Полный текст (1 287 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فَالظَّاهِر بعد التَّقْيِيد الْمَذْكُور يكون أَيْضا أخص مِنْهُ إِلَّا أَن مَادَّة الِافْتِرَاق حِينَئِذٍ تَنْحَصِر فِيمَا سيق لغير مَفْهُومه، بِخِلَاف الأول، فَإِن الْمُفَسّر والمحكم كَذَلِك فِي مَادَّة الِافْتِرَاق فَإِن قلت هَل يجوز إرجاع الْمَرْفُوع الثَّانِي إِلَى النَّص قلت لَا، لِأَنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ كَون الظَّاهِر على إِطْلَاقه قسما من النَّص لعدم مَا يُقَيِّدهُ، مَعَ أَنه مضى تَفْسِيره قَرِيبا، وَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير ثَانِيًا، وَلَيْسَ من دأب المُصَنّف مثل هَذَا التّكْرَار ثمَّ لما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة أَن يُقَال كَيفَ يكون ظَاهر الشَّافِعِيَّة قسما من نَص الْحَنَفِيَّة مَعَ تصريحهم بقطعية دلَالَة النَّص أَفَادَ أَن لَا مُنَافَاة بَينهمَا بقوله (وَإِن اخْتلفُوا) أَي الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (فِي قَطْعِيَّة دلَالَته) أَي النَّص (وظنيتها) أَي دلَالَته، ثمَّ أَفَادَ وَجه التَّوْفِيق بقوله (وَالْوَجْه أَنه) أَي الْخلاف والنزاع الْمَذْكُور (لَفْظِي) أَي مَنْسُوب إِلَى اللَّفْظ بِاعْتِبَار مَا يُوهم ظَاهره، وَلَا خلاف فِي الْمَعْنى لعدم اتِّحَاد مورد الْقطع وَالظَّن (فالقطعية) الَّتِي ذكرهَا الْحَنَفِيَّة (للدلالة) أَي لدلَالَة هَذَا الْقسم من النَّص على مَعْنَاهُ (والظنية) الَّتِي ذكرهَا الشَّافِعِيَّة (بِاعْتِبَار الْإِرَادَة) وَأَيْنَ الدّلَالَة من الْإِرَادَة؟ فَإِن دلَالَة اللَّفْظ الْمَوْضُوع على مَعْنَاهُ بعد الْعلم بِالْوَضْعِ لَا تنفك عَنهُ قطعا، بِخِلَاف إِرَادَة مَا وضع لَهُ، فَإِنَّهُ قد يصرف عَنهُ الْقَرِينَة الصارفة إِلَى مَا تعينه الْمعينَة (فَلَا اخْتِلَاف) فِي الْمَعْنى هَذَا، وَيرد عَلَيْهِ أَن القطعية بِاعْتِبَار الدّلَالَة لَا تخص النَّص، بل الظَّاهِر أَيْضا دلَالَة قَطْعِيَّة بالتأويل الْمَذْكُور، وَالِاحْتِمَال بِاعْتِبَار الْإِرَادَة فَتدبر (واستمروا) أَي الشَّافِعِيَّة (على إِيرَاد المؤول قرينا لَهُ) أَي الظَّاهِر، (فَيُقَال الظَّاهِر، والمؤول كالخاص وَالْعَام) أَي كَمَا اسْتمرّ الأصوليون على إِيرَاد الْعَام قرينا للخاص (لإِفَادَة الْمُقَابلَة) بَين الظَّاهِر والمؤول (فَيلْزم فِي الظَّاهِر عدم الصّرْف) أَي لما جعلُوا الظَّاهِر مُقَابلا للمؤول لزم أَن يعْتَبر فِي مَفْهُوم الظَّاهِر عدم الصّرْف عَن مَعْنَاهُ الظَّاهِر تَحْقِيقا للمقابلة، فَإِن الصّرْف عَن الظَّاهِر مُعْتَبر فِي مَفْهُوم المؤول (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر عدم الصّرْف فِي الظَّاهِر (اجْتمعَا) أَي الظَّاهِر والمؤول فِي لفظ وَاحِد، والمتقابلان لَا يَجْتَمِعَانِ، بَيَان الْمُلَازمَة مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (إِذْ المصروف) أَي اللَّفْظ الَّذِي صرف عَن مَعْنَاهُ الَّذِي دلَالَته عَلَيْهِ ظنية إِلَى معنى يحْتَملهُ احْتِمَالا مرجوحا لدَلِيل يَقْتَضِيهِ (لَا تسْقط دلَالَته على) الْمَعْنى (الرَّاجِح) يَعْنِي أَن دلَالَته عَلَيْهِ بعد الصّرْف لم تَتَغَيَّر عَن حَالهَا، لِأَن الصّرْف بِاعْتِبَار الْإِرَادَة فَقَط كَمَا عرفت، وَأما الدّلَالَة وَفهم الْمَعْنى فَلَا يتَصَوَّر أَن يصرف عَنْهَا بعد الْعلم بِالْوَضْعِ (فَيكون) اللَّفْظ المصروف عَن الظَّاهِر (بِاعْتِبَارِهِ) أَي كَونه دَالا على الرَّاجِح (ظَاهرا) لصدق تَعْرِيفه عَلَيْهِ، لَان الْمَفْرُوض عدم اعْتِبَار مَا يحصل بِهِ التقابل فِي الْمَفْهُوم (وَبِاعْتِبَار الحكم بِإِرَادَة) الْمَعْنى (الْمَرْجُوح) الَّذِي يحْتَملهُ احْتِمَالا مرجوحا (مؤوّلا)، وَلَا يعلم أَنه لَا يحصل التباين بَين الْقسمَيْنِ إِلَّا بِاعْتِبَار الصّرْف وجودا وعدما
стр. 142
فِي مفهومهما فَإِن قلت قد سبق أَن ظنية دلَالَة الظَّاهِر عِنْد الشَّافِعِيَّة الْإِرَادَة والمصروف تسْقط دلَالَته على الرَّاجِح من حَيْثُ أَنه مُرَاد قلت المصروف من حَيْثُ ذَاته من غير أَن يُلَاحظ مَعَه الصَّارِف يدل دلَالَة ظنية على أَن الرَّاجِح مُرَاد مِنْهُ، وَمُرَاد المُصَنّف صدق التَّعْرِيف بِهَذَا الِاعْتِبَار، لَا مَعَ مُلَاحظَة الصَّارِف فَإِن قيل لَا بَأْس باجتماع المتقابلين باعتبارين وَإِنَّمَا الْمَحْذُور اجْتِمَاعهمَا بِاعْتِبَار وَاحِد قلت هَذَا إِذا كَانَ التَّقْسِيم اعتباريا، وَأما إِذا كَانَ حَقِيقِيًّا فَلَا بُد أَن لَا يجتمعا أصلا، وَالْأَصْل فِي التَّقْسِيم أَن يكون حَقِيقِيًّا، كَيفَ والتباين بَين أَحْكَام الْأَقْسَام يستدعى التباين بَينهَا؟ نعم تَارَة تَسْتَلْزِم ذَلِك عِنْد الضَّرُورَة كَمَا لزم الْمصير إِلَيْهِ بَين الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة على رَأْي الْمُتَقَدِّمين (وَتقدم المؤول عِنْد الْحَنَفِيَّة) وَهُوَ مَا بَين بظني بِمَا فِيهِ خَفَاء على مَا مر قَرِيبا (وَلَا يُنكر إِطْلَاقه) أَي المؤول (على) اللَّفْظ (المصروف) عَن ظَاهره (أَيْضا أحد) فَاعل لَا يُنكر، فالمؤول لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا مَخْصُوص بالحنفية، وَالْآخر مُشْتَرك بَينهم وَبَين غَيرهم. وَقَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ: إِن التَّأْوِيل احْتِمَال يعضده دَلِيل يصير بِهِ أغلب على الظَّن من الْمَعْنى الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الظَّاهِر، وَفِيه مُسَامَحَة لِأَن التَّأْوِيل إِنَّمَا هُوَ الْحمل على الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح، لَا نَفسه فَإِنَّهُ شَرطه، إِذْ لَا يَصح حمل اللَّفْظ على مَا لَا يحْتَملهُ، وَيرد على عَكسه التَّأْوِيل الْمَقْطُوع بِهِ، وَيُمكن دَفعه بِأَنَّهُ اكْتفى بِذكر الْأَدْنَى، فَيعلم الْأَعْلَى بِالطَّرِيقِ الأولى إِلَّا أَنه ذكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن التَّأْوِيل ظن بالمراد، وَالتَّفْسِير قطع بِهِ، ثمَّ هَذَا هُوَ التَّأْوِيل الصَّحِيح، وَأما التَّأْوِيل الْفَاسِد فَهُوَ حمله على الْمَرْجُوح بِلَا دَلِيل، أَو بِدَلِيل مَرْجُوح، أَو مسَاوٍ (وَالنَّص) عِنْد الشَّافِعِيَّة مَا دلّ على معنى (بِلَا احْتِمَال) لغيره، وَلذَا فسروه بِمَا دلّ دلَالَة قَطْعِيَّة، فَإِن عدم احْتِمَال الْغَيْر يستدعى الْقطع فَهُوَ (كالمفسر عِنْد الْحَنَفِيَّة) فِي عدم احْتِمَال معنى آخر، لَا من كل وَجه فَلَا يرد أَن ظُهُور الْمَعْنى والسوق لَهُ مُعْتَبر فِيهِ عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة لم يعتبروا ذَلِك فِي النَّص (لَا النَّص) عِنْدهم (فَإِنَّهُ) أَي النَّص عِنْدهم (يحْتَمل الْمجَاز باتفاقهم) أَي الْحَنَفِيَّة، ويخرجه الِاحْتِمَال عَن كَونه قَطْعِيّ الدّلَالَة (وَعلمت) من قَوْلنَا: القطعية للدلالة، والظنية بِاعْتِبَار الْإِرَادَة (أَنه) أَي احْتِمَال الْمجَاز (لَا يُنَافِي القَوْل بقطعيته) أَي بقطعية النَّص بِاعْتِبَار الدّلَالَة (وَقد يفسرون) أَي الشَّافِعِيَّة (الظَّاهِر بِمَا لَهُ دلَالَة وَاضِحَة، فالنص قسم مِنْهُ عِنْدهم) أَي الظَّاهِر حِينَئِذٍ. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ لِأَن الدّلَالَة الْوَاضِحَة أَعم من الظنية والقطعية انْتهى، فَيتَّجه أَنه يجوز عدم وضوح الْمَعْنى المُرَاد قطعا، فَكيف بأخصية النَّص مُطلقًا، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ مُجَرّد احْتِمَال فَلَا يصلح للنقض فَتَأمل (والمحكم) عِنْدهم (أَعم يصدق على كل مِنْهُمَا) أَي الظَّاهِر، وَالنَّص (وَلَا يُنَافِي التَّأْوِيل أَيْضا فَهُوَ) أَي الْمُحكم (عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة
стр. 143
(مَا استقام نظمه للإفادة وَلَو بِتَأْوِيل) فَإِن المؤول بالتأويل الصَّحِيح قد استقام نظمه للإفادة. وَقَالَ القَاضِي عضد الدّين: الْمُحكم هُوَ المتضح الْمَعْنى سَوَاء كَانَ نصا أَو ظَاهرا، والمتشابه غير المتضح الْمَعْنى، وَمِنْهُم من قَالَ الْمُحكم: مَا استقام نظمه للإفادة وَهُوَ حق، لَكِن مَا يُقَابله من الْمُتَشَابه يكون مَا احْتمل نظمه لعدم الإفادة. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَالظَّاهِر أَن القَوْل باخْتلَاف نظم الْقُرْآن مِمَّا لَا يصدر عَن الْمُسلم، بل الْمُقَابل مَا استقام نظمه لَا للإفادة، فَيكون الْمُحكم مَا انتظم وترتب للإفادة: إِمَّا من غير تَأْوِيل أَو مَعَ التَّأْوِيل، والمتشابه: مَا انتظم وترتب لَا للإفادة، بل للابتلاء وَالْمرَاد بالنظم: اللَّفْظ كَمَا فِي التَّلْوِيح (وَالْحَنَفِيَّة أوعب وضعا للحالات) من قَوْلهم: وعبه، وأوعبه، واستوعبه: أَخذه أجمع، وَقَوله وضعا تَمْيِيز عَن نِسْبَة أوعب إِلَى ضمير الْحَنَفِيَّة، وَقَوله للحالات صلَة الْوَضع، فَالْمَعْنى وضعهم الْأَلْفَاظ الاصطلاحية بِإِزَاءِ الْمعَانِي الْحَاصِلَة من تنوع أَحْوَال الْأَدِلَّة أوعب، وأشمل من وضع الشَّافِعِيَّة لَهَا: نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: وَلذَا كَانَ ê أَقسَام مَا ظهر مَعْنَاهُ أَرْبَعَة متباينة عِنْد الْمُتَأَخِّرين، وَعند الشَّافِعِيَّة لَيْسَ فِي الْخَارِج إِلَّا قِسْمَانِ، لِأَن الْمُحكم أَعم من الظَّاهِر وَالنَّص، وَلَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي ضمن أَحدهمَا وَالْمرَاد من الْحَالَات حَالَة احْتِمَال غير الوضعي، وَحَالَة سوقه لشَيْء من مَفْهُومه أَو غَيره، وَحَالَة عدم سوقه لمفهومه، وَحَالَة عدم احْتِمَال النّسخ واحتماله انْتهى (وَمَوْضِع الِاشْتِقَاق يرجح قَوْلهم فِي الْمُحكم) أَي رِعَايَة الْمُنَاسبَة بَين مَا اشتق مِنْهُ الْأَسَامِي الْمَذْكُورَة ومسمياتها يرجح قَول الْحَنَفِيَّة فِي الْمُحكم، وَقَوله فِي الْمُحكم إِمَّا مُتَعَلق بقَوْلهمْ، وَهُوَ الْأَقْرَب، أَو يرجح، أَو بِمَحْذُوف هُوَ صفة الْمُبْتَدَأ، وَذَلِكَ لِأَن مَا لَا يحْتَمل تَخْصِيصًا وَلَا تَأْوِيلا وَلَا نسخا كَأَن الْأَحْكَام فِيهِ أتم وأكمل، بِخِلَاف مَا يحْتَمل شَيْئا مِنْهَا.
بَقِي أَن المُصَنّف لم يذكر لَهُم الْمُفَسّر، وَفِي الْمَحْصُول أَن لَهُ مَعْنيين: أَحدهمَا مَا احْتَاجَ إِلَى التَّفْسِير، وَقد ورد تَفْسِيره، وَثَانِيهمَا الْكَلَام الْمُبْتَدَأ المستغنى عَن التَّفْسِير لوضوحه انْتهى وَالظَّاهِر أَن المُصَنّف لم يلْتَفت إِلَيْهِ لعدم شهرته عِنْدهم، على أَنه لَا حَاجَة فِيهِ إِلَى ارْتِكَاب اصْطِلَاح مِنْهُم، بل اللُّغَة كَافِيَة فِيهِ.
(تَنْبِيه) على تَفْصِيل للتأويل (وقسموا) أَي الشَّافِعِيَّة (التَّأْوِيل إِلَى قريب) من الْفَهم (وبعيد) عَنهُ (ومتعذر) فهمه (غير مَقْبُول) عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (قَالُوا) أَي الشَّافِعِيَّة (وَهُوَ) أَي المعتذر (مَا لَا يحْتَملهُ اللَّفْظ) لعدم وَضعه لَهُ، وَعدم العلاقة بَينه وَبَين مَا وضع لَهُ (وَلَا يخفى أَنه) أَي مَا لَا يحْتَملهُ اللَّفْظ (لَيْسَ من أقسامه) أَي التَّأْوِيل (وَهُوَ) أَي التَّأْوِيل مُطلقًا (حمل الظَّاهِر على الْمُحْتَمل الْمَرْجُوح) على مَا مر فَلَا بُد من الِاحْتِمَال وَلَو مرجوحا (إِلَّا
стр. 144
أَن يعرف) التَّأْوِيل (بِصَرْف اللَّفْظ عَن ظَاهره فَقَط) من غير اعْتِبَار حمله على الْمُحْتَمل فَيصدق عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، ثمَّ أَنهم قَالُوا حمل الظَّاهِر، لِأَن النَّص لَا يحْتَمل التَّأْوِيل عِنْدهم، وَتَعْيِين أحد مدلولي الْمُشْتَرك لَا يُسمى تَأْوِيلا، وَقيد بالمجروح لِأَن مَا يحمل على الرَّاجِح ظَاهر (ثمَّ ذكرُوا من الْبَعِيدَة تأويلات) وَاقعَة (للحنفية) مِنْهَا قَوْلهم (فِي قَوْله ﷺ لغيلان ابْن سَلمَة الثَّقَفِيّ وَقد أسلم) حَال كَونه (على عشر) من النِّسَاء على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من عَادَة الْجَاهِلِيَّة (أمسك أَرْبعا، وَفَارق سائرهن) مقول قَوْله ﷺ ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (أَي ابتدئ نِكَاح أَربع، أَو أمسك الْأَرْبَع الأول) مقول قَوْلهم فِي مقَام التَّأْوِيل تَفْسِيرا لقَوْله ﷺ " أمسك إِلَى آخِره " فسروا الْإِمْسَاك بِالْأَمر بابتداء نِكَاح أَربع مِنْهُنَّ على تَقْدِير علمه بِأَنَّهُ تزوجهن بِعقد وَاحِد لفساد نِكَاح الْكل حِينَئِذٍ بِقَرِينَة أَن إمساكهن لَا يجوز بِدُونِهِ، فَإِن الْأَمر بِمَا يتَوَقَّف جَوَازه على شَيْء أَمر بذلك الشَّيْء أَو بإمساك الْأَرْبَع الأول على تَقْدِير علمه بِأَنَّهُ تزوجهن بعقود مُتَفَرِّقَة، لِأَن الْفساد حِينَئِذٍ فِيمَا بعد الْأَرْبَع (فَإِنَّهُ يبعد أَن يُخَاطب بِمثلِهِ) أَي بِمثل هَذَا الْكَلَام المصروف عَن ظَاهره إِلَى مَا يتَوَقَّف فهمه على معرفَة الشرعيات مُخَاطب (متجدد) دُخُوله (فِي الْإِسْلَام بِلَا بَيَان) لما أُرِيد بِهِ، فَإِن الظَّاهِر من الْأَمر بالإمساك اسْتِدَامَة أَربع مِنْهُنَّ: أَي أَربع شَاءَ مَعَ عدم الْقَرِينَة الصارفة عَن الظَّاهِر، لِأَن الْمَفْرُوض عدم معرفَة الْمُخَاطب الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة، فَقَوله فَإِنَّهُ إِلَى آخِره تَعْلِيل لبعد التَّأْوِيل، وَقيل فِي تأييد الْبعد مَعَ أَنه لم ينْقل تَجْدِيد فَقَط، لَا مِنْهُ وَلَا من غَيره أصلا مَعَ كَثْرَة إِسْلَام الْكَفَرَة المتزوجين (و) مِنْهَا قَوْلهم فِي (قَوْله) ﷺ (لفيروز الديلمي وَقد أسلم على أُخْتَيْنِ: أمسك أَيَّتهمَا شِئْت) حذف مقولهم لوضوحه: أَي ابتدئ نِكَاح من شِئْت مِنْهُمَا، بِنَاء على فرض علمه ﷺ بتزوجه إِيَّاهَا فِي عقد وَاحِد، لِأَنَّهُ لَو تزوجهما فِي عقدين لبطل نِكَاح الثَّانِيَة فَقَط وَتعين إمْسَاك الأولى. قَالَ الشَّارِح ثمَّ هَذَا اللَّفْظ وَإِن لم يحفظ فقد حفظ مَعْنَاهُ، وَهُوَ " اختر أَيَّتهمَا شِئْت " كَمَا هُوَ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ (أبعد) خبر مَحْذُوف: أَي هَذَا أبعد من الأول، وَذَلِكَ لما فِيهِ من تَفْسِير الْإِمْسَاك بابتداء النِّكَاح وَفرض أَنه تزوجهما فِي عقد وَاحِد، واطلاعه ﷺ على ذَلِك كَمَا فِي التَّأْوِيل الأول من نَحْو مَا ذكر على أحد تقديريه، وَمَا يحذو حذوه على الآخر، وَهُوَ إمْسَاك أَربع مُعينَة لفرض اطِّلَاعه ﷺ على أَنه تزوجهن فِي عُقُود مُتَفَرِّقَة مَعَ زِيَادَة شَيْء آخر هُنَا، وَهُوَ التَّصْرِيح بقوله " أَيَّتهمَا شِئْت " فَإِنَّهُ يدل على أَن التَّرْتِيب غير مُعْتَبر كَذَا ذكرُوا، وَفِيه نظر لِأَن التَّخْيِير الْمُسْتَفَاد من أَيَّتهمَا شِئْت إِذا كَانَ مَبْنِيا على اطِّلَاعه ﷺ على أَنه
стр. 145
