Полный текст (1 287 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
تضمنه معنى التجاوز، فَإِنَّهُ إِذا خصص الْعُمُوم تجَاوز التقادير عَن أَن يثبت مَعهَا الحكم عُمُوما (وَقد يتَّفق) عُمُوم التقادير (تَخْصِيص الآخر) وَهُوَ تَخْصِيص عُمُوم الْأَفْرَاد: أَي تصاريفه مُوَافقَة، وَيجوز أَن يكون تَخْصِيص الآخر يتَّفق، وَيقدر مَعَ تَخْصِيص عُمُوم التقادير كَقَوْلِك: أكْرم بني تَمِيم إِن دخلُوا، أَو إِلَى أَن يدخلُوا، وَأَرَدْت بِهِ الْمُسلمين مِنْهُم (وَقد لَا) يتَّفق تَخْصِيص الْعُمُوم الآخر: كأكرم بني تَمِيم إِذا دخلُوا (وَقد يتضادان) أَي الشَّرْط والغاية (تَخْصِيصًا) بِأَن يخرج الشَّرْط بعض التقادير عَن الحكم، وتقتضي الْغَايَة دُخُول ذَلِك الْبَعْض فِيهِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِر من هَذِه الْعبارَة، وَكَيف يتَصَوَّر وُقُوع مثل هَذَا فِي كَلَام الْعَاقِل: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون هَذَا الِاقْتِضَاء بِحَسب اللوازم الْخفية فَتَأمل، وَيحْتَمل كَون ضمير ويتضادان للعمومين، وَوَجهه أَيْضا غير ظَاهر (وتجري أَقسَام الشَّرْط) التِّسْعَة الْمَذْكُورَة: أَي أَمْثَالهَا (فِي الْغَايَة) فقد يكون متحدا ومتعددا جمعا وبدلا فتأتي الْأَقْسَام التِّسْعَة: وَهِي كالاستثناء فِي الْعود إِلَى الْجَمِيع أَو إِلَى الْأَخِيرَة، والمذاهب الْمذَاهب، وَالْمُخْتَار الْمُخْتَار: كَذَا فِي الشَّرْح العضدي
(الثَّالِث) من الْأَقْسَام الْخَمْسَة (الصّفة) نَحْو (أكْرم الرِّجَال الْعلمَاء) قصر الْعلمَاء الرِّجَال على بعض أَفْرَاده فَخرج غَيرهم، وَيجب فِيهِ الِاتِّصَال بالموصوف، كالغاية بِمَا هِيَ غَايَة لَهُ (وَفِي تعقبه) أَي الْوَصْف (مُتَعَددًا كتميم وقريش الطوَال) فعلوا كَذَا خلاف فِي تَقْيِيده الْأَخير أَو الْمَجْمُوع (كالاستثناء، وَالْأَوْجه الِاقْتِصَار) على الْأَخير كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاء (وَلَا يخفى أَن الْإِخْرَاج بِالصّفةِ وَالشّرط والغاية، وَالْبدل) واللقب (يُسمى تَخْصِيصًا) كَمَا تَقول الشَّافِعِيَّة وَمن وافقهم (أَولا) يُسمى تَخْصِيصًا (لَا يتَصَوَّر من الْحَنَفِيَّة لنفي الْمَفْهُوم) الْمُخَالف عِنْدهم (وَلَيْسَ) الْإِخْرَاج بأحدها (تَخْصِيصًا إِلَّا بِهِ) أَي بِاعْتِبَار الْمَفْهُوم.
(الرَّابِع بدل الْبَعْض) من الْكل، نَحْو: أكْرم بني تَمِيم (الْعلمَاء مِنْهُم): ذكره ابْن الْحَاجِب. وَقَالَ السُّبْكِيّ: وَلم يذكرهُ الْأَكْثَرُونَ، لِأَن الْمُبدل مِنْهُ فِي نِيَّة الطرح، فَلَا يتَحَقَّق فِيهِ لمحل يخرج مِنْهُ فَلَا تَخْصِيص بِهِ، وَفِيه نظر، لِأَن الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ: كالزمخشري أَن الْمُبدل مِنْهُ فِي غير بدل الْغَلَط لَيْسَ فِي حكم المهدر، بل هُوَ للتمهيد والتوطئة، وليفاد بمجموعها فضل تَأْكِيد وتبيين لَا يكون فِي الْإِفْرَاد.
(الْخَامِس: الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل، وَالْمرَاد) بِهِ هَهُنَا (أدوات الْإِخْرَاج لَا الْإِخْرَاج الْخَاص وَإِن كَانَ) الْإِخْرَاج الْخَاص قد (يُرَاد بِهِ) أَي بِلَفْظ الِاسْتِثْنَاء (كالمستثنى) أَي كَمَا يُرَاد بِهِ الْمُسْتَثْنى، وَهُوَ الْمخْرج، وَمِنْه تَفْسِيره بالمذكور بعد إِلَّا (إِذْ الْكَلَام فِي تَفْصِيل مَا هُوَ) أَي الْإِخْرَاج الْخَاص يتَحَقَّق (بِهِ، لَا) فِي نفس (التَّخْصِيص الْخَاص) الَّذِي هُوَ الْإِخْرَاج الْخَاص (وَهُوَ) أَي مَا بِهِ الْإِخْرَاج (إِلَّا غير
стр. 282
الصّفة وَأَخَوَاتهَا) وَهِي: غير، وَسوى، وَعدا، وخلا، وحاشا، وَلَيْسَ، وَلَا يكون، وَإِلَّا، وسيما، وبيد، وبله، وَلما. وَفِي بَعْضهَا خلاف بَين أهل الْعَرَبيَّة، قيد إِلَّا بِغَيْر الصّفة، لِأَنَّهَا صفة تدخل فِي الْمُخَصّص الوضعي (وَأَنَّهَا) أَي إِلَّا وَأَخَوَاتهَا (تسْتَعْمل فِي إِخْرَاج مَا بعْدهَا) حَال كَونه (كَائِنا بعض مَا قبلهَا عَن حكمه) أَي حكم مَا قبلهَا (وَهَذَا الْإِخْرَاج يُسمى اسْتثِْنَاء مُتَّصِلا) وَيسْتَعْمل (فِي إِخْرَاجه) أَي مَا بعْدهَا حَال كَونه (كَائِنا خِلَافه) أَي خلاف مَا ذكر بِأَن لَا يكون بعض مَا قبلهَا (عَن حكمه) أَي حكم مَا قبلهَا (وَيُسمى) هَذَا الْإِخْرَاج اسْتثِْنَاء (مُنْقَطِعًا)، وَلَا يسْتَعْمل فِي الْمُنْقَطع سوى: إِلَّا، وَغير، وَسوى، وبيد (وَشَرطه) أَي الْمُنْقَطع (كَونه) أَي الْمُسْتَثْنى (مِمَّا يقارنه) أَي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (كثيرا) ليَكُون من توابعه حَتَّى يستحضره بِذكرِهِ (كجاءوا) أَي الْقَوْم (إِلَّا حمارا، وَمِنْه) أَي الْمُنْقَطع قَول الشَّاعِر:
(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس
(إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس)
لِأَنَّهُ حصر الأنيس) فيهمَا وهما ليسَا فِيهِ، والحصر فيهمَا بعد نفي مَا عداهما يشْعر بِأَنَّهُمَا قد خلفتا أهل الْبَلَد وصارتا بِمَنْزِلَة أَهلهَا، واليعافير جمع يَعْفُور: وَهُوَ الْحمار الوحشي، وَقيل تَيْس من تيوس الظباء، والعيس بِالْكَسْرِ: الْإِبِل الْبيض يخالط بياضها شقرة، وَقيل الْجَرَاد (بِخِلَاف إِلَّا الْأكل) فَلَا يُقَال: جَاءُوا إِلَّا الْأكل (أَو) كَون الْمُسْتَثْنى بِحَيْثُ (يَشْمَلهُ حكمه) أَي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (كصونت الْخَيل إِلَّا الْحمير) أَو الْبَعِير، لِأَن التصويت يَشْمَل الْحَيَوَانَات (بِخِلَاف الصهيل أَو) كَون الْمُسْتَثْنى بِحَيْثُ (ذكر) قبله (حكم) مَعْنَاهُ (يضاده) أَي الْمُسْتَثْنى (كَمَا نفع إِلَّا مَا ضرّ، وَمَا زَاد إِلَّا مَا نقض). قَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَا الأولى نَافِيَة، وَالثَّانيَِة مَصْدَرِيَّة، وفاعل زَاد ونفع مُضْمر، وَالتَّقْدِير: مَا زَاد فلَان شَيْئا إِلَّا نُقْصَانا، وَمَا نفع إِلَّا مضرَّة، فالمستثنى، وَهُوَ النُّقْصَان والمضرة حكم مُخَالف للمستثنى مِنْهُ، وَهُوَ الزِّيَادَة والنفع، فالاستثناء مُنْقَطع انْتهى، وَفِيه أَيْضا الْمُقَارنَة بَين الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ بِاعْتِبَار أَنه يفهم أحد الضدين عِنْد ذكر الآخر. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي الْمِثَال الثَّانِي: لَكِن النُّقْصَان فعل، أَو لَكِن النُّقْصَان أمره وشأنه، وَلَيْسَ الْمَعْنى: مَا زَاد شَيْئا غير النُّقْصَان ليَكُون مُتَّصِلا عرفا أهـ. فَبين الْكَلَامَيْنِ تدافع، لِأَن سِيبَوَيْهٍ فسره بِهَذَا الْمَعْنى وَحكم بالانقطاع، وَلَك أَن تَقول: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد سِيبَوَيْهٍ: مَا زَاد شَيْئا غير النُّقْصَان مِمَّا يقْصد، أَو زِيَادَة كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر، فَلَا شكّ فِي انْقِطَاعه حِينَئِذٍ: غير أَنه يحْتَمل الِاتِّصَال كَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف ﵀ بقوله (أما مَا زَاد إِلَّا مَا نقص فَيحْتَمل الِاتِّصَال، لِأَنَّهُ) أَي النُّقْصَان (زِيَادَة حَال بعد التَّمام) وَيقرب مِنْهُ مَا عَن
стр. 283
ابْن مَالك: إِذا قلت مَا زَاد فكأنك قلت مَا عرض لَهُ عَارض ثمَّ استثنيت من الْعَارِض النَّقْص: هَذَا، وَالْمرَاد من التَّمام تِلْكَ الْحَالة الَّتِي كَانَت لَهُ قبل النَّقْص وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مثل هَذَا الِاعْتِبَار فِي الْمِثَال الأول رَكِيك، لِأَنَّهُ يُرَاد بِمَا زَاد أَنه على حَاله عرفا، وَلَا يُرَاد بِمَا نفع كَونه على حَاله فَقَوْل الشَّارِح: إنَّهُمَا شَيْئَانِ لَيْسَ بِشَيْء (وَالْمرَاد من الْإِخْرَاج إفادته) أَي الْمخْرج (عدم الدُّخُول) أَي دُخُول الْمُسْتَثْنى (فِي الحكم اشْتهر) لفظ الْإِخْرَاج (فِيهِ) أَي فِي عدم الدُّخُول (اصْطِلَاحا) فَلَا ضير فِي ذكره فِي التَّعْرِيف، وَإِنَّمَا احْتِيجَ لبَيَان المُرَاد (إِذْ حَقِيقَته) أَي حَقِيقَة الْإِخْرَاج إِنَّمَا تتَحَقَّق (بعد الدُّخُول، وَهُوَ) أَي الْإِخْرَاج حَقِيقَة (من الْإِرَادَة) صلَة الْإِخْرَاج: أَي إِخْرَاج الْمُسْتَثْنى من المُرَاد (بِحكم الصَّدْر) مُتَعَلق بالإرادة (مُنْتَفٍ) إِذْ لَا يُمكن أَن يُرَاد تنَاول الحكم الْوَاقِع فِي صدر الْكَلَام الْمُسْتَثْنى، ثمَّ يخرج مِنْهُ للُزُوم التَّنَاقُض (و) الْإِخْرَاج (من التَّنَاوُل) أَي تنَاول اللَّفْظ، وَالدّلَالَة عَلَيْهِ (لَا يُمكن) لِأَن التَّنَاوُل بَاقٍ بعد الاسثتناء أَيْضا، لِأَنَّهُ بعلة الْوَضع، فَلَا يَنْقَطِع عَن الْمَوْضُوع (فَقيل) لفظ الِاسْتِثْنَاء (مُشْتَرك فيهمَا) أَي الْمُتَّصِل والمنقطع (لَفْظِي) لَا طَلَاقه على كل مِنْهَا حَقِيقَة من غير أَن يشْتَرك بَينهمَا معنى، وَعدم تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر ليَكُون حَقِيقَة ومجازا (وَقيل متواطئ) أَي مَوْضُوع للقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا كَمَا سَيَجِيءُ، والتواطؤ خير من الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ، وَالْمجَاز (وَالْمُخْتَار) أَنه فِي الْمُتَّصِل حَقِيقَة، و (فِي الْمُنْقَطع مجَاز) وَنَقله الْآمِدِيّ عَن الْأَكْثَرين (قَالُوا) وَمِنْهُم ابْن الْحَاجِب (فعلى التواطؤ أمكن حَده) أَي الْمُنْقَطع (مَعَ الْمُتَّصِل بِحَدّ وَاحِد بِاعْتِبَار) الْمَعْنى (الْمُشْتَرك بَينهمَا) أَي الْمُتَّصِل والمنقطع (مُجَرّد الْمُخَالفَة) بِالْجَرِّ عطف بَيَان للمشترك (الْأَعَمّ من الْإِخْرَاج وَعَدَمه) قيل الْأَعَمّ أفعل التَّفْضِيل، وَهُوَ معرف بِاللَّامِ، وَقد أجْرى على الْمُخَالفَة فَيجب تأنيثه، وَيمْتَنع فِيهِ من أُجِيب بِأَنَّهُ صفة لمُجَرّد، وَمن لبَيَان الْمُخَالفَة، لَا صلَة الْأَعَمّ. وَقَالَ الشَّارِح فِيهِ تَأمل (فَيُقَال مَا دلّ على الْمُخَالفَة بإلا غير الصّفة إِلَى آخِره) أَي وَأَخَوَاتهَا، وَقَوله بإلا غير الصّفة إِخْرَاج سَائِر أَنْوَاع التَّخْصِيص (وعَلى أَنه) أَي لفظ الِاسْتِثْنَاء (مُشْتَرك) لَفْظِي بَينهمَا (أَو مجَاز فِي الْمُنْقَطع لَا يُمكن) حد الْمُنْقَطع مَعَ الْمُتَّصِل بِحَدّ وَاحِد (لِأَن مفهومية) أَي الِاسْتِثْنَاء (حِينَئِذٍ حقيقتان مُخْتَلِفَتَانِ، فَيحد كل) من الْمُتَّصِل والمنفصل (بِخُصُوصِهِ، فيزاد) على الْحَد الْوَاحِد السَّابِق (فِي) حد (الْمُنْقَطع) قيد (من غير إِخْرَاج لإِخْرَاج الْمُتَّصِل وَلَا شكّ أَن هَذَا) أَي امْتنَاع الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي تَعْرِيف وَاحِد (إِنَّمَا هُوَ فِي تَعْرِيف ماهيتين مختلفتين كَمَا لَو كَانَ التَّعْرِيف للاستثناء بِمَعْنى الاخراجين المسميين بالمتصل والمنقطع) فَإِن الْإِخْرَاج فِي الْمُتَّصِل إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله صدر الْكَلَام من حكمه.
стр. 284
وَفِي الْمُنْقَطع إِخْرَاج مَا لَا يتَنَاوَلهُ الصَّدْر من حكمه وَلَا شكّ أَنَّهُمَا حقيقتان بِمَعْنى ماهيتان مُخْتَلِفَتَانِ مُمْتَنع اجْتِمَاعهمَا فِي حد وَاحِد فَإِن قلت قد يجمع بَين الماهيات الْمُخْتَلفَة فِي تَعْرِيف وَاحِد كتعريف الْحَيَوَان المندرج تَحْتَهُ الْحَيَوَان: الْإِنْسَان، وَالْفرس وَغَيرهمَا بالجسم النامي الحساس إِلَى آخِره قلت المُرَاد: تَعْرِيف الماهيتين بِحَيْثُ يتَمَيَّز كل مِنْهُمَا على جَمِيع مَا عداهُ لَا يُقَال يجوز أَن يذكر كل مِنْهُمَا بِجَمِيعِ قيوده بِأَو الترديدية، لِأَنَّهُ لَا يتَعَيَّن حِينَئِذٍ اخْتِصَاص شَيْء من الترديد بِشَيْء مِنْهُمَا بِعَيْنِه من نفس التَّعْرِيف وَالْحق أَن الْكَلَام فِي الْحَد الأسمى فَلَا يتَصَوَّر وحدته إِلَّا بِأَن يُوجد مُسَمّى وَاحِد، وضع الِاسْم بإزائه، والمفروض فِيمَا نَحن فِيهِ خِلَافه فَافْهَم (وَبِأَن وضع لفظ مرَّتَيْنِ لشيئين) حَتَّى كَانَ مُشْتَركا لفظيا بَينهمَا (أَو) وضع لفظ (مرّة لمشترك بَينهمَا) أَي بَين شَيْئَيْنِ حَتَّى كَانَ متواطئا (أَو) وضع (لأَحَدهمَا ويتجوز بِهِ فِي الآخر لَا يتَعَذَّر تَعْرِيفه على تَقْدِير تَقْدِير) بِأَن يُقَال فِيمَا نَحن فِيهِ الِاسْتِثْنَاء على تَقْدِير وَضعه للمتصل مَعْنَاهُ، وَكَذَا قَوْله على تَقْدِير مكررا، مثل قَوْلهم: رتبته بَابا بَابا، وَجَاءُوا وَاحِدًا وَاحِدًا: فَهُوَ حَال عَن تَعْرِيفه: يَعْنِي مفصلا على هَذَا الْوَجْه. قَالَ الرضي وصابطه أَن يَتَأَتَّى للتفصيل بعده كَمَا ذكر الْمَجْمُوع بجزئه مكررا (وَالْكَلَام) هَهُنَا (إِنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى الأداة) يَعْنِي أَن لفظ الِاسْتِثْنَاء يُطلق على الْإِخْرَاج الْمَذْكُور وعَلى اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ، وَكَلَام الْأُصُولِيِّينَ فِي هَذَا الْمقَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَخِيرَة، فالأداة إِمَّا مُشْتَرك وَإِمَّا متواطئ إِلَى آخِره، وَيجوز تَعْرِيفهَا على كل تَقْدِير تَقْدِير (فَيُقَال مَا دلّ على عدم إِرَادَة مَا بعده) حَال كَون مَا بعده (كَائِنا بعض مَا قبله، أَو) كَائِنا (خِلَافه) أَي خلاف مَا ذكر بِأَن لَا يكون بعض مَا قبله (بِحكمِهِ) مُتَعَلق الْإِرَادَة: أَي لم يقْصد بِحكمِهِ أَن يَشْمَل مَا بعده ناشئة دلَالَته على الْمَعْنيين (عَن وضعين) وضع مرّة لِأَن يدل على عدم إِرَادَة مَا بعده كَائِنا إِلَى آخِره، وَمرَّة لمقابله (على الِاشْتِرَاك، وَيتْرك لفظ الْوَضع) الْمَذْكُور فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور بِصِيغَة التَّثْنِيَة (على) تَقْدِير (التواطؤ) وَالْبَاقِي على حَاله، فَيُقَال مَا دلّ على عدم إِرَادَة مَا بعده كَائِنا بعض مَا قبله أَو خِلَافه (و) يُقَال على أَنه حَقِيقَة فِي الْمُتَّصِل مجَاز فِي الْمُنْقَطع مَا دلّ على عدم إِرَادَة مَا بعده (كَائِنا بعضه) أَي بعض مَا قبله (بِحكمِهِ بِوَضْعِهِ) أَي بِسَبَب وضع مَا دلّ على هَذَا الْمَعْنى (لَهُ) أَي لهَذَا الْمَعْنى (فَقَط، وخلافه بِالْقَرِينَةِ) أَي وَدلّ على عدم إِرَادَة مَا بعده كَائِنا خِلَافه مَا قبله بِأَن لَا يكون بعضه بِحكمِهِ بِالْقَرِينَةِ: أَي دلَالَته على هَذَا الْمَعْنى بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْوَضْعِ (ثمَّ لَا يخفى صدق تعريفنا) وَهُوَ قَوْلنَا مَا دلّ الخ بِبَعْض تصرف (عَلَيْهَا) أَي على الأداة (على التقادير) الثَّلَاثَة (بِلَا حَاجَة إِلَى خِلَافه) من التعاريف على
стр. 285
مَا تكلفوا فِي هَذَا الْمقَام (وَقَوله) أَي الَّذِي جوز حَده على التواطؤ، فَقَالَ مَا دلّ على الْمُخَالفَة (بإلا) غير الصّفة (إِلَى آخِره يُفِيد أَن إِلَّا وَأَخَوَاتهَا مَعَ مَا دلّ غيران) أَي متغايران، لِأَن الدَّال بِوَاسِطَة شَيْء غير ذَلِك الشي (وَلَيْسَ) كَذَلِك لِأَن الدَّال إِنَّمَا هُوَ إِلَّا وَأَخَوَاتهَا غير أَن الْحُرُوف لَا تستقل بِالدّلَالَةِ بِدُونِ متعلقها (وَقَوله فِي الْمُنْقَطع من غير إِخْرَاج أَن) أَرَادَ بِهِ نفي الْإِخْرَاج (مُطلقًا) من حَيْثُ تنَاول الصَّدْر، وَمن حَيْثُ تنَاول الحكم (لم يصدق) التَّعْرِيف (على شَيْء من أَفْرَاد الْمَحْدُود لِأَنَّهَا) أَي أَفْرَاده (مخرجة من الحكم) فَإِن قلت الْإِخْرَاج مِنْهُ فِي الْمُتَّصِل بِاعْتِبَار شُمُول صدر الْكَلَام الْمُسْتَثْنى، فَإِنَّهُ بِحَسب الظَّاهِر يُفِيد دُخُوله فِي الحكم، وَإِن كَانَ بِحَسب الْحَقِيقَة لَا حكم قبل الِاسْتِثْنَاء على مَا بَين فِي مَحَله دفعا للتناقض، فَمَا معنى الْإِخْرَاج مِنْهُ فِي الْمُنْقَطع قلت قد مر أَن المُرَاد من الْإِخْرَاج إِفَادَة عدم الدُّخُول فِي الحكم (والإخراج فِي الِاسْتِثْنَاء بقسميه) الْمُتَّصِل والمنقطع (لَيْسَ إِلَّا مِنْهُ) أَي من الحكم (وَحمله) أَي الْإِخْرَاج (على أَنه من الْجِنْس فَقَط، وَأَنه) أَي كَون الْإِخْرَاج هَذَا (الِاصْطِلَاح) أَي مُوجب الِاصْطِلَاح (بَاطِل للْقطع بِأَن زيدا لم يخرج من الْقَوْم، وَلَا يصطلح على بَاطِل، وَإِن أُرِيد التَّجَوُّز بِالْجِنْسِ عَن حكمه) ليَكُون الْمجَاز لغويا، (أَو أضمر) الحكم ليَكُون من مجَاز الْحَذف (صَار الْمَعْنى من غير إِخْرَاج من حكم الْجِنْس، وَعَاد الأول، وَهُوَ أَن الْوَاقِع إِخْرَاج مَا بعد إِلَّا مُطلقًا) أَي مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا (من حكم مَا قبلهَا، وَعَدَمه) أَي الْإِخْرَاج (من نفس الْجِنْس) أما فِي الْمُتَّصِل فَلِأَن التَّنَاوُل بَاقٍ، وَأما فِي الْمُنْقَطع فلعدم الدُّخُول الَّذِي الْإِخْرَاج فَرعه فَإِن قلت قد مر أَن المُرَاد من الْإِخْرَاج إِفَادَة عدم الدُّخُول قلت إِفَادَة الدُّخُول بِاعْتِبَار الحكم لَهُ وَجه إِذْ يتَوَهَّم ذَلِك، وَلَا وَجه لإِفَادَة عدم دُخُوله خلاف الْجِنْس فِي الْجِنْس، فَإِنَّهُ لَا يتَوَهَّم بِجِنْس (وَوجه الْمُخْتَار) وَهُوَ كَون أَدَاة الِاسْتِثْنَاء حَقِيقَة فِي الْمُتَّصِل مجَاز فِي المقطع (بِأَن عُلَمَاء الْأَمْصَار ردُّوهُ) أَي الْمَذْكُور: يَعْنِي أَدَاة الِاسْتِثْنَاء (إِلَى الْمُتَّصِل، وَإِن) كَانَ الْمُتَّصِل (خلاف الظَّاهِر، فحملوا لَهُ: ألف إِلَّا كرا) من الْبر عَليّ (على قِيمَته) صلَة لحملوا، وَلَوْلَا أَنهم قصدُوا حمل إِلَّا على حَقِيقَته مَا صرفُوا اللَّفْظ عَن ظَاهره، فَإِن ذكر الْكر وَإِرَادَة قِيمَته خلاف الظَّاهِر فَإِن قلت اخْتَارُوا التَّجَوُّز فِي الْكر على التَّجَوُّز فِي إِلَّا، وَلم يعكسوا ليَكُون الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا قلت الطَّرِيق الجادة فِي إِخْرَاج شَيْء من حكم صدر الْكَلَام مَسْلَك الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل لَا الْمُنْقَطع فِيمَا أمكن حمل الْكَلَام على الِاتِّصَال لَا يعدل عَنهُ إِلَى الِانْقِطَاع، وَإِلَيْهِ يُشِير قَوْله (وَلِأَنَّهُ يتَبَادَر من، نَحْو: جَاءَ الْقَوْم إِلَّا قبل ذكر زيد، أَو حمَار أَنه يُرِيد أَن يخرج بعض الْقَوْم عَن حكمهم، فيشرأب) أَي فَيطلع، فِي الْقَامُوس اشرأب إِلَيْهِ مد عُنُقه
