Полный текст (1 418 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
[١٢٨٦] وَالدَّلِيل على جَوَاز نسخ الْقرَان [بِالسنةِ] كل مَا قدمْنَاهُ فِي الدَّلِيل فِي اصل النّسخ فَإِنَّهُ يدل على تَجْوِيز النّسخ فِي الْمُخْتَلف فِيهِ وَالَّذِي يجب التعويل عَلَيْهِ أَن نقُول قد ثَبت عندنَا قطعا أَن رَسُول الله ﷺ لَا يحكم بِحكم من تِلْقَاء نَفسه فِيهِ بِرَأْيهِ، وَإِنَّمَا يَقُول مَا يَقُول عَنهُ ربه وَحيا وإلهاما، وَمن جوز الِاجْتِهَاد على الرُّسُل فَإِنَّمَا يؤديهم اجتهادهم إِلَى الْعلم بِأَمْر الله بِلَا استرابة، بِخِلَاف اجتهادنا فِي المجتهدات، فَخرج من ذَلِك أَن الرَّسُول ﷺ مبلغ عَن ربه، وَأَن الْأَمر على الْحَقِيقَة لله سُبْحَانَهُ، فَإِذا ثَبت حكم بِآيَة تتلى من كتاب الله تَعَالَى، ثمَّ أخبر رَسُول الله ﷺ بارتفاع ذَلِك الحكم، فَإِنَّمَا يخبر عَن الله، كَمَا أَن الْعبارَات عَن الْقُرْآن تنبيىء عَن كَلَام الله تَعَالَى فيؤول محصول الْكَلَام إِلَى أَن ذَلِك نسخ حكم ثَبت بِكَلَام الله غير ان توصلنا إِلَى معرفَة كَلَام الله تَعَالَى فِي أحد الْحكمَيْنِ متلو بِهِ وتوصلنا إِلَيْهِ فِي النَّاسِخ بِلَفْظ رَسُول الله ﷺ ، فَهَذِهِ دلَالَة قَاطِعَة.
[١٢٨٧] شُبْهَة المانعين بنسخ الْقرَان / بِالسنةِ عقلا.
مِمَّا استروحوا إِلَيْهِ أَن قَالُوا لَو نسخ الرَّسُول ﷺ حكما ثَابتا بالقران أفْضى ذَلِك إِلَى أَن ينْسب إِلَى الافتراء وتبديل كَلَام الله تَعَالَى، وَهَذَا يفضى إِلَى مَا يجب تَنْزِيه الرُّسُل عَنهُ.
стр. 912
وَهَذَا كَلَام رَكِيك جدا وَذَلِكَ أَن من قَامَت عِنْده الدّلَالَة من معْجزَة الرَّسُول ﷺ على وجوب عصمته عَن الْخلف فِيمَا يبلغهُ فَلَا يتَحَقَّق من هَذَا المعتقد نسبته إِلَى الْخلف والافتراء، وَمن كَانَ مشككا فِي صدقه فينسبه إِلَى الافتراء فِي نفس مَا يَنْقُلهُ من كَلَام الله تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْت مفتر﴾
[١٢٨٨] فَإِن قَالُوا: الاسترابة بِهِ فِي نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ اكثر.
قُلْنَا: هَذَا لَا محصول لَهُ وَلَا معنى للتمسك بالتزايد فِي الريب بعد تحقق اصله، ثمَّ نقُول: لَا يجب عندنَا فِي قَضِيَّة التَّكْلِيف أَن يتوقى رَسُول الله ﷺ الْأَسْبَاب الَّتِي تورث الريب للزائغين فِي مجاري الْعَادة.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك انه ﷺ خصص الْإِمَامَة ثمَّ هله حَتَّى أفْضى ذَلِك أعظم ريب فِي قُلُوب أهل الزيغ، وَتَوَلَّى قبض الصَّدقَات وَولى فِي ذَلِك السعاة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده.
[١٢٨٩] وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَيْضا أَن قَالُوا: لَو جَوَّزنَا نسخ الْقرَان بِالسنةِ لَكَانَ ذَلِك رفعا من رَسُول الله ﷺ لمعجزته ومحال أَن ينتسب الرَّسُول ﷺ إِلَى رفع مَا يدل على صدقه. وَهَذَا بَاطِل من أوجه: أظهرها مَا قدمْنَاهُ من أَنا إِذا
стр. 913
بحثنا عَن هَذِه المسالة فنعلم أَن النّسخ إِنَّمَا وَقع بِكَلَام الله تَعَالَى، وَرَسُول الله ﷺ مبلغ، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك سقط مَا قَالُوهُ وَتبين أَن كَلَام الله تَعَالَى نسخ كَلَامه، ثمَّ نقُول إِنَّمَا الإعجاز فِي نظم الْقُرْآن لَا فِي الحكم الثَّابِت فجوزوا أَن ينْسَخ الرَّسُول ﷺ حكم الْآيَة مَعَ بَقَاء تلاوتها.
[١٢٩٠] فَإِن قَالُوا فَلَا أحد يفصل بَين نسخ حكم الْقُرْآن وَبَين نسخ تِلَاوَته، فَمن جوز النّسخ بِالسنةِ جوز ذَلِك فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قيل لَهُم: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، فَإِن من النَّاس من يفصل بَينهمَا، وَقَالَ يجوز نسخ حكم الْقُرْآن بِالسنةِ، وَلَا يجوز تِلَاوَة الْقُرْآن بِالسنةِ وَهَذَا لَيْسَ بمرضي عندنَا فَإِن تِلَاوَة الْقُرْآن من الْأَحْكَام أَيْضا كَمَا قدمْنَاهُ فعلى هَذَا نقُول: قصدنا بتفصل القَوْل عَلَيْكُم ليتبين بطلَان استدلالكم صَرِيحًا فِي صُورَة من صور الْخلاف. وعَلى أَنا نقُول: الْآيَة الْوَاحِدَة إِذا قصرت فَلَا يَقع بهَا الإعجاز، فجوزوا نسخهَا بِالسنةِ مَا لم يبلغ الْمَنْسُوخ حدا يَقع بِهِ الإعجاز، وَلَا قَائِل بذلك مِنْكُم، على أَنا نقُول إِذا دلّ الْقُرْآن على صدق الرَّسُول ﷺ فَلَو قدر بعد اسْتِمْرَار الْأَدِلَّة ارْتِفَاع الْقُلُوب والألسن فَلَا يقْدَح ذَلِك فِي النُّبُوَّة بعد مَا ثبتَتْ، وَهَذَا كَمَا أَنا نقطع الْآن بِصدق مُوسَى وَعِيسَى وَغَيرهمَا من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم للمعجزات الَّتِي أظهرها الله على أَيْديهم، وَإِن كُنَّا نعلم أَن شَيْئا مِنْهَا غير مُتَحَقق مِنْهَا وجود الان.
[١٢٩١] وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَيْضا أَن قَالُوا: لَيْسَ من الْأَصْلَح تَجْوِيز نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ، وَلَا يرد فِي الشَّرِيعَة إِلَّا مَا هُوَ / الْأَصْلَح.
قُلْنَا: هَذَا بِنَاء مِنْكُم على أصل فَاسد لَا تساعدون عَلَيْهِ، فَإنَّا لانراعي
стр. 914
فِي اصل الشَّرِيعَة الصّلاح والأصلح، غير أَنا لَا نسلم مَا قلتموه، وَإِن سلمنَا لكم جدلا برعاية الصّلاح، وأنى لكم إِثْبَات ذَلِك. فَهَذَا كَلَام من أحَال النّسخ عقلا.
[١٢٩٢] فَأَما من أحَال النّسخ سمعا فقد اسْتدلَّ بآي من كتاب الله تَعَالَى، مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا أئت بقرءان غيرهذا أَو بدله قل مَا يكون لي ي أَن أبدله من تلقائ نَفسِي إِن اتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ .
قَالُوا: وَهَذَا نَص فِي إِنَّه ﷺ لَا ينْسَخ الْقُرْآن، فَإِن النّسخ من أعظم وُجُوه التَّنْزِيل.
قيل لَهُم: هَذِه الْآيَة بِأَن تكون دَلِيلا عَلَيْكُم أولى فَإِنَّهُ ﷺ بَين أَنه لَا ينْسَخ الْقرَان من تِلْقَاء نَفسه، وَإِنَّمَا مُتبع الْوَحْي، فَدلَّ ذَلِك على غير مَا تعتقده نفيا وإثباتا، فَإنَّا نقُول لَا يَقُول ﷺ فِي إِثْبَات الشَّرَائِع شَيْئا من تِلْقَاء نَفسه، وَإِنَّمَا يَقُول مَا يَقُول عَن الله مبلغا مَا ثَبت من أوَامِر لَدَيْهِ وَحيا، فَبَطل استراواحهم إِلَى هَذِه الْآيَة.
[١٢٩٣] وَمِمَّا يستدلوا بِهِ قَوْله تَعَالَى: (مَا ننسخ من ءآية أَو ننسها
стр. 915
نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ .
قَالُوا: ويقوى الدَّلِيل عَلَيْكُم من هَذِه الْآيَة إِذا قُلْتُمْ إِن النّسخ وَإِن صدر عَن الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ على الْحَقِيقَة بِكَلَام الله، فَكَلَامه النَّاسِخ عنْدكُمْ، وَحكم كَلَامه الْمَنْسُوخ، وَالْآيَة دلّت على أَن الرب تَعَالَى لَا ينْسَخ آيَة من الْقُرْآن، إِلَّا أَتَى بِمِثْلِهَا، وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك فِي صُورَة الْخلاف، فَإِن لفظ الرَّسُول ﷺ لَا يكون مثل الْقُرْآن، الْجَواب عَن ذَلِك ان نقُول: معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من ءاية أَو ننسها﴾ مَا ننسخ من حكم آيَة، لما قدرناه من أَن النّسخ إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الْأَحْكَام دون نفس الْقُرْآن، وَكَأن الرب تَعَالَى قَالَ: مَا ننسخ من حكم آيَة إلانأت بِحكم خير مِنْهُ للمكلفين، أَو مثله فِي الصّلاح والإفضاء إِلَى الثَّوَاب، وَهَذَا إِذا حققته كَفاك مُؤنَة الْقَوْم.
(٢٣١) فصل
[١٢٩٤] قد ذكرنَا جَوَاز نسخ الْقرَان بِالسنةِ ثمَّ ذكرنَا أَن الْأَصَح وُرُود ذَلِك، وَقَالَ ابْن سُرَيج يَصح ذَلِك عقلا، وَلَا يمْنَع شَيْء مِنْهُ سمعا وَلَكِن لم يتَّفق وُقُوعه.
стр. 916
فَيُقَال لَهُ إِذا وَافَقت فِي جَوَاز ذَلِك عقلا وسمعا وَأورد عَلَيْك مَا ظَاهره نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ فَيَنْبَغِي أَن لَا تحمله على الْوُجُوه الْبَعِيدَة، وتجري على ظَاهره من غير تَأْوِيل وتحريف على الظَّاهِر وَقد ورد ذَلِك فِي أَحْكَام.
مِنْهَا قَوْله ﷺ : إِن الله أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث " فنسخ بلك حكم الْوَصِيَّة ووجوبها للأقربين فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ الْآيَة.
وَلَيْسَ فِي الْقرَان نَص صَرِيح يَقْتَضِي نس الْوَصِيَّة للأقربين وَيكثر نَظَائِر ذَلِك.
(٢٣٢) مَسْأَلَة
[١٢٩٥] يجوز نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء ويحكى عَن
стр. 917
الشَّافِعِي ﵀ فِيهِ قَولَانِ فِي أَحدهمَا بموافقة الْجُمْهُور وَجوز / نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ، وَقَالَ فِي الثَّانِي لَا يجوز ذَلِك.
[١٢٩٦] وَالدَّلِيل على جَوَازه النُّكْتَة الَّتِي عولنا عَلَيْهَا فِي الْمَسْأَلَة الأولى، حَيْثُ قُلْنَا: إِن الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا ينبىء عَن كَلَام الله تَعَالَى، وَلَا يَقُول من تِلْقَاء نَفسه شَيْئا، فيؤل النَّاسِخ والمنسوخ جَمِيعًا إِلَى كَلَام الله تَعَالَى كَمَا أوضحناه فِي الْمَسْأَلَة الأولى ثمَّ نقُول إِذا سنّ رَسُول الله ﷺ سنة فَلَا خلاف بَين الْأمة فِي جَوَاز وُرُود نَص من الْقُرْآن على خِلَافه وَهَذَا هُوَ النّسخ الصَّرِيح.
[١٢٩٧] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا ورد نَص هَذِه صفته يسن رَسُول الله ﷺ سنة أُخْرَى ينْسَخ بهَا السّنة الأولى.
فَنَقُول هَذَا مَا لَا طائل تَحْتَهُ، فَإِن النَّص إِذا ورد على مُخَالفَة السّنة الْمَاضِيَة فَلَا تخلون إِمَّا أَن ن تَقولُوا يبْقى حكم السّنة إِلَى أَن يسن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 918
سنة أُخْرَى ينْسَخ بهَا السّنة الأولى، وَإِمَّا أَن تَقولُوا لَا يبْقى حكم السّنة مَعَ وُرُود النَّص.
فَإِن قُلْتُمْ بِهَذَا الْقسم الْأَخير فقد صرحتم بنسخ السّنة بِالْقُرْآنِ، وَلَا معنى مَعَ ذَلِك لتقدير سنة أُخْرَى تنسخ السّنة.
وَإِن زعمتم أَن حكم السّنة الأولى يبْقى بعد وُرُود النَّص إِلَى أَن يسن رَسُول الله ﷺ سنة أُخْرَى على ابْتِدَاء أَو استئخار، فَهَذَا محَال مفض إِلَى جَوَاز ثُبُوت حكمين متناقضين، وَيُؤَدِّي إِلَى نفي النَّص من الْقُرْآن،، وكل ذَلِك محَال.
[١٢٩٨] فَإِن قيل: فَهَل ورد فِي الشَّرِيعَة نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ. قيل: اجل، قد ثَبت ذَلِك فِي أَحْكَام جمة، مِنْهَا: أَمر الْقبْلَة فَإِن التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِنَّمَا ثَبت بِسنة رَسُول الله ﷺ وَلذَا لم يثبت فِي الْقُرْآن لذَلِك ذكر، ثمَّ نسخ ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾
стр. 919
وَمن ذَلِك ايضا عهد الْحُدَيْبِيَة فَإِنَّهُ ﷺ شَرط للْكفَّار أَن يرد عَلَيْهِم من يَأْتِيهِ مِنْهُم، [وَعم] القَوْل فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء، ثمَّ ورد النَّص فِي منع النِّسَاء، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ .
ثمَّ كَانَ النَّبِي ﷺ يغرم لِأَزْوَاج المهارجات مهورهن، وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد ثَبت لَهُم رد النِّسَاء فَلَمَّا امْتنع ذَلِك بِنَصّ الْكتاب عوضهم عَنْهُن بمهورهن.
[٢٣٣) فصل
[١٢٩٩] فَإِن قَالَ قَائِل هَل يجوزنسخ الحكم الثَّابِت بِنَصّ الْكتاب وَالسّنة المتواترة بِخَبَر من أَخْبَار الْآحَاد.
