Полный текст (1 287 стр.). Показаны 1261–1287 · переход к 1266.
стр. 1261
(فقد صحّح أَنه) أَي نَفاذ الْقَضَاء (مذْهبه) أَي أبي حنيفَة فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة، فَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه (قُلْنَا) فِي الْجَواب لتصحيح النَّقْل للاتفاق (النَّفاذ) أَي نَفاذ الْقَضَاء (بِتَقْدِير الْفِعْل) أَي على تَقْدِير وُقُوع الْقَضَاء (لَا يُوجب حلّه) أَي الْفِعْل، وَإِذا كَانَ الْقَضَاء بِرَأْي الْغَيْر حَرَامًا عِنْده فقد اتّفق مَعَ الْقَوْم فِي الْمَنْع عَن التَّقْلِيد (نعم ذكر بَعضهم) كصاحب الْمُحِيط (أَنه ذكر الْخلاف فِي بعض الْمَوَاضِع فِي النَّفاذ، وَفِي بَعْضهَا فِي الْحل) أَي حل الْقَضَاء بِخِلَاف مذْهبه (لَكِن لَا يلْزم أَن الْمعول الْحل، بل يجب تَرْجِيح رِوَايَة النَّفْي) للْحلّ، لِأَن الْمُجْتَهد مَأْمُور بِاتِّبَاع ظَنّه إِجْمَاعًا (وَصرح بِأَن ظَاهر الْمَذْهَب عدم تَقْلِيد التَّابِعِيّ وَإِن روى خِلَافه) كَمَا سبق بَيَانه قبيل فصل التَّعَارُض.
مسئلة
(إِذا تَكَرَّرت الْوَاقِعَة) بالاحتياج إِلَيْهَا مرّة بعد أُخْرَى للْعَمَل أَو الافتاء هَل يجب عَلَيْهِ تَكْرِير النّظر وتجديد الِاجْتِهَاد فِيهَا أم يَكْفِي الِاجْتِهَاد الأول؟ (قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب وَغَيره (الْمُخْتَار لَا يلْزمه تَكْرِير النّظر لِأَنَّهُ) أَي إِلْزَام التكرير (إِيجَاب بِلَا مُوجب، وَقيل: يلْزمه) تَكْرِير النّظر، وَبِه جزم القَاضِي وَابْن عقيل (لِأَن الِاجْتِهَاد كثيرا مَا يتَغَيَّر) فَيرجع صَاحبه عَنهُ إِلَى غَيره (وَلَيْسَ) ذَلِك التَّغَيُّر (إِلَّا بتكريره) أَي النّظر (فالاحتياط ذَلِك) أَي تكريره، لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْعَمَلِ بِمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ بذل وَسعه عِنْد الْعَمَل، وَهُوَ متفاوت بِاعْتِبَار الْأَوْقَات (أُجِيب) بِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْأَمر كَمَا ذكرت لَا يَنْتَهِي إِلَى حد (فَيجب تكراره) أَي النّظر (أبدا لِأَنَّهُ) أَي الِاجْتِهَاد (يحْتَمل ذَلِك) التَّغَيُّر (فِي كل وَقت يمْضِي بعد الِاجْتِهَاد الأول) وَالْوُجُوب الأبدي لَهُ بَاطِل اتِّفَاقًا (وَهَذَا) أَي وجوب التّكْرَار أبدا (لَيْسَ بِلَازِم) للُزُوم تَكْرِير النّظر عِنْد تكَرر الْوَاقِعَة (لِأَن وجوب الِاجْتِهَاد لَا يثبت إِلَّا عِنْد وُقُوع (الْحَادِثَة بِشَرْطِهِ) أَي بِشَرْط وُجُوبه، وَإِذا تحقق شَرطه فاجتهد فَأدى إِلَى الحكم (فقد أَخذ السَّبَب) أَي شَرط وجوب الِاجْتِهَاد أَو الِاجْتِهَاد (حكمه) أَي الِاجْتِهَاد على الأول. أَو مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد على الثَّانِي، وَحِينَئِذٍ يَنْتَهِي وجوب الِاجْتِهَاد بِاعْتِبَار ذَلِك السَّبَب (وَاحْتِمَال الْخَطَأ فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الِاجْتِهَاد الْمَذْكُور (لم يقْدَح) فِي أَدَاء مَا وَجب على الْمُجْتَهد (فَلَا يجب) الِاجْتِهَاد (الآخر إِلَّا بِمثلِهِ) أَي بِمثل شَرط وجوب الأول، فَإِذا تحقق شَرط وجوب الآخر وَجب وَإِلَّا فَلَا فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون مُرَاد الْقَائِل بِلُزُوم التكرير من وجوب التّكْرَار إبداء وُجُوبه عِنْد كل مرّة من مَرَّات وُقُوع الْحَادِثَة المستجمعة شُرُوط وجوب الِاجْتِهَاد قلت إِذن لَا نسلم
стр. 1262
بطلَان الثَّانِي. كَيفَ وَقد وَقع الْخلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء. وَقَالَ الْآمِدِيّ: الْمُخْتَار أَنه إِذا لم يكن ذَاكِرًا لاجتهاده الأول يجب التكرير وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ السُّبْكِيّ: الْأَصَح فِي مَذْهَبنَا عدم لُزُوم التَّجْدِيد فِيمَا إِذا لم يذكر الدَّلِيل الأول، وَلم يَتَجَدَّد مَا يُوجب الرُّجُوع عَن الأول، فَإِن كَانَ ذَاكِرًا لم يلْزمه قطعا، وَإِن تجدّد مَا يُوجب الرُّجُوع يجب عَلَيْهِ قطعا انْتهى. وَفِي رَوْضَة الْحُكَّام اجْتهد لنازلة فَحكم أَو لم يحكم، ثمَّ حدثت ثَانِيًا فِيهِ وَجْهَان، الصَّحِيح إِذا كَانَ الزَّمَان قَرِيبا لَا يخْتَلف فِي مثله الِاجْتِهَاد لَا يستأنفه، وَإِلَّا اسْتَأْنف. وَذكر الشَّافِعِيَّة فِي الْعَاميّ استفتى ثمَّ وَقع لَهُ الْحَاجة إِلَى ذَلِك ثَانِيًا إِن أفتاه عَن نَص: كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع، أَو كَانَ متبحرا فِي مذْهبه وَإِن لم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد فأفتاه عَن نَص صَاحب الْمَذْهَب فَلهُ أَن يعْمل بالفتوى الأولى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أصَحهمَا لُزُوم السُّؤَال ثَانِيًا إِلَى غير ذَلِك يطْلب تفاصيله فِي مَحَله.
مسئلة
(لَا يَصح فِي مسئلة لمجتهد) وَاحِد فِي وَقت وَاحِد (قَولَانِ) من غير أَن يكون أَحدهمَا مرجوعا عَنهُ (للتناقض) أَي للُزُوم اعْتِقَاد النقيضين، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِمَّا عين نقيض الآخر أَو مُسْتَلْزم لَهُ (فَإِن) نسب إِلَى مُجْتَهد وَاحِد قَولَانِ، و (عرف الْمُتَأَخر) مِنْهُمَا صدورا عَنهُ (تعين) الْمُتَأَخر (رُجُوعا) أَي مرجوعا إِلَيْهِ عَن الأول، أَو الْمَعْنى تعين الْمصير إِلَى الْمُتَأَخر رُجُوعا عَن الأول (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعرف الْمُتَأَخر (وَجب تَرْجِيح الْمُجْتَهد) أَي الَّذِي اجْتهد (بعده) أَي بعد الْمُجْتَهد الَّذِي نسب إِلَيْهِ الْقَوْلَانِ (بِشَهَادَة قلبه) مُتَعَلق بالترجيح: أَي وَجب فِي الْعَمَل بِأحد الْقَوْلَيْنِ أَن يرجح الْمُجْتَهد الثَّانِي أَحدهمَا بِسَبَب أَن يمِيل قلبه إِلَيْهِ بِاعْتِبَار مَا ظهر عِنْده من الأمارة الدَّالَّة على كَونه أقرب إِلَى الصَّوَاب (وَعند بعض الشَّافِعِيَّة يخبر متبعه) أَي صَاحب الْقَوْلَيْنِ (الْمُقَلّد) صفة كاشفة للمتبع لِأَن الْمُجْتَهد لَا يجوز لَهُ الِاتِّبَاع (فِي الْعَمَل) مُتَعَلق بيخير (بِأَيِّهِمَا) أَي الْقَوْلَيْنِ، وَالْجَار مُتَعَلق بِالْعَمَلِ (شَاءَ: كَذَا فِي بعض كتب الْحَنَفِيَّة الْمَشْهُورَة) صفة للكتب، (وَكَانَ المُرَاد بالمجتهد) فِي قَوْلهم وَجب تَرْجِيح الْمُجْتَهد: الْمُجْتَهد (فِي الْمَذْهَب وَإِلَّا فترجيح) الْمُجْتَهد (الْمُطلق بِشَهَادَتِهِ) أَي بِشَهَادَة قلبه إِنَّمَا يكون (فِيمَا عَن) أَي ظهر (لَهُ) فِي اجْتِهَاده عِنْد تعَارض الأمارات الْمُخْتَلفَة فِي مَحل الِاجْتِهَاد، لَا فِي قَول مُجْتَهد آخر، وَهُوَ ظَاهر (وَالتَّرْجِيح) الْمَطْلُوب (هُنَا) لأحد الْقَوْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ التَّنْصِيص (على أَنه) أَي أَحدهمَا بِعَيْنِه هُوَ (الْمعول) أَي الْمُعْتَمد عَلَيْهِ (لصاحبهما) أَي الْقَوْلَيْنِ. (وَقَول الْبَعْض) من الشَّافِعِيَّة (يُخَيّر المتبع فِي الْعَمَل لَيْسَ خلافًا) لما قبله (بل) هُوَ (مَحل آخر) أَي مَا قبله، وَهُوَ وجوب التَّرْجِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهد فِي الْمَذْهَب
стр. 1263
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره من المقلدين فَكل وَاحِد من الْحكمَيْنِ: أَعنِي الْوُجُوب والتخيير مَحل آخر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ذكره ذَلِك الْبَعْض بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الْمُجْتَهد فِي حق الْعَمَل لَا التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا (وَفِي بَعْضهَا) أَي كتب الْحَنَفِيَّة (إِن لم يعرف تَارِيخ) للقولين (فَإِن نقل فِي أحد الْقَوْلَيْنِ عَنهُ) أَي صَاحب الْقَوْلَيْنِ (مَا يقويه) كَقَوْلِه هَذَا أشبه أَو تَفْرِيع عَلَيْهِ (فَهُوَ أَي ذَلِك القَوْل الْمُؤَيد بالمقوى (الصَّحِيح عِنْده) أَي عِنْد صَاحبهمَا، وَفِيه أَن مُجَرّد التقوية لَا تَسْتَلْزِم عدم صِحَة الآخر كَمَا يفهم من قَوْله: هُوَ الصَّحِيح (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم ينْقل عَنهُ مَا يقوى أَحدهمَا (إِن كَانَ) أَي وجد (مُتبع بلغ الِاجْتِهَاد) فِي الْمَذْهَب (رجح) أَحدهمَا (بِمَا مر من المرجحات إِن وجد) شَيْء مِنْهَا (وَإِلَّا يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَة قلبه، وَإِن كَانَ عاميا اتبع فَتْوَى الْمُفْتِي فِيهِ) أَي الْعَمَل أَو الْمَذْهَب (الأتقى الأعلم) الثَّابِت كَونه كَذَا (بِالتَّسَامُعِ) وَهَذَا بِنَاء على أَن الَّذِي يستفتى مِنْهُ غير صَاحب الْقَوْلَيْنِ (وَإِن) كَانَ (متفقها) تعلم الْفِقْه وتتبع كتب الْمَذْهَب من غير أَن يصير مُجْتَهدا فِي الْمَذْهَب كَمَا يدل عَلَيْهِ صِيغَة التفعل (تبع الْمُتَأَخِّرين) من أهل الْفَتْوَى فِي الْمَذْهَب (وَعمل بِمَا هُوَ أصوب وأحوط عِنْده، وَإِذ نقل قَول الشَّافِعِي فِي سبع عشرَة مسئلة فِيهَا قَولَانِ) كَمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَغَيره. قَوْله فِيهَا قَولَانِ مقول قَول الشَّافِعِي (حمل) قَول الشَّافِعِي فِيهَا قَولَانِ (على أَن للْعُلَمَاء) السَّابِقين عَلَيْهِ (قَوْلَيْنِ) فِيهَا، وَفَائِدَته التَّنْبِيه على أَنَّهَا مَحل الِاجْتِهَاد لم يَقع عَلَيْهَا الْإِجْمَاع، وَقيل التَّنْبِيه على أَن مَا سواهُمَا منفي بِالْإِجْمَاع على مَا بَين فِي مَحَله (أَو يحتملهما) أَي الْمحل يحْتَمل الْقَوْلَيْنِ لوُجُود تعادل الدَّلِيلَيْنِ عِنْده، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لم ينْسب إِلَيْهِ شَيْء مِنْهُمَا، ذكره الإِمَام الرَّازِيّ وَمن تبعه (أولى فِيهَا) قَولَانِ مَعْطُوف على قَوْله للْعُلَمَاء (على القَوْل بالتخيير عِنْد التعادل) أَي يتَخَيَّر الْمُجْتَهد عِنْد تعادل الدَّلِيلَيْنِ وَعدم رُجْحَان أَحدهمَا عِنْده فَيعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ: قَالَه القَاضِي فِي التَّقْرِيب، وَتعقبه إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ بِنَاء على اعْتِقَاده أَن مَذْهَب الشَّافِعِي تصويب الْمُجْتَهدين، لَكِن الصَّحِيح من مذْهبه أَن الْمُصِيب وَاحِد فَلَا يُمكن القَوْل عَنهُ بالتخيير، وَقد يكون الْقَوْلَانِ: التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة، ويستحيل التَّخْيِير بَينهمَا (أَو تقدما) أَي الْقَوْلَانِ (لي) فَيكون حِكَايَة لقوليه المرتبين فِي الزَّمَان الْمُتَقَدّم فَقَوله: أَو يحتملهما، وَقَوله أَو تقدما معطوفان على قَوْله ان للْعُلَمَاء بارادة الْمَعْنى المصدري: أَي حمل على احتمالهما أَو تقدمهما بتقرراته، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَعِنْدِي أَنه حَيْثُ نَص على الْقَوْلَيْنِ فِي مَوضِع وَاحِد فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ مَذْهَب، وَقَالَ هَذَا يدل على علو رتبته وَعلمه بطرق الِاشْتِبَاه، وَأما اخْتِلَاف الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة فَلَيْسَ من بَاب الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ الإِمَام أَبُو بكر البليغي: أَن الِاخْتِلَاف فِي الرِّوَايَة عَنهُ من وُجُوه: مِنْهَا الْغَلَط فِي السماع، وَمِنْهَا رِوَايَة قَول رَجَعَ عَنهُ وَلم يعلم
стр. 1264
الرَّاوِي رُجُوعه، وَمِنْهَا أَنه قَالَ الْقيَاس كَذَا وَالِاسْتِحْسَان كَذَا وَلَا يعرف الرَّاوِي ذَلِك ويروى مُطلقًا إِلَى غير ذَلِك.
