← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

أَي أدْرك مُدَّة التَّأَمُّل أَو لَا (إِن بلغه) السّمع (وبشرط بُلُوغه) أَي السّمع إِيَّاه مَعْطُوف على قَوْله بِشَرْط الْبلُوغ، يَعْنِي الْمُخطئ الْمَذْكُور كَافِر بِشَرْط الْبلُوغ وبشرط بُلُوغ السّمع من غير الْتِفَات إِلَى إِدْرَاك مُدَّة التَّأَمُّل (للأشعرية) أَي عِنْد الأشعرية، وَفِي الْقَامُوس إِن اللَّام تَأتي بِمَعْنى عِنْد (وقدمناه) أَي مثل هَذَا القَوْل نَاقِلا (عَن بُخَارى الْحَنَفِيَّة، وَهُوَ الْمُخْتَار) لِأَن مِلَّة الْإِسْلَام كَانَت فِي حد ذَاتهَا بِحَيْثُ إِذا تَأمل فِيهَا الْعقل - يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار﴾ - فَإِذا تأيدت بالبلوغين صَارَت أظهر من الشَّمْس، فَلم يبْق مجَال بعد ذَلِك لنفيها بِالِاجْتِهَادِ إِذْ الِاجْتِهَاد إِنَّمَا يكون فِيمَا فِيهِ بعض غموض، فالمعاند فِيهَا مكابر (وَإِن) كَانَ مَا أَخطَأ فِيهِ (غَيرهَا أَي غير مِلَّة الْإِسْلَام (كخلق الْقُرْآن) فَعلم أَن المُرَاد من مِلَّة الْإِسْلَام مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْإِيمَان من العقائد إِجْمَاعًا، وَالْمرَاد القَوْل بخلقه فَإِنَّهُ خطأ لكَونه من صِفَات الله وَصِفَاته قديمَة، وَالْقَدِيم لَيْسَ بمخلوق، إِذْ كل مَخْلُوق حَادث (وَإِرَادَة الشَّرّ) فَإِنَّهَا مِمَّا أَخطَأ فِيهَا الْمُعْتَزلَة حَيْثُ نفوها، وَهِي غير الْملَّة بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (فمبتدع آثم) وَلَا يخفى عَلَيْك أَن ذكر الْإِثْم هَهُنَا فِي مَحَله لِأَن من الْبِدْعَة مَا لَيْسَ بإثم بل قد تكون وَاجِبَة كعلم النَّحْو أَو مُسْتَحبَّة كبناء الْمدَارِس، بِخِلَاف ذكره مَعَ الْكفْر كَمَا سبق فَإِنَّهُ ذكر هُنَاكَ إِشَارَة إِلَى كَونه مُشْتَركا بَين أَقسَام الْخَطَأ غير أَنه كَانَ الأولى تَقْدِيمه على الْكفْر لكَونه بِمَنْزِلَة الْجِنْس: لَكِن قدم الْكفْر للاهتمام بِشَأْنِهِ من حَيْثُ الِاحْتِرَاز عَنهُ (لَا كَافِر) لعدم كَون مَا ذكر من ضروريات الدّين كَمَا لَا يخفى (وَسَيَأْتِي فِيهِ) أَي فِي هَذَا النَّوْع (زِيَادَة) أَي زِيَادَة بَيَان، وَمَا عَن الشَّافِعِي فِي تَكْفِير الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن فجمهور أَصْحَابه تأولوه على كفران النِّعْمَة صرح بِهِ النَّوَوِيّ وَغَيره (وَأما) الْأَحْكَام (الْفِقْهِيَّة فمنكر الضَّرُورِيّ) مِنْهَا، وَهُوَ الَّذِي يعرفهُ كل أحد حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان (كالأركان) أَي فَرضِيَّة الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج (وَحُرْمَة الزِّنَا وَالشرب) للخمر، وَقتل النَّفس الْمُحرمَة (وَالسَّرِقَة كَذَلِك) أَي كَافِر آثم لِأَن إِنْكَار مَا هُوَ من ضروريات مِلَّة الْإِسْلَام يسْتَلْزم إنكارها بِاجْتِهَاد بَاطِل (لانْتِفَاء شَرط الِاجْتِهَاد) وَهُوَ كَون الْمُجْتَهد فِيهِ نظريا بِأَن لَا يكون خِلَافه بديهيا (فَهُوَ) أَي إِنْكَار ذَلِك (إِنْكَار للمعلوم ابْتِدَاء) قبل النّظر. قَوْله ابْتِدَاء مُتَعَلق بالإنكار وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق بالمعلوم، وَالْأول أوجه. وَأما قَوْله (عنادا) فَهُوَ يتَعَلَّق بالإنكار قطعا (و) مُنكر (غَيرهَا) أَي الضرورية (الْأَصْلِيَّة) بدل من غَيرهَا أَو صفة لَهُ لكَون التَّعْرِيف فِيهَا لفظيا فَلَا يضرّهُ كَون الْغَيْر نكرَة لعدم اكتسابه التَّعْرِيف لتوغله فِي الْإِبْهَام، وَالْمرَاد بهَا الْأَحْكَام الَّتِي يتَفَرَّع عَلَيْهَا مسَائِل فرعية (ككون الْإِجْمَاع حجَّة، وَالْخَبَر) أَي خبر الْوَاحِد حجَّة فَهُوَ مَعْطُوف على الْإِجْمَاع (وَالْقِيَاس) حجَّة (آثم) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي مُنكر غَيرهَا. وَقَالَ

стр. 1227

الْقَرَافِيّ وَقد خَالف جمع من الْأَئِمَّة فِي مسَائِل ضَعِيفَة المدارك بِالْإِجْمَاع السكوتي وَالْإِجْمَاع على الْحُرُوف وَنَحْوهَا فَلَا يَنْبَغِي تأثيمه لِأَنَّهَا لَيست قَطْعِيَّة: كَمَا أَن لَا نؤثم من يَقُول: الْعرض يبْقى زمانين أَو يَقُول بِنَفْي الْخَلَاء وَإِثْبَات الملاء وَغير ذَلِك (بِخِلَاف حجية لقرآن) وَالسّنة (فَإِنَّهُ) أَي إنكارها (كفر) فَإِنَّهُ من ضروريات مِلَّة الْإِسْلَام، وإنكاره كإنكارها (و) مُنكر (غَيرهَا) أَي الضرورية (الفرعية) إعرابه كإعراب الْأَصْلِيَّة فَارْجِع إِلَيْهِ. أَي الْأَحْكَام (الفرعية) الاجتهادية (فالقطع) حَاصِل على أَنه (لَا إِثْم) على الْمُخطئ فِيهَا (وَهُوَ) أَي الْقطع بِنَفْي الْإِثْم (مُقَيّد بِوُجُود شَرط حلّه) أَي الِاجْتِهَاد (من عدم كَونه فِي مُقَابلَة) دَلِيل (قَاطع: نَص أَو إِجْمَاع وَلَا يعبأ) أَي لَا يعْتد (بتأثيم بشر) المريسي (والأصم) أبي بكر وَابْن علية والظاهرية والإمامية الْمُخطئ فِي الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع لِأَن الْحق فِيهَا مُتَعَيّن وَعَلِيهِ دَلِيل قَاطع، فَمن أَخطَأ فَهُوَ آثم غير كَافِر، وَإِنَّمَا لَا يعبأ بِهِ (لدلَالَة إِجْمَاع الصَّحَابَة على نَفْيه) أَي تأثيم الْمُخطئ فِيهَا (إِذْ شاع اخْتلَافهمْ) فِي الْمسَائِل الاجتهادية، وَلَا بُد من خطأ وَاحِد من المتناقضين (وَلم ينْقل تأثيم) من بَعضهم لبَعض (وَلَو كَانَ) أَي لَو وجد الْإِثْم للمخطئ (لوقع) ذَلِك لِأَنَّهُ أَمر خطير وَلَو ذكر لنقل واشتهر، وَلما لم ينْقل تأثيم علم عدم الذّكر وَعدم الْإِثْم، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى وَلَو كَانَ التأثيم لوقع ذكره عندنَا بِنَقْل التأثيم (وَلَو استؤنس لَهما) أَي لبشر والأصم. وَالْمعْنَى وَلَو طلب زَوَال الوحشة عَن كَلَامهمَا الْبعيد عَن الْأنس (بقول ابْن عَبَّاس أَلا يتقى الله زيد بن ثَابت، يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل أَب الْأَب أَبَا أمكن) جَوَاب لَو: أَي أمكن أَن يسْتَأْنس بِهِ قد جَاءَ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاع على عدم التَّأْثِير بِأَن يُقَال كَيفَ يتَحَقَّق الْإِجْمَاع من الصَّحَابَة على عَدمه مَعَ وُقُوع التأثيم من ابْن عَبَّاس فِي حق زيد (لكنه) أَي ابْن عَبَّاس (لم يتبع) أَي لم يتبعهُ أحد (على مثله) أَي على مثل تأثيمه زيدا، وَلَا يُمكن أَن يُقَال عدم الِاتِّبَاع لعدم وُقُوع مثل مَا وَقع من زيد أَو اتبع لَكِن لم ينْقل إِلَيْنَا لندرته (إِذْ) عدد (وقائع الْخلاف) من زمن الصَّحَابَة إِلَى انْقِرَاض الْمُجْتَهدين (أَكثر من أَن تحصى) أَي من عدد مَا يدْخل تَحت الْحصْر، وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة، وَالْمرَاد بِالْمَصْدَرِ المحصور والمضاف مَحْذُوف (وَلَا تأثيم) وَاقع فِي وَاقعَة مِنْهَا من أحد لأحد، فَعدم الْإِنْكَار والتأثيم فِي كل عصر إِجْمَاع من أهل ذَلِك الْعَصْر على خلاف مَا قَالَه ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ (الجاحظ لَا إِثْم على مُجْتَهد) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي يعم كل مُجْتَهد (وَلَو) كَانَ الْخَطَأ مِنْهُ وَاقعا (فِي نفي الْإِسْلَام وَإِن) كَانَ ذَلِك النَّفْي للِاجْتِهَاد صادرا (مِمَّن لَيْسَ مُسلما) كلمة إِن وصلية، وَمُقْتَضَاهُ ثُبُوت نفي الْإِثْم عَن الْمُسلم الْمُؤَدى اجْتِهَاده إِلَى نفي الْإِسْلَام بِالطَّرِيقِ الأولى، وَهُوَ غير ظَاهر، بل الظَّاهِر أَن وُقُوع مثل هَذَا

стр. 1228

الِاجْتِهَاد من الْمُسلم أَشد فِي الْإِثْم لِأَنَّهُ قد ظهر عِنْده حقية الْإِسْلَام قبل هَذَا الِاجْتِهَاد، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن مَقْصُود الجاحظ من نفي الْإِثْم عدم الخلود فِي النَّار وَعدم الخلود فِي حق من لم يَتَّصِف بِالْإِسْلَامِ فَقَط أبعد من عَدمه فِي حق من اتّصف بِهِ ثمَّ صدر مِنْهُ مَا لَيْسَ بإثم فَتَأمل (وتجري عَلَيْهِ) أَي على النَّافِي الْمَذْكُور فِي الدُّنْيَا (أَحْكَام الْكفَّار) لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى إِجْرَاء أَحْكَام الْمُسلمين عَلَيْهِ لعدم الْإِسْلَام، وَلَا وَاسِطَة فِي الدُّنْيَا بَين أَحْكَام الْكفَّار وَأَحْكَام الْمُسلمين. فَإِذا انْتَفَى إِحْدَاهمَا تعين الْأُخْرَى (وَهُوَ) أَي نفي الْإِثْم (مُرَاد الْعَنْبَري بقوله الْمُجْتَهد) أَي كل مُجْتَهد (فِي العقليات مُصِيب، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَاده من الْإِصَابَة نفي الْإِثْم (اجْتمع النقيضان فِي نفس الْأَمر) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم أَن يكون مُرَاده مُطَابقَة مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده نفس الْأَمر، إِذْ لَا سَبِيل إِلَى مَا يُرَاد بهَا فِي العمليات، وَهُوَ كَون مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد حكم الله تَعَالَى بِمَعْنى خطابه الْمُتَعَلّق بِفعل العَبْد يجوز أَن يكون مُتَعَلق خطاب الْمُجْتَهد مُخَالفا لمتعلق خطاب مُجْتَهد آخر فِي مسئلة وَاحِدَة، وَذَلِكَ لِأَن الْمَطْلُوب فِيهَا الْعَمَل بِخِلَاف العقليات. فَإِن الْمَطْلُوب فِيهَا الِاعْتِقَاد كمضمون خبري مُطَابق للْوَاقِع فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون الْمَطْلُوب من زيد اعْتِقَاد حُدُوث الْعَالم وَمن عَمْرو قدمه لِأَن أَحدهمَا غير مُطَابق قطعا، وَإِنَّمَا قَالَ فِي نفس الْأَمر احْتِرَازًا عَن اجْتِمَاعهمَا فِي المطلوبية صُورَة كَمَا فِي العمليات، وَإِنَّمَا قُلْنَا صُورَة إِذْ لَيْسَ الْمَطْلُوب من الآخر حَقِيقَته لعدم اتِّحَاد الْمَطْلُوب مِنْهُ، هَذَا وَفِيه رد على السُّبْكِيّ حَيْثُ نفى أَن يكون مُرَاد الْعَنْبَري نفي الْإِثْم، فَإِن ذَلِك مَذْهَب الجاحظ، بل كَون مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده حكم الله وَافق نفس الْأَمر أَولا، وَوَافَقَهُ الْكرْمَانِي، ورد عَلَيْهِمَا الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بِأَن الْكَلَام فِي العقليات الَّتِي لَا دخل فِيهَا لوضع الشَّارِع ككون الْعَالم قَدِيما وَكَون الصَّانِع مُمكن الرُّؤْيَة. ثمَّ قيل أَنه عمم فِي العقليات بِحَيْثُ شَمل أصُول الديانَات وَأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس على صَوَاب. وَقيل أُصُولهَا الَّتِي يخْتَلف فِيهَا أهل الْقبْلَة، وَهَذَا وَإِن كَانَ أنسب بِحَال الْمُسلم غير أَن دليلهم يُفِيد التَّعْمِيم كَمَا سَيَجِيءُ. (لنا إِجْمَاع الْمُسلمين قبل الْمُخَالف) أَي الجاحظ والعنبري وَمن تبعهما (من الصَّحَابَة وَغَيرهم) بَيَان للْمُسلمين (من لَدنه ﷺ مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ حَال من الْإِجْمَاع أَي مبتدئا من زَمَانه ﷺ إِلَى زمَان الْمُخَالف، ترك ذكر الْغَايَة للظهور (وهلم عصرا تلو عصر) أَرَادَ بِهِ اسْتِيعَاب الْأَعْصَار فِيمَا بَين الْمُبْتَدَأ والمنتهى الْمَذْكُورين، وهلم اسْم فعل، وعصرا مَفْعُوله، يَعْنِي أحضر عصرا بعد عصر فِي نظرك إِلَى أَن تستوعب الْأَعْصَار، فَهَلُمَّ اسْم فعل لَا يتَصَرَّف، أَصله هالم بِمَعْنى اقصد حذفت الْألف (على قتال الْكفَّار) مُتَعَلق بِالْإِجْمَاع (وَأَنَّهُمْ فِي النَّار) مَعْطُوف على الْقِتَال (بِلَا فرق بَين مُجْتَهد ومعاند) وَهُوَ الَّذِي اخْتَار الْكفْر

стр. 1229

من غير اجْتِهَاد مُكَابَرَة (مَعَ علمهمْ) أَي الْمُسلمين المجمعين (بِأَن كفرهم لَيْسَ بعد ظُهُور حقية الْإِسْلَام لَهُم) مُتَعَلق بالظهور، وَالضَّمِير للْكفَّار، فَلَا يرد أَن إِجْمَاع الْمُسلمين على قِتَالهمْ إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيّ على اجتهادهم بعد ظُهُور حقيته كاجتهاد من يجْتَهد فِي الْفُرُوع فِي مُقَابلَة الْقطع فِي عدم الصِّحَّة كَمَا أَن صِحَة الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع مَوْقُوفَة على عدم الْقطع فِي مَحل الِاجْتِهَاد فَكَذَلِك صِحَّته فِي الْأُصُول أَعنِي العقائد مَوْقُوفَة على عدم حقيتها، وَمن هَذَا لَا يلْزم عدم صِحَة الِاجْتِهَاد فِيهَا إِذا لم تظهر حقيتها قبل الِاجْتِهَاد، فَلَا يلْزم بطلَان مَذْهَب الجاحظ لِأَن مُرَاده عدم الْإِثْم على من يجْتَهد اجْتِهَادًا صَحِيحا (وَالْأول) أَي الْإِجْمَاع على قِتَالهمْ (لَا يجْرِي) دَلِيلا على تأثيم الْمُجْتَهد مِنْهُم بِنَاء (على) رَأْي (الْحَنَفِيَّة الْقَائِلين) ب (وُجُوبه) أَي وجوب قِتَالهمْ (لكَوْنهم حَربًا) أَي عدوا مُحَاربًا، يَسْتَوِي فِيهِ الْجمع وَالْوَاحد وَالذكر وَالْأُنْثَى (علينا لَا لكفرهم) يَعْنِي لَو كَانَ سَبَب قتال الْكفَّار الَّذين أدّى اجتهادهم إِلَى الْكفْر كفرهم كَانَ يلْزم تأثيمهم لِأَن الْكفْر الَّذِي لَا إِثْم فِيهِ لَا يصلح سَببا لِلْقِتَالِ، وَأما إِذا كَانَ سَببه دفع غلبتهم الْمُوجبَة لهدم الْإِسْلَام فَلَا يلْزم كَونهم آثمين فِي كفرهم الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم، فَلَيْسَ للحنفية أَن يحتجوا على الجاحظ بِالْإِجْمَاع على الْقِتَال (وَإِنَّمَا لَهُم الْقطع) فِي تأثيمهم على الْإِطْلَاق سَوَاء كفرهم بِالِاجْتِهَادِ أَو لَا (بالعمومات) الدَّالَّة على ذَلِك (مثل) قَوْله تَعَالَى و (﴿ويل للْكَافِرِينَ﴾) فَإِنَّهُ يعم الْمُجْتَهد وَغَيره وَقَوله تَعَالَى (﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾) سَوَاء كَانَ ابتغاؤه لذَلِك بِالِاجْتِهَادِ أَو لَا، وَهَذَا الْقطع (إِمَّا من الصِّيغَة) الْمَوْضُوعَة للْعُمُوم كالمحلى بلام الِاسْتِغْرَاق والموصول كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة من أَن مَدْلُول الْعَام قَطْعِيّ (أَو) من (الاجماعات) الكائنة من الصَّدْر الأول من قبل ظُهُور الْمُخَالف (على عدم التَّفْصِيل) فِي كفرهم وَعدم الْفرق بَين أَن يكون عَن اجْتِهَاد وَبَين أَن لَا يكون عَنهُ، وَهَذَا من قبل الْكل الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم. (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِنَفْي الْإِثْم عَن الْمُجْتَهد فِي الْإِسْلَام (تكليفهم) أَي مجتهدي الْكفَّار (بنقيض مجتهدهم) على صِيغَة الْمَفْعُول: أَي بنقيض مَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم، وَهُوَ الْإِسْلَام فَفِيهِ حذف واتصال، أَصله مُجْتَهد فِيهِ تَكْلِيف (بِمَا لَا يُطَاق لِأَنَّهُ) أَي نقيض مجتهدهم وَهُوَ التَّصْدِيق الإسلامي (كَيفَ) غير اخْتِيَاري فَإِنَّهُ علم، وَالْعلم من مقولة الكيف (لَا فعل) وَهُوَ التَّأْثِير لقَوْله الكيف الصَّادِر اخْتِيَارا، فَإِذا لم يكن مجتهدهم مُكَلّفا بخصوصية الْإِسْلَام. وَلَا شكّ أَنه مُكَلّف (فالمكلف بِهِ اجْتِهَاده) فِي تَحْصِيل الْإِسْلَام (وَقد فعل) مَا كلف بِهِ فَخرج عَن عُهْدَة الِامْتِثَال فَلَا إِثْم عَلَيْهِ. (الْجَواب منع فعله) أَي لَا نسلم أَنه فعل مَا كلف بِهِ (إِذْ لَا شكّ أَن على هَذَا الْمَطْلُوب) الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام (أَدِلَّة قَطْعِيَّة ظَاهِرَة) فِي نفس الْأَمر بِحَيْثُ (لَو وَقع النّظر فِي موادها)

стр. 1230

الْمَوْجُودَة فِي الْأَنْفس والآفاق المنادية بِلِسَان الْحَال أَن الطَّرِيق هَكَذَا لَا يتَغَيَّر لظاهره كَالشَّمْسِ فِيمَا يتَعَلَّق بِالْعقلِ، وَالْخَبَر كالمتواتر فِيمَا يتَعَلَّق بِالسَّمْعِ (لَزِمَهَا) جَوَاب لَو: أَي لزم الْمَطْلُوب الْمَذْكُور الْموَاد الْمَذْكُورَة على تَقْدِير النّظر (قطعا) فَكيف يكون ممتثلا الْأَمر بِالِاجْتِهَادِ وَلم يفتح بَصَره إِلَى تِلْكَ الْموَاد: إِذْ لَو فتح لرآها لكَمَال ظُهُورهَا (فَإِذا لم يثبت) الْمَطْلُوب عِنْد الْمَأْمُور بِالِاجْتِهَادِ (علم أَنه) أَي عدم ثُبُوته عِنْده (لعدم) تحقق (الشُّرُوط) الْمُعْتَبرَة فِي النّظر، وَلَيْسَ عدم تحققها لكَمَال غموضها وَعجز الْمُكَلف عَن الْوُصُول إِلَيْهَا، بل (بالتقصير) وَعدم الِالْتِفَات إِلَى مَا يرشده إِلَى الْمَطْلُوب لانهماكه فِي مطمورة تَقْلِيد الْآبَاء، وَهُوَ بمعزل عَن دَائِرَة الِاجْتِهَاد، وَأَنا أضْرب لَك (مثلا) فِي هَذَا فَأَقُول (من بلغه بأقصى فَارس) الْبَاء بِمَعْنى فِي وَهُوَ ظرف للبلوغ (ظُهُور مدعي نبوة) فَاعل بلغ (ادّعى نسخ شريعتكم) قَوْله ادّعى صفة لمُدعِي النُّبُوَّة وخطاب شريعتكم إِنَّمَا هُوَ فِي كَلَام الْمبلغ ذكر على سَبِيل الْحِكَايَة (لزمَه) أَي الَّذِي بلغه فِي أقْصَى فَارس (السّفر) أَن يُسَافر (إِلَى مَحل ظُهُور دَعوته) كبلاد الْعَرَب (لينْظر أتواتر وجوده ودعواه) فَإِن أَخْبَار الْآحَاد لَا تفِيد الْقطع (ثمَّ أتواتر من) أَخْبَار (صِفَاته وأحواله مَا يُوجب الْعلم بنبوته، فَإِذا اجْتهد) اجْتِهَادًا (جَامعا للشروط قَطعنَا من) مُقْتَضى (الْعَادة أَنه يلْزمه) أَي الْمُجْتَهد الْجَامِع لَهَا (علمه بِهِ) أَي الْمَطْلُوب (لفرض وضوح الْأَدِلَّة) وضوحا لَا يخفى على من لَهُ أدنى مرتبَة من الِاجْتِهَاد (وَلَو اجْتهد) من بلغه مَا ذكر (فِي مَكَانَهُ فَلم يجْزم بِهِ) أَي بِمَا أخبر عَنهُ (لَا يعْذر لِأَنَّهُ) أَي اجْتِهَاده (فِي غير مَحَله) أَي ظُهُور دَعوته (وَالْحَاصِل أَنه كلف بِالنّظرِ الصَّحِيح) المستجمع شُرُوطه (وَلم يَفْعَله) أَي مَا كلف بِهِ من النّظر الصَّحِيح. (وَأما الْجَواب) عَن حجتهم (بِمَنْع كَون نقيض اعْتِقَادهم) أَي معتقدهم الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم (غير مَقْدُور إِذْ ذَاك) تَعْلِيل للْمَنْع: أَي الَّذِي لَا يجوز التَّكْلِيف بِهِ لكَونه غير مَقْدُور لِأَنَّهُ هُوَ (الْمُمْتَنع عَادَة) أَي امتناعا عاديا (كالطيران وَحمل الْجَبَل) وَمَا نَحن فِيهِ لَيْسَ مِنْهُ (وَمَا ذكرُوا من الِامْتِنَاع) فَهُوَ مَعْطُوف على مَدْخُول الْبَاء: أَي وَأما الْجَواب بِمَا ذكر من الِامْتِنَاع فِي تكليفهم بنقيض مجتهدهم (بِشَرْط وصف الْمَوْضُوع) خبر الْمَوْصُول، يَعْنِي أَن الِامْتِنَاع الَّذِي ادعيتموه إِنَّمَا يَصح إِذا أخذت الْقَضِيَّة الْمَذْكُورَة فِي الدَّلِيل مَشْرُوطَة بِشَرْط الْوَصْف العنواني، تَقْرِيره (هَكَذَا مُعْتَقد) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل (ذَلِك الْكفْر) الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (يمْتَنع اعْتِقَاده غَيره) أَي غير معتقده (مَا دَامَ) ذَلِك المعتقد (معتقده والمكلف بِهِ) أَي الَّذِي كلف بِهِ الْكَافِر الْمُجْتَهد إِنَّمَا هُوَ (الْإِسْلَام) مُطلقًا، لَا الْإِسْلَام عِنْد وجود معتقده حَتَّى يمْنَع تَكْلِيفه وَالْحَاصِل أَن الْمُمْتَنع اعْتِقَاد النقيض مَعَ وجود اعْتِقَاد

