فِيهِ على تضمن الزِّيَادَة للنسخ فَالْأَمْر على مَا قلتموه، وَإِن كَانَ فِي صُورَة نوافقكم فِيهَا على ثُبُوت النّسخ، فَيجوز ثُبُوت الزِّيَادَة بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس، فبكم حَاجَة إِلَى أَن تثبتوا الزِّيَادَة نسخا، ثمَّ ترتبوا على ذَلِك مَا قلتموه من أَنه إِذا ثَبت كَونهَا نسخا فَلَا تثبت

стр. 907

بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس. ثمَّ نقُول إِذا قُلْتُمْ إِنَّمَا نَعْرِف امْتنَاع كَونه نسخا بامتناع ثُبُوته بِخَبَر الْوَاحِد، وَإِنَّمَا عرفنَا امْتنَاع ثُبُوته بِخَبَر الْوَاحِد لَكَانَ نسخا لِلْقُرْآنِ فقد علقتم كل وَاحِد مِنْهُمَا. وَهَذَا وَاضح عِنْد التَّأَمُّل. [١٢٨١] ثمَّ قد نَاقض أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي مسَائِل جمة، واثبتوا فِيهَا الزِّيَادَة على النَّص بطرِيق لَا يثبت النّسخ، وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خَمْسَة وَلِلرَّسُولِ لذِي الْقُرْبَى. .﴾ فَأطلق ذَا الْقُرْبَى. وَشرط أَبُو حنيفَة الْحَاجة فِي ذِي الْقُرْبَى فَكَانَ ذَلِك على قَوْلهم زِيَادَة على النَّص، كَمَا أَن اشْتِرَاط الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة زِيَادَة على قَوْله: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ وَلَو تتبعت ذَلِك لوجدت مِنْهُ الْكثير.

стр. 908

(٢٢٩) بَاب ذكر مَا يَقع بِهِ النّسخ وَالْقَوْل فِي مواقع الْوِفَاق / وَالْخلاف ٣ - ب ١٢٨٢] اعْلَم، وفقك الله، إِن الْقَائِلين بالنسخ أَجمعُوا على جَوَاز نسخ الحكم الثَّابِت بِالْقُرْآنِ بِآيَة من الْقُرْآن، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَعَ الْإِجْمَاع مَا قدمْنَاهُ فِي إِثْبَات أصل النّسخ، وكل دلَالَة دلّت على إِثْبَات أصل النّسخ [تدل] فِي هَذِه الصُّورَة. ثمَّ اعْلَم أَنا لَا نخصص ذَلِك بِلَفْظ دون لفظ فَإِذا ثَبت حكم من الْأَحْكَام مُصَرحًا بِهِ فِي الْكتاب جَازَ نسخه وَإِذا ثَبت حكم من الْأَحْكَام بفحوى

стр. 909

الْخطاب فَيجوز نسخه مَعَ الأَصْل الَّذِي يَقْتَضِيهِ وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن كل حكم يُسْتَفَاد ثُبُوته بِالْقُرْآنِ نصا أَو فحوى أَو بِدَلِيل الْخطاب على مَذْهَب من يَقُول بِهِ فَيجوز نسخه بعد تَقْدِير ثُبُوته. [١٢٨٣] وَمِمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ نسخ السّنة بِالسنةِ مَعَ تساويهما فِي اقْتِضَاء الْعلم أَو الْخُرُوج عَن ذَلِك حَتَّى لَو ثَبت الحكم بِسنة متواترة تثبت قطعا فَيجوز نسخهَا بِالسنةِ المستفيضة مثلهَا، وَالدَّلِيل على ذَلِك كالدليل على نسخ الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ. [١٢٨٤] وَمِمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ نسخ خبر الْوَاحِد بِمثلِهِ فَهَذِهِ صور الْوِفَاق. (٢٣٠) مَسْأَلَة [١٢٨٥] اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز ذَلِك عقلا وسمعا إِلَيْهِ صَار مُعظم الْمُتَكَلِّمين وَابْن سُرَيج من اصحاب الشَّافِعِي ﵁ ثمَّ

