Полный текст (1 287 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَلَا يشْتَرط التَّسَاوِي: أَي بَين الْعَام وَالْمَفْهُوم، لِأَن كلا مِنْهُمَا ظَنِّي الدّلَالَة عِنْد الْقَائِلين بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لجمع الظنية إيَّاهُمَا) أَي الْعَام وَالْمَفْهُوم، لِأَن كلا مِنْهُمَا ظَنِّي الدّلَالَة (ومساواتهما) أَي الْمَخْصُوص والمخصوص بِهِ (ظنا) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الْمُسَاوَاة إِلَى الضَّمِير: أَي مُسَاوَاة ظنيهما قُوَّة (لَيْسَ شرطا) فِي التَّخْصِيص حَتَّى لَا يصلح الأضعف لِأَن تَخْصِيص الْأَقْوَى من خبر الْوَاحِد (للاتفاق عَلَيْهِ) أَي التَّخْصِيص (بِخَبَر الْوَاحِد للْكتاب بعد تَخْصِيصه) أَي اتَّفقُوا على أَنه يجوز تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد بعد أَن خصص بقطعي، مَعَ أَن الْكتاب إِن خصص أقوى من خبر الْوَاحِد، وَإِنَّمَا ارتكبوا ذَلِك (للْجمع) بَين الْأَدِلَّة المتعارضة، وَإِنَّمَا قَالَ بعد تَخْصِيصه ليَصِح دَعْوَى الِاتِّفَاق، فَإِنَّهُ لَا يجوز عندنَا تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد ابْتِدَاء كَمَا سَيَأْتِي (وَالتَّحْقِيق أَن مَعَ ظنية الدّلَالَة فيهمَا) أَي الْعَام وَالْمَفْهُوم الْمُخَالف (يُقَوي ظن الْخُصُوص) فِي الْعَام (لغلبته) أَي الْخُصُوص (فِي الْعَام) فَلَا يكون الْعَام أقوى من الْمَفْهُوم ظنا.
مَسْأَلَة
(الْعَادة) وَهِي الْأَمر المتكرر وَلَو من غير علاقَة عقلية وَالْمرَاد هُنَا (الْعرف العملي) لقوم (مُخَصص) للعام الْوَاقِع فِي تخاطبهم (عِنْد الْحَنَفِيَّة، خلافًا للشَّافِعِيَّة كحرمت الطَّعَام، وعادتهم) أَي المخاطبين (أكل الْبر انْصَرف) الطَّعَام (إِلَيْهِ) أَي الْبر (وَهُوَ) قَول الْحَنَفِيَّة (الْوَجْه، إِمَّا) تَخْصِيص الْعَام (بِالْعرْفِ القولي) وَهُوَ أَن يتعارف عِنْد قوم فِي إِطْلَاق لفظ إِرَادَة بعض أَفْرَاده مثلا بِحَيْثُ لَا يتَبَادَر عِنْد سَمَاعه إِلَّا ذَلِك (فاتفاق) أَي فتخصيص الْعَام بِهِ عِنْد ذَلِك مُتَّفق عَلَيْهِ (كالدابة على الْحمار، وَالدِّرْهَم على النَّقْد الْغَالِب لنا الِاتِّفَاق على فهم) لحم (الضَّأْن بِخُصُوصِهِ فِي: اشْتَرِ لَحْمًا وَقصر الْأَمر) بشرَاء اللَّحْم (عَلَيْهِ) أَي الضَّأْن (إِذا كَانَت الْعَادة أكله فَوَجَبَ) كَون الْعرف العملي مُخَصّصا (كالقولي لِاتِّحَاد الْمُوجب) وَهُوَ تبادره بِخُصُوصِهِ من من إِطْلَاق اللَّفْظ (وإلغاء الْفَارِق) بَينهمَا (بِالْإِطْلَاقِ والعموم) مَحل الِاتِّفَاق، فَإِن لَحْمًا فِي اشْتَرِ لَحْمًا مُطلق، وَلَيْسَ بعام وَهُوَ ظَاهر والعموم فِي الْمُبْتَاع فِيهِ فِي حرمت الطَّعَام لظُهُور أَنه لَا أثر لهَذَا الْفَارِق (وَكَون دلَالَة الْمُطلق على الْمُقَيد دلَالَة الْجُزْء على الْكل و) دلَالَة (الْعَام على الْفَرد قلبه) فَإِن لَحْمًا جُزْء من لحم الضَّأْن، وَالطَّعَام الدَّال على كل طَعَام لاستغراقه الْأَفْرَاد كل وَالْبر جُزْء مِنْهُ (كَذَلِك) أَي فَارق ملغى، إِذْ لَا أثر لَهُ بعد اشتراكهما فِي تبادر الْخُصُوص (تَنْبِيه: مثل جمع من الْحَنَفِيَّة) مِنْهُم فَخر الْإِسْلَام (لذَلِك) أَي للتخصيص بِالْعَادَةِ (بِالنذرِ بِالصَّلَاةِ وَالْحج ينْصَرف إِلَى الشَّرْعِيّ) مِنْهُمَا (وَقد يخال) أَي يظنّ كل مِنْهُمَا (غير مُطَابق)
стр. 317
لَهُ، وَإِنَّمَا هما مثالان للتخصيص بِالْعرْفِ القولي (وَالْحق صدقهما) أَي التَّخْصِيص بِكُل من العرفين (عَلَيْهِمَا) أَي المثالين، وَلَا يُقَال وضع الْحَنَفِيَّة لهَذِهِ المسئلة يُشِير إِلَى مَا يخال (إِذْ وضعهم) لَهَا هَكَذَا (تتْرك الْحَقِيقَة) بِخَمْسَة أَشْيَاء (عَاما) كَانَ اللَّفْظ (أَو غَيره بِدلَالَة الْعَادة) هَذَا أحد الْخَمْسَة (وبدلالة اللَّفْظ فِي نَفسه) هَذَا ثَانِيهمَا، وفسروه كَمَا قَالَ (أَي إنباء الْمَادَّة) أَي مَادَّة اللَّفْظ (عَن كَمَال فيخص) اللَّفْظ (بِمَا فِيهِ) من الْكَمَال (كحلفه لَا يَأْكُل لَحْمًا: وَلَا نِيَّة معممة) أَي وَالْحَال لَيْسَ هُنَاكَ نِيَّة تَقْتَضِي عُمُوم اللَّحْم لما يصلح لَهُ (لَا يدْخل السّمك) فِي حلفه إِلَّا فِي رِوَايَة شَاذَّة عَن أبي يُوسُف لقَوْله تَعَالَى - ﴿لتأكلوا مِنْهُ لَحْمًا طريا﴾ - أَي من الْبَحْر سمكًا، وَإِنَّمَا لم يدْخل (لإنبائه) أَي اللَّحْم (عَن الشدَّة بِالدَّمِ) لدلَالَة مادته على الشدَّة وَالْقُوَّة، فَإِنَّهُ سمى لَحْمًا لقُوَّة فِيهِ لتولده من الدَّم الَّذِي هُوَ أقوى الأخلاط فِي الْحَيَوَان، وَلَيْسَ للسمك دم لعيشه فِي المَاء وحله بِلَا ذَكَاة، فَإِن الدموي لَا يعِيش فِيهِ وَلَا يحل بِدُونِهَا (وَقد يدْخل) هَذَا (فِي الْعرفِيّ) فِي التَّحْقِيق عَامَّة الْعلمَاء تمسكوا فِي هَذِه المسئلة بِالْعرْفِ (نعم لَو انْفَرد) إنباء اللَّفْظ بِالْإِخْرَاجِ من الْعَام أَو الْمُطلق (أخرج) يَعْنِي إِمْكَان حُصُول الْخُرُوج بالإنباء لَا يَنْفِي دُخُوله فِي الْعرفِيّ، غَايَته أَنه إِذا انْفَرد أخرج (وَلَو عَارضه) أَي الإنباء عرف (قدم الْعرف) على الإنباء لرجحان اعْتِبَاره عَلَيْهِ (وَقَوله كل مَمْلُوك لي حر لَا يعْتق مكَاتبه) وَيعتق مدبره وَأم وَلَده لنُقْصَان الْملك فِي الْمكَاتب لعدم مملوكيته يدا لَا رَقَبَة، وَلِهَذَا لَا يحل وَطْء الْمُكَاتبَة وَلم يتَنَاوَل الْملك عِنْد الْإِطْلَاق إِلَّا الْكَامِل عرفا، (أَو) إنباء الْمَادَّة (عَن نقص) فِي الْمُسَمّى (فِي يتَنَاوَل) اللَّفْظ الْمُسَمّى (ذَا كَمَال كحلفه لَا يَأْكُل فَاكِهَة لَا يَحْنَث بالعنب، لِأَن التَّرْكِيب دَال على التّبعِيَّة والقصور فِي الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ) من المأكولات: وَهُوَ التغذي، لِأَن الْفَاكِهَة اسْم من التفكه، وَهُوَ التنعم، وَهُوَ إِنَّمَا يكون بِأَمْر زَائِد على الْمُحْتَاج إِلَيْهِ أَصَالَة مِمَّا يكون بِهِ القوام فَإِنَّهُ لَا يُسمى منعما، وَالْعِنَب مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ القوام حَتَّى يَكْتَفِي بِهِ فِي بعض الْمَوَاضِع، وَمثله الرطب وَالرُّمَّان، وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة ﵀، وَقَالا: يَحْنَث لوُجُود معنى التفكه فِيهِ، بل هِيَ أعز الْفَوَاكِه والتنعم بهَا يفوق التنعم بغَيْرهَا من الْفَوَاكِه، وَقَالَ الْمَشَايِخ هَذَا اخْتِلَاف زمَان فَفِي زَمَانه مَا كَانَت تعد من الْفَوَاكِه، وَفِي زَمَاننَا تعد مِنْهَا (وَبِمَعْنى من الْمُتَكَلّم) هَذَا ثَالِث الْخَمْسَة: أَي وبدلالة معنى من صِفَات الْمُتَكَلّم (كَانَ خرجت فطالق عقيب تهيئها لخرجة لجت فِيهَا) أَي حرصت على تِلْكَ الخرجة (لَا يَحْنَث بِهِ) أَي بخروجها (بعد سَاعَة، وَتسَمى يَمِين الْفَوْر) هُوَ مَأْخُوذ من فوران الْقدر، سميت بِاعْتِبَار صدورها من فوران الْغَضَب، أَو لِأَن الْفَوْر استعير للسرعة، ثمَّ سمى بِهِ الْحَالة الَّتِي لَا لبث فِيهَا، يُقَال أخرج من فوره: أَي من سَاعَته، وَأول من استخرجها أَبُو حنيفَة