стр. 286
لينْظر، أَو ارْتَفع، وَالِاسْم الشرأبية كالطمأنية (إِلَى أَنه أَيهمْ، وَلَو كَانَت) إِلَّا (حَقِيقَة فِي إِخْرَاج الْأَعَمّ مِنْهُ) مِمَّا تنَاوله الصَّدْر (من حكمه) أَي من حكم الصَّدْر (لم يتَبَادَر معِين) وَهُوَ مَا تنَاوله صدر الْكَلَام (لَا يُقَال جَازَ) تبادر الْمعِين (لعروض شهرة أوجبت الِانْتِقَال إِلَيْهِ) أَي الْمعِين، فالتبادر لأمر عَارض لأصل الْوَضع، وَمثله لَا يكون عَلامَة الْحَقِيقَة (لِأَنَّهُ) أَي عرُوض الشُّهْرَة فِي أحد الْمَعْنيين الحقيقيين (نَادِر لَا يعْتَبر بِهِ) بِمُجَرَّد الْإِمْكَان (قبل فعليته) أَي تحَققه بِالْفِعْلِ (وَإِلَّا) لَو اعْتبر جَوَاز عرُوض الشُّهْرَة مُوجبا للتبادر (بَطل الْحمل على الْحَقِيقَة عِنْد إمكانهما) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، لِأَن الْحَقِيقَة لَا تعرف إِلَّا بالتبادر عِنْد الْإِطْلَاق، وَإِذا جوز كَون التبادر لعروض عَن الشُّهْرَة على سَبِيل الِاحْتِمَال انسد بَاب إِثْبَات الْحَقِيقَة (وَغير ذَلِك) من الْحمل على الِاشْتِرَاك إِذا ثَبت تبادر المفاهيم على السوَاء بتجويز كَون تبادر أَحدهمَا لعروض الشُّهْرَة. (وَقَالَ الْغَزالِيّ) وَالْقَاضِي (فِي) تَعْرِيف الِاسْتِثْنَاء (الْمُتَّصِل قَول ذُو صِيغ مَخْصُوصَة دَال على أَن الْمَذْكُور) الْمُتَّصِل (بِهِ لم يرد بالْقَوْل الأول أَفَادَ جنسه) وَهُوَ قَول (أَنه) أَي التَّعْرِيف (لغير الْمَعْنى المصدري) الَّذِي هُوَ الْإِخْرَاج، بل للأداة (ومخصوصة أَي معهودة، وَهِي إِلَّا وَأَخَوَاتهَا، فالأنسب أَن يُقَال يرد على طرده) أَي على مانعية التَّعْرِيف (الشَّرْط) نَحْو: أكْرم النَّاس أَن علمُوا، لِأَنَّهُ يصدق عَلَيْهِ قَول إِلَى آخِره، لِأَن لَهُ صيغا هِيَ أدوات الشَّرْط، وَسَيذكر الْقَيْد الآخر (لَا) أَن يُقَال يرد على طرده (التَّخْصِيص بِهِ) أَي بِالشّرطِ كَمَا قَالَ ابْن الْحَاجِب: إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ قَول، وَإِنَّمَا قَالَ الْأَنْسَب لِأَنَّهُ يُمكن تَأْوِيل مَا قَالَ (و) يرد عَلَيْهِ (الْمَوْصُول) حَال كَونه (وَصفا) مُخَصّصا، نَحْو: أكْرم النَّاس الَّذين علمُوا (والمستقل) نَحْو: لَا تكرم زيدا بعد أكْرم الْقَوْم (وَدفع الْأَوَّلَانِ) أَي الايردان بِالشّرطِ والموصول، والدافع ابْن الْحَاجِب (بِأَنَّهُمَا) أَي الشَّرْط والموصول (لَا يخرجَانِ الْمَذْكُور) وَهُوَ الْعلمَاء فِي المثالين (بل) يخرجَانِ (غَيره) أَي غير الْمَذْكُور، وَهُوَ من عداهم (وَتقدم التَّحْقِيق فِيهِ) من أَن الشَّرْط مخرج بعض التقادير، وَكَذَلِكَ الْوَصْف (والمستقل لم يوضع لإِفَادَة الْمُخَالفَة، وَإِنَّمَا تفهم) الْمُخَالفَة (بملاحظتهما) أَي المستقل، وَمَا خص بِهِ وَالْمرَاد من الدّلَالَة فِي التَّعْرِيف مَا بِالْوَضْعِ (و) أورد (على عَكسه) أَي على جامعية التَّعْرِيف (شخص جَاءُوا إِلَّا زيدا، وسائرها) أَي خُصُوص إِلَّا، وكل من أدوات الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء مِنْهَا ذَا صِيغ، فَلَا يصدق الْحَد على شَيْء مِنْهَا (ورد) هَذَا الْإِيرَاد (بِظُهُور أَن المُرَاد) بالْقَوْل الْمَذْكُور فِي التَّعْرِيف (جنس الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل) فَإِنَّهُ ذُو صِيغ، وكل فَرد مِنْهُ ذُو صِيغَة وَلَا يخفى مَا فِيهِ من أَن التَّعْرِيف لَا يكون إِلَّا للْجِنْس، وَمَعَ هَذَا لَا بُد من صدق التَّعْرِيف على
стр. 287
كل فَرد (وَلَا يخفى مَا فِيهِ، وَعدم وُرُوده) أَي هَذَا الْإِيرَاد (على) تَقْدِير (كَونه) أَي كَون التَّعْرِيف (تعريفا للأدوات يُفِيد الْعُمُوم) بِأَن يكون الْمُعَرّف جنس الأدوات لَا من حَيْثُ هُوَ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارف فِي التعريفات، بل من حَيْثُ تحققها فِي ضمن كل من الْأَفْرَاد، فَكل خُصُوصِيَّة من خصوصيات الأدوات لَيست من أَفْرَاد الْمُعَرّف، فَلَا ينْتَقض بهَا التَّعْرِيف جمعا (وعَلى) تَقْدِير (كَونه) أَي التَّعْرِيف تعريفا (لما يصدق عَلَيْهِ أَدَاة الِاسْتِثْنَاء) بِأَن يكون الْمُعَرّف الْفَرد الْمُنْتَشِر لجنس أَدَاة الِاسْتِثْنَاء (ليَكُون الْمِثَال) الْمَذْكُور، وَهُوَ قَوْله: إِلَّا زيد الَّذِي هُوَ شخص من ذَلِك الْجِنْس (من أَفْرَاد الْمُعَرّف بِخِلَاف الأول) وَهُوَ فرض كَون التَّعْرِيف للأدوات يُفِيد الْعُمُوم، فَإِن الْمِثَال الْمَذْكُور لَيْسَ من أَفْرَاد الْمُعَرّف: أَي بِنَاء عَلَيْهِ (صَادِق عَلَيْهِ) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره والتعريف صَادِق على الْمِثَال الْمَذْكُور بِنَاء على كَونه لما يصدق عَلَيْهِ إِلَى آخِره (إِذْ الْجِنْس) أَي جنس الْفَرد الْمُنْتَشِر (قَول كلي لَا يتَحَقَّق خَارِجا إِلَّا فِي ضمن أَدَاة) فَهُوَ بِاعْتِبَار كل تحقق ذُو صِيغَة وَاحِدَة، وَلَكِن بِاعْتِبَار تحققاته ذُو صِيغ كَثِيرَة (وَهُوَ) أَي الْجِنْس (نَفسه ذُو الصِّيَغ) وَإِن كَانَ شخصه ذَا صِيغَة وَاحِدَة (وَيصدق على الْكُلِّي الْكَائِن فِي ضمن إِلَّا فِي الْمِثَال) الْمَذْكُور (ذَلِك) أَي قَول ذُو صِيغ إِلَى آخِره وَالْحَاصِل أَن الْفَرد الْمُنْتَشِر وَإِن لم يصدق عَلَيْهِ بِاعْتِبَار تحَققه فِي ضمن هَذَا الْخَاص أَنه قَول ذُو صِيغ إِلَى آخِره، لَكِن يصدق عَلَيْهِ بِاعْتِبَار تحققاته فِي ضمن الخصوصيات أَنه قَول ذُو صِيغ (وَقيل) فِي التَّعْرِيف (لفظ مُتَّصِل بجملة لَا يسْتَقلّ) صفة لفظ، وَكَذَا قَوْله (دَال على أَن مَدْلُوله) الضَّمِير رَاجع إِلَى لفظ (غير مُرَاد بِمَا اتَّصل) اللَّفْظ الْمَذْكُور (بِهِ) وَهُوَ الْجُمْلَة (لَيْسَ) ذَلِك اللَّفْظ (بِشَرْط وَلَا صفة وَلَا غَايَة) احْتِرَاز بِلَفْظ من المخصصات الحسية أَو الْعَقْلِيَّة، وبمتصل عَن الْمُنْفَصِلَة، وَبلا يسْتَقلّ عَن مثل قَامَ الْقَوْم وَلم يقم زيد، وبعدم إِرَادَة مَدْلُوله عَن الْأَسْمَاء الْمُؤَكّدَة مثل: جَاءَ الْقَوْم كلهم، وَالْبَاقِي ظَاهر (و) يرد (على طرده قَامُوا لَا زيد) لصدق الْحَد عَلَيْهِ، وَلَيْسَ باستثناء (وَدفع بِمَا ذكرنَا) من أَنه لم يوضع لإِفَادَة عدم الْإِرَادَة، وَإِنَّمَا لَزِمت من ملاحظته مَعَ مَا قبله لُزُوما عقليا لَا وضعيا بِدَلِيل جَاءَ زيد لَا عَمْرو، لِامْتِنَاع إِرَادَة عَمْرو من زيد (و) يرد (على عَكسه) الِاسْتِثْنَاء (المفرغ للْفَاعِل) نَحْو: مَا جَاءَ إِلَّا زيد، إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ الْحَد لعدم اتِّصَاله بِالْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِل، وَالْفِعْل وَحده مُفْرد (وَدفع بِأَن مَا قبله) أَي مَا قبل إِلَّا زيد (فِي تقديرها) أَي الْجُمْلَة، فَالْمُرَاد بِالْجُمْلَةِ مَا يعم الْجُمْلَة تَقْديرا (وعَلى هَذَا) مَشى (من يقدر فَاعِلا عَاما) وَيجْعَل مَا بعد إِلَّا بَدَلا مِنْهُ فَنَقُول التَّقْدِير: مَا جَاءَ أحد إِلَّا زيد (وَلَعَلَّ الْمُعَرّف) الَّذِي عرف بالتعريف الْمَذْكُور (يرَاهُ) أَي التَّقْدِير على الْوَجْه الْمَذْكُور (ثمَّ يفْسد) عَكسه أَيْضا (بِأَن كل مُسْتَثْنى مُتَّصِل مُرَاد بِالْأولِ) بِحَسب
стр. 288
دلَالَة لفظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ على إِرَادَة الْمُتَكَلّم إِيَّاه (وَيدْفَع بِمَنْعه) أَي بِمَنْع كَون الْمُسْتَثْنى مرَادا بِالْأولِ، وَإِن كَانَ مدلولا (وَلَو سلم) كَونه مرَادا فِي الْجُمْلَة (فَغير مُرَاد بالحكم وَهَذَا) التَّعْرِيف (أَيْضا لما لَهُ) التَّعْرِيف فِي (الأول) أَي تَعْرِيف الْغَزالِيّ: وَهُوَ الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى الأداة (فَلَا يكون الأولى) من كل مِنْهُمَا أَن يُقَال فِي تَعْرِيفه كَمَا قَالَ ابْن الْحَاجِب (إِخْرَاج بَالا أَو إِحْدَى أخواتها، وَهُوَ) أَي هَذَا التَّعْرِيف (على غير مهيعة) أَي طَرِيق كل من التعريفين السَّابِقين أَي لَا يكون هَذَا أولى، وَالْحَال أَنه على غير مهيعهما، فَإِن الْأَوْلَوِيَّة فرع الِاتِّحَاد فِيمَا صدق التعريفات الثَّلَاثَة عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ (إِلَّا معنى الأول تَعْرِيف) الِاسْتِثْنَاء بِالْمَعْنَى (المصدري الَّذِي هُوَ التَّخْصِيص الْخَاص) وَهُوَ مَا يكون بألا وَإِحْدَى أخواتها (وَترك مَا بِهِ) التَّخْصِيص (وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك) أَي أولى هَهُنَا (فَإِن الْكَلَام فِي ذَلِك) أَي الْمُخَصّص الْمُتَّصِل الْمُسَمّى بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي نفس التَّخْصِيص إِذْ الْكَلَام فِي بَيَان المخصصات (وَاعْلَم أَنه قد يعرف مَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الِاسْتِثْنَاء من ماهيتي الْمُتَّصِل والمنقطع غير أَنه) أَي لفظ الِاسْتِثْنَاء (لَيْسَ حَقِيقَة فيهمَا) أَي الماهيتين (مُشْتَركا) بِأَن يكون مَوْضُوعا بِإِزَاءِ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِوَضْع على حِدة (أَو متواطئا) بِأَن يكون مَوْضُوعا بِإِزَاءِ مَفْهُوم يعمهما (إِلَّا اصْطِلَاحا) نحويا اسْتثِْنَاء من قَوْله متواطئا: أَي لَيْسَ حَقِيقَة فيهمَا على التواطؤ فِي وضع إِلَّا فِي الْوَضع الاصطلاحي (وَنظر الأصولي فِي معنى الِاسْتِثْنَاء) إِنَّمَا هُوَ (من جِهَة اللُّغَة، وَيُمكن تعريفهما) أَي ماهيتي الْمُتَّصِل والمنفصل (لَا من حَيْثُ هما مدلولا لفظ أصلا، أَو مدلولا لفظ لغَوِيّ) يَعْنِي تعريفهما إِنَّمَا يتَصَوَّر على أحد الْوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا أَن يَقع النّظر عَن كَونهمَا مدلولي لفظ، لَا لُغَة وَلَا اصْطِلَاحا إِن لم يكن فِي نفس الْأَمر هَهُنَا اصْطِلَاح كَمَا أَنه لَيْسَ هَهُنَا لُغَة، وَالثَّانِي أَن يَقع النّظر عَن كَونهمَا مدلولي لُغَة وَإِن فرض وجود اصْطِلَاح (هُوَ) أَي ذَلِك اللَّفْظ اللّغَوِيّ (الأدوات، فالاستثناء: أَي مَا تفيده إِلَّا وَأَخَوَاتهَا) حَقِيقَة أَو مجَازًا (الْمَعْرُوفَة) صفة لأخواتها (إِخْرَاج بهَا) أَي بِإِحْدَى الْمَذْكُورَات، ثمَّ فسر الْإِخْرَاج بقوله (أَي منع) أحد الْمَذْكُورَات مدخوله (من الدُّخُول اشْتهر) لفظ الْإِخْرَاج فِي هَذَا الْمحل (فِيهِ) أَي فِي الْمَنْع الْمَذْكُور (من الحكم أَو الصَّدْر مَعَه) أَي مَعَ الحكم على مَا ذكر من الْوَجْهَيْنِ.
مسئلة
(الِاتِّفَاق أَن مَا بعد إِلَّا مخرج من حكم الصَّدْر: أَي لم يرد بِهِ) أَي بِحكم الصَّدْر (فالمقر بِهِ لَيْسَ إِلَّا سَبْعَة، فِي على عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة، وَاخْتلف فِي تَقْدِير دلَالَته) أَي فِي تَوْجِيه دلَالَة الْكَلَام الْمَذْكُور على سَبْعَة (فالأكثر) على أَنه (أُرِيد سَبْعَة) بِعشْرَة مجَازًا (وَإِلَّا)
стр. 289
مَعَ دُخُولهَا (قرينته) أَي قرينَة هَذَا المُرَاد الَّذِي هُوَ جُزْء الْمُسَمّى (والاتفاق أَن التَّخْصِيص كَذَلِك) أَي الْمُخَصّص فِيهِ قرينَة على أَن المُرَاد بالمخصص مَا بَقِي بعد التَّخْصِيص (وَقيل أُرِيد عشرَة ثمَّ أخرج) ثَلَاثَة بإلا ثَلَاثَة، فَدلَّ إِلَّا على الْإِخْرَاج وَثَلَاثَة على الْعدَد الْمُسَمّى بهَا (ثمَّ حكم على الْبَاقِي، وَالْمرَاد أُرِيد عشرَة وَحكم على سَبْعَة فإرادة الْعشْرَة) بِلَفْظ عشرَة (بَاقٍ بعد الحكم) على سَبْعَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن المُرَاد هَذَا (رَجَعَ إِلَى إِرَادَة سَبْعَة بِهِ) أَي بِلَفْظ عشرَة (مَعَ الحكم عَلَيْهَا) أَي على سَبْعَة (فَلم يزدْ على الأول إِلَّا) مَا حصل (بتكلف لَا فَائِدَة لَهُ وَاخْتَارَهُ) أَي هَذَا القَوْل (بعض الْمُتَأَخِّرين) وَهُوَ ابْن الْحَاجِب، وَاسْتدلَّ (بِالْقطعِ باستثناء نصفهَا فِي: اشْتريت الْجَارِيَة إِلَّا نصفهَا فَكَانَ) جَمِيع الْجَارِيَة (مرَادا) من الْجَارِيَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد مِنْهَا جَمِيعًا، بل نصفهَا (كَانَ) الِاسْتِثْنَاء لنصفها (من نصفهَا فَهُوَ) أَي الِاسْتِثْنَاء (مُسْتَغْرق) جمع الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَهُوَ بَاطِل (أَو) كَانَ (الْمخْرج الرّبع لِأَن الْبَاقِي من النّصْف بعد إِخْرَاج النّصْف مِنْهُ) أَي من النّصْف (الرّبع ويتسلسل: أَي يَنْتَهِي إِلَى إِخْرَاج الْجُزْء غير المتجزئ مِنْهُ) أَي من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَفِي تَفْسِير التسلسل بالانتهاء إِلَى مَا ذكر مُسَامَحَة: يَعْنِي لَيْسَ المُرَاد التسلسل إِلَى غير النِّهَايَة، يل إِلَى حد لَا يتَصَوَّر بعده الْمخْرج والمخرج مِنْهُ (وَعلمت أَن الْإِخْرَاج مجَاز عَن عدم الْإِرَادَة) أَي عَن عدم إِرَادَة الْمُسْتَثْنى مِنْهُ بالمستثنى مِنْهُ (عِنْدهم، وَإِلَّا نصفهَا بَيَان إِرَادَة النّصْف بلفظها) أَي الْجَارِيَة فَلَا يكون إِلَّا نصفهَا مُسْتَغْرقا، وَإِنَّمَا كَانَ يلْزم ذَلِك لَو أُرِيد بِلَفْظ الْجَارِيَة نصفهَا قبل ذكرا، ثمَّ أخرج نصفهَا من ذَلِك المُرَاد (وَلَا يتسلسل) الإخراجيات (لعدم حَقِيقَة الْإِخْرَاج) فَإِن مبْنى التسلسل على أَن الِاسْتِثْنَاء يخرج بعض المُرَاد من لفظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَالْمرَاد مِنْهُ يتَعَيَّن بعده الْإِخْرَاج بِالِاسْتِثْنَاءِ، فتعقب كل اسْتثِْنَاء اسْتثِْنَاء، وَهَذَا إِذا كَانَ هُنَاكَ حَقِيقَة الْإِخْرَاج، وَأما إِذا كَانَ الْإِخْرَاج عبارَة عَن عدم إِرَادَة الْبَعْض بِسَبَب الِاسْتِثْنَاء، وَبعد مَا تعين المُرَاد بِسَبَبِهِ فقد انْتهى عمل الِاسْتِثْنَاء قبله، وَلَا إِخْرَاج بعد ذَلِك فَافْهَم (و) ابْن الْحَاجِب قَالَ (أَيْضا الضَّمِير) فِي نصفهَا (لِلْجَارِيَةِ) إِذْ المُرَاد نصف جَمِيعهَا قطعا، وَيلْزم من كَون المُرَاد من الْجَارِيَة نصفهَا أَن يرجع الضَّمِير إِلَى نصفهَا، لِأَن الْمَذْكُور على هَذَا التَّقْدِير لَا جَمِيعهَا (وَيدْفَع) هَذَا (بِأَن الْمرجع) لضمير نصفهَا (اللَّفْظ) أَي لفظ الْجَارِيَة (لِأَنَّهُ) أَي الضَّمِير (لربط لفظ بِلَفْظ بِاعْتِبَار مَعْنَاهُمَا) حَقِيقِيًّا كَانَ أَو مجازيا لَا الْمُسَمّى: أَي (لَا) بِاعْتِبَار (الْمُسَمّى) خَاصَّة (فَيرجع) ضمير نصفهَا (إِلَى لفظ الْجَارِيَة مرَادا بِهِ بَعْضهَا) الَّذِي هُوَ النّصْف (وَأَيْضًا إِجْمَاع) أهل (الْعَرَبيَّة أَنه) أَي الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل (إِخْرَاج بعض من كل) وَلَو أُرِيد الْبَاقِي من الْجَارِيَة
стр. 290
لم يكن ثمَّة كل وَلَا بعض وَلَا إِخْرَاج، فَأجَاب عَنهُ بقوله (وَعرفت أَنه) أَي الْإِخْرَاج (منع دُخُوله) أَي الْمُسْتَثْنى (فِي الْكل) وَهُوَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (فالإجماع على هَذَا الْمَعْنى) وَهُوَ مَوْجُود على قَول الْأَكْثَر، ثمَّ قَالَ ابْن الْحَاجِب (وَأَيْضًا تبطل النُّصُوص) لِأَنَّهُ إِذا حمل على الْمَعْنى الْمجَازِي لم تبْق نصوصية فِي مَعْنَاهُ (قُلْنَا: النَّص وَالظَّاهِر سَوَاء بِاعْتِبَار ذاتهما) فَإِن كَون اللَّفْظ نصا فِي معنى بِحَيْثُ لَا يحْتَمل خِلَافه لَا يتَحَقَّق قطّ بِمُجَرَّد ذَاته، بل باقتران أَمر آخر من لفظ وَغَيره، فَلَا أثر لذات اللَّفْظ فِي منع التَّجَوُّز بِهِ، وَلَوْلَا انضمام كلهم أَجْمَعُونَ للفظ الْمَلَائِكَة، ويطير بجناحيه للفظ الطَّائِر لما نَص الأول فِي الْعُمُوم، وَالثَّانِي فِيمَا أُرِيد بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَا نصوصية بِمَعْنى رفع الِاحْتِمَال مُطلقًا إِلَّا بِخَارِج، وَلَيْسَ الْعدَد بِمُجَرَّدِهِ) أَي مُجَرّد لَفظه (مِنْهُ) أَي من النَّص بِمَعْنى نفي الِاحْتِمَال (فالملازمة) بَين إِرَادَة السَّبْعَة من الْعشْرَة وَبطلَان النُّصُوص (مَمْنُوعَة) وَقد عرفت سَنَد الْمَنْع (وَأما إِسْقَاط مَا بعْدهَا) أَي وَأما الدَّلِيل الْخَامِس لِابْنِ الْحَاجِب، وَهُوَ أَنا نعلم فِي الِاسْتِثْنَاء أَنه يسْقط مَا بعد إِلَّا مِمَّا قبلهَا (فَيبقى الْبَاقِي) من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، فيسند إِلَيْهِ الحكم (وَهُوَ) أَي إِسْقَاط مَا بعْدهَا مِمَّا قبلهَا (فرع إِرَادَة الْكل) مِمَّا قبلهَا (فَقَوْل الْأَكْثَر يقتضى أَن الْإِسْقَاط) الْمَذْكُور (ذكر مَا لم يرد) بالحكم، وَهُوَ الثَّلَاثَة بعْدهَا كَمَا أَن الْإِخْرَاج عبارَة عَن عدم الدُّخُول ابْتِدَاء وهما متقاربان معنى، وَقد مر أَنه شاع فِي عدم الدُّخُول، فشيوع تِلْكَ الْإِرَادَة قرينَة لهَذِهِ (ونسبته) أَي نِسْبَة مَا لم يرد بِهِ (للمسمى) أَي الْمَوْضُوع لَهُ لفظ الْعشْرَة من حَيْثُ أَنه يفهم من ذكر إِلَّا ثَلَاثَة أَن الثَّلَاثَة هِيَ من أَجزَاء الْعشْرَة، وَلم يتَنَاوَلهُ حكم مَا عده من أَجْزَائِهَا مَعَ أَن لفظ الْعشْرَة مستعملة فِي السَّبْعَة لَا فِي الْعشْرَة (ليعرف الْبَاقِي) المُرَاد من الْمُسَمّى لَا لِأَن الْمُسَمّى قد اسْتعْمل فِيهِ اللَّفْظ (أَو) الْإِسْقَاط (بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَدْلُوله) أَي اللَّفْظ، فَإِنَّهُ لما كَانَت الثَّلَاثَة مَعَ السَّبْعَة مُشَاركَة فِي المدلولية من اللَّفْظ بِمُوجب الْوَضع وَلم ينلها الحكم كَمَا نَالَ السَّبْعَة قبل لَهَا أسقط مَا قبلهَا (وَإِذا لم يبطل الأول) أَي قَول الْأَكْثَر (وَهُوَ أقل تكلفا) من الثَّانِي (تعين) الأول للاعتبار (وَلِأَن الثَّانِي خَارج عَن قانون الِاسْتِعْمَال، وَهُوَ) أَي قانون الِاسْتِعْمَال (إِيقَاع اللَّفْظ فِي التَّرْكِيب ليحكم على وضعيه) أَي الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ اللَّفْظ (أَو مُرَاده) أَي وعَلى الْمَعْنى المُرَاد بِهِ مجَازًا (أَو بهما) أَي وليحكم بِالْمَعْنَى الْمَوْضُوع لَهُ اللَّفْظ أَو بالمراد، لِأَن اللَّفْظ إِمَّا مَأْخُوذ فِي جَانب الْمَحْكُوم عَلَيْهِ، أَو فِي جَانب الْمَحْكُوم بِهِ (وَلَا مُوجب) لِلْخُرُوجِ عَن قانون الِاسْتِعْمَال (فَوَجَبَ نَفْيه) أَي نفي القَوْل الثَّانِي لِخُرُوجِهِ عَن القانون (وَعَن القَاضِي أبي بكر عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة) مَوْضُوعَة (لمدلول سَبْعَة كسبعة) أَي كَمَا وضع لفظ سَبْعَة لَهُ، وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ (ورد بِأَنَّهُ خَارج