стр. 1231

النقيض الآخر، وَأما عِنْد زَوَال الِاعْتِقَاد عَن أحد النقيضين فَلَا يمْتَنع أَن يعْتَقد النقيض الآخر (وَهُوَ) أَي الْإِسْلَام مُطلقًا لَا مُقَيّدا بِمَا ذكر (مَقْدُور) للمكلف بِهِ (لَا يزِيل الشغب) وَهُوَ تهييج الشَّرّ فِي الأَصْل، وَالْمرَاد أَن الْجَواب بِمَا ذكر من الْأَمريْنِ لَا يزِيل الْخُصُومَة بَين الْفَرِيقَيْنِ (إِذْ يُقَال التَّكْلِيف) لمجتهدي الْكفَّار (بِالِاجْتِهَادِ لاستعلام ذَلِك) أَي طلب الْعلم بِمَا يُؤمن بِهِ بِأَن يُؤَدِّي اجْتِهَاده إِلَيْهِ (فَإِذا لم يؤد) الِاجْتِهَاد (إِلَيْهِ) أَي إِلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوب (لَو لزم) على الْمُجْتَهد الَّذِي لم يؤد اجْتِهَاده إِلَيْهِ بل إِلَى نقيضه (كَانَ) ذَلِك اللَّازِم الْمُكَلف بِهِ تكليفا (بِمَا لَا يُطَاق) فَلَا وَجه حِينَئِذٍ لِأَن يُقَال حِينَئِذٍ: لَا نسلم أَن نقيض اعْتِقَادهم غير مَقْدُور، إِذْ ذَاك الْمُمْتَنع عَادَة، لِأَن من اجْتهد وَآل اجْتِهَاده إِلَى الْكفْر وَلم يظْهر لَهُ سواهُ فَهُوَ عَاجز عَن الْإِيمَان كمن هُوَ عَاجز عَن الطيران، أَو يُقَال الِامْتِنَاع بِشَرْط الْوَصْف، فَإِن الْوَصْف إِذا كَانَ لَازِما للموضوع يَسْتَحِيل أَن يُفَارق، فَكيف يطْلب من موصوفه الاتصاف بِخِلَافِهِ؟ مسئلة قَالَ (الجبائي) رَئِيس الْمُعْتَزلَة (وَنسب إِلَى الْمُعْتَزلَة) كلهم مقول القَوْل، ونائب الْفَاعِل فِي نسب على سَبِيل التَّنَازُع قَوْله (لَا حكم فِي المسئلة الاجتهادية) أَي الَّتِي لَا قَاطع فِيهَا من نَص أَو إِجْمَاع (قبل الِاجْتِهَاد سوى إِيجَابه) أَي الِاجْتِهَاد فِيهَا (بِشَرْطِهِ) أَي الْإِيجَاب إِمَّا عينا بِأَن خَافَ فَوت الْحَادِثَة الَّتِي استفتى فِيهَا على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ لَو لم يكن ثمَّ غَيره من الْمُجْتَهدين، أَو الَّتِي نزلت بِهِ، أَو كِفَايَة لَو لم يخف، وَثمّ غَيره على مَا مر (فَمَا أدّى) الِاجْتِهَاد (إِلَيْهِ) من الظَّن الْحَاصِل بِهِ (تعلق) الحكم الشَّرْعِيّ بِتِلْكَ المسئلة ويتحقق حِينَئِذٍ (وَلَا يمْتَنع تبعيته) أَي الحكم (للِاجْتِهَاد لحدوثه) أَي الحكم (عِنْدهم) أَي الْمُعْتَزلَة. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَقد ينْسب ذَلِك إِلَى الْأَشْعَرِيّ بِمَعْنى أَنه لم يتَعَلَّق الحكم بالمسئلة قبل الِاجْتِهَاد، وَإِلَّا فَالْحكم قديم عِنْده انْتهى. (و) قَالَ (الباقلاني وَطَائِفَة) من الْأُصُولِيِّينَ (الثَّابِت قبله) أَي الِاجْتِهَاد (تعلق مَا يتَعَيَّن بِهِ) أَي أَن حكم الله تَعَالَى تعلق إِجْمَالا بِمَا سيتعين بِالِاجْتِهَادِ: كَأَنَّهُ قَالَ لَو أوجبت عَلَيْك الْعَمَل بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد (وَإِذ علمه) تَعَالَى (مُحِيط بِمَا سيتعين) بعد الِاجْتِهَاد من الحكم (أمكن كَون الثَّابِت) فِي نفس الْأَمر وَفِي علم الله تَعَالَى (تعلق) حكم (معِين فِي حق كل) من الْمُجْتَهدين (وَهُوَ) أَي ذَلِك الْمعِين (مَا علم) الْمُحِيط بِمَا سيتعين (أَنه يَقع) ويستقر (عَلَيْهِ اجْتِهَاده) غَايَة الْأَمر أَن علم الْمُجْتَهد بالتعين إِنَّمَا يحصل بعد الِاجْتِهَاد، وَلَا يُقَال هَذَا تَكْلِيف بِالْمَجْهُولِ، وَهُوَ لَيْسَ فِي وَسعه. لِأَنَّهُ إِنَّمَا يلْزم التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق إِذا لم يكن لَهُ طَرِيق إِلَى الْعلم بِهِ

стр. 1232

وَطَرِيقَة الِاجْتِهَاد، فَمن لم يثبت الحكم الْمعِين قبل الِاجْتِهَاد لم يتفطن لهَذِهِ الدفعة (وَإِذ وَجب الِاجْتِهَاد) فِي المسئلة الاجتهادية على الْمُجْتَهدين (تعدد الحكم) فِيهَا (بتعددهم) وَاخْتِلَاف آرائهم الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا اجتهادهم، وَعدم جَوَاز بتقليد بَعضهم بَعْضًا. (وَالْمُخْتَار) عِنْد الْمُحَقِّقين من أهل الْحق أَن حكم الْوَاقِعَة الْمُجْتَهد فِيهَا قبل الِاجْتِهَاد (حكم معِين أوجب) الله تَعَالَى (طلبه) على من لَهُ أَهْلِيَّة الِاجْتِهَاد (فَمن أَصَابَهُ) أَي ذَلِك الْمعِين فَهُوَ (الْمُصِيب) لإصابته إِيَّاه (وَمن لَا) يُصِيبهُ فَهُوَ (الْمُخطئ) لعدم إِصَابَته. (وَنقل عَن) الْأَئِمَّة (الْأَرْبَعَة) هَذَا الْمُخْتَار (ثمَّ) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار أَن الْمُخطئ مأجور) أجرا وَاحِدًا لاجتهاده، بِخِلَاف الْمُصِيب فَإِن لَهُ أَجْرَيْنِ: لاجتهاده، وإصابته (و) نقل (عَن طَائِفَة) أَنه (لَا أجر) للمخطئ (وَلَا إِثْم) عَلَيْهِ (وَلَعَلَّه) أَي الْخلاف فِي وجود الْأجر (لَا يتَحَقَّق) فِي نفس الْأَمر (فَإِن القَوْل بأجره لَيْسَ على خطئه) فَمن قَالَ مأجور لم يقل إِنَّه مأجور لخطئه (بل لامتثاله أَمر الِاجْتِهَاد، وَثُبُوت ثَوَاب ممتثل الْأَمر مَعْلُوم من الدّين) ضَرُورَة (لَا يَتَأَتَّى نَفْيه) فَكيف يَنْفِيه الْقَائِل بنفيه، فَتعين أَن مُرَاده نفى الْأجر لخطئه (وإثم خطئه مَوْضُوع) أَي مَرْفُوع عَنهُ (اتِّفَاقًا) فَلَا يرد أَن الْإِثْم فِي اجْتِهَاده فَكيف يَنْفِيه الْقَائِل بنفيه، فَتعين أَن مُرَاده نفي الْأجر لخطئه وإثم خطئه مَوْضُوع يُؤجر (فَهُوَ الأول) أَي القَوْل الثَّانِي عين القَوْل الأول بِحَسب الْمَآل (وَهَذَانِ) الْقَوْلَانِ مبنيان (على أَن عَلَيْهِ) أَي على الحكم الْمعِين (دَلِيلا ظنيا) وَعَلِيهِ أَكثر الْفُقَهَاء وَكثير من الْمُتَكَلِّمين (وَقيل) بل عَلَيْهِ دَلِيل (قَطْعِيّ، والمخطئ آثم) كَأَنَّهُ زعم فِيهِ بعض تَقْصِير فِي اجْتِهَاده، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، وَهُوَ (قَول بشر والأصم، وَقيل غير آثم لخفائه) أَي الدَّلِيل الْقطعِي، قيل وَمَال إِلَيْهِ الماتريدي، وَنسبه إِلَى الْجُمْهُور. (وَنقل الْحَنَفِيَّة الْخلاف) فِي (أَنه) أَي الْمُخطئ (مُخطئ ابْتِدَاء وانتهاء، أَو انْتِهَاء) فَقَط (وَهُوَ) أَي كَونه مُخطئ انْتِهَاء فَقَط (الْمُخْتَار) وَعَزاهُ بَعضهم إِلَى الشَّافِعِي. وَقَوله نقل الْحَنَفِيَّة مُبْتَدأ خَبره (لَا يتَحَقَّق) لعدم معقوليته (إِذْ الِابْتِدَاء بِالِاجْتِهَادِ) وبذل المجهود لنيل الْمَقْصُود (وَهُوَ) أَي الْمُجْتَهد (بِهِ) أَي بِاجْتِهَادِهِ (مؤتمر) أَي ممتثل لما أَمر بِهِ بِقدر وَسعه (غير مُخطئ بِهِ) أَي بِهَذَا الائتمار وبذل الوسع (قطعا) كَيفَ وَهُوَ آتٍ بِمَا كلف بِهِ (وَإِن حمل) كَونه مخطئا ابْتِدَاء (على خطئه) أَي الْمُجْتَهد (فِيهِ) أَي الِاجْتِهَاد (لَا خلاله) أَي الْمُجْتَهد (بِبَعْض شُرُوط الصِّحَّة) أَي صِحَة الدَّلِيل الْموصل إِلَى الحكم الْمعِين عِنْد الله تَعَالَى من حَيْثُ الْمَادَّة أَو الصُّورَة (فاتفاق) أَي فالمحمول عَلَيْهِ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَهُوَ عين القَوْل الْمُخْتَار، فَلَا خلاف فِي الْمَعْنى بَين من يَقُول ابْتِدَاء وانتهاء، وَبَين من يَقُول انْتِهَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي التَّسْمِيَة فَقَط، فَعلم أَن نقل الْخلاف غير صَحِيح (لنا) على الْمَذْهَب الْمُخْتَار أَن لله تَعَالَى

стр. 1233

حكما معينا فِي مَحل الِاجْتِهَاد يُصِيبهُ تَارَة ويخطئه أُخْرَى، وَلَيْسَ كل مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد حكم الله تَعَالَى فِي نفس الْأَمر (لَو كَانَ الحكم) أَي خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِفعل العَبْد هُوَ عين (مَا) أدّى الِاجْتِهَاد (إِلَيْهِ كَانَ) الْمُجْتَهد (بظنه) الْحَاصِل بِالِاجْتِهَادِ (يقطع بِأَنَّهُ) أَي المظنون الَّذِي أدّى إِلَيْهِ (حكمه تَعَالَى) وَالثَّانِي بَاطِل يدل على بُطْلَانه قَوْله (وَالْقطع) حَاصِل (بِأَن الْقطع) بِأَن مظتونه حكمه تَعَالَى (مَشْرُوط بِبَقَاء ظَنّه) الْحَاصِل بِالِاجْتِهَادِ، لِأَن الَّذِي علم قطعا أَن مظنونه عين حكم الله تَعَالَى فِي حَقه كَيفَ يتَصَوَّر أَن يتَحَوَّل عَنهُ بِأَن يشك فِيهِ أَو يظنّ خِلَافه فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون قطعه بِكَوْن المظنون حكم الله تَعَالَى فِي حَقه مُقَيّدا بِعَدَمِ طرُو مَا يُنَافِي ذَلِك الظَّن من شكّ أَو ظن بِخِلَافِهِ، وَعند طروه يتَغَيَّر حكم الله تَعَالَى فِي حَقه إِلَى بدل أَن تعلق ظَنّه بِخِلَاف مُتَعَلق الظَّن الأول أَولا إِلَى بدل أَن لم يتَعَلَّق قلت: يلْزم حِينَئِذٍ تعدد حكم الله تَعَالَى فِي حَادِثَة وَاحِدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص وَاحِد والنسخ، وَسَيَجِيءُ تَفْصِيله (وَالْإِجْمَاع) مُنْعَقد (على جَوَاز تغيره) أَي الظَّن الْمَذْكُور بِأحد الْوَجْهَيْنِ (وَوُجُوب الرُّجُوع) عَن الظَّن الْمَذْكُور مَعْطُوف على مَدْخُول على الْمُتَعَلّقَة بِالْإِجْمَاع (وَأَنه) أَي الْمُجْتَهد (لم يزل عِنْد ذَلِك الْقطع) أَي الْقطع بِأَنَّهُ حكمه تَعَالَى. قَوْله أَنه لم يزل مَعْطُوف على بَقَاء ظَنّه، وَالْمرَاد بِاشْتِرَاط الْقطع بِكَوْنِهِ لم يزل عِنْده لُزُوم هَذَا الْكَوْن لَهُ، فَلَا يرد أَنه لَا وَجه لتقديم هَذَا الْكَوْن على الْقطع (وإنكاره) أَي إِنْكَار بَقَاء الظَّن وَعدم جزم مزيل لَهُ (بهت) أَي مُكَابَرَة، يجوز أَن يكون الْمَعْنى وإنكار لُزُوم كَونه لم يزل عِنْد ذَلِك الْقطع للْقطع بِأَنَّهُ حكم الله تَعَالَى فِي حَقه بهت، لِأَن الْعلم الْقطعِي لَا يتَغَيَّر: وَهَذَا أظهر من حَيْثُ الْعبارَة، لَكِن القَاضِي عضد الدّين صدر بِهِ فِي شرح الْمُخْتَصر بِالْمَعْنَى الأول (فيجتمع الْعلم) الْقطعِي بِأَنَّهُ حكم الله تَعَالَى (وَالظَّن) بِأَنَّهُ حكمه تَعَالَى (فيجتمع النقيضان: تَجْوِيز النقيض) اللَّازِم لحقيقة الظَّن الْمُتَعَلّق بِأَنَّهُ حكم الله تَعَالَى (وَعَدَمه) أَي عدم تَجْوِيز النقيض اللَّازِم لحقيقة الْعلم وَالْقطع بِأَنَّهُ حكمه، وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْعلم وَالظَّن المتعلقان بِمَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد ومآلهما وَاحِد حَاصِل الِاسْتِدْلَال أَن كَون مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد حكم الله تَعَالَى فِي حَقه يسْتَلْزم الْقطع المستلزم للمحظورات الثَّلَاث لُزُوم بَقَاء الظَّن وَالْإِجْمَاع على عدم لُزُومه واستمرار الْقطع المزيل للظن وإنكار بَقَاء الظَّن بهت، واجتماع الْعلم وَالظَّن المستلزم لِاجْتِمَاع النقيضين (وإلزام كَونه) أَي كَون اجْتِمَاع النقيضين (مُشْتَرك الْإِلْزَام) بِأَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على وجوب اتِّبَاع الظَّن، فَيجب الْفِعْل إِذا ظن الْوُجُوب قطعا، وَيحرم إِذا ظن الْحُرْمَة قطعا، ثمَّ شَرط الْقطع بَقَاء الظَّن بِمَا ذكرْتُمْ، فَيلْزم الظَّن وَالْقطع مَعًا، ويجتمع النقيضان (مُنْتَفٍ) خبر الْمُبْتَدَأ (لاخْتِلَاف مَحل الظَّن) أَي مُتَعَلّقه على الْمَذْهَب الْحق (وَهُوَ)

стр. 1234

أَي مَحل الظَّن (حكمه) تَعَالَى (أَي خطابه) الْمَطْلُوب بِالِاجْتِهَادِ (وَالْعلم) مَعْطُوف على الظَّن (وَهُوَ) أَي مَحل الْعلم (حُرْمَة مُخَالفَته) أَي المظنون (بِشَرْط بَقَاء ظَنّه) أَي الحكم أَو الْمُجْتَهد (فَهُنَا) أَي فِي المسئلة الاجتهادية (خطابان): أَحدهمَا الْخطاب (الثَّابِت فِي نفس الْأَمر) قبل الِاجْتِهَاد الْمُؤَدِّي إِلَى الظَّن لما عرفت. من أَن لله تَعَالَى فِي كل حَادِثَة حكما معينا وخطابا مُتَعَلقا بِفعل العَبْد (وَهُوَ) أَي الثَّابِت فِي نفس الْأَمر (المظنون) أَي الَّذِي بذل الْمُجْتَهد وَسعه فِي تَحْصِيله فَظن أَنه كَذَا لما أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده. لَا يُقَال مَا أدّى إِلَيْهِ تَارَة يكون على خلاف الثَّابِت فِي نفس الْأَمر، فَكيف يحكم بِأَن الثَّابِت هُوَ المظنون؟. لأَنا نقُول: لَيْسَ المُرَاد بالمظنون الحكم الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، بل الثَّابِت الَّذِي ظن مُطَابقَة مَا أدّى إِلَيْهِ إِيَّاه. (و) ثَانِيهمَا (تَحْرِيم تَركه) أَي المظنون الَّذِي أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد (ويلازمه) أَي تَحْرِيم التّرْك (إِيجَاب الْفَتْوَى بِهِ) أَي بالمظنون (وهما) أَي كل وَاحِد من تَحْرِيم التّرْك وَإِيجَاب الْفَتْوَى (مُتَعَلقَة) بِكَسْر اللَّام: أَي مُتَعَلق المظنون الَّذِي أدّى الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ (الْمَعْلُوم) صفة مُتَعَلقَة، وَفَائِدَته الْإِشْعَار بِأَن كلا مِنْهُمَا حكم مَعْلُوم بِعَيْنِه قطعا، بِخِلَاف الثَّابِت فَإِنَّهُ لم يتَعَلَّق بِهِ الْعلم وَأَن تعلق بِهِ الظَّن (بِخِلَاف) قَول (المصوبة) فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الخطابان على مَا ذكرنَا (فَإِن الحكم فِي نفس الْأَمر) عِنْدهم (لَيْسَ إِلَّا مَا تأدى) الِاجْتِهَاد (إِلَيْهِ) لأَنهم لم يثبتوا حكما قبل الِاجْتِهَاد فَلَا يُمكنهُم أَن يَقُولُوا فِي دفع التَّنَاقُض مُتَعَلق الظَّن الحكم الثَّابِت فِي نفس الْأَمر، ومتعلق الْعلم غَيره (فَإِن قَالُوا) أَي المصوبة (نقُول مُتَعَلق الظَّن) كَونه) أَي كَون مَا أدّى إِلَيْهِ الظَّن من الأمارة الْمَخْصُوصَة (دَلِيلا) على الحكم المظنون (و) مُتَعَلق (الْعلم ثُبُوت مَدْلُوله شرعا بذلك الشَّرْط) يَعْنِي بَقَاء الظَّن (فَإِذا زَالَ) الشَّرْط (رَجَعَ) الْمُجْتَهد عَنهُ فَانْدفع عَنْهُم التَّنَاقُض وَلُزُوم عدم إِمْكَان رُجُوع الْمُجْتَهد عَمَّا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده بِمُوجب الْقطع لِأَن مُتَعَلق الْعلم الثُّبُوت المغيا بِتِلْكَ الْغَايَة. (أُجِيب بِأَن كَونه) أَي الدَّلِيل (دَلِيلا) أَيْضا (حكم شَرْعِي) يتَفَرَّع عَلَيْهِ أَحْكَام شَرْعِيَّة (وَإِن كَانَ غير عَمَلي فَإِذا ظَنّه) أَي إِذا ظن الْمُجْتَهد كَونه دَلِيلا (علمه) أَي علم أَنه دَلِيل (وَيتم إِلْزَامه اجْتِمَاع النقيضين) لِاتِّحَاد مُتَعَلق الظَّن وَالْعلم. وَلما أجَاب عَن الجوابين من أجوبة المصوبة أَرَادَ أَن يذكر مَا هُوَ الْعدة فِي الْجَواب من قبلهم، فَقَالَ: (وَالْجَوَاب أَن اللَّازِم) من التصويب (ثُبُوت الْعلم بالحكم مَا لم يثبت الرُّجُوع) أَي رُجُوع الْمُجْتَهد عَمَّا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (وَهُوَ) أَي ثُبُوت الرُّجُوع عَنهُ (انْفِسَاخ هَذَا الحكم) المرجوع عَنهُ (بِظُهُور المرجوع) إِلَيْهِ فَإِن قلت هَذَا نسخ بعد انْقِطَاع الْوَحْي قلت ظُهُوره بعد الِانْقِطَاع لَا أَصله، فَإِن أَصله حكم الله تَعَالَى قبل الِانْقِطَاع على الْمُجْتَهد بِأَنَّهُ إِذا ظهر لَك خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادك فَارْجِع عَنهُ إِلَيْهِ (لَا) ظُهُور (خطئه) أَي الحكم الأول (وبطلانه عِنْدهم) أَي المصوبة ثمَّ.

стр. 1235

لما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه كَيفَ يثبت الْعلم بالحكم مَعَ تَجْوِيز زَوَال مُوجبه؟ وَهُوَ الظَّن، وَزَوَال الْمُوجب يسْتَلْزم زَوَال الْمُوجب أجَاب عَنهُ بقوله (وتجويز انْقِضَاء مُدَّة الحكم بعد هَذَا الْوَقْت) أَي مُدَّة عدم ثُبُوت الرُّجُوع (لَا يقْدَح فِي الْقطع بِهِ) أَي بالحكم وَكَونه وَاجِب الْعَمَل مَا لم يثبت الرُّجُوع (حَال هَذَا التجويز) ظرف للْقطع بِهِ، ذكر تَأْكِيد الْعَدَم التَّنَافِي بَين الْقطع والتجويز، وَذَلِكَ لِأَن زمَان مُتَعَلق التجويز غير زمَان مُتَعَلق الْعلم (فَبَطل الدَّلِيل) الْمَذْكُور للمخطئة مندفعا (عَنْهُم) أَي المصوبة فَإِن قلت الدَّلِيل الْمَذْكُور يتَضَمَّن الْمَحْظُورَات الثَّلَاث كَمَا عرفت لُزُوم بَقَاء الظَّن، وَقد انْدفع بقييد زمَان الْقطع فَإِنَّهُ كَانَ مَبْنِيا على إِطْلَاقه بِحَيْثُ يسْتَغْرق الْأَزْمِنَة، واستمرار الْقطع المزيل للظن واندفاعه ظَاهر، لَكِن بَقِي دفع التَّنَاقُض قلت كَأَنَّهُ تَركه لظُهُوره وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي عضد الدّين بقوله: فَإِنَّهُ يسْتَمر الظَّن ريثما يحصل بِهِ الْقطع، فَإِذا حصل زَالَ الظَّن ضَرُورَة وَحكم الْقطع هُوَ اتِّبَاعه وَهُوَ بِهِ أَجْدَر من الظَّن. لَا يُقَال بِمُجَرَّد حُصُول الظَّن تعلق الْخطاب الْمُوجب للْعلم فاتحدا زَمَانا. لأَنا نقُول غَايَة الْأَمر مُقَارنَة الظَّن مَعَ تعلق الْخطاب، وَهُوَ لَا يسْتَلْزم مقارنته مَعَ الْعلم (وَبِهَذَا) الْجَواب (ينْدَفع) عَن المصوبة الدَّلِيل (الْقَائِل) وصف الدَّلِيل بالْقَوْل مجَازًا، ومقول القَوْل (لَو كَانَ) الظَّن مُوجبا للْعلم (امْتنع الرُّجُوع) عَن المظنون (لاستلزامه) أَي الرُّجُوع (ظن النقيض) أَي نقيض المظنون الَّذِي تعلق بِهِ الْعلم (وَالْعلم يَنْفِي احْتِمَاله) أَي احْتِمَال نقيض مُتَعَلّقه، وَإِن كَانَ مرجوحا فضلا عَن الظَّن، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا فِيمَا إِذا كَانَ الرُّجُوع عَن المظنون الأول إِلَى مظنون آخر، أما إِذا كَانَ عَنهُ إِلَى الشَّك فَيُقَال حِينَئِذٍ لاستلزامه احْتِمَال النقيض وَالْعلم يَنْفِيه (فَلم يكن الْعلم حِين كَانَ) أَي تحقق بزعمكم أَيهَا المصوبة (علما) لم يكن وَجه الاندفاع ظَاهر عِنْد تَقْيِيد ثُبُوت الْعلم بِمَا إِذا لم يثبت الرُّجُوع (أَو لَو كَانَ) الظَّن مُوجبا للْعلم مَعْطُوف على مقول القَوْل (جَازَ ظَنّه) أَي الْمُتَعَلّق بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده ثَانِيًا (مَعَ تذكر مُوجب الْعلم، وَهُوَ) أَي مُوجب الْعلم (الظَّن الأول لجَوَاز الرُّجُوع) تَعْلِيل لجَوَاز تعلق ظَنّه ثَانِيًا، بِخِلَاف مظنونه الأول فَيلْزم تخلف الْمُوجب عَن الْمُوجب مَعَ تذكره من غير ذُهُول، وَفِيه أَن تذكره عبارَة عَن تصَوره الْمُوجب إِنَّمَا هُوَ الادعاء وَقد زَالَ (أَو لَو كَانَ) ظن الحكم مُوجبا للْعلم (امْتنع ظَنّه) بِخِلَاف المظنون الأول (مَعَ تذكر الظَّن) الأول (لِامْتِنَاع ظن نقيض مَا علم مَعَ تذكر الْمُوجب) للْعلم (وَإِلَّا) أَي إِن لم يمْتَنع ظن نقيض مَا علم مَعَ تذكر الْمُوجب (لم يكن) ذَلِك الْمُوجب (مُوجبا) وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض (لكنه) أَي الظَّن (جَائِز) بِخِلَاف المظنون الأول إِجْمَاعًا (بِالرُّجُوعِ) أَي بِأَن يرجع عَن الظَّن الأول إِلَى خِلَافه (وَقد لَا يَكْتَفِي بِدَعْوَى ضَرُورِيَّة البهت) الْمَأْخُوذَة فِي دَلِيل المخطئة (فتجعل) الْأَوْجه الثَّلَاثَة المفادة بقوله لَو كَانَ امْتنع الرُّجُوع