стр. 910

اخْتلف هَؤُلَاءِ فِي أَنه هَل ورد فِي مواقع الشَّرِيعَة نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ؟ فَالْأَصَحّ القَوْل بورود ذَلِك، وَذهب ابْن سُرَيج إِلَى أَن ذَلِك جَائِز وَلَكِن لم يرد بِهِ الشَّرْع وَلَيْسَ فِي الشَّرْع مَنعه مِنْهُ. وَذهب كثير من الْفُقَهَاء مِنْهُم الشَّافِعِي وَغَيره أَنه لَا يجوز نسخ الْقُرْآن، بِالسنةِ ثمَّ اخْتلفُوا بِالسنةِ هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قَالَ إِنَّمَا امْتنع نسخ الْقرَان بِالسنةِ عقلا وَمِنْه من قَالَ يجوز ذَلِك عقلا وَإِنَّمَا امْتنع بأدلة السّمع، قَالَ القَاضِي ﵁ وَهَذَا هُوَ الظَّن بالشافعي مَعَ علو رتبته فِي هَذَا الْفَنّ.

стр. 911

[١٢٨٦] وَالدَّلِيل على جَوَاز نسخ الْقرَان [بِالسنةِ] كل مَا قدمْنَاهُ فِي الدَّلِيل فِي اصل النّسخ فَإِنَّهُ يدل على تَجْوِيز النّسخ فِي الْمُخْتَلف فِيهِ وَالَّذِي يجب التعويل عَلَيْهِ أَن نقُول قد ثَبت عندنَا قطعا أَن رَسُول الله ﷺ لَا يحكم بِحكم من تِلْقَاء نَفسه فِيهِ بِرَأْيهِ، وَإِنَّمَا يَقُول مَا يَقُول عَنهُ ربه وَحيا وإلهاما، وَمن جوز الِاجْتِهَاد على الرُّسُل فَإِنَّمَا يؤديهم اجتهادهم إِلَى الْعلم بِأَمْر الله بِلَا استرابة، بِخِلَاف اجتهادنا فِي المجتهدات، فَخرج من ذَلِك أَن الرَّسُول ﷺ مبلغ عَن ربه، وَأَن الْأَمر على الْحَقِيقَة لله سُبْحَانَهُ، فَإِذا ثَبت حكم بِآيَة تتلى من كتاب الله تَعَالَى، ثمَّ أخبر رَسُول الله ﷺ بارتفاع ذَلِك الحكم، فَإِنَّمَا يخبر عَن الله، كَمَا أَن الْعبارَات عَن الْقُرْآن تنبيىء عَن كَلَام الله تَعَالَى فيؤول محصول الْكَلَام إِلَى أَن ذَلِك نسخ حكم ثَبت بِكَلَام الله غير ان توصلنا إِلَى معرفَة كَلَام الله تَعَالَى فِي أحد الْحكمَيْنِ متلو بِهِ وتوصلنا إِلَيْهِ فِي النَّاسِخ بِلَفْظ رَسُول الله ﷺ ، فَهَذِهِ دلَالَة قَاطِعَة. [١٢٨٧] شُبْهَة المانعين بنسخ الْقرَان / بِالسنةِ عقلا. مِمَّا استروحوا إِلَيْهِ أَن قَالُوا لَو نسخ الرَّسُول ﷺ حكما ثَابتا بالقران أفْضى ذَلِك إِلَى أَن ينْسب إِلَى الافتراء وتبديل كَلَام الله تَعَالَى، وَهَذَا يفضى إِلَى مَا يجب تَنْزِيه الرُّسُل عَنهُ.