стр. 318
وَكَانُوا قبل ذَلِك يَقُولُونَ بتأييده كلا أفعل كَذَا، وَلَا أفعل الْيَوْم كَذَا: وَهِي مُؤَبّدَة لفظا مُؤَقَّتَة معنى لتقييده بِالْحَال لكَونهَا جَوَابا لكَلَام يتَعَلَّق بِالْحَال كَذَا قَالُوا (وَحَقِيقَته) أَي حَقِيقَة الْمُخَصّص فِي هَذَا الْقسم (دلَالَة حَالهمَا) أَي الْمُتَكَلّم، والمخاطب ككونها ملحة على الْخُرُوج فِي تِلْكَ الْحَالة، وَكَونه ملحا على الْمَنْع حِينَئِذٍ (وبدلالة مَحل الْكَلَام) لكَون الْمحل غير قَابل للْحَقِيقَة، فَإِن الْعَاقِل لَا يقْصد مَا لَا يقبله الْمحل صِيَانة لكَلَامه من اللَّغْو وَالْكذب، فَتعين إِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي، وَهَذَا رَابِع الْخَمْسَة (كَأَنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَرفع الْخَطَأ) فَإِن نفس الْعَمَل يُوجد بِدُونِ النِّيَّة وَنَفس الْخَطَأ لم يرفع فَتعذر إِرَادَة الْحَقِيقَة (وَقد يدرج هَذَا فِي) الْمُخَصّص (الْعقلِيّ) فَإِن الْعقل يحِيل إِرَادَة الْحَقِيقَة لما ذكر قيل لَا نسلم هَذَا فِي الْأَعْمَال، إِذْ لَا يلْزم تَقْدِير الْمُتَعَلّق الْعَام كالحصول لجَوَاز تَقْدِيره مُتَعَلق خَاص بِقَرِينَة الْمقَام، نَحْو: مَا الْأَعْمَال مُعْتَبرَة لشَيْء من الْأَشْيَاء إِلَّا بِالنِّيَّاتِ. قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: بل التَّقْدِير مَا الْأَعْمَال محسوبة بِشَيْء من الْأَشْيَاء كالشروع فِيهَا والتلبس بهَا إِلَّا بِالنِّيَّاتِ (وبالسياق) أَي وبدلالة سوق الْكَلَام على أَن المُرَاد غير الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ بِأَن يكون هُنَاكَ قرينَة لفظية سَابِقَة عَلَيْهِ أَو مُتَأَخِّرَة عَنهُ، والسباق بِالْبَاء الْمُوَحدَة مُخْتَصّ بالمتقدمة، وَهَذَا خَامِس الْخَمْسَة (كطلق امْرَأَتي إِن كنت رجلا، فَإِنَّهُ لَا يُفِيد التَّوْكِيل بِهِ) أَي بتطليقها الَّذِي هُوَ حَقِيقَة طلق امْرَأَتي لقَرِينَة السِّيَاق على مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله إِن كنت رجلا عرفا (وَيَأْتِي التَّخْصِيص بِفعل الصَّحَابِيّ) فِي ال مسئلة الثَّالِثَة وَفِي مبَاحث السّنة.
مسئلة
(إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكمِهِ) أَي الْعَام: يَعْنِي إِذا علق على عَام حكم ثمَّ علق على فَرد من أَفْرَاد ذَلِك الْعَام ذَلِك الحكم (لَا يخصصه) أَي الْفَرد الْمَذْكُور ذَلِك الْعَام (وَهُوَ) أَي كَون إِفْرَاد فَرد مِنْهُ بِحكمِهِ مُخَصّصا (قلب الْمُتَعَارف فِي التَّخْصِيص، وَهُوَ) أَي الْمُتَعَارف فِيهِ (قصره) أَي الحكم (على غير مُتَعَلق دَلِيله) فَإِن مُتَعَلق دَلِيل التخصص هُوَ الْفَرد الَّذِي يخرج من الْعَام وَيقصر الحكم على غَيره، وَهُوَ الْبَاقِي بعد إِخْرَاجه من الْأَفْرَاد، وَذَلِكَ دَلِيل التَّخْصِيص يدل على أَنه خَارج من حكم الْعَام، فَهُوَ مُتَعَلّقه (بل) حَاصِل (هَذَا) الْإِفْرَاد (قصره) أَي الحكم (عَلَيْهِ) أَي على مُتَعَلق دَلِيل التَّخْصِيص، وَهُوَ الْفَرد الَّذِي أفرد بِحكمِهِ، فَلَو جعل مَا أفرد بالحكم مُخَصّصا، وَهَذَا الْإِفْرَاد دَلِيلا للتخصيص وَلَا شكّ أَن الْمَقْصُور عَلَيْهِ حِينَئِذٍ هُوَ عين مَا أفرد لزم الْمَقْصُور عَلَيْهِ مُتَعَلق دَلِيل التَّخْصِيص، وَهُوَ قلب الْمُتَعَارف (مِثَاله أَيّمَا أهاب) دبغ فقد طهر (مَعَ قَوْله فِي شَاة مَيْمُونَة دباغها طهورها) فَلَا يخص حكم الطّهُورِيَّة
стр. 319
بالدباغ جلد شَاة مَيْمُونَة من بَين الأهب، وَتكلم الشَّارِح فِي الحَدِيث الثَّانِي وَذكر مَا يُفِيد مَعْنَاهُ (وَمِنْه) أَي من إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكمِهِ (أَو شبهه) مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ (جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا مَعَ) مَا فِي رِوَايَة لمُسلم رَوَاهُ. " وَجعلت لنا الأَرْض كلهَا مَسْجِدا (وتربتها) لنا طهُورا إِذا لم تَجِد المَاء ". قَالَ الشَّارِح إِنَّمَا قَالَ أَو شبهه لجَوَاز أَن يُقَال التُّرَاب جُزْء من الأَرْض لَا جزئي لَهَا، وَإِنَّمَا بَينهمَا شبه من حَيْثُ أَن كلا مِنْهُمَا بعض من الْمُسَمّى (لنا لَا تعَارض) بَين إِثْبَات الحكم للْكُلّ وإثباته للْبَعْض (فَوَجَبَ اعتبارهما فَلَا يخص الطّهُورِيَّة التُّرَاب من أَجزَاء الأَرْض قَالُوا الْمَفْهُوم مُخَصص) للعام كَمَا مر، وَمَفْهُوم مَا أفرد بالحكم نفى الحكم عَن سَائِر أَفْرَاده إِذا لَا فَائِدَة لذكره إِلَّا ذَلِك فَيخْتَص حكم الطّهُورِيَّة بِشَاة مَيْمُونَة فِي عُمُوم أَيّمَا أهاب (قُلْنَا) دلَالَة الْمَفْهُوم (مَمْنُوع عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَلَو سلم فَهَذَا) أَي مَفْهُوم إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكمِهِ (مَفْهُوم لقب مَرْدُود) عِنْد الْجُمْهُور كَمَا تقدم، وَفَائِدَة ذكر ذَلِك الْفَرد نفى احْتِمَال تَخْصِيصه من الْعَام، وَهَذَا إِذا لم يكن لَهُ مَفْهُوم مُخَالفَة إِلَّا اللقب وَأما إِذا كَانَ لَهُ غَيره فَلَا يتم الْجَواب على التَّسْلِيم كَذَا ذكره الشَّارِح، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن النزاع فِي أَن مُجَرّد إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكمِهِ هَل يخصص أَولا، وَاعْتِبَار الْمَفْهُوم أمرا زَائِدا على الْإِفْرَاد بالحكم فَتَأمل.