стр. 1236

إِلَى قَوْله لكنه جَائِز، فالرجوع (دَلِيل بَقَاء الظَّن) لِأَن محصول كل وَاحِد مِنْهَا لُزُوم الْفساد لكَون الظَّن مُوجبا للْعلم، فَإِذا انْتَفَى إِيجَابه للْعلم بَقِي مستمرا مَا لم يثبت الرُّجُوع عَنهُ (عِنْد الْقطع بمتعلقه) أَي الظَّن، الظّرْف مُتَعَلق بِبَقَاء الظَّن الْمَأْخُوذ فِي دَلِيل المخطئة الْمَذْكُور أَولا المفاد بقوله، وَالْقطع بِأَن الْقطع مَشْرُوط بِبَقَاء ظَنّه إِلَى قَوْله وإنكاره بهت فحاصله لَو كَانَ الظَّن مُوجبا للْعلم لزم عِنْد ذَلِك بَقَاء الظَّن للأوجه الثَّلَاثَة وَهُوَ يسْتَلْزم أَن لَا يكون مَعَه الْعلم لِأَن بَينهمَا تنافيا فِي اللوازم (لَا) أَن يَجْعَل كل وَاحِد مِنْهَا دَلِيلا (مُسْتقِلّا) على إبِْطَال مَذْهَب المصوبة (وألزم على) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار) وَهُوَ مَذْهَب المخطئة (انْتِفَاء كَون الْمُوجب) للْحكم (مُوجبا) لَهُ مَعَ تذكر الْمُوجب (فِي) حق (الأمارة) على الحكم حَيْثُ قَالُوا: لَا يمْتَنع زَوَال ظن الحكم إِلَى ظن نقيضه مَعَ تذكر الأمارة الَّتِي عَنْهَا الظَّن فَهِيَ مُوجبَة لَهُ (وَجَوَابه) أَي الْإِلْزَام الْمَذْكُور (أَن بُطْلَانه) أَي بطلَان انْتِفَاء كَون الْمُوجب مُوجبا (فِي غَيرهَا) خبر أَن: أَي فِي غير الأمارة (أما هِيَ) أَي الأمارة (فَإذْ لَا رابط) بَينهَا وَبَين الحكم (عَقْلِي) صفة اسْم لَا مَرْفُوع فِي مَحَله، وَالْخَبَر مَحْذُوف (جَازَ انْتِفَاء مُوجبهَا مَعَ تذكرها) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي هِيَ، وَقَوله: إِذْ لَا رابط عَقْلِي مُعْتَرضَة تعليلا للْجُوَاز، وَذَلِكَ كَمَا يَزُول ظن نزُول الْمَطَر من الْغَيْم الرطب الَّذِي هُوَ أَمارَة لَهُ إِلَى ظن عَدمه مَعَ وجوده. وَلما زيف دَلِيل المخطئة بِمَا ذكر أَرَادَ أَن يذكر مَا هُوَ الْمُعْتَمد فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فَقَالَ (بل الدَّلِيل) الَّذِي مَا عداهُ كَالْعدمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (إِطْلَاق) الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد) أَي إِطْلَاقهم لفظ الْخَطَأ فِي بعض الِاجْتِهَاد أَو عدم تقييدهم الْخَطَأ بِمَا يُفِيد كَونه خطأ بِسَبَب مُخَالفَة نَص أَو قِيَاس جلي أَو إِجْمَاع، وَهُوَ عِنْد الْإِطْلَاق يُرَاد بِهِ مُخَالفَة حكم الله تَعَالَى (شَائِعا) أَي إطلاقا شَائِعا بَينهم (متكررا) فِي حوادث كَثِيرَة من كثير مِنْهُم بِالنِّسْبَةِ إِلَى كثير مِنْهُم (بِلَا نَكِير) من أحد مِنْهُم على أحد مِمَّن أطلق الْخَطَأ، فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُم على أَن الْمُجْتَهد قد يُخطئ وَلَا يُصِيب حكم الله تَعَالَى فِي اجْتِهَاده (كعلي) أَي كإطلاق عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْخَطَأ (وَزيد بن ثَابت وَغَيرهمَا من مخطئة ابْن عَبَّاس) رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا (فِي ترك الْعَوْل) وَهُوَ أَن يُزَاد على الْمخْرج من أَجْزَائِهِ إِذْ ضَاقَ عَن فرض من فروضه (وَهُوَ خطأهم) أَي ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا خطأ الصَّحَابَة (فَقَالَ من شَاءَ) مِنْكُم أَيهَا الْقَائِلُونَ بالعول (باهلته) أَي لَاعَنته، فَيَقُول كل منا: لعنة الله على من كذب (إِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل فِي مَال وَاحِد نصفا وَنصفا وَثلثا، وَقَول أبي بكر) ﵁ (فِي الْكَلَالَة) وَهِي مَا خلا الْوَالِد وَالْولد (أَقُول فِيهَا برأيي إِلَى قَوْله وَإِن يكن خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان) يَعْنِي إِن يكن صَوَابا فَمن الله تَعَالَى (وَمثله) أَي وَمثل قَول أبي بكر (قَول ابْن مَسْعُود) رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا (فِي المفوضة) فِي الْقَامُوس

стр. 1237

فوض الْمَرْأَة: زَوجهَا بِلَا مهر (الْمُتَوفَّى عَنْهَا) زَوجهَا (أجتهد) مقول القَوْل (إِلَى قَوْله فَإِن يكن) مَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادي (خطأ فَمن ابْن أم عبد) أَي عبد الله، يَعْنِي نَفسه، لم يقل فَمن ابْن مَسْعُود، إِشَارَة إِلَى أَنه ابْن امْرَأَة من جنس ناقصات الْعقل لَا يبعد الْخَطَأ مِنْهُ (و) روى (عَنهُ) أَي ابْن مَسْعُود (مثل) قَول (أبي بكر) فَفِي سنَن أبي دَاوُد عَنهُ: فَإِن بك صَوَابا فَمن الله تَعَالَى وَإِن يَك خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله بريئان (وَقَول عَليّ لعمر فِي المجهضة) بِضَم الْمِيم وَكسر الْهَاء وَهِي الَّتِي أسقطت جَنِينا مَيتا خوفًا من عمر حَيْثُ استحضرها وَسَأَلَ من حَضَره عَن حكم ذَلِك، فَقَالَ عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف إِنَّمَا أَنْت مؤدب لَا نرى عَلَيْك شَيْئا، ثمَّ سَأَلَ عليا مَاذَا تَقول فَقَالَ (إِن كَانَا قد اجتهدا فقد أخطآ، يَعْنِي عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف) وَإِن يجتهدا فقد غشاك، عَلَيْك الدِّيَة، فَقَالَ عمر لعَلي عزمت عَلَيْك لتقسمانها على قَوْمك أَرَادَ قوم عمر أضَاف إِلَى عَليّ إِكْرَاما. وَقَالَ الشَّارِح: ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي خلافًا لأَصْحَابه. وَلَا حجَّة فِي هَذَا على أُصُوله لِأَنَّهُ مُنْقَطع، فَإِن الْحسن ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عمر، ثمَّ الإجهاض إِلْقَاء الْوَلَد قبل تَمَامه (وَاسْتدلَّ) للمختار بأوجه ضَعِيفَة، أَحدهَا إِن كَانَ أحد قولي الْمُجْتَهدين أَو كِلَاهُمَا بِلَا دَلِيل فَبَاطِل وَإِلَّا (إِن تساوى دليلاهما) بِأَن لَا يُوجد فِي أَحدهمَا مَا يرجحه على الآخر (تساقطا) (وَإِلَّا تعين الرَّاجِح) وَجه استلزامه للْمُدَّعِي أَن تعدد حكم الله بِتَعَدُّد الِاجْتِهَاد غير مَعْقُول، لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يسقطا مَعًا أَو أَحدهمَا، والساقط مَعْدُوم لَا يصلح لِأَن يكون أَمارَة لحكم الله تَعَالَى، وَكَذَا الْحَال إِذا كَانَ فِي المسئلة أَقْوَال ينظر بَين كل اثْنَيْنِ حَتَّى يسْقط الْكل أَو يَنْتَهِي إِلَى وَاحِد (وَأجِيب أَن ذَلِك) التَّقْسِيم (بِالنِّسْبَةِ إِلَى نفس الْأَمر) فَإِنَّهُمَا فِي نفس الْأَمر إِمَّا متساويان فِي مصلحَة الْقبُول أَو لَا، بل أَحدهمَا أرجح، بل الْإِرَادَة بِمَا على طبق مَا فِي نفس الْأَمر، بل قد يتَرَجَّح فِي رَأْي الْمُجْتَهد مَا هُوَ مَرْجُوح بِحَسب نفس الْأَمر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَكِن الأمارات) الَّتِي تظهر للمجتهد (ترجحها بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهد فَكل) من الْقَوْلَيْنِ (رَاجِح عِنْد قَائِله) وَإِن كَانَ الرَّاجِح فِي نفس الْأَمر أَحدهمَا أَو اسْتَويَا (وصواب) على رَأْي المصوبة، (و) أَيْضا اسْتدلَّ (بِأَن الْمُجْتَهد طَالب) لتَحْصِيل حكم الله تَعَالَى (ويستحيل) الطّلب (بِلَا مَطْلُوب فَمن أخطأه) أَي الْمَطْلُوب وَلم يجده فَهُوَ (الْمُخطئ) وَمن وجده فَهُوَ الْمُصِيب (أُجِيب) بِأَنَّهُ (نعم) هُوَ طَالب ويستحيل الطّلب بِلَا مَطْلُوب وَلَكِن (فَهُوَ) أَي الْمَطْلُوب (غَلَبَة ظَنّه) أَي الْمُجْتَهد بِوَجْه من وُجُوه مَحل الِاجْتِهَاد فَإِذا اجْتهد أَو غلب ظن كل وَاحِد بِشَيْء وجد كل مِنْهُمَا مَطْلُوبه (فيتعدد) حِينَئِذٍ (الصَّوَاب) لِأَن الْمَفْرُوض أَن المظنون هُوَ حكم الله فِي حق كل (و) أَيْضا اسْتدلَّ (بِالْإِجْمَاع على شرع المناظرة) أَي على مشروعيتها (وفائدتها) أَي المناظرة (ظُهُور الصَّوَاب) لِأَن الْمَفْرُوض أَن

стр. 1238

المظنون هُوَ حكم الله فِي حق كل وَلذَا أَخذ فِي تَعْرِيفهَا، وَقيل هِيَ النّظر من الْجَانِبَيْنِ فِي نِسْبَة خبرية إِظْهَارًا للصَّوَاب، فَلَو كَانَ كل مَا أدّى إِلَيْهِ النّظر وَالِاجْتِهَاد صَوَابا لما كَانَ لَهَا فَائِدَة لحُصُول الْعلم بِالصَّوَابِ بِمُجَرَّد النّظر من غير مناظرة (وَأجِيب بِمَنْع الْحصْر) أَي حصر الْفَائِدَة فِي ظُهُور الصَّوَاب (لجوازها) أَي لجَوَاز كَون فائدتها (تَرْجِيحا) أَو لجَوَاز المناظرة للترجيح لأحد الصوابين على الآخر، وَهَذَا مَبْنِيّ على قَول من يَقُول بِعَدَمِ تَسَاوِي الْحُقُوق (وتمرينا) للنَّفس على طرق النّظر ليحصل ملكة الْوُقُوف على المأخذ ورد الشّبَه وتشحيذا للخاطر معاونة على الِاجْتِهَاد (وَلَا يخفى ضعفه) أَي الِاسْتِدْلَال. وَالْجَوَاب لاشتهار كَون الْغَرَض مِنْهَا إِظْهَار الصَّوَاب بَين أهل الْعلم من غير نَكِير وَهُوَ الْمُتَبَادر من الْعبارَة لذكره بعد الْجَواب فَتَأمل، (و) أَيْضا اسْتدلَّ (بِلُزُوم حل) الْمَرْأَة (المجتهدة) على تَقْدِير إِصَابَة كل مُجْتَهد (كالحنفية) أَي اجْتِهَادًا كاجتهاد الْحَنَفِيَّة، أَو حَال كَونهَا كالحنفية فِي الِاجْتِهَاد، وَإِنَّمَا فرض كَونهَا مجتهدة وَلم يقل حل الْحَنَفِيَّة مَعَ كَونه أخصر، لِأَن الْمُقَلّد يجوز لَهُ تَقْلِيد غير مقلده على مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَحِينَئِذٍ يجوز أَن تقلد مَذْهَب زَوجهَا فَلَا يلْزم اجْتِمَاع الْحل وَالْحُرْمَة (وحرمتها لَو قَالَ بَعْلهَا الْمُجْتَهد كالشافعية) فِي الِاجْتِهَاد (أَنْت بَائِن) مقول القَوْل (ثمَّ قَالَ رَاجَعتك) فَإِن الرّجْعَة عِنْده صَحِيحَة لِأَن الْكِنَايَات عِنْده لَيست بوائن، وَعِنْدهَا غير صَحِيحَة لِأَنَّهَا عِنْدهَا بوائن، وَأَنت بَائِن مِنْهَا، وَلَا رَجْعَة فِي البوائن (و) بِلُزُوم (حلهَا) أَي المجتهدة الَّتِي هِيَ كالحنفية (لاثْنَيْنِ لَو تزَوجهَا مُجْتَهد) يرى رَأْي الْحَنَفِيَّة (بِلَا ولي ثمَّ) تزَوجهَا (مثله) مُجْتَهد آخر يرى رَأْي الشَّافِعِيَّة (بِهِ) أَي بولِي، وَيجوز تَصْوِير المسئلة على وَجه لَا يلْزم عَلَيْهَا تعمد الْحَرَام بِفَرْض توكيلها وَليهَا فِي التَّزْوِيج وشخصا آخر لَا ولَايَة لَهُ عَلَيْهَا فزوج كل مِنْهُمَا فِي غيبَة الآخر تقدم التَّزْوِيج بِغَيْر الْوَلِيّ فَيصح تَزْوِيج الثَّانِي لعدم صِحَة الأول عِنْد الْمُجْتَهد الثَّانِي (وَأجِيب) بِأَن لُزُوم اجْتِمَاع الْحل وَالْحُرْمَة (مُشْتَرك الْإِلْزَام إِذْ لَا خلاف) بَين الْفَرِيقَيْنِ (فِي وجوب اتِّبَاع ظَنّه) لِأَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَنه يجب على كل مُجْتَهد أَن يتبع ظَنّه الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده من حلهَا بِتِلْكَ الرّجْعَة (فيجتمع النقيضان: وجوب الْعَمَل بحلها لَهُ) يَعْنِي يجب على الزَّوْج الْمُجْتَهد الرَّاجِع إِلَى المجتهدة أَن يعْمل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده من حلهَا بِتِلْكَ الرّجْعَة (ووجوبه) أَي الْعَمَل (بحرمتها عَلَيْهِ) أَي يجب على الْمَرْأَة أَن تعْمل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادها من حرمتهَا على الزَّوْج لعدم صِحَة الرّجْعَة، والوجوبان يدلان على النقيضان بدل النَّقْض، وَهَذَا تَقْرِير الْإِلْزَام بِالنّظرِ إِلَى المسئلة الأولى، وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِيَة فَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله (وَكَذَا وجوب الْعَمَل) على المجتهدة والمجتهد الأول (بحلها للْأولِ) أَي للزَّوْج الأول لصِحَّة النِّكَاح بِلَا ولي على رأيهما (ووجوبه) أَي الْعَمَل بحلها (للثَّانِي) أَي

стр. 1239

الزَّوْج الثَّانِي لعدم صِحَة النِّكَاح الأول عِنْد الزَّوْج الثَّانِي فَيجب عَلَيْهِ أَن يعْمل بِمُوجب اجْتِهَاده (فَإِن لم يكن الوجوبان متناقضين) كتناقض الْحل وَالْحُرْمَة (لتناقض متعلقيهما) يَعْنِي إِن كَانَا متناقضين بِسَبَب تنَاقض متعلقيهما، وهما الْحل وَالْحُرْمَة فِي الصُّورَة الأولى، وَحل الزَّوْج الأول وَحل الزَّوْج الثَّانِي فِي الثَّانِيَة، فَإِن الْحل لكل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَلْزم الْحُرْمَة على الآخر، فقد ثَبت الْمُدعى فَإِن لم يَكُونَا متناقضين لتناقضهما فقد (استلزم) اجْتِمَاع الوجوبين (اجْتِمَاع متعلقيه) أَي الْوُجُوب المتحقق فِي ضمن الوجوبين (المتناقضين) صفة متعلقية (فَإِن أجبتم) أَيهَا المخطئة بِأَنَّهُ (لَا يمْتَنع) مَا ذكر من وجوب الضدين (بِالنِّسْبَةِ إِلَى مجتهدين) مُخْتَلفين فِي الِاجْتِهَاد (فَكَذَلِك الْمُتَنَازع فِيهِ) الَّذِي ادعيتم لُزُومه علينا من لُزُوم الْحل وَالْحُرْمَة إِلَى آخر الصُّورَتَيْنِ فَنَقُول: لَا يمْتَنع ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى مجتهدين، فَإِن قَالَ المخطئة يلْزم عَلَيْكُم أَن الله تَعَالَى حكم بِحل امْرَأَة وَاحِدَة وحرمتها بِالنِّسْبَةِ إِلَى زوج وَاحِد وبحلها لزوجين وَلَا يلْزم علينا ذَلِك لكَون أحد الاجتهادين خطأ قطعا. قَالَ المصوبة فَكيف يحكم الله تَعَالَى على الزَّوْجَة وَالزَّوْج بِاتِّبَاع الْحل وَالْحُرْمَة وعَلى الزَّوْجَيْنِ بِاتِّبَاع الْعَمَل بِالْحلِّ (نعم يسْتَلْزم مثله) أَي مثل مَا ذكر من الصُّورَتَيْنِ (مفْسدَة الْمُنَازعَة) بَين الزَّوْج وَالزَّوْجَة أَو الزَّوْجَيْنِ مثلا (وَقد يُفْضِي) النزاع (إِلَى التقاتل فَيلْزم فِيهِ) أَي فِي مثله (رَفعه إِلَى قَاض يحكم بِرَأْيهِ) الْمُوَافق لأحد المنازعين (فَيلْزم) المنازع (الآخر) مَا حكم بِهِ ليرتفع النزاع وَالْفساد (واذن) أَي وَإِذا كَانَ الْأَمر كَمَا عرفت من اشْتِرَاك الْإِلْزَام وَالْوُجُوب (فَالْجَوَاب الْحق) من قبل المصوبة والمخطئة الَّذِي هُوَ مخلص من لُزُوم تِلْكَ الْمُنَازعَة الَّتِي تكَاد أَن تنجر إِلَى الْمُقَاتلَة قبل الرّفْع إِلَى القَاضِي (أَن مثله) أَي مَا ذكر (مَخْصُوص) أَي خَارج (من) عُمُوم (تعلق الْحكمَيْنِ) الصوابين على رَأْي المصوبة، أَو اللَّذين أَحدهمَا خطأ على رَأْي المخطئة وهما وجوب الِاتِّبَاع على الْمُجْتَهدين (بل الثَّابِت) فِي مثله فِي نفس الْأَمر (حرمتهَا) أَي الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي الصُّورَتَيْنِ مستمرة (إِلَى غَايَة الحكم) أَي حكم القَاضِي بعد الرّفْع إِلَيْهِ (لِأَن لُزُوم الْمفْسدَة يمْنَع شرع ذَلِك) أَي مَشْرُوعِيَّة مُتَعَلق الْحكمَيْنِ (وَبِمَا وضحناه) من التَّخْصِيص وَثُبُوت الْحُرْمَة المغياة بِمَنْع لُزُوم الْمفْسدَة شَرْعِيَّة ذَلِك (انْدفع مَا أورد) على مَا ذكر من لُزُوم الرّفْع إِلَى قَاض دفعا للنزاع (من أَن الْقَضَاء لرفع النزاع إِذا تنَازعا فِي التَّمْكِين) أَي تَمْكِين الْمَرْأَة (وَالْمَنْع) عَنهُ (لَا لرفع تعلق الْحل وَالْحُرْمَة بِوَاحِد) من مظنوني الْمُجْتَهدين، فَإِنَّهُ بعد التَّعَلُّق لَا يرْتَفع، وَمَا لم يرْتَفع فالنزاع بَاقٍ فَلَا يكون الرّفْع إِلَى القَاضِي مخلصا للمصوبة وَاعْلَم أَنه قَالَ القَاضِي عضد الدّين فِي شرح

стр. 1240

الْمُخْتَصر بعد الْجَواب بِأَنَّهُ مُشْتَرك الْإِلْزَام أَن الْجَواب الْحق هُوَ الْحل، وَهُوَ أَنه يرجع إِلَى حَاكم ليحكم بَينهمَا فيتبعان حكمه لوُجُوب اتِّبَاع الحكم للموافق والمخالف. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي حَاشِيَة عَلَيْهِ يُشِير إِلَى أَن الْجَواب جدلي، لَكِن فِي كَون هَذَا جَوَابا عَن الْإِلْزَام الْمَذْكُور نظر، لِأَن حكم الْحَاكِم إِنَّمَا يصلح لرفع النزاع إِذا تنَازعا لرفع تعلق الْحل وَالْحُرْمَة بِشَيْء وَاحِد فَإِنَّهُ بعد الحكم لم يرْتَفع ذَلِك التَّعَلُّق على تَقْدِير تصويب كل مُجْتَهد: نعم لَو أجَاب بِأَن الْحل بِالْإِضَافَة إِلَى أَحدهمَا، وَالْحُرْمَة بِالْإِضَافَة إِلَى الآخر فَلَا امْتنَاع فِي ذَلِك لَكَانَ وَجها، كَذَا فِي بعض الشُّرُوح انْتهى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَقَررهُ) أَي مَا أوردهُ (مُحَقّق) يَعْنِي الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ حَيْثُ سكت عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي مَا أورد (بعد اندفاعه بِمَا ذكرنَا) من أَنه مَخْصُوص الخ (غير صَحِيح فِي نَفسه، إِذْ لَا مَانع من رفع تعلق الْحل وَالْحُرْمَة بِالْقضَاءِ مَعَ كَون كل مِنْهُمَا صَوَابا لِأَنَّهُ) أَي رفع التَّعَلُّق الْمَذْكُور (نسخ مِنْهُ تَعَالَى عِنْد حكم القَاضِي كالرجوع عِنْدهم) أَي كَمَا أَن الْمُجْتَهد إِذا رَجَعَ عَن ظَنّه الأول إِلَى ظن آخر كَانَ ذَلِك نسخا للْأولِ عِنْد المصوبة (قَالُوا) أَي المصوبة (لَو كَانَ الْمُصِيب وَاحِدًا وَجب النقيضان على الْمُخطئ إِن وَجب حكم نفس الْأَمر عَلَيْهِ) أَيْضا لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع ظَنّه إِجْمَاعًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يجب عَلَيْهِ حكم نفس الْأَمر (وَجب) عَلَيْهِ (الْعَمَل بالْخَطَأ) لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ مُتَابعَة ظَنّه إِجْمَاعًا (وَحرم) عَلَيْهِ الْعَمَل (بِالصَّوَابِ) لِأَنَّهُ خلاف ظَنّه، وَيحرم على الْمُجْتَهد الْعَمَل بِخِلَاف مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده إِجْمَاعًا (وَهُوَ) أَي كَون الْعَمَل بِالصَّوَابِ حَرَامًا مَعَ وجوب الْعَمَل بالْخَطَأ (محَال) لِأَنَّهُ خلاف الْمَعْقُول (أُجِيب بِاخْتِيَار) الشق (الثَّانِي) وَهُوَ أَن لَا يجب عَلَيْهِ حكم نفس الْأَمر (وَمنع انْتِفَاء التَّالِي) اللَّازِم للاستحالة، يَعْنِي حُرْمَة الْعَمَل بِالصَّوَابِ مَعَ وجوب الْعَمَل بالْخَطَأ أَمر مُتَحَقق، فَكيف يكون محالا؟ (للْقطع بِهِ) أَي بالتالي فِيمَا لَو خَفِي على الْمُجْتَهد (قَاطع) أَي فِي وَقت خَفَاء الدَّلِيل الْقَاطِع على الْمُجْتَهد فَإِنَّهُ لَو لم يخف لم يكن اجْتِهَاده صَحِيحا، لِأَن شَرط الِاجْتِهَاد عدم وجود الْقَاطِع فِي مَحل الِاجْتِهَاد (حَيْثُ تجب) عَلَيْهِ (مُخَالفَته) لوُجُوب اتِّبَاعه مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَهُوَ مُخَالف لما هُوَ مُوجب الْقطعِي (والاتفاق) على (أَنه) أَي خلاف الْقطعِي الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (خطأ إِذْ الْخلاف) بَين المصوبة والمخطئة، وَإِنَّمَا وَاقع (فِيمَا لَا قَاطع) فِيهِ من الْأَحْكَام الاجتهادية (أما مَا فِيهِ) أَي الَّذِي فِيهِ قَاطع من الْأَحْكَام الاجتهادية (فالاجتهاد على خِلَافه خطأ اتِّفَاقًا) أَي مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد الْوَاقِع على خلاف الْقطعِي خطأ إِجْمَاعًا وَإِن وَجب الْعَمَل بِهِ لخفاء الْقَاطِع على الْمُجْتَهد (قَالُوا) أَي المصوبة؟ قَالَ ﷺ (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ) وَمن الْمَعْلُوم أَن أَكثر الخلافات الْوَاقِعَة بَين الْمُجْتَهدين من الْخلف قد وَقع فِيمَا بَينهم (فَلَا خطأ) فِي

