← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا لمَانع، وَقد اسْتَثْنَاهُ (قَالُوا) أَي المانعون (لَو صَحَّ) إِيقَاع كل مِنْهُمَا بدل الآخر (لصَحَّ) فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام (خداي) هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ اسْم للذات المقدسة (أكبر) بإيقاع خداي وَهُوَ مرادف للجلالة بدلهَا (قُلْنَا الْحَنَفِيَّة يلتزمونه) أَي جَوَاز الْإِيقَاع فِيهِ وَلَا إِلْزَام إِلَّا بمجمع عَلَيْهِ حَيْثُ لَا دَلِيل سواهُ (وَالْآخرُونَ) الَّذين لَا يلتزمونه وَلم يجوزوه يَقُولُونَ عدم جَوَاز الْإِيقَاع فِيهِ (للمانع الشَّرْعِيّ) وَهُوَ التَّقْيِيد بِاللَّفْظِ الْمَأْثُور مَعَ كَون الْمحل مِمَّا يلْزم فِيهِ غَايَة الِاحْتِيَاط. (وَأما كَون اخْتِلَاط اللغتين) كالفارسية والعربية (مَانِعا من التَّرْكِيب بعد الْفَهم) أَي بعد فهم الْمَعْنى التركيبي (فبلا دَلِيل عَلَيْهِ) أَي فَهُوَ ادِّعَاء بِلَا دَلِيل، فَلَا يسمع فِيهِ تعَارض لِابْنِ الْحَاجِب (سوى عدم فعلهم) أَي الْعَرَب اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، يَعْنِي سوى هَذَا، وَهُوَ لَا ينتهض حجَّة (وَقد يبطل) الادعاء الْمَذْكُور (بالمعرب) وَهُوَ لفظ استعملته الْعَرَب فِي معنى وضع لَهُ فِي غير لغتهم، فَإِن كثيرا مَا يركب مَعَ الْكَلِمَات الْعَرَبيَّة فِي كَلَام الْعَرَب، فَيلْزم مِنْهُ الِاخْتِلَاط الْمَذْكُور، ثمَّ لما كَانَ يتَوَهَّم أَن اسْتِعْمَال الْعَرَب إِيَّاه فِي كَلَامهم أخرجه عَن العجمية دَفعه بقوله (وَلم يخرج) المعرب (عَن العجمية) بالتعريب، ثمَّ دفع أَن يُقَال تغييرهم إِيَّاه دَلِيل خُرُوجه عَنْهَا بقوله (والتغيير لعدم إحسانهم النُّطْق بِهِ) لعدم ممارستهم فِيهِ (أَو التلاعب) كَمَا نقل عَن بعض الْعَرَب حِين اعْترض عَلَيْهِ فِي التَّغْيِير أَنه قَالَ: عجمي أَلعَب بِهِ (لَا قصدا لجعله عَرَبيا) فَإِن المغير غير الأَصْل فَكَانَ وضع آخر مِنْهُم للفظ آخر (وَلَو سلم) أَن التَّغْيِير للقصد الْمَذْكُور وَلم يبطل بالمعرب (لَا يسْتَلْزم) عدم فعلهم (الحكم بامتناعه) أَي امْتنَاع اخْتِلَاط اللغتين ليلزم مِنْهُ امْتنَاع الْإِيقَاع الْمَذْكُور (إِلَّا مَعَ عدم علم الْمُخَاطب) معنى ذَلِك المرادف من لُغَة أُخْرَى (مَعَ قصد الإفادة) لَهُ بذلك الْمركب الْمُخْتَلط فَإِنَّهُ لَا يجوز حِينَئِذٍ إِيقَاع المرادف الَّذِي لَا علم للمخاطب بِمَعْنَاهُ بدل المرادف الَّذِي لَهُ علم بِهِ، وَهَذَا ظَاهر غير أَنه عِلّة مُسْتَقلَّة للامتناع الْمَذْكُور، وَقَوله إِلَّا مَعَ إِلَى آخِره يدل على أَنه ضميمة عدم فعلهم فِي الاستلزام فَتَأمل. مسئلة (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي المترادف (الْحَد والمحدود) زعم قوم أَنَّهُمَا مترادفات، وَلذَلِك قَالُوا مَا الْحَد إِلَّا تَبْدِيل لفظ بِلَفْظ أَجلي، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيم كَمَا سَيظْهر الْحَد إِمَّا بِحَسب الِاسْم، وَهُوَ مَا دلّ على تَفْصِيل مَا دلّ عَلَيْهِ الِاسْم إِجْمَالا فَيُفِيد تصورا لم يكن حَاصِلا، وَإِمَّا بِحَسب الْحَقِيقَة، وَهُوَ مَا دلّ على هَيْئَة الشَّيْء الثَّابِتَة فيخص الموجودات، وَأما تَعْرِيف الشَّيْء بِمَا يرادفه فَهُوَ حد لَفْظِي يقْصد بِهِ التَّصْدِيق بِأَن الْحَد مَوْضُوع لهَذَا، ثمَّ الْحَد إِن اشْتَمَل على جَمِيع ذاتيات الْمَحْدُود

стр. 177

فَهُوَ تَامّ، وَإِلَّا فَهُوَ نَاقص (أما التَّام) أَي أما عدم كَون الْحَد التَّام مرادفا للمحدود (فلاستدعائه) أَي التَّام (تعدد الدَّال على أَبْعَاضه) أَي الْمَحْدُود لكَونه مركبا من جنسه وفصله القريبين فَهُوَ يدل على حَقِيقَة الْمَحْدُود بأوضاع مُتعَدِّدَة بِإِزَاءِ أَجْزَائِهِ مفصلة، والمحدود يدل عَلَيْهَا بِوَضْع وَاحِد بإزائها إِجْمَالا، والمترادفان إِنَّمَا يكون وضعهما ودلالتهما على لفظ وَاحِد، وَلَا يكونَانِ إِلَّا مفردين (وَأما) الْحَد (النَّاقِص فَإِنَّمَا مَفْهُومه) ومدلوله (الْجُزْء الْمسَاوِي) للمحدود، وَهُوَ الْفَصْل، وَلَا اتِّحَاد بَين الْجُزْء وَالْكل (فَلَا ترادف: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن لَا يلْتَزم الِاصْطِلَاح على اشْتِرَاط الْأَفْرَاد) فِي الترادف، فَيكون الْحَد التَّام والمحدود مترادفين (فَهِيَ) أَي فَهَذِهِ المسئلة حِينَئِذٍ (لفظية) يرجع الْخلاف فِيهَا إِلَى أَمر لَفْظِي، وَهُوَ الِاخْتِلَاف فِي الِاصْطِلَاح وَلَا مشاحة فِيهِ، فَمن يعْتَبر الْأَفْرَاد كَمَا هُوَ الْمَشْهُور لَا يجعلهما من المترادفين، وَلَا يعْتَبر بجعلهما مِنْهُمَا (وَلَا التَّابِع مَعَ الْمَتْبُوع) فِي مثل (حسن بسن) فِي الرضي أَن التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ على قسمَيْنِ: إِعَادَة لفظ الأول بِعَيْنِه، وتقويته بموازنة مَعَ اتِّفَاقهمَا فِي الْحَرْف الْأَخير إِمَّا بِأَن يكون للثَّانِي معنى ظَاهر نَحْو - ﴿هَنِيئًا مريئا﴾ -، أَو لَا يكون لَهُ معنى أصلا مَعَ ضم إِلَى الأول لتزيين الْكَلَام لفظا، وتقويته معنى وَإِن لم يكن لَهُ فِي حَالَة الْإِفْرَاد معنى، نَحْو: حسن بسن، أَوله معنى التَّكْلِيف غير ظَاهر، نَحْو: خَبِيث نبيث من نبثت الشَّرّ: أَي استخرجته (قيل) عدم كَون التَّابِع والمتبوع مترادفين (لِأَنَّهُ) أَي التَّابِع (إِذا أفرد لَا يدل على شَيْء) فَكيف يكون مرادفا لما يدل على معنى إِذا أفرد (فَإِن كَانَت دلَالَته) أَي التَّابِع (مَشْرُوطَة) بِذكر الْمَتْبُوع (فَهُوَ حرف) لِأَن هَذَا شَأْن الْحُرُوف، وَلَا ترادف بَين الْحَرْف وَالِاسْم (وَلَيْسَ) بِحرف إِجْمَاعًا (وَقيل لفظ بِوَزْن الأول لازدواجه لَا معنى لَهُ وَالْأَوْجه أَنه) لفظ وضع (لتقوية متبوع خَاص) وَهُوَ المسموع متبوعا لَهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر خُصُوص الْمَتْبُوع فِي تقويته (لزم) أَن يجوز (نَحْو: زيد بسن) وَقد عرفت تعْيين الخصوصية من كَلَام الرضي (وَأما التوكيد) بِكُل وَأجْمع وتصاريفه (كأجمعين) وأكتع وَغَيرهَا من التأكيدات المعنوية (فلتقوية عَام سَابق) عَلَيْهِ (فَوَضعه) أَي هَذَا التَّأْكِيد (أَعم من) وضع (التَّابِع) الْمَذْكُور لعدم اشْتِرَاط تعين الْمَتْبُوع (فَلَا ترادف) بَين الْمُؤَكّد، والمؤكد، بل لَا يتَوَهَّم فِيهِ الترادف لعدم الِاخْتِصَاص كَمَا عرفت (وَمَا قيل المرادف لَا يزِيد مرادفه قُوَّة) قَوْله المرادف إِلَى آخِره عطف بَيَان للموصول، وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره (مَمْنُوع إِذْ لَا يكون) المرادف (أقل من التوكيد اللَّفْظِيّ) الَّذِي هُوَ تَكْرِير اللَّفْظ الأول، وَهُوَ مِمَّا يُفِيد مؤكده قُوَّة حَتَّى ينْدَفع بِهِ توهم التَّجَوُّز والسهو إِلَى غير ذَلِك. (تَنْبِيه: تكون المقايسة) بَين الاسمين لِأَن تصرف النِّسْبَة بَينهمَا (بِالذَّاتِ) وبحسب

стр. 178

الْحَقِيقَة (للمعنى فيكتسبه) من الِاكْتِسَاب أَو الاكتساء، وَالضَّمِير لما يعلم بالمقايسة كالتساوي والتباين (الِاسْم لدلالته) أَي الِاسْم (عَلَيْهِ) أَي الْمَعْنى هُوَ ظرف النِّسْبَة فِي المقايسة بِحَسب الْحَقِيقَة (فالمفهوم) الَّذِي هُوَ معنى الِاسْم (بِالنِّسْبَةِ إِلَى) مَفْهُوم (آخر إِمَّا مسَاوٍ) لَهُ، وَتَفْسِير الْمُسَاوَاة أَنه (يصدق كل) مِنْهُمَا (على كل مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر) فالجملة مستأنفة بَيَانِيَّة (أَو مباين مباينة كُلية لَا يتصادقان) أصلا أَي لَا يصدق كل مِنْهُمَا على شَيْء مِمَّا يصدق عَلَيْهِ الآخر كالإنسان وَالْفرس (أَو) متباين لَهُ مباينة (جزئية يتصادقان) فِي الْجُمْلَة (ويتفارقان) فِي الْجُمْلَة بِأَن يصدق كل مِنْهُمَا على شَيْء لَا يصدق عَلَيْهِ الآخر (كالإنسان، والأبيض) يتصادقان فِي الرُّومِي، ويتفارقان فِي الزنْجِي، وَالْفرس الْأَبْيَض (وَالْعَام وَالْمجَاز) يتصادقان فِي الْمجَاز الْمُسْتَغْرق أَفْرَاد الْمَعْنى الْمجَازِي، ويتفارقان فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، وَالْمجَاز الْخَاص (وَلَا وَاجِب وَلَا مَنْدُوب) يتصادقان فِي الْحَرَام وَالْمَكْرُوه، ويتفارقان فِي الْعَام الْمُسْتَعْمل فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمَنْدُوب وَالْوَاجِب (وَأما أَعم مِنْهُ مُطلقًا يصدق) أَي الْمَفْهُوم (عَلَيْهِ) أَي على كل مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر (و) يصدق (على غَيره) أَي على غير الْأَعَمّ أَيْضا (كالعبادة) الصادقة (على) جَمِيع أَفْرَاد (الصَّلَاة و) على (الصَّوْم) أَيْضا (وَالْحَيَوَان على الْإِنْسَان وَالْفرس) تَكْرِير الْأَمْثِلَة إِشْعَار بِأَن النّسَب الْمَذْكُورَة تعم الشرعيات وَغَيرهَا، وَكَذَلِكَ تعم المفهومات الوجودية والعدمية (ونقيضا المتساويين متساويان) فَيصدق أَن لَا إِنْسَان على كل مَا يصدق عَلَيْهِ لَا نطاق، وَكَذَا الْعَكْس (و) نقيضا (المتباينين مُطلقًا) أَي مباينة جزئية أَو كُلية (متباينان مباينة جزئية كلا إِنْسَان، وَلَا أَبيض، وَلَا إِنْسَان، وَلَا فرس) نشر على غير تَرْتِيب اللف، لِأَن الْمَفْهُوم أَولا من قَوْله متباينين مُطلقًا المباينة: الْكُلية، ثمَّ المباينة الْجُزْئِيَّة بِاعْتِبَار ترَتّب ذكر الْأَقْسَام سَابِقًا للاهتمام بشأن المباينة الْجُزْئِيَّة لِئَلَّا يذهل عَنهُ لظُهُور لفظ المتباينين فِي الْكُلية أما اجْتِمَاع لَا إِنْسَان وَلَا أَبيض، فَفِي نَحْو: الْفرس الْأسود، وَأما افتراقهما فَفِي الْفرس الْأَبْيَض وَالْإِنْسَان الْأسود، وَأما اجْتِمَاع: لَا إِنْسَان وَلَا فرس، فَفِي نَحْو الْأسد، وَأما افْتِرَاق لَا إِنْسَان وَلَا فرس فَفِي الْفرس وَالْإِنْسَان (إِلَّا أَنَّهَا) أَي المباينة الْجُزْئِيَّة (فِي الأول) بِاعْتِبَار تَرْتِيب النشر، وَهُوَ المباينة الْجُزْئِيَّة الْمُعْتَبرَة بَين نقيض المتباينين مباينة جزئية (تخص الْعُمُوم من وَجه) فَلَا يتَحَقَّق فِي ضمن المباينة الْكُلية أصلا (بِخِلَاف الثَّانِي) وَهِي المباينة الْجُزْئِيَّة الْمُعْتَبرَة بَين نقيضي المتباينين مباينة كُلية (فقد يكون) أَي الثَّانِي (كليا) أَي يتَحَقَّق تَارَة فِي ضمن المباينة الْجُزْئِيَّة، وَتارَة فِي ضمن المباينة الْكُلية (كلا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم) فَإِنَّهُ كَمَا أَن بَين مَوْجُود ومعدوم مباينة كُلية كَذَلِك بَين لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم، لِأَن كل مَا يصدق

стр. 179

عَلَيْهِ لَا مَوْجُود يصدق عَلَيْهِ مَعْدُوم، وكل مَا يصدق عَلَيْهِ لَا مَعْدُوم يصدق عَلَيْهِ مَوْجُود، وَهَذَا بِنَاء (على نفي الْحَال) وَأما على إثْبَاته كَمَا هُوَ قَول الْبَعْض، فَبين لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم عُمُوم من وَجه لتصادقهما فِيهَا لِأَنَّهَا صفة لموجود غير مَوْجُودَة فِي نَفسهَا، وَلَا مَعْدُومَة كالأجناس والفصول، وتفارقهما فِي الْمَعْدُوم وَالْمَوْجُود (وَمَا) أَي وكل مفهومين (بَينهمَا عُمُوم مُطلق يتعاكس نقيضاهما، فنقيض الْأَعَمّ أخص من نقيض الْأَخَص، ونقيض الْأَخَص أَعم من نقيض الْأَعَمّ) يَعْنِي كل مَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، وَإِلَّا لصدق نقيض الْأَعَمّ على شَيْء لم يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، فَيصدق عَلَيْهِ عين الْأَخَص ضَرُورَة امْتنَاع ارْتِفَاع النقيضين فَلَزِمَ تحقق الْأَخَص بِدُونِ الْأَعَمّ، وَلَيْسَ كل مَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ لصدق نقيض الْأَخَص على شَيْء لَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ، فَإِن مَادَّة افْتِرَاق الْأَعَمّ من الْأَخَص يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، وَلَا يصدق عَلَيْهَا نقيض الْأَعَمّ، بل عينه وَهُوَ ظَاهر. الْفَصْل الرَّابِع (عَن الْأُصُول الْخَمْسَة الْمشَار إِلَيْهَا فِيمَا سبق بقوله: وللمفرد انقسامات بِاعْتِبَار ذَاته، ودلالته، ومقايسته لمفرد آخر، ومدلوله، وإطلاقه، وتقييده فِي فُصُول انْتهى، وَهَذَا مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف يَعْنِي فِي الْمُفْرد بِاعْتِبَار مَدْلُوله (وَفِيه) أَي فِي الْفَصْل الرَّابِع (تقاسيم). التَّقْسِيم (الأول: وَيَتَعَدَّى إِلَيْهِ من مَعْنَاهُ إِمَّا كلي) قَوْله الأول مُبْتَدأ خَبره جملَة حذف صدرها، أَعنِي الْمُفْرد إِمَّا كلي إِلَى آخِره، وَمَا بَينهمَا مُعْتَرضَة، وَالْوَاو للاعتراض، وَالْمعْنَى: وَيَتَعَدَّى التَّقْسِيم الأول: أَي بِاعْتِبَار قيوده المنضمة إِلَى مقسمه: أَي الْمُفْرد من مَعْنَاهُ، فَإِن الْكُلية والجزئية من عوارض الْمعَانِي بِاعْتِبَار وجودهَا فِي الذِّهْن، ويوصف بهما الْأَلْفَاظ مجَازًا تَسْمِيَة للدال باسم الْمَدْلُول (لَا يمْنَع تصور مَعْنَاهُ) أَي لَا يمْنَع الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الْعقل المنعكسة من مَعْنَاهُ الْعقل (فَقَط) قطّ من أَسمَاء الْأَفْعَال بِمَعْنى انته، وَكَثِيرًا مَا يصدر بِالْفَاءِ تزيينا للفظ، فَكَأَنَّهُ جَزَاء شَرط مَحْذُوف: أَي إِذا نسبت الْمَنْع إِلَى التَّصَوُّر فانته عَن نسبته إِلَى الْغَيْر وَحَاصِله أَن الْعبْرَة بِنَفس التَّصَوُّر مَعَ قطع النّظر عَمَّا سواهَا (من الشّركَة فِيهِ) أَي من فرض شركَة كثيرين فِي مَعْنَاهَا، فكلمة من صلَة الْمَنْع (أَو جزئي حَقِيقِيّ يمْنَع) تصور مَعْنَاهُ الْعقل من فرض شركَة كثيرين فِيهِ بِأَن يحمل عَلَيْهَا مواطأة (بِخِلَاف) الجزئي (الإضافي) أَي (كل أخص)

стр. 180

مندرج (تَحت أَعم) فَهُوَ أَعم من الجزئي الْحَقِيقِيّ لصدقه على مثل الْإِنْسَان المندرج تَحت الْحَيَوَان كصدقه على زيد المندرج تَحت الْإِنْسَان، وَيُسمى الأول كليا لكَونه جُزْءا غَالِبا من فَرده الَّذِي هُوَ كل مَنْسُوبا إِلَيْهِ. وَالثَّانِي جزئيا لكَونه فَردا من الْكُلِّي مَنْسُوبا إِلَيْهِ. وَالثَّالِث إضافيا لاعْتِبَار الْإِضَافَة إِلَى الْأَعَمّ فِي مَفْهُومه (والكلي إِن تَسَاوَت أَفْرَاد مَفْهُومه فِيهِ) أَي فِي مَفْهُومه، وستعرف الْمُسَاوَاة بِذكر مَا يقابلها (فمتواطئ) من التواطئ، وَهُوَ التوافق لتوافق الْأَفْرَاد فِيهِ (كالإنسان، أَو تفاوتت) أَفْرَاد مَفْهُومه فِيهِ (بِشدَّة وَضعف كالأبيض) فَإِن مَعْنَاهُ، وَهُوَ اللَّوْن المفرق لِلْبَصَرِ فِي الثَّلج أَشد مِنْهُ فِي العاج (وَالْمُسْتَحب) فَإِن مَا طلب فعله مَعَ تَجْوِيز التّرْك حُصُوله فِي ضمن السّنَن الْمُؤَكّدَة أولى وَأَشد من حُصُوله فِي ضمن السّنَن الزَّوَائِد (فمشكك) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل، وَإِنَّمَا يُسمى بِهِ (للتردد فِي) أَن (وَضعه للخصوصيات) بِأَن يكون مَوْضُوعا بِإِزَاءِ هَذِه الخصوصية بِوَضْع، وإزاء تِلْكَ الخصوصية بِوَضْع آخر (فمشترك) أَي فَهُوَ على هَذَا التَّقْدِير مُشْتَرك بَين الخصوصيات اشتراكا لفظيا (أَو) وَضعه (للمشترك) بَينهمَا مَعَ قطع النّظر عَن التَّفَاوُت الَّذِي بَينهمَا (فمتواطئ) ومنشأ التَّرَدُّد وجود التَّفَاوُت الْآتِي بِحَسب الظَّاهِر كَون تِلْكَ الْأَفْرَاد أَفْرَاد مَفْهُوم وَاحِد، وَظُهُور عدم مَا يُعينهُ من ذَلِك بعد التَّأَمُّل لوُجُود الْقدر الْمُشْتَرك (وَلِهَذَا) بِعَيْنِه (قيل بنفيه) أَي بِنَفْي التَّرَدُّد بَين الْأَمريْنِ الْمَذْكُورين التشكيك (لِأَن الْوَاقِع) فِي نفس الْأَمر (أَحدهمَا) أَي أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَلَا تشكيك فِي شَيْء مِنْهُمَا: أما على الأول فَلِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق على ذَلِك التَّقْدِير مَفْهُوم عَام لَهُ أَفْرَاد مُتَفَاوِتَة، وَأما على الثَّانِي فَلِأَن الْقدر الْمُشْتَرك قطع النّظر عَن التَّفَاوُت ليستوي فِيهِ الْأَفْرَاد (وَالْجَوَاب أَن الِاصْطِلَاح) وَاقع (على تَسْمِيَة) لفظ (متفاوت) مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار تحَققه فِي ضمن أَفْرَاده بالشدة والضعف (بِهِ) أَي بالمشكك (والتفاوت) الْمُعْتَبر فِي الْمُسَمّى الْمَذْكُور (وَاقع) أَي مُحَقّق فِي معنى بعض الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوع بِإِزَاءِ مَفْهُوم كلي لَهُ أَفْرَاد مُتَفَاوِتَة فِيهِ، وَإِذا ثَبت التَّسْمِيَة بالمشكك وَتحقّق الْمُسَمّى فِي الْخَارِج (فَكيف يَنْفِي) المشكك، الظَّاهِر أَن هَذَا الْبَحْث مُعَارضَة وَحَاصِله: إِن كَانَ لكم دَلِيل على نفي وجود المشكك فلنا دَلِيل على وجوده، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله (فَإِن قيل بِنَفْي مُسَمَّاهُ) منعا للمقدمة القائلة أَن التَّفَاوُت الَّذِي هُوَ مُسَمّى المشكك وَاقع، وَالضَّمِير فِي مُسَمَّاهُ عَائِد إِلَى المشكك بِاعْتِبَار مَا يتَضَمَّن من التَّفَاوُت الْمَذْكُور، ثمَّ بَين النَّفْي بقوله (فَإِن مَا بِهِ) التَّفَاوُت (كخصوصية الثَّلج) الَّتِي حصل بهَا الشدَّة (أَن أخذت) أَي الخصوصية (فِي مَفْهُومه) أَي المشكك بِأَن تكون الشدَّة المفرقة لِلْبَصَرِ الْمَوْجُودَة فِي الثَّلج جُزْء مَفْهُوم الْأَبْيَض (فَلَا شركَة) لغير الثَّلج كالعاج مَعَه فِي مَفْهُوم الْأَبْيَض (فَلَا تفَاوت) حِينَئِذٍ إِذْ لم