مسئلة
(رُجُوع الضَّمِير) الْوَاقِع بعد الْعَام (إِلَى الْبَعْض) من أَفْرَاده (لَيْسَ تَخْصِيصًا، مثل والمطلقات) يَتَرَبَّصْنَ (مَعَ وبعولتهن) أَحَق بردهن، فَإِن المطلقات يعم البائنات والرجعيات وَالضَّمِير للرجعيات فَقَط لعدم إِمْكَان الرَّد فِي البائنات (فَلَا يخص التَّرَبُّص الرجعيات) بل يتَعَلَّق بِهن وبالبائنات عِنْد أَكثر الشَّافِعِيَّة وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب والبيضاوي (وَأَبُو الْحُسَيْن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ) قَالَا (تَخْصِيص) لَهُ، قيل وَعَلِيهِ أَكثر الْحَنَفِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْمُعْتَزلَة، وعزى إِلَى الشَّافِعِي ﵀ (وَهُوَ الْأَوْجه، وَقيل بِالْوَقْفِ) عزى إِلَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره (لنا) على الْمُخْتَار: وَهُوَ أَنه تَخْصِيص لَهُ (حَقِيقَته) أَي الضَّمِير (رابط لِمَعْنى مُتَأَخّر بمتقدم أَعم من مَذْكُور أَو مُقَدّر بِدَلِيل) يدل على تَقْدِيره (على أَنه) أَي الرابط مُتَعَلق بربط (هُوَ) أَي الْمُتَقَدّم (فَلَا يتَصَوَّر الِاخْتِلَاف) بَينهمَا (وَمَا قيل) فِي وَجه أَنه لَا يخص (التَّجَوُّز فِيهِ) أَي الضَّمِير (غير ملزوم للتجوز فِي الأول) أَي الْعَام: يَعْنِي لَا يلْزم من كَون الضَّمِير مجَازًا فِي الْبَعْض كَون الْعَام مجَازًا فِيهِ (فبعيد إِذْ رُجُوعه) أَي الضَّمِير (إِلَى لفظ الأول بِاعْتِبَار
стр. 320
مَعْنَاهُ فَلَا يتَصَوَّر كَونه) أَي الضَّمِير (مجَازًا) فِي الْبَعْض ومرجعه الَّذِي هُوَ الْعَام على حَقِيقَته وَهُوَ الْعُمُوم (فَإِذا خص) الضَّمِير (الرجعيات) من المطلقات (مَعَ كَونه) أَي الضَّمِير (عبارَة عَن المطلقات فهن) أَي الرجعيات (المُرَاد بِهِ) أَي الْعَام (وَهُوَ) المطلقات وَهُوَ أَي كَونه المُرَاد بالمطلقات الرجعيات لَا غير هُوَ (التَّخْصِيص) للمطلقات (وَبِه) أَي بِهَذَا الْجَواب (ظهر أَن قَوْلهم) أَي الْقَائِلين بِعَدَمِ التَّخْصِيص (فِي جَوَاب قَول الْوَاقِف) لزم تَخْصِيص الظَّاهِر وَالضَّمِير، دفعا للمخالفة، وَتَخْصِيص أَحدهمَا دون الآخر تحكم إِذْ (لَا ترجح لاعْتِبَار الْخُصُوص فِي أَحدهمَا بِعَيْنِه) فَوَجَبَ التَّوَقُّف ومقول قَوْلهم (ان دلَالَة الضَّمِير أَضْعَف) من دلَالَة الظَّاهِر لتوقف الضَّمِير عَلَيْهِ (فالتغيير فِيهِ) أَي الضَّمِير (أسهل) من التَّغْيِير فِي الظَّاهِر فترجح اعْتِبَار الْخُصُوص فِي الضَّمِير (لَا يُفِيد) خبران، وَذَلِكَ لما ظهر من بَيَان حَقِيقَة الضَّمِير المستدعى اتحادهما (وَامْتنع الْخلاف) وَفِي نُسْخَة الِاخْتِلَاف بَين الضَّمِير ومرجعه (فِي الْآيَة) (فَبَطل تَرْجِيحه) أَي تَرْجِيح قَول الْقَائِلين بِعَدَمِ التَّخْصِيص (بِأَنَّهُ) أَي تَخْصِيص الضَّمِير (لَا يسْتَلْزم تَخْصِيص الأول، بِخِلَاف قلبه) فَإِنَّهُ يسْتَلْزم تَخْصِيص الأول تَخْصِيص الضَّمِير إِذْ يسْتَلْزم تَخْصِيص كل مِنْهُمَا تَخْصِيص الآخر لما عرفت من وجوب الِاتِّحَاد بَينهمَا (وَاللَّازِم فِي الْآيَة إِمَّا عوده) أَي الضَّمِير (على مُقَدّر هُوَ المتضمن) على صِيغَة الْمَفْعُول: وَهُوَ الرجعيات (مدلولا) تضمنيا (للمتضمن) على صِيغَة الْفَاعِل: وَهُوَ المطلقات (وَأما عَلَيْهِ) أَي المتضمن على صِيغَة الْفَاعِل: وَهُوَ المطلقات مرَادا بِهن الرجعيات (مجَازًا) عَن إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْبَعْض (وَوُجُوب تربص غير الرجعيات بِدَلِيل آخر) كالإجماع وَالْقِيَاس.
مسئلة
لما كَانَت الْمقَالة فِي المبادئ اللُّغَوِيَّة، وَكَانَ كل مَا ذكر من الْمسَائِل مُتَعَلقَة بالألفاظ الْمَوْضُوعَة بِاعْتِبَار ذَاتهَا، أَو دلالتها، أَو مقايستها إِلَى لفظ آخر أَو مدلولها أَو اسْتِعْمَالهَا على التَّفْصِيل الَّذِي سبق، وَلم تكن هَذِه المسئلة من هَذَا الْقَبِيل، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَلَيْسَت لغوية) وَالتَّقْدِير: هَذِه مسئلة (مبدئية) بل استطرادية، فَإِن ذكرهَا فِي هَذِه الْمقَالة على سَبِيل الاستطراد، لِأَنَّهَا لَو كَانَت مِمَّا تتَعَلَّق باللغة كَانَت مثل غَيرهَا مَذْكُورَة أَصَالَة، لَا على سَبِيل التّبعِيَّة والاستطراد، وَيجوز أَن يُرَاد بمبدئها مَا أُشير إِلَيْهِ فِي عنوان الْمقَالة. قَالَ (الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة) والأشعري وَأَبُو هَاشم وَأَبُو الْحُسَيْن (يجوز التَّخْصِيص بِالْقِيَاسِ) قَطْعِيا كَانَ أَو ظنيا (إِلَّا أَن الْحَنَفِيَّة) قيدوا جَوَاز التَّخْصِيص بِهِ
стр. 321
(بِشَرْط تَخْصِيص) الْعَام (بِغَيْرِهِ) أَي غير الْقيَاس من سَمْعِي أَو عَقْلِي (وتقييده) أَي التَّخْصِيص بِغَيْرِهِ (بالقبلية) أَي بِأَن يكون قبل التَّخْصِيص بِالْقِيَاسِ كَمَا وَقع فِي عبارَة كثير (لَا يتَصَوَّر) وَذَلِكَ لِأَن تَخْصِيص الْقيَاس بِإِخْرَاجِهِ بعض أَفْرَاد الْعَام عَن حكمه إِلْحَاق لَهُ بِأَصْل مَنْصُوص فِي حكم مُخَالف لحكم الْعَام لاشْتِرَاكهمَا فِي الْعلَّة، فالمخصص حَقِيقَة ذَلِك النَّص، وَالْقِيَاس إِنَّمَا هُوَ مظهر لذَلِك التَّخْصِيص، وَلَا شكّ أَن ذَلِك النَّص مُقَارن للعام، وَإِذن لَا يتَصَوَّر مُخَصص آخر قبله، وَهُوَ ظَاهر (وَتَقَدَّمت إِشَارَة إِلَيْهِ) فِي الْبَحْث الْخَامِس من الْعَام حَيْثُ قَالَ عِنْد اشْتِرَاط الْحَنَفِيَّة مُقَارنَة الْمُخَصّص الأول للُزُوم النّسخ على تَقْدِير تراخيه وَالْوَجْه أَن الثَّانِي نَاسخ أَيْضا لَا الْقيَاس إِذْ لَا يتَصَوَّر تراخيه (فَالْمُرَاد بالقبلية) فِي التَّخْصِيص بِالْغَيْر (ظُهُور الْغَيْر سَابِقًا) على ظُهُوره. وَقَالَ (ابْن سُرَيج إِن كَانَ) الْقيَاس (جليا) جَازَ تَخْصِيصه، وَإِن كَانَ خفِيا لَا يجوز، وَفِي تَفْسِير الْجَلِيّ مَذَاهِب، وَالرَّاجِح أَنه قِيَاس الْمَعْنى وَهُوَ الْمَشْهُور، والخفي قِيَاس الشّبَه، وَالَّذِي مَشى عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب أَنه الَّذِي قطع فِيهِ بِنَفْي تَأْثِير الْفَارِق بَين الأَصْل وَالْفرع، والخفي مَا ظن فِيهِ ذَلِك (وَقيل إِن كَانَ أَصله) أَي الْقيَاس: يَعْنِي الْمَقِيس عَلَيْهِ (مخرجا من ذَلِك الْعُمُوم) أَي الْعُمُوم الَّذِي يُرَاد تَخْصِيصه بِالْقِيَاسِ الْمَذْكُور (بِنَصّ) خصص وَإِلَّا فَلَا، وَالْجَار مُتَعَلق بمخرجا، فَإِن الْمخْرج بِالْقِيَاسِ حِينَئِذٍ مخرج بذلك النَّص، فَإِن حكمه مُعَلل بعلة الْقيَاس الْمَذْكُور: وَهِي مستنبطة من ذَلِك النَّص فَيلْزم ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع أَيْضا مِنْهُ (والجبائي يقدم الْعَام مُطلقًا) جليا كَانَ الْقيَاس أَو خفِيا