стр. 1241

شَيْء مَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْخَطَأ منفيا عَنْهُم بِأَن كَانَ بَعضهم على الْخَطَأ (ثَبت الْهدى فِي الْخَطَأ) عِنْد الِاقْتِدَاء بذلك الْبَعْض (وَهُوَ ضلال) أَي وَالْحَال أَن الْخَطَأ ضلال وَهل يتَصَوَّر أَن يكون الْمُقْتَدِي بالضال مهديا؟ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى أَن القَوْل بِثُبُوت الْهدى فِي الْخَطَأ ضلال (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الِاقْتِدَاء بالمخطئ أَو الْخَطَأ (هدى من وَجه) وَلذَا وَجب الْعَمَل بِهِ على الْمُجْتَهد وعَلى مقلده (فيتناوله) لفظ اهْتَدَيْتُمْ. وَقيل الحَدِيث لَهُ طرق بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وَلم يَصح مِنْهَا شَيْء، وَأَنت خَبِير بِأَن الطّرق الضعيفة إِذا كثرت يرتقى الحَدِيث بهَا من الضعْف إِلَى الْحسن. تَتِمَّة (من) مبَاحث (المخطئة: الْحَنَفِيَّة قسموا) أَي الْحَنَفِيَّة (الْخَطَأ وَهُوَ الْجَهْل الْمركب إِلَى ثَلَاثَة) من الْأَقْسَام فِي التَّلْوِيح. الْجَهْل عدم الْعلم عَمَّا من شَأْنه، فَإِن قَارن اعْتِقَاد النقيض فمركب، وَإِلَّا فبسيط وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْجَهْل الْمركب على هَذَا أَعم من الْخَطَأ الْمَذْكُور فِي بَاب الِاجْتِهَاد لجَوَاز أَن يكون فِي غير الْمُجْتَهد: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بالْخَطَأ فِي هَذَا التَّقْسِيم مَا هُوَ أَعم من خطأ الْمُجْتَهد. الْقسم (الأول جهل لَا يصلح) لِأَن يكون (عذرا) لصَاحبه فِي عدم الْمُؤَاخَذَة (وَلَا شُبْهَة) يَتَرَتَّب عَلَيْهَا دَرْء حد وَنَحْو (وَهُوَ) أَي الَّذِي لَا يصلح عذرا وَلَا شُبْهَة (أَرْبَعَة) أَحدهَا (جهل الْكَافِر بِالذَّاتِ) أَي ذَات الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا قيد بالكافر لِأَن الْمُؤمن لَا يجهل بِالذَّاتِ من حَيْثُ الْوُجُود (وَالصِّفَات) أَي وجهله بِالصِّفَاتِ الْمُؤمن بهَا، وَإِنَّمَا لَا يصلح جَهله بهما عذرا وَلَا شُبْهَة (لِأَنَّهُ) أَي الْكَافِر (مكابر) أَي مترفع عَن الانقياد للحق وَالنَّظَر فِي الْآيَات ومعاند لما يَقْتَضِيهِ الْعقل (لوضوح دَلِيله) أَي دَلِيل مَا جهل بِهِ من الذَّات وَالصِّفَات (حسا) أَي دلَالَة حسية لكَون مَا يسْتَدلّ بِهِ حسا أَو وضوحا حسا (من الْحَوَادِث المحيطة بِهِ) أَي بالكافر أنفسا وآفاقا، بَيَان لدليله، فَالْمُرَاد بِالدَّلِيلِ مَا يُمكن بِأَن يُوصل بِالنّظرِ إِلَى الْمَطْلُوب (وعقلا) أَي دلَالَة عقلية لكَون مَا يسْتَدلّ بِهِ أمرا عقليا أَو وضوحا عقليا لتبادر مقدماته واستلزامه إِلَى الْعقل (إِذْ لَا يخلوا الْجِسْم عَنْهَا) أَي تِلْكَ الْحَوَادِث تَعْلِيل للوضوح على وَجه يثبت الْإِحَاطَة أَيْضا (وَمَا لَا يَخْلُو عَنْهَا) أَي الْحَوَادِث (حَادث بِالضَّرُورَةِ) فَإِن قلت: الْفلك قديم على رَأْي الْحَكِيم وَلَا يَخْلُو عَن الْحَرَكَة الْحَادِثَة، فالاستدلال بِدَعْوَى الضَّرُورَة غير مُسلم، كَيفَ وَلَو كَانَ ضَرُورِيًّا لما أجمع على خِلَافه الْحُكَمَاء قاطبة قلت: معنى كَلَامه مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث الَّتِي هِيَ حَادِثَة شخصا ونوعا، وحركات الأفلاك عِنْدهم قديمَة نوعا كَيفَ؟ وَلَو كَانَت حَادِثَة نوعا والمفروض لُزُوم

стр. 1242

فَرد مَا مِنْهَا للفلك للَزِمَ وجود الْمَلْزُوم بِدُونِ اللَّازِم: نعم يبْقى الْكَلَام حِينَئِذٍ فِي الصُّغْرَى، وَهِي أَن الْجِسْم لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث شخصا ونوعا إِن تمّ تمّ وَإِلَّا فَلَا، وَقدم الْحَوَادِث المحيطة بالأجسام بأسرها نوعا يكَاد أَن لَا يتَصَوَّر، وحركة الْفلك غير مسلمة فضلا عَن قدمهَا (لَا بُد لَهُ) أَي لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث، فَقَوله لَا بُد خبر بعد خبر (من موجد) لَهُ (إِذْ لم يكن الْوُجُود مُقْتَضى ذَاته) أَي الْحَادِث الْمَذْكُور، وبديهة الْعقل حاكمة بِأَن وجود الْحَادِث لَا بُد لَهُ من الْمُقْتَضى (ويستلزم) الحكم بِوُجُود الْوَاجِب تَعَالَى (الحكم بصفاته) من الْحَيَاة وَالْعلم والإرادة إِلَى آخر مَا ذكر فِي علم الْكَلَام بأدلتها الْوَاضِحَة الَّتِي لَا ينكرها إِلَّا معاند، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كَمَا عرف) أَي على الْوَجْه الَّذِي عرف فِي مَحَله (وَكَذَا مُنكر الرسَالَة) أَي وَكَذَا جهل مُنكر الرسَالَة لَا يصلح عذرا وَلَا شُبْهَة لِأَنَّهُ مكابر (بعد ثُبُوت المعجزة) الَّتِي هِيَ شَهَادَة وَاضِحَة من الله تَعَالَى بِصدق دَعْوَى الرَّسُول، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من شهد زمَان الرسَالَة (وتواتر مَا يُوجب النُّبُوَّة) من الْأَخْبَار الدَّالَّة على صُدُور المعجزة من مدعيها بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لم يشْهد زمانها، فَإِن خصوصيات الْأَخْبَار لَو لم تبلغ حدا التَّوَاتُر فالقدر الْمُشْتَرك متواتر قطعا، وَلَا سِيمَا الْقُرْآن المعجز لنبينا ﷺ الْبَاقِي على صفحة الدَّهْر إِلَى آخر الدُّنْيَا، فانه متواتر إِجْمَاعًا ظَاهر إعجازه لكل بليغ كَامِل فِي بلاغته، وَفِي ذكر النُّبُوَّة مَوضِع الرسَالَة إِشْعَار بِأَن المُرَاد بالرسالة النُّبُوَّة الْمَشْهُورَة فِي الْمَعْنى الْأَعَمّ، فَإِن خُصُوصِيَّة كَونه صَاحب شَرِيعَة مَخْصُوصَة مَا لَا دخل لَهُ فِي هَذَا الْمقَام (فَلِذَا) أَي فلكون إِنْكَار الرسَالَة بعد ثُبُوتهَا مُكَابَرَة (لَا تلْزم) على الْمُسلمين (مناظرته) أَي مُنكر الرسَالَة، لِأَنَّهُ لم يبْق لَهُ حجَّة على الله تَعَالَى بعد الرُّسُل، وَثُبُوت معجزتهم، وبلوغ الْخَبَر إِلَيْهِ (بل إِن لم يتب) بعض أَفْرَاد منكري الرسَالَة، وَهُوَ (الْمُرْتَد) عَن الرَّسُول (قَتَلْنَاهُ) كَمَا نقْتل الْمُرْتَد عَن الله سُبْحَانَهُ خُصُوصا إِن عرض الْإِسْلَام عَلَيْهِ وَلم يرجع إِلَيْهِ، بِخِلَاف غَيره من الْكفَّار فَإِنَّهُ لَا يتَعَيَّن فِي حَقهم الْقَتْل، بل أحد الْأُمُور: إِمَّا الْقَتْل أَو الْجِزْيَة أَو الاسترقاق، وَإِنَّمَا شدد على الْمُرْتَد، لِأَن مكابرته بُد ذوق لَذَّة الْإِسْلَام أَشد (وَكَذَا) أَي وَكَذَا الْجَهْل (فِي حكم لَا يقبل التبدل) عقلا وَلَا شرعا باخْتلَاف الْأَدْيَان لَا يصلح عذرا وَلَا شُبْهَة لكَون صَاحبه مكابرا لوضوح دَلِيله (كعبادة غَيره تَعَالَى. وَأما تدينه) أَي الْكَافِر (فِي) الْقَامُوس: تدين اتخذ دينا وَالْمرَاد عمله بِمَا اتَّخذهُ دينا فِي حكم (غَيره) أَي غير مَا لَا يقبل التبدل كتحريم الْخمر (ذِمِّيا) حَال من الضَّمِير فِي تدينه فَإِنَّهُ فَاعل معِين (فالاتفاق على اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار تدينه الْمَذْكُور (دافعا للتعرض) لَهُ حَتَّى لَو بَاشر مَا دَان بِهِ لَا يتَعَرَّض لَهُ فَقَوله دافعا مفعول ثَان للاعتبار لتَضَمّنه معنى الْجعل (فَلَا يحد) الذِّمِّيّ (لشرب الْخمر إِجْمَاعًا، ثمَّ لم يضمن الشَّافِعِي متلفها) أَي خمر

стр. 1243

الذِّمِّيّ مثلهَا إِن كَانَ ذِمِّيا وَلَا قيمتهَا إِن كَانَ مُسلما، وَبِه قَالَ أَحْمد لما فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حُرْمَة بيعهَا كالميتة، وَمَا يحرم بَيْعه لم يجب قِيمَته، وَلِأَنَّهَا لَيست بِمَال مُتَقَوّم: فَلَا تكون سَببا للضَّمَان، وَعقد الذِّمَّة خلف عَن الْإِسْلَام فَيثبت فِيهِ أَحْكَامه، وَعُمُوم خطاب التَّحْرِيم يتَنَاوَل الذِّمِّيّ، وَقد بلغه فِي دَار الْإِسْلَام (وضمنوه) أَي الْحَنَفِيَّة متلفها مثلهَا إِن كَانَ ذِمِّيا وَقيمتهَا إِن كَانَ مُسلما، وَبِه قَالَ مَالك (لَا للتعدي) يَعْنِي أَن فِي إِتْلَافه غير الْخمر وَنَحْوهَا عُدْوانًا وإعداما لمَال الْغَيْر، فالتضمين فِيهِ لمجموع الْأَمريْنِ، وَأما الْخمر وَنَحْوهَا فَلَيْسَ للتعدي لِأَنَّهُ إهانة لما أهانه الله تَعَالَى، فَلَا يُسمى عُدْوانًا وَلَا ظلما، وَإِنَّمَا هُوَ لإعدام مُتَقَوّم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذِّمِّيّ لما روى أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بلغه أَن عماله يَأْخُذُونَ الْجِزْيَة من الْخمر فَمَنعهُمْ عَن أَخذهَا وَقَالَ: ولوا أَرْبَابهَا بيعهَا ثمَّ خُذُوا الثّمن مِنْهُم، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل لبَقَاء التقوم فِي حَقهم) أهل الذِّمَّة، يَعْنِي أَن تقويمها فِي حق الْمُسلمين بعد تَحْرِيمهَا وَبَقِي فِي حَقهم (وَلِأَن الدّفع) أَي دفع التَّعَرُّض الْمَقْصُود من عقد الذِّمَّة (عَن النَّفس وَالْمَال) أَي نفس الذِّمِّيّ وَمَاله لَا يتَحَقَّق إِلَّا (بذلك) أَي التَّضْمِين (فَهُوَ) أَي التَّضْمِين (من ضَرُورَته) أَي الدّفع. (ثمَّ قَالَ أَبُو حنيفَة) فِي رد الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ: تتَنَاوَل الْأَحْكَام أهل الذِّمَّة، فَإِن الْكفْر لَا يصلح للتَّخْفِيف عَنْهُم (وَمنع تنَاول الْخطاب إيَّاهُم) أَي منع الله أَن يدخلهم تَحت خطابه (مكرا بهم واستدراجا لَهُم) مفعول لَهُ للْمَنْع، وَهُوَ الْأَخْذ على غرَّة لَا تَخْفِيفًا عَنْهُم، وَقد يتْرك الْخطاب لشخص عِنْد الْعلم بِأَنَّهُ لَا يَنْفَعهُ كالطبيب يتْرك مدواة الْمَرِيض، وَلَا يمنعهُ من التَّخْلِيط عِنْد يأسه من الْبُرْء، وَقَوله منع يحْتَمل أَن يكون على صِيغَة الْفِعْل الْمَجْهُول أَو الْمصدر، وَالْخَبَر مَحْذُوف (فِيمَا يحْتَمل التبدل) ظرف لمنع التَّنَاوُل، فَإِن الْخطاب فِيمَا لَا يحْتَملهُ تناولهم (خطاب لم يشْتَهر) بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، فَإِنَّهُ ترك خطاب وَلم ينتشر بعد فِي دِيَارنَا كَمَا فِي قصَّة أهل قبَاء حَيْثُ تحولوا نَحْو الْكَعْبَة فِي الصَّلَاة عِنْد بُلُوغ خبر تَحْويل الْقبْلَة إيَّاهُم، فَإِنَّهُ لَا يتناولهم، وَإِلَّا لما بنوا مَا بَقِي من صلَاتهم على مَا صلوه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بعد نزُول الْوَحْي قبل أَن يبلغهم الْخَبَر، فَكَمَا أَنه لَا يتناولنا فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة فِي الدَّلِيل الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَا يتناولهم مَا يَقْتَضِيهِ (فَلَو نكح مَجُوسِيّ بنته أَو أُخْته صَحَّ) النِّكَاح (فِي أَحْكَام الدُّنْيَا) يَعْنِي أَنه لَا يتَعَرَّض لَهُم فَإِنَّهُ مِمَّا يحْتَمل التبدل كَيفَ وَقد كَانَ فِي شرع آدم ﵇ نِكَاح الْأُخْت وَلَا يتناولهم هَذَا الْخطاب، وَأما فِيمَا بَينهم وَبَين الله تَعَالَى فَلَا يَصح، وَكَذَا إِذا ترافعا أَي الزَّوْجَانِ المجوسيان (فَلَا نفرق بَينهمَا إِلَّا إِن ترافعا إِلَيْنَا) لانقيادهما لحكم الْإِسْلَام حِينَئِذٍ فيتناولهم الْخطاب. قَالَ تَعَالَى - ﴿فَإِن جاءوك فاحكم بَينهم﴾ - (لَا) يفرق بَينهمَا إِن رفع (أَحدهمَا) صَاحبه إِلَيْنَا (خلافًا لَهما) أَي لأبي يُوسُف وَمُحَمّد (فِي) نِكَاح (الْمَحَارِم) فَإِنَّهُ

стр. 1244

لَا يَصح عِنْدهمَا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا أَيْضا (لِأَنَّهُ) أَي جَوَاز نِكَاحهنَّ (لم يكن حكما ثَابتا) قبل الْإِسْلَام لنسخه فِي زمن نوح ﵇ (ليبقى) على حَاله: أَي بعده (لقصر الدَّلِيل) عَنْهُم وَعدم تنَاول عُمُوم الْخطاب إيَّاهُم لتدينهم ذَلِك، وَقَوله لقصر الدَّلِيل مُتَعَلق بيبقى، وَقد يُجَاب بِأَن ترك التَّعَرُّض بِمُوجب الذِّمَّة يَقْتَضِي عدم تنَاول الْخطاب إيَّاهُم فِي جَمِيع مَا يحْتَمل التبدل سَوَاء كَانَ حكما ثَابتا من الله تَعَالَى فِي حَقهم، أَو من عِنْد أنفسهم مِمَّا أحدثوه فِي دينهم وَزَعَمُوا أَنه من الله تَعَالَى تحريفا، لِأَنَّهُ لَا فرق بَين الْقسمَيْنِ فِي الْبطلَان بعد الْإِسْلَام: نعم يجب أَن لَا يكون من قبيل - ﴿وَأَخذهم الرِّبَا وَقد نهوا عَنهُ﴾ - كَمَا سَيَأْتِي (و) أَيْضا خلافًا لَهما (فِي مرافعة أَحدهمَا) أَي أحد الزَّوْجَيْنِ المحرمين مَعَ صَاحبه إِلَيْنَا، فَإِنَّهُمَا يفرقان بَينهمَا حِينَئِذٍ، قيل لزوَال الْمَانِع من التَّفْرِيق لانقياد أَحدهمَا لحكم الْإِسْلَام قِيَاسا على إِسْلَامه، وَمن ثمَّة لَا يتوارثون بِهَذِهِ الْأَنْكِحَة إِجْمَاعًا انْتهى قلت: بل لتناول عُمُوم خطاب التَّحْرِيم آبَاءَهُم فِيمَا لم يكن حكما ثَابتا على مَا سبق، فعلى هَذَا بَيَان هَذَا الْخلاف من التَّصْرِيح بِمَا علم ضمنا، وَالْقِيَاس على الْإِسْلَام مَعَ الْفَارِق فَتدبر (وَلَو دخل) الْمَجُوسِيّ (بهَا) أَي بمنكوحته الْمَذْكُورَة (ثمَّ أسلم) الْمَجُوسِيّ الْمَذْكُور (حد قاذفها) قيل وَالْوَجْه قَاذفه، وَالْأَحْسَن، ثمَّ أسلما حد قاذفهما انْتهى قلت صَحَّ قَوْله حد قاذفها على سَبِيل الْإِطْلَاق بِأَن يُرَاد قاذفهما جَمِيعًا، غَايَة الْأَمر أَن الْحَد لأَجله إِن أسلم فَقَط ولأجلهما إِن أسلما، وَيفهم ضمنا حكم قذف كل وَاحِد مِنْهُمَا انفرادا، فَإِن إِسْلَام الْمَقْذُوف هُوَ الْمُقْتَضى للحد، وَالْمَقْصُود أَن الدُّخُول بهَا حَال الْكفْر لَا يصلح درءا للحد فِي الْقَذْف حَال إِسْلَامه (بِخِلَاف الرِّبَا) أَي صِحَة نِكَاح الْمَحَارِم فِي أَحْكَام الدُّنْيَا ثَابت، بِخِلَاف صِحَة الرِّبَا فِيهَا (لأَنهم) أَي أهل الذِّمَّة (فسقوا بِهِ) أَي بالربا (لتحريمه عَلَيْهِم. قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَخذهم الرِّبَا وَقد نهوا عَنهُ﴾. وروى عَنهُ ﷺ أَنه كتب فِي صلح أهل نَجْرَان أَن لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا فَمن أكل مِنْهُم فذمتي مِنْهُ بريئة، وَيرد أَن هَذَا فِي حق من نهى عَن الرِّبَا من أهل الْكتاب فَقَط: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال لما نَص ﷺ فِي صلح قوم من أهل الذِّمَّة يعْتَبر ذَلِك شرطا فِي سَائِر الصُّلْح، فيتناولهم حِينَئِذٍ عُمُوم خطاب تَحْرِيم الرِّبَا، وَالله تَعَالَى أعلم (وَأورد) على مَا ذكر من تَحْرِيم الرِّبَا عَلَيْهِم بِالنَّهْي عَنهُ من حد الْقَاذِف (أَن نِكَاح الْمَحَارِم كَذَلِك) مَنْهِيّ عَنهُ (لِأَنَّهُ) أَي نِكَاح الْمَحَارِم (نسخ بعد آدم) ﵇ (فِي زمن نوح) فَصَارَ مَنْهِيّا عَنهُ (فَيجب أَن لَا يَصح) نِكَاح الْمَحَارِم فِي قَوْله (كقولهما) أَي كَمَا لَا يَصح فِي قَوْلهمَا (فَلَا حد) على الْقَاذِف (وَلَا نَفَقَة) للمنكوحة الْمَذْكُورَة بِنَاء على عدم صِحَة النِّكَاح (إِلَّا أَن يُقَال) فِي بَيَان الْفرق بَين النِّكَاح والربا (بعد) تَسْلِيم (ثُبُوته) أَي

стр. 1245

النّسخ لجَوَاز نِكَاح الْمَحَارِم (المُرَاد من تدينهم) الَّذِي لَا يتَعَرَّض لَهُ وَفَاء لعهد الذِّمَّة (مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ) فِيمَا بَينهم واتخذوه دينا سَوَاء كَانَ مُوَافقا لما شرع الله تَعَالَى لَهُم أَو لَا، وَالنِّكَاح الْمَذْكُور من هَذَا الْقَبِيل، بِخِلَاف الرِّبَا وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا مَبْنِيّ على معرفَة ملتهم تَفْصِيلًا، وَحكم مَحل الِاتِّفَاق (بِخِلَاف انْفِرَاد الْقَلِيل) مِنْهُم (بِعَدَمِ حد الزِّنَا وَنَحْوه) مِمَّا لم يتفقوا عَلَيْهِ (وَلِأَن أقل مَا يُوجب الدَّلِيل) مَعْطُوف على مَا يدل عَلَيْهِ الْكَلَام السَّابِق، كَأَنَّهُ قَالَ: اعْترض على مَا ذكر لِأَن نِكَاح الْمَحَارِم الخ (كحرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم الشُّبْهَة، فيدرأ الْحَد) خبر أَن، يَعْنِي الشُّبْهَة فِي إِحْصَان الْمُسلم الَّذِي دخل بمحرمه فِي زمَان كفره لاحْتِمَال تنَاوله الذِّمِّيّ فَإِنَّهُ على ذَلِك يصير زَانيا فَكيف يحد قَاذفه مَعَ هَذِه الشُّبْهَة؟ وَالْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ (وَفرق) أَبُو حنيفَة (بَين الْمِيرَاث وَالنَّفقَة) بِاعْتِبَار التدين فِي حق النَّفَقَة دون الْمِيرَاث (فَلَو ترك بنتين إِحْدَاهمَا زَوجته، فَالْمَال بَينهمَا نِصْفَيْنِ: أَي بِاعْتِبَار الرَّد) مَعَ فرضيهما (لِأَنَّهُ) أَي الْمِيرَاث (صلَة) لرحم أَو مَا يقوم مقَامه (مُبتَدأَة) من غير أَن تكون عوضا لشَيْء (لَا جَزَاء) للاحتباس (لدفع الْهَلَاك) كَمَا فِي الزَّوْجَة فَإِنَّهَا محبوسة دَائِما لحق الزَّوْج عاجزة عَن الْكسْب لنَفسهَا، فَلَو لم ينْفق عَلَيْهَا لهلكت، فَقَوله لدفع الْهَلَاك تَعْلِيل للُزُوم الْجَزَاء (بِخِلَاف النَّفَقَة) فَإِنَّهَا لَيست بصلَة مُبتَدأَة، بل جَزَاء لدفع الْهَلَاك، والتدين سَبَب ضَعِيف يصلح لِأَن يعْتَبر فِي حق ضَرُورِيّ وَلَا يصلح لِأَن يثبت حق ابْتِدَاء من غير ضَرُورَة ملجئة إِلَى اعْتِبَاره (فَلَو وَجب إِرْث الزَّوْجَة) الْمَنْكُوحَة بِالنِّكَاحِ الْمَذْكُور (بديانتها) أَي بِسَبَب أَنَّهَا تعتقد صِحَة نِكَاحهَا بِمُقْتَضى دينهَا (كَانَت) الدّيانَة (ملزمة على) الْبِنْت (الْأُخْرَى) نقصا فِي حَقّهَا لأخذ الْبِنْت الزَّوْجَة سَهْما زَائِدا على مَا تستحقه من النّسَب (والديانة دافعة) لُزُوم الضَّرَر عَن صَاحبهَا (لَا متعدية) ملزمة للضَّرَر على غَيره، وَكم من شَيْء يصلح للدَّفْع لَا للإثبات كالاستصحاب وَغَيره (وَأورد) على الْفرق الْمَذْكُور (أَن) الْبِنْت (الْأُخْرَى دَانَتْ بِهِ) أَي بِجَوَاز نِكَاح أُخْتهَا لاتِّفَاقهمَا فِي العقيدة، فلزمها الِاعْتِرَاف بِزِيَادَة اسْتِحْقَاق أُخْتهَا فَلَا ضَرَر فِي وجوب الْإِرْث من حَيْثُ الزَّوْجِيَّة نظرا إِلَى دينهم. وَأَنت خَبِير بِأَن عدم وجوب الْإِرْث إِذا كَانَ بِسَبَب أَن الدّيانَة دافعة فِي نفس الْأَمر لَا متعدية لَا يخْتَلف الحكم بديانة الْأُخْرَى صِحَة النِّكَاح للُزُوم كَون الدّيانَة متعدية فِي نفس الْأَمر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال أَن بطلَان كَون الدّيانَة متعدية على هَذَا الْوَجْه مَمْنُوع (فَذهب بَعضهم) أَي الْحَنَفِيَّة، قيل هَذَا معزو إِلَى كثير من الْمَشَايِخ (إِلَى أَن قِيَاس قَوْله) أَي أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى (أَن ترثا) أَي الزَّوْجَة وَالْبِنْت، وَكَانَ الْأَظْهر أَن يَقُول أَن تَرث من الْجِهَتَيْنِ، لَكِن لما كَانَت