مسئلة
(لَا ينْقض حكم اجتهادي) أَي حكم أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد مُجْتَهد مستجمع شَرَائِط الِاجْتِهَاد (صَحِيح) صفة أُخْرَى للْحكم بِأَن كَانَ القَاضِي الْحَاكِم قد رأى شَرَائِط صِحَة الحكم عِنْد المرافعة من صِحَة الدَّعْوَى وَصِحَّة الْبَيِّنَة إِلَى غير ذَلِك، فَلَا يرد مَا قيل من أَن الْوَجْه إِسْقَاط قَوْله (إِذا لم يُخَالف مَا ذكر) من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِذا خَالف مَا ذكر لَا يكون صَحِيحا، وَإِذا رفع إِلَى قَاض آخر حكم كَذَا لَا يجوز لَهُ أَن ينْقضه بل يمضيه، ثمَّ لَا فرق بَين أَن يكون الْحَاكِم بذلك الحكم نَفسه بِأَن حكم بِشَيْء ثمَّ تغير اجْتِهَاده أَو غَيره (وَإِلَّا) أَي وَإِن جوز النَّقْض للْحكم الْمَذْكُور (نقض) ذَلِك (النَّقْض) أَيْضا (وتسلسل) إِذْ لَا يَنْتَهِي النَّقْض بعد فتح بَابه إِلَى حد (فَيفوت) فَائِدَة (نصب الْحَاكِم من قطع المنازعات) بَيَان للفائدة، وَحكى الِاتِّفَاق على هَذِه المسئلة الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهمَا، فَلَا وَجه لتجويز الْبَعْض نقض مَا بَان فِيهِ أَن غَيره أصوب (وَفِي أصُول الشَّافِعِيَّة لَو حكم) حَاكم مُجْتَهد (بِخِلَاف اجْتِهَاده وَإِن) كَانَ (مُقَلدًا فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الحكم مُجْتَهدا آخر (كَانَ) ذَلِك الحكم (بَاطِلا اتِّفَاقًا) أَفَادَ بِأَن الوصلية أَنه لَو حكم بِخِلَاف اجْتِهَاده من غير اتِّبَاع مُجْتَهد آخر كَانَ ذَلِك أولى بِالْبُطْلَانِ (وَعلل) الْبطلَان كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (بِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بظنه وَعدم جَوَاز تَقْلِيده) مَعْطُوف على مَدْخُول الْبَاء فِي قَوْله أَنه: أَي وَعلل بِعَدَمِ جَوَاز تَقْلِيده (إِجْمَاعًا) أَي أجمع على الْوُجُوب وَعدم الْجَوَاز الْمَذْكُورين إِجْمَاعًا (إِنَّمَا الْخلاف) فِي جَوَاز (التَّقْلِيد (قلبه) اي الِاجْتِهَاد (على مَا مر، وَأَنت علمت قَول أبي حنيفَة بنفاذ قَضَائِهِ) أَي الْمُجْتَهد (على خلاف اجْتِهَاده فَبَطل عدم نفاذه) أَي بَطل دَعْوَى اتِّفَاق عدم نفاذه (وَأَن فِي) جَوَاز (التَّقْلِيد بعد الِاجْتِهَاد رِوَايَتَيْنِ) عَن أبي حنيفَة أَيْضا، يرد عَلَيْهِ أَنه ذكر فِي مسئلة الْمُجْتَهد بعد اجْتِهَاده فِي حكم أَنه مَمْنُوع من التَّقْلِيد اتِّفَاقًا، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ ذكر هُنَاكَ على طبق مَا قَالُوا، وَهَهُنَا ذكر اقْتِضَاء تَحْقِيقه (ثمَّ عدل حل التَّقْلِيد لَا يسْتَلْزم عدم النَّفاذ لَو ارْتكب) الْمُجْتَهد التَّقْلِيد الْمحرم على القَوْل بحرمته (فكم) من (تصرف لَا يحل) وَلَكِن (يَنْبَنِي عَلَيْهِ صِحَة ونفاذ لآخر) أَي تصرف آخر كعتق المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا، فَإِن الشِّرَاء تصرف فَاسد وَقد انبنى عَلَيْهِ الْعتْق الصَّحِيح الَّذِي هُوَ تصرف آخر (وللشافعية: فرع) وَهُوَ أَنه (لَو تزوج مُجْتَهد بِلَا ولي) بِنَاء على جَوَازه فِي اجْتِهَاده (فَتغير) اجْتِهَاده بِأَن رَآهُ غير جَائِز (فالمختار التَّحْرِيم مُطلقًا) أَي حكم
стр. 1265
الْحَاكِم بِالْجَوَازِ أَولا (لِأَنَّهُ) حِينَئِذٍ (مستديم لما يَعْتَقِدهُ حَرَامًا، وَقيل) التَّحْرِيم تقيد (بِقَيْد أَن لَا يحكم بِهِ) أَي بِالْجَوَازِ قبل تغير اجْتِهَاده (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق الْقَيْد الْمَذْكُور بِأَن حرم النِّكَاح بِلَا ولي بَعْدَمَا رفع إِلَى حَاكم يرى جَوَازه فَحكم بِصِحَّة النِّكَاح (نقض الحكم) أَي وَألا يلْزم نقض حكم الْحَاكِم فِي مَحل مُجْتَهد فِيهِ (بِالِاجْتِهَادِ) وَالْحكم لَا ينْقض بِالِاجْتِهَادِ. وَفِيه أَن عدم نقض الحكم مُسلم لَكِن لَا يلْزم مِنْهُ الْحل فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَتَأمل (وَلَوْلَا) (مَا) روى (عَن أبي يُوسُف) على مَا سَيَأْتِي (لحكم بِأَن الْخلاف) الْوَاقِع من الْمُطلق جملَة على الْإِطْلَاق (خطأ وَأَن الْقَيْد) الْمَذْكُور (مُرَاد الْمُطلق إِذْ لم ينْقل خلاف فِي) الْمَسْأَلَتَيْنِ (السابقتين) فِي مسئلة (المجتهدة) الْحَنَفِيَّة (زَوْجَة الْمُجْتَهد) الشَّافِعِي، يَعْنِي فِي حلهَا لَهُ وحرمته عَلَيْهَا إِذا قَالَ لَهَا أَنْت بَائِن ثمَّ رَاجعهَا (و) فِي مسئلة (حلهَا) أَي الَّتِي تزَوجهَا مُجْتَهد بِلَا ولي ثمَّ مُجْتَهد بولِي (للاثنين) أَي الْمُجْتَهدين الْمَذْكُورين، حَيْثُ قَالَ فَيلْزم فِيهِ رَفعه إِلَى قَاض يحكم بِرَأْيهِ فَيلْزم الآخر، فَالْحكم بِلُزُوم حكم القَاضِي على الآخر من غير ذكر خلاف دَلِيل على أَن مَا حكم بِهِ القَاضِي فِي مَحل الْخلاف لَا ينْقض بالِاتِّفَاقِ سَوَاء تغير اجْتِهَاد الْمَحْكُوم عَلَيْهِ أَو لم يتَغَيَّر، فَإِذن لزم حمل قَول الشَّافِعِيَّة فِي الْفَرْع الْمَذْكُور بِإِطْلَاق التَّحْرِيم عِنْد تغير الِاجْتِهَاد على مَا إِذا لم يحكم بِهِ حَاكم، لَكِن كَلَام أبي يُوسُف على مَا سَيَأْتِي يدل على أَن مَا ذكر فِي السابقتين لَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ (وَلِأَن الْقَضَاء) فِي الْمحل الْمُخْتَلف فِيهِ (يرفع حكم الْخلاف) من جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَترك الْعَمَل بِالْآخرِ فَيصير المقضى بِهِ وَاجِب الْعَمَل بِعَيْنِه إِلَّا إِذا كَانَ نفس الْقَضَاء مُخْتَلفا فِيهِ (لَكِن عِنْده) أَي أبي يُوسُف (فِي مُجْتَهد طلق) امْرَأَته (أَلْبَتَّة) أَي طَلَاق الْبَتَّةَ بِأَن قَالَ أَنْت طَالِق الْبَتَّةَ يَقع بِهِ بَائِن عندنَا، رَجْعِيّ عِنْد الشَّافِعِي (وَنوى) بِهِ (وَاحِدَة فَقضى) عَلَيْهِ (بِثَلَاث) بِأَن كَانَ القَاضِي يرى وُقُوع الثَّلَاث بِهِ لِأَن الْبَتّ الَّذِي هُوَ الْقطع إِنَّمَا يحصل بهَا (إِن كَانَ) الْمُجْتَهد الْمُطلق (مقضيا عَلَيْهِ) بِأَن كَانَ مدعي الثَّلَاث زَوجته (لزم) أَي وَقع عَلَيْهِ الثَّلَاث إلزاما من القَاضِي لحق الْخصم (أَو) كَانَ مقضيا (لَهُ) بِأَن كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي للثلاث (أَخذ) الْمقْضِي لَهُ (بأشد الْأَمريْنِ) وأصعبهما على نَفسه، وَالْمرَاد بالأمرين: الْمقْضِي بِهِ، وَهُوَ الثَّلَاث هُنَا، وَحكم رَأْيه، وَإِنَّمَا لم يتَعَيَّن فِي الْمقْضِي بِهِ لِأَنَّهُ حق الْمقْضِي لَهُ، فَلهُ أَن يتْركهُ وَيَأْخُذ بِمَا هُوَ الأولى مِنْهُ (فَلَو قضى) للزَّوْج الْمُجْتَهد (بالرجعة) أَي بِصِحَّتِهَا فِي طَلَاق اخْتلف فِي كَونه متعقبا للرجعة (ومعتقده) أَي الزَّوْج أَنه يَتَرَتَّب على طَلَاقه (الْبَيْنُونَة يُؤْخَذ بهَا) أَي بالبينونة لكَونهَا أَشد الْأَمريْنِ (فَلم يرفع حكم رَأْيه) أَي الْمُجْتَهد (بِالْقضَاءِ مُطلقًا كَقَوْل مُحَمَّد) فَإِنَّهُ قَالَ يرفع مُطلقًا. قَوْله كَقَوْل مُحَمَّد صفة الْمَفْعُول الْمُطلق: أَي رفعا مثل مقول مُحَمَّد فِي الْإِطْلَاق
стр. 1266
(وَلَو) فرض (أَن المتزوج مقلد) وَقد كَانَ صِحَة نِكَاحه مَبْنِيا على قَول مقلده (ثمَّ علم تغير اجْتِهَاد إِمَامه فالمختار كَذَلِك) أَي يحرم عَلَيْهِ كإمامه لِأَنَّهُ تبع لَهُ، وَقيل: لَا يحرم عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قد بنى عمله على قَول الْمُجْتَهد كَمَا هُوَ وَظِيفَة الْعَاميّ، وَيجْعَل إِمَامه بعد التَّغَيُّر بِمَنْزِلَة مُجْتَهد آخر (وَلَو تغير اجْتِهَاده) أَي الْمُجْتَهد (فِي أثْنَاء صلَاته عمل فِي الْبَاقِي) من صلَاته (بِهِ) أَي بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي (وَالْأَصْل) فِي مَسْأَلَة تغير اجْتِهَاد الْمُجْتَهد (أَن تغيره كحدوث النَّاسِخ يعْمل بِهِ فِي الْمُسْتَقْبل والماضي) من عمله الْمَبْنِيّ على الِاجْتِهَاد الأول ثَابت مُسْتَمر (على الصِّحَّة).
مسئلة
تعرف بمسئلة التَّعْرِيض (فِي أصُول الشَّافِعِيَّة، الْمُخْتَار جَوَاز أَن يُقَال للمجتهد: احكم بِمَا شِئْت بِلَا اجْتِهَاد فَإِنَّهُ) أَي مَا حكمت بِهِ (صَوَاب). قَالَ ابْن الصّباغ، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم غير الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب بالمجتهد والبيضاوي والسبكي بالعالم وَالنَّبِيّ، فالعامي خَارج. وَقَالَ الْآمِدِيّ بِجَوَازِهِ فِي حق الْعَاميّ أَيْضا، وَمنعه غَيره: وَهَذَا القَوْل فِي حق النَّبِي ﷺ بِالْوَحْي، وَفِي غَيره بإعلام النَّبِي أَو بالإلهام، وَقيل: يجوز للنَّبِي دون غَيره. وَذكر ابْن السَّمْعَانِيّ أَن كَلَام الشَّافِعِي فِي الرسَالَة يدل على هَذَا. وَقَالَ أَكثر الْمُعْتَزلَة لَا يجوز. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ أَنه الصَّحِيح (وَتردد الشَّافِعِي) فِي الْجَوَاز (ثمَّ) اخْتلف فِي الْوُقُوع على تَقْدِير الْجَوَاز (الْمُخْتَار عدم الْوُقُوع، وَاسْتَدَلُّوا للتردد بتأديته) أَي الْجَوَاز (إِلَى اخْتِيَار مَا لَا مصلحَة فِيهِ) لعدم التَّأَمُّل وَالِاجْتِهَاد الْموصل إِلَى معرفَة وُجُوه الْمصَالح (فَيكون بَاطِلا) لِأَن الشَّارِع لَا يرتضيه (وَهَذَا) الدَّلِيل (يصلح للنَّفْي) أَي نفي الْجَوَاز (لَا للتردد الْمَفْهُوم مِنْهُ الْوَقْف ثمَّ الْعجب مِنْهُ) أَي الشَّافِعِي كَيفَ تردد فِي الْجَوَاز (وَالْفَرْض) أَي الْمَفْرُوض فِي تَصْوِير المسئلة (قَول الله تَعَالَى) للمجتهد الْمَذْكُور (مَا تحكم بِهِ صَوَاب) وَالله يحكم مَا يَشَاء وَيفْعل مَا يُرِيد على أَنه يجوز أَن يصونه بعد هَذَا التَّفْوِيض عَن اخْتِيَار مَا لَا مصلحَة فِيهِ (وَلَا مَانع من) قبل (الْعقل، والأليق أَن تردده فِي الْوُقُوع) لَا فِي الْجَوَاز (كَمَا نقل عَنهُ الْوُقُوع) وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى - ﴿كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه﴾) فَإِنَّهُ لَا يحرم يَعْقُوب على نَفسه إِلَّا بتفويض التَّحْرِيم إِلَيْهِ وَإِلَّا يلْزم أَن يفعل مَا لَيْسَ لَهُ، وشأن النَّبِي يَأْبَى ذَلِك (أُجِيب) بِأَنَّهُ (لَا يلْزم كَونه) أَي تَحْرِيم إِسْرَائِيل (عَن تَفْوِيض لجوازه) أَي لجَوَاز كَونه صادرا (عَن اجْتِهَاد فِي) حكم (ظَنِّي) وَإسْنَاد التَّحْرِيم إِلَيْهِ كَمَا يُقَال: حرم أَبُو حنيفَة، وَالْحَاكِم هُوَ الله. (وَقد يُقَال لَو) كَانَ تَحْرِيمه (عَنهُ) أَي عَن اجْتِهَاد (لم يكن كُله) أَي كل الطَّعَام مقولا فِيهِ كَانَ (حلا)
стр. 1267
لبني إِسْرَائِيل (قبله) أَي قبل اجْتِهَاده الْمُؤَدى إِلَى التَّحْرِيم (لِأَن الدَّلِيل) الَّذِي يرتبه الْمُجْتَهد إِنَّمَا (يظْهر فِي الحكم) الثَّابِت قبله (لَا ينشئه) أَي الدَّلِيل لَا يحدث الحكم (لقدمه) أَي الحكم، لِأَنَّهُ خطاب الله تَعَالَى المنزه عَن أَن يكون صِفَاته حَادِثَة وَالْحَاصِل ان الْقُرْآن دلّ على أَن كل الطَّعَام مِمَّا حرم إِسْرَائِيل وَغَيره قد كَانَ حلا قبل تَحْرِيمه، فَلَو كَانَ تَحْرِيمه بطرِيق الِاجْتِهَاد لزم أَن لَا يكون مَا حرم حلا قبل تَحْرِيمه، بل يكون حَرَامًا لم تظهر حرمته إِلَّا بعد اجْتِهَاده، لِأَن الدَّلِيل مظهر لما كَانَ ثَابتا. (قَالَ) الْقَائِل بالوقوع أَيْضا (قَالَ ﷺ " إِن الله حرم مَكَّة فَلم تحل لأحد قبلي وَلَا تحل لأحد بعدِي، وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار (لَا يخْتَلى خَلاهَا) وَلَا يعضد شَجَرهَا وَلَا تلْتَقط لقطتهَا إِلَّا الْمُعَرّف ". الخلا مَقْصُور النَّبَات الرَّقِيق مَا دَامَ رطبا. وَفِي الْقَامُوس اختلاه: خره أَو نَزعه (فَقَالَ الْعَبَّاس) يَا رَسُول الله (إِلَّا الأذخر، فَقَالَ إِلَّا الأذخر) والأذخر بِالذَّالِ وَالْخَاء المعجمتين وَكسر الْهمزَة وَالْخَاء: نبت طيب الرَّائِحَة مَعْرُوف و (مثله) أَي مثل هَذَا الالتماس والإجابة على الْفَوْر (لَا يكون) ناشئا (عَن وَحي لزِيَادَة السرعة) فِي الْجَواب على الْقدر الْمُعْتَاد فِي نزُول الْوَحْي مَعَ عدم ظُهُور علاماته (وَلَا) يكون عَن (اجْتِهَاد) لذَلِك أَيْضا (أُجِيب) عَن هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأحد أُمُور: كَون الأذخر لَيْسَ مِنْهُ) أَي من الخلا (واستثناء الْعَبَّاس مُنْقَطع) علم الْعَبَّاس إِبَاحَته باستصحابه حَال الْحل (وَفَائِدَته) أَي الِاسْتِثْنَاء (دفع توهم شُمُوله) أَي شُمُول الخلا: الأذخر من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول (بالحكم) أَي بِاعْتِبَار حكم الَّذِي هُوَ الْمَنْع (وتأكيد حَاله) الَّذِي هُوَ الْحل مَعْطُوف على دفع توهم (أَو) كَون الأذخر (مِنْهُ) أَي من الخلا (وَلم يردهُ) النَّبِي ﷺ من عُمُوم لفظ خَلاهَا كَمَا قيل: مَا من عَام إِلَّا وَخص مِنْهُ الْبَعْض (وَفهم) الْعَبَّاس (عدمهَا) أَي عدم إِرَادَته (فَصرحَ) بالمراد (ليقرر ﷺ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِلَّا الأذخر، وَقَررهُ على ذَلِك (وَأورد) على التَّوْجِيه الْأَخير بِأَنَّهُ (إِذا لم يرد) النَّبِي أَو الْعَبَّاس الأذخر بِلَفْظ الخلا (فَكيف يسْتَثْنى) الأذخر مِنْهُ، وَهل يتَصَوَّر الِاسْتِثْنَاء بِدُونِ تنَاول الْمُسْتَثْنى مِنْهُ للمستثنى (أُجِيب) عَن هَذَا الْإِيرَاد (بِأَنَّهُ) أَي الأذخر (لَيْسَ) مُسْتَثْنى (من) الخلا (الْمَذْكُور) فِي كَلَامه ﷺ (بل من مثله مُقَدرا) فِي كَلَام الْعَبَّاس، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يخْتَلى خَلاهَا إِلَّا الأذخر، فالعباس أخرج الأذخر بعد شُمُول صدر كَلَامه إِيَّاه، وَأما كَلَامه ﷺ فَلَا اسْتثِْنَاء فِيهِ، غير أَن الأذخر غير مندرج فِيهِ (وَهَذَا السُّؤَال) يَعْنِي الْإِيرَاد الْمَذْكُور (بِنَاء) أَي مَبْنِيّ (على مَا تقدم) فِي بحث الِاسْتِثْنَاء (من اخْتِيَار أَن الْمخْرج) من الصَّدْر (مُرَاد بالصدر بعد دُخُوله) أَي الْمخْرج (فِي دلَالَته)