стр. 291
عَن اللُّغَة، إِذْ لَا تركيب من) أَلْفَاظ (ثَلَاثَة فِي غير المحكي، وَالْأول غير مُضَاف وَلَا مُعرب وَلَا حرف) فَعلم أَنه يُوجد مركب من ثَلَاثَة أَلْفَاظ إِذا كَانَ محكيا كبرق نَحره، وشاب قرناها، وَإِذا كَانَ غير المحكى إِذا كَانَ الأول مِنْهُ غير جَامع السُّكُوت الثَّلَاثَة كَأبي عبد الله. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: إِنَّمَا الْكَلَام فِي التَّسْمِيَة بِثَلَاثَة أَلْفَاظ فَصَاعِدا إِذا جعلت اسْما وَاحِدًا على طَرِيق حَضرمَوْت وبعلبك من غير أَن يُلَاحظ فِيهَا الْإِعْرَاب وَالْبناء الأصليان، بل يكون بِمَنْزِلَة زيد وَعَمْرو، وَيجْرِي الْإِعْرَاب الْمُسْتَحق على حرفه الْأَخير، وَهَذَا لَيْسَ من لُغَة الْعَرَب بِلَا نزاع صرح بِهِ صَاحب الْكَشَّاف انْتهى وَحَاصِل كَلَام المُصَنّف ﵀: نفى مركب من ثَلَاثَة أَلْفَاظ يكون أَولهَا جَامع السُّكُوت الثَّلَاثَة وَقَوْلنَا عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة يصدق على أَولهَا أَنه لَيْسَ بمضاف، وَلَا حرف، وَلَا مُعرب لِأَنَّهُ على طَريقَة القَاضِي مَحل الْإِعْرَاب الْحَرْف الْأَخير لَا الأول (و) رد أَيْضا (بِلُزُوم عود الضَّمِير) فِي نَحْو إِلَّا نصفهَا (على جُزْء الِاسْم) الَّذِي هُوَ الْجَارِيَة فِي: اشْتريت الْجَارِيَة إِلَّا نصفهَا (وَهُوَ) جُزْء الِاسْم (كزاي زيد لعدم دلَالَته) أَي جُزْء الِاسْم على الْمَعْنى، فَيمْتَنع عود الضَّمِير إِلَيْهِ (وَالْحق أَنه) أَي قَول القَاضِي (أحد المذهبين) الْمَذْكُورين (للْقطع بِأَن مفرداته) أَي مُفْرَدَات عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة بَاقِيَة (فِي مَعَانِيهَا) الافرادية (وَقَوله بِإِزَاءِ سَبْعَة) إِنَّمَا هُوَ (بِاعْتِبَار الْحَاصِل) من التَّرْكِيب سَوَاء قُلْنَا أَن الْعشْرَة اسْتعْملت مجَازًا فِي السَّبْعَة بِقَرِينَة إِلَّا ثَلَاثَة، أَو اسْتعْملت فِي الْعشْرَة ثمَّ أخرج الثَّلَاثَة، فَإِنَّهُ على التَّقْدِيرَيْنِ لَا بُد من مُلَاحظَة معنى إِلَّا وَمعنى ثَلَاثَة، وَبعد إِخْرَاج ثَلَاثَة من عشرَة يصير كَأَنَّهُ اسْتعْمل أَولا فِي السَّبْعَة وَلَا يخفى أَن معنى اسْتِعْمَال عشرَة فِي سَبْعَة ذكر عشرَة وَإِرَادَة سَبْعَة، وَلَا تتمّ هَذِه الْإِرَادَة على وَجه يفهمها الْمُخَاطب إِلَّا بعد تعقل معنى إِلَّا وَثَلَاثَة، فالتركيب الْمَذْكُور بعد أحد التصرفين محصوله محصول السَّبْعَة من حَيْثُ الْمَآل (وَلذَا شبه) فَقَالَ كسبعة على مَا نقل عَنهُ (فَانْتفى مَا بناه بَعضهم) وَهُوَ صدر الشَّرِيعَة (عَلَيْهِ) أَي على قَول القَاضِي (من أَن تَخْصِيصه) أَي الِاسْتِثْنَاء بِنَاء على مَا ذهب إِلَيْهِ (كمفهوم اللقب) أَي كتخصيص مَفْهُوم اللقب على مَا ذهب إِلَيْهِ بعض النَّاس: يَعْنِي أَن تَخْصِيص الِاسْتِثْنَاء أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ، وتخصيض مَفْهُوم اللقب نَفَاهُ الْكل إِلَّا بعض الْحَنَابِلَة وشذوذا وَهُوَ إِضَافَة نقيض حكم مَا عبر عَنهُ باسمه علما أَو جِنْسا إِلَى مَا سواهُ على مَا سبق، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة بِمَنْزِلَة سَبْعَة، فنفى الحكم عَمَّا عدا سَبْعَة كنفي الزَّكَاة عَمَّا عدا الْغنم فِي قَوْلنَا: فِي الْغنم زَكَاة، وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْء من الْإِخْرَاج، وَلذَا قَالَ (الْمُقْتَضى أَن لَا إِخْرَاج أصلا) صفة لمَفْهُوم اللقب (وَجهه) أَي وَجه مَا قُلْنَا من أَن قَوْله بِإِزَاءِ سَبْعَة بِاعْتِبَار الْحَاصِل (أَن
стр. 292
الحكم لَيْسَ إِلَّا على السَّبْعَة فَأَما باعتبارها) أَي بِاعْتِبَار كَون السَّبْعَة (مدلولا مجازيا للتركيب) فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهُ الْعشْرَة المخرجة مِنْهَا الثَّلَاثَة كَمَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور (أَو) بِاعْتِبَار كَون السَّبْعَة (مَا) أَي شَيْئا (يصدق على السَّبْعَة، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ حَاصِل التَّرْكِيب حَاصِل السَّبْعَة فَلَا يخرج القَاضِي على المذهبين (هَذَا) أَي خُذ هَذَا، أَو الشَّأْن هَذَا (وَبَعض الْحَنَفِيَّة قَالُوا إِخْرَاج الِاسْتِثْنَاء عِنْد الشَّافِعِي بطرِيق الْمُعَارضَة) لِأَنَّهُ أثبت للمستثنى حكم مُخَالف لصدر الْكَلَام كَمَا فِي الْعَام إِذا خص مِنْهُ بعضه من حَيْثُ أَنه يثبت لذَلِك الْبَعْض حكم مُخَالف لحكمه، فتحقق الْمُعَارضَة بَين الْحكمَيْنِ (وَعِنْدنَا بَيَان مَحْض) لكَون الحكم الْمَذْكُور فِي الصَّدْر واردا على الْبَعْض، وَهُوَ مَا عدا الْمُسْتَثْنى (ثمَّ أبطلوه) أَي الْحَنَفِيَّة المذكورون مَا قَالَه الشَّافِعِي ﵀ (بِأَنَّهُ لَو كَانَ) إِخْرَاجه بطرِيق الْمُعَارضَة (وَهُوَ) أَي وَالْحَال أَن الْإِقْرَار الْمَذْكُور (لَا يُوجب) حكمه (إِلَّا فِي سَبْعَة ثَبت مَا لَيْسَ من محتملات اللَّفْظ، فَإِن الْعشْرَة لَا يَقع عَلَيْهَا) أَي السَّبْعَة فَقَط (حَقِيقَة) وَهُوَ ظَاهر (وَلَا مجَازًا) وَلَا نِسْبَة بَينهَا وَبَين الْعشْرَة سوى العددية، وَهِي عَامَّة لَا تصلح للتجوز، وَشرط التَّجَوُّز بِالْكُلِّيَّةِ والجزئية كَون الْجُزْء مُخْتَصًّا بِالْكُلِّ كاختصاص الرَّقَبَة بالإنسان (بِخِلَاف الْعَام) الْمَخْصُوص (إِذْ لَا يستلزمه) أَي ثُبُوت مَا لَيْسَ من محتملات اللَّفْظ، لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي الْعَام لَا يُطلق على بعض أَفْرَاده لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا لوُجُود العلاقة المصححة للتجوز (وَلَو سلم) جَوَاز التَّجَوُّز بِالْعشرَةِ عَن السَّبْعَة كَمَا يشْعر قَوْلهم عشرَة كَامِلَة رفعا لتوهم الْمجَاز (فالمجاز مَرْجُوح) لكَونه خلاف الأَصْل (فَلَا يحمل عَلَيْهِ) مَعَ إِمْكَان الْحَقِيقَة بِأَن يُرَاد الْعشْرَة، ثمَّ يخرج مِنْهَا الْبَعْض (كَذَا نَقله) أَي هَذَا الْإِبْطَال (مُتَأَخّر) يَعْنِي صدر الشَّرِيعَة (من الْحَنَفِيَّة، وَأَنه) أَي وأبطلوه بِأَنَّهُ: أَي قَول الشَّافِعِي ﵀ مَبْنِيّ (على) قَول (الْقَائِل) بِأَن قَوْله (عشرَة) فِي الْإِقْرَار الْمَذْكُور (مُسْتَعْمل (فِي سَبْعَة) وَالْحكم عَلَيْهَا فَقَط من غير أَن يحكم على الثَّلَاثَة بِنَفْي وَلَا إِثْبَات (فَتكون الثَّلَاثَة مسكوتة) وَهَذَا يُنَافِي مَا سبق من أَن إِخْرَاج الِاسْتِثْنَاء عِنْد الشَّافِعِي ﵀ بطرِيق الْمُعَارضَة (وَكَأن هَذَا مِنْهُ) أَي من الْمُبْطل (إِلْزَام) للشَّافِعِيّ (وَإِلَّا فالشافعي) ﵀ (لَا يَجْعَلهَا) أَي الثَّلَاثَة (مسكوتة) بل يَجْعَل لَهَا ضد حكم الصَّدْر لما عرفت (وَغَيره) أَي غير هَذَا الْمُتَأَخر (مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة كصاحب التَّحْقِيق، وَصَاحب الْمنَار وشارحيه، والبديع (نَقله) أَي الْإِبْطَال (بِالْآيَةِ هَكَذَا: لَو كَانَ) عمل الِاسْتِثْنَاء بِنَاء (على الْمُعَارضَة ثَبت فِي قَوْله تَعَالَى) - (فَلبث فيهم
стр. 293
(ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما)﴾ - حكم الْألف بجملتها) قَوْله ألف فَاعل ثَبت (ثمَّ عَارضه) أَي الِاسْتِثْنَاء حكم االألف (فِي الْخمسين) إِلَّا خمسين (فَيلْزم كذب الْخَبَر فِي أَحدهمَا، وَهَذَا) التَّوْجِيه (هُوَ الْأَلْيَق بِمَعْنى الْمُعَارضَة) وَهُوَ الْمُنَافَاة المستلزم كذب أحد المتنافيين (وَإِلَّا فَالْحكم على سَبْعَة) فِي عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة (و) على (تِسْعمائَة وَخمسين) فِي الْآيَة (بالإثبات لَا يُعَارضهُ) أَي الحكم الْمَذْكُور (نَفْيه) أَي الحكم (عَن ثَلَاثَة وَخمسين) لعدم توارد الْإِثْبَات وَالنَّفْي على مَحل وَاحِد (وَبَنوهُ) أَي الْحَنَفِيَّة كَون إِلَّا ثَلَاثَة وَإِلَّا خمسين نفيا على الثَّلَاثَة والخمسة (على أَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات وَقَلبه) أَي وعَلى أَن الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي (مَنْقُولًا عَن أهل اللُّغَة، وعَلى أَن التَّوْحِيد) وَهُوَ الْإِقْرَار بِوُجُود الْبَارِي ووحدته (فِي كَلمته) أَي التَّوْحِيد وَهِي: لَا إِلَه إِلَّا الله إِنَّمَا يحصل (بِالنَّفْيِ) للألوهية عَمَّا سوى الله (وَالْإِثْبَات) أَي إِثْبَاتهَا لله وَحده (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن فِي هَذِه الْكَلِمَة مَجْمُوع النَّفْي وَالْإِثْبَات (كَانَت) كلمة التَّوْحِيد (مُجَرّد نفي الألوهية عَن غَيره) أَي عَن غير الله تَعَالَى، فَلَا يحصل بِهِ التَّوْحِيد على مَا عرفت (فالتزمته) أَي أَنَّهَا لَا تفِيد إِلَّا نفي الألوهية عَن غَيره تَعَالَى (الطَّائِفَة الْقَائِلُونَ مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة (مَا بعد إِلَّا مسكوت) عَن مَحْكُوم عَلَيْهِ بِحكم (وَإِن التَّوْحِيد) الْمركب من النَّفْي وَالْإِثْبَات يحصل (من النَّفْي القولي) الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِلَا إِلَه إِلَّا الله (وَالْإِثْبَات العلمي لأَنهم) أَي الْكفَّار (لم ينكروا ألوهيته تَعَالَى) كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ - الْآيَة ونظائره (بل أشركوا، فبالنفي عَن غَيره ينتفى) الشّرك (وَيحصل التَّوْحِيد فَلَا تكون) كلمة التَّوْحِيد (من الدهري إِيَّاه) أَي توحيده، لإنكاره وجود الْبَارِي تَعَالَى سَوَاء كَانَ قَائِلا بصانع هُوَ الدَّهْر والأفلاك، أَو الأنجم، أَو الْفُصُول الْأَرْبَعَة أَو غير ذَلِك أَولا (وَالْجُمْهُور وَمِنْهُم طَائِفَة من الْحَنَفِيَّة) كفخر الْإِسْلَام وَمن وَافقه ذَهَبُوا إِلَى الحكم (فِيمَا بعد إِلَّا بالنقيض) يَعْنِي أَنه لَا يدل على أَن مَا بعْدهَا لم يثبت لَهُ مَا ثَبت لما قبلهَا، وَيلْزم مِنْهُ أَن يثبت لَهُ نقيض مَا ثَبت لذَلِك: وَإِلَّا يلْزم ارْتِفَاع النقيضين، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى وَالْجُمْهُور إِلَى آخِره حكم فِيمَا بعد إِلَّا بالنقيض بِمُوجب اللُّغَة (وَهُوَ) مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور (الْأَوْجه، لنقل الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات إِلَى آخِره) أَي إِثْبَات وَقَلبه عَن أهل اللُّغَة (وَلَا يسْتَلْزم) هَذَا (كَون الْإِخْرَاج بطرِيق الْمُعَارضَة لعدم اتِّحَاد مَحل النَّفْي وَالْإِثْبَات كَمَا ذكرنَا آنِفا) من أَن الحكم على سَبْعَة وعَلى تِسْعمائَة وَخمسين بالإثبات وَلَا يُعَارضهُ نَفْيه عَن ثَلَاثَة وَعَن خمسين (وَنقل أَنه) أَي الِاسْتِثْنَاء (تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا) بِالضَّمِّ وَالْقصر اسْم من الِاسْتِثْنَاء من أهل اللُّغَة أَيْضا (لَا يُنَافِيهِ) أَي كَونه من الْإِثْبَات نفيا وَقَلبه (فَجَاز اجْتِمَاعهمَا) أَي النقلين (فَيصدق أَنه تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا بِاعْتِبَار الْحَاصِل من
стр. 294
مَجْمُوع التَّرْكِيب، وَنفي وَإِثْبَات بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء) يَعْنِي إِذا فصلنا أَجزَاء الْكَلَام وجدنَا نفيا وإثباتا، وَإِذا نَظرنَا إِلَى محصله ومآله وجدنَا تكلما بِالْبَاقِي فَإِن قلت الْمَفْهُوم من أَنه تكلم بِالْبَاقِي إِلَى آخِره الِاقْتِصَار على حكم الصَّدْر وَتَعْيِين مَحَله، وَهُوَ الْبَاقِي بعد إِخْرَاج مَا بعد إِلَّا من غير تعرض لحكم مَا بعْدهَا فَكيف لَا يُنَافِيهِ قلت الظَّاهِر من الْعبارَة مَا ذكرت لَكِن التَّوْفِيق بَين النقلين يقتضى صرفه عَن الظَّاهِر، وَحمله على عدم دُخُول الثَّلَاثَة مثلا فِي الحكم الْمُثبت على عشرَة فالقائل لَهُ عَليّ عشرَة كَأَنَّهُ لم يتَكَلَّم إِلَّا بسبعة، وَذَلِكَ قَوْله إِلَّا ثَلَاثَة، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لم يتَكَلَّم إِلَّا بهَا حَقِيقَة حَتَّى يلْزم انْتِفَاء الحكم فِيمَا بعد إِلَّا كَمَا سيشير إِلَيْهِ (وَنَحْو لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور يُفِيد ثُبُوتهَا) أَي صِحَة الصَّلَاة (مَعَ الظُّهُور فِي الْجُمْلَة) جَوَاب عَمَّا قيل فِي إِثْبَات كَون مَا بعد إِلَّا فِي حكم الْمَسْكُوت عَنهُ، وَأَنه لَو لم يكن كَذَلِك يلْزم صِحَة الصَّلَاة بالطهور وَلَيْسَ كَذَلِك لاشتراطها بِشُرُوط أخر وَحَاصِل الْجَواب أَن اللَّازِم من اعْتِبَار الحكم فِيمَا بعد إِلَّا هَهُنَا الْإِيجَاب الجزئي لَا الْإِيجَاب الْكُلِّي، وَلَا شكّ أَن الصَّلَاة الجامعة لبَقيَّة الشُّرُوط تصح بِطهُور فَصحت الْمُوجبَة فِي الْجُمْلَة (وغايته) أَي غَايَة مَا يلْزم من كَلَام من قَالَ أَن الِاسْتِثْنَاء تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا أَن الِاسْتِثْنَاء بِاعْتِبَار صدر الْكَلَام (تكلم بعام مَخْصُوص) بِمَا عدا الْمُسْتَثْنى إِذا كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ عَاما، وَهَذَا لَا يُنَافِي التَّكَلُّم بِمَا خرج عَنهُ من أَفْرَاده ثَانِيًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِحكم مُخَالف للْأولِ، هَذَا وَالشَّارِح حمله على الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور فِي لَا صَلَاة إِلَى آخِره وتكلف فِي تَحْصِيل عُمُومه بِكَوْنِهِ نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، وَأَن هَذَا الْمُقْتَضى للْعُمُوم مُنْتَفٍ فِي الْإِثْبَات، وَلم يتَعَرَّض لبَيَان الْخُصُوص، ثمَّ أَفَادَ أَن الْمَعْنى لَا جَوَاز للصَّلَاة فِي حَال من الْأَحْوَال إِلَّا فِي حَال من الاقتران بالطهور، فَإِن لَهَا فِي هَذِه الْحَال جَوَازًا فِي الْجُمْلَة على مَا عرفت (غير أَن قَول الطَّائِفَة الثَّانِيَة) الحكم (الثَّانِي) وَهُوَ الَّذِي بعد الْإِشَارَة، فَقَوْل الثَّانِي (إِشَارَة) خبر أَن (وَهُوَ) أَي الحكم الإشاري (مَنْطُوق) فِي الْكَلَام (غير مَقْصُود بِالسوقِ على مَا مر) فِي التَّقْسِيم الأول (وَقَول الْهِدَايَة) وَهُوَ (فِيمَا أَنْت إِلَّا حر يعْتق لِأَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات على وَجه التَّأْكِيد كَمَا فِي كلمة الشَّهَادَة ظَاهر فِي الْعبارَة) فِي شرح الْهِدَايَة: هَذَا هُوَ الْحق الْمَفْهُوم من تركيب الِاسْتِثْنَاء لُغَة، ثمَّ قَالَ: وَأما كَونه إِثْبَاتًا مؤكدا فلوروده بعد النَّفْي بِخِلَاف الْإِثْبَات الْمُجَرّد انْتهى، كَأَنَّهُ يُرِيد أَن الْإِثْبَات بعد النَّفْي يسْتَلْزم تكْرَار الأَصْل النِّسْبَة أَو يُنبئ عَن زِيَادَة تَحْقِيق فِي الْمحل، وَأما كَونه ظَاهرا فِي الْعبارَة، فَلِأَن الْمَعْنى الَّذِي لم يكن سوق الْكَلَام لَهُ لَا يُؤَكد وَالله أعلم (وَالْأَوْجه أَنه مَنْطُوق إِشَارَة تَارَة وَعبارَة) تَارَة (أُخْرَى بِأَن يقْصد) بِالسوقِ كَمَا هُوَ حَال سَائِر المنطوقات وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه مَنْطُوق (لما ذكرنَا) مِمَّا يدل على منطوقيته (وَلِأَن النَّفْي عَمَّا بعد إِلَّا يفهم
стр. 295
من اللَّفْظ) وَلَا يَعْنِي بالمنطوقية إِلَّا هَذَا وَالْمرَاد بِالنَّفْيِ خلاف حكم مَا قبلهَا (وَأما الِاتِّفَاق على أَن إِلَّا لمُخَالفَة مَا بعْدهَا لما قبلهَا وضعا فَلَا يُفِيد) الْمَقْصُود (لصدق الْمُخَالفَة) بَين مَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا (بِعَدَمِ الحكم عَلَيْهِ) أَي على مَا بعد إِلَّا (فَلَا يسْتَلْزم الحكم) على مَا بعد إِلَّا (بنقيضه) أَي بنقيض حكم مَا قبلهَا شَيْء (إِلَّا فهمه) أَي فهم الحكم بنقيضه من اللَّفْظ (كَمَا سَمِعت) إِذْ فهم الْمَعْنى من اللَّفْظ دَلِيل إفادته إِيَّاه (ثمَّ قد يقصدان) أَي الْإِثْبَات وَالنَّفْي (ككلمة التَّوْحِيد) أَي كَمَا قصدا فِي كلمة التَّوْحِيد (والمفرغ) أَي وكما قصدا فِي الِاسْتِثْنَاء المفرغ كَمَا جَاءَ إِلَّا زيد وَفِي نَحْو مَا جَاءَ الْقَوْم إِلَّا زيدا للْقطع بِأَن سياقها لإِثْبَات الألوهية، ومجيء زيد بِالْمَنْعِ وَجه (فعبارة) أَي فَالْحكم بعد إِلَّا فِيهَا عبارَة (أَو) يقْصد (غير الثَّانِي) وَهُوَ الحكم على مَا قبلهَا لَا غير (كعلي عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة لفهم أَن الْغَرَض السَّبْعَة) أَي الْإِقْرَار بهَا وَلم يقْصد أَن الثَّلَاثَة لَيست عَليّ وَإِن كَانَ يلْزم ضمنا (فإشارة) أَي فَالْحكم على مَا بعد الْأَخير إِشَارَة (وَلما بعد أَن يَقُول بِحَقِيقَة الْمُعَارضَة) فِي الِاسْتِثْنَاء الْوَاقِع فِي الْكتاب وَالسّنة (مُسلم لِأَنَّهَا) أَي الْمُعَارضَة تكون (بِثُبُوت الْحكمَيْنِ) المتناقضين (وَهُوَ) أَي ثبوتهما (التَّنَاقُض صرح الْمُحَقِّقُونَ) جَوَاب لما (بِنَفْي الْخلاف الْمَذْكُور) وَهُوَ أَن الْإِخْرَاج فِي الِاسْتِثْنَاء بطرِيق الْمُعَارضَة أَولا (وباتفاق أهل الدّيانَة أَنه) أَي الِاسْتِثْنَاء (بَيَان مَحْض كَسَائِر التخصيصات، وَإِنَّمَا هُوَ) أَي الِاسْتِثْنَاء (صورتهَا) أَي الْمُعَارضَة (نظرا إِلَى ظَاهر إِسْنَاد الصَّدْر) مَعَ مَا يُخَالِفهُ فِيمَا بعد إِلَّا (وَلَا يخْتَلف فِيهِ) أَي فِيمَا ذكر من أَنه بَيَان مَحْض، وَلَيْسَ الْمُعَارضَة إِلَّا بِحَسب الصُّورَة (كالتخصيص بِغَيْرِهِ) أَي كَمَا لَا يخْتَلف فِي التَّخْصِيص بِغَيْر الِاسْتِثْنَاء.