تزوجهما فِي عقد وَاحِد لَا يدل على أَن التَّرْتِيب بَينهمَا فِي العقد غير مُعْتَبر فِي جَوَاز إمْسَاك إِحْدَاهمَا بِلَا تَجْدِيد عقد، وَإِنَّمَا كَانَ يدل عَلَيْهِ لَو لم يعلم بذلك، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَال حِينَئِذٍ تخييره فِي تعْيين إِحْدَاهمَا من غير أَن يسْأَل عَن التَّرْتِيب وَعَدَمه دَال على مَا ذكر، وَالْوَجْه أَن يُقَال إِن كَون الْأَمر بالإمساك مَبْنِيا على اطِّلَاعه ﷺ أَمر بعيد، وَلَا بُد من ارتكابه فِي الحَدِيث الثَّانِي، بِخِلَاف الأول لعدم التَّنْصِيص على تَعْمِيم مُتَعَلق التَّخْيِير فِيهِ، لِأَن قَوْله: أَرْبعا يصلح لِأَن يُرَاد بِهِ أَربع مُعينَة أَو غير مُعينَة، فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ: إِن كنت عقدتهن فِي عقد وَاحِد فاختر أَي أَربع شِئْت، أَو فِي عُقُود فالأربع الأول لَا يُقَال كَيفَ يُخَاطب بِمثل هَذَا المتجدد فِي الْإِسْلَام، فَإِن هَذَا الاستبعاد مُشْتَرك بَين الْحَدِيثين، غير أَن الثَّانِي أبعد، لِأَنَّهُ لَا مخلص فِيهِ من فرض الِاطِّلَاع الْمَذْكُور، بِخِلَاف الأول (و) مِنْهَا (قَوْلهم فِي) قَوْله تَعَالَى ﴿فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ فِي كَفَّارَة الظِّهَار (إطْعَام طَعَام سِتِّينَ) مقول لَهُم فِي التَّأْوِيل وَحَاصِله حذف مَا أضيف إِلَيْهِ الْإِطْعَام، وَهُوَ الْمُضَاف إِلَى سِتِّينَ، لِأَن ٩ الْإِطْعَام إِذا أضيف إِلَى سِتِّينَ يلْزم اعْتِبَار الْعدَد الْمَخْصُوص، لِأَنَّهُ إِذا أعْطى لوَاحِد طَعَام سِتِّينَ لَا يَصح أَن يُقَال: أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا، بل يَصح أَن يُقَال: أطْعم طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا فَإِن قلت كَمَا أَن إِضَافَة الْإِطْعَام إِلَى السِّتين تَسْتَلْزِم اعْتِبَار عدم تحقق الْعدَد كَذَلِك إِضَافَة الطَّعَام إِلَيْهَا يستلزمه، فَلَا يَصح إطْعَام طَعَام سِتِّينَ قلت يُرَاد بِطَعَام سِتِّينَ فِي عرف اللُّغَة مَا يكفيهم، والمدار على الْعرف، وَالْمرَاد بِالْإِطْعَامِ حِينَئِذٍ: الْإِعْطَاء وَالْمعْنَى: فكفارته إِعْطَاء هَذَا الْمِقْدَار من الطَّعَام، فَيجوز أَن يُعْطي لوَاحِد، والداعي إِلَى ارْتِكَاب خلاف الظَّاهِر أَن الْمَقْصُود دفع سِتِّينَ حَاجَة من حاجات الْمَسَاكِين (وحاجة وَاحِد فِي سِتِّينَ يَوْمًا حَاجَة سِتِّينَ) وَالْحمل فِيهِ إِمَّا كَقَوْلِهِم: زيد أَسد، وَالْمعْنَى كحاجة سِتِّينَ فِي حُصُول الْمَقْصُود وَالْعبْرَة بِهِ، وَإِمَّا بِدُونِ الْحَذف بِأَن يكون المُرَاد بحاجة سِتِّينَ مَا يكفيهم كَمَا قُلْنَا فِي طَعَام سِتِّينَ، وَهُوَ الْأَظْهر، وَذكر سِتِّينَ يَوْمًا لتجدد الْحَاجَات بتجدد الْأَيَّام (مَعَ إِمْكَان قَصده) أَي من الْبَعِيدَة قَوْلهم بِهَذَا التَّأْوِيل الملغي اعْتِبَار خُصُوص الْعدَد الْمَذْكُور مَعَ إِمْكَان مقصوديته للشارع (لفضل الْجَمَاعَة) تَعْلِيل للقصد، يَعْنِي إِذا أعْطى طَعَام السِّتين للستين أدْرك فَضِيلَة تطييب قُلُوب الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة (وبركتهم) أَي بركَة دُعَائِهِمْ (وتضافر قُلُوبهم) أَي تظافرها وتعاضدها (على الدُّعَاء لَهُ) أَي للمكفر (وَعُمُوم الِانْتِفَاع) وشموله للعدد الْمَذْكُور مَعْطُوف على فضل الْجَمَاعَة (دون الْخُصُوص) أَي دون خُصُوص الِانْتِفَاع بِأَن يعْطى وَاحِدًا طَعَام سِتِّينَ، وَيُمكن أَن يُرَاد بالخصوص مَا دون السِّتين، لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الْعُمُوم بِمَعْنى الشُّمُول للستين (و) مِنْهَا (قَوْلهم فِي نَحْو فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة) كَذَا فِي كتاب رَسُول الله
стр. 146
صلى الله عليه وسلم إلى اليمين من رواية أبي بكر بن حزم عن أبه عن جده على ما في مراسيل أبي داود، وهو حديث حسن، والمراد بنحوه نظائره كقوله ﷺ " من كل ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة " وغيره (أي قيمتها). وفي بعض النسخ: أي ماليتها، وهو مقول قولهم، وإنما استبعد هذا التأويل (إذ لا يلزم أن لا تجب الشاة) لتعذر الجمع بينها وبين القيمة في الوجوب، وما قيل من أنه يلزم على الحنفية أن لا تكون الشاة مجزئة وهي مجزئة إجماعا ليس بشيء، لأن مرادهم بالقيمة ماليتها وهي موجودة في نفسها (وكل معنى استنبط من حكم) أي مما يدل عليه، أو من التأمل فيه وما يتعلق به ليعرف مناطه، وهو وجوب الشاة هذا (فأبطله) أي المعنى الحكم (باطل) خبر المبتدأ، والجملة لبيان بطلان اللازم، والمعنى المستنبط هنا جواز دفع قيمة الواجب في الزكاة قياسيا على عينه بعلة دفع حاجة الفقير، وإبطاله لاستلزامه عدم وجوبه بعينه، وبطلانه لأنه يوجب بطلان أصله، وكل ما بطل أصله باطل ضرورة بطلان الفرع عند بطلان أصله فتأمل، (ومنها) أي التأويلات البعيدة (حمل) الحنفية قوله ﷺ (أيمان امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل إلى آخره) بإعادة قوله فنكاحها باطل مرتين، رواه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وكلمة ما في أيما مزيدة. قال الرضي: وقلت زيادتها بعد المضاف، نحو - أيما الأجلين قضيت -، و - مثل ما أنكم تنطقون - وقيل إنها المضاف إليه، والمجرور بدل منها (على الصغيرة والأمة والمكاتبة) والمجنونة، والجار متعلق بالجمل: أي المراد بالصغيرة إلى آخره (أو باطل) معطوف على مفعول الحمل، يعني أو حمل قوله باطل على المجاز: (أي يؤول إلى البطلان غالبا لاعتراض الولي) أي تفريقه بينهما فإن أصله المنع، يقال: اعترض في الطريق بتاء: أي يمنع السابلة من سلوكه (لأنها مالكة لبعضها) بضم الباء الفرج، وعقد النكاخ تعليل للتأويل، وصرف الكلام عن ظاهره (فكان) نكاحها نفسها (كبيع سلعة) أي متاع (لها) في كون كل منهما تصرفا في خالص ملكها، فكان المعتبر رضاها مستقلا كالبيع (مع إمكان قصده) ﷺ (لمنع استقلالها) مفعول للقصد، واللام لتقوية العمل، يعني حملوه على الخصوص مع أنه يمكن أن يكون قصده منع استقلال المرأة على الاطلاق على تزويج نفسها كما هو المتبادر من اللفظ (فيما) أي في تصرف (لا يليق بمحاسن العادات استقلالها) فاعل لا يليق (به) أي بذلك التصرف، يعني أن في استقلال المرأة في تزويج نفسها غير مستحق عادة، لأن اللائق بشأن النساء الحياء، وبشأن البضع الاحترام، وهو إنما يحصل عند التفويض إلى رأي الرجال الكاملين في العقل، وعند ذلك لا تكون مبتذلة
стр. 147
سهلة الحصول. (ومنها حملهم) لقوله ﷺ (لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل)، يقال بيت الأمر: دبره ليلا، يعني لا صيام لمن لم ينوه من الليل، فموجبه اشتراط وقوع النية في جزء من الليل في مطلق الصيام لوقوعه في حيز النفي (على القضاء والنذر المطلق) ولم يذكر وجه البعد لظهوره، فإن حمل العام على بعض غير متبادر منه من غير قرينة ظاهر البعد، والحديث أخرجه النسائي وأبو داود. قال: بعض الحفاظ أنه حسن، ورجح الجمهور كونه موقوفا (وحملهم) قوله تعالى (ولذي القربى) في قوله - واعلموا أنما غنمتم من شيء - الآية، وهو عام يشمل الأغنياء والفقراء منهم (على الفقراء منهم) أي من ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب (لأن المقصود) من الدفع إليهم (سد خلة المحتاج) أي دفع حاجته، ولا حاجة للأغنياء، فالمعنى يخصص عمومه، وهذا تعليل للتأويل، وأشار إلى وجه بعده بقوله (مع ظهور أن القرابة) أي قرابة النبي ﷺ (قد تجعل سببا للاستحقاق) أي لاستحقاق الغنيمة مع قطع النظر عن الفقر، بل (مع الغنى تشريفا للنبي ﷺ ، وعد بعضهم) أي الشافعية كإمام الحرمين من التأويلات البعيدة (حمل) الحنفية والمالكية قوله (إنما الصدقات الآية على بيان) جنس (المصرف) لها فيجوز الصرف إلى صنف واحد من الأصناف المذكورة فيها، لا على بيان الاستحقاق كما هو الظاهر ليجب الصرف إلى جميع الأصناف، وجه الظهور أن اللام للملك، والاستحقاق قريب منه، ثم أخذ المصنف ﵀ في الجواب إجمالا وتفصيلا من غير مراعاة الترتيب تقديما لما تأويله أقرب إلى القبول، فقال: (وأنت تعلم أن بعد التأويل لا يقدح في) ثبوت (الحكم) المستنبط من المؤول، فهذا بحث على تقدير تسليم البعد (بل يفتقر) التأويل وارتكابه (إلى) وجود (المرجح) لئلا يلزم ترجيح الاحتمال المرجوح بالنظر إلى نفس اللفظ المؤول إضراب عن القدح مع بيان ما ينبني على صحة التأويل (فأما الأخير) وهو بعد الحمل على بيان المصرف (فدفع بأن السياق) أي ما سيق له الكلام ههنا، (وهو رد لمزهم) أي طعن المنافقين، وعيبهم (المعطين) على صيغة جمع الفاعل، والمراد به رسول الله ﷺ وأصحابه روى أن قوله تعالى - ومنهم من يلمزك - الاية: نزلت في أبي الجواظ المنافق قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقم صدقاتكم في رعاة الغنم، وقيل في ابن ذي الخو يصرة رأس الخوارج كان رسول الله ﷺ يقسم غنائم حنين فاستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم، فقال: اعدل يارسول، فقال ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ (ورضاهم عنهم) أي عن المؤمنين أو المعطين (إذا أعطوهم، وسخطهم إذا منعوا يدل) خبر أن (أن المقصود) أي
стр. 148
على أَن الْمَقْصُود (بَيَان المصارف) فَإِنَّهُم حِين لمزوا وَزَعَمُوا أَن الَّذين أعْطوا مِنْهَا لَيْسُوا من مصارفها، وَإِنَّمَا أعْطوا بِمُوجب هوى النَّفس، فسيق الْكَلَام (لدفع وهم أَنهم) أَي المعطين (يختارون) من يحبونَ، وَمن يبغضون (فِي الْعَطاء وَالْمَنْع) عَنهُ (ورد) الدّفع الْمَذْكُور (بِأَنَّهُ) أَي كَون السِّيَاق لما ذكر (لَا يُنَافِي الظَّاهِر فَلَا يصلح صارفا عَنهُ). وَقَالَ الْآمِدِيّ إِن سلمنَا أَنه لبَيَان الْمصرف، فَلَا نسلم أَنه لَا مَقْصُود سواهُ، فَلْيَكُن الِاسْتِحْقَاق بِصفة التَّشْرِيك أَيْضا مَقْصُودا عملا بِظَاهِر اللَّفْظ انْتهى ثمَّ ذكر المُصَنّف ﵀ الرَّد الْمَذْكُور بقوله: (وَلَا يخفى أَن ظَاهره) أَي ظَاهر قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات﴾ - الْآيَة (من الْعُمُوم) بَيَان لظاهره: أَي عُمُوم الصَّدقَات، وَعُمُوم الْفُقَرَاء، والمذكورين بِمَعْنى أَن كل صَدَقَة يَسْتَحِقهَا كل فَقير، وكل مِسْكين إِلَى غير ذَلِك (مُنْتَفٍ اتِّفَاقًا) أَي غير مُرَاد إِجْمَاعًا (ولتعذره) أَي الْعُمُوم (حملوه) أَي الشَّافِعِيَّة الْعُمُوم فيهم (على ثَلَاثَة من كل صنف) من الثَّمَانِية إِذا كَانَ المفرق غير الْمَالِك ووكيله ووجدوا (وَهُوَ) أَي حملهمْ هَذَا (بِنَاء على أَن معنى الْجمع مُرَاد) بِلَفْظِهِ (مَعَ اللَّام) حَال عَن ضمير مُرَاد، وَهَذَا من قبيل معية الْمَدْلُول، والمتصل بداله، وَيجوز أَن يكون حَالا عَن لَفظه الْمُقدر كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ (والاستغراق) مَعْطُوف على معنى الْجمع، أَو على ضمير مُرَاد، وَترك التَّأْكِيد بالمنفصل لوُقُوع الْفَصْل وَالْمعْنَى أَن الْجمع الْمحلي بِاللَّامِ يُرَاد بِهِ معنى الْجمع، والاستغراق أَيْضا إِن لم يمْنَع مَانع (وَهُوَ) أَي الِاسْتِغْرَاق (مُنْتَفٍ) هَهُنَا بِالْإِجْمَاع كَمَا عرفت وَلَا يخفى أَن هَذَا على خلاف مَا هُوَ الْمَشْهُور أَن اللَّام تبطل الجمعية، وَتَكون اللَّام لاستغراق الْآحَاد، لَا الْمَجْمُوع، وَلذَا قَالُوا: أَن أشملية استغراق الْمُفْرد فِي مثل: لَا رجل فِي الدَّار فِي لَا، كَمَا فِي الجموع المحلاة بِاللَّامِ، فَإِن استغراقها كاستغراق الْمُفْرد، وَلَا فرق بَين يحب الْمُحْسِنِينَ وَيُحب كل محسن فِي معنى الِاسْتِغْرَاق: نعم يفرق بَينهمَا بِاعْتِبَار أَحْكَام لفظية كَمَا فِي مَوْضِعه، وَيُمكن أَن يكون الْمَعْنى إِن معنى الْجمع مُرَاد بِلَفْظِهِ مَعَ اللَّام إِذا لم يقْصد الْعُمُوم، والاستغراق مُرَاد إِذا قصد، فاشتراكهما فِي الْإِرَادَة بِالْجمعِ الْمحلي على سَبِيل الْبَدَلِيَّة لَا الِاجْتِمَاع فَتَأمل، ثمَّ أَنه لما انْتَفَى الِاسْتِغْرَاق وَبقيت الجمعية، وأقلها ثَلَاثَة حمل عَلَيْهَا لتيقنها، وَذَلِكَ فِيمَا عدا الصَّدقَات من الجموع الْمَذْكُورَة بعْدهَا (وَكَونه) أَي اللَّام مَعْطُوف على قَوْله ظَاهره (للتَّمْلِيك لغير معِين) على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ (أبعد) مِمَّا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة من التَّأْوِيل الَّذِي سَمَّاهُ الْخصم بَعيدا وَلَيْسَ فِي هَذَا اعْتِرَاف بالبعد، بل كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿مَا عِنْد الله خير من اللَّهْو﴾ -، ثمَّ بَين كَونه أبعد بقوله (ينبو عَن الشَّرْع وَالْعقل) أَي يقصر عَن تَوْجِيهه، من قَوْلهم نبا السهْم عَن الهدف: أَي قصر، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يعْهَد مثله فِي الشَّرْع، وَغير الْمعِين من حَيْثُ
стр. 149
إِنَّه غير معِين لَا وجود لَهُ، وَمن حَيْثُ التَّحْقِيق فِي ضمن الْفَرد يتَعَيَّن، فَيلْزم ثُبُوت الْملك لأشخاص مُعينَة، وَلَا يُمكن أَن يثبت لجَمِيع الْأَفْرَاد، فَيلْزم تَرْجِيح بَعْضهَا من غير مُرَجّح فينبو عَنهُ الْعقل أَيْضا، وكما أَنه لَا يُمكن اعْتِبَار الْملك لغير معِين، كَذَلِك لَا يُمكن اعْتِبَار الِاسْتِحْقَاق لَهُ (فالمستحق الله تَعَالَى وَأمر بِصَرْف مَا يسْتَحقّهُ إِلَى من كَانَ من الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة، وَذَلِكَ لوُرُود النُّصُوص فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي أَمْوَال الْأَغْنِيَاء وصرفها إِلَى الْفُقَرَاء، فالزكاة عبَادَة، وَالْعِبَادَة خَالص حق الله تَعَالَى، فَلَا يجب للْفُقَرَاء ابْتِدَاء، وَإِنَّمَا يصرف إِلَيْهِم إنجازا لعدة أَرْزَاقهم (فَإِن كَانُوا) أَي الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة (بِهَذَا الْقدر) أَي بِمُجَرَّد أَمر الله تَعَالَى بِصَرْف مَا يسْتَحقّهُ إِلَيْهِم (مستحقين) للصدقات (فبلا ملك) أَي فاستحقاقهم بِلَا ملك فَلم يثبت مدعى الْخصم من حمل الْكَلَام على الظَّاهِر، وَهُوَ الْملك، وَفِي قَوْله: إِن كَانُوا إِشَارَة إِلَى منع استحقاقهم بِهَذَا الْقدر (وَدون اسْتِحْقَاق الزَّوْجَة النَّفَقَة) مَعْطُوف على قَوْله بِلَا ملك يَعْنِي إِذا كَانَ استحقاقهم بِمُجَرَّد الْأَمر كَانَ دون اسْتِحْقَاقهَا لاشْتِرَاكهمَا فِي الْأَمر، ومزية اسْتِحْقَاقهَا لتعيين الْمُسْتَحق وَهِي الزَّوْجَة دونهم (وَلَا تملك) على صِيغَة الْمَعْلُوم: أَي الزَّوْجَة، أَو الْمَجْهُول: أَي النَّفَقَة (إِلَّا بِالْقَبْضِ) يرد عَلَيْهِ أَن الْخصم يَكْفِيهِ أدنى دَرَجَات الِاسْتِحْقَاق وأنكم مَا نفيتموه بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَن كَون اللَّام لاسْتِحْقَاق يقربهُ إِلَى الْحَقِيقَة، فَلَا يضرّهُ كَون استحقاقهم دون اسْتِحْقَاق الزَّوْجَة: فَالْوَجْه نفي الِاسْتِحْقَاق رَأْسا كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ إِمَّا لما ذكرنَا، وَإِمَّا لِأَن الْمُتَبَادر كَون الْآيَة لبَيَان الْمصرف نظرا إِلَى السِّيَاق وَكَمَال ضعف الِاسْتِحْقَاق (وَلنَا آثَار صِحَاح عَن عدَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ صَرِيحَة فِيمَا قُلْنَا، وَلم يرو عَن أحد مِنْهُم خلَافَة) بعض الْفُقَهَاء يُسمى الْمَوْقُوف على الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ بالأثر، وَالْمَرْفُوع بالْخبر، وَأما أهل الحَدِيث فيطلقون الْأَثر عَلَيْهِمَا، وَقَوله: وَلنَا: أَي وَالْحجّة الثَّابِتَة لنا، وآثار خبر الْمُبْتَدَأ، وصحاح صفة أثار، وَكَذَلِكَ صَرِيحَة، أما الصَّحَابَة ﵃ فَمنهمْ عمر ﵁، روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة والطبري، وَمِنْهُم ابْن عَبَّاس روى عَنهُ الْبَيْهَقِيّ والطبري، وَمِنْهُم حُذَيْفَة، وَأما التابعون فَمنهمْ سعيد بن جُبَير وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَأَبُو الْعَالِيَة وَمَيْمُون بن مهْرَان روى عَنْهُم ابْن أبي شيبَة والطبري (وَلَا ريب فِي فعل رَسُول الله ﷺ بِخِلَاف قَوْلهم) أَي الشَّافِعِيَّة ذكر أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال أَن النَّبِي ﷺ (قسم الذهيبة الَّتِي بعث بهَا معَاذ من الْيمن فِي الْمُؤَلّفَة فَقَط: الْأَقْرَع وعيينة وعلقمة بن علاثة وَزيد الْخَلِيل) قَالَ الْمُؤلف ﵀ فِي شرح الْهِدَايَة: الْمُؤَلّفَة كَانُوا ثَلَاثَة أَقسَام، قسم كفار كَانَ ﷺ يعطيهم لتأليفهم على الْإِسْلَام، وَقسم كَانَ يعطيهم لدفع شرهم، وَقسم أَسْلمُوا وَفِيهِمْ ضعف فِي الْإِسْلَام، وَكَانَ
стр. 150
يتألفهم ليثبتوا، ثم بين المؤلفة التي قسم فيها بقوله: الأقرع إلى آخره (ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف الغارمين فقط) والغارم عندما من لزمه دين، أوله دين على الناس لا يقدر على أحده، وليس عنده نصاب فاضل في الفصلين، وقال البيضاوي ﵀: المديون لنفسه في غير معصية إذا لم يكن له وفاء، أولا صلاح ذات البين وإن كان غنيا (حيث قال) طرف لجعل (لقبيصة ابن المخارق حين أتاه) ظرف لقال (وقد تحمل حمالة) حال عن ضمير أتاه، والحمالة بفتح المهملة وتخفيف الميم الكفالة (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) مقول قوله ﷺ (وفي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه أمر له بصدقة قومه) ثم أجاب عما قبل الأخير بقوله (وأما شرط الفقر) في استحقاق ذوي القربى (فقالوا) أي الحنفية (لقوله ﷺ يا بني هاشم: إن الله كره لكم) أوساخ الناس (إلى) قوله (وعوضكم عنها بخمس الخمس والمعوض عنه) وهو الزكاة إنما هو (للفقير) لا الغني إلا بعارض عمل عليها، فكذا العوض، وقال المصنف في شرح الهداية: لفظ العوض إنما وقع في عبارة بعض التابعين، وذكر فيه أنه قد صح عن الخلفاء الراشدين أنهم لم يعطوا ذوي القربى من الصدقات، والمختار عنده في سبب منعهم ذلك أن قوله تعالى - ولذوي القربى - بيان المصرف لا الاستحقاق، وأنهم كانوا أغنياء إذ ذاك، ورأوا صرفه إلى غيرهم أنفع لمصالح المسلمين، وذهب الشافعي وأحمد رحمهما إلى استواء غنيهم وفقيرهم فيه، لكن للذكر مثل حظ الأثنين، وقال الشارح: والحديث بهذا اللفظ يحفظ نعم في حديث مسلم: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، وفي معجم الطبراني: إنه لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء إنما هي غسالة الأيدي، وإن لكم في اخمس الخمس لما يغنيكم انتهى، وفي قوله: قالوا اشارة إلى أنه لم يصح عنده (وأما الأولان) وهما مسألتان: اسلام الرجل على أكثر من أربع، واسلامه على أختين (فالأوجه) فيهما (خلاف قول أبي حنيفة) ﵀ (وهو) أي خلاف قوله (قول محمد بن الحسن) ومالك والشافعي وأحمد ﵃: وهو أنه في الأول يختار أي أربع يشاء منهن ويفارق الآخر من غير فرق في المستئلتين بين أن يكون تزوجهن في عقد واحد، أو في عقود من غير حاجة إلى تجديد نكاح، وفي المبسوط أن محمدا فرق في السير الكبير بين أهل الحرب وأهل الذمة فقال في أهل الذمة كأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، كذا ذكر الشارح والمصنف ﵀ ذكر الخلاف في شرح الهداية على الوجه الذي ذكره هنا ولا شك أن قوله عدول عن الظاهر بلا موجب يجليء إليه (وأما) حمل (لا صيام) إلى آخره على ما ذكر (فلمعارض صح في النقل) وهو ما في صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله
стр. 151
عنها قالت قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم " يا عائشة هل عندكم شيء؟ فقلت يا رسول الله ما عندنا شئ، قال فإني صائم، وقدم هذا لرجحانه لصحته مع أنه مثبت، وذاك ناف كذا قيل (وفي رمضان) أي ولمعارض صح عنه ﷺ دالا على جواز النية نهارا في رمضان (بعد الشهادة بالرؤية) في يوم عاشوراء حين كان صومه واجبا، الظرف متعلق بقوله (قال) ﷺ (ومن لم يكن أكل فليصم) في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال أمر النبي ﷺ رجلا من أسلم أن أذن في الناس من كان أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم، فعلم أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلا فإنه تجزئه نيته نهارا (وهو) أي قوله فليصم (بعد تعين) الصوم (الشرعي) لأن يراد منه لأنه مسماه شرعا ولا صارف عنه (مقرون) خبر هو ومتعلق الظرف وقوله (بدلالة) من السياق والفحوي (عليه) أي على الصوم الشراعي لـ (أنه) ﷺ (قال: من أكل فلا يأكل بقية يومه) لعله في حديث آخر غير ما سبق، أو نقل بالمعنى، وفيه ما فيه (ومن لم يكن أكل فليصم، فلو اتحد حكم الأكل وغيره فيه) أي غير الأكل في كون كل منهما ليس بصوم شرعي لفوات شرطه وهو النية من الليل في صورة عدم الأكل (لقال لا يأكل أحد) من غير تفصيل، ولا يخفى ما في هذه الاستنباط من غاية الحسن (ثم هو) أي الصوم المأمور به في الحديث المذكور (واجب معين) لما عرفت من ان الصوم يوم عاشوراء كان واجبا، ولا فرق بين الواجبات المعينة، فكذا الحكم في صوم رمضان (فلم يبق) من عموم قوله لا صيام في الحديث المذكور (إلا غير المعين فعملوا) أي الحنفية (به) أي بموجب حديث لا صيام (فيه) أي في غير المعين من الصوم الواجب الذي بينه بقوله (من القضتء والنذر المطلق وهو) أي العمل بموجب لا صيام في غير المعين دون الكل رعاية لموجب الأدلة (أولى من إهدار بعض الأدلة بالكلية) وهو ما ورد في صوم عاشوراء على ما عرفت (وأما النكاح) أي وأما جواز نكاح المرأة العاقلة البالغة نفسها من غير إذن الولي مخالفا لظاهر حديث أي امرأة الحديث (فلضعف الحديث) المذكور، لكن يرد حينئذ أنه لا حاجة إذن إلى ارتكاب التأويل البعيد، بل يكفي عدم صلاحية الحديث للاحتاج مع اقتضاء صحة النكاح المذكور: اللهم إلا أن يراد تزييف دليل الخصم من وجهين: عدم الصحة، وعدم قطعية الدلالة لاحتمال التخصيص، ثم بين وجه الضعف بقوله (بما صح من إنكار الزهري روايته) أي الحديث المذكور (وقول ابن جريج) معطوف على إنكار الزهري وبيان له، وهذا القول ذكر (في رواية ابن عدى) روى ابن عدى عن ابن جريج أنه قال لقيت الزهرى فسألته عن هذا الحديث (فلم يعرفه) أي
стр. 152
الحَدِيث (فَقلت لَهُ أَن سُلَيْمَان بن مُوسَى حَدثنَا بِهِ عَنْك، فَقَالَ أخْشَى أَن يكون وهم عَليّ، وَأثْنى على سُلَيْمَان) خيرا (فصمم) الزُّهْرِيّ على الْإِنْكَار (وَمثله) أَي مثل هَذَا الْكَلَام مِمَّن روى عَنهُ خبر إِنْكَار (فِي عرف الْمُتَكَلِّمين) من أَرْبَاب اللِّسَان، أَو من أهل الْعلم سِيمَا الْمُحدثين الموثقين بِالْحِفْظِ والإتقان (لَا شكّ) مَرْفُوع عطفا على إِنْكَار، أَو مَبْنِيّ على الْفَتْح على أَن لَا لنفي الْجِنْس، وَالْخَبَر مَحْذُوف، أَي لَا شكّ فِيهِ فَإِن قلت قَوْله أخْشَى مشْعر بِعَدَمِ جزمه بِكَوْنِهِ وهما قلت عدم الْجَزْم لَيْسَ بتجويز أَنه رَوَاهُ ثمَّ نسى، بل لاحْتِمَال أَن يكون الْوَهم من ابْن جريج لَا من سُلَيْمَان، على أَن الْعدْل لَا يقطع بِعَدَمِ تَعَمّده الْكَذِب، بل يظنّ بِهِ ثمَّ اعْلَم أَن ابْن جريج أحد الْأَعْلَام الثِّقَات بِاتِّفَاق الْمُحدثين، وَكَذَا ابْن عدي (أَو لمعارضة مَا هُوَ أصح) من الحَدِيث الْمَذْكُور إِيَّاه عطف على قَوْله لضعف الحَدِيث، فعلى هَذَا لَا يكون التَّأْوِيل بَعيدا لوُجُود مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ (رِوَايَة مُسلم) وَهُوَ بدل من الْمَوْصُول: أَي مرويه، وَهُوَ قَوْله ﷺ (الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا، وَهِي) أَي الأيم (من لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا، وَلَيْسَ للْوَلِيّ حق فِي نَفسهَا) أَي الأيم (سوى التَّزْوِيج) فَلَا يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون أحقيتها بِاعْتِبَار حق آخر؟ (فَجَعلهَا) النَّبِي ﷺ (أَحَق بِهِ) أَي بِالتَّزْوِيجِ (مِنْهُ) أَي من الْوَلِيّ (فَهُوَ) أَي حَدِيث " أَيّمَا امْرَأَة " إِلَى آخِره دائر (بَين أَن يحمل) فِيهِ من كلمة بَاطِل (على أول الْبطلَان) أَي على أَنه يَئُول إِلَى الْبطلَان كَمَا مر (أَو يتْرك) الْعَمَل بِهِ (للمعارض الرَّاجِح) وَمن لطف طبع المُصَنّف ﵀ أَنه لم يرض فِي جَوَاب حَدِيث " أَيّمَا امْرَأَة " بحملها على الصَّغِيرَة، وَمَا ذكر مَعهَا لما فِيهِ من تَخْصِيص الْعَام بِحَيْثُ يخرج من دَائِرَة عُمُومه أَكثر الْأَفْرَاد، وَيبقى الْأَقَل الَّذِي لَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن، وَلَا بإهمال هَذَا التَّأْوِيل بِالْكُلِّيَّةِ، بل اسْتِعْمَاله فِي الحَدِيث الْآتِي لملاءمته بِهِ كَمَا سَيظْهر، غير أَنه بَقِي شَيْء، وَهُوَ أحقية الأيم بِنَفسِهَا لَا يَقْتَضِي أَن لَا يكون للْوَلِيّ حق فِيهَا، لجَوَاز أَن يكون التَّزْوِيج حَقّهمَا مَعًا، وَتَكون هِيَ أَحَق كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: من وَليهَا. وَقد أَشَارَ المُصَنّف ﵀ فِي شرح الْهِدَايَة إِلَى مَا يصلح جَوَابا عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: أثبت لكل مِنْهَا وَمن الْوَلِيّ حَقًا فِي ضمن قَوْله أَحَق، وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ للْوَلِيّ سوى مُبَاشرَة العقد إِذا رضيت، وَقد جعلهَا أَحَق مِنْهُ بِهِ أَقُول للمناقشة مجَال، فللخصم أَن يَقُول أحقيتها من الْوَلِيّ بِالتَّزْوِيجِ لَا يسْتَلْزم أحقيتها مِنْهُ بِالْمُبَاشرَةِ، لِأَن التَّزْوِيج لَيْسَ مُجَرّد الْمُبَاشرَة، بل هُوَ إتْمَام أحد ركني العقد، وَهُوَ كَمَا يحْتَاج إِلَى الْمُبَاشرَة يحْتَاج إِلَى تحقق الرِّضَا بالتمليك، فَلْيَكُن الرِّضَا حَقّهَا، والمباشرة حَقه، وَلَا شكّ أَن الأَصْل هُوَ الرِّضَا، وَإِذا كَانَ مُعظم أَمر التَّزْوِيج حَقّهَا تكون هِيَ أَحَق بِنَفسِهَا فِي التَّزْوِيج
стр. 153
وَالله أعلم (وَأما الْحمل على الْأمة وَمَا ذكر) مَعهَا من الصَّغِيرَة وَالْمُكَاتبَة (فَإِنَّمَا هُوَ فِي لَا نِكَاح إِلَّا بولِي أَي من لَهُ ولَايَة) ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، غير الْمَنْكُوحَة أَو نَفسهَا كَمَا إِذا كَانَت حرَّة عَاقِلَة بَالِغَة (فَيخرج) من النِّكَاح الْمُعْتَبر شرعا (نِكَاح العَبْد) لنَفسِهِ امْرَأَة (و) نِكَاح (الْأمة) نَفسهَا بِغَيْر إِذن الْمولى، (و) نِكَاح (مَا ذكر) من الصَّغِيرَة وَالْمُكَاتبَة، وَكَذَا الصَّغِير وَالْمَجْنُون كَمَا سيشير إِلَيْهِ: وَذَلِكَ لعدم وَلَا يتهم، وَقد انحصر النِّكَاح فِيمَا صدر عَن ولَايَة (وَإِذ دلّ) الحَدِيث (الصَّحِيح) وَهُوَ مَا فِي مُسلم " الأيم أَحَق بِنَفسِهَا " (على صِحَة مباشرتها) عقد النِّكَاح كَمَا مر من تَقْرِيره من أَن الْوَلِيّ تصح مُبَاشَرَته وَهِي أَحَق بِهِ مِنْهُ، وَصِحَّة الْمُبَاشرَة دَلِيل الْولَايَة فاشتراط الْوَلِيّ فِي النِّكَاح لَيْسَ بمخرج نِكَاحهَا نَفسهَا فَحِينَئِذٍ (لزم كَونه) أَي كَون شَرط الْوَلِيّ (لإِخْرَاج) نِكَاح (الْأمة وَالْعَبْد والمراهقة) وَهِي من قُلُوب الْبلُوغ، فَلَزِمَ إِخْرَاج من لم يُقَارِبه بِالطَّرِيقِ الأولى (والمعتوهة) وَهِي من يخْتَلط كَلَامه وَأمره، وَكَذَا نِكَاح الْمُرَاهق وَالْمَجْنُون وَلم يذكر الْمكَاتب لِأَنَّهُ عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم فَإِن قلت إِذا خرج نِكَاح هَؤُلَاءِ عَن النِّكَاح الشَّرْعِيّ، فَمَا معنى الْحمل على الأية وَمَا ذكر فِي " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي " وَفَائِدَة حمل النكرَة المنفية على بعض أفرادها وُرُود النَّفْي على ذَلِك الْبَعْض خَاصَّة لعدم صِحَة نَفيهَا مُطلقًا، وَهَذَا إِذا لم يكن فِي الْكَلَام مَا يبين مورد النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَقد تبين هَهُنَا بِالنَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاء قلت لم يرد حمل النِّكَاح الْمَذْكُور فِي لَا نِكَاح على مَا ذكر ليرد مَا قلت، بل أَرَادَ حمل النِّكَاح الصَّادِر لَا عَن ولَايَة شَرْعِيَّة الْمَفْهُوم ضمنا لاندراجه تَحت النَّفْي مَعَ عدم اندراجه فِي الِاسْتِثْنَاء، فَهَذَا الْحمل تَفْسِير للمجمل، لَا تَخْصِيص للعام، على أَنه لَو كَانَ من تَخْصِيص الْعلم بِدَلِيل نقيضه فِي حَدِيث أَيّمَا امْرَأَة لم يكن فِيهِ بعد كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَتَخْصِيص الْعَام لَيْسَ من الِاحْتِمَالَات الْبَعِيدَة) كَيفَ وَمَا من عَام إِلَّا وَقد خصص مِنْهُ الْبَعْض (و) لَا سِيمَا (قد ألجأ إِلَيْهِ) أَي إِلَى التَّخْصِيص (الدَّلِيل) وَهُوَ حَدِيث مُسلم الْمَذْكُور وَعَن المُصَنّف ﵀ أَنه يخص حَدِيث أَيّمَا امْرَأَة بِمن نكحت غير الْكُفْء على قَول من لم يصحح مَا باشرته من غير كُفْء، وَالْمرَاد بِالْبَاطِلِ حَقِيقَته أَو حكمه على قَول من يُصَحِّحهُ وَيثبت للْوَلِيّ حق الْفَسْخ، كل ذَلِك شَائِع فِي اطلاقات النُّصُوص، فَيثبت مَعَ الْمَنْقُول، وَالْوَجْه الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ أَنَّهَا تصرفت فِي خَالص حَقّهَا: وَهِي من أَهله كَالْمَالِ فَيجب تَصْحِيحه مَعَ كَونه خلاف الأولى (وَأما الزَّكَاة) أَي وَأما الدَّاعِي إِلَى اعْتِبَار الْمَالِيَّة فِي الزَّكَاة (فَمَعَ الْمَعْنى النَّص) أَي النَّص مَعَ الْمَعْنى، وكل مِنْهُمَا مُسْتَقل فِي الْمَقْصُود وَقدم الْعقلِيّ لِأَنَّهُ منَاط النقلي (أما الأول فللعلم) أَي اعْتِبَار الْقيمَة للْعلم (بِأَن الْأَمر بِالدفع) أَي بِدفع الزَّكَاة (إِلَى الْفَقِير) فِي النُّصُوص (إِيصَال لرزقهم الْمَوْعُود مِنْهُ سُبْحَانَهُ) فَإِن الْمولى إِذا وعد
стр. 154
عَبده يُعْطِيهِ، ثمَّ أَمر من لَهُ حق عَلَيْهِ بِإِعْطَاء مَا يصلح لِأَن يكون أَدَاء للموعود، فَلَا شكّ فِي أَنه يحمل أمره على إنجاز وعده السَّابِق، لِأَن الْمَوْعُود كالواجب فَلَا يقدم مَا لم يجب عَلَيْهِ، وَإسْنَاد الإيصال إِلَى الْآمِر مجازى قصد بِهِ الْمُبَالغَة فِي استلزام أمره إِيَّاه كَمَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله - ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ - (وَهُوَ) أَي رزقهم الْمَوْعُود (مُتَعَدد من طَعَام وشراب وَكِسْوَة) وَغَيرهَا من مسكن ومنكح، وَغير الرزق وَمَا يَسُوقهُ الله إِلَى الْحَيَوَان فينتفع بِهِ (فقد وعدهم الله أصنافا) لِأَنَّهُ وعدهم الرزق: وَهُوَ أَصْنَاف (وَأمر من عِنْده من مَاله) أَي وَأمر غَنِيا عِنْده من مَال الله (صنف وَاحِد) كالغنم وَالْإِبِل أَو غَيرهَا (أَن يُؤَدِّي مواعيده) الَّتِي هِيَ أَصْنَاف، لِأَن الْأَمر بِالدفع إنجاز الْوَعْد السَّابِق المندرج تَحْتَهُ الْأَصْنَاف أَمر بأَدَاء المواعيد (فَكَانَ) أَمر الله من عِنْده صنف من مَاله بِدفع جُزْء من ذَلِك المَال أَدَاء للمواعيد، فَكَانَ أَمر الله من عِنْده (إِذْنا بِإِعْطَاء الْقيم) نظرا إِلَى حِكْمَة الْآمِر (كَمَا فِي مثله من الشَّاهِد) تأييد للمعنى الْمَذْكُور بِقِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد، وَهُوَ أَن السَّيِّد إِذا أَمر عَبده أَن يُؤَدِّي أَصْنَاف مواعيده، مِمَّا عِنْد العَبْد، وَهُوَ صنف وَاحِد، وَعين مِقْدَار مَا أَمر بإعطائه كَانَ ذَلِك إِذْنا بأَدَاء الْقيمَة معنى (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ الْمَأْمُور بِهِ فِي الزَّكَاة إِعْطَاء الْقيم، وَهِي عبارَة عَن مَالِيَّة المنصوصات، ومالية الشَّيْء تصدق على عين ذَلِك الشَّيْء كَمَا يصدق على مَا يماثله (لم تبطل الشَّاة) مثلا بِأَن لَا يتَأَدَّى بهَا الْوَاجِب كَمَا زعم الْخصم (بل) يبطل (تَعْيِينهَا) بِحَيْثُ لَا يسوغ غَيرهَا (وَحَقِيقَته) أَي حَقِيقَة بطلَان تَعْيِينهَا (بطلَان عدم إِجْزَاء غَيرهَا) مِمَّا يساويها فِي الْقيمَة (وَصَارَت) الشَّاة (محلا هِيَ وَغَيرهَا) مِمَّا يساويها فِي الْقيمَة، والصيرورة بِاعْتِبَار مُشَاركَة الْغَيْر إِيَّاه فِي الْمَحَلِّيَّة، لَا بِاعْتِبَار محليتها فِي نَفسهَا، فَإِن ذَلِك ثَابت من الأَصْل (فالتعليل) الْمَذْكُور (وسع الْمحل) أَي مَحل الْوُجُوب وَمَا يتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِب (وَلَيْسَ التَّعْلِيل) حَيْثُ كَانَ (إِلَّا لتوسعته) أَي الْمحل لِأَنَّهُ لإلحاق غير الْمَنْصُوص بالمنصوص فِي الحكم لمشاركتهما فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ منَاط الحكم (وَأما النَّص) الدَّال على اعْتِبَار الْقيمَة فِي الزَّكَاة (فَمَا علقه البُخَارِيّ) فِي صَحِيحه، وَالتَّعْلِيق أَن يحذف من مبدأ الْإِسْنَاد وَاحِد فَأكْثر كَقَوْل الشَّافِعِي ﵀: قَالَ نَافِع، وَقَول مَالك: قَالَ ابْن عمر، أَو قَالَ النَّبِي ﷺ (وتعليقاته صَحِيحَة) قَالَ الشَّارِح وَوَصله يحيى بن آدم فِي كتاب الْخراج (من قَول معَاذ) بَيَان للموصول توَسط بَينهمَا المعترضة (ائْتُونِي بخميس) بِالسِّين الْمُهْملَة كَمَا هُوَ الصَّوَاب، لَا الصَّاد. قَالَ الْخَلِيل هُوَ ثوب طوله خَمْسَة أَذْرع، وَقَالَ الدَّاودِيّ كسَاء قيسه ذَا، وَقيل سمي بِملك من مُلُوك الْيمن أول من أَمر بِعِلْمِهِ (أَو لبيس) هُوَ مَا يلبس من الثِّيَاب والملبوس الْخلق (مَكَان الشّعير والذرة أَهْون عَلَيْكُم) أما بِاعْتِبَار
стр. 155
أَنه كَانَ يُوجد عِنْدهم مِنْهُمَا مَا لم يَكُونُوا مُحْتَاجين إِلَيْهِ، أَو بِاعْتِبَار أَن حَاجَة الْإِنْسَان إِلَى الْمَأْكُول أَشد مِنْهَا إِلَى الملبوس أَو غير ذَلِك (وَخير لأَصْحَاب النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ) لكَون حَاجتهم إِلَيْهَا أَشد، أَو لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدهم الكفاف من الْمَأْكُول، أَو لقلَّة أكلهم وَقُوَّة توكلهم بِحَيْثُ لم يَكُونُوا يدخرون الطَّعَام وَشدَّة الْبرد بِالْمَدِينَةِ كَمَا يشْعر بِهِ التَّقْيِيد، وَذكر الشَّارِح نصا آخر وَهُوَ مَا فِي كتاب الصّديق لأنس مَرْفُوعا إِلَى رَسُول الله ﷺ كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ " من بلغت عِنْده من الْإِبِل صَدَقَة الْجَذعَة، وَلَيْسَ عِنْد جَذَعَة وَعِنْده حَقه، فَإِنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهُ الحقة وَيجْعَل مَعهَا شَاتين أَو عشْرين درهما " الحَدِيث (فَظهر أَن ذكر الشَّاة والجذعة) وَغَيرهمَا (كَانَ لتقدير الْمَالِيَّة، وَلِأَنَّهُ) أَي إِعْطَاء الشَّاة والجذعة (أخف على أَرْبَاب الْمَوَاشِي) لوجودها عِنْدهم (لَا لتعيينها) بِحَيْثُ لَا يُجزئ عَنْهَا الْبَدَل (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي الْكَفَّارَة) فِي إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا طَعَام سِتِّينَ على مَا مر (مثله) أَي مثل قَوْلهم (فِي الْأَوَّلين) وهما مسألتا، إِسْلَام الرجل على أَكثر من أَربع، وعَلى أُخْتَيْنِ فِي أَنه خلاف الْأَوْجه، وَإِنَّمَا الْأَوْجه قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة: إِنَّه إِذا أطْعم مِسْكينا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا لَا يُجزئهُ، وَذَلِكَ لما مر من إِمْكَان قصد فضل الْجَمَاعَة وتضافر قُلُوبهم إِلَى آخِره مَعَ ارْتِكَاب الْمجَاز من غير ضَرُورَة، وَهُوَ جعل السِّتين أَعم من الْحَقِيقِيّ والحكمي (وَالله أعلم).