مخرجا أَصله من ذَلِك الْعُمُوم أَولا، وَنَقله القَاضِي عَن الْأَشْعَرِيّ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ، فَلَا يخصصون الْعَام بِالْقِيَاسِ مُطلقًا (وَتوقف إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْقَاضِي، وَقيل إِن كَانَ أَصله مُخَصّصا) أَي مخرجا من الْعُمُوم (أَو) ثَبت (الْعلَّة بِنَصّ أَو إِجْمَاع) خصص (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق شَيْء مِنْهَا (اعْتبرت قَرَائِن التَّرْجِيح) فَإِن ظهر مَا يرجح الْقيَاس خص الْعَام وَإِلَّا عمل بِعُمُومِهِ (وَاخْتَارَهُ بَعضهم) وَهُوَ ابْن الْحَاجِب، وَإِن تَسَاويا فالوقف، وَهُوَ رَأْي الْغَزالِيّ. وَقَالَ الرَّازِيّ أَنه حق كَذَا قيل. قَالَ السُّبْكِيّ مَذْهَب ابْن الْحَاجِب آيل إِلَى اتِّبَاع أرجح الظنين، وَإِن تَسَاويا فالوقف. وَقَالَ الشَّارِح لَيْسَ كَذَلِك، إِذْ لَا وقف فِي هَذَا الْمُخْتَار لِابْنِ الْحَاجِب (لنا) على الأول (الِاشْتِرَاك) للعام وَالْقِيَاس (فِي الظنية، أما الثَّلَاثَة) مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵏ (فمطلقا) أَي ظَنِّي مُطلقًا فعندهم، يخص سَوَاء خص الْعَام أَولا إِلَى آخِره، وَقد سبق أَنه قَول طَائِفَة من الحنبلية (وَأما الطَّائِفَة من الْحَنَفِيَّة) الْقَائِلُونَ بِأَن الْعَام قَطْعِيّ (فبالتخصيص) صَار ظنيا عِنْدهم أَيْضا لعدم إِرَادَة مَعْنَاهُ وَاحْتِمَال إِخْرَاج بعض آخر مِنْهُ (والتفاوت فِي الظنية غير مَانع) من تَخْصِيص
стр. 322
الأضعف للأقوى (كَمَا تقدم) فِي التَّخْصِيص بِالْمَفْهُومِ (وَوَجهه) أَي وَجه عدم اعْتِبَار التَّفَاوُت أَو التَّخْصِيص بِالْقِيَاسِ وَإِن كَانَ أَضْعَف (أعمالهما) أَي الدَّلِيلَيْنِ الْعَام وَالْقِيَاس (مَا أمكن) فَإِنَّهُ أولى من إبِْطَال أَحدهمَا، فرعاية هَذَا الْمَعْنى أهم من الِاحْتِرَاز عَن كَون الأضعف مُخَصّصا للأقوى (أَو) أَن يُقَال (ترجح الْمُخَصّص) على صِيغَة الْفَاعِل، وَإِن كَانَ الْمُخَصّص على صِيغَة الْمَفْعُول أقوى مِنْهُ (هُوَ الْوَاقِع) بالِاتِّفَاقِ (كَمَا تقدم) فِي بحث التَّخْصِيص بِالْمَفْهُومِ بالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ بِخَبَر الْوَاحِد للْكتاب بعد تَخْصِيصه بقطعي (فَبَطل تَوْجِيه الْأَخير) أَي مُخْتَار ابْن الْحَاجِب (بِكَوْن الْعلَّة كَذَلِك) أَي ثَابِتَة بِنَصّ أَو إِجْمَاع (توجب كَون الْقيَاس كالنص وَالْإِجْمَاع) وَإِنَّمَا بَطل (لِأَن) الْعلَّة (المستنبطة دَلِيل، وَوُجُوب الْأَعْمَال عَام) لكل دَلِيل فَوَجَبَ أَعمال المستنبطة كالمنصوصة (وَمَا قيل) فِي وَجه عدم أَعمالهَا إِذا عارضت عَاما (المستنبطة إِمَّا راجحة، أَو مُسَاوِيَة، أَو مرجوحة) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَام (فالتخصيص على تَقْدِير) وَهُوَ تَقْدِير كَون المستنبطة راجحة (وَعَدَمه) أَي التَّخْصِيص (على تقديرين) وهما تَقْدِير الْمُسَاوَاة والمرجوحية (فيترجح) عدم التَّخْصِيص، لِأَن وُقُوع وَاحِد من اثْنَيْنِ أقرب من وُقُوع وَاحِد معِين وَقَوله مَا قيل مُبْتَدأ خَبره (يُوجب بطلَان الْمُخَصّص مُطلقًا) إِذْ يُقَال كل مُخَصص إِمَّا رَاجِح على الْعَام الْمخْرج مِنْهُ، أَو مسَاوٍ، أَو مَرْجُوح فالتخصيص على تَقْدِير إِلَى آخِره (بل الرجحان) الْمُخَصّص على الْعُمُوم (دائمي بأعمالهما) أَي أَعمال الدَّلِيلَيْنِ الْقيَاس، وَالْعَام حَيْثُ أمكن (وَلما تقدم) من أَن الْوَاقِع تَرْجِيح الْمُخَصّص وَإِن كَانَ الْمُخَصّص فِي الظَّن (ولتخصيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد) وَهَذَا لَيْسَ بتكرار لِأَن مَا تقدم على وَجه الْعُمُوم، وَهَذَا على وَجه الْخُصُوص. قَالَ (الجبائي يلْزم) على تَقْدِير تَخْصِيص الْعَام بِالْقِيَاسِ (تَقْدِيم الأضعف) وَهُوَ الْقيَاس على الْأَقْوَى، وَهُوَ الْعَام (على مَا يَأْتِي) تَقْرِيره فِي مسئلة تعَارض الْقيَاس وَالْخَبَر (فِي الْخَبَر، وَيَأْتِي جَوَابه، و) يُجَاب (بِأَن ذَلِك) أَي لُزُوم مَا ذكر من تَقْدِيم الأضعف (عِنْد إبِْطَال أَحدهمَا) من الْعَام وَالْقِيَاس (وَهَذَا) أَي تَخْصِيص الْعَام بِالْقِيَاسِ (أعمالهما، وَبِأَنَّهُ) أَي الجبائي (يخصص الْكتاب بِالسنةِ وبالمفهوم) الْمُخَالف وَالسّنة أَيْضا مَعَ قصورهما فِي الْقُوَّة عَن الْكتاب وقصور الْمَفْهُوم عَن السّنة (قَالُوا) للجبائي (أخر معَاذ الْقيَاس) عَن السّنة (وَأقرهُ) النَّبِي ﷺ على ذَلِك. أخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ لما بَعثه إِلَى الْيمن: قَالَ كَيفَ تقضي إِذا عرض لَك أَمر؟ قَالَ أَقْْضِي بِمَا فِي كتاب الله، قَالَ فَإِن لم يكن فِي كتاب الله؟ قَالَ فبسنة رَسُول الله، قَالَ فَإِن لم يكن فِي سنة رَسُول الله؟ قَالَ أجتهد رَأْيِي فَلَا آلو: قَالَ فَضرب فِي صَدْرِي وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول
стр. 323
رَسُول الله لما يرضى رَسُول الله، وَهَذَا التَّقْدِير على تَقْدِيم الْخَبَر على الْقيَاس يدل على وجوب تَقْدِيمه على الْقيَاس إِذا خَالفه أَو وَافقه (أُجِيب أخر السّنة أَيْضا عَن الْكتاب وتخصيصه) أَي الْكتاب (بهَا) أَي بِالسنةِ (اتِّفَاق) فَمَا هُوَ جوابكم فَهُوَ جَوَابنَا (وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهِ) أَي فِي حَدِيث معَاذ (مَا يمْنَع الْجمع) بَين الْقيَاس وَالْعَام (عِنْد التَّعَارُض، والتخصيص مِنْهُ) أَي من الْجمع بَينهمَا، غَايَة مَا فِيهِ عدم إبِْطَال السّنة بِالْقِيَاسِ، وَنحن قَائِلُونَ بِهِ على أَن حَدِيثه. قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ غَرِيب، وَإِسْنَاده لَيْسَ عِنْدِي بِمُتَّصِل. وَقَالَ البُخَارِيّ لَا يَصح لَكِن شهرته وتلقى الْعلمَاء لَهُ بِالْقبُولِ لَا يقعده عَن دَرَجَة الحجية، وَمن ثمَّ أطلق جمَاعَة من الْفُقَهَاء كالباقلاني والطبري وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ عَلَيْهِ الصِّحَّة، وَأخرج لَهُ شَوَاهِد من الصَّحِيح وَالْحسن (وَله) أَي الجبائي (أَيْضا دَلِيل اعْتِبَار الْقيَاس الْإِجْمَاع، وَلَا إِجْمَاع عِنْد مُخَالفَته) أَي الْقيَاس (الْعُمُوم) وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب الْعَمَل بِهِ فَامْتنعَ الْعَمَل بِهِ، إِذْ لَا يثبت حكم بِلَا دَلِيل (وَالْجَوَاب إِذا ثبتَتْ حجيته) أَي الْقيَاس (بِهِ) أَي الْإِجْمَاع (ثَبت حكمهَا) أَي جَمِيع أَحْكَام تترتب على حجيته (وَمِنْه) وَمن حكمهَا (الْجمع) بَين مُقْتَضى الْقيَاس وَالْعَام الْمعَارض لَهُ (مَا أمكن) وَقد أمكن كَمَا ذكرنَا (و) الْحجَّة (للمفصل الثَّانِي) على الْمفصل الأول وَهُوَ الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله، وَقيل إِن كَانَ أَصله مخرجا أَن الْعلَّة (المؤثرة) أَي مَا ثَبت تأثيرها بِنَصّ أَو إِجْمَاع فِيهِ مُسَامَحَة وَالْمرَاد الْقيَاس الْمُشْتَمل على المؤثرة (والمخصص) بِصِيغَة الْمَفْعُول أَي الْقيَاس الَّذِي خص أَصله من الْعَام (تَرْجِعَانِ إِلَى النَّص) وَهُوَ قَوْله ﷺ (حكمي على الْوَاحِد) حكمي على الْجَمَاعَة، فَإِذا ثَبت الْعلية، أَو الحكم فِي حق وَاحِد ثَبت فِي حق الْجَمَاعَة بِهَذَا النَّص، وَلزِمَ تَخْصِيص الْعَام بِهِ، وَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ بمحض الْكَلَام أَن الْمفصل الثَّانِي يَقُول للْأولِ: وَأَنَّك خصصت الْعَام بِقِيَاس آخر أَصله من حكمه بِنَصّ نظرا إِلَى أَنه يرجع إِلَى كَون النَّص مُخَصّصا وَلم يخصص بِقِيَاس ثَبت تَأْثِير علته بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع وَهُوَ تحكم، لِأَن تَخْصِيص هَذَا رَاجع إِلَى النَّص، وَفسّر هَذَا النَّص فِي الشَّرْح العضدي بحكمي على الْوَاحِد إِلَى آخِره، وَيثبت بِمَا ذكر، وتوضيحه أَن الشَّارِع إِذا أثبت حكما لشَيْء لَهُ نَظَائِر من حَيْثُ الاشتمال على منَاط الحكم فقد أثْبته لنظائره وَأَيْضًا فَمُقْتَضى هَذَا النَّص ثُبُوت حكم الأَصْل فِي الصُّورَتَيْنِ لما تحققت فِيهِ عِلّة من أَفْرَاد الْعَام، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِالنَّصِّ الْمَذْكُور مَا ثَبت بِهِ أصل الْقيَاس فيهمَا، وَيكون قَوْله حكمي إِلَى آخِره بَيَانا لكَون تَخْصِيص الْقيَاس فيهمَا بِمُوجب النَّص (وَإِذا ترجح ظن التَّخْصِيص) لما كَانَ فِي هَذَا التَّفْصِيل ثَلَاث صور: كَون أصل الْقيَاس مخرجا من ذَلِك الْعُمُوم، وَثُبُوت الْعلَّة بِنَصّ أَو إِجْمَاع، وَأَن لَا يتَحَقَّق
стр. 324
شَيْء مِنْهُمَا، وَذكر حكم الأولى وَالثَّانيَِة، وَهُوَ اعْتِبَار التَّخْصِيص فيهمَا لرجوع الْقيَاس إِلَى النَّص لما ذكر بَين حكم الثَّالِثَة بِأَنَّهُ إِذا ترجح ظن اعْتِبَار التَّخْصِيص بمرجح على ظن الْعُمُوم (فبالإجماع على اتِّبَاع الرَّاجِح) أَي فَيجب تَخْصِيص الْعَام بِهِ لرجحان ظَنّه وَالْإِجْمَاع على اتِّبَاع الرَّاجِح (وَهَذَا) الْكَلَام بِنَاء (على اعْتِبَار رُجْحَان ظن الْقيَاس) واشتراطه (فِي تَخْصِيصه) أَي فِي تَخْصِيص الْقيَاس للعام (وَعلمت انتفاءه) أَي انْتِفَاء اعْتِبَاره حَيْثُ قُلْنَا التَّفَاوُت فِي الظنية غير مَانع عَن التَّخْصِيص بِهِ (أَو لُزُومه بِلَا تِلْكَ الْقُيُود) فسر الشَّارِح بِلُزُوم التَّخْصِيص بِالْقِيَاسِ من غير اعْتِبَار ثُبُوت الْعلَّة بِنَصّ، أَو إِجْمَاع، أَو مُرَجّح خَاص لِأَنَّهُ دَلِيل، وكل دَلِيل يجب إعماله مَا أمكن انْتهى، وَلَا يظْهر حِينَئِذٍ وَجه أَو الترديدية وَالْأَوْجه أَن يُقَال: أَو بِمَعْنى بل، كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿أَو يزِيدُونَ﴾ -، وَضمير لُزُومه لرجحان الظَّن، فَإِن غَلَبَة التَّخْصِيص فِي الْعَام مَعَ وجوب أَعمال الدَّلِيلَيْنِ يسْتَلْزم رُجْحَان ظن الْقيَاس والتخصيص وَالله أعلم.
قَالَ (الْوَاقِف: فِي كل مِنْهُمَا) أَي الْعَام وَالْقِيَاس (جِهَة قطع) فِي الْعَام بِاعْتِبَار الثُّبُوت، وَفِي الْقيَاس بِاعْتِبَار الحجية (وَظن) فِي الْعَام بِاعْتِبَار الدّلَالَة، وَفِي الْقيَاس بِاعْتِبَار الحكم فِي الْفُرُوع (فَيتَوَقَّف قُلْنَا لَو لم يكن مُرَجّح وَهُوَ أعمالهما) بِحَسب الْإِمْكَان فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك لَا يجوز إبِْطَال أَحدهمَا فضلا عَن إبطالهما مَعًا، وَفِي التَّوَقُّف إبطالهما (وَأما تَخْصِيص الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد، وتقييده) أَي الْقُرْآن (بِهِ) أَي بِخَبَر الْوَاحِد (و) تَخْصِيص (الْكتاب بِالْكتاب وَالْإِجْمَاع، فَفِي موَاضعهَا) تَأتي مفصلة (وَأما) تَخْصِيص الْعَام (بالتقرير) أَي تَقْرِير النَّبِي ﷺ لما يسْتَلْزم خُرُوج بعض الْعَام من حكمه (كعلمه) ﷺ (بِفعل مُخَالف للعام وَلم يُنكره) أَي ذَلِك الْفِعْل مَعْطُوف على علمه بِتَأْوِيل وَعدم إِنْكَاره، وَيحْتَمل أَن يكون حَالا من الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول (بِكَوْن) أَيهمَا (الْفَاعِل مُخَصّصا) من ذَلِك الْعَام مُتَعَلق بِعَدَمِ الْإِنْكَار أَي عدم إِنْكَاره على ذَلِك الْفَاعِل بِسَبَب كَونه مُخَصّصا مِنْهُ (فَوَاجِب عِنْد الشَّافِعِيَّة) وَمن يشْتَرط مُقَارنَة الْمُخَصّص من الْحَنَفِيَّة (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ فعل ذَلِك الْفَاعِل عقب ذكر الْعَام فِي مجْلِس ذكره أَولا (لِأَنَّهُ) أَي التَّخْصِيص (أسهل من النّسخ وَأكْثر، وبشرط كَون الْعلم) بِفعل ذَلِك الْفَاعِل (عقيب ذكر الْعَام فِي مَجْلِسه) أَي مجْلِس ذكره (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن فِي مَجْلِسه بل بعده (فنسخ) لذَلِك الْعُمُوم (عِنْد شارطي الْمُقَارنَة) فِي الْمُخَصّص (من الْحَنَفِيَّة) ثمَّ على كَونه مُخَصّصا (فَإِن علل ذَلِك) أَي تَخْصِيص الْفَاعِل من الْعَام بِمَعْنى (تعدِي) ذَلِك التَّخْصِيص (إِلَى غير الْفَاعِل) إِذا تحقق ذَلِك الْمَعْنى فِي ذَلِك الْغَيْر،
стр. 325
لَكِن بِشَرْط أَن لَا يستوعب ذَلِك الْمَعْنى جَمِيع أَفْرَاد الْعَام وَإِلَّا يكون نسخا، وَإِن لم يُعلل فالمختار عدم تعدِي حكمه إِلَى غَيره لتعذر دَلِيل التَّعْدِيَة. قَالَ السُّبْكِيّ وَلقَائِل أَن يَقُول: إِذا ثَبت حكمي على الْوَاحِد الحَدِيث لم يحْتَج إِلَى الْعلم بالجامع، بل يَكْفِي عدم الْعلم بالفارق، وَالْأَصْل بعد ثُبُوت هَذَا الحَدِيث أَن الْخلف فِي الشَّرْع شرع، فالمختار عندنَا التَّعْمِيم وَإِن لم يظْهر الْمَعْنى مَا لم يظْهر مَا يقتضى التَّخْصِيص انْتهى، وَفِيه نظر لِأَن عُمُوم الْعَام يمْنَع ثُبُوت حكم ذَلِك الْفَاعِل فِي غَيره فَتَأمل (وَيَأْتِي تَمَامه) فِي مسئلة قبل فصل التَّعَارُض بِثَلَاث مسَائِل (وَيتَصَوَّر كَون فعل الصَّحَابِيّ) الْمُخَالف للْعُمُوم (عِنْد الْحَنَفِيَّة مُخَصّصا إِذا عرف علمه) أَي الصَّحَابِيّ (بِالْعَام) (إِذْ قَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة، وَوَافَقَهُمْ الْحَنَابِلَة (بحجيته) أَي فعل الصَّحَابِيّ (حملا على علمه) أَي الصَّحَابِيّ (بالمقارن) أَي الْمُخَصّص الْمُقَارن للْعُمُوم (وَهُوَ) أَي حمل علمه فِي هَذِه الصُّورَة على الْعلم بالمخصص (أسهل من حملهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة تَركه أَي الصَّحَابِيّ (مرويه على علمه) مُتَعَلق بحملهم (بالناسخ) لِأَن التَّخْصِيص أخف من النّسخ، فَتعين حَيْثُ أمكن.