(تَنْبِيه: جَوَاز) بيع (مَا لَا يدْخل تَحت الْكَيْل) من المكيلات (قلَّة) بِأَن يكون مَا دون نصف صَاع على مَا قَالُوا (بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا عِنْد الْحَنَفِيَّة، لَا الشَّافِعِيَّة مَعَ قَوْله ﷺ " لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء، قيل) قَالَه فَخر الْإِسْلَام وَمن وَافقه (للمعارضة عِنْده) أَي الشَّافِعِي (فَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء لكم بيع طَعَام) بِطَعَام (مسَاوٍ، فَمَا سواهُ) أَي مَا سوى الْمسَاوِي مِنْهُ قَلِيلا أَو كثيرا. (منع) أَي مَمْنُوع (بالصدر) أَي لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ، لِأَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج الْمكيل الْمسَاوِي خَاصَّة من عُمُوم الطَّعَام ضَرُورَة ثُبُوت الْمُعَارضَة فِيهِ، إِذْ المُرَاد التَّسَاوِي فِي الْكَيْل فنفى غير الْمكيل مُتَحَقق بِلَا مُعَارضَة، فَيحرم بيع حفْنَة من الْبر بحفنتين مِنْهُ مثلا (و) قَالَ (الْحَنَفِيَّة لَا حكم) مُتَحَقق (فِي الثَّانِي) أَي الْمُسْتَثْنى (وَهُوَ اسْتثِْنَاء حَال الْمُسَاوَاة من) الْأَحْوَال (الثَّلَاثَة) أَي (المجازفة وأخويها) المفاضلة والمساواة بِنَاء على أَنه تكلم بِالْبَاقِي: فَكَأَنَّهُ نهى عَن المجازفة والمفاضلة فَقَط (وَالْكل) أَي المجازفة وأخواها (يسْتَند إِلَى الْكَيْل) لِأَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ
стр. 296
طَعَام يحْتَمل المفاضلة والمساواة، وَلَا يحتملها إِلَّا مَا يدْخل تَحت الْكَيْل عَادَة فَمَا لَا يدْخل فِي الْكَيْل عَادَة غير مَذْكُور فِي النَّص، وَالْأَصْل فِي الْبياعَات الْإِبَاحَة على مَا يَقع بِهِ التَّرَاضِي، هَذَا وَلم يظْهر وَجه بِنَاء هَذَا على عدم الحكم فِي الثَّانِي، وَلَو فرض الحكم بِجَوَاز البيع فِي صُورَة الْمُسَاوَاة يحصل الْمَقْصُود أَيْضا لِأَن مَا لَا يدْخل فِي الْمكيل خَارج عَن النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا يلْزم) كَون هَذَا الِاخْتِلَاف مَبْنِيا على الْمُعَارضَة وَعدمهَا (بل لَا يشكل على أحد أَنه) أَي الِاسْتِثْنَاء فِي هَذَا الحَدِيث (مفرغ للْحَال) يَعْنِي حَال الْمُسَاوَاة من جملَة أَحْوَال الطَّعَام الْمَبِيع بِالطَّعَامِ، وَلزِمَ حمل صدر الْكَلَام على عُمُوم الْأَحْوَال ليَصِح الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَزِمَ الِاتِّصَال) أَي فَلَزِمَ حمل الْكَلَام على مَا يحصل بِهِ الِاتِّصَال (فالمبني) لهَذَا الْخلاف (تَقْدِير نوع) الْمُسْتَثْنى (المفرغ لَهُ أَو) تَقْدِير مَا هُوَ (أَعلَى) مِنْهُ يَعْنِي جنسه، ثمَّ لما كَانَ لفظ التَّقْدِير موهما لتقدير لفظ وَإِعْرَابه، وَذَلِكَ يُنَافِي تَفْرِيغ الْعَامِل للمستثنى فسر مُرَاده فَقَالَ (أَي تَقْدِير معنى لَا) تَقْدِير ذِي (إِعْرَاب، فَمَا فِيهَا) أَي الدَّار (إِلَّا زيد) أَي فَمَعْنَى هَذَا التَّرْكِيب وَتَقْدِيره (أَي إِنْسَان) لِأَنَّهُ نوع لزيد (لَا حَيَوَان) لِأَنَّهُ جنسه (والمساواة) الَّتِي هِيَ الْمُسْتَثْنى المفرغ هَهُنَا لَا يتَحَقَّق إِلَّا (بِالْكَيْلِ) فَلَزِمَ أَن يقدر نوعها وَهُوَ أَعم أَحْوَال الْمكيل (فَلَا تَبِيعُوا) أَي فَالْمَعْنى حِينَئِذٍ لَا تَبِيعُوا (طَعَاما يُكَال إِلَّا مُسَاوِيا، فالحل فِيمَا دونه) أَي دون مَا يُكَال (بِالْأَصْلِ) فَإِن الأَصْل فِي البيع الْحل (وقدروا) أَي كالشافعية مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ فَقَالُوا (طَعَاما فِي حَال فَشَمَلَ) النَّهْي (الْقلَّة) أَي الطَّعَام الْقَلِيل (أما ذَلِك) الْمَبْنِيّ الأول: وَهُوَ عدم الحكم فِي الثَّانِي ووجوده فِيهِ (فمبني كَون الْحل فِي التَّسَاوِي) عِنْد الْفَرِيقَيْنِ (بِالْأَصْلِ أَو بالمنطوق) فَإِن قَوْلنَا بِعَدَمِ الحكم فِيمَا بعد، وَإِلَّا فالحل فِي صُورَة الْمُسَاوَاة بِالْأَصْلِ وَإِن قُلْنَا بِوُجُودِهِ فِيهِ فبالمنطوق (ثمَّ هُوَ) أَي كَون ذَلِك هُوَ الْمَبْنِيّ فِي كَونه بِالْأَصْلِ أَو بالمنطوق (على) قَول (الطَّائِفَة الأولى) من الْحَنَفِيَّة لَيْسَ فِيمَا بعد إِلَّا حكم، أما على قَول الطَّائِفَة الْأُخْرَى فِيهِ حكم بالنقيض، فالحل فِيهِ بالمنطوق أَيْضا.
مسئلة
(يشْتَرط فِيهِ) أَي الِاسْتِثْنَاء (الِاتِّصَال) بالمستثنى مِنْهُ لفظا عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء (إِلَّا لتنفس أَو سعال أَو أَخذ فَم وَنَحْوه) كعطاس أَو جشاء (وَعَن ابْن عَبَّاس جَوَاز الْفَصْل بِشَهْر وَسنة و) عَنهُ جَوَازه (مُطلقًا) وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَام الْأَكْثَرين فِي النَّقْل عَنهُ، كَذَا ذكره الشَّارِح وَقَالَ السُّبْكِيّ ﵀: هِيَ رِوَايَات شَاذَّة لم تثبت عَنهُ، لَكِن رِوَايَة الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَنهُ
стр. 297
إِذا حلف الرجل على يَمِين فَلهُ أَن يسْتَثْنى وَلَو إِلَى سنة وَفِيه نزل - ﴿وَاذْكُر رَبك إِذا نسيت﴾ - قَالَ الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ (وَحمل) مَا عَن ابْن عَبَّاس من جَوَاز الْفَصْل (على مَا إِذا كَانَ) الِاسْتِثْنَاء (منويا حَال التَّكَلُّم) فَيكون مُتَّصِلا قصدا مُتَأَخِّرًا لفظا (ويدين) الناوي لَهُ فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فِي صِحَة دَعْوَى نِيَّة الِاسْتِثْنَاء. قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ نقل عَن ابْن عَبَّاس جَوَاز تَأْخِير الِاسْتِثْنَاء، وَلَعَلَّه لَا يَصح النَّقْل عَنهُ إِذْ لَا يَلِيق ذَلِك بمنصبه وَإِن صَحَّ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ إِذا نوى الِاسْتِثْنَاء أَولا، ثمَّ أظهر نِيَّته بعده فيدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فِيمَا يرَاهُ وَأما جَوَاز التَّأْخِير بِدُونِ هَذَا التَّأْوِيل فَيردهُ اتِّفَاق أهل اللُّغَة على خِلَافه لِأَنَّهُ جُزْء من الْكَلَام يحصل بِهِ الْإِتْمَام، فَإِذا انْفَصل لم يكن إتماما كالشرط وَخبر الْمُبْتَدَأ (وَهُوَ) أَي جَوَاز فصل الِاسْتِثْنَاء إِذا كَانَ منويا حَال التَّكَلُّم بالمستثنى مِنْهُ (قَول أَحْمد، وَعَن طَاوس وَالْحسن تَقْيِيده) أَي جَوَاز الْفَصْل (بِالْمَجْلِسِ) وَأَنت خَبِير بِأَن الْمجْلس قد يطول وَكَونه إتماما لما قبله بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة يُنَافِيهِ، نعم لَا يبعد عَن اعتبارات الْفُقَهَاء، وَقَوْلهمْ أَن الْمجْلس جَامع المتفرقات (لنا لَو تَأَخّر) أَي لَو جَازَ تَأْخِير الِاسْتِثْنَاء (لم يعين تَعَالَى لبر أَيُّوب صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه أَخذ الضغث) وَهِي الحزمة الصَّغِيرَة من الْحَشِيش وَنَحْوه وَضرب زَوجته بِهِ فِي حلفه أَي يضْربهَا مائَة سَوط ضَرْبَة لما ذهبت لِحَاجَتِهِ فأبطأت على مَا روى، بل كَانَ يَقُول لَهُ استثن من غير هَذِه الْحِيلَة، وَقد يُقَال إِن ذكر مخلص مَخْصُوص عَن الْحِنْث لَا يُنَافِي جَوَاز مَا عداهُ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال ترك مَا هُوَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى لَا يَلِيق بِهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ حِيلَة الِاسْتِثْنَاء، وَالِاسْتِثْنَاء لَيْسَ بحيلة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَلم يقل النَّبِي ﷺ من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا (فليكفر) عَن يَمِينه وليفعل الَّذِي هُوَ خير، رَوَاهُ مُسلم (مُقْتَصرا) على الْأَمر بالتفكير مَعَ أَنه كَانَ يحب لأمته مَا هُوَ الْأَيْسَر كَمَا سيصرح بِهِ (إِذْ لم يتَعَيَّن) التَّكْفِير (مخلصا) من عُهْدَة الْيَمين خُصُوصا (مَعَ اخْتِيَاره الْأَيْسَر لَهُم دَائِما) على مَا يدل عَلَيْهِ صِحَاح الْأَخْبَار، مَعَ أَن الِاسْتِثْنَاء أولى لعدم الْحِنْث فِيهِ (بِلَا تَفْصِيل بَين) اسْتثِْنَاء (منوي) وَغير منوي (وَمُدَّة) أَي وَبَين مُدَّة قَصِيرَة وَمُدَّة طَوِيلَة (وَغَيرهمَا) أَي الْمَنوِي والمدة مِمَّا هُوَ من وَظِيفَة الشَّارِع بَيَانه كَكَوْنِهِ يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله وَلَا يصدق قَضَاء (وَأَيْضًا لم يجْزم بِطَلَاق، وعتاق، وَكذب، وَصدق، وَلَا عقد) أَي وَلم يجْزم بانعقاد عقد بيع وَنِكَاح وَغَيرهمَا لَا مَكَان لُحُوق الِاسْتِثْنَاء وَدَعوى الحاقة (وَدفع أَبُو حنيفَة ﵀ عتب الْمَنْصُور) أبي جَعْفَر الدوانيقي ثَانِي خلفاء العباسية فِي مُخَالفَة جده ابْن عَبَّاس فِي جَوَاز الِانْفِصَال (بِلُزُوم عدم لُزُوم عقد الْبيعَة) فَقَالَ هَذَا يرجع عَلَيْك أفترضي لمن يُبَايِعك بِالْإِيمَان أَن يخرج من عنْدك فيستثنى، فَاسْتَحْسَنَهُ، ذكره فِي الْكَشَّاف وَغَيره، وَقيل أَن
стр. 298
الَّذِي أغراه مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي وَأَنه لما أَجَابَهُ الإِمَام بذلك قَالَ: نعم مَا قلت وَغَضب على ابْن إِسْحَاق وَأخرجه من عِنْده (قَالُوا) أَي المجيزون للانفصال (ألحق ﷺ إِن شَاءَ الله تَعَالَى بقوله لأغزون قُريْشًا بعد سنة قُلْنَا بِتَقْدِير اسْتِئْنَاف لأغزون) ثَانِيًا جمعا بَين هَذَا وَبَين أدلتنا (وَحمله) أَي الْفَصْل (على السُّكُوت الْعَارِض مَعَ نقل هَذِه الْمدَّة مُمْتَنع) كَمَا حمله على هَذَا الْمحمل ابْن الْحَاجِب بِنَاء على الِاحْتِجَاج بِهِ بِلَفْظ قَالَ ﷺ " لأغزون قُريْشًا " ثمَّ سكت ثمَّ قَالَ " إِن شَاءَ الله " حَدِيث غَرِيب اخْتلف فِي وَصله وإرساله، هَذَا وَإِنَّمَا يتم الِاسْتِدْلَال بِهِ إِذا لم يغزهم كَمَا فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ثمَّ لم يغزهم (قَالُوا) أَيْضا (سَأَلَهُ الْيَهُود عَن مُدَّة أهل الْكَهْف، فَقَالَ غَدا أُجِيبكُم بتأخر الْوَحْي بضعَة عشر يَوْمًا، ثمَّ أنزل - ﴿وَلَا تقولن لشَيْء﴾ - الْآيَة فَقَالَهَا) أَي كلمة إِن شَاءَ الله وَلم يكن هُنَاكَ مَا يرتبط بِهِ هَذَا الِاسْتِثْنَاء إِلَّا قَوْله: غَدا أُجِيبكُم وَلَوْلَا صِحَة الِانْفِصَال لما قَالَهَا (قُلْنَا) يجوز أَن يلْحق بمستأنف نَحْو: أُجِيبكُم (كَالْأولِ جمعا) بَين الْأَدِلَّة (وَيجوز فِيهِ) أَي فِي هَذَا (أمتثل إِن شَاءَ الله تَعَالَى) أَي أعلق كلما أَقُول إِنِّي فَاعل بِمَشِيئَة الله تَعَالَى (وَكَون ابْن عَبَّاس عَرَبيا) فصيحا، وَقد قَالَ بِهِ فَيمْتَنع (معَارض بعلي وَغَيره من الصَّحَابَة) الفصحاء حَيْثُ لم يَقُولُوا بِهِ: وَإِلَّا ثقل عَنْهُم كَمَا عَنهُ (أَو مُرَاده) أَي ابْن عَبَّاس بِجَوَاز الِانْفِصَال فِي الِاسْتِثْنَاء جَوَاز انْفِصَال الِاسْتِثْنَاء (الْمَأْمُور بِهِ) يَعْنِي التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله تَعَالَى الْمَدْلُول لِلْآيَةِ بِأَن يَقُول أَولا أفعل، ثمَّ يَقُول بعد حِين إِن شَاءَ الله ليَكُون إِثْبَاتًا بِالسنةِ، لَا أَن يكون هَذَا القَوْل رَافعا للإثم وَمُسْقِطًا لِلْكَفَّارَةِ إِذا قَالَ وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَلم يَفْعَله، ثمَّ قَالَ بعد حِين إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والمحقق التَّفْتَازَانِيّ لَهُ فِي هَذَا الْجَواب تَفْصِيل: ذكره فِي حَاشِيَته على الْمُخْتَصر (وَقيل لم يقلهُ) أَي جَوَاز الْفَصْل (ابْن عَبَّاس) وَيُؤَيِّدهُ مَا روى عَنهُ من أَنه مَخْصُوص برَسُول الله ﷺ لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَاذْكُر رَبك إِذا نسيت﴾ - أَي إِذا نسيت الِاسْتِثْنَاء إِن ذكرت، وَلَيْسَ لغيره الِاسْتِثْنَاء إِلَّا مَوْصُولا بِيَمِينِهِ (وحكاية) مَا جرى بَين أبي حنيفَة ﵀ و (الْمَنْصُور تبعدهما) أَي كَون المُرَاد الِاسْتِثْنَاء الْمَأْمُور بِهِ وَعدم القَوْل وَهُوَ ظَاهر (وَاعْلَم أَن الْتِزَام الْجَواب عَن فَصله ﷺ بِمَا ذكر (بِنَاء) أَي مبْنى (على أَن الْمَعْنى) أَي معنى إِن شَاءَ الله تَعَالَى (إِلَّا أَن يَشَاء الله خِلَافه) قَالَ الْعَلامَة الْبَيْضَاوِيّ: الِاسْتِثْنَاء من النَّهْي: أَي وَلَا تقولن لشَيْء تعزم عَلَيْهِ إِنِّي فَاعله فيام يسْتَقْبل إِلَّا أَن يَشَاء الله: أَي متلبسا بمشيئته، فَالْمَعْنى قَائِلا إِن شَاءَ الله انْتهى فَالْمَعْنى لَا تقل ذَلِك فِي حَال من الْأَحْوَال إِلَّا فِي حَال كونك قَائِلا إِن شَاءَ الله، وَلَا شكّ أَن مَنْطُوق إِن شَاءَ الله لَيْسَ إِلَّا أَن يَشَاء خِلَافه فَلَا يكون بِمَعْنَاهُ إِلَّا بطرِيق اللُّزُوم، فَإِنَّهُ إِذا علق فعله بِالْمَشِيئَةِ الْمُتَعَلّقَة بذلك
стр. 299
الْفِعْل يلْزم أَن لَا يتَحَقَّق عِنْد تعلق الْمَشِيئَة بِخِلَافِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَفعلهُ إِلَّا أَن يَشَاء خِلَافه وَهَذَا الِاعْتِبَار يكون مِمَّا نَحن فِيهِ، وَإِذا كَانَ الْمَعْنى على هَذَا (فَهُوَ) اسْتثِْنَاء (من الْأَحْوَال) وَقد عرفت تَفْسِيره (أَو) بِنَاء على أَنه (لَا فرق) بَين الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء فِي وجوب الِاتِّصَال وَعَدَمه (وَإِلَّا) أَي لم يكن أحد الْوَجْهَيْنِ (فَلَيْسَ) إِن شَاءَ الله (من مَفْهُوم مَحل النزاع) أَي من جزئياته، فَإِن الْمُتَنَازع فِيهِ فصل الِاسْتِثْنَاء كَمَا إِذا قُلْنَا أَن معنى الْآيَة إِلَّا وَقت أَن يَشَاء الله أَن يَقُوله بِمَعْنى أَن يَأْذَن لَك فِيهِ على مَا ذكره الْعَلامَة، فَإِن الْمَعْنى حِينَئِذٍ لَا تقل إِنِّي فَاعل ذَلِك إِلَّا وَقت إِذْنه بالْقَوْل الْمَذْكُور، وَلَا يدل هَذَا على لُزُوم الِاسْتِثْنَاء، غير أَنه لَا يلائم هَذَا مَا روى عَنهُ ﷺ من أَنه لما نزل قَالَ: إِن شَاءَ الله فَتَأمل.
مسئلة
الِاسْتِثْنَاء (الْمُسْتَغْرق بَاطِل) لِأَنَّهُ لَا يبْقى بعده شَيْء يصير متكلما، وتركيب الِاسْتِثْنَاء وضع للمتكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا وَحكى ابْن الْحَاجِب وَغَيره فِيهِ الِاتِّفَاق. قَالَ الشَّارِح: وَهُوَ مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ الصَّدْر أَو مساويه (وفصله) أَي الْمُسْتَغْرق (الْحَنَفِيَّة إِلَى مَا) أَي مُسْتَغْرق ملبس (بِلَفْظ الصَّدْر) بِأَن يكون لفظ الْمُسْتَثْنى عين لفظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (أَو مساويه) فِي الْمَفْهُوم، وَقد اتحدا فِيمَا يصدقان عَلَيْهِ: كعبيدي أَحْرَار إِلَّا عَبِيدِي، أَو مماليكي (فَيمْتَنع و) إِلَى (مَا بِغَيْرِهِمَا: كعبيدي أَحْرَار إِلَّا هَؤُلَاءِ، أَو إِلَّا سالما، وغانما، وراشدا، وهم) أَي الْمشَار إِلَيْهِم بهؤلاء فِي الشق الأول لمسمين فِي الشق الثَّانِي (الْكل، وَكَذَا نسَائِي) طَوَالِق (إِلَّا فُلَانَة، وفلانة، وفلانة، فَلَا) يمْتَنع: فَلَا يعْتق وَاحِد مِنْهُم، وَلَا تطلق وَاحِدَة مِنْهُنَّ (وَالْأَكْثَر على جَوَاز) اسْتثِْنَاء (الْأَكْثَر) فَيبقى الْأَقَل من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (و) على جَوَاز اسْتثِْنَاء (النّصْف) فَيبقى النّصْف (ومنعهما) أَي الْأَكْثَر وَالنّصف (الْحَنَابِلَة، وَالْقَاضِي، وَقيل إِن كَانَ (الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (عددا صَرِيحًا) يمْتَنع فِيهِ اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَالنّصف كعشرة إِلَّا سِتَّة، أَو إِلَّا خَمْسَة، وَإِن كَانَ غير صَرِيح فَلَا يمتنعان فِيهِ: كأكرم بني تَمِيم إِلَّا الْجُهَّال، وهم النّصْف أَو الْأَكْثَر، فَعلم مِنْهُ أَن مَبْنِيّ الِامْتِنَاع ظَاهر العنوان وَالْعرْف، وَمن هُنَا يعلم وَجه قَول الْحَنَفِيَّة فِي تَجْوِيز الِاسْتِغْرَاق بِعَين لفظ الصَّدْر ومساويه فَافْهَم (لنا فِي غير الْعدَد - ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك﴾ - وهم) أَي متبعوه (أَكثر) مِمَّن لم يتبعهُ (لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا أَكثر النَّاس﴾ - الْآيَة) وَالْمرَاد بعبادي الْإِنْس فَلَا يرد أَن الْعباد بِاعْتِبَار الْمَلَائِكَة أَكْثَرهم غير متبعين، وَلَا يُقَال المُرَاد بِأَكْثَرَ النَّاس الموجودون فِي زَمَانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 300
فَلَا يسْتَلْزم كَون المتبعين أَكثر لجَوَاز أَن يكون الموجودون فِي غير زَمَانه أَكْثَرهم مُؤمنُونَ لأَنا نقُول: لَيْسَ اللَّام فِي النَّاس للْعهد، بل للْجِنْس بِدَلِيل مَا صَحَّ عَنهُ ﷺ من أَن حِصَّة الْجنَّة من كل ألف وَاحِد، وَالْبَاقِي حِصَّة النَّار (وكلكم جَائِع إِلَّا من أطعمته) كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره، فَإِن من أطْعمهُ الله أَكثر مِمَّن لم يطعمهُ (وَمن الْعدَد إِجْمَاع) فُقَهَاء (الْأَمْصَار على لُزُوم دِرْهَم فِي عشرَة دَرَاهِم إِلَّا تِسْعَة) فَهَذَا دَلِيل على جَوَاز اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر، لِأَنَّهُ لَو لم يجز كَانَ يلْزم الْكل بِمُوجب الْإِقْرَار بِالْعشرَةِ من غير اسْتثِْنَاء صَحِيح (قَالُوا) عَليّ (عشرَة إِلَّا تِسْعَة، وَنصف، وَثلث، وَثمن دِرْهَم مستقبح عَادَة) إِذْ جعل الدِّرْهَم أَرْبَعَة وَعشْرين جُزْءا، وَنصفه اثْنَا عشر، وَثلثه ثَمَانِيَة، وثمنه ثَلَاثَة، وَالْمَجْمُوع ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ فِيمَا يبْقى فِي جَانب الْمُسْتَثْنى مِنْهُ إِلَّا ثلث ثمن دِرْهَم، وَفِي بعض النّسخ مستهجن (أُجِيب استقباجه لَا يُخرجهُ عَن الصِّحَّة كعشرة إِلَّا دانقا، ودانقا إِلَى عشْرين) دانقا، وَهُوَ سدس الدِّرْهَم فَإِنَّهُ مستقبح وَلَيْسَ استقباحه لأجل أَن الْمُسْتَثْنى أَكثر، لِأَنَّهُ ثلث الْكل، بل لأجل التَّطْوِيل وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْحَاصِل صرف الْقبْح إِلَى كَيْفيَّة اسْتِعْمَال اللَّفْظ، لَا إِلَى مَعْنَاهُ).
مسئلة
(الْحَنَفِيَّة) قَالُوا (شَرط إِخْرَاجه) أَي المستنثى من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (كَونه) أَي الْمُسْتَثْنى بَعْضًا (من الْمُوجب) أَي مِمَّا أوجبه الصَّدْر وتناوله (قصدا لَا ضمنا) وتبعا (فَلِذَا) الشَّرْط (أبطل أَبُو يُوسُف اسْتثِْنَاء الْإِقْرَار من الْخُصُومَة فِي التَّوْكِيل بهَا) أَي بِالْخُصُومَةِ بِأَن يَقُول: وكلت بِالْخُصُومَةِ إِلَّا الْإِقْرَار (لِأَن ثُبُوته) أَي ثُبُوت الْإِقْرَار للْوَكِيل (بتضمن الْوكَالَة) بِالْخُصُومَةِ (إِقَامَته) أَي الْمُوكل الْوَكِيل (مقَام نَفسه) لَا لِأَن الْإِقْرَار يدْخل فِي الْخُصُومَة قصدا وبالذات (إِذْ الْخُصُومَة لَا تنتظمه) أَي لَا يتَنَاوَل الْإِقْرَار بِمُوجب مَفْهُومه لِأَنَّهُ مسَاوٍ لَهُ وموافقه، وَالْخُصُومَة مُنَازعَة وإنكار (وَإِنَّمَا أجَازه) أَي اسْتثِْنَاء الْإِقْرَار مِنْهَا (مُحَمَّد) لوَجْهَيْنِ: الأول (لاعتبارها) أَي الْخُصُومَة (مجَازًا فِي الْجَواب) مُطلقًا لِأَن حَقِيقَة الْخُصُومَة مهجورة شرعا لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا تنازعوا﴾ -: فيصار إِلَى الْمجَاز، والعلاقة كَون الْخُصُومَة سَببا إِلَى الجوانب (فَكَانَ) الاقرار (من أَفْرَاده) أَي الْجَواب الْمُطلق قَالُوا وَالِاسْتِثْنَاء على هَذَا بَيَان تَغْيِير فَيصح مَوْصُولا لَا مَفْصُولًا وَالْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ يملك الْإِقْرَار عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة الْوَجْه الثَّانِي أَن اسْتثِْنَاء الْإِقْرَار عمل بِحَقِيقَة اللُّغَة، فَيكون اسْتِثْنَاؤُهُ تقريرا مُوجب التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ. فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ بَيَان تَقْرِير لَا اسْتثِْنَاء فَيصح مَوْصُولا ومفصولا: كَذَا ذكره الشَّارِح وَفِي الْوَجْه
стр. 301
الثَّانِي مَا لَا يخفى (وعَلى هَذَا) الَّذِي ذكر لمُحَمد (صَحَّ اسْتثِْنَاء الْإِنْكَار أَيْضا عِنْده) أَي عِنْد مُحَمَّد من التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ لشمُول الْمَعْنى الْمجَازِي إِيَّاه، وَعدم لُزُوم الِاسْتِغْرَاق (وَبَطل عِنْد أبي يُوسُف لِأَنَّهُ) أَي اسْتثِْنَاء الْإِنْكَار (مُسْتَغْرق) لِأَنَّهُ لم يبْق بعده لُزُوم شَيْء بعد استثنائه من الْخُصُومَة لما عرفت.