стр. 1246

بِمَنْزِلَة وارثين بِاعْتِبَار الْجِهَتَيْنِ نزلت منزلتهما، فَعبر عَنْهَا بضمير التَّثْنِيَة إشعارا بِأَنَّهُ لَو كَانَت الجهتان فِي ذاتين لَكَانَ يَأْخُذ كل وَاحِد مُقْتَضى جِهَته، فَكَذَا إِذا اجتمعتا فِي ذَات وَاحِدَة (وَأَن النَّفْي) لإرثها بِالزَّوْجِيَّةِ (قَوْلهمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (لعدم الصِّحَّة) للنِّكَاح (عِنْدهمَا، وَقيل بل) لَا تَرث عِنْدهمَا (لِأَنَّهُ إِنَّمَا تثبت صِحَّته فِيمَا سلف) أَي فِي شَرِيعَة آدم ﵇ (وَلم يثبت كَونه سَببا للإرث) فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة، فَلَا يثبت سَببا للإرث بديانتهم، إِذْ لَا عِبْرَة بهَا إِذْ لم تعتمد على شرع، كَذَا فِي الْمُحِيط. (وَالْقَاضِي) أَبُو زيد (الدبوسي) قَالَ لَا تَرث (لفساده) أَي النِّكَاح (فِي حق) الْبِنْت (الْأُخْرَى لِأَنَّهَا إِذا نازعتها) أَي الْبِنْت الزَّوْجَة (عِنْد القَاضِي) فِي اسْتِحْقَاقهَا الْإِرْث بِالزَّوْجِيَّةِ (دلّ) النزاع على (أَنَّهَا لم تعتقده) أَي جَوَاز النِّكَاح وَالْإِرْث مَبْنِيّ عَلَيْهِ، وَلم يُوجد فِي حَقّهَا (وَمُقْتَضَاهُ) أَي الْمَذْكُور للْقَاضِي الدبوسي (أَنَّهَا) أَي الْبِنْت الْأُخْرَى (لَو سكتت) عَن مُنَازعَة أُخْتهَا (ورثت) الْبِنْت الزَّوْجَة بِالزَّوْجِيَّةِ أَيْضا (وَلَا يعرف عَنهُ) أَي أبي حنيفَة (تَفْصِيل) فِي هَذَا. ثمَّ لما ظهر من كَلَام الْقَوْم اضْطِرَاب فِي دفع الْإِيرَاد الْمَذْكُور، وَهُوَ أَن الْأُخْرَى دَانَتْ بِهِ أَرَادَ أَن يذكر مَا هُوَ الْحق عِنْده فَقَالَ (وَالْحق فِي) لُزُوم (النَّفَقَة) الزَّوْجِيَّة على الْمَجُوسِيّ سَوَاء كَانَت محتاجة أَو لَا (أَن الزَّوْج) الْمَجُوسِيّ (أَخذ) وألزم بِالنَّفَقَةِ (بديانته) واعتقاده (الصِّحَّة) أَي صِحَة النِّكَاح، فالتزم بالإقدام على النِّكَاح الْإِنْفَاق عَلَيْهَا وديانته حجَّة عَلَيْهِ (فَلَا يسْقط حق غَيره) وَهُوَ نَفَقَة الزَّوْجِيَّة (لمنازعته) أَي الزَّوْج الزَّوْجَة فِي تَسْلِيم النَّفَقَة (بعده) أَي بعد تحقق النِّكَاح الْمُوجب الْتِزَام النَّفَقَة، وَإِنَّمَا يسْقط عَنهُ بِإِسْقَاط صَاحب الْحق وَلم يُوجد (بِخِلَاف من لَيْسَ فِي نِكَاحهمَا) كَذَا وَقع فِي عبارَة فَخر الْإِسْلَام وَصدر الشَّرِيعَة. وَالْمعْنَى مُنَازعَة الزَّوْج فِي حق السُّقُوط، بِخِلَاف مُنَازعَة من لَيْسَ لَهُ دخل فِي النِّكَاح الْوَاقِع بَينهمَا، وَلَيْسَ بملتزم مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَتسقط النَّفَقَة بعد موت الْمَجُوسِيّ، فقد تعيّنت النَّفَقَة إِذا نازعتها الْأُخْرَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي من لَيْسَ فِي نِكَاحهمَا. (الْبِنْت الْأُخْرَى)، وَمُقْتَضَاهُ عدم الْإِرْث من حَيْثُ الزَّوْجِيَّة أَيْضا. وَفِي الْمُحِيط: كل نِكَاح حرم لحُرْمَة الْمحل لَا يجوز عِنْدهمَا، وَاخْتلفُوا على قَول أبي حنيفَة: فَعِنْدَ مَشَايِخ الْعرَاق لَا يَصح إِذا لم يعْتَمد شرعا كَنِكَاح الْمَحَارِم، لِأَنَّهُ لم يكن مَشْرُوعا فِي شَرِيعَة آدم ﵇ إِلَّا لضَرُورَة النَّسْل عِنْد عدم الْأَجَانِب، وَعند مَشَايِخنَا يَصح لِأَنَّهُ كَانَ فِي شرع آدم، وَلم يثبت النّسخ حَال كَثْرَة الْأَجَانِب عِنْد الْمَجُوس (و) الثَّانِي من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة (جهل المبتدع كالمعتزلة مانعي ثُبُوت الصِّفَات) الثبوتية من الْحَيَاة، وَالْقُدْرَة، وَالْعلم، والإرادة، وَالْكَلَام وَغَيرهَا لله تَعَالَى. قَوْله مانعي ثُبُوت الصِّفَات صفة أَو عطف بَيَان للمعتزلة لشهرتهم بِهِ، وَغَيرهم من الْمُتَكَلِّمين الموافقين لَهُم فِي منع

стр. 1247

ثُبُوتهَا تبع لَهُم (زَائِدَة) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الثُّبُوت إِلَى الصِّفَات، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ أَنَّهَا عين الذَّات وَلَا يمْنَعُونَ أصل وجودهَا، بل كَونهَا موجودات زَائِدَة على الذَّات، فمرجع النَّفْي إِلَى الزِّيَادَة (و) ثُبُوت (عَذَاب الْقَبْر) وَمن متأخريهم من حكى ذَلِك عَن ضرار بن عَمْرو، وَقَالَ إِنَّمَا نسب إِلَى الْمُعْتَزلَة وهم بُرَآء عَنهُ لمخالطة ضرار إيَّاهُم، وَتَبعهُ قوم من السُّفَهَاء المعاندين للحق (و) ثُبُوت (الشَّفَاعَة) للرسل والأخيار فِي أهل الْكَبَائِر يَوْم الْقِيَامَة وَبعد دُخُول النَّار (و) ثُبُوت (خُرُوج مرتكب الْكَبِيرَة) من النَّار إِذا مَاتَ بِلَا تَوْبَة (و) ثُبُوت (الرُّؤْيَة) البصرية لله تَعَالَى للْمُؤْمِنين فِي الدَّار الْآخِرَة (و) مثل (الشُّبْهَة لمثبتيها) أَي الصِّفَات الْمَذْكُورَة لله تَعَالَى زَائِدَة على الذَّات لَكِن (على مَا) أَي على الْوَجْه الَّذِي (يُفْضِي إِلَى التَّشْبِيه) بالمخلوق، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ - ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ -. وَقَوله لمثبتيها مُضَاف إِلَى الضَّمِير من قبيل الضار بك (لَا يصلح عذرا) خبر الْمُبْتَدَأ، يَعْنِي جهل المبتدع لَا يصلح عذرا وَلَا شُبْهَة فَإِن قلت: كَونه لَا يكفر يدل على أَنه يصلح شُبْهَة قلت: المُرَاد أَنه لَا يصلح شُبْهَة فِي حق التفسيق (لوضوح الْأَدِلَّة) الدَّالَّة على خلاف مَا زَعَمُوا (من الْكتاب وَالسّنة الصَّحِيحَة، لَكِن لَا يكفر) المبتدع بِهِ (إِذْ تمسكه) فِي ذَلِك الْجَهْل وَمَا ذهب إِلَيْهِ (بِالْقُرْآنِ أَو الحَدِيث أَو الْعقل) كَمَا ذكر فِي مَحَله (وللنهي عَن تَكْفِير أهل الْقبْلَة). روى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد صَحِيح أَن جَابر بن عبد الله سُئِلَ هَل تسمون الذُّنُوب كفرا أَو شركا أَو نفَاقًا. قَالَ معَاذ الله وَلَكنَّا نقُول مُؤمنين مذنبين، وروى أَبُو دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث من أصل الْإِيمَان: الْكَفّ عَمَّن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله لَا نكفره بذنب وَلَا نخرجهُ عَن الْإِسْلَام بِعَمَل فَإِنَّمَا هُوَ هُوَ (وَعنهُ ﷺ من صلى صَلَاتنَا واستقبل قبلتنا وَأكل ذبيحتنا فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَان) رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَهُوَ طرف من حَدِيث طَوِيل أخرجه البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ إِلَّا أَنهم قَالُوا بدل فَاشْهَدُوا إِلَى آخِره، فَذَلِك الْمُسلم الَّذِي لَهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله وَفِي هَذَا أَحَادِيث كَثِيرَة وَقد نَص عَلَيْهِ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْفِقْه الْأَكْبَر حَيْثُ قَالَ: وَلَا نكفر أحدا بذنب من الذُّنُوب وَإِن كَانَ كَبِيرَة مَا لم يستحلها (وَجمع بَينه) أَي هَذَا الحَدِيث (وَبَين) حَدِيث افْتَرَقت الْيَهُود على إِحْدَى وَسبعين، وافترقت النَّصَارَى على ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة، و (ستفرق أمتِي على ثَلَاث وَسبعين) فرقة، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وللترمذي كلهم فِي النَّار إِلَّا مِلَّة وَاحِدَة قَالُوا: من هِيَ يَا رَسُول الله.؟ قَالَ مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي، وَلِلْحَدِيثِ طرق كَثِيرَة من رِوَايَة كثير من الصَّحَابَة بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة (أَن الَّتِي فِي الْجنَّة المتبعون) لرَسُول الله ﷺ ولأصحابه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (فِي العقائد والخصال) الْخصْلَة الْخلَّة والفضيلة، وَالْمرَاد هَهُنَا الْأَخْلَاق الحميدة كالجود

стр. 1248

والحلم وَالرَّحْمَة والتواضع إِلَى غير ذَلِك (وَغَيرهم) أَي غير المتبعين (يُعَذبُونَ) فِي النَّار بِمَا شَاءَ الله (وَالْعَاقبَة الْجنَّة وعدوهم) أَي عَدو أهل السّنة وَالْجَمَاعَة غير المتبعين فِيمَا ذكر (من أهل الْكَبَائِر) لكَون بدعتهم فِي العقيدة كَبِيرَة لمخالفتهم ظواهر النُّصُوص وجوابهم عَلَيْهَا بتأويلها اعْتِمَادًا على مَا تستحسنه عُقُولهمْ الزائغة وتعمقهم فِي أُمُور منع الشَّارِع عَن الْخَوْض فِيهَا على خلاف مَا نَص عَلَيْهِ الصَّحَابَة وتابعوهم رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (وللإجماع على قبُول شَهَادَتهم على غَيرهم) وَمَا قيل من أَن مَالِكًا لَا يقبلهَا، وَتَابعه أَبُو حَامِد من الشَّافِعِيَّة، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد إِجْمَاع من قبله لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ يسْتَلْزم مُخَالفَته الْإِجْمَاع وَهُوَ بَاطِل بل يحمل على الْإِجْمَاع الظني وَهُوَ مَا إِذا كَانَ الْمُخَالف نَادرا كإجماع من عدا ابْن عَبَّاس على الْعَوْل، وَمن عدا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ على أَن النّوم نَاقض وَمن عدا أَبَا طَلْحَة على أَن الْبرد مفطر. وَقَالَ القَاضِي عضد الدّين: الظَّاهِر أَنه حجَّة لِأَنَّهُ يدل ظَاهرا على وجود رَاجِح أَو قَاطع (وَلَا شَهَادَة لكَافِر على مُسلم) لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ - (وَعَدَمه) أَي عدم قبُول الشَّهَادَة (فِي الخطابية) من الرافضة (لَيْسَ لَهُ) أَي لكفرهم بل لتدينهم الْكَذِب فِيهَا لمن كَانَ على رَأْيهمْ أَو حلف أَنه محق (وَإِذ كَانُوا) أَي المبتدعة (كَذَلِك) أَي غير كفار (وَجب علينا مناظرتهم) لإِزَالَة الشُّبْهَة الَّتِي أوقعتهم فِي تِلْكَ الْبِدْعَة وإظهارا للصَّوَاب. (وَأورد) على نفي تكفيرهم بطرِيق الْمُعَارضَة: يَعْنِي إِن كَانَ لكم دَلِيل يدل على عدم تكفيرهم فعندنا دَلِيل يدل على كفرهم، وَهُوَ قَوْلنَا (اسْتِبَاحَة الْمعْصِيَة كفر) فنائب الْفَاعِل فِي أورد هَذِه الْجُمْلَة بِتَأْوِيل هَذَا القَوْل. (وَأجِيب) عَن الْإِيرَاد بِأَن اسْتِبَاحَة الْمعْصِيَة كفر (إِذا كَانَ ذَلِك عَن مُكَابَرَة وَعدم دَلِيل، بِخِلَاف مَا) إِذا كَانَ (عَن دَلِيل شَرْعِي) أَي مَأْخُوذ من الشَّرْع احْتِرَازًا عَمَّا إِذا لم يكن شَرْعِيًّا كالأدلة الشَّرْعِيَّة الْحكمِيَّة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ لَهُم دَلِيل شَرْعِي يدل بزعمهم على أَن مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ حق يجب اتِّبَاعه لَا يُقَال حِينَئِذٍ أَنهم استباحوا مَعْصِيّة فَإِن قلت فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَن يفسقوا بذلك أَيْضا لأَنهم اجتهدوا فآل اجتهادهم إِلَى ذَلِك قلت شبهتهم تصلح لدرء الْكفْر، لَا لدرء الْفسق، لِأَن الشَّارِع أمرنَا بِعَدَمِ تَكْفِير أهل الْقبْلَة، لَا بِعَدَمِ تفسيقهم إِذا كَانَ مَا يدل على خلافهم من الْكتاب وَالسّنة وَاضح الدّلَالَة (والمبتدع مُخطئ فِي تمسكه) بِمَا كَانَ يزْعم أَنه دَلِيل لَهُ من الْكتاب وَالسّنة لعدم إِصَابَته حكم الله تَعَالَى فِي اجْتِهَاده، فَإِن حكم الله فِيمَا يتَعَلَّق بالاعتقاد وَاحِد بِاتِّفَاق المخطئة والمصوبة (لَا مكابر) ومعاند، لِأَن المكابرة إِنَّمَا تكون عِنْد الْعلم بِخِلَاف مَا يَدعِيهِ (وَالله تَعَالَى أعلم بسرائر عباده) فيجازيهم بموجبها. قَالَ المُصَنّف فِي المسايرة: لَا خلاف فِي تَكْفِير الْمُخَالف فِي ضروريات الْإِسْلَام من حُدُوث الْعَالم وَحشر الأجساد وَنفي الْعلم بالجزئيات وَإِن كَانَ من أهل الْقبْلَة المواظب

стр. 1249

طول الْعُمر على الطَّاعَات انْتهى. وَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام رَجَعَ الْأَشْعَرِيّ عِنْد مَوته عَن تَكْفِير أهل الْقبْلَة، لِأَن الْجَهْل بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جهلا بالموصوفات انْتهى. وَذهب الإِمَام الرَّازِيّ وَالشَّيْخ الْمَذْكُور أَن من يلْزمه الْكفْر وَلم يقل بِهِ فَلَيْسَ بِكَافِر، فعلى هَذَا لَا تكفر المجسمة، وَإِن لزم عَلَيْهِم إِثْبَات النَّقْص، تَعَالَى شَأْنه عَمَّا يَقُولُونَ لأَنهم لم يَقُولُوا بِهِ، لَكِن المُصَنّف ذكر فِي المسايرة أَن الْأَظْهر كفرهم، فَإِن إِطْلَاق الْجِسْم مُخْتَارًا مَعَ الْعلم بِمَا فِيهِ من النَّقْص استخفاف (و) الثَّالِث من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة (جهل الْبَاغِي وَهُوَ) الْمُسلم (الْخَارِج على الإِمَام الْحق) مثل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن سلك طريقهم، يظنّ أَنه على الْحق وَالْإِمَام على الْبَاطِل (بِتَأْوِيل فَاسد) فَإِن لم يكن لَهُ تَأْوِيل فَهُوَ فِي حكم اللُّصُوص، وَهُوَ لَا يصلح عذرا لمُخَالفَته التَّأْوِيل الْوَاضِح، وَهَذَا الْجَهْل (دون جهل المبتدعة) لِأَنَّهُ لَا يخل بِأَصْل العقيدة، الظّرْف خبر الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف، وَقَوله (لم يكفره) أَي الْبَاغِي مُسْتَأْنف لبَيَان مَضْمُون الْخَبَر (أحد) من أهل الْعلم، فالجهل الَّذِي لَا يُوجب الْكفْر إِجْمَاعًا دون الْجَهْل الَّذِي اخْتلف فِي إِيجَابه إِيَّاه (إِلَّا أَن يضم) الْبَاغِي إِلَيْهِ (أمرا آخر) كإنكار شَيْء من ضروريات الدّين فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكفر بِسَبَب ذَلِك الْأَمر، لَا للبغي، وَالِاسْتِثْنَاء من عُمُوم الْأَوْقَات بِتَقْدِير الْوَقْت بعد إِلَّا (وَقَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) فِي أهل الْبَغي (إِخْوَاننَا (بغوا علينا) وَلَا يُقَال للْكَافِرِ إِخْوَاننَا، فَإِن المُرَاد مِنْهُ أخوة الْإِسْلَام، وَقَالَ تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم﴾ - فِي بَيَان حكم أهل الْبَغي (فنناظره) أَي الْبَاغِي (لكشف شبهته) ليرْجع إِلَى طَاعَة الإِمَام بِغَيْر قتال (بعث عَليّ) بن أبي طَالب (ابْن عَبَّاس) رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا (لذَلِك) أَي لمناظرة أهل الْبَغي من الْخَوَارِج كَمَا أخرجه النَّسَائِيّ وَغَيره (فَإِن رَجَعَ) إِلَى طَاعَة الإِمَام (بِالَّتِي) أَي بالخصلة الَّتِي (هِيَ أحسن) وَهِي إِزَالَة الشُّبْهَة وَإِظْهَار الْحق من غير قتال فبها (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرجع إِلَى طَاعَته (وَجب جهاده) لقَوْله تَعَالَى - ﴿فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى (فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي﴾ حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ - أَي ترجع إِلَى كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ وَلِأَن النَّهْي عَن الْمُنكر فرض، وَذَلِكَ بِالْقِتَالِ حِينَئِذٍ، ظَاهر سِيَاق الْآيَة يدل على أَن هَذِه الدعْوَة لَهُم قبل الْقِتَال وَاجِبَة، وَإِنَّمَا الْقِتَال يجب بعْدهَا، وَفِي الْمَبْسُوط أَن الْقِتَال وَاجِب قبلهَا، وَإِنَّمَا تَقْدِيمهَا أحسن، وَقيل مُسْتَحبّ (وَمَا لم يصر لَهُ) أَي وَمَا دَامَ لم يصر للباغي (مَنْعَة) بِالتَّحْرِيكِ، وَقد يسكن: أَي قُوَّة يمْنَع بهَا من قَصده (فيجرى عَلَيْهِ) أَي على الْبَاغِي (الحكم الْمَعْرُوف) فِي الْقصاص وغرامات الْأَمْوَال وَغَيرهَا من الْمُسلمين لبَقَاء ولَايَة الْإِلْزَام فِي حَقه كَمَا فِي حَقهم (فَيقْتل) الْبَاغِي (بِالْقَتْلِ) الْعمد الْعدوان (وَيحرم) الْبَاغِي (بِهِ) أَي بِالْقَتْلِ لمورثه الْإِرْث مِنْهُ (وَمَعَهَا) أَي المنعة (لَا) يجْرِي عَلَيْهِ الحكم الْمَعْرُوف (لقُصُور الدَّلِيل

стр. 1250

عَنهُ) أَي الْبَاغِي (لسُقُوط الْتِزَامه) الَّذِي كَانَ لَهُ قبل الْبَغي بِسَبَب تَأْوِيله الَّذِي اسْتندَ إِلَيْهِ لدفع الْخَطَأ عَنهُ (وَالْعجز عَن إِلْزَامه) بِسَبَب المنعة (فَوَجَبَ الْعَمَل بتأويله) الْفَاسِد، تَحْقِيق الْمقَام على مَا ذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه أجمع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ على أَن لَا يقيموا على أحد حدا فِي فرج اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيل الْقُرْآن، وَلَا قصاصا فِي دم اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيل الْقُرْآن، وَلَا برد مَال اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيل الْقُرْآن إِلَّا أَن وجد شَيْء بِعَيْنِه فَيرد على صَاحبه، وَأَيْضًا الْفَاسِد من الِاجْتِهَاد يلْحق بِالصَّحِيحِ عِنْد انضمام المنعة إِلَيْهِ لانْقِطَاع ولَايَة الْإِلْزَام وَلَا يخفى أَن إِلْحَاق الِاجْتِهَاد الْفَاسِد من الِاجْتِهَاد الَّذِي ضلل مرتكبه بعلة انْقِطَاع ولَايَة الْإِلْزَام إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ بِسَبَب الْإِجْمَاع، وَإِلَّا فَلَا يلْزم من الْعَجز عَن الْإِلْزَام سُقُوطه، بل إِنَّمَا يلْزم سُقُوط الْخطاب بالإلزام مَا دَامَ الْعَجز عَن إِلْزَامه ثَابتا فَإِذا ثبتَتْ الْقُدْرَة تعلق خطاب الْإِلْزَام كَمَا يَقُوله الشَّافِعِي (وَلَا نضمن مَا أتلفنا من نفس وَمَال). قيل هَذَا ظَاهر لَا خلاف فِيهِ، وَقد كَانَ الأولى لَا يضمن الْبَاغِي مَا أتلف من نفس وَمَال فِي هَذِه الْحَالة بعد أَخذه أَو تَوْبَته كَمَا فِي الْحَرْبِيّ بعد الْإِسْلَام تَفْرِيعا على وجوب الْعَمَل بتأويله انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه صرح بقوله لَا لقُصُور الدَّلِيل عَنهُ إِلَى آخِره أَن الْبَاغِي إِذا كَانَ مَعَ المنعة لَا يتَنَاوَلهُ الْخطاب، وَلَا شكّ أَن من لَا يتَنَاوَلهُ الْخطاب لَا يضمن، فالمحتاج إِلَى الذّكر حكم من لم يقصر عَنهُ الدَّلِيل وَقد أتلف نفس الْبَاغِي وَمَاله وَهُوَ مُسلم فَقَالَ: لَا نضمن، فَذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ مَضْمُونا مَأْمُورا من قبل الشَّارِع بِالْقِتَالِ وَمن ضَرُورَته إتلافهما فقد عرفت أَنه لَا يتَفَرَّع عدم الضَّمَان على وجوب الْعَمَل بتأويله بل على قَوْله وَجب جهاده. قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة: الْحَاصِل أَن نفي الضَّمَان مَنُوط بالمنعة مَعَ التَّأْوِيل فَلَو تجرد المنعة عَن التَّأْوِيل كقوم غلبوا على أهل بَلْدَة فَقتلُوا واستهلكوا الْأَمْوَال بِلَا تَأْوِيل، ثمَّ ظهر عَلَيْهِم أخذُوا بِجَمِيعِ ذَلِك، وَلَو انْفَرد التَّأْوِيل عَن المنعة بِأَن انْفَرد وَاحِد أَو اثْنَان فَقتلُوا وَأخذُوا عَن تَأْوِيل ضمنُوا إِذا تَابُوا أَو قدر عَلَيْهِم (ويذفف على جرحاهم) فِي الْمغرب. ذفف على الجريح بِالذَّالِ وَالدَّال، أسْرع قَتله، وَفِي كَلَام مُحَمَّد عبارَة عَن إتْمَام الْقَتْل، وَظَاهر هَذِه الْعبارَة وجوب التدفيف كَمَا صرح بِهِ فَخر الْإِسْلَام، وَذَلِكَ لقطع مَادَّة الْفساد الْمَذْكُور. فِي الْمَبْسُوط أَنه لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَا يجوز لما روى عَن عَليّ أَنه قَالَ: يَوْم الْجمل لَا تتبعوا مُدبرا وَلَا تجهزوا جريحا، وَقَالُوا أَن التدفيف مَشْرُوط بِمَا إِذا كَانَت لَهُم فِئَة، وَيفهم اعْتِبَار هَذَا الْقَيْد من اشْتِرَاط المنعة فِي نفي الضَّمَان (وَيَرِث) الْعَادِل (مُوَرِثه) الْبَاغِي (إِذا قَتله) أَي قتل الْعَادِل الْبَاغِي اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ مَأْمُور بقتْله فَلَا يحرم الْمِيرَاث بِهِ (وَكَذَا عَكسه) أَي يَرث الْبَاغِي مُوَرِثه الْعَادِل إِذا قَتله وَقَالَ كنت على الْحق وَأَنا الْآن عَلَيْهِ لما عرفت من أَنه بِسَبَب التَّأْوِيل والمنعة لَا يتَنَاوَل الْخطاب وَهُوَ مُسلم فَلَا مَانع من الْإِرْث (لأبي حنيفَة وَمُحَمّد) مُتَعَلق بقوله وَكَذَا