стр. 181

يبْق لَهُ أَفْرَاد غير أَفْرَاد الثَّلج، وَلَا تفَاوت فِيهَا (وَلزِمَ الِاشْتِرَاك) اللَّفْظِيّ، إِذْ من الْمَعْلُوم أَن إِطْلَاق الْأَبْيَض على العاج وَغَيره مِمَّا سوى الثَّلج مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ الْأَبْيَض بطرِيق الْحَقِيقَة، وَحَيْثُ لم يُوجد قدر مُشْتَرك لزم الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تُوجد الخصوصية فِي مَفْهُومه اسْتَوَت أَفْرَاد الثَّلج والعاج وَغَيرهمَا فِي مَفْهُومه وَهُوَ ظَاهر (فَلَا تفَاوت) بَين أَفْرَاده فِي مَفْهُومه (وَلزِمَ التواطؤ قُلْنَا مَا بِهِ) التَّفَاوُت من الخصوصيات المستلزمة حُصُول الْمَفْهُوم بطرِيق الشدَّة فِي الْبَعْض والضعف فِي الْبَعْض الآخر (مُعْتَبر فِيمَا صدق عَلَيْهِ الْمَفْهُوم) بطرِيق اعْتِبَار على وَجه الْجُزْئِيَّة كَمَا سَيظْهر (من أَفْرَاد تِلْكَ الخصوصية) بَيَان لما صدق الْمَفْهُوم عَلَيْهِ وَظَاهره يَقْتَضِي عدم اعْتِبَار مَا بِهِ التَّفَاوُت فِي مَاهِيَّة تِلْكَ الخصوصية، وَسَيَأْتِي اعْتِبَاره فضلا مِنْهَا، وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن للمجيب أَن يعتبره فِي أفرادها دون الْمَاهِيّة فَإِنَّهُ أَدخل فِي دفع الِاعْتِرَاض، ثمَّ يُصَرح ثَانِيًا بِمَا هُوَ التَّحْقِيق، وَفِي إِضَافَة الْأَفْرَاد إِلَى تِلْكَ الخصوصية مُسَامَحَة، وَالْمرَاد أَفْرَاد مَا فِيهِ تِلْكَ الخصوصية، وَهُوَ الثَّلج مثلا (لَا) أَنه مُعْتَبر (فِي نَفسه) أَي نفس الْمَفْهُوم الَّذِي وضع لَهُ الْأَبْيَض مثلا (وَحَاصِل هَذَا) الْجَواب (أَن كل خُصُوصِيَّة) من الخصوصيات الْمُوجبَة للشدة أَو الضعْف (مَعَ الْمَفْهُوم) الَّذِي وضع الْأَبْيَض بإزائه مثلا (نوع ويستلزم) كَون كل خُصُوصِيَّة مَعَه نوعا (أَن مُسَمّى المشكك كالسواد وَالْبَيَاض لَا يكون إِلَّا جِنْسا، وَمَا بِهِ التَّفَاوُت فُصُول تحصله) أَي الْجِنْس الْمَذْكُور (أنواعا) مفعول ثَان للتحصيل فَإِنَّهُ يتَضَمَّن معنى الْجعل، وَيجوز أَن يكون حَالا عَن الضَّمِير الْمَنْصُوب وَالْمعْنَى: أَن الخصوصيات الَّتِي بهَا تَتَفَاوَت أَفْرَاد مُسَمّى المشكك إِذا انضمت إِلَى الْمَاهِيّة الجنسية الَّتِي هِيَ الْمُسَمّى تجْعَل تِلْكَ الْمَاهِيّة أنواعا، لِأَنَّهُ يتقوم بانضمام كل مِنْهَا إِلَى الْمَاهِيّة نوع مركب من الْجِنْس والفصل، أَو تحققها، أَو يقومها حَال كَونهَا أنواعا، فَإِنَّهُ لَا وجود للأجناس إِلَّا فِي ضمن الْأَنْوَاع كَمَا لَا وجود للأنواع إِلَّا فِي ضمن الْأَشْخَاص، فالجنس، وَالنَّوْع، والشخص مُتحد وجودا وَجعلا، وَإِن كَانَت مُتَغَايِرَة بِحَسب التعقل (فَمن الماهيات الجنسية مَا) أَي ماهيات جنسية (فُصُول أَنْوَاعهَا مقادير من الشدَّة والضعف) أَي ذُو مقادير مِنْهُمَا، فاختلاف تِلْكَ الْأَنْوَاع بِاعْتِبَار تِلْكَ الْفُصُول، وَاخْتِلَاف تِلْكَ الْفُصُول بِاعْتِبَار اخْتِلَاف مقاديرها من الْكَيْفِيَّة الجنسية، فَإِن الْبيَاض مثلا كَيْفيَّة جنسية يتَحَقَّق فِي أَنْوَاع كَثِيرَة، وَفِي كل نوع مِقْدَار خَاص من تِلْكَ الْكَيْفِيَّة لَهُ مرتبَة مَخْصُوصَة من الشدَّة والضعف، وهما أَمْرَانِ إضافيان (وَذَلِكَ) أَي مَا فُصُول أَنْوَاعهَا مقادير مِنْهَا يتَحَقَّق (فِي ماهيات الْأَعْرَاض وَلذَا) أَي وَلأَجل أَن تحقق هَذَا الْقسم إِنَّمَا يكون فِي الْأَعْرَاض (يَقُولُونَ) أَي المتكلمون، بل الْحُكَمَاء (الْمَقُول) أَي الْمَحْمُول على

стр. 182

أفراده (بالتشكيك) بأن يكون تحققه في ضمن البعض أشد وأقوى من تحققه في ضمن البعض الآخر (خارج) عن حقيقة أفراده التي يقال علها كما اشتهر فيما بينهم من أن الماهية وأجزاءها لا تكون مقولة بالتشكيك على أفرادها، وتحقيق ذلك في غير هذا العلم، (ومنها) أي الماهيات الجنسية ما فصول أنواعها (خلافه) أي غير المقادير المذكورة كفصل نفس ماهية المشكك الذي يميزه عن مشكك آخر كفصل نحو السواد فإنه يميز عن البياض وغيره مما يندرج تحت اللون كقولنا: قابض للبصر في السواد مفرق له في البياض (ثم وضعنا اسم المشكك للاول) أي لما فصول أنواعه مقادير. التقسيم الثاني (مدلوله) أي المفرد (إما لفظ كالجملة والخبر) فلأنه قد سبق أن المركب أن أفاد نسبة تامة بمجرد ذاته فجملة، وهو إن دل على مطابقة خارج فخبر، وإلا فإنشاء (والاسم، والفعل، والحرف) والحكم بكون مدلول أمثال هذه الألفاظ لفظا مبنى (على نوع مساهلة، إذ الألفاظ ما صدقات مدلوله) أي المفرد (الكلى) صفة مدلول: يعني أن لك واحد من المفردات المذكورة موضوع بإزاء مفهوم كلي أفراده ألفاظ وهو ظاهر، فنفس مدلوله ليس بلفظ، بل اللفظ أفراد مدلوله (إلا أن يراد) بالجملة (كل جملة متحققة خارجًا) أي تحققا خارجيًا مثل: ضرب زيد، واضرب زيدا، وزيد قائم، الحكم بالتساهل مبني على حمل المدلول على المدلول المطابقي، وحاصل التأويل حمله على المدلول الضمني، فإن كل فرد معين من أفراد مسمى الجملة مدلول ضمنا ضرورة فتضمن الكلي لجزئياته، وهكذا الحال في الخبر والفعل والحرف وغيرها (أو) مدلوله (غيره) أي غير لفظ، وحينئذ فالأول: أي فالمفرد الذي مدلوله ليس بلفظ (فأما لا يدل عليه) أي على مدلوله (إلا بضميمة إليه) أي إلى الدال، والضميمة لفظ آخر، وإنما احتاج إليها (لوضعه) أي لكونه موضوعا (لمعنى جزئي) أي لنسبة جزئية (من حيث هو) أي المعنى الجزئي (ملحوظ بين نسبتين خاصيتين) آلة لمعرفة حالهما ملتفت بالتبع، والمقصود بالذات معرفتهما، ولا يلزم أن يكونا جزئيين حقيقيين فيعم خصوص الشخص والنوع والجنس، لكن انسبة وإن كان طرفاها كليين فهي جزئية على ما قالوا (فهو الحرف كمن) فإها موضوعة للابتداء الخاص الذي هو نسبة جزئية ملحوظة بين المسير والبصرة مثلا (والى) فإنها موضوعة لانتهاء الغاية على الوجه المذكور (بخلاف) الأسماء (اللازمة للإضافة) كذو، وقبل، وبعد فإنها موضوعة

стр. 183

لمعنى كلي من صاحب وسبق، وتأخر، فالتزم ذكر ما أضيف إليه لبيانه، لا لأن معانيها ملحوظة بين شيئين آلة لتعرف حالهما مقصودة بالتبع (أو يستقل بالدلالة) معطوف على مدخول إما فإن حاصله إما لا يستقل بالدلالة فهو الحرف، أو يستقل بها (لعدم ذلك) أي وضعه لمعنى من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصيين، فإن ذلك أخرجه إلى ذكر ذينك من الشيئين، وأخرجه عن الاستقلال فعند عدمه، والمفروض عدم مخرج آخر يلزم الاستقلال وحينئذ (فأما لا يكون) المفرد المستقل بالدلالة (معناه حدثا مقيدا بأحد الأزمنة الثلاثة) الماضي، والحال، والاستقبال حال كون أحد الأزمنة مدلولا (بهيئة) فدخل ما كان معناه حدثا مقيدا بأحدهما بمادته كلفظ الماضي والحال والاستقبال، وكذا ما لا يكون معناه حدثا كزيد، أو حدثا غير مقيد: كضرب وقيل (فهو) المفرد المستقل بالدلالة على ما لا يكون حدثا كذا (الاسم كالابتداء والانتهاء) فإن معناهما الابتداء والانتهاء المطلق، وأنهما ليس بحدثين مقيدين بما ذكر (فالكاف وعن وعلى حيئنذ) أي حين كان الأمر على ما عرفت من البون البعيد بين حقيقتي الاسم والحرف وتبياينهما باعتبار الاستقلال وعدم الاستقلال وغيره مع العلم بأن كلا منهما يستعمل تارة استعمال الحروف فيجري عليه أحكامها، وتارة استعمال الأسماء فيجري عليه أحكامها (مشترك لفظي له وضع للمعنى الكلي يستعمل فيه) أي في المعنى الكلي (اسما) أي استعمال اسم، أو حال كونه اسما (كبكابن الماء) في قول امريء القيس: ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقي أي بفرس مثل الكركي، شبه به لخفته وطول عنقه (و) وضع (لخصوص منه) أي من المعنى الكلي (كذلك) أي من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصين (فيستعمل فيه) أي في الخصوص (حرفا كجاء الذي كعمرو) أي الذي استقر كعمرو، فإن حرفيتها في مثله متعينة عند الجمهور لئلا يلزم افراد الصلة راجحة عند الأخفش والجزولي وابن مالك مجوزين اسميتها على اضمار مبتدا كما في قراءة بعضهم - تماما على الذي أحسن - (وقس الأخيرين) أي عن وعلى (عليه) أي على الكاف باعتبار وضع عن للكلي وهو الجانب فيستعمل فيه اسما نحو: ولقد رأني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي وللجزئي كما هو المشهور (أو يكون) معناه حدثا مقيدا بأحد الآن منه بهيئة (فالفعل) بأقسامه.

стр. 184

التَّقْسِيم الثَّالِث من تقاسيم الْفَصْل الرَّابِع (قسم فَخر الْإِسْلَام اللَّفْظ) الْمُفْرد (بِحَسب اللُّغَة والصيغة) الْجَار مُتَعَلق بقسم، واللغة اللَّفْظ الْمَوْضُوع، والصيغة الْهَيْئَة الْعَارِضَة لَهُ بِاعْتِبَار الحركات والسكنات وَتَقْدِيم بعض الْحُرُوف على بعض، وَالظَّاهِر أَنه يُرَاد باللغة هَهُنَا جَوْهَر الْحُرُوف بِقَرِينَة انضمام الصِّيغَة إِلَيْهَا، وَلما كَانَتَا متعلقي الْوَضع عبر بهما عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أَي بِاعْتِبَار وَضعه إِلَى خَاص وعام، ومشترك، ومؤول) فسر بِمَا ترجح من الْمُشْتَرك بعض وجوهه بغالب الرَّأْي، وَأورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد لَا يكون من الْمُشْتَرك، وترجحه قد لَا يكون بغالب الرَّأْي، فِي الْمِيزَان: أَن الْخَفي والمشكل والمشترك والمجمل إِذا لحقها الْبَيَان بِدَلِيل قَطْعِيّ سمي مُفَسرًا، وَإِن زَالَ خفاؤه بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة كَخَبَر الْوَاحِد، وَالْقِيَاس سمي مؤولا انْتهى وَأجِيب عَن الأول بِأَن المُرَاد تَعْرِيف المؤول من الْمُشْتَرك، وَعَن الثَّانِي بِأَن المُرَاد بغالب الرَّأْي، مِمَّا يعم الْحَاصِل من الْقيَاس وَخبر الْوَاحِد. وَقَالَ صدر الشَّرِيعَة: وَإِنَّمَا لم أورد المؤول فِي الْقِسْمَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاعْتِبَار الْوَضع، بل بِاعْتِبَار رَأْي الْمُجْتَهد انْتهى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ المُصَنّف ﵀ بقوله (وَاعْترض بِأَن المؤول وَلَو) كَانَ (من الْمُشْتَرك لَيْسَ بِاعْتِبَار الْوَضع) وَلم يلْتَفت إِلَى مَا قيل فِي تَوْجِيه كَلَام فَخر الْإِسْلَام من أَن معنى كَونه بِاعْتِبَار الْوَضع أَن الحكم بعد التَّأْوِيل يُضَاف إِلَى الصِّيغَة، لِأَن مَا يحصل من التَّأَمُّل بِالدَّلِيلِ لَا وَجه لجعله من الاعتبارات الْمُتَعَلّقَة بِالْوَضْعِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل عَن رفع إِجْمَال بظني) أَي التَّأْوِيل لم ينشأ عَن الْوَضع، بل هُوَ نَاشِئ عَن إِزَالَة إِبْهَام حَاصِل بازدحام احتمالات ناشئة من الِاشْتِرَاك بِدَلِيل ظَنِّي قياسي أَو خبر (فِي الِاسْتِعْمَال) مُتَعَلق بإجمال، فالطرفان: أَعنِي بظني، وَهَذَا يتعلقان بِرَفْع وإجمال على تَرْتِيب اللف والنشر، وَلَا شكّ أَن الْإِبْهَام إِنَّمَا يعرض للمشترك فِي حَال الِاسْتِعْمَال لَا الْوَضع (فَهِيَ) أَي الْأَقْسَام إِذا (ثَلَاثَة، لِأَن اللَّفْظ أَن كَانَ مُسَمَّاهُ متحدا وَلَو بالنوع) كَرجل وَفرس (أَو مُتَعَددًا مدلولا على خُصُوص كميته) لِأَن كمية المتعدد الْمَذْكُور (بِهِ) أَي بِلَفْظ ذَلِك المتعدد مَعَ كميته الْمَخْصُوصَة مدلولا مطابقيا للفظه، فَقَوله مدلولا وضعا للمتعدد بِحَال مُتَعَلقَة: أَعنِي كَونه بِحَيْثُ يدل على خُصُوص كمية لَفظه، لِأَنَّهُ لم يقْصد مدلولية ذَلِك المتعدد، لِأَنَّهُ ظَاهر لكَونه مُسَمّى لَفظه (فالخاص) جَوَاب للشّرط: أَي فَهُوَ الْخَاص (فَدخل) فِي الْخَاص (الْمُطلق) تَفْرِيع على قَوْله وَلَو بالنوع: كَمَا أَن قَوْله (وَالْعدَد) تَفْرِيع على قَوْله: وَلَو بالنوع كَمَا أَن قَوْله تَفْرِيع على قَوْله أَو مُتَعَددًا إِلَى آخِره (وَالْأَمر وَالنَّهْي)

стр. 185

لِاتِّحَاد مسماهما نوعا كَمَا ستعرف، وَالْمُطلق على مَا سَيَجِيءُ مَا دلّ على فَرد شَائِع لَا قيد مَعَه مُسْتقِلّا لفظا (وَإِن تعدد) مُسَمَّاهُ (بِلَا مُلَاحظَة حصر) وَإِن كَانَ محصورا فِي الْوَاقِع (فَأَما بِوَضْع وَاحِد) أَي فَذَلِك اللَّفْظ المتعدد مُسَمَّاهُ أما مَوْضُوع بِإِزَاءِ ذَلِك المتعدد بِوَضْع وَاحِد (فَمن حَيْثُ هُوَ كَذَلِك) أَي فاللفظ من حَيْثُ أَنه مَوْضُوع بِوَضْع وَاحِد لمتعدد غير مَحْصُور هُوَ (الْعَام، أَو) بِوَضْع (مُتَعَدد فَمن حَيْثُ هُوَ كَذَلِك الْمُشْتَرك) فَهُوَ مَا وضع وضعا مُتَعَددًا لمعان مُتعَدِّدَة، فَعدم مُلَاحظَة الْحصْر فِي الْمُشْتَرك قيد واقعي لَا اجترازي كَمَا فِي الْعَام فَإِنَّهُ فِيهِ لإِخْرَاج أَسمَاء الْعدَد والتثنية (فَيدْخل فِي الْعَام الْجمع الْمُنكر) كرجال المتعدد مُسَمَّاهُ من غير مُلَاحظَة الْحصْر مَعَ اتِّحَاد الْوَضع (وعَلى اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق) فِي الْعَام (فمتحد الْوَضع) أَي اللَّفْظ الْمَوْضُوع بِوَضْع وَاحِد لغير المنحصر (أَن استغرق) جَمِيع مَا يصلح لَهُ (فالعام) جَوَاب الشَّرْط: أَي فَهُوَ الْعَام (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يسْتَغْرق (فالجمع) أَي فَهُوَ الْجمع الْمُنكر فَهُوَ حِينَئِذٍ وَاسِطَة بَين الْخَاص وَالْعَام (وَأخذ) قيد (الْحَيْثِيَّة) كَمَا ذكرنَا فِي التعريفين المستنبطين من التَّقْسِيم (يبين عدم العناد) والتباين (بِجُزْء الْمَفْهُوم بَين الْمُشْتَرك وَالْعَام) أَي لَيْسَ مَا يُوجب العناد بَينهمَا ذاتيا كالإنسان وَالْفرس حَتَّى يكون التَّقْسِيم حَقِيقِيًّا، بل بِحَسب الِاعْتِبَار والحيثية فيتصادقان لَا من حيثية وَاحِدَة كَمَا سَيَجِيءُ (وَلذَا) أَي لعدم العناد بَينهمَا بِجُزْء الْمَفْهُوم (لَا يحْتَاج إِلَيْهَا) أَي إِلَى الْحَيْثِيَّة (فِي تعريفهما ابْتِدَاء) لَا فِي ضمن التَّقْسِيم، لِأَن الْمَنْطُوق حِينَئِذٍ بَيَان أَجزَاء الْمَاهِيّة، والحيثية لَيست مِنْهَا، وَإِذا قد عرفت أَنه لَا عناد بَين الْعَام والمشترك بِالذَّاتِ إِذا لم يعْتَبر فِي الْعَام عدم تعدد الْوَضع وَأَنت تعلم أَن العناد بالذت مَوْجُود بَين الْمُنْفَرد والمشترك لاعْتِبَار عدم تعدده فِيهِ (فَالْحق) أَي اللَّائِق الْحقيق بِالِاعْتِبَارِ أَن يعْتَبر (تقسيمان): التَّقْسِيم (الأول بِاعْتِبَار اتِّحَاد الْوَضع وتعدده يخرج الْمُنْفَرد) وَهُوَ الْمَوْضُوع لِمَعْنى وَاحِد لَا غير (وَلم يُخرجهُ) أَي الْمُنْفَرد (الْحَنَفِيَّة على كَثْرَة أقسامهم) أَي مَعَ كثرتها، وَأخرجه الشَّافِعِيَّة (و) يخرج (الْمُشْتَرك و) ذكرت (فِيهِ) أَي فِي قسم الْمُشْتَرك (مسئلة) وَاحِدَة وَهِي هَذِه (الْمُشْتَرك) مُبْتَدأ خَبره (خَامِسهَا) إِلَى آخِره، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْأَقْوَال تَقْدِير الْكَلَام الْمُشْتَرك فِي جَوَازه ووقوعه أَقْوَال: غير جَائِز، جَائِز غير وَاقع، وَاقع فِي اللُّغَة لَا غير، فِي اللُّغَة وَالْقُرْآن لَا غير، خَامِسهَا فِيهِ أَي فِي الْمُشْتَرك جَائِز و (وَاقع فِي اللُّغَة وَالْقُرْآن والْحَدِيث) وَهُوَ الْمُخْتَار و (لنا) على الْجَوَاز (لَا امْتنَاع لوضع لفظ مرَّتَيْنِ فَصَاعِدا لمفهومين فَصَاعِدا على أَن يسْتَعْمل) ذَلِك اللَّفْظ (لكل) من المفهومين أَو المفهومات (على الْبَدَل) لَا على الِاجْتِمَاع، لَا خَفَاء فِي أَن مَنْظُور الْوَاضِع فِي كل وضع أَن يسْتَعْمل ذَلِك اللَّفْظ لكل من المفهومين أَو المفهومات على

стр. 186

البدل لا على الاجتماع، ولا خفاء في أن منظور الواضع في كل وضع أن يستعمل في معنى بعينه لا غير لكن إذا تعدد الوضع، والمفروض أن الواضع واحد كام قصده من تلك الأوضاع المتعددة أن يستعمل تارة في هذا دون غيره، وتارة في ذلك دون غيره، (وقولهم) أي المانعين (يستلزم) جواز المشترك (العبث) أي جواز العبث واللعب (لانتفاء فائدة الوضع) وهي فهم المراد لاستحالة الترجيح بلا مرجح (مندفع) خبر قولهم (بأن الإجمال مما يقصد) فلا تنحصر فائدة الوضع في فهم المراد على سبيل التعيين، فإذا سمع المشترك يفهم أن المراد أحد تلك المعاني وهذا نوع من العلم: ويقصد به مصالح كطلب التعيين، والاجتهاد فيه، والابهام على بعض السامعين إلى غير ذلك. (ولنا) في الاستدل (على الوقوع ثبوت استعمال القرء) بفتح القاف ويضم (لغة لكل من الحيض والطهر) على البدل (لا يتبادر أحدهما) بعينه (مرادا) تمييز عن نسبة الفعل إلى الفاعل (بلا قرينة) معينة له متعلق بلا يتبادر (وهو) أي استعماله، كذلك (دليل الوضع كذلك) أي وضع لفظ القرء مرتين لهما على البدل (وهو) أي اللفظ الموضوع لذلك (المراد بالمشترك. وما قيل) في دفع هذا من أنه (جاز كونه) أي القرء (لمشترك) أي لمعنى مشترك بينهما (أو) كونه (حقيقة) في أحدهما (ومجازا) في الاخر (وخفي التعيين) للحقيقةعن المجاز لشيوعه في المعنى المجازي، وفلا نعلم ايهما حقيقة (وكذا كل ما ظن) من الألفاظ (أنه منه) أي من المشترك اللفظي يقال فيه هذا (ثم يترجح الأول) وهو كونه لمعنى مشترك بينهما، لأن الأصل عدم تعدد الوضع، والحقيقة أولى من المجاز (مدفوع) خبر ما قيل (بعدمه) أي بعدم القرء المشترك (بينهما) أي الحيض والطهر، وإلا لكان يفهم عند الإطلاق ما وضع له (وكونه) أي القرء موضوعا (لنحو الشيئة)، في القاموس شيئته شيئا أردته، والاسم الشيئة، كشيعة، وكل شيء شيئه الله انتهى، والمراد به الشيء المرادة (والوجود بعيد، ويوجب) كونه موضعا لذلك (أن نحو الإنسان والفرس والقعود وما لا يحصى من أفراد القرء) وهو ظاهر الفساد، فظهر عدم وضعه للقدر المشترك (واشتهار المجاز بحيث يساوي الحقيقة) في تبادر معناه المجازي (ويخفى التعيين) أي تعيين المراد لتساوي المعنى الحقيقي والمجازي في التبادر كما في المشترك (نادر لا نسبة له) أي لاشتهاره على الوجه المذكور (بمقابله) وهو عدم اشتهاره بتلك المثابة، فلا يصار إلى الاحتمال المرجوح (فأظهر الاحتمالات كونه) أي القرء (موضوعا لكل) من الحيض والطهر على البدل، واعتبار غير الأظهر ترجيح للمرجوح، فوجب كونه مشتركا (وهو) أي كونه موضوعا لكل (دليل وقوعه) أي المشترك (في القرآن) لوقوع القرء في قوله تعالى - ثلاثة قروء - (والحديث)