التَّقْسِيم الثَّالِث
من التقسيمات الثَّلَاثَة للفظ بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته وخفائه (مُقَابل) التَّقْسِيم (الثَّانِي) وَهُوَ تَقْسِيم اللَّفْظ بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته، فَلَزِمَ كَون هَذَا (بِاعْتِبَار الخفاء) أَي خَفَاء دلَالَة اللَّفْظ على الْمَعْنى المُرَاد (فَمَا) أَي اللَّفْظ الَّذِي (كَانَ خفاؤه بِعَارِض) من الْأُمُور الخارجية من نفس اللَّفْظ من الْأَحْوَال الطارئة عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (غير الصِّيغَة فالخفي) أَي فَهُوَ الْخَفي، سمي بِهِ مَعَ كَونه أقل خَفَاء من الْأَقْسَام الْبَاقِيَة، لكَونه مُقَابلا للظَّاهِر الَّذِي هُوَ أقل ظهورا من تِلْكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي الْخَفي (أقلهَا) أَي أقل أَقسَام هَذَا التَّقْسِيم (فِي الخفاء كَالظَّاهِرِ) فَإِنَّهُ أقل أَقسَام ذَلِك التَّقْسِيم (فِي الظُّهُور) فَإِن قيل يَنْبَغِي أَن يكون الْخَفي مَا خَفِي المُرَاد مِنْهُ بِنَفس اللَّفْظ، لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الظَّاهِر، وَهُوَ مَا ظهر المُرَاد مِنْهُ بِنَفس اللَّفْظ وَأجِيب بِأَن الخفاء بِنَفس اللَّفْظ فَوق الخفاء بِعَارِض، فَلَو كَانَ الْخَفي مَا ذكرت لزم أَن لَا يكون فِي أول مَرَاتِب الخفاء، فَلَا يكون إِذن مُقَابلا للظَّاهِر (وَحَقِيقَته) أَي حَده الكاشف عَن حَقِيقَته فَوق كشف
стр. 156
مَا ذكر من تَعْرِيفه (لفظ) وضع (لمَفْهُوم عرض) وصف بِحَال مُتَعَلّقه (فِيمَا هُوَ ببادئ الرَّأْي) بادئ الرَّأْي ظَاهره، والرأي الِاعْتِقَاد، وَالْبَاء بِمَعْنى فِي، وَالْمعْنَى فِي أول الملاحظة (من أَفْرَاده) أَي من أَفْرَاد ذَلِك الْمَفْهُوم خبر هُوَ، قدم عَلَيْهِ مَا هُوَ ظرف نسبته إِلَى الْمُبْتَدَأ، أَو (مَا يخفى) فَاعل عرض أَو عَارض يخفي (بِهِ) أَي بِسَبَب ذَلِك الْعَارِض (كَونه) فَاعل يخفى، وَالضَّمِير للموصول الأول، (مِنْهَا) أَي من أَفْرَاد ذَلِك الْمَفْهُوم فَالْحَاصِل أَن عرُوض هَذَا الْعَارِض فِي ذَلِك الْمحل أورث فِي كَونه فَردا لذَلِك الْمَفْهُوم خَفَاء بعد مَا كَانَ يحكم الْعقل فِي بادئ النّظر بفرديتها (إِلَى قَلِيل تَأمل) غَايَة الخفاء فيرتفع بتأمل قَلِيل (ويجتمعان) أَي الْخَفي وَمَا يُقَابله وَهُوَ الظَّاهِر (فِي لفظ) وَاحِد (بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَفْهُومه) وَهُوَ مَا ببادئ الرَّأْي من أَفْرَاده وَعرض مَا يخفي فِيهِ كَونه مِنْهَا (كالسارق ظَاهر فِي مَفْهُومه الشَّرْعِيّ) وَهُوَ الْعَاقِل الْبَالِغ الْآخِذ مَا يوازي عشرَة دَرَاهِم خُفْيَة من المَال المتناول مِمَّا لَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد من حرز بِلَا شُبْهَة مِمَّن هُوَ بصدد الْحِفْظ (خَفِي فِي النباش) آخذ كفن الْمَيِّت من الْغَيْر خُفْيَة بنبشه، وَهُوَ إبراز المستور وكشف الشَّيْء (والطرار) آخذ المَال الْمَذْكُور من الْيَقظَان من غَفلَة مِنْهُ بطر أَو غَيره، والطر هُوَ الْقطع، وَأَشَارَ إِلَى الْعَارِض الْمُورث للخفاء الْمَذْكُور بقوله (للاختصاص) مُتَعَلق بخفي (باسم) مُتَعَلق بالاختصاص، وَذَلِكَ لِأَن الِاخْتِصَاص الْمَعْنى باسم بِحَيْثُ لَا يُطلق عَلَيْهِ غَيره مِمَّا ينْدَرج تَحت مَفْهُوم يظنّ كَون ذَلِك الْمَعْنى من أَفْرَاده فِي بادئ الرَّأْي يُورث خَفَاء فِي كَونه مِنْهَا ويرجح عَدمه، لِأَن الظَّاهِر عدم اخْتِصَاص بعض أَفْرَاد مَفْهُوم باسم عَن سَائِر أَفْرَاده، ثمَّ غيا الخفاء فِي النباش والطرار بغاية يدل عَلَيْهَا قَوْله (إِلَى ظُهُور أَنه) أَي بِأَن يظْهر بعد قَلِيل تَأمل أَن الِاخْتِصَاص (فِي الطرار لزِيَادَة) أَي لزِيَادَة مُسَمَّاهُ فِي الْمَعْنى الَّذِي هُوَ منَاط حكم السّرقَة: وَهِي الحذاقة فِي فعل السّرقَة وَفضل فِي جِنَايَته، لِأَنَّهُ يسارق الْأَعْين المستيقظة لغفلة، وَعند ظُهُور هَذِه المزية يَزُول الخفاء وَيعلم كَونه من أَفْرَاد السَّارِق (فَفِيهِ) أَي فَيجب فِي الطرار (حَده) أَي السَّارِق (دلَالَة) أَي بِدلَالَة النَّص الْوَارِد فِي إِيجَاب هَذِه، لكَونه أولى بِثُبُوت الحكم لَهُ لوُجُود المناط فِيهِ على الْوَجْه الأتم فَإِن قلت ظُهُور كَونه من أَفْرَاد السَّارِق بعد التَّأَمُّل يُنَافِي ثُبُوت حكمه بِدلَالَة النَّص قلت كَأَنَّهُ أَرَادَ ثُبُوت دلَالَة قبل الظُّهُور فَتَأمل (لَا قِيَاسا) عَلَيْهِ حَتَّى يرد أَن الْحُدُود لَا تثبت بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَا يعرى عَن شُبْهَة الْحُدُود تدرأ بهَا، غير أَن الْإِطْلَاق إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول أبي يُوسُف وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَإِلَّا فَظَاهر الْمَذْهَب فِيهِ تَفْصِيل. قَالَ المُصَنّف ﵀ فِي شرح الْهِدَايَة قَوْله وَمن شقّ: أَي شقّ صرة والصرة الْهِمْيَان، وَالْمرَاد من الصرة هُنَا الْموضع المشدود فِيهِ الدَّرَاهِم لم يقطع وَإِن أَدخل يَده فِي الْكمّ قطع، لِأَن فِي الْوَجْه الأول يتَحَقَّق الْأَخْذ من خَارج
стр. 157
فَلَا يُوجد هتك الْحِرْز، وَفِي الثَّانِي الرِّبَاط من دَاخل يتَحَقَّق الْأَخْذ من الْحِرْز وَهُوَ الْكمّ، وَلَو كَانَ مَكَان الطر حل الرِّبَاط ثمَّ الْأَخْذ فِي الْوَجْهَيْنِ ينعكس الْجَواب (والنباش) مَعْطُوف على الطرار أَي وَإِن الِاخْتِصَاص فِي النباش (لنَقص) فِي منَاط الحكم لعدم الْحِرْز، وَعدم الْحَافِظ، وقصور الْمَالِيَّة لِأَن المَال مَا يرغب فِيهِ، والكفن ينفر عَنهُ، وَعدم المملوكية لأحد، لِأَن الْمَيِّت لَيْسَ بِأَهْل للْملك وَالْوَارِث لَا يملك من التَّرِكَة إِلَّا مَا يفضل عَن حَاجَة الْمَيِّت (فَلَا) يجب فِيهِ حد السّرقَة، وَلِأَن شرع الْحَد للانزجار، وَالْحَاجة إِلَيْهِ عِنْد كَثْرَة وجوده، والنبش نَادِر، والانزجار حَاصِل طبعا، وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى، خلافًا لأبي يُوسُف، وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَقَول أبي حنيفَة، قَول ابْن عَبَّاس وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ، وَقَوْلهمْ مَذْهَب عمر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَالْحسن وَأبي ثَوْر ثمَّ الْكَفَن للْوَارِث عِنْدهم، فَهُوَ الْخصم فِي الْقطع وَإِن كَفنه أَجْنَبِي فَهُوَ الْخصم (وَمَا) أَي اللَّفْظ الَّذِي كَانَ خفاؤه (لتَعَدد الْمعَانِي الاستعمالية) أَي الَّتِي تسْتَعْمل فِي كل مِنْهَا (مَعَ الْعلم بالاشتراك) أَي بِكَوْن اللَّفْظ مَوْضُوعا لكل مِنْهَا بِوَضْع على حِدة (وَلَا معِين) أَي وَلم يكن هُنَاكَ قرينَة مُعينَة للمراد (أَو تجويزها مجازية) مَعْطُوف على الْعلم، وَلَا شكّ أَن تَجْوِيز كَون كل من الْمعَانِي الاستعمالية مرَادا من اللَّفْظ مجَازًا إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا صرف صَارف عَن إِرَادَة مَا وضع لَهُ، وَكَانَ الْمقَام صَالحا لإِرَادَة كل مِنْهَا، وَلم يكن مَا يعين وَاحِدًا مِنْهَا، وَقَوله مجازية مَنْصُوب على أَنه مفعول ثَان للتجويز لتَضَمّنه معِين التصيير (أَو بَعْضهَا) مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَجْرُور، وَذَلِكَ بِأَن يزدحم معَان استعمالية بَعْضهَا حَقِيقِيَّة وَبَعضهَا مجازية بِحَسب التجويز، وَهُوَ إِنَّمَا يتَصَوَّر إِذا كَانَ الْمقَام صَالحا لإِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، والمجازي بِأَن لم يكن الصَّارِف عَن الْحَقِيقِيّ قَاطعا فِي الصّرْف وَإِلَّا يتَعَيَّن الْمجَازِي (إِلَى تَأمل) غَايَة للخفاء فِي هَذَا الْقسم، وَقد مر أَن الْعقل يدْرك المُرَاد فِيهِ بعد التَّأَمُّل، وَإِنَّمَا قيد تعدد الْمعَانِي الْمُوجب للخفاء بِالْعلمِ بالاشتراك أَو التجويز الْمَذْكُور، لِأَن تعدد الْمعَانِي لاستعماله من غير أَن يعلم السَّامع اشتراكها أَو تجوزها مجازية أَو بَعْضهَا لَا يتَصَوَّر، لِأَن شَرط الِاسْتِعْمَال فِي الْمَعْنى أَن يكون مَوْضُوعا لَهُ، أَو يكون بَينه وَبَين الْمَوْضُوع لَهُ علاقَة من أَنْوَاع العلاقات الْمُعْتَبرَة فِي المجازات، وَقد علمت أَن مُجَرّد التَّعَدُّد لَا يَكْفِي، بل لَا بُد أَن يكون الْمقَام بِحَيْثُ يحْتَمل كلا مِنْهَا (مُشكل) خبر الْمَوْصُول، من أشكل عَلَيْهِ الْأَمر إِذا دخل فِي أشكاله وَأَمْثَاله، بِحَيْثُ لَا يعرف إِلَّا بِدَلِيل يتَمَيَّز بِهِ (وَلَا يُبَالِي بصدقه) أَي الْمُشكل (على الْمُشْتَرك) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي أثْنَاء التَّعْرِيف (كَأَنِّي فِي) قَوْله تَعَالَى - ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ﴾ - (أَنى شِئْتُم) قَالَه مُشكل لخفا مَعْنَاهُ لاشتراكه بَين معَان يسْتَعْمل فِي كل مِنْهَا، قَالَ الرضي:
стр. 158
أنى لها ثلاث معان استفهامية كانت أو شرطية: أحدها أين ولابد حينئذ أن تستعمل مع من، أما ظاهرة نحو من أين عشرون لنا من أنى، أو مقدرة نحو أني لك هذا: أي من أين لك، ولا يقال أني زيد، بمعنى أين زيد، وتجيء بمعنى كيف نحو - أي تؤفكون - وتجيء بمعنى متى، وقد أول قوله تعالى - أنى شئتم - على الأوجه الثلاثة، واقتصر المصنف ﵀ على ذكر معنيين لحصول ما هو بصدده بهما، فقال (لاستعماله كأين وكيف) كقوله تعالى - أني يحيى هذه الله بعد موتها - (إلى أن تؤمل) في طلب المراد منه على صيغة المجهول، من باب التفعيل غاية للإشكال المحكوم به على أني (فظهر) أن المراد هو (الثاني) أي معنى كيف (بقرينة الحرث وتحريم الأذى)، فإن الأول يدل على أن المأتي إنما هو محل الحرث دون غيره، فلا سبيل إلى أن يراد جواز الاتيان من أي مكان شاء من الطريقين، على أن يكون المعنى من أين شئتم، والثاني وهو تحريم قربان المحيض بعلة الأذى والاستقذار المؤذي من يقرب نفرة منه موجود في الاتيان في الدبر على الأوجه الأتم، فتعين أن المراد بيان ما يفهم جواز الاتيان باعتبار الكيفية، ردا على اليهود، على ما روي أنهم كانوا يقولون: إن من جامع امرأته من دبرها في قبلها كان كان ولده أحول، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت (وما) أي اللفظ الذي خفاؤه بالتأمل (كمشترك) لفظي (تعذر ترجيحه) أي ترجيح بعض معانيه للإرادة (كوصية لمواليه) أي كلفظ الموالي المشترك بين المعتقين، والمعتقين في وصية من أوصى لمواليه، وهو معتق جمع، ومعتق جمع آخرين، فإنه حينئذ لا يعرف مراده بدون البيان، كما أشار إليه بقوله (حتى بطلت) الوصية (فيمن له الجهتان) أي في وصية من له جهة المعتقين والمعتقين، فإنه لا يرجى البيان بعد موت الموصى، وهذا ظاهر الرواية، وعن محمد إلا أن يصلطحا على أن يكون الموصى به بينهما، فإنه يجوز كذلك، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله جوازها، ويكون للفريقين (أو ابهام متكلم) عطف على المجرور في صلة الموصول، أي واللفظ: أي خفاؤه، لأنه أبهم متكلم على المخاطب مراده (بـ) ـسبب (وضعه) ذلك اللفظ (لغير ما عرف) من إرادته عند الإطلاق (كالأسماء الشرعية من الصلاة والزكاة والربا) الموضوعة لمعانيها الشرعية التي هي غير معانيها المعروفة قبل الوضع الشرعي، فإن الشارع لما استعملها ابتداء فيما وضعها بازائه أبهمها باعتبار ما أراد منها قبل علمهم بالوضع الثاني، وأحوجها إلى التفسير، فكأن فائدة الخطاب الإيمان بموجب ما أراد بها إجمالا، وطلب البيان، والاستفسار (مجمل) من أجمل الحساب رده إلى الجملة، أو الأمر أبهمه، وهو أخفى من المشكل لعدم امكان الوقوف عليه
стр. 159
بالاجتهاد وتوقفه على البيان، بخلاف المشكل، فهو مقابل المفسر (وما) أي اللفظ الذي خفي المراد منه بحيث (لم يرج معرفته في الدنيا متشابه) من التشابه، بمعنى الالتباس (كالصفات) أي صفات الله تعالى التي ورد فيها الكتاب والسنة (في نحو اليد والعين) مما يجب تنزيه الذات المقدسة عن معانيها الظاهرة كما قال الله تعالى - يد الله فوق أيهم - ولتصنع على عيني، (والأفعال) التي صدورها منه باعتبار ظواهر معانيها مستحيل (كالنزول) كما ورد في الصحيحين " ينزل ربك كل ليلة إلى سماء الدنيا " الحديث إلى غير ذلك مما دل عليه السمع القاطع بناء على ما عليه السلف من تفويض علمه إلى الله تعالى، والسكوت عن التأويل، واعتقاد عدم إرادة الظواهر المقتضية للحدوث والتشبيه (وكالحروف في أوائل السور) كالم وص وحم، وإطلاق الحروف عليها باعتبار مسمياتها، أو أريد بها الكلمات من قبيل إطلاق الخاص على العام، ذهب الأكثرون منهم أصحابنا والشعبي والزهري ومالك ووكيع والأوزاعي إلى أنها سر من أسرار الله تعالى استأثر الله بعلمه. قال البيضاوي: وقد روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه، ولا يلزم منه الخطاب بما لا يفيد، إذ يجوز أن يكون فائدته طلب الإيمان بها كما يدل عليه الوقف على الجلالة في قوله - وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا -، وهو مذهب أكثر السلف والخلف والابتلاء لتبيين أهل الزيغ عن الراسخين، ثم لما كان هذا أشد خفاء مما قبله كان مقابله الحكم (وظهر) ما أشرنا إليه في أثناء تعريفات المسميات الثلاثة (أن الأسماء الثلاثة) المشكل، والمجمل، والمتشابه يدور ما يتضمن كل منها من الإشكال، والإجمال، والمتشابه المنبئ عن الخفاء (مع الاستعمال لا) يدور مع (الوضع كالمشترك) كما يدور اسم المشترك مع الوضع، لأن مدار الاشتراك على وضع اللفظ لأكثر من معنى واحد بوضع متعدد (والخفي) عطف على الأسماء: أي وظهر أن اسم الخفي دائر (مع عروض التسمية) أي مع عروض عارض عورض لبعض أفراد المسمى، فخفي شمول التسمية إياه كما عرفت (و) قالت (الشافعية ما) أي اللفظ الذي (خفي) المراد منه (مطلقا) سواء كان بنفس الصيغة أو يعارض عليها (مجمل، والإجمال) يكون (في) لفظ (مفرد للاشتراك) كالعين لتردده بين معانيه (أو الاعلال) هو تغيير حرف العلة للتخفيف، ويجمعه القلب والحذف والإمكان كمختار لتردده بين الفاعل والمفعول باعلال بقلب يائه المكسورة أو المفتوحة ألفا (أو جملة المركب) أكثر لتركبه أي مجموعه عطف على مفرد نحو قوله تعالى (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) العقد من النكاح ومن كل شيء أو وجوبه ولزومه، ويجوز أن تكون الإضافة بيانية، فمجموع
стр. 160
الْمَوْصُول مَعَ صلته مركب فِيهِ إِجْمَال لاحْتِمَال أَن يُرَاد بِهِ الزَّوْج، وَإِلَيْهِ ذهب أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لما روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ " ولي الْعقْدَة الزَّوْج وَالْوَلِيّ " كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، وَالْمعْنَى على الأول أَن الْوَاجِب على من طلق قبل الْمَسِيس بعد تَسْمِيَة الْمهْر النّصْف " إِلَّا أَن يعفون " أَي المطلقات فَلَا يَأْخُذن شَيْئا، وَالْوَاو حِينَئِذٍ لَام الْفِعْل، وَالنُّون ضمير، أَو يعْفُو الزَّوْج عَمَّا يعود إِلَيْهِ بالتشطير، فيسوق الْمهْر إِلَيْهَا كملا، وعَلى الثَّانِي أَو يعْفُو الَّذِي يَلِي عقده نِكَاحهنَّ، وَذَلِكَ إِذا كَانَت صَغِيرَة (ومرجع الضَّمِير) مَعْطُوف على مُفْرد، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى ومرجع الضَّمِير مِنْهُ، وَذَلِكَ إِذا تقدم أَمْرَانِ يصلح لكل مِنْهُمَا كَمَا فِي قَوْله ﷺ " لَا يمْنَع أحد جَاره أَن يضع خَشَبَة فِي جِدَاره " يحْتَمل عوده إِلَى أحدكُم، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد، وَإِلَى الْجَار كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَذَلِكَ إِذا كَانَ لَا يضرّهُ، وَلَا يجد الْوَاضِع بدا مِنْهُ، وَلَا يخفى أَن الْأَلْيَق بالوضعية فِي حق الْجَار الأول، وَقد سُئِلَ عَن أبي بكر وَعلي ﵄ أَيهمَا أفضل؟ فَأُجِيب من بنته فِي بَيته (وَتَقْيِيد الْوَصْف وإطلاقه فِي نَحْو طَبِيب ماهر) وَفِي الشَّرْح العضدي: وَمِنْهَا مرجع الصّفة فِي نَحْو زيد طَبِيب ماهر لتردده بَين المهارة مُطلقًا، والمهارة فِي الطِّبّ انْتهى. أَرَادَ بمرجع مَا يَئُول إِلَيْهِ فَإِنَّهُ مُتَرَدّد بَين الْوَجْهَيْنِ وَحَاصِله أَن الْوَصْف وَهُوَ ماهر مثلا مردد بَين أَن يكون مُقَيّدا بِكَوْنِهِ فِي الطِّبّ، أَو مُطلقًا بِأَن تكون مهارته فِي الطِّبّ وَغَيره، فَقَوله وَتَقْيِيد الْوَصْف مَعْطُوف على مَا عطف عَلَيْهِ مرجع الضَّمِير أَو عَلَيْهِ (وَالظَّاهِر أَن الْكل) أَي إِجْمَال كل مَا تقدم من الْمثل ونظائرها (فِي مُفْرد بِشَرْط التَّرْكِيب) لِأَن الحكم بِكَوْن اللَّفْظ مُجملا إِذا لم يكن جُزْء الْكَلَام، وطرف نِسْبَة غَيرهَا ظَاهر، لِأَنَّهُ عبارَة عَن عدم تعين المُرَاد مِنْهُ عِنْد الِاسْتِعْمَال، واستعماله إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي التراكيب، فَإِن إِطْلَاق لفظ مُفْرد، وَإِرَادَة معنى بِهِ من غير أَن يكون مَحْكُومًا عَلَيْهِ، أَو بِهِ، أَو مُتَعَلقا بِأَحَدِهِمَا، أَو طرفا لنسبة مَا يكَاد أَن لَا يصدر من الْعَاقِل، ثمَّ فِيمَا يظنّ كَونه إِجْمَالا فِي الْمركب كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ - يظْهر بعد التَّأَمُّل أَنه فِي الْمُفْرد، وَهُوَ الْمَوْصُول هَهُنَا غير أَنه لَا يتم بِدُونِ الصِّلَة، فَشرط التَّرْكِيب فَتدبر (وَعِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة خبر الْمُبْتَدَأ، وَهُوَ (الْمُتَشَابه) أَي اسْم الْمُتَشَابه مَوْجُود فِي اصطلاحهم (لَكِن مُقْتَضى كَلَام الْمُحَقِّقين تساويهما) أَي الْمُجْمل والمتشابه (لتعريفهم) أَي الشَّافِعِيَّة، أَو تحقيقهم (الْمُجْمل بِمَا لم تتضح دلَالَته) قيل من قَول أَو فعل، فَإِن الْفِعْل لَهُ دلَالَة عقلية، وَخرج المهمل لعدم الدّلَالَة، والمبين لاتضاحها فِيهِ (وَبِمَا لم يفهم مِنْهُ معنى أَنه مُرَاد) أَي لم يفهم مِنْهُ الْمَعْنى من حَيْثُ أَنه مُرَاد، وَإِلَّا فَالْأَصْل الْفَهم على سَبِيل
стр. 161
الِاحْتِمَال غير منفي، فَقَوله أَنه مُرَاد بدل اشْتِمَال (وَعَلِيهِ) أَي على التَّعْرِيف الثَّانِي (اعتراضات) مثل أَنه غير مطرد لصدقه على المهمل وَلَا منعكس، لِأَنَّهُ يجوز أَن يفهم من الْمُجْمل أحد محامله لَا بِعَيْنِه وَهُوَ معِين، وَقد يكون الْمُجْمل فعلا، والمتبادر من الْمَوْصُول اللَّفْظ (لَيست بشي) لِأَن الْمُتَبَادر مِنْهُ أَن يكون لَهُ دلَالَة، وَلَا دلَالَة للمهمل، وَفهم أحد المحامل لَا بِعَيْنِه لَا يكون فهم المُرَاد، والموصول أَعم من القَوْل وَالْفِعْل (والمتشابه) أَي ولتعريفهم إِيَّاه (بِغَيْر المتضح الْمَعْنى) وَهُوَ التَّسَاوِي بَين التعريفات ظَاهر، بل الْكَلَام فِي الِاتِّحَاد (وَجعل الْبَيْضَاوِيّ إِيَّاه) أَي الْمُتَشَابه (مُشْتَركا بَين الْمُجْمل والمؤول) حَيْثُ قَالَ والمشترك بَين النَّص، وَالظَّاهِر الْمُحكم، وَبَين الْمُجْمل والمؤول الْمُتَشَابه (مُشكل) لَا يذهب عَلَيْك لطف هَذَا التَّعْبِير (لِأَن المؤول ظَهرت دلَالَته على الْمَرْجُوح) فَصَارَ متضح الْمَعْنى (بِالْمُوجبِ) أَي بِالدَّلِيلِ الْمُوجب حمله على الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح حَتَّى صَار بِهِ راجحا (لَا يُقَال يُريدهُ) أَي يُرِيد الْبَيْضَاوِيّ كَون المؤول غير متضح الْمَعْنى (فِي نَفسه مَعَ قطع النّظر عَن الْمُوجب لِأَنَّهُ) أَي المؤول (حِينَئِذٍ) أَي حِين قطع النّظر عَن الْمُوجب (ظَاهر لَا يصدق عَلَيْهِ متشابه) إِذْ الِاحْتِمَال الرَّاجِح لَا يُعَارضهُ الْمَرْجُوح على ذَلِك التَّقْدِير فَتعين أَن يكون مرَادا بِحَسب الظَّاهِر، فَلَا يصدق عَلَيْهِ إِذن غير متضح المُرَاد فَلَا يصدق على المؤول تَعْرِيف الْمُتَشَابه، لَا بِالنّظرِ إِلَى نَفسه، وَلَا بِالنّظرِ إِلَى الْمُوجب، فَلَا وَجه لإدراجه فِي الْمُتَشَابه (وَأَيْضًا يَجِيء مثله فِي الْمُجْمل) جَوَاب آخر عَن قَوْله لَا يُقَال الخ تَقْرِيره أَنكُمْ حَيْثُ سميتم المؤول المقرون بِمَا يُوجب حمله على الْمَعْنى الْمَرْجُوح متشابها بِاعْتِبَار نَفسه مَعَ قطع النّظر عَن الْبَيَان احْتِرَازًا عَن التحكم (لَكِن مَا لحقه الْبَيَان خرج عَن الْإِجْمَال بالِاتِّفَاقِ) من الْفَرِيقَيْنِ (وَسمي مُبينًا عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة (وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (إِن كَانَ) الْبَيَان (شافيا) رَافعا للإجمال رَأْسا (بقطعي فمفسر) أَي فَمَا لحقه الْبَيَان الْمَذْكُور يُسمى مُفَسرًا عِنْدهم كبيان الصَّلَاة وَالزَّكَاة (أَو) كَانَ الْبَيَان شافيا (بظني فمؤول) كبيان مِقْدَار الْمسْح بِحَدِيث الْمُغيرَة (أَو) كَانَ الْبَيَان (غير شاف خرج) الْمُجْمل (عَن الْإِجْمَال إِلَى الْإِشْكَال) كبيان الْعدَد بِالْحَدِيثِ الْوَارِد فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة فِي الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُ يبْقى فِيهِ الْإِشْكَال بَعْدَمَا ارْتَفع الْإِجْمَال بِاعْتِبَار منَاط الحكم هَل هُوَ الْجِنْس وَالْقدر، أَو الطّعْم؟ على مَا عرف فِي مَوْضِعه (فَجَاز طلبه) أَي طلب بَيَانه حِينَئِذٍ (من غير الْمُتَكَلّم) لِأَن بَيَان الْمُشكل مِمَّا يَكْتَفِي فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ، بِخِلَاف الْإِجْمَال، فَظهر أَن الْمُجْمل الَّذِي لحقه الْبَيَان: قَطْعِيا كَانَ أَو ظنيا: شافيا كَانَ أَو غير شاف لَا يُوصف بالإجمال عِنْد الْحَنَفِيَّة أَيْضا (فَلِذَا) أَي لما ذكر من التَّفْصِيل (رد مَا ظن من أَن الْمُشْتَرك المقترن بِبَيَان مُجمل بِالنّظرِ إِلَى نَفسه مُبين بِالنّظرِ إِلَى الْمُقَارن) الظَّان الْأَصْفَهَانِي، والراد
стр. 162
المحقق التفتازاني حيث قال: وليس بشيء إذا لم يعرف اصطلاح على ذلك، بل كلام القوم صريح في خلافه، لكن الحق أنه يصدق على المشترك المبين من حيث أنه مبين أنه لا يمكن أن يعرف منه مراده، بل إنما عرف بالبيان (والحاص أن لزوم الأسمين) المجمل والمبين (باعتبار ما ثبت في نفس الأمر للفظ من البيان) فيما لحقه البيان ((أو الاستمرار على عدمه) أي عدم البيان فيما لم يلحقه، فالمجمل لا يخلو: إما لحقه البيان فلزمه اسم المبين، ولا يطلق عليه بعد ذلك املجمل ولو باعتبار ما كان، وإما لم يلحقه فلزمه اسم المجمل، وهذا ظاهر (فالمجمل أعم عند الشافعية) منه عند الحنفية، لأنه عند الشافعية ما خفي مطلقا، وهذا المعنى مقسم الأقسام الأربعة التي من جملتها المجمل (ويلزمه) أي كونه أعم عندهم (أن بعض أقسامه) أي المجمل (يدرك عن غير المتكلم) وهو فيما يدرك بالاجتهاد (وبعضه لا) يدرك بيانه (إلا منه) أي المتكلم (إذ لا ينكر جواز وجود إبهام كذلك) أي لا يدرك معرفته إلا ببيان المتكلم، وكأنه أراد الجواز المقارن للوقوع (وكذا المتشابه) في كونه منقسما إلى القسمين (إلا أنهم) أي الشافعية (والأكثر) اتفقوا (على إمكان دركه) أي المتشابه المتفق على أنه متشابه (خلافا للحنفية) حيث قالوا لا يمكن دركه في الدنيا كما ذهب إليه الصحابة والتابعون وعامة المتقدمين، غير أن فخر الإسلام وشمس الأئمة استثنيا النبي ﷺ (وحقيقة الخلاف) بين الطائفتين (في وجود قسم) للفظ باعتبار خفاء دلالته (كذلك) أي على الوجه المذكور، وهو عدم إمكان دركه (ولا يخفى أنه) أي الخلاف المذكور (بحث عن) وجود (قسم شرعي استتبع) يعني هل يوجد في خطابات الشارع لفظ لا يمكن إدراكه المراد منه مطلوب اتباع المكلف إياه من حيث الإيمان به، ولا يجوز اتباعه للتأويل أولا، بل كان متشابه يمكن إدراكه، فيجوز اتباعه طلبا للتأويل (لا لغوى) أي ليس البحث عن وجود لفظ كذا غير متعلق لحكم شرعي (فجاز عندهم) أي الشافعية (اتباعه طلبا للتأويل) وأما الاتباع للإيمان به إجمالا والتوسل به إلى التقرب باعتبار قراءته فهو مطلوب بالإجماع (وامتنع عندنا) لما سيجيء (فلا يحل) اتباعه طلبا للتأويل (ولا نزاع في عدم امتناع الخطاب بما لا يفهم، ابتلاء للراسخين) بل وللزائغين أيضا فإنه فتنة بالنسبة اليهم، والراسخون في العلم الذين ثبتوا وتمكنوا فيه (بإيجاب اعتقاد الحقية) أي حقية ما أراد الله تعالى منه على الإجمال، والجار متعلق بالابتلاء (وترك الطلب) للوقوف عليه (تسليما عجزا) أي استسلاما لله، واعترافا بالقصور عن دركه (بل) النزاع (في وقوعه) أي الخطاب بما لا يفهم (فالحنفية نعم) هو واقع (لقوله تعالى - وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون) في العلم - إلى
стр. 163
قوله - كل من عند ربنا - (عطف جملة) اسمية المبتدأ منها الراسخون (خبره يقولون لأنه تعالى) تعليل لكونه عطف جملة، لا عطف مفرد حتى يلزم مشاركة الراسخين في علم التأويل (ذكر أن من الكتاب متشابها يتبغي تأويله قسم وصفهم بالزيغ) والعدول عن الحق (فلا اقتصر) على ذكر القسم المذكور (حكم) من حيث السياق والسباق (بمقابلهم) أي في مقابل الموصوفين بالزيغ (قسم بلا زيغ لا يبتغون) تأويله، ولا الفتنة (على وزان - فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه -) فإنه تعالى لما اقتصر على هذا (اقتضى مقابله) وهو، وأما الذين كفروا به ولم يعتصموا به فسيدخلهم في نار جهنم أو نحو ذلك (فتركه) أي المقابل إيجاز الدلالة قسيمه عليه (فكيف) لا يحكم بمقابلة القسم المذكور (وقد صرح به) أي بالقسم المقابل (أعني الراسخون، وصحت جملة التسليم) أي الجملة التي مضمونها التسليم، وهي - يقولون آمنا به كل من عند ربنا - (خبرا عنه) أي عن الراسخون، فلا يقال إنه إذا لم يعطف الراسخون على الجلالة يلزم كونه مبتدأ بلا خبر (فيجب اعتباره) أي اعتبار قوله - والراسخون - إلى آخره (كذلك) أي على الوجه المذكور في حل التركيب، (فإن قيل قسم الزيغ المتبعون ابتغاء) مجموع الأمرين (الفتنة والتأويل، فالقسم المحكوم بمقابلته) أي في مقابلة قسم الزيغ قسم حكم فيه (بنفي) مجموع (الأمرين) فيصدق على من انتفي عنه أحدهما دون الآخر (قلنا قسم الزيغ) يتقوم حقيقته (بابتغاء كل) من الفتنة والتأويل (لا) بانتفاء (المجموع) من حيث من هو مجموع ليلزم أن يكون المقابل من لم يبتغ المجموع، فلا يلزم حينئذ ذم من يبتغي التأويل فقط، أو يبتغي الفتنة فقط، وإن استلزمت الفتنة ابتغاء التأويل، وإنما اعتبر في الزيغ كل من البغيين مستقلا (إذ الأصل استقلال) كل واحد من (الأوصاف) المذكورة للأشعار بعلة الحكم فيما سيق لأجله (إذ الأصل استقلال) كل واحد من (الأوصاف) المذكورة للأشعار بعلة الحكم فيما سيق لأجله (ولأن جملة يقولون حينئذ) أي حين يعطف الراسخون على الله كما ذهب إليه الحضم (حال) عن الراسخين (ومعنى متعلقها) أي متعلق الحال وهو مقول القول (ينبو) أي يبعد ويقصر (عن موجب عطف المفرد) وهو الراسخون على المفرد، وهو الله (لأن مثله) أي مثل متعلق الحال، وهو قولهم - آما إلى آخره (في عادة الاستعمال يقال للعجز والتسليم) أي لافادتهما فصار معنى حرفيا للقول المذكور، وهذا لا يناسب موجب العطف، وهو مشاركة الراسخين علام الغيوب في علم التأويل على وجه الانحصار، لا يقال لم لا يجوز أن يكون من باب التواضع، لأنا نقول قوله تعالى - يقولون - يفيد استمرارهم على هذا القول، وإيثار الله إياهم بنعمة علم التأويل يقتضي أن يحدثوا بنعمة وبهم، وعند ذلك يستفاد ضد العجز فلا يتحقق الاستمرار، بل لا يليق بحال الغنى أن يظهر
стр. 164
نَفسه فِي لِبَاس الْفَقِير وَالله أعلم (وَغَايَة الْأَمر) أَي أَمر الْخصم وشأنه فِي المناقشة أَن يدعى (أَن مُقْتَضى الظَّاهِر) على تَقْدِير كَون الْجُمْلَة المعطوفة لبَيَان قسم مُقَابل لقسم الزيغ (أَن يُقَال: وَأما الراسخون) ليعادل قسيمه، وَلِأَن الشَّائِع فِي كلمة: أما فِي مثل هَذَا الْمقَام أَن يثنى ويكرر، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (فَإِذا ظهر الْمَعْنى) المُرَاد بإماراته، وَهُوَ هَهُنَا بَيَان حَال الْقسمَيْنِ على الْوَجْه الَّذِي ذكر (وَجب كَونه) أَي كَون الْكَلَام وَاقعا (على مُقْتَضى الْحَال) وَهُوَ الْأَمر الدَّاعِي لاعْتِبَار خُصُوصِيَّة مَا فِي الْكَلَام (الْمُخَالف لمقْتَضى الظَّاهِر) وَهُوَ إِيرَاد كلمة أما، وَالْحَال الَّتِي مُقْتَضى الْمُخَالف إبراز الْكَلَام فِي صُورَة توهم مُوجب عطف الْمُفْرد ليتمسك بِهِ أهل الزيغ فيستحكم فِيهِ، ويتميز عَنْهُم الراسخون بالثبات عَن الزلل كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس﴾ - ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ - (مَعَ أَن الْحَال قيد لِلْعَامِلِ) وَهُوَ الْعلم هَهُنَا (وَلَيْسَ علمهمْ) أَي الراسخين بتأويله (مُقَيّدا بِحَال قَوْلهم - ﴿آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ -) بل هُوَ مَوْجُود فِي جَمِيع الْأَحْوَال (وأيد حملنَا) الْآيَة على الْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا (قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: وَأَن تَأْوِيله إِلَّا عِنْد الله) فَإِنَّهُ لَا يُمكن فِيهَا عطف والراسخون على الله لكَونه مجرورا، فموجبه حصر علم التَّأْوِيل فِي الله، والتوفيق بَين الْقرَاءَات مَطْلُوب، وَكَذَا قَرَأَ ابْن عَبَّاس ﵄ وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ كَمَا أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح، وعزيت إِلَى أبي أَيْضا (فَلَو لم تكن) قِرَاءَة ابْن مَسْعُود (حجَّة) لكَونهَا شَاذَّة (صلحت مؤيدا) لما قدمْنَاهُ (على وزان ضَعِيف الحَدِيث) الَّذِي ضعفه لَيْسَ بِسَبَب فسق رُوَاته (يصلح شَاهدا وَإِن لم يكن مثبتا) قَالَ المُصَنّف ﵀ فِي مبَاحث السّنة حَدِيث الضعْف للفسق لَا يرتقي بِتَعَدُّد الطّرق إِلَى الحجية وَلغيره مَعَ الْعَدَالَة يرتقي، فمراده من شَهَادَته تَكْمِيل وجبر لنُقْصَان كَانَ فِي الدَّلِيل لموجبه الْمُورث لشُبْهَة فِيهِ، فَإِذا صلحت مؤيدا على تَقْدِير عدم حجيتها (فَكيف) لَا يصلح (وَالْوَجْه) أَي الدَّلِيل (منتهض) أَي قَائِم (على الحجية كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى) أَي على حجية الْقِرَاءَة الشاذة. قَالَ فِي مبَاحث الْكتاب: الشاذ حجَّة ظنية خلافًا للشَّافِعِيّ ﵀، لنا مَنْقُول عدل عَن النَّبِي ﷺ انْتهى قلت بل وفيهَا زِيَادَة، وَهِي أَنه نِسْبَة إِلَى الله تَعَالَى، والجرأة على الله أصعب من الجرأة على النَّبِي ﷺ (وَجَرت عَادَة الشَّافِعِيَّة بِاتِّبَاع الْمُجْمل بِخِلَاف) صلَة الِاتِّبَاع (فِي جزئيات) مُتَعَلق بِالْخِلَافِ (أَنَّهَا) أَي تِلْكَ الجزئيات (مِنْهُ) أَي من الْمُجْمل، وَقَوله أَنَّهَا مِنْهُ: بدل من الجزئيات، لِأَن الْخلاف فِي أَنَّهَا أَي تِلْكَ الجزئيات هَل هِيَ من الْمُجْمل أم لَا (فِي مسَائِل) أَي حَال كَون تِلْكَ الجزئيات مَذْكُورَة فِي ضمن مسَائِل.
стр. 165
(الأولى) مُبْتَدأ خَبره (التَّحْرِيم الْمُضَاف إِلَى الْأَعْيَان) إِلَى آخِره ﴿كحرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ - ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ -، والتحليل الْمُضَاف إِلَيْهَا نَحْو - ﴿أحلّت لكم الْأَنْعَام﴾ -، وَالْمرَاد بِالْإِضَافَة النِّسْبَة، والأعيان مَا يُقَابل الْمعَانِي وَالْأَفْعَال (عَن الْكَرْخِي والبصري) أبي عبد الله نقل (إجماله) أَي إِجْمَال التَّحْرِيم الْمَذْكُور (وَالْحق) كَمَا قَالَ (ظُهُوره) أَنه ظَاهر (فِي) مُرَاده (معِين) بِحَسب كل مقَام كَمَا سيتبين (لنا) أَي الْحجَّة فِي الظُّهُور (الاستقراء) أَي مفَاد الاستقراء أَو المستقرأ (فِي مثله) من إِضَافَة الحكم إِلَى الذوات (إِرَادَة منع الْفِعْل الْمَقْصُود مِنْهَا) أَي من الْأَعْيَان، فَإِن مِمَّا يقْصد من النِّسَاء مثلا النِّكَاح ودواعيه، وَمن الْحَرِير اللّبْس، وَمن الْخمر الشّرْب، فالتحريم بِالْحَقِيقَةِ مُضَاف إِلَى هَذِه الْأَفْعَال (حَتَّى كَانَ) الْمَنْع الْمَذْكُور (متبادرا) أَي سَابِقًا إِلَى الْفَهم عرفا (من) نَحْو (حرمت الْحَرِير وَالْخمر والأمهات فَلَا إِجْمَال) إِذْ المُرَاد مُتَعَيّن (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بالإجمال (لَا بُد من تَقْدِير فعل) إِذْ التَّحْرِيم والتحليل تَكْلِيف بِالْفِعْلِ الْمَقْدُور، والمعين غير مَقْدُور، وَلَا يَصح تَقْدِير جَمِيع الْأَفْعَال (وَلَا معِين) للْبَعْض، فَلَزِمَ الْإِجْمَال (قُلْنَا تعين) الْبَعْض، وَهُوَ الْمَقْصُود من الْعين (بِمَا ذكرنَا) من التبادر (وادعاء فَخر الْإِسْلَام وَغَيره من الْحَنَفِيَّة الْحَقِيقَة) فِي اللَّفْظ الْمركب الدَّال على تَحْرِيم الْعين، مَعَ أَن الْحُرْمَة وَغَيرهَا من الْأَحْكَام الْخَمْسَة إِنَّمَا يُوصف بهَا أَفعَال الْمُكَلّفين، وَمُقْتَضَاهُ أَن يكون من الْمجَاز الْعقلِيّ (لقصد إِخْرَاج الْمحل) الَّذِي هُوَ الْعين الْمُضَاف إِلَيْهَا التَّحْرِيم (عَن الْمَحَلِّيَّة) عَن أَن يكون محلا للْفِعْل، وَقَوله لقصد مُتَعَلق بالادعاء، يَعْنِي أَن الْمَقْصُود من تَحْرِيم الْعين خُرُوجهَا عَن الْمَحَلِّيَّة، وَالْخُرُوج عَن الْمَحَلِّيَّة وصف ثَابت للعين حَقِيقَة فإسناده إِلَيْهَا على سَبِيل الْحَقِيقَة، وَلَا يخفى أَن تَفْسِير التَّحْرِيم بِهَذَا الْمَعْنى يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل تَصْحِيح، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تَصْحِيحه) أَي الادعاء الْمَذْكُور، وَهُوَ خبر الْمُبْتَدَأ (بادعاء تعارف تركيب منع الْعين) كَحُرْمَةِ الْحَرِير وَالْخمر (لإخراجها) أَي الْعين (عَن محلية الْفِعْل) الْمَقْصُود مِنْهَا (الْمُتَبَادر) إِلَى الْفَهم (لَا) عَن محلية الْفِعْل (مُطلقًا) أَلا ترى أَن الْأُم خرجت عَن محليتها للنِّكَاح ودواعيه وَلم تخرج عَن محليتها لِأَن تقبل رَأسهَا إِكْرَاما، وَنَحْو ذَلِك (وَفِيه) أَي فِيمَا ذكرنَا من التَّصْحِيح (زِيَادَة بَيَان سَبَب الْعُدُول عَن التَّعْلِيق) أَي تَعْلِيق التَّحْرِيم (بِالْفِعْلِ إِلَى التَّعْلِيق بِالْعينِ) وَمِنْهُم من خصص ادِّعَاء الْحَقِيقَة بالحرام لعَينه، وَمِنْهُم من عمم فَأدْخل الْحَرَام لغيره أَيْضا فِيهِ وَهُوَ الْأَظْهر، وَقد نَص الْكرْمَانِي على تَسْلِيم كَونه مجَازًا فِي اللُّغَة حَقِيقَة فِي الْعرف، يَعْنِي عرف الشَّرْع.
المسئلة (الثَّانِيَة) مُبْتَدأ خَبره (لَا إِجْمَال فِي وأمسحوا برءوسكم) فَإِن قلت لَا بُد فِي المسئلة من
стр. 166
حكم كلي والحكم ههنا جزئي، قلت المراد لا إجمال في نحو هذا أي في كل محل داخل عليه بالآلة متعلقة بفعل يحتمل أن تستوعبه (خلافا لبعض الحنفية) القائلين بالإجمال فيه (لأنه لو لم يكن في مثله) أي هذا التركيب (عرف يصحح إرادة البعض كمالك) في الشرح العضدي في تعليل نفي الأعمال لها أنه لغة لمسح الرأس هو الكل، فإن لم يثبت في مثله عرف في إطلاقه على البعض اتضح دلالته في الكل للمقتضي السالم عن المعارض كما هو مذهب مالك والقاضي أبي بكر وابن جنى انتهى، يعنى أنهم ذهبوا إلى عدم ثبوته، واتضاح الدلالة في الكل لما ذكروا أنه المراد، وإليه أشار بقوله (أفاد) أي التركيب المذكور (مسح مسماه) أي مسح الرأس (وهو) أي مسماه (الكل أو كان) فيه عرف يصحح إرادة البعض منه (أفاد) التركيب حينئذ (ببعضا مطلقا) يتحقق في ضمن كل بعض، ويتبين أن المراد إنما هو الإطلاق وحصول المقصود ببعض ما: أي بعض كان (ويحصل) أي البعض المطلق (في ضمن الاستيعاب) واستيفاء الكل (وغيره) أي غير الاستيعاب (فلا إجمال) بوجه: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه ظاهر في بعض مطلق (ثم ادعى مالك عدمه) أي عدم العرف المذكور (فلزم الاستيعاب) لما ذكر (والشافعية) أي وادعى الشافعية (ثبوته) أي ثبوت الطرف المصحح إرادة البعض (في نحو مسحت يدى بالمنديل) بكسر الميم فإنه يفهم منه عرفا مسحها ببعض المنديل، فإذا ذكر في موضع المنديل المحل: أي الرأس فهم التبعيض (أجيب بأنه) أي التبعيض (هو العرف فيما هو آلة لذلك) أي فيما كان مدخول الباء آلة الفعل، ومدخلها في الآية المحل، لا الآلة، ولا نسلم أنه إذا دخلت على المحل فهم التبعيض عرفا (والأوجه أنه) أي التبعيض فيما هو آلة لذلك (ليس للعرف) أي ليس مدلولا عرفيا (بل) يحكم به (للعلم بأنه) أي ما هو آلة يعتبر (للحاجة) وبقدرها (وهي) أي الحاجة مندفعة ببعضه أي ببعض ما هو آلة للفعل كالمنديل مثلا (فتعلم إرادته) أي إرادة البعض بهذه القرينة، لا لكون الكلام موضوعا عرفا للتبعيض في مثل ذلك التركيب (قالوا) أي الشافعية (الباء للتبعيض، أجيب بإنكاره) أي بإنكار كون الباء للتبعيض لغة (كابن جنى) بسكون الياء معرب كنى بكسر الكاف والجيم: أي لانكار ابن جني، وهو من كبار أئمة اللغة كون التبعيض من معاني الباء، (واعلم أن طائفة من المتأخرين) النحويين كالفارسي والقتيبي وابن مالك (ادعوه) أي كون الباء للتبعيض (في نحو).
(شربن بماء البحر ثم ترفعت) .... متى لجج خضر لهن نئيج
يقول شربت السحب من ماء، ثم ترفعت من لجج خضر، والحال أن لهن تصويتًا،
стр. 167
في القاموس في متى، وقد يكون بمعنى من نحو أخرجها متى مكة (وابن جنى يقول في سر الصناعة لا يعرفه) أي كون الباء للتبعيض (أصحابنا) لا يقال شهادة على النفي فلا يتعين، لأن عدم معرفة أئمة الاستقرار الصحيح لمعنى في اللغة دليل ظني على عدم وجوده فيها، (والحاصل أنه) أي كونها للتبعيض أو ادعاء الطائفة المذكورة (ضعيف للخلاف القوي) أي لقوة ما يخالفه لكونه مذهب الجمهور، وعدم ظهور شيوعه في الاستعمالات (ولأن الالصاق معناها المجمع عليه) في كونه (لها ممكن) خبر إن، ومعناها بدل من اسمها، والمجمع عليه صفته، يعني ممكن أن يراد منها، (فيلزم) كونه مرادا منها، لأن صحة إرادته مجمع عليه، بخلاف صحة إراد التبعيض فإنها مختلف فيه، والظاهر خلافه (ويثبت التبعيض اتفاقيا) لخصوصية المقام لا قياسيا بعرف ونحوه، ثم علل ثبوته الاتفاقي بقوله (لعدم استيعاب الملصق) الذي هو آلة المسح ههنا الملصق به وهو الرأس (لا) أن التبعيض يثبت (مدلولا) لها (وجه الاجمال أن الباء إذا دخلت في الآلة يتعدى الفعل) الذي دخل الباء على آلته (إلى المحل) أي إلى محله (فيستوعبه) أي الفعل محل (كمسحت يدي بالمنديل) فاليد كلها ممسوخة (وفي قلبه) هو ما إذا دخلت في محل (يتعدى إلى الالة فتستوعبها) أي الآلة (وخصوص المحل) وهو الرأس (هنا لا يساويها) أي الآلة (فلزم تبعيضه) أي تبعيض المحل ضرورة نقصانها في المقدار، ثم لما أثبت أن التبعيض لازم للضرورة أراد بيان أن المراد بعض معين لا مطلق، فقال (ثم مطلقه) أي مطلق البعض (ليس بمراد وإلا) أي وإن لم يكن كما قلنا، بل أريد المطلق (اجتريء) أي الكتفيء (بالحاصل) أي بمسح البعض الحاصل (في) ضمن (غسل الوجه عند من لا يشترط الترتيب، والكل) أي من شرط الترتيب ومن لم يشترط الترتيب متفقون (على نفيه) أي نفي الاجتزاء بذلك (فلزم كونه) أي البعض المراد (مقدرا) بمقدار معين عند الشارع هنا (ولا معين) لذلك المقدار عند المخاطبين (فكان مجملا في) حق (الكمية الخاصة، وقد يقال) أي من قبل الشافعية منعا للملازمة المذكورة في قوله والا اجتزيء إلى آخره (عدم الاجتزاء لحصوله) أي غسل البعض (تبعا لتحقق غسل الوجه) فإن المتوضي يقصد ان يتحقق أداء الفرض في غسل الوجه، وهذا التحقيق لا يحصل عادة بدون غسل شيء من أجزاء الرأس (لا يوجب نفي الإطلاق اللازم) للإلصاق في البعض المذكور لأن قوله بعدم الاجتزاء ليس لتعين المقدار، وعدم حصول ذلك المعين في ضمن غسل الوجه، بل لابد، الفرض في المسح يجب أن يتحقق أصالة بفعل مبتدأ مستقل لأداء المسح الواجب لانتفائه في ضمن أداء غسل الوجه (والحق أن التبعيض اللازم) اتفاقا (ما) أي بعض مقدر (بقدر الآلة لأنه)
стр. 168
أَي التَّبْعِيض (جَاءَ) وَثَبت (ضَرُورَة استيعابها) اسْتِيعَاب الْمسْح الْآلَة، فَإِن الْبَاء حِين دخلت فِي الْمحل تعدى الْفِعْل، وَهُوَ الْمسْح إِلَى الْآلَة تَقْديرا واستوعبها (وَهِي) أَي الْآلَة (غَالِبا كالربع) أَي كربع الرَّأْس فِي الْمِقْدَار، فَلَزِمَ الرّبع كَمَا هُوَ ظَاهر الْمَذْهَب، فَلَا إِجْمَال حِينَئِذٍ وَلَا إِطْلَاق (وَكَونه) أَي الرّبع الْمَمْسُوح (الناصية) وَهِي الْمُقدم من الرَّأْس (أفضل لفعله ﷺ كَمَا سَيذكرُهُ المُصَنّف ﵀ فِي مسئلة الْبَاء.
المسئلة (الثَّالِثَة لَا إِجْمَال فِي نَحْو " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ ") مِمَّا يَنْفِي صفته، وَالْمرَاد لَازم من لوازمها (لِأَن الْعرف) أَي الْمَعْنى الْعرفِيّ (فِي مثله قبل) وُرُود (الشَّرْع رفع الْعقُوبَة) فَإِن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ رفعت عَنْك الْخَطَأ كَانَ الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنِّي لَا أؤاخذك بِهِ وَلَا أعاقبك عَلَيْهِ، فَهُوَ وَاضح فِيهِ (وَالْإِجْمَاع) مُنْعَقد (على إِرَادَته) أَي رفع الْعقُوبَة من الحَدِيث الْمَذْكُور (شرعا) أَي إِرَادَة شَرْعِيَّة فَلَزِمَ مُوَافقَة عرف الشَّرْع بعرف اللُّغَة (وَلَيْسَ الضَّمَان عُقُوبَة) فَلَا يُرَاد أَن رفع الْعقُوبَة مُطلقًا فِي الْخَطَأ يسْتَلْزم سُقُوط الضَّمَان فِيمَا إِذا أتلف مَال الْغَيْر خطأ (بل) يجب (جبرا لحَال المغبون) الْمُتْلف عَلَيْهِ فَلَا يجب عُقُوبَة (قَالُوا) أَي الذاهبون إِلَى الْإِجْمَال فِيمَا ذكر المذكورون فِيمَا سبق بطرِيق الْإِشَارَة، لِأَن الْمسَائِل المعدودة مِمَّا اخْتلف الأصوليون فِيهَا بِاعْتِبَار الْإِجْمَال وَعَدَمه (الْإِضْمَار) وَالتَّقْدِير لمتعلق الرّفْع (مُتَعَيّن) لِأَن نفس الْخَطَأ غير مَرْفُوع لوُقُوعه أَكثر من أَن يُحْصى (وَلَا معِين) لخُصُوص المُرَاد فَلَزِمَ الْإِجْمَال (أُجِيب) عَن احتجاجهم بِأَنَّهُ (عينه) أَي الْبَعْض بِخُصُوصِهِ، وَهُوَ رفع الْعقُوبَة (الْعرف الْمَذْكُور) على مَا عرفت.
المسئلة (الرَّابِعَة لَا إِجْمَال فِيمَا يَنْفِي من الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة محذوفة الْخَبَر) أَي خبر لَا النافية الدَّاخِلَة على الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة (كلا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب)، لَا صَلَاة (إِلَّا بِطهُور) فَهَذَا من قبيل زيد عَالم (خلافًا للْقَاضِي) أبي بكر الباقلاني (لنا أَن نثبت أَن الصِّحَّة جُزْء مَفْهُوم الِاسْم الشَّرْعِيّ) وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ (وَلَا عرف) للشارع (يصرف عَنهُ) أَي الْمَفْهُوم الشَّرْعِيّ (لزم تَقْدِير الْوُجُود) لِأَن الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم من نفي الْفِعْل الشَّرْعِيّ أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا نفي الْوُجُود وَهُوَ الْأَظْهر، وَإِمَّا نفي الصِّحَّة، وَحَيْثُ فرض جزئية الصِّحَّة من مَفْهُوم الْكُلِّي كَانَ نفي الصِّحَّة مستلزما لنفي الْوُجُود، وَلَا شكّ أَن نفي الْوُجُود مُسْتَلْزم لنفي الصِّحَّة، لِأَنَّهُ لَا صِحَة بِدُونِ الْوُجُود فاذن بَينهمَا تلازم، وَقد عرفت أَن نفي الْوُجُود أظهر وَأقرب إِلَى الْفَهم فَتعين (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تثبت جزئيتها لَهُ (فَإِن تعورف صرفه) أَي نفي الْفِعْل شرعا فِي مثل ذَلِك (إِلَى) نفي (الْكَمَال لزم) صرفه إِلَيْهِ كَمَا فِي لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد لَا فِي الْمَسْجِد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَقَالَ ابْن خرم هُوَ صَحِيح من قَول عَليّ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتعارف صرفه إِلَى نفي الْكَمَال (لزم
стр. 169
تَقْدِير الصِّحَّة لِأَنَّهُ) أَي تقديرها (أقرب إِلَى نفي الذَّات) من تَقْدِير الْكَمَال يَعْنِي أَن الْحَقِيقَة المعتذرة هِيَ نفي الذَّات، وَعند تعذرها يتَعَيَّن الْأَقْرَب إِلَيْهَا فَإِن قلت قد سبق أَن نفي الْوُجُود أظهر وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ قُلْنَا الْمَفْرُوض عدم الصِّحَّة جزئية من مَفْهُوم الِاسْم، وَعند ذَلِك يتَحَقَّق الْمَفْهُوم بِدُونِ الصِّحَّة، وكما أَن نفي الذَّات غير صَحِيح، لِأَنَّهُ خلاف الْوَاقِع كَذَلِك نفي الْوُجُود بِدُونِ الصِّحَّة غير صَادِق فَلَا تصح إِرَادَته فَتعين أَن يُرَاد نفي الصِّحَّة (وَهَذَا) أَي التَّعْلِيل بالأقربية على إِرَادَة نفي الصِّحَّة (تَرْجِيح لإِرَادَة بعض المجازات المحتملة) أَي بعض الْمعَانِي المجازية الَّتِي يحْتَملهُ اللَّفْظ بِحَسب الْمقَام على الْبَعْض (لَا إِثْبَات اللُّغَة بالترجيح) فَإِنَّهُ غير جَائِز على مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور من عدم جَوَاز إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ خلافًا للْقَاضِي وَابْن سُرَيج، وَبَعض الْفُقَهَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَسْمِيَة مسكوت عَنهُ باسم إِلْحَاقًا لَهُ بِمَعْنى يُسمى بذلك الِاسْم لِمَعْنى تَدور التَّسْمِيَة بِهِ مَعَه كَمَا بَين فِي مَوْضِعه، وكما أَنه لَا يجوز بِالْقِيَاسِ كَذَلِك لَا يجوز بالترجيح لاشْتِرَاكهمَا فِي الْعلَّة، وَهِي عدم صِحَة الحكم بِوَضْع اللَّفْظ بالمحتمل (قَالُوا) أَي المجملون (الْعرف فِيهِ) أَي فِيمَا يَنْفِي من الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة (مُشْتَرك بَين الصِّحَّة والكمال) يَعْنِي كَمَا أَنه يُرَاد بِهِ نفي الصِّحَّة عرفا فِي بعض الْموَاد كَذَلِك يُرَاد بِهِ نفي الْكَمَال عرفا فِي بعض آخر، (ف) إِذا كَانَ اللَّفْظ مُشْتَركا عرفا بَين الْمَعْنيين (لزم الْإِجْمَال قُلْنَا) الِاشْتِرَاك بَينهمَا عرفا (مَمْنُوع بل) إِرَادَة نفي الْكَمَال فِي بعض الاستعمالات الشَّرْعِيَّة مجَازًا (لاقْتِضَاء الدَّلِيل) الدَّال على أَن المُرَاد نفي الْكَمَال (فِي خصوصيات الْمَوَارِد) فَهُوَ قرينَة مُعينَة للمعنى الْمجَازِي مُخْتَصَّة بموارد جزئية، وَعند انْتِفَاء تِلْكَ الْقَرِينَة يتَعَيَّن الْمجَازِي الْأَقْرَب إِلَى الْحَقِيقَة على مَا ذكر من غير مزاحمة مجازى آخر فَلَا إِجْمَال.
الْمَسْأَلَة (الْخَامِسَة لَا إِجْمَال فِي الْيَد وَالْقطع فَلَا إِجْمَال فِي فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا) يَعْنِي لَو كَانَ فِيهِ إِجْمَال لَكَانَ باعتبارهما، لِأَن غَيرهمَا من الْأَجْزَاء لَا يتَوَهَّم فِيهِ ذَلِك، وَإِذا لم يكن فِي شَيْء مِنْهُمَا لزم نفي الْإِجْمَال فِيهِ مُطلقًا (و) قَالَ (شرذمة) بِالْكَسْرِ: أَي قَلِيل من النَّاس (نعم) حرف إِيجَاب يُقرر مَا قبلهَا خبريا أَو إستفهاميا مثبتا أَو منفيا، يَعْنِي نعم فِيهَا إِجْمَال (فَنعم) أَي فَفِي فَاقْطَعُوا إِلَى آخِره إِجْمَال باعتبارهما، وَقد سبق أَن فِي أَمْثَاله الْإِجْمَال فِي الْمُفْرد بِشَرْط التَّرْكِيب، وَالْحجّة (لنا أَنَّهُمَا) أَي الْيَد وَالْقطع (لُغَة) موضوعان (لجملتها) أَي الْيَد من رُءُوس الْأَصَابِع (إِلَى الْمنْكب) وَهُوَ مجمع رَأس الْكَتف والعضد (والأبانة) وَهِي فصل الْمُتَّصِل (قَالُوا) أَي المجملون (يُقَال) الْيَد (للْكُلّ و) يُقَال للجزء مِنْهَا من رُءُوس الْأَصَابِع (إِلَى الْكُوع) وَهُوَ طرف الزند الَّذِي يَلِي الْإِبْهَام (و) يُقَال (الْقطع للإبانة وَالْجرْح) وَهُوَ شقّ الْعُضْو من غير إبانة لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ (وَالْأَصْل) فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظ (الْحَقِيقَة) فَهُوَ حَقِيقَة فِي كل مِنْهُمَا وَلَا مُرَجّح
стр. 170
لوَاحِد من الْكل والجزء فِي الأول، والأبانة وَالْجرْح فِي الثَّانِي، فَكَانَا مجملين (وَالْجَوَاب) أَنا لَا نسلم اشتراكهما (بل) كل من الْيَد وَالْقطع (مجَاز فِي) الْمَعْنى (الثَّانِي) أَي الْجُزْء وَالْجرْح (للظهور) أَي لظُهُور الْيَد وَالْقطع (فِي الْأَوَّلين) الْكل والأبانة، وتبادر الْمَعْنى من اللَّفْظ دَلِيل الْحَقِيقَة، وَلَو كَانَا مشتركين لم يتَبَادَر أحد الْمَعْنيين (فَلَا إِجْمَال، وَاسْتدلَّ) بمزيف على نفي الْإِجْمَال وَهُوَ أَن كلا مِنْهُمَا (يحْتَمل الِاشْتِرَاك) اللَّفْظِيّ على الْوَجْه الْمَذْكُور (والتواطؤ) بِأَن تكون الْيَد مَوْضُوعَة للقدر الْمُشْتَرك بَين الْكل والجزء، وَالْقطع للقدر الْمُشْتَرك بَين الأبانة وَالْجرْح (وَالْمجَاز) بِأَن يكون كل مِنْهُمَا حَقِيقَة فِي أحد فِي الْمَعْنيين مجَازًا فِي الآخر (والإجمال) يتَحَقَّق (على أَحدهَا) أَي أحد الِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة (وَعَدَمه) أَي عدم الِاحْتِمَال يتَحَقَّق (على اثْنَيْنِ) من الثَّلَاثَة (فَهُوَ) أَي عدم الْإِجْمَال (أولى) بِالِاعْتِبَارِ، لِأَن وُقُوع وَاحِد لَا بِعَيْنِه من اثْنَيْنِ أقرب من وُقُوع وَاحِد بِعَيْنِه فيغلب على الظَّن الْأَقْرَب المستلزم عدم الْإِجْمَال (وَدفع) الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الِاسْتِدْلَال (إِثْبَات اللُّغَة) وَوضع اللَّفْظ: أَي الْيَد وَالْقطع (بِتَعْيِين مَا وضع لَهُ الْيَد) وَالْقطع، الْبَاء للْبَيَان مُتَعَلق بالإثبات (بالترجيح) مُتَعَلق بِالتَّعْيِينِ (لعدم الْإِجْمَال) على الْإِجْمَال، فَاللَّام صلَة التَّرْجِيح، وَحَاصِله إِثْبَات أَن الْيَد وَالْقطع مَوْضُوع للْكُلّ والإبانة، بِدَلِيل تَرْجِيح عدم الْإِجْمَال عَلَيْهِ لكَونه أقرب مَوْضُوعا من وجوده لما ذكر، وَقد مر أَن إِثْبَات اللُّغَة بِمثلِهِ غير صَحِيح (على أَن نفي الْإِجْمَال) هُنَا أَعنِي (فِي الْآيَة على تَقْدِير التواطئ مَمْنُوع إِذْ الْحمل) أَي حمل كل وَاحِد من الْيَد وَالْقطع (على الْقدر الْمُشْتَرك لَا يتَصَوَّر، إِذْ لَا يتَصَوَّر إِضَافَة الْقطع) ونسبته (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك (إِلَّا على إِرَادَة الْإِطْلَاق) بِأَن يُرَاد إِيقَاع الْقطع على أَفْرَاد مَا من أَفْرَاد الْمُشْتَرك: أَي فَرد كَانَ لِأَنَّهُ لَو لم يرد ذَلِك لامتنع إِضَافَة الْقطع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ، وَهِي أَمر اعتباري لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج، وَإِمَّا أَن يُرَاد بِهِ كل فَرد مِنْهُ فَيلْزم قطع كل مَا يصدق عَلَيْهِ الْقدر الْمُشْتَرك، وَهُوَ ظَاهر الْبطلَان فَلم يبْق إِلَّا الْإِطْلَاق (وَهُوَ) أَي الْإِطْلَاق (مُنْتَفٍ إِجْمَاعًا) لِأَن مُقْتَضَاهُ حُصُول إِقَامَة حد السّرقَة بِقطع جُزْء من أَجزَاء الْيَد مُطلقًا وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع فَعلم أَنه على تَقْدِير التواطئ لَا يُرَاد الْقدر الْمُشْتَرك (فَكَانَ) المُرَاد (محلا معينا مِنْهَا) أَي من الْيَد (لَا معِين) فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَلَزِمَ الْإِجْمَال (وَالْحق أَنه لَا تواطؤ) أَي لَيْسَ بموضوع للقدر الْمُشْتَرك (وَإِلَّا نَاقض) تواطؤه (كَونه) مَوْضُوعا (للْكُلّ) وَوَضعه ثَابت للْكُلّ نقلا وَيدل عَلَيْهِ تبادره عِنْد الْإِطْلَاق من غير قرينَة صارفة عَنهُ (لَكِن يعلم إِرَادَة الْقطع فِي خُصُوص) أَي فِي جُزْء مَخْصُوص (مِنْهُ) أَي من الْكل لإِرَادَة قطع الْكل، وَهَذَا الْعلم بِمَا
стр. 171
قَامَ عِنْد المخاطبين من الْقَرَائِن الدَّالَّة على كَون المُرَاد محلا معينا من غير تعْيين ذَلِك الْمعِين، وَلذَا قَالَ (وَلَا معِين، فإجماله فِيهِ) أَي فَكَانَ الْقطع مُجملا فِي حق مَحَله الْمعِين (وَأما إِلْزَام أَن لَا مُجمل حِينَئِذٍ) جَوَاب سُؤال مُقَدّر على الِاسْتِدْلَال المزيف، تَقْرِيره يلْزم أَن لَا يكون مُجمل أبدا أَو مَا من الْجمل وَإِلَّا يجْرِي فِيهِ ذَلِك بِعَيْنِه، وَقَوله حِينَئِذٍ أَي حِين يتم هَذَا التَّوْجِيه (فَدفع) الْإِلْزَام الْمَذْكُور (بِأَن ذَلِك) أَي جَرَيَان الدَّلِيل فِيمَا (إِذا لم يتَعَيَّن) الْإِجْمَال بدليله (لَكِن تعينه) أَي الْإِجْمَال فِي موَاضعه (ثَابت بِالْعلمِ بالاشتراك والحقائق الشَّرْعِيَّة) إِشَارَة إِلَى مَا سبق من أَن الأجمال قد يكون لتَعَدد مَكَان لَا يعرف إِلَّا بِبَيَان كمشترك تعذر تَرْجِيحه، وَقد يكون لإبهام مُتَكَلم لوضعه لغير مَا عرف كالأسماء الشَّرْعِيَّة من الصَّلَاة وَالزَّكَاة والربا، وَقد مر بَيَانه، فَالْمُرَاد بقوله بِالْعلمِ الخ الْعلم بِهِ مَعَ تعذر التَّرْجِيح، وَقَوله والحقائق مَعْطُوف على الِاشْتِرَاك يَعْنِي الْإِجْمَال ثَابت بعلمنا بِأَن الصَّلَاة مثلا لَهَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة مُعينَة غير اللُّغَوِيَّة مُرَادة للشارع عِنْد اسْتِعْمَالهَا وَلَا معِين لَهَا عِنْد التخاطب بهَا، فَلَزِمَ الْإِجْمَال.
الْمَسْأَلَة (السَّادِسَة لَا إِجْمَال فِيمَا) أَي لفظ (لَهُ مسميان لغَوِيّ وشرعي) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وضعا فِي اللُّغَة للدُّعَاء والإمساك، وَفِي الشَّرْع للمحققين الشرعيين (بل) ذَلِك اللَّفْظ إِذا صدر عَن الشَّارِع (ظَاهر فِي) الْمُسَمّى (الشَّرْعِيّ) فِي الْإِثْبَات وَالنَّهْي، وَهَذَا أحد الْأَقْوَال فِي هَذِه المسئلة: وَهُوَ الْمُخْتَار (وَثَانِيها للْقَاضِي أَنه مُجمل فيهمَا) و (ثَالِثهَا للغزالي) وَهُوَ أَن (فِي النَّهْي مُجمل) وَفِي الْإِثْبَات الشَّرْعِيّ (وَرَابِعهَا) لقوم مِنْهُم الْآمِدِيّ وَهُوَ أَنه (فِيهِ) أَي فِي النَّهْي (اللّغَوِيّ) وَفِي الْإِثْبَات الشَّرْعِيّ (لنا عرفه) أَي عرف الشَّرْع (يقْضِي) أَي يحكم (بظهوره) أَي اللَّفْظ (فِيهِ) أَي فِي الشَّرْع، لِأَنَّهُ صَار مَوْضُوعا فِي عرف الشَّرْع وَالظَّاهِر من الشَّارِع، بل وَمن أهل الشَّرْع أَيْضا أَن يُخَاطب بعرفه، كَيفَ وَلَو خَاطب بِغَيْرِهِ كَانَ مجَازًا إِلَّا إِذا كَانَ التخاطب بذلك الْغَيْر (الْإِجْمَال) أَي دَلِيل الْإِجْمَال فِي الْإِثْبَات وَالنَّهْي أَنه (يصلح لكل) من الْمُسَمّى اللّغَوِيّ والشرعي وَلم يَتَّضِح وَهُوَ معنى الْإِجْمَال، وَالْجَوَاب ظُهُوره فِي الشَّرْعِيّ. قَالَ (الْغَزالِيّ) مَا ذكرْتُمْ من الظُّهُور فِي الْإِثْبَات وَاضح، وَأما فِي النَّهْي فَلَا يُمكن حمله على الْمُسَمّى (الشَّرْعِيّ) إِذْ الشَّرْعِيّ (مَا وَافق أمره) أَي الشَّارِع (وَهُوَ) مَا وَافق أمره (الصَّحِيح) فالشرعي هُوَ الصَّحِيح (وَيمْتَنع) الْوِفَاق (فِي النَّهْي) لِأَن الْمنْهِي عَنهُ مُخَالف لِلْأَمْرِ، لِأَن النَّهْي يدل على فَسَاده (أُجِيب) عَنهُ بِأَنَّهُ (لَيْسَ الشَّرْعِيّ الصَّحِيح) أَي لَا يعْتَبر الصِّحَّة فِي الْمُسَمّى الشَّرْعِيّ لَا جَزَاء وَلَا شرطا (بل) الشَّرْعِيّ (الْهَيْئَة) بِالنّصب عطف على خبر لَيْسَ، وَلَا يضر انْتِقَاض النَّفْي ببل، لِأَن عَملهَا للفعلية: يَعْنِي لَيْسَ الْمُسَمّى الشَّرْعِيّ هُوَ الصَّحِيح، بل مَا يُسَمِّيه الشَّارِع
стр. 172
بذلك الِاسْم من الهيآت الْمَخْصُوصَة حَيْثُ يَقُول هَذِه صَلَاة صَحِيحَة، وَهَذِه صَلَاة فَاسِدَة (وَالرَّابِع) أَي وَالْقَوْل الرَّابِع (مثله) أَي مثل القَوْل الثَّالِث فِي الْإِثْبَات وَقد عرفت أَن الثَّالِث أَنه فِي الْإِثْبَات الشَّرْعِيّ (غير أَنه) فِي اللَّفْظ فِي هَذَا القَوْل (فِي النَّهْي) مُتَعَيّن (للغوي إِذْ لَا ثَالِث) للغوي والشرعي (وَقد تعذر الشَّرْعِيّ) لما عرفت فِي الثَّالِث، فَلَا إِجْمَال حَيْثُ تعين اللّغَوِيّ (وَجَوَابه مَا تقدم) من قَوْله أُجِيب لَيْسَ الشَّرْعِيّ الصَّحِيح إِلَى آخِره، وَأَنه يلْزم أَن يكون معنى قَوْله ﷺ " لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد " الحَدِيث، ودعى الصَّلَاة للحائض وَنَحْوهمَا لَا دُعَاء ودعى الدُّعَاء إِلَى غير ذَلِك، وبطلانه ظَاهر، وَلَك أَن تَقول لم لَا يجوز أَن يكون مُرَاد هَذَا الْقَائِل كَون اللَّفْظ فِي النَّهْي للهيئة الْمُجَرَّدَة عَن اعْتِبَار الصِّحَّة من حَيْثُ أَنه فَرد من أَفْرَاد الْمَعْنى اللّغَوِيّ، فاللفظ مُسْتَعْمل فِي الْفَرد الْمُنْتَشِر، والخصوصية مَأْخُوذَة من الْقَرِينَة فَلَا مجَاز وَلَا إِجْمَال فَتَأمل ذَلِك، كَيفَ وَإِن لم يؤول كَلَامه بِمثلِهِ، لَكِن إِن ظَاهر الْبطلَان لَا يَقُول بِهِ عَاقل (فَأَما الْحَنَفِيَّة فاعتبروا وصف الصِّحَّة فِي الِاسْم الشَّرْعِيّ على مَا يعرف) فِي مَبْحَث النَّهْي، لَكِن لَهُم تَفْصِيل فِي تَفْسِيرهَا كَمَا أَفَادَ بقوله (فالصحة فِي) بَاب (الْمُعَامَلَة ترَتّب الْآثَار) واستتباع الْغَايَة الْمَطْلُوبَة مِنْهَا كَمَا فِي قَوْله (مَعَ عدم وجوب الْفَسْخ) أَي فسخ تِلْكَ الْمُعَامَلَة الَّتِي ترَتّب عَلَيْهَا الْآثَار، احْتِرَازًا عَن ترَتّب الْأَثر الَّذِي فِي الْفَاسِد، فَإِنَّهُ يجب فَسخهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْفساد عِنْدهم) أَي عِنْد الْحَنَفِيَّة ترَتّب الْآثَار (مَعَه) أَي مَعَ وجوب الْفَسْخ (وَإِن كَانَ) الصَّحِيح (عبَادَة فالترتب) أَي فالصحة فِيهِ ترَتّب الْأَثر بِدُونِ قيد آخر، والأثر بَرَاءَة الذِّمَّة فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة (فيراد) بِالِاسْمِ الشَّرْعِيّ (فِي النَّفْي) وَهُوَ يَشْمَل النَّهْي أَيْضا (الصُّورَة) وَهِي مُجَرّدَة ذَلِك الْمُسَمّى خَالِيَة عَن وصف الصِّحَّة (مَعَ النِّيَّة فِي الْعِبَادَة) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الْمُسَمّى الشَّرْعِيّ الْمَنْفِيّ عبَادَة (وَيكون) الِاسْم الشَّرْعِيّ حِينَئِذٍ (مجَازًا شَرْعِيًّا) مرعيا فِيهِ الْعَلامَة بَين الْمَعْنى الْمجَازِي وَبَين مَا وضع لَهُ الِاسْم فِي عرف الشَّرْع مُسْتَعْملا (فِي جُزْء الْمَفْهُوم) الشَّرْعِيّ وَذَلِكَ لِأَن الْمنْهِي عَنهُ لَا ثَوَاب لَهُ فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَثر، والترتب عين الصِّحَّة فِي الْعِبَادَة بِخِلَاف الْمُعَامَلَة، فَإِنَّهُ جُزْء مفهومها فِيهَا وَهُوَ يتَحَقَّق فِي الْفَاسِد أَيْضا، فالفاسد فِي الْمُعَامَلَات غير صَحِيح يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَثر كالملك فِي البيع الْفَاسِد إِذا اتَّصل بِهِ الْقَبْض بِخِلَاف الْبَاطِل، فَإِنَّهُ مُقَابل للصحيح وَالْفَاسِد.
الْمَسْأَلَة (السَّابِعَة إِذا حمل الشَّارِع لفظا شَرْعِيًّا على) لفظ شَرْعِي (آخر) حمل مواطأة وَكَانَ بَين مفيديهما تبَاين فِي الْوَاقِع، فَحمل من بَاب التَّشْبِيه البليغ كزيد أَسد (وَأمكن فِي وَجه الشّبَه محملان) محمل (شَرْعِي) ومحمل (ولغوي لزم الشَّرْعِيّ كالطواف صَلَاة) تَمَامه الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة إِلَّا أَن
стр. 173
الله تَعَالَى قد أحل لكم فِيهِ الْكَلَام، فَمن تكلم فَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بِخَير، وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد حمل الشَّارِع لفظ الصَّلَاة الْمَوْضُوع شرعا للأركان الْمَخْصُوصَة على الطّواف الْمَوْضُوع شرعا للأشراط الْمَخْصُوصَة وَلَا اتِّحَاد بَينهمَا، فاحتيج إِلَى أَن يصرف عَن الظَّاهِر، وَحمل على أَنه كَالصَّلَاةِ فاحتجنا إِلَى بَيَان وَجه الشّبَه، وَله وَجْهَان، فَأَشَارَ إِلَيْهِمَا بقوله (تصح) فِي وَجه الشّبَه أَن يكون الْمَعْنى كَونهَا مثلهَا (ثَوابًا أَو لاشْتِرَاط الطَّهَارَة) عطف على ثَوابًا لكَونه معلولا لَهُ للشبيه الْمَفْهُوم من فحوى الْكَلَام: أَي شبه للثَّواب: أَي الْمُشَاركَة فِيهِ، أَو للمشاركة فِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة، فَقَوله تصح إِلَى آخِره مستأنفة لبَيَان المحملين (وَهُوَ) أَن الْمحمل على أحد الْأَمريْنِ: الثَّوَاب أَو الِاشْتِرَاط هُوَ الْمحمل (الشَّرْعِيّ) لِأَن حَاصله يرجع إِلَى بَيَان حكم شَرْعِي، أَو لِأَن الملحوظ فيهمَا المعنيان الشرعيان (أَو لوُقُوع الدُّعَاء فِيهِ) أَي فِي الطّواف وَالدُّعَاء هُوَ معنى الصَّلَاة لُغَة فالمشبه حِينَئِذٍ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيّ والمشبه بِهِ مَا صدق عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ، وَوجه الشّبَه اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على الدُّعَاء وَإِن كَانَ فِي أَحدهمَا من قبيل اشْتِمَال الظّرْف على المظروف، وَفِي الآخر من قبيل الْفَرد على الطبيعة (وَهُوَ) أَي الْحمل على هَذَا الْمَعْنى هُوَ الْمحمل (اللّغَوِيّ) لبنائه على الْمَعْنى اللّغَوِيّ، أَو لِأَن فَائِدَة الْخطاب حِينَئِذٍ لَيست بَيَان حكم شَرْعِي، بل مُجَرّد اشتمالهما على الدُّعَاء وَهِي مِمَّا يفاد فِي المحاورات اللُّغَوِيَّة، وَلَا يخفى مَا فِيهِ (والاثنان جمَاعَة) معطوفة على قَوْله الطّواف صَلَاة: أَي الِاثْنَان كالجماعة، يَصح أَن يكون من حَيْثُ الثَّوَاب مثلهَا (فِي) مِقْدَار (ثَوَابهَا و) فِي (سنة تقدم الامام) إِضَافَة سنة بَيَانِيَّة، وإذافة تقدم إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل (و) فِي (الْمِيرَاث) حَتَّى يحجب الِاثْنَان من الْأُخوة للْأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس كالثلاثة فَصَاعِدا، وَهَذَا هُوَ الشَّرْعِيّ (أَو يصدق) عَلَيْهِ مَفْهُوم الْجَمَاعَة (عَلَيْهِمَا) أَي الِاثْنَيْنِ (لُغَة) أَي بِاعْتِبَار الْمَعْنى اللّغَوِيّ، فَقَوله أَو يصدق مَعْطُوف على مجرور فِي، لِأَنَّهُ فِي تَأْوِيل الْمصدر، وَالْمعْنَى أَو فِي صدقه عَلَيْهِمَا صدقا بِحَسب اللُّغَة، وَالْحجّة (لنا) فِي نفي الْإِجْمَال مُطلقًا (عرفه) النَّبِي ﷺ وَمَا هُوَ الْمُعْتَاد مِنْهُ (تَعْرِيف الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة وتبينها، فالمحمل الشَّرْعِيّ على طبقه دون الْمحمل اللّغَوِيّ فَيتَعَيَّن، فَلَا إِجْمَال (وَأَيْضًا لم يبْعَث) ﷺ (لتعريف اللُّغَة) فَبعد حمل كَلَامه عَلَيْهِ ومرجع الْمحمل اللّغَوِيّ، وَهُوَ كَون الطّواف صَلَاة لوُقُوع الدُّعَاء فِيهِ، وَكَون الِاثْنَيْنِ جمَاعَة لصدقه عَلَيْهِمَا تَعْرِيف بِهِ، وَبَيَان اللُّغَة الصَّلَاة من حَيْثُ إِنَّهَا تصدق على الطّواف من حَيْثُ اشتماله على الدُّعَاء، وللغة الْجَمَاعَة من حَيْثُ إِنَّهَا تصدق على الِاثْنَيْنِ (قَالُوا) أَي المجملون (يصلح) اللَّفْظ (لَهما) أَي للمحمل الشَّرْعِيّ واللغوي لِأَنَّهُ هُوَ الْمَفْرُوض، وَلم يَتَّضِح دلَالَته على أَحدهمَا لعدم الدَّلِيل، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَلَا معرف) لأَحَدهمَا بِعَيْنِه (قُلْنَا
стр. 174
مَا ذكرنَا) دلَالَته من أَن عرفه تَعْرِيف الْأَحْكَام لَا اللُّغَة (معرف) لتعيين المُرَاد مِنْهُمَا.
المسئلة (الثَّامِنَة إِذا تساوى إِطْلَاق لفظ لِمَعْنى ولمعنيين) بِأَن أطلق لِمَعْنى وَاحِد تَارَة ولمعنيين تَارَة أُخْرَى، وَلَيْسَ أحد الاستعمالين أرجح من الآخر (فَهُوَ) أَي اللَّفْظ الْمَذْكُور (مُجمل) لتردده بَين الْمَعْنى والمعنيين على السوَاء (كالدابة للحمار، وَله) أَي للحمار (مَعَ الْفرس وَمَا رجح بِهِ) القَوْل بظهوره فِي الْمَعْنيين (من كَثْرَة الْمَعْنى) فَإِن الْمَعْنيين أَكثر فَائِدَة (إِثْبَات الْوَضع بِزِيَادَة الْفَائِدَة) وَقد علم بُطْلَانه، فالترجيح بِهِ بَاطِل، كَذَا قَالُوا، وَاعْترض المُصَنّف عَلَيْهِ بقوله (وَهُوَ) أَي الحكم بِأَنَّهُ إِثْبَات الْوَضع إِلَى آخِره (غلط بل هُوَ) أَي مَا رجح بِهِ (إِرَادَة أحد المفهومين) أَي دَلِيل إِرَادَته (بهَا) أَي بِزِيَادَة الْفَائِدَة وَلَا مَحْذُور فِيهِ (نعم هُوَ) أَي مَا رجح بِهِ (معَارض بِأَن الْحَقَائِق) أَي الْأَلْفَاظ المستعملة فِي مَعَانِيهَا الَّتِي وضعت بإزائها إِطْلَاقهَا (لِمَعْنى) وَاحِد (أغلب) وَأكْثر من إِطْلَاقهَا لمعنيين فَصَاعِدا (وَقَوْلهمْ) أَي المجملين (يحْتَمل) اللَّفْظ الْمَذْكُور الِاحْتِمَالَات (الثَّلَاثَة) الِاشْتِرَاط اللَّفْظِيّ والتواطؤ وَالْمجَاز فِي أحد الاطلاقين (كَمَا فِي وَالسَّارِق) على مَا تقدم (انْدفع) بِمَا ذكرنَا ثمَّة، فَارْجِع ليه ولتعلم أَن اللَّفْظ إِذا أطلق تَارَة لِمَعْنى وَأُخْرَى لذَلِك الْمَعْنى بِعَيْنِه مَعَ معنى آخر، فالإجمال فِيهِ بِاعْتِبَار هَذَا الآخر فَقَط، لِأَن ذَلِك الْمَعْنى لَا شكّ فِي كَونه مرَادا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
الْفَصْل الثَّالِث
(اللَّفْظ) بل الْمُفْرد (بالمقايسة إِلَى) مُفْرد (آخر إِمَّا مرادف مُتحد مفهومهما) وصف بِحَال الْمُتَعَلّق لمرادف كاشف، لِأَن الترادف توارد كَلِمَتَيْنِ فَصَاعِدا فِي الدّلَالَة على الِانْفِرَاد بِأَصْل الْوَضع على معنى وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة، فَخرج بِقَيْد الِانْفِرَاد توارد التَّابِع والمتبوع وبأصل الْوَضع توارد الْكَلِمَات الدَّالَّة مجَازًا على معنى وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة، فَخرج بِقَيْد الِانْفِرَاد توارد التَّابِع والمتبوع، وبأصل الْوَضع توارد الْكَلِمَات الدَّالَّة مجَازًا على وَجه معنى وَاحِد، والدالة بَعْضهَا مجَازًا وَبَعضهَا حَقِيقَة، وبوحدة الْمَعْنى التَّأْكِيد والمؤكد، وبوحدة الْجِهَة الْحَد والمحدود كالإنسان، وَالْحَيَوَان النَّاطِق لاخْتِلَاف مَعْنَاهُمَا من حَيْثُ الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل، كَذَا قَالُوا وَصفته أَن الْحَد مركب، وَقد اعْتبر فِي تَعْرِيف الترادف الْإِفْرَاد لقَولهم توارد كَلِمَتَيْنِ، وَهُوَ مَأْخُوذ من الترادف الَّذِي هُوَ ركُوب وَاحِد خلف الآخر كَأَن الْمَعْنى مركوب لَهما (كالبر والقمح) للحنطة (أَو مباين) للْآخر (مُخْتَلفَة) أَي الْمَفْهُوم صفة كاشفة، وأصل المباينة الْمُفَارقَة
стр. 175
(تواصلت) معانيهما بِأَن يدل أَحدهمَا على الذَّات وَالْآخر على صفتهَا (كالسيف والصارم) أَي شَدِيد الْقطع، أَو أَحدهمَا صفة، وَالْآخر صفة الصّفة كالناطق والفصيح (أَولا) أَي أَو تفاصلت كالسواد وَالْبَيَاض.
مَسْأَلَة
(المترادف وَاقع) مَوْجُود فِي اللُّغَة (خلافًا لقوم قَوْلهم) أَي الْقَوْم الْمُخَالفين لَو وَقع لزم أَن يعرف من اللَّفْظ الثَّانِي مَا عرفه اللَّفْظ الأول وَهُوَ الْمَعْنى (وَلَا فَائِدَة فِي تَعْرِيف الْمُعَرّف) فَرده بقوله (لَو صَحَّ) مَا قَالُوا (لزم امْتنَاع تعدد العلامات) لشَيْء وَاحِد، فَإِن الْعَلامَة الثَّانِيَة تعرف مَا تعرفه الأولى، وَاللَّازِم بَاطِل لجَوَاز تعددها ووقوعها، ثمَّ أَشَارَ إِلَى حل الشُّبْهَة بقوله (ثمَّ فَائِدَته) أَي الترادف (التَّوَصُّل إِلَى الروي) وَهُوَ الْحَرْف الَّذِي تنبني عَلَيْهِ القصيدة وتنسب إِلَيْهِ، فَيُقَال قصيدة لامية أَو نونية، من الرّيّ لِأَن الْبَيْت ريوي عِنْده (وأنواع البديع) كالتجنيس مَعْطُوف على الْمَجْرُور (إِذْ قد يَتَأَتَّى) التَّوَصُّل الْمَذْكُور (بِلَفْظ دون آخر) وَذَلِكَ لِأَن أحد المترادفين قد يصلح للروي دون الآخر، وَكَذَا التجانس وَهُوَ تشابه اللَّفْظَيْنِ فِي التَّلَفُّظ كالاتفاق فِي أَنْوَاع الْحُرُوف، وأعدادها، وهيآتها، وترتيبها قد يحصل بِأحد المترادفين دون الآخر (وَأَيْضًا فالجلوس، وَالْقعُود، والأسد، والسبع مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ كَونه من الِاسْم وَالصّفة أَو الصِّفَات أَو الصّفة وصفتها كالمتكلم والفصيح يحققه) أَي الترادف (فَلَا يقبل التشكيك) ردا لما قَالُوا من أَن كل لفظين يظنّ بَينهمَا الترادف لتقاربهما معنى ليسَا مترادفين فِي نفس الْأَمر، بل بَين معنييهما نوع اتِّصَال لكَون أَحدهمَا صفة ذَات، وَالْآخر صفة صفتهَا وَحَاصِل الْجَواب أَن هَذَا تشكيك فِيمَا علم قطعا فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، فَإِن مثل الْجُلُوس، وَالْقعُود، والأسد، والسبع لَا يتَصَوَّر كَونه من قبيل مَا ذكر.
مسئلة
(يجوز إِيقَاع كل مِنْهُمَا) أَي المترادفين (بدل الآخر) حَتَّى يَتَرَتَّب على كل مِنْهُمَا مَا يَتَرَتَّب على الآخر من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (إِلَّا لمَانع شَرْعِي على) القَوْل (الْأَصَح إِذْ لَا حجر فِي التَّرْكِيب لُغَة بعد صِحَة تركيب معنى المترادفين) يَعْنِي أَن إِيقَاع كل مِنْهُمَا بدل الآخر عبارَة عَن تركيبه، وَجعل جُزْءا من الْكَلَام، وَبعد صِحَة تركيب مَعْنَاهُمَا بجعله جُزْءا من معنى الْكَلَام، وَيلْزم صِحَة تركيب كل مِنْهُمَا فِي الْكَلَام اللَّفْظِيّ لعدم الْفرق بَينهمَا فِي إِفَادَة ذَلِك الْمَعْنى الْمَفْرُوض صِحَة تركيبه إِذْ الْعبْرَة بِالْمَعْنَى، وَالْمَقْصُود من اللَّفْظ أَن يتوسل بِهِ إِلَيْهِ، وَلَا فرق بَينهمَا فِيهِ، ثمَّ هَذَا هُوَ الأَصْل
стр. 176
فَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا لمَانع، وَقد اسْتَثْنَاهُ (قَالُوا) أَي المانعون (لَو صَحَّ) إِيقَاع كل مِنْهُمَا بدل الآخر (لصَحَّ) فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام (خداي) هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ اسْم للذات المقدسة (أكبر) بإيقاع خداي وَهُوَ مرادف للجلالة بدلهَا (قُلْنَا الْحَنَفِيَّة يلتزمونه) أَي جَوَاز الْإِيقَاع فِيهِ وَلَا إِلْزَام إِلَّا بمجمع عَلَيْهِ حَيْثُ لَا دَلِيل سواهُ (وَالْآخرُونَ) الَّذين لَا يلتزمونه وَلم يجوزوه يَقُولُونَ عدم جَوَاز الْإِيقَاع فِيهِ (للمانع الشَّرْعِيّ) وَهُوَ التَّقْيِيد بِاللَّفْظِ الْمَأْثُور مَعَ كَون الْمحل مِمَّا يلْزم فِيهِ غَايَة الِاحْتِيَاط. (وَأما كَون اخْتِلَاط اللغتين) كالفارسية والعربية (مَانِعا من التَّرْكِيب بعد الْفَهم) أَي بعد فهم الْمَعْنى التركيبي (فبلا دَلِيل عَلَيْهِ) أَي فَهُوَ ادِّعَاء بِلَا دَلِيل، فَلَا يسمع فِيهِ تعَارض لِابْنِ الْحَاجِب (سوى عدم فعلهم) أَي الْعَرَب اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، يَعْنِي سوى هَذَا، وَهُوَ لَا ينتهض حجَّة (وَقد يبطل) الادعاء الْمَذْكُور (بالمعرب) وَهُوَ لفظ استعملته الْعَرَب فِي معنى وضع لَهُ فِي غير لغتهم، فَإِن كثيرا مَا يركب مَعَ الْكَلِمَات الْعَرَبيَّة فِي كَلَام الْعَرَب، فَيلْزم مِنْهُ الِاخْتِلَاط الْمَذْكُور، ثمَّ لما كَانَ يتَوَهَّم أَن اسْتِعْمَال الْعَرَب إِيَّاه فِي كَلَامهم أخرجه عَن العجمية دَفعه بقوله (وَلم يخرج) المعرب (عَن العجمية) بالتعريب، ثمَّ دفع أَن يُقَال تغييرهم إِيَّاه دَلِيل خُرُوجه عَنْهَا بقوله (والتغيير لعدم إحسانهم النُّطْق بِهِ) لعدم ممارستهم فِيهِ (أَو التلاعب) كَمَا نقل عَن بعض الْعَرَب حِين اعْترض عَلَيْهِ فِي التَّغْيِير أَنه قَالَ: عجمي أَلعَب بِهِ (لَا قصدا لجعله عَرَبيا) فَإِن المغير غير الأَصْل فَكَانَ وضع آخر مِنْهُم للفظ آخر (وَلَو سلم) أَن التَّغْيِير للقصد الْمَذْكُور وَلم يبطل بالمعرب (لَا يسْتَلْزم) عدم فعلهم (الحكم بامتناعه) أَي امْتنَاع اخْتِلَاط اللغتين ليلزم مِنْهُ امْتنَاع الْإِيقَاع الْمَذْكُور (إِلَّا مَعَ عدم علم الْمُخَاطب) معنى ذَلِك المرادف من لُغَة أُخْرَى (مَعَ قصد الإفادة) لَهُ بذلك الْمركب الْمُخْتَلط فَإِنَّهُ لَا يجوز حِينَئِذٍ إِيقَاع المرادف الَّذِي لَا علم للمخاطب بِمَعْنَاهُ بدل المرادف الَّذِي لَهُ علم بِهِ، وَهَذَا ظَاهر غير أَنه عِلّة مُسْتَقلَّة للامتناع الْمَذْكُور، وَقَوله إِلَّا مَعَ إِلَى آخِره يدل على أَنه ضميمة عدم فعلهم فِي الاستلزام فَتَأمل.
مسئلة
(وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي المترادف (الْحَد والمحدود) زعم قوم أَنَّهُمَا مترادفات، وَلذَلِك قَالُوا مَا الْحَد إِلَّا تَبْدِيل لفظ بِلَفْظ أَجلي، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيم كَمَا سَيظْهر الْحَد إِمَّا بِحَسب الِاسْم، وَهُوَ مَا دلّ على تَفْصِيل مَا دلّ عَلَيْهِ الِاسْم إِجْمَالا فَيُفِيد تصورا لم يكن حَاصِلا، وَإِمَّا بِحَسب الْحَقِيقَة، وَهُوَ مَا دلّ على هَيْئَة الشَّيْء الثَّابِتَة فيخص الموجودات، وَأما تَعْرِيف الشَّيْء بِمَا يرادفه فَهُوَ حد لَفْظِي يقْصد بِهِ التَّصْدِيق بِأَن الْحَد مَوْضُوع لهَذَا، ثمَّ الْحَد إِن اشْتَمَل على جَمِيع ذاتيات الْمَحْدُود
стр. 177
فَهُوَ تَامّ، وَإِلَّا فَهُوَ نَاقص (أما التَّام) أَي أما عدم كَون الْحَد التَّام مرادفا للمحدود (فلاستدعائه) أَي التَّام (تعدد الدَّال على أَبْعَاضه) أَي الْمَحْدُود لكَونه مركبا من جنسه وفصله القريبين فَهُوَ يدل على حَقِيقَة الْمَحْدُود بأوضاع مُتعَدِّدَة بِإِزَاءِ أَجْزَائِهِ مفصلة، والمحدود يدل عَلَيْهَا بِوَضْع وَاحِد بإزائها إِجْمَالا، والمترادفان إِنَّمَا يكون وضعهما ودلالتهما على لفظ وَاحِد، وَلَا يكونَانِ إِلَّا مفردين (وَأما) الْحَد (النَّاقِص فَإِنَّمَا مَفْهُومه) ومدلوله (الْجُزْء الْمسَاوِي) للمحدود، وَهُوَ الْفَصْل، وَلَا اتِّحَاد بَين الْجُزْء وَالْكل (فَلَا ترادف: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن لَا يلْتَزم الِاصْطِلَاح على اشْتِرَاط الْأَفْرَاد) فِي الترادف، فَيكون الْحَد التَّام والمحدود مترادفين (فَهِيَ) أَي فَهَذِهِ المسئلة حِينَئِذٍ (لفظية) يرجع الْخلاف فِيهَا إِلَى أَمر لَفْظِي، وَهُوَ الِاخْتِلَاف فِي الِاصْطِلَاح وَلَا مشاحة فِيهِ، فَمن يعْتَبر الْأَفْرَاد كَمَا هُوَ الْمَشْهُور لَا يجعلهما من المترادفين، وَلَا يعْتَبر بجعلهما مِنْهُمَا (وَلَا التَّابِع مَعَ الْمَتْبُوع) فِي مثل (حسن بسن) فِي الرضي أَن التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ على قسمَيْنِ: إِعَادَة لفظ الأول بِعَيْنِه، وتقويته بموازنة مَعَ اتِّفَاقهمَا فِي الْحَرْف الْأَخير إِمَّا بِأَن يكون للثَّانِي معنى ظَاهر نَحْو - ﴿هَنِيئًا مريئا﴾ -، أَو لَا يكون لَهُ معنى أصلا مَعَ ضم إِلَى الأول لتزيين الْكَلَام لفظا، وتقويته معنى وَإِن لم يكن لَهُ فِي حَالَة الْإِفْرَاد معنى، نَحْو: حسن بسن، أَوله معنى التَّكْلِيف غير ظَاهر، نَحْو: خَبِيث نبيث من نبثت الشَّرّ: أَي استخرجته (قيل) عدم كَون التَّابِع والمتبوع مترادفين (لِأَنَّهُ) أَي التَّابِع (إِذا أفرد لَا يدل على شَيْء) فَكيف يكون مرادفا لما يدل على معنى إِذا أفرد (فَإِن كَانَت دلَالَته) أَي التَّابِع (مَشْرُوطَة) بِذكر الْمَتْبُوع (فَهُوَ حرف) لِأَن هَذَا شَأْن الْحُرُوف، وَلَا ترادف بَين الْحَرْف وَالِاسْم (وَلَيْسَ) بِحرف إِجْمَاعًا (وَقيل لفظ بِوَزْن الأول لازدواجه لَا معنى لَهُ وَالْأَوْجه أَنه) لفظ وضع (لتقوية متبوع خَاص) وَهُوَ المسموع متبوعا لَهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر خُصُوص الْمَتْبُوع فِي تقويته (لزم) أَن يجوز (نَحْو: زيد بسن) وَقد عرفت تعْيين الخصوصية من كَلَام الرضي (وَأما التوكيد) بِكُل وَأجْمع وتصاريفه (كأجمعين) وأكتع وَغَيرهَا من التأكيدات المعنوية (فلتقوية عَام سَابق) عَلَيْهِ (فَوَضعه) أَي هَذَا التَّأْكِيد (أَعم من) وضع (التَّابِع) الْمَذْكُور لعدم اشْتِرَاط تعين الْمَتْبُوع (فَلَا ترادف) بَين الْمُؤَكّد، والمؤكد، بل لَا يتَوَهَّم فِيهِ الترادف لعدم الِاخْتِصَاص كَمَا عرفت (وَمَا قيل المرادف لَا يزِيد مرادفه قُوَّة) قَوْله المرادف إِلَى آخِره عطف بَيَان للموصول، وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره (مَمْنُوع إِذْ لَا يكون) المرادف (أقل من التوكيد اللَّفْظِيّ) الَّذِي هُوَ تَكْرِير اللَّفْظ الأول، وَهُوَ مِمَّا يُفِيد مؤكده قُوَّة حَتَّى ينْدَفع بِهِ توهم التَّجَوُّز والسهو إِلَى غير ذَلِك. (تَنْبِيه: تكون المقايسة) بَين الاسمين لِأَن تصرف النِّسْبَة بَينهمَا (بِالذَّاتِ) وبحسب
стр. 178
الْحَقِيقَة (للمعنى فيكتسبه) من الِاكْتِسَاب أَو الاكتساء، وَالضَّمِير لما يعلم بالمقايسة كالتساوي والتباين (الِاسْم لدلالته) أَي الِاسْم (عَلَيْهِ) أَي الْمَعْنى هُوَ ظرف النِّسْبَة فِي المقايسة بِحَسب الْحَقِيقَة (فالمفهوم) الَّذِي هُوَ معنى الِاسْم (بِالنِّسْبَةِ إِلَى) مَفْهُوم (آخر إِمَّا مسَاوٍ) لَهُ، وَتَفْسِير الْمُسَاوَاة أَنه (يصدق كل) مِنْهُمَا (على كل مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر) فالجملة مستأنفة بَيَانِيَّة (أَو مباين مباينة كُلية لَا يتصادقان) أصلا أَي لَا يصدق كل مِنْهُمَا على شَيْء مِمَّا يصدق عَلَيْهِ الآخر كالإنسان وَالْفرس (أَو) متباين لَهُ مباينة (جزئية يتصادقان) فِي الْجُمْلَة (ويتفارقان) فِي الْجُمْلَة بِأَن يصدق كل مِنْهُمَا على شَيْء لَا يصدق عَلَيْهِ الآخر (كالإنسان، والأبيض) يتصادقان فِي الرُّومِي، ويتفارقان فِي الزنْجِي، وَالْفرس الْأَبْيَض (وَالْعَام وَالْمجَاز) يتصادقان فِي الْمجَاز الْمُسْتَغْرق أَفْرَاد الْمَعْنى الْمجَازِي، ويتفارقان فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، وَالْمجَاز الْخَاص (وَلَا وَاجِب وَلَا مَنْدُوب) يتصادقان فِي الْحَرَام وَالْمَكْرُوه، ويتفارقان فِي الْعَام الْمُسْتَعْمل فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمَنْدُوب وَالْوَاجِب (وَأما أَعم مِنْهُ مُطلقًا يصدق) أَي الْمَفْهُوم (عَلَيْهِ) أَي على كل مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر (و) يصدق (على غَيره) أَي على غير الْأَعَمّ أَيْضا (كالعبادة) الصادقة (على) جَمِيع أَفْرَاد (الصَّلَاة و) على (الصَّوْم) أَيْضا (وَالْحَيَوَان على الْإِنْسَان وَالْفرس) تَكْرِير الْأَمْثِلَة إِشْعَار بِأَن النّسَب الْمَذْكُورَة تعم الشرعيات وَغَيرهَا، وَكَذَلِكَ تعم المفهومات الوجودية والعدمية (ونقيضا المتساويين متساويان) فَيصدق أَن لَا إِنْسَان على كل مَا يصدق عَلَيْهِ لَا نطاق، وَكَذَا الْعَكْس (و) نقيضا (المتباينين مُطلقًا) أَي مباينة جزئية أَو كُلية (متباينان مباينة جزئية كلا إِنْسَان، وَلَا أَبيض، وَلَا إِنْسَان، وَلَا فرس) نشر على غير تَرْتِيب اللف، لِأَن الْمَفْهُوم أَولا من قَوْله متباينين مُطلقًا المباينة: الْكُلية، ثمَّ المباينة الْجُزْئِيَّة بِاعْتِبَار ترَتّب ذكر الْأَقْسَام سَابِقًا للاهتمام بشأن المباينة الْجُزْئِيَّة لِئَلَّا يذهل عَنهُ لظُهُور لفظ المتباينين فِي الْكُلية أما اجْتِمَاع لَا إِنْسَان وَلَا أَبيض، فَفِي نَحْو: الْفرس الْأسود، وَأما افتراقهما فَفِي الْفرس الْأَبْيَض وَالْإِنْسَان الْأسود، وَأما اجْتِمَاع: لَا إِنْسَان وَلَا فرس، فَفِي نَحْو الْأسد، وَأما افْتِرَاق لَا إِنْسَان وَلَا فرس فَفِي الْفرس وَالْإِنْسَان (إِلَّا أَنَّهَا) أَي المباينة الْجُزْئِيَّة (فِي الأول) بِاعْتِبَار تَرْتِيب النشر، وَهُوَ المباينة الْجُزْئِيَّة الْمُعْتَبرَة بَين نقيض المتباينين مباينة جزئية (تخص الْعُمُوم من وَجه) فَلَا يتَحَقَّق فِي ضمن المباينة الْكُلية أصلا (بِخِلَاف الثَّانِي) وَهِي المباينة الْجُزْئِيَّة الْمُعْتَبرَة بَين نقيضي المتباينين مباينة كُلية (فقد يكون) أَي الثَّانِي (كليا) أَي يتَحَقَّق تَارَة فِي ضمن المباينة الْجُزْئِيَّة، وَتارَة فِي ضمن المباينة الْكُلية (كلا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم) فَإِنَّهُ كَمَا أَن بَين مَوْجُود ومعدوم مباينة كُلية كَذَلِك بَين لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم، لِأَن كل مَا يصدق
стр. 179
عَلَيْهِ لَا مَوْجُود يصدق عَلَيْهِ مَعْدُوم، وكل مَا يصدق عَلَيْهِ لَا مَعْدُوم يصدق عَلَيْهِ مَوْجُود، وَهَذَا بِنَاء (على نفي الْحَال) وَأما على إثْبَاته كَمَا هُوَ قَول الْبَعْض، فَبين لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم عُمُوم من وَجه لتصادقهما فِيهَا لِأَنَّهَا صفة لموجود غير مَوْجُودَة فِي نَفسهَا، وَلَا مَعْدُومَة كالأجناس والفصول، وتفارقهما فِي الْمَعْدُوم وَالْمَوْجُود (وَمَا) أَي وكل مفهومين (بَينهمَا عُمُوم مُطلق يتعاكس نقيضاهما، فنقيض الْأَعَمّ أخص من نقيض الْأَخَص، ونقيض الْأَخَص أَعم من نقيض الْأَعَمّ) يَعْنِي كل مَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، وَإِلَّا لصدق نقيض الْأَعَمّ على شَيْء لم يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، فَيصدق عَلَيْهِ عين الْأَخَص ضَرُورَة امْتنَاع ارْتِفَاع النقيضين فَلَزِمَ تحقق الْأَخَص بِدُونِ الْأَعَمّ، وَلَيْسَ كل مَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ لصدق نقيض الْأَخَص على شَيْء لَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ، فَإِن مَادَّة افْتِرَاق الْأَعَمّ من الْأَخَص يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، وَلَا يصدق عَلَيْهَا نقيض الْأَعَمّ، بل عينه وَهُوَ ظَاهر.
الْفَصْل الرَّابِع
(عَن الْأُصُول الْخَمْسَة الْمشَار إِلَيْهَا فِيمَا سبق بقوله: وللمفرد انقسامات بِاعْتِبَار ذَاته، ودلالته، ومقايسته لمفرد آخر، ومدلوله، وإطلاقه، وتقييده فِي فُصُول انْتهى، وَهَذَا مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف يَعْنِي فِي الْمُفْرد بِاعْتِبَار مَدْلُوله (وَفِيه) أَي فِي الْفَصْل الرَّابِع (تقاسيم).
التَّقْسِيم (الأول: وَيَتَعَدَّى إِلَيْهِ من مَعْنَاهُ إِمَّا كلي) قَوْله الأول مُبْتَدأ خَبره جملَة حذف صدرها، أَعنِي الْمُفْرد إِمَّا كلي إِلَى آخِره، وَمَا بَينهمَا مُعْتَرضَة، وَالْوَاو للاعتراض، وَالْمعْنَى: وَيَتَعَدَّى التَّقْسِيم الأول: أَي بِاعْتِبَار قيوده المنضمة إِلَى مقسمه: أَي الْمُفْرد من مَعْنَاهُ، فَإِن الْكُلية والجزئية من عوارض الْمعَانِي بِاعْتِبَار وجودهَا فِي الذِّهْن، ويوصف بهما الْأَلْفَاظ مجَازًا تَسْمِيَة للدال باسم الْمَدْلُول (لَا يمْنَع تصور مَعْنَاهُ) أَي لَا يمْنَع الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الْعقل المنعكسة من مَعْنَاهُ الْعقل (فَقَط) قطّ من أَسمَاء الْأَفْعَال بِمَعْنى انته، وَكَثِيرًا مَا يصدر بِالْفَاءِ تزيينا للفظ، فَكَأَنَّهُ جَزَاء شَرط مَحْذُوف: أَي إِذا نسبت الْمَنْع إِلَى التَّصَوُّر فانته عَن نسبته إِلَى الْغَيْر وَحَاصِله أَن الْعبْرَة بِنَفس التَّصَوُّر مَعَ قطع النّظر عَمَّا سواهَا (من الشّركَة فِيهِ) أَي من فرض شركَة كثيرين فِي مَعْنَاهَا، فكلمة من صلَة الْمَنْع (أَو جزئي حَقِيقِيّ يمْنَع) تصور مَعْنَاهُ الْعقل من فرض شركَة كثيرين فِيهِ بِأَن يحمل عَلَيْهَا مواطأة (بِخِلَاف) الجزئي (الإضافي) أَي (كل أخص)
стр. 180
مندرج (تَحت أَعم) فَهُوَ أَعم من الجزئي الْحَقِيقِيّ لصدقه على مثل الْإِنْسَان المندرج تَحت الْحَيَوَان كصدقه على زيد المندرج تَحت الْإِنْسَان، وَيُسمى الأول كليا لكَونه جُزْءا غَالِبا من فَرده الَّذِي هُوَ كل مَنْسُوبا إِلَيْهِ. وَالثَّانِي جزئيا لكَونه فَردا من الْكُلِّي مَنْسُوبا إِلَيْهِ. وَالثَّالِث إضافيا لاعْتِبَار الْإِضَافَة إِلَى الْأَعَمّ فِي مَفْهُومه (والكلي إِن تَسَاوَت أَفْرَاد مَفْهُومه فِيهِ) أَي فِي مَفْهُومه، وستعرف الْمُسَاوَاة بِذكر مَا يقابلها (فمتواطئ) من التواطئ، وَهُوَ التوافق لتوافق الْأَفْرَاد فِيهِ (كالإنسان، أَو تفاوتت) أَفْرَاد مَفْهُومه فِيهِ (بِشدَّة وَضعف كالأبيض) فَإِن مَعْنَاهُ، وَهُوَ اللَّوْن المفرق لِلْبَصَرِ فِي الثَّلج أَشد مِنْهُ فِي العاج (وَالْمُسْتَحب) فَإِن مَا طلب فعله مَعَ تَجْوِيز التّرْك حُصُوله فِي ضمن السّنَن الْمُؤَكّدَة أولى وَأَشد من حُصُوله فِي ضمن السّنَن الزَّوَائِد (فمشكك) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل، وَإِنَّمَا يُسمى بِهِ (للتردد فِي) أَن (وَضعه للخصوصيات) بِأَن يكون مَوْضُوعا بِإِزَاءِ هَذِه الخصوصية بِوَضْع، وإزاء تِلْكَ الخصوصية بِوَضْع آخر (فمشترك) أَي فَهُوَ على هَذَا التَّقْدِير مُشْتَرك بَين الخصوصيات اشتراكا لفظيا (أَو) وَضعه (للمشترك) بَينهمَا مَعَ قطع النّظر عَن التَّفَاوُت الَّذِي بَينهمَا (فمتواطئ) ومنشأ التَّرَدُّد وجود التَّفَاوُت الْآتِي بِحَسب الظَّاهِر كَون تِلْكَ الْأَفْرَاد أَفْرَاد مَفْهُوم وَاحِد، وَظُهُور عدم مَا يُعينهُ من ذَلِك بعد التَّأَمُّل لوُجُود الْقدر الْمُشْتَرك (وَلِهَذَا) بِعَيْنِه (قيل بنفيه) أَي بِنَفْي التَّرَدُّد بَين الْأَمريْنِ الْمَذْكُورين التشكيك (لِأَن الْوَاقِع) فِي نفس الْأَمر (أَحدهمَا) أَي أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَلَا تشكيك فِي شَيْء مِنْهُمَا: أما على الأول فَلِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق على ذَلِك التَّقْدِير مَفْهُوم عَام لَهُ أَفْرَاد مُتَفَاوِتَة، وَأما على الثَّانِي فَلِأَن الْقدر الْمُشْتَرك قطع النّظر عَن التَّفَاوُت ليستوي فِيهِ الْأَفْرَاد (وَالْجَوَاب أَن الِاصْطِلَاح) وَاقع (على تَسْمِيَة) لفظ (متفاوت) مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار تحَققه فِي ضمن أَفْرَاده بالشدة والضعف (بِهِ) أَي بالمشكك (والتفاوت) الْمُعْتَبر فِي الْمُسَمّى الْمَذْكُور (وَاقع) أَي مُحَقّق فِي معنى بعض الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوع بِإِزَاءِ مَفْهُوم كلي لَهُ أَفْرَاد مُتَفَاوِتَة فِيهِ، وَإِذا ثَبت التَّسْمِيَة بالمشكك وَتحقّق الْمُسَمّى فِي الْخَارِج (فَكيف يَنْفِي) المشكك، الظَّاهِر أَن هَذَا الْبَحْث مُعَارضَة وَحَاصِله: إِن كَانَ لكم دَلِيل على نفي وجود المشكك فلنا دَلِيل على وجوده، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله (فَإِن قيل بِنَفْي مُسَمَّاهُ) منعا للمقدمة القائلة أَن التَّفَاوُت الَّذِي هُوَ مُسَمّى المشكك وَاقع، وَالضَّمِير فِي مُسَمَّاهُ عَائِد إِلَى المشكك بِاعْتِبَار مَا يتَضَمَّن من التَّفَاوُت الْمَذْكُور، ثمَّ بَين النَّفْي بقوله (فَإِن مَا بِهِ) التَّفَاوُت (كخصوصية الثَّلج) الَّتِي حصل بهَا الشدَّة (أَن أخذت) أَي الخصوصية (فِي مَفْهُومه) أَي المشكك بِأَن تكون الشدَّة المفرقة لِلْبَصَرِ الْمَوْجُودَة فِي الثَّلج جُزْء مَفْهُوم الْأَبْيَض (فَلَا شركَة) لغير الثَّلج كالعاج مَعَه فِي مَفْهُوم الْأَبْيَض (فَلَا تفَاوت) حِينَئِذٍ إِذْ لم
следующие страницы →