стр. 1268
أَي الصَّدْر عَلَيْهِ، فالمخرج مَدْلُول الصَّدْر بِاعْتِبَار الْوَضع مُرَاد للمتكلم عِنْد الِاسْتِعْمَال خلافًا لمن قَالَ مَدْلُول لَهُ غير مُرَاد مِنْهُ (ثمَّ أخرج) الْمخْرج بعد الدّلَالَة والإرادة (ثمَّ أسْند) الحكم إِلَى الصَّدْر، فالمحكوم عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ الْبَاقِي بعد الثنيا (وَنحن وجهنا قَول الْجُمْهُور) هُنَا (أَنه) أَي بِأَن الْمخْرج (لم يرد) بالصدر، وَإِن كَانَ مدلولا بِحَسب الْوَضع (و) كلمة (إِلَّا قرينَة عدم الْإِرَادَة) مِنْهُ (كَمَا هُوَ) أَي عدم إِرَادَة بعد إِفْرَاد الْعَام يتَحَقَّق (بِسَائِر التخصيصات) للعمومات (فَلَا حَاجَة للسؤال) أَي إِلَى السُّؤَال (وتكلف هَذَا الْجَواب) لِأَن مدَار السُّؤَال على كَون الْمُسْتَثْنى مرَادا بصدر الْكَلَام وَإِذا لم يكن مرَادا بِهِ لأتيح السُّؤَال (وَإِمَّا مِنْهُ) أَي من الْخَلَاء، وَهِي عديلة قَوْله أَو مِنْهُ، وَكِلَاهُمَا للْعَطْف على قَوْله لَيْسَ مِنْهُ (وَأُرِيد) أَي الأذخر (بالحكم) وَهُوَ منع الْقطع (ثمَّ نسخ) الحكم الْمَذْكُور (بِوَحْي) سريع النُّزُول (كلمح الْبَصَر) أَي كرجع الطّرف من أَعلَى الحدقة إِلَى أَسْفَلهَا (خُصُوصا على قَول الْحَنَفِيَّة إلهامه) ﷺ (وَحي، وَهُوَ إِلْقَاء معنى فِي الْقلب دفْعَة وَأورد) على هَذَا التَّوْجِيه المستدعى لنفي الِاسْتِثْنَاء تَحْقِيقا لِمَعْنى النّسخ أَن يُقَال (الِاسْتِثْنَاء يأباه) أَي النّسخ (أُجِيب بِأَن) النّسخ (الِاسْتِثْنَاء من مُقَدّر للْعَبَّاس) على مَا ذكر (لَا مِمَّا ذكره ﷺ والنسخ بعده) أَي بعد ذكره ﷺ مَقْرُونا (مَعَ ذكر الْعَبَّاس) يَعْنِي قَوْله: إِلَّا الأذخر، وَإِنَّمَا قَالَ مَعَ ذكر الْعَبَّاس، لِأَن قَوْله ﷺ إِلَّا الأذخر مُتَّصِل بِذكرِهِ، وَلَا بُد من سبق النّسخ على قَوْله ﷺ ، فَيلْزم مقارنته مَعَ قَول الْعَبَّاس، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَذكره ﷺ يَعْنِي قَوْله إِلَّا الأذخر (بعده) أَي بعد النّسخ (ثمَّ لَا يخفى أَن اسْتثِْنَاء الْعَبَّاس من مُقَدّر) فِي كَلَامه (على كل تَقْدِير) من التقادير الْمَذْكُورَة سَوَاء قُلْنَا بِانْقِطَاع الِاسْتِثْنَاء أَو باتصاله وَسَوَاء قُلْنَا بالنسخ أَو لَا (لِأَنَّهُ) أَي قَوْله ﷺ " لَا يخْتَلى خَلاهَا " (تركيب مُتَكَلم آخر ووحدة الْمُتَكَلّم مُعْتَبرَة فِي) وحدة (الْكَلَام) فَلَا يجوز أَن يتركب كَلَام وَاحِد من لفظ متكلمين، وَاللَّفْظ الْمُشْتَمل على الِاسْتِثْنَاء كَلَام وَاحِد (على مَا هُوَ الْحق) من الْقَوْلَيْنِ بِاعْتِبَار وحدة الْمُتَكَلّم وَعدم اعْتِبَارهَا وَذَلِكَ (لاشْتِمَاله) أَي الْكَلَام (على النِّسْبَة الإسنادية وَلَا يتَصَوَّر قِيَامهَا بِنَفسِهَا بمحلين) وَإِنَّمَا قَالَ بِنَفسِهَا لِأَن مَا بِنَفسِهَا يتَوَهَّم فِيهِ كَونه مركبا من لفظ اثْنَيْنِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة كلامان، وَنسبَة كلاميهما بِاعْتِبَار نفسيهما فَقَط قَائِمَة بِمحل وَاحِد وَلَكِن بِاعْتِبَار نفسيهما ونظيرها قَائِمَة بمحلين (و) كَذَا الِاسْتِثْنَاء (مِنْهُ ﷺ من مُقَدّر بِنَاء على التَّقْدِير الثَّانِي وَهُوَ تَوْجِيه النّسخ جعل مَا قبله من الْوُجُوه الأول لمشاركتها فِي عدم النّسخ، وَإِنَّمَا قَالَ (على الثَّانِي) لِأَن فِي الأول سَوَاء جعل الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا أَو مُتَّصِلا لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير لِاتِّحَاد الْمُتَكَلّم
стр. 1269
وَعدم النّسخ المستلزم شُمُول الْخَلَاء للأذخر قبله. (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بالوقوع أَيْضا (قَالَ ﷺ : لَوْلَا أَن أشق على أمتِي) أَي لَوْلَا مُخَالفَة إيقاعي إيَّاهُم فِي الْمَشَقَّة (لأمرتهم) بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء. أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وعلقه البُخَارِيّ وَهُوَ صَرِيح فِي أَن الْأَمر وَعَدَمه مفوض إِلَيْهِ، لِأَن مثل هَذَا مَا يَقُوله إِلَّا من كَانَ الْأَمر بِيَدِهِ (وَقَالَ) أَيْضا (لقَائِل أحجنا هَذَا لِعَامِنَا) أَي لسنتنا (أم لِلْأَبَد) أَي هَذَا الْحَج الَّذِي أَتَيْنَا بِهِ حق هَذِه السّنة، أم يكفينا إِلَى آخر الْعُمر: يَعْنِي هُوَ وَظِيفَة كل سنة أم وَظِيفَة الْعُمر، وَالْقَائِل الْأَقْرَع بن حَابِس (فَقَالَ) ﷺ (لِلْأَبَد وَلَو قلت نعم) لِعَامِنَا هَذَا (لوَجَبَ) الْحَج عَلَيْكُم فِي كل سنة "، والْحَدِيث صَحِيح اتِّفَاقًا: يَعْنِي لَا تسألوا مثل هَذَا السُّؤَال لِأَنَّهُ يتسبب لقولي نعم فتعجزون وَلَوْلَا أَن الْأَمر مفوض إِلَيْهِ لما أنْجز سُؤَالهمْ إِلَى الْجَواب بنعم، بل مُتَوَقف على الْوَحْي (" وَلما قتل) النَّبِي ﷺ (النَّضر بن الْحَارِث) أَمر عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بذلك بالصفراء فِي مرجعه من بدر فَقتله صبرا (ثمَّ سمع) ﷺ (مَا أنشدته أُخْته قتيلة) على مَا ذكر ابْن إِسْحَاق وَابْن هِشَام واليعمري. وَقَالَ السُّهيْلي: الصَّحِيح أَنَّهَا بنت النَّضر وَمَشى عَلَيْهِ الذَّهَبِيّ وَغَيره.
(مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا ... من الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق)
(فِي أَبْيَات) سَابِقَة على هَذَا مَذْكُورَة فِي الشَّرْح، وَالْمعْنَى أَي شَيْء كَانَ يَضرك لَو عَفَوْت؟ والفتى وَإِن كَانَ مضجرا مطويا على حنق وحقد قد يمن وَيَعْفُو (قَالَ) ﷺ (لَو بَلغنِي هَذَا) الشّعْر (قبل قَتله لمننت عَلَيْهِ) وَذكر الزبير بن بكار: فرق لَهَا رَسُول الله ﷺ حَتَّى دَمَعَتْ عَيناهُ، وَقَالَ لأبي بكر لَو سَمِعت شعرهَا مَا قتلت أَبَاهَا " فَلَو لم يكن الْقَتْل وَعَدَمه إِلَيْهِ لَكَانَ بُلُوغ الشّعْر وَعَدَمه على السوية (أُجِيب بِجَوَاز كَونه) ﷺ (خير فِيهَا) فِي هَذِه الصُّور الثَّلَاث (معينا) أَي تخييرا مَخْصُوصًا بهَا لِأَنَّهُ قيل لَهُ أَنْت مُخَيّر فِي إِيجَاب السُّؤَال وَعَدَمه وتكرار الْحَج وَعَدَمه وَقتل النَّضر وَعَدَمه.
وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا الِاحْتِمَال مَعَ بعده يأباه السِّيَاق خُصُوصا فِي الْأَخيرينِ (أَو) كَون مَا ذكره ﷺ (بِوَحْي سريع) لَا من تِلْقَاء نَفسه (وَلَا يخفى أَن) الْجَواب (الأول رُجُوع عَن الدَّعْوَى، وَهُوَ) أَي الدَّعْوَى (أَنه) أَي التَّفْوِيض (لم يَقع اعترافا بالْخَطَأ) فِي نفي الْوُقُوع مُطلقًا، وَلَك أَن نقُول بِجَوَاز أَن يكون مُرَاد الْمُدعى نفي التَّفْوِيض الْمُطلق فَلَا يُنَافِيهِ الْوُقُوع فِي الْجُمْلَة فَتَأمل (فَالْحق أَنه) أَي التَّفْوِيض فِي الْجُمْلَة (وَقع وَلَا يُنَافِي) وُقُوعه (مَا تقدم من أَنه) ﷺ (متعبد بِالِاجْتِهَادِ) أَي مَأْمُور بِهِ عِنْد حُضُور الْوَاقِعَة وَعدم النَّص (لِأَن وُقُوع التَّفْوِيض فِي أُمُور مَخْصُوصَة لَا يُنَافِيهِ) أَي كَونه متعبدا بِالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ وُقُوعه فِي
стр. 1270
الْكل وَلَا يخفى أَن المُصَنّف لَا يَدعِي مثل دَعوَاهُم حَتَّى يلْزم عَلَيْهِ الرُّجُوع عَن الدَّعْوَى بِهَذَا التَّحْقِيق (وَإِذن) أَي وَإِذا كَانَ التَّفْوِيض وَاقعا فِي الْجُمْلَة (فكونه) ﷺ (كَذَلِك) أَي فوض إِلَيْهِ (فِي الأذخر أسهل مِمَّا تكلّف) فِي أجوبته (وَأقرب إِلَى الْوُجُود) بِحَسب نفس الْأَمر. وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: هَذِه ال مسئلة وَإِن أوردهَا متكلمو الْأُصُولِيِّينَ فَلَيْسَتْ بمعروفة بَين الْفُقَهَاء، وَلَيْسَ فِيهَا كثير فَائِدَة لِأَنَّهَا فِي غير الْأَنْبِيَاء لم تُوجد وَلَا يتَوَهَّم وجوده فِي الْمُسْتَقْبل.
مسئلة
(يجوز خلو الزَّمَان عَن مُجْتَهد) كَمَا هُوَ الْمُخْتَار عِنْد الْأَكْثَر مِنْهُم الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (خلافًا للحنابلة) والأستاذ أبي إِسْحَاق والزبيري من الشَّافِعِيَّة فِي منع الْخُلُو مُطلقًا وَلابْن دَقِيق الْعِيد فِي مَنعه قبل اشْتِرَاط السَّاعَة الْكُبْرَى، وَالظَّاهِر عدم الْخلاف فِيمَا بعْدهَا وَأَن إِطْلَاق الْمُخَالف مَحْمُول على مَا دون هَذَا. (لنا لَا مُوجب) لمَنعه (وَالْأَصْل عَدمه) أَي عدم الْمُوجب (بل دلّ على الْخُلُو قَوْله ﷺ " أَن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا) ينتزعه من الْعباد وَلَكِن ينتزعه بِقَبض الْعلمَاء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِلَى قَوْله حَتَّى إِذا لم يبْق عَالم اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأظلوا ") رَوَاهُ أَحْمد والستة، وَقَوله ﷺ " إِن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يرفع الْعلم وَيثبت الْجَهْل " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلَا يخفى أَن هَذَا لَا يقوم حجَّة على ابْن دَقِيق الْعِيد وعَلى الْحَنَابِلَة أَيْضا أَن حمل إِطْلَاقهم على مَا قبل الأشراط (قَالُوا) أَي الْحَنَابِلَة. (قَالَ ﷺ " لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق) من الظُّهُور: يَعْنِي الْغَلَبَة (حَتَّى يَأْتِي أَمر الله) وهم ظاهرون ". أخرجه البُخَارِيّ بِدُونِ لفظ على الْحق لكنه مَوْجُود فِي بعض الرِّوَايَات فَيحمل عَلَيْهِ، وَفِي بعض الرِّوَايَات حَتَّى تقوم السَّاعَة فَهُوَ المُرَاد بِأَمْر الله (أَو حَتَّى يظْهر الدَّجَّال) وَكلمَة أَو للشَّكّ فِي لفظ النَّبِي ﷺ فِي نفس الْأَمر بِسَبَب اخْتِلَاف الرِّوَايَات، ثمَّ الظُّهُور على الْحق لَا يُمكن إِلَّا بِالْعلمِ، وَلَا علم بِدُونِ الِاجْتِهَاد كَمَا بَين فِي مَحَله (أُجِيب) بِأَنَّهُ (لَا يدل) الحَدِيث (على نفي الْجَوَاز) بل على نفي الْوُقُوع، وَالْمُدَّعى نفي الْجَوَاز (وَلَا يخفى أَن مُرَادهم) أَي الْحَنَابِلَة من قَوْلهم لَا يجوز (لَا يَقع) خلو الزَّمَان عَنهُ لحمل الْجَوَاز على الْوُقُوع بِدَلِيل قَوْلهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق عدم الْوُقُوع بِأَن يَقع الْخُلُو (لزم كذبه) ﷺ ، ثمَّ بَين اللُّزُوم بقوله (والْحَدِيث يفِيدهُ) أَي عدم الْوُقُوع لدلالته على اسْتِمْرَار وجود الْعَالم إِلَى قيام السَّاعَة. وَخبر أَن مَجْمُوع قَوْله لَا يَقع إِلَى قَوْله لزم كذبه، ثمَّ علل كَون ذَلِك مرَادا بقوله: أَي تَرْجِيح الحَدِيث الدَّال على الْجَوَاز على الحَدِيث الدَّال على عَدمه (إِذْ لَا يَتَأَتَّى لعاقل إحالته) أَي الْخُلُو (عقلا) فهم يُرِيدُونَ نفي
стр. 1271
الْوُقُوع من طَرِيق السّمع لَا الْعقل (فَالْوَجْه) فِي الْجَواب (التَّرْجِيح) أَي تَرْجِيح الحَدِيث الدَّال على عَدمه (بأظهرية الدّلَالَة) أَي دلَالَة الحَدِيث الدَّال على الْجَوَاز بل على الْوُقُوع (على نفي الْعَالم الْأَعَمّ من الْمُجْتَهد) وَنفي الْعَام مُسْتَلْزم نفي الْخَاص (بِخِلَاف الظُّهُور على الْحق) فَإِنَّهُ لَا يسْتَلْزم وجود الْمُجْتَهد (لِأَنَّهُ) أَي الظُّهُور على الْحق (يتَحَقَّق بِدُونِ اجْتِهَاد كَمَا يتَحَقَّق بِإِرَادَة الِاتِّبَاع) شبه تحقق الظُّهُور على الْحق عِنْد فقد الْمُجْتَهد بتحقق وجود الْمُجْتَهد بِقصد اتِّبَاعه قصدا مَقْرُونا بِالْفِعْلِ (وَلَو تَعَارضا) أَي الحديثان أَشَارَ بِكَلِمَة لَو إِلَى أَنه لَا مجَال للتعارض لما ذكر لكنه لَو فرض (بَقِي) لنا للْجُوَاز أَن نقُول عدم الْجَوَاز لَا يكون بِلَا مُوجب، وَالْأَصْل (عدم الْمُوجب. قَالُوا) ثَانِيًا الِاجْتِهَاد (فرض كِفَايَة فَلَو خلا) الزَّمَان عَن الْمُجْتَهد (اجْتَمعُوا) أَي الْأمة (على الْبَاطِل) وَهُوَ الْعِصْيَان بترك الْفَرْض الْمَذْكُور، وَالْبَاطِل ضَلَالَة، وَقد قَالَ ﷺ " لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة " (أُجِيب) بِأَنَّهُ (إِذا فرض موت الْعلمَاء) رَأْسا (لم يبْق) الِاجْتِهَاد فرضا، لِأَن شَرط التَّكْلِيف الْإِمْكَان، لَا يُقَال الْإِمْكَان مَوْجُود لوُجُود أَسبَاب الْعلم من الْكتب وَغَيره، لأَنا نقُول لزم الْخُلُو فِي مُدَّة التَّحْصِيل قبل الْحُصُول (على أَنه) أَي هَذَا الدَّلِيل (فِي غير مَحل النزاع لِأَن فرض الْكِفَايَة الِاجْتِهَاد بِالْفِعْلِ) أَي السَّعْي فِي تَحْصِيله وَهُوَ مُمكن للعوام، وَمحل النزاع إِنَّمَا هُوَ حُصُوله بِالْفِعْلِ، وَالْأول مَوْجُود عِنْد موت الْعلمَاء دون الثَّانِي، عَن السُّبْكِيّ لم يثبت خلو الزَّمَان من الْمُجْتَهد، فَإِن أَرَادَ الْمُطلق مُخَالفَة قَول الْقفال وَالْغَزالِيّ: الْعَصْر خلا عَن الْمُجْتَهد المستقل، وَقَالَ الرَّافِعِيّ بالخلو كالمتفقين على أَنه لَا مُجْتَهد الْيَوْم، وَفِي الْخُلَاصَة القَاضِي إِذا قَاس مسئلة على مسئلة فَظهر رَأْيه أَن الحكم بِخِلَافِهِ، فالخصومة للْمُدَّعى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة على القَاضِي وعَلى الْمُدعى لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد من أهل الِاجْتِهَاد فِي زَمَاننَا. وَلما فرغ من الِاجْتِهَاد شرع فِي مُقَابِله وَهُوَ الاستفتاء والبحث فِيهِ عَن الْمُقَلّد والمفتي والاستفتاء وَمَا فِيهِ الاستفتاء فَقَالَ.