مسئلة
(إِذا تعقب) الِاسْتِثْنَاء (جملا) متعاطفة (بِالْوَاو وَنَحْوهَا) وَهِي الْفَاء، وَثمّ، وَحَتَّى، وَمِنْهُم من قيد بِالْوَاو كإمام الْحَرَمَيْنِ والآمدي وَابْن الْحَاجِب، وَمِنْهُم من أطلق العاطف، كَالْقَاضِي أبي بكر، وَمِنْهُم من أطلق كَونه عقب الْجمل من غير ذكر للْعَطْف كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ (فالشافعية قَالُوا يتَعَلَّق) الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور (بِالْكُلِّ) أَي بِكُل وَاحِد من تِلْكَ الْجمل (ظَاهرا) لَا نصا إِذْ لَا دَلِيل للْقطع، فِي الشَّرْح العضدي لَا خلاف فِي إِمْكَان رده إِلَى الْجَمِيع وَلَا إِلَى الْأَخير خَاصَّة، إِنَّمَا الْخلاف فِي الظُّهُور، فَقَالَ الشَّافِعِي ظَاهر فِي رُجُوعه إِلَى الْجَمِيع خَاصَّة، وَالْحَنَفِيَّة إِلَى الْأَخِيرَة، وَالْقَاضِي الْغَزالِيّ وَغَيرهمَا بِالْوَقْفِ بِمَعْنى لَا يدْرِي أَنه حَقِيقَة فِي أَيهمَا. وَقَالَ المرتضى: أَنه مُشْتَرك بَينهمَا، فَيتَوَقَّف إِلَى ظُهُور الْقَرِينَة، وَهَذَانِ: يَعْنِي مَذْهَب الْوَقْف والاشتراك موافقان الْحَنَفِيَّة فِي الحكم وَإِن خالفا فِي المأخذ: يَعْنِي أَنه يُفِيد الْإِخْرَاج عَن مَضْمُون الْجُمْلَة الْأَخِيرَة دون غَيرهَا، لَكِن عِنْدهمَا لعدم الدَّلِيل فِي الْغَيْر، وَعِنْدهم لدَلِيل الْعَدَم، وَهَذَا مُقْتَضى اخْتِلَاف المأخذ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن: إِن تبين اسْتِقْلَال الثَّانِيَة عَن الأولى بالاضراب عَن الأولى فللأخيرة، وَإِلَّا فللجميع، وَظُهُور الاضرابات بِأَن يختلفا نوعا أَو اسْما مَعَ أَنه لَيْسَ فيهمَا الِاسْم الثَّانِي ضمير الِاسْم الأول أَو يختلفا حكما مَعَ أَن الجملتين فِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة غير مشتركتين فِي غَرَض. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بِأَن يختلفا نوعا من جِهَة الخبرية والإنشائية، وكونهما أمرا ونهيا وَنَحْو ذَلِك، أَو اسْما بِأَن يكون الِاسْم الَّذِي يصلح مستترا مِنْهُ فِي أَحدهمَا غير الَّذِي فِي الْأُخْرَى أَو حكما بِأَن يكون مَضْمُون هَذِه مُخَالفا لمضمون الْأُخْرَى (وَقَول أبي الْحُسَيْن) وَعبد الْجَبَّار وَفِي الْمَحْصُول أَنه حق (إِن ظهر الإضراب عَن الأول) وَقد عرفت تَفْسِيره (فللأخير) أَي فالاستثناء مُتَعَلق بالأخير فَقَط (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يظْهر الإضراب عَن الأول (فللكل) أَي فَيتَعَلَّق بِكُل مِنْهُمَا، وَعدم الظُّهُور (ككون الثَّانِي ضمير الأول) كَانَ الظَّاهِر فِي مثله رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا جَمِيعًا (وَلَو اخْتلفَا) أَي الكلامان (فِيمَا يذكر) أَي فِي النَّوْع، وَالْحكم، وَالِاسْم (أَو اشْتَركَا) أَي الكلامان (فِي الْغَرَض) المسوق لَهُ الْكَلَام (وَمِنْه) أَي من هَذَا الْقَبِيل (قَوْله تَعَالَى (وَلَا تقبلُوا لَهُم
стр. 302
شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾) فَإِنَّهُمَا اخْتلفَا نوعا إنْشَاء، وخبرا واشتركا فِي الْغَرَض، وَهُوَ الإهانة والانتقام. وَقَول أبي الْحُسَيْن مُبْتَدأ خَبره (لَا يزِيد عَلَيْهِ) أَي على قَول الشَّافِعِي (إِلَّا بتفصيل الْقَرِينَة) لموافقته إِيَّاه فِي كَونه ظَاهرا فِي الرُّجُوع إِلَى الْكل مُحْتَاجا فِي الصّرْف إِلَى الْأَخير إِلَى الْقَرِينَة غير أَنه فصل الْقَرِينَة الدَّالَّة على تعْيين الْأَخير بِظُهُور الإضراب وَقسم مَا بِهِ يظْهر (إِلَى اخْتِلَافهمَا) أَي الْكَلَامَيْنِ (نوعا بالإنشائية، والخبرية، وَالْأَمر، وَالنَّهْي، ويقتضى) قَول أبي الْحُسَيْن (فِي أكْرم بني تَمِيم، وَبَنُو تَمِيم مكرمون إِلَّا زيدا أَن إكرامه) أَي زيد (مَطْلُوب غير وَاقع) لوُجُود الِاخْتِلَاف نوعا (أَو) عدم رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجُمْلَة الطلبية أَو اخْتِلَافهمَا (اسْما بِوُجُود الِاسْم الصَّالح لتَعَلُّقه) أَي الِاسْتِثْنَاء (فِي) الْجُمْلَة (الثَّانِيَة غير) الِاسْم (الأول) فِي الْجُمْلَة الأولى (أَو) اخْتِلَافهمَا (حكما) وَقد مر تَفْسِيره، وَإِنَّمَا لم يزدْ قَول أبي الْحُسَيْن على قَول الشَّافِعِي ﵀ (إِذْ حَاصله) أَي قَول أبي الْحُسَيْن (تعلقه) أَي الِاسْتِثْنَاء (بِالْكُلِّ إِلَّا بقاصر) على الْأَخِيرَة (غير أَنه) أَي أَبَا الْحُسَيْن (جعل ذَلِك) الِاخْتِلَاف بَينهمَا (قاصرا) للاستثناء على الْأَخِيرَة (فَإِن لم يُوَافق) أَبُو الْحُسَيْن على صِيغَة الْمَجْهُول (عَلَيْهِ) أَي على جعل ذَلِك قاصرا بِأَن لم يَجعله الشَّافِعِي ﵀ قاصرا (فَالْخِلَاف فِي شَيْء آخر) وَهُوَ خُصُوص هَذَا الْقَاصِر بعد الِاتِّفَاق على أَنه إِن لم يكن قاصرا على الْأَخِيرَة، فَهُوَ رَاجع إِلَى الْكل (وَالْحَنَفِيَّة، وَالْغَزالِيّ، والباقلاني، والمرتضى) على أَن الِاسْتِثْنَاء يتَعَلَّق (بالأخيرة إِلَّا بِدَلِيل فِيمَا قبلهَا، قيل) كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (فالحنفية لظُهُور الِاقْتِصَار) على الْأَخِيرَة كَمَا سَيَأْتِي (وَالْآخرُونَ لعدم ظُهُور الشُّمُول) للْكُلّ (أما للاشتراك) اشتراكا لفظيا (بَين إِخْرَاجه) أَي الِاسْتِثْنَاء (مِمَّا يَلِيهِ) وَهُوَ الْأَخير (فَقَط و) بَين إِخْرَاجه من (الْكل) فَإِنَّهُ ثَبت عوده إِلَى مَا يَلِيهِ فَقَط كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إِلَّا أمرأتك﴾ -، وَقد يتَعَيَّن عوده إِلَى مَا عدا الْأَخِيرَة، نَحْو قَوْله تَعَالَى - ﴿فَمن شرب مِنْهُ فَلَيْسَ مني وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني إِلَّا من اغترف غرفَة بِيَدِهِ﴾ - وَعوده إِلَى الْكل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر﴾ - إِلَى قَوْله - ﴿إِلَّا من نَاب﴾ -، وَالْأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة (أَو لعدم الْعلم بِأَنَّهُ) أَي الِاسْتِثْنَاء (كَذَلِك) أَي مُشْتَرك كَمَا ذكر، أَو رَاجع إِلَى مَا يَلِيهِ، أَو الْمَعْنى رَاجع إِلَى الْكل (أَو) إِلَى (مَا يَلِيهِ) لَا غير لُغَة كَمَا هُوَ قَول الباقلاني وَالْغَزالِيّ، (فَلَزِمَ مَا يَلِيهِ) أَي فَلَزِمَ رُجُوعه إِلَى مَا يَلِيهِ على قَول الْكل وَلَا يخفى أَنه لَا يلْزم على تَقْدِير الِاشْتِرَاك، لَا على تَقْدِير عدم الْعلم تعين مَا يَلِيهِ، بل اللَّازِم التَّوَقُّف إِلَى أَن تتَحَقَّق الْقَرِينَة الْمعينَة فَإِن قلت الْقرب قرينَة مرجحة قُلْنَا سبق الأولى فِي قابلية الرُّجُوع إِلَيْهِ ليعارضه
стр. 303
كَمَا ذهب إِلَيْهِ كثير من الْمُفَسّرين: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال الْقرب أقوى (وَمَا قيل) وقائله ابْن الْحَاجِب (الْمُخْتَار أَنه مَعَ قرينَة الِانْقِطَاع) أَي انْقِطَاع الْأَخِيرَة عَمَّا قبلهَا (للأخيرة و) مَعَ قرينَة (الِاتِّصَال) بِمَا قبلهَا تكون (للْكُلّ، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن إِحْدَى القرينتين (فالوقف) فِيمَا عدا الْأَخير لَازم، فَقَوله مَا قيل مُبْتَدأ وَمَا بعده مقول القَوْل، وَالْخَبَر قَوْله (مَذْهَب الْوَقْف) بِحَذْف الْمُضَاف: أَي أهل الْوَقْف، أَو الْإِضَافَة بَيَانِيَّة، ثمَّ أثبت كَونه مَذْهَب الْوَقْف بقوله (للاتفاق) الْكَائِن بَين هَذَا الْقَائِل والذاهبين إِلَى الْوَقْف (على أَن إِخْرَاجه) أَي الِاسْتِثْنَاء (من) الْجُمْلَة (الْأَخِيرَة) عِنْد عدم الْقَرِينَة لما عرفت (وَالْعَمَل بِالْقَرِينَةِ) عِنْد وجودهَا، فالمآل وَاحِد (وَاعْلَم أَن الْمُدَّعِي فِي كتب الْحَنَفِيَّة أَنه من الْأَخِيرَة، وَمَا زيد) على هَذَا الْقدر (من) قيد (ظُهُور الْعَدَم) أَي عدم الْإِخْرَاج مِمَّا قبل الْأَخِيرَة الْمشَار إِلَيْهِ بِظُهُور الِاقْتِصَار على مَا مر لم يصرحوا بِهِ بل (أَخذ من استدلالهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بِأَن شَرطه) أَي الِاسْتِثْنَاء من شَيْء (الِاتِّصَال) بذلك (وَهُوَ) أَي الِاتِّصَال (مُنْتَفٍ فِي غير لأخيرة) لتخلل الْأَخِيرَة بَين الِاسْتِثْنَاء وَمَا قبلهَا (وَمُقْتَضَاهُ) أَي هَذَا الِاسْتِدْلَال (عدم الصِّحَّة مُطلقًا) فِيمَا عدا الْأَخِيرَة (وَهُوَ) أَي عدمهَا فِيمَا عَداهَا (بَاطِل، إِذْ لَا يمْتَنع) الِاسْتِثْنَاء بالِاتِّفَاقِ (فِي الْكل) بِأَن يكون من كل وَاحِدَة من تِلْكَ الْجمل (بِالدَّلِيلِ) على مَا ذكر (وَأما دَفعه) أَي دفع هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَن الْجَمِيع كالجملة) الْوَاحِدَة (ف) هُوَ (قَول الشَّافِعِيَّة: الْعَطف يصير المتعدد) أَي الْجمل الْمَعْطُوف بَعْضهَا على بعض (إِلَى آخِره) أَي كالمفرد، وَلَا شكّ أَنه لَا يعود فِيهِ إِلَى جزئه، فَكَذَا فِي الْجمل لَا يعود إِلَى بَعْضهَا (وسنبطل) هَذَا القَوْل (و) من استدلالهم (بقَوْلهمْ عمله) أَي الِاسْتِثْنَاء (ضَرُورِيّ لعدم استقلاله) بِنَفسِهِ، إِذْ لَا بُد لَهُ من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، والضرورة تدفع بِالْعودِ إِلَى وَاحِدَة مِنْهَا (والأخيرة منتفية اتِّفَاقًا، وَمَا) يثبت (بالضررة) يقدر (بِقَدرِهَا) أَي بِقدر الضَّرُورَة فَتعين الْأَخِيرَة (وَمنع) هَذَا (بِأَنَّهُ) أَي عمله (وضعي) لَا ضَرُورِيّ (قُلْنَا لَو سلم) أَنه وضعي (فَلَمَّا يَلِيهِ فَقَط) أَي فَإِن أردتم أَنه مَوْضُوع لما يَلِيهِ فَقَط فَهُوَ الْمَطْلُوب (أَو الْكل) أَي أَو أَنه مَوْضُوع للْكُلّ (فَمَمْنُوع) أَي بَاطِل للاتفاق على أَنه يسْتَعْمل فِيمَا يَلِيهِ فَقَط، وَالْأَصْل فِيهِ الْحَقِيقَة (فاللازم) بِمُوجب الدَّلِيل (لُزُومه) أَي لُزُوم كَون الِاسْتِثْنَاء (من الْأَخِيرَة والتوقف فِيمَا قبلهَا) أَي فِي كَونه اسْتثِْنَاء مِمَّا قبل الْأَخِيرَة (إِلَى الدَّلِيل) أَي إِلَى وجود الدَّال على عوده إِلَيْهِ (وَأَيْضًا بِدفع الدَّلِيل الْمعِين لَا ينْدَفع الْمَطْلُوب) لجَوَاز ثُبُوته بِغَيْرِهِ (فَلْيَكُن الْمَطْلُوب مَا ذكرنَا) من أَنه يثبت فِي الْأَخِيرَة إِلَّا بِدَلِيل فِيمَا قبلهَا من غير ادِّعَاء ظُهُور فِي عدم تعلقه بِمَا قبلهَا، إِذْ الْغَرَض لم يتَعَلَّق إِلَّا بِعَدَمِ رُجُوعه إِلَى الْكل إِلَّا بِدَلِيل فِي
стр. 304
خُصُوص موارده، كَذَا نقل عَن المُصَنّف (وَمن أدلتهم) أَي الْحَنَفِيَّة (حكم الأولى مُتَيَقن وَرَفعه) أَي حكمهَا (عَن الْبَعْض) أَي عَن بعض الأولى (بِالِاسْتِثْنَاءِ مَشْكُوك للشَّكّ فِي تعلقه) أَي الِاسْتِثْنَاء (بِهِ) أَي الْبَعْض، إِمَّا (لوجه الِاشْتِرَاك) أَي لما يُفِيد كَون الِاسْتِثْنَاء مُشْتَركا بَين أَن يكون للأخيرة فَقَط، وَبَين أَن يكون للْكُلّ: وَهُوَ أَنه (اسْتعْمل فيهمَا) لما علم بالاستقراء (وَالْأَصْل) فِي الِاسْتِعْمَال (الْحَقِيقَة، وَهُوَ) أَي هَذَا الْوَجْه (إِنَّمَا يُفِيد لُزُوم التَّوَقُّف فِيهَا) أَي فِيمَا قبل الْأَخِيرَة، بل فِي الْكل، لَوْلَا تَيَقّن الْأَخِيرَة لما ذكر (لَا ظُهُور الْعَدَم) فِيمَا قبل الْأَخِيرَة (أَو دافعه) أَي لوجه دَافع الِاشْتِرَاك الْقَائِل (الْمجَاز خير) من الِاشْتِرَاك فَلْيَكُن فِيمَا قبل الْأَخِيرَة مجَازًا (فيفيده) أَي ظُهُور الْعَدَم فِيمَا قبل الْأَخِيرَة إِلَى ظُهُور الدَّلِيل على تعلقه فِيمَا قبلهَا (وإبطاله) أَي هَذَا الدَّلِيل من قبل الشَّافِعِيَّة (بقَوْلهمْ: لَا يَقِين) فِي حكم الأولى (مَعَ تجويزه) أَي تَجْوِيز كَون الِاسْتِثْنَاء (للْكُلّ يدْفع بِمَا تقدم فِي اشْتِرَاط اتِّصَال الْمُخَصّص) من أَن إِطْلَاق الْعَام بِلَا مخرج إِفَادَة إِرَادَة الْكل، فَلَو لم يكن المُرَاد فِي نفس الْأَمر يلْزم إِخْبَار الشَّارِع وإفادته لثُبُوت مَا لَيْسَ بِثَابِت، ودلك كذب وَطلب للْجَهْل الْمركب من الْمُكَلّفين (أَو) يدْفع (بِإِرَادَة الظُّهُور بِهِ) أَي بِالْيَقِينِ (وَمَا قيل) فِي معارضتهم (الْأَخِيرَة أَيْضا كَذَلِك) أَي حكمهَا مُتَيَقن وَرَفعه عَن الْبَعْض بِالِاسْتِثْنَاءِ مَشْكُوك (لجَوَاز رُجُوعه) أَي الِاسْتِثْنَاء (إِلَى الأولى بِالدَّلِيلِ قُلْنَا الرّفْع) أَي رفع الحكم عَن الْبَعْض (ظَاهر فِي الْأَخِيرَة، وَلذَا) أَي ولظهوره فِيهَا (لزم) أَي الِاسْتِثْنَاء، أَو الرّفْع (فِيهَا) أَي الْأَخِيرَة (اتِّفَاقًا) كَمَا مر (فَلَو تمّ) مَا قيل فِي الْمُعَارضَة (توقف) الِاسْتِثْنَاء (فِي الْكل، وَهُوَ) أَي التَّوَقُّف فِي الْكل (بَاطِل وَحَاصِله) أَي حَاصِل مَا قُلْنَا من ظُهُور الرّفْع فِي الْأَخِيرَة، لَا حَاصِل قَول الشَّافِعِيَّة كَمَا توهمه الشَّارِح فَإِنَّهُ مَعَ بعده لَا معنى لَهُ (تَرْجِيح الْمجَاز) أَي تَرْجِيح كَون الِاسْتِثْنَاء إِذا رَجَعَ إِلَى الْكل مجَازًا على كَونه حَقِيقَة كَمَا زعم الْخصم (فَفِيمَا يَلِيهِ) أَي فالاستثناء فِيمَا يَلِيهِ (حَقِيقَة وَفِي الْكل مجَاز وَأما فِي غَيرهمَا) أَي فِي غير مَا يَلِيهِ وَالْكل (فَيمْتَنع للفصل) بَينه وَبَين الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (حَقِيقَة) وَهُوَ ظَاهر (وَحكما) لِأَن الْفَاصِل، وَهُوَ مَا يَلِيهِ لَا حَظّ لَهُ من حكم الِاسْتِثْنَاء فَهُوَ فصل حَقِيقَة وَحكما، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء من الْكل، فَإِن مَا يَلِيهِ وَإِن كَانَ فصلا بَينه وَبَين مَا قبله من حَيْثُ الْحَقِيقَة لكنه لَيْسَ بفصل من حَيْثُ الحكم لشمُول الِاسْتِثْنَاء لَهُ (وَفِي الْمجَاز) عِنْد رُجُوعه إِلَى الْكل (يتَوَقَّف) رُجُوعه إِلَيْهِ (على الْقَرِينَة) فَإِن لم تكن تتَعَيَّن الْحَقِيقَة (والعلاقة) بَين الْمَعْنى الْمجَازِي، وَهُوَ الصّرْف إِلَى الْكل، والحقيقي وَهُوَ الْعود إِلَى مَا يَلِيهِ (تشبيهه) أَي الْكل (بِهِ) أَي بِمَا يَلِيهِ (لجمع
стр. 305
الْعَطف) أَي لِأَن الْعَطف جمع بَين المتعاطفات، فَجَعلهَا فِي رُتْبَة وَاحِدَة من حَيْثُ الْمَعْنى فاشتراكها فِي تِلْكَ الرُّتْبَة وَجه الشّبَه (بِخِلَاف الِاتِّصَال الصُّورِي) بَينهَا بِحَسب التَّكَلُّم لعدم الْفَصْل فَإِنَّهُ لَا يصلح علاقَة للمجاز (لِأَنَّهُ) أَي الِاتِّصَال الصُّورِي (يتَحَقَّق) فِي الْجمل المتعاقبة (بِلَا عطف) وَهُنَاكَ يتَعَيَّن الِاسْتِثْنَاء للأخيرة اتِّفَاقًا من غير تَجْوِيز لما قبلهَا وَلَو مجَازًا (و) يتَحَقَّق أَيْضا (مَعَ الاضراب) الْمعِين كَونه للأخيرة على مَا سبق فَلَا يصلح علاقَة (وَمَا قيل فِي وَجهه) أَي وَجه التَّوَقُّف فِي غير الْأَخِيرَة (الأشكال) بِفَتْح الْهمزَة جمع شكل (يُوجب الْإِشْكَال) بِكَسْر الْهمزَة الِاشْتِبَاه، فِي الشَّرْح العضدي: الِاتِّصَال يَجْعَلهَا كالواحدة، والانفصال يَجْعَلهَا كالأجانب، والأشكال بِمُوجب الشَّك انْتهى، فَكل شبه مِنْهُمَا شكل، وَلِهَذَا تعَارض الِاشْتِبَاه يُوجب التَّوَقُّف (فَمَعْنَاه) أَن الِاشْتِبَاه (يخرج من) الْجُمْلَة (الأولى) نظرا إِلَى الِاتِّصَال (وَلَا) يخرج) مِنْهَا نظرا إِلَى الِانْفِصَال، أَو الْمَعْنى أَنه يخرج من الأولى فِي بعض الاستعمالات وَلَا يخرج مِنْهَا فِي الْأُخَر (فتوقف فِيهِ) أَي فِي إِخْرَاجه فِي غير الْأَخِيرَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مَعْنَاهُ هَذَا، بل يعْتَبر الْإِشْكَال بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَخِيرَة أَيْضا (اقْتضى) مَا قيل (أَن يتَوَقَّف فِي الْأَخِيرَة أَيْضا) وَهُوَ بَاطِل لما عرفت (الشَّافِعِيَّة) قَالُوا: أَولا (الْعَطف يصير المتعدد كالمفرد) وَقد مر (أُجِيب) بِأَن ذَلِك (فِي) عطف (الْمُفْردَات) بَعْضهَا على بعض، لِأَن الْعَطف فِي الْأَسْمَاء الْمُخْتَلفَة كالجمع فِي الْأَسْمَاء المتفقة، فَيصير الْمَجْمُوع كصيغ الْجمع الْوَاحِدَة، وَهَذَا هُوَ الْإِبْطَال الْمَوْعُود (وَمَا يُقَال هِيَ) أَي الْجمل (مثلهَا) أَي الْمُفْردَات (إِذْ الِاسْتِثْنَاء فِيهَا) أَي الْجمل (من المتعلقات) أَي متعلقات الْمسند إِلَيْهِ، أَو الْمسند (أَو) من (الْمسند إِلَيْهِ) فَإِذا قطع النّظر عَن سَائِر أَجزَاء الْجمل المتعاطفة مَا عدا مَا اسْتثْنى مِنْهُ صَارَت مثل الْمُفْردَات، فِي الشَّرْح العضدي: لَا فرق بَين الَّذين قتلوا، وسرقوا، وزنوا إِلَّا من تَابَ، وَبَين اضْرِب الَّذين هم قتلة، وسراق وزناة إِلَّا من تَابَ، وَلَا شكّ أَنه لَا يعود من الْمُفْرد إِلَى جُزْء، فَكَذَا فِي الْجمل المعطوفة، ثمَّ أجَاب عَنهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن ذَلِك فِي الْمُفْردَات، أَو مَا فِي حكمهَا الَّتِي لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب أَو الَّتِي وَقعت صلَة للموصول أَو نَحْو ذَلِك انْتهى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي كَونهَا مثلهَا (إِذا اتّحدت جِهَة النِّسْبَة فِيهَا) أَي الْجمل بِأَن تكون نِسْبَة تِلْكَ الْجمل متشاركة فِي جِهَة وَاحِدَة ككونها خَبرا، أَو صفة، أَو صلَة إِلَى غير ذَلِك (وَهُوَ) أَي اتِّحَاد جِهَة النِّسْبَة فِيهَا (الدَّلِيل) على تعلقه بِالْكُلِّ (ككونها) أَي الْجمل (صلَة) للموصول كَمَا مر آنِفا (للْقطع بِأَن نَحْو: ضرب بَنو تَمِيم، وَبكر شجعان لَيْسَ فِي حكمه) أَي الْمُفْرد (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو قَالَ) وَالله (لَا أكلت وَلَا شربت إِن شَاءَ الله تَعَالَى تعلق) إِن شَاءَ الله (بهما) أَي بالجملتين
стр. 306
اتِّفَاقًا (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي إِن شَاءَ الله (شَرط) لَا اسْتثِْنَاء، وَهُوَ يتَعَلَّق بِغَيْر المتعدد بِخِلَاف الِاسْتِثْنَاء (فَإِن ألحق) الِاسْتِثْنَاء (بِهِ) أَي بِالشّرطِ (فَقِيَاس فِي اللُّغَة) وَهُوَ غير صَحِيح (وَلَو سلم صِحَّته) أَي صِحَة الْإِلْحَاق (فَالْفرق) بَين الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء (أَن الشَّرْط مُقَدّر تَقْدِيمه) أَي تعْيين تَقْدِيمه معنى لتقدمه رُتْبَة بِحَسب التحقق (وَلَو سلم عدم لُزُومه) أَي تَقْدِيم الشَّرْط (فلقرينة الِاتِّصَال) أَي فَتعلق الشَّرْط بِكُل مِنْهُمَا لوُجُود الْقَرِينَة الدَّالَّة على اتِّصَاله بِكُل مِنْهَا (وَهُوَ) تِلْكَ الْقَرِينَة والتأنيث بِاعْتِبَار الْخَبَر (الْحلف) الْوَاقِع (على الْكل) على مَا هُوَ الْعَادة فِي مثله (قَالُوا) ثَالِثا (قد يتَعَلَّق الْغَرَض بِهِ) أَي الِاسْتِثْنَاء (كَذَلِك) أَي بِأَن يكون مُتَعَلقا بِالْكُلِّ (وتكراره) أَي الِاسْتِثْنَاء للْكُلّ (يستهجن) وَلَوْلَا أَنه يعود إِلَى الْكل بِدُونِ التّكْرَار لما استهجن لتعينه طَرِيقا (فَلَزِمَ ظُهُوره) أَي الِاسْتِثْنَاء (فِيهَا) أَي فِي الْجمل كلهَا (قُلْنَا الْمُلَازمَة) بَين تكراره والاستهجان (مَمْنُوعَة لمنع الاستهجان إِلَّا مَعَ اتِّحَاد الحكم الْمخْرج مِنْهُ) وَالْحكم الْمخْرج مِنْهُ فِي مَحل النزاع مُتَعَدد (وَلَو سلم) أَن التّكْرَار يستهجن مُطلقًا (لم يتَعَيَّن) التّكْرَار (طَرِيقا) لإِفَادَة المُرَاد (فلينصب قرينَة الْكل، أَو يُصَرح بِهِ) أَي بِالِاسْتِثْنَاءِ من الْكل (بعده) أَي بعد الْكل، أَو الِاسْتِثْنَاء كَأَن يَقُول إِلَّا كَذَا فِي الْجَمِيع (قَالُوا) رَابِعا هُوَ (صَالح) للْجَمِيع (فالقصر على الْأَخِيرَة تحكم قُلْنَا إرادتها) أَي الْأَخِيرَة (اتِّفَاق، والتردد فِيمَا قبلهَا) والاتفاق مُرَجّح فَلَا تحكم (والصلاحية لَا توجب ظُهُوره) أَي الِاسْتِثْنَاء (فِيهِ) أَي فِي الْكل (كالجمع الْمُنكر فِي الِاسْتِغْرَاق) فَإِنَّهُ صَالح للْجَمِيع، وَلَيْسَ بِظَاهِر فِيهِ (قَالُوا) خَامِسًا (لَو قَالَ عَليّ خَمْسَة، وَخَمْسَة إِلَّا سِتَّة، فبالكل) أَي فَيتَعَلَّق بِالْجَمِيعِ اتِّفَاقًا (قُلْنَا بعد كَونه) أَي كل مِمَّا اسْتثْنى مِنْهُ فِي الْمِثَال (مُفردا) وكلامنا فِيمَا إِذا كَانَ جملا (أوجبه) أَي أوجب كَون الِاسْتِثْنَاء من الْجَمِيع (تعينه للصِّحَّة) إِذْ لَو رَجَعَ إِلَى الْأَخِيرَة لم يستقم، فَهُوَ قرينَة الِاتِّصَال بِالْكُلِّ وَأَيْضًا مدعاكم الْعود إِلَى كل وَاحِدَة لَا إِلَى الْجَمِيع. وَفِي الشَّرْح العضدي النزاع فِيمَا يصلح للْجَمِيع وللأخيرة، وَهَذَا لَا يصلح لكل وَاحِدَة.