مسئلة
(الْأَكْثَر) على (أَن مُنْتَهى التَّخْصِيص) أَي الَّذِي يجب أَن يبْقى بعد التَّخْصِيص من أَفْرَاد الْعَام (جمع يزِيد على نصفه) أَي على نصف أَفْرَاد الْعَام سَوَاء كَانَ جمعا كالرجال أَو غَيره كمن وَمَا (وَلَا يَسْتَقِيم) اعْتِبَار النّصْف (إِلَّا فِي نَحْو عُلَمَاء الْبَلَد مِمَّا ينْحَصر) وينضبط عدده ليعلم النّصْف مِنْهُ، أورد عَلَيْهِ أَن امْتنَاع تعْيين النّصْف فِيمَا لم يعلم عدده مُسلم، لَكِن لَا حَاجَة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يُمكن أَن يعلم أَن الْبَاقِي أَكثر من النّصْف إِذا علم قدر مَا خرج بالتخصيص كَمَا إِذا كَانَ أهل الْبَلَد غير مَحْصُورين وَأخرج مِنْهُم عدد قَلِيل يقطع بِكَوْنِهِ دون النّصْف، وَقد يُجَاب بِأَن المُرَاد مَا ينْحَصر أَو مَا يقوم مقَام الانحصار فِي إفادته كَون الْبَاقِي أَكثر من النّصْف (وَقيل) منتهاه (ثَلَاثَة، وَقيل اثْنَان، وَقيل وَاحِد) قَالَ الشَّارِح: وَنَقله ابْن السَّمْعَانِيّ عَن سَائِر الشَّافِعِيَّة (وَهُوَ مُخْتَار الْحَنَفِيَّة، وَمَا قيل) كَمَا ذكره صَاحب الْمنَار وَصدر الشَّرِيعَة (الْوَاحِد فِيمَا) أَي الْعَام الَّذِي (هُوَ جنس وَالثَّلَاثَة فِيمَا هُوَ جمع، فمرادهم) أَي الْحَنَفِيَّة بِالْجمعِ الْجمع (الْمُنكر صرح بِهِ) حَيْثُ قَالُوا كعبيد وَنسَاء (و) صرح (بِإِرَادَة نَحْو الرجل وَالْعَبِيد وَالنِّسَاء والطائفة بِالْجِنْسِ) وصرحوا أَيْضا بِأَن كلا من الرجل وَمَا بعده مُفْرد دلَالَة وَإِن كَانَ بَعْضهَا جمعا صِيغَة كالعبيد (وَهُوَ) أَي الْجِنْس (مُعظم) الْعَام (الاستغراقي، وَفِيه) أَي وَفِي الْعَام الاستغراقي (الْكَلَام) فَالْمَعْنى أَن مُنْتَهى تَخْصِيص صِيغ الْعُمُوم الاستغراقي الْوَاحِد (وَأما) الْجمع (الْمُنكر فَمن الْخَاص
стр. 326
خُصُوص جنس على مَا أسلفناه) فِي أول التَّقْسِيم الثَّانِي من التَّقْسِيم الثَّالِث من هَذَا الْفَصْل (حَقِيقَة فِي كل مرتبَة) من مَرَاتِب الْجمع وَمَا دخله التَّخْصِيص لَا يكون حَقِيقَة فِي الْبَاقِي (ثَلَاثَة أَو أَكثر) عطف بَيَان لكل مرتبَة (لِأَنَّهَا) أَي كل مرتبَة من مراتبه (مَا صدقاته كَرجل فِي كل فَرد زيد أَو غَيره) أَي نِسْبَة الْجمع الْمُنكر إِلَى تِلْكَ الْمَرَاتِب كنسبة رجل إِلَى زيد وَعَمْرو وَغَيره (وَلَو سلم) كَونه عَاما كَمَا هُوَ قَول من لم يشْتَرط الِاسْتِغْرَاق فِي الْعُمُوم (فعمومه) أَي عُمُوم الْجمع الْمُنكر (لَا يقبل حكم) هَذِه (المسئلة إِذْ لَا يقبل التَّخْصِيص) وَهَذِه المسئلة فرع قبُول التَّخْصِيص (كعموم الْمَعْنى) من غير تَبَعِيَّة اللَّفْظ (وَالْمَفْهُوم) الْمُخَالف فَإِنَّهُمَا عمومان لَا يقبلان التَّخْصِيص (على مَا قيل) أَشَارَ إِلَى أَن التَّحْقِيق أَنَّهُمَا يقبلانه كالألفاظ على مَا بَين فِي مَحَله (وَكَونه) أَي الشَّأْن (قد يدْخل عَلَيْهِم) أَي يُورد على الْحَنَفِيَّة (أَن الِاسْتِغْرَاق) أَي الْجمع الْمُسْتَغْرق بِاللَّامِ (لَيْسَ مسلوبا) عَنهُ (معنى الجمعية) إِلَى الجنسية (بِاللَّامِ) مُتَعَلق بالسلب، وَهَذَا يُنَافِي مَا سبق آنِفا (بل الْمَعْهُود الذهْنِي) هُوَ الَّذِي يسلب عَنهُ معنى الجمعية يَعْنِي إِذا كَانَ جمعا محلى بِاللَّامِ: أَي الجنسية (شَيْء آخر) غَايَته أَنه لَا يتم مَا سبق فِي الْجمع الاستغراقي بِاللَّامِ على ذَلِك التَّقْدِير، هَذَا وَقَوله وَكَونه إِلَى هَذَا وجد فِي نُسْخَة الشَّارِح وَلَيْسَ فِي غَيره من النّسخ المصححة (وَاخْتَارَ بعض من يجوز التَّخْصِيص بالمتصل) وَهُوَ ابْن الْحَاجِب (أَنه) أَي مُنْتَهى التَّخْصِيص (بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْبدل وَاحِد، وبالصفة وَالشّرط اثْنَان، وبالمنفصل فِي المحصور الْقَلِيل إِلَى اثْنَيْنِ، كقتلت كل زنديق وهم ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة) وَقد قيل اثْنَيْنِ وَعلم ذَلِك بِكَلَام أَو حس (وَفِي غير المحصور، وَالْعدَد الْكثير الأول) أَي جمع يزِيد على نصفه فَإِنَّهُ يقرب من مَدْلُوله (وَعلمت أَن لَا ضَابِط لَهُ إِلَّا أَن يُرَاد) بِعَدَمِ الْحصْر (كَثْرَة كَثِيرَة عرفا قَالُوا) أَي الْأَكْثَر (لَو قَالَ قتلت كل من فِي الْمَدِينَة، وَقد قتل ثَلَاثَة عد لاغيا فَبَطل) مَذْهَب الثَّلَاثَة ثمَّ (مَذْهَب الِاثْنَيْنِ وَالْوَاحد) بطرِيق أولى (وَالْجَوَاب أَنه) أَي عدَّة لاغيا (إِذا لم يذكر دَلِيل التَّخْصِيص مَعَه فَإِن ذكر) دَلِيل التَّخْصِيص مَعَ الْعَام (منعناه) أَي عدَّة لاغيا إِذا لم يذكر دَلِيل التَّخْصِيص مَعَه (إِلَّا أَن يُرَاد انحطاط رُتْبَة) الْكَلَام عَن دَرَجَة البلاغة (وَلَيْسَ فِيهِ الْكَلَام وَتعين الِاثْنَيْنِ فِي الْقَلِيل كقتلت كل زنديق) عِنْد قَتله (لاثْنَيْنِ وهم أَرْبَعَة حَتَّى امْتنع) كَون مُنْتَهى التَّخْصِيص (مَا دونهمَا) أَي الِاثْنَيْنِ فِيهِ (وَفِي الصّفة وَالشّرط بِلَا دَلِيل) وَكَيف لَا (وَمن الْبَين صِحَة أكْرم النَّاس الْعلمَاء أَو إِن كَانُوا عُلَمَاء، وَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا عَالم لزم إكرامه وَهُوَ) أَي حمل الْكَلَام على ذَلِك الْوَاحِد المستلزم لإكرامه لُزُوما مَعَ عدم إِرَادَة مَا عداهُ (معنى التَّخْصِيص) بهما (ومعين الْجمع) أَي الثَّلَاثَة (والاثنين مَا قيل فِي الْجمع) من إزاء قلَّة ثَلَاثَة
стр. 327
أَو اثْنَان (وَلَيْسَ بِشَيْء) لِأَن الْكَلَام فِي أقل مرتبَة يخص إِلَيْهَا الْعَام لَا فِي أقل مرتبَة يُطلق عَلَيْهِ الْجمع الْمُنكر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا تلازم) بَين هذَيْن الأقلين (وَلنَا) مَا هُوَ مُخْتَار الْحَنَفِيَّة (الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس، وَالْمرَاد نعيم) بن مَسْعُود بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين وَغَيرهم (فَإِن أُجِيب بِأَن النَّاس للمعهود فَلَا عُمُوم، فمدفوع بِأَن كَون النَّاس الْمَعْهُود لوَاحِد مثله) أَي مثل النَّاس الْعَام، فَإِذا جَازَ أَن يُرَاد بِالنَّاسِ الْمَعْهُود وَاحِد من مَعْنَاهُ وَالْكثير جَازَ فِي النَّاس غير الْمَعْهُود إِرَادَة وَاحِد من مَعْنَاهُ الْكثير، (وَأَيْضًا لَا مَانع لغَوِيّ) أَي من حَيْثُ اللُّغَة (من الْإِرَادَة) أَي إِرَادَة وَاحِد بِالْعَام (بِالْقَرِينَةِ وَإِنَّمَا يعد لاغيا) بِإِرَادَة وَاحِد بِهِ (إِذا لم ينصبها) أَي الْقَرِينَة (وَنحن اشترطنا الْمُقَارنَة) أَي مُقَارنَة الْقَرِينَة (فِي التَّخْصِيص) فَلَا مَحْذُور (وَأما الْخَاص فَعلمت) فِي أَوَائِل هَذَا التَّقْسِيم (أَنه يَنْتَظِم الْمُطلق وَمَا بعده) من الْعدَد، وَالْأَمر وَالنَّهْي.