مسئلة
(التَّقْلِيد الْعَمَل بقول من لَيْسَ قَوْله إِحْدَى الْحجَج بِلَا حجَّة مِنْهَا) وَإِنَّمَا عرفه ابْن الْحَاجِب بِالْعَمَلِ بقول الْغَيْر من غير حجَّة. وَخرج بقوله من غير حجَّة الْعَمَل بقول الرَّسُول وَالْعَمَل بِالْإِجْمَاع وَرُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي وَالْقَاضِي إِلَى الْعُدُول فِي شَهَادَتهم لوُجُود الْحجَّة فِي الْكل، فَفِي الرَّسُول المعجزة الدَّالَّة على صدقه فِي الْأَخْبَار عَن الله تَعَالَى وَفِي الْإِجْمَاع مَا مر فِي حجيته، وَفِي قَول الشَّاهِد والمفتي الْإِجْمَاع على وجوب اتباعهما، وَإِنَّمَا عدل المُصَنّف عَنهُ وَقيد الْغَيْر بِمن لَيْسَ قَوْله إِحْدَى الْحجَج من الْكتاب
стр. 1272
وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، لِأَن الْمُتَبَادر من قَوْله بِلَا حجَّة نفي الْحجَّة الْمَخْصُوصَة بِمَا عمل بِهِ من القَوْل الْخَاص فَحِينَئِذٍ يدْخل الْعَمَل بقول الرَّسُول فِي التَّقْلِيد، لِأَن النَّاس كَانُوا يعْملُونَ بِهِ من غير أَن يعرفوا دَلِيله الْخَاص: وَلذَلِك يعْملُونَ بقول أهل الْإِجْمَاع، من غير أَن يعرفوا ذَلِك فالتقييد لإخراجهما، ثمَّ لما حمل الْحجَّة المنفية على الْخُصُومَة لما مر لزم دُخُول عمل الْعَاميّ بقول الْمُفْتِي فِي التَّقْيِيد على خلاف مَا مَشى عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب، وَهُوَ يلْتَزم ذَلِك كَمَا قَالَ بعض الْمُحَقِّقين فِي شرح الْمُخْتَصر. وَلَو سمي بعض ذَلِك تقليدا كَمَا سمي فِي الْعرف الْمُقَلّد الْعَاميّ وَقَول الْمُفْتِي تقليدا، فَلَا مشاححة فِي التَّسْمِيَة والاصطلاح، وسيشير إِلَيْهِ المُصَنّف وَبَقِي قَضِيَّة القَاضِي، فَنَقُول إِنَّه غير عَامل بقول الشَّاهِد، بل بقول الله: احكم أَيهَا القَاضِي عِنْد قَوْله وَالله الْمُوفق (فَلَيْسَ الرُّجُوع إِلَى النَّبِي ﷺ و) أهل (الْإِجْمَاع مِنْهُ) أَي من التَّقْلِيد (بل الْمُجْتَهد والعامي إِلَى مثله) أَي رُجُوع كل مِنْهُمَا إِلَى مثله من التَّقْلِيد (و) الْعَاميّ (إِلَى الْمُفْتِي) أَي رُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي أَيْضا من التَّقْلِيد (هَذَا) الَّذِي ذكره من معنى التَّقْلِيد بِحَيْثُ عَم رُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي (هُوَ الْمَعْرُوف من قلد عَامَّة مصر الشَّافِعِي وَنَحْوه) أَي هَذَا الَّذِي يعرف، وَيُسْتَفَاد من قَوْلهم: قلد عَامَّة مصر الشَّافِعِي وَنَحْوه كَقَوْلِهِم: قلد عَامَّة الرّوم أَبَا حنيفَة، وَالْمَشْهُور الْمَعْرُوف أولى بِالِاعْتِبَارِ، لِأَنَّهُ يتلَقَّى بِالْقبُولِ، بل يظْهر أَنه من عرف السّلف وَأَيْضًا على تَقْدِير اخْتِصَاصه بِرُجُوع الْمُجْتَهد أَو الْعَاميّ إِلَى مثله يلْزم أَن لَا يكون لَهُ فَرد مَشْرُوع أصلا وَهُوَ خلاف الظَّاهِر، لَكِن بَقِي شَيْء: وَهُوَ أَن الْمُقَلّد الَّذِي عِنْده طرف من الْعلم بِحَيْثُ يعرف تفاصيل الْأَدِلَّة كَيفَ يصدق عَلَيْهِ أَنه أَخذ بقول إِمَامه بِلَا حجَّة فَالْجَوَاب أَن معرفَة الدَّلِيل إِنَّمَا تكون للمجتهد لَا لغيره لتوقفها على سَلَامَته من الْمعَارض، وَهِي متوقفة على استقراء الْأَدِلَّة فَلَا يَتَيَسَّر إِلَّا للمجتهد، وَالْمرَاد تقربا لقَوْل مَا يعم الْفِعْل والتقرير تَغْلِيبًا (وَكَانَ الْوَجْه جعل الْمُعَرّف بِمَا ذكر) من التَّعْرِيف (التقلد لِأَنَّهُ) أَي الْمُقَلّد بِصِيغَة الْمَفْعُول (جعل قَوْله قلادة) فِي عتق من عمل بقوله، فالتابع متقلد وتبعيته تقلد (فتصحيحه) أَي تَصْحِيح وَجه التَّسْمِيَة (جعل عمله قلادة إِمَامه) لكَون الإِمَام ضَامِنا صِحَّته عِنْد الله تَعَالَى (والمفتى الْمُجْتَهد وَهُوَ) أَي الْمُجْتَهد (الْفَقِيه) اصْطِلَاحا أصوليا، وَقد سبق تَعْرِيف الْفِقْه، وَيشْتَرط فِي قبُول فتواه الْعَدَالَة حَتَّى يوثق بِهِ لَا فِي صِحَة اجْتِهَاده، وللمفتي رد الْفَتْوَى إِذا كَانَ فِي الْبَلَد غَيره أَهلا لَهَا خلافًا للحليمي، وَلَا يلْزمه جَوَاب مَا لم يَقع وَمَا لَا يحْتَملهُ السَّائِل وَلَا يَنْفَعهُ. قَالَ ابْن أبي ليلى: أدْركْت مائَة وَعشْرين من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يسْأَل أحدهم عَن الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول، وَقد نهى ﷺ عَن الغلوطات بِفَتْح
стр. 1273
الْغَيْن الْمُعْجَمَة أَصْلهَا أغلوطات. قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: هِيَ شَدَّاد الْمسَائِل. وَعنهُ ﷺ " سَيكون أَقوام من أمتِي يغلطون فقهاءهم أُولَئِكَ شرار أمتِي " (والمستفتى من لَيْسَ إِيَّاه) أَي مفتيا (وَدخل) فِي المستفتى (الْمُجْتَهد فِي الْبَعْض) من الْمسَائِل الاجتهادية لاستكمال مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْبَعْض من الْكتاب وَالسّنة وَسَائِر الشُّرُوط فَهُوَ مستفتى (بِالنِّسْبَةِ إِلَى) الْمُجْتَهد (الْمُطلق) حَيْثُ قُلْنَا بتجزؤ الِاجْتِهَاد فَهُوَ مفت فِي بعض الْأَحْكَام مستفتي فِي الآخر (والمستفتى فِيهِ) الْأَحْكَام (الفرعية الظنية). قَالَ المُصَنّف (والعقلية) مِمَّا يتَعَلَّق بالاعتقاد (وَلذَا) أَي وَلكَون المستفتى فِيهِ قد يكون عقليا (صححنا إِيمَان الْمُقَلّد وَإِن أثمناه) فَلَو كَانَ إيمَانه غير صَحِيح مَعَ كَونه آثِما لما كَانَ يَتَرَتَّب على استفتائه ثَمَرَة أصلا، فصحة إيمَانه تدل على أَن الْإِيمَان وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بالاعتقاد مِمَّا يتَجَزَّأ فِيهِ الاستفتاء، غَايَة الْأَمر أَن المستفتى آثم إِذا اكْتفى بِمُجَرَّد التَّقْلِيد فِيهِ، وَلم يجْتَهد فِي تَحْصِيل الْعلم بِالدَّلِيلِ، وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَكثير من الْمُتَكَلِّمين وَقيل لَا يسْتَحق اسْم الْمُؤمن إِلَّا بعد عرفان الْأَدِلَّة، وَهُوَ مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ (فَمَا يحل الاستفتاء فِيهِ) الْأَحْكَام (الظنية لَا الْعَقْلِيَّة) الْمُتَعَلّقَة بالاعتقاد فَإِن الْمَطْلُوب فِيهَا الْعلم (على) الْمَذْهَب (الصَّحِيح) فَلَا يجوز التَّقْلِيد فِيهَا، بل يجب تَحْصِيلهَا بِالنّظرِ الصَّحِيح، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين: وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب، بل حَكَاهُ الْأُسْتَاذ الاسفراينى عَن إِجْمَاع أهل الْعلم من الْحق وَغَيرهم من الطوائف، فقد عرفت أَن الْحق عدم الاستفتاء فِي الْعَقْلِيَّة (لَا قصر صِحَّته) أَي صِحَة المستفتى فِيهِ (على الظنية) بِأَن لَا يَصح المستفتى فِيهِ إِلَّا إِذا كَانَ من الْأَحْكَام الظنية، بل يَصح إِذا كَانَ من الْعَقْلِيَّة أَيْضا صِحَة مقرونة مَعَ اسْم المستفتى الْعَامِل بِتِلْكَ الْفَتْوَى تقليدا (كوجوده تَعَالَى) مِثَال للعقلية: أَي كَالْحكمِ بِوُجُودِهِ تَعَالَى تقليدا لمن أفتى بِهِ، فَإِنَّهُ صَحِيح يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام الْإِيمَان، غير أَن المستفتى آثم بتقاعده عَن الِاسْتِدْلَال (وَقيل يجب) التَّقْلِيد فِي الْعَقْلِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالاعتقاد (وَيحرم النّظر) والبحث فِيهَا، وَالْقَائِل قوم من أهل الحَدِيث، وَنسبه الزَّرْكَشِيّ إِلَى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَلم يحفظ عَنْهُم، وَإِنَّمَا توهم من نهيهم عَن تعلم علم الْكَلَام، وَهُوَ مَحْمُول على من خيف أَن يزل فِيهِ لعدم استقامة طبعه (و) قَالَ (الْعَنْبَري) وَبَعض الشَّافِعِيَّة (يجوز) التَّقْلِيد فِيهَا وَلَا يجب النّظر (لنا الْإِجْمَاع) معقد (على وجوب الْعلم بِاللَّه تَعَالَى) وَصِفَاته على الْمُكَلف (وَلَا يحصل) الْعلم بِهِ (بالتقليد لَا مَكَان كذبه) أَي الْمُفْتِي الْمُقَلّد (إِذْ نَفْيه) أَي الْكَذِب عَنهُ (بِالضَّرُورَةِ مُنْتَفٍ) يَعْنِي عدم كذبه لَيْسَ ببديهي، إِذْ لَيْسَ بمعصوم عِنْد المستفتى فَلَا يحصل الْعلم بِخَبَرِهِ فَإِن قلت: فعلى هَذَا لَا يَصح إِيمَان الْمُقَلّد، لِأَن الْمُعْتَبر فِي الْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ الْعلم وَلم يحصل قلت:
стр. 1274
الْأَمر كَذَلِك إِذا لم يحصل الْعلم، وَأما إِذا حصل من غير مُوجب يَقْتَضِيهِ حتما حكمنَا بِصِحَّتِهِ لحُصُول الْمَقْصُود وأثمناه لتَقْصِيره فِي تَحْصِيله على وَجه لَا يَزُول بتشكيك المشكك (وبالنظر) أَي نظر الْمُقَلّد فِيمَا يُوجب الْعلم بِاللَّه تَعَالَى وَصِفَاته (لَو تحقق يرفع التَّقْلِيد) لِأَن التَّقْلِيد إِنَّمَا هُوَ الْعَمَل بقول الْغَيْر من غير حجَّة، وَقد تحقق الْحجَّة بِالنّظرِ الْمَذْكُور: فعلى هَذَا أَكثر الْعَوام لَيْسُوا بمقلدين فِي الْإِيمَان لأَنهم علمُوا بِالنّظرِ، وَإِن عجزوا عَن تَرْتِيب الْمُقدمَات على طَريقَة أهل الْعلم كَمَا عرف (وَلِأَنَّهُ) مَعْطُوف على قَوْله لَا مَكَان كذبه (لَو حصل) الْعلم بالتقليد (لزم النقيضان بتقليد اثْنَتَيْنِ) اثْنَيْنِ (فِي حُدُوث الْعَالم وَقدمه) بِأَن يحصل لزيد الْعلم بحدوثه تقليدا للقائل بِهِ ولعمرو الْعلم بقدمه تَقْلِيد الْقَائِل بِهِ، إِذْ الْعلم يستدعى الْمُطَابقَة فَيلْزم حقية الْحُدُوث والقدم. قَالَ (المجوز) للتقليد فِي الْعَقْلِيَّة (لَو وَجب النّظر) فِيهَا (لفعله) أَي النّظر (الصَّحَابَة وَأمرُوا بِهِ) مَعْطُوف على فعله، فَإِنَّهُم لَا يتركون الْوَاجِب (وَهُوَ) أَي كل وَاحِد من الْفِعْل وَالْأَمر (مُنْتَفٍ) عَنْهُم خُصُوصا عَن عوامهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن ذَلِك منتفيا بِأَن وجد مِنْهُم (لنقل) إِلَيْنَا (كَمَا) نقل عَنْهُم النّظر (فِي الْفُرُوع) فَلَمَّا لم ينْقل عَنْهُم علم أَنه لم يَقع (الْجَواب منع انْتِفَاء التَّالِي) أَي عدم فعلهم وَأمرهمْ وَإِلَّا لزم جهلهم بِاللَّه تَعَالَى، لِأَن الْعلم بِهِ لَيْسَ بضروري (بل علمهمْ و) علم (عَامَّة الْعَوام) فِي زمانهم كَانَ ناشئا (عَن النّظر إِلَّا أَنه) أَي النّظر والبحث (لم يدر بَينهم) دورانا ظَاهرا كَمَا بَينا (لظُهُوره) أَي النّظر ومادته عِنْدهم لصفاء قُلُوبهم بمشاهدة النَّبِي ﷺ . ونزول الْوَحْي، وبركة الصُّحْبَة وَالتَّقوى (ونيله بِأَدْنَى الْتِفَات إِلَى الْحَوَادِث) الدَّالَّة على وجود الْمُحدث الْقَدِيم، وحياته، وَعلمه، وَقدرته إِلَى غير ذَلِك كوحدته بِاعْتِبَار نظامها المستمر بِلَا خلل (وَلَيْسَ المُرَاد) من النّظر الْوَاجِب (تحريره) أَي تَقْرِيره وتقويمه (على) طبق (قَوَاعِد الْمنطق) كالقياس الاقتراني المنقسم إِلَى الأشكال الْأَرْبَعَة والاستثنائي بأقسامه (وَمن أصغى) أَي أمال سامعته (إِلَى عوام الْأَسْوَاق امْتَلَأَ سَمعه من استدلالهم بالحوادث) على مَا ذكر (والمقلد الْمَفْرُوض) أَي الْقَائِل بقول الْغَيْر من غير حجَّة فِي الْإِيمَان بِأَن يصدق بِاللَّه وَصِفَاته بِمُجَرَّد السماع من غير أَن يخْطر بِبَالِهِ مَا يدل عَلَيْهِ من الْآيَات (لَا يكَاد يُوجد، فَإِنَّهُ قل أَن يسمع من لم ينْقل ذهنه قطّ من الْحَوَادِث إِلَى موجدها وَلم يخْطر لَهُ الموجد) أَي لم يخْطر بِبَالِهِ الموجد عِنْد مُشَاهدَة الْحَوَادِث، فَقَوله وَلم يخْطر عطف تفسيري لقَوْله من لم ينْتَقل (أَو خطر) لَهُ الموجد (فَشك فِيهِ) أَي فِي وجوده مَعْطُوف على لم يخْطر فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مُقَابل بقوله من لم ينْتَقل (من يَقُول لهَذِهِ الموجودات: رب أوجدها متصف بِالْعلمِ بِكُل شَيْء وَالْقُدْرَة الخ) أَي آخر مَا يُؤمن بِهِ من الصِّفَات الْمَوْصُول الأول فَاعل يسمع، وَالثَّانِي مَفْعُوله (فيعتقد)