(تَنْبِيه: بنى على الْخلاف) الْمَذْكُور (وجوب رد شَهَادَة الْمَحْدُود فِي قذف عِنْد الْحَنَفِيَّة) إِذا تَابَ من ذَلِك بِأَن أكذب نَفسه عِنْد من قذفه وَأصْلح عمله (لقصر) الِاسْتِثْنَاء الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ على مَا يَلِيهِ) هُوَ ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ فينتفى عَنهُ الْفسق لَا غير، وَيبقى عدم قبُول شَهَادَته مُؤَبَّدًا (خلافًا للشَّافِعِيّ ﵀ وَمَالك وَأحمد ﵏ (ردا لَهُ) أَي للاستثناء (إِلَيْهِ) أَي مَعَ مَا يَلِيهِ (مَعَ لَا تقبلُوا) فينتفى عَنهُ الْفسق وَتقبل
стр. 307
شَهَادَته (وَلَوْلَا منع الدَّلِيل) الدَّال على اخْتِصَاصه بالأخير (من تعلقه) أَي الِاسْتِثْنَاء (بِالْأولِ) أَي فَاجْلِدُوهُمْ (تعلق بِهِ) أَيْضا عِنْدهم، لِأَنَّهُ على تَقْدِير عدم دَلِيل الْقصر كَانَ الظَّاهِر رُجُوعه إِلَى الْكل (ثمَّ قيل الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع) قَالَه القَاضِي أَبُو زيد، وفخر الْإِسْلَام، وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ (لِأَن الْفَاسِقين لم يتَنَاوَل التائبين) لِأَن التائب لَا يبْقى فَاسِقًا بعد التَّوْبَة، وَالْحمل على الْمجَاز بِاعْتِبَار مَا كَانَ بعيد، وَأَنت خَبِير بِأَن الْفَاسِقين لَيْسَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، بل أُولَئِكَ قطعا فَمَا معنى (وَالْأَوْجه أَنه مُتَّصِل) مخرج (من أُولَئِكَ) لَا من الْفَاسِقين، ثمَّ فسر الْمشَار إِلَيْهِ بقوله (أَعنِي الَّذين يرْمونَ) لِأَنَّهُ يصدق عَلَيْهِ مَفْهُوم الدّين يرْمونَ بعد التَّوْبَة فَيخرج مِنْهُ بِاعْتِبَار حكم الْفسق لتوبتهم.
مسئلة
(إِذا خص الْعَام كَانَ مجَازًا فِي الْبَاقِي عِنْد الْجُمْهُور) من الأشاعرة ومشاهير الْمُعْتَزلَة (وَبَعض الْحَنَفِيَّة) كصاحب البديع، وَصدر الشَّرِيعَة (إِلَّا أَنه لَا تَخْصِيص لأكثرهم) أَي الْحَنَفِيَّة (إِلَّا بمستقل على مَا سبق) فَهُوَ بعد إِخْرَاج بعضه بِغَيْر مُسْتَقل حَقِيقَة على قَوْلهم كَمَا صرح بِهِ صدر الشَّرِيعَة (وَبَعْضهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (كالسرخسي والحنابلة) وَأكْثر الشَّافِعِيَّة، بل جَمَاهِير الْفُقَهَاء على مَا ذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ (حَقِيقَة) فِي الْبَاقِي (وَبَعْضهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ حَقِيقَة فِي الْبَاقِي مجَاز فِي الِاقْتِصَار) عَلَيْهِ (وَالشَّافِعِيَّة) نقلوا (عَن الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة، وَهُوَ) الشَّيْخ الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد (الْجَصَّاص إِن كَانَ الْبَاقِي كَثْرَة يعسر ضَبطهَا فحقيقة وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْبَاقِي كَذَلِك (فمجاز). وَقَالَ الْغَزالِيّ كل عدد لَو اجْتَمعُوا فِي صَعِيد يعسر على النَّاظر عَددهمْ بِمُجَرَّد النّظر كالألف فَهُوَ غير مَحْصُور، وَإِن سهل كالعشرة وَالْعِشْرين فمحصور، وَمن الطَّرفَيْنِ أوساط يلْحق أَحدهمَا بِالظَّنِّ، وَمَا وَقع فِيهِ الشَّك استفت فِيهِ الْقلب كَذَا ذكره الشَّارِح (وَالْحَنَفِيَّة) نقلوا (عَنهُ) أَي الْجَصَّاص (إِن كَانَ جمعا فَقَط) أَي من غير تَقْيِيد بالقيد السَّابِق فحقيقة وَإِلَّا بمجاز (وَأَبُو الْحُسَيْن إِن خص بِمَا لَا يسْتَقلّ) من شَرط، أَو صفة، أَو اسْتثِْنَاء) أَو غَايَة (فحقيقة) وَإِن خص بمستقل من سمع أَو عقل فمجاز (القَاضِي إِن خص بِشَرْط أَو اسْتثِْنَاء) فحقيقة وَإِلَّا فمجاز (وَقيل إِن خص بلفظي) مُتَّصِل أَو مُنْفَصِل فحقيقة وَإِلَّا فمجاز (عبد الْجَبَّار أَن خص بِشَرْط أَو صفة) فحقيقة وَإِلَّا فمجاز، فَهَذِهِ ثَمَانِيَة مَذَاهِب (لنا) على الْمُخْتَار، وَهُوَ الأول (الْفَرْض أَنه) أَي الْعَام (حَقِيقَة فِي الِاسْتِغْرَاق على الْخُصُوص) أَي من غير اشْتِرَاك بكنه وَبَين الْبَعْض (فَلَو كَانَ للْبَاقِي فَقَط) أَي من غير انضمام مَا عدا الْبَاقِي إِلَيْهِ (حَقِيقَة) أَيْضا
стр. 308
(كَانَ مُشْتَركا) لفظيا (وَهُوَ) أَي كَونه مُشْتَركا بَين الْكل وَالْبَعْض (غير الْمَفْرُوض، وَدفع) هَذَا الِاسْتِدْلَال كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (بِأَنَّهُ) أَي الْعَام (فِي صُورَة التَّخْصِيص للاستغراق، لِأَن أكْرم بني تَمِيم الطوَال على تَقْدِير من بني تَمِيم: أَي بَعضهم) فَإِن من للتَّبْعِيض وَالتَّقْيِيد فِي معنى من (فَلَزِمَ إِرَادَة كلهم) من قَوْلهم بني تَمِيم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مرَادا (كَانَ الْمَعْنى) أكْرم (بعض بَعضهم) لِأَن لَازم من التبعيضية صِحَة وضع بعض مَكَانهَا، وَالْفَرْض أَن المُرَاد ببني تَمِيم الْبَعْض (ثمَّ عرض الحكم) مَعْطُوف على لزم: أَي عرض لعمومه مصحح الحكم وَهُوَ الْوَصْف الْمُخْتَص (فَخرج) الْبَعْض (الآخر) وَهُوَ الَّذِي لم ويصف بِهِ (وَهَذَا) التَّوْجِيه هُوَ (لَازم فِي الْمُسْتَثْنى على مَا قيل) من أَن المُرَاد بالمستثنى مِنْهُ الِاسْتِغْرَاق والعموم، ثمَّ يخرج مِنْهُ الْمُسْتَثْنى، ثمَّ يحكم على الْبَاقِي (وَيُمكن اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار كَون المُرَاد جَمِيع مَا يتَنَاوَلهُ، ثمَّ إِخْرَاج غير المُرَاد بالحكم ثمَّ الحكم (فِي الْكل) أَي فِي جَمِيع العمومات المخصصة بِأَيّ تَخْصِيص كَانَ (غير أَن وضع الْمُفْرد واستعماله لَيْسَ إِلَّا للتركيب) لِأَن الْمَقْصُود إِفَادَة الْمعَانِي التركيبية (وَيبعد أَن يركبه) أَي الْمُتَكَلّم الْمُفْرد مَعَ غَيره (مرِيدا الْمَجْمُوع ليحكم على الْبَعْض، لِأَنَّهُ) أَي قصد الْمَجْمُوع (حِينَئِذٍ) أَي حِين يُرِيد الحكم على الْبَعْض (بِلَا فَائِدَة لصِحَّة أَن يُرَاد مِنْهُ) أَي من اللَّفْظ الْمَوْضُوع (لُغَة الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فَقَط) وَهُوَ الْبَعْض بِقَرِينَة الْمُخَصّص (وَلَو كَانَ عددا) فَانْتفى الدّفع (وَقَول السَّرخسِيّ صِيغَة الْعُمُوم) مَوْضُوعَة (للْكُلّ وَمَعَ ذَلِك حَقِيقَة فِيمَا وَرَاء الْمَخْصُوص لِأَنَّهَا) أَي صيغته (إِنَّمَا تتناوله) أَي مَا وَرَاء الْمَخْصُوص (من حَيْثُ أَنه كل لَا بعض) بِمَعْنى أَن حَقِيقَتهَا كل الْأَفْرَاد، وَعند التَّخْصِيص يصير مَا وَرَاء الْمَخْصُوص كل الْأَفْرَاد فَيصدق أَن تنَاولهَا إِيَّاه من حَيْثُ أَنه كل لَا من حَيْثُ أَنه كل لَا من حَيْثُ أَنه بعض (كالاستثناء يصير الْكَلَام) يَعْنِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ (عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى بطرِيق أَنه) أَي مَا وَرَاء الْمُسْتَثْنى (كل، لَا بعض) فَقَوْل السَّرخسِيّ مُبْتَدأ خَبره (إِن أَرَادَ) أَن تنَاوله لما وَرَاء الْمَخْصُوص (بِوَضْع آخر خَاص لزم الِاشْتِرَاك) اللَّفْظِيّ، والمفروض خِلَافه (أَو وضع الْمجَاز فنقيض مَطْلُوبه) وَهُوَ أَنه أَي حَقِيقَته فِيهِ (فَإِن قيل لم لم تحمله) أَي كَلَام السَّرخسِيّ (على أَنه لَا يشْتَرط الِاسْتِغْرَاق) فِي الْعَام: وَهُوَ حَقِيقَة مَا لم يسْتَعْمل فِي غير أَفْرَاده، والمخصوص من أَفْرَاده فَهُوَ حَقِيقَة فِيهِ (قُلْنَا الْكَلَام فِي الْعَام إِذا خص) وَكَانَ الِاخْتِصَاص مرَادا بِهِ وَهُوَ أَمر زَائِد على مَا وضع لَهُ (وَإِنَّمَا يقبله) أَي التَّخْصِيص (الصِّيَغ الْمُتَقَدّمَة: كالجمع الْمحلي وَنَحْوه) من الموصولات وَأَسْمَاء الشَّرْط والاستفهام إِلَى غير ذَلِك (مِمَّا اتّفق على استغراقه وَالْخلاف فِي اشْتِرَاطه) أَي الِاسْتِغْرَاق إِنَّمَا هُوَ (فِي مُسَمّى لفظ عَام) يَعْنِي هَل يشْتَرط فِيمَا
стр. 309
وضع لفظ الْعَام اصْطِلَاحا الِاسْتِغْرَاق أم لَا (وَمن لم يَشْتَرِطه) أَي الِاسْتِغْرَاق فِيهِ (وَإِن جعل من صيغته) أَي الْعَام (الْجمع الْمُنكر لَا يصحح اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار مَا لَيْسَ بمستغرق (هُنَا) أَي فِيمَا قبل التَّخْصِيص (إِذْ لَا يقبل) غير الْمُسْتَغْرق (الْإِخْرَاج مِنْهُ) إِذْ إِخْرَاج بعض أَفْرَاد الْمَفْهُوم فرع الْعلم باندراجه تَحْتَهُ من حَيْثُ الْإِرَادَة، وَلَا علم بذلك فِيمَا لَا استغراق فِيهِ (وَلذَا لَا يسْتَثْنى مِنْهُ) كَمَا مر فِي بَحثه (وَمَا قيل إِرَادَته) أَي الْبَاقِي (لَيْسَ بِالْوَضْعِ الثَّانِي والاستعمال) فِيهِ (بل) الْبَاقِي مُرَاد (بِالْأولِ) أَي بِالْوَضْعِ الأول، فِي الشَّرْح العضدي وَأَيْضًا فَلم يرد الْبَاقِي بِوَضْع وَاسْتِعْمَال ثَان، بل بِالْوَضْعِ وَاسْتِعْمَال الأول، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِ عدم إِرَادَة الْمخْرج بِخِلَاف الْمجَاز (مَمْنُوع) أَي إِرَادَة الْبَاقِي بِالْوَضْعِ الأول وَكَونه حَقِيقَة بذلك الِاعْتِبَار (بل الْحَقِيقَة) إِنَّمَا يتَحَقَّق ب (بإرادته) أَي بِالْبَاقِي (الأول) أَي بِمُوجب الْوَضع الأول (من حَيْثُ هُوَ) أَي الْبَاقِي (دَاخل فِي تَمام) الْمَعْنى (الوضعي المُرَاد) بِاللَّفْظِ (لَا) بإرادته (بِمُجَرَّد كَونه تَمام المُرَاد بالحكم) وَالْأَظْهَر لَا من حَيْثُ كَونه تَمام المُرَاد، فَكَأَنَّهُ قصد أَن مُجَرّد الْبَاقِي لَا يَكْفِي فِي الْحَقِيقَة، بل لَا بُد من الْمَجْمُوع، أما إِذا أُرِيد مُجَرّد كَونه تَمام المُرَاد حَقِيقَة (فَهُوَ) أَي فَهَذَا المُرَاد إِنَّمَا يحصل (بِالثَّانِي) أَي بِالْوَضْعِ الثَّانِي (الْحَنَابِلَة تنَاوله) أَي تنَاول الْعَام للْبَاقِي بعد التَّخْصِيص (كَمَا كَانَ) قبله (وَكَونه) أَي تنَاوله بعض التَّخْصِيص (مَعَ قرينَة الِاقْتِصَار) عَلَيْهِ (لَا يُغَيِّرهُ) أَي لَا يُغير كَيْفيَّة تنَاوله (فَهُوَ حَقِيقَة قُلْنَا الْحَقِيقَة بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَعْنى) الْمَوْضُوع لَهُ بِأَن يكون مَجْمُوع الْمُسَمّى مرَادا (لَا) بِمُجَرَّد (التَّنَاوُل) لَهُ من حَيْثُ الدّلَالَة على مَا يَقْتَضِيهِ الْوَضع (لِأَنَّهُ) أَي التَّنَاوُل (لتبعيته للوضع ثَابت للمخرج) بِفَتْح الرَّاء (بعد التَّخْصِيص) فَلَا فرق فِي هَذَا التَّنَاوُل بَين الْبَاقِي والمخرج (و) كَذَلِك ثَابت (لَكِن وضعي) سَوَاء كَانَ عين الْمَوْضُوع لَهُ أَو جزءه (حَال التَّجَوُّز بِلَفْظِهِ) واستعماله فِي الْمَعْنى الْمجَازِي، لِأَن الْعَالم بِالْوَضْعِ ينْتَقل إِلَى مَا وضع لَهُ لَا محَالة وَإِن كَانَ المُرَاد غَيره بِمُوجب الْقَرِينَة الصارفة (الرَّازِيّ إِذا بَقِي) من الْعَام مِقْدَار (غير منحصر) فِي عدد (فَهُوَ) أَي ذَلِك الْبَاقِي (معنى الْعُمُوم) فِيهِ مُسَامَحَة لِأَنَّهُ كَون اللَّفْظ دَالا على أَمر غير منحصر فِي عدد فَتكون فِيهِ حَقِيقَة (نَقله الشَّافِعِيَّة عَنهُ وَالْحَنَفِيَّة بِنَقْل مذْهبه أَجْدَر) من الشَّافِعِيَّة لِأَنَّهُ مِنْهُم (وَهُوَ) أَي مذْهبه على النقلين (بِنَاء على عدم اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق) فِي الْعُمُوم، فِي الشَّرْح العضدي الرَّازِيّ قَالَ معنى الْعُمُوم حَقِيقَة كَون اللَّفْظ دَالا على أَمر غير منحصر فِي عدد، فَإِذا كَانَ الْبَاقِي غير منحصر كَانَ عَاما الْجَواب منع كَون مَعْنَاهُ ذَلِك، بل مَعْنَاهُ تنَاوله للْجَمِيع وَكَانَ للْجَمِيع وَقد صَار لغيره فَكَانَ مجَازًا، وَلَا يخفى أَن هَذَا منشؤه اشْتِبَاه كَون النزاع فِي لفظ الْعَام أَو فِي الصِّيَغ
стр. 310
انْتهى، وَقَوله هَذَا إِمَّا إِشَارَة إِلَى مَا قَالَه الرَّازِيّ، وَإِمَّا إِلَى نقل هَذَا عَنهُ لإِثْبَات كَون الصِّيغَة حَقِيقَة فِي الْبَاقِي وَالثَّانِي مُتَعَيّن إِذْ هُوَ لم يفرع على بَقَاء غير المنحصر كَونهَا حَقِيقَة فِيهِ، بل وجود معنى الْعُمُوم فِيهَا وَهُوَ لَا يسْتَلْزم كَونهَا حَقِيقَة، وَنسبَة الِاشْتِبَاه إِلَى ناقل الْمَذْهَب أولى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَغلط) نقلهم عَنهُ على الْوَجْه الْمَذْكُور، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَالْحَنَفِيَّة إِلَى آخِره، وَزعم الشَّارِح أَن الْمَعْنى غلط الرَّازِيّ، وَقَوله (بِأَن مُقْتَضَاهُ كَون الْخلاف) بَين الرَّازِيّ وَغَيره (فِي لفظ الْعُمُوم لَا فِي الصِّيغَة) يرد عَلَيْهِ، إِذْ مَعْنَاهُ أَن مَذْهَب الرَّازِيّ إِذا كَانَ مَبْنِيا على تَفْسِير الْعُمُوم بِمَا ذكر لزم مُخَالفَته فِيمَا وضع لَهُ للفظ الْعُمُوم، وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ قد تقدر أَن خِلَافه فِي الصِّيغَة الموصوفة بِالْعُمُومِ هَل إِذا خصص وَالْبَاقِي غير منحصر يكون حَقِيقَة أم لَا، عِنْده نعم، وَعند غَيره مَا عرفت وَهل يغلط الرَّازِيّ بِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْك أَن تخالفهم فِي لفظ الْعُمُوم لَا فِي الصِّيغَة، لَا يُقَال معنى تغليطه أَن دخولك فِي هَذَا النَّوْع بَين الْقَوْم، فَهَذَا الْوَجْه يدل على أَنَّك زعمت أَن خلافهم فِي لفظ الْعَام، لأَنا نقُول لَا يُنَاسب هَذَا فِي حق الْأَئِمَّة وَالله أعلم (أَبُو الْحُسَيْن لَو كَانَ الْإِخْرَاج بِمَا لَا يسْتَقلّ يُوجب تجوزا) فِي اللَّفْظ (لزم كَون) لفظ (الْمُسلم للمعهود مجَازًا) إِذا خرج من مَفْهُومه غير الْمَعْهُود بِمَا هُوَ كالجزء لَهُ، وَهُوَ اللَّام وَقد صَار بِهِ لِمَعْنى غير مَا وضع لَهُ إِذا لم يكن فِيهِ الْعَهْد (وَالْجَوَاب) عَنهُ كَمَا فِي أصُول ابْن الْحَاجِب (بِأَن الْمَجْمُوع) من مُسلم وَاللَّام هُوَ (الدَّال) فالجنس مَدْخُول اللَّام، وَالتَّقْيِيد بالمعهود الْمخْرج لغيره اللَّام، فَلَا يلْزم الْمجَاز وَلَا كَون الْعَام مُسْتَعْملا فِي غير مَا وضع لَهُ وَهُوَ الْجِنْس (مندفع) خبر، وَالْجَوَاب (بِأَنَّهُ) أَي بِكَوْن الْمَجْمُوع دَالا على الْوَجْه الْمَذْكُور (بعد الْعلم بِأَنَّهُمَا) أَي اللَّام وَمُسلمًا (كلمتان) متلبسان (بوضعين) لمعنييهما (ركبتا) لإِفَادَة التَّقْيِيد (مُجَرّد اعْتِبَار يُمكن مثله فِي الْعَام الْمُقَيد بِمَا يسْتَقلّ) إِذْ لَا تَأْثِير لعدم الِاسْتِقْلَال لإحدى الْكَلِمَتَيْنِ من حَيْثُ الحرفية فِي هَذَا الِاعْتِبَار (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر مثله فِي الْمُقَيد بِمَا يسْتَقلّ (فتحكم مَحْض) أَي فتخصيص الِاعْتِبَار الْمَذْكُور بِأَحَدِهِمَا دون الآخر تحكم لعدم الْفرق بَينهمَا، فالمخلص أَن يُقَال للمعرف للْعهد وضعان، وضع للْجِنْس قبل دُخُول اللَّام عَلَيْهِ فِي حَال النكارة، وَآخر للمعهود كوضع المبهمات، فَإِن مَا وضعت لَهُ خصوصيات، وَآلَة الملاحظة عِنْد الْوَضع مَفْهُوم عَام كَمَا هُوَ رَأْي الْمُتَأَخِّرين، وَلَيْسَ الْعَام الْمَخْصُوص بِمَا لَا يسْتَقلّ كَذَلِك، بل هُوَ كالمخصوص بِمَا يسْتَقلّ مُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ، وَهُوَ الْبَاقِي بعد التَّخْصِيص (القَاضِي وَعبد الْجَبَّار مثله) أَي أبي الْحُسَيْن (فِيمَا لم يخرجَاهُ) مَا لم يسْتَقلّ، وَهُوَ الصّفة والغاية عِنْد القَاضِي، وَالِاسْتِثْنَاء والغاية عِنْد عبد الْجَبَّار من حَيْثُ الدَّلِيل، وَهُوَ لُزُوم كَون نَحْو الْمُسلم مجَازًا فِي الْمَعْهُود، وَمن حَيْثُ الْجَواب، وَهُوَ منع لُزُومه لما ذكر (الْمُخَصّص بِاللَّفْظِ مثله) أَي أبي الْحُسَيْن دَلِيلا وجوابا على مَا عرفت
стр. 311
(وَهُوَ) أَي دَلِيل هَذَا (أَضْعَف) لشمُول اللَّفْظِيّ الْمُتَّصِل والمنفصل، وَدَلِيله لَا يُنَاسب إِلَّا الْمُتَّصِل (الإِمَام الْجمع كتعداد الْآحَاد). قَالَ أهل الْعَرَبيَّة: معنى الرِّجَال فلَان، وَفُلَان، وَفُلَان إِلَى أَن يستوعب، وَإِنَّمَا وضع الرِّجَال اختصارا (وَفِيه) أَي فِي تعدادها (إِذا بَطل إِرَادَة الْبَعْض لم يصر الْبَاقِي مجَازًا) فَكَذَا الْجمع (أُجِيب أَن الْحَاصِل) من التعداد فِي الْجمع أَمر (وَاحِد) وَهُوَ مَجْمُوع مَا يصلح لَهُ الْعَام لوضعه (للاستغراق، فَفِي بعضه) أَي فاستعماله فِي بعض ذَلِك الْحَاصِل (فَقَط) من غير أَن يُرَاد بِهِ الْبَعْض الآخر (مجَاز) بِخِلَاف الْآحَاد المتعددة فَإِنَّهُ لم يرد بِلَفْظ مِنْهَا بعض مَا وضع لَهُ، وَإِذا بطلت بعض الْحَقَائِق لم يلْزم بطلَان حَقِيقَة أُخْرَى، على أَنه قد منع كَون الْجمع كتكرار الْآحَاد من كل وَجه، وَلَيْسَ مُرَاد أهل الْعَرَبيَّة ذَلِك، بل بَيَان أهل الْحِكْمَة فِي وَضعه (وَمَا قيل) من أَنه (يُمكن) أَن يكون (اللَّفْظ) الْوَاحِد حَقِيقَة ومجازا (بحيثيتين) أَي باعتبارهما، فَلْيَكُن الْعَام الْمَخْصُوص كَذَلِك، فَيكون مجَازًا من حَيْثُ أَنه لَيْسَ مَوْضُوعه الأَصْل حَقِيقَة من حَيْثُ أَنه بَاقٍ على أصل وَضعه وَلم ينْقل نقلا كليا كَمَا اخْتَارَهُ السُّبْكِيّ (فتانك) الحيثيتان إِنَّمَا هما (بِاعْتِبَار وضعي الْحَقِيقِيّ والمجازي) يَعْنِي أَن الحيثيتين إِنَّمَا هُوَ كَون اللَّفْظ بِحَيْثُ إِذا اسْتعْمل فِي هَذَا كَانَ حَقِيقَة لوضعه لَهُ عينا، وَهُوَ الْوَضع الْحَقِيقِيّ، وَإِن اسْتعْمل فِي ذَلِك كَانَ مجَازًا لوضعه لَهُ بالنوع، لَا أَنه فِي اسْتِعْمَال وَاحِد
يكون اللَّفْظ حَقِيقَة ومجازا كل ادَّعَاهُ الإِمَام: كَذَا ذكره الشَّارِح وَالْوَجْه أَن يعْتَبر بِالنِّسْبَةِ إِلَى معنى وَاحِد كَالشَّمْسِ إِذا وضعت بِإِزَاءِ الصُّورَة أَيْضا فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ ذَات حيثيتين بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لكَونهَا مَوْضُوعَة لَهُ بِالْوَضْعِ النوعي الْمجَازِي لكَونه لَازم مَا وضعت لَهُ أَولا، وَهُوَ الْجَزْم (وَلَا يلْزم) من اجْتِمَاع هَاتين الحيثيتين (اجْتِمَاعهمَا) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي اسْتِعْمَال وَاحِد (على أَنه نقل اتِّفَاق نَفْيه) أَي الِاتِّفَاق على نفي كَون اللَّفْظ حَقِيقَة ومجازا فِي اسْتِعْمَال وَاحِد، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي صِحَة إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي مَعًا فِي اسْتِعْمَال وَاحِد، ثمَّ يكون حَقِيقَة ومجازا: (هَذَا) مَا ذكر (وَلم يسْتَدلّ) الإِمَام (على شقَّه الآخر، وَهُوَ أَنه مجَاز فِي الِاقْتِصَار) على الْبَاقِي (لظَنّه ظُهُوره) أَي ظُهُور كَونه مجَازًا فِيهِ (وَهُوَ غلط لِأَنَّهُ لَا يكون) الْعَام (مجَازًا بِاعْتِبَار الِاقْتِصَار إِلَّا لَو اسْتعْمل فِي معنى الِاقْتِصَار، وانتفاؤه) أَي اسْتِعْمَاله فِيهِ (ظَاهر، بل الِاقْتِصَار إِنَّمَا يلْزم اسْتِعْمَاله فِي الْبَاقِي بِلَا زِيَادَة، فَهُوَ) أَي الِاقْتِصَار (لَازم لوُجُوده) أَي وجود الِاسْتِعْمَال فِي الْبَاقِي (لَا مُرَاد إفادته) أَي الِاقْتِصَار (بِهِ) أَي بِالْعَام الْمَخْصُوص (وَلَو أَرَادَ بالاقتصار اسْتِعْمَاله) أَي الْعَام (فِي الْبَاقِي بِلَا زِيَادَة، فَهُوَ شقَّه الأول، وَعلمت مجازيته فِيهِ) أَي فِي الْبَاقِي.