стр. 187

لوقوعه فيما روى الدارقطني والطحاوي رحمهما الله عن فاطمة بنت حبيش قالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر قال (دعي الصلاة أيام أقرائك، وبه) أي بالوقوع فيهما (كان قول النافي) للوقوع (إن وقع) المشترك (مبينا) أي مقرونا بما يبين المراد منه (طال) الكلام (بلا فائدة) لا مكان افائدة المراد بمنفرد لا يحتاج إلى البيان (أو غير مبين لم يفد) لعدم تعين المراد (تشكيكا) خبر كان (بعد التحقق) فلا يسمع، فإن قلت التحقق غير مقطوع به. بل أظهر الاحتمالات فما ذكره النافي يصلح لأن يورث شبهة فيه، قلنا لا يصلح لأن الاحتراز عن ترجيح المرجوح واجب، فما ذكره غير مسلم، بل هو باطل كما صرح به بقوله (مع أنه) أي قول النافي (باطل) لأنا نختار الشق الأول ونمنع التطويل بلا فائدة، لأن البيان بعد الابهام يوجب زيادة التقرير، أو الشق الثاني ونمنع عدم الفائدة (فإن افادته) أي المشترك (كالمطلق) أي كافادة المطلق في أن كلا منهما يدل على أمر غير معين، وهذا يوجد في الشرعيات وغيرها (وفي الشرعيات) خاصة فائدته أي المشترك ونحوه (العزم) أي عزم المكلف (عليه) أي على العمل بالمراد (إذا بين، والاجتهاد) أي بذل المجهود لنيل المقصود (في استعلامه) أي طلب فهم المراد (فينال ثوابه) أي ثواب كل من العزم والاجتهاد أن أصاب أجرينن وإن أخطأ واحدا. (واستدل) للمختار بدليل مزيف وهو أنه (لو لم يقع) المشترك (كان الموجود في القديم والحادث) مشتركا (معنويا لأنه) أي الموجود (فيهما حقيقة اتفاقا وهو) أي كونه مشتركا معنويا فيهما (منتف لأنه) أي الموجود اسم (لذات له وجود وهو) أي الوجود (في القديم يباين الممكن) أي يباين الوجود في الممكن، لأن الأول ضروري دون الثاني، فالموجود إذا أطلق على القديم معناه ذات له وجود ضروري، وإذا أطلق على الممكن معناه ذات له وجود غير ضروري (فلا اشتراك) بينهما معنويا (وليس) هذا الاستدلال (بشيء لأن الأختلاف) أي اختلاف الأفراد (بالخصوصيات) السخصية كما في الأفراد الشخصية، أو النوعية كما في الأفراد النوعية (ويوصف الوجوب والامكان) معطوف على الخصوصيات (لا يمنع الاندراج) أي ادراج تلك الأفراد المختلفة باعتبار ما ذكر (تحت مفهوم عام تختلف أفراده فيه) شدة وضعفا (فيكون) الاشتراك بين القديم والحادث (معنويا، واستدل أيضا لو لم يوضع) المشترك (خلت أكثر المسميات) عن الأسماء (لعدم تناهيها) أي المسميات، لأنها ما بين موجود، ومجرد، ومادي، ومعدوم ممكن وممتنع، ومن جملتها الأعداد: وهي غير متناهية (دون الألفاظ) فإنها متناهية (لتركبها من الحروف المتناهية) فالمركب من المتناهي متناه كما سيجيء (لكنها) أي المسميات (لم تخل) عن الأسماء (وهو أضعف) من الاستدلال

стр. 188

الأول (لمنع عدم تناهي الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة والمتضادة). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي حَاشِيَة على الشَّرْح العضدي أَن المفهومين إِذا اشْتَركَا فِي الصِّفَات النفسية فمتماثلان وَإِلَّا كَانَا مَعْنيين يمْنَع اجْتِمَاعهمَا فِي مَحل وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة فمتضادان، وَإِلَّا فمختلفان (وتحققه) أَي عدم التناهي (فِي المتماثلة وَلَا يلْزم لتعريفها) أَي المتماثلة (الْوَضع لَهَا) بِأَن يوضع لكل مِنْهَا على حِدة (بل الْقطع) حَاصِل (بنفيه) أَي الْوَضع لَهَا بِحَسب الخصوصيات، وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى أَن يوضع لكل نوع اسْم، وَذَلِكَ متناه (وَإِن سلم) عدم تناهي الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة والمتضادة (فالوضع) لَازم (للمحتاج إِلَيْهِ) مِنْهَا لَا غير (وَهُوَ) أَي الْمُحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا (متناه، وَلَو سلم) الْوَضع للْكُلّ (فخلوها) أَي المسميات عَن الْأَسْمَاء (على التَّقْدِيرَيْنِ مُشْتَرك الْإِلْزَام) على من يثبت الِاشْتِرَاك، وعَلى من يَنْفِيه، لِأَنَّهُ إِذا قوبل أُمُور متناهية بِأُمُور غير متناهية بطرِيق التَّوْزِيع تفنى المتناهية، وَإِن جعل كل مِنْهَا بِإِزَاءِ أُلُوف غير متناهية، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا نِسْبَة للمتناهى بِغَيْر المتناهى، وَلَو سلم) لُزُوم الْخُلُو على تَقْدِير عدم الِاشْتِرَاك فَقَط (فبطلان الْخُلُو مَمْنُوع) لِأَن بُطْلَانه على تَقْدِير عدم إِفَادَة مَا هُوَ خَال عَن الِاسْم (وَلَا تَنْتفِي الإفادة فِيمَا إِذا لم يوضع لَهُ) لحصولها بِأَلْفَاظ مجازية وتركيب كليات كإفادة أَنْوَاع الروائح والطعوم (وَأما تَجْوِيز عدم تناهي الْمركب من المتناهي) فِي مقَام منع تناهي الْأَلْفَاظ المركبة من الْحُرُوف المتناهية لدفع لُزُوم الْخُلُو على تَقْدِير عدم الْمُشْتَرك (إِذا لم يكن) التَّرْكِيب (بالتكرار) أَي بتكرار الْحُرُوف (والإضافات) أَي وبإضافة بعض الْكَلِمَات إِلَى بعض فِي أَدَاء الْمَعْنى المُرَاد (كتركيب الْأَعْدَاد) الْحَاصِلَة بتكرار الْوحدَة المتفاوتة فِي الْقلَّة وَالْكَثْرَة المضافة فِيهَا مَرَاتِب الْآحَاد، والعشرات، أَو المئات إِلَى مرتبَة فَوْقهَا (فَبَاطِل) جَوَاب أما وَخبر تَجْوِيز (بِأَيّ اعْتِبَار فرض) التَّرْكِيب سوى مَا كَانَ بالتكرار وَالْإِضَافَة الْمَذْكُورين: أَي عدم تناهيه بَاطِل وَلَو استوعب فِي عَالم الْفَرْض جَمِيع التراكيب الممكنة على الأنحاء الْمُخْتَلفَة سوى مَا ذكر (وَلَو) فرض انضمام الْوَضع (مَعَ الإهمال) أَي الْمَوْضُوع مَعَ المهمل (إِذْ الْإِخْرَاج) أَي إِخْرَاج الْأَلْفَاظ من الْحُرُوف (بضغط) أَي بزحمة وَشدَّة (فِي محَال) الصَّدْر وَالْحلق وَغَيرهمَا (متناهية على أنحاء) أَي أَنْوَاع من الكيفيات (متناهية) وَمَا قَامَ بالمحال المتناهية وإحاطة الكيفيات المتناهية متناه لَا محَالة (وَإِنَّمَا اشْتبهَ) تناهي الْأَلْفَاظ (للكثرة الزَّائِدَة) فِيهَا على كَثْرَة غَيرهَا.

стр. 189

التَّقْسِيم الثَّانِي من التقسيمين الْمَذْكُورين فِي التَّقْسِيم الثَّالِث من تقاسيم الْفَصْل الرَّابِع (بِاعْتِبَار الْمَوْضُوع لَهُ يخرج الْخَاص وَالْعَام) كَمَا أخرج التَّقْسِيم الأول الْمُنْفَرد والمشترك (وتتداخل) أَقسَام التقسيمين (فالمشترك عَام، وخاص، وَالْمُنْفَرد كَذَلِك) أَي عَام وخاص أَيْضا، أما انقسام الْمُنْفَرد إِلَيْهِمَا فَظَاهر، وَأما انقسام الْمُشْتَرك إِلَيْهِمَا فَإِنَّهُ إِذا نَظرنَا إِلَى كل وَاحِد من مَعَانِيه فحاله كَحال الْمُنْفَرد تَارَة يكون عَاما، وَتارَة يكون خَاصّا، وَيجوز أَن يكون عَاما بِاعْتِبَار بعض مَعَانِيه، وخاصا بِاعْتِبَار آخر (وَلَا وَجه لإِخْرَاج الْجمع) الْمُنكر (عَنْهُمَا) أَي الْخَاص وَالْعَام (على التَّقْدِيرَيْنِ) بِاشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق، وَعدم اشْتِرَاطه فِي الْعَام، لِأَنَّهُ إِن لم يشْتَرط فَهُوَ دَاخل فِي الْعَام وَإِلَّا فَفِي الْخَاص (لِأَن رجَالًا فِي الْجمع مُطلق كَرجل فِي الوحدان) لَا فرق بَينهمَا إِلَّا بِاعْتِبَار أَن مَا صدق عَلَيْهِ رجال كل جمَاعَة جمَاعَة على الْبَدَل، وَمَا صدق عَلَيْهِ رجل كل فَرد فَرد، وَالْمُطلق مندرج فِي الْخَاص على مَا سبق (وَالِاخْتِلَاف) بَين مَا صدق عَلَيْهِ الْجمع وَمَا صدق عَلَيْهِ الْمُفْرد (بِالْعدَدِ وَعَدَمه لَا أثر لَهُ) فِي الِاخْتِلَاف بِالْإِطْلَاقِ وَعَدَمه فَإِن قلت قَول المُصَنّف فِيمَا سبق، وَإِلَّا فالجمع بعد ذكر الْخَاص وَالْعَام تَصْرِيح بِكَوْنِهِ وَاسِطَة بَينهمَا قلت سِيَاق الْكَلَام هُنَاكَ على طَريقَة صدر الشَّرِيعَة وَغَيره، وَهَهُنَا على التَّحْقِيق لَكِن بَقِي شَيْء، وَهُوَ أَنه على تَقْدِير عدم اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق أَيْضا يَنْبَغِي أَن يدْخل الْجمع فِي الْخَاص لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال أَنه ذُو جِهَتَيْنِ: جِهَة تعدد وشمول من حَيْثُ الْأَجْزَاء، وجهة اتِّحَاد وَإِطْلَاق من حَيْثُ الْمَفْهُوم لَكِن الْأَلْيَق فِيهِ بِالِاعْتِبَارِ فِيهِ الأول فاعتبرها من لم يشْتَرط وَحكم بِعُمُومِهِ، وَمن يشْتَرط يعْتَبر الثَّانِيَة وَيحكم من تِلْكَ الْحَيْثِيَّة بِإِطْلَاقِهِ لَا من حيثية التَّعَدُّد بِحَسب الْأَجْزَاء (فالمفرد عَام) اعْتبر الْأَفْرَاد فِي الْعَام دفعا لتوهم عدم اعْتِبَاره لما يُوهِمهُ كَمَا سَيَجِيءُ، وَفصل بَين الْقسمَيْنِ بِمَا يتَعَلَّق بالقسم الأول من المباحث احْتِرَازًا عَن التّكْرَار (وَهُوَ) أَي الْعَام (مَا دلّ على استغراق أَفْرَاد مَفْهُوم) وَإِنَّمَا لم يقل مَفْهُومه، لِأَن الْمُتَبَادر مِنْهُ المطابقي واستغراق الْجمع وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَيْسَ بِاعْتِبَارِهِ: بل بِاعْتِبَار أَفْرَاد مَفْهُوم مفرده، وَهُوَ مَفْهُومه التضمني كَمَا سَيَجِيءُ (وَيدخل الْمُشْتَرك) فِي الْحَمد (لَو عَم) واستغرق (أَفْرَاد مَفْهُوم) أَو أَكثر من مفهوماته (أَو فِي المفاهيم) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول، أَو المفاهيم، فَعدل عَنهُ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد استغراقه أفرادها بِاسْتِعْمَالِهِ فِي معنى مجازي يعمها فيستوعبها، فَإِن كَانَ ذَلِك غير مَبْنِيّ (على) قَول (من

стр. 190

يعممه) وَإِنَّمَا الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ استغراقه إِيَّاهَا بِاسْتِعْمَالِهِ فِي مفاهيمه، فَالْمَعْنى أَو عَم الْأَفْرَاد مُسْتَعْملا فِي المفاهيم، وَالضَّمِير فِي يعممه رَاجع إِلَى الْمُشْتَرك، والمعمم الشَّافِعِي، وَمن وَافقه (وَالْحَاصِل أَن الْعُمُوم) يتَحَقَّق (بِاعْتِبَار) استغراق (أَفْرَاد مَفْهُوم) وَاحِد أُرِيد بِهِ سَوَاء انْفَرد فِي الأرادة بِهِ، أَو أُرِيد مَعَه مَفْهُوم آخر، فتعريف الْعَام بِمَا دلّ على استغراق أَفْرَاد مَفْهُوم من غير تَقْيِيد الْمَفْهُوم بِقَيْد فَقَط تَعْرِيف بِمُطلق يَشْمَل الْوَجْهَيْنِ (وَمن لم يشْتَرط الِاسْتِغْرَاق) فِي الْعَالم (كفخر الأسلام) فتعريفه عِنْده (مَا يَنْتَظِم جمعا من المسميات) وَالْمرَاد بهَا أَفْرَاد مُسَمَّاة، أَو مُسَمّى مُفْرد، فَلَا يدْخل فِيهِ الْمُشْتَرك لعدم انتظامه جمعا مِنْهَا لكَونه يحْتَمل كل وَاحِد مِنْهَا على سَبِيل الْبَدَل، والانتظام عبارَة عَن الشُّمُول (وَكَذَا) أَي مثل التَّعْرِيف الْمَذْكُور فِي الابتناء على عدم الِاشْتِرَاط تَعْرِيف صَاحب الْمنَار، وَهُوَ (مَا يتَنَاوَل أفرادا متفقة الْحُدُود شمولا) فَخرج بقوله أفرادا الْخَاص، لِأَنَّهُ إِمَّا يُرَاد بِهِ الْوَاحِد بالشخص أَو بالنوع، وَأما يُرَاد بِهِ المتعدد لَكِنَّهَا لَيست بأفراد مُسَمَّاهُ وَلَا أَفْرَاد مُسَمّى مفرده، وَبِقَوْلِهِ متفقة الْحُدُود الْمُشْتَرك، لِأَن الْأَفْرَاد الَّتِي يتَنَاوَل حُدُودهَا مُخْتَلفَة، فَإِن لفظ الْعين مثلا متناول لمجموع أَفْرَاد حَقِيقَة بَعْضهَا مَاهِيَّة الْعين الْجَارِيَة، وَبَعضهَا الآخر مَاهِيَّة الْعين الباصرة، وَهَكَذَا، وَبِقَوْلِهِ شمولا اسْم الْجِنْس لِأَن متناولها على سَبِيل الْبَدَل (وَأما تَعْرِيفه على) اشْتِرَاط (الِاسْتِغْرَاق) بِمَا دلّ على مسميات بِاعْتِبَار أَمر اشتركت) تِلْكَ المسميات (فِيهِ) فِي ذَلِك الْأَمر (مُطلقًا ضَرْبَة) قَوْله على مسميات أخرج نَحْو زيد، وَقَوله بِاعْتِبَار أَمر اشتركت مُتَعَلق بدل، وَأخرج نَحْو عشرَة فَإِنَّهَا دلّت على آحادها لَا بِاعْتِبَار أَمر اشتركت الْآحَاد فِيهِ، لِأَنَّهَا أَجزَاء الْعشْرَة لَا جزئياتها، وَقَوله مُطلقًا مفعول مُطلق لدل، أَو حَال عَن ضمير فِيهِ لإِخْرَاج الْمَعْهُود فَإِنَّهُ يدل على مسميات بِاعْتِبَار مَا اشتركت فِيهِ مَعَ قيد خصصه بالمعهود، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فمطلقا لإِخْرَاج الْمُشْتَركَة الْمَعْهُودَة) أَي لإِخْرَاج مَا دلّ على المسميات الْمُشْتَركَة فِي أَمر الْمشَار إِلَيْهَا بِاللَّامِ العهدية وَنَحْوهَا الدَّاخِلَة على الْمَفْهُوم الْعَام الَّذِي جعل آلَة لملاحظة تِلْكَ الْأَفْرَاد الْمُشْتَركَة فِيهِ (لِأَنَّهَا) أَي الْمُشْتَركَة الْمَعْهُودَة (مدلولة مُقَيّدَة بالعهد) أَي الْمَعْهُود بِهِ، وَقَوله ضَرْبَة أَي دفْعَة وَاحِدَة لإِخْرَاج نَحْو رجل فَإِنَّهُ يدل على مسمياته لَا دفْعَة، بل دفعات على الْبَدَل (وَيرد) على جامعية التَّعْرِيف الْمَذْكُور (خُرُوج) نَحْو (عُلَمَاء الْبَلَد) مِمَّا يُضَاف الْمَفْهُوم الْكُلِّي إِلَى مَا يخصصه، مَعَ أَنه عَام قصد بِهِ الِاسْتِغْرَاق بِسَبَب اعْتِبَار قيد الْإِطْلَاق فِي التَّعْرِيف، وتقيده بالمضاف إِلَيْهِ (وَأجِيب بِأَن الْمُشْتَرك فِيهِ) أَي الَّذِي اشتركت المسميات فِيهِ (عَالم الْبَلَد مُطلقًا) لَا الْعَالم، وعالم الْبَلَد لم يتَقَيَّد بِقَيْد وَإِنَّمَا قيد الْعَالم فَإِن قلت قد اعْتبر الْأَفْرَاد فِي الْعَالم، وعالم الْبَلَد مركب قلت الْعَالم إِنَّمَا هُوَ

стр. 191

الْمُضَاف من حَيْثُ هُوَ مُضَاف، والمضاف إِلَيْهِ خَارج (بِخِلَاف الرِّجَال المعهودين) فَإِن الْمُشْتَرك فِيهِ (هُوَ الرجل الْمَعْهُود) أَي الرجل الَّذِي قيد بالمعهودية بعد مَا كَانَ مُطلقًا بِمُقْتَضى أصل وَضعه (وَالْحق أَن لَا فرق) بَينهمَا من حَيْثُ الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد (لِأَن عَالم الْبَلَد مَعْهُود) إِذْ لَيْسَ المُرَاد كل مَا يصدق عَلَيْهِ هَذَا الْمركب الإضافي، بل الْمَوْجُودين فِي حَال التَّكَلُّم، وَلَا شكّ أَنهم حِصَّة مُعينَة مِنْهُ وَأَن كثر عَددهمْ، وَقد اشْتهر إِلَيْهَا بِالْإِضَافَة العهدية (وَكَون المُرَاد) من الْعَهْد الَّذِي احْتَرز عَنهُ بقوله مُطلقًا (عهدا اعْتبر خصوصيته) بِأَن كَانَ مفادا بلام الْعَهْد (لَا يدل عَلَيْهِ) أَي على المُرَاد الْمَذْكُور (اللَّفْظ) لِأَن اللَّفْظ وَهُوَ مُطلقًا يدل على الِاحْتِرَاز عَن مُطلق الْعَهْد، بل مُطلق التَّقْيِيد (فَيرد) نَحْو عُلَمَاء الْبَلَد على عكس التَّعْرِيف (وَيرد) أَيْضا على التَّعْرِيف الْمَذْكُور، لَكِن على طرده (الْجمع الْمُنكر) كرجال، فَإِنَّهُ يدل على مسميات وَهِي آحَاد بِاعْتِبَار أَمر اشتركت، وَهُوَ مَفْهُوم رجل مُطلقًا لعدم الْعَهْد، وَلَيْسَ بعام عِنْد من يشْتَرط الِاسْتِغْرَاق (فَإِن أُجِيب بِإِرَادَة مسميات الدَّال) من المسميات الْمَذْكُورَة فِي التعريفات فالآحاد لَيست بمسميات للدال الَّذِي هُوَ لفظ الْجمع، لِأَن مسمياته الْجَمَاعَات (فَبعد حمله) أَي الْمَذْكُور فِي التعريفات: أَي المسميات (على أَفْرَاد مُسَمَّاهُ ليَصِح) التَّعْرِيف (وَلَا يشْعر بِهِ) أَي وَالْحَال أَن (اللَّفْظ) غير مشْعر بِهَذَا المُرَاد، لِأَن مَدْلُول المسميات إِنَّمَا هُوَ الْإِطْلَاق، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن المسميات وَإِن أطلق، فالمتبادر مِنْهَا أَن تكون مسميات بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّفْظ الَّذِي تنَاولهَا الْعَام فَعدم إِشْعَار اللَّفْظ مَحل نظر (فباعتبار إِلَى آخِره مُسْتَدْرك) أَي مُسْتَغْنى عَنهُ (لخُرُوج الْعدَد) عَن التَّعْرِيف بقوله على مسميات على مَا فَسرهَا الْمُجيب (لِأَنَّهَا) أَي آحَاد الْعدَد (لَيست أَفْرَاد مُسَمَّاهُ) بل أجزاؤه (ثمَّ أَفْرَاد الْعَام الْمُفْرد الوحدان و) أَفْرَاد (الْجمع الْمحلي) بِاللَّامِ (الجموع فَإِن الْتزم كَون عُمُومه) أَي الْجمع الْمحلي (باعتبارها) أَي الجموع الَّتِي هِيَ أَفْرَاده (فَقَط) من غير اعْتِبَار الوحدان الَّتِي هِيَ أجزاؤه (فَبَاطِل) هَذَا الِالْتِزَام (للإطباق) من أَئِمَّة اللُّغَة وَالتَّفْسِير وَالْأُصُول وَغَيرهم (على فهمها) أَي الوحدان من حَيْثُ تعلق الحكم الْمَنْسُوب إِلَيْهِ (مِنْهُ) أَي من الْجمع الْمحلي مُتَعَلق بفهمها (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر الْآحَاد تَحت عُمُومه على مَا وَقع الإطباق عَلَيْهِ (فتعليق الحكم حِينَئِذٍ بِهِ) أَي بِالْجمعِ الْمحلي (لَا يُوجِبهُ) أَي لَا يُوجب تَعْلِيق الحكم (فِي كل فَرد) أَي فِي كل وَاحِد من الوحدان، بل يقْتَصر على الجموع، وَثُبُوت الحكم لشَيْء لَا يسْتَلْزم ثُبُوته لأجزائه (وَالْحق أَن لَام الْجِنْس تسلب الجمعية إِلَى الجنسية) فيراد بِالْجمعِ الْمحلي الْجِنْس الَّذِي وضع مُفْرد بإزائه (مَعَ بَقَاء الْأَحْكَام اللفظية) من إرجاع ضمير الْجمع إِلَيْهِ وتوصيفه بِمَا يُوصف بِهِ الْجمع إِلَى غير ذَلِك (لفهم الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الحكم الْمُثبت لَهُ تَعْلِيل