стр. 1275
بِالنّصب عطفا على مَدْخُول أَن، وَالْعلَّة بِاعْتِبَارِهِ (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَضْمُون مقول القَوْل (بِمُجَرَّد تَصْدِيقه) أَي الْقَائِل تقليدا لَهُ (من غير انْتِقَال) أَي من غير أَن ينْتَقل ذهنه بِسَبَب هَذَا القَوْل المنبه إِلَى معنى كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن ينْتَقل إِلَيْهِ بِغَيْر مُنَبّه لما هُوَ مركوز فِي جبلته بِمُقْتَضى الْمِيثَاق الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى - ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم﴾ - الْآيَة انتقالا (يُفِيد اللُّزُوم) بِاعْتِبَار مُتَعَلّقه، أَعنِي الْمُنْتَقل (بَين الْمُحدث) على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول (والموجد) على صِيغَة اسْم الْفَاعِل، وَإِنَّمَا خص السماع فِي هَذَا الْبَيَان بِمن لم ينْتَقل ذهنه إِلَى الموجد، لِأَن من انْتقل ذهنه إِلَيْهِ قبل هَذَا السماع يَسْتَحِيل أَن يصير مُقَلدًا للقائل الْمَذْكُور، لأَنا لَا نعني لنظر وَالِاسْتِدْلَال إِلَّا هَذَا الِانْتِقَال فَإِن قلت: يجوز أَن يكون انْتِقَاله بطرِيق البداهة قلت: مرْحَبًا بالوفاق فَإِنَّهُ أبعد عَن التَّقْلِيد (قَالُوا) ثَالِثا (وجوب النّظر) أَي الْعلم بِوُجُوبِهِ (دور) أَي مُسْتَلْزم لَهُ (لتوقفه) أَي الْعلم بِالْوُجُوب (على معرفَة الله) تَعَالَى، لِأَن الْوُجُوب عبارَة عَن كَون الْفِعْل مُتَعَلق خطاب الله تَعَالَى اقْتِضَاء، فَمَا لم يعرف الله لم يعرف كَون النّظر مَطْلُوبا لله تَعَالَى لَازِما عَلَيْهِ يَتَرَتَّب على تَركه الْعقَاب، فمعرفة وجوب النّظر مَوْقُوف على معرفَة الله تَعَالَى، وَقد تقرر أَن معرفَة الله تَعَالَى مَوْقُوفَة على النّظر، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، فَإِن مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ معرفَة الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ ذَات النّظر لَا الْعلم بِوُجُوبِهِ فَلَا دور: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال مُرَادهم أَن الْعلم بِوُجُوب النّظر، إِذْ جعل عِلّة لصدور النّظر يلْزم الدّور، لِأَنَّهُ يلْزم تقدم الْعلم بِالْوُجُوب على معرفَة الله تَعَالَى لِأَن عِلّة الْعلَّة للشَّيْء عِلّة لذَلِك الشَّيْء، فَثَبت توقف معرفَة الله تَعَالَى على الْعلم بِوُجُوب النّظر أَيْضا فَتَأمل (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْعلم بِوُجُوب النّظر مَوْقُوف (على مَعْرفَته) تَعَالَى (بِوَجْه) مَا (وَالْمَوْقُوف على النّظر) الْمَوْقُوف على الْعلم بِوُجُوبِهِ (مَا) أَي معرفَة (بأتم) أَي بِوَجْه أتم (أَي الاتصاف) تَفْسِير للْوَجْه الأتم (بِمَا) أَي بِصِفَات صلَة للاتصاف (يجب لَهُ كالصفات الثَّمَانِية): الْحَيَاة، وَالْقُدْرَة، وَالْعلم، والإرادة، والسمع، وَالْبَصَر، وَالْكَلَام، والتكوين (وَمَا يمْتَنع عَلَيْهِ) من النقيصة والزوال، لَا يخفى بعده فَالْوَجْه أَن يُقَال: لَيْسَ مُرَاد الْمُجيب بالمعرفة بِوَجْه التَّصَوُّر بِوَجْه، بل مَعْرفَته تَعَالَى من حَيْثُ أَنه مَوْجُود طَالب من عباده النّظر، ليحصل الْعلم بِهِ وبصفاته علما تفصيليا على الْوَجْه الْمَعْرُوف فِي علم الْكَلَام. قَالَ (المانعون) من النّظر، النّظر (مَظَنَّة الْوُقُوع فِي الشّبَه) أَي مَحل ظن الْوُقُوع فِي احتمالات مُوجبَة لشكوك وأوهام مخلة بالتصديق الإيماني: وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ قَوْله (والضلال) فَإِن الشّبَه طَرِيق للضلال الَّذِي هُوَ ضد الْهِدَايَة والعقيدة الصَّحِيحَة، بِخِلَاف التَّقْلِيد فَإِنَّهُ طَرِيق آمن فَوَجَبَ احْتِيَاطًا، ولوجوب الِاحْتِرَاز عَن مَظَنَّة الضلال إِجْمَاعًا (قُلْنَا) إِنَّمَا يكون النّظر
стр. 1276
مَمْنُوعًا (إِذا فعل غير الصَّحِيح الْمُكَلف بِهِ) من النّظر، يَعْنِي أَنه كلف بِالنّظرِ الصَّحِيح، وَهُوَ لَيْسَ بمظنة الْوُقُوع فِيهَا (وَأَيْضًا) إِذا أطلق حُرْمَة النّظر تحرم على كل وَاحِد (فَيحرم على الْمُقَلّد) بِفَتْح اللَّام (النَّاظر إِذْ لَا بُد من الِانْتِهَاء إِلَيْهِ) فَإِنَّهُ يلْزم عَلَيْكُم الِاعْتِرَاف بِأَن التَّقْلِيد يَنْتَهِي إِلَى مقلد علمه حَاصِل بطرِيق النّظر (وَإِلَّا لتسلسل) التَّقْلِيد إِلَى غير نِهَايَة ضَرُورَة أَن الْمُقَلّد لَا بُد لَهُ من مقلد (والانتهاء إِلَى الْمُؤَيد بِالْوَحْي وَالْأَخْذ عَنهُ لَيْسَ تقليدا) أَي الِانْتِهَاء إِلَيْهِ وَالْأَخْذ عَنهُ لَيْسَ على وَجه التَّقْلِيد (بل) على وَجه الِاسْتِدْلَال وَالنَّظَر لِأَن الْأَخْذ عَن الرَّسُول بقول مخبر صَادِق بِدلَالَة المعجزة الصادقة، وكل مَا أخبر بِهِ الرَّسُول الْمخبر الصَّادِق عَن الْمُرْسل صَادِق حق: وَهَذَا عين النّظر وَالِاسْتِدْلَال، وَلَيْسَ الْعلم الْحَاصِل للأخذ عَن الْمُؤَيد بِالْوَحْي علما تقليديا، بل هُوَ (علم نَظَرِي).
مسئلة
(غير الْمُجْتَهد الْمُطلق يلْزمه) عِنْد الْجُمْهُور (التَّقْلِيد وَإِن كَانَ مُجْتَهدا فِي بعض مسَائِل الْفِقْه أَو بعض الْعُلُوم) فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا سبق، من أَن الِاجْتِهَاد يجْرِي فِي غير الْفِقْه أَيْضا من العقليات وَغَيرهَا (كالفرائض) أَفَادَ أَن الْفَرَائِض لَيست من الْفِقْه لإدراجها فِيمَا جعل قسيما لَهُ. وَكَيف والمبحوث عَنهُ فِيهَا سِهَام الْمُسْتَحقّين وَمَا يتَعَلَّق بهَا. وَفِي الْفِقْه: أَفعَال الْمُكَلّفين، لَا يُقَال يُمكن إدراجها فِيهِ بِاعْتِبَار كَون الْعباد مكلفين بإيصال تِلْكَ السِّهَام إِلَى الْمُسْتَحقّين، لِأَنَّهُ تكلّف مُسْتَغْنى عَنهُ (على القَوْل بالتجزي) للِاجْتِهَاد: أَي يلْزمه التَّقْلِيد بِنَاء على القَوْل بِأَن الِاجْتِهَاد يتَجَزَّأ فَيجوز أَن يكون شخص مُجْتَهد فِي بعض الْمسَائِل دون بعض (وَهُوَ الْحق) أَي القَوْل بالتجزؤ هُوَ الْحق كَمَا سبق وَجهه، وَأَنه عَلَيْهِ الْأَكْثَر (فِيمَا لَا يقدر عَلَيْهِ) من الْأَحْكَام مُتَعَلق بالتقليد (ومطلقا) أَي وَيلْزمهُ التَّقْلِيد مُطلقًا فِيمَا يقدر عَلَيْهِ وَمَا لَا يقدر عَلَيْهِ من الْأَحْكَام بِنَاء (على نَفْيه) أَي نفي القَوْل بالتجزي (وَقيل) وَالْقَائِل بعض الْمُعْتَزلَة لُزُوم التَّقْلِيد (فِي) حق (الْعَالم) مَشْرُوط (بِشَرْط تَبْيِين صِحَة مُسْتَنده) فِيمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَبَيَّن لَهُ (لم يجز) لَهُ تَقْلِيده (لنا عُمُوم) قَوْله (فاسألوا) أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ (فِيمَن لَا يعلم) سَوَاء كَانَ عاميا صرفا أَو عَالما بِالْبَعْضِ دون الْبَعْض (وَفِيمَا لَا يعلم) من الْأَحْكَام سَوَاء كَانَ مَجْهُولا بالكيلة أَو من وَجه، وَلما لم تكن صِيغَة الْعُمُوم فِيهَا صرفا أَشَارَ إِلَى دَلِيل الْعُمُوم بقوله (لتَعَلُّقه) أَي الْأَمر بالسؤال (بعلة عدم الْعلم) إِضَافَة الْعلم إِلَى الْعَدَم بَيَانِيَّة، فَكلما تحقق عدم الْعلم تحقق وجوب السُّؤَال: وَهَذَا كَمَا يسْتَلْزم الْعُمُوم بِاعْتِبَار الْأَشْخَاص يستلزمه بِاعْتِبَار الْأَحْكَام كَمَا لَا يخفى، دَلِيل العلمية
стр. 1277
كَمَال مناسبته للعلية مَعَ عدم مَا يصلح لَهَا سواهُ، وَأَن الْغَالِب فِي الشَّرْط النَّحْوِيّ السَّبَبِيَّة (وَأَيْضًا لم يزل المستفتون يتبعُون) الْمُفْتِينَ (بِلَا إبداء مُسْتَند) فِيمَا يفتون بِهِ (وَلَا نَكِير) عَلَيْهِم من أحد، فَكَانَ إِجْمَاعًا سكوتيا على جَوَاز اتِّبَاع الْعَالم من غير إبداء الْمُسْتَند (وَهَذَا) الْوَجْه (يتَوَقَّف) استلزامه عُمُوم الْجَوَاز (على ثُبُوته) أَي الاستفتاء (فِي الْعلمَاء المتأهلين) للِاجْتِهَاد (كَذَلِك) أَي بِلَا إبداء مُسْتَند لَهُم (قَالُوا) أَي الشارطون تَبْيِين صِحَة الْمُسْتَند (يُؤَدِّي) لُزُوم اتِّبَاع الْعَالم بِغَيْر تبينها (إِلَى وجوب اتِّبَاع الْخَطَأ) لِأَن المستفتى يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِمَا أفتى بِهِ الْمُفْتِي، وَعند عدم تَبْيِين صِحَة الْمُسْتَند قد يكون خطأ (قُلْنَا وَكَذَا) يُؤَدِّي إِلَى وجوب اتِّبَاع الْخَطَأ (لَو أبدى) صِحَة الْمُسْتَند، لِأَن مَا أبدا صِحَّته قد يكون خطأ أَيْضا لِأَن ظُهُور الصِّحَّة فِي نظرهما لَا يسْتَلْزم الصِّحَّة بِحَسب نفس الْأَمر (وَكَذَا) لُزُوم اتِّبَاع (الْمُفْتى نَفسه) أَي اجْتِهَاد نَفسه يُؤَدِّي إِلَى وجوب اتِّبَاع الْخَطَأ بِغَيْر مَا ذكر، وَكَذَا على نَفسه: وَهَذَا على تَقْدِير نصب نَفسه، وَأما على رَفعه كالمفتي وكالعالم المستفتى الْمُفْتى نَفسه فنفسه تَأْكِيد للمفتى (فَمَا هُوَ جوابكم) فِي الْخَلَاص عَن وجوب اتِّبَاع الْخَطَأ أَيهَا الشارطون فَهُوَ (جَوَابنَا) إِذا لم يبد صِحَة الْمُسْتَند (والحل) أَي حل الشُّبْهَة بِحَيْثُ ينْكَشف حَقِيقَة الْحَال أَن يُقَال: (الْوُجُوب لاتباع) (الظَّن) فِي حق الْمُجْتَهد ومقلده (أَو الحكم من حَيْثُ هُوَ مظنون) أَتَى بِكَلِمَة أَو للتسوية بَين التعبيرين، وَقد وَقع كلا التعبيرين فِي كَلَام الْقَوْم تَنْبِيها على أَن مآلهما وَاحِد وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى بل، كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿مائَة ألف أَو يزِيدُونَ﴾ -: تَنْبِيها على أَن الَّذِي يجب اتِّبَاعه مَا هُوَ حكم الله تَعَالَى بِاعْتِبَار ظننا، وعَلى هَذَا يقدر قيد الْحَيْثِيَّة فِي جَانب الْمَعْطُوف عَلَيْهِ: أَي من حَيْثُ أَن مُتَعَلّقه حكم الله تَعَالَى وَالْحَاصِل أَن وجوب اتِّبَاع مَا هُوَ خطأ من كل وَجه مَحْذُور، بِخِلَاف مَا ظن كَونه حكم الله وَإِن كَانَ خطأ فِي نفس الْأَمر، فَإِنَّهُ لم يجب اتِّبَاعه من حَيْثُ أَنه خطأ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا من حَيْثُ هُوَ خطأ) فَإِنَّهُ الْمُمْتَنع (نعم لَو سَأَلَهُ) أَي المستفتى الْمُفْتى (عَن دَلِيله) أَي الحكم استرشادا للإذعان وَالْقَبُول لَا تعنتا (وَجب) على الْمُفْتِي (إبداؤه) أَي الدَّلِيل (فِي) القَوْل (الْمُخْتَار إِلَّا إِن) كَانَ دَلِيله (غامضا) أَي خفِيا (مَعَ قصوره) عَن فهمه، فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ إبداؤه حِينَئِذٍ، عَن الزَّرْكَشِيّ أَن مَا علم من الدّين بِالضَّرُورَةِ كالمتواتر لَا يجوز فِيهِ التَّقْلِيد لأحد، بل يجب عَلَيْهِ مَعْرفَته بدليله، فَإِنَّهُ لَا يشق مَعْرفَته على الْعَاميّ كالإيمان ثمَّ جُمْهُور الْعلمَاء على أَنه لَا يلْزم على الْمُقَلّد التمذهب بِمذهب وَالْأَخْذ بِرُخصِهِ وعزائمه وَقيل فِي الْتِزَام ذَلِك طَاعَة لغير النَّبِي ﷺ فِي كل أمره وَنَهْيه، وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع.