стр. 312
مَسْأَلَة
قَالَ (الْجُمْهُور الْعَام الْمَخْصُوص بمجمل) أَي بمبهم غير معِين، من الْإِجْمَال اللّغَوِيّ (لَيْسَ حجَّة، كلا تقتلُوا بَعضهم) مَعَ اقْتُلُوا الْمُشْركين (وبمبين حجَّة) وَقَالَ (فَخر الْإِسْلَام حجَّة فيهمَا) أَي فِي الْوَجْهَيْنِ (ظنية الدّلَالَة بعد أَن كَانَ قطعيها) أَي الدّلَالَة قبل التَّخْصِيص بِأَحَدِهِمَا (وَقيل يسْقط الْمُجْمل) الَّذِي خص بِهِ الْعَام عَن دَرَجَة الِاعْتِبَار (وَالْعَام) يَنْفِي (كَمَا كَانَ) قبل لُحُوقه بِهِ، وَعَلِيهِ أَبُو الْمعِين من الْحَنَفِيَّة وَابْن برهَان من الشَّافِعِيَّة (وَفِي الْمُبين) قَالَ (أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ إِن كَانَ الْعَام منبئا عَنهُ) أَي عَن الْبَاقِي بعد التَّخْصِيص (بِسُرْعَة) فَهُوَ حجَّة (كالمشركين من أهل الذِّمَّة) أَي فِيمَا إِذا خصوا بِأَهْل الذِّمَّة بِلَفْظ مُتَّصِل، أَو مُنْفَصِل، أَو بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُنبئ عَن الْحَرْبِيّ: أَي ينْتَقل الذِّهْن إِلَيْهِ إِذا أطلق الْمُشْركُونَ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُنبئ عَنهُ (فَلَيْسَ حجَّة كالسارق لَا يُنبئ عَن سَارِق نِصَاب و) عَن سَارِق (من حرز لعدم الِانْتِقَال) أَي انْتِقَال الذِّهْن (إِلَيْهِمَا) أَي النّصاب والحرز من إِطْلَاق السَّارِق قبل بَيَان الشَّارِع، فَإِذا أبطل الْعَمَل فِي صُورَة انتفائهما لم يعْمل بِهِ فِي صُورَة وجودهما. قَالَ (عبد الْجَبَّار، وَإِن لم يكن) الْعَام (مُجملا) قبل التَّخْصِيص (فَهُوَ حجَّة)، نَحْو الْمُشْركين (بِخِلَاف) الْمُجْمل قبله، نَحْو أقِيمُوا (الصَّلَاة فَإِنَّهُ بعد تَخْصِيص الْحَائِض) أَي بعد إِخْرَاج صَلَاة الْحَائِض (مِنْهُ) أَي من الصَّلَاة بِالنَّصِّ الآخر (يفْتَقر) إِلَى الْبَيَان كَمَا كَانَ مفتقرا قبله، وَلذَلِك بَينه ﷺ فَقَالَ " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ". قَالَ (الْبَلْخِي من مجيزي التَّخْصِيص بِمُتَّصِل) أَي غير مُسْتَقل كالشرط وَالصّفة (حجَّة أَن خص بِهِ) أَي بالمتصل لَيْسَ بِحجَّة أَن خص بمنفصل كالدليل الْعقلِيّ (وَقيل حجَّة فِي أقل الْجمع) وَهُوَ اثْنَان أَو ثَلَاثَة على الْخلاف، لَا فِيمَا زَاد عَلَيْهِ. وَقَالَ (أَبُو ثَوْر لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا) سَوَاء خص بِمُتَّصِل أَو بمنفصل أنبأ عَن الْبَاقِي أَو لَا، احْتَاجَ إِلَى الْبَيَان أَولا (وَقيل عَنهُ) أَي عَن أبي ثَوْر لَيْسَ حجَّة (إِلَّا فِي أخص الْخُصُوص) أَي الْوَاحِد (إِذا علم) أَي إِذا كَانَ الْمَخْصُوص مَعْلُوما (كالكرخي والجرجاني وَعِيسَى بن أبان أَي يصير) الْعَام الْمَخْصُوص (مُجملا فِيمَا سواهُ) أَي أخص الْخُصُوص، فَيتَوَقَّف الِاحْتِجَاج وَالْعَمَل بِهِ (إِلَى الْبَيَان) قَالَ الشَّارِح: أَن أخص الْخُصُوص وَهُوَ الْوَاحِد غير معِين، فَلَا يُمكن الْعَمَل بِهِ قبل الْبَيَان أَيْضا انْتهى؛ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَلَام المُصَنّف، لِأَن الْمَفْهُوم مِنْهُ ثُبُوت الحكم فِي أخص الْخُصُوص بِغَيْر توقف إِلَى الْبَيَان وَلَو على سَبِيل الْإِبْهَام، فَلْيَكُن الْعَمَل بِهِ على سَبِيل التَّعْيِين مُحْتَاجا إِلَى الْبَيَان (لنا) على الأول (اسْتِدْلَال الصَّحَابَة بِهِ) أَي بِالْعَام الْمَخْصُوص
стр. 313
بمبين مَعَ التّكْرَار والشيوع، وَعدم النكير من أحد مِنْهُم فَكَانَ إِجْمَاعًا (وَلَو قَالَ: أكْرم بني تَمِيم، وَلَا تكرم فلَانا وَفُلَانًا فَترك) إكرام أحد مِمَّن عداهما (قطع بعصيانه) فَدلَّ على ظُهُوره فِي الْعُمُوم (وَلِأَن تنَاول الْبَاقِي بعده) أَي التَّخْصِيص (بَاقٍ، وحجيته) أَي الْعَام (فِيهِ) أَي الْبَاقِي (كَانَ بِاعْتِبَارِهِ) أَي التَّنَاوُل (وَبِهَذَا) الدَّلِيل الْأَخير: كَذَا ذكره الشَّارِح وَالصَّوَاب أَن الْمَعْنى وَبِهَذَا الْمَجْمُوع كَمَا سَيظْهر (اسْتدلَّ الْمُطلق) لحجيته (وَيدْفَع) اسْتِدْلَال الْمُطلق بِهِ (باستدلالهم) أَي الصَّحَابَة (والعصيان) بترك مَا علق بِالْعَام الْمَخْصُوص كِلَاهُمَا (فِي الْمُبين، وَالْحجّة فِيهِ) أَي الْبَاقِي (قبله) أَي التَّخْصِيص إِنَّمَا كَانَ (لعدم الْإِجْمَال) فَلَا يكون حجَّة فِي الْمَخْصُوص بمجمل لتحَقّق الْإِجْمَال حِينَئِذٍ (وبقاؤه) أَي التَّنَاوُل إِنَّمَا هُوَ أَيْضا (فِي الْمُبين لَا الْمُجْمل). قَالَ (فَخر الْإِسْلَام: وَالْعَام عِنْده كالخاص) فِي قَطْعِيَّة الدّلَالَة كَمَا تقدم قَالَ وَالْحَالة هَذِه (للمخصص شبه الِاسْتِثْنَاء لبيانه) أَي الْمُخَصّص (عدم إِرَادَة الْمخْرج) مِمَّا تنَاوله الْعَام كَمَا أَن الِاسْتِثْنَاء كَذَلِك (و) شبه (النَّاسِخ) بصيغته (لاستقلاله) بِنَفسِهِ فِي الإفادة (فَيبْطل) الْمُخَصّص (إِذا كَانَ مَجْهُولا). قَالَ الشَّارِح: أَي متناولا لما هُوَ مَجْهُول عِنْد السَّامع (للثَّانِي) أَي لشبه النَّاسِخ (وَيبقى الْعَام على قطعيته لبُطْلَان النَّاسِخ الْمَجْهُول) وَعدم تعدِي جهالته إِلَى الْمَعْلُوم لكَونه مُسْتقِلّا، بِخِلَاف الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة وصف قَائِم بصدر الْكَلَام فهما بِمَنْزِلَة كَلَام وَاحِد فيؤثر جَهَالَة الْمُسْتَثْنى فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، فَيتَوَقَّف على الْبَيَان للإجمال (وَيبْطل الأول) أَي الْعَام (للْأولِ) أَي لشبهه بِالِاسْتِثْنَاءِ لتعدي جهالته إِلَيْهِ كَمَا فِي اسْتثِْنَاء الْمَجْهُول (وَفِي) الْمُخَصّص (الْمَعْلُوم شبه النَّاسِخ) من حَيْثُ كَونه مُسْتقِلّا (يُبطلهُ) أَي الْعَام (لصِحَّة تَعْلِيله) أَي الْمُخَصّص الْمَعْلُوم شبه النَّاسِخ من هَذِه الْحَيْثِيَّة كَمَا هُوَ الأَصْل فِي النُّصُوص المستقلة وَإِن كَانَ النَّاسِخ لَا يُعلل (وَجَهل قدر الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِ) بِالتَّعْلِيلِ (فيجهل الْمخْرج) بِهَذَا السَّبَب (وَشبه الِاسْتِثْنَاء) من حَيْثُ إِثْبَات الحكم فِيمَا وَرَاء الْمَخْصُوص وَعدم دُخُول الْمَخْصُوص تَحت حكم الْعَام (يبْقى قطعيته) فَلَا يبطل الْعَام فِي الْوَجْهَيْنِ، وَيتْرك إِلَى الظنية للشبهين (وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (ضَعِيف، لِأَن إِعْمَال الشبهين عِنْد الْإِمْكَان، وَهُوَ) إِمْكَان إعمالها (مُنْتَفٍ فِي الْمَجْهُول) لِأَن الْعَمَل بالمخصوص بِالْمَجْهُولِ مَوْقُوف على الْبَيَان، فِيهِ أَن توقف الْعَمَل بِهِ على الْبَيَان لَا يسْتَلْزم عدم حجيته، أَلا ترى أَن أقِيمُوا الصَّلَاة كَانَ قبل الْبَيَان حجَّة غير أَن احْتِيَاجه بِاعْتِبَار الْكَيْفِيَّة، واحتياج هَذَا من حَيْثُ الكمية فَتَأمل (بل الْمُعْتَبر الأول) أَي الشبة بِالِاسْتِثْنَاءِ (لِأَنَّهُ) أَي الشّبَه بِهِ (معنوي) فَإِن الِاسْتِثْنَاء يخرج من الْعَام كالمستقل غير أَنه لم يسم تَخْصِيصًا اصْطِلَاحا (وَشبه النَّاسِخ طرد) وَهُوَ مشاركتهما فِي أَمر لَفْظِي على سَبِيل الِاتِّفَاق من غير مُنَاسبَة
стр. 314
معنوية يعْتد بهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِأَنَّهُ فِي مُجَرّد اللَّفْظ) أَي كَون كل مِنْهُمَا لَا يحْتَاج فِي صِحَة التَّكَلُّم بِهِ إِلَى غَيره (وعَلى هَذَا) يَعْنِي كَون الْمُعْتَبر فِيهِ شبه الِاسْتِثْنَاء (تبطل حجيته) فِي الْمَجْهُول (كالجمهور) أَي كَمَا قَالَ الْجُمْهُور (وصيرورته ظنيا فِي الْمَعْلُوم لما تحقق من عدم إِرَادَة مَعْنَاهُ) أَي الْعَام بالتخصيص بالمعلوم (مَعَ احْتِمَال قِيَاس آخر مخرج) مِنْهُ بَعْضًا آخر (وَهَذَا) الِاحْتِمَال لتَضَمّنه) أَي الْمُخَصّص (حكما) شَرْعِيًّا، وَالْأَصْل فِي النُّصُوص التَّعْلِيل للتضمن للْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (لَا لشبه النَّاسِخ باستقلال صيغته) لكَونه طرديا كَمَا ذكر (وَكَون السمعي حجَّة) فِي إِثْبَات حكم (فرع معلومية مَحل حكمه، وَالْقطع) حَاصِل (بنفيها) أَي معلومية مَحل حكمه (فِي نَحْو: لَا تقتلُوا بَعضهم، فَإِن دفع) هَذَا (بثبوتها) أَي الحجية مَعَ انْتِفَاء معلومية مَحل حكم الْمُخَصّص (فِي نَحْو: وَحرم الرِّبَا) من قَوْله - ﴿وَأحل الله البيع﴾ - (للْعلم بِحل البيع قُلْنَا أَن علموه) أَي المخاطبين الرِّبَا (نوعا مَعْرُوفا من البيع) كَمَا يعرفهُ الْيَوْم (فَلَا إِجْمَال) لمعلوميته (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعلموه إِلَى آخِره (فكحرم بعض البيع) أَي فَهُوَ مُجمل يتَوَقَّف الْعَمَل بِهِ على الْبَيَان مَعَ اعْتِبَار حَقِيقَة المُرَاد بِهِ (وَإِخْرَاج سَارِق أقل من) مِقْدَار قيمَة (الْمِجَن) الْمشَار إِلَيْهِ فِي حَدِيث أَيمن لم تقطع الْيَد على عهد رَسُول الله ﷺ إِلَّا فِي عَن الْمِجَن، وثمنه يَوْمئِذٍ دِينَار كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (مدعى كل معلومية كمية ثَلَاثَة أَو عشرَة) عطف بَيَان لكمية (فَلَيْسَ) تَخْصِيص عُمُوم الْآيَة بِهِ (مِنْهُ) أَي من التَّخْصِيص بالمجمل فَلَا يسْقط الِاحْتِجَاج بِآيَة السّرقَة على قطع السَّارِق (أَو) سلمنَا أَنه مِنْهُ لكِنهمْ (توقفوا أَولا) فِي الْعَمَل بِآيَة السّرقَة (حَتَّى بَان) مِقْدَار قيمَة الْمِجَن (على الِاخْتِلَاف) فعملوا بهَا عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵏ فِي أظهر رواياته يقطع إِذا سرق ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو ربع دِينَار، وَعِنْدنَا بِعشْرَة دَرَاهِم (وَقَوله) أَي قَول فَخر الْإِسْلَام فِي التَّخْصِيص بالمعلوم يبطل الْعُمُوم لصِحَّة تَعْلِيله (وبالتعليل لَا يدْرِي قدر الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِ إِن أَرَادَ) بِهِ لَا يدْرِي ذَلِك (بِالْفِعْلِ) أَي وَقت التَّعْلِيل (لَيْسَ بضائر) الأولى فَلَيْسَ: أَي لَا يضر شَيْء من الْأَحْوَال (إِلَّا إِذا لزم فِي حجيته) أَي الْكَلَام الْمَخْصُوص (فِي الْبَاقِي تعين عدده) أَي الْبَاقِي (لَكِن اللَّازِم) فِي حجيته فِيهِ (تعين النَّوْع وَالتَّعْلِيل يفِيدهُ) أَي يعين النَّوْع (لِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة لإِخْرَاج الْبَعْض حِينَئِذٍ (وصف ظَاهر منضبط، فَمَا تحققت فِيهِ) من المندرج تَحت الْعَام (ثَبت خُرُوجه، وَمَا لَا) يتَحَقَّق فِيهِ (فتحت الْعَام) بَاقٍ (أَو) أَرَادَ أَنه (قبله) أَي قبل التَّعْلِيل (أَي بِمُجَرَّد علم الْمُخَصّص) أَي بِالْعلمِ بِهِ من غير أَن يتَعَيَّن الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ بعد (يجب التَّوَقُّف) فِي الْبَاقِي (للْحكم بِأَنَّهُ) أَي الْمخْرج (مُعَلل ظَاهرا) إِذْ الأَصْل فِي الْأَحْكَام التَّعْلِيل (وَلَا يدْرِي إِلَى آخِره) أَي
стр. 315
قدر الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِ نوعا، وَفِي نسخ الْمَتْن هَهُنَا أَو لَا يدْرِي وَهُوَ سَهْو من النَّاسِخ: إِذْ لَا معنى لَهُ إِلَّا بتكلف رَكِيك لَا يحْتَاج إِلَيْهِ (فَقَوْل الْكَرْخِي وَغَيره من الواقفية) كالجرجاني وَعِيسَى ابْن أبان على مَا سبق ذكره مَعَ تَفْسِير لمرادهم، وَقَول الْكَرْخِي خبر مَحْذُوف: أَي فَهَذَا قَول الْكَرْخِي، وَالْجُمْلَة جَزَاء الشَّرْط على الشق الْأَخير من الترديد (لِأَن مَعْنَاهُ) أَي معنى قَول الْكَرْخِي (يتَوَقَّف) الْعَمَل بِالْعَام الْمَذْكُور (لذَلِك) أَي لِأَنَّهُ لَا يدْرِي قدر المتعدى إِلَيْهِ (إِلَى أَن يستنبط) الْوَصْف المناط لإِخْرَاج الْبَعْض (فَيعلم الْمخْرج بِالْقِيَاسِ حِينَئِذٍ لما ذكرنَا فِي الْمَجْهُول). قَوْله لما ذكرنَا إِلَى آخِره تَعْلِيل لما فهم ضمنا من سُقُوط الحجية قبل الْعلم بِمِقْدَار المتعدى إِلَيْهِ، والموصول إِشَارَة إِلَى قَوْله: وَكَون السّمع حجَّة فرع معلومتيه بنفيها الخ (وَزِيَادَة الْعَمَل) الْإِضَافَة بَيَانِيَّة (بِالْعَام) صلَة الْعَمَل (قبل الْبَحْث عَن الْمُخَصّص) ظرف للْعَمَل، ثمَّ فسر الْمُخْتَص بقوله أَعنِي (أَعنِي الْقيَاس الَّذِي حكم بِهِ) أَي الَّذِي تضمنه الْمُخَصّص (للْحكم بمعلولية التَّخْصِيص) لما ذكر من الأَصْل فِي الْأَحْكَام التَّعْلِيل، قَوْله للْحكم تَعْلِيل القَوْل لقَوْله حكم بِهِ، وَقَوله وَزِيَادَة الْعَمَل مَعْطُوف على مَا ذكرنَا: أَي ولزيادة أَمر آخر: وَهُوَ عدم جَوَاز الْعَمَل بِالْعَام قبل الْبَحْث عَن الْمُخَصّص على مَا سبق أَنه أجمع عَلَيْهِ لعدم الِاعْتِدَاد بقول الصَّيْرَفِي، وَقَوله أَعنِي تَفْسِير للمخصص فَمَا نَحن فِيهِ (وَهُوَ) أَي قَول فَخر الْإِسْلَام (حِينَئِذٍ) أَي حِين فسر بِمَا ذكر (أحسن) لكنه لم يردهُ وَإِلَّا لم يعسر لكَونه حجَّة ظنية (وَقَول الْإِسْقَاط) للعام الْمَخْصُوص (مُطلقًا) أَي فِي أخص الْخُصُوص وَغَيره (إِن صَحَّ) أَن أحدا ذهب إِلَيْهِ (وَهُوَ) أَي القَوْل بِهِ (بعيد) وَإِن نَقله الْآمِدِيّ وَغَيره (سَاقِط لقطعيته) أَي الْعَام (فِي أخص الْخُصُوص) مَعْلُوما كَانَ الْمُخْتَص أَو مَجْهُولا للْقطع بتناوله بعد التَّخْصِيص لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ احْتِمَال الْخُرُوج (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك وَجَاز إِخْرَاجه (كَانَ) التَّخْصِيص (نسخا) لَا تَخْصِيصًا.