стр. 192

للسلب الْمَذْكُور (فِي الْوَاحِد فِي: لَا أَشْتَرِي العبيد، وَيُحب الْمُحْسِنِينَ) أَي يفهم فِي موارد اسْتِعْمَال لمحلي ثُبُوت الحكم الْمُتَعَلّق بِهِ لكل وَاحِد وَاحِد من آحَاد مفرده، لَا لكل جمَاعَة جمَاعَة من أَفْرَاده، فيفهم نفي شِرَاء العَبْد الْوَاحِد، وَلِهَذَا يَحْنَث لَو حلف لَا يَشْتَرِي العبيد، وَلَا يفهم مِنْهُ أَن مُرَاد الْحَالِف الِامْتِنَاع عَن شِرَاء العبيد بِوَصْف الجمعية، وَكَذَا يفهم من يحب الْمُحْسِنِينَ تعلق الْمحبَّة بِكُل فَرد فَرد، لَا بِكُل جمَاعَة، وَهُوَ ظَاهر، فلولا أَن اللَّام أبطل الجمعية لما فهمنا ذَلِك لِأَن اللَّام لَا تستغرق إِلَّا أَفْرَاد مَفْهُوم مدخولها، وَمَعَ بَقَاء الجمعية أَفْرَاد مدخوله الْجَمَاعَات لَا الْآحَاد فَإِن قلت أهوَ حَقِيقَة أم مجَاز قلت قَالَ صدر الشَّرِيعَة أَن مَا قَالُوهُ أَنه يحمل على الْجِنْس مجَازًا مُقَيّد بِصُورَة لَا يُمكن حمله فِيهَا على الْعَهْد أَو الِاسْتِغْرَاق حَتَّى لَو أمكن يحمل عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ - فَإِن علماءنا قَالُوا أَنه لسلب الْعُمُوم لَا لعُمُوم السَّلب فَجعلُوا اللَّام لاستغراق الْجِنْس انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ هَهُنَا: لَا شكّ أَن حمل الْجمع على الْجِنْس مجَاز، وعَلى الْعَهْد أَو الِاسْتِغْرَاق حَقِيقَة، وَلَا مساغ للخلف إِلَّا عِنْد تعذر الأَصْل انْتهى: فَعلم أَن الْجمع الْمحلى للاستغراق حَقِيقَة غير أَن الْمُحَقق لم يُصَرح بسلب اللَّام جمعيته، لكنه لَازم كَلَامه حَيْثُ صرح بِثُبُوت الحكم الْمُتَعَلّق بِالْجمعِ الْمحلي لكل من الوحدان كَمَا عرفت فَوَجَبَ إِثْبَات وضع ثَان لَهُ بعد دُخُول اللَّام، لِأَن كَونه حَقِيقَة بِاعْتِبَار الْوَضع الأول مَعَ سلب الجمعية ظَاهر الْبطلَان، لَكِن عدم صِحَة تَخْصِيصه إِلَى مَا دون الثَّلَاثَة يدافعه: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال أَحْكَام الْوَضع الأول مرعية فِيهِ فِي الْجُمْلَة كَمَا فِي إرجاع الضَّمِير والتوصيف، وَكَون سلب الجمعية بِاعْتِبَار ثُبُوت حكمه، لَا بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله فِيهَا غير موجه (ثمَّ يُورد) على استغراق الْعَام (مُطلقًا) مُفردا كَانَ أَو جمعا (أَن دلَالَته على الْمُفْرد تضمنية، إِذْ لَيْسَ) الْمُفْرد مدلولا (مطابقيا) لِأَن مَدْلُوله المطابقي مَجْمُوع الْأَفْرَاد الْمُشْتَركَة فِي الْمَفْهُوم الْمُعْتَبر فِيهِ على مَا صَرَّحُوا بِهِ (وَلَا خَارِجا لَازِما، وَلَا يُمكن جعله) أَي الْفَرد (من مَا صدقاته) أَي مَفْهُوم الْعَام، جمع مَا صدق لصيرورته بِمَنْزِلَة كلمة وَاحِدَة فِي اصْطِلَاح الْعلمَاء (لِأَنَّهُ) أَي الْعَام (لَيْسَ) بِاعْتِبَار تنَاوله لكل فَرد (بدليا) أَي على سَبِيل الْبَدَلِيَّة كَمَا مر فِي رجل، بل على سَبِيل الشُّمُول، وَمَا صرح بِهِ صدر الشَّرِيعَة من أَنه قد يكون على سَبِيل الْبَدَل كَمَا فِي: من دخل هَذَا الْحصن أَولا، فَكَأَنَّهُ غير مرضِي للْمُصَنف كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي التَّلْوِيح (فالتعليق بِهِ) أَي تَعْلِيق الحكم بِالْعَام (تَعْلِيق بِالْكُلِّ) أَي مَجْمُوع الْأَفْرَاد (فَلَا يلْزم) من التَّعْلِيق بِالْكُلِّ التَّعْلِيق (فِي الْجُزْء وَالْجَوَاب الْعلم باللزوم) أَي لُزُوم التَّعْلِيق فِي الْجُزْء من التَّعْلِيق بِالْكُلِّ (لُغَة) أَي لُزُوما لغويا

стр. 193

لَا عقليا حَاصِل (فِي خُصُوص هَذَا الْجُزْء، لِأَنَّهُ جزئي من وَجه، فَإِنَّهُ جزئي الْمَفْهُوم الَّذِي بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاك فِيهِ يثبت الْعُمُوم) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَذَا اللُّزُوم اللّغَوِيّ لَا يَخْلُو عَن وَجه عَقْلِي (وَقد يُقَال الْعَام مركب) تَارَة، كَالرّجلِ (فَلَا يُؤْخَذ) فِي تَعْرِيفه (الْجِنْس) الَّذِي هُوَ (الْمُفْرد) فَلم أخذتموه (وَيُجَاب بِأَنَّهُ) أَي الْعَام فِي مثل الرجل مُفْرد غير أَن عُمُومه مَشْرُوط (بِشَرْط التَّرْكِيب، فالعام رجل بِشَرْط اللَّام) كَمَا هُوَ قَول السكاكي، فالموضوع للاستغراق الرجل المقرون مَعَ اللَّام وَاللَّام شَرط (أَو بعلتها) مَعْطُوف على قَوْله بِشَرْط اللَّام بِأَن يكون رجل بعد دُخُول اللَّام على وَضعهَا الأول، والموضوع للاستغراق هُوَ اللَّام كَلَفْظِ كل (فالحرف يُفِيد مَعْنَاهُ) وَهُوَ الِاسْتِغْرَاق (فِيهِ) أَي فِي رجل، فالعام مَا دلّ على استغراقه الْحَرْف (أَو الْمقَام) كوقوع النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي أَو الشَّرْط (فَيصير) رجل (الْمُسْتَغْرق) بإفادة اللَّام أَو الْمقَام الِاسْتِغْرَاق فِيهِ، وَهُوَ خبر يصير، واستفادة الْعَام معنى الْعُمُوم من غَيره (وَفِي الْمَوْصُول أظهر) مِنْهُ فِي الْمحلى لِأَن الصِّلَة هِيَ المفيدة للموصول وصف الْعُمُوم لِأَنَّهُ لَا يتم إِلَّا بهَا (فيندفع الِاعْتِرَاض بِهِ) أَي بالموصول (على الْغَزالِيّ فِي قَوْله) فِي تَعْرِيف الْعَام (اللَّفْظ الْوَاحِد) الدَّال من جِهَة وَاحِدَة على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا من حَيْثُ اعْترض عَلَيْهِ أَن الموصولات بصلاتها لَيست لفظا وَاحِدًا، وَوجه الاندفاع أَن الْعَام هُوَ نفس الْمَوْصُول، غَايَة الْأَمر أَنه اسْتَفَادَ الْعُمُوم من صلته كَمَا اسْتَفَادَ الْمحلي من اللَّام (وخاص) عطف على عَام، وَهُوَ (مَا لَيْسَ بعام) على اخْتِلَاف الِاصْطِلَاح فِيهِ من حَيْثُ اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق وَعَدَمه (أما الْعَام فَيتَعَلَّق بِهِ مبَاحث: (الْبَحْث الأول هَل يُوصف بِهِ) أَي بِالْعُمُومِ (الْمعَانِي حَقِيقَة كاللفظ) أَي كَمَا يُوصف بِهِ للفظ حَقِيقَة (أَو) يُوصف بِهِ الْمعَانِي (مجَازًا أَو لَا) يُوصف بِهِ لَا حَقِيقَة (وَلَا) مجَازًا أَقْوَال (وَالْمُخْتَار الأول، وَلَا يلْزم) من اتصافهما بِهِ حَقِيقَة (الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ) بِأَن يكون الْعُمُوم مَوْضُوعا بِإِزَاءِ مَعْنيين مُخْتَلفين لوضعين يَتَّصِف بِأَحَدِهِمَا الْأَلْفَاظ، وبالآخر الْمعَانِي (إِذْ الْعُمُوم شُمُول أَمر لمتعدد) وَلَا شكّ فِي اتصاف كل من الْأَلْفَاظ والمعاني بِهَذَا الشُّمُول حَقِيقَة، غَايَة الْأَمر أَنه فِي الأول من قبيل شُمُول الدَّال لمدلولاته، وَفِي الثَّانِي من شُمُول الْكُلِّي الْأَفْرَاد، وَالْكل للأجزاء وَنَحْوهمَا، وَإِنَّمَا يُصَار إِلَى الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ إِذا لم يكن معنى يَشْتَرِكَانِ فِيهِ (فَهُوَ) أَي اشْتِرَاك الْأَلْفَاظ والمعاني فِي الشُّمُول الْمَذْكُور اشْتِرَاك (معنوي خير مِنْهُمَا) أَي من الْمُشْتَرك اللَّفْظِيّ، وَكَونه مجَازًا فِي الْمعَانِي، لِأَن الْمجَاز خلاف الأَصْل كَمَا أَن الأَصْل عدم الِاشْتِرَاك (وكل من الْمَعْنى وَاللَّفْظ مَحل) للاتصاف بالشمول الْمَذْكُور، فالمقتضى لاعْتِبَار الِاشْتِرَاك الْمَعْنَوِيّ، وَهُوَ الْمَعْنى الْمُشْتَرك فِيهِ مَعَ الخبرية مَوْجُود، وَالْمَانِع عَنهُ وَهُوَ عدم الْمَحَلِّيَّة مَعْدُوم (ومنشؤه) أَي

стр. 194

الخلاف المذكور (الخلاف في معناه) أي العموم (وهو) أي معناه (شمول الأمر) اللام للعهد: أي شمول أمر المتعدد، وتنوين أمر للوحدة، وإضافة شمول إليه إضافة إلى الفاعل (فمن اعتبر وحدته) أي الأمر (شخصية منع الإطلاق الحقيقي) أي منع أن يطلق على المعاني لفظ العام حقيقة بأن يقال هذا المعنى عام لأن الواحد بالشخص لا شمول له (إذ لا يتصفه به) أي بالشمول لمتعدد (إلا) الموجود (الذهني) يعني المفهوم الكلي ووحدته ليست بشخصية، والمفروض أنه اعتبر في العموم شمول أمر واحد بالشخص، وهو لا يوجد في غير اللفظ (ولا يتحقق) الموجود الذهني (عندهم) أي الأصوليين، فإذا لا يوجد معنى يتصف بالشمول لمتعدد عندهم (وكان) إطلاق العام على المعاني (مجازا كفخر الإسلام) أي كما قاله (ولم يظهر طريقه) أي طريق المجاز، وعلاقته (للآخر) القائل بأنه لا يتصف به المعنى لا حقيقة ولا مجازا (فمنعه) أي منع وصف المعنى بالعموم غيره (مطلقا) حقيقة ومجازا، (ومن فهم من اللغة أنه) أي الأمر الواحد الذي أضيف إليه الشمول في معنى العموم (أعم منه) أي من الشخصي (ومن النوعي، وهو) أي كونه أعم منهما (الحق لقولهم) أي العرب (مطر عام) في الأعيان (وخصب عام) في الأعراض (في) الواحد (النوعي) فإن الموجود من المطر في مكان يباين الموجود في مكان آخر، فالاتحاد باعتبار النوع (وصوت عام في) الواحد (الشخصي بمعنى كونه مسموعا) أي قولهم: صوت عام بمعنى عموم مسموعيته للسامعين فإنه امر واحد يتعلق به استماعات كثيرة فله شمول بالنسبة إليها بهذا الاعتبار (أجازه) أي وصف المعاني به (حقيقة) قوله أجازه خبر المبتدأ: أعني قوله من فهم (وكونه) أي الشمول أي الذي هو معنى العموم (مقتصرا على الذهني) وهو المفهوم الكلي (وهو) أي الذهني (منتف) بأدلة إبطال الوجود الذهني (فينتفي الإطلاق) أي إطلاق العام حقيقة على المعاني لأن المعاني الذهنية لا وجود لها، وثبوت الشيء للشيء فرع ثبوت المثبت له، وغير الذهنية مقصور عنها (ممنوع) خبر كونه (بل المراد) بالشمول المذكر في تعريف العام (التعلق) أي تعلق الأمر الواحد بالمتعدد (الأعم من المطابقة) أي مطابقة الشامل بالمشمول بأن يصح حمله عليه مواطأة (كما في المعنى الذهني) أي المفهوم الكلي بالنسبة إلى أفراده (والحلول) معطوف على المطابقة (كما في المطر والخصب) باعتبار تعلقهما بالأماكن تعلق حلول (وكونه) معطوف على ما عطف عليه الحلول: أي التعلق المذكور أعم أيضا من كون ذلك المتعلق (مسموعا) لذلك المتعدد (كالصوت) فلو سلم انتفاء الذهني، فاقتصار الشمول عليه غير مسار لأن التعلق المعتبر فيه أعم من التعلق المخصوص بالذهني، وانتفاء الأخص لا يستلزم انتفاء الأعم، فإن

стр. 195

قلت تعرف العام بما دل على أفراده مفهومه ونحوه يأبى عن العموم المذكور، قلت ذلك التعميم للفظ العام، والكلام في المعنى العام على أن التعميم في جنس التعريف لا يستلزم التعميم للفظ العام فيه. تحقيق الجواب ما أشار إليه بقوله (على أن نفي الذهني) بخلاف من أثبته خلاف (لفظي) إذا حققنا مورد النفي والإثبات لم يبق نزاع في المعنى (كما يفيده) أي كونه لفظيا (استدلالهم) أي النافين للوجود الذهني وهم جمهور المتكلمين، وهو أنه لو اقتضى قصوره حصوله في ذهننا لزم كون الذهن حارا، باردا، مستقيما معوجا، وإن حصول حقيقة الخبل في ذهننا لا يعقل، وأجيب بأن الحاصل في الذهن صورة وماهية لا هوية عينية، والحار ما يقوم به هوية الحرارة، والممتنع حصوله في الذهن هوية الخبل، لا مفهومه الكلي، فمورد النفي وجود الماهية من حيث يترتب عليها الآثار الخارجية، ومورد الإثبات وجودها لا من تلك الحيثية (وقد استبعد هذا الخلاف)، فان شمول بعض المعاني لمتعدد أكثر وأظهر من أن يقع فيه نزاع) من قبيل قولهم: أنا أكبر من الشعر، وأنت أعظم من أن تقول كذا ليس المقصود تفضيل المتكلم على الشعر، والمخاطب على القول، بل بعدهما عنهما كبعد المفضل على المفضل عليه، فمن هذه ليست تفضيلية، بل هي مثل قولك: انفصلت من زيد تعلقت بأفعل المستعمل بمعنى متجاوز بائن، كذا أفاده المحقق الرضى، فالمقصود أنه لا نزاع في اتصاف المعاني بالعموم، بل (إنما هو) أي النزاع (في أنه هل يصح تخصيص المعنى العام كاللفظ) أي كما يصح تخصيص اللفظ (وهو) أي الكلام المذكور (استبعاد) أي عين الاستبعاد مبالغة جدا، ثم بينه بقوله (يتعذر فيه) أي في هذا التأويل (القول الثاني: إذ لا معنى لجواز التخصيص مجازا) كما أنه لا وجه لمنع التخصيص في المعاني حقيقة مع تسليمه في الألفاظ حقيقة، ولذا قال استبعاد يتعذر فيه إشارة إلى المحذورين (نعم صرح مانعو تخصيص العلة بأن المعنى لا يخص) يعني إذا علق الشارع حكما على علة فهل تعم حتى يوجد الحكم في جميع صورة وجودها، فمنهم من قال نعم، ومنهم من نفاه (وصرح بعضهم) أي ما في نفي تخصيص العلة (بأنه) أي منع تخصيص العلة (لأنه) أي المعنى (لا يعم وهو) أي تصريح البعض بأن عدم التخصيص لعدم العموم (ينافي ما ذكر) المستبعد من المنازع فيه تخصيص المعنى العام، فلا يمكن تأويل كلامه بما صرح به ما نعو تخصيص العلة بعد تصريح بعضهم بمرادهم، وإليه أشار بقوله (ويتعذر إرادة أنه) أي المعنى (يعم ولا يخص من قوله) أي البعض الذي صرح بأنه (لا يعم) وهو ظاهر، وقوله لا يعم بدل من قوله:

стр. 196

الْبَحْث الثَّانِي (هَل الصِّيَغ من أَسمَاء الشَّرْط والاستفهام والموصولات و) الْمُفْرد (الْمحلي) بِاللَّامِ (و) النكرَة (المنفية وَالْجمع بِاللَّامِ وَالْإِضَافَة) مَعْطُوف على اللَّام (مَوْضُوعَة) خبر الْمُبْتَدَأ (للْعُمُوم على الْخُصُوص) أَي للْعُمُوم خَاصَّة، وَلَيْسَت بموضوعة للخصوص (أَو) للخصوص على الْخُصُوص (مجَاز فِيهِ) أَي فِي الْعُمُوم (أَو مُشْتَركَة) بَينهمَا (وَتوقف الْأَشْعَرِيّ) عَن الحكم بِشَيْء من الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الْعُمُوم أَو الْخُصُوص (مرّة كَالْقَاضِي) أبي بكر (و) قَالَ (مرّة بالاشتراك) اللَّفْظِيّ كجماعة (وَقيل) الصِّيَغ الْمَذْكُورَة مَوْضُوعَة للْعُمُوم (فِي الطّلب) أَي فِيمَا إِذا كَانَت وَاقعَة فِي الْكَلَام الطلبي (مَعَ الْوَقْف فِي الْأَخْبَار وتفصيل) معنى (الْوَقْف إِلَى معنى لَا نَدْرِي) أَوضعت للْعُمُوم أَو لَا (وَإِلَى نعلم الْوَضع، وَلَا نَدْرِي أحقيقة أم مجَاز؟) فِي الْعُمُوم، وعَلى تَقْدِير كَونهَا فِيهِ لَا نَدْرِي أَنَّهَا وضعت لَهُ مُنْفَردا، أَو مُشْتَركَة بَينه وَبَين الْخُصُوص، هَكَذَا فسر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ الْمحل (لَا يَصح) خبر تَفْصِيل الْوَقْف: يَعْنِي بَيَان الْوَقْف على الْوَجْه الْمَذْكُور غير مُسْتَقِيم (إِذْ لَا شكّ فِي الِاسْتِعْمَال) أَي اسْتِعْمَال الصِّيَغ الْمَذْكُورَة فِي الْعُمُوم (وَبِه) أَي الِاسْتِعْمَال (يعلم وَضعه) أَي وضع الْمُسْتَعْمل للمستعمل فِيهِ (فَلم يبْق إِلَّا التَّرَدُّد فِي أَنه) أَي وَضعه الْوَضع (النوعي) فَيكون مجَازًا فِيهِ (أَو الشخصي) فَيكون حَقِيقَة فِيهِ (فَيرجع) الأول (إِلَى الثَّانِي) لِأَن التَّرَدُّد فِي الْوَضع الْمُطلق بعد الِاسْتِعْمَال غير مَعْقُول والمتردد فِي الْوَضع الشخصي نفي الْجَزْم بِأَصْل الْوَضع هُوَ عين التَّرَدُّد فِي أَنه حَقِيقَة أَو مجَاز (وَلَا شكّ فِي فهمه) أَي الْعُمُوم (من) اسْم الْجمع الْمُعَرّف بِاللَّامِ فِي قَوْله ﷺ (أمرت أَن أقَاتل النَّاس) حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِذا قالوها فقد حقنوا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا " كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَإِلَّا لما قرر أَبُو بكر ﵁ احتجاج عمر بِهِ فِي منع فَقَالَ: مانعي الزَّكَاة وَعدل إِلَى الِاحْتِجَاج بقوله ﷺ بعد مَا ذكر " إِلَّا بِحقِّهِ) وَقَالَ " وَالزَّكَاة من حَقه " فَإِن النَّاس لَو لم تعم الْكل لم يلْزم أَن يَعْنِي كل قتال بالغاية الْمَذْكُورَة، وَمن الْجمع الْمحلي فِي قَوْله ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) كَمَا احْتج أَبُو بكر ﵁ على الْأَنْصَار حَيْثُ قَالُوا: منا أَمِير ومنكم أَمِير، وَقَوله ﷺ (نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء) لَا نورث وَمن الْمُفْرد الْمحلى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لننجينه وَأَهله﴾ فِي اسْم الْجمع الْمُضَاف وفهمه) أَي الْعُمُوم (الْعلمَاء قاطبة) فِي الْقَامُوس: جَاءُوا قاطبة جَمِيعًا، لَا تسْتَعْمل إِلَّا