(أما الْمُطلق فَمَا دلّ على بعض أَفْرَاد). قَالَ الشَّارِح إِنَّمَا قَالَ بعض وَلم يقل فَرد ليشْمل الْوَاحِد وَالْأَكْثَر فَيدْخل فِي الْمُطلق الْجمع الْمُنكر، وَأَنت خَبِير بِأَن كلا من مَا صدقَات الْجمع الْمُنكر فَرد بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِن اشْتَمَل على أَفْرَاد لمفرده (شَائِع) صفة بعض احْتِرَاز عَن الْعَام وَعَن المعارف كلهَا إِلَّا الْمَعْهُود الذهْنِي (لَا قيد مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْبَعْض فَخرج نَحْو - ﴿رَقَبَة مُؤمنَة﴾ - فَإِنَّهُ مُقَيّد وَأَنه يصدق عَلَيْهِ أَنه دَال على بعض شَائِع (مُسْتقِلّا لفظا) فَلَا يخرج الْمَعْهُود الذهْنِي، فَإِن اللَّام فِيهِ قيد غير مُسْتَقل لفظا لعدم استقلالها فِي الدّلَالَة: وَهُوَ من الْمُطلق، وَقَوله مُسْتقِلّا حَال من الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى اسْم لَا المستكن فِي الظّرْف، ولفظا تَمْيِيز عَن نِسْبَة مُسْتقِلّا إِلَى ذِي الْحَال (فَوَضعه) أَي الْمُطلق (لَهُ) أَي للدال على بعض أَفْرَاد إِلَى آخِره، كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالصَّوَاب لبَعض أَفْرَاده إِلَى آخِره كَمَا لَا يخفى، تمهيد لدفع من قَالَ أَنه مَوْضُوع للْحَقِيقَة من حَيْثُ هِيَ (لِأَن الدّلَالَة) أَي فهم الْبَعْض الشَّائِع من اللَّفْظ بِغَيْر قرينَة (عِنْد الْإِطْلَاق دَلِيله) أَي الْوَضع، فَإِن التبادر أَمارَة الْحَقِيقَة (وَلِأَن الْأَحْكَام) الْمُتَعَلّقَة بالمطلق إِنَّمَا هِيَ (على الْأَفْرَاد والوضع للاستعمال) الْمَقْصُود مِنْهُ إِثْبَات الْأَحْكَام للمستعمل فِيهِ، فالمستعمل فِيهِ يَنْبَغِي أَن يكون الْمُثبت لَهُ الحكم: وَهُوَ الْفَرد لَا الْحَقِيقَة من حَيْثُ هِيَ (فَكَانَت) الْأَحْكَام المثبتة للأفراد (دَلِيله) أَي دَلِيل وضع الْمُطلق للْبَعْض الشَّائِع لَا للماهية، نعم قد يسْتَعْمل اللَّفْظ فِي الْمَاهِيّة الْمُطلقَة كَمَا فِي القضايا الطبيعية، وَذَلِكَ قَلِيل، وارتكاب التَّجَوُّز فِي الْقَلِيل أَهْون، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والقضايا الطبيعية لَا نِسْبَة لَهَا بمقابلها) من غَايَة قلتهَا وَكَمَال كَثْرَة مقابلها، أَلا ترى أَنَّهَا لَا تسْتَعْمل فِي الْعُلُوم (فاعتبارها) أَي الطبيعية دون المتعارفة (دَلِيل الْوَضع) مفعول ثَان للاعتبار لتَضَمّنه معنى الْجعل (عكس الْمَعْقُول) الَّذِي هُوَ اعْتِبَار المتعارفة دون الطبيعية (و) عكس (الْأُصُول) من رِعَايَة جَانب
стр. 328
الْأَحْكَام والاستعمالات وَغير ذَلِك (فالماهية فِيهَا) أَي فإرادة الْمَاهِيّة فِي القضايا الطبيعية (إِرَادَة) من الْمُتَكَلّم بِإِقَامَة قرينَة (لَا دلَالَة) من اللَّفْظ بِمُوجب الْوَضع (قرينتها) أَي قرينَة تِلْكَ الْإِرَادَة (خُصُوص الْمسند) من حَيْثُ أَنه وصف ثَابت للطبيعة لَا للفرد كَقَوْلِك: الْإِنْسَان نوع (وَنَحْوه) مِمَّا يدل على أَن المُرَاد نفس الطبيعة لَا الْفَرد (فَلَا دَلِيل على وضع اللَّفْظ للماهية من حَيْثُ هِيَ إِلَّا علم الْجِنْس إِن قُلْنَا بِالْفرقِ بَينه وبن اسْم الْجِنْس النكرَة، وَهُوَ) أَي الْفرق بَينهمَا (الْأَوْجه إِذْ اخْتِلَاف أَحْكَام اللَّفْظَيْنِ) اسْم الْجِنْس وَعلم الْجِنْس: كأسد وَأُسَامَة (يُؤذن بفرق فِي الْمَعْنى) بَينهمَا، فَإِن أُسَامَة يمْتَنع من دُخُول لَام التَّعْرِيف وَالْإِضَافَة وَالصرْف ويوصف بالمعرفة إِلَى غير ذَلِك بِخِلَاف أَسد، فَكَذَا قَالُوا علم الْجِنْس مَوْضُوع للْحَقِيقَة المتحدة فِي الذِّهْن الْمشَار إِلَيْهَا من حَيْثُ معلوميتها للمخاطب، وَاسم الْجِنْس للفرد الشَّائِع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يفرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن مَالك، وَهُوَ غير الْأَوْجه (فَلَا) وضع للْحَقِيقَة أصلا (فقد سَاوَى) الْمُطلق (النكرَة مَا لم يدخلهَا عُمُوم، والمعرف لفظا فَقَط) كَمَا فِي (اشْتَرِ اللَّحْم) لِأَن كلا من هَذِه الْمَذْكُورَات يدل على شَائِع فِي جنسه وَلَا قيد مَعَه مُسْتقِلّا، لفظا وَلذَا جَازَ توصيف الْمُعَرّف لفظا بالنكرة وتوصيفه بالمعرفة بِاعْتِبَار لَفظه، وَكَذَا جَازَ كَون الْجُمْلَة الخبرية حَالا مِنْهُ نظرا إِلَى اللَّفْظ، وَصفَة لَهُ نظرا إِلَى الْمَعْنى، وَالْمرَاد بمساواته لَهما أَن كل مَا صدق عَلَيْهِ أَحدهمَا يصدق عَلَيْهِ الآخر (فَبين الْمُطلق والنكرة عُمُوم من وَجه) لصدقهما فِي نَحْو: تَحْرِير رَقَبَة، وانفراد النكرَة عَنهُ إِذا كَانَت عَامَّة كَمَا إِذا وَقعت فِي سِيَاق النَّفْي، وانفراد الْمُطلق عَنْهَا فِي نَحْو: اشْتَرِ اللَّحْم (وَدخل الْجمع الْمُنكر) فِي الْمُطلق لصدق تَعْرِيفه عَلَيْهِ (وَمن خَالف الدَّلِيل) الدَّال على كَون اسْم الْجِنْس للفرد الشَّائِع: كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ، والبيضاوي، والسبكي (فَجعل النكرَة للماهية) فَلَزِمَ الْفرق بَينهَا وَبَين علم الْجِنْس (أَخذ فِي) مُسَمّى (علم الْجِنْس حُضُورهَا الذهْنِي فَكَانَ جُزْء مُسَمَّاهُ) أَي علم الْجِنْس (وَمُقْتَضَاهُ) أَي هَذَا الْأَخْذ (أَن الحكم على أُسَامَة يَقع على مَا صدق عَلَيْهِ) أُسَامَة (من أَسد) بَيَان للموصول، وَالْمرَاد بِهِ الْمَاهِيّة بِنَاء على مذْهبه (وَحُضُور ذهني) أَن جعل الْحُضُور جُزْءا من الْمَوْضُوع لَهُ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من كَلَامهم، وَلذَا قَالَ فَكَانَ جُزْء أمسماه أولى (أَو) على مَا صدق عَلَيْهِ من أَسد (مُقَيّدا بِهِ) أَي بالحضور الذهْنِي أَن جعل قيدا خَارِجا عَن الْمَوْضُوع لَهُ، فَكَانَ التَّقْيِيد دَاخِلا فِيهِ (وَهُوَ) أَي كَون الحكم على أحد الْوَجْهَيْنِ (مُنْتَفٍ) فَإِن الْمُثبت لَهُ الحكم فِي نفس الْأَمر: إِنَّمَا هُوَ ذَات الْأسد لَا مَعَ وصف الْحُضُور، وَاعْتِبَار الْعقل على طبق مَا فِي نفس الْأَمر، والوجدان يُؤَيّدهُ (وَلَو سلم)
стр. 329
عدم الانتفاء (فقد اسْتَقل مَا تقدم) من تبادر الْبَعْض الشَّائِع من الْإِطْلَاق (بنفيه) أَي بِنَفْي وضع الْمُطلق للماهية من حَيْثُ هِيَ (فَالْحق الأول) وَهُوَ أَن لَا وضع للْحَقِيقَة إِلَّا علم الْجِنْس إِن قُلْنَا إِلَى آخِره (وَكَذَا) خَالف الدَّلِيل (من جعلهَا) أَي النكرَة (قسيم الْمُطلق فَهِيَ) أَي النكرَة (للفرد) الشَّائِع (وَهُوَ) أَي الْمُطلق (للماهية) من حَيْثُ هِيَ كَمَا ذكر فِي التَّحْقِيق عَن بَعضهم فَإِنَّهُ (مَعَ كَونه) أَي وضع الْمُطلق لَهَا (بِلَا مُوجب يَنْفِيه اتِّفَاقهم على أَن رَقَبَة) فِي تَحْرِير رَقَبَة (من مثله) أَي الْمُطلق (وَلَا ريب) فِي (أَنه) أَي لفظ رَقَبَة (نكرَة والمقيد مَا) أَي لفظ دلّ على بعض شَائِع (مَعَه) أَي مَعَ قيد ملفوظ مُسْتَقل كرقبة مُؤمنَة، والرقبة المؤمنة (فالمعارف بِلَا قيد) مَعهَا مُسْتَقل لفظا (ثَالِث) أَي لَا مُطلق وَلَا مُقَيّد (وَقد يتْرك) فيهمَا الْقَيْد فِي تعريفهما، فَيُقَال مَا دلّ على بعض شَائِع، مَا دلّ لَا على شَائِع (فَتدخل) فِيهِ المعارف بِلَا قيد (فِي الْمُقَيد، وَلَيْسَ) دُخُولهَا فِيهِ (بِمَشْهُور): كَذَا ذكره التَّفْتَازَانِيّ.