مسئلة
(الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالف (خصوا بِهِ) أَي بِالْمَفْهُومِ (الْعَام) فِي الشَّرْح العضدي من قَالَ بِالْمَفْهُومِ جوز تَخْصِيص الْعَام بِالْمَفْهُومِ كَمَا جوزه بالمنطوق (كفى الْغنم زَكَاة) فَإِن الْغنم عَام مُسْتَغْرق لما يصلح لَهُ إِذا ضم (مَعَ فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة) فَإِن هَذَا بمفهومه يدل على أَنه لَيْسَ فِي المعلوفة الزَّكَاة، وَبِهَذَا الْمَفْهُوم يخص عُمُوم الأول، وَفِي الشَّرْح الْمَذْكُور، فَإِن قيل لَا نسلم الْمُعَارضَة، فَإِن الْمَنْطُوق أقوى، والأضعف يمحى مَعَ الْأَقْوَى فَلَا يُعَارضهُ قُلْنَا الْجمع بَين الدَّلِيلَيْنِ أولى من إبِْطَال أَحدهمَا وَإِن كَانَ أَضْعَف كَغَيْرِهِ من المخصصات: فَإنَّا نعمل بهما جمعا بَين الْأَدِلَّة
стр. 316
وَلَا يشْتَرط التَّسَاوِي: أَي بَين الْعَام وَالْمَفْهُوم، لِأَن كلا مِنْهُمَا ظَنِّي الدّلَالَة عِنْد الْقَائِلين بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لجمع الظنية إيَّاهُمَا) أَي الْعَام وَالْمَفْهُوم، لِأَن كلا مِنْهُمَا ظَنِّي الدّلَالَة (ومساواتهما) أَي الْمَخْصُوص والمخصوص بِهِ (ظنا) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الْمُسَاوَاة إِلَى الضَّمِير: أَي مُسَاوَاة ظنيهما قُوَّة (لَيْسَ شرطا) فِي التَّخْصِيص حَتَّى لَا يصلح الأضعف لِأَن تَخْصِيص الْأَقْوَى من خبر الْوَاحِد (للاتفاق عَلَيْهِ) أَي التَّخْصِيص (بِخَبَر الْوَاحِد للْكتاب بعد تَخْصِيصه) أَي اتَّفقُوا على أَنه يجوز تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد بعد أَن خصص بقطعي، مَعَ أَن الْكتاب إِن خصص أقوى من خبر الْوَاحِد، وَإِنَّمَا ارتكبوا ذَلِك (للْجمع) بَين الْأَدِلَّة المتعارضة، وَإِنَّمَا قَالَ بعد تَخْصِيصه ليَصِح دَعْوَى الِاتِّفَاق، فَإِنَّهُ لَا يجوز عندنَا تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد ابْتِدَاء كَمَا سَيَأْتِي (وَالتَّحْقِيق أَن مَعَ ظنية الدّلَالَة فيهمَا) أَي الْعَام وَالْمَفْهُوم الْمُخَالف (يُقَوي ظن الْخُصُوص) فِي الْعَام (لغلبته) أَي الْخُصُوص (فِي الْعَام) فَلَا يكون الْعَام أقوى من الْمَفْهُوم ظنا.
مَسْأَلَة
(الْعَادة) وَهِي الْأَمر المتكرر وَلَو من غير علاقَة عقلية وَالْمرَاد هُنَا (الْعرف العملي) لقوم (مُخَصص) للعام الْوَاقِع فِي تخاطبهم (عِنْد الْحَنَفِيَّة، خلافًا للشَّافِعِيَّة كحرمت الطَّعَام، وعادتهم) أَي المخاطبين (أكل الْبر انْصَرف) الطَّعَام (إِلَيْهِ) أَي الْبر (وَهُوَ) قَول الْحَنَفِيَّة (الْوَجْه، إِمَّا) تَخْصِيص الْعَام (بِالْعرْفِ القولي) وَهُوَ أَن يتعارف عِنْد قوم فِي إِطْلَاق لفظ إِرَادَة بعض أَفْرَاده مثلا بِحَيْثُ لَا يتَبَادَر عِنْد سَمَاعه إِلَّا ذَلِك (فاتفاق) أَي فتخصيص الْعَام بِهِ عِنْد ذَلِك مُتَّفق عَلَيْهِ (كالدابة على الْحمار، وَالدِّرْهَم على النَّقْد الْغَالِب لنا الِاتِّفَاق على فهم) لحم (الضَّأْن بِخُصُوصِهِ فِي: اشْتَرِ لَحْمًا وَقصر الْأَمر) بشرَاء اللَّحْم (عَلَيْهِ) أَي الضَّأْن (إِذا كَانَت الْعَادة أكله فَوَجَبَ) كَون الْعرف العملي مُخَصّصا (كالقولي لِاتِّحَاد الْمُوجب) وَهُوَ تبادره بِخُصُوصِهِ من من إِطْلَاق اللَّفْظ (وإلغاء الْفَارِق) بَينهمَا (بِالْإِطْلَاقِ والعموم) مَحل الِاتِّفَاق، فَإِن لَحْمًا فِي اشْتَرِ لَحْمًا مُطلق، وَلَيْسَ بعام وَهُوَ ظَاهر والعموم فِي الْمُبْتَاع فِيهِ فِي حرمت الطَّعَام لظُهُور أَنه لَا أثر لهَذَا الْفَارِق (وَكَون دلَالَة الْمُطلق على الْمُقَيد دلَالَة الْجُزْء على الْكل و) دلَالَة (الْعَام على الْفَرد قلبه) فَإِن لَحْمًا جُزْء من لحم الضَّأْن، وَالطَّعَام الدَّال على كل طَعَام لاستغراقه الْأَفْرَاد كل وَالْبر جُزْء مِنْهُ (كَذَلِك) أَي فَارق ملغى، إِذْ لَا أثر لَهُ بعد اشتراكهما فِي تبادر الْخُصُوص (تَنْبِيه: مثل جمع من الْحَنَفِيَّة) مِنْهُم فَخر الْإِسْلَام (لذَلِك) أَي للتخصيص بِالْعَادَةِ (بِالنذرِ بِالصَّلَاةِ وَالْحج ينْصَرف إِلَى الشَّرْعِيّ) مِنْهُمَا (وَقد يخال) أَي يظنّ كل مِنْهُمَا (غير مُطَابق)
стр. 317
لَهُ، وَإِنَّمَا هما مثالان للتخصيص بِالْعرْفِ القولي (وَالْحق صدقهما) أَي التَّخْصِيص بِكُل من العرفين (عَلَيْهِمَا) أَي المثالين، وَلَا يُقَال وضع الْحَنَفِيَّة لهَذِهِ المسئلة يُشِير إِلَى مَا يخال (إِذْ وضعهم) لَهَا هَكَذَا (تتْرك الْحَقِيقَة) بِخَمْسَة أَشْيَاء (عَاما) كَانَ اللَّفْظ (أَو غَيره بِدلَالَة الْعَادة) هَذَا أحد الْخَمْسَة (وبدلالة اللَّفْظ فِي نَفسه) هَذَا ثَانِيهمَا، وفسروه كَمَا قَالَ (أَي إنباء الْمَادَّة) أَي مَادَّة اللَّفْظ (عَن كَمَال فيخص) اللَّفْظ (بِمَا فِيهِ) من الْكَمَال (كحلفه لَا يَأْكُل لَحْمًا: وَلَا نِيَّة معممة) أَي وَالْحَال لَيْسَ هُنَاكَ نِيَّة تَقْتَضِي عُمُوم اللَّحْم لما يصلح لَهُ (لَا يدْخل السّمك) فِي حلفه إِلَّا فِي رِوَايَة شَاذَّة عَن أبي يُوسُف لقَوْله تَعَالَى - ﴿لتأكلوا مِنْهُ لَحْمًا طريا﴾ - أَي من الْبَحْر سمكًا، وَإِنَّمَا لم يدْخل (لإنبائه) أَي اللَّحْم (عَن الشدَّة بِالدَّمِ) لدلَالَة مادته على الشدَّة وَالْقُوَّة، فَإِنَّهُ سمى لَحْمًا لقُوَّة فِيهِ لتولده من الدَّم الَّذِي هُوَ أقوى الأخلاط فِي الْحَيَوَان، وَلَيْسَ للسمك دم لعيشه فِي المَاء وحله بِلَا ذَكَاة، فَإِن الدموي لَا يعِيش فِيهِ وَلَا يحل بِدُونِهَا (وَقد يدْخل) هَذَا (فِي الْعرفِيّ) فِي التَّحْقِيق عَامَّة الْعلمَاء تمسكوا فِي هَذِه المسئلة بِالْعرْفِ (نعم لَو انْفَرد) إنباء اللَّفْظ بِالْإِخْرَاجِ من الْعَام أَو الْمُطلق (أخرج) يَعْنِي إِمْكَان حُصُول الْخُرُوج بالإنباء لَا يَنْفِي دُخُوله فِي الْعرفِيّ، غَايَته أَنه إِذا انْفَرد أخرج (وَلَو عَارضه) أَي الإنباء عرف (قدم الْعرف) على الإنباء لرجحان اعْتِبَاره عَلَيْهِ (وَقَوله كل مَمْلُوك لي حر لَا يعْتق مكَاتبه) وَيعتق مدبره وَأم وَلَده لنُقْصَان الْملك فِي الْمكَاتب لعدم مملوكيته يدا لَا رَقَبَة، وَلِهَذَا لَا يحل وَطْء الْمُكَاتبَة وَلم يتَنَاوَل الْملك عِنْد الْإِطْلَاق إِلَّا الْكَامِل عرفا، (أَو) إنباء الْمَادَّة (عَن نقص) فِي الْمُسَمّى (فِي يتَنَاوَل) اللَّفْظ الْمُسَمّى (ذَا كَمَال كحلفه لَا يَأْكُل فَاكِهَة لَا يَحْنَث بالعنب، لِأَن التَّرْكِيب دَال على التّبعِيَّة والقصور فِي الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ) من المأكولات: وَهُوَ التغذي، لِأَن الْفَاكِهَة اسْم من التفكه، وَهُوَ التنعم، وَهُوَ إِنَّمَا يكون بِأَمْر زَائِد على الْمُحْتَاج إِلَيْهِ أَصَالَة مِمَّا يكون بِهِ القوام فَإِنَّهُ لَا يُسمى منعما، وَالْعِنَب مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ القوام حَتَّى يَكْتَفِي بِهِ فِي بعض الْمَوَاضِع، وَمثله الرطب وَالرُّمَّان، وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة ﵀، وَقَالا: يَحْنَث لوُجُود معنى التفكه فِيهِ، بل هِيَ أعز الْفَوَاكِه والتنعم بهَا يفوق التنعم بغَيْرهَا من الْفَوَاكِه، وَقَالَ الْمَشَايِخ هَذَا اخْتِلَاف زمَان فَفِي زَمَانه مَا كَانَت تعد من الْفَوَاكِه، وَفِي زَمَاننَا تعد مِنْهَا (وَبِمَعْنى من الْمُتَكَلّم) هَذَا ثَالِث الْخَمْسَة: أَي وبدلالة معنى من صِفَات الْمُتَكَلّم (كَانَ خرجت فطالق عقيب تهيئها لخرجة لجت فِيهَا) أَي حرصت على تِلْكَ الخرجة (لَا يَحْنَث بِهِ) أَي بخروجها (بعد سَاعَة، وَتسَمى يَمِين الْفَوْر) هُوَ مَأْخُوذ من فوران الْقدر، سميت بِاعْتِبَار صدورها من فوران الْغَضَب، أَو لِأَن الْفَوْر استعير للسرعة، ثمَّ سمى بِهِ الْحَالة الَّتِي لَا لبث فِيهَا، يُقَال أخرج من فوره: أَي من سَاعَته، وَأول من استخرجها أَبُو حنيفَة
стр. 318
وَكَانُوا قبل ذَلِك يَقُولُونَ بتأييده كلا أفعل كَذَا، وَلَا أفعل الْيَوْم كَذَا: وَهِي مُؤَبّدَة لفظا مُؤَقَّتَة معنى لتقييده بِالْحَال لكَونهَا جَوَابا لكَلَام يتَعَلَّق بِالْحَال كَذَا قَالُوا (وَحَقِيقَته) أَي حَقِيقَة الْمُخَصّص فِي هَذَا الْقسم (دلَالَة حَالهمَا) أَي الْمُتَكَلّم، والمخاطب ككونها ملحة على الْخُرُوج فِي تِلْكَ الْحَالة، وَكَونه ملحا على الْمَنْع حِينَئِذٍ (وبدلالة مَحل الْكَلَام) لكَون الْمحل غير قَابل للْحَقِيقَة، فَإِن الْعَاقِل لَا يقْصد مَا لَا يقبله الْمحل صِيَانة لكَلَامه من اللَّغْو وَالْكذب، فَتعين إِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي، وَهَذَا رَابِع الْخَمْسَة (كَأَنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَرفع الْخَطَأ) فَإِن نفس الْعَمَل يُوجد بِدُونِ النِّيَّة وَنَفس الْخَطَأ لم يرفع فَتعذر إِرَادَة الْحَقِيقَة (وَقد يدرج هَذَا فِي) الْمُخَصّص (الْعقلِيّ) فَإِن الْعقل يحِيل إِرَادَة الْحَقِيقَة لما ذكر قيل لَا نسلم هَذَا فِي الْأَعْمَال، إِذْ لَا يلْزم تَقْدِير الْمُتَعَلّق الْعَام كالحصول لجَوَاز تَقْدِيره مُتَعَلق خَاص بِقَرِينَة الْمقَام، نَحْو: مَا الْأَعْمَال مُعْتَبرَة لشَيْء من الْأَشْيَاء إِلَّا بِالنِّيَّاتِ. قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: بل التَّقْدِير مَا الْأَعْمَال محسوبة بِشَيْء من الْأَشْيَاء كالشروع فِيهَا والتلبس بهَا إِلَّا بِالنِّيَّاتِ (وبالسياق) أَي وبدلالة سوق الْكَلَام على أَن المُرَاد غير الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ بِأَن يكون هُنَاكَ قرينَة لفظية سَابِقَة عَلَيْهِ أَو مُتَأَخِّرَة عَنهُ، والسباق بِالْبَاء الْمُوَحدَة مُخْتَصّ بالمتقدمة، وَهَذَا خَامِس الْخَمْسَة (كطلق امْرَأَتي إِن كنت رجلا، فَإِنَّهُ لَا يُفِيد التَّوْكِيل بِهِ) أَي بتطليقها الَّذِي هُوَ حَقِيقَة طلق امْرَأَتي لقَرِينَة السِّيَاق على مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله إِن كنت رجلا عرفا (وَيَأْتِي التَّخْصِيص بِفعل الصَّحَابِيّ) فِي ال مسئلة الثَّالِثَة وَفِي مبَاحث السّنة.
مسئلة
(إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكمِهِ) أَي الْعَام: يَعْنِي إِذا علق على عَام حكم ثمَّ علق على فَرد من أَفْرَاد ذَلِك الْعَام ذَلِك الحكم (لَا يخصصه) أَي الْفَرد الْمَذْكُور ذَلِك الْعَام (وَهُوَ) أَي كَون إِفْرَاد فَرد مِنْهُ بِحكمِهِ مُخَصّصا (قلب الْمُتَعَارف فِي التَّخْصِيص، وَهُوَ) أَي الْمُتَعَارف فِيهِ (قصره) أَي الحكم (على غير مُتَعَلق دَلِيله) فَإِن مُتَعَلق دَلِيل التخصص هُوَ الْفَرد الَّذِي يخرج من الْعَام وَيقصر الحكم على غَيره، وَهُوَ الْبَاقِي بعد إِخْرَاجه من الْأَفْرَاد، وَذَلِكَ دَلِيل التَّخْصِيص يدل على أَنه خَارج من حكم الْعَام، فَهُوَ مُتَعَلّقه (بل) حَاصِل (هَذَا) الْإِفْرَاد (قصره) أَي الحكم (عَلَيْهِ) أَي على مُتَعَلق دَلِيل التَّخْصِيص، وَهُوَ الْفَرد الَّذِي أفرد بِحكمِهِ، فَلَو جعل مَا أفرد بالحكم مُخَصّصا، وَهَذَا الْإِفْرَاد دَلِيلا للتخصيص وَلَا شكّ أَن الْمَقْصُور عَلَيْهِ حِينَئِذٍ هُوَ عين مَا أفرد لزم الْمَقْصُور عَلَيْهِ مُتَعَلق دَلِيل التَّخْصِيص، وَهُوَ قلب الْمُتَعَارف (مِثَاله أَيّمَا أهاب) دبغ فقد طهر (مَعَ قَوْله فِي شَاة مَيْمُونَة دباغها طهورها) فَلَا يخص حكم الطّهُورِيَّة
стр. 319
بالدباغ جلد شَاة مَيْمُونَة من بَين الأهب، وَتكلم الشَّارِح فِي الحَدِيث الثَّانِي وَذكر مَا يُفِيد مَعْنَاهُ (وَمِنْه) أَي من إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكمِهِ (أَو شبهه) مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ (جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا مَعَ) مَا فِي رِوَايَة لمُسلم رَوَاهُ. " وَجعلت لنا الأَرْض كلهَا مَسْجِدا (وتربتها) لنا طهُورا إِذا لم تَجِد المَاء ". قَالَ الشَّارِح إِنَّمَا قَالَ أَو شبهه لجَوَاز أَن يُقَال التُّرَاب جُزْء من الأَرْض لَا جزئي لَهَا، وَإِنَّمَا بَينهمَا شبه من حَيْثُ أَن كلا مِنْهُمَا بعض من الْمُسَمّى (لنا لَا تعَارض) بَين إِثْبَات الحكم للْكُلّ وإثباته للْبَعْض (فَوَجَبَ اعتبارهما فَلَا يخص الطّهُورِيَّة التُّرَاب من أَجزَاء الأَرْض قَالُوا الْمَفْهُوم مُخَصص) للعام كَمَا مر، وَمَفْهُوم مَا أفرد بالحكم نفى الحكم عَن سَائِر أَفْرَاده إِذا لَا فَائِدَة لذكره إِلَّا ذَلِك فَيخْتَص حكم الطّهُورِيَّة بِشَاة مَيْمُونَة فِي عُمُوم أَيّمَا أهاب (قُلْنَا) دلَالَة الْمَفْهُوم (مَمْنُوع عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَلَو سلم فَهَذَا) أَي مَفْهُوم إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكمِهِ (مَفْهُوم لقب مَرْدُود) عِنْد الْجُمْهُور كَمَا تقدم، وَفَائِدَة ذكر ذَلِك الْفَرد نفى احْتِمَال تَخْصِيصه من الْعَام، وَهَذَا إِذا لم يكن لَهُ مَفْهُوم مُخَالفَة إِلَّا اللقب وَأما إِذا كَانَ لَهُ غَيره فَلَا يتم الْجَواب على التَّسْلِيم كَذَا ذكره الشَّارِح، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن النزاع فِي أَن مُجَرّد إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكمِهِ هَل يخصص أَولا، وَاعْتِبَار الْمَفْهُوم أمرا زَائِدا على الْإِفْرَاد بالحكم فَتَأمل.
مسئلة
(رُجُوع الضَّمِير) الْوَاقِع بعد الْعَام (إِلَى الْبَعْض) من أَفْرَاده (لَيْسَ تَخْصِيصًا، مثل والمطلقات) يَتَرَبَّصْنَ (مَعَ وبعولتهن) أَحَق بردهن، فَإِن المطلقات يعم البائنات والرجعيات وَالضَّمِير للرجعيات فَقَط لعدم إِمْكَان الرَّد فِي البائنات (فَلَا يخص التَّرَبُّص الرجعيات) بل يتَعَلَّق بِهن وبالبائنات عِنْد أَكثر الشَّافِعِيَّة وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب والبيضاوي (وَأَبُو الْحُسَيْن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ) قَالَا (تَخْصِيص) لَهُ، قيل وَعَلِيهِ أَكثر الْحَنَفِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْمُعْتَزلَة، وعزى إِلَى الشَّافِعِي ﵀ (وَهُوَ الْأَوْجه، وَقيل بِالْوَقْفِ) عزى إِلَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره (لنا) على الْمُخْتَار: وَهُوَ أَنه تَخْصِيص لَهُ (حَقِيقَته) أَي الضَّمِير (رابط لِمَعْنى مُتَأَخّر بمتقدم أَعم من مَذْكُور أَو مُقَدّر بِدَلِيل) يدل على تَقْدِيره (على أَنه) أَي الرابط مُتَعَلق بربط (هُوَ) أَي الْمُتَقَدّم (فَلَا يتَصَوَّر الِاخْتِلَاف) بَينهمَا (وَمَا قيل) فِي وَجه أَنه لَا يخص (التَّجَوُّز فِيهِ) أَي الضَّمِير (غير ملزوم للتجوز فِي الأول) أَي الْعَام: يَعْنِي لَا يلْزم من كَون الضَّمِير مجَازًا فِي الْبَعْض كَون الْعَام مجَازًا فِيهِ (فبعيد إِذْ رُجُوعه) أَي الضَّمِير (إِلَى لفظ الأول بِاعْتِبَار
стр. 320
مَعْنَاهُ فَلَا يتَصَوَّر كَونه) أَي الضَّمِير (مجَازًا) فِي الْبَعْض ومرجعه الَّذِي هُوَ الْعَام على حَقِيقَته وَهُوَ الْعُمُوم (فَإِذا خص) الضَّمِير (الرجعيات) من المطلقات (مَعَ كَونه) أَي الضَّمِير (عبارَة عَن المطلقات فهن) أَي الرجعيات (المُرَاد بِهِ) أَي الْعَام (وَهُوَ) المطلقات وَهُوَ أَي كَونه المُرَاد بالمطلقات الرجعيات لَا غير هُوَ (التَّخْصِيص) للمطلقات (وَبِه) أَي بِهَذَا الْجَواب (ظهر أَن قَوْلهم) أَي الْقَائِلين بِعَدَمِ التَّخْصِيص (فِي جَوَاب قَول الْوَاقِف) لزم تَخْصِيص الظَّاهِر وَالضَّمِير، دفعا للمخالفة، وَتَخْصِيص أَحدهمَا دون الآخر تحكم إِذْ (لَا ترجح لاعْتِبَار الْخُصُوص فِي أَحدهمَا بِعَيْنِه) فَوَجَبَ التَّوَقُّف ومقول قَوْلهم (ان دلَالَة الضَّمِير أَضْعَف) من دلَالَة الظَّاهِر لتوقف الضَّمِير عَلَيْهِ (فالتغيير فِيهِ) أَي الضَّمِير (أسهل) من التَّغْيِير فِي الظَّاهِر فترجح اعْتِبَار الْخُصُوص فِي الضَّمِير (لَا يُفِيد) خبران، وَذَلِكَ لما ظهر من بَيَان حَقِيقَة الضَّمِير المستدعى اتحادهما (وَامْتنع الْخلاف) وَفِي نُسْخَة الِاخْتِلَاف بَين الضَّمِير ومرجعه (فِي الْآيَة) (فَبَطل تَرْجِيحه) أَي تَرْجِيح قَول الْقَائِلين بِعَدَمِ التَّخْصِيص (بِأَنَّهُ) أَي تَخْصِيص الضَّمِير (لَا يسْتَلْزم تَخْصِيص الأول، بِخِلَاف قلبه) فَإِنَّهُ يسْتَلْزم تَخْصِيص الأول تَخْصِيص الضَّمِير إِذْ يسْتَلْزم تَخْصِيص كل مِنْهُمَا تَخْصِيص الآخر لما عرفت من وجوب الِاتِّحَاد بَينهمَا (وَاللَّازِم فِي الْآيَة إِمَّا عوده) أَي الضَّمِير (على مُقَدّر هُوَ المتضمن) على صِيغَة الْمَفْعُول: وَهُوَ الرجعيات (مدلولا) تضمنيا (للمتضمن) على صِيغَة الْفَاعِل: وَهُوَ المطلقات (وَأما عَلَيْهِ) أَي المتضمن على صِيغَة الْفَاعِل: وَهُوَ المطلقات مرَادا بِهن الرجعيات (مجَازًا) عَن إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْبَعْض (وَوُجُوب تربص غير الرجعيات بِدَلِيل آخر) كالإجماع وَالْقِيَاس.
مسئلة
لما كَانَت الْمقَالة فِي المبادئ اللُّغَوِيَّة، وَكَانَ كل مَا ذكر من الْمسَائِل مُتَعَلقَة بالألفاظ الْمَوْضُوعَة بِاعْتِبَار ذَاتهَا، أَو دلالتها، أَو مقايستها إِلَى لفظ آخر أَو مدلولها أَو اسْتِعْمَالهَا على التَّفْصِيل الَّذِي سبق، وَلم تكن هَذِه المسئلة من هَذَا الْقَبِيل، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَلَيْسَت لغوية) وَالتَّقْدِير: هَذِه مسئلة (مبدئية) بل استطرادية، فَإِن ذكرهَا فِي هَذِه الْمقَالة على سَبِيل الاستطراد، لِأَنَّهَا لَو كَانَت مِمَّا تتَعَلَّق باللغة كَانَت مثل غَيرهَا مَذْكُورَة أَصَالَة، لَا على سَبِيل التّبعِيَّة والاستطراد، وَيجوز أَن يُرَاد بمبدئها مَا أُشير إِلَيْهِ فِي عنوان الْمقَالة. قَالَ (الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة) والأشعري وَأَبُو هَاشم وَأَبُو الْحُسَيْن (يجوز التَّخْصِيص بِالْقِيَاسِ) قَطْعِيا كَانَ أَو ظنيا (إِلَّا أَن الْحَنَفِيَّة) قيدوا جَوَاز التَّخْصِيص بِهِ
следующие страницы →