стр. 1278
انْعَقَد (الِاتِّفَاق على حل استفتاء من عرف) على صِيغَة الْمَجْهُول وَإِضَافَة الاستفتاء إِلَى الْمَوْصُول إِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول (من أهل الْعلم) بَيَان للموصول وَأهل الْعلم أَعم من الْمُجْتَهد لشُمُوله من حصل بعض الْعُلُوم وَلم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد (بِالِاجْتِهَادِ) مُتَعَلق بقوله عرف (وَالْعَدَالَة) مَعْطُوف على الِاجْتِهَاد ومعروفيته بهما إِمَّا بالشهرة أَو بالخبرة (أَو رَآهُ منتصبا) من نَصبه فانتصب: أَي رَفعه فارتفع، وَمِنْه المنصب لِأَنَّهُ سَبَب الِارْتفَاع، وَالْمعْنَى مرتفعا بَين النَّاس بِسَبَب كَونه ممتازا بَينهم فِي الْعلم (وَالنَّاس يستفتونه) حَال كَونهم (معظمين) لَهُ (وعَلى امْتِنَاعه) أَي الاستفتاء مَعْطُوف على حل الاستفتاء (إِن ظن) المستفتى (عدم أَحدهمَا) أَي الِاجْتِهَاد وَالْعَدَالَة فضلا عَن ظن عدمهما فالصورتان كِلَاهُمَا مَحل الِاتِّفَاق (فَإِن جهل اجْتِهَاده دون عَدَالَته فالمختار منع استفتائه) وَنقل فِي الْمَحْصُول الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وَغير الْمُخْتَار جَوَاز استفتائه (لنا) فِي الْمُخْتَار (الِاجْتِهَاد شَرط) فِي الْإِفْتَاء وَقبُول فتواه (فَلَا بُد من ثُبُوته عِنْد السَّائِل وَلَو) كَانَ الثُّبُوت (ظنا) أَي ظنيا (لم يثبت) والمشروط ينتفى بِانْتِفَاء الشَّرْط (وَأَيْضًا ثَبت عَدمه) أَي عدم الِاجْتِهَاد (إِلْحَاقًا) لعدمه فِي الْحَال (بِالْأَصْلِ) أَي بِعَدَمِهِ الْأَصْلِيّ فَإِن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْعَدَم والوجود طَارِئ (كالراوي) الْمَجْهُول الْعَدَالَة لَا تقبل رِوَايَته إِلْحَاقًا لَهُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ عدم الْعَدَالَة (أَو بالغالب) فِي أهل الْعلم مَعْطُوف على قَوْله بِالْأَصْلِ (إِذْ أَكثر الْعلمَاء بِبَعْض الْعُلُوم) الْجَار مُتَعَلق بالعلماء (الَّتِي لَهَا دخل فِي الِاجْتِهَاد غير مجتهدين) خبر أَكثر الْعلمَاء (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الِامْتِنَاع (لَو امْتنع) الاستفتاء فِيمَن جهل اجْتِهَاده دون عَدَالَته (امْتنع فِيمَن علم اجْتِهَاده دون عَدَالَته) بِمثل مَا ذكرْتُمْ من اشْتِرَاط الْعَدَالَة وَإِن الأَصْل عدمهَا وَالْأَكْثَر فِي الْمُجْتَهدين عدمهَا (أُجِيب بالتزامه) أَي الِامْتِنَاع فِي هَذَا أَيْضا (لاحْتِمَال الْكَذِب) تَعْلِيل لالتزام امْتنَاع الاستفتاء فِي الْمَجْهُول عَدَالَته، فَإِن الْكَذِب فِي الْمُجْتَهد غير نَادِر وَإِن كَانَ غَيره من الفسوق فِيهِ نَادرا (وَلَو سلم عدم امْتِنَاعه وَهُوَ) أَي الاستفتاء فِي مَجْهُول الْعَدَالَة (الْحق، فَالْفرق) بَين مَجْهُول الِاجْتِهَاد ومجهول الْعَدَالَة (أَن الْغَالِب فِي الْمُجْتَهدين الْعَدَالَة، فالإلحاق) أَي إِلْحَاق مَجْهُول الْعَدَالَة (بِهِ) أَي بالغالب فِي الْمُجْتَهدين (أرجح مِنْهُ) أَي من الْإِلْحَاق (بِالْأَصْلِ) فالجار مُتَعَلق بالضمير بِاعْتِبَار رُجُوعه إِلَى الْمصدر توسعة فِي الظروف: يَعْنِي أَن إِلْحَاق مَجْهُول الْعَدَالَة لغالب الْمُجْتَهدين أرجح عقلا وَشرعا من الْإِلْحَاق بِمَا هُوَ الأَصْل فِي الْأَشْيَاء وَهُوَ الْعَدَم، لِأَن الِاسْتِصْحَاب دَلِيل ضَعِيف (بِخِلَاف الِاجْتِهَاد) إِذْ (لَيْسَ) الِاجْتِهَاد (غَالِبا فِي أهل الْعلم فِي الْجُمْلَة) أَي أهل الْعلم بِبَعْض الْعُلُوم، وَشرط الاسفراينى تَوَاتر الْخَبَر بِكَوْنِهِ مُجْتَهدا ورده الْغَزالِيّ بِأَن التَّوَاتُر
стр. 1279
يُفِيد فِي المحسوسات وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا، ويكفى الاستفاضة بَين النَّاس، وَقَالَ القَاضِي يَكْفِيهِ أَن يُخبرهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ مفت، وَجزم أَبُو إِسْحَاق الاسفراينى بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ خبر الْوَاحِد الْعدْل عَن فقهه وأمانته لِأَن طَرِيقه طَرِيق الْإِخْبَار، وَالْمُخْتَار فِي الْفتيا الِاعْتِمَاد على قَوْله إِنِّي مفت بِشَرْط ظُهُور ورعه، قيل وَهَذَا أصح الْمذَاهب، وَقيل غير ذَلِك.
مسئلة
(إِفْتَاء غير الْمُجْتَهد بِمذهب مُجْتَهد) أَي بِمَا ذهب إِلَيْهِ مُجْتَهد (تخريجا) نصب على الْمصدر أَي إِفْتَاء تَخْرِيج بِأَن لَا يكون الْمُفْتى بِهِ مَنْصُوصا لصَاحب الْمَذْهَب، لَكِن الْمُفْتى أخرجه من أُصُوله كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لَا نقل عينه) مَعْطُوف على تخريجا: أَي لَا يكون الْإِفْتَاء بِنَقْل عين مَا ذهب إِلَيْهِ (فَإِنَّهُ) أَي نقل الْعين (يقبل بشرائط) قبُول رِوَايَة (الرَّاوِي) من الْعَدَالَة وَغَيرهَا اتِّفَاقًا وَهَذَا اعْتِرَاض بَين مَوْضُوع المسئلة وجوابها وَهُوَ (إِن كَانَ) غير الْمُجْتَهد (مطلعا على مبانيه) أَي مَأْخَذ مَذْهَب الْمُجْتَهد (أَهلا) للتخريج ولمعرفة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ (جَازَ) الْإِفْتَاء جَزَاء الشَّرْط وَالْمَجْمُوع خبر الْمُبْتَدَأ وَهَذَا هُوَ الْمُسَمّى بالمجتهد فِي الْمَذْهَب (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن غير الْمُجْتَهد كَذَلِك (لَا) يجوز إفتاؤه تخريجا، وَفِي شرح البديع للهندي وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد كثير من الْمُحَقِّقين من أَصْحَابنَا وَغَيرهم، فَإِنَّهُ نقل عَن أبي يُوسُف وَزفر وَغَيرهمَا من أَئِمَّتنَا أَنه لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا مَا لم يعلم من أَيْن قُلْنَا، وَعبارَة بَعضهم من حفظ الْأَقَاوِيل وَلم يعرف الْحجَج فَلَا يحل لَهُ أَن يُفْتِي فِيمَا اخْتلف فِيهِ وَلَا يخفى أَن هَذَا مُخَالف لما سبق من قَوْله لَا نقل عينه فَإِنَّهُ يقبل بشرائط الرَّاوِي، فَإِن مُقْتَضَاهُ جَوَاز الْإِفْتَاء بِغَيْر معرفَة الْحجَج، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن ذَلِك لَا يُسمى فِي عرفهم إِفْتَاء (وَقيل) جَازَ إِفْتَاء غير الْمُجْتَهد بِمذهب مُجْتَهد (بِشَرْط عدم مُجْتَهد) فِي تِلْكَ النَّاحِيَة وَلَا يخفى أَن مُقْتَضى السِّيَاق جَوَاز إفتائه تخريجا وَجَوَاز هَذَا مَعَ فرض عدم الِاطِّلَاع على المباني فِي غَايَة الْبعد، وَلَعَلَّ قَوْله (واستغرب) يكون إِشَارَة إِلَيْهِ، وَقيل المستغرب الْوُلَاة، وَأَيْضًا إِن كَانَ الِاطِّلَاع على المباني مَوْجُودا فَلَا يضر وجود الْمُجْتَهد وَإِلَّا فَلَا يَقع عَدمه فَتَأمل (وَقيل يجوز) إِفْتَاء غير الْمُجْتَهد بِمذهب الْمُجْتَهد (مُطلقًا) سَوَاء كَانَ مطلعا على المأخذ أم لَا، عدم الْمُجْتَهد أَولا، (و) قيل، اخْتَارَهُ كثير (هُوَ) أَي هَذَا القَوْل (خليق) أَي جدير (بِالنَّفْيِ) أَي بِنَفْي الصِّحَّة إِن حمل على ظَاهره، وَنفي كَونه قولا رَابِعا إِن حمل على خلاف الظَّاهِر كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وسيظهر) كَونه خليقا بِالنَّفْيِ. وَقَالَ (أَبُو الْحُسَيْن لَا) يجوز إِفْتَاء غير الْمُجْتَهد (مُطلقًا) بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور فِيهِ، قيل وَبِه قَالَ القَاضِي من الْحَنَابِلَة وَالرُّويَانِيّ من الشَّافِعِيَّة، وروى عَن أَحْمد (لنا وُقُوعه) أَي إِفْتَاء غير الْمُجْتَهد بِمذهب الْمُجْتَهد (بِلَا نَكِير) فَكَانَ إِجْمَاعًا على جَوَاز إِفْتَاء غير
стр. 1280
الْمُجْتَهد الْمُطلق إِذا كَانَ مُجْتَهدا فِي الْمَذْهَب (وينكر) أَي الْإِفْتَاء تخريجا (من غَيره) أَي غير الْأَهْل المطلع على المباني (فَإِن قيل إِذا فرض عدم الْمُجْتَهدين) فِي حَال عدم الْإِنْكَار (فعدمه) أَي الْإِنْكَار وَوُجُود الِاتِّفَاق (من غير أهل الْإِجْمَاع لَيْسَ حجَّة، فَالْوَجْه كَونه) أَي جَوَاز الْإِفْتَاء (للضَّرُورَة) لحَاجَة النَّاس وَعدم الْمُجْتَهد (إِذن) أَي إِن لم يُوجد الْمُجْتَهد (قُلْنَا إِنَّمَا يلْزم) وجود الِاتِّفَاق من غير أهل الْإِجْمَاع (لَو منع الِاجْتِهَاد فِي مسئلة) أَي لَو منع تجزى الِاجْتِهَاد والمفروض أَن الْمُفْتِي لَا بُد أَن يكون مُجْتَهدا فِي الْمَذْهَب وَمثله قَادر على الِاجْتِهَاد فِي مسئلة (وَهُوَ) أَي منع تجزى الِاجْتِهَاد (مَمْنُوع) فالمتفقون على جَوَاز الْإِفْتَاء مجتهدون فِي هَذِه الْمَسْأَلَة (فكلاهما) أَي الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاع، وَالِاسْتِدْلَال بِالضَّرُورَةِ (حق، وَبِهَذَا) الْجَواب الَّذِي حَاصله اخْتِيَار تجزى الِاجْتِهَاد الْمُصَحح لكَون الْمُجْتَهدين فِي الْمَذْهَب أَهلا للْإِجْمَاع المستلزم كَون اتِّفَاقهم إِجْمَاعًا (يدْفع دَفعه) مَرْفُوع بيدفع، وَالضَّمِير الْمَجْرُور رَاجع للاعتراض المجاب عَنهُ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُور (لدَلِيل تَقْلِيد الْمَيِّت) اللَّام مُتَعَلق بقوله دَفعه، يعْنى أَن الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور قد كَانَ دافعا لدَلِيل قَول مُخْتَار فَالْجَوَاب الْمَذْكُور كَمَا يدْفع نفس الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور كَذَلِك يدْفع دَفعه، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله (وَهُوَ) أَي جَوَاز تَقْلِيد الْمَيِّت (الْمُخْتَار) من الْقَوْلَيْنِ (وَهُوَ) أَي دَلِيل تَقْلِيد الْمَيِّت (أَنه) أَي جَوَاز تَقْلِيده (إِجْمَاع) أَي جمع عَلَيْهِ لوُقُوعه فِي ممر الْأَعْصَار من غير نَكِير (فَلَا يُعَارضهُ) أَي هَذَا الدَّلِيل (قَوْلهم) أَي مانعي تَقْلِيده كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ (لَا قَول لَهُ) أَي للْمَيت (وَإِلَّا) لَو كَانَ لَهُ قَول بَاقٍ بعده (لم ينْعَقد الْإِجْمَاع على خِلَافه) أَي خلاف قَول الْمَيِّت (كالحي) أَي كَمَا لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع على خلاف قَول الْحَيّ. والتالي بَاطِل، وَلذَا قُلْتُمْ إِن الْإِجْمَاع الْمُتَأَخر يرفع الْخلاف الْمُتَقَدّم وَإِنَّمَا قُلْنَا فَلَا يُعَارضهُ الخ، لِأَن الْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة، وَقَوْلهمْ لَا قَول الْمَيِّت الخ اسْتِدْلَال ضَعِيف لِأَن عدم مانعية قَول لمَيت انْعِقَاد الْإِجْمَاع لَا يسْتَلْزم أَن لَا يكون مثل قَول الْحَيّ فِي جَوَاز الْإِفْتَاء بِهِ عِنْد عدم الْإِجْمَاع على خِلَافه لِأَن مانعية الْحَيّ انْعِقَاد الْإِجْمَاع لَيْسَ لذاته بل لوُجُود قَائِله، فَإِن اجْتِمَاع الْأمة عبارَة عَن اتِّفَاق الْعلمَاء الْأَحْيَاء كلهم فَلَا ينْعَقد مَعَ خُرُوج عَالم حَيّ عَنهُ، وَوجه دفع الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور دَلِيل الْمَيِّت منع أَهْلِيَّة المتفقين للْإِجْمَاع لعدم كَونهم مجتهدين وَحَيْثُ انْدفع الِاعْتِرَاض انْدفع دَفعه أَيْضا قَالَ (المجوز) للإفتاء مُطلقًا من غير تَقْيِيد باطلاع المباني: الْمُفْتِي (ناقل) كَلَام الْمُجْتَهد فَلَا فرق بَين الْعَالم وَغَيره كَمَا لَا يشْتَرط الْعلم فِي رِوَايَة الحَدِيث (أُجِيب) عَنهُ بِأَنَّهُ (لَيْسَ الْخلاف فِي النَّقْل) أَي فِي الْإِفْتَاء بطرِيق النَّقْل (بل فِي) الْإِفْتَاء بطرِيق (التَّخْرِيج) والاستنباط من الْأُصُول على مَا ذكر (وَإِذن) أَي وَإِذا عرفت أَن إِطْلَاق المجوز مَبْنِيّ على الْغَلَط (سقط هَذَا القَوْل) عَن دَرَجَة الِاعْتِبَار (لظُهُور أَن مُرَاده) وَهُوَ عُمُوم جَوَاز النَّقْل للْعَالم وَغَيره (اتِّفَاق) أَي مُتَّفق عَلَيْهِ (فَهِيَ) أَي هَذِه الْأَقْوَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة (ثَلَاثَة) لَا أَرْبَعَة: جَوَاز
стр. 1281
الْإِفْتَاء، وتخريجا بِشَرْط الإطلاع، أَو بِشَرْط عدم الْمُجْتَهد، وَعدم الْجَوَاز مُطلقًا لَو جَازَ الْإِفْتَاء تخريجا بِشَرْط الِاطِّلَاع. قَالَ (أَبُو الْحُسَيْن) فِي عدم الْجَوَاز مُطلقًا (لَو جَازَ) الْإِفْتَاء للْعَالم (لجَاز للعاميّ) بِجَامِع عدم الْبلُوغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد (وَمَا أبعده) مُبَالغَة فِي التَّعَجُّب من بعده عَن الصَّوَاب، حَيْثُ سوى بَين الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ وَعَن الْمَعْقُول حَيْثُ لم يفرق بَينهمَا. (وَالْفرق) بَينهمَا فِي الوضوح (كَالشَّمْسِ) وَفِي شرح الْهِدَايَة للْمُصَنف قد اسْتَقر رَأْي الْأُصُولِيِّينَ على أَن الْمُفْتِي هُوَ الْمُجْتَهد، فَأَما غير الْمُجْتَهد مِمَّن يحفظ أَقْوَال الْمُجْتَهد فَلَيْسَ بمفت، وَالْوَاجِب عَلَيْهِ إِذا سُئِلَ أَن يذكر قَول الْمُجْتَهد على جِهَة الْحِكَايَة فَعرف أَن مَا يكون من فَتْوَى الْمَوْجُودين لَيْسَ بفتوى بل هُوَ نقل كَلَام الْمُفْتِي ليَأْخُذ بِهِ المستفتي وَلَا بُد لَهُ من أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا أَن يكون لَهُ سَنَد فِيهِ إِلَيْهِ أَو يَأْخُذهُ من كتاب مَعْرُوف متداول ككتب مُحَمَّد بن الْحسن وَنَحْوهَا من الْكتب الْمَشْهُورَة للمجتهدين لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور وَكَذَا ذكر الرَّازِيّ، فعلى هَذَا الْوَجْه فِي بعض الْكتب النَّوَادِر فِي زَمَاننَا لَا يَصح عزو مَا فِيهَا إِلَى مُحَمَّد وَلَا إِلَى أبي يُوسُف لعدم الشُّهْرَة والتداول، نعم إِذْ وجد النَّقْل عَن النَّوَادِر فِي كتاب مَشْهُور كالهداية والمبسوط كَانَ ذَلِك تعويلا على ذَلِك الْكتاب انْتهى. وَالْمُخْتَار أَن الرَّاوِي عَن الْأَئِمَّة إِذا كَانَ عدلا فهم كَلَام الإِمَام، ثمَّ حكى للمقلد قَوْله فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ، وَقيل الصَّوَاب أَنه إِذا وجد عَالم لَا يحل الاستفتاء من غَيره وَإِن لم يكن فِي بَلَده أَو ناحيته. إِلَّا من لم يبلغ دَرَجَة أهل الْعلم، فَلَا ريب أَن رُجُوعه إِلَيْهِ أولى من الْإِقْدَام على الْعَمَل بِلَا علم والبقاء فِي الْحيرَة والعمى والجهالة.