стр. 920
\ قُلْنَا: قد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك، نعني الَّذين قَالُوا بِخَبَر الْوَاحِد، فَذهب بَعضهم إِلَى منع ذَلِك عقلا وَذهب آخَرُونَ إِلَى تَجْوِيز ذَلِك عقلا.
قَالَا القَاضِي ﵁: وَالصَّحِيح عندنَا تجويزه عقلا. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه إِذا جَازَ ثُبُوت ابْتِدَاء حكم بِهِ فِي الشَّرْع فَيجوز النّسخ بِهِ أَيْضا وتمثيل جَوَازه فِي الْعقل: أَن يَقُول الله مثلا أَو رَسُوله ﷺ : مهما ثَبت عَلَيْكُم عمل بِنَصّ مَقْطُوع بِهِ، ثمَّ نقل ثِقَة خِلَافه بتاريخ مُتَأَخّر فاعملوا بالمتأخر، فَهَذَا مَا لَا اسْتِحَالَة فِيهِ أصلا عقلا.
[١٣٠٠] فَإِن [قَالُوا] هَذَا يُؤَدِّي إِلَى النّسخ الْمَقْطُوع بِهِ [بالمظنون] الَّذِي نستريب فِي ثُبُوته.
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن: احدهما أَن نقُول: وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَقْطُوع بِهِ فَمَا يضرنا التَّرَدُّد فِي اصل الحَدِيث، مَعَ أَنا نعلم قطعا وجوب الْعَمَل بِهِ، فَكَأَن صَاحب الشَّرِيعَة قَالَ: إِذا نقل من ظَاهره الْعَدَالَة
стр. 921
فَاقْطَعُوا بَان حكم الله تَعَالَى عَلَيْكُم الْعَمَل بِظَاهِرِهِ، وَصدق النَّاقِل وَكذب، فوضح بذلك مَا قُلْنَاهُ. على أَنا نقُول انْتِفَاء الْأَحْكَام قبل وُرُود الشَّرَائِع مَقْطُوع بِهِ عندنَا، وَثُبُوت الْحَظْر أَو الْإِبَاحَة مَقْطُوع بِهِ عِنْد آخَرين، ثمَّ إِذا نقل خبر عَن الرَّسُول ﷺ آحادا فَيثبت الْعَمَل بِهِ وَيرْفَع مَا تقرر قبل وُرُود الشَّرَائِع من نفي الْأَحْكَام أَو ثُبُوت الْحَظْر أَو الْإِبَاحَة، فَبَطل مَا قَالُوهُ ثمَّ نقُول: مهما جَوَّزنَا نسخ النَّص بِخَبَر الْوَاحِد فَلَا نسلم لكم مَعَ وُرُود الْخَبَر الْوَاحِد كَون النَّص مَقْطُوعًا بِهِ، فَإنَّا لَو قُلْنَا ذَلِك لزمنا الْقطع بكذب الرَّاوِي وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ.
[١٣٠١] فَإِن قيل: فَهَذَا كلامكم فِي جائزات الْعُقُول، فَهَل تجوزون ذَلِك سمعا أم هَل فِي السّمع مَا يمْنَع مِنْهُ؟
قُلْنَا: الَّذِي صَحَّ فِي ذَلِك عندنَا أَن نسخ الْمَقْطُوع بِخَبَر وَالْوَاحد كَانَ يجْرِي فِي زمن الرَّسُول ﷺ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ إِن أهل مَسْجِد قبَاء افتتحوا الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس فاجتاز بهم مجتاز، وهم فِي خلال الصَّلَاة،
стр. 922
فَأخْبرهُم أَن الْقبْلَة قد حولت فاستداروا قبل أَن يتَحَقَّق ذَلِك عِنْدهم تواترا، وَلم يُنكر عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ ، وَكَذَلِكَ رُبمَا كَانَ يثبت الْأَحْكَام وَيسْتَمر بتواتر الْأَخْبَار فِي الأقطار، ثمَّ ينْسَخ ذَلِك فيبعث الرَّسُول ﷺ الْوَاحِد إِلَى كل قطر ليعلمهم نسخ الحكم وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده فِي عاداته ﷺ ، فَهَذَا هُوَ القَوْل فِيمَا يجْرِي فِي عصره.
[١٣٠٢] فَأَما بعد أَن اسْتَأْثر الله بِهِ فَلَا يجوز نسخ مَقْطُوع بِهِ بمظنون، وَهَذَا من جائزات الْعُقُول، وَلَكِن أَجمعت الْأمة على مَنعه بعد الرَّسُول ﷺ ، فَلَا مُخَالف فيهم وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي تجوزه فِي زمَان
стр. 923
صفحة فارغة
стр. 924
الرَّسُول ﷺ فَقُلْنَا لدلَالَة الْإِجْمَاع لَا يسوغ نسخ الْمَقْطُوع بِهِ بعد الرَّسُول ﷺ بالمظنون الْمَشْكُوك فِيهِ.
(٢٣٤) فصل
[١٣٠٣] فَإِن قَالَ قَائِل هَل يجوز نسخ النَّص الثَّابِت بِالْقِيَاسِ عقلا وسمعا.
قُلْنَا: أما تَجْوِيز ذَلِك فَلَا مَانع مِنْهُ على تَفْصِيل نذكرهُ الْآن، فَنَقُول إِذا ثَبت الحكم بِنَصّ مُتَقَدم، ثمَّ ثَبت آخر بِنَصّ آخر مثلا وَنَفس ذَلِك الحكم لَا يُنَافِي حكم النَّص الأول، وَلَكِن استنبط المستنبطون مِنْهُ قِيَاسا يُخَالف حكم النَّص الاول فَيجوز فِي الْعقل تَقْدِير نسخه بِهِ على الْوَجْه الَّذِي قدرناه فِي الْخَبَر الْوَاحِد، وتمثيله أَن نقُول: لَا يستبعد فِي الْعقل أَن يُكَلف الله تَعَالَى وَيَقُول: مهما ثَبت عَلَيْكُم حكم بِنَصّ مُتَقَدم ثمَّ عَن لكم قِيَاس مستنبط من مورد نَص مُتَأَخّر فاعملوا بِمُوجب الْقيَاس وأعرضوا عَن الحكم بِالنَّصِّ الأول، وَهَذَا مَا لَا بعد فِيهِ عقلا.
[١٣٠٤] فَإِن قَالَ قَائِل: افتجوزون أَن يكون نَص فَيثبت ذَلِك الْقيَاس مَعَ ثُبُوت النَّص فَلَو جَازَ النّسخ بِقِيَاس مستنبط من نَص سَابق فَيكون ذَلِك نسخ الْمُتَأَخر بالمتقدم.
стр. 925
قُلْنَا: هَذَا مَا لَا وَجه لَهُ فِي الْعقل مَعَ وجود اعْتِقَاد الصدْق فِي النصين فَإِن الأول إِذا كَانَ نافيا لحكم الثَّانِي فَلَا يتَصَوَّر وُرُود الثَّانِي على وَجه الصدْق وَالتَّحْقِيق، فَهَذَا وَجه الْكَلَام عقلا.
[١٣٠٥] فَإِن قيل: فَهَل / تجوزون ذَلِك سمعا عُمُوما أَو فِي عصر من الْأَعْصَار كَمَا قد ثبتموه فِي خبر الْوَاحِد.
قُلْنَا: الصَّحِيح من الْمذَاهب أَن ذَلِك لَا يجوز سمعا، وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى تَجْوِيز النّسخ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ شرعا وَالدَّلِيل على بطلَان ذَلِك
стр. 926
من جِهَة السّمع أَن القائسين أَجمعُوا أَن من شَرط الْقيَاس أَن لَا يُخَالف نصا من النُّصُوص، وَالْعُلَمَاء على طريقتين فَمنهمْ من لم ير الْقيَاس حجَّة، وَمِنْهُم من رَآهُ حجَّة وَشرط أَن لَا يُخَالف النَّص فَهَذَا من أوضح الْأَدِلَّة المسعية على منع النّسخ بِالْقِيَاسِ.
وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ أَيْضا: أَن اصحاب رَسُول الله ﷺ كَانُوا يتركون الأقيسة فِي المجتهدات بِمَا يرْوى لَهُم من الْأَخْبَار فَمَا رُوِيَ عَن أحد مِنْهُم انه تمسك بِقِيَاس مَعَ نقل نَص عَن رَسُول الله ﷺ ، بل كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْأَحَايِين لَوْلَا النَّص لَكَانَ كَذَا وَكَذَا. فَثَبت من جملَة السّمع أَن الْقيَاس لَا ينْسَخ بِهِ.
(٢٣٥) فصل
[١٣٠٦] الْإِجْمَاع المنعقد لَا ينْسَخ وَلَا ينْسَخ بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن
стр. 927
الْإِجْمَاع إِنَّمَا يكون حجَّة بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ على مَا سَنذكرُهُ فِي مسَائِل الْإِجْمَاع وَلَا ايتصور بعد أَن اسْتَأْثر الله برَسُول الله ﷺ أَن ينْسَخ شَيْئا أَو ينْسَخ شَيْء، فَإِن الشَّرْع اسْتَقر بوفاته ﷺ فَلَو قَدرنَا الْإِجْمَاع حجَّة فِي زمن الرَّسُول ﷺ ثمَّ أجمع الْعلمَاء على حكم يُخَالف النَّص فَالْوَجْه فِيهِ أَن نقُول تقرر الْإِجْمَاع أَن لَا يجمع الْعلمَاء على حكم إِلَّا عَن دَلِيل، وَلَا يُوجد مِنْهُم الِاتِّفَاق شهيا من غير حجَّة، فَلَا يكون نفس قَوْلهم إذاناسخا، وَلَكِن يجوز أَن يُقَال مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ ولسببه دَلِيل فَيجوز النّسخ بِهِ عقلا وإجماعهم ينبىء عَنهُ وَهَذَا تكلّف منا وَفرض الْكَلَام فِي صُورَة مِنْهُ غير ثَابِتَة وَهِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة فِي عصر الرَّسُول ﷺ .
(٢٣٦) فصل
[١٣٠٧] لَا يجوز النّسخ بقول الصَّحَابِيّ وَهَذَا ينبىء على أصل سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ أَن قَوْله لَيْسَ بِحجَّة، وَقَوله كَقَوْل التَّابِعِيّ وكقول آحَاد الْعلمَاء فِي الْأَعْصَار.
[١٣٠٨] فَإِن قَالَ قَائِل: فَلَو قَالَ الصَّحَابِيّ: نسخ الحكم الْفُلَانِيّ، فَهَل يثبت بذلك النّسخ؟
قُلْنَا: هَذَا موقع اخْتِلَاف الْعلمَاء فَذهب بَعضهم إِلَى أَن النّسخ يثبت بذلك رِوَايَة ونقلان فَإنَّا نحمل مَا يَنْقُلهُ الصَّحَابِيّ على الصِّحَّة والسداد، فحملنا لذَلِك قَوْله: نسخ الحكم على الْحَقِيقَة.
стр. 928
قَالَ القَاضِي ﵁: وَالصَّحِيح أَن النّسخ لَا يثبت بذلك فَإِن مَا ثَبت النّسخ بِهِ مُخْتَلف فِيهِ فَرُبمَا يعْتَقد الصَّحَابِيّ فِي الشَّيْء نسخا وَهُوَ لَيْسَ بنسخ فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلَا بُد أَن يظْهر سَبَب النّسخ لنرى فِيهِ رَأينَا، ونجتهد فِيهِ.
[١٣٠٩] وَلَو قَالَ الصَّحَابِيّ حكم رَسُول الله ﷺ أَو قضى بِكَذَا فَلَا يحمل ظَاهر مَا يَنْقُلهُ على صِحَة حَتَّى ينْقل صُورَة الْقَضِيَّة لانقسام الْقَضَاء فَكَذَلِك القَوْل فِيمَا نَحن فِيهِ.
стр. 929
[١٣١٠] وَإِن نقل الصَّحَابِيّ عَن رَسُول الله ﷺ صَرِيحًا أَنه قَالَ نسخت عَنْكُم الحكم الْمَعْلُوم الَّذِي يَنْقُلهُ فَيقبل مثل ذَلِك.
[١٣١١] وَالْجُمْلَة أَن مَا يكون نَاقِلا فِيهِ فَهُوَ مُصدق فِي نَقله وَمَا يخْشَى أَن يكون مُجْتَهدا فِيهِ فَلَا نقطع بِظَاهِرِهِ حَتَّى يتَبَيَّن حَقِيقَة الْأَمر.
(٢٣٧) فصل
[١٣١٢] قد قدمنَا جَوَاز نسخ السّنة بِالسنةِ وحققنا أَن الْمَقْطُوع بِهِ ينْسَخ بالمقطوع / بِهِ والمظنون ينْسَخ بالمظنون.
ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله يجوز أَن ينْسَخ بِفِعْلِهِ إِذا صدر مصدر الْبَيَان، على مَا فصلنا مواقع الْأَفْعَال فِيمَا سبق، وَكَذَلِكَ يجوز نسخ فعله الْوَاقِع موقع الْبَيَان بقوله، وَهَذَا القَوْل فِي تَقْرِيره الْمُبين نَاسِخا ومنسوخا وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء. وَذهب شرذمة من المنتمين إِلَى الْأُصُول إِلَى انه لَا ينْسَخ قَوْله بِفِعْلِهِ، وَلَا فعله بقوله، لاختلافهما وَهَذَا سَاقِط من الْمَذْهَب، وَذَلِكَ
стр. 930
أَن الْفِعْل فِي وُقُوعه موقع الْبَيَان نَازل منزلَة القَوْل، وَإِن قدرُوا أفعالا على خُرُوجه الْبَيَان فَلَا يحْتَج بِهِ اصلا، فقد نزل فعل رَسُول الله ﷺ فِي اقتضائه الْبَيَان منزلَة قَوْله، وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِهِ، فَهَذِهِ جملَة مقنعة فِيمَا ينْسَخ وينسخ بِهِ.
(٢٣٨) القَوْل فِي أَن نسخ بعض الْعِبَادَة أَو شَرط من شرائطها هَل يكون نسخا لِلْعِبَادَةِ
[١٣١٣] هَذَا مِمَّا اخْتلف الْعلمَاء فَذهب بَعضهم إِلَى أَن نسخ بعض الْعِبَادَة أَو شَرط من شرائطها يكون نسخا لِلْعِبَادَةِ وَلم يفصل هَؤُلَاءِ بَين الشَّرْط الْمُنْفَصِل عَنْهَا كالطهارة مَعَ الصَّلَاة، وَبَين أَن ينْسَخ بعض من الْعِبَادَة، كَمَا لَو قدر بعض رَكْعَات الصَّلَاة، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن النّسخ فِي بعض الْعِبَادَة لجميعها، فَأَما النّسخ فِي شرائطها الْمُنْفَصِل عَنْهَا فَلَيْسَ بنسخ، وَمَا صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء أَن ذَلِك لَا يكون نسخا
стр. 931
لَهَا لما قرر بَقَاؤُهُ وَإِذا نسخ بعض الْعِبَادَة أَو شَرط من شرائطها فَلَا يُقرر ذَلِك نسخا فِي بَقِيَّة الْعِبَادَة، فَإِذا نسخ بَعْضهَا أَولا فِي الْعِبَادَة الْمَشْرُوطَة إِذا نسخ شَرطهَا.