стр. 912

وَهَذَا كَلَام رَكِيك جدا وَذَلِكَ أَن من قَامَت عِنْده الدّلَالَة من معْجزَة الرَّسُول ﷺ على وجوب عصمته عَن الْخلف فِيمَا يبلغهُ فَلَا يتَحَقَّق من هَذَا المعتقد نسبته إِلَى الْخلف والافتراء، وَمن كَانَ مشككا فِي صدقه فينسبه إِلَى الافتراء فِي نفس مَا يَنْقُلهُ من كَلَام الله تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْت مفتر﴾ [١٢٨٨] فَإِن قَالُوا: الاسترابة بِهِ فِي نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ اكثر. قُلْنَا: هَذَا لَا محصول لَهُ وَلَا معنى للتمسك بالتزايد فِي الريب بعد تحقق اصله، ثمَّ نقُول: لَا يجب عندنَا فِي قَضِيَّة التَّكْلِيف أَن يتوقى رَسُول الله ﷺ الْأَسْبَاب الَّتِي تورث الريب للزائغين فِي مجاري الْعَادة. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك انه ﷺ خصص الْإِمَامَة ثمَّ هله حَتَّى أفْضى ذَلِك أعظم ريب فِي قُلُوب أهل الزيغ، وَتَوَلَّى قبض الصَّدقَات وَولى فِي ذَلِك السعاة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده. [١٢٨٩] وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَيْضا أَن قَالُوا: لَو جَوَّزنَا نسخ الْقرَان بِالسنةِ لَكَانَ ذَلِك رفعا من رَسُول الله ﷺ لمعجزته ومحال أَن ينتسب الرَّسُول ﷺ إِلَى رفع مَا يدل على صدقه. وَهَذَا بَاطِل من أوجه: أظهرها مَا قدمْنَاهُ من أَنا إِذا

стр. 913

بحثنا عَن هَذِه المسالة فنعلم أَن النّسخ إِنَّمَا وَقع بِكَلَام الله تَعَالَى، وَرَسُول الله ﷺ مبلغ، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك سقط مَا قَالُوهُ وَتبين أَن كَلَام الله تَعَالَى نسخ كَلَامه، ثمَّ نقُول إِنَّمَا الإعجاز فِي نظم الْقُرْآن لَا فِي الحكم الثَّابِت فجوزوا أَن ينْسَخ الرَّسُول ﷺ حكم الْآيَة مَعَ بَقَاء تلاوتها. [١٢٩٠] فَإِن قَالُوا فَلَا أحد يفصل بَين نسخ حكم الْقُرْآن وَبَين نسخ تِلَاوَته، فَمن جوز النّسخ بِالسنةِ جوز ذَلِك فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قيل لَهُم: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، فَإِن من النَّاس من يفصل بَينهمَا، وَقَالَ يجوز نسخ حكم الْقُرْآن بِالسنةِ، وَلَا يجوز تِلَاوَة الْقُرْآن بِالسنةِ وَهَذَا لَيْسَ بمرضي عندنَا فَإِن تِلَاوَة الْقُرْآن من الْأَحْكَام أَيْضا كَمَا قدمْنَاهُ فعلى هَذَا نقُول: قصدنا بتفصل القَوْل عَلَيْكُم ليتبين بطلَان استدلالكم صَرِيحًا فِي صُورَة من صور الْخلاف. وعَلى أَنا نقُول: الْآيَة الْوَاحِدَة إِذا قصرت فَلَا يَقع بهَا الإعجاز، فجوزوا نسخهَا بِالسنةِ مَا لم يبلغ الْمَنْسُوخ حدا يَقع بِهِ الإعجاز، وَلَا قَائِل بذلك مِنْكُم، على أَنا نقُول إِذا دلّ الْقُرْآن على صدق الرَّسُول ﷺ فَلَو قدر بعد اسْتِمْرَار الْأَدِلَّة ارْتِفَاع الْقُلُوب والألسن فَلَا يقْدَح ذَلِك فِي النُّبُوَّة بعد مَا ثبتَتْ، وَهَذَا كَمَا أَنا نقطع الْآن بِصدق مُوسَى وَعِيسَى وَغَيرهمَا من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم للمعجزات الَّتِي أظهرها الله على أَيْديهم، وَإِن كُنَّا نعلم أَن شَيْئا مِنْهَا غير مُتَحَقق مِنْهَا وجود الان. [١٢٩١] وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَيْضا أَن قَالُوا: لَيْسَ من الْأَصْلَح تَجْوِيز نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ، وَلَا يرد فِي الشَّرِيعَة إِلَّا مَا هُوَ / الْأَصْلَح. قُلْنَا: هَذَا بِنَاء مِنْكُم على أصل فَاسد لَا تساعدون عَلَيْهِ، فَإنَّا لانراعي

стр. 914

فِي اصل الشَّرِيعَة الصّلاح والأصلح، غير أَنا لَا نسلم مَا قلتموه، وَإِن سلمنَا لكم جدلا برعاية الصّلاح، وأنى لكم إِثْبَات ذَلِك. فَهَذَا كَلَام من أحَال النّسخ عقلا. [١٢٩٢] فَأَما من أحَال النّسخ سمعا فقد اسْتدلَّ بآي من كتاب الله تَعَالَى، مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا أئت بقرءان غيرهذا أَو بدله قل مَا يكون لي ي أَن أبدله من تلقائ نَفسِي إِن اتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ . قَالُوا: وَهَذَا نَص فِي إِنَّه ﷺ لَا ينْسَخ الْقُرْآن، فَإِن النّسخ من أعظم وُجُوه التَّنْزِيل. قيل لَهُم: هَذِه الْآيَة بِأَن تكون دَلِيلا عَلَيْكُم أولى فَإِنَّهُ ﷺ بَين أَنه لَا ينْسَخ الْقرَان من تِلْقَاء نَفسه، وَإِنَّمَا مُتبع الْوَحْي، فَدلَّ ذَلِك على غير مَا تعتقده نفيا وإثباتا، فَإنَّا نقُول لَا يَقُول ﷺ فِي إِثْبَات الشَّرَائِع شَيْئا من تِلْقَاء نَفسه، وَإِنَّمَا يَقُول مَا يَقُول عَن الله مبلغا مَا ثَبت من أوَامِر لَدَيْهِ وَحيا، فَبَطل استراواحهم إِلَى هَذِه الْآيَة. [١٢٩٣] وَمِمَّا يستدلوا بِهِ قَوْله تَعَالَى: (مَا ننسخ من ءآية أَو ننسها

стр. 915

نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ . قَالُوا: ويقوى الدَّلِيل عَلَيْكُم من هَذِه الْآيَة إِذا قُلْتُمْ إِن النّسخ وَإِن صدر عَن الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ على الْحَقِيقَة بِكَلَام الله، فَكَلَامه النَّاسِخ عنْدكُمْ، وَحكم كَلَامه الْمَنْسُوخ، وَالْآيَة دلّت على أَن الرب تَعَالَى لَا ينْسَخ آيَة من الْقُرْآن، إِلَّا أَتَى بِمِثْلِهَا، وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك فِي صُورَة الْخلاف، فَإِن لفظ الرَّسُول ﷺ لَا يكون مثل الْقُرْآن، الْجَواب عَن ذَلِك ان نقُول: معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من ءاية أَو ننسها﴾ مَا ننسخ من حكم آيَة، لما قدرناه من أَن النّسخ إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الْأَحْكَام دون نفس الْقُرْآن، وَكَأن الرب تَعَالَى قَالَ: مَا ننسخ من حكم آيَة إلانأت بِحكم خير مِنْهُ للمكلفين، أَو مثله فِي الصّلاح والإفضاء إِلَى الثَّوَاب، وَهَذَا إِذا حققته كَفاك مُؤنَة الْقَوْم. (٢٣١) فصل [١٢٩٤] قد ذكرنَا جَوَاز نسخ الْقرَان بِالسنةِ ثمَّ ذكرنَا أَن الْأَصَح وُرُود ذَلِك، وَقَالَ ابْن سُرَيج يَصح ذَلِك عقلا، وَلَا يمْنَع شَيْء مِنْهُ سمعا وَلَكِن لم يتَّفق وُقُوعه.
следующие страницы →