مسئلة
(يجوز تَقْلِيد الْمَفْضُول مَعَ وجود الْأَفْضَل) عِنْد أَكثر الْحَنَابِلَة كَالْقَاضِي وَأبي الْخطاب وَصَاحب الرَّوْضَة، وَقَالَ الْحَنَفِيَّة والمالكية وَأكْثر الشَّافِعِيَّة (وَأحمد، وَطَائِفَة كَثِيرَة من الْفُقَهَاء) متفقون (على الْمَنْع) كَابْن سُرَيج والقفال والمروزي وَابْن السَّمْعَانِيّ وَالْخلاف فِي الْقطر الْوَاحِد إِذْ لَا خلاف فِي أَنه لَا يجب عَلَيْهِ تَقْلِيد أفضل أهل الدُّنْيَا، كَذَا ذكره الزَّرْكَشِيّ فِي شَرحه، وَفِي رِوَايَة أَحْمد مَعَ الْجُمْهُور (للْأولِ) أَي مجيزي تَقْلِيد الْمَفْضُول مَعَ وجود الْأَفْضَل (الْقطع باستفتاء كل صَحَابِيّ مفضول) مَعَ وجود الْأَفْضَل (بِلَا نَكِير على المستفتى) فَكَانَ إِجْمَاعًا من الصَّحَابَة على جَوَاز تَقْلِيد الْمَفْضُول مَعَ وجود الْأَفْضَل (وَهُوَ) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور فِي استلزامه للْمُدَّعِي (مُتَوَقف على كَونه) أَي التَّقْلِيد الْمَذْكُور الْوَاقِع فِي زمن الصَّحَابَة (كَانَ عِنْد مُخَالفَته) أَي الْمَفْضُول (للْكُلّ) أَي لكل من لَا يُوجد أفضل مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَو فرض مُوَافَقَته مَعَ بعض من يُوجد أفضل عَنهُ فِي ذَلِك الْقطر لجَاز أَن يكون عدم الْإِنْكَار عَلَيْهِ بِاعْتِبَار تِلْكَ الْمُوَافقَة (فَإِنَّهُ) أَي كَون
стр. 1282
تَقْلِيد الْمَفْضُول فِي ذَلِك الزَّمَان: أَي عِنْد مُخَالفَته للْكُلّ (من صورها) أَي من صور مسئلة جَوَاز تَقْلِيد الْمَفْضُول، فَإِذا انْعَقَد الْإِجْمَاع على هَذِه الصُّورَة يلْزم انْعِقَاده على جَمِيع الصُّور بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن تَقْلِيد الْمَفْضُول فِي زمانهم عِنْد مُخَالفَته للْكُلّ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يثبت جَمِيع صور هَذِه المسئلة وَثُبُوت هَذَا صَعب. (وَاسْتدلَّ) للْأولِ (بتعذر التَّرْجِيح للعامي) اللَّام مُتَعَلق بالتعذر يَعْنِي لَو منع عَن تَقْلِيد الْمَفْضُول لزم على المستفتى معرفَة من هُوَ فِي الْعلم أرجح، وَهَذَا معنى التَّرْجِيح وَالتَّرْجِيح مُتَعَذر فِي حق الْعَاميّ فَيلْزم فِي حَقه الْحَرج، وَلَا حرج فِي الدّين فَإِن قلت هَذَا يُفِيد الْجَوَاز فِي حق الْعَاميّ لَا فِي حق غَيره، وَجَوَاز تَقْلِيد الْمَفْضُول يعم الْكل قلت يجوز أَن يكون مُرَادهم من اطلاق تَجْوِيز تَقْلِيد الْمَفْضُول تَقْلِيد الْعَاميّ. وَأما غير الْعَاميّ فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك، وَيُؤَيّد تَقْيِيد تعذر التَّرْجِيح بالعامي لَكِن الْأَوْجه أَن يكون غير الْعَاميّ مثله فِي هَذَا التجويز لِأَن مَعْرفَته أقل مَرَاتِب على من هُوَ أَعلَى مِنْهُ فِي الْعلم فيتعذر، وَالتَّرْجِيح فرع ذَلِك، كَيفَ والأعلم أحَاط بِمَا لم يحط بِهِ غَيره، وَمن الْجَائِز أَنه إِذا بلغ مبلغه انْقَلب رَأْيه فَلَا عِبْرَة بترجيحه، وَيُؤَيّد مَا قُلْنَا مَا نقل من أَن الْمُخْتَار عِنْد ابْن الْحَاجِب أَنه كالعامي الصّرْف لعَجزه عَن الِاجْتِهَاد على مَا ذكر فِي مسئلة لُزُوم التَّقْلِيد لغير الْمُجْتَهد (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي التَّرْجِيح غير مُتَعَذر من الْعَاميّ بل يظْهر لَهُ (بِالتَّسَامُعِ) من النَّاس وبرجوع الْعلمَاء إِلَيْهِ وَعدم رُجُوعه إِلَيْهِم وَكَثْرَة المستفتين. قَالَ (المانعون) من تَقْلِيد الْمَفْضُول (أَقْوَالهم) أَي الْمُجْتَهدين بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَلّد (كالأدلة للمجتهد) أَي كالأدلة المتعارضة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهد، فَاللَّام فِي قَوْله للمجتهد لاخْتِصَاص الْأَدِلَّة بِهِ، فَلَا يجوز للمقلد الْعَمَل بِأحد الْأَقْوَال بِدُونِ التَّرْجِيح كَمَا لَا يجوز للمجتهد الْعَمَل بِأحد الْأَدِلَّة دون التَّرْجِيح (فَيجب) على الْمُقَلّد (التَّرْجِيح) أَي تَرْجِيح من يُرِيد تَقْلِيده على غَيره من الْمُجْتَهدين. (أُجِيب) بِأَن هَذَا قِيَاس (لَا يُقَاوم مَا ذكرنَا) من الْإِجْمَاع لتقدم الْإِجْمَاع على الْقيَاس إِجْمَاعًا (وَعلمت مَا فِيهِ) أَي فِيمَا ذكرنَا من أَنه يتَوَقَّف على كَونه إِلَى آخِره (وبعسره) مَعْطُوف على جَار ومجرور مُقَدّر صلَة لأجيب وَالتَّقْدِير وَأجِيب بعسر التَّرْجِيح (على الْعَاميّ) بِخِلَاف الْمُجْتَهد فَإِنَّهُ لَا يعسر عَلَيْهِ التَّرْجِيح بَين الْأَدِلَّة (وَلَا يخفى أَنه) أَي التَّرْجِيح (إِذا كَانَ بِالتَّسَامُعِ لَا عسر عَلَيْهِ) أَي على الْعَاميّ (وَكَون الِاجْتِهَاد) مُطلقًا هُوَ (المناط) لجَوَاز التَّقْلِيد لَا بِشَرْط شَيْء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا يُقيد) أَي لَا يُقيد بِقَيْد، وَالْجُمْلَة حَال عَن الِاجْتِهَاد فَلَا يتَوَقَّف الْجَوَاز إِلَّا على الِاجْتِهَاد فمهما تحقق الِاجْتِهَاد جَازَ التَّقْلِيد (لنا مَنعه) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي الْكَوْن الْمُضَاف، والعائد الضَّمِير الْمَجْرُور، يَعْنِي لَا نسم ترَتّب جَوَاز التَّقْلِيد على مُجَرّد الِاجْتِهَاد فِي جَمِيع الصُّور، لأَنا نمْنَع ترتبه عَلَيْهِ (عِنْد مُخَالفَة) الْمُجْتَهد (الْمَفْضُول الْكل) أَي كل من أفضل مِنْهُ، فَعلم أَن
стр. 1283
مناطا مَشْرُوط بِشَرْط ومقيد بِقَيْد، وَهُوَ أَن لَا يُوجد أفضل مِنْهُ فِي ظَنّه ظنا مَبْنِيا على دَلِيل مُعْتَبر شرعا: نقل الرَّافِعِيّ عَن الْغَزالِيّ لَو اعْتقد أَن أحدهم أفضل لَا يجوز تَقْلِيده لغيره، وَإِن لم يجب عَلَيْهِ الْبَحْث عَن الأعلم إِذا لم يعْتَقد فِي أحدهم زِيَادَة علم، كَذَا نقل عَن ابْن الصّلاح وَإِن، ترجح أَحدهمَا فِي الْعلم وَالْآخر فِي الْوَرع، فالأرجح على مَا ذكره الرَّازِيّ والسبكي الْأَخْذ بقول الأعلم، وَقيل بقول الأورع. وَفِي بَحر الزَّرْكَشِيّ يقدم الأسن.