стр. 197

حَالا من اسْم الشَّرْط (فِي من دخل) دارى فَهُوَ حر (و) اسْم الِاسْتِفْهَام كَمَا فِي (مَا صنعت وَمن جَاءَ سُؤال عَن كل جَاءَ ومصنوع، و) من النكرَة المنفية كَمَا فِي (لَا تَشْتُم أحدا إِنَّمَا هُوَ) أَي التَّرَدُّد (فِي أَنه) أَي الْعُمُوم مَفْهُوم (بِالْوَضْعِ أَو بالقرنية كَقَوْل الْخُصُوص) أَي لقَوْل من يَقُول إِنَّهَا مَوْضُوعَة للخصوص، وتستعمل مجَازًا فِي الْعُمُوم بِالْقَرِينَةِ وَهِي (كالترتيب) للْحكم (على) الْوَصْف (الْمُنَاسب) الْمشعر بعليته لَهُ (فِي نَحْو السَّارِق، وَأكْرم الْعلمَاء) لظُهُور مُنَاسبَة السّرقَة وَالْحكم بِالْقطعِ وَالْإِكْرَام من حَيْثُ الْعلية (وَالْعلم) عطف على التَّرْتِيب: أَي علم المخاطبين (بِأَنَّهُ) أَي الحكم (تمهيد قَاعِدَة) كُلية، فَعلم الْعُمُوم بِقَرِينَة الْعلم بذلك (كرجم مَاعِز) كعلم الصَّحَابَة بِأَن رجمه تشريع قَاعِدَة شَرْعِيَّة: هِيَ وجوب الرَّجْم على من أقرّ بِالزِّنَا بالشرائط الْمُعْتَبرَة شرعا من الْإِحْصَان وَغَيره (إِذْ علم أَنه) أَي الْحَاكِم يَرْجُمهُ (شَارِع) ومنصبه بَيَان الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة (و) قد روى عَنهُ ﷺ (حكمي على الْوَاحِد) حكمي على الْجَمَاعَة " كَمَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْفُقَهَاء، وَقد صَحَّ مَا يُؤدى مَعْنَاهُ عَن أُمَيْمَة أتيت رَسُول الله ﷺ فِي نسْوَة نُبَايِعهُ على الْإِسْلَام، فَقلت يَا رَسُول الله هَل نُبَايِعك؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أُصَافح النِّسَاء، وَإِنَّمَا قولي لمِائَة امْرَأَة كَقَوْلي لامْرَأَة وَاحِدَة (أَو ضَرُورَة) مفعول لَهُ للفهم مَعْطُوف على قَوْله بِالْوَضْعِ فَإِن الْبَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة وَالْمعْنَى أَن التَّرَدُّد فِي أَن الْعُمُوم هَل هُوَ مَفْهُوم بِسَبَب الْوَضع أَو بِسَبَب الْقَرِينَة على مَا ذكر، أَو لأجل الضَّرُورَة الْحَاصِلَة (من نفي النكرَة) الْمَوْضُوعَة للفرد الْمُبْهم المستلزم انتفاؤها انْتِفَاء جَمِيع الْأَفْرَاد (وألزموا) أَي الْقَائِلُونَ بوضعها للخصوص واستعمالها فِي الْعُمُوم بالقرائن بِأَنَّهُ لَو صَحَّ مَا ذكرْتُمْ لزمكم (أَن لَا يحكم بوضعي) أَي بِمَعْنى وضعي (للفظ) من الْأَلْفَاظ (إِذا لم ينْقل قطّ عَن الْوَاضِع) التَّنْصِيص على الْوَضع (بل أَخذ) الحكم بِوَضْع هَذَا لذا (من التبادر) أَي تبادر الْمَعْنى إِلَى الذِّهْن (عِنْد الِاسْتِعْمَال) وَفِي بعض النّسخ عِنْد الْإِطْلَاق، وَالْمعْنَى وَاحِد: أَي تبادر الْمَعْنى إِلَى ذهن الْمُخَاطب بِمُجَرَّد سَماع اللَّفْظ عِنْد الِاسْتِعْمَال قبل أَن يتَأَمَّل فِي الْقَرَائِن دَلِيل كَونه مَوْضُوعا لَهُ، وَلَا مَأْخَذ للْعلم بِالْوَضْعِ سوى هَذَا (وَأَيْضًا شاع) من غير نَكِير (احتجاجهم) أَي الْعلمَاء سلفا وخلفا (بِهِ) أَي الْعُمُوم من الصِّيَغ الْمَذْكُورَة (كعمر) أَي كاحتجاج (عمر على أبي بكر فِي مانعي الزَّكَاة) حِين أَرَادَ مُقَاتلَتهمْ (بأمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله) الحَدِيث، وَقد مر آنِفا بِحمْل الْمُعَرّف بِاللَّامِ على الْعُمُوم المغيا بقول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَتَقْرِير أبي بكر ﵁ على مَا مر، (و) كاحتجاج (أبي بكر) على الْأَنْصَار بقوله ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) نقل الشَّارِح عَن بعض الْحفاظ أَنه لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ مَوْجُودا فِي كتب الحَدِيث عَن أبي بكر ﵁،

стр. 198

وَإِنَّمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فِي قصَّة السَّقِيفَة قَول أبي بكر أَن الْعَرَب لَا تعرف هَذَا الْأَمر إِلَّا لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش، وَذكر مَا أخرجه أَحْمد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات، لَكِن فِيهِ انْقِطَاع: أَن أَبَا بكر قَالَ لسعد: يَعْنِي ابْن عبَادَة لقد علمت يَا سعد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لقريش أَنْتُم وُلَاة هَذَا الْأَمر (و) كاحتجاج أبي بكر على من ظن أَن النَّبِي ﷺ يُورث (نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث) بِحمْل الْأَنْبِيَاء على الْعُمُوم ليدْخل فِيهِ النَّبِي ﷺ والمعاشر جمع معشر كمكسر: وَهُوَ الْجَمَاعَة (على وَجه) مُتَعَلق بالاحتجاج (يجْزم بِأَنَّهُ) أَي الِاحْتِجَاج الْمَذْكُور أَو الْعُمُوم (بِاللَّفْظِ) أَي لفهم الْعُمُوم من مُجَرّد اللَّفْظ، لَا من الْقَرَائِن وَإِلَّا لذكرت عِنْد الِاحْتِجَاج (وَاسْتدلَّ) للمختار بمزيف (بِأَنَّهُ) أَي الْعُمُوم (معنى كثرت الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنهُ فكغيره) أَي فَهُوَ كَغَيْرِهِ من الْمعَانِي كثرت الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنْهَا فَوَجَبَ الْوَضع لَهُ كَمَا وضع لغيره (وَأجِيب بِمَنْع الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم أَن كَثْرَة الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنهُ تَقْتَضِي الْوَضع لَهُ، بل مُطلق التَّعْبِير وَهُوَ يحصل بطرِيق الْمجَاز أَيْضا، ثمَّ شرع فِي بَيَان القَوْل الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهَا مَوْضُوعَة للخصوص مجَازًا فِي الْعُمُوم فَقَالَ (الْخُصُوص) مُسَمّى الصِّيَغ دون الْعُمُوم لِأَنَّهُ (لَا عُمُوم إِلَّا لمركب) إِذْ الْمَعْنى دَلِيل الْخُصُوص أَنه لَا عُمُوم إِلَّا لمركب: أَي لَا يُسْتَفَاد الْعُمُوم إِلَّا من الْمركب (وَلَا وضع لَهُ) أَي للمركب: يَعْنِي أَن الْمركب من حَيْثُ هُوَ مركب غير مَوْضُوع (بل) الْوَضع (لمفرداته) أَي الْمركب (وَالْقطع) أَي الْمَقْطُوع بِهِ (أَنَّهَا) أَي الْمُفْردَات كل وَاحِد مِنْهَا مَوْضُوع (لغيره) أَي الْعُمُوم فَلم يوضع مُفْرد للْعُمُوم أصلا (فَلَا وضع لَهُ) أَي الْعُمُوم لانحصار الْوَضع فِي وضع الْمُفْرد وَعدم وضع الْمُفْرد للْعُمُوم رَأْسا (فَصدق أَنَّهَا) أَي الصِّيَغ الْمَذْكُورَة (للخصوص) إِذْ لَا وَاسِطَة بَينهمَا على الْمُخْتَار، وَكَذَا سَائِر الصِّيَغ إِذْ لم يوضع للْعُمُوم لفظ (بَيَانه) أَي بَيَان مَا ذكر من أَنه لَا عُمُوم إِلَّا لمركب (أَن معنى الشَّرْط) الَّذِي فِيهِ الْعُمُوم (وأخواته) أَي الِاسْتِفْهَام، وَالنَّفْي، والموصول إِلَى آخرهَا (لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِأَلْفَاظ لكل مِنْهَا وضع على حِدته) وانفراده، وَإِذا كَانَ لكل مِنْهَا وضع مُسْتقِلّا يلْزم التَّرْكِيب فِي الْمَجْمُوع (وَإِنَّمَا يثبت) معنى كل من الْمَذْكُورَات (بالمجموع) أَي بِمَجْمُوع الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة (مثلا معنى من عَاقل) أَي عَالم لِأَنَّهُ يُطلق على الله وَالظَّاهِر الْحَقِيقَة وَالْعقل لَا يُضَاف إِلَيْهِ، وَفِي الْقَامُوس اسْم من بِمَعْنى الَّذِي، فعلى هَذَا يكون الْعَاقِل حَقِيقَة عرفا (فيضم إِلَيْهِ) أَي إِلَى اللَّفْظ (الآخر) متلبسا (بِخُصُوص من النِّسْبَة) المفهومة من الْهَيْئَة التركيبية (فَيحصل) بانضمام ذَلِك وملاحظة تِلْكَ النِّسْبَة مِنْهُمَا (معنى الشَّرْط والاستفهام وَبِهِمَا) أَي بِمَعْنى الشَّرْط والاستفهام يحصل (الْعُمُوم، وَصرح فِي) كتب (الْعَرَبيَّة بِأَن تضمن من معنى الشَّرْط والاستفهام طَارِئ على

стр. 199

مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ، وَالْجَوَاب) من قبل المثبتين (أَن اللَّازِم) من الدَّلِيل الْمَذْكُور مُجَرّد (التَّوَقُّف) أَي توقف حُصُول معنى الشَّرْط وأخواته (على التَّرْكِيب) لَا كَون الْمركب مُسْتَعْملا فِي الْعُمُوم (فَلَا يسْتَلْزم) الدَّلِيل (أَن الْمَجْمُوع) هُوَ (الدَّال) على الْعُمُوم (وَتقدم الْفرق) بَين كَون الْمركب دَالا وَكَون التَّرْكِيب يتَوَقَّف عَلَيْهِ الدّلَالَة (وَلَيْسَ بِبَعِيد قَول الْوَاضِع) اسْم لَيْسَ (فِي) وضع (النكرَة) ظرف القَوْل (لفرد) فَقَوله: أَي وَضَعتهَا لفرد (يحْتَمل) ذكر الْفَرد الْمَوْضُوع لَهُ (كل فَرد) من أَفْرَاد الْجِنْس الملحوظ للواضع. قَوْله يحْتَمل أَن يكون من مقوله، فعلى هَذَا يُوصف الْفَرد بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور من الْوَاضِع وَأَن يكون من كَلَام المُصَنّف بَيَانا للْوَاقِع (فَإِذا عرفت) النكرَة الْمَذْكُورَة بِشَيْء من طرق التَّعْرِيف (فللكل) أَي فوضعها للْكُلّ أَي جَمِيع الْأَفْرَاد (ضَرْبَة) أَي جملَة، من قَوْلهم ضرب الشَّيْء بالشَّيْء: أَي خلط فَهُوَ حَال عَن الْكل (وَهُوَ) أَي كَونهَا للْكُلّ إِذا عرفت هُوَ (الظَّاهِر) الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم، وَالْمَقْصُود من هَذَا الْكَلَام دفع الاستبعاد المتوهم فِي بادئ النّظر من تعلق الوضعين الْمُخْتَلِفين بِلَفْظ وَاحِد بِاعْتِبَار حَالية التنكير والتعريف الْمُقْتَضى كَون الْمُفْرد مَوْضُوعا للْعُمُوم بعد وَضعه للخصوص (لأَنا نفهمه) أَي كَونهَا للْكُلّ وعمومها (فِي أكْرم الْجَاهِل، وأهن الْعَالم، وَلَا مُنَاسبَة) بَين الْإِكْرَام وَالْجهل، وَلَا بَين الإهانة وَالْعلم حَتَّى يُقَال: يجوز أَن يكون فهم الْعُمُوم بِقَرِينَة ترَتّب الحكم على الْمَوْصُوف بِوَصْف هُوَ عِلّة مَوْجُودَة فِي كل فَرد كَمَا قيل فِي أكْرم الْعَالم كَمَا مر (فَكَانَ) الْعُمُوم (وضعيا) لتبادره من نفس اللَّفْظ من غير قرينَة (وغايته) أَي غَايَة قَول الْوَاضِع ذَلِك (أَن وَضعه) أَي الْعُمُوم فِيمَا ذكر (وضع الْقَوَاعِد اللُّغَوِيَّة كقواعد النّسَب والتصغير) الْوَضع اللّغَوِيّ على قسمَيْنِ: قسم يُلَاحظ فِيهِ خُصُوص اللَّفْظ عِنْد الْوَضع، وَقسم لَا يُلَاحظ فِيهِ خصوصيته، بل الملحوظ فِيهِ مَفْهُوم كلي ينْدَرج فِيهِ أَلْفَاظ كَثِيرَة وَيجْعَل كل مِنْهَا فِي تِلْكَ الملاحظة الإجمالية بِإِزَاءِ معنى ملحوظ إِجْمَالا كَقَوْلِه: جعلت كل وَاحِد من صِيغ النِّسْبَة لذات مَا منسوبة إِلَى مَدْلُول الأَصْل، فَالْمُرَاد بِوَضْع الْقَوَاعِد اللُّغَوِيَّة الْقسم الثَّانِي (وأفراد موضوعها) أَي مَوْضُوع الْقَوَاعِد اللُّغَوِيَّة (حقائق) لما عرفت من أَن آلَة مُلَاحظَة الْوَاضِع حِين وَضعهَا مَفْهُوم كلي أفرادها أَلْفَاظ يعين كل وَاحِد مِنْهَا للدلالة على معنى خَاص من الْمعَانِي المندرجة تَحت مَفْهُوم كلي جعل آلَة لملاحظتها فِي مُقَابلَة الْكُلِّي الأول، فالموضوع والموضوع لَهُ فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ كل فردين مِنْهُمَا، وَلَا شكّ أَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ إِنَّمَا وضعت للدلالة بِنَفسِهَا، فَهِيَ حَقِيقَة عِنْد الِاسْتِعْمَال بِخِلَاف الْوَضع النوعي فِي المجازات، فَإِن الْمَوْضُوع فِيهَا مَا وضع للدلالة بِنَفسِهِ، بل بانضمام الْقَرِينَة كَأَنَّهُ قَالَ الْوَاضِع: كل لفظ مَوْضُوع لِمَعْنى بِإِزَاءِ مَا يُنَاسب ذَلِك الْمَعْنى بِنَوْع من العلاقات الْمُعْتَبرَة، لَكِن لَا

стр. 200

لِأَن يدل بِنَفسِهِ، بل بانضمام الْقَرِينَة فأفراد مَوْضُوعه مجازات (وَلذَا) أَي وَلأَجل أَن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة من حَيْثُ أَنَّهَا نكرَة مَوْضُوعَة للفرد الْمُنْتَشِر، وَمن حَيْثُ أَنَّهَا معرفَة مَوْضُوعَة للْكُلّ ضَرْبَة بِالْوَضْعِ الْمَذْكُور (وَقع التَّرَدُّد فِي كَونه مُشْتَركا لفظيا) بَين الْخُصُوص والعموم نظرا إِلَى جَانب الِاتِّحَاد الذاتي، والتغاير الاعتباري، فَإِن الأول يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك، وَالثَّانِي عَدمه، فَإِن الْمَوْضُوع للفرد الْمُنْتَشِر إِنَّمَا هُوَ الْمُجَرّد عَن التَّعْرِيف، وللكل الْمُعَرّف، فَلَا اشْتِرَاك، ثمَّ أَرَادَ تَحْقِيق الْمقَام بتفصيل مواد الْعُمُوم، فَقَالَ (وَالْوَجْه أَن عُمُوم غير الْمحلى) بِاللَّامِ (والمضاف) من أَسمَاء الشَّرْط والاستفهام، والموصول، والنكرة المنفية (عَقْلِي) لَا يحْتَاج إِلَى وضع الْوَاضِع إِيَّاهَا للْعُمُوم (لجزم الْعقل بِهِ) أَي الْعُمُوم (عِنْد ضم) معنى (الشَّرْط، و) معنى (الصِّلَة إِلَى مُسَمّى من) الموصولة مثلا (وَهُوَ عَاقل) أَي ذَات لَهُ الْعقل (و) إِلَى مُسَمّى (الَّذِي وَهُوَ ذَات) مُبْهمَة توضح الصِّلَة إبهامه، وَذَلِكَ لِأَن تَعْلِيق الحكم بهَا يُفِيد علية مَضْمُون الشَّرْط والصلة لَهُ والمعلول دائر مَعَ علته فَيعم جَمِيع أفرادها لتحَقّق الْعلَّة فِي الْجَمِيع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَيثبت مَا علق بِهِ) أَي بِالْمُسَمّى من الحكم (لكل متصف) بِالْمُسَمّى من أَفْرَاده (لوُجُود مَا صدق عَلَيْهِ مَا علق) الحكم (عَلَيْهِ) الْمَوْصُول الأول عبارَة عَن أَفْرَاد الْمُسَمّى، وَالثَّانِي عَن الشَّرْط والصلة: وَهُوَ فَاعل صدق، فَإِن كل فَرد من أَفْرَاد الْمُسَمّى يصدق عَلَيْهِ مَضْمُون الشَّرْط وَالصّفة وَهُوَ فَاعل صدق، فَإِن كل فَرد من أَفْرَاد الْمُسَمّى يصدق عَلَيْهِ مَضْمُون الشَّرْط أَو الصِّلَة الَّذِي هُوَ عِلّة الحكم، وَهُوَ يَدُور مَعَه (وَكَذَا النكرَة المنفية) لجزم الْعقل بِالْعُمُومِ فِيهِ أَيْضا (لِأَن نفي ذَات مَا) وَهِي الْفَرد الْمُنْتَشِر الَّذِي هُوَ مُسَمّى النكرَة (لَا يتَحَقَّق) أَي النَّفْي الْمَذْكُور (مَعَ وجود ذَات) مِمَّا يصدق عَلَيْهِ ذَات مَا فَإِن قلت لَا نسلم ذَلِك، بل يتَحَقَّق النَّفْي الْمَذْكُور عِنْد الْبَعْض مَعَ وجود الْبَعْض قلت المتحقق حِينَئِذٍ نفي ذَات فِي الْمحل الْخَاص لَا انْتِفَاء مُطلقًا، فَإِن نفي الْخَاص لَا يستلزمه نفي الْعَام والمنفي فِي النكرَة المنفية إِنَّمَا هُوَ الْفَرد الْمُنْتَشِر مُطلقًا كَمَا أَن نفي الْمَاهِيّة الْمُطلقَة يسْتَلْزم نفي كل فَرد من أفرادها (وَهَذَا) أَي كَون الْعُمُوم فِي الْمَذْكُورَات عقليا (وَإِن لم يناف الْوَضع) أَي وضع الْمَذْكُورَات للْعُمُوم لجَوَاز دلَالَة الْعقل والوضع (لَكِن يصير) الْوَضع (ضائعا، وحكمته) أَي الْوَضع (تبعده) أَي وُقُوع الْوَضع، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ فهم الْمَعْنى، وَهُوَ حَاصِل بِدُونِهِ (كَمَا لَو وضع لفظ للدلالة على حَيَاة لافظة) فَإِنَّهُ ضائع، لِأَن مُجَرّد وجود اللَّفْظ مَعَ قطع النّظر عَن كَونه مَوْضُوعا كَاف فِي الدّلَالَة على وجود لفظ عقلا (وَاعْلَم أَن الْعَرَبيَّة) أَي أهل الْعَرَبيَّة قَالُوا (النكرَة المنفية بِلَا) حَال كَونهَا (مركبة) مَعَ لَا تركيب مزج، إِمَّا لكَون تركيبه للْبِنَاء كتركيب خَمْسَة عشر، أَو لعدم انْفِصَاله عَن لَا كَمَا لَا ينْفَصل عشر عَن خَمْسَة عشر على اخْتِلَاف

стр. 201

الْقَوْلَيْنِ فِي اسْم لأبناء أَو أعرابا إِذا لم يكن مُضَافا وَلَا شُبْهَة (نَص فِي الْعُمُوم) قَالَ الْمُحَقق الرضى وَالْحق أَن نقُول أَنه مَبْنِيّ لتَضَمّنه معنى من الاستغراقية، وَذَلِكَ لِأَن قَوْلك لَا رجل نَص فِي نفي الْجِنْس بِمَنْزِلَة لَا من رجل، بِخِلَاف: لَا رجل فِي الدَّار وَلَا امْرَأَة، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ فِي سِيَاق النَّفْي يُفِيد الْعُمُوم لَكِن لَا نصا بل ظَاهر فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَغَيرهَا) أَي غير المنفية بِلَا مركبة (ظَاهر) فِي الْعُمُوم (فَجَاز) أَن يُقَال لَا رجل فِي الدَّار (بل رجلَانِ وَامْتنع) بل رجلَانِ (فِي الأول وبعلته) أَي بِسَبَب كَون المركبة نصا فِيهِ (يلْزم امْتِنَاعه) أَي امْتنَاع بل رجلَانِ (فِي لَا رجال) لكَونه نصا فِي نفي الْجِنْس وهم لَا يَقُولُونَ بامتناعه فِيهِ (فَإِن قَالُوا) فِي التفصي عَن هَذَا الْإِشْكَال (الْمَنْفِيّ) فِي لَا رجال (الْحَقِيقَة) الْمقيدَة (بِقَيْد تعدد) هُوَ مَدْلُول صِيغَة الْجمع، وَمن نفي الْجِنْس الْمُقَيد بِقَيْد لَا يلْزم نَفْيه بِدُونِ ذَلِك الْقَيْد (قُلْنَا إِذا صَحَّ) مَا ذكرْتُمْ فِي الْمُقَيد بِقَيْد الْعدَد (فَلم لَا يَصح) فِي الْمُقَيد (بِقَيْد الْوحدَة) فِي نفي الْجِنْس بِأَن يُقَال لَا رجل فِي الدَّار بل رجلَانِ أَن أَو رجال (كجوازه) أَي أَن يُقَال بل رجلَانِ (فِي الظَّاهِر) وَهُوَ غير الْمَنْفِيّ بِلَا مركبة على مَا مر آنِفا نَحْو لَا رجل بِالرَّفْع بل رجلَانِ لكَون الْمَنْفِيّ الْحَقِيقَة الْمقيدَة بِقَيْد الْوحدَة (وَحكم الْعَرَب بِهِ) أَي بِكَوْن الْمَنْفِيّ فِي رجل نصا فِي الْعُمُوم كَمَا قَالُوا (مَمْنُوع) بل هُوَ من كَلَام المولدين (والقاطع بنفيه) أَي نفي حكم الْعَرَب بِمَا ذكر من التَّنْصِيص على الْعُمُوم بِحَيْثُ لَا يجْرِي فِيهِ التَّخْصِيص (مِنْهَا مَا) روى (عَن ابْن عَبَّاس) ﵄ (مَا من عَام إِلَّا وَقد خصص) أَي مَا من عَام مَوْجُود كَائِنا فِي حَال خص فِيهَا، فَمن بعض أَفْرَاده عَن تنَاول الحكم (وَقد خص) عُمُوم هَذَا الْمَرْوِيّ بِنَحْوِ - وَالله بِكُل شَيْء عليم فَلَا يرد أَن عُمُوم هَذَا من أَفْرَاد مَوْضُوعه وَلم يخصص لِأَنَّهُ خصص (بِنَحْوِ) مَا ذكر لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ عَام لم يخصص، فَالْمُرَاد بقوله مَا من عَام مَا سوى نَحْو ذَلِك، وَإِذا ثَبت تَخْصِيص كل عَام فَلَا تنصيص فِي المنفى بِلَا المركبة على الْعُمُوم فَيجوز بل رجلَانِ فِي لَا رجل، لِأَن الْعَام إِذا خصص لَا يبْقى عُمُومه قَطْعِيا (وَلَا ضَرَر) مَعْطُوف على قَوْله عَن ابْن عَبَّاس، أَي وَأَيْضًا الْقَاطِع بنفيه قَوْله ﷺ " لَا ضَرَر وَلَا ضرار " على مَا روى كثير مِنْهُم مَالك وَصَححهُ الْحَاكِم على شَرط مُسلم فَإِنَّهُ منفي بِلَا المركبة (و) قد (أوجب) النَّبِي ﷺ (كثيرا من الضَّرَر) من حد، وقصاص وتعزير وَغَيرهَا لمرتكب أَسبَابهَا، فَالْمُرَاد نفي ضَرَر لم يرد فِي الشَّرْع، وَقد يُقَال أَن الْوَارِد فِي الشَّرْع لَيْسَ بِضَرَر كَيفَ وَقد قَالَ الله تَعَالَى - ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ - الْآيَة، وَفِيه مَا فِيهِ (وتنتفى) بِمَا ذكرنَا من عدم الْفرق بَين المنفيات وَمنع مَا حكى عَن الْعَرَب مُسْتَندا بِمَا ذكر (منافاته) أَي مُنَافَاة كَون المركبة نصا

стр. 202

فِي الْعُمُوم (لإِطْلَاق) عُلَمَاء (الْأُصُول) جَوَاز تَخْصِيص (الْعَام) فِي قَوْلهم الْعَام (يجوز تَخْصِيصه) وَجه الْمُنَافَاة أَن كَون المركبة لنفي الْجِنْس والحقيقة مُطلقًا يسْتَلْزم تنَاول الحكم على كل فَرد بِحَيْثُ لَا يشذ مِنْهَا شَيْء، والتخصيص إِخْرَاج للْبَعْض عَن دَائِرَة تنَاوله فَلَا يجوز اجْتِمَاعهمَا وَوجه انتفائهما أَن حَاصِل بحثنا كَون المركبة أقوى دلَالَة على الِاسْتِغْرَاق من غَيرهَا، لَا كَونهَا نصا فِيهِ بِحَيْثُ لَا يجوز إِخْرَاج فَرد مِنْهُ، وَنقل عَن المُصَنّف أَن قَول الزَّمَخْشَرِيّ أَن قِرَاءَة النصب فِي لَا ريب فِيهِ يُوجب الِاسْتِغْرَاق، وَقِرَاءَة الرّفْع تجوزه غير حسن، لِأَنَّهُ أطبق أَئِمَّة الْأُصُول على أَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم سَوَاء كَانَت مركبة بِلَا أَو لَا، وَلَا مَأْخَذ لَهُم فِي ذَلِك سوى اللُّغَة وهم المتقدمون فِي أَخذ الْمعَانِي من قوالب الْأَلْفَاظ، ثمَّ إِن وجدنَا الْمُتَكَلّم لم يعقب الْمَنْفِيّ بِإِخْرَاج شَيْء حكمنَا بِإِرَادَة ظَاهره من الْعُمُوم وَوَجَب الْعَمَل بِهِ، وَأَن ذكر مخرجا، نَحْو: بل رجلَانِ علمنَا أَن قَصده النَّفْي لقيد الْوحدَة، أَو مخرجا آخر مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا علمنَا أَنه أَرَادَ بِالْعَام بعضه، وكل من قراءتي النصب وَالرَّفْع يُوجب الِاسْتِغْرَاق غير أَن إِيجَاب النصب أقوى (فَإِن قيل فَهَل) فِي (بل رجلَانِ تَخْصِيص) للأرجل (مَعَ أَن حَاصله) أَي حَاصِل لَا رجل (نفي الْمُقَيد ب) قيد (الْوحدَة (وَإِذا قيد الْمَنْفِيّ بهَا (فَلَيْسَ عُمُومه) أَي النَّفْي (إِلَّا فِي الْمُقَيد بهَا) أَي الْوحدَة، وَلَا شكّ أَنه لم يخرج من أَفْرَاده الْمقيدَة شَيْء ليَكُون تَخْصِيصًا، فَإِن الْمخْرج مَوْصُوف بضد الْوحدَة (قُلْنَا التَّخْصِيص) فِيهِ (بِحَسب الدّلَالَة ظَاهِرَة لَا) بِحَسب (المُرَاد) فَإِن الدّلَالَة تتبع الْعلم بِالْوَضْعِ، وَقد علم وضع اللَّفْظ الَّذِي دخله النَّفْي بِإِزَاءِ الْمَاهِيّة الْمُطلقَة، ونفيها يسْتَلْزم نفي كل فَرد من أفرادها، وَأما المُرَاد فيفهم تَارَة بالقرائن الصارفة عَن مُقْتَضى الظَّاهِر، وبل رجلَانِ قرينَة صارفة عَن إِرَادَة نفي الْجِنْس إِلَى نفي وصف الْوحدَة، وَحِينَئِذٍ لَا تَخْصِيص فَإِن قلت هَذَا على تَقْدِير كَون اسْم الْجِنْس مَوْضُوعا للماهية الْمُطلقَة، وَأما على تَقْدِير كَونه للفرد الْمُنْتَشِر كَمَا هُوَ تَحْقِيق المُصَنّف فَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكرت، لِأَن الْمَنْفِيّ حِينَئِذٍ مُقَيّد بِقَيْد الْوحدَة قُلْنَا نفي الْمُقَيد على وَجْهَيْن: أَحدهمَا تَوْجِيه النَّفْي نَحْو الْقَيْد كَمَا عرفت. وَالثَّانِي تَوْجِيهه إِلَى الْمُقَيد: يَعْنِي مَا من شَأْنه التَّقْيِيد بِقَيْد الْوحدَة الْمُطلقَة وَهُوَ مسَاوٍ للماهية الْمُطلقَة بِحَسب الصدْق، فنفيه يُفِيد الِاسْتِغْرَاق كنفي الْمُطلقَة، فقولنا: بل رجلَانِ حِينَئِذٍ يكون تَخْصِيصًا، لِأَن الْمثنى حِينَئِذٍ يصدق عَلَيْهِ الْمَاهِيّة الْمقيدَة بِقَيْد الْوحدَة، وَقد خرج من دَائِرَة عُمُوم نفي الْمُقَيد، وَلَا نعني بالتخصيص إِلَّا هَذَا وَيرد عَلَيْهِ أَن هَذَا الْمَعْنى لَيْسَ مُقْتَضى الْوَضع، وَالدّلَالَة تَابِعَة لَهُ فَالصَّوَاب أَن يُقَال مُرَاد المُصَنّف أَن الْمَنْفِيّ بِلَا: تَارَة يُرَاد بِهِ نفي الْجِنْس مُطلقًا، وَهُوَ الْمُتَبَادر، وَتارَة نَفْيه مُقَيّدا، فالعالم بهما حِين يسمعهُ يتَّصل إِلَى الأول قبل الْعلم بالمراد بِقَرِينَة، بل رجلَانِ

стр. 203

بعد التَّأَمُّل، فبالنظر إِلَى تِلْكَ الدّلَالَة تَخْصِيص (فَلَا شكّ) فِيمَا قُلْنَا من أَنه تَخْصِيص بِنَاء (على) اصْطِلَاح (الشَّافِعِيَّة) فَإِن قصر الْعَام على بعض مُسَمَّاهُ تَخْصِيص عِنْدهم سَوَاء كَانَ بِمُتَّصِل أَو بمنفصل مُسْتَقل أَو غير مُسْتَقل (وَأما الْحَنَفِيَّة فَهُوَ) أَي مثل: بل رجلَانِ عِنْدهم (كالمتصل) أَي كالمستثنى الْمُتَّصِل أَو الْمَعْنى، وَأما على اصْطِلَاح الْحَنَفِيَّة فَهُوَ كالمتصل (والتخصيص) عِنْدهم إِنَّمَا يكون (بمستقل) فِي التَّلْوِيح: قصر الْعَام على بعض مَا يتَنَاوَلهُ تَخْصِيص عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فَفِيهِ تَفْصِيل، وَهُوَ أَنه إِمَّا أَن يكون بِغَيْر مُسْتَقل، أَو بمستقل، وَالْأول لَيْسَ بتخصيص، بل إِن كَانَ بألا وَأَخَوَاتهَا اسْتثِْنَاء، وَإِلَّا فَإِن كَانَ بِأَن وَمَا يُؤدى مؤداها بِشَرْط، وَإِلَّا فَإِن كَانَ بإلى وَمَا يُفِيد مَعْنَاهَا فغاية وَإِلَّا فصيغة. وَالثَّانِي هُوَ التَّخْصِيص سَوَاء كَانَ بِدلَالَة اللَّفْظ، أَو الْعقل، أَو الْحس، أَو الْعَادة، أَو نُقْصَان بعض الْأَفْرَاد، أَو زِيَادَته، وَفسّر غير المستقل بِكَلَام يتَعَلَّق بصدر الْكَلَام وَلَا يكون تَاما بِنَفسِهِ انْتهى (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِأَن الصِّيَغ الْمَذْكُورَة مَوْضُوعَة للخصوص على (الْخُصُوص) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور اعْتِبَاره يُسمى اللَّفْظ خَاصّا، وَهُوَ هَهُنَا نفس الْمَاهِيّة من غير اعْتِبَار عدد مَعهَا من حَيْثُ تحققها فِي ضمن الْأَفْرَاد (مُتَيَقن) لوُجُوده فِي الصِّيَغ الْمَذْكُورَة بِاتِّفَاق الْكل، فَإِن الِاخْتِلَاف فِي كَونه حِين مُسَمّى اللَّفْظ وجزئه يكون اللَّفْظ مَوْضُوعا لَهُ مَعَ وصف الْعُمُوم (فَيجب) كَونه مُسَمّى لتعينه (وينفى الْمُحْتَمل) أَي الْعُمُوم لِأَنَّهُ مُشْتَرك الْوُجُود (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (إِثْبَات اللُّغَة بالترجيح) أَي بترجيح معنى على غَيره، وَهُوَ لَا يجوز كَمَا لَا يجوز إِثْبَاتهَا بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهَا لَا تثبت إِلَّا بِالنَّقْلِ كَمَا مر (وَبِأَن الْعُمُوم أرجح) من الْخُصُوص (للِاحْتِيَاط) لِأَن فِي اعْتِبَار الْخُصُوص دون الْعُمُوم مَعَ احْتِمَال كَونه مرَادا للشارع تضعيفا لأمر يحْتَمل أَن يكون حكما شَرْعِيًّا فِي نفس الْأَمر (وَفِي هَذَا) الْجَواب (إِثْبَاتهَا) أَي اللُّغَة (بالترجيح مَعَ أَن الِاحْتِيَاط) الَّذِي جعل مرجحا (لَا يسْتَمر) أَي لَا يتَحَقَّق فِي جَمِيع الْموَاد، بل فِي بَعْضهَا كالإباحة، والرخص: الِاحْتِيَاط فِي عدم الْحمل على الْعُمُوم (بل الْجَواب) الْحسن أَن يُقَال (لَا احْتِمَال) لعدم الْوُجُود (بعد مَا ذكرنَا) من أَدِلَّة الْعُمُوم (وَأما استدلالهم) أَي الْقَائِلين بِالْوَضْعِ للخصوص بِمَا ينْسب إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ (مَا من عَام إِلَّا وَقد خص، ففرع دعوانا) أَن وَضعهَا للْعُمُوم فِي الأَصْل، والتخصيص لأسباب ودواع (الِاشْتِرَاك) أَي دَلِيل الِاشْتِرَاك قَوْلهم (ثَبت الْإِطْلَاق) أَي إِطْلَاق الصِّيَغ الْمَذْكُورَة على الْعُمُوم وَالْخُصُوص (وَالْأَصْل) فِي الاطلاق (الْحَقِيقَة، وَالْجَوَاب لَو لم يثبت بِمَا ذكرنَا) من أَدِلَّة الْعُمُوم لَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكرْتُمْ لكنه ثَابت. قَالَ (الْمفصل) وَقد عرفت تَفْصِيله فِي صدر المبحث انْعَقَد (الْإِجْمَاع على عُمُوم التَّكْلِيف) وشموله جَمِيع

стр. 204

الْمُكَلّفين (وَهُوَ) أَي عُمُومه إِنَّمَا يحصل (بِالطَّلَبِ) على وَجه الْعُمُوم فَإِنَّهُ لَو لم يكن الطّلب عَاما لم يكن التَّكْلِيف عَاما (قُلْنَا وَكَذَا الْأَخْبَار فِيمَا) أَي فِي كَلَام (لَيْسَ فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْكَلَام (صِيغَة خُصُوص) كَمَا إِذا كَانَ فِيهِ كَاف خطاب الْمُفْرد (مثل - ﴿نَحن نقص عَلَيْك﴾ - لتَعَلُّقه) أَي الْأَخْبَار (بِحَال الْكل) وَإِن اخْتلف كَيْفيَّة التَّعْلِيق، فَفِي الطّلب بطرِيق الِاقْتِضَاء، وَفِي الْأَخْبَار بطرِيق الْإِرْشَاد، وَطلب الْإِيمَان بِهِ. قَالَ القَاضِي فِي شرح الْمُخْتَصر فِي هَذَا الْمقَام، وَالْجَوَاب الْمُعَارضَة بِمثلِهِ فِي الْأَخْبَار للْإِجْمَاع على أَن الْأَخْبَار بِمَا ورد فِي حق جَمِيع الْأمة وَإِنَّا مكلفون بمعرفتها (وَلَا معنى للتوقف) الْمَنْقُول عَن الْأَشْعَرِيّ وَالْقَاضِي على مَا سبق (بعد استدلالنا) بِمَا ذكر بمعرفتها لقُوته وظهوره. الْبَحْث الثَّالِث من المباحث الْمُتَعَلّقَة بِالْعَام: بحث الْجمع الْمُنكر، وَيجوز أَن يكون الْخَبَر قَوْله (لَيْسَ الْجمع الْمُنكر عَاما) إِلَى آخر المبحث (خلافًا لطائفة من الْحَنَفِيَّة) مِنْهُم فَخر الْإِسْلَام وَعَامة الْأُصُولِيِّينَ على أَن جمع الْقلَّة النكرَة لَيْسَ بعام لظُهُوره فِي الْعشْرَة فَمَا دونهَا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي جمع الْكَثْرَة النكرَة، فَقَوْل فَخر الْإِسْلَام: أما الْعَام بصيغته وَمَعْنَاهُ فَهُوَ صِيغَة كل جمع يُخَالف قَول الْعَامَّة (لنا الْقطع بِأَن رجَالًا لَا يتَبَادَر مِنْهُ عِنْد إِطْلَاقه) عَن قرينَة الْعُمُوم (استغراقهم) أَي استغراق رجَالًا فِي: رَأَيْت رجَالًا مثلا جَمِيع الرِّجَال (كَرجل) أَي كَمَا أَن رجلا عِنْد إِطْلَاقه عَنْهَا لَا يتَبَادَر مِنْهُ استغراق أَفْرَاد مَفْهُومه، وَلَو كَانَ حَقِيقَة الْعُمُوم لتبادر مِنْهُ ذَلِك (فَلَيْسَ) الْجمع الْمُنكر (عَاما) كَمَا أَن رجلا كَذَلِك: كَذَا فِي شرح التلميذ (فَمَا قيل الْمرتبَة المستغرقة) فَهِيَ الْجَمَاعَة الَّتِي تندرج فِيهَا كل جمَاعَة يصدق عَلَيْهَا صِيغَة الْجمع: يَعْنِي مَجْمُوع أَفْرَاد الرجل (من) جملَة (مراتبه) أَي مَرَاتِب الْجمع الْمُنكر، لِأَنَّهُ يصدق عَلَيْهِ صِيغَة الْجمع (فَيحمل) الْجمع الْمُنكر (عَلَيْهَا) أَي على الْمرتبَة المستغرقة فَيتَحَقَّق الْعُمُوم عِنْد ذَلِك، وَإِنَّمَا يحمل عَلَيْهَا (للِاحْتِيَاط) على مَا سبق آنِفا (بعد أَنه) أَي مَا قيل، والظرف مُتَعَلق بِخَبَر الْمَوْصُول: أَعنِي لَيْسَ (معَارض) خبر أَن (بِأَن غَيرهَا) أَي غير المستغرقة، وَهُوَ أقل مَرَاتِب الْجمع (أولى للتيقن) بِهِ لوجودها فِي جَمِيع الْمَرَاتِب، وَمَا سواهُ مَشْكُوك فِيهِ (و) بعد أَنه معَارض بِكَوْن الِاحْتِيَاط لَا يسْتَمر) فِي الِاسْتِغْرَاق (بل) قد (يكون) الِاحْتِيَاط (فِي عَدمه) أَي عدم الِاسْتِغْرَاق كَمَا مر و (لَيْسَ) مَا قيل (فِي مَحل النزاع لِأَنَّهُ) أَي النزاع (فِي أَنه) أَي الْعُمُوم (مَفْهُومه) أَي مَفْهُوم الْجمع الْمُنكر أم لَا (وَأَيْنَ الْحمل) أَي حمل جمع الْمُنكر (على

стр. 205

بعض مَا صدقاته) الَّذِي هُوَ الْمرتبَة المستغرقة (للِاحْتِيَاط) مُتَعَلق بِالْحملِ (مِنْهُ) أَي من مَحل النزاع، وَالْجَار مُتَعَلق بِمَا تعلق بِهِ خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي أَيْن، وَالْمعْنَى الْحمل الْمَذْكُور فِي أَي مَكَان من مَحل النزاع، أَي من قربه، وَالْمرَاد إبعاده عَن ساحته لعدم الْمُنَاسبَة (وَأما إِلْزَام) منكرى عُمُوم الْجمع الْمُنكر على مثبتيه بِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْك عدم عُمُوم الْجمع لعدم الْمُنَاسبَة عُمُوم (نَحْو رجل فمدفوع بِأَنَّهُ) أَي نَحْو رجل (لَيْسَ من أَفْرَاده) الْمرتبَة (المستغرقة) ليحمل عَلَيْهَا (بِخِلَاف رجال فَإِنَّهُ للْجمع) الْمُطلق (الْمُشْتَرك بَين الْمُسْتَغْرق وَغَيره) مِمَّا صدقاته (قيل مَبْنِيّ الْخلاف) فِي أَنه عَام أم لَا؟ على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي التَّلْوِيح (الْخلاف فِي اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق فِي الْعُمُوم، فَمن لَا) يشْتَرط (كفخر الْإِسْلَام وَغَيره جعله) أَي الْجمع الْمُنكر (عَاما) وَمن لَا يشْتَرط لَا يَجعله عَاما (وَإِذا) أَي وَحين يكون مبْنى الْخلاف ذَلِك (لَا وَجه لمحاولة استغراقه) أَي الْجمع الْمُنكر، فِي الْقَامُوس حاوله حوالا، ومحاولة، رامه (بِالْحملِ على مرتبَة الِاسْتِغْرَاق بل) النزاع (لَفْظِي) إضراب عَن كَون الْخلاف فِيهِ مَبْنِيا على ذَلِك الْخلاف، لِأَنَّهُ فرع وجود الْخلاف بِحَسب الْحَقِيقَة وَالْمعْنَى، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل وَاللَّفْظ فَقَط (فمراد الْمُثبت) لجمع الْمُنكر الْعُمُوم (مَفْهُوم) أَي إِثْبَات مَفْهُوم لفظ (عُمُوم) لُغَة (وَهُوَ) أَي مَفْهُومه (شُمُول مُتَعَدد) وَهُوَ (أَعم من الِاسْتِغْرَاق) والخصم لَا يَنْفِيه بِهَذَا الْمَعْنى (وَمُرَاد النَّافِي) من الْعُمُوم الَّذِي نَفَاهُ (عُمُوم الصِّيَغ الَّتِي أثبتنا كَونهَا) أَي كَون تِلْكَ الصِّيَغ (حَقِيقَة فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْعُمُوم (وَهُوَ) أَي عُمُوم الصِّيَغ الْمَذْكُورَة (الاستغراقي حَتَّى قبل) عمومها (الْأَحْكَام) الْمرتبَة على الْعُمُوم الاستغراقي (من التَّخْصِيص وَالِاسْتِثْنَاء) وَغَيرهمَا مِمَّا يقْصد الْبَحْث عَنهُ فِي مَبْحَث الْعَام (وَلَا نزاع فِي) أَن مُرَاد النَّافِي من الْعُمُوم الَّذِي نَفَاهُ هُوَ (هَذَا) الْعُمُوم الاستغراقي (لأحد) من أهل هَذَا الشَّأْن (وَلَا) نزاع أَيْضا (فِي عَدمه) أَي عدم هَذَا الْعُمُوم (فِي رجال) وَلِهَذَا (لَا يُقَال: اقْتُل رجَالًا إِلَّا زيدا) أَشَارَ بقوله (لِأَنَّهُ) أَي الِاسْتِثْنَاء ل (إِخْرَاج مالولاه) أَي الِاسْتِثْنَاء (لدخل) فِي حكم صدر الْكَلَام (وَلَو قيل) اقْتُل رجَالًا (وَلَا تقتل زيدا كَانَ) وَلَا تقتل زيدا (ابْتِدَاء) لكَلَام آخر (لَا تَخْصِيصًا) لِأَنَّهُ فرع الْعُمُوم الاستغراقي (وَإِذ بَينا أَنه) أَي الْجمع الْمُنكر مَوْضُوع (للمشترك) بَين مَرَاتِب الْجمع (وَهُوَ) أَي الْمُشْتَرك بَينهَا (الْجمع مُطلقًا، فَفِي أَقَله) أَي أقل الْجمع مُطلقًا (خلاف) فِي التَّلْوِيح: ذهب أَكثر الصَّحَابَة وَالْفُقَهَاء وأئمة اللُّغَة إِلَى أَنه ثَلَاثَة، وَفصل الْخلاف بقوله (قيل) أَقَله (ثَلَاثَة) من آحَاد مفرده (مجَاز لما دونهَا) أَي الِاثْنَيْنِ وَالْوَاحد، فَإِذا أطلق على الثَّلَاثَة فَمَا فَوْقهَا أَي عدد كَانَ فَهُوَ حَقِيقَة لكَونهَا من أَفْرَاد مَا وضع لَهُ الْجمع، بِخِلَاف مَا دون الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ لَيْسَ من أَفْرَاده (وَهُوَ)

стр. 206

أَي هَذَا القَوْل هُوَ (الْمُخْتَار) لما سَيَجِيءُ (وَقيل حَقِيقَة فِي اثْنَيْنِ أَيْضا) لكَونه من أَفْرَاد مُسَمّى الْجمع للاكتفاء بِمَا فَوق الْوَاحِد فِيهِ، فالأقل على هَذَا اثْنَان (وَقيل) حَقِيقَة فِي الثَّلَاثَة (مجَاز فيهمَا) أَي فِي اثْنَيْنِ لَا فِيمَا دونه، وَهُوَ الْوَاحِد (وَقيل) حَقِيقَة فِي الثَّلَاثَة، وَلَا يُطلق على اثْنَيْنِ (لَا) حَقِيقَة (وَلَا) مجَازًا، فَلَزِمَ عدم إِطْلَاقه على الْوَاحِد بِالطَّرِيقِ الأول، ثمَّ شرع فِي بَيَان وَجه الْمجَاز، فَقَالَ (لقَوْل ابْن عَبَّاس) ﵄ (لَيْسَ الأخوان إخْوَة) أخرج ابْن خُزَيْمَة وَالْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَنهُ أَنه دخل على عُثْمَان، فَقَالَ أَن الأخوان لَا يرد أَن الْأُم عَن الثُّلُث، فَإِن الله يَقُول - ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ - والأخوان ليسَا بإخوة بِلِسَان قَوْمك، فَقَالَ عُثْمَان: لَا أَسْتَطِيع أرد أمرا توارث عَلَيْهِ النَّاس وَكَانَ قبلي وَمضى فِي الْأَمْصَار انْتهى (أَي حَقِيقَة) أَي أَرَادَ ابْن عَبَّاس ﵄ نفى إِطْلَاق الْأُخوة على الْأَخَوَيْنِ بطرِيق الْحَقِيقَة، لَا نفى إِطْلَاقهَا عَلَيْهِمَا بطرِيق الْمجَاز (لقَوْل زيد: الأخوان إخْوَة). قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد عَن خَارِجَة بن زيد عَن ثَابت عَن أَبِيه أَنه كَانَ يحجب الْأُم عَن الثُّلُث بالأخوين، فَقَالَ أَبَا سعيد فَإِن الله يَقُول - ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ - وَأَنت تحجبها بالأخوين؟ فَقَالَ: إِن الْعَرَب تسمى الْأَخَوَيْنِ إخْوَة (أَي مجَازًا) وَإِنَّمَا جعلنَا مورد النَّفْي الْحَقِيقَة، وَمحل الْإِثْبَات الْمجَاز (جمعا) بَين كل مِنْهُمَا، وتوفيقا بَين الْأَمريْنِ الصَّحِيحَيْنِ على مَا تَقْتَضِيه قَاعِدَة الْأُصُول (وَتَسْلِيم عُثْمَان لِابْنِ عَبَّاس تمسكه، ثمَّ عدوله إِلَى الْإِجْمَاع دَلِيل على الْأَمريْنِ) أما على الأول فَظَاهر، وَأما على الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لما تمسك بِالْإِجْمَاع، وَلَا بُد لَهُ من التَّوْفِيق بَين الْكتاب وَالْإِجْمَاع تعين ارتكابه الْمجَاز فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة لِئَلَّا يلْزم مُخَالفَة الْإِجْمَاع لمفهومها، وَفِيه أَنه إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ عُثْمَان ﵁ قَائِلا بِمَفْهُوم الْعدَد فَتَأمل، ثمَّ أَشَارَ إِلَى إِطْلَاق الْجمع على الْوَاحِد مجَازًا بقوله (وَلَا شكّ فِي صِحَة الْإِنْكَار على متبرجة) أَي مظهرة زينتها (لرجل) أَجْنَبِي بقوله (أتتبرجين للرِّجَال) فقد أطلق فِي هَذَا الْإِنْكَار الرِّجَال على الرجل الْوَاحِد لِأَنَّهَا مَا تبرجت إِلَّا لوَاحِد (وَلَا يخفى أَنه) أَي لفظ الرِّجَال هُنَا (من الْعَام) الْمُسْتَعْمل (فِي الْخُصُوص) لكَونه محلى بِاللَّامِ الاستغراقية (لَا الْمُخْتَلف) فِيهِ (من نَحْو رجال الْمُنكر) صفة الْمُخْتَلف، أَو رجال لِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ لَفظه، وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار معرفَة، الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بمقدر حَال عَن الضَّمِير فِي الْمُخْتَلف (على أَنه) أَي الْمِثَال الْمَذْكُور (لَا يستلزمه) أَي كَون الْجمع (مجَازًا فِيهِ) أَي فِي الْوَاحِد (لجَوَاز أَن الْمَعْنى أهوَ) أَي التبرج (عادتك لَهُم) أَي للرِّجَال مُتَعَلق بالتبرج (حَتَّى تبرجت لهَذَا) الرجل (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (مِمَّا يُرَاد فِي مثله) أَي فِي مثل هَذَا الْكَلَام (نَحْو: أتظلم الْمُسلمين) لمن ظلم وَاحِدًا

стр. 207

يحْتَمل أَن يُرَاد بِصِيغَة الْجمع الْجِنْس كَمَا فِي: فلَان يركب الْخَيل وَحَاصِل الجوابين مَعَ استلزام صِحَة الْإِنْكَار اسْتِعْمَال الْجمع الْمُنكر فِي الْوَاحِد مُسْتَندا بِأَن الْجمع الْمَذْكُور فِيهِ لَيْسَ بمنكر، وَبِأَن الْمَعْنى لَيْسَ كَمَا زعمت من أَن المُرَاد بِالرِّجَالِ ذَلِك الرجل (وَالْحق جَوَازه) أَي جَوَاز إِطْلَاق الْجمع على الْوَاحِد مجَازًا (حَيْثُ يثبت الْمُصَحح) من نُكْتَة بليغة محسنة لتنزيل الْوَاحِد منزلَة الْجَمَاعَة (كرأيت رجَالًا فِي رجل يقوم مقَام الْكثير) كَمَا إِذا كَانَ متفننا بصنائع يسْتَقلّ كل مِنْهَا لرجل كَامِل (وَحَيْثُ لَا) يثبت الْمُصَحح (فَلَا) يجوز (وتبادر مَا فَوق الِاثْنَيْنِ) عِنْد إِطْلَاق الْجمع (يُفِيد الْحَقِيقَة فِيهِ) على مَا مر غير مرّة وَهَذَا دَلِيل عَقْلِي، وَالْأول وَمَا بعده نقلي (واستدلال النافين) لصِحَّة إِطْلَاقه على الِاثْنَيْنِ مُطلقًا (بِعَدَمِ جَوَاز) تركيب (الرِّجَال العاقلان) لعدم صِحَة إِطْلَاق العاقلان على الرِّجَال، وَلَا بُد فِي التوصيف مِنْهَا (وَالرجلَانِ العاقلون) على عكس الأول لعكس مَا ذكرنَا (مجَازًا) لعدم جوازهما حَقِيقَة. قَوْله مجَازًا حَال عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لكَونه فَاعِلا للْجُوَاز معنى، والتجوز الْمَنْفِيّ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار النِّسْبَة التوصيفية (دفع) خبر الْمُبْتَدَأ (بمراعاتهم مُطَابقَة الصُّورَة) أَي الْمُطَابقَة بِحَسب الصُّورَة بَين الصِّيغَة والموصوف، وَعدم اكتفائهم بالمطابقة بِحَسب الْمَعْنى بِسَبَب حمل لفظ الْجمع على مَا فَوق الْوَاحِد مجَازًا مُحَافظَة على التشاكل بَينهمَا (وَنقض) الدّفع الْمَذْكُور (بِجَوَاز زيد وَعَمْرو الفاضلان، وَفِي ثَلَاثَة) نَحْو: زيد، وَعَمْرو، وَبكر (الفاضلون) وَلَا يخفى أَن الدّفع الْمَذْكُور منع، وَسَنَد: تَوْضِيحه أَنا لَا نسلم استلزام عدم جَوَاز مَا ذكر عدم صِحَة الْإِطْلَاق مُطلقًا لجَوَاز أَن يكون ذَلِك لمَانع مَخْصُوص بِبَعْض الصُّور كرعاية مُطَابقَة الصُّورَة، وَلَا يلْزم على الْمَانِع دَعْوَى لُزُوم رِعَايَة الْمُطَابقَة مُطلقًا وَإِبْطَال السَّنَد الْأَخَص غير موجه وَيُمكن الْجَواب بِأَن الْمَنْع الْمَذْكُور بِدُونِ لُزُوم رِعَايَة الْمُطَابقَة صُورَة غير موجه، لِأَن صِحَة الْمجَاز لوُجُود العلاقة يقتضى جَوَاز الرِّجَال العاقلان، وَلَا يَنْفِي الْجَوَاز الْمَذْكُور سوى اللُّزُوم الْمَذْكُور، وَالْأَصْل عدم مَانع آخر فَالسَّنَد مسَاوٍ للْمَنْع، وَإِبْطَال أحد المتساويين يسْتَلْزم إبِْطَال الآخر (وَدفعه) أَي النقيض الْمَذْكُور على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (بِأَن الْجمع) بَين مُتَعَدد (بِحرف الْجمع) كواو الْعَطف، وَالْمرَاد بِالْجمعِ الْمَعْنَوِيّ اللّغَوِيّ (كالجمع بِلَفْظ الْجمع) المُرَاد بِهَذَا الْمَعْنى الاصطلاحي فَتحصل الْمُطَابقَة بَين الصّفة والموصوف إِذا كَانَ الْمَوْصُوف جمعا بِالْمَعْنَى الأول، وَالصّفة بِالْمَعْنَى الثَّانِي (لَيْسَ بِشَيْء) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي دَفعه (إِذْ لَا يُخرجهُ) أَي لَا يخرج الِاشْتِرَاك فِي معنى الْجمع على مَا ذكر مَا بِهِ النَّقْض عَن عدم الْمُطَابقَة (إِلَى مُطَابقَة الصُّورَة، وَالْوَجْه) فِي الدّفع (اعْتِبَارا لمطابقة الْأَعَمّ. من الْحَقِيقِيَّة والحكمية) بَين الصّفة والموصوف بِمَا قدمنَا من رِعَايَة الْحَقِيقَة

стр. 208

فِي توصيف الْمثنى بالمجموع وَعَكسه، وَلذَلِك لم يجوزوه، وَمن رِعَايَة الْحكمِيَّة فِي زيد وَعَمْرو الفاضلان وَلذَلِك جوزوه، فالحقيقة مَا تكون الْمُطَابقَة بِحَسب اللَّفْظ وَالْمعْنَى مَعًا، والحكمية مَا تكون بِحَسب الْمَعْنى فَقَط (وَلَا خلاف فِي نَحْو صغت قُلُوبكُمَا) فَإِنَّهُ أطلق الْجمع فِيهِ على الِاثْنَيْنِ اتِّفَاقًا (و) لَا خلاف أَيْضا فِي لفظ (نَا) الَّذِي يعبر بِهِ الْمُتَكَلّم عَن نَفسه وَغَيره، وَإِن كَانَ ذَلِك الْغَيْر وَاحِدًا (و) لَا فِي لفظ (جمع) أَي فِي ج م ع (أَنه) أَي فِي أَن كلا مِنْهَا (لَيْسَ مِنْهُ) أَي من مَحل النزاع (وَلَا) خلاف أَيْضا فِي أَن (الْوَاو فِي ضربوا مِنْهُ) أَي من مَحل النزاع، وَكَذَا غَيرهَا من الضمائر ثمَّ أَنهم لم يفرقُوا فِي هَذَا بَين جمع الْقلَّة وَالْكَثْرَة: كَذَا فِي التَّلْوِيح وَغَيره. (تَنْبِيه: لم تزد الشَّافِعِيَّة فِي) بَيَان أَحْوَال (صِيغ الْعُمُوم) شَيْئا (على إِثْبَاتهَا) بل اكتفوا بِمُجَرَّد الْإِثْبَات من غير زِيَادَة تَفْصِيل (وفصلها الْحَنَفِيَّة إِلَى عَام بصيغته وَمَعْنَاهُ) بِكَوْن اللَّفْظ جمعا، وَالْمعْنَى مُسْتَغْرقا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَهُوَ) أَي الْعَام بصيغته وَمَعْنَاهُ (الْجمع الْمحلي) بِاللَّامِ (للاستغراق، و) إِلَى عَام (بِمَعْنَاهُ) فَقَط (وَهُوَ الْمُفْرد الْمحلي) بِاللَّامِ (كَالرّجلِ والنكرة) المستغرقة (فِي) سِيَاق (النَّفْي وَالنِّسَاء، وَالْقَوْم، والرهط، وَمن، وَمَا، وَأي مُضَافَة، وكل، وَجَمِيع) وَلَا يخفى أَنه ذكر فِيمَا سبق من الصِّيَغ مَا لَيْسَ بداخل فِي أحد الْقسمَيْنِ هَهُنَا وَالظَّاهِر من هَذَا التَّفْصِيل اسْتِيفَاء الْكل، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بقوله وَهُوَ الْجمع الْمحلي الْجمع وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْقسم الثَّانِي، فِي التَّلْوِيح مَا حَاصله، وَهِي إِمَّا لفظ عَام بصيغته وَمَعْنَاهُ بِأَن يكون اللَّفْظ مجموعا، وَالْمعْنَى مستوعبا، أَو وجد لَهُ مُفْرد من لَفظه كالرجال أَولا كالنساء، وَإِمَّا بِمَعْنَاهُ فَقَط بِكَوْنِهِ مُفردا مستوعبا، وَلَا يتَصَوَّر عَام بصيغته فَقَط إِذْ لَا بُد من تعدد الْمَعْنى، وَالْعَام بِمَعْنَاهُ فَقَط إِمَّا يتَنَاوَل مَجْمُوع الْأَفْرَاد، وَإِمَّا يتَنَاوَل كل وَاحِد بطرِيق الشُّمُول أَو الْبَدَل، فَالْأول يتَعَلَّق الحكم فِيهِ بِمَجْمُوع الْأَفْرَاد، لَا بِكُل وَاحِد إِلَّا من حَيْثُ أَنه دَاخل فِي الْمَجْمُوع كالرهط لما دون الْعشْرَة من الرِّجَال لَيْسَ فيهم امْرَأَة، وَالْقَوْم لجَماعَة الرِّجَال خَاصَّة فاللفظ مُفْرد بِدَلِيل أَنه يثنى، وَيجمع، ويوحد الضَّمِير الرَّاجِع إِلَيْهِ، وتحقيقه أَنه فِي الأَصْل مصدر قَامَ، فوصف بِهِ ثمَّ غلب على الرِّجَال خَاصَّة لقيامهم بِأُمُور النِّسَاء، وَهَذَا تَأْوِيل مَا قيل إِنَّه جمع قَائِم، وَإِلَّا فَفعل لَيْسَ من أبنية الْجمع، وكل مِنْهُمَا متناول لجَمِيع آحاده، وَلَا لكل وَاحِد من حَيْثُ أَنه وَاحِد، حَتَّى لَو قَالَ الرَّهْط أَو الْقَوْم الَّذِي يدْخل هَذَا الْحصن فَلهُ كَذَا، فَدخل جمَاعَة كَانَ النَّفْل لمجموعهم، وَلَو دخله وَاحِد لم يسْتَحق شَيْئا وَالثَّانِي يتَعَلَّق الحكم فِيهِ بِكُل وَاحِد سَوَاء كَانَ مجتمعا مَعَ غَيره أَو مُتَفَرقًا عَنهُ مثل: من دخل هَذَا

стр. 209

الْحصن فَلهُ دِرْهَم، فَلَو دخله وَاحِد اسْتحق درهما، وَلَو دخله جمَاعَة مَعًا أَو متعاقبين اسْتحق كل وَاحِد مِنْهُم الدِّرْهَم وَالثَّالِث يتَعَلَّق الحكم فِيهِ بِكُل وَاحِد بِشَرْط الِانْفِرَاد، وَلَا يتَعَلَّق بِوَاحِد آخر، مثل: من دخل هَذَا الْحصن أَولا فَلهُ دِرْهَم، فَلَو دخله جمَاعَة مَعًا لم يستحقوا شَيْئا، وَلَو دخلُوا متعاقبين لم يسْتَحق إِلَّا السَّابِق انْتهى، وَالْمُصَنّف ﵀ خَالفه بِإِدْخَال النِّسَاء فِي الْعَام بِمَعْنَاهُ فَقَط: إِمَّا لِأَن المرضي عِنْده أَنه اسْم جمع، أَو لاعتباره فِي الْعَام بصيغته وَمَعْنَاهُ أَن يكون لَهُ مُفْرد من لَفظه وَهُوَ الْأَظْهر، فَإِنَّهُ صرح فِي الْقَامُوس بِأَنَّهُ جمع الْمَرْأَة من غير لَفظهَا، هَذَا وَعُمُوم كل وَجَمِيع بِاعْتِبَار مَا أضيف إِلَيْهِ، وإنهما لمُجَرّد الِاسْتِغْرَاق (فانقسم الْعُمُوم) بِهَذَا التَّفْصِيل (إِلَى صيغي) مَنْسُوب إِلَى أصل الْوَضع لكَون الصِّيغَة مَوْضُوعَة لمتعدد ابْتِدَاء (ومعنوي) غير متبادر من نفس الصِّيغَة تبادر الْقسم الأول (أما الْجمع الْمحلي فاستغراقه كالمفرد لكل فَرد لما تقدم) من أَن لَام الْجِنْس تسلب الجمعية إِلَى الجنسية إِلَى آخِره (وَمَا قيل أَن استغراق الْمُفْرد أشمل) من استغراق الْجمع (فَفِي النَّفْي) يَعْنِي أَن أشمليته فِيمَا إِذا كَانَ فِي سِيَاق النَّفْي، لِأَنَّهُ يسلب حِينَئِذٍ الجمعية، وَنفي تَحْقِيق الْجَمَاعَة لَا يسْتَلْزم نفي تَحْقِيق الْوَاحِد والاثنين، بِخِلَاف الْعَكْس إِذا لم يَجْعَل الْوحدَة أَو الأثنينية قيد الْمَنْفِيّ موردا للنَّفْي (أَو المُرَاد) أَن استغراف الْمُفْرد أشمل (أَنه) أَي استغراقه للآحاد (بِلَا وَاسِطَة الْجمع) بِخِلَاف استغراق الْجمع لَهَا فَإِنَّهَا بواسطته، لِأَن الحكم الثَّابِت للْجمع إِنَّمَا يثبت ابْتِدَاء لما يصدق عَلَيْهِ مَفْهُوم الْجمع، ثمَّ يسري إِلَى الْآحَاد إِذا لم يكن ثُبُوته للمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع، فأشمليته بِمَعْنى أظهرية شُمُوله، لَا بِمَعْنى أوسعية دَائِرَة شُمُوله (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد أحد التَّأْويلَيْنِ (فَمَمْنُوع) أَي فكونه أشمل مَمْنُوع، ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن شَيْئا من التَّأْويلَيْنِ لَا يَصح أَيْضا بقوله (وَمَا تقدم) من سلب لَام الْجِنْس الجمعية إِلَى الجنسية، وَمن عدم الْفرق بَين: لَا رجل، وَلَا رجال فِي نفي الْجِنْس (يَنْفِي كَونه) أَي كَون استغراق الْجمع (بِوَاسِطَة الْجمع) لِأَنَّهُ لم يبْق الجمعية بعد السَّلب (و) كَذَلِك يَنْفِي (أشمليته فِي النَّفْي) لعدم الْفرق بَينهمَا بِحَسب الْحَقِيقَة على مَا مر بَيَانه (ولإجماع الصَّحَابَة على) فهم الْعُمُوم فِي قَوْله ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) وَإِلَّا لم يحصل إِلْزَام الْأَنْصَار عِنْد قَوْلهم: أَمِير منا، وأمير مِنْكُم لجَوَاز الْعَمَل بِمُوجب قَوْلهم: إِذا لم يقْصد بقوله الْأَئِمَّة الِاسْتِغْرَاق، بِخِلَاف مَا إِذا قصد فَإِن الْمَعْنى حِينَئِذٍ: كل إِمَام من قُرَيْش (و) لإِجْمَاع أهل (اللُّغَة على صِحَة الِاسْتِثْنَاء) أَي اسْتثِْنَاء الْمُفْرد من الْجمع الْمحلي فَإِنَّهُ لَو لم يسْتَغْرق الْآحَاد كالجنس الْمحلي لما صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ، فَإِن استثناءه مِنْهُ يقتضى شُمُوله إِيَّاه قطعا، وَهَذَا الْقطع لَا يحصل إِلَّا بالاستغراق، وَكَونه بِحَيْثُ يتَنَاوَلهُ الحكم لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء (كَمَا تقدم) وَلما بَين ضعف مَا قيل من

стр. 210

الأشملية أَرَادَ أَن يبين ضعف مَا يَبْنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ (وَعنهُ) أَي وَعَن كَون استغراق الْجمع دون استغراق الْمُفْرد لشُمُوله الجموع لَا الْآحَاد (قالوأ) أَي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي رد اسْتِدْلَال الْمُعْتَزلَة بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ على نفي الرُّؤْيَة مُطلقًا هُوَ (سلب الْعُمُوم) وَرفع الْإِيجَاب الْكُلِّي للْفرق بَينه وَبَين لَا يُدْرِكهُ الْبَصَر، فَإِن الثَّانِي نفي لإدراك جنس الْبَصَر إِيَّاه. وَالْأول نفي لإدراك الْجِنْس الْمُسْتَغْرق، وَنفي الْجِنْس الْمُسْتَغْرق لَا يسْتَلْزم نَفْيه مُطلقًا لجَوَاز أَن يتَحَقَّق بِغَيْر استغراق فَإِن قلت من أَيْن لَك أَن قَوْلهم هَذَا مَبْنِيّ على كَون استغراق الْجمع دون استغراق الْمُفْرد، لم لَا يجوز أَن يكون مَبْنِيّ قَوْله: وَعنهُ عَن كَون استغراق الْجمع كالمفرد كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من السِّيَاق، لِأَنَّهُ الأَصْل الممهد، وَمَا ذكرت أَمر ذكر على وَجه الِاعْتِرَاض وَنفي قلت نعم، لَكِن يرد حِينَئِذٍ أَن الْحمل على سلب الْعُمُوم على ذَلِك التَّقْدِير خلاف الظَّاهِر لكَونه بِمَنْزِلَة لَا يُدْرِكهُ الْبَصَر فِي الدّلَالَة على نفي الْجِنْس فَتَأمل (لَا عُمُوم السَّلب) وَالسَّلب الْكُلِّي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَحَقَّق على تَقْدِير نفي الْجِنْس مُطلقًا، وَقَوله (أَي لَا يُدْرِكهُ كل بصر) تَفْسِير لسلب الْعُمُوم، فالمنفي ثُبُوت رُؤْيَة الْكل (وَهُوَ) أَي سلب الْعُمُوم سلب (جزئي) لَا سلب كلي لِأَن نقيض الْإِيجَاب الْكُلِّي وَرَفعه السَّلب الجزئي (فَجَاز) ثُبُوت الرُّؤْيَة (لبعضها) أَي الْأَبْصَار، يرد عَلَيْهِ أَن حَاصِل هَذَا إبِْطَال مَذْهَب الْخصم، وَهُوَ السَّلب الْكُلِّي، لَكِن لَا يثبت بِهِ مَذْهَبنَا، وَهُوَ ثُبُوت الرُّؤْيَة لكل مُؤمن وَالْجَوَاب أَن هَذَا لمُجَرّد إبِْطَال مَذْهَب الْخصم، وَأَن للْمَذْهَب أَدِلَّة أُخْرَى (نعم إِذا اعْتبر الْجمع للْجِنْس) لسلب اللَّام جمعيته إِلَى الجنسية (كَانَ) النَّفْي الْمَذْكُور (عُمُوم السَّلب) لوروده على الْجِنْس كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا يحب الْكَافرين﴾ إِذْ لَا شكّ أَن المُرَاد مِنْهُ نفي الْمحبَّة عَن جنس الْكَافِر مُطلقًا، لَا الْجِنْس الْمَوْصُوف بالجمعية، وَقَوله لنفي الْجِنْس تَعْلِيل لعُمُوم السَّلب، وَيجوز أَن يكون قَوْله - ﴿لَا يحب الْكَافرين﴾ - مُبْتَدأ خَبره لنفي الْجِنْس، وَتَكون الْجُمْلَة تَوْطِئَة لقَوْله (وَلَو اعْتبر مثله) أَي مثل مَا فِي قَوْله - ﴿لَا يحب الْكَافرين﴾ - من نفي الْجِنْس (فِي الْآيَة) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ - (ادّعى) حِينَئِذٍ فِي جَوَاب الْخصم (أَن الْإِدْرَاك) الْمَنْفِيّ فِي الْآيَة (أخص من الرُّؤْيَة) الْمُطلقَة، وَهُوَ مَا كَانَ على وَجه الْإِحَاطَة للمرئي، وَنفي الْأَخَص لَا يسْتَلْزم نفي الْأَعَمّ وَلما عد الْمحلي بِاللَّامِ من صِيغ الْعُمُوم، وَكَانَ لَهُ معَان أَرْبَعَة: الْجِنْس، والاستغراق، والعهد الْخَارِجِي، والعهد الذهْنِي، والعموم إِنَّمَا يتَحَقَّق عِنْد إِرَادَة الِاسْتِغْرَاق احْتَاجَ إِلَى بَيَان ضَابِط يعرف بِهِ إِرَادَة الِاسْتِغْرَاق، فَقَالَ (وَالتَّعْيِين) أَي تعْيين أحد الْمعَانِي الْمَذْكُورَة إِنَّمَا يكون (بِمعين) من قرينَة لفظية أَو حَالية بِحَسب الْمقَام (وَإِن لم يكن) ذَلِك الْمعِين (وَلَا عهد خارجي) وَلم يكن

стр. 211

مَعْهُود معِين من أَفْرَاد الْمحلي بِاللَّامِ بَين الْمُتَكَلّم والمخاطب قبل هَذَا التخاطب (وَأمكن أَحدهمَا) أَي الِاسْتِغْرَاق أَو الْجِنْس، وَقد سبق ذكرهمَا قَرِيبا مفرقا، وَالْمرَاد إِمْكَان أَحدهمَا بِدُونِ الآخر (تعين) الَّذِي أمكن (وَإِن أمكن كل مِنْهُمَا قيل) وقائله جمَاعَة: مِنْهُم فَخر الْإِسْلَام، وَأَبُو زيد (الْجِنْس) أَي المُرَاد عِنْد إِمْكَان كل مِنْهُمَا الْجِنْس (للتيقن) لِأَنَّهُ مَوْجُود فِي ضمن الِاسْتِغْرَاق أَيْضا، والمتيقن أولى بالإرادة عِنْد التَّرَدُّد (وَقيل) وقائله عَامَّة مَشَايِخنَا وَغَيرهم تعين (الِاسْتِغْرَاق للأكثرية) أَي لِأَنَّهُ يُرَاد فِي أَكثر استعمالات الْمحلي بِاللَّامِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجِنْس (خُصُوصا فِي اسْتِعْمَال الشَّارِع) على مَا يشْهد بِهِ التتبع والاستقراء (وَقرر) كَمَا صرح بِهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (أَن الْجمع الْمحلي للمعهود والاستغراق حَقِيقَة، وللجنس مجَاز) وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود من وضع الْأَلْفَاظ بِإِزَاءِ المفهومات الْكُلية أَن تسْتَعْمل فِي أَفْرَاده الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج لِأَن الْأَحْكَام تثبت لَهَا، لَا الطبائع الْكُلية، وَلذَا ذهب كثير من الْمُحَقِّقين إِلَى أَن اسْم الْجِنْس مَوْضُوع للفرد الْمُنْتَشِر لَا الْمَاهِيّة الْمُطلقَة، وَهُوَ الْأَوْجه فَإِن قلت مُرَادهم من الْجِنْس هُنَا هُوَ الْمَعْهُود الذهْنِي قلت هُوَ قريب من الْجِنْس بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور بِاعْتِبَار كَونه قَلِيل الْفَائِدَة (وَأَنه) أَي الْجِنْس (خلف) عَنْهُمَا (لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا لتعذرهما) كَمَا هُوَ شَأْن الْمجَاز مَعَ الْحَقِيقَة وَالْخلف مَعَ الأَصْل (ولدا) أَي لِأَنَّهُ لَا يُصَار إِلَيْهِ لتعذرهما (لَو حلف لَا يكلمهُ الْأَيَّام أَو الشُّهُور يَقع) الْمَذْكُور من الْأَيَّام والشهور (على الْعشْرَة) مِنْهَا (عِنْده) أَي أبي حنيفَة ﵀ (وعَلى الْأُسْبُوع) فِي الْأَيَّام (و) على (السّنة) فِي الشُّهُور (عِنْدهمَا لَا مَكَان) حمل الْمحلي الْمَذْكُور: وَهُوَ الْأَيَّام والشهور على (الْعَهْد) الْخَارِجِي الَّذِي هُوَ حَقِيقَة فِيهِ (غير أَنهم) أَي الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (اخْتلفُوا فِي) مَا هُوَ (الْمَعْهُود) فِي الْأَيَّام والشهور، فَعنده الْعشْرَة من الْأَيَّام والشهور، وَعِنْدَهُمَا الْأُسْبُوع وَالسّنة. قَالَ المُصَنّف ﵀ فِي شرح الْهِدَايَة لقَائِل أَن يرجح قَوْلهمَا فِي الْأَيَّام والشهور بِأَن عهد هما أَعهد، وَذَلِكَ لِأَن عهدية الْعشْرَة إِنَّمَا هُوَ للْجمع مُطلقًا من غير نظر إِلَى مَادَّة خَاصَّة، فَإِذا عرض فِي خُصُوص مَادَّة من الْجمع مُطلقًا كالأيام عهدية عدد غَيره كَانَ اعْتِبَار هَذَا الْمَعْهُود أولى، وَقد عهد فِي الْأَيَّام السَّبْعَة، وَفِي الشُّهُور الاثنى عشر، فَيكون صرف خُصُوص هذَيْن الجمعين إِلَيْهِمَا أولى بِخِلَاف غَيرهمَا من الجموع كالسنين والأزمنة، فَإِنَّهُ لم يعْهَد فِي مادتهما عدد آخر فَيَنْصَرِف إِلَى مَا اسْتَقر للْجمع مُطلقًا من إِرَادَة الْعشْرَة فَمَا دونهَا انْتهى، يرد عَلَيْهِ أَن الْمَعْهُود فِي الْأَيَّام سَبْعَة: أَولهَا السبت، وَآخِرهَا الْجُمُعَة، وهما لَا يحملانها على السَّبْعَة الَّذِي يكون على هَذَا الْوَجْه، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن الْمَعْهُود يعم كَمَا قلت غير أَن تِلْكَ الخصوصية ألغيت لعدم تعلق الْقَصْد بهَا حَال الْيَمين كَمَا لَا يخفى (وخالعني على مَا فِي يَدي من الدَّرَاهِم وَلَا شَيْء) فِي يَدهَا

стр. 212

(لَزِمَهَا ثَلَاثَة) أَي وللأصل الْمَذْكُور فِي قَوْلهَا خالعني على مَا فِي يَدي إِلَى آخِره لَزِمَهَا ثَلَاثَة، يرد عَلَيْهِ أَن هَذَا من قبيل حمل الْجمع على أقل مراتبه لتيقنه، لَا من بَاب حمل الْجمع الْمحلي على الْعَهْد لامكانه، فَلَا وَجه لذكره هَهُنَا، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن أصل الْكَلَام إِنَّمَا كَانَ فِي أَن الْجِنْس مجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمحلي الْمَذْكُور لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، وَلَا شكّ أَن حَقِيقَة الْجمع تَقْتَضِي وجود مَا فَوق الِاثْنَيْنِ من أَفْرَاد مفرده، فَحَمله على الْجِنْس بِحَيْثُ يصدق على الْوَاحِد والاثنين، بل تَأْثِيره فِي استغراق الْآحَاد وَإِثْبَات الحكم لكل وَاحِد مِنْهَا لَا يَجْعَل الْجمع مثل الْمُفْرد من كل وَجه (وَلَا شكّ أَن تَعْرِيف الْجِنْس الَّذِي اسْتدلَّ على ثُبُوته باطباق الْعَرَب) أَي اتِّفَاقهم (على) إِرَادَة الْجِنْس من نَحْو: فلَان (يلبس البرود، ويركب الْخَيل، ويخدمه العبيد) للْقطع بِعَدَمِ الْقَصْد إِلَى عهد أَو استغراق أَو عدد، لِأَنَّهُ يُقَال فِي حق من لَا يلبس إِلَّا بردا وَاحِدًا وَلَا يركب إِلَّا فرسا وَاحِدًا، وَلَا يَخْدمه إِلَى عبد وَاحِد (هُوَ المُرَاد بالمعهود الذهْنِي) قَوْله المُرَاد الخ خَبره أَن، وَقَوله: هُوَ للفصل، والمضاف الْمَجْرُور بِالْبَاء مَحْذُوف: أَي بتعريف الْمَعْهُود الذهْنِي (إِذْ هُوَ) أَي تَعْرِيف الْمَعْهُود الذهْنِي (الْإِشَارَة إِلَى الْحَقِيقَة) الَّتِي هِيَ مُسَمّى مَدْخُول اللَّام (باعتبارها) أَي بِاعْتِبَار تِلْكَ الْحَقِيقَة، وَجعلهَا (بعض الْأَفْرَاد) أَي يشار إِلَى الْحَقِيقَة من حَيْثُ تحققها فِي ضمن فَرد مَا، لَا من حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَلَا من حَيْثُ تحققها فِي ضمن فَرد معِين، أَو فِي ضمن كل فَرد (غير مُعينَة للعهدية الذهنية) لَا الخارجية حَيْثُ لم يعْهَد قبل بَين الْمُتَكَلّم والمخاطب ذكر فَرد وَحِصَّة مُعينَة من تِلْكَ الْحَقِيقَة، غير أَن الطبيعة الْكُلية من حَيْثُ تحققها فِي ضمن فَرد مَا أَمر مَعْلُوم مَعْهُود فِي الأذهان، فباللام يشار إِلَيْهَا من حَيْثُ أَنَّهَا مَعْلُومَة معهودة فِي ذهن الْمُخَاطب، وَلما كَانَ معلومية الْحَقِيقَة الْمُعْتَبرَة من حَيْثُ تحققها فِي ضمن الْفَرد الْمُنْتَشِر بِاعْتِبَار معلومية الطبيعة أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لجنسها) وَإِضَافَة الْجِنْس إِلَيْهَا من قبيل إِضَافَة الْمُطلق إِلَى الْمُقَيد كشجر الْأَرَاك (وَالتَّعْبِير بِالْحِصَّةِ) من الْحَقِيقَة عَن الْمَعْهُود الذهْنِي (غير جيد) لِأَن الْحصَّة إِنَّمَا هِيَ الْفَرد الْمعِين: أَو الْأَفْرَاد الْمعينَة من الطبيعة، وَأما الْفَرد الْمُنْتَشِر فَهُوَ مَفْهُوم كلي مسَاوٍ للْحَقِيقَة، كَذَا قيل وَفِيه نظر، فَالْوَجْه أَن يُقَال أَنه أَشَارَ إِلَى مَا قَالُوا: من أَن كل كلي بِالنِّسْبَةِ إِلَى حصصه نوع، فَأَما بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَفْرَاده فقد يكون عرضيا، فقد فرقوا بَينهمَا، وَيطْلب تَحْقِيقه فِي مَحَله من الْمَعْلُوم أَن المُرَاد هَهُنَا الْفَرد فَإِن قلت بَقِي قسم من الْمحلي لم يذكرهُ، وَهُوَ

стр. 213

جنس الْمشَار إِلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ مَعَ قطع النّظر عَن تحَققه فِي ضمن فَرد قلت لم يتَعَلَّق غَرَض الأصولي بِهِ، لِأَنَّهُ من الاعتبارات الْعَقْلِيَّة الْمُنَاسبَة للاعتبارات الفلسفية، فَإِنَّهُ قد يثبت لَهُ الْأَحْكَام فِي تِلْكَ الْعُلُوم، فَلَا بَأْس بِعَدَمِ ذكره وَعدم اعْتِبَاره (وَعنهُ) أَي عَن تَعْرِيف الْجِنْس (لتعينه) أَي الْجِنْس لعدم إِمْكَان الْعَهْد والاستغراق (وَجب من) قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء﴾ جَوَاز الصّرْف لوَاحِد) يَعْنِي ثَبت الْجَوَاز الْمَذْكُور مِنْهُ ثبوتا ناشئا عَن تَعْرِيف الْجِنْس فِي الْفُقَرَاء لتعين الْجِنْس، لعدم إِمْكَان الْحمل على الْحَقِيقَة من الْعَهْد والاستغراق، أما الْعَهْد فَظَاهر، وَأما الِاسْتِغْرَاق فَلِأَنَّهُ يسْتَلْزم كَون كل صَدَقَة لكل فَقير وَلَا يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون الْمَعْنى جَمِيع الصَّدقَات لجَمِيع الْفُقَرَاء؟ وتقابل الْجمع بِالْجمعِ يقتضى انقسام الْآحَاد على الْآحَاد لأَنا نقُول: لَيْسَ هَذَا معنى الِاسْتِغْرَاق، إِذْ مفاده ثُبُوت الحكم لكل فَرد لَا للمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع، وَلَو سلم، فالمطلوب حَاصِل وَهُوَ جَوَاز صرف الزَّكَاة إِلَى فَقير وَاحِد، لكنه لَا يكون حِينَئِذٍ من تَعْرِيف الْجِنْس لتعينه، وَفِيه مَا فِيهِ (وتنصف الْمُوصي بِهِ لزيد وللفقراء) فَنصف لَهُ، وَنصف لَهُم مَعْطُوف على وَجب: أَي وَعَن تَعْرِيف الْجِنْس وَكَون اللَّام لَهُ لتعينه تنصف الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ يُرَاد حِينَئِذٍ جنس الْفَقِير المُرَاد مِنْهُ الْمَعْهُود الذهْنِي الَّذِي هُوَ الْفَرد الْمُنْتَشِر، فَكَأَنَّهُ أوصى للاثنين: زيد وفقير (وَأجْمع على الْحِنْث بفرد فِي الْحلف) على أَنه (لَا يتَزَوَّج النِّسَاء و) الْحلف على أَنه (لَا يَشْتَرِي العبيد) فَقَوله: وَأجْمع أَيْضا مَعْطُوف على وَجب، فَإِنَّهُ أَيْضا من فروع تَعْرِيف الْجِنْس لتعينه بِدَلِيل إِجْمَاع الْعلمَاء على حنث الْحَالِف بتزوج امْرَأَة وَاحِدَة فِي الأولى، وَشِرَاء عبد وَاحِد فِي الثَّانِيَة، فلولا المُرَاد بِالنسَاء وَالْعَبِيد الْجِنْس لما حنث (الْأَبْنِيَة الْعُمُوم) فِي المنفى لَا النَّفْي، اسْتثِْنَاء من عُمُوم الْأَحْوَال: أَعنِي أَجمعُوا على الْحِنْث بِمَا ذكر فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا عِنْد مَا يَنْوِي الْحَالِف منع نَفسه عَن تزوج كل النِّسَاء، وَشِرَاء كل العبيد لَا عَن الْبَعْض مِنْهُمَا (فَلَا يَحْنَث أبدا) لِأَن تزوج كل النِّسَاء وَشِرَاء كل العبيد محَال (قَضَاء وديانة) لِأَنَّهُ نوى حَقِيقَة كَلَامه، كَذَا قيل، وَيرد عَلَيْهِ أَن يقتضى الْكَلَام السَّابِق أَن رفع الْإِيجَاب الْكُلِّي لَيْسَ حَقِيقَة الْجمع الْمحلي الْوَاقِع فِي سِيَاق النَّفْي، لِأَن الرّفْع الْمَذْكُور فِي قُوَّة السَّلب الجزئي فَلَا استغراق حِينَئِذٍ وَلَا عهد، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن الِاسْتِغْرَاق مَوْجُود فِي الْإِيجَاب الَّذِي هُوَ مورد النَّفْي وَإِن لم يُوجد فِي النَّفْي، وَفِيه نظر (وَقيل) لَا يَحْنَث (ديانَة) وَيحنث قَضَاء (لِأَنَّهُ) أَي قَوْله لَا يتَزَوَّج النِّسَاء وَلَا يَشْتَرِي العبيد عِنْد إِرَادَة الْعُمُوم (كالمجاز) فِي الِاحْتِيَاج إِلَى الْقَرِينَة لعروض الِاشْتِرَاك إِن قُلْنَا أَن مثله يسْتَعْمل حَقِيقَة فِي عُمُوم النَّفْي، وَنفي الْعُمُوم، ومجازا إِن قُلْنَا حَقِيقَته عُمُوم النَّفْي بِدَلِيل التبادر إِلَى الْفَهم، وَلِهَذَا (لَا ينَال) الْعُمُوم الْمَذْكُور (إِلَّا بِالنِّيَّةِ) كَمَا هُوَ شَأْن الْمجَاز وَمَا يجْرِي مجْرَاه،

стр. 214

وَقيل المُرَاد بِالْإِجْمَاع الْمَذْكُور إِجْمَاع مَشَايِخنَا، فقد ذكر الرَّافِعِيّ ﵀ فِي هذَيْن الفرعين أَنه يَحْنَث بتزوج ثَلَاث نسْوَة، وَشِرَاء ثَلَاثَة أعبد (وَمِنْه) أَي من تَعْرِيف الْجِنْس بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (لَا من) تَعْرِيف (الْمَاهِيّة) من حَيْثُ هِيَ كَمَا قيل (شربت المَاء، وأكلت الْخبز وَالْعَسَل) كَانَ (كأدخل السُّوق) لِأَن الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ اعْتِبَار عَقْلِي مَحْض، لَا تشرب وَلَا تُؤْكَل، وَلَا تدخل، وَإِنَّمَا قَالَ كأدخل السُّوق إِشَارَة إِلَى أَن كَون اللَّام فِيهِ للْعهد الذهْنِي أَمر مُسلم والمذكورات مثله، فَلَا يَنْبَغِي أَن يناقش فِيهَا أَيْضا (وَهَذَا) الَّذِي يشرع فِيهِ (اسْتِئْنَاف) وابتدأ كَلَام لَا من تَتِمَّة الْكَلَام السَّابِق وَإِن كَانَ لَهُ نوع تعلق بِهِ (اللَّام) الموضوضة (للتعريف) حَقِيقَتهَا (الْإِشَارَة إِلَى المُرَاد بِاللَّفْظِ) إِشَارَة عقلية، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله للتعريف خبر الْمُبْتَدَأ، وَقَوله الْإِشَارَة بَدَلا مِنْهُ سَوَاء كَانَ ذَلِك المُرَاد (مُسَمّى) بِأَن وضع اللَّفْظ بإزائه (أَولا) بِأَن كَانَ معنى مجازيا، وَالْمرَاد الْإِشَارَة من حَيْثُ أَنه مَعْلُوم الْمُخَاطب وَإِلَّا فالإشارة إِلَى نَفسه مَعَ قطع النّظر عَن معلوميته متحققة فِي النكرَة أَيْضا بِمُقْتَضى الْوَضع أَو الْقَرِينَة، غير أَنه لَا يشار إِلَى معلوميته وَإِن كَانَ مَعْلُوما فِي نفس الْأَمر للمخاطب (فالمعرف فِي) مر عَليّ أَشْجَع النَّاس (فأكرمت الْأسد الرجل) الشجاع (وَإِنَّمَا تدخل) لَام التَّعْرِيف (النكرَة) لَا الْمعرفَة لاستغنائها عَنْهَا (ومسماها) أَي النكرَة (بِلَا شَرط فَرد) مَا من الْمَفْهُوم الْكُلِّي الَّذِي يدل عَلَيْهِ (بِلَا زِيَادَة) من أَمر وجودي أَو عدمي: يَعْنِي مَاهِيَّة الْفَرد الْمُنْتَشِر لَا بِشَرْط شَيْء لَا مَاهِيَّة بِشَرْط شَيْء أَو بِشَرْط لَا شَيْء، وَإِنَّمَا قَالَ بِلَا شَرط، لِأَن مُسَمّى النكرَة بِشَرْط كَونه فِي سِيَاق النَّفْي كل فَرد وَلَا فَرد مَا (فَعدم التَّعْيِين) فِي مُسَمّى النكرَة (لَيْسَ جُزْءا لمعناها وَلَا شرطا) كَمَا يُوهم التَّعْبِير عَنهُ بفرد مَا وبالفرد الْمُنْتَشِر، وَإِلَّا لامتنع تحَققه مَعَ التَّعْيِين (فاستعملت فِي الْمعِين عِنْد الْمُتَكَلّم لَا السَّامع حَقِيقَة لصدق) مَفْهُوم (الْمُفْرد) يَعْنِي النكرَة إِذا اسْتعْملت فِي فَردهَا الَّذِي هُوَ معِين عِنْد الْمُتَكَلّم غير معِين عِنْد السَّامع، فَهِيَ بِاعْتِبَار هَذَا الِاسْتِعْمَال حَقِيقَة لصدق مَا وضعت لَهُ على الْمُسْتَعْمل فِيهِ، لَا أَنه يسْتَعْمل دَائِما فِي الْمعِين عِنْده لجَوَاز عدم تعْيين مَا اسْتعْملت فِيهِ عِنْد الْمُتَكَلّم أَيْضا كَمَا إِذا قَالَ: جَاءَنِي رجل وَهُوَ لَا يعرفهُ بِعَيْنِه (فَإِن نسبت إِلَيْهِ بعده) أَي إِن نسبت الْمُتَكَلّم الْمَذْكُور لذَلِك الْفَرد الْغَيْر الْمعِين شَيْئا بعد ذَلِك الِاسْتِعْمَال، والمخاطب هُوَ السَّامع الْمَذْكُور (عرفت) تِلْكَ النكرَة فِي خطابه الثَّانِي بِاللَّامِ حَال كَونه (معهودا) بَين الْمُتَكَلّم والمخاطب بِمَا سبق ذكره، وَلَو على سَبِيل الْإِبْهَام، فَعلم أَن التَّعْرِيف العهدي لَا يسْتَلْزم التَّعْيِين الشخصي، بل يَكْفِي فِيهِ تعين مَا (يُقَال) للْعهد الْمَذْكُور معهودا عهدا (ذكريا وخارجيا) صفة أُخْرَى، أما كَونه ذكريا فلسبق ذكره، وَأما كَونه

стр. 215

خارجيا فلمعهوديته فِي خَارج هَذِه الملاحظة الكائنة فِي هَذَا التخاطب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أَي مَا عهد من السَّابِق) فَقَوله: مَا عهد تَفْسِير للمعهود، وَقَوله: من السَّابِق تَفْسِير لقَوْله خارجيا، فَإِن مَا عهد فِي الزَّمَان السَّابِق لَا جرم يكون خارجيا عَن الملاحظة الخالية، وَكلمَة من ابتدائية لبَيَان مبدأ الْعَهْد (وَلَو) كَانَ الْمشَار إِلَيْهِ بِاللَّامِ معينا عِنْد التخاطب لما يُوجب ذَلِك من قرينَة أَو دوَام حُضُور فِي الذِّهْن إِلَى غير ذَلِك (غير مَذْكُور) بَينهَا (خص) ذَلِك الْمعِين الْغَيْر الْمَذْكُور (بالخارجي) أَي بالمعهود الْخَارِجِي، وَلَا يُقَال لَهُ الذكرى الْخَارِجِي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِذْ هما فِي الْغَار﴾ فَإِن الْغَار مَعْلُوم مُتَعَيّن عِنْد المخاطبين من غير سبق ذكر (وَإِذا دخلت) اللَّام الِاسْم (الْمُسْتَعْمل فِي غَيره) أَي فِي الْفَرد الْغَيْر الْمعِين عِنْد الْمُتَكَلّم وَالسَّامِع (عرفت معهودا ذهنيا) لكَون الْمشَار إِلَيْهِ أمرا ذهنيا غير مُتَعَيّن فِي الْخَارِج (وَيُقَال) للتعريف الْحَاصِل مِنْهَا حِينَئِذٍ (تَعْرِيف الْجِنْس أَيْضا) كَمَا يُقَال: تَعْرِيف الْعَهْد الذهْنِي (لصدق) الْفَرد (الشَّائِع على كل فَرد) من أَفْرَاد الْجِنْس (وَإِذا أُرِيد بهَا كل الْأَفْرَاد) أَي النكرَة بِأَن يشار بِاللَّامِ إِلَى الْحَقِيقَة من حَيْثُ تحققها فِي ضمن كل فَرد (عرفت الِاسْتِغْرَاق) أَي عرفت النكرَة تَعْرِيف الِاسْتِغْرَاق، فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه فأعرب بإعرابه (أَو) أُرِيد بهَا (الْحَقِيقَة) من حَيْثُ هِيَ (بِلَا اعْتِبَار فَرد) وَقطع النّظر عَن اعْتِبَار تحققها فِي الْخَارِج فِي ضمن فَرد (فَهِيَ) أَي اللَّام (لتعريف الْحَقِيقَة والماهية كَالرّجلِ خير من الْمَرْأَة) لِأَنَّهُ لَا الْتِفَات فِي تَفْضِيل جنس الرجل على جنس الْمَرْأَة إِلَى الْفَرد، لِأَنَّهُ لَا يُرَاد أَن فَردا مَا مِنْهُ خير من فَرد مَا مِنْهَا، وَلَا أَن كل فَرد مِنْهُ خير من كل فَرد مِنْهَا فَإِن قلت إِذا قطع النّظر عَن الْفَرد مُطلقًا لزم الحكم بخيرية اعْتِبَار عَقْلِي من اعْتِبَار عَقْلِي آخر قلت لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ تَرْجِيح لجنس مَوْجُود فِي الْخَارِج على جنس مَوْجُود فِيهِ، غَايَة الْأَمر عدم الْتِفَات الْحَاكِم إِلَى وجودهما وفردهما فِي الْخَارِج، وَعدم اعْتِبَار وجود الشَّيْء فِي نظر الْعقل لَا يسْتَلْزم عدم وجوده فِي نفس الْأَمر (غير أَنه) أَي الشَّأْن قد (يخال) أَي يظنّ (أَن الِاسْم) الَّذِي دَخلته اللَّام (حِينَئِذٍ مجَاز فيهمَا) أَي فِي الِاسْتِغْرَاق والحقيقة (لِأَنَّهُ) أَي الِاسْم الْمَذْكُور (لَيْسَ) مَوْضُوعا (للاستغراق وَلَا للماهية) من حَيْثُ هِيَ، بل للفرد والمنتشر للماهية (وَلَا اللَّام) مَوْضُوعَة للْإِشَارَة إِلَى كل فَرد، وَلَا للْإِشَارَة إِلَى الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة للْإِشَارَة إِلَى مَا وضع لَهُ مدخوله، وَقد عرفت عدم وَضعه لشَيْء مِنْهَا (وَلَكِن تبادر الِاسْتِغْرَاق) فِي الاطلاقات (عِنْد عدم الْعَهْد يُوجب وَضعه لَهُ) أَي وضع الِاسْم للاستغراق أَي (بِشَرْط اللَّام) قيد للوضع لظُهُور عدم تبادره من الِاسْم الْمَذْكُور إِذا لم يكن مَدْخُول اللَّام (كَمَا قدمنَا) فِي
следующие страницы →