[١٣١٤] قَالَ القَاضِي ﵁: وَالَّذِي يَصح فِي ذَلِك عندنَا أَن مَا ينْسَخ من الْعِبَادَة فَلَا شكّ أَن النّسخ تحقق فِي الْمَرْفُوع بالنسخ وفَاقا فَأَما فِي بَقِيَّة الْعِبَادَة أَو الْعِبَادَة الْمَشْرُوطَة فَإِن ثَبت أَنَّهَا كَانَت لَا تصح دون شَرطهَا أَو لَا يَصح الِاقْتِصَار على بَعْضهَا لَو قدر بَعْضهَا مُفردا أَو جَمِيعًا من غ غير شَرط لَكَانَ أَن يفْسد وَيخرج من حيّز الْعِبَادَات فَإِذا ثَبت الْآن أَنه يَصح الِاقْتِصَار على بَعْضهَا أَو يَصح من غير مَا كَانَ شرطا فِيهَا فَهَذَا نسخ عَن الْحَقِيقَة سَوَاء كَانَ الشَّرْط مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا.
стр. 932
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن النّسخ هُوَ رفع الحكم بعد ثُبُوته على الْحَد الَّذِي رسمناه فِي حَقِيقَة النّسخ، وَقد تحقق ذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا، فان الَّذِي رفع لَا شكّ فِي تحقق النّسخ فِيهِ، وَالَّذِي لم يرفع صورته فقد رفع حكمه، فَإِن مَا كَانَ فَاسِدا خَارِجا عَن قَضِيَّة الْعِبَادَات وَهُوَ الْبَعْض اَوْ الْعِبَادَة دون الشَّرْط، فقد ثَبت أَنه جَائِز بعد أَن لم يكن جَائِزا فَهَذَا هُوَ النّسخ بِعَيْنِه، وَهُوَ أَن يثبت جَوَاز مَا كَانَ لَا يجوز، أَو عدم جَوَاز مَا كَانَ يجوز، وَلَا مُعْتَبر بِنَفْي بعض من الصُّورَة، فَإِنَّمَا الْمُعْتَبر بِالْأَحْكَامِ فِي تَحْقِيق النّسخ. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْفِعْل وَالْوَاحد قد يثبت وُجُوبه شرعا ثمَّ يثبت كَونه مَنْدُوبًا وارتفاع وُجُوبه، وَيكون بِهِ نسخا فِي الْحَالَتَيْنِ إِن بَقِي الْفِعْل م فيهمَا، فَهَذِهِ الطَّرِيقَة الَّتِي [١٤٥ / أ] طردناها، فَبَطل الْفَصْل بَين الْمُنْفَصِل والمتصل، وَهُوَ بَين عِنْد التَّأَمُّل.
[١٣١٥] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَت الصَّلَاة أَرْبعا فَردَّتْ إِلَى رَكْعَتَيْنِ فهاتان الركعتان كَانَتَا ثابتتين مَعَ أخرتين وبقيتا ثابتين فَلَا معنى للنسخ فيهمَا، وأوضحوا ذَلِك فِي الشَّرْط الْمُنْفَصِل أَيْضا فَقَالُوا إِذا كَانَت الصَّلَاة مَشْرُوطَة بِالطَّهَارَةِ وهما فعلان متغيران وعبادتان متغايران والنسخ فِي
стр. 933
أَحدهمَا لَا يكون رفعا فِي الثَّانِي، وَمَا قدمْنَاهُ من الدَّلِيل انْفِصَال عَن ذَلِك إِذْ قد بَينا أَن بَقَاء الصُّورَة لَا معول عَلَيْهِ فِي نفي وَلَا إِثْبَات، وَإِنَّمَا الْمعول على ارْتِفَاع الْأَحْكَام وبقائها، وَقد حققنا ذَلِك وَبينا أَن مَا لم يكن جَائِزا صَار جَائِزا وَهَذَا هُوَ النّسخ عينه.
(٢٣٩) القَوْل فِي أَنه هَل يتَحَقَّق النّسخ فِي حق من لم يبلغهُ النَّاسِخ
[١٣١٦] إِذا ثَبت حكم مُسْتَمر على الْأمة ثمَّ ورد لَهُ نَاسخ فَمن بلغه النَّاسِخ فقد تحقق النّسخ فِي حَقه، وَمن لم يبلغهُ النَّاسِخ إقدام على الحكم
стр. 934
الأول فَيكون ذَلِك زللا وَخطأ مِنْهُ، بيد أَنه لَا يؤاخذه بِهِ وبعذره وجهله، وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن إِلْحَاق هَذِه الْمَسْأَلَة بالمجتهدات، حَتَّى نقلوا فِيهَا قَوْلَيْنِ فَقَوْل من الْقَوْلَيْنِ فِي أَن الْوَكِيل إِذا عزل وَلم يبلغهُ الْعَزْل فَهَل يَتَقَرَّر تصرفه إِلَى أَن يبلغهُ الْعَزْل.
[١٣١٧] وَهَذَا ظن من قَائِله، فَإِن الصَّحِيح الَّذِي يجب الْقطع بِهِ أَن التَّكْلِيف لَا يَنْقَطِع عَمَّن لم يبلغهُ النَّاسِخ، بل يبْقى عَلَيْهِ الحكم الأول، وَلَا يثبت عَلَيْهِ الحكم الثَّانِي مَعَ الْجَهْل بِالدَّال عَلَيْهِ، إِذْ لَا يسوغ ثُبُوت التَّكْلِيف مَعَ الْجَهْل بِسَبَبِهِ ومقتضيه، وَهَذَا مِمَّا يقطع بِهِ، وَلَو سَاغَ تثبيت التَّكْلِيف مَعَ الْجَهْل لساغ مَعَ كل مِمَّا يضاد الْعلم، حَتَّى يلْزم من ذَلِك تَجْوِيز التَّكْلِيف للسكران والنائم، وَقد استقصينا فِي ذَلِك قولا مقنعا فِي أول
стр. 935
الْكتاب، ومحصوله أَنه إِذا ثَبت أَن الحكم لَا يثبت دون دَلِيل عَلَيْهِ وَلم يتَمَكَّن الْمُكَلف مِم التَّوَصُّل إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ كلف الْعَمَل على وَجه يَسْتَحِيل، فَإِن حَالَة الْجَهْل بالناسخ تنَافِي الْعلم بالتكليف فَلَا يتَحَقَّق مَعَ الْجَهْل الْعلم لتناقضهما وتضادهما، فَلَا مخرج لتجويز ذَلِك إِلَّا تَكْلِيف الْمحَال.
[١٣١٨] وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن الَّذِي لم يبلغهُ النَّاسِخ مُخَاطب بِحكمِهِ الأول إِلَى ان يبلغهُ النّسخ.
ثمَّ اخْتلف بعد ذَلِك فِيمَا يؤول إِلَى عبَادَة عِنْد التَّحْقِيق فَذهب بَعضهم إِلَى أَن النَّاسِخ إِنَّا هُوَ نَاسخ فِي حق من بلغه وَلَيْسَ بناسخ فِي حق من لم يبلغهُ فَإِذا بلغه اتّصف حِينَئِذٍ بِكَوْنِهِ نَاسِخا فِي حَقه، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه نَاسخ فِي حَقه قبل أَن يبلغهُ على شَرط أَن يبلغهُ كَمَا أَن الْأَمر أَمر للمعدوم على شَرط الْوُجُود.
[١٣١٩] وَهَذَا رَاجع إِلَى اخْتِلَاف فِي الْعبارَة فَإِن الْفَرِيقَيْنِ صَارُوا إِلَى أَنه مُخَاطب بِحكمِهِ الأول وَمَا يبدر مِنْهُ على الْقَضِيَّة الأولى فَهُوَ حكم الله تَعَالَى.
فَإِذا قد اتفقنا على ذَلِك ثمَّ اتفقنا على أَنه إِذا بلغه النَّاسِخ يتبدل عِنْد بُلُوغه التَّكْلِيف عَلَيْهِ فقد تقرر رُجُوع الِاخْتِلَاف إِلَى عبارَة، وَإِنَّمَا الْخلاف الْحَقِيقِيّ مَعَ الَّذين قدمنَا ذكرهم حَيْثُ قَالُوا: إِن الحكم يرْتَفع عَمَّن لم [١٤٥ / ب] يبلغهُ النَّاسِخ وَقد / أَشَرنَا إِلَى وَجه الرَّد عَلَيْهِم.
стр. 936
(٢٤٠) فصل
[١٣٢٠] لم يُورِدهُ القَاضِي ﵁ وَلَكنَّا نتكلم فِيهِ على قِيَاسه، فَإِذا ثَبت حكم من الْأَحْكَام بِخَبَر مثلا، ثمَّ استنبطنا مِنْهُ عِلّة، وألحقنا بالمنصوص مَا لَيْسَ بمنصوص عَلَيْهِ بطرق الْقيَاس، ثمَّ نسخ الأَصْل الَّذِي مِنْهُ استنبطنا الْقيَاس فيتداعى ذَلِك إِلَى ارْتِفَاع الْقيَاس المستنبط عَنهُ ويحكى، عَن ابي حنيفَة أَنه قَالَ: يبْقى الْقيَاس مقتضيا فِي الْفَرْع وَإِن ارْتَفع أَصله. وفرضوا الْكَلَام فِي خبرين: أَحدهمَا: أَنهم قَالُوا: لَا يجوز عندنَا التوضي
стр. 937
بالنبيذ الْمُسكر النيء وَإِنَّمَا يجوز التوضي بِهِ إِذا كَانَ مطبوخا وَقد تَوَضَّأ رَسُول الله ﷺ بالنبيذ النيء، وَبَقِي التوضي بالمطبوخ. وَكَذَلِكَ قَالُوا: كَانَ صَوْم عَاشُورَاء مَفْرُوضًا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام وَثَبت فِيهِ جَوَاز ارْتِفَاع النِّيَّة نَهَارا والتحق بِهِ [صَوْم] رَمَضَان من حَيْثُ إِنَّه صَوْم عين، ثمَّ نسخ صَوْم عاشرواء وَبَقِي الْقيَاس مستمرا فِي الْفَرْع الملحق بِهِ.
стр. 938
[١٣٢١] وَهَذَا غلط ظَاهر مِنْهُ، وَذَلِكَ انه إِذا نسخ الأَصْل الَّذِي مِنْهُ الاستنباط فيرتفع مَعَ ارتفاعه اعْتِبَار علته الَّتِي هِيَ أم الْقيَاس إِذْ من المستحيل أَن ينْسَخ حكم وَتبقى علته الدَّالَّة وإمارته المقررة المنصوصة على الحكم، ثمَّ إِذا ارْتَفَعت عِلّة الحكم لَا محَالة فيستحيل اعْتِبَارهَا فرعا واصلا ولعلنا نوضح ذَلِك فِي أَحْكَام الأقيسة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(٢٤١) القَوْل فِي تَارِيخ النَّاسِخ والمنسوخ
[١٣٢٢] أمع الْعلمَاء على أَن من شَرط النَّاسِخ أَن يتَأَخَّر عَن الْمَنْسُوخ وَإِنَّمَا يتَبَيَّن ذَلِك بِأَن يتأرخ النَّاسِخ والمنسوخ جَمِيعًا، فَلَو لم يثبت التَّارِيخ فِي وَاحِد مِنْهُمَا أَو ثَبت التَّارِيخ فِي أَحدهمَا فَلَا يتَبَيَّن النَّاسِخ مِنْهُمَا مَعَ جَوَاز أَن يكون غير المؤرخ مُؤَخرا عَن المؤرخ أَو مقدما عَلَيْهِ.
[١٣٢٣] ثمَّ فِي معرفَة التَّارِيخ طَرِيقَانِ: أَحدهمَا أَن ينْقل صَرِيحًا تَارِيخ النَّاسِخ والمنسوخ، وَالثَّانِي أَن يثبت خبران لَا وَجه للْجمع بَينهمَا، وَالْأمة
стр. 939
مجمعة على الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا والتمسك بِهِ وَالِاسْتِدْلَال بِهِ، فنعلم أَن الْأمة مَا اجمعت على ذَلِك مَعَ اعترافهم بِصِحَّة الْحَدِيثين إِلَّا مَعَ علمهمْ بِكَوْن مَا تمسكوا بِهِ نَاسِخا مُتَأَخِّرًا.
[١٣٢٤] والتاريخ يثبت نقلا، وَمِنْهَا أَن يُضَاف خبران إِلَى زمانين نصا وَتَصْرِيحًا، وَالثَّانِي أَن يُضَاف إِلَى قضيتين ثَبت تقدم أَحدهمَا على الآخر كالحديثين إِلَى غزوتين، وكل ذَا يؤول إِلَى شَيْء وَاحِد، وَهُوَ النَّقْل المنبىء عَن التَّارِيخ.
[١٣٢٥] وَأما كل نقل لَا ينبىء عَن التَّارِيخ فَيجوز ذَلِك فِيهِ، وَلَا يَقْتَضِي نسخا، وَذَلِكَ نَحْو أَن يكون اُحْدُ الرِّوَايَتَيْنِ للمحدثين من مُتَقَدِّمي الصَّحَابَة وَالثَّانِي من أحداثهم فَلَا يجوز حمل حَدِيث الْحَدث على التَّأْخِير وَحمل حَدِيث الطاعن فِي السن على التَّقَدُّم، فَإِن هَذَا مِمَّا لَا يُفْضِي إِلَى التَّارِيخ على تَحْقِيق.
стр. 940
(٢٤٢) فصل
[١٣٢٦] إِذا ثَبت حديثان مَقْطُوع بهما وَلَكِن ثَبت التَّارِيخ فيهمَا تقدما وتأخرا بِنَقْل الْآحَاد فقد اخْتلف عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِك فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه [يجوز] التَّعْدِيل على نقل الْآحَاد فِي التَّارِيخ وَإِن ان اصل الحَدِيث مَقْطُوعًا بِهِ وَهَذَا كَمَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي تَفْسِير مجملات الْقرَان وَإِن كَانَ
стр. 941
أَصْلهَا مَقْطُوع بِهِ. [١٤٦ / ب]
[١٣٢٧] قَالَ القَاضِي ﵁ / وَالْقَوْل فِي أَنا نشرط أَن يثبت التَّارِيخ قطعا إِذا كَانَ اصل الحَدِيث مَقْطُوعًا بِهِ أولى عِنْدِي وَأظْهر، وَالله أعلم
انْتهى الْجُزْء الثَّانِي ويليه الْجُزْء الثَّالِث وأوله:
(٢٤٣) بَاب الاجماع وَذكر فصوله وَوجه الِاخْتِلَاف فِيهِ
стр. 942
(٣٤٢) بَاب الْإِجْمَاع
(وَذكر فصوله وَوجه الِاخْتِلَاف فِيهِ)
[١٣٢٨] اعْلَم، أَنه لَا بُد من تمهيد أصل وَتَقْدِيم فُصُول، قبل الْخَوْض فِي الْمَقْصد من الْإِجْمَاع.
أَولهَا: ذكر حَقِيقَة الْإِجْمَاع فِي اللُّغَة والاصطلاح.