مسئلة
(لَا يرجع الْمُقَلّد فِيمَا قلد فِيهِ) من الْأَحْكَام أحدا من الْمُجْتَهدين (أَي عمل بِهِ) تَفْسِير لقلد، وَالضَّمِير الْمَجْرُور رَاجع إِلَى الْمَوْصُول (اتِّفَاقًا) نقل الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب الْإِجْمَاع على عدم جَوَاز رُجُوع الْمُقَلّد فِيمَا قلد بِهِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: لَيْسَ كَمَا قَالَا، فَفِي كَلَام غَيرهمَا مَا يَقْتَضِي جَرَيَان الْخلاف بعد الْعَمَل أَيْضا (وَهل يُقَلّد غَيره) أَي غير من قَلّدهُ أَو لَا (فِي) حكم (غَيره) أَي غير الحكم الَّذِي عمل بِهِ أَو لَا (الْمُخْتَار) فِي الْجَواب (نعم) يُقَلّد غَيره فِي غَيره، تَقْدِير الْكَلَام الْمُخْتَار جَوَاز التَّقْلِيد لغيره فِي غَيره (للْقطع) بالاستقراء (بِأَنَّهُم) أَي المستفتين فِي كل عصر من زمن الصَّحَابَة (كَانُوا يستفتون مرّة وَاحِدًا) من الْمُجْتَهدين (وَمرَّة غَيره) أَي غير الْمُجْتَهد الأول حَال كَونهم (غير ملتزمين مفتيا وَاحِدًا) وشاع ذَلِك من غير نَكِير: وَهَذَا إِذا لم يلْتَزم مذهبا معينا (فَلَو الْتزم مذهبا معينا كَأبي حنيفَة أَو الشَّافِعِي) فَهَل يلْزم الِاسْتِمْرَار عَلَيْهِ فَلَا يُقَلّد غَيره فِي مسئلة من الْمسَائِل أم لَا؟ (فَقيل يلْزم) كَمَا يلْزمه الِاسْتِمْرَار فِي حكم حَادِثَة مُعينَة قلد فِيهِ، وَلِأَنَّهُ اعْتقد أَن مذْهبه حق فَيجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِمُوجب اعْتِقَاده (وَقيل لَا) يلْزم وَهُوَ الْأَصَح، لِأَن الْتِزَامه غير مُلْزم إِذْ لَا وَاجِب إِلَّا مَا أوجبه الله وَرَسُوله، وَلم يُوجب على أحد أَن يتمذهب بِمذهب رجل من الْأمة فيقلده فِي كل مَا يَأْتِي ويذر دون غَيره، والتزامه لَيْسَ بِنذر حَتَّى يجب الْوَفَاء بِهِ. وَقَالَ ابْن خرم: أَنه لَا يحل لحَاكم وَلَا مفت تَقْلِيد رجل فَلَا يحكم وَلَا يُفْتِي إِلَّا بقوله، بل قيل لَا يَصح للعامي مَذْهَب، لِأَن الْمَذْهَب إِنَّمَا يكون لمن لَهُ نوع نظر وبصيرة بالمذاهب، أَو لمن قَرَأَ كتابا فِي فروع مَذْهَب وَعرف فَتَاوَى إِمَامه وأقواله، وَإِلَّا فَمن لم يتأهل لذَلِك، بل قَالَ: أَنا حَنَفِيّ أَو شَافِعِيّ لم يصر من أهل ذَلِك الْمَذْهَب بِمُجَرَّد هَذَا، بل لَو قَالَ: أَنا فَقِيه أَو نحوي لم يصر فَقِيها أَو نحويا. وَقَالَ الإِمَام صَلَاح الدّين العلائي: وَالَّذِي صرح بِهِ الْفُقَهَاء مَشْهُور فِي كتبهمْ جَوَاز الِانْتِقَال فِي آحَاد الْمسَائِل وَالْعَمَل فِيهَا، بِخِلَاف مذْهبه إِذا لم يكن على وَجه التتبع للرخص (وَقيل) الْمُلْتَزم (كمن لم يلْتَزم) بِمَعْنى (إِن عمل بِحكم تقليدا) لمجتهد (لَا يرجع عَنهُ) أَي عَن ذَلِك الحكم (وَفِي غَيره) أَي غير ذَلِك الحكم (لَهُ تَقْلِيد غَيره)
стр. 1284
من الْمُجْتَهدين. قَالَ المُصَنّف: وَهَذَا القَوْل فِي الْحَقِيقَة تَفْصِيل لقَوْله، وَقيل لَا. قَالَ المُصَنّف (وَهُوَ) يَعْنِي هَذَا القَوْل (الْغَالِب على الظَّن) كِنَايَة عَن كَمَال قوته بِحَيْثُ جعل الظَّن مُتَعَلقا بِنَفسِهِ فَلَا يتَعَلَّق بِمَا يُخَالِفهُ، ثمَّ بَين وَجه غلبته بقوله (لعدم مَا يُوجِبهُ) أَي لُزُوم اتِّبَاع من الْتزم تَقْلِيده (شرعا) أَي إِيجَابا شَرْعِيًّا، إِذْ لَا يجب على الْمُقَلّد إِلَّا اتِّبَاع أهل الْعلم لقَوْله تَعَالَى - ﴿فاسئلوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ -: فَلَيْسَ الْتِزَامه من الموجبات شرعا (وَيتَخَرَّج) أَي يستنبط (مِنْهُ) أَي من جَوَاز اتِّبَاع غير مقلده الأول وَعدم التَّضْيِيق عَلَيْهِ (جَوَاز اتِّبَاعه رخص الْمذَاهب) أَي أَخذه من الْمذَاهب مَا هُوَ الأهون عَلَيْهِ فِيمَا يَقع من الْمسَائِل (وَلَا يمْنَع مِنْهُ مَانع شَرْعِي، إِذْ للْإنْسَان أَن يسْلك) المسلك (الأخف عَلَيْهِ إِذا كَانَ لَهُ) أَي للْإنْسَان (إِلَيْهِ) أَي ذَلِك المسلك الأخف (سَبِيل). ثمَّ بَين السَّبِيل بقوله (بِأَن لم يكن عمل بآخر) أَي بقول آخر مُخَالف لذَلِك الأخف (فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْمحل الْمُخْتَلف فِيهِ (وَكَانَ ﷺ يحب مَا خفف عَلَيْهِم). فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بِلَفْظ عَنْهُم، وَفِي رِوَايَة بِلَفْظ مَا يُخَفف عَنْهُم: أَي أمته، وَذكروا عدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة دَالَّة على هَذَا الْمَعْنى. وَمَا نقل عَن ابْن عبد الْبر: من أَنه لَا يجوز للعامي تتبع الرُّخص إِجْمَاعًا، فَلَا نسلم صِحَة النَّقْل عَنهُ، وَلَو سلم فَلَا نسلم صِحَة دَعْوَى الْإِجْمَاع، كَيفَ وَفِي تفسيق المتتبع للرخص رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد، وَحمل القَاضِي أَبُو يعلى الرِّوَايَة المفسقة على غير متأول وَلَا مقلد (وَقَيده) أَي جَوَاز تَقْلِيد غير مقلده (مُتَأَخّر) وَهُوَ الْعَلامَة الْقَرَافِيّ (بِأَن لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ) أَي على تَقْلِيد الْغَيْر (مَا يمنعانه) بإيقاع الْفِعْل على وَجه يحكم بِبُطْلَانِهِ المجتهدان مَعًا لمُخَالفَته الأول فِيمَا قلد فِيهِ غَيره، وَالثَّانِي فِي شَيْء فِيمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة ذَلِك الْعَمَل عِنْده، فالموصول عبارَة عَن إِيقَاع الْفِعْل على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَالضَّمِير الْمَفْعُول للموصول. ثمَّ أَشَارَ إِلَى تَصْوِير هَذَا التفسيق بقوله (فَمن قلد الشَّافِعِي فِي عدم) فَرضِيَّة (الدَّلْك) للأعضاء المغسولة فِي الْوضُوء وَالْغسْل (و) قلد (مَالِكًا فِي عدم نقض اللَّمْس بِلَا شَهْوَة) للْوُضُوء (وَصلى إِن كَانَ الْوضُوء بذلك صحت) صلَاته عِنْد مَالك (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بدلك (بطلت عِنْدهمَا) أَي مَالك وَالشَّافِعِيّ وَلَا يخفى أَنه كَانَ مُقْتَضى السِّيَاق أَن تدلك بطلت عِنْدهمَا من غير الشَّرْط وَالْجَزَاء، لِأَنَّهُ قد علم من التقليدين أَن الْمُقَلّد الْمَذْكُور ترك الدَّلْك ولمس بِلَا شَهْوَة وَلم يعد الْوضُوء، لكنه أَرَادَ أَن يُقَلّد الشَّافِعِي فِي عدم فَرِيضَة الدَّلْك لَو وَقع مِنْهُ الدَّلْك مَعَ عدم اعْتِقَاد فريضته تصح صلَاته عِنْد مَالك فَإِن قلت على هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر شَرْطِيَّة أُخْرَى فِي تَقْلِيد مَالك قلت: اكْتفى بذلك لِأَنَّهُ يعلم بالمقايسة وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن بطلَان الصُّورَة الْمَذْكُورَة عِنْدهمَا غير مُسلم فَإِن مَالِكًا مثلا لم يقل
стр. 1285
أَن من قلد الشَّافِعِي فِي عدم الصَدَاق أَن نِكَاحه بَاطِل، وَلم يقل الشَّافِعِي أَن من قلد مَالِكًا فِي عدم الشُّهُود أَن نِكَاحه بَاطِل انْتهى وَأورد عَلَيْهِ أَن عدم قَوْلهمَا بِالْبُطْلَانِ فِي حق من قلد أَحدهمَا وراعى مذْهبه فِي جَمِيع مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة الْعَمَل، وَمَا نَحن فِيهِ من قلدهما وَخَالف كلا مِنْهُمَا فِي شَيْء، وَعدم القَوْل بِالْبُطْلَانِ فِي ذَلِك لَا يسْتَلْزم عدم القَوْل بِهِ فِي هَذَا، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن الْفَارِق بَينهمَا لَيْسَ إِلَّا أَن كل وَاحِد من الْمُجْتَهدين لَا يجد فِي صُورَة التلفيق جَمِيع مَا شَرط فِي صِحَّتهَا، بل يجد فِي بَعْضهَا دون بعض، وَهَذَا الْفَارِق لَا نسلم أَن يكون مُوجبا للْحكم بِالْبُطْلَانِ وَكَيف نسلم والمخالفة فِي بعض الشُّرُوط أَهْون من الْمُخَالفَة فِي الْجَمِيع فَيلْزم الحكم بِالصِّحَّةِ فِي الأهون بِالطَّرِيقِ الأولى، وَمن يدعى وجود فَارق أَو وجود دَلِيل آخر على بطلَان صُورَة التلفيق على خلاف الصُّورَة الأولى فَعَلَيهِ بالبرهان فَإِن قلت لَا نسلم كَون الْمُخَالفَة فِي الْبَعْض أَهْون من الْمُخَالفَة فِي الْكل، لِأَن الْمُخَالفَة فِي الْكل تتبع مُجْتَهدا وَاحِدًا فِي جَمِيع مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة الْعَمَل، وَهَهُنَا لم يتبع وَاحِدًا قلت هَذَا إِنَّمَا يتم لَك إِذا كَانَ مَعَك دَلِيل من نَص أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس قوي يدل على أَن الْعَمَل إِذا كَانَ لَهُ شُرُوط يجب على الْمُقَلّد اتِّبَاع مُجْتَهد وَاحِد فِي جَمِيع مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ ذَلِك فَائت بِهِ إِن كنت من الصَّادِقين وَالله تَعَالَى أعلم. وَرجح الإِمَام العلائي القَوْل بالانتقال فِي صُورَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا إِذا كَانَ مَذْهَب غير إِمَامه أحوط كَمَا إِذا حلف بِالطَّلَاق الثَّلَاث على فعل شَيْء ثمَّ فعله نَاسِيا أَو جَاهِلا وَكَانَ مَذْهَب إِمَامه عدم الْحِنْث فَأَقَامَ مَعَ زَوجته عَاملا بِهِ ثمَّ تخرج مِنْهُ بقول من يرى فِيهِ وُقُوع الْحِنْث فَإِنَّهُ يسْتَحبّ لَهُ الْأَخْذ بالأحوط والتزام الْحِنْث، وَالثَّانيَِة إِذا رأى لِلْقَوْلِ الْمُخَالف لمَذْهَب إِمَامه دَلِيلا قَوِيا راجحا إِذا الْمُكَلف مَأْمُور بِاتِّبَاع نبيه ﷺ ، وَهَذَا مُوَافق لما روى عَن الإِمَام أَحْمد والقدوري، وَعَلِيهِ مَشى طَائِفَة من الْعلمَاء مِنْهُم ابْن الصّلاح وَابْن حمدَان.
تَكْمِلَة
(نقل الإِمَام) فِي الْبُرْهَان (إِجْمَاع الْمُحَقِّقين على منع الْعَوام من تَقْلِيد أَعْيَان الصَّحَابَة، بل من بعدهمْ) كلمة بل لعطف من بعدهمْ على أَعْيَان الصَّحَابَة اضرابا عَن حكم النَّفْي الْمُسْتَفَاد من الْمَنْع وإثباتا لضده، وَهُوَ إلزامهم بتقليد من بعد الصَّحَابَة من الْأَئِمَّة (الَّذين سبروا) استئنافا وبيانا كَأَنَّهُ لما ذكر من بعدهمْ قيل من هم؟ فَأجَاب بِهِ، والسبر عِنْد الْأُصُولِيِّينَ: حصر الْأَوْصَاف الصَّالِحَة للعلية فِي عدد ثمَّ إبِْطَال بَعْضهَا وَهُوَ مَا سوى الْعلَّة فِي ظَنّه فَإِن أَرَادَ هَذَا كَانَ إِشَارَة إِلَى كمالهم فِي بَاب الْقيَاس وَالْأَظْهَر أَن يُرَاد مَا هُوَ أَعم من ذَلِك من التعمق وَالتَّحْقِيق، فَإِن أَصله
стр. 1286
امتحان غور الْحَرج (وَوَضَعُوا) أَبْوَاب الْفِقْه وأصوله وفصولها ومسائلها تَفْصِيلًا (ودونوا) كتبهَا فَإِنَّهُم أوضحُوا وهذبوا، بِخِلَاف مجتهدي الصَّحَابَة فَإِنَّهُم لم يعتنوا بذلك لما أَرَادَ الله من ظُهُور ذَلِك فِي خَلفهم زِيَادَة فِي كمالهم، فَإِن كَون الْخلف إِمَامًا لِلْمُتقين شرف للسلف، وَأَيْضًا مسَائِل الْعُلُوم تتزايد يَوْمًا فيوما بتلاحق الأفكار (و) بنى (على هَذَا) الَّذِي ذكر من إِجْمَاع الْمُحَقِّقين (مَا ذكر بعض الْمُتَأَخِّرين) وَهُوَ ابْن الصّلاح (منع تَقْلِيد غير) الْأَئِمَّة (الْأَرْبَعَة) أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد رَحِمهم الله تَعَالَى (لانضباط مذاهبهم وَتَقْيِيد) مُطلق (مسائلهم وَتَخْصِيص عمومها) أَي مسائلهم (وَلم يدر مثله) أَي مثل هَذَا الصَّنِيع (فِي غَيرهم) من الْمُجْتَهدين (الْآن لانقراض أتباعهم) أَي أَتبَاع غَيرهم من الْمُجْتَهدين، وبانقراض الأتباع تعذر ثُبُوت نقل حَقِيقَة مذاهبهم، وَمن ثمَّة قَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام: لَا خلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي الْحَقِيقَة، بل إِن تحقق ثُبُوت مَذْهَب عَن وَاحِد مِنْهُم جَازَ تَقْلِيده وفَاقا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ ابْن الْمُنِير يتَطَرَّق إِلَى مَذَاهِب الصَّحَابَة احتمالات لَا يتَمَكَّن الْعَاميّ مَعهَا من التَّقْلِيد، ثمَّ قد يكون الْإِسْنَاد إِلَى الصَّحَابِيّ لاعلى شُرُوط الصِّحَّة، وَقد يكون الْإِجْمَاع انْعَقَد بعد ذَلِك القَوْل على قَول آخر (وَهُوَ) أَي الْمَذْكُور (صَحِيح) قَالَ الْقَرَافِيّ انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن من أسلم فَلهُ أَن يُقَلّد من شَاءَ من الْعلمَاء من غير حجر وَأجْمع الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَن من استفتى أَبَا بكر وَعمر وقلدهما فَلهُ أَن يستفتى أَبَا هُرَيْرَة وَغَيره وَيعْمل بقوله من غير نَكِير فَمن ادّعى خلاف هذَيْن الاجماعين فَعَلَيهِ الدَّلِيل. وَالله أعلم.
صحّح هَذَا الْكتاب الْجَلِيل. على: نُسْخَة خطية من مكتبة: - مُحَرر الْمَذْهَب النعماني وَأبي حنيفَة الثَّانِي فَضِيلَة الْأُسْتَاذ الْكَبِير وَعلم الْفضل الشهير الشَّيْخ: - مُحَمَّد بخيت المطيعي
مفتي الديار المصرية سَابِقًا. أَطَالَ الله بَقَاءَهُ وأعز بِهِ الدّين ونفع بِعُلُومِهِ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين آمين
وَهِي الَّتِي تمت كتَابَتهَا بقلم الشَّيْخ مُحَمَّد بن مُحَمَّد الباجوري فِي ٧ محرم سنة ١٣١٣ هجرية لفضيلة عَلامَة زَمَانه وفخر أدباء أَوَانه الشَّيْخ " حسن الطَّوِيل " ﵀ آمين مُقَابلَة على نسخ أُخْرَى من الكتبخانة الخديوية المصرية بدرب الجماميز - " دَار الْكتب الملكية " الْآن بميدان بَاب الْخلق
الْقَائِل
تمّ الْكتاب وانقضى وَفعلنَا الَّذِي وَجب
فغفر الله لمن قَرَأَ ودعا للَّذي كتب
стр. 1287
يَقُول الْفَقِير إِلَى ربه تَعَالَى [أَحْمد سعد عَليّ] أحد عُلَمَاء الْأَزْهَر، وَرَئِيس لجنة التَّصْحِيح، بمطبعة: - شركَة مكتبة ومطبعة (مصطفى البابي الْحلَبِي وَأَوْلَاده) بِمصْر:
الحمد لله الذى يسر القرآن للمجتهدين تيسيرا. فبذلوا الوسع لاستنباط الأحكام منه وحرروها تحريرا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذى جاء بالملة السمحة: أصولا وفروعا. وعلى آله وأصحابه الذين نهجوا منهجه في أفعالهم الظاهرية والباطنية، فارتقوا الى سلم الثبات متمسكين في كل أفعالهم بالحجج القطعية والبراهين القوية.
وبعد: فإن علم الأصول ثمرة أفكار العلماء الأذكياء، فهو من العلوم الرفيعة الشأن بلا امتراء. وقد ألف فيه جهابذة الفضلاء مؤلفات شتى. فكان أغزرها علما، وأسماها قدرا: كتاب (تيسير التحرير) شرح علامة زمانه: «محمد أمين المعروف بأمير بادشاه» على «التحرير» في أصول الفقه: لفخر العلماء «كمال الدين محمد بن عبد الواحد: الشهير بابن همام الدين» جزاهما الله عن العلم وأهله خير الجزاء - لذلك اختارته اللجنة المشكلة من فطاحل علماء الأزهر الشريف لتدريسه بكلية الشريعة. وقد لاقينا فى تحريره وتصحيحه صعوبات جمة منها سقطات بالنسخة المعتمد الطبع عليها تارة نجدها بنسخة دار الكتب الملكية، وأخرى بنسخة ثانية خطية من مكتبة فضيلة العلامة الكبير مولانا الشيخ «محمد بخيت المطيعى».
أما اعتمادنا فى تحرير المتن فمن «التقرير والتحبير شرح ابن أمير الحاج على التحرير - ـ الطبعة الأميرية سنة ١٣١٦ هـ».
ومع كثرة ما بأيدينا من المراجع كانت تعترضنا وقفات كنا نلجأ في فك رموزها إلى حلال المشكلات فضيلة مولانا الشيخ «محمد حسنين مخلوف العدوي» فيرشدنا بغزير علمه الي الصواب.
وقد كمل طبعه وتصحيحه بهذا الشكل الجميل بهمة من ديدنهم نشر العلوم والمعارف أصحاب الشركة المذكورة أعلاه الكائنة بسراى رقم ١٢ بشارع التبليطة بجوار الأزهر الشريف، نفع الله به الطلاب، بجاه سيدنا حمد وآله والأصحاب آمين.
تم طبعه في يوم الإثنين ٢٩ رجب سنة ١٣٥١ هـ الموافق ٢٨ نوفمبر سنة ١٩٣٢ م
مدير المطبعة
رستم مصطفى الحلبي