مسئلة
(إِذا اخْتلف حكم مُطلق ومقيده) كأطعم فَقِيرا، واكس فَقِيرا عَارِيا (لم يحمل) الْمُطلق على الْمُقَيد (إِلَّا ضَرُورَة) كَأَن يمْتَنع الْعَمَل بالمطلق مَعَ الْعَمَل بالمقيد بِدُونِ الْحمل الْمَذْكُور (كأعتق رَقَبَة، وَلَا تملك إِلَّا رَقَبَة مُؤمنَة) فَإِن النَّهْي عَن تملك مَا عدا المؤمنة مَعَ الْأَمر بِعِتْق الرَّقَبَة يُوجب تَقْيِيد الْمُعتقَة بالمؤمنة ضرور أَن الْعتْق فرع التَّمَلُّك وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّارِح بِأَن النَّهْي عَن التَّمَلُّك لَا يَقْتَضِي امْتنَاع تحقق عتق غير المؤمنة لجَوَاز تحقق ملكهَا قبل النَّهْي، وَإِنَّمَا يمْنَع حُدُوث ملك الْكَافِرَة بعد النَّهْي، ولجواز أَن يتَمَلَّك بِالْإِرْثِ فَإِن الْمنْهِي عَنهُ الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ وَلَا اخْتِيَار فِي الْإِرْث انْتهى.
وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ يُمكن أَن يفْرض الْخطاب فِي حق شخص لم يملك رَقَبَة أصلا أَو غير المؤمنة والآمر عَالم بِهِ، فَأمره بِعِتْق الرَّقَبَة وَنَهْيه عَن تملك الْكَافِرَة دَلِيل على أَنه يطْلب مِنْهُ إِعْتَاق المؤمنة، ويفرض أَيْضا أَنه يُرِيد الِامْتِثَال مِنْهُ على الْفَوْر، وَلَيْسَ هُنَاكَ احْتِمَال حُدُوث الْملك بِالْإِرْثِ فَلَا إِشْكَال فِي التَّمْثِيل (أَو اتحدا) حكم الْمُطلق وَحكم مقيده حَال كَونهمَا (منفيين) كلاتعتق رَقَبَة كَافِرَة (فَمن بَاب آخر) أَي من بَاب إِفْرَاد فَرد من الْعَام بِحكم الْعَام، وَتقدم أَنه لَيْسَ بتخصيص للعام على الْمُخْتَار، لَا من بَاب وَالْمُطلق على الْمُقَيد (أَو) حَال كَونهمَا (مثبتين متحدي السَّبَب وردا مَعًا حمل الْمُطلق عَلَيْهِ) أَي الْمُقَيد حَال كَون الْمُقَيد (بَيَانا) للمطلق (ضَرُورَة
стр. 330
أَن السَّبَب الْوَاحِد لَا يُوجب المتنافيين فِي وَقت وَاحِد) فَإِنَّهُ لَو حمل الْمُطلق على إِطْلَاقه كَانَ لَازمه الْخُرُوج عَن الْعهْدَة بِدُونِ الْقَيْد وَمُقْتَضى الْمُقَيد أَن الْقَيْد مَطْلُوب أَيْضا فَيلْزم اقْتِضَاء السَّبَب الْوَاحِد مطلوبية الْقَيْد، وَعدم مطلوبيته فِي وَقت وَاحِد (كَصَوْم) كَفَّارَة (الْيَمين على التَّقْدِير) أَي تَقْدِير وُرُود الْمُطلق، وَهُوَ قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود: فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات فِيهَا مَعًا، وَمن ثمَّ قَالَ أَصْحَابنَا بِوُجُوب التَّتَابُع فِيهِ (أَو جهل) ورودهما مَعًا (فَالْأَوْجه عِنْدِي كَذَلِك) أَي حمل الْمُطلق على الْمُقَيد (حملا) لَهما (على الْمَعِيَّة تَقْدِيمًا للْبَيَان على النّسخ عِنْد التَّرَدُّد) بَينهمَا، إِذْ لم يحمل على الْمَعِيَّة: إِمَّا لكَون الْمُطلق مقدما فَينْسَخ الْمُقَيد إِطْلَاقه، أَو بِالْعَكْسِ: فَينْسَخ الْمُطلق تَقْيِيد الْمُقَيد، وَإِنَّمَا يحمل على الْمَعِيَّة (للأغلبية) إِذْ الْبَيَان أَكثر وقوعا من النّسخ فَهُوَ أغلب (مَعَ أَن قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي التَّعَارُض) من أَن الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين إِذا لم يعلم تاريخهما يجمع بَينهمَا (يؤنسه) أَي يُؤَيّد مَا عِنْدِي ويجعله مأنوسا (وَإِلَّا أَي وَإِن لم يجهل، بل علم تَأَخّر أَحدهمَا عَن الآخر فَإِن كَانَ الْمُطلق فَسَيَأْتِي
وَإِن كَانَ الْمُقَيد (فالمقيد الْمُتَأَخر نَاسخ عِنْد الْحَنَفِيَّة: أَي أُرِيد الْإِطْلَاق) أَي أَرَادَهُ أَولا وَجعله مَشْرُوعا (ثمَّ رفع) أَي الْإِطْلَاق (بالقيد، فَلِذَا) أَي فلكون الْمُقَيد الْمُتَأَخر نَاسِخا عِنْدهم (لم يُقيد خبر الْوَاحِد عِنْدهم الْمُتَوَاتر، وَهُوَ) أَي تَقْيِيد الْخَبَر الْوَاحِد الْمُتَوَاتر هُوَ (الْمُسَمّى بِالزِّيَادَةِ على النَّص) عِنْدهم: لِأَنَّهُ ظَنِّي، والمتواتر قَطْعِيّ، وَلَا يجوز نسخ الْقطعِي بالظني (وَهُوَ) أَي كَون الْمُقَيد الْمُتَأَخر نَاسِخا لَهُ (الْأَوْجه، وَالشَّافِعِيَّة) قَالُوا: وُرُود الْمُقَيد بعد الْمُطلق (تَخْصِيص) للمطلق (أَي بَين الْمُقَيد أَنه) هُوَ (المُرَاد بالمطلق، وَهُوَ) أَي الْبَيَان الْمَذْكُور (معنى حمل الْمُطلق على الْمُقَيد، وَقَوْلهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة (أَنه) حمل الْمُطلق على الْمُقَيد (جمع بَين الدَّلِيلَيْنِ) الْمُطلق والمقيد (مغالطة قَوْلهم) أَي الشَّافِعِيَّة فِي بَيَان وَجه الْجمع (لِأَن الْعَمَل بالمقيد عمل بِهِ) أَي بالمطلق من غير عكس (قُلْنَا) لَا نسلم أَنه عمل بالمطلق مُطلقًا (بل بالمطلق الْكَائِن فِي ضمن الْمُقَيد من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك) أَي فِي ضمن الْمُقَيد (وَهُوَ) أَي الْمُطلق من حَيْثُ هُوَ فِي ضمن الْمُقَيد (الْمُقَيد فَقَط، وَلَيْسَ الْعَمَل بالمطلق كَذَلِك) أَي الْعَمَل بِهِ فِي ضمن الْمُقَيد فَقَط (بل) الْعَمَل بِهِ (أَن يُجزئ كل مَا صدق عَلَيْهِ) الْمُطلق (من المقيدات) بَيَان لما، يَعْنِي أَن يحمل على إِطْلَاقه بِحَيْثُ أمكن للمكلف أَن يَأْتِي بِمَا شَاءَ من أَفْرَاده سَوَاء كَانَ ذَلِك الْمُقَيد الْمَنْصُوص أَو غَيره، فَيكون كل فَرد من أَفْرَاد الْمُطلق مجزئا عَمَّا هُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِ فَيُجزئ تَحْرِير كل من المؤمنة والكافرة عَن الْكَفَّارَة (ومنشأ المغلطة أَن الْمُطلق باصطلاح) وَهُوَ اصْطِلَاح المنطقيين (الْمَاهِيّة لَا بِشَرْط شَيْء) يَعْنِي نفس الطبيعة من
стр. 331
غير أَن يعْتَبر مَعهَا غَيرهَا سَوَاء كَانَ ذَلِك الْغَيْر وجود أَمر خَارج عَنْهَا أَو عَدمه وَلَا شكّ أَن مَاهِيَّة الْمُطلق بِهَذَا الْمَعْنى متحققة فِي الْمُقَيد، فَالْعَمَل بالمقيد عمل بِهِ فِي الْجُمْلَة (لَكِن) لَيْسَ المُرَاد بِالْعَمَلِ (هُنَا) الْعَمَل بِهِ بِهَذَا الْمَعْنى، بل المُرَاد هُنَا الْعَمَل بِهِ (بِشَرْط الْإِطْلَاق) يَعْنِي بِهِ تَعْمِيم جَوَاز الْعَمَل بِهِ على وَجه يعم جَمِيع أَفْرَاده، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُتَنَازع فِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّة أَيْضا (وَلِأَن فِيهِ) أَي فِي حمله على الْمُقَيد (احْتِيَاطًا لِأَنَّهُ قد يكون) أَي يحْتَمل أَن يكون الْمُكَلف (مُكَلّفا بالمقيد) فِي لأمر بالمطلق، بِأَن يكون هُوَ المُرَاد مِنْهُ (وَاعْتِبَار الْمُطلق) أَي اعْتِبَار الشَّارِع إِيَّاه (لَا يتَيَقَّن مَعَه) أَي مَعَ احْتِمَال التَّكْلِيف بِهِ (بِفِعْلِهِ) أَي بِالْعَمَلِ بالمطلق فِي ضمن غير: يَعْنِي أَن الْمُكَلف إِذا أَتَى بالمطلق فِي ضمن غير الْمُقَيد لَا يجْزم بِأَن الشَّارِع يعتبره بِنَاء على وجود ذَلِك الِاحْتِمَال (قُلْنَا قضينا عهدته) أَي عُهْدَة الِاحْتِيَاط وعهدة التَّكْلِيف بالمقيد (بِإِيجَاب الْمُقَيد، وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي أَنه) أَي إِيجَاب الْمُقَيد هَل هُوَ (حمل) هُوَ (بَيَان) أَي مُوجب هَذَا الْإِيