Полный текст (1 287 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فِي سِيَاق النَّفْي (فيقبله) أَي التَّخْصِيص إِذْ لَا مَانع مِنْهُ غير أَن لَا يقبل مِنْهُ قَضَاء لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر (وَالنَّظَر يقتضى أَنه إِن لاحظ الْأكل الجزئي الْمُتَعَلّق بالمأكول الْخَاص) الَّذِي لم يردهُ (إخراجا) أَي مخرجا لَهُ من الْأكل الْعَام لَا الْمَأْكُول نَفسه (صَحَّ) الْإِخْرَاج والتخصيص، لِأَن الْمخْرج جزئي من جزئيات الْأكل الْعَام (أَو) لاحظ (الْمَأْكُول) الْخَاص من الْمَأْكُول الْمُطلق من حَيْثُ هُوَ (فَلَا) يَصح لِأَنَّهُ من المتعلقات الَّتِي يعقل الْفِعْل بِدُونِهَا (غير أَنا نعلم بِالْعَادَةِ فِي مثله) أَي مثل هَذَا الْكَلَام (عدم مُلَاحظَة الْحَرَكَة الْخَاصَّة) الَّتِي هِيَ بعض أَفْرَاد الْفِعْل الْمُطلق الَّذِي هُوَ الْأكل (وإخراجها) أَي الْحَرَكَة الْخَاصَّة من الْأكل الْمُطلق (بل) المُرَاد إِخْرَاج (الْمَأْكُول) الْخَاص من الْمَأْكُول الْمُطلق (وعَلى مثله) أَي مَا هُوَ مَعْلُوم عَادَة (يبْنى الْفِقْه فَوَجَبَ الْبناء عَلَيْهِ) أَي على أَنه لاحظ الْمَأْكُول الْخَاص إخراجا لَهُ من الْمَأْكُول الْمُطلق: وَهُوَ غير عَام فَلَا يقبل التَّخْصِيص بِخِلَاف الْحلف: أَي (بِخِلَاف مَا إِذا حلف لَا يخرج) حَال كَونه (مخرجا للسَّفر مثلا) من الْخُرُوج بِالنِّيَّةِ (حَيْثُ يَصح) إِخْرَاجه مِنْهَا تَخْصِيصًا (لِأَن الْخُرُوج متنوع إِلَى) خُرُوج (سفر و) خُرُوج (غَيره) أَي غير السّفر متنوع إِلَى (قريب وبعيد) بِدَلِيل اخْتِلَاف أَحْكَامهَا (وَالْعَادَة ملاحظته) أَي النَّوْع مِنْهُ (فنية بعضه) أَي نِيَّة خُرُوج نوع مِنْهُ (نِيَّة نوع) فَصحت (كَأَنْت بَائِن ينوى بِهِ الثَّلَاث) حَيْثُ يَصح بنيتها، لِأَنَّهَا أحد نَوْعي الْبَيْنُونَة.
مَسْأَلَة
الْمَذْكُور فِي عبارَة كثير الْفِعْل الْمُثبت هَل هُوَ عَام أَولا؟ نبه المُصَنّف على أَنه لَيْسَ المُرَاد مَا يُقَابل القَوْل، بل الْفِعْل المصطلح فَقَالَ (إِذا نقل فعله ﷺ بِصِيغَة لَا عُمُوم لَهَا كصلى فِي الْكَعْبَة) كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ (لَا يعم) فعله الْمعبر عَنهُ بِتِلْكَ الصِّيغَة (بِاعْتِبَار) من الاعتبارات (لِأَنَّهُ) أَي نقل فعله بِتِلْكَ الصِّيغَة (أَخْبَار عَن دُخُول) فعل (جزئي فِي الْوُجُود) وَلَا يتَصَوَّر الْعُمُوم فِي الجزئي الْحَقِيقِيّ (فَلَا يدل) قَول الْمخبر صلى (على) تحقق (الْفَرْض وَالنَّفْل) كِلَاهُمَا مِنْهُ ﷺ (لشخصيته) أَي الْفِعْل الْمَذْكُور (وَأما نَحْو صلى الْعشَاء بعد غيبوبة الشَّفق، فَإِنَّمَا يعم) فعله الْمعبر عَنهُ بصلى، لَكِن لَا بِاعْتِبَار نَفسه بل بِاعْتِبَار وُقُوعه بعد كل وَاحِد من معنى الشَّفق الَّذِي يعم (الْحمرَة وَالْبَيَاض) لاشتراكه فِيهَا (عِنْد من يعمم الْمُشْتَرك وَلَا يسْتَلْزم) تعميمه (تكْرَار الصَّلَاة بعد كل) من الْحمرَة وَالْبَيَاض (كَمَا فِي تَعْمِيم الْمُشْتَرك حَيْثُ يتَعَلَّق) أَي حكم الْمُشْتَرك (بِكُل) من مَعَانِيه (على الِانْفِرَاد لخُصُوص
стр. 247
الْمَادَّة) مُتَعَلق بقوله يعم الْحمرَة وَالْبَيَاض (وَهُوَ) أَي خُصُوص الْمَادَّة (كَون الْبيَاض دَائِما بعد الْحمرَة) يَعْنِي إِنَّمَا يعمها مَعَ شخصية الصَّلَاة للخصوصية المتحققة فِي الْمخبر عَنهُ، فَإِنَّهُ لَوْلَا لُزُوم بعدية الْبيَاض للحمرة لم يحسن إِرَادَة الْعُمُوم الْمَذْكُور لجَوَاز وُقُوع تِلْكَ الصَّلَاة بعد غيبوبة الشَّفق الْأَحْمَر من غير أَن يَقع بعد غيبوبة الشَّفق الْأَبْيَض، بِأَن لَا يعقب الْأَبْيَض الْأَحْمَر، بِخِلَاف مَا إِذا لم يُفَارق أَحدهمَا الآخر، فَإِن الظَّاهِر عدم افتراقهما فِي استعقاب الصَّلَاة الْمَذْكُورَة، فِيهِ مَا فِيهِ (فصح أَن يُرَاد صلى بعدهمَا صَلَاة وَاحِدَة فَلَا يعم) لفظ صلى الْمَذْكُور (فِي الصَّلَاة بطرِيق التّكْرَار) لعدم دَلِيل التّكْرَار (فَلَا يلْزم جَوَاز صلَاتهَا) أَي صَلَاة الْعشَاء والتأنيث بِاعْتِبَار الْعَتَمَة (بعد الْحمرَة فَقَط، وَمَا يتَوَهَّم من نَحْو كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس بَيْضَاء) مُرْتَفعَة حَيَّة (وَكَانَ يجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر من التّكْرَار) بَيَان لما (فَمن إِسْنَاد الْمُضَارع) لَا من الْفِعْل من حَيْثُ هُوَ، وَقيل من كَانَ وَمَشى عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب (وَقيل من الْمَجْمُوع مِنْهُ) أَي من إِسْنَاد الْمُضَارع (وَمن قرَان كَانَ، لَكِن نَحْو بَنو فلَان يكرمون الضَّيْف ويأكلون الْحِنْطَة يُفِيد أَنه) أَي الْإِكْرَام وَالْأكل (عَادَتهم) والتكرار يُسْتَفَاد من الْعَادة (وَلَا يخفى أَن الإفادة) أَي إِفَادَة إِسْنَاد الْمُضَارع (التّكْرَار استعمالية لَا وضعية) وأكثرية أَيْضا لَا كُلية، وَقيل إِن كَانَ وَإسْنَاد الْمُضَارع إِذا اجْتمعَا كَانَ متعاضدين على إِفَادَة التّكْرَار غَالِبا (وَمِنْه) أَي وَمن أجل مَا ذكر من عدم عُمُوم فعله الْمَذْكُور (أَن لَا يعم) عدم عُمُوم حكم فعله (الْأمة وَلَو) اقْترن (بِقَرِينَة) تفِيد الْعُمُوم (كنقل الْفِعْل خَاصّا بعد اجمال فِي عَام بِحَيْثُ يفهم أَنه) أَي ذَلِك الْفِعْل الْمَنْقُول (بَيَان) لاجمال ذَلِك الْعَام (فَإِن الْعُمُوم للمجمل لَا لنقل الْفِعْل) أَي لَا للْفِعْل الْمَنْقُول خَاصّا، وَفِيه رد لما فِي الشَّرْح العضدي كَمَا قَالَ الرَّاوِي: قطع يَد السَّارِق من الْكُوع بعد اقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا بَيَان لإجمال فِي مَحل الْقطع، وَهَذَا إِذا أطلق الْيَد حَقِيقَة على مَجْمُوع مَا من الْمنْكب إِلَى الْأَصَابِع وعَلى مَا من الْكُوع إِلَيْهَا، وَأما إِذا خص بِالْأولِ فَهُوَ إِرَادَة دَلِيل الْمَعْنى الْمجَازِي فعموم يَد السَّارِق يُسْتَفَاد من اقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا، لَا من قَول الرَّاوِي الْمَذْكُور، وَكَقَوْلِه صلي فَقَامَ وَركع وَسجد بعد قَوْله أقِيمُوا الصَّلَاة (وَكَذَا نَحْو صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) أَي وكما أَن الْقَرِينَة الْمَذْكُورَة لَا تَسْتَلْزِم عُمُوم الْفِعْل الْمَنْقُول كَذَلِك قَوْله صلي إِلَى آخِره لَا يستدعى عُمُوم قَول الرَّاوِي صلي كَذَا بعد قَوْله الْمَذْكُور (وتوجيه الْمُخَالف) الْقَائِل بِعُمُومِهِ للْأمة للتمسك (بِعُمُوم نَحْو سَهَا فَسجدَ) عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ صلى بهم فَسَهَا فِي صلَاته فَسجدَ سَجْدَتي السَّهْو (و) قَول عَائِشَة ﵂ (فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا) بعد قَوْلهَا إِذا جَاوز الْخِتَان وَجب الْغسْل، فَإِن كلا مِنْهُمَا يعم الْأمة (مَدْفُوع بِأَنَّهُ)
стр. 248
أَي الْعُمُوم لَهُم (من خَارج) عَن مَفْهُوم اللَّفْظ المحكى كَقَوْلِه ﷺ لكل سَهْو سَجْدَتَانِ بعد السَّلَام رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد، وَإِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل رَوَاهُ مُسلم وَغَيره أَيْضا عُمُوم السُّجُود لعُمُوم علته: وَهُوَ السَّهْو حَيْثُ رتب عَلَيْهِ بَقَاء التعقب: وَهُوَ دَلِيل الْعلية (وَأما حِكَايَة قَول لَهُ) ﷺ (لَا يدْرِي عُمُومه بِلَفْظ عَام) مُتَعَلق بحكاية يَعْنِي أَن فِي الْحِكَايَة مَا يدل على الْعُمُوم، والمحكى لَا يدْرِي هَل فِيهِ مَا يدل على الْعُمُوم أَولا (كقضى بِالشُّفْعَة للْجَار، وَنهى عَن بيع الْغرَر) فَإِن الْجَار محلى بلام الِاسْتِغْرَاق، وَكَذَا إِضَافَة البيع استغراق، وَلَا يدْرِي حَال مَا أخبر عَنهُ بِاعْتِبَار الْعُمُوم وَعَدَمه (وَهِي) أَي هَذِه المسئلة (مَسْأَلَة أُخْرَى) ذكرت للمناسبة (فَيجب الْحمل) أَي حمل المحكى عَنهُ (على الْعُمُوم) فَالشُّفْعَة لكل جَار، وَالنَّهْي عَن كل بيع فِيهِ غرر كَبيع الْآبِق والمعدوم (خلافًا لكثير) من أهل الْعلم، وَإِنَّمَا يجب الْحمل على الْعُمُوم (لِأَنَّهُ) أَي الصَّحَابِيّ (عدل عَارِف باللغة وَالْمعْنَى) فبعرفان عِبَارَته فَيُفِيد الْعُمُوم، فلولا أَن حقق الْعُمُوم فِي المسئلة لمنعته الْعَدَالَة عَن التَّعْبِير بِمَا يُفِيد الْعُمُوم الَّذِي يَنْبَنِي عمل الْأمة عَلَيْهِ (فَالظَّاهِر) من حَالَة (الْمُطَابقَة) أَي مُطَابقَة مَا يُسْتَفَاد من كَلَامه مَا هُوَ الثَّابِت فِي نفس الْأَمر (وَقَوْلهمْ) أَي الْكثير (يحْتَمل غررا وجارا خاصين كجار شريك فاجتهد) الحاكي (فِي الْعُمُوم) فِي مأخذه فَانْتهى اجْتِهَاده إِلَيْهِ (فحكاه) أَي الْعُمُوم بِحَسب مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (أَو أَخطَأ فِيمَا سَمعه) بِأَن توهم أَن مسموعه بِصفة الْعُمُوم، وَلم يكن فِي الْوَاقِع كَذَلِك (احْتِمَال) خلاف الظَّاهِر (لَا يقْدَح) فِي الِاحْتِجَاج بِهِ على الْعُمُوم، لِأَن الظَّاهِر كَاف فِي الظَّن وَالظَّاهِر من علمه وعدالته الْمُطَابقَة (وجعلهما) أَي قضى بِالشُّفْعَة، وَنهى عَن بيع الْغرَر (من حِكَايَة فعل) لَا من حِكَايَة قَول على مَا ذكر بِلَفْظ (ظَاهر فِي الْعُمُوم) فعلى الأول المحكى قَول والحاكي عَام نصا، وعَلى هَذَا فعل والحاكي عَام ظَاهر (مُنْتَفٍ) أَي مُنْتَفٍ مصداق الْجعل الْمَذْكُور (لِأَن الْقَضَاء وَالنَّهْي) اللَّذين قَول الحاكي قضي وَنهى أَخْبَار عَنْهُمَا لَيْسَ بِفعل لَا يكون مَعَه عُمُوم، بل هُوَ (قَول يكون مَعَه عُمُوم وخصوص) يَعْنِي يصلح للْعُمُوم وَالْخُصُوص كَسَائِر الْأَقْوَال وَيحمل على الْعُمُوم لتطابقه الْحِكَايَة الصادرة عَن الْعدْل الْعَارِف باللغة فَإِن قلت سلمنَا أَن الْقَضَاء قَول لكَونه عبارَة عَن حكمت عَلَيْك وَنَحْوه، وَكَذَا النَّهْي كَقَوْلِه: لَا تبع كَذَا لَكِن لَا يحْتَمل مثل هَذَا القَوْل الْعُمُوم كالفعل لشخصيته قلت مثل هَذَا لَا يصلح لِأَن يخبر عَنهُ بِمَا يُفِيد الْعُمُوم، بل لَا بُد أَن يكون منشأ الْأَخْبَار قولا دَالا على الْعُمُوم أَو قَضَاء ونهيا مكررا يحصل بِهِ الْعَمَل بِالْعُمُومِ وَالله أعلم.
стр. 249
مَسْأَلَة
(قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب (نفى الْمُسَاوَاة فِي لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة يدل على الْعُمُوم) لجَمِيع وُجُوه الْمُسَاوَاة نَحْو قَوْله تَعَالَى - ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ - الْآيَة هَل يَقْتَضِي الْعُمُوم: أَي يدل على عدم جَمِيع وُجُوه الْمُسَاوَاة فَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر وَلَا ذمِّي، الْمُخْتَار أَنه يَقْتَضِي الْعُمُوم وَكَذَلِكَ غير الْمُسَاوَاة من الْأَفْعَال (وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَقْتَضِيهِ) فَمن ثمَّ جور قتل الْمُسلم بالذمي (وَلَيْسَ) كَذَلِك (بل لَا يخْتَلف) على صِيغَة الْمَجْهُول (فِي دلَالَته) أَي نفي الْمُسَاوَاة (عَلَيْهِ) أَي على الْعُمُوم (وَكَذَا) يدل على الْعُمُوم (نفي كل فعل) عَام فِي وجوهه (كلا آكل) فَإِنَّهُ عَام على وُجُوه الْأكل (وَلَا) يخْتَلف أَيْضا (فِي عدم صِحَة إِرَادَته) أَي الْعُمُوم فِي نفي الْمُسَاوَاة (لقَولهم) أَي مخالفي الْحَنَفِيَّة (فِي جَوَاب قَول الْحَنَفِيَّة) أَن عُمُوم نفي الْمُسَاوَاة قَول (لَا يصدق إِذْ لَا بُد) بَين كل أَمريْن (من مُسَاوَاة) من وَجه أقلهما فِي سلب مَا عداهما عَنْهُمَا (المُرَاد) مقول قَول الْمُخَالفين: أَي المُرَاد من عُمُوم الْمُسَاوَاة (مُسَاوَاة يَصح نَفيهَا وَمَا سواهُ) أَي سوى مَا يَصح نَفيهَا (مَخْصُوص) من عُمُوم نَفيهَا (بِالْعقلِ) أَي بِدَلِيل الْعقل، فَعلم اتِّفَاق للْكُلّ على دلَالَة الْعُمُوم وعَلى عدم إِرَادَته للمصارف الْمَذْكُورَة، وَإِذا كَانَ دلَالَة الْعُمُوم وَعدم إِرَادَته مُتَّفقا عَلَيْهِ والنزاع فِيمَا هُوَ المُرَاد (فالاستدلال) على عُمُوم نفي الْمُسَاوَاة (بِأَنَّهُ) أَي النَّفْي الْمَذْكُور (نفي) دَاخل (على نكرَة: يَعْنِي الْمصدر) الَّذِي تضمنه الْمَنْفِيّ كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب (فِي غير مَحل النزاع، إِنَّمَا هُوَ) أَي النزاع (فِي أَن المُرَاد من عُمُومه بعد تَخْصِيص الْعقل مَا لَا بُد مِنْهُ) أَي من تَخْصِيصه (هَل يخص أَمر الْآخِرَة فَلَا يُعَارض) المُرَاد (آيَات الْقصاص الْعَامَّة) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ - الْآيَة (فَيقْتل الْمُسلم بالذمي أَو يعم الدَّاريْنِ) الدُّنْيَا وَالْآخِرَة (فيعارض) المُرَاد آيَات الْقصاص فيخص (فَلَا يقتل الْمُسلم بالذمي. قَالَ الشَّارِح. قَالَ المُصَنّف ﵀: وَحَاصِله أَنه هَل ثمَّ قرينَة تصرف نفي الْمُسَاوَاة إِلَى خُصُوص أَمر الْآخِرَة أَو لَا فَيعم الدَّاريْنِ (قَالَ بِهِ) أَي بِالْعُمُومِ (الشَّافِعِيَّة، وَالْحَنَفِيَّة) خصوه (بِالْأولِ) أَي بِأَمْر الْآخِرَة (لقَرِينَة تعقيبه) أَي النَّفْي الْمَذْكُور (بِذكر الْفَوْز) قَالَ الله تَعَالَى - ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة﴾ - (أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون ثمَّ فِي الْآثَار مَا يُؤَيّدهُ) أَي قَول الْحَنَفِيَّة: مِنْهَا (حَدِيث) عبد الرَّحْمَن (بن الْبَيْلَمَانِي) بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَاللَّام المفتوحتين بَينهمَا يَاء تَحْتَانِيَّة من مشاهير التَّابِعين، روى عَن ابْن عمر، وَعنهُ ابْنه قَالَ أَبُو حَاتِم ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف لَا تقوم بِهِ الْحجَّة قَالَ (قتل
стр. 250
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُسلما بمعاهد، الحَدِيث) يَعْنِي قَوْله وَقَالَ: أَنا أَحَق من وفى بِذِمَّتِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَعبد الرَّزَّاق وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن الْبَيْلَمَانِي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وَأعله (وَنَحْوه) مَا روى الْمَشَايِخ عَن عَليّ ﵁ (إِنَّمَا بذلوا الْجِزْيَة لتَكون دِمَاؤُهُمْ كدمائنا الخ) وَأَمْوَالهمْ كأموالنا وَلم يجده المخرجون بِهَذَا اللَّفْظ، وَإِنَّمَا روى الشَّافِعِي وَالدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد فِيهِ أَبُو الْجنُوب وَهُوَ مضعف، عَن عَليّ ﵁: من كَانَت لَهُ ذمتنا فذمته كذمتنا وديته كديتنا (فَظهر أَن الْخلاف فِي تطبيق كل من المذهبين على دَلِيل تفصيلي) فَهِيَ مسئلة فقهية لَا أَصْلِيَّة كَمَا عرفت من عدم الِاخْتِلَاف فِي دلَالَة قَوْله تَعَالَى - ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ - إِلَى آخِره على الْعُمُوم إِلَى آخِره.
مسئلة
(خطاب الله تَعَالَى للرسول) بتوجيه الْخطاب إِلَيْهِ (بِخُصُوصِهِ) كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول، لَئِن أشركت﴾: قد نصب فِيهِ خلاف) وَمن ناصبيه ابْن الْحَاجِب (فالحنفية) وَأحمد قَالُوا (يتَنَاوَل الْأمة) وَالْمُصَنّف ﵀ لم يلْتَفت إِلَى مَا ذكره الأسنوي من أَن ظَاهر كَلَام الشَّافِعِيَّة يوافقهم فَقَالَ (وَالشَّافِعِيَّة لَا) يتناولهم (مستدلين) أَي الشَّافِعِيَّة (بِالْقطعِ من) أَن (اللُّغَة بِأَن مَا للْوَاحِد لَا يتَنَاوَل غَيره) أَي غير ذَلِك الْوَاحِد (وَبِأَنَّهُ لَو عمهم) أَي الْأمة كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّة (كَانَ إخراجهم) أَي الْأمة فِيمَا إِذا دلّ الدَّلِيل على أَنهم لم يرادوا (تَخْصِيصًا، وَلَا قَائِل بِهِ) أَي التَّخْصِيص (وَلَيْسَ) هَذَا الِاسْتِدْلَال (فِي مَحل النزاع فَإِن مُرَاد الْحَنَفِيَّة) بِعُمُوم إيَّاهُم (أَن أَمر مثله) أَي النَّبِي ﷺ (مِمَّن لَهُ منصب الِاقْتِدَاء والمتبوعية يفهم مِنْهُ) أَي من أمره (أهل اللُّغَة شُمُول أَتْبَاعه عرفا) لَا وضعا كَمَا إِذا قيل لأمير اركب للمناجزة) بِالْجِيم وَالزَّاي الْمُعْجَمَة الْمُحَاربَة، وَبِالْحَاءِ وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ الْمُقَاتلَة (غير أَن النَّبِي ﷺ لَهُ منصب الِاقْتِدَاء بِهِ) والمتبوعية يفهم مِنْهُ: أَي من أمره (فِي كل شَيْء) مِمَّا يُخَاطب بِهِ (إِلَّا) مَا يخص بِهِ (بِدَلِيل) يُفِيد اخْتِصَاصه (لِأَنَّهُ بعث ليؤتسى بِهِ، فَكل حكم خُوطِبَ هُوَ) ﷺ (بِهِ عَم) الْأمة (عرفا) فِي خطاباته (وَإِن كَانَ فعله) أَي ذَلِك الحكم (لَا يتَوَقَّف على أعوان كالمناجزة) أَي كتوقف الْمُقَاتلَة الْمَأْمُور بهَا الْأَمِير (واذن) أَي وَإِذا كَانَ عَاما عرفا (يلتزمون) أَي الْحَنَفِيَّة (أَن إخراجهم) أَي الْأمة من خطابه بِخُصُوصِهِ (تَخْصِيص فَإِنَّهُ) أَي التَّخْصِيص (كَمَا يرد على الْعَام لُغَة يرد على الْعَام عرفا، واستدلالهم) أَي الْحَنَفِيَّة للْعُمُوم الْمَذْكُور ﴿بِنَحْوِ يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ - فطلقوهن لعدهن - مِمَّا أفرد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 251
بِالْخِطَابِ وَأمر بِصِيغَة الْعُمُوم الدَّالَّة على إِرَادَة الْعُمُوم فِي صدر الْكَلَام (وَبِأَنَّهُ لَو لم يعمهم لَكَانَ خَالِصَة لَك) بعد قَوْله - ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك أَزوَاجك﴾ - إِلَى قَوْله - ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها﴾ - (غير مُفِيد) لِأَن الِاخْتِصَاص والخلوص على تَقْدِير عدم الْعُمُوم ثَابت بِالْخِطَابِ الْخَاص (و) قَوْله تَعَالَى ﴿زَوَّجْنَاكهَا لكيلا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج﴾ - فِي أَزوَاج أدعيائهم - فَأخْبر أَنه إِنَّمَا أَبَاحَ تَزْوِيجه إِيَّاهَا ليَكُون شَامِلًا للْأمة، وَلَو كَانَ خطابه خَاصّا لما حصل الْمَقْصُود (لبَيَان التَّنَاوُل الْعرفِيّ) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي واستدلالهم (لَا) لبَيَان التَّنَاوُل (اللّغَوِيّ، فأجوبتهم) أَي الشَّافِعِيَّة عَن هَذِه الاستدلالات (الَّتِي حاصلها أَن الْفَهم) أَي فهم الْأمة من هَذِه النُّصُوص (بِغَيْر الْوَضع اللّغَوِيّ طائحة) أَي سَاقِطَة لِأَن الْحَنَفِيَّة معترفون، بِعَدَمِ الْعُمُوم لُغَة، ثمَّ تعقب الْحَنَفِيَّة فِي استدلالهم ب ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك﴾ الْآيَة فَقَالَ (غير أَن نفي الْفَائِدَة مُطلقًا) على ذَلِك التَّقْدِير (مِمَّا يمْنَع لجَوَاز كَونهَا) أَي الْفَائِدَة (منع الْإِلْحَاق) أَي إِلْحَاق الْأمة بِهِ قِيَاسا (وَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ) أَي نفي الْفَائِدَة مُطلقًا (فِي الْوَجْه) أَي وَجه الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ (وَيَكْفِي) فِي الِاسْتِدْلَال لَهُم بهَا (أَن خَالِصَة لَك ظَاهر فِي فهم الْعُمُوم) للْأمة من قَوْله - ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك﴾ - (لولاه) أَي لفظ خَالِصَة لَك وظهوره عَلامَة كَونه عَاما عرفا، ثمَّ أَن الشَّافِعِيَّة قد ذكرُوا فِي نفي إِرَادَة الْعُمُوم أَنه يُنَافِي كَون أَفْرَاده ﷺ بِالذكر للتشريف فَأجَاب عَنهُ بقوله (وَكَون إِفْرَاده بِالذكر للتشريف لَا يُنَافِي الْمَطْلُوب) وَهُوَ الْعُمُوم عرفا (فَمن التشريف أَن خصّه) ﷺ (بِهِ) أَي الْخطاب بِحَسب الذّكر (وَالْمرَاد أَتْبَاعه مَعَه) وَإِلَّا لَكَانَ مُقْتَضى هَذِه الْإِرَادَة أَن يُقَال: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا وَنَحْو ذَلِك (وَعرف) من هَذَا التَّقْدِير (أَن وَضعهَا) أَي هَذِه ال مسئلة معنونة بعنوان (الْخطاب لوَاحِد من الْأمة هَل يعم لَيْسَ بحيد) لِأَن الْحَنَفِيَّة لَا يَقُولُونَ خطاب من لَيْسَ لَهُ منصب الِاقْتِدَاء يعم الْأمة عرفا، بل هَذَا مَوْضُوع مَا يَلِي هَذِه: أَعنِي قَوْله.
مسئلة
(خطاب الْوَاحِد لَا يعم غَيره لُغَة، وَنقل عَن الْحَنَابِلَة عُمُومه، ومرادهم خطاب الشَّارِع لوَاحِد بِحكم يعلم عِنْده) أَي عِنْد ذَلِك الْخطاب (تعلقه) أَي ذَلِك الحكم (بِالْكُلِّ إِلَّا بِدَلِيل) يَقْتَضِي التَّخْصِيص (كَقَوْلِه حكمي على الْوَاحِد حكمي على الْجَمَاعَة) وَقد مر فِي الْبَحْث الثَّانِي من مبَاحث الْعَام، وَتكلم فِي سَنَده (وَفهم الصَّحَابَة ذَلِك) أَي أَن حكمه ﷺ على الْوَاحِد حكمه على الْجَمَاعَة (حَتَّى حكمُوا على غير مَا عز بِمَا حكم بِهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 252
من الرَّجْم (عَلَيْهِ) أَي على مَا عز حَتَّى قَالَ عمر ﵁ خشيت أَن يطول بِالنَّاسِ زمَان حَتَّى يَقُول قَائِل لَا نجد الرَّجْم فِي كتاب الله فيضلوا بترك فَرِيضَة أنزلهَا الله، أَلا وَإِن الرَّجْم حق على من زنا وَقد أحصن إِذا قَامَت الْبَيِّنَة أَو كَانَ الْحَبل أَو الِاعْتِرَاف: رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَقَالَ أَيْضا كَمَا فِي البُخَارِيّ، وحكوا على ذَلِك إِجْمَاع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ ليعتد بِالْجَمَاعَة (ولعموم الرسَالَة بقوله) ﷺ (بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود) رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان وَأَبُو دَاوُد لَكِن بِتَقْدِيم الْأَحْمَر على الْأسود: أَي إِلَى الْعَرَب والعجم، وَقيل إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ وَإِذا كَانَ مُرَاد الْحَنَابِلَة هَذَا (فَكَلَام الخلافيين فِيهَا) أَي فِي هَذِه ال مسئلة (كَالَّتِي قبلهَا) من حَيْثُ عدم التوارد على مَحل وَاحِد.
مسئلة
(الْخطاب الَّذِي يعم العبيد لُغَة) كيا أَيهَا النَّاس: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا (هَل يتناولهم شرعا فيعمهم حكمه) أَي حكم الْخطاب الْمَذْكُور إيَّاهُم (الْأَكْثَر نعم) أَي قَالَ أَكثر الْأُصُولِيِّينَ يعم بتناولهم شرعا ويعم حكمه إيَّاهُم (وَقيل لَا) يتناولهم شرعا وَلَا يعمهم حكمه. (و) قَالَ (الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ) يتناولهم شرعا (فِي حقول الله تَعَالَى فَقَط). قَالَ الْكرْمَانِي لَا كَلَام فِي أَن مثل هَذَا إِذا لم يتَضَمَّن حكما يحْتَاج فِي قِيَامه إِلَى صرف زمَان يتناولهم، بل فِيمَا إِذا تضمن مَا يمنعهُ من الِاشْتِغَال بِقِيَام مهمات السادات (وَحَاصِله) أَي هَذَا الْخلاف (أَن الْخلاف فِي إرادتهم) أَي العبيد (بِاللَّفْظِ الْعَام وَعدمهَا) أَي عدم إرادتهم بِهِ (واستدلال النَّافِي) لتناولهم (بِمَا ثَبت شرعا من كَون مَنَافِعه) أَي العَبْد (مَمْلُوكَة لسَيِّده فَلَو تناولهم) الْخطاب الْمَذْكُور (نَاقض) الْخطاب الْمَذْكُور (دَلِيل عدم الْإِرَادَة) يَعْنِي مِمَّا يدل على مملوكية منافعهم المستلزمة عدم مُطَالبَته سُبْحَانَهُ إيَّاهُم بصرفها فِي خدمته سُبْحَانَهُ لغناه عَنْهُمَا، وحاجة الْعباد إِلَيْهِ (وَأما قَوْلهم) أَي النافين (خرج) العَبْد (من) خطاب (نَحْو الْجِهَاد، وَالْجُمُعَة، وَالْحج) والتبرعات وَبَعض الأقارير مِمَّا دلّ عَلَيْهِ من النَّص وَالْإِجْمَاع (فَلَو كَانَ دَاخِلا) فِي تِلْكَ العمومات قبل الْإِخْرَاج (أَي مرَادا) من حَيْثُ الْإِرَادَة وَإِنَّمَا قيد بِهِ، لِأَن الدُّخُول من حَيْثُ التَّنَاوُل بِحَسب الْمَفْهُوم اللّغَوِيّ لَا نزاع فِيهِ (كَانَ) ذَلِك الْإِخْرَاج بعد الدُّخُول مرَادا (تَخْصِيصًا، وَالْأَصْل عَدمه) أَي عدم التَّخْصِيص (فَتجوز بالتخصيص عَن النّسخ) جَوَاب أما: أَي قَوْلهم الْمَذْكُور بِاعْتِبَار تعبيرهم بالتخصيص تجوزا أُرِيد بِهِ الْمَعْنى الْمجَازِي للتخصيص وَهُوَ النّسخ، لِأَن إِرَادَة الْعُمُوم مُسْتَلْزم
стр. 253
لتشريفه، ثمَّ إِفَادَة مَا يُخَالف الْعُمُوم نسخ لَهُ (وَالْجَوَاب) عَن قَوْلهم الَّذِي حَاصله النّسخ (بِأَن خُرُوجه) أَي العَبْد من تِلْكَ العمومات (بِالدَّلِيلِ) الْمُفِيد لَهُ (يلْزم أَن مَعْنَاهُ) أَي كَون مَعْنَاهُ أَنه (لم يرد) العَبْد من ذَلِك الْعُمُوم (لدَلِيل) يدل على عدم إِرَادَته (فضلا عَن إِرَادَته، ثمَّ نُسْخَة) يَعْنِي إِذا لم يكن أَرَادَهُ أصلا لزم بِالطَّرِيقِ الأولى أَن لَا يكون ثمَّة مَجْمُوع الْأَمريْنِ من الْإِرَادَة والنسخ الْمَوْقُوف على الْإِرَادَة، وَالضَّمِير فِي نُسْخَة رَاجع إِلَى الحكم الْمُتَعَلّق بِالْعَبدِ على تَقْدِير الْإِرَادَة (عَنهُ) أَي عَن العَبْد الْمُتَعَلّق بالنسخ (وَحَاصِله) أَي حَاصِل الْجَواب (أَن اللَّازِم) فِي نفس الْأَمر (التَّخْصِيص الاصطلاحي بدليله لَا النّسخ) وَهُوَ أَن الْخَارِج عَن حكم الْعَام فِي نفس الْأَمر لم يكن مرَادا من اللَّفْظ الدَّال على الْعُمُوم (وَقد يُقرر) تَوْجِيه ال مسئلة هَكَذَا (دلّ) الدَّلِيل (على عدم إِرَادَته) أَي العَبْد (فِي بَعْضهَا) أَي فِي الْأَحْكَام (وَعَلَيْهَا فِي بَعْضهَا) أَي وعَلى إِرَادَته فِي بعض الْأَحْكَام (فالمثبت (للتناول شرعا (يعْتَبر بالتناول) لُغَة لِأَن الأَصْل مطابقته) أَي التَّنَاوُل (الْإِرَادَة، والنافي) بقول (عرض الِاشْتِرَاك فِي الِاسْتِعْمَال) لَا يُرَاد فِي بعض الاستعمالات، وَلَا يُرَاد فِي بعض الآخر (فتوقف دُخُولهمْ) أَي العبيد (إِلَى الدَّلِيل لِأَن الأَصْل عدم الدُّخُول (أَو قَامَ) الدَّلِيل مَعْطُوف على عرض (على عدمهَا) أَي الْإِرَادَة (وَهُوَ) أَي الدَّلِيل الْقَائِم على عدم الْإِرَادَة (مالكية السَّيِّد لَهَا) أَي لمنافعه (والرازي يمنعهُ) أَي عدم إرادتهم (فِي حُقُوقه) تَعَالَى (وَالدَّلِيل) على إرادتهم فِيهَا (الأكثرية) لدخولهم فِي الخطابات الْوَارِدَة فِي حُقُوق الله تَعَالَى على وفْق اللُّغَة، وأكثرية إرادتهم فِي الِاسْتِعْمَال إِذا انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا تَقْتَضِيه اللُّغَة يصلح دَلِيلا للإرادة (فَوَجَبَ التَّفْصِيل) بَين حق الله وَغَيره (و) بِهَذَا التَّفْصِيل (انتظم) أَي صَحَّ (منع عُمُوم مملوكية مَنَافِعه) للسَّيِّد فِي جَمِيع الْأَوْقَات، بل يسْتَثْنى مِنْهَا أَوْقَات الْأَعْمَال الْمَطْلُوبَة مِنْهُ عِنْد الضّيق حَتَّى لَو أمره فِي آخر وَقت الصَّلَاة بِحَيْثُ لَو أطاعه لفاتته وَجب عَلَيْهِ صرف ذَلِك الْوَقْت فِي الصَّلَاة، وَلَا يجوز للسَّيِّد استخدامه (فَانْدفع الأول) أَي التَّنَاقُض الْمَذْكُور فرجح قَول الشَّيْخ أبي بكر الرَّازِيّ.
مسئلة
(خطاب الله سُبْحَانَهُ الْعَام: ك ﴿يَا عبَادي﴾ - ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ - شَمله ﷺ إِرَادَته) بِالرَّفْع فَاعل شَمل، وإضافته إِلَى ضمير الْخطاب لأدنى مُلَابسَة (كَمَا تنَاوله) أَي الْخطاب الْمَذْكُور الرَّسُول ﷺ (لُغَة) وَلَو قَالَ شَمله إِرَادَة كَمَا شَمله لُغَة لَكَانَ أظهر (عِنْد الْأَكْثَر) سَوَاء صدر بالْقَوْل أَو التَّبْلِيغ أَولا، والظرف مُتَعَلق بشمله (وَقيل لَا)
стр. 254
يَشْمَلهُ إِرَادَته (لِأَن كَونه) ﷺ (مبلغه) أَي الْخطاب للْأمة (مَانع) من ذَلِك، وَإِلَّا لَكَانَ مبلغا ومبلغا بخطاب وَاحِد، وَلَا يظْهر امْتنَاع اجْتِمَاعهمَا فِي شخص وَاحِد من جِهَتَيْنِ فَتَأمل (وَلذَا) أَي ولكونه مَانِعا من شُمُوله الْإِرَادَة (خرج) رَسُول الله ﷺ (من أَحْكَام عَامَّة) أَي لم يدْخل فِيهَا (كسنية الضُّحَى) فَإِنَّهَا مَنْدُوبَة للْأمة على القَوْل الْأَشْبَه، وَقد ذهب غير وَاحِد من أَعْيَان الْمُتَأَخِّرين: مِنْهُم النَّوَوِيّ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة عَلَيْهِ. قَالَ الشَّارِح وَالْأَوْجه عَدمه فَإِن الخصوصية لَا تثبت إِلَّا بِدَلِيل صَحِيح وَهُوَ مَقْصُود، وَقد جَاءَ مِمَّا هُوَ أقوى مِنْهُ مَا يُعَارضهُ، وَقد نقل فِي شرح الْمُهَذّب عَن الْعلمَاء أَنه ﷺ كَانَ لَا يداوم على صَلَاة الضُّحَى مَخَافَة أَن تفرض على الْأمة فيعجزوا عَنْهَا، وَكَانَ يَفْعَلهَا فِي بعض الْأَوْقَات (وَحل أَخذ الصَّدَقَة) فَرضهَا وتطوعها تَشْرِيفًا لَهُ فَإِنَّهَا أوساخ النَّاس على مَا فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح (و) حُرْمَة (الزِّيَادَة على أَربع) من الزَّوْجَات بِالْإِجْمَاع وَأما الْكَلَام فِي الزِّيَادَة على التسع، فَالْأَصَحّ الْجَوَاز عَن عَائِشَة ﵂ " مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى أحل لَهُ النِّسَاء ". قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح، وَالْحَاكِم صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلَفظه " حَتَّى أحل لَهُ من النِّسَاء مَا شَاءَ " (وَالْجَوَاب الْمبلغ جِبْرَائِيل ﵇ للْأَحْكَام الْعَامَّة إِلَى وَاحِد من الْعباد) حَال كَون ذَلِك الْوَاحِد (مشمولا بهَا) أَي بِتِلْكَ الْأَحْكَام (ليسمعهم) أَي الْعباد (إِيَّاهَا) أَي الْأَحْكَام وَهُوَ النَّبِي ﷺ فَهُوَ حَال تَبْلِيغ جِبْرِيل الْخطاب الَّذِي هُوَ دَاخل فِيهِ (فَلَا مُوجب لِخُرُوجِهِ، وَهُوَ مشمول بِهِ لُغَة فَمَا تحقق خُرُوجه مِنْهُ لزم كَونه لدَلِيل خَاص فِيهِ، فتفصيل الْحَلِيمِيّ) والصيرفي (بَين أَن يكون) الْخطاب الْعَام (مُتَعَلق قَول: كقل يَا عبَادي، فَيمْنَع) شُمُوله إِيَّاه (وَإِلَّا) أَي وَإِن يكن مُتَعَلق قَول (فَلَا) يمْنَع (مُنْتَفٍ) خبر تَفْصِيل الْحَلِيمِيّ، وَقد عرفت وَجه الانتفاء من التَّنَاوُل بِحَسب اللُّغَة فِي الْكل وَعدم الْمُوجب لعدم الْإِرَادَة سوى دَلِيل التَّخْصِيص فِي الْبَعْض على أَن الخطابات كلهَا مقدرَة بِنَحْوِ: قل، أَو بلغ على مَا قَالَ بَعضهم، ورد بِالْمَنْعِ، وَلَو سلم فَلَيْسَ الْمُقدر كالملفوظ من كل وَجه.
مَسْأَلَة
(الْخطاب الشفاهي كيا أَيهَا الَّذين آمنُوا: لَيْسَ خطابا لمن بعدهمْ) أَي الَّذين سيوجدون بعد الْمَوْجُودين فِي زمَان الْخطاب (وَإِنَّمَا يثبت حكمه) أَي الْخطاب الشفاهي (لَهُم) أَي لمن سيوجد (بِخَارِج) من الْخطاب من نَص أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس (دلّ) ذَلِك (على أَن كل
стр. 255
خطاب علق بالموجودين حكما فَإِنَّهُ يلْزم من بعدهمْ. وَقَالَت الْحَنَابِلَة وَأَبُو الْيُسْر من الْحَنَفِيَّة هُوَ) أَي الْخطاب الشفاهي (خطاب لَهُم) أَي لمن بعدهمْ أَيْضا (لنا الْقطع بِعَدَمِ التَّنَاوُل) أَي تنَاول الْخطاب الشفاهي لَهُم (لُغَة) على مَا هُوَ التَّحْقِيق. (قَالُوا: لم تزل عُلَمَاء الْأَمْصَار فِي الْأَعْصَار يستدلون بِهِ) أَي بِالْخِطَابِ الشفاهي (على الْمَوْجُودين) فِي أعصارهم، وَهُوَ إِجْمَاع لَهُم على الْعُمُوم (أُجِيب لَا يتَعَيَّن كَونه) أَي كَون الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَيْهِم (لتناولهم) أَي لتناول الْخطاب الْمَذْكُور إيَّاهُم (لجَوَاز كَونه) أَي استدلالهم بِهِ عَلَيْهِم (لعلمهم) أَي الْعلمَاء (بِثُبُوت حكم مَا تعلق بِمن قبلهم عَلَيْهِم) أَي على من بعدهمْ بِنَصّ، أَو إِجْمَاع، أَو قِيَاس (وَأما استدلالهم) أَي الْحَنَابِلَة بِأَنَّهُ (لَو لم يتَعَلَّق) الْخطاب الْمَذْكُور (بهم) أَي بِمن سيوجد (لم يكن) النَّبِي ﷺ (مُرْسلا إِلَيْهِم) إِذْ لَا معنى للإرسال إِلَيْهِم إِلَّا أَن يُقَال لَهُ بلغ أحكامي إِلَيْهِم، وَلَا تَبْلِيغ بِهَذِهِ العمومات (فَظَاهر الضعْف) للْمَنْع الظَّاهِر للملازمة الْمَذْكُورَة، إِذْ الْإِرْسَال إِلَيْهِم لَا يسْتَلْزم الْخطاب الشفاهي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل، بل يتَحَقَّق بِحُصُول الْخطاب للْبَعْض، وللبعض بِنصب الدَّلَائِل على أَن حكمهم حكم الَّذِي شافههم (وَاعْلَم أَنه إِذا نصر الْخطاب فِي الْأَزَل للمعدوم) كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة تَكْلِيف الْمَعْدُوم نَصره على مَا ذهب إِلَيْهِ الأشاعرة (وَمَعْلُوم أَن النّظم القرآني يُحَاذِي دلاله) أَي من حَيْثُ الدّلَالَة الْمَعْنى (الْقَائِم بِهِ تَعَالَى قوي قَوْلهم) أَي الْحَنَابِلَة جَوَاب إِذا، نقل عَن الْعَلامَة أَنه ذكر فِي الْكتب الْمَشْهُورَة أَن الْحق أَن الْعُمُوم مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من دين مُحَمَّد ﷺ . قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ وَهُوَ قريب (وَيُجَاب بِأَن التَّعَلُّق) أَي تعلق الْخطاب بالمعدومين (فِي الْأَزَل يدْخلهُ) أَي التَّعْلِيق الأزلي (معنى التَّعْلِيق على مَا عرف) من أَن مَعْنَاهُ أَن الْمَعْدُوم الَّذِي علم الله أَنه يُوجد مَطْلُوب مِنْهُ فِي الْأَزَل طلبا غير تنجيزي، بِمَعْنى أَنه إِذا وجد بِصفة التَّكْلِيف يَأْتِي بذلك الْفِعْل كَمَا تَجِد فِي نَفسك طلب صَلَاح ولد سيوجد، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنع الطّلب التنجيزي من الْمَعْدُوم فِي صُورَة الْأَمر وَالنَّهْي على مَا تبين فِي مَحَله (وَالْكَلَام) أَي الْكَلَام المنازع فِيهِ إِنَّمَا هُوَ (فِي النّظم الْخَالِي عَنهُ) أَي عَن معنى التَّعْلِيق، وَهُوَ تَوْجِيه الْكَلَام اللَّفْظِيّ التنجيزي نَحْو الْغَيْر للتفهيم، وَهَذَا لَا بُد فِيهِ من وجود الْمُخَاطب، فَهَذَا يُقَوي قَول الْأَكْثَرين.
مسئلة
(الْمُخَاطب) بِالْكَسْرِ (دَاخل فِي عُمُوم مُتَعَلق خطابه عِنْد الْأَكْثَر: مثل) قَوْله تَعَالَى ﴿(وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم، وَأكْرم من أكرمك وَلَا تهنه﴾ فَالله عَالم بِذَاتِهِ﴾، والآمر الناهي إِذا أكْرم غَيره
стр. 256
كَانَ الْغَيْر مَأْمُورا بإكرامه، مَنْهِيّا عَن إهانته لوُجُود الْمُقْتَضى وَانْتِفَاء الْمَانِع (وَقيل كَونه) أَي الْمُتَكَلّم (الْمُخَاطب يُخرجهُ) من ذَلِك (وَالْجَوَاب منع الْمُلَازمَة) بَين كَونه مُخَاطبا، وَخُرُوجه عَن ذَلِك الْخطاب (وَأما) عُمُوم قَوْله (الله خَالق كل شَيْء فمخصوص بِالْعقلِ) لِامْتِنَاع خلق الْقَدِيم، وَلَا سِيمَا الْوَاجِب لذاته: وَهَذَا جَوَاب احتجاج المانعين لدُخُوله، تَقْرِيره لَو كَانَ دَاخِلا لزم كَونه تَعَالَى خَالِقًا لنَفسِهِ بقوله تَعَالَى - ﴿خَالق كل شَيْء﴾ - فحاصل الْجَواب أَنه لَوْلَا الْمُخَصّص الْعقلِيّ لَكَانَ دَاخِلا، وَقيل أَن التَّخْصِيص خُرُوج مَا يقتضى ظَاهر اللَّفْظ دُخُوله، وَالله سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ شَيْئا، لَكِن عِنْد ذكر الْأَشْيَاء لَا يفهم دُخُوله، وَفِيه مَا فِيهِ.
مسئلة
(الْعَام فِي معرض الْمَدْح والذم كَانَ الْأَبْرَار) لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم (يعم) اسْتِعْمَالا كَمَا هُوَ عَام وضعا (خلافًا للشَّافِعِيّ حَتَّى منع بَعضهم) أَي الشَّافِعِيَّة (الِاسْتِدْلَال بالذين يكنزون) الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله الْآيَة (على وُجُوبهَا) أَي الزَّكَاة (فِي الْحلِيّ) لِأَن الْقَصْد بَيَان الكانز، لَا بَيَان التَّعْمِيم، وَإِثْبَات الحكم فِي جَمِيع المتناولات اللُّغَوِيَّة (لنا عَام بصيغته) من غير معَارض فَوَجَبَ الْعَمَل. (قَالُوا) أَي الشَّافِعِيَّة (عهد فيهمَا) أَي الْمَدْح والذم (ذكر الْعَام مَعَ عدم إِرَادَته) أَي الْعُمُوم (مُبَالغَة) فِي الْحَث على الطَّاعَة، والزجر عَن الْمعْصِيَة، فالقصد من صِيغَة الْعُمُوم فيهمَا التَّأْكِيد والاهتمام فِي الْحَث والزجر، لَا لعُمُوم (وَأجِيب بِأَنَّهَا) أَي الْمُبَالغَة (لَا تنافيه) أَي الْعُمُوم (إِذْ كَانَت الْمُبَالغَة (للحث) لَا مَكَان الْجمع بَين المصلحتين، فَلَا صَارف عَن الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة (بِخِلَاف) الْمُبَالغَة (فِي نَحْو: قتلت النَّاس كلهم) فَإِن معنى الْمُبَالغَة على تَنْزِيل قتل الْبَعْض منزلَة قتل الْكل لكَوْنهم كبنيان وَاحِد على أَن الْقَرِينَة الصارفة عَن إِرَادَة الْعُمُوم فِيهِ وَاضِحَة لعدم إِمْكَان قتل الْكل، وَعدم إِرَادَة الْعُمُوم فِي أَمْثَاله كَمَا لَا يخفى.
مسئلة
(مثل خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة لَا يُوجِبهُ) أَي الْأَخْذ (من كل نوع) من أَنْوَاع المَال (عِنْد الْكَرْخِي وَغَيره) كالآمدي وَابْن الْحَاجِب (خلافًا للْأَكْثَر، لَهُ) أَي للكرخي (يصدق بِأخذ صَدَقَة) وَاحِدَة بالنوع (مِنْهَا) أَي من جملَة أَمْوَالهم (أَنه أَخذ صَدَقَة من أَمْوَالهم)
стр. 257
إِذْ الْمَأْمُور بِهِ أَخذ صَدَقَة مَا، وَقد تحقق فِي ضمن تِلْكَ الْوَاحِدَة (وهم) أَي الْأَكْثَر (يمنعونه) أَي صدق ذَلِك (لِأَنَّهُ) أَي لفظ أَمْوَال (جمع مُضَاف، فَالْمَعْنى) خُذ (من كل مَال) صَدَقَة (فَيعم) الْمَأْخُوذ (بِعُمُومِهِ) أَي الْمَأْخُوذ مِنْهُ (أُجِيب بِأَن عُمُوم كل تفصيلي) أَي لاستغراق كل وَاحِد وَاحِد مفصلا (بِخِلَاف الْجمع) فَإِن عُمُومه لَيْسَ بتفصيلي (للْفرق الضَّرُورِيّ: بَين للرِّجَال عِنْدِي دِرْهَم، وَلكُل رجل) عِنْدِي دِرْهَم حَتَّى يلْزم فِي الأول دِرْهَم وَاحِد للْجَمِيع، وَفِي الثَّانِي دِرْهَم لكل رجل (وَهَذَا) الْجَواب (يُشِير إِلَى أَن استغراق الْجمع الْمحلي لَيْسَ كالمفرد، وَهُوَ) أَي كَون استغراقه لَيْسَ كالمفرد (خلاف) الْمَذْهَب (الْمَنْصُور، بل هُوَ) أَي الْجمع الْمحلي (كالمفرد، وَإِن صَحَّ إِرَادَة الْمَجْمُوع بِهِ) أَي الْمحلي (لَا كل فَرد بِالْقَرِينَةِ) الصارفة عَن كل فَرد أَلْبَتَّة لإِرَادَة الْمَجْمُوع من حَيْثُ هُوَ كهذه الدَّار لَا تسع الرِّجَال (وَقد ينصر) كَونه لَيْسَ كالمفرد (بِالْفرقِ: بَين للْمَسَاكِين عِنْدِي دِرْهَم، وللمسكين) عِنْدِي دِرْهَم عِنْد قصد الِاسْتِغْرَاق تتبادر إِرَادَة الْمَجْمُوع فِي الْجمع، وكل وَاحِد وَاحِد فِي الْمُفْرد (قبل مُلَاحظَة اسْتِحَالَة انقسامه) أَي الدِّرْهَم الْوَاحِد (على الْكل) فَإِنَّهُ بعد ملاحظتها يتَعَيَّن إِرَادَة خلاف الظَّاهِر، وَهُوَ الْمَجْمُوع فَيكون الْمَعْنى: لكل وَاحِد عِنْدِي دِرْهَم (و) ينصر أَيْضا (بتبادر صدق مَا تقدم) من أَخذ صَدَقَة من أَمْوَالهم على أَخذ صَدَقَة وَاحِدَة مِنْهَا (فَالْحق أَن عمومها) أَي الجموع المحلاة (مجموعي) بِمَعْنى أَن الحكم الْمَنْسُوب إِلَيْهَا يثبت للمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع لَا لكل وَاحِد من آحادها (وَإِن قُلْنَا أَن أَفْرَاد الْجمع الْعَام الواحدان) أَي أَفْرَاد مَفْهُوم مفرده، لَا أَفْرَاد مَفْهُومه: أَعنِي الْجَمَاعَات كَمَا سبق (فَإِنَّهُ) أَي كَونه مُسْتَغْرقا لآحاد الْمُفْرد (لَا يُنَافِيهِ) أَي كَون عمومها مجموعيا بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (وَلُزُوم الحكم الشَّرْعِيّ أَو) لُزُوم الحكم (مُطلقًا) شَرْعِيًّا كَانَ أَو غَيره (لكل) من الْآحَاد (ضَرُورَة عدم تجزؤ الْمَطْلُوب) فِيمَا إِذا لم يكن الحكم الْمُتَعَلّق بِالْجمعِ الْمحلي أمرا قَابلا للتجزئة ليتصور أَن يكون الْمَطْلُوب من الجموع فعلا وَاحِدًا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يتَعَيَّن أَن يكون الْمَطْلُوب من كل وَاحِد فعلا آخر، وَقَوله ضَرُورَة مفعول لمَحْذُوف هُوَ خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي لُزُوم الحكم (وَغَيره) من الْقَرَائِن الدَّالَّة على أَن الحكم ثَابت لكل وَاحِد من آحَاد الْجمع الْمَذْكُور مَعْطُوف على عدم تجزؤ (كيحب الْمُحْسِنِينَ) للْعلم بحب كل محسن (وَالْحَاصِل أَنه) أَي عُمُوم الْجمع فِي الْآحَاد على وَجه الِانْفِرَاد (مُقْتَضى أَمر آخر غير اللُّغَة) وَالتَّحْقِيق الْمَذْكُور مَبْنِيّ على الْوَضع اللّغَوِيّ (وَصُورَة هَذِه المسئلة) يَعْنِي عنوانها (عِنْد الْحَنَفِيَّة الْجمع الْمُضَاف لجمع) أَي إِلَى جمع (كمن أَمْوَالهم لَا يُوجب إِثْبَات الحكم لَهُ) أَي إثْبَاته لَهُ مُضَافا إِلَى كل فَرد من آحَاد الْجمع
стр. 258
حتى يكون المعنى: خذ من كل مال كل واحد منهم صدقة، ويعتبر استغراق أموال كل واحد كاستغراق الجمع المحلي على المذهب المنصور (خلافا لزفر) فإن عنده يوجب الجمع بالمعنى المذكور (وجه قوله: إن المضاف إلى الجمع مضاف إلى كل فرد، وهو) أي المضاف هنا (جمع فيلزم) أن يضاف الجمع الأول (في حق كل) من آحاد الجمع الثاني (فيؤخذ من كل مال لكل) من أفراد الجمع المضاف إليه لما عرفت. (ومفزعهم) أي ملجأ الحنفية (في دفعه) أي دفع وجه زفر (الاستعمال المستمر) المفيد، خلاف ما ذكره (نحو - جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم -، وركبوا دوابهم) فإن كل واحد منها (يفيد نسبة آحاده) أي الجمع المضاف (إلى آحاده) أي الجمع المضاف إليه (ففي الآية يؤخذ من مال كل، لا من كل مال كل، ويدفع) هذا الدفع (بأنه) أي بكون مقابلة الجمع بالجمع يفيد انقسام الآحاد على الآحاد فيما ذكر (لخصوص المادة) بحسب القرينة: ألا ترى أن قوله تعالى - يحملون أوزارهم على ظهورهم -: إخبار بحمل كل واحد أوزاره (لكنه) أي دفع المانع (إبطال دليل معين لا يدفع المطلوب) قوله لا يدفع خبر بعد خبر، ويحتمل أن يكون ضمير لكنه للشأن (وقد بقي ما قلنا) من أن الحق أن عمومها مجموعي إلى آخره (وعليه) أي على أن مقابلة الجمع بالجمع تفيد انقسام الآحاد على الآحاد (فرع) ذكر في الجامع الكبير (إذا دخلتما هاتين الدارين، أو ولدتما ولدين فطالقتان، فدخلت كل دارا، وولدت كل ولدا طلقت).
مسئلة
(إذا علل) الشارع (حكما) في محل بعلة (عم) الحكم (في محالها) أي العلة شرعا (بالقياس) وهو الصحيح عن الشافعي ﵀ (وقيل) عم عنه لغة (بالصيغة: قال القاضي أبو بكر لا يعم) أصلا، وإليه قال الغزالي، (لنا) تعليل الشارع حكما بعلة (ظاهر في استقلال الوصف) بالعلية، فوجب اتباعه لوجوب الحكم بالظاهر، (فتجويز كون المحل جزءا) من العلة التي علل بها الشارع الحكم في ذلك المحل (فلا يتعدى) إلى محل آخر لانعدام الجزء (كقول القاضي احتمال) لا يقدح في الظهور، فلا يترك به الظاهر (ثم) الفرض أنه (لا صيغة عموم) لتعم الصيغة (فانفرد التعميم بعلة. قالوا) أي المعممون بالصيغة (حرمت الخمر لأنها مسكرة كحرمت المسكر) فإن المفهوم منهما واحد، والثاني وهو كل مسكر بالصيغة، فكذا الأول (قلنا) إنما الأول مثل الثاني (في أصل الحكم) لا مثله في عمومه بالصيغة، ولا يستلزم كونه مثل الثاني في أصل العموم (كونه) مثله في العموم (بالصيغة لانتفائها)
стр. 259
أي لانتفاء الصيغة الدالة على العموم في الأوّل.
مسئلة
(الاتفاق على عموم مفهوم الموافقة دلالة النص) عطف بيان لمفهوم الموافقة، وقد تفسيرهما (وكذا إشارة النص عند الحنفية لأنهما) أي دلالة النص، وإشارة النص (دلالة اللفظ) وقد مر بيانه (واختلف في عموم مفهوم المخالفة) وقد سبق تفسيره في المباديء اللغوية (عند قائليه) لأن من لم يقل لا يبحقث عن عمومه وعدمه، إذ هو فرع ثبوته (نفاه) أي عمومه (الغزالي خلافا للأكثر) حيث أثبتوه (فقيل) الخلاف (لفظي) ذكره ابن الحاجب وغيره (لثبوت نقيض الحكم) أي حكم المنطوق (في كل ما سوى محل النطق اتفاقا) من القائلين بمفهوم المخالفة، ومنهم الغزالي (ومراد الغزالي أنه) أي عمومه (لم يثبت بالمنطوق) إذ لا يتصور ثبوت عمومه بالمنطوق مع عدم ثبوت نفسه به (ولا يختلف فيه) أي في عدم ثبوته بالمنطوق وإذا اتفقوا في أصل العموم في عدم ثبوته بالمنطوق لم يبق منهم خلاف، في الشرح العضدي: والحاصل أنه نزاع لفظي يعود إلى تفسير العام بأنه ما يستغرق في الجملة (لكن قول الغزالي) في المستصفى (من يقول بالمفهوم قد يظن له) أي للمفهوم (عموما ويتمسك به) أي بعمومه (وفيه) أي في أن له عمومًا (نظر لأن العموم) أي العام (لفظ) أو المضاف محذوف: أي صفة لفظ تتشابه دلالته بالاضافة إلى المسميات (والتمسك بالمفهوم تمسك بمسكوت) أي بمعنى غير منطوق يفهم من الفحوى (ظاهر في تحققه) أي الخلاف خبر لكن (وبناؤه) أي النظر بل الخلاف (على أنه) أي العموم (من عوارض الألفاظ خاصة أولا) بل يعرضها وغيرها كما ذهب إليه غير الغزالي (وحقق) أي أثبت على وجه التحقيق (تحقق في العموم) في المفهوم (وإن النزاع في أنه) أي العموم (ملحوظ للمتكلم) فينزل منه منزلة المعبر عنه بصيغة العموم (فيقبل حكمه) أي العموم (من التخصيص) وتجزء الإرادة (أولا) أي غير ملحوظ له (بل هو لازم عقلي ثبت تبعا لملزومه) وهو المنطوق (فلا يقبله) أي التخصيص والتجزئة في الإرادة، لأنه إنما يكون فيما هو ملحوظ ومقصود (وهو) أي كونه غير ملحوظ للمتكلم لكونه لازما عقليا (مراد الغزالي) من نفي العموم فمنفيه في الحقيقة العموم الذي يترتب عليه الحكم المذكور (فيحمل قوله ويتمسك به إلى آخره) أي وفيه نظر، لأن العموم لفظ على مضمون هذا التحقيق، فالمطلب الذي يتمسك به العموم في إثباته إنما هو حكم العموم وهو التخصيص كما أشار إليه بقوله (أي في اثبات حكمه ذلك لاستبعاد أن لا يثبت نقيض حكم
стр. 260
الْمَنْطُوق لكل مَا صدق عَلَيْهِ الْمَفْهُوم) ثمَّ تعقب هَذَا التَّحْقِيق بقوله (وَعلمت أَن لفظ الْغَزالِيّ) الْمَذْكُور (ظَاهر فِي خِلَافه) أَي خلاف تَحْقِيق هَذَا الْمُحَقق: يَعْنِي شَارِح الْمُخْتَصر. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ وَظَاهر كَلَام الْمُسْتَصْفى أَن النزاع عَائِد إِلَى أَن الْعُمُوم من عوارض الْأَلْفَاظ خَاصَّة أم لَا قَالَ من يَقُول بِالْمَفْهُومِ قد يظنّ للمفهوم عُمُوما ويتمسك بِهِ، وَفِيه نظر لِأَن الْعُمُوم لفظ متشابه دلَالَته بِالْإِضَافَة إِلَى مسمياته، والتمسك بِالْمَفْهُومِ والفحوى لَيْسَ بتمسك بِلَفْظ بل بمسكوت (وَجَاز أَن يَقُول) الْغَزالِيّ (بِثُبُوت النقيض) أَي نقيض حكم الْمَنْطُوق (على الْعُمُوم وينسبه) أَي الْعُمُوم (إِلَى الأَصْل) فَإِن الأَصْل فِي كل مَا صدق عَلَيْهِ مَا يُقَابل الْمَنْطُوق إِلَّا أَن يكون فِيهِ حكم الْمَنْطُوق، إِذْ الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْعَدَم والاستصحاب إبْقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ (لَا للمفهوم) أَي لَا ينْسبهُ إِلَى الْمَفْهُوم ليسلم عَن النزاع (كطريق الْحَنَفِيَّة) أَي ويختار مثل طريقهم (فِيهِ) أَي فِي الْمَفْهُوم (على مَا تقدم) فِي بحث الْمَفْهُوم.
مسئلة
(قَالَت الْحَنَفِيَّة يقتل الْمُسلم بالذمي فرعا فقهيا) أَي حَال كَون مقولهم متفرعا على أصل أثبتوه بحجته لَا مثبتا بِنَصّ فِيهِ (مَعَ قَوْله ﷺ لَا يقتل مُسلم بِكَافِر وَلَا) يقتل (ذُو عهد) من الْكفَّار (فِي) مُدَّة (عَهده، فَاخْتلف فِي مبناه) أَي مبْنى هَذَا الْفَرْع (فالآمدي) وَالْغَزالِيّ قَالَا: مبناه مَا أَفَادَهُ بقوله (عُمُوم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ يسْتَلْزم عُمُوم الْمَعْطُوف عِنْد الْحَنَفِيَّة خلافًا لَهُم) أَي الشَّافِعِيَّة (وَلَا بُد من تَقْدِير بِكَافِر مَعَ ذُو عهد، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقدر بِكَافِر (لم يقتل) ذُو عهد (بِمُسلم) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يدل على نفي قَتله مُطلقًا بِوَجْه من الْوُجُوه: وَهُوَ بَاطِل إِجْمَاعًا (فإمَّا) أَن يكون وَجه استلزام عُمُوم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ عُمُوم الْمَعْطُوف (لُغَة) أَي أمرا يَقْتَضِيهِ عرف اللُّغَة (على مَا قَالَ الْحَنَفِيَّة الْمَعْطُوف جملَة نَاقِصَة) فِي أَدَاء المُرَاد (فَيقدر خبر الأول فِيهَا) أَي فِي الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة، وَإِنَّمَا عبروا عَن هَذَا الْمُقدر بِلَفْظ خبر (تجوزا بِهِ) أَي بالْخبر (عَن المتعلقات) بعلاقة التَّعْلِيق بصدر الْكَلَام (فنحو ضربت زيدا يَوْم الْجُمُعَة وعمرا يلْزم تَقْيِيد ضرب عَمْرو بِهِ) أَي بِيَوْم الْجُمُعَة (ظَاهرا) أَي رِعَايَة لظَاهِر الْكَلَام (وَوَجهه) أَي وَجه هَذَا اللُّزُوم لُغَة (أَن الْعَطف) فِي اللُّغَة (لتشريك الثَّانِي) مَعَ الأول (فِي الْمُتَعَلّق) قَالَ الشَّارِح بِفَتْح اللَّام، وَالْأَظْهَر بِكَسْرِهَا (وَهُوَ) أَي الْمُتَعَلّق فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِي (عدم قَتله) أَي ذُو عهد (بِكَافِر وَإِن شركه) بالمعطوف مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (النجَاة فِي الْعَامِل وَلم يَأْخُذُوا الْقَيْد) أَي قيد الْعَامِل (فِيهِ) أَي فِي جَانب الْمَعْطُوف (لَكِن هَذَا)
стр. 261
أَي أَخذ الْقَيْد فِي الْمَعْطُوف وتشريكه مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِيهِ أَيْضا (حق وَهُوَ لازمهم) أَي النُّحَاة (فَإِن الْعَامِل مُقَيّد بِالْفَرْضِ) لِأَن فرض الْكَلَام فِي الْعَامِل الْمُقَيد (فشركته) أَي الثَّانِي للْأولِ (فِيهِ) أَي فِي الْعَامِل الْمُقَيد (توجب تَقْيِيده) أَي الثَّانِي (مثله) أَي الأول (وَإِمَّا) يكون ذَلِك حَاصِلا (بمنفصل) أَي بِأَمْر مُنْفَصِل عَن اللَّفْظ (شَرْعِي) أَي يَقْتَضِيهِ الشَّرْع (هُوَ) أَي ذَلِك الْمُنْفَصِل الشَّرْعِيّ (لُزُوم عدم قتل الذِّمِّيّ بِمُسلم لولاه) أَي شركَة الْمَعْطُوف مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي الْمُتَعَلّق الْمَذْكُور (ثمَّ هُوَ) أَي الْكَافِر فِي جَانب الْمَعْطُوف (مَخْصُوص بالحربي لقَتله) أَي ذِي الْعَهْد (بالذمي) إِجْمَاعًا (فَانْتفى اللَّازِم) وَهُوَ عُمُوم الثَّانِي (فينتفى الْمَلْزُوم، وَهُوَ عُمُوم الأول) فَلَا يحمل على عدم قتل الْمُسلم بِكَافِر مُطلقًا، بل بِكَافِر حَرْبِيّ (وَقيل) قَالَه الإِمَام الرَّازِيّ والبيضاوي وَغَيرهمَا (تَخْصِيص الْمَعْطُوف يُوجِبهُ) أَي التَّخْصِيص بذلك الْوَجْه (فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (وَهَذَا) القَوْل (لَازم للْأولِ أَي لِلْقَوْلِ الأول الَّذِي قَالَه الْآمِدِيّ (لِأَن تَخْصِيصه) أَي الْمَعْطُوف (نفي عُمُومه، وَهُوَ) أَي نفي عُمُومه (انْتِفَاء اللَّازِم (فِي) القَوْل (الأول) يَعْنِي عُمُوم الْمَعْطُوف، لِأَن قَول الْآمِدِيّ عُمُوم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ يسْتَلْزم عُمُوم الْمَعْطُوف حَاصله أَن عُمُوم الْمَعْطُوف لَازم عُمُوم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ ملزوم، فَلَو لم يخص الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بتخصيص الْمَعْطُوف لَكَانَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ عَاما، والمعطوف عَلَيْهِ خَاصّا وَلزِمَ انْتِفَاء اللَّازِم (وَنفي اللَّازِم) وَهُوَ عُمُوم الْمَعْطُوف (ملزوم لنفي الْمَلْزُوم) وَهُوَ عُمُوم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَ انْتِفَاء عُمُوم الْمَعْطُوف مستلزما لانْتِفَاء عُمُوم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ ثَبت قَوْلنَا تَخْصِيص الْمَعْطُوف يُوجب تَخْصِيص الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (وَقد يُقَال) فِي تَقْرِير هَذَا تَخْصِيص الثَّانِي بِوَجْه (يسْتَلْزم تَخْصِيص الأول بِمَا خص بِهِ) الثَّانِي (وَلَا شكّ أَنه) أَي تَخْصِيص الثَّانِي بالحربي (مُرَاد) لما عرفت، فَالْأول كَذَلِك (فَيصير الحَدِيث دَلِيلا للحنفية على قتل الْمُسلم بالذمي) لِأَنَّهُ صَار الْمَعْنى: لَا يقتل مُسلم بحربي، وَلَا يقتل ذمِّي بحربي، وَيلْزمهُ أَن يقتل الْمُسلم بِغَيْر حَرْبِيّ، وَيدخل فِي غير الْحَرْبِيّ الذِّمِّيّ، ثمَّ رده بقوله (وَهَذَا إِنَّمَا يتم لَو قَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (بِمَفْهُوم الْمُخَالفَة) نَحوه يجوز إِيرَاده إلزاميا على الْقَائِل بِهِ (وَقيل قلبه) أَي تَخْصِيص الأول يسْتَلْزم تَخْصِيص الثَّانِي (غير أَنه) أَي هَذَا القَوْل (لَا يصلح لمبني الْفَرْع) الْمَذْكُور لعدم دَلِيل التَّخْصِيص فِي الأول (نعم لَا تلازم) بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ من جِهَة الْعُمُوم وَالْخُصُوص (فقد يعمان) أَي الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ (وَقد يعم أَحدهمَا لَا الآخر، وَكَون الْعَطف للتشريك يصدق إِذا شركت بعض أَفْرَاد الْمَعْطُوف فِي الْمُقَيد الْمُتَعَلّق بِكُل أَفْرَاد الأول) وتأنيث شركت بِاعْتِبَار تعدد ذَلِك الْبَعْض (فَظهر) مِمَّا تبين (أَن
стр. 262
الحَدِيث) وَإِن لم يدل على قتل الْمُسلم بالذمي لَا دلَالَة لَهُ على عدم قَتله بِهِ أَن الحَدِيث الْمَذْكُور (لَا يُعَارض آيَات الْقصاص الْعَامَّة) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ - مِمَّا يدل على أَن كل قَاتل يقْتَصّ مِنْهُ سَوَاء كَانَ مقتوله مُسلما أَو كَافِرًا إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْإِجْمَاع، بل صَار من ضروريات الدّين من عدم قتل الْمُسلم بالحربي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن خص مِنْهَا) أَي من عُمُوم تِلْكَ الْعَامَّة (الْحَرْبِيّ لتخصيص) لفظ (كَافِر الأول) فِي الحَدِيث الْمَذْكُور (بالحربي) تَعْلِيل لعدم الْمُعَارضَة (والمحققون) من الْحَنَفِيَّة (على أَن المُرَاد بالكافر) الْمَذْكُور فِي الحَدِيث (الْحَرْبِيّ الْمُسْتَأْمن) لَا الْحَرْبِيّ مُطلقًا (ليُفِيد) قَوْله: لَا يقتل مُسلم بِكَافِر (إِذْ غَيره) أَي غير الْمُسْتَأْمن من الْحَرْبِيّ (مِمَّا عرف) عدم قتل الْمُسلم بِهِ (بِالضَّرُورَةِ من الدّين كَالصَّلَاةِ) أَي كَمَا عرف بِالضَّرُورَةِ فرضيته فَإِن قلت لَا نسلم عدم الْفَائِدَة على تَقْدِير إِرَادَة الْحَرْبِيّ مُطلقًا إِذْ تحصل الْفَائِدَة بِاعْتِبَار بعض أَفْرَاده، وَهُوَ الْمُسْتَأْمن قُلْنَا كفى بِعَدَمِ الْفَائِدَة بِاعْتِبَار الْأَكْثَر محذورا (فَلَا يقتل الذِّمِّيّ بالمستأمن) كَمَا لَا يقتل الْمُسلم بِهِ لما مر من وجوب تَقْدِير بِكَافِر فِي الْمَعْطُوف، وَعدم إِمْكَان حمله على الْعُمُوم، لِأَن عدم قتل ذِي الْعَهْد بالذمي مُخَالف لآيَات الْقصاص، وبالحربي غير الْمُسْتَأْمن غير مُفِيد لما مر (وَالَّذِي فِي هَذِه) ال مسئلة (من مبَاحث الْعُمُوم كَون الْعَطف على عَام لعامله) أَي لعامل ذَلِك الْعَام (مُتَعَلق عَام) قَوْله لعامله إِلَى هُنَا صفة عَام (يُوجب تَقْدِير لَفظه) أَي لفظ الْمُتَعَلّق الْعَام (فِي الْمَعْطُوف) وَقَوله يُوجب إِلَى آخِره خبر الْكَوْن (ثمَّ يخص أَحدهمَا) سَوَاء كَانَ الْمَعْطُوف أَو الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (بِخُصُوص الآخر، وَإِلَّا) وَإِن لم يخص أَحدهمَا بِخُصُوص الآخر (اخْتلف الْعَامِل، وَفِيه) أَي فِي لُزُوم اختلافه (مَا سَمِعت) يُشِير إِلَى قَوْله: نعم لَا يلْزم إِلَى آخِره:
مسئلة
(الْجَواب) عَن السُّؤَال حَال كَونه (غير المستقل) بِأَن لَا يكون مُفِيدا بِدُونِ السُّؤَال كنعم، وَلَا (يُسَاوِي السُّؤَال فِي الْعُمُوم اتِّفَاقًا، وَفِي الْخُصُوص قيل كَذَلِك) أَي يُسَاوِيه فِي الْخُصُوص أَيْضا اتِّفَاقًا، قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي حَاشِيَته على الشَّرْح العضدي: ظَاهر الْكَلَام أَنه لَا نزاع فِي كَونه تَابعا للسؤال فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص حَتَّى لَو قيل هَل يجوز الْوضُوء بِمَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ نعم كَانَ عَاما، وَلَو قيل: هَل يجوز لي الْوضُوء بِمَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ نعم كَانَ خَاصّا بِهِ إِلَّا أَن صَرِيح كَلَام الْآمِدِيّ والشارحين، وَبِه تشعر عبارَة الْمَتْن أَن الِاتِّفَاق إِنَّمَا هُوَ فِي الْعُمُوم، وَأما فِي الْخُصُوص، فخلاف الشَّافِعِي ﵀ حَيْثُ ذهب إِلَى دلَالَة الْجَواب على جَوَاز التَّوَضُّؤ بِمَاء
стр. 263
الْبَحْر لكل أحد، مصيرا مِنْهُ إِلَى ترك الاستفصال فِي حِكَايَة الْحَال مَعَ قيام الِاحْتِمَال ينزل منزلَة الْعُمُوم، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَقد يعم) الْجَواب فِي الْخُصُوص (عِنْد الشَّافِعِي) ﵀ (لترك الاستفصال) يَعْنِي أَن الرَّاوِي لما ترك التَّفْصِيل وَلم يُقيد الْجَواب بِبَعْض الْأَحْوَال مَعَ احْتِمَال كَونه مُقَيّدا بِهِ، وَحكى الْوَاقِعَة من غير تَفْصِيل علم أَنه فهم الْعُمُوم من الشَّارِع وَإِلَّا لَكَانَ يجب عَلَيْهِ التَّفْصِيل، وَقيل إِنَّمَا ذكر الشَّافِعِي ﵀ ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَ الْجَواب مُسْتقِلّا (وَالظَّاهِر الأول) وَهُوَ كَون غير المستقل تَابعا للسؤال فِي الْخُصُوص (وَلَا معنى للُزُوم الْعُمُوم) فِي الْجَواب (لتَركه) أَي الاستفصال إِن قَالَ بِهِ قَائِل (إِلَّا) الْعُمُوم (فِي الْأَحْوَال والأوقات وَالْمرَاد عُمُوم الْمُكَلّفين) أَي لَكِن النزاع فِي أَن المُرَاد عُمُوم الْجَواب للمكلفين، أَو خصوصه ببعضهم (وَالْقطع أَنه) أَي الْعُمُوم للمكلفين (إِن ثَبت فِي نَحْو) نعم جَوَابا لقَوْل الْقَائِل (أَيحلُّ لي كَذَا، فبقياس) أَي فثبوته بِقِيَاس نعم عَلَيْهِ لاشتراكهم فِي الْعلَّة (أَو بِنَحْوِ حكمي على الْوَاحِد) حكمي على الْجَمَاعَة (لَا من نعم) فَقَط (وَأما) الْجَواب (المستقل الْعَام) الْوَارِد (على سَبَب خَاص، فللعموم) عِنْد الْأَكْثَر، وَالْمرَاد بالمستقل: الوافي بِالْمَقْصُودِ مَعَ قطع النّظر عَن السَّبَب سَوَاء كَانَ سؤالا كَمَا روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ، وَقيل يَا رَسُول الله: أَنَتَوَضَّأُ من بِئْر بضَاعَة، وَهِي بِئْر يلقى فِيهَا الْحيض، وَالنَّتن وَلحم الْكلاب؟ فَقَالَ: إِن المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء، أَو حَادِثَة كَمَا لَو شَاهد من رمى شَاة ميتَة، فَقَالَ: " أَيّمَا أهاب دبغ فقد طهر ": (خلافًا للشَّافِعِيّ) على مَا نَقله الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهمَا، وَقَالَ الأسنوي ﵀: نَص الإِمَام فِي الْأُم على أَن السَّبَب لَا يضيع شَيْئا إِنَّمَا بِصِيغَة الْأَلْفَاظ (لنا أَن التَّمَسُّك) فِي إِثْبَات الْعُمُوم وَالْخُصُوص إِنَّمَا يكون (بِاللَّفْظِ وَهُوَ) لفظ الْأَجْوِبَة الْمُتَنَازع فِيهَا (عَام) وَلَا مَانع من حملهَا على مقتضيها (وخصوص السَّبَب لَا يَقْتَضِي إِخْرَاج غَيره) أَي غير السَّبَب من دَائِرَة تنَاول اللَّفْظ (وَتمسك الصَّحَابَة) عطف على أَن التَّمَسُّك إِلَى آخِره (وَمن بعدهمْ) من الْمُجْتَهدين (فِي جَمِيع الْأَعْصَار بهَا) أَي بالأجوبة التَّامَّة الْوَارِدَة على سَبَب خَاص (كآية السّرقَة وَهِي) وَارِدَة (فِي) سَرقَة (رِدَاء صَفْوَان) بن أُميَّة (أَو) فِي سَرقَة (الْمِجَن) على اخْتِلَاف الرِّوَايَة، وَذكر بعض الْحفاظ أَنَّهَا نزلت فِي ابْن أُبَيْرِق سَارِق الدرْع، وَقطع سَارِق رِدَاء صَفْوَان بعد فتح مَكَّة، وَصَفوَان أسلم بعد الْفَتْح (وَآيَة الظِّهَار فِي سَلمَة بن صَخْر البياضي) وَتعقب بِأَنَّهَا نزلت فِي أَوْس ابْن الصَّامِت وَزَوجته (وَآيَة اللّعان فِي هِلَال بن أُميَّة، أَو عُوَيْمِر) وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، وَلَا شكّ فِي عُمُوم هَذِه الْأَحْكَام مَعَ خُصُوص أَسبَابهَا (قَالُوا) أَي المانعون لعمومها (لَو كَانَ) الْجَواب عَاما للسبب وَغَيره (لجَاز تَخْصِيص السَّبَب بِالِاجْتِهَادِ) من عُمُوم الْجَواب
стр. 264
كَغَيْرِهِ من أَفْرَاده لتساويهما فِي الْعُمُوم (وَأجِيب) بِمَنْع الْمُلَازمَة (بِأَنَّهُ) أَي تَخْصِيص السَّبَب بِالِاجْتِهَادِ (خص من جَوَاز التَّخْصِيص للْقطع بِدُخُولِهِ) أَي دُخُول السَّبَب فِي إِرَادَة الْمُتَكَلّم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن دَاخِلا فِيهَا (لم يكن) الْجَواب (جَوَابا) لَهُ (وَأجِيب أَيْضا بِمَنْع بطلَان اللَّازِم) أَي لَا نسلم عدم جَوَاز تَخْصِيص السَّبَب بِالِاجْتِهَادِ (فَإِن أَبَا حنيفَة أخرج ولد الْأمة) الْمَوْطُوءَة (من عُمُوم) قَوْله ﷺ (الْوَلَد للْفراش) فَلم يثبت نسبه مِنْهُ إِلَّا بِدَعْوَاهُ (مَعَ وُرُوده) أَي النَّص الْمَذْكُور (فِي) ولد (وليدة زَمعَة) وَكَانَت أمة مَوْطُوءَة لَهُ على مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن عَائِشَة قَالَت: " كَانَ عتبَة بن أبي وَقاص عهد إِلَى أَخِيه سعد بن أبي وَقاص: أَن ابْن وليدة زَمعَة مني فاقبضه إليم، فَلَمَّا كَانَ عَام الْفَتْح أَخذه سعد، فَقَالَ ابْن أخي عهد إِلَيّ فِيهِ، فَقَامَ عبد بن زَمعَة، فَقَالَ أخي وَابْن أبي ولد على فرَاشه فتساوقا إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ كل مِنْهُمَا مَا قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر، ثمَّ قَالَ لسودة بنت زَمعَة: احتجبي مِنْهُ لما رَأْي من شبهه عتبَة فَمَا رَآهَا حَتَّى لحق بِاللَّه تَعَالَى " (وَلَيْسَ) هَذَا الْجَواب (بِشَيْء فَإِن السَّبَب الْخَاص ولد زَمعَة وَلم يُخرجهُ) أَبُو حنيفَة من الْوَلَد للْفراش، وَإِنَّمَا أخرج مُطلق ولد الْأمة الْمَوْطُوءَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فالمخرج نوع السَّبَب) أَي الْمخْرج مَفْهُوم عَام ينْدَرج تَحْتَهُ السَّبَب الْمَذْكُور من عُمُوم هَذَا النَّوْع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (مَخْصُوصًا مِنْهُ) أَي من النَّوْع الْمَذْكُور (السَّبَب) الْخَاص وَهُوَ ولد زَمعَة (وَالتَّحْقِيق أَنه) أَي أَبَا حنيفَة (لم يخرج نَوعه أَيْضا لِأَنَّهَا) أَي الْأمة (مَا لم تصر أم ولد عِنْده لَيست بفراش) أَي عِنْد أبي حنيفَة، فالأمة الْمَوْطُوءَة الَّتِي لم تثبت نسب وَلَدهَا بِغَيْر دَعْوَة السَّيِّد لَيست بفراش عِنْده، والإخراج فرع الدُّخُول (فالفراش الْمَنْكُوحَة) وَهِي الْفراش الْقوي يثبت فِيهِ النّسَب بِمُجَرَّد الْولادَة وَلَا ينتفى إِلَّا بِاللّعانِ (وَأم الْوَلَد) وَهِي فرَاش ضَعِيف إِن لم تكن حَامِلا فَيجوز تَزْوِيجهَا، وفراش متوسط إِن كَانَت حَامِلا فَيمْتَنع تزَوجهَا وَيثبت وَلَدهَا بِلَا دَعْوَة، وينتفى بِمُجَرَّد نَفْيه فِي الْحَالين. قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا أوجه من قَوْلهم الْقوي الْمَنْكُوحَة، والمتوسط أم الْوَلَد، والضعيف الْأمة الْمَوْطُوءَة (وَإِطْلَاق الْفراش على وليدة زَمعَة فِي قَوْله ﷺ " الْوَلَد للْفراش بعد قَول عبد بن زَمعَة ولد على فرَاش أبي لَا يسْتَلْزم كَون الْأمة مُطلقًا فراشا لجَوَاز كَونهَا) أَي وليدة زَمعَة (كَانَت أم ولد) ذكر كَانَت بعد كَونهَا لِئَلَّا يتَوَهَّم كَونهَا أم ولد بِاعْتِبَار هَذَا الْوَلَد الْمُتَنَازع فِيهِ (وَقد قيل بِهِ) أَي بِكَوْنِهَا كَانَت أم وَلَده (وَدلّ عَلَيْهِ بِلَفْظ وليدة) فَإِنَّهَا (فعيلة بِمَعْنى فاعلة، على أَنه منع أَنه ﷺ أثبت نسبه لقَوْله ﷺ هُوَ لَك) أَي مِيرَاث من أَبِيك، وَلذَا لم يقل هُوَ أَخُوك
стр. 265
فمعارض بِهِ، وَهَذَا أرجح لشهرتها (وَقَوله احتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة) إِذْ لَو كَانَ أخاها شرعا لم يجب احتجابها، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أَحْمد، وَأما أَنْت فاحتجبي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَك بِأَخ (قَالُوا لَو عَم) الْجَواب فِي السَّبَب وَغَيره (كَانَ نقل الصَّحَابَة السَّبَب بِلَا فَائِدَة) إِذْ لَا فَائِدَة لَهُ سوى التَّخْصِيص (وَهُوَ) أَي نقلهم بِلَا فَائِدَة (بعيد أُجِيب بِأَن مَعْرفَته) أَي السَّبَب (ليمنع تَخْصِيصه) من عُمُوم الْجَواب بِالِاجْتِهَادِ (أجل فَائِدَة، وَنَفس معرفَة الْأَسْبَاب ليحترز عَن الأغاليط) فَائِدَة جليلة أَيْضا، فِي الْقَامُوس الْغَلَط محركة أَن يَعْنِي بالشَّيْء فَلَا تعرف وَجه الصَّوَاب فِيهِ، هَذَا، وَالتَّعْلِيل بالاحتراز عَنْهَا لم يذكر فِي الشَّرْح العضدي، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَن الرَّاوِي قد يحمل اللَّفْظ على غير مَا أَرَادَ بِهِ الشَّارِع، وَهَذَا غلط مِنْهُ وببيان السَّبَب يرْتَفع ذَلِك الِاحْتِمَال (قَالُوا لَو قَالَ لَا أتغدى جَوَاب تغد عِنْدِي لم يعم) قَوْله لَا أتغدى كل تغدى وَنزل على التغدي عِنْده (إِذْ لم يعد كَاذِبًا بتغدية عِنْد غَيره أُجِيب بِأَن تَخْصِيصه بعرف فِيهِ) فِي الشَّرْح العضدي الْجَواب خرج ذَلِك عَن الْعُمُوم دليلنا الْعرف خَاص فِيهِ والتخلف لمَانع لَا يقْدَح فِيهِ: أَي الدَّلِيل وَلَا يعرفهُ عَمَّا لَا يتَحَقَّق فِيهِ الْمَانِع انْتهى: يَعْنِي أَن دليلنا وَهُوَ أَن الْمُعْتَبر عُمُوم اللَّفْظ (لَا ب) خُصُوص (السَّبَب) عَام خص مِنْهُ مثل الصُّورَة الْمَذْكُورَة لما عرف فِيهِ من إِرَادَة الْخُصُوص فِي عرف المحاورات وَالْأَظْهَر أَن الْمَعْنى تَخْصِيص مثل جَوَاب الْمَذْكُور: أَعنِي لَا أتغدى بالتغدي عِنْد السَّائِل، وَقَالَ زفر بِعُمُوم مثله أَيْضا، حَتَّى لَو كَانَ حَالفا على ذَلِك حنث عِنْده وَلَو زَاد الْيَوْم لَا يَحْنَث عِنْد الشَّافِعِي أَيْضا إِن تغدى عِنْد غَيره، وَعِنْدنَا يَحْنَث لظُهُور إِرَادَة الِابْتِدَاء، لَا الْجَواب (قَالُوا لَو عَم) الْجَواب السَّبَب الْمَسْئُول عَنهُ وَغَيره (لم يكن) الْجَواب (مطابقا) للسؤال لِأَنَّهُ خَاص، وَالْجَوَاب عَام، وَهَذَا لَا يَلِيق بالشارع (قُلْنَا) بل (طابق) بِبَيَان حكم (وَزَاد) عَلَيْهِ حكم بِبَيَان حكم نَظَائِره أَيْضا (قَالُوا لَو عَم) أَي لَو حكم بِعُمُوم الْجَواب الْمَسْئُول عَنهُ وَغَيره (كَانَ) الحكم بِعُمُومِهِ (تحكما بِأحد مجازات مُحْتَملَة) أَي بِسَبَب حمله على أحد معَان مجازية مُتَسَاوِيَة الْأَقْدَام فِي الِاحْتِمَال وَهُوَ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، ثمَّ بَين تِلْكَ الْمعَانِي المجازية بقوله (نصوصية على السَّبَب فَقَط أَو مَعَ الْكل أَو) مَعَ (الْبَعْض) فالمفهوم المردد بدل من مجازات بدل الْبَعْض، فِي الشَّرْح العضدي بَيَان الْمُلَازمَة أَن طهوره فِي الْعُمُوم قد فَاتَ بنصوصية فِي صُورَة السَّبَب حَيْثُ تنَاولهَا بخصوصها بعد أَن لم يكن فَصَارَ مصروفا عَمَّا وضع لَهُ غير مَا وضع لَهُ وَالسَّبَب خَاص مَعَ سَائِر الخصوصيات وَمَعَ بَعْضهَا مجازات لَهُ فَكَانَ الْحمل على السَّبَب مَعَ سَائِر الخصوصيات على التَّعْيِين تحكما، وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: لِأَن ظُهُور اللَّفْظ فِي الْعُمُوم عبارَة عَن تَسَاوِي نسبته إِلَى جَمِيع مَا يتَنَاوَلهُ من غير تنَاول للْبَعْض بِخُصُوصِهِ
стр. 266
(قُلْنَا لَا مجَاز أصلا لِأَنَّهُ) أَي الْمجَاز إِنَّمَا يتَحَقَّق (بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَعْنى) الَّذِي لم يوضع اللَّفْظ لَهُ (لَا بكيفية الدّلَالَة) يَعْنِي لَا يتَحَقَّق الْمجَاز بِمُجَرَّد كَون دلَالَته على الْبَعْض أظهر بِقَرِينَة وُرُوده فِيهِ من غير أَن يسْتَعْمل فِيهِ (وَقد اسْتعْمل) اللَّفْظ الْعَام (فِي الْكل) فَرده السببي وَغَيره (فَهُوَ حَقِيقَة) فِي الْعُمُوم (وَأَيْضًا نمْنَع نصوصيته) أَي اللَّفْظ الْعَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّبَب (بل تنَاوله للسبب كَغَيْرِهِ) من الْأَفْرَاد (وَإِنَّمَا يثبت بِخَارِج) عَن اللَّفْظ، وَهُوَ لُزُوم انْتِفَاء الْجَواب (الْقطع بِعَدَمِ خُرُوجه) أَي الْفَرد السببي (من الحكم وَلَا يخفى أَن الْخَارِج حِينَئِذٍ) أَي حِين كَونه سَببا للْقطع بِعَدَمِ خُرُوجه (مُحَقّق للنصوصية لِأَنَّهَا) أَي النصوصية (أبدا لَا تكون من ذَات اللَّفْظ إِلَّا إِن كَانَ) اللَّفْظ (علما إِن لم يتجوز بهَا) أَي بالأعلام، فَإِن تجوز بهَا كَغَيْرِهَا إِنَّمَا يكون نصوصيتها بِخَارِج وَالله أعلم.
الْبَحْث الرَّابِع
(الِاتِّفَاق على إِطْلَاق قَطْعِيّ الدّلَالَة على الْخَاص) وَاقع، وَيحْتَمل أَن يكون الْبَحْث الرَّابِع مُبْتَدأ خَبره الِاتِّفَاق إِلَى آخِره، لَعَلَّه لم يقل اتَّفقُوا على أَن الْخَاص قَطْعِيّ الدّلَالَة مَعَ كَونه أخص فِي المُرَاد وَأظْهر لعدم تَصْرِيح الْأَئِمَّة بذلك، وَإِنَّمَا يفهم من إطلاقاتهم (وعَلى احْتِمَاله) أَي الْخَاص (الْمجَاز) أَي تجوز بِهِ غير مَا وضع لَهُ (وَيلْزمهُ) أَي الِاتِّفَاق على احْتِمَاله الْمجَاز (الِاتِّفَاق على عدم الْقطع) الْمُتَعَلّق بِدلَالَة الْخَاص (بِنَفْي الْقَرِينَة الصارمة عَن) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) لَهُ، لِأَن الْقطع بِنَفسِهَا يسْتَلْزم الْقطع بِعَدَمِ احْتِمَال الْمجَاز لِامْتِنَاع الْمجَاز بِدُونِ الْقَرِينَة الصارفة عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (و) يلوم الِاتِّفَاق الثَّانِي، بعد اتِّفَاق الأول (أَن هَذَا الْقطع) الْمُتَعَلّق بِدلَالَة الْخَاص (لَا يُنَافِي الِاحْتِمَال مُطلقًا) كَمَا يعْتَبر فِي العقائد، بل يُنَافِي الِاحْتِمَال النَّاشِئ عَن دَلِيل كَمَا هُوَ مصطلح الْفُقَهَاء (وَاخْتلف فِي إِطْلَاقه) أَي إِطْلَاق لفظ قَطْعِيّ الدّلَالَة (على الْعَام فالأكثر) من الْفُقَهَاء والمتكلمين (على نَفْيه) أَي نفي إِطْلَاقه عَلَيْهِ (وَأكْثر الْحَنَفِيَّة) من جُمْهُور الْعِرَاقِيّين وَعَامة الْمُتَأَخِّرين، قَالُوا (نعم) يُطلق عَلَيْهِ، بل ذكر عبد القاهر الْبَغْدَادِيّ من الْمُحدثين أَنه مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀، يُقَال وَأَصْحَابه، وَقواهُ فَخر الْإِسْلَام كَذَا ذكره الشَّارِح (وَأَبُو مَنْصُور) الماتريدي (وَجَمَاعَة) وهم مَشَايِخ سَمَرْقَنْد (كالأكثر) قَالُوا لَا يُطلق عَلَيْهِ (لِكَثْرَة إِرَادَة بعضه) أَي بعض الْعَام من الْعَام عِنْد إِطْلَاقه (سَوَاء سمي) كَون بعضه مرَادا (تَخْصِيصًا اصطلاحيا أَو لَا كَثْرَة تجَاوز الْحَد وتعجز عَن الْعد حَتَّى اشْتهر) بَين الْعلمَاء قَوْلهم
стр. 267
(مَا من عَام إِلَّا وَقد خص، وَهَذَا) الْعَام يَعْنِي مَا من عَام إِلَى آخِره أَيْضا (مِمَّا خص بِنَحْوِ وَالله بِكُل شَيْء عليم) إِذْ لم يخرج من تَحت إحاطته شَيْء مِمَّا يخص، وَكَذَا ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ فِي قلَّة مِمَّا لَا يُحْصى) يَعْنِي نَحْو مَا ذكر وَاقع فِي مواد قَلِيله ممتازة من مواد كَثِيرَة لَا تعد وَلَا تحصى (وَمثله) أَي مثل وجود هَذِه الْكَثْرَة من التخصيصات فِي العمومات (يُورث الِاحْتِمَال (فِي) الْعَام (الْمعِين) أَي فِي خُصُوص كل عَام (فَيصير) كَون المُرَاد جَمِيع الْأَفْرَاد (ظنيا فَبَطل منع كَثْرَة تَخْصِيصه) كَمَا فعله صدر الشَّرِيعَة (لِأَنَّهُ) أَي تَخْصِيصه عِنْد الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يكون (بمستقل مُقَارن، وَهُوَ) أَي المستقل الْمُقَارن (قَلِيل) فَلَا كَثْرَة لتخصيص الْعَام (لأَنهم) أَي الْأَكْثَر (يمْنَعُونَ اقْتِصَاره) أَي التَّخْصِيص على المستقل الْمُقَارن، بل يتَحَقَّق بِغَيْرِهِ (وَلَو سلم) اقْتِصَاره (فالمؤثر فِي ظنيته) أَي ظنية الْعَام من حَيْثُ الدّلَالَة على الْعُمُوم (كَثْرَة إِرَادَة الْبَعْض فَقَط، لَا مَعَ اعْتِبَار تَسْمِيَته تَخْصِيصًا فِي الِاصْطِلَاح) إِذْ لَا دخل فِي التَّسْمِيَة فِي هَذَا الْمَعْنى (قَالُوا) أَي القطعيون (وضع) الْعَام (لمسمى فالقطع) حَاصِل (بلزومه) أَي الْمُسَمّى لَهُ (عِنْد الْإِطْلَاق، فَإِن قيل إِن أُرِيد) بلزومه (لُزُوم تنَاوله) أَي تنَاول لَفظه من حَيْثُ الدّلَالَة اللَّازِمَة للوضع (فَمُسلم وَلَا يُفِيد) لِأَن الْكَلَام فِي إِرَادَة الْعُمُوم من غير تَخْصِيص، والتناول بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور حَاصِل فِي صُورَة التَّخْصِيص أَيْضا (أَو) أُرِيد لُزُوم (إِرَادَته) أَي الْمُسَمّى (فَمَمْنُوع، إِذْ تَجْوِيز إِرَادَة الْبَعْض قَائِم فَيمْنَع) تجويزها (الْقطع) وَإِن كَانَ احْتِمَالا مرجوحا (قيل المُرَاد) بِالْقطعِ بِلُزُوم إِرَادَته (مَا) أَي قطع (كقطعية الْخَاص) وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال نَاشِئ عَن الدَّلِيل (لَا مَا يَنْفِي احْتِمَاله) أَي الْعَام أصلا (لتحققه) فِي الِاحْتِمَال فِي الْجُمْلَة (فِي الْخَاص مَعَ قطعيته اتِّفَاقًا، فحقيقة الْخلاف) فِي قَطْعِيَّة لعام (أَنه) أَي الْعَام (كالخاص) فِي إِفَادَة الْعلم (أَو أحط) رُتْبَة مِنْهُ فِيهَا (فَلَا يُفِيد الِاسْتِدْلَال) على قَطْعِيَّة الْعَام (بِأَنَّهُ لَو جَازَ إِرَادَة بعضه بِلَا قرينَة كَانَ) الْخطاب بِهِ (تلبيسا) للاشتباه بَين الْعُمُوم وَالْخُصُوص (وتكليفا بِغَيْر الْمَقْدُور) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الوسع الْوُقُوف على الْإِرَادَة الْبَاطِنَة (للُزُوم مثله) أَي مثل مَا ذكر من التلبيس والتكليف (فِي الْخَاص) لتحَقّق مُطلق الِاحْتِمَال وَجَوَاز إِرَادَة غير مُسَمَّاهُ مجَازًا (مَعَ أَن الْمُلَازمَة) بَين جَوَاز إِرَادَة الْبَعْض وَحُصُول التلبيس والتكليف الْمَذْكُور (مَمْنُوعَة) بِاعْتِبَار كل من الْأَمريْنِ (أما الأول) أَي منعهَا بِاعْتِبَار التلبيس فِي إِطْلَاق الْعَام (فَلِأَن الْمُدعى) وَالْمرَاد بِنَفْي الْقَرِينَة فِي قَول من يثبت احْتِمَال الْخُصُوص عِنْد إِطْلَاق الْعَام بِلَا قرينَة (خفاؤها) أَي الْقَرِينَة (لَا نَفيهَا) كَأَنَّهُ يَقُول يجوز أَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ بِهِ الْبَعْض وَنصب قرينَة خفيت علينا، وَلَا تلبيس بعد نصبها (وَأما الثَّانِي) وَهُوَ منعهَا بِاعْتِبَار التَّكْلِيف بِغَيْر
стр. 268
الْمَقْدُور (فَإِنَّمَا يلْزم) ذَلِك (لَو كلف) بِالْعَمَلِ (بالمراد) الْعَام (لكنه) لم يُكَلف بِهِ بل (بِمَا ظهر من اللَّفْظ) عِنْد الْمُجْتَهد مرَادا كَانَ فِي نفس الْأَمر أَو لَا (وَالِاسْتِدْلَال) على ظنية الْعَام (بِكَثْرَة الِاحْتِمَال فِي الْعَام، إِذْ فِيهِ) أَي فِي الْعَام (مَا فِي الْخَاص) من احْتِمَال الْمجَاز (مَعَ احْتِمَال إِرَادَة الْبَعْض مَدْفُوع) كَمَا ذكر صدر الشَّرِيعَة (بِأَن كَون حَقِيقَة لَهَا مَعْنيانِ مجازيان) (و) الْحَال أَن (لأخرى) أَي لحقيقة أُخْرَى معنى (وَاحِد لَا يحطه) أَي صَاحب الْمَعْنيين كَونه كَذَلِك (عَنهُ) أَي عَن رُتْبَة صَاحب معنى وَاحِد (لِأَن الثَّابِت فِي كل مِنْهُمَا) أَي مِمَّا لَهُ مجازان وَمَا لَهُ مجَاز وَاحِد (حَال إِطْلَاقه احْتِمَال مجَاز وَاحِد فتساويا) أَي ذُو المجازين وَذُو الْمجَاز الْوَاحِد فِي الدّلَالَة على الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ حَيْثُ لَا قرينَة للمجاز، وَفِيه مَا فِيهِ (قُلْنَا) نَحن معشر الظنيين (حِين آل) الِاخْتِلَاف بَيْننَا وَبَيْنكُم (إِلَى أَنه) أَي الْعَام (كالخاص) فِيمَا ذكر (أَو دونه فَإِنَّمَا ترجح) الْخَاص على الْعَام (بِقُوَّة احْتِمَال الْعَام إِرَادَة الْبَعْض لتِلْك الْكَثْرَة) أَي كَثْرَة إِرَادَة الْبَعْض عِنْد إِطْلَاقه (وندرة مَا فِي الْخَاص) من إِرَادَة الْمجَاز (كندرة) إِرَادَة (كتاب زيد بزيد) فِي جَاءَ زيد (فَصَارَ التَّحْقِيق أَن إِطْلَاق القطعية على) دلَالَة (الْخَاص لعدم اعْتِبَار ذَلِك الِاحْتِمَال لندرته فِيهِ (بِخِلَاف الْعَام) لما عرفت (قَوْلهم) أَي القطعيين (لَا عِبْرَة بِهِ) أَي بِاحْتِمَال التَّخْصِيص فِي الْعَام (أَيْضا إِذْ لم ينشأ) ذَلِك الِاحْتِمَال (عَن دَلِيل قُلْنَا، بل نَشأ عَنهُ) أَي عَن دَلِيل (وَهُوَ) أَي الدَّلِيل (غَلَبَة وُقُوعه) أَي التَّخْصِيص فِي الْعَام الْمُطلق (فتوجب) غَلَبَة الْوُقُوع فِي الْمُطلق (الظنية فِي) الْعَام (الْمعِين) لِأَن كَون هَذَا الْمعِين على وفْق أَكثر أَفْرَاد الْمُطلق، إِذْ لم يكن احْتِمَالا راجحا لعدم ظُهُور الْقَرِينَة، فَلَا أقل من أَن يكون احْتِمَالا مرجوحا لاحْتِمَال وجود الْقَرِينَة الْخفية على مَا سبق وَلَيْسَ فِيهِ مَا يلْحقهُ بِالْعدمِ كالندرة، (وَإِن أُرِيد) بِالدَّلِيلِ فِي: لم ينشأ عَن دَلِيل (دَلِيل إِرَادَة الْبَعْض فِي) الْعَام (الْمعِين خرج) هَذَا المُرَاد (عَن مَحل النزاع، وَهُوَ) أَي مَحَله (ظنية إِرَادَة الْكل) أَو قطعيتها (إِلَى الْقطع بِإِرَادَة الْبَعْض) مُتَعَلق بخرج، وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض، لِأَنَّهُ إِذا تحقق دَلِيل إِرَادَة الْبَعْض صَارَت قَطْعِيَّة (وَالْجَوَاب) أَي جَوَاب القطعيين عَن ظنيته (منع تَجْوِيز إِرَادَة الْبَعْض بِلَا مُخَصص مُقَارن) مُسْتَقل (لاستلزامه) أَي هَذَا التجويز (مَا سَيذكرُ فِي اشْتِرَاط مُقَارنَة الْمُخَصّص) من الْإِيقَاع فِي الْكَذِب، أَو طلب الْجَهْل الْمركب (وَمثله) أَي مثل هَذَا الْجَواب يُقَال (فِي الْخَاص) عَن ظنية نظرا إِلَى احْتِمَال الْمجَاز (وَقَوْلهمْ) أَي القطعيين (حِينَئِذٍ) أَي حِين منع تَجْوِيز إِرَادَة الْبَعْض بِلَا قرينَة لما ذكر (يحْتَمل) الْعَام (الْمجَاز) مؤول (أَي) يحْتَملهُ (من حَيْثُ) هُوَ عَام مَعَ قطع النّظر عَن عدم الْقَرِينَة (أما) الْعَام (الْوَاقِع
стр. 269
فِي الِاسْتِعْمَال) من حَيْثُ هُوَ وَاقع فِي الِاسْتِعْمَال (فَلَا يحْتَمل غَيره) أَي غير مُسَمَّاهُ (إِلَّا بِقَرِينَة تظهر) عِنْد السَّامع (فتوجب) تِلْكَ الْقَرِينَة (غَيره) أَي غير مُسَمَّاهُ (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ الْحَال فِي احْتِمَال الْعَام الْمجَاز هَذَا لتفصيل (فكون الِاتِّفَاق على عدم الْقطع نفي الْقَرِينَة) الصارفة عَن الْحَقِيقِيّ إِلَى الْمجَازِي فِي الْخَاص (مَمْنُوع، بل إِذا لم تظهر) الْقَرِينَة (قطع بنفيها) لما سَمِعت فِي الْعَام من أَن الْوَاقِع فِي الِاسْتِعْمَال لَا يحْتَمل، بل ذَلِك فِي الْخَاص أولى، وَعدم احْتِمَال فِيهِ مُسْتَلْزم للْقطع بنفيها (وثمرته) أَي ثَمَرَة الْخلاف فِي أَن الْعَام أحط رُتْبَة من الْخَاص فِي الدّلَالَة أَو مثله تظهر (فِي الْمُعَارضَة) بَينهمَا (وَوُجُوب نسخ الْمُتَأَخر مِنْهُمَا الْمُتَقَدّم) فالقائل بِكَوْن الْخَاص أقوى يقدمهُ عِنْد الْمُعَارضَة وَلم يجوز نسخ الْخَاص بِهِ، وَمن يسوى بَينهمَا لَا يقدم أَحدهمَا على الآخر عِنْد التَّعَارُض إِلَّا بمرجح، وَيجوز نسخ كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ (وَلذَا) أَي لتساويهما (نسخ طَهَارَة بَوْل الْمَأْكُول) الْمُسْتَفَاد مِمَّا عَن أنس أَن رهطا من عكل، أَو قَالَ عرينة قدمُوا فاجتووا الْمَدِينَة، فَأمر لَهُم النَّبِي ﷺ بلقاح، وَأمرهمْ أَن يشْربُوا من أبوالها وَأَلْبَانهَا مُتَّفق عَلَيْهِ، لِأَن النَّجس يحرم التَّدَاوِي بِهِ (وَهُوَ) النَّص الْمُفِيد طَهَارَته (خَاص باستنزهوا الْبَوْل) " عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ " استنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ ": رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ على شَرطهمَا وَلَا أعرف لَهُ عِلّة، وَهُوَ عَام وَهَذَا إِذا كَانَ مُتَأَخِّرًا عَن حَدِيث العرنيين كَمَا قيل (أَو رجح) حَدِيث الاستنزاه (بعد الْمُعَارضَة للِاحْتِيَاط) فِي الْعَمَل بالمحرم إِن لم يعلم تَأَخره (وَأما وجوب اعْتِقَاد الْعُمُوم فَبعد الْبَحْث) والتفحص (عَن الْمُخَصّص) إِلَى الْقطع، أَو غَلَبَة الظَّن بِعَدَمِهِ (اتِّفَاق) خبر الْمُبْتَدَأ: أَي يجب بعد مَا ذكر أَن يعْتَقد عُمُومه إِجْمَاعًا (لبعد وجوب الْعَمَل بِمَا لم يَعْتَقِدهُ) يَعْنِي أَن الْعَمَل بِالْعُمُومِ بعد ذَلِك أَمر مُقَرر، وَيبعد أَن يجب الْعَمَل بِشَيْء لم يَعْتَقِدهُ اعتقادا (مطابقا لَهُ) أَي لعلمه كَمَا أَن ذَلِك الشَّيْء تعلق بِهِ عمله بِصفة الْعُمُوم كَذَلِك يجب أَن يتَعَلَّق بِهِ اعْتِقَاده بِصفة الْعُمُوم، وَفسّر الشَّارِح قَوْله بقوله: أَي لاعْتِقَاده، وَلَا معنى لَهُ إِذْ لَا يُمكن أَن يعْتَقد الْإِنْسَان شَيْئا لَا يكون مطابقا لاعْتِقَاده (وَأما) وجوب اعْتِقَاد الْعُمُوم (قبله) أَي الْبَحْث عَن الْمُخَصّص (فَمَا تقدم) فِي مسئلة نقل الْإِجْمَاع على منع الْعَمَل بِالْعَام قبل الْبَحْث عَن الْمُخَصّص (من حمل كَلَام الصَّيْرَفِي) أَي مِمَّا حمل عَلَيْهِ كَلَامه: وَهُوَ وجوب الْعَمَل بِالْعَام قبل الْبَحْث من وجوب اعْتِقَاد الْعُمُوم قبل ظُهُور الْمُخَصّص، فَإِن ظهر تغير، وَإِلَّا اسْتمرّ بعد مَا نقل كَلَام أَمَام الْحَرَمَيْنِ فِيهِ من أَنه لَيْسَ من مبَاحث الْعُقَلَاء (يُفِيد) خبر الْمَوْصُول (أَنه كَذَلِك) أَي مثل وجوب اعْتِقَاد الْعُمُوم بِهَذَا الْبَحْث عَنهُ، وَالشَّارِح فسر قَوْله كَذَلِك بِكَوْنِهِ مُتَّفقا عَلَيْهِ أَيْضا،
стр. 270
وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مَا تقدم لَا يُفِيد إِلَّا أصل الْوُجُوب، لَا كَونه مُتَّفقا عَلَيْهِ (وَالنَّظَر يقتضى) أَن يُقَال (إِذا توقف وجوب الْعَمَل على الْبَحْث توقف اعْتِقَاده) أَي الْعُمُوم على الْبَحْث، لِأَنَّهُ كَمَا لَا يُطَالب بِالْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بِمَعْلُوم، كَذَلِك لَا يُطَالب بالاعتقاد لما لَيْسَ بِمَعْلُوم، إِذْ كل مِنْهُمَا تَكْلِيف بِمَا لَيْسَ فِي الوسع، وَزعم الشَّارِح أَن ظَاهر كَلَام مَشَايِخنَا يُوَافق مَا حمل عَلَيْهِ كَلَام الصَّيْرَفِي، وَالْوَجْه مَا ذكر المُصَنّف فَيجب حمل كَلَامهم عَلَيْهِ (وَقَول مُحَمَّد) ﵀ فِي الزِّيَادَات (فِيمَن أوصى بِخَاتم لإِنْسَان ثمَّ) أوصى مَفْصُولًا (بفصه لآخران الفص بَينهمَا) وَالْحَلقَة للْأولِ خَاصَّة (من بَاب الْخَاص لَا الْعَام) لِأَن الْمُعْتَبر إِمَّا لخاتمي أَو هَذَا الْخَاتم أَو تَجْوِيز الفص مِنْهُ كجزء من الْإِنْسَان، فَلَا شكّ أَن الْإِنْسَان لَا يكون عَاما بِاعْتِبَار أَجْزَائِهِ، فَكَذَا الْخَاتم (غير أَنه) أَي الْخَاتم (نَظِير) للعام فِي أَنه يَشْمَل الفص كشمول الْعَام مَا يتَنَاوَلهُ فَأطلق عَلَيْهِ توسعا (وَخَالفهُ) أَي مُحَمَّدًا (أَبُو يُوسُف) رحمهمَا الله (فَجعله) أَي الفص (للثَّانِي) كَمَا فِي الْهِدَايَة والإيضاح والمنظومة وغالب شُرُوح الزِّيَادَات وَظَاهر التَّقْوِيم وأصول فَخر الْإِسْلَام: أَن قَول مُحَمَّد قَول الْكل فَيحمل على أَن لأبي يُوسُف فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا خلاف فِي أَن الْحلقَة للْأولِ والفص للثَّانِي إِذا كَانَ مَوْصُولا، وَجه مَا عَن أبي يُوسُف أَن الْوَصِيّ لَا يلْزمه شَيْء فِي الْحَيَاة، وَالْكَلَام الثَّانِي بَيَان المُرَاد من الأول، فالموصول والمفصول فِيهِ سَوَاء كَمَا فِي الْوَصِيَّة بِالرَّقَبَةِ لإِنْسَان والخدمة أَو الْغلَّة لآخر، وَوجه الظَّاهِر أَن اسْم الْخَاتم يتناولهما مَعًا لِأَنَّهُ مركب مِنْهُمَا، فَالْكَلَام الثَّانِي تَخْصِيص: وَهُوَ إِنَّمَا يَصح مَوْصُولا، وَإِذا كَانَ مَفْصُولًا لَا يُعَارض الأول، وهما سيان فِي إِيجَاب الحكم فثبتت الْمُسَاوَاة بَينهمَا، وَلَيْسَ الثَّانِي رُجُوعا عَن الأول، لِأَن اللَّفْظ لَا يُنبئ عَنهُ فَصَارَ كَمَا لَو أوصى بِمعين لإِنْسَان، ثمَّ أوصى بِهِ لآخر
الْبَحْث الْخَامِس
(يرد على الْعَام التَّخْصِيص، فَأكْثر الْحَنَفِيَّة) عِنْدهم التَّخْصِيص (بَيَان أَنه) أَي الْعَام (أُرِيد بعضه بمستقل) وَهُوَ مَا كَانَ مُبْتَدأ بِنَفسِهِ غير مُتَعَلق بصدر الْكَلَام، احْتَرز بِهِ عَن نَحْو الِاسْتِثْنَاء وَالصّفة (مُقَارن: أَي مَوْصُول) بِالْعَام: أَي مَذْكُور عقبه، فسره بِهِ لِئَلَّا يتَوَهَّم إِرَادَة الْمَعِيَّة من الْمُقَارنَة فَإِن قلت هَذَا غير مُتَصَوّر قُلْنَا يتَصَوَّر فِي فعله ﷺ مَعَ قَوْله، وَإِنَّمَا اشْترط الْمُقَارنَة (فِي) الْمُخَصّص (الأول، فَإِن تراخي) الْبَيَان الْمَذْكُور عَن الْعَام (فناسخ لَا) فِي الْمُخَصّص (الثَّانِي) وَمَا بعده (وَالْوَجْه أَن الثَّانِي) إِذا ترَاخى فَهُوَ (نَاسخ
стр. 271
أَيْضا) فالمقارنة شَرط فِيهِ أَيْضا (إِلَّا الْقيَاس) اسْتثِْنَاء من قَوْله: فَإِن تراخي فناسخ فَإِنَّهُ بَيَان لَا يتَصَوَّر ناسخيته وَإِن تراخي بِحَسب الظَّاهِر (إِذْ لَا يتَصَوَّر تراخيه) بِحَسب الْحَقِيقَة وَبِاعْتِبَار وضع الشَّارِع لعُمُوم علته الْمَوْجُودَة فِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ للمقيس الْمُوجبَة لمشاركته الْمَقِيس عَلَيْهِ فِي الحكم وَإِن خَفِي ذَلِك قبل الِاجْتِهَاد، فعلى مَا ذكر يجوز التَّخْصِيص بالمخصص الثَّانِي الْمُتَأَخر وَلَا نسخ، وعَلى مَا ذكر المُصَنّف بحثا لَا يجوز لِأَنَّهُ نَاسخ (وَصرح الْمُحَقِّقُونَ بِأَن تفرع عدم جَوَاز ذكر بعض) من المخصصات (دون بعض على منع تَأْخِير تَخْصِيص الْمُخَصّص ضَرُورِيّ) فَإِن عِلّة منع تَأَخره لُزُوم النّسخ، فَتبين مِنْهُ إِذا كَانَ للعام عدَّة مخصصات وَجب ذكر الْكل وَلم يجز ذكر بَعْضهَا دون بعض فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يذكر الْمَتْرُوك ثَانِيًا مَفْصُولًا فَيلْزم النّسخ، وَهَذَا يدل على مَا ذكره المُصَنّف من أَن تراخي الْمُخَصّص الثَّانِي أَيْضا يُوجب النّسخ كَمَا لَا يخفى (أَو جهل) تراخيه كَمَا جهل مقارنته مَعْطُوف على قَوْله تراخي (فَحكم التَّعَارُض) يجْرِي بَين الْعَام وَمَا جهل تراخيه فِي الْقدر الَّذِي اخْتلف فِيهِ الحكم (كترجيح الْمَانِع) مِنْهُمَا: أَي الْمحرم على الْمُبِيح (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتأت التَّرْجِيح فَالْحكم (الْوَقْف) كَمَا فِي البديع، أَو التساقط كَمَا فِي أصُول ابْن الْحَاجِب، وحاصلهما وَاحِد (وَوَجَب نسخ الْخَاص بِالْعَام الْمُتَأَخر عَنهُ) كقلبه، وَبِه قَالَ القَاضِي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَفِي البديع جعل هَذَا قَول الْعِرَاقِيّين من الْحَنَفِيَّة، ثمَّ قَالَ وَالشَّافِعِيّ وَالْقَاضِي أَبُو زيد وَجمع من مَشَايِخنَا الْخَاص مُبين مُطلقًا: يَعْنِي سَوَاء كَانَ الْخَاص مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا، أَو مَجْهُولا، أَو وردا مَعًا (وَالشَّافِعِيَّة) قَالَ الشَّارِح: أَي أَكْثَرهم (وَبَعض الْحَنَفِيَّة) قَالُوا: التَّخْصِيص (قصر الْعَام على بعض مُسَمَّاهُ، وَقيل) على بعض (مسمياته) كَمَا فِي أصُول ابْن الْحَاجِب والبديع بِنَاء (على إِرَادَة أَجزَاء مُسَمَّاهُ) تَنْزِيلا لأجزائه منزلَة مسميات لَهُ، إِذْ لَا مسميات للفظ الْوَاحِد غير أَن مَا يتَنَاوَلهُ الْعَام الْمُسْتَغْرق لما يصلح لَهُ أَجزَاء لَهُ (وَهُوَ) أَي كَون المُرَاد هَذَا (يُحَقّق مَا أسلفناه) فِي الْكَلَام على تَعْرِيف الْعَام من (أَن دلَالَته) أَي الْعَام (على الْأَفْرَاد تضمنية أَو) على إِرَادَة (الْآحَاد الْمُشْتَركَة فِي الْمُشْتَرك) بِكَسْر الرَّاء فِي الأول وَفتحهَا فِي الثَّانِي، وَهُوَ الْمَعْنى الْكُلِّي الَّذِي يصدق على الآخر كل وَاحِد من تِلْكَ الْآحَاد، وَهِي جزئيات لَهُ كَمَا مَشى عَلَيْهِ الْفَاضِل الْأَبْهَرِيّ (وَإِضَافَة المسميات إِلَيْهِ) أَي الْعَام (حِينَئِذٍ) أَي حِين يكون المُرَاد هَذَا (بِعُمُوم نسبته) لِأَن الْمُتَبَادر من الْإِضَافَة الْمَذْكُورَة أَن تكون مسميات اللَّفْظ الْعَام، وَلَا يَصح ذَلِك لِأَن أَفْرَاد الْكُلِّي لَا يكون مسميات اللَّفْظ الْمَوْضُوع لَهُ فَلَا بُد من صرفهَا عَن تِلْكَ النِّسْبَة الْخَاصَّة إِلَى نِسْبَة عَامَّة، وَهِي مُلَاحظَة كَونهَا مسميات فِي الْجُمْلَة لَا بِالنّظرِ إِلَى لفظ الْعَام، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِنَّهَا) أَي تِلْكَ الْآحَاد (مسميات فِي نفس الْأَمر) لأساميها
стр. 272
(لَا بِهِ) أَي لَيْسَ بمسميات بِلَفْظ الْعَام، وَهَذَا التَّعْرِيف يصدق على الْقصر الْكَائِن فِي الْعَام المُرَاد بِهِ الْخُصُوص ابْتِدَاء: وَهُوَ لَيْسَ بِمُرَاد عُمُومه لَا حكما وَلَا تناولا، والمخصوص من عُمُومه مُرَاد تناولا حكما (وَيكون) التَّخْصِيص (بمستقل كالعقل والسمعي الْمُنْفَصِل، ومتصل) مَعْطُوف على مُسْتَقل (وَالْعَام فِيهِ) أَي فِي تَعْرِيف التَّخْصِيص (حَقِيقَة لِأَنَّهُ) أَي التَّخْصِيص (حكم على الْمُسْتَغْرق) بِأَنَّهُ أُرِيد مِنْهُ الْبَعْض، تَعْرِيض بِنَفْي مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن المُرَاد بِهِ مَا هُوَ عَام على تَقْدِير عدم الْمُخَصّص فَإِن قلت أَنكُمْ اعتبرتم الْمُقَارنَة فِي الْمُخَصّص، فَلَا يُمكن إِرَادَة الِاسْتِغْرَاق لما يصلح لَهُ مَعَ وجود مَا يدل على خُرُوج الْبَعْض قلت عَام بِحَسب التَّنَاوُل وَمُقْتَضى الْوَضع فَقبل بَيَان إِرَادَة الْبَعْض يفهم مِنْهُ إِرَادَة الْكل، وَقد عرفت أَن المُرَاد من الْمُقَارنَة أَن يكون مَوْصُولا بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ اسْتعْمل فِي الْعُمُوم من غير أَن يحكم عَلَيْهِ من حَيْثُ الْعُمُوم كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله حكم على الْمُسْتَغْرق فَتدبر (فمخرج الْبَعْض مُطلقًا) سَوَاء كَانَ مُتَّصِلا أَو لَا، من عقل أَو حس، أَو لفظ، أَو عَادَة (مُخَصص) على هَذَا الِاصْطِلَاح (وَيُقَال) التَّخْصِيص (لقصر اللَّفْظ مُطلقًا) أَي عَاما كَانَ أَو غَيره (على بعض مُسَمَّاهُ) فتحقق فِي خَاص مُسْتَعْمل فِي بعض أَجزَاء مُسَمَّاهُ (وَلَا يخفى مَا فِي) لفظ (قصر) من الْقُصُور فِي أَدَاء الْمَقْصُود (إِذْ لَا ينفى النّسخ) فِيمَا إِذا نسخ بعض مَا يتَنَاوَلهُ الْعَام، وَالْمرَاد بِعَدَمِ نَفْيه إِيَّاه عدم إِخْرَاجه عَن التَّعْرِيف وَأجَاب الْأَبْهَرِيّ بِمَنْع وُرُوده لِأَن الْعَام إِذا ورد عَلَيْهِ النّسخ فِي الْبَعْض لم يكن مَقْصُورا على بعض مسمياته حِين أطلق، بل أُرِيد بِهِ الْكل أَولا، ثمَّ رفع الْبَعْض أَو انْتهى حكمه، بِخِلَاف التَّخْصِيص، فَإِنَّهُ لم يرد بِالْعَام حِين أطلق إِلَّا الْبَعْض، أما بِحَسب الحكم كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاء، وَأما بِحَسب الذَّات كَمَا فِي غَيره انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن قَوْله أُرِيد بِهِ الْكل أَولا، ثمَّ رفع اعْتِرَاف بورود النَّقْض بِاعْتِبَار الْحَالة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ بعد نسخ لفظ مَقْصُور على بعض أَفْرَاد مُسَمَّاهُ، لِأَنَّهُ بعد ذَلِك لم يبْق ذَلِك الْبَعْض مرَادا من الْعَام فَتَأمل (وَمنعه) أَي التَّخْصِيص (شذوذ بِالْعقلِ لِأَنَّهُ) أَي التَّخْصِيص بِالْعقلِ (لَو صَحَّ صحت إِرَادَته) أَي إِرَادَة مَا قضى الْعقل بِإِخْرَاجِهِ من الْعَام، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ، أما الْمُلَازمَة فَلِأَن الْخَارِج بِالْعقلِ من مسمياته، وَأما الانتفاء فَلِأَنَّهُ لَا يَصح لعاقل إِرَادَة مَا يُخَالف الْعقل (ولكان) التَّخْصِيص بِالْعقلِ (مُتَأَخِّرًا) عَن الْعَام ضَرُورَة تَأْخِير الْبَيَان عَن الْمُبين (وَالْعقل مُتَقَدم) والتخصيص بِهِ فِي رتبته (ولصح نسخه) أَي كَون الْعقل نَاسِخا، لِأَنَّهُ بَيَان والنسخ قسم من الْبَيَان (أُجِيب بِمَنْع الْمُلَازمَة) فِي الأول (بل اللَّازِم) فِي الأول (دلَالَته) أَي لَا نسلم أَنه لَو صَحَّ التَّخْصِيص بِالْعقلِ صَحَّ أَن يُرَاد
стр. 273
مَا أخرجه الْعقل، فَإِن التَّخْصِيص فرع الْعُمُوم، والعموم دلَالَة اللَّفْظ على الِاسْتِغْرَاق، لَا فرع صِحَة إِرَادَة الِاسْتِغْرَاق (وَهِي) أَي الدّلَالَة الْمَذْكُورَة (ثَابِتَة بعد الْإِخْرَاج) فضلا عَمَّا قبله فَإِن الدّلَالَة على مَا وضع لَهُ اللَّفْظ من لَوَازِم الْوَضع، والإخراج لَا ينفى الْوَضع (و) فِي الثَّانِي اللَّازِم (تَأَخّر بَيَانه) أَي بَيَان الْعقل (لَا ذَاته) أَي لَا تَأَخّر الْعقل نَفسه، وَبَيَانه مُتَأَخّر عَن الْعَام (و) فِي الثَّالِث عدم لُزُوم صِحَة النّسخ من صِحَة التَّخْصِيص (لعجز الْعقل عَن دَرك الْمدَّة الْمقدرَة للْحكم) فالعقل يصلح مُخَصّصا لعدم عَجزه عَن معرفَة عدم صَلَاحِية مَا يُخرجهُ الحكم الْمَنْسُوب إِلَى الْعَام، وَلَا يصلح نَاسِخا لعَجزه عَمَّا ذكره والنسخ لَا يتَحَقَّق بِدُونِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا تلازم بَين الصلاحيتين، وَمَا ذكره سَنَد لمنع الْمُلَازمَة (وَأجِيب عَن الأول أَيْضا بِأَن التَّخْصِيص للمفرد، وَهُوَ كل شَيْء) مثلا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿خَالق كل شَيْء﴾ -، (وَيصِح إِرَادَة الْجَمِيع) أَي جَمِيع مَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ شَيْء (بِهِ) أَي بِكُل شَيْء، وَلَا مَحْذُور إِذا قطع النّظر عَن نِسْبَة الْخلق إِلَيْهِ (إِلَّا أَنه إِذا وَقع) كل شَيْء (فِي التَّرْكِيب، وَنسب إِلَيْهِ مَا يمْتَنع) نسبته (إِلَى الْكل) أَي إِلَى كل أَفْرَاده (منعهَا) أَي منع الْعقل إِرَادَته (وَهُوَ معنى تَخْصِيص الْعقل، وَدفع) الأول (أَيْضا) كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (بِأَن التَّحْقِيق صِحَّتهَا) أَي إِرَادَة الْكل (فِي التَّرْكِيب أَيْضا لُغَة غير أَنه يكذب) أَي يصير التَّرْكِيب كَاذِبًا حِينَئِذٍ لعدم مطابقته الْوَاقِع (وَهُوَ) أَي وَكذبه (غَيرهَا) أَي غير صِحَة الْإِرَادَة لُغَة (وَلَا يخفى أَن المُرَاد) من تَخْصِيص الْعقل (حكم الْعقل بِإِرَادَة الْبَعْض لامتناعه) أَي الحكم (فِي الْكل فِي نفس الْأَمر مِمَّن يمْتَنع عَلَيْهِ الْكَذِب) فَلم يَصح إِرَادَة الْكل فِي التَّرْكِيب لُغَة أَيْضا لِامْتِنَاع الحكم، لِأَن أصل اللُّغَة أَيْضا من حَيْثُ أَنه عَاقل مُمْتَنع أَن يقْصد مَا يحيله الْعقل، وَلقَائِل أَن يَقُول مَقْصُود الْمُحَقق صِحَّتهَا فِي التَّرْكِيب لُغَة فِي الْجُمْلَة بِالنّظرِ إِلَى نفس الْكَلَام من غير مُلَاحظَة حَال الْمُتَكَلّم وَغَيره فِيمَا إِذا لم يكن اسْتِحَالَة النِّسْبَة إِلَى الْكل بديهيا كَمَا إِذا قيل كل مفهومين يَجْتَمِعَانِ حَتَّى النقيضين، ويكفيه هَذَا الْمِقْدَار، لِأَن الْمُسْتَدلّ يدعى السَّلب الْكُلِّي، فالإيجاب الجزئي يصلح سندا لمنع بطلَان الثَّانِي، وَهُوَ انْتِفَاء صِحَة إِرَادَة مَا قضى الْعقل بِإِخْرَاجِهِ مُطلقًا فَتدبر. (قَالُوا) أَي المانعون من التَّخْصِيص بِالْعقلِ (تَعَارضا) أَي الْعَام، وَالْعقل (فتساقطا) احْتِرَازًا عَن التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح (أَو يقدم الْعَام، لِأَن أَدِلَّة الْأَحْكَام النَّقْل لَا الْعقل قُلْنَا فِي إِبْطَاله) أَي الْعقل (إِبْطَاله) أَي النَّقْل (لِأَن دلَالَته) أَي النَّقْل (فرع حكمه) أَي الْعقل (بهَا) أَي بدلالته (فَإِذا حكم) الْعقل (بِأَنَّهَا) أَي دلَالَته (على وَجه كَذَا) كالخصوص هُنَا (لزم) حكمه وَهُوَ الْمَطْلُوب (وَأَيْضًا يجب تَأْوِيل
стр. 274
الْمُحْتَمل) إِذا عَارضه مَا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل (وَهُوَ) أَي الْمُحْتَمل هُنَا (النَّقْل) لِأَنَّهُ يحْتَمل غير ظَاهره، وَهُوَ الْخُصُوص، بِخِلَاف الْعقل فَإِنَّهُ قَاطع فَتعين تَأْوِيل النَّقْل بالتخصيص، وَذكر السُّبْكِيّ أَنه لَا نزاع فِي أَن مَا يُسمى مُخْتَصًّا بِالْعقلِ خَارج، وَإِنَّمَا النزاع فِي أَن اللَّفْظ هَل يَشْمَلهُ، فَمن قَالَ يَشْمَلهُ سَمَّاهُ تَخْصِيصًا، وَمن قَالَ لَا كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام الشَّافِعِي ﵀ لَا يُسَمِّيه تَخْصِيصًا وَدَعوى الْغَزالِيّ الْإِجْمَاع على أَن الْعقل مُخَصص مَحْمُول على أَن مَا يُسمى مُخَصّصا خَارج (و) منع التَّخْصِيص قوم (آخَرُونَ مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ بِالْعقلِ أَو غَيره (لِأَنَّهُ) أَي التَّخْصِيص (كذب) إِشَارَة إِلَى مَا ذكرنَا فِي نفي الْمجَاز فِي الْكتاب وَالسّنة من أَنه كذب، لِأَنَّهُ يصدق نفي رُؤْيَة حَقِيقَة الْحَيَوَان المفترس فِي قَوْلك: رَأَيْت أسدا، فَيكون إِثْبَاتهَا كذبا، وَكَذَلِكَ هَهُنَا يصدق نفي رُؤْيَة حَقِيقَة التَّخْصِيص نظرا إِلَى مَا أَفَادَهُ الْعَام: أَي الِاسْتِغْرَاق، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا ذكر فِي الْجَواب ثمَّة من أَن الْكَذِب إِنَّمَا يلْزم إِذا أُرِيد رُؤْيَة حَقِيقَة لفظ الْأسد، لَا الرجل الشجاع بقوله (قُلْنَا يصدق) التَّخْصِيص إِذا كَانَ الْعَام (مجَازًا) وَمعنى قَوْله كذب أَنه مُسْتَلْزم للكذب الْعَام الْمُفِيد للاستغراق (قيل) الْقَائِل الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (يُزَاد) فِي الدَّلِيل بعد قَوْله كذب (أَو بداء) بِالدَّال الْمُهْملَة وَالْمدّ، وَهُوَ ظُهُور الْمصلحَة بعد خفائها ليشْمل الْإِنْشَاء (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد (خص) الِامْتِنَاع (الْخَبَر) لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَذِب (وَلَيْسَ) الْأَمر كَذَلِك (لَكِن صرح بِأَن الْخلاف لَيْسَ إِلَّا فِي الْخَبَر) والمصرح الْآمِدِيّ وَغَيره (وَاعْترض أَبُو إِسْحَاق). قَالَ الشَّارِح: وَالظَّاهِر أَنه الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِي الْمَشْهُور، والاعتراض الْمَنْع، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الطَّرِيق إِذا اعْترض فِيهِ بِنَاء أَو غَيره منع السابلة من سلوكه كَذَا فِي الْقَامُوس، وَلذَا تعدى إِلَى (من أوهم كَلَامه أَنه) أَي الْخلاف (فِي الْأَمر أَيْضا) وَإِذا لم يكن الْخلاف إِلَّا فِي الْخَبَر، فَذكر الْكَذِب كَاف فِي الِاسْتِدْلَال (والقاطع فِيهَا) أَي فِي هَذِه المسئلة (الله خَالق كل شَيْء، وَهُوَ على كل شَيْء قدير) للْقطع بِأَن ذَاته تَعَالَى، وتقدس منزه عَن المخلوقية والمقدورية، وَكَذَلِكَ الممتنعات كاجتماع النقيضين، فالتخصيص مَقْطُوع بِهِ، وَقد مر أَن الْمُتَكَلّم يدْخل فِي عُمُوم خطابه إِذا كَانَ من أَفْرَاد الْعَام (وَلنَا فِي) منع (التَّرَاخِي أَن إِطْلَاقه) أَي الْعَام (بِلَا مخرج إِفَادَة إِرَادَة الْكل) أَي مُفِيد إِرَادَته على الْإِسْنَاد الْمجَازِي، أَو الْمجَاز فِي الظّرْف (فَمَعَ عدمهَا) أَي عدم إِرَادَة الْكل فِي نفس الْأَمر (يلْزم أَخْبَار الشَّارِع) فِي الْخَبَر (وإفادته) الْإِنْشَاء لثُبُوت (مَا لَيْسَ بِثَابِت) صلَة الإفادة، وصلَة الْأَخْبَار مَحْذُوف يفسره الْمَذْكُور (وَذَلِكَ كذب) فِي الْخَبَر (وَطلب للْجَهْل الْمركب من
стр. 275
الْمُكَلّفين) فِي الْإِنْشَاء: أما الْكَذِب فِي الاخبار فَظَاهر، وَأما طلب الْجَهْل الْمركب فِي الْإِنْشَاء فَلِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم أَن يعتقدوا عُمُوم ذَلِك الْمُكَلف بِهِ من حَيْثُ أَنه يتَعَلَّق بِهِ حكم الله، وَهُوَ غير وَاقع فِي نفس الْأَمر، فالجهل بِاعْتِبَار عدم علمهمْ لما هُوَ مَطْلُوب فِي نفس الْأَمر، وَهُوَ الْمَخْصُوص وَأما التَّرْكِيب فالاعتقاد مَا هُوَ خلاف نفس الْأَمر (وَهَذَا) الدَّلِيل بِعَيْنِه (يجْرِي فِي الْمُخَصّص الثَّانِي) وهلم جرا (كَالْأولِ، وَمُقْتَضى هَذَا) الدَّلِيل (وجوب وصل أحد الْأَمريْنِ) بِالْعَام (من) الْبَيَان (الإجمالي كَقَوْل أبي الْحُسَيْن، أَو التفصيلي، ثمَّ يتَأَخَّر) الْبَيَان التفصيلي (فِي) الْمُخَصّص (الأول) أَي الإجمالي إِذا وَقع (إِلَى) وَقت (الْحَاجة) إِلَيْهِ لتمكن الْإِمْسَاك (بعده) أَي الْبَيَان الإجمالي (لِأَنَّهُ) أَي الْبَيَان التفصيلي (حِينَئِذٍ) أَي حِين الإجمالي مَوْصُولا بِالْعَام (بَيَان الْمُجْمل) وَهُوَ جَائِز التَّأَخُّر إِلَى وَقت الْحَاجة إِلَى الْفِعْل كَمَا هُوَ الْمُخْتَار (وَلَا يبعد إرادتهموه) بإشباع ضم الْمِيم لإلحاق الضَّمِير الْمَنْصُوب الْمُتَّصِل: أَي إِرَادَة الْحَنَفِيَّة وجوب وصل أحد الْأَمريْنِ من الْبَيَان الإجمالي، والتفصيلي بِالْعَام باشتراطهم مُقَارنَة الْمُخَصّص الأول للعام (كَهَذا الْعَام مرَادا بعضه) تَصْوِير للمخصص الإجمالي (وَبِه) أَي بِلُزُوم وصل أحد الْأَمريْنِ (تَنْتفِي اللوازم الْبَاطِلَة) من الْكَذِب وَطلب الْجَهْل الْمركب على تَقْدِير تراخي الْمُخَصّص مُطلقًا (وإلزام الْآمِدِيّ) وَغَيره الْحَنَفِيَّة بِنَاء على امْتنَاع تَأَخّر الْمُخَصّص (امْتنَاع تَأْخِير النّسخ بِجَامِع الْجَهْل بالمراد) من الْعَام قبل الْعلم بالمخصص وبدء الْمَنْسُوخ قبل الْعلم بالناسخ، وَلَا يمْتَنع تَأَخّر النّسخ اتِّفَاقًا (لَيْسَ) أَي إِلْزَامه (لَازِما، لِأَن) الْجَهْل (الْبَسِيط غير مَذْمُوم على) الْإِطْلَاق (وَلذَا طلب) الْبَسِيط (عندنَا فِي الْمُتَشَابه) فَقُلْنَا يجب اعْتِقَاد حَقِيقَته إِجْمَالا، وَترك طلب تَأْوِيله كَمَا قرر فِي مَوْضِعه (بِخِلَاف) الْجَهْل (الْمركب) فَإِنَّهُ مَذْمُوم مُطلقًا، وَاللَّازِم فِي تَأْخِير بَيَان التَّخْصِيص طلب الْجَهْل الْمركب فَافْتَرقَا (وللتمكن من الْعَمَل المطابق) لما فِي نفس الْأَمر بالمنسوخ فِي تَأْخِير النّسخ (إِلَى سَماع النَّاسِخ) بِخِلَاف تَأْخِير الْمُخَصّص فَإِنَّهُ لَا يتَمَكَّن أَن يعْمل بِالْعَام من غير الْعلم المُرَاد مِنْهُ (وَقَوْلهمْ) أَي المجوزون للتراخي كالشافعية لَا يلْزم من إِطْلَاق الْعَام بِلَا مخرج إِفَادَة إِرَادَة وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ على مَا مر (بل) إِنَّمَا يُطلق (لتفهيم إِرَادَة الْعُمُوم) حَالَة كَونه مُشْتَمِلًا (على احْتِمَال الْخُصُوص أَن أُرِيد الْمَجْمُوع) من فهم إِرَادَة الْعُمُوم مَعَ تَجْوِيز التَّخْصِيص (معنى الصِّيغَة) أَي صِيغَة الْعَام، الْقَائِم مقَام فَاعل أُرِيد الْجُمْلَة بِاعْتِبَار مضمونها أَو لفظ الْمَجْمُوع، وَمعنى الصِّيغَة حَال عَنهُ (فَبَاطِل) لِأَن الصِّيغَة لم تُوضَع للمجموع قطعا (أَو) أُرِيد (هُوَ) أَي معنى الصِّيغَة (الأول) أَي كالعموم (وَالِاحْتِمَال ب) ثَابت (خَارج) أَي بِقَرِينَة خارجية، نَحْو كَثْرَة تَخْصِيص العمومات
стр. 276
(لزم) ذَلِك الْخَارِج وجود الْعَام فِي الْخَارِج (وَإِن لم يلْزم تعقله) أَي الْعَام (لَا يُفِيد. وَفِي نُسْخَة الشَّارِح لزم أَن تعينه: أَي هَذَا الِاحْتِمَال قرينَة لَازِمَة وَإِن لم يلْزم تعقله، وَقَوله لزم إِلَى آخِره جَزَاء الشَّرْط على ثَانِي شقي الترديد (ولزومها) فِي ذَلِك الْخَارِج (مَمْنُوع) لَا دَلِيل عَلَيْهِ (إِلَّا إِن كَانَ) أَي تحقق وَثَبت وَالْأَظْهَر أَن الْمَعْنى إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك الْخَارِج (مَا تقدم من غَلَبَة التَّخْصِيص) ومجاوزة الْحَد (فِي بحث القطعية) أَي قَطْعِيَّة دلَالَة الْعَام فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يحصل لَهُ دَلِيل (وعملت) مِمَّا تقدم (أَنَّهَا إِنَّمَا تفِيد) عدم الْقطع بِسَبَبِهِ احْتِمَال التَّخْصِيص (فِي الْعَام فِي الْجُمْلَة) وَقد سبق أَن قَوْلهم أَن الْعَام يحْتَمل الْمجَاز مَعْنَاهُ أَن الْعَام من حَيْثُ هُوَ عَام من قطع النّظر عَن عدم الْقَرِينَة يحْتَملهُ، وَأما إِذا علم عدمهَا فِي الْعَام الْمعِين فَلَا يحْتَملهُ التَّخْصِيص مجَازًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا فِي خُصُوص) الْعَام (الْمُسْتَعْمل) فَإِنَّهُ إِذا كَانَ مَقْرُونا بِالْقَرِينَةِ الصارفة عَن الْحَقِيقَة تعين الْمجَاز وَإِن لم يكن هُنَاكَ قرينَة، كَذَا تعين الْحَقِيقَة فَلَا يحْتَمل التَّخْصِيص وَلَا الْمجَاز (قَالُوا) أَي المجيزون للتراخي (وَقع) التَّرَاخِي (فَإِن وَأولَات الْأَحْمَال) أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ (خص بِهِ) عُمُوم قَوْله تَعَالَى - ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ -، فَإِنَّهُ يعم أولات الْأَحْمَال وَغَيره، فأولات الْأَحْمَال مَعَ كَونه مُتَأَخِّرًا خصصه، وَبَين أَن المُرَاد بِهِ غير أولات الْأَحْمَال (قُلْنَا الأولى) وَهِي أولات الْأَحْمَال (مُتَأَخِّرَة) فِي النُّزُول عَن الثَّانِيَة (لقَوْل ابْن مَسْعُود من شَاءَ باهلته أَن سُورَة النِّسَاء) يُرِيد سُورَة الطَّلَاق (الْقصرى) نزلت (بعدالتي فِي سُورَة الْبَقَرَة) ذكره مُحَمَّد فِي الأَصْل، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من شَاءَ لَاعَنته لأنزلت سُورَة النِّسَاء الْقصرى بعد أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَفِي البُخَارِيّ مَا يُفِيد هَذَا (فَيكون) مَا فِي الْقصرى (نسخا) لما فِي الْبَقَرَة لَا تَخْصِيصًا، وَفِي البُخَارِيّ عَن عُثْمَان ﵁ مَا يُقرر النّسخ الْمَذْكُور (وَكَذَا وَالْمُحصنَات من الَّذين) أُوتُوا الْكتاب (بعد وَلَا تنْكِحُوا المشركات) كَمَا ذكره جمَاعَة من الْمُفَسّرين فإخراج الكتابيات نسخ، وَهَذَا يدل على كَون أهل الْكتاب من الْمُشْركين، وتأويله أَن يُقَال أَن مِنْهُم من قَالَ ثَالِث ثَلَاثَة، وَنَحْو هَذَا، أَو يُقَال المُرَاد من الْمُشرك الْكَافِر، وَفِيه مَا فِيهِ (وَكَذَا جعل السَّلب للْقَاتِل مُطلقًا) أَي سَوَاء نفله الإِمَام أم لَا إِذا كَانَ الْقَاتِل من أهل السهْم كَمَا هُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد (أَو بِرَأْي الإِمَام) كَمَا هُوَ قَول أَصْحَابنَا وَمَالك، وسلب الْمَقْتُول ثِيَابه وسلاحه، ومركبه بِمَا عَلَيْهِ من الْآلَة وَمَا مَعَه من مَال (بعد) قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء (فَأن لله خمسه﴾﴾ - الْآيَة، فَيكون اخْتِصَاص الْقَاتِل بالسلب نسخا (وكل متراخ) مخرج لبَعض الْعَام السَّابِق يكون نَاسِخا لذَلِك الْبَعْض لَا مُخْتَصًّا (قَالُوا) أَيْضا، قَالَ تَعَالَى لنوح - ﴿فاسلك فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ - (وَأهْلك
стр. 277
وتراخى إِخْرَاج ابْنه) كنعان بقوله - ﴿يَا نوح إِنَّه لَيْسَ من أهلك﴾ (قُلْنَا هُوَ) أَي تراخي إِخْرَاج ابْنه تراخي (بَيَان الْمُجْمل) لَا تراخي مُخَصص الْعَام (لِأَنَّهُ) أَي لفظ الْأَهْل (شاع فِي النّسَب وَغَيره كَالزَّوْجَةِ، والأتباع الموافقين) قَالَ تَعَالَى - ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الْأَجَل وَسَار بأَهْله﴾ - الْآيَة (وَبَين تَعَالَى بقوله - ﴿لَيْسَ من أهلك﴾ - إِرَادَته أحد المفهومين: وَهُوَ المتبعون، أَو هُوَ) أَي هَذَا الْبَيَان الْمُتَأَخر (لاستثناء مَجْهُول مِنْهُ) أَي من عُمُوم أهلك، وَهُوَ (إِلَّا من سبق عَلَيْهِ) القَوْل مِنْهُم، فَهُوَ بَيَان مُجمل، وعَلى اصْطِلَاح أَكثر الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَفِيَّة من بَيَان بعض المُرَاد بالتخصيص الإجمالي للْعُمُوم (وَقَوله) أَي قَول نوح ﵇ (إِن ابْني من أَهلِي لظن إيمَانه عِنْد مُشَاهدَة الْآيَة) أَي طغيان المَاء وغزارة فيضة من السَّمَاء وَالْأَرْض، أَو ظن إيمَانه مُطلقًا، لِأَنَّهُ لم يعلم كفره، لِأَنَّهُ كَانَ من الْمُنَافِقين على مَا قيل، ويناسبه - ﴿فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ - وَهَذَا على تَقْدِير فهم إِرَادَة المتبعين من الْأَهْل (أَو ظن إِرَادَة النّسَب) بالأهل (وَأما - ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ - (فعمومه فِي معبود المخاطبين بِهِ) وهم قُرَيْش وَهُوَ الْأَصْنَام كَمَا ذكره السُّهيْلي (فَلم يتَنَاوَل عِيسَى وَالْمَلَائِكَة) حَتَّى يُقَال أَنهم أخرجُوا متراخيا بقوله تَعَالَى - ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ - فَيكون فِيهِ حجَّة لجَوَاز تراخي الْمُخَصّص (وَاعْتِرَاض ابْن الزبعري) بِكَسْر الزاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُهْملَة، وَعَن أبي عُبَيْدَة فتح الزاء، وأصل الزبعري الْكثير الشّعْر فِي الرَّأْس والأذنين، وَقَالَ الْفراء: السَّيئ الْخلق، واسْمه عبد الله كَانَ من أَعْيَان قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة وفحول الشُّعَرَاء، وَكَانَ يهاجي للْمُسلمين ثمَّ أسلم عَام الْفَتْح وَحسن إِسْلَامه، وَله أشعار يعْتَذر فِيهَا مَا سبق مَذْكُورَة فِي السِّيرَة لِابْنِ إِسْحَاق (جدل متعنت): روى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه جَاءَ عبد الله بن الزبعري إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد تزْعم أَن الله أنزل عَلَيْك - ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ - قَالَ نعم، قَالَ فقد عبدت الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْمَلَائِكَة وَعِيسَى وعزير، فَكل هَؤُلَاءِ فِي النَّار مَعَ آلِهَتنَا، فَنزلت - ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون، وَلما ضرب ابْن مَرْيَم مثلا﴾ - إِلَى قَوْله - ﴿خصمون﴾ - وَهَذَا حَدِيث حسن، وَمَا قيل من أَنه ﷺ قَالَ " مَا أجهلك بلغته، مَا لما لَا يعقل فشيء لَا يعرف وَلَا أصل لَهُ " كَذَا ذكره الْحفاظ: كالسبكي وَغَيره، وَهَهُنَا رِوَايَات أخر طويناها وَمَا ذكرنَا أصح (قَالُوا فِيهِ) أَي
стр. 278
فِي نسخ مَا ذكر بِمَا ذكر (إبِْطَال الْقَاطِع بالمحتمل) وَهُوَ مُمْتَنع فَتعين تَخْصِيص الْعَام بِهِ فَإِن قلت كَيفَ حكم بقطعية الأول وَاحْتِمَال الثَّانِي مَعَ اشتراكهما فِي الْعُمُوم وَاحْتِمَال التَّخْصِيص قلت الأول لَا صَارف لَهُ عَن ظَاهره، وَالثَّانِي لَهُ صَارف وَهُوَ الأول (قُلْنَا) هَذَا: أَعنِي كَونه مُحْتملا (مَبْنِيّ على ظنية دلَالَة الْعَام، وَهُوَ) أَي كَونه ظَنِّي الدّلَالَة (مَمْنُوع)، بل هُوَ قَطْعِيّ الدّلَالَة أَيْضا كَمَا هُوَ فَهُوَ إبِْطَال الْقَاطِع بالقاطع، وَلَا خلاف فِي جَوَازه (وَلَو سلم) أَن الْعَام ظَنِّي الدّلَالَة (فَلَا مُخَصص فِي الشَّرْع بخاص) من كل وَجه (بل) التَّخْصِيص (بالاستقراء) لَا يكون إِلَّا (بعام خصوصه بِالنِّسْبَةِ) إِلَى مَا هُوَ مُخْتَصّ بِهِ: يَعْنِي خُصُوصِيَّة الْمُخَصّص لكَونه جزئيا إضافيا لما خصص بِهِ لَا بِاعْتِبَار أَنه خَاص اصْطِلَاحا، فَيلْزم عَلَيْكُم إبِْطَال الْقَاطِع بالمحتمل فِي الْقدر الَّذِي أخرج من الأول (كلا تقتلُوا النِّسَاء) أَي كَمَا لَو قَالَ الشَّارِع هَذَا مَعَ قَوْله: - ﴿اقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ - فَإِن ذَلِك عَام فِي نَفسه خَاص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآيَة، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ نهى عَن قتل النِّسَاء (وَمَا استدلوا بِهِ من وَأولَات الْأَحْمَال، وَالْمُحصنَات) على تَخْصِيص الْعَام بالمخصص المتراخي على مَا سبق ذكره مَعْطُوف على قَوْله لَا تقتلُوا فَإِن كلا مِنْهُمَا خَاص بِالنِّسْبَةِ (فاللازم) على تَقْدِير التَّسْلِيم ٠ إبِْطَال ظَنِّي بظني) لكَون كل من الْمُتَقَدّم والمتأخر عَاما، لَا إبِْطَال قَطْعِيّ بقطعي كَمَا زعمتم (وَأما اشْتِرَاط الِاسْتِقْلَال) فِي الْمُخَصّص (فلتغير دلَالَته) أَي لتغيير دلَالَة الْعَام من الْقطع (إِلَى الظَّن) فَإِنَّهُ لَو لم يكن مُسْتقِلّا كالاستثناء وَبدل الْبَعْض لَا يتَغَيَّر، بل يتقى على قطعيته، فَدلَّ الْكَلَام على أَن المستقل بِغَيْر إِلَى الظَّن، وَغير المستقل غير مغير وَمنع كل مِنْهُمَا، وَقيل الْمخْرج لبَعض مِنْهُ معِين قَابل للتَّعْلِيل إِذا كَانَ مقترنا يُغَيِّرهُ إِلَى الظَّن مُسْتقِلّا كَانَ أَولا، وَأما المتراخي فَغير المستقل مِنْهُ لَا يُغير، والمستقل نَاسخ، وَيلْزمهُ عدم التَّغْيِير إِلَى الظَّن (لَا يَحْتَاجهُ) أَي لَا يحْتَاج إِلَى الشَّرْط الْمَذْكُور (الْقَائِل بظنيته من الْحَنَفِيَّة) كَأبي مَنْصُور وَمن مَعَه، لِأَن ظنية دلَالَة الْعَام مَوْجُودَة بِلَا مغير (وَلَا خلاف فِي عدم تغيره) أَي الْعَام (بِالْعقلِ) أَي بالمخصص الْعقلِيّ من الْقطع (إِلَى الظَّن كخروج الصَّبِي وَالْمَجْنُون من خطاب الشَّرْع إِلَّا أَن يخرج الْعقل (مَجْهُولا) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تبطل حجيته فِي الْبَاقِي لعدم تعينه بِنَاء على مجهولية الْمخْرج فضلا عَن الْقطع إِلَى الظَّن (تَفْصِيل) الْمخْرج لبَعض أَفْرَاد الْعَام (الْمُتَّصِل) بِهِ أَقسَام يرتقى عَددهَا (إِلَى خَمْسَة: الأول الشَّرْط) وَهُوَ (مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوُجُود) أَي وجود الشَّيْء بِأَن لَا يُوجد بِدُونِ وجوده (وَلَا دخل لَهُ فِي التَّأْثِير والإفضاء، فَخرج جُزْء السَّبَب) لِأَنَّهُ وَإِن توقف عَلَيْهِ السَّبَب لَكِن لَا دخل لَهُ فِي الْإِفْضَاء إِلَيْهِ، وَقد علم بذلك خُرُوج سَبَب الشَّيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الأولى (و) خرج (الْعلَّة) لِأَنَّهَا وَإِن توقف عَلَيْهَا الْوُجُود: لَكِنَّهَا مُؤثرَة (وَقَول الْغَزالِيّ) فِي تَعْرِيف
стр. 279
الشَّرْط (مَا لَا يُوجد الْمَشْرُوط دونه، وَلَا يلْزم أَن يُوجد الْمَشْرُوط عِنْده) أَي الشَّرْط أورد عَلَيْهِ أَنه دوري لتعقل تعقل الْمَشْرُوط على الشَّرْط: لَا أَنه مُشْتَقّ مِنْهُ (دفع دوره بِإِرَادَة مَا صدق عَلَيْهِ الْمَشْرُوط) بِلَفْظِهِ (أَي الشَّيْء) الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ الشَّرْط، وَيُقَال شَرط الشَّيْء كَذَا: وَهُوَ لَا يتَوَقَّف فِي تعقله على تعقل الشَّرْط، وَإِنَّمَا الْمَوْقُوف على تعقله مَفْهُوم الشَّرْط (وَيرد عَلَيْهِ) أَي على طرده (جُزْء السَّبَب المتحد) لِأَن الْمُسَبّب لَا يُوجد بِدُونِهِ وَلَا يلْزم أَن يُوجد عِنْده، وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْط، (وَقيل مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ تَأْثِير الْمُؤثر كَالْوضُوءِ يتَوَقَّف عَلَيْهِ تَأْثِير الْمُؤثر فِي الصَّلَاة). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: إِذا كَانَ الْوضُوء شرطا فِي الصَّلَاة لم يزدْ أَنه يتَوَقَّف عَلَيْهِ تَأْثِير الصَّلَاة فِي الشَّيْء، بل تَأْثِير الْمُؤثر فِي الصَّلَاة. وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ: يحْتَمل أَن يُقَال أَنه شَرط لتأثير الصَّلَاة فِي الحكم وَهُوَ الصِّحَّة (وَيرد عَلَيْهِ) أَي على الْعَكْس عَكسه (الْحَيَاة للْعلم الْقَدِيم) فَإِنَّهَا شَرط لتحققه لَا لتأثيره، لِأَنَّهُ لَيْسَ للْعلم تَأْثِير، إِذْ لَيْسَ هُوَ صفة مُؤثرَة: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال المُرَاد تَعْرِيف شَرط الْمُؤثر، لَا الشَّرْط مُطلقًا (وَهُوَ) أَي الشَّرْط (عَقْلِي: كالحياة للْعلم) إِذْ الْعقل يحكم بِأَن الْعلم لَا يُوجد بِدُونِ الْحَيَاة (وشرعي: كالطهارة) للصَّلَاة، فَإِن الشَّرْع هُوَ الْحَاكِم بذلك (وَأما اللّغَوِيّ) وَهُوَ مثل قَوْلنَا: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق، فَإِن أهل اللُّغَة وضعُوا هَذَا التَّرْكِيب ليدل على أَن مَا دخلت عَلَيْهِ إِن شَرط، وَالْمُعَلّق بِهِ جَزَاء (فَإِنَّمَا هُوَ الْعَلامَة) بِكَوْنِهِ دَلِيلا على ظُهُور الحكم عِنْد ظُهُوره، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَتَسْمِيَة نَحْو: إِن جَاءَ فَأكْرمه، وَإِن دخلت فطالق بِهِ) أَي بِالشّرطِ (مَعَ أَنه سَبَب جعلي) للثَّانِي (لصيرورته عَلامَة على الثَّانِي) أَي الْجَزَاء (وَإِنَّمَا يسْتَعْمل) هَذَا الشَّرْط (فِيمَا لَا يتَوَقَّف الْمُسَبّب بعده على غَيره). وَفِي الشَّرْح العضدي وَيسْتَعْمل فِي شَرط يشبه بِالسَّبَبِ من حَيْثُ أَنه يستتبع الْوُجُود: وَهُوَ الشَّرْط الَّذِي لم يبْق للمسبب أَمر يتَوَقَّف عَلَيْهِ، فَإِذا وجد ذَلِك الشَّرْط فقد وجدت الْأَسْبَاب والشروط كلهَا فيوجد الْمَشْرُوط، فَإِذا قيل: إِن طلعت الشَّمْس فالبيت مضيء: فهم مِنْهُ أَنه لَا يتَوَقَّف إضاءته إِلَّا على طُلُوعهَا (وَقد يتحد) أَي يكون الشَّرْط أمرا وَاحِدًا (وَقد يَتَعَدَّد) الشَّرْط (معنى) أَي تعددا بِحَسب الْمَعْنى لَا بِحَسب اللَّفْظ (جمعا) أَي حَال كَونه ذَلِك المتعدد الْمَعْنَوِيّ يتَوَقَّف الْمَشْرُوط على اجْتِمَاع آحاده فِي التحقق (وبدلا) بِأَن يتَوَقَّف على وَاحِد من ذَلِك المتعدد على سَبِيل الْبَدَلِيَّة، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام (وَكَذَا الْجَزَاء) يتحد ويتعدد جمعا وبدلا، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أُخْرَى (فَهِيَ) أَي جَمِيع الْأَقْسَام الْحَاصِلَة من ضرب ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة (تِسْعَة بِلَا توقف) أَي تَتَعَدَّد بِغَيْر توقف فِي تعدده الْمَعْنَوِيّ (على) تكْرَار (أَدَاة) أَي أَدَاة الشَّرْط لفظا (بل) يَكْفِي تعددها (معنى، وَلذَا) أَي وَلعدم توقف التَّعَدُّد على الْمَعْنَوِيّ تكَرر الْأَدَاء (اخْتلف) الْجَواب (لَو دخلت إِحْدَاهمَا فِي قَوْله: إِن دخلتما)
стр. 280
الدَّار (فطالقان) أَي فأنتما طالقان، ثمَّ صور الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور بقوله (أتطلق) الدَّاخِلَة (للاتحاد عرفا) أَي لِأَن الْمَفْهُوم فِي الْعرف من التَّعْلِيق الْمَذْكُور كَون شَرط طَلَاق كل مِنْهُمَا متحدا وَهُوَ دخولهما فِي الدَّار من غير أَن يشْتَرط فِي طلاقهما اجْتِمَاع دُخُولهَا مَعَ دُخُول الْأُخْرَى فَكَأَنَّهُ قَالَ لكل مِنْهُمَا: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق (أَولا) تطلق وَاحِدَة مِنْهُمَا (حَتَّى يدخلا، لِأَن الشَّرْط دخولهما) جَمِيعًا كَمَا هُوَ ظَاهر اللَّفْظ (أَو يطلقان) جَمِيعًا وَإِن لم تدخل الْأُخْرَى (لِأَنَّهُ أَي دخولهما الَّذِي هُوَ (الشَّرْط) مُتَعَدد (بَدَلا) فتحقق كل من الدخولين كَاف فِي تحقق الْجَزَاء الَّذِي هُوَ طالقان، وَهَذَا ثَالِث الْأَقْوَال (وَنَحْو) أَنْت (طَالِق إِن دخلت الدَّار) إِن دخلت (شَرط للمتقدم) أَي أَنْت طَالِق (معنى للْقطع بتقييده) أَي لأَنا نعلم قطعا أَن قَوْله طَالِق الْمُتَقَدّم يتَقَيَّد (بِهِ) أَي بِأَن دخلت: وَلَا يَعْنِي بِالشّرطِ إِلَّا مَا يتَقَيَّد بِهِ الحكم (وَعند النُّحَاة) إِن دخلت فِي هَذَا التَّعْلِيق شَرط (لمَحْذُوف مَدْلُول على لَفظه) بالمتقدم (فَلم يجْزم) الْمُتَقَدّم (بِهِ) أَي بِالشّرطِ أَشَارَ إِلَى أَنه دعاهم إِلَى ذَلِك أَمر لَفْظِي، وَهُوَ الْعَمَل (على تَقْيِيده) أَي مَعَ تَقْيِيد الْمُتَقَدّم بِالشّرطِ، فَلَا خلاف بَين النَّحْوِيين والأصوليين بِحَسب الْمَعْنى (وَإِن أطلق) الْمُتَقَدّم (لفظا) أَولا، فَإِن التَّقْيِيد يلْحقهُ ثَانِيًا لتقدم جَوَاب من حَيْثُ الْمَعْنى هَذَا بِنَاء على مَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَمن وَافقه بِنَاء على مَذْهَب الْبَصرِيين وَأما عِنْد الْكُوفِيّين فَهُوَ جَوَاب فِي اللَّفْظ أَيْضا لم يجْزم وَلم يصدر بِالْفَاءِ لتقدمه وَعند البصرية لَا يقدر مَعَ هَذَا الْمُقدم جَوَاب آخر للشّرط وَإِن لم يكن جَوَابا لَهُ، فَإِنَّهُ يغنى عَنهُ مثل استجارك الَّذِي هُوَ كالعوض من الْمُقدر (وَإِذا تعقب) الشَّرْط (جملا) متعاطفة، كلا آكل، وَلَا أشْرب إِن فعلت كَذَا (قيدها) جَمِيعًا (عِنْد الْحَنَفِيَّة بِخِلَاف الِاسْتِثْنَاء) فَإِنَّهُ يخْتَص بالأخيرة (عِنْدهم) إِلَّا بِدَلِيل فِيمَا قبلهَا، وَجه الْفرق بِنَاء على أَن الْجَزَاء هُوَ الْجُمْلَة الأولى أَن الشَّرْط مقدم عَلَيْهَا معنى، وَالْبَاقِي مَعْطُوف على الْجَزَاء بِخِلَاف الِاسْتِثْنَاء، فَإِنَّهُ مُتَأَخّر لفظا وَمعنى فَهُوَ قيد لما يتَّصل بِهِ، وتفصيله مَذْكُور فِي مَحَله
(الثَّانِي) من الْأَقْسَام الْخَمْسَة من الْبَيَان الْمُتَّصِل (الْغَايَة) ولفظها: إِلَى، وَحَتَّى، نَحْو (أكْرم بني تَمِيم إِلَى أَن يدخلُوا وَلَا يخفى عدم صدق تَعْرِيف التَّخْصِيص) وَهُوَ مَا سبق قصر اللَّفْظ مُطلقًا على بعض مُسَمَّاهُ (على إِخْرَاج الشَّرْط والغاية) لعدم إِخْرَاج شَيْء مِنْهُمَا بعض الْمُسَمّى، فَإِن مفادهما عدم ثُبُوت حكم الْعَام لَهُ على بعض التقادير على مَا سيشير إِلَيْهِ (لِأَنَّهُ) أَي الْإِكْرَام مثلا (لكل بني تَمِيم على تَقْدِير و) هُوَ تَقْدِير عدم دُخُولهمْ (لَا قصر) أَي لَا قصر الْإِكْرَام (على بَعضهم دَائِما) بِأَن يَنْفِي الْبَعْض الآخر عَنْهُم دَائِما (وَحَقِيقَته) أَي حَقِيقَة إِخْرَاج الشَّرْط والغاية (تَخْصِيص عُمُوم التقادير عَن أَن يثبت مَعهَا) أَي مَعَ التقادير كلهَا (الحكم) وَكلمَة عَن مُتَعَلقَة بالتخصيص بِاعْتِبَار
стр. 281
تضمنه معنى التجاوز، فَإِنَّهُ إِذا خصص الْعُمُوم تجَاوز التقادير عَن أَن يثبت مَعهَا الحكم عُمُوما (وَقد يتَّفق) عُمُوم التقادير (تَخْصِيص الآخر) وَهُوَ تَخْصِيص عُمُوم الْأَفْرَاد: أَي تصاريفه مُوَافقَة، وَيجوز أَن يكون تَخْصِيص الآخر يتَّفق، وَيقدر مَعَ تَخْصِيص عُمُوم التقادير كَقَوْلِك: أكْرم بني تَمِيم إِن دخلُوا، أَو إِلَى أَن يدخلُوا، وَأَرَدْت بِهِ الْمُسلمين مِنْهُم (وَقد لَا) يتَّفق تَخْصِيص الْعُمُوم الآخر: كأكرم بني تَمِيم إِذا دخلُوا (وَقد يتضادان) أَي الشَّرْط والغاية (تَخْصِيصًا) بِأَن يخرج الشَّرْط بعض التقادير عَن الحكم، وتقتضي الْغَايَة دُخُول ذَلِك الْبَعْض فِيهِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِر من هَذِه الْعبارَة، وَكَيف يتَصَوَّر وُقُوع مثل هَذَا فِي كَلَام الْعَاقِل: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون هَذَا الِاقْتِضَاء بِحَسب اللوازم الْخفية فَتَأمل، وَيحْتَمل كَون ضمير ويتضادان للعمومين، وَوَجهه أَيْضا غير ظَاهر (وتجري أَقسَام الشَّرْط) التِّسْعَة الْمَذْكُورَة: أَي أَمْثَالهَا (فِي الْغَايَة) فقد يكون متحدا ومتعددا جمعا وبدلا فتأتي الْأَقْسَام التِّسْعَة: وَهِي كالاستثناء فِي الْعود إِلَى الْجَمِيع أَو إِلَى الْأَخِيرَة، والمذاهب الْمذَاهب، وَالْمُخْتَار الْمُخْتَار: كَذَا فِي الشَّرْح العضدي
(الثَّالِث) من الْأَقْسَام الْخَمْسَة (الصّفة) نَحْو (أكْرم الرِّجَال الْعلمَاء) قصر الْعلمَاء الرِّجَال على بعض أَفْرَاده فَخرج غَيرهم، وَيجب فِيهِ الِاتِّصَال بالموصوف، كالغاية بِمَا هِيَ غَايَة لَهُ (وَفِي تعقبه) أَي الْوَصْف (مُتَعَددًا كتميم وقريش الطوَال) فعلوا كَذَا خلاف فِي تَقْيِيده الْأَخير أَو الْمَجْمُوع (كالاستثناء، وَالْأَوْجه الِاقْتِصَار) على الْأَخير كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاء (وَلَا يخفى أَن الْإِخْرَاج بِالصّفةِ وَالشّرط والغاية، وَالْبدل) واللقب (يُسمى تَخْصِيصًا) كَمَا تَقول الشَّافِعِيَّة وَمن وافقهم (أَولا) يُسمى تَخْصِيصًا (لَا يتَصَوَّر من الْحَنَفِيَّة لنفي الْمَفْهُوم) الْمُخَالف عِنْدهم (وَلَيْسَ) الْإِخْرَاج بأحدها (تَخْصِيصًا إِلَّا بِهِ) أَي بِاعْتِبَار الْمَفْهُوم.
(الرَّابِع بدل الْبَعْض) من الْكل، نَحْو: أكْرم بني تَمِيم (الْعلمَاء مِنْهُم): ذكره ابْن الْحَاجِب. وَقَالَ السُّبْكِيّ: وَلم يذكرهُ الْأَكْثَرُونَ، لِأَن الْمُبدل مِنْهُ فِي نِيَّة الطرح، فَلَا يتَحَقَّق فِيهِ لمحل يخرج مِنْهُ فَلَا تَخْصِيص بِهِ، وَفِيه نظر، لِأَن الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ: كالزمخشري أَن الْمُبدل مِنْهُ فِي غير بدل الْغَلَط لَيْسَ فِي حكم المهدر، بل هُوَ للتمهيد والتوطئة، وليفاد بمجموعها فضل تَأْكِيد وتبيين لَا يكون فِي الْإِفْرَاد.
(الْخَامِس: الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل، وَالْمرَاد) بِهِ هَهُنَا (أدوات الْإِخْرَاج لَا الْإِخْرَاج الْخَاص وَإِن كَانَ) الْإِخْرَاج الْخَاص قد (يُرَاد بِهِ) أَي بِلَفْظ الِاسْتِثْنَاء (كالمستثنى) أَي كَمَا يُرَاد بِهِ الْمُسْتَثْنى، وَهُوَ الْمخْرج، وَمِنْه تَفْسِيره بالمذكور بعد إِلَّا (إِذْ الْكَلَام فِي تَفْصِيل مَا هُوَ) أَي الْإِخْرَاج الْخَاص يتَحَقَّق (بِهِ، لَا) فِي نفس (التَّخْصِيص الْخَاص) الَّذِي هُوَ الْإِخْرَاج الْخَاص (وَهُوَ) أَي مَا بِهِ الْإِخْرَاج (إِلَّا غير
стр. 282
الصّفة وَأَخَوَاتهَا) وَهِي: غير، وَسوى، وَعدا، وخلا، وحاشا، وَلَيْسَ، وَلَا يكون، وَإِلَّا، وسيما، وبيد، وبله، وَلما. وَفِي بَعْضهَا خلاف بَين أهل الْعَرَبيَّة، قيد إِلَّا بِغَيْر الصّفة، لِأَنَّهَا صفة تدخل فِي الْمُخَصّص الوضعي (وَأَنَّهَا) أَي إِلَّا وَأَخَوَاتهَا (تسْتَعْمل فِي إِخْرَاج مَا بعْدهَا) حَال كَونه (كَائِنا بعض مَا قبلهَا عَن حكمه) أَي حكم مَا قبلهَا (وَهَذَا الْإِخْرَاج يُسمى اسْتثِْنَاء مُتَّصِلا) وَيسْتَعْمل (فِي إِخْرَاجه) أَي مَا بعْدهَا حَال كَونه (كَائِنا خِلَافه) أَي خلاف مَا ذكر بِأَن لَا يكون بعض مَا قبلهَا (عَن حكمه) أَي حكم مَا قبلهَا (وَيُسمى) هَذَا الْإِخْرَاج اسْتثِْنَاء (مُنْقَطِعًا)، وَلَا يسْتَعْمل فِي الْمُنْقَطع سوى: إِلَّا، وَغير، وَسوى، وبيد (وَشَرطه) أَي الْمُنْقَطع (كَونه) أَي الْمُسْتَثْنى (مِمَّا يقارنه) أَي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (كثيرا) ليَكُون من توابعه حَتَّى يستحضره بِذكرِهِ (كجاءوا) أَي الْقَوْم (إِلَّا حمارا، وَمِنْه) أَي الْمُنْقَطع قَول الشَّاعِر:
(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس
(إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس)
لِأَنَّهُ حصر الأنيس) فيهمَا وهما ليسَا فِيهِ، والحصر فيهمَا بعد نفي مَا عداهما يشْعر بِأَنَّهُمَا قد خلفتا أهل الْبَلَد وصارتا بِمَنْزِلَة أَهلهَا، واليعافير جمع يَعْفُور: وَهُوَ الْحمار الوحشي، وَقيل تَيْس من تيوس الظباء، والعيس بِالْكَسْرِ: الْإِبِل الْبيض يخالط بياضها شقرة، وَقيل الْجَرَاد (بِخِلَاف إِلَّا الْأكل) فَلَا يُقَال: جَاءُوا إِلَّا الْأكل (أَو) كَون الْمُسْتَثْنى بِحَيْثُ (يَشْمَلهُ حكمه) أَي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (كصونت الْخَيل إِلَّا الْحمير) أَو الْبَعِير، لِأَن التصويت يَشْمَل الْحَيَوَانَات (بِخِلَاف الصهيل أَو) كَون الْمُسْتَثْنى بِحَيْثُ (ذكر) قبله (حكم) مَعْنَاهُ (يضاده) أَي الْمُسْتَثْنى (كَمَا نفع إِلَّا مَا ضرّ، وَمَا زَاد إِلَّا مَا نقض). قَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَا الأولى نَافِيَة، وَالثَّانيَِة مَصْدَرِيَّة، وفاعل زَاد ونفع مُضْمر، وَالتَّقْدِير: مَا زَاد فلَان شَيْئا إِلَّا نُقْصَانا، وَمَا نفع إِلَّا مضرَّة، فالمستثنى، وَهُوَ النُّقْصَان والمضرة حكم مُخَالف للمستثنى مِنْهُ، وَهُوَ الزِّيَادَة والنفع، فالاستثناء مُنْقَطع انْتهى، وَفِيه أَيْضا الْمُقَارنَة بَين الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ بِاعْتِبَار أَنه يفهم أحد الضدين عِنْد ذكر الآخر. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي الْمِثَال الثَّانِي: لَكِن النُّقْصَان فعل، أَو لَكِن النُّقْصَان أمره وشأنه، وَلَيْسَ الْمَعْنى: مَا زَاد شَيْئا غير النُّقْصَان ليَكُون مُتَّصِلا عرفا أهـ. فَبين الْكَلَامَيْنِ تدافع، لِأَن سِيبَوَيْهٍ فسره بِهَذَا الْمَعْنى وَحكم بالانقطاع، وَلَك أَن تَقول: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد سِيبَوَيْهٍ: مَا زَاد شَيْئا غير النُّقْصَان مِمَّا يقْصد، أَو زِيَادَة كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر، فَلَا شكّ فِي انْقِطَاعه حِينَئِذٍ: غير أَنه يحْتَمل الِاتِّصَال كَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف ﵀ بقوله (أما مَا زَاد إِلَّا مَا نقص فَيحْتَمل الِاتِّصَال، لِأَنَّهُ) أَي النُّقْصَان (زِيَادَة حَال بعد التَّمام) وَيقرب مِنْهُ مَا عَن
стр. 283
ابْن مَالك: إِذا قلت مَا زَاد فكأنك قلت مَا عرض لَهُ عَارض ثمَّ استثنيت من الْعَارِض النَّقْص: هَذَا، وَالْمرَاد من التَّمام تِلْكَ الْحَالة الَّتِي كَانَت لَهُ قبل النَّقْص وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مثل هَذَا الِاعْتِبَار فِي الْمِثَال الأول رَكِيك، لِأَنَّهُ يُرَاد بِمَا زَاد أَنه على حَاله عرفا، وَلَا يُرَاد بِمَا نفع كَونه على حَاله فَقَوْل الشَّارِح: إنَّهُمَا شَيْئَانِ لَيْسَ بِشَيْء (وَالْمرَاد من الْإِخْرَاج إفادته) أَي الْمخْرج (عدم الدُّخُول) أَي دُخُول الْمُسْتَثْنى (فِي الحكم اشْتهر) لفظ الْإِخْرَاج (فِيهِ) أَي فِي عدم الدُّخُول (اصْطِلَاحا) فَلَا ضير فِي ذكره فِي التَّعْرِيف، وَإِنَّمَا احْتِيجَ لبَيَان المُرَاد (إِذْ حَقِيقَته) أَي حَقِيقَة الْإِخْرَاج إِنَّمَا تتَحَقَّق (بعد الدُّخُول، وَهُوَ) أَي الْإِخْرَاج حَقِيقَة (من الْإِرَادَة) صلَة الْإِخْرَاج: أَي إِخْرَاج الْمُسْتَثْنى من المُرَاد (بِحكم الصَّدْر) مُتَعَلق بالإرادة (مُنْتَفٍ) إِذْ لَا يُمكن أَن يُرَاد تنَاول الحكم الْوَاقِع فِي صدر الْكَلَام الْمُسْتَثْنى، ثمَّ يخرج مِنْهُ للُزُوم التَّنَاقُض (و) الْإِخْرَاج (من التَّنَاوُل) أَي تنَاول اللَّفْظ، وَالدّلَالَة عَلَيْهِ (لَا يُمكن) لِأَن التَّنَاوُل بَاقٍ بعد الاسثتناء أَيْضا، لِأَنَّهُ بعلة الْوَضع، فَلَا يَنْقَطِع عَن الْمَوْضُوع (فَقيل) لفظ الِاسْتِثْنَاء (مُشْتَرك فيهمَا) أَي الْمُتَّصِل والمنقطع (لَفْظِي) لَا طَلَاقه على كل مِنْهَا حَقِيقَة من غير أَن يشْتَرك بَينهمَا معنى، وَعدم تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر ليَكُون حَقِيقَة ومجازا (وَقيل متواطئ) أَي مَوْضُوع للقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا كَمَا سَيَجِيءُ، والتواطؤ خير من الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ، وَالْمجَاز (وَالْمُخْتَار) أَنه فِي الْمُتَّصِل حَقِيقَة، و (فِي الْمُنْقَطع مجَاز) وَنَقله الْآمِدِيّ عَن الْأَكْثَرين (قَالُوا) وَمِنْهُم ابْن الْحَاجِب (فعلى التواطؤ أمكن حَده) أَي الْمُنْقَطع (مَعَ الْمُتَّصِل بِحَدّ وَاحِد بِاعْتِبَار) الْمَعْنى (الْمُشْتَرك بَينهمَا) أَي الْمُتَّصِل والمنقطع (مُجَرّد الْمُخَالفَة) بِالْجَرِّ عطف بَيَان للمشترك (الْأَعَمّ من الْإِخْرَاج وَعَدَمه) قيل الْأَعَمّ أفعل التَّفْضِيل، وَهُوَ معرف بِاللَّامِ، وَقد أجْرى على الْمُخَالفَة فَيجب تأنيثه، وَيمْتَنع فِيهِ من أُجِيب بِأَنَّهُ صفة لمُجَرّد، وَمن لبَيَان الْمُخَالفَة، لَا صلَة الْأَعَمّ. وَقَالَ الشَّارِح فِيهِ تَأمل (فَيُقَال مَا دلّ على الْمُخَالفَة بإلا غير الصّفة إِلَى آخِره) أَي وَأَخَوَاتهَا، وَقَوله بإلا غير الصّفة إِخْرَاج سَائِر أَنْوَاع التَّخْصِيص (وعَلى أَنه) أَي لفظ الِاسْتِثْنَاء (مُشْتَرك) لَفْظِي بَينهمَا (أَو مجَاز فِي الْمُنْقَطع لَا يُمكن) حد الْمُنْقَطع مَعَ الْمُتَّصِل بِحَدّ وَاحِد (لِأَن مفهومية) أَي الِاسْتِثْنَاء (حِينَئِذٍ حقيقتان مُخْتَلِفَتَانِ، فَيحد كل) من الْمُتَّصِل والمنفصل (بِخُصُوصِهِ، فيزاد) على الْحَد الْوَاحِد السَّابِق (فِي) حد (الْمُنْقَطع) قيد (من غير إِخْرَاج لإِخْرَاج الْمُتَّصِل وَلَا شكّ أَن هَذَا) أَي امْتنَاع الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي تَعْرِيف وَاحِد (إِنَّمَا هُوَ فِي تَعْرِيف ماهيتين مختلفتين كَمَا لَو كَانَ التَّعْرِيف للاستثناء بِمَعْنى الاخراجين المسميين بالمتصل والمنقطع) فَإِن الْإِخْرَاج فِي الْمُتَّصِل إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله صدر الْكَلَام من حكمه.
стр. 284
وَفِي الْمُنْقَطع إِخْرَاج مَا لَا يتَنَاوَلهُ الصَّدْر من حكمه وَلَا شكّ أَنَّهُمَا حقيقتان بِمَعْنى ماهيتان مُخْتَلِفَتَانِ مُمْتَنع اجْتِمَاعهمَا فِي حد وَاحِد فَإِن قلت قد يجمع بَين الماهيات الْمُخْتَلفَة فِي تَعْرِيف وَاحِد كتعريف الْحَيَوَان المندرج تَحْتَهُ الْحَيَوَان: الْإِنْسَان، وَالْفرس وَغَيرهمَا بالجسم النامي الحساس إِلَى آخِره قلت المُرَاد: تَعْرِيف الماهيتين بِحَيْثُ يتَمَيَّز كل مِنْهُمَا على جَمِيع مَا عداهُ لَا يُقَال يجوز أَن يذكر كل مِنْهُمَا بِجَمِيعِ قيوده بِأَو الترديدية، لِأَنَّهُ لَا يتَعَيَّن حِينَئِذٍ اخْتِصَاص شَيْء من الترديد بِشَيْء مِنْهُمَا بِعَيْنِه من نفس التَّعْرِيف وَالْحق أَن الْكَلَام فِي الْحَد الأسمى فَلَا يتَصَوَّر وحدته إِلَّا بِأَن يُوجد مُسَمّى وَاحِد، وضع الِاسْم بإزائه، والمفروض فِيمَا نَحن فِيهِ خِلَافه فَافْهَم (وَبِأَن وضع لفظ مرَّتَيْنِ لشيئين) حَتَّى كَانَ مُشْتَركا لفظيا بَينهمَا (أَو) وضع لفظ (مرّة لمشترك بَينهمَا) أَي بَين شَيْئَيْنِ حَتَّى كَانَ متواطئا (أَو) وضع (لأَحَدهمَا ويتجوز بِهِ فِي الآخر لَا يتَعَذَّر تَعْرِيفه على تَقْدِير تَقْدِير) بِأَن يُقَال فِيمَا نَحن فِيهِ الِاسْتِثْنَاء على تَقْدِير وَضعه للمتصل مَعْنَاهُ، وَكَذَا قَوْله على تَقْدِير مكررا، مثل قَوْلهم: رتبته بَابا بَابا، وَجَاءُوا وَاحِدًا وَاحِدًا: فَهُوَ حَال عَن تَعْرِيفه: يَعْنِي مفصلا على هَذَا الْوَجْه. قَالَ الرضي وصابطه أَن يَتَأَتَّى للتفصيل بعده كَمَا ذكر الْمَجْمُوع بجزئه مكررا (وَالْكَلَام) هَهُنَا (إِنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى الأداة) يَعْنِي أَن لفظ الِاسْتِثْنَاء يُطلق على الْإِخْرَاج الْمَذْكُور وعَلى اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ، وَكَلَام الْأُصُولِيِّينَ فِي هَذَا الْمقَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَخِيرَة، فالأداة إِمَّا مُشْتَرك وَإِمَّا متواطئ إِلَى آخِره، وَيجوز تَعْرِيفهَا على كل تَقْدِير تَقْدِير (فَيُقَال مَا دلّ على عدم إِرَادَة مَا بعده) حَال كَون مَا بعده (كَائِنا بعض مَا قبله، أَو) كَائِنا (خِلَافه) أَي خلاف مَا ذكر بِأَن لَا يكون بعض مَا قبله (بِحكمِهِ) مُتَعَلق الْإِرَادَة: أَي لم يقْصد بِحكمِهِ أَن يَشْمَل مَا بعده ناشئة دلَالَته على الْمَعْنيين (عَن وضعين) وضع مرّة لِأَن يدل على عدم إِرَادَة مَا بعده كَائِنا إِلَى آخِره، وَمرَّة لمقابله (على الِاشْتِرَاك، وَيتْرك لفظ الْوَضع) الْمَذْكُور فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور بِصِيغَة التَّثْنِيَة (على) تَقْدِير (التواطؤ) وَالْبَاقِي على حَاله، فَيُقَال مَا دلّ على عدم إِرَادَة مَا بعده كَائِنا بعض مَا قبله أَو خِلَافه (و) يُقَال على أَنه حَقِيقَة فِي الْمُتَّصِل مجَاز فِي الْمُنْقَطع مَا دلّ على عدم إِرَادَة مَا بعده (كَائِنا بعضه) أَي بعض مَا قبله (بِحكمِهِ بِوَضْعِهِ) أَي بِسَبَب وضع مَا دلّ على هَذَا الْمَعْنى (لَهُ) أَي لهَذَا الْمَعْنى (فَقَط، وخلافه بِالْقَرِينَةِ) أَي وَدلّ على عدم إِرَادَة مَا بعده كَائِنا خِلَافه مَا قبله بِأَن لَا يكون بعضه بِحكمِهِ بِالْقَرِينَةِ: أَي دلَالَته على هَذَا الْمَعْنى بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْوَضْعِ (ثمَّ لَا يخفى صدق تعريفنا) وَهُوَ قَوْلنَا مَا دلّ الخ بِبَعْض تصرف (عَلَيْهَا) أَي على الأداة (على التقادير) الثَّلَاثَة (بِلَا حَاجَة إِلَى خِلَافه) من التعاريف على
стр. 285
مَا تكلفوا فِي هَذَا الْمقَام (وَقَوله) أَي الَّذِي جوز حَده على التواطؤ، فَقَالَ مَا دلّ على الْمُخَالفَة (بإلا) غير الصّفة (إِلَى آخِره يُفِيد أَن إِلَّا وَأَخَوَاتهَا مَعَ مَا دلّ غيران) أَي متغايران، لِأَن الدَّال بِوَاسِطَة شَيْء غير ذَلِك الشي (وَلَيْسَ) كَذَلِك لِأَن الدَّال إِنَّمَا هُوَ إِلَّا وَأَخَوَاتهَا غير أَن الْحُرُوف لَا تستقل بِالدّلَالَةِ بِدُونِ متعلقها (وَقَوله فِي الْمُنْقَطع من غير إِخْرَاج أَن) أَرَادَ بِهِ نفي الْإِخْرَاج (مُطلقًا) من حَيْثُ تنَاول الصَّدْر، وَمن حَيْثُ تنَاول الحكم (لم يصدق) التَّعْرِيف (على شَيْء من أَفْرَاد الْمَحْدُود لِأَنَّهَا) أَي أَفْرَاده (مخرجة من الحكم) فَإِن قلت الْإِخْرَاج مِنْهُ فِي الْمُتَّصِل بِاعْتِبَار شُمُول صدر الْكَلَام الْمُسْتَثْنى، فَإِنَّهُ بِحَسب الظَّاهِر يُفِيد دُخُوله فِي الحكم، وَإِن كَانَ بِحَسب الْحَقِيقَة لَا حكم قبل الِاسْتِثْنَاء على مَا بَين فِي مَحَله دفعا للتناقض، فَمَا معنى الْإِخْرَاج مِنْهُ فِي الْمُنْقَطع قلت قد مر أَن المُرَاد من الْإِخْرَاج إِفَادَة عدم الدُّخُول فِي الحكم (والإخراج فِي الِاسْتِثْنَاء بقسميه) الْمُتَّصِل والمنقطع (لَيْسَ إِلَّا مِنْهُ) أَي من الحكم (وَحمله) أَي الْإِخْرَاج (على أَنه من الْجِنْس فَقَط، وَأَنه) أَي كَون الْإِخْرَاج هَذَا (الِاصْطِلَاح) أَي مُوجب الِاصْطِلَاح (بَاطِل للْقطع بِأَن زيدا لم يخرج من الْقَوْم، وَلَا يصطلح على بَاطِل، وَإِن أُرِيد التَّجَوُّز بِالْجِنْسِ عَن حكمه) ليَكُون الْمجَاز لغويا، (أَو أضمر) الحكم ليَكُون من مجَاز الْحَذف (صَار الْمَعْنى من غير إِخْرَاج من حكم الْجِنْس، وَعَاد الأول، وَهُوَ أَن الْوَاقِع إِخْرَاج مَا بعد إِلَّا مُطلقًا) أَي مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا (من حكم مَا قبلهَا، وَعَدَمه) أَي الْإِخْرَاج (من نفس الْجِنْس) أما فِي الْمُتَّصِل فَلِأَن التَّنَاوُل بَاقٍ، وَأما فِي الْمُنْقَطع فلعدم الدُّخُول الَّذِي الْإِخْرَاج فَرعه فَإِن قلت قد مر أَن المُرَاد من الْإِخْرَاج إِفَادَة عدم الدُّخُول قلت إِفَادَة الدُّخُول بِاعْتِبَار الحكم لَهُ وَجه إِذْ يتَوَهَّم ذَلِك، وَلَا وَجه لإِفَادَة عدم دُخُوله خلاف الْجِنْس فِي الْجِنْس، فَإِنَّهُ لَا يتَوَهَّم بِجِنْس (وَوجه الْمُخْتَار) وَهُوَ كَون أَدَاة الِاسْتِثْنَاء حَقِيقَة فِي الْمُتَّصِل مجَاز فِي المقطع (بِأَن عُلَمَاء الْأَمْصَار ردُّوهُ) أَي الْمَذْكُور: يَعْنِي أَدَاة الِاسْتِثْنَاء (إِلَى الْمُتَّصِل، وَإِن) كَانَ الْمُتَّصِل (خلاف الظَّاهِر، فحملوا لَهُ: ألف إِلَّا كرا) من الْبر عَليّ (على قِيمَته) صلَة لحملوا، وَلَوْلَا أَنهم قصدُوا حمل إِلَّا على حَقِيقَته مَا صرفُوا اللَّفْظ عَن ظَاهره، فَإِن ذكر الْكر وَإِرَادَة قِيمَته خلاف الظَّاهِر فَإِن قلت اخْتَارُوا التَّجَوُّز فِي الْكر على التَّجَوُّز فِي إِلَّا، وَلم يعكسوا ليَكُون الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا قلت الطَّرِيق الجادة فِي إِخْرَاج شَيْء من حكم صدر الْكَلَام مَسْلَك الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل لَا الْمُنْقَطع فِيمَا أمكن حمل الْكَلَام على الِاتِّصَال لَا يعدل عَنهُ إِلَى الِانْقِطَاع، وَإِلَيْهِ يُشِير قَوْله (وَلِأَنَّهُ يتَبَادَر من، نَحْو: جَاءَ الْقَوْم إِلَّا قبل ذكر زيد، أَو حمَار أَنه يُرِيد أَن يخرج بعض الْقَوْم عَن حكمهم، فيشرأب) أَي فَيطلع، فِي الْقَامُوس اشرأب إِلَيْهِ مد عُنُقه
следующие страницы →