وَالْإِجْمَاع فِي اللُّغَة يرد على مَعْنيين:
يرد وَالْمرَاد بِهِ إبرام الْعَزْم وتوطين النَّفس فَتَقول: أجمع فلَان الْمسير، إِذا عزم عَلَيْهِ.
وَيرد الْإِجْمَاع، [وَيُرَاد بِهِ] اتِّفَاق طَائِفَة على أَمر، فعلا كَانَ أَو قولا. وَلَا يخص ذَلِك فِي وضع اللُّغَة بِقوم دون قوم. فيستعمل فِي الِاثْنَيْنِ فَمَا فَوْقهمَا، فَيُقَال: أجمع الرّجلَانِ، وَأجْمع الثَّلَاثَة على فصل وعَلى قَول.
وَهَذَا أَيْضا فِي التَّحْقِيق رَاجع إِلَى الْمَعْنى الأول. وَذَلِكَ أَنهم إِذا اتَّفقُوا على شَيْء، فقد أبرموا الْعَزْم عَلَيْهِ.
стр. 943
[١٣٢٩] وَأما الْإِجْمَاع فِي الِاصْطِلَاح فِي أَحْكَام الشَّرِيعَة: فَهُوَ اتِّفَاق الْأمة " أَو " اتِّفَاق علمائها على حكم من أَحْكَام الشَّرِيعَة، على مَا سنفصل القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله.
وَذهب النظام من الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الْإِجْمَاع، كل قَول يجب اتِّبَاعه سَوَاء صدر من جمع أَو من وَاحِد. وَسمي لذَلِك خبر النَّبِي [ ﷺ ] إِجْمَاعًا.
стр. 944
وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ من تَخْصِيص الْإِجْمَاع بالْقَوْل الَّذِي يجب اتِّبَاعه، لَا محصول لَهُ. فَإِن القَوْل الْوَاحِد لَا يُسمى إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن أهل الْملَل إِذا اتَّفقُوا على شَيْء، فَيُقَال فِي أَلْفَاظ الشَّرِيعَة: أَجمعُوا. وَلَا منع من إِطْلَاق ذَلِك، وَإِن لم يسغْ الِاحْتِجَاج بإجماعهم. ومقصد النظام " مِمَّا " قَالَه أَن اتِّفَاق عُلَمَاء الْأمة لَا يُسمى إِجْمَاعًا. فَإِنَّهُ لَا حجَّة فِيهِ عِنْده. وَقد وضح تحكمه على اللُّغَة والوضع وَالشَّرْع فِيمَا قَالَه.
(ذكر الْمذَاهب فِي ثُبُوت الْإِجْمَاع وحجيته)
١٣٣٠ - فَإِذا أحطت علما، فَاعْلَم أَن النَّاس اخْتلفُوا على مَذَاهِب فِي الْإِجْمَاع فَالَّذِي صَار اليه النظام أَنه لَا حجَّة فِي اتِّفَاق الْأمة. وَلم يسْبق هُوَ إِلَى هَذَا الْخلاف. فَأول من أنكر الْإِجْمَاع النظام.
ثمَّ اخْتلف أَيْضا عَنهُ على دَرَجَات:
فَمنهمْ من صَار إِلَى أَن الْإِجْمَاع لَا يتَصَوَّر انْعِقَاده، فضلا عَن أَن يتَصَوَّر ثمَّ لَا تقوم بِهِ الْحجَّة.
стр. 945
وَمِنْهُم من قَالَ: يتَصَوَّر انْعِقَاده، وَلَكِن لَا يتَصَوَّر نَقله على وَجه.
وَمِنْهُم من قَالَ: يتَصَوَّر ذَلِك، وَلَا حجَّة فِيهِ، وَهَذَا مَذْهَب النظام. وَالَّذين صَارُوا إِلَى أَن إِجْمَاع الْمُسلمين حجَّة يقطع بهَا، افْتَرَقُوا فرْقَتَيْن: فَمنهمْ من رأى أَنه " يسْتَدرك " بقضية الْعقل، ويتأكد بِدلَالَة السّمع.
وَمِنْهُم من زعم أَن مدركه السّمع، وَلَا يدْرك بقضية الْعقل، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي نرتضيه وندين الله تَعَالَى بِهِ.
(إِثْبَات تصور انْعِقَاد الْإِجْمَاع)
وَذَلِكَ نوضح الرَّد على غَيره من الْمذَاهب.
١٣٣١ - فَأَما الَّذين قَالُوا من منكري الْإِجْمَاع، إِنَّه لَا يتَصَوَّر انْعِقَاده، فقد ذَهَبُوا فِي ذَلِك الى ضرب من الحسبان فِيمَا بَينهم وفنون من التُّهْمَة وَجحد الضَّرُورَة. وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: لقد صَحَّ من أصلكم - معاشر الْقَائِلين بِالْإِجْمَاع - أَن أهل الْإِجْمَاع لَا يتفقون على فعل وَلَا قَول إِلَّا عَن
стр. 946
دلَالَة. ثمَّ جوزتم أَن تِلْكَ الدّلَالَة خبر من أَخْبَار الْآحَاد، أَو " قِيَاس مستنبط " يخفى مدركه! وَنحن نعلم أَن عُلَمَاء الأقطار يَسْتَحِيل مِنْهُم العثور فِي مجاري الْعَادَات على قِيَاس وَاحِد أَو خبر وَاحِد.
فَيُقَال / لهَؤُلَاء: " الَّذِي ذكرتموه تحكم على الْعَادة. وَذَلِكَ أَن عُلَمَاء الشَّرْع متعبدون بِشدَّة الفحص و " التنقير " عَن الْأَدِلَّة، وتتبع الأمارات المنصوبة على الْأَحْكَام. وهم " دائبون " فِيهِ فِي مُعظم الْأَوْقَات فِي غلبات ظنونهم، وتطلب مِنْهُم فِيمَا تعبدوا بِهِ. وَهَذَا الْمَعْنى فيهم أَشد الدَّوَاعِي على العثور على الْمَقَاصِد. فَلَا يبعد فِي مجاري الْعَادَات عثورهم جَمِيعًا على خبر أَو قِيَاس.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الَّذين يزِيد عَددهمْ على عدد الْمُسلمين، تراهم فِي شَرق الأَرْض وغربها. فقد اتّفقت كلمتهم واتفقت " دَارهم " على شُبْهَة وَاحِدَة تَقْتَضِي فِي مجْرى الْعَادة قودهم إِلَى الْكفْر وحيدهم عَن الْحق، نَحْو اجْتِمَاع " الملحدة " على الدَّهْر، واجتماع النَّصَارَى على التَّثْلِيث مَعَ اتِّحَاد الأقنومية.
стр. 947
فَإِذا كَانَ يتَصَوَّر فِي مجاري الْعَادَات اجْتِمَاع الْمَلأ الْعَظِيم على الشُّبْهَة الْوَاحِدَة، فَلَا وَجه يمْنَع لما تصور اجْتِمَاع الْمُسلمين على أَمارَة من الأمارات.
(إِثْبَات صِحَة نقل الْإِجْمَاع، وَالرَّدّ على الإيرادات)
١٣٣٢ - فَإِن قيل: إِذا سلم لكم تصور انْعِقَاد الْإِجْمَاع، فَلَا نسلم لكم صِحَة نَقله فِي حق آحَاد الْأمة. وَذَلِكَ أَنا نعلم كَثْرَة عُلَمَاء الْإِسْلَام فِي أقطار الدُّنْيَا، نَحْو أقاصي الشرق والغرب وجزائر وَسَائِر الأقطار.
فَكيف يتَحَقَّق للْوَاحِد الطّواف على كَافَّة الْعلمَاء، وَأخذ أَقْوَالهم متفقة فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة؟ وَإِن " تصور " ذَلِك " فَمَا " يومن وَأَن لم ينْتَه إِلَى الثَّانِي إِلَّا رَجَعَ الأول عَن قَوْله؟ وَإِذا لم يتَصَوَّر من هَذَا الْوَجْه، فَلَا يتَصَوَّر أَيْضا نقل. فَإِن طرق النَّقْل تبدأ من الْآحَاد، وَإِذا لم يتَصَوَّر ذَلِك فيهم، لم يتَصَوَّر نَقله أصلا.
قُلْنَا: هَذَا عناد مِنْكُم ومراغمة لما عهد فِي مجاري الْعَادَات ضَرُورَة وبديهة. فَإنَّا نعلم أَنه قد تتواصل الْأَخْبَار على امتداد الْأَعْصَار من أقْصَى الْأَمْصَار والأقطار باتحاد أقاويل الْعلمَاء فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل. وَهَذَا كَمَا أَنه قد تحقق عندنَا اتِّفَاق الْعلمَاء على عدد الصَّلَوَات وركعاتها وسجداتها، إِلَى غير [ذَلِك] من أَحْكَامهَا. والمستريب فِي ذَلِك متعرض لجحد الضَّرُورَة.
وَكَذَلِكَ نعلم قطعا اتِّفَاق النَّصَارَى على التَّثْلِيث وَجحد نبوة مُحَمَّد [ ﷺ ] ،
стр. 948
وَمَا " قدره " من الاستحالة يتَحَقَّق فِي كل مَا تمثلنا بِهِ.
وَكَذَلِكَ نعلم أَن الْمُعْتَزلَة قَائِلُونَ بِخلق الْقُرْآن. فَلَا أحد مِنْهُم إِلَّا يَقُول بذلك فَبَطل مَا قَالُوهُ.
١٣٣٣ - فَإِن قَالُوا: كَمَا يبعد فِي مُسْتَقر الْعَادة اتِّفَاق الْعلمَاء المتبددين فِي الْأَمْصَار مَعَ اخْتِلَاف أغراضهم وتباين آرائهم، أَن يجتمعوا على اخْتِلَاف من القَوْل، وزور وَكذب، على تواضع وتواطئ، أَو وفَاقا من غير سَبَب، فَهَذَا مستنكر فِي الْعَادة. كَمَا يستنكر أَن يتَّفق فِي الْوَقْت الْوَاحِد لكافة الْبَريَّة قعُود على صفة وَاحِدَة أَو قيام، أَو نَحْوهمَا من الْأَوْصَاف. وكما يَسْتَحِيل ذَلِك، فَكَذَلِك يَسْتَحِيل اتِّفَاقهم على حكم وَاحِد، قولا أَو فعلا.
وَهَذَا الَّذِي ذكرتموه، تحكم، على الْعَادَات، واقتراب من المطاعن فِي الضروريات. وَذَلِكَ أَن نقُول لَهُم: أَلَيْسَ قد ثَبت جَوَاز اتِّفَاق أهل التَّوَاتُر على نقل شَيْء عاينوه وشاهدوه؟ ثمَّ نعلم مَا نقلوه صدقا ضَرُورَة. على مَا قدمْنَاهُ فِي كتاب الْأَخْبَار.
فَلَو قَالَ الْقَائِل: إِذا تصور اجْتِمَاعهم على نقل صدق / فَيَنْبَغِي أَن يتَصَوَّر اتِّفَاقهم على نقل كذب! فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم لَو قدر مُفردا، بصدد أَن يتَصَوَّر مِنْهُ ذَلِك. فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك، لِأَن النُّفُوس مجبولة على نقل الصدْق، مَحْمُولَة على خلاف طباعها إِذا نقلت الْكَذِب.
قُلْنَا هَذَا تحكم. فَرب متطبع بِالْكَذِبِ لَا يصدق، إِلَّا بعد كدَ مِنْهُ
стр. 949
لطباعه، ثمَّ مَا أنكرتم من مثل ذَلِك فِي الْمُتَنَازع فِيهِ، فَنَقُول: يتَصَوَّر اجْتِمَاعهم على صَوَاب لكَوْنهم متعبدين بِطَلَبِهِ واتصاف الدعاوي فِيهِ، فوضحت هَذِه الْأُصُول، واستندت فِي وضوحها الى الضروريات.
(الرَّد على من زعم أَن يكون أَن حجية الْإِجْمَاع يدْرك بقضية الْعقل)
١٣٣٤ - وَأما وَجه الرَّد على من زعم أَن كَون الْإِجْمَاع يدْرك بقضية الْعقل، فَهُوَ أَن نقُول: الْعُقُول لَا تَفْضِيل فِي قضاياها بَين فِئَة وَفِئَة، وَأهل مِلَّة وملة. " فَكَمَا " يجوز فِي الْمَعْقُول اتِّفَاق النَّصَارَى وَسَائِر الْكَفَرَة على جحد نبوة مُحَمَّد [ ﷺ ] مَعَ خطئهم فِي إنكارهم وجحدهم. فَكَذَلِك لَيْسَ من الْمَعْقُول منع من تَجْوِيز مثل ذَلِك فِي أمة مُحَمَّد [ ﷺ ] .
стр. 950
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَيْضا، أَنه لما اسْتَحَالَ فِي مُسْتَقر الْعَادة أَن ينْقل أهل التَّوَاتُر مَا شاهدوه، وَلَا يُوجب نقلهم الْعلم الضَّرُورِيّ. مَعَ الْأَوْصَاف الْمَشْرُوطَة فِي أَخْبَار التَّوَاتُر. فَلم يفصل فِي ذَلِك بَين أمة وَأمة. وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.
فَإِن قَالُوا: الْعقل يحِيل اجْتِمَاع الْعلمَاء على بَاطِل وافتعال وكتمان حق وَوضع كذب. وَهَذَا مُسْتَدْرك فِي مجْرى الْعَادة.
قُلْنَا: فَأهل الْملَل [إِذا] قيسوا بعلماء الْإِسْلَام [فَإِنَّهُم] يزِيدُونَ عَلَيْهِم أضعافا مضاعفة. ثمَّ نراهم قد اتّحدت كلمتهم فِي ضروب من الْخَطَأ والضلال وَالْكفْر والمحال. والعادات لَا تخْتَلف باخْتلَاف الْأَدْيَان. فَمَا ذَكرُوهُ من رَكِيك من القَوْل.
١٣٣٥ - وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ أَيْضا، أَن قَالُوا: قد ثَبت اسْتِمْرَار شرع رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى أَن ينْفخ فِي الصُّور، وَلَا تقوم الشَّرِيعَة إِلَّا بِحجَّة قَاطِعَة. وَلما كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] بَين أظهر أَصْحَابه كَانَ قَوْله مَقْطُوعًا بِهِ. فَلَمَّا اسْتَأْثر الله بِهِ [ ﷺ ] إِلَى رَحمته، فَيجب تَقْدِير حجَّة يقطع بهَا فِي التباس المشكلات وإتمام المعضلات. وَمَا هُوَ [إِلَّا] الْإِجْمَاع.
قُلْنَا: هَذَا أوضح فَسَادًا من كل فَاسد، والإطناب فِيهِ بعد عَن الْمَقْصد، وَالَّذِي يُبطلهُ على قرب، أَن النَّبِي [ ﷺ ] قد خلف فِينَا الْكتاب وَالسّنة المتواترة المستفيضة، وَيقوم الْقطع بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا. فَهَلا وَقع الاجتزاء بهما؟ وَكَذَلِكَ أَخْبَار الْآحَاد وطرق المقايس يقطع بهَا فِي إِيجَاب الْعَمَل. فَوَقع بهَا الاجتزاء.
следующие страницы →