стр. 1251

وَكَذَا عَكسه: أَي عكس مَذْهَب لَهما، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ لَا يَرِثهُ فِي الْوَجْهَيْنِ: أَي سَوَاء قَالَ كنت على الْحق أَو قَالَ: كنت على الْبَاطِل، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يتَنَاوَلهُ خطاب تَحْرِيم قتل الْمُسلم وحرمان الْقَاتِل من الْإِرْث عِنْدهمَا (وَلَا يملك مَاله) أَي مَال الْبَاغِي (بوحدة الدَّار) أَي بِسَبَب وحدة الدَّار لِأَنَّهُمَا فِي دَار الْإِسْلَام، فَإِن تملك المَال بطرِيق الِاسْتِيلَاء يتَوَقَّف على اخْتِلَاف الدَّاريْنِ وَهُوَ مُنْتَفٍ (على هَذَا اتّفق عَليّ وَالصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم) أخرج ابْن أبي شيبَة أَن عليا لما هزم طَلْحَة وَأَصْحَابه أَمر مناديه فَنَادَى أَن لَا يقتل مقبل وَلَا مُدبر وَلَا يفتح بَاب وَلَا يسْتَحل فرج وَلَا مَال، وَلم ينْقل عَن غَيره من الصَّحَابَة مُخَالفَته فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُم (و) الرَّابِع من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة (جهل من عَارض مجتهده) على الْبناء للْمَفْعُول، فِيهِ حذف وإيصال كالمشترك أَصله مُشْتَرك فِيهِ (الْكتاب كحل مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا) مِثَال لمجتهده الْعَارِض للْكتاب وَيُمكن أَن يكون الْمَعْنى كجهل مُجْتَهد قَالَ بحله (و) جَوَاز (الْقَضَاء بِشَاهِد) وَاحِد (وَيَمِين) من الْمُدَّعِي معارضين (مَعَ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ أَو رد عَلَيْهِ أَن مَا فِي الْآيَة كِنَايَة عَمَّا لم يذبحه موحد، وَفِي الْكِنَايَة أَنه لَا يلْزم تحقق الْمَعْنى الْأَصْلِيّ، وَلَو سلم إِرَادَة الْحَقِيقَة، لم لَا يجوز أَن يكون الذّكر القلبي كَافِيا؟ وَالْجَوَاب أَن صرف الْعبارَة عَن الْحَقِيقَة بِغَيْر صَارف لَا يجوز فَإِن قلت الصَّارِف مَا احْتج بِهِ الشَّافِعِي من قَوْله ﷺ " الْمُسلم يذبح على اسْم الله تَعَالَى سمى أَو لم يسم " قُلْنَا هَذَا ورد فِي النسْيَان، فَإِنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَمَّن نسي التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة فَقَالَ: اسْم الله على لِسَان كل مُسلم، وَقَالَ ﷺ ذَبِيحَة الْمُسلم حَلَال سمى أَو لم يسم مَا لم يتَعَمَّد تَركه. وَحجَّتنَا الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، أما الْكتاب فَهَذِهِ الْآيَة، وَأما السّنة فَقَوله ﷺ لعدي بن حَاتِم: إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم وَذكرت اسْم الله تَعَالَى فَكل فَإِن شَاركهُ كلب آخر فَلَا تَأْكُل فَإنَّك إِنَّمَا سميت على كلبك فعلل الْحُرْمَة بترك التَّسْمِيَة، وَأما الْإِجْمَاع فَلَا خلاف بَين الصَّحَابَة فِي حُرْمَة مَتْرُوك التَّسْمِيَة عَامِدًا وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم فِي متروكها نَاسِيا، فمذهب ابْن عمر أَنه يحرم، وَمذهب عَليّ وَابْن عَبَّاس أَنه يحل، وَقَالَ أَبُو يُوسُف مَتْرُوك التَّسْمِيَة عَامِدًا لَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد حَتَّى لَو قضى قَاض بِجَوَاز بَيْعه لَا ينفذ لكَونه مُخَالفا للْإِجْمَاع، كَذَا فِي شرح الْقَدُورِيّ للْإِمَام الحدادي، وَصُورَة مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا أَن يعلم أَن التَّسْمِيَة شَرط وَيَتْرُكهَا مَعَ ذكرهَا، أما لَو تَركهَا من لَا يعلم اشْتِرَاطهَا فَهُوَ فِي حكم النَّاسِي: كَذَا فِي الْحَقَائِق، وَأما الْجَواب عَن الذّكر القلبي فَمَا قَالُوا من أَنه يُقَال ذكر عَلَيْهِ وسمى عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ وَلَا يُقَال بِقَلْبِه (فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ) مَعْطُوف على مَدْخُول مَعَ والعاطف مَحْذُوف كَقَوْلِه تَعَالَى - (وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم قلت

стр. 1252

أَي وَقلت وَيجوز أَن يَجْعَل الْمَحْذُوف مُضَافا إِلَيْهِ مَعَ على سَبِيل اللف والنشر الْمُرَتّب، قَالُوا إِن الله تَعَالَى بَين الْمُعْتَاد بَين النَّاس، وَهُوَ شَهَادَة رجلَيْنِ، ثمَّ انْتقل إِلَى غَيره، فَإِن حضورهن مجَالِس الحكم غير مُعْتَاد مُبَالغَة فِي الْبَيَان، فَلَو كَانَ يَمِين الْمُدَّعِي مَعَ شَاهد كَافِيا لانتقل إِلَيْهِ لكَونه أيسر وجودا فَدلَّ النَّص التزاما على عدم حجية يَمِين الْمُدَّعِي مَعَ شَاهد (وَالسّنة الْمَشْهُورَة) مَعْطُوف على الْكتاب: أَي وَجعل من يُعَارض مجتهده للسّنة الْمَشْهُورَة (كالقضاء الْمَذْكُور مَعَ) قَوْله ﷺ : " الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي (وَالْيَمِين على من أنكر) لفظ الصَّحِيحَيْنِ وَالْبَيْهَقِيّ: وَالْيَمِين على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ، جعل جنس الْأَيْمَان على الْمُنكر، وَلَيْسَ وَرَاء الْجِنْس شَيْء، وَمَا عَن ابْن عَبَّاس من أَنه ﷺ قضى بِشَاهِد وَيَمِين، فقد روى عَن البُخَارِيّ وَغَيره انْقِطَاعه، وَمِنْهُم من ذكره فِي الضُّعَفَاء، وَله طرق لَا تَخْلُو كلهَا من نظر، وَعَن الزُّهْرِيّ بِأَنَّهُ بِدعَة، وَأول من قضى بِهِ مُعَاوِيَة. وَأورد أَنه لم يبْق لتضعيف الحَدِيث مجَال بعد مَا أخرجه مُسلم وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ بمعصوم عَن الْخَطَأ فِي الْمُحدثين، فَمن الْمُحدثين من قَالَ فِي كِتَابه أَرْبَعَة عشر حَدِيثا مَقْطُوعًا، وَمِنْهُم من أَخذ عَلَيْهِ فِي سبعين موضعا رَوَاهُ مُتَّصِلا وَهُوَ مُنْقَطع، على أَن مَا رَوَاهُ حِكَايَة وَاقعَة لَا عُمُوم لَهَا، وَيجوز أَن تكون فِي مَحل الِاتِّفَاق: كَشَهَادَة الطّيب أَو امْرَأَة فِي عيب لَا يطلع عَلَيْهِ غير ذَلِك الشَّاهِد واستحلاف المُشْتَرِي على أَنه لم يرض بِالْعَيْبِ، ثمَّ أَن الْقَضَاء بِيَمِين الْمُدَّعِي وَشَاهد وَاحِد لَا يَصح فِي غير الْأَمْوَال عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء (والتحليل) أَي وكالقول بِحل الْمُطلقَة ثَلَاثًا لزَوجهَا الأول إِذا تزَوجهَا الثَّانِي ثمَّ طَلقهَا (بِلَا وَطْء) كَمَا هُوَ قَول سعيد بن الْمسيب (مَعَ حَدِيث الْعسيلَة) وَهُوَ مَا روى الْجَمَاعَة عَن عَائِشَة ﵂ أَنه ﷺ سُئِلَ عَن رجل طلق امْرَأَته ثَلَاثًا فَتزوّجت زوجا غَيره فَدخل بهَا ثمَّ طَلقهَا قبل أَن يواقعها أتحل لزَوجهَا الأول؟ قَالَ لَا حَتَّى يَذُوق الآخر من عسيلتها مَا ذاق الأول. قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد: وَمن أفتى بِهَذَا القَوْل فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ. وَفِي الْمَبْسُوط: لَو أفتى فَقِيه بذلك يعزز (وَالْإِجْمَاع) أَي وَجَهل من عَارض مجتهده الْإِجْمَاع (كَبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد) أَي جَوَازه كَمَا ذهب إِلَيْهِ دَاوُد الظَّاهِرِيّ (مَعَ إِجْمَاع الْمُتَأَخر من الصَّحَابَة) قيل وَالْوَجْه من التَّابِعين لما تقدم من اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي جَوَازه وَإِجْمَاع التَّابِعين على مَنعه. أَقُول فِي هَذَا الْكَلَام بعد مَا ذكر فِي بحث الْإِجْمَاع اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَإِجْمَاع التَّابِعين إِشَارَة إِلَى مَا عرف من أَن الصَّحَابَة كلهم على عدم جَوَاز بيعهنَّ إِلَّا عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَبعد موت عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حصل الْإِجْمَاع من الصَّحَابَة. وَقد علم إِجْمَاع التَّابِعين مِمَّا سبق، فعلى قَول من لم يعْتَبر فِي الْإِجْمَاع إِلَّا إِجْمَاع الصَّحَابَة أَيْضا يتم الِاسْتِدْلَال (فَلَا ينفذ الْقَضَاء

стр. 1253

بِشَيْء مِنْهَا) أَي المجتهدات الْمَذْكُورَة الْمُخَالفَة للْكتاب أَو السّنة الْمَشْهُورَة أَو الْإِجْمَاع لكَونهَا فِي مُقَابلَة الْقطعِي وَلَا يخفى عَلَيْك أَن للبحث فِي كل مِنْهَا مجالا لعدم قَطْعِيَّة دلَالَة الْكتاب على الْخلاف وَكَون الْمَشْهُور آحادا فِي الأَصْل، وَكَون الْإِجْمَاع الْمَسْبُوق بِالْخِلَافِ مُخْتَلفا فِيهِ بَين الْعلمَاء، غير أَنه لما كَانَ أمرا مقررا فِي الْمَذْهَب لم يتَعَرَّض المُصَنّف لَهُ، وَعدم نَفاذ الْقَضَاء بهَا قَول الْجُمْهُور من الْحَنَفِيَّة، وتفصيلة فِي الْكتب المفصلة من الْفُرُوع (وكترك الْعَوْل) كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن عَبَّاس (وَربا الْفضل) أَي القَوْل بحله كَمَا صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس، وَقد روى رُجُوعه عَنهُ. أخرج الطَّحَاوِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قلت: لِابْنِ عَبَّاس: أَرَأَيْت الَّذِي يَبِيع الدينارين بالدينار وَالدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ أشهد لسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الدِّينَار بالدينار وَالدِّرْهَم بالدرهم لَا فضل بَينهمَا، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَنْت سَمِعت هَذَا من رَسُول الله ﷺ فَقلت نعم، فَقَالَ إِنِّي لم أسمع هَذَا إِنَّمَا أخبرنيه أُسَامَة بن زيد، وَقَالَ أَبُو سعيد وَنزع عَنْهَا ابْن عَبَّاس (الثَّانِي) من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة (جهل يصلح شُبْهَة) دارئة للحد وَالْكَفَّارَة، وعذرا فِي غَيرهمَا (كالجهل فِي مَوضِع اجْتِهَاد صَحِيح بِأَن لم يُخَالف) الْمُجْتَهد (مَا ذكر) من الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة وَالْإِجْمَاع (كمن صلى الظّهْر بِلَا وضوء ثمَّ صلى الْعَصْر بِهِ) أَي بِوضُوء (ثمَّ ذكر) أَنه صلى الظّهْر بِلَا وضوء (فَقضى الظّهْر فَقَط ثمَّ صلى الْمغرب يظنّ جَوَاز الْعَصْر) لجهله بِوُجُوب التَّرْتِيب (جَازَ) أَدَاؤُهُ صَلَاة الْمغرب (لِأَنَّهُ) أَي ظَنّه جَوَاز الْعَصْر (فِي مَوضِع الِاجْتِهَاد) الصَّحِيح (فِي تَرْتِيب الْفَوَائِت) فَإِنَّهُ وَقع بَين الْعلمَاء خلاف فِي وجوب التَّرْتِيب، وَلَيْسَ فِي الْمحل دَلِيل قَطْعِيّ، وَكَانَ هَذَا الْجَهْل عذرا فِي جَوَاز الْمغرب لَا الْعَصْر، وَالْفرق أَن فَسَاد الظّهْر بترك الْوضُوء قوي، وَفَسَاد الْعَصْر بترك التَّرْتِيب ضَعِيف لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ، فيؤثر الأول فِيمَا بعده دون الثَّانِي، وَكَانَ الْحسن بن زِيَاد يَقُول إِنَّمَا يجب مُرَاعَاة التَّرْتِيب على من يعلم، لَا على من لَا يعلم، وَكَانَ زفر يَقُول إِذا كَانَ عِنْده أَن ذَلِك يجْزِيه فَهُوَ فِي معنى النَّاسِي للفائتة، وَفِيه مَا فِيهِ (وكقتل أحد الوليين) قَاتل موليه عمدا عُدْوانًا (بعد عَفْو) الْوَلِيّ (الآخر) جَاهِلا بِسُقُوط الْقود بعفوه (لَا يقْتَصّ مِنْهُ) أَي من الْقَاتِل لِأَن هَذَا جهل فِي مَوضِع الِاجْتِهَاد (لقَوْل بعض الْعلمَاء) من أهل الْمَدِينَة على مَا فِي التذهيب (بِعَدَمِ سُقُوطه) أَي الْقصاص (بِعَفْو أحدهم) أَي الْأَوْلِيَاء، حَتَّى لَو عَفا أحدهم كَانَ للباقين الْقَتْل (فَصَارَ) الْقَتْل الْمَذْكُور (شُبْهَة يدْرَأ) بِهِ (الْقصاص) وَهُوَ قد يسْقط بِالظَّنِّ كَمَا لَو رمى إِلَى شخص ظَنّه كَافِرًا فَإِذا هُوَ مُؤمن، وَإِذا قسط الْقصاص بِالشُّبْهَةِ لزمَه الدِّيَة فِي مَاله لِأَن فعله عمد وَيجب لَهُ مِنْهَا نصف الدِّيَة، إِذْ بِعَفْو شَرِيكه وَجب لَهُ نصف الدِّيَة على الْمَقْتُول فَيصير نصف الدِّيَة قصاصا بِالنِّصْفِ وَيُؤَدِّي مَا بَقِي، وَلَو علم سُقُوطه بِالْعَفو ثمَّ قَتله عمدا يجب الْقود عَلَيْهِ. وَقَالَ زفر عَلَيْهِ

стр. 1254

الْقصاص علم بِهِ أَولا: كَمَا لَو قتل رجلا يظنّ أَنه قتل وليه ثمَّ جَاءَ وليه حَيا (و) مثل (المحتجم) فِي نَهَار رَمَضَان (إِذا ظَنّهَا) أَي الْحجامَة (فطرته) فَأفْطر بعْدهَا (لَا كَفَّارَة) عَلَيْهِ: وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاء (لِأَن) قَوْله ﷺ (أفطر الحاجم والمحجوم) رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (أورث شُبْهَة فِيهِ) أَي فِي وجوب الْكَفَّارَة بِالْفطرِ بعد الْحجامَة (وَهَذِه الْكَفَّارَة يغلب فِيهَا معنى الْعقُوبَة) على الْعِبَادَة عندنَا (فتنتفى بِالشُّبْهَةِ) وَهَذَا يدل على أَن الْعَاميّ إِذا اعْتمد على الحَدِيث غير عَالم بتأويله ونسخه فَفعل مَا يُوجب الْكَفَّارَة كَانَ ذَلِك مورثا للشُّبْهَة فِي حَقه. كَمَا أَن قَول الْمُعْتَمد فِي الْفَتْوَى فِي الْبَلَد يُورثهَا بِحَيْثُ لَو أفطر الْعَاميّ بقوله لَا تلْزمهُ الْكَفَّارَة، بل الحَدِيث أولى بذلك، وَقَالَ أَبُو يُوسُف عَلَيْهِ الْكَفَّارَة إِذْ لَيْسَ للعامي الْأَخْذ بِظَاهِر الحَدِيث لجَوَاز كَونه مصروفا عَن ظَاهره أَو مَنْسُوخا، بل عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى الْفُقَهَاء، وَإِذا لم يسْتَند ظَنّه إِلَى دَلِيل شَرْعِي وَأفْطر يجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ جهل مُجَرّد، وَهُوَ لَيْسَ بِعُذْر فِي دَار الْإِسْلَام (وَمن زنى بِجَارِيَة وَالِده) أَو والدته (أَو زَوجته) حَال كَونه (يظنّ حلهَا لَا يحد) عِنْد الثَّلَاثَة، وَقَالَ زفر يحد وَلَا عِبْرَة بظنه الْفَاسِد: كَمَا لَو وطئ جَارِيَة أَخِيه وَعَمه يظنّ الْحل (للاشتباه) لِأَن بَين الْإِنْسَان وَأَبِيهِ وَأمه وَزَوجته انبساطا فِي الِانْتِفَاع بِالْمَالِ، بِخِلَاف الْأَخ وَالْعم (وَلَا يثبت نسب) بِهَذَا الْوَطْء وَإِن ادَّعَاهُ الْوَاطِئ (وَلَا عدَّة) أَيْضا على الْمَوْطُوءَة بِهَذَا الْوَطْء (لما) عرف (فِي مَوْضِعه) إِذْ لَا حق لَهُ فِي الْمحل، وللعاهر الْحجر، وَلَا عدَّة عَن الزِّنَا، وَتسَمى هَذِه شُبْهَة فِي الْفِعْل يسْقط بهَا الْحَد على من اشْتبهَ عَلَيْهِ، لَا على من لَا يشْتَبه عَلَيْهِ، بِخِلَاف الشُّبْهَة فِي الْمحل كَوَطْء الْأَب جَارِيَة ابْنه، فَإِنَّهُ لَا يحد، وَإِن قَالَ علمت أَنَّهَا حرَام، لِأَن الْمُؤثر فِيهِ الدَّلِيل الشَّرْعِيّ كَقَوْلِه ﷺ أَنْت وَمَالك لأَبِيك، وَيثبت النّسَب إِذا ادَّعَاهُ، وَتصير أم ولد لَهُ. وَعند أبي حنيفَة شُبْهَة أُخْرَى دارئة للحد، وَهِي شُبْهَة العقد سَوَاء علم الْحُرْمَة أم لَا كَوَطْء الَّتِي تزَوجهَا بِغَيْر شُهُود (وَكَذَا حَرْبِيّ دخل دَارنَا فَأسلم فَشرب الْخمر جَاهِلا بِالْحُرْمَةِ لَا يحد) لِأَنَّهُ فِي مَوضِع الشُّبْهَة لحلها فِي وَقت: كَذَا ذكره الشَّارِح، وَالْوَجْه لحلها فِي بعض الْأَدْيَان لما سَيَأْتِي (بِخِلَاف مَا إِذا زنى) بعد دُخُوله دَارنَا وإسلامه (لِأَن جَهله بِحرْمَة الزِّنَا لَا يكون شُبْهَة لِأَن الزِّنَا حرَام فِي جَمِيع الْأَدْيَان فَلَا يكون جَهله عذرا، بِخِلَاف الْخمر) لعدم حُرْمَة شربهَا فِي سَائِر الْأَدْيَان (فَمَا فِي الْمُحِيط وَغَيره: شَرط الْحَد أَن لَا يظنّ الزِّنَا حَلَالا مُشكل) فَإِنَّهُ يدل على أَن جَهله بحرمته وظنه الْحل عذر يسْقط بِهِ الْحَد عَنهُ، وَقد قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَنقل فِي اشْتِرَاط الْعلم بِحرْمَة الزِّنَا إِجْمَاع الْفُقَهَاء (بِخِلَاف الذِّمِّيّ أسلم فَشرب الْخمر) وَقَالَ لم أعلم بحرمتها، وَقَوله: أسلم صفة للذِّمِّيّ لكَونه فِي معنى النكرَة كَقَوْلِه: وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني (يحد لظُهُور

стр. 1255

الحكم) أَي حُرْمَة الْخمر لشيوعها (فِي دَار الْإِسْلَام) وَهُوَ مُقيم بهَا (فجهله) بحرمتها مَعَ شيوعها فِيهِ (لتَقْصِيره) فِي طلب مَعْرفَتهَا فَلَا يكون عذرا فِي دَرْء الْحَد وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا إِنَّمَا يَصح إِذا وجد فرْصَة أمكنه تَحْصِيل الْعلم فِيهَا، فَأَما فِي بَدْء إِسْلَامه فَلَا يحكم بتقصيره، وَترك طلب معرفَة الْأَحْكَام فِي زمَان الْكفْر لَا يُوجب التَّقْصِير، على أَن الْإِسْلَام يمحو مَا قبله الْقسم (الثَّالِث: جهل يصلح عذرا كمن أسلم فِي دَار الْحَرْب) أَي كجهل من أسلم فِيهَا (فَترك بهَا صلوَات جَاهِلا لُزُومهَا فِي الْإِسْلَام لَا قَضَاء) عَلَيْهِ إِذا علمه بعد ذَلِك لعدم تَقْصِيره لعدم اشتهار الْأَحْكَام فِي دَار الْحَرْب. وَقَالَ زفر: عَلَيْهِ الْقَضَاء لالتزامه الْأَحْكَام بِالْإِسْلَامِ وَإِن قصر عَنهُ خطاب الْأَدَاء وَهُوَ لَا يسْقط الْقَضَاء بعد تقرر السَّبَب: كالنائم إِذا انتبه بعد مُضِيّ الْوَقْت (وكل خطاب ترك وَلم ينتشر فجهله عذر) لانْتِفَاء التَّقْصِير، يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ مَا لم يتَعَلَّق علمهمْ بحرمته، سَوَاء لم يحرم أصلا أَو حرم وَلم ينتشر خَبره (للَّذين شربوا) الْخمر (بعد تَحْرِيمهَا غير عَالمين) بحرمتها، فَقَوله للَّذين مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره لقَوْله تَعَالَى - ﴿لَيْسَ على الَّذين﴾ - منزلا للَّذين شربوا، ولبيان حكم شربهم، روى أَن بعض الصَّحَابَة كَانُوا فِي سفر فَشَرِبُوا بعد التَّحْرِيم غير عَالمين بحرمتها فَنزلت. وَعَن ابْن كيسَان لما نزل تَحْرِيم الْخمر وَالْميسر، قَالَ أَبُو بكر ﵁: كَيفَ بإخواننا الَّذين مَاتُوا وَقد شربوا الْخمر وأكلوا الميسر؟ وَكَيف بالغائبين عَنَّا فِي الْبلدَانِ لَا يَشْعُرُونَ بتحريمها وهم يطعمونها؟ فَإِذا نزل الله تَعَالَى (بِخِلَافِهِ) أَي الْخطاب (بعد الانتشار) فَإِن جَهله لَيْسَ بِعُذْر. وَيَنْبَغِي أَن يُرَاد بِهِ الانتشار فِي بلد الْمُكَلف، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ بَلَده بَعيدا عَن مهبط الْوَحْي وَعَن الْبلدَانِ الَّتِي انْتَشَر فِيهَا فعذره وَاضح: وَظَاهر هَذِه الْعبارَة أَن الْجَهْل بعد تحقق الانتشار لَيْسَ بِعُذْر سَوَاء كَانَ الانتشار فِي بَلَده أَولا، وَيُؤَيِّدهُ إِطْلَاق قَوْلهم: الْجَهْل فِي دَار الْإِسْلَام لَيْسَ بِعُذْر لاستفاضة الْأَحْكَام وشيوعها فِيهَا والاستفاضة فِيهَا أُقِيمَت مقَام الْعلم: فعلى هَذَا كَون الْجَهْل عذرا يخص بابتداء الْإِسْلَام، لَكِن مُقْتَضى الدَّلِيل مَا ذَكرْنَاهُ، إِذْ لَا وَجه لإِقَامَة الاستفاضة فِي غير بَلَده مقَام الْعلم وَإِن كَانَ بَعيدا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُؤَاخذ بترك المهاجرة لطلب الْعلم مَعَ قدرته عَلَيْهَا (لِأَنَّهُ) أَي جَهله بعد الانتشار (لتَقْصِيره) فِي طلب مَا يجب عَلَيْهِ (كمن لم يطْلب المَاء فِي الْعمرَان فَتَيَمم وَصلى لَا يَصح) تيَمّمه فَلَا تصح صلَاته (لقِيَام دَلِيل الْوُجُود) وَهُوَ الْعمرَان لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن المَاء غَالِبا (وَتَركه الْعَمَل) بِالدَّلِيلِ وَهُوَ طلبه فِيهِ. هَذَا إِذا لم يستكشفه، أما لَو استكشفه فَلم يجده فِيهِ فقد صرح بِجَوَازِهِ الْبَعْض وَهُوَ الْوَجْه، وَالتَّقْيِيد بالعمران أَن يدل على أَنه لَو ترك الطّلب فِي المفارة

стр. 1256

وَتيَمّم وَصلى جَازَت صلَاته لِأَنَّهَا مَظَنَّة الْعَدَم (وَكَذَا الْجَهْل بِأَنَّهُ وَكيل أَو مَأْذُون) أَي وَكَذَا جهل الْإِنْسَان بِكَوْنِهِ وَكيلا لشخص بِأَنَّهُ وَكله وَلم يبلغهُ الْخَبَر، وبكونه مَأْذُونا إِن كَانَ عبدا أذن لَهُ سَيّده وَلم يبلغهُ الْإِذْن (عذر) خبر الْجَهْل. ثمَّ أَخذ يبين ثَمَرَة كَونه عذرا، فَقَالَ (حَتَّى لَا ينفذ تصرفهما) أَي تصرف الْوَكِيل والمأذون قبل الْعلم بالوكيل وَالْإِذْن فِي حق الْمُوكل وَالْمولى مُطلقًا وَفِي حق نفسهما أَيْضا إِذا كَانَ مَحل التَّصَرُّف ملك الْمُوكل وَالْمولى أَو ملك غَيرهمَا، وَلكَون التَّصَرُّف لَهما (ويتوقف) نَفاذ تصرفهما على إِذن الْمُوكل وَالْمولى إِذا كَانَ فِي ملكهمَا أوفى غَيره، لَكِن لَهما (كالفضولي) أَي كتوقف تصرف الْفُضُولِيّ على إِذن من لَهُ الْولَايَة (إِلَّا فِي شِرَاء الْوَكِيل) اسْتثِْنَاء من عُمُوم نفي نَفاذ تصرفهما، وَالْمرَاد شِرَاؤُهُ مثلا فَيعم كل تصرف مِنْهُ لَا يكون فِي ملك الْمُوكل وَلَا يُضَاف إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يتَوَقَّف. بل (ينفذ على نَفسه) فَبَقيَ عُمُوم نفي نَفاذ تصرف الْمَأْذُون على إِطْلَاقه لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّة للتَّصَرُّف بِغَيْر الْإِذْن فلولا أَن الْجَهْل عذر للْوَكِيل لما نفذ تصرفه فِي حق الشِّرَاء لنَفسِهِ إِذا كَانَ التَّوْكِيل بشرَاء ذَلِك المُشْتَرِي بِعَيْنِه (كَمَا عرف) من أَن العقد إِذا وجد نفاذا على الْعَاقِد نفذ عَلَيْهِ. فِي النِّهَايَة: اتّفقت الرِّوَايَات على أَن الْوكَالَة إِذا ثبتَتْ قصدا لَا تثبت بِدُونِ الْعلم، أما إِذا ثبتَتْ فِي ضمن أَمر الْحَاضِر بِالتَّصَرُّفِ بِأَن قَالَ لغيره: اشْتَرِ عَبدِي من فلَان لنَفسك، أَو لعَبْدِهِ انْطلق إِلَى فلَان ليعتقك فَاشْترى من فلَان أَو أعتق بِدُونِ الْعلم جَازَ، وَعَن أبي يُوسُف أَن الْوكَالَة بِمَنْزِلَة الْوِصَايَة لَا يشْتَرط فِيهَا الْعلم لِأَن كلا مِنْهُمَا إِثْبَات الْولَايَة، فحكاية الِاتِّفَاق على مَا فِي النِّهَايَة أَنه مَبْنِيّ على عدم الِاعْتِدَاد بِهَذِهِ الرُّؤْيَة وَيحمل كَلَام المُصَنّف على الْوكَالَة الثَّابِتَة قصدا جمعا بَين الرِّوَايَات بِحَسب الْإِمْكَان، يردهُ مَا فِي الْمُحِيط من أَنه أَي الْوَكِيل لَا يصير وَكيلا قبل الْعلم بِالْوكَالَةِ فِي رِوَايَة الزِّيَادَات وَيصير وَكيلا فِي رِوَايَة وكَالَة الأَصْل، فَالْوَجْه أَن يُقَال فِيهِ رِوَايَتَانِ، ومختار المُصَنّف مَا فِي الزِّيَادَات وَالله تَعَالَى أعلم (و) كَذَا الْجَهْل (بِالْعَزْلِ) للْوَكِيل (وَالْحجر) على الْمَأْذُون عذر، فَالْأول مَعْطُوف على قَوْله بِأَنَّهُ، وَالثَّانِي على الْعَزْل وَذَلِكَ للُزُوم الضَّرَر عَلَيْهِمَا على تَقْدِير ثبوتهما بِدُونِ الْعلم لِأَنَّهُمَا يتصرفان اعْتِمَادًا على أَنه يلْزم الْمُوكل وَالْمولى وبالعزل يلْزم الْوَكِيل، وبالفك يلْزم فِي ذمَّة العَبْد فَيتَأَخَّر الدّين إِلَى الْعتْق (فَيصح تصرفهما) أَي الْوَكِيل والمأذون على الْمُوكل وَالْمولى قبل علمهما بِالْعَزْلِ، ثمَّ إِن الْأذن إِذا كَانَ مَشْهُورا لَا ينحجر إِلَّا بشهرة حجره عِنْد أهل السُّوق دفعا للضَّرَر عَنْهُم للُزُوم تَأَخّر حَقهم إِلَى الْعتْق (و) كَذَا (جهل الْمولى بِجِنَايَة العَبْد) خطأ عذر للْمولى فِي عدم تعين لُزُوم الْفِدَاء مُطلقًا إِذا أخرجه عَن ملكه قبل علمه (فَلَا يكون) الْمولى (بِبيعِهِ) أَي العَبْد قبل الْعلم بِالْجِنَايَةِ (مُخْتَارًا للْفِدَاء) وَهُوَ الْأَرْش الَّذِي كَانَ مخبرا بَينه وَبَين الدّفع بل يجب عَلَيْهِ الْأَقَل من الْقيمَة وَالْأَرْش (و) كَذَا

стр. 1257

جهل (الشَّفِيع بِالْبيعِ) لما يشفع فِيهِ عذر لَهُ فِي عدم سُقُوط شفعته (فَلَو بَاعَ) الشَّفِيع (الدَّار الْمَشْفُوع بهَا بعد بيع دَار بجوارها) أَي بجوار الدَّار الْمَشْفُوع بهَا (غير عَالم) بِبيع الْمَشْفُوع فِيهَا حَال عَن فَاعل بَاعَ (لَا يكون) بَيْعه الْمَشْفُوع بهَا (تَسْلِيمًا للشفعة) بل لَهُ الشُّفْعَة فِيهَا إِذا علم بِالْبيعِ لِأَن دَلِيل الْعلم خَفِي لانفراد صَاحب الْملك بِبيعِهِ (و) كَذَا جهل (الْأمة الْمَنْكُوحَة) عذر لَهَا فِي عدم سُقُوط خِيَار الْعتْق لَهَا (إِذا جهلت عتق الْمولى) إِيَّاهَا (فَلم تفسخ) النِّكَاح فَوْرًا (أَو عَلمته) أَي عتق الْمولى (وجهلت ثُبُوت الْخِيَار لَهَا شرعا لَا يبطل خِيَارهَا) قَوْله لَا يبطل جَزَاء الشَّرْط وَقَوله (وعذرت) مَعْطُوف عَلَيْهِ، أما الأولى فَلِأَن الْمولى مُسْتَقل بِالْعِتْقِ وَلَا يُمكنهَا الْوُقُوف عَلَيْهِ قبل الْإِخْبَار. وَأما الثَّانِي فلاشتغالها بِخِدْمَة الْمولى وَلعدم فراغها لمعْرِفَة أَحْكَام الشَّرْع فَلَا يقوم اشتهار الدَّلِيل فِي دَار الْإِسْلَام مقَام علمهَا (بِخِلَاف الْحرَّة زَوجهَا غير الْأَب وَالْجد) حَال كَونهَا (صَغِيرَة فبلغت جاهلة بِثُبُوت حق الْفَسْخ) أَي فسخ النِّكَاح (لَهَا) إِذا بلغت فَلم تفسخ (لَا تعذر) لجهلها بِهَذَا الحكم فَلَيْسَ لَهَا حق الْفَسْخ بِهِ (لِأَن الدَّار دَار الْعلم، وَلَيْسَ للْحرَّة مَا يشغلها عَن التَّعَلُّم فَكَانَ جهلها لتقصيرها) فِي التَّعَلُّم (بِخِلَاف الْأمة) لما ذكر، وَالْمرَاد بالجد الْجد الصَّحِيح، بِخِلَاف من سوى الْأَب وَالْجد لعدم كَمَال الرَّأْي فِي الْأُم وَعدم وفور الشَّفَقَة فِي غَيرهَا. مسئلة (الْمُجْتَهد بعد اجْتِهَاده فِي) تَحْصِيل (حكم) لحادثة اجْتِهَادًا انْتهى إِلَى تعينه على وَجه (مَمْنُوع من التَّقْلِيد) لغيره من الْمُجْتَهدين (فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الحكم، فَالْحكم الْمُجْتَهد فِيهِ الَّذِي قَصده الْمُجْتَهد أَمر إجمالي فِي بداية الِاجْتِهَاد يتَعَيَّن آخر بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ على وَجه، وبالنسبة إِلَى مُجْتَهد آخر على وَجه فَيجب على الْمُجْتَهد اتِّبَاع مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَلَا يجوز لَهُ اتِّبَاع مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد الآخر (اتِّفَاقًا) لوُجُوب اتِّبَاع اجْتِهَاده إِجْمَاعًا (وَالْخلاف) إِنَّمَا هُوَ فِي تَقْلِيده لغيره قبله) أَي قبل اجْتِهَاده فِي الحكم. (وَالْأَكْثَر) من الْعلمَاء على أَنه (مَمْنُوع) من تَقْلِيد غَيره مطبقا: مِنْهُم أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد على مَا ذكره أَبُو بكر الرَّازِيّ وَأَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ وَمَالك على مَا فِي أصُول ابْن مُفْلِح، وَذكر الْبَاجِيّ أَنه قَول أَكثر الْمَالِكِيَّة، وَذكر الرَّوْيَانِيّ أَنه مَذْهَب عَامَّة الشَّافِعِيَّة: وَظَاهر نَص الشَّافِعِي وَأحمد وَأكْثر أَصْحَابه، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب، وَمَا روى عَن أبي يُوسُف أَنه صلى بِالنَّاسِ الْجُمُعَة وَتَفَرَّقُوا ثمَّ أخبر بِوُجُود فَأْرَة ميتَة فِي بِئْر حمام اغْتسل مِنْهُ، فَقَالَ: نَأْخُذ بقول أَصْحَابنَا من أهل الْمَدِينَة: إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لَا يحمل

стр. 1258

خبثا لَا يُنَافِي مَا ذكرنَا لجَوَاز أَن مُرَاده من قَوْله نَأْخُذ الَّذين اقتدوا بِهِ، يَعْنِي نَأْخُذ فِي حَقهم بعد التَّفَرُّق: وَمن هَذَا لَا يلْزم عدم إِعَادَته تقليدا لمَذْهَب الْغَيْر فَتدبر (وَمَا) روى (عَن ابْن سُرَيج) من أَن الْمُجْتَهد مَمْنُوع من التَّقْلِيد (إِلَّا أَن تعذر عَلَيْهِ) الِاجْتِهَاد فِي الْحَادِثَة لَا يُخَالف الْأَكْثَر، وَيحْتَمل أَن يكون تَقْدِير الْكَلَام: وَمَا عَن ابْن سُرَيج أَنه مَمْنُوع إِلَّا وَقت التَّعَذُّر، وَخبر الْمَوْصُول انه مَمْنُوع، فَيكون الْمَرْوِيّ عَنهُ الْمَنْع فِي غير صُورَة التَّعَذُّر، والتعذر إِمَّا بِالْعَجزِ عَن وَجه الِاجْتِهَاد، وَإِمَّا بالخوف عَن الْفَوْت على مَا سَيَأْتِي (وَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِيهِ) لِأَن الِامْتِثَال بِمُوجب الْخطاب وَجب عَلَيْهِ لكَونه مُكَلّفا، وَقد تعذر الِاجْتِهَاد فَتعين التَّقْلِيد تحصيلا لما هُوَ الْوَاجِب (وَقيل لَا) يمْنَع من التَّقْلِيد قبل الِاجْتِهَاد مُطلقًا فِيمَا يَخُصُّهُ وَفِيمَا يُفْتِي بِهِ سَوَاء تعذر عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد أَو لَا، وَعَلِيهِ الثَّوْريّ وَإِسْحَاق وَأَبُو حنيفَة على مَا ذكر الْكَرْخِي والرازي. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ الَّذِي ظهر من تمسكات مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَعَزاهُ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ إِلَى أَحْمد. قَالَ بعض الْحَنَابِلَة: لَا يعرف (وَقيل) يمْنَع من التَّقْلِيد (فِيمَا يُفْتى بِهِ) غَيره (لَا فِيمَا يَخُصُّهُ) أَي لَا يمْنَع من تَقْلِيد غَيره فِي حكم يُرِيد الْعَمَل بِهِ من غير أَن يُفْتى بِهِ. وَحكى هَذَا عَن أهل الْعرَاق (وَقيل) يمْنَع عَن التَّقْلِيد (فِيهِ) أَي فِيمَا يَخُصُّهُ (أَيْضا إِلَّا أَن خشِي الْفَوْت) أَي فَوت أَدَاء مَا يجب عَلَيْهِ (كَأَن ضَاقَ وَقت صَلَاة) أَي كخشية الْفَوْت عِنْد ضيق وَقت صَلَاة (وَالِاجْتِهَاد فِيهَا يفوتها) أَي وَالْحَال أَن الِاشْتِغَال بِالِاجْتِهَادِ فِي حق تِلْكَ الصَّلَاة لتَحْصِيل مَا هُوَ مَجْهُول فِيهَا من الحكم يفوتها لمضي الْوَقْت، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن سُرَيج. (وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ): إِحْدَاهمَا الْجَوَاز على مَا تقدم، وَالْأُخْرَى الْمَنْع (و) روى (عَن مُحَمَّد) أَنه (يُقَلّد) مُجْتَهدا (أعلم مِنْهُ) لَا أدون مِنْهُ وَلَا مُسَاوِيا لَهُ، وَقيل إِنَّه ضرب من الِاجْتِهَاد (و) قَالَ (الشَّافِعِي) فِي الْقَدِيم (والجبائي) وَابْنه (يجوز) أَن يُقَلّد غَيره (إِن) كَانَ (صحابيا راجحا) فِي نظره على غَيره مِمَّن خَالف من الصَّحَابَة (فَإِن اسْتَووا) أَي الصَّحَابَة فِي نظره بِحَسب الْعلم وَاخْتلفت فتواهم (تخير) فيقلد أَيهمْ شَاءَ، وَلَا يجوز تَقْلِيد من عداهم (وَهَذَا) النَّقْل (رِوَايَة عَنهُ) أَي الشَّافِعِي (فِي تَقْلِيد الصَّحَابِيّ) للمجتهد مَذْكُور فِي رسَالَته الْقَدِيمَة. قَالَ الْأَبْهَرِيّ: وَالْمَشْهُور من مذْهبه عدم جَوَاز تَقْلِيده للْغَيْر مُطلقًا (وَقيل) يجوز تَقْلِيده أَبَا بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَا غَيرهمَا. وَعَن أَحْمد وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ: جَوَاز تَقْلِيد الصَّحَابَة دون غَيرهم إِلَّا عمر ابْن عبد الْعَزِيز، وَاسْتَغْرَبَهُ بعض الْحَنَابِلَة، وَقيل يجوز أَن يُقَلّد صحابيا (وتابعيا) دون غَيرهمَا وعزى إِلَى الْحَنَفِيَّة، لَكِن بِلَفْظ أَو خِيَار التَّابِعين، وَقيل: يجوز للْقَاضِي لَا غير. الْحجَّة (للْأَكْثَر) الْقَائِلين بِالْمَنْعِ مُطلقًا (الْجَوَاز) أَي جَوَاز التَّقْلِيد (حكم شَرْعِي فيفتقر إِلَى دَلِيل) شَرْعِي

стр. 1259

(وَلم يثبت) الدَّلِيل وَالْأَصْل عَدمه (فَلَا يثبت) الْجَوَاز (وَدفع) هَذَا من قبل المجوزين (بِأَنَّهُ) أَي الْجَوَاز مرجعه (الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة) بِمَعْنى عدم ترَتّب الْعقَاب على التَّقْلِيد وَهِي لَيست بِحكم شَرْعِي، فَلَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل شَرْعِي (بِخِلَاف تحريمكم) أَيهَا المانعون (فَهُوَ) أَي تحريمكم (المفتقر) إِلَى الدَّلِيل وَلم يثبت فَلَا يثبت (وَأما) الدّفع عَن الْأَكْثَر (بِأَن الِاجْتِهَاد أصل) فِي الْأَحْكَام الاجتهادية كَالْوضُوءِ فِي بَاب الطَّهَارَة (والتقليد بدل) مِنْهُ كالتيمم فِيهِ، وَلَا يُصَار إِلَى الْبَدَل مَعَ إِمْكَان الْمُبدل (فَيتَوَقَّف) التَّقْلِيد (على عَدمه) أَي عدم إِمْكَان الِاجْتِهَاد، كَمَا أَنه لَا يجوز التَّيَمُّم مَعَ الْقُدْرَة على المَاء (فَمنع) جَوَاب أما: أَي منع كَونه بَدَلا من الِاجْتِهَاد (بل كل) من الِاجْتِهَاد والتقليد (أصل) بِمَعْنى أَن الْمُكَلف مُخَيّر بَينهمَا كَمَا فِي مسح الْخُف وَغسل الرجلَيْن، فَلَا يتَوَقَّف التَّقْلِيد على عدم الِاجْتِهَاد (فَإِن تمّ إِثْبَات الْبَدَلِيَّة بِعُمُوم) قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ - فَإِنَّهُ يعم الْمُجْتَهد والعامي، وَترك الْعَمَل بِهِ فِي حق الْعَاميّ لعَجزه فَبَقيَ مَعْمُولا بِهِ فِي حق الْمُجْتَهد، وَالِاعْتِبَار رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره، وَهُوَ يرجع إِلَى الِاجْتِهَاد (تمّ) الدّفع الْمَذْكُور، وَفِي كلمة إِن إِشَارَة إِلَى الْمَنْع للتمام: وَذَلِكَ بِاعْتِبَار أَنه يجوز أَن يُرَاد بِالِاعْتِبَارِ معنى آخر لألفاظ، وَيجوز أَن يخص بِمَا إِذا لم يتَعَذَّر عَلَيْهِ وَجه الرَّد كَمَا هُوَ قَول ابْن سُرَيج إِلَى غير ذَلِك (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتم بِهَذَا (لَا) يتم الدّفع الْمَذْكُور لعدم دَلِيل آخر على الْبَدَلِيَّة، وَالْأَصْل الْعَدَم. (وَاسْتدلَّ) للْأَكْثَر بِأَنَّهُ (لَا يجوز) التَّقْلِيد (بعده) أَي الِاجْتِهَاد اتِّفَاقًا (فَكَذَا) لَا يجوز (قبله لوُجُود الْجَامِع) بَين الْمَنْع بعد الِاجْتِهَاد وَالْمَنْع قبله (وَهُوَ) أَي الْجَامِع (كَونه) أَي الْمُقَلّد (مُجْتَهدا أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْوَصْف المشير للْحكم (فِي الأَصْل) أَي التَّقْلِيد بعد الِاجْتِهَاد (إِعْمَال الْأَرْجَح) أَي وجوب اتِّبَاع مَا هُوَ الْأَرْجَح من حَيْثُ كَونه حكم الله تَعَالَى فِي نظره (وَهُوَ) أَي الْأَرْجَح (ظن نَفسه) الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فَإِنَّهُ أرجح عِنْد من ظن غَيره من الْمُجْتَهدين، وَهَذِه الْعلَّة، مفقودة فِي الْفَرْع وَهُوَ ظَاهر. احْتج (الشَّافِعِي) بقوله ﷺ (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ) بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ " فَإِنَّهُ خطاب عَام يعم الْمُجْتَهد والعامي، وَلَا يمْنَع الشَّخْص من الاهتداء (وَيبعد) الِاحْتِجَاج بِهِ (مِنْهُ) أَي الشَّافِعِي (لِأَنَّهُ لم يثبت) حَيْثُ تقدم جَوَابه عَن النَّبِي ﷺ (وَلَو ثَبت تقدم جَوَابه) حَيْثُ قَالَ أُجِيب بِأَنَّهُ هدي من وَجه انْتهى، وَلَيْسَ بِهَدي من كل وَجه حَتَّى لَا يمْنَع مِنْهُ فَإِن كَونه هدى من وَجه لَا يُنَافِي كَونه خطأ. فَإِن قلت: احْتِمَال الْخَطَأ مُشْتَرك بَين ظن الصَّحَابِيّ وظنه، لَكِن ظن الصَّحَابِيّ أبعد عَن الْخَطَأ قلت هَذَا بِحَسب نفس الْأَمر، وَأما بِحَسب مَا عِنْده فَالْأَمْر بِالْعَكْسِ، وَالْإِنْسَان مَأْمُور بِاتِّبَاع مَا هُوَ الْأَظْهر عِنْده وَاعْترض على المُصَنّف من لم يفهم كَلَامه بِأَنَّهُ لَا يُفِيد منع

стр. 1260

تَقْلِيد الصَّحَابِيّ، بل تقرر جَوَاز تَقْلِيده وَلم يعرف أَن وَظِيفَة الْمُجيب هُنَا منع بطلَان منع التَّقْلِيد لَا إِثْبَات منع التَّقْلِيد، وَبَينهمَا بون بعيد. احْتج (المجوز) للتقليد مُطلقًا بقوله تَعَالَى ﴿(فاسئلوا أهل الذّكر﴾: أَي الْعلم بِدَلِيل) قَوْله تَعَالَى ﴿إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَلَيْسَ المُرَاد أَن لَا يعلم السَّائِل شَيْئا أصلا، بل مَا أحوجه إِلَى السُّؤَال من الْوَاقِعَة الَّتِي ابتلى بهَا، وَإِذا كَانَ منشأ السُّؤَال عدم علمه بذلك يجب أَن يُرَاد بِأَهْل الْعلم من هُوَ عَالم بِمَا هُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ من أهل الذّكر وَلَا يعلم ذَلِك لَا وَجه لسؤاله إِيَّاه (وَقيل: الِاجْتِهَاد لَا يعلم) مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ فِي الْعَمَل، فيتناوله خطاب الْأَمر بالسؤال لتحَقّق شَرطه الْمَذْكُور، غَايَة الْأَمر أَنه لم يتَعَيَّن فِي حَقه السُّؤَال، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ حُصُول الْعلم بِمَا وَجب الْعَمَل بِهِ، فَإِذا حصل الِاجْتِهَاد حصل الْمَقْصُود (أُجِيب) عَن الِاحْتِجَاج الْمَذْكُور (بِأَن الْخطاب) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فاسئلوا﴾ - (للمقلدين، إِذْ الْمَعْنى ليسأل أهل الْعلم من لَيْسَ أَهله بِقَرِينَة مُقَابلَة من لَا يعلم بِمن هُوَ أهل) للْعلم (وَأهل الْعلم من لَهُ الملكة) أَي ملكة استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من أدلتها (لَا) يُفِيد مَعْنَاهُ (بِقَيْد حروج الْمُمكن) استنباطه بِتِلْكَ الملكة (عَنهُ) أَي عَن الْإِمْكَان وَالْقُوَّة (إِلَى الْفِعْل) والوجود فِي الْخَارِج، لِأَن أهل الشَّيْء من هُوَ متأهل لَهُ ومستعد لَهُ اسْتِعْدَادًا قَرِيبا، وَإِذا كَانَ أهل الْعلم صَاحب الملكة كَانَ مُقَابِله من لَيْسَ لَهُ الملكة، وَهُوَ الْمُقَلّد (قَالُوا) ثَانِيًا (الْمُعْتَبر) فِي الْأَحْكَام العملية (الظَّن) بِكَوْنِهَا حكم الله تَعَالَى، فَإِن الْمُجْتَهد بِاجْتِهَادِهِ لَا يقدر على غَيره (وَهُوَ) أَي الظَّن (حَاصِل بفتوى غَيره) كَمَا يحصل بفتوى نَفسه لتساويهما فِي أَن الِاجْتِهَاد قد أدّى إِلَيْهِمَا (أُجِيب بِأَن ظَنّه اجْتِهَاده) بِنصب الدَّال، إِمَّا بِنَزْع الْخَافِض، أَو على أَنه بدل من ظَنّه (أقوى) من ظَنّه بفتوى الْغَيْر لقِيَام الأمارة الدَّالَّة عَلَيْهِ عِنْده (فَيجب الرَّاجِح) تَقْرِيبًا للصَّوَاب بِحَسب الوسع (فَإِن قيل: ثَبت عَن أبي حنيفَة) فِي الْفُرُوع (فِي القَاضِي الْمُجْتَهد يقْضِي بِغَيْر رَأْيه ذَاكِرًا لَهُ) أَي لرأيه (نفذ) قَضَاؤُهُ (خلافًا لصاحبيه، فَيبْطل) بِهَذَا الثَّابِت عِنْد (نقل الِاتِّفَاق على الْمَنْع بعده) أَي على منع الْمُجْتَهد من التَّقْلِيد بعد الِاجْتِهَاد (إِذْ لَيْسَ التَّقْلِيد إِلَّا الْعَمَل أَو الْفَتْوَى بقول غَيره) وَالْقَضَاء بِرَأْي الْغَيْر يتَضَمَّن الْعَمَل وَالْفَتْوَى مَعَ زِيَادَة إِلْزَام على الْمقْضِي عَلَيْهِ (وَإِن ذكر) أَيْضا فِي الْفُرُوع (فِيهَا) أَي فِي هَذِه المسئلة (اخْتِلَاف الرِّوَايَة) عَن أبي حنيفَة فَعَنْهُ ينفذ، وَجعلهَا فِي الْخَانِية أظهر الرِّوَايَات، لِأَن رَأْيه يحْتَمل الْخَطَأ وَإِن كَانَ الظَّاهِر عِنْده أَنه الصَّوَاب، ورأي غَيره يحْتَمل الصَّوَاب، وَإِن كَانَ الظَّاهِر عِنْده خطأ فَهُوَ قَضَاء فِي مَحل مُجْتَهد فِيهِ فَينفذ، وَبِه أَخذ الصَّدْر الشَّهِيد وَغَيره. وَعنهُ لَا ينفذ، لِأَن قَضَاءَهُ بِهِ مَعَ اعْتِقَاده أَنه غير حق عَبث: كالمصلي إِلَى غير جِهَة تحريه تَقْلِيد التَّحَرِّي غَيره، وَبِه أَخذ شمس الْأَئِمَّة الأوزجندي

стр. 1261

(فقد صحّح أَنه) أَي نَفاذ الْقَضَاء (مذْهبه) أَي أبي حنيفَة فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة، فَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه (قُلْنَا) فِي الْجَواب لتصحيح النَّقْل للاتفاق (النَّفاذ) أَي نَفاذ الْقَضَاء (بِتَقْدِير الْفِعْل) أَي على تَقْدِير وُقُوع الْقَضَاء (لَا يُوجب حلّه) أَي الْفِعْل، وَإِذا كَانَ الْقَضَاء بِرَأْي الْغَيْر حَرَامًا عِنْده فقد اتّفق مَعَ الْقَوْم فِي الْمَنْع عَن التَّقْلِيد (نعم ذكر بَعضهم) كصاحب الْمُحِيط (أَنه ذكر الْخلاف فِي بعض الْمَوَاضِع فِي النَّفاذ، وَفِي بَعْضهَا فِي الْحل) أَي حل الْقَضَاء بِخِلَاف مذْهبه (لَكِن لَا يلْزم أَن الْمعول الْحل، بل يجب تَرْجِيح رِوَايَة النَّفْي) للْحلّ، لِأَن الْمُجْتَهد مَأْمُور بِاتِّبَاع ظَنّه إِجْمَاعًا (وَصرح بِأَن ظَاهر الْمَذْهَب عدم تَقْلِيد التَّابِعِيّ وَإِن روى خِلَافه) كَمَا سبق بَيَانه قبيل فصل التَّعَارُض. مسئلة (إِذا تَكَرَّرت الْوَاقِعَة) بالاحتياج إِلَيْهَا مرّة بعد أُخْرَى للْعَمَل أَو الافتاء هَل يجب عَلَيْهِ تَكْرِير النّظر وتجديد الِاجْتِهَاد فِيهَا أم يَكْفِي الِاجْتِهَاد الأول؟ (قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب وَغَيره (الْمُخْتَار لَا يلْزمه تَكْرِير النّظر لِأَنَّهُ) أَي إِلْزَام التكرير (إِيجَاب بِلَا مُوجب، وَقيل: يلْزمه) تَكْرِير النّظر، وَبِه جزم القَاضِي وَابْن عقيل (لِأَن الِاجْتِهَاد كثيرا مَا يتَغَيَّر) فَيرجع صَاحبه عَنهُ إِلَى غَيره (وَلَيْسَ) ذَلِك التَّغَيُّر (إِلَّا بتكريره) أَي النّظر (فالاحتياط ذَلِك) أَي تكريره، لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْعَمَلِ بِمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ بذل وَسعه عِنْد الْعَمَل، وَهُوَ متفاوت بِاعْتِبَار الْأَوْقَات (أُجِيب) بِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْأَمر كَمَا ذكرت لَا يَنْتَهِي إِلَى حد (فَيجب تكراره) أَي النّظر (أبدا لِأَنَّهُ) أَي الِاجْتِهَاد (يحْتَمل ذَلِك) التَّغَيُّر (فِي كل وَقت يمْضِي بعد الِاجْتِهَاد الأول) وَالْوُجُوب الأبدي لَهُ بَاطِل اتِّفَاقًا (وَهَذَا) أَي وجوب التّكْرَار أبدا (لَيْسَ بِلَازِم) للُزُوم تَكْرِير النّظر عِنْد تكَرر الْوَاقِعَة (لِأَن وجوب الِاجْتِهَاد لَا يثبت إِلَّا عِنْد وُقُوع (الْحَادِثَة بِشَرْطِهِ) أَي بِشَرْط وُجُوبه، وَإِذا تحقق شَرطه فاجتهد فَأدى إِلَى الحكم (فقد أَخذ السَّبَب) أَي شَرط وجوب الِاجْتِهَاد أَو الِاجْتِهَاد (حكمه) أَي الِاجْتِهَاد على الأول. أَو مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد على الثَّانِي، وَحِينَئِذٍ يَنْتَهِي وجوب الِاجْتِهَاد بِاعْتِبَار ذَلِك السَّبَب (وَاحْتِمَال الْخَطَأ فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الِاجْتِهَاد الْمَذْكُور (لم يقْدَح) فِي أَدَاء مَا وَجب على الْمُجْتَهد (فَلَا يجب) الِاجْتِهَاد (الآخر إِلَّا بِمثلِهِ) أَي بِمثل شَرط وجوب الأول، فَإِذا تحقق شَرط وجوب الآخر وَجب وَإِلَّا فَلَا فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون مُرَاد الْقَائِل بِلُزُوم التكرير من وجوب التّكْرَار إبداء وُجُوبه عِنْد كل مرّة من مَرَّات وُقُوع الْحَادِثَة المستجمعة شُرُوط وجوب الِاجْتِهَاد قلت إِذن لَا نسلم

стр. 1262

بطلَان الثَّانِي. كَيفَ وَقد وَقع الْخلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء. وَقَالَ الْآمِدِيّ: الْمُخْتَار أَنه إِذا لم يكن ذَاكِرًا لاجتهاده الأول يجب التكرير وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ السُّبْكِيّ: الْأَصَح فِي مَذْهَبنَا عدم لُزُوم التَّجْدِيد فِيمَا إِذا لم يذكر الدَّلِيل الأول، وَلم يَتَجَدَّد مَا يُوجب الرُّجُوع عَن الأول، فَإِن كَانَ ذَاكِرًا لم يلْزمه قطعا، وَإِن تجدّد مَا يُوجب الرُّجُوع يجب عَلَيْهِ قطعا انْتهى. وَفِي رَوْضَة الْحُكَّام اجْتهد لنازلة فَحكم أَو لم يحكم، ثمَّ حدثت ثَانِيًا فِيهِ وَجْهَان، الصَّحِيح إِذا كَانَ الزَّمَان قَرِيبا لَا يخْتَلف فِي مثله الِاجْتِهَاد لَا يستأنفه، وَإِلَّا اسْتَأْنف. وَذكر الشَّافِعِيَّة فِي الْعَاميّ استفتى ثمَّ وَقع لَهُ الْحَاجة إِلَى ذَلِك ثَانِيًا إِن أفتاه عَن نَص: كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع، أَو كَانَ متبحرا فِي مذْهبه وَإِن لم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد فأفتاه عَن نَص صَاحب الْمَذْهَب فَلهُ أَن يعْمل بالفتوى الأولى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أصَحهمَا لُزُوم السُّؤَال ثَانِيًا إِلَى غير ذَلِك يطْلب تفاصيله فِي مَحَله. مسئلة (لَا يَصح فِي مسئلة لمجتهد) وَاحِد فِي وَقت وَاحِد (قَولَانِ) من غير أَن يكون أَحدهمَا مرجوعا عَنهُ (للتناقض) أَي للُزُوم اعْتِقَاد النقيضين، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِمَّا عين نقيض الآخر أَو مُسْتَلْزم لَهُ (فَإِن) نسب إِلَى مُجْتَهد وَاحِد قَولَانِ، و (عرف الْمُتَأَخر) مِنْهُمَا صدورا عَنهُ (تعين) الْمُتَأَخر (رُجُوعا) أَي مرجوعا إِلَيْهِ عَن الأول، أَو الْمَعْنى تعين الْمصير إِلَى الْمُتَأَخر رُجُوعا عَن الأول (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعرف الْمُتَأَخر (وَجب تَرْجِيح الْمُجْتَهد) أَي الَّذِي اجْتهد (بعده) أَي بعد الْمُجْتَهد الَّذِي نسب إِلَيْهِ الْقَوْلَانِ (بِشَهَادَة قلبه) مُتَعَلق بالترجيح: أَي وَجب فِي الْعَمَل بِأحد الْقَوْلَيْنِ أَن يرجح الْمُجْتَهد الثَّانِي أَحدهمَا بِسَبَب أَن يمِيل قلبه إِلَيْهِ بِاعْتِبَار مَا ظهر عِنْده من الأمارة الدَّالَّة على كَونه أقرب إِلَى الصَّوَاب (وَعند بعض الشَّافِعِيَّة يخبر متبعه) أَي صَاحب الْقَوْلَيْنِ (الْمُقَلّد) صفة كاشفة للمتبع لِأَن الْمُجْتَهد لَا يجوز لَهُ الِاتِّبَاع (فِي الْعَمَل) مُتَعَلق بيخير (بِأَيِّهِمَا) أَي الْقَوْلَيْنِ، وَالْجَار مُتَعَلق بِالْعَمَلِ (شَاءَ: كَذَا فِي بعض كتب الْحَنَفِيَّة الْمَشْهُورَة) صفة للكتب، (وَكَانَ المُرَاد بالمجتهد) فِي قَوْلهم وَجب تَرْجِيح الْمُجْتَهد: الْمُجْتَهد (فِي الْمَذْهَب وَإِلَّا فترجيح) الْمُجْتَهد (الْمُطلق بِشَهَادَتِهِ) أَي بِشَهَادَة قلبه إِنَّمَا يكون (فِيمَا عَن) أَي ظهر (لَهُ) فِي اجْتِهَاده عِنْد تعَارض الأمارات الْمُخْتَلفَة فِي مَحل الِاجْتِهَاد، لَا فِي قَول مُجْتَهد آخر، وَهُوَ ظَاهر (وَالتَّرْجِيح) الْمَطْلُوب (هُنَا) لأحد الْقَوْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ التَّنْصِيص (على أَنه) أَي أَحدهمَا بِعَيْنِه هُوَ (الْمعول) أَي الْمُعْتَمد عَلَيْهِ (لصاحبهما) أَي الْقَوْلَيْنِ. (وَقَول الْبَعْض) من الشَّافِعِيَّة (يُخَيّر المتبع فِي الْعَمَل لَيْسَ خلافًا) لما قبله (بل) هُوَ (مَحل آخر) أَي مَا قبله، وَهُوَ وجوب التَّرْجِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهد فِي الْمَذْهَب

стр. 1263

وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره من المقلدين فَكل وَاحِد من الْحكمَيْنِ: أَعنِي الْوُجُوب والتخيير مَحل آخر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ذكره ذَلِك الْبَعْض بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الْمُجْتَهد فِي حق الْعَمَل لَا التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا (وَفِي بَعْضهَا) أَي كتب الْحَنَفِيَّة (إِن لم يعرف تَارِيخ) للقولين (فَإِن نقل فِي أحد الْقَوْلَيْنِ عَنهُ) أَي صَاحب الْقَوْلَيْنِ (مَا يقويه) كَقَوْلِه هَذَا أشبه أَو تَفْرِيع عَلَيْهِ (فَهُوَ أَي ذَلِك القَوْل الْمُؤَيد بالمقوى (الصَّحِيح عِنْده) أَي عِنْد صَاحبهمَا، وَفِيه أَن مُجَرّد التقوية لَا تَسْتَلْزِم عدم صِحَة الآخر كَمَا يفهم من قَوْله: هُوَ الصَّحِيح (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم ينْقل عَنهُ مَا يقوى أَحدهمَا (إِن كَانَ) أَي وجد (مُتبع بلغ الِاجْتِهَاد) فِي الْمَذْهَب (رجح) أَحدهمَا (بِمَا مر من المرجحات إِن وجد) شَيْء مِنْهَا (وَإِلَّا يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَة قلبه، وَإِن كَانَ عاميا اتبع فَتْوَى الْمُفْتِي فِيهِ) أَي الْعَمَل أَو الْمَذْهَب (الأتقى الأعلم) الثَّابِت كَونه كَذَا (بِالتَّسَامُعِ) وَهَذَا بِنَاء على أَن الَّذِي يستفتى مِنْهُ غير صَاحب الْقَوْلَيْنِ (وَإِن) كَانَ (متفقها) تعلم الْفِقْه وتتبع كتب الْمَذْهَب من غير أَن يصير مُجْتَهدا فِي الْمَذْهَب كَمَا يدل عَلَيْهِ صِيغَة التفعل (تبع الْمُتَأَخِّرين) من أهل الْفَتْوَى فِي الْمَذْهَب (وَعمل بِمَا هُوَ أصوب وأحوط عِنْده، وَإِذ نقل قَول الشَّافِعِي فِي سبع عشرَة مسئلة فِيهَا قَولَانِ) كَمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَغَيره. قَوْله فِيهَا قَولَانِ مقول قَول الشَّافِعِي (حمل) قَول الشَّافِعِي فِيهَا قَولَانِ (على أَن للْعُلَمَاء) السَّابِقين عَلَيْهِ (قَوْلَيْنِ) فِيهَا، وَفَائِدَته التَّنْبِيه على أَنَّهَا مَحل الِاجْتِهَاد لم يَقع عَلَيْهَا الْإِجْمَاع، وَقيل التَّنْبِيه على أَن مَا سواهُمَا منفي بِالْإِجْمَاع على مَا بَين فِي مَحَله (أَو يحتملهما) أَي الْمحل يحْتَمل الْقَوْلَيْنِ لوُجُود تعادل الدَّلِيلَيْنِ عِنْده، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لم ينْسب إِلَيْهِ شَيْء مِنْهُمَا، ذكره الإِمَام الرَّازِيّ وَمن تبعه (أولى فِيهَا) قَولَانِ مَعْطُوف على قَوْله للْعُلَمَاء (على القَوْل بالتخيير عِنْد التعادل) أَي يتَخَيَّر الْمُجْتَهد عِنْد تعادل الدَّلِيلَيْنِ وَعدم رُجْحَان أَحدهمَا عِنْده فَيعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ: قَالَه القَاضِي فِي التَّقْرِيب، وَتعقبه إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ بِنَاء على اعْتِقَاده أَن مَذْهَب الشَّافِعِي تصويب الْمُجْتَهدين، لَكِن الصَّحِيح من مذْهبه أَن الْمُصِيب وَاحِد فَلَا يُمكن القَوْل عَنهُ بالتخيير، وَقد يكون الْقَوْلَانِ: التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة، ويستحيل التَّخْيِير بَينهمَا (أَو تقدما) أَي الْقَوْلَانِ (لي) فَيكون حِكَايَة لقوليه المرتبين فِي الزَّمَان الْمُتَقَدّم فَقَوله: أَو يحتملهما، وَقَوله أَو تقدما معطوفان على قَوْله ان للْعُلَمَاء بارادة الْمَعْنى المصدري: أَي حمل على احتمالهما أَو تقدمهما بتقرراته، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَعِنْدِي أَنه حَيْثُ نَص على الْقَوْلَيْنِ فِي مَوضِع وَاحِد فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ مَذْهَب، وَقَالَ هَذَا يدل على علو رتبته وَعلمه بطرق الِاشْتِبَاه، وَأما اخْتِلَاف الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة فَلَيْسَ من بَاب الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ الإِمَام أَبُو بكر البليغي: أَن الِاخْتِلَاف فِي الرِّوَايَة عَنهُ من وُجُوه: مِنْهَا الْغَلَط فِي السماع، وَمِنْهَا رِوَايَة قَول رَجَعَ عَنهُ وَلم يعلم

стр. 1264

الرَّاوِي رُجُوعه، وَمِنْهَا أَنه قَالَ الْقيَاس كَذَا وَالِاسْتِحْسَان كَذَا وَلَا يعرف الرَّاوِي ذَلِك ويروى مُطلقًا إِلَى غير ذَلِك. مسئلة (لَا ينْقض حكم اجتهادي) أَي حكم أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد مُجْتَهد مستجمع شَرَائِط الِاجْتِهَاد (صَحِيح) صفة أُخْرَى للْحكم بِأَن كَانَ القَاضِي الْحَاكِم قد رأى شَرَائِط صِحَة الحكم عِنْد المرافعة من صِحَة الدَّعْوَى وَصِحَّة الْبَيِّنَة إِلَى غير ذَلِك، فَلَا يرد مَا قيل من أَن الْوَجْه إِسْقَاط قَوْله (إِذا لم يُخَالف مَا ذكر) من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِذا خَالف مَا ذكر لَا يكون صَحِيحا، وَإِذا رفع إِلَى قَاض آخر حكم كَذَا لَا يجوز لَهُ أَن ينْقضه بل يمضيه، ثمَّ لَا فرق بَين أَن يكون الْحَاكِم بذلك الحكم نَفسه بِأَن حكم بِشَيْء ثمَّ تغير اجْتِهَاده أَو غَيره (وَإِلَّا) أَي وَإِن جوز النَّقْض للْحكم الْمَذْكُور (نقض) ذَلِك (النَّقْض) أَيْضا (وتسلسل) إِذْ لَا يَنْتَهِي النَّقْض بعد فتح بَابه إِلَى حد (فَيفوت) فَائِدَة (نصب الْحَاكِم من قطع المنازعات) بَيَان للفائدة، وَحكى الِاتِّفَاق على هَذِه المسئلة الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهمَا، فَلَا وَجه لتجويز الْبَعْض نقض مَا بَان فِيهِ أَن غَيره أصوب (وَفِي أصُول الشَّافِعِيَّة لَو حكم) حَاكم مُجْتَهد (بِخِلَاف اجْتِهَاده وَإِن) كَانَ (مُقَلدًا فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الحكم مُجْتَهدا آخر (كَانَ) ذَلِك الحكم (بَاطِلا اتِّفَاقًا) أَفَادَ بِأَن الوصلية أَنه لَو حكم بِخِلَاف اجْتِهَاده من غير اتِّبَاع مُجْتَهد آخر كَانَ ذَلِك أولى بِالْبُطْلَانِ (وَعلل) الْبطلَان كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (بِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بظنه وَعدم جَوَاز تَقْلِيده) مَعْطُوف على مَدْخُول الْبَاء فِي قَوْله أَنه: أَي وَعلل بِعَدَمِ جَوَاز تَقْلِيده (إِجْمَاعًا) أَي أجمع على الْوُجُوب وَعدم الْجَوَاز الْمَذْكُورين إِجْمَاعًا (إِنَّمَا الْخلاف) فِي جَوَاز (التَّقْلِيد (قلبه) اي الِاجْتِهَاد (على مَا مر، وَأَنت علمت قَول أبي حنيفَة بنفاذ قَضَائِهِ) أَي الْمُجْتَهد (على خلاف اجْتِهَاده فَبَطل عدم نفاذه) أَي بَطل دَعْوَى اتِّفَاق عدم نفاذه (وَأَن فِي) جَوَاز (التَّقْلِيد بعد الِاجْتِهَاد رِوَايَتَيْنِ) عَن أبي حنيفَة أَيْضا، يرد عَلَيْهِ أَنه ذكر فِي مسئلة الْمُجْتَهد بعد اجْتِهَاده فِي حكم أَنه مَمْنُوع من التَّقْلِيد اتِّفَاقًا، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ ذكر هُنَاكَ على طبق مَا قَالُوا، وَهَهُنَا ذكر اقْتِضَاء تَحْقِيقه (ثمَّ عدل حل التَّقْلِيد لَا يسْتَلْزم عدم النَّفاذ لَو ارْتكب) الْمُجْتَهد التَّقْلِيد الْمحرم على القَوْل بحرمته (فكم) من (تصرف لَا يحل) وَلَكِن (يَنْبَنِي عَلَيْهِ صِحَة ونفاذ لآخر) أَي تصرف آخر كعتق المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا، فَإِن الشِّرَاء تصرف فَاسد وَقد انبنى عَلَيْهِ الْعتْق الصَّحِيح الَّذِي هُوَ تصرف آخر (وللشافعية: فرع) وَهُوَ أَنه (لَو تزوج مُجْتَهد بِلَا ولي) بِنَاء على جَوَازه فِي اجْتِهَاده (فَتغير) اجْتِهَاده بِأَن رَآهُ غير جَائِز (فالمختار التَّحْرِيم مُطلقًا) أَي حكم

стр. 1265

الْحَاكِم بِالْجَوَازِ أَولا (لِأَنَّهُ) حِينَئِذٍ (مستديم لما يَعْتَقِدهُ حَرَامًا، وَقيل) التَّحْرِيم تقيد (بِقَيْد أَن لَا يحكم بِهِ) أَي بِالْجَوَازِ قبل تغير اجْتِهَاده (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق الْقَيْد الْمَذْكُور بِأَن حرم النِّكَاح بِلَا ولي بَعْدَمَا رفع إِلَى حَاكم يرى جَوَازه فَحكم بِصِحَّة النِّكَاح (نقض الحكم) أَي وَألا يلْزم نقض حكم الْحَاكِم فِي مَحل مُجْتَهد فِيهِ (بِالِاجْتِهَادِ) وَالْحكم لَا ينْقض بِالِاجْتِهَادِ. وَفِيه أَن عدم نقض الحكم مُسلم لَكِن لَا يلْزم مِنْهُ الْحل فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَتَأمل (وَلَوْلَا) (مَا) روى (عَن أبي يُوسُف) على مَا سَيَأْتِي (لحكم بِأَن الْخلاف) الْوَاقِع من الْمُطلق جملَة على الْإِطْلَاق (خطأ وَأَن الْقَيْد) الْمَذْكُور (مُرَاد الْمُطلق إِذْ لم ينْقل خلاف فِي) الْمَسْأَلَتَيْنِ (السابقتين) فِي مسئلة (المجتهدة) الْحَنَفِيَّة (زَوْجَة الْمُجْتَهد) الشَّافِعِي، يَعْنِي فِي حلهَا لَهُ وحرمته عَلَيْهَا إِذا قَالَ لَهَا أَنْت بَائِن ثمَّ رَاجعهَا (و) فِي مسئلة (حلهَا) أَي الَّتِي تزَوجهَا مُجْتَهد بِلَا ولي ثمَّ مُجْتَهد بولِي (للاثنين) أَي الْمُجْتَهدين الْمَذْكُورين، حَيْثُ قَالَ فَيلْزم فِيهِ رَفعه إِلَى قَاض يحكم بِرَأْيهِ فَيلْزم الآخر، فَالْحكم بِلُزُوم حكم القَاضِي على الآخر من غير ذكر خلاف دَلِيل على أَن مَا حكم بِهِ القَاضِي فِي مَحل الْخلاف لَا ينْقض بالِاتِّفَاقِ سَوَاء تغير اجْتِهَاد الْمَحْكُوم عَلَيْهِ أَو لم يتَغَيَّر، فَإِذن لزم حمل قَول الشَّافِعِيَّة فِي الْفَرْع الْمَذْكُور بِإِطْلَاق التَّحْرِيم عِنْد تغير الِاجْتِهَاد على مَا إِذا لم يحكم بِهِ حَاكم، لَكِن كَلَام أبي يُوسُف على مَا سَيَأْتِي يدل على أَن مَا ذكر فِي السابقتين لَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ (وَلِأَن الْقَضَاء) فِي الْمحل الْمُخْتَلف فِيهِ (يرفع حكم الْخلاف) من جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَترك الْعَمَل بِالْآخرِ فَيصير المقضى بِهِ وَاجِب الْعَمَل بِعَيْنِه إِلَّا إِذا كَانَ نفس الْقَضَاء مُخْتَلفا فِيهِ (لَكِن عِنْده) أَي أبي يُوسُف (فِي مُجْتَهد طلق) امْرَأَته (أَلْبَتَّة) أَي طَلَاق الْبَتَّةَ بِأَن قَالَ أَنْت طَالِق الْبَتَّةَ يَقع بِهِ بَائِن عندنَا، رَجْعِيّ عِنْد الشَّافِعِي (وَنوى) بِهِ (وَاحِدَة فَقضى) عَلَيْهِ (بِثَلَاث) بِأَن كَانَ القَاضِي يرى وُقُوع الثَّلَاث بِهِ لِأَن الْبَتّ الَّذِي هُوَ الْقطع إِنَّمَا يحصل بهَا (إِن كَانَ) الْمُجْتَهد الْمُطلق (مقضيا عَلَيْهِ) بِأَن كَانَ مدعي الثَّلَاث زَوجته (لزم) أَي وَقع عَلَيْهِ الثَّلَاث إلزاما من القَاضِي لحق الْخصم (أَو) كَانَ مقضيا (لَهُ) بِأَن كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي للثلاث (أَخذ) الْمقْضِي لَهُ (بأشد الْأَمريْنِ) وأصعبهما على نَفسه، وَالْمرَاد بالأمرين: الْمقْضِي بِهِ، وَهُوَ الثَّلَاث هُنَا، وَحكم رَأْيه، وَإِنَّمَا لم يتَعَيَّن فِي الْمقْضِي بِهِ لِأَنَّهُ حق الْمقْضِي لَهُ، فَلهُ أَن يتْركهُ وَيَأْخُذ بِمَا هُوَ الأولى مِنْهُ (فَلَو قضى) للزَّوْج الْمُجْتَهد (بالرجعة) أَي بِصِحَّتِهَا فِي طَلَاق اخْتلف فِي كَونه متعقبا للرجعة (ومعتقده) أَي الزَّوْج أَنه يَتَرَتَّب على طَلَاقه (الْبَيْنُونَة يُؤْخَذ بهَا) أَي بالبينونة لكَونهَا أَشد الْأَمريْنِ (فَلم يرفع حكم رَأْيه) أَي الْمُجْتَهد (بِالْقضَاءِ مُطلقًا كَقَوْل مُحَمَّد) فَإِنَّهُ قَالَ يرفع مُطلقًا. قَوْله كَقَوْل مُحَمَّد صفة الْمَفْعُول الْمُطلق: أَي رفعا مثل مقول مُحَمَّد فِي الْإِطْلَاق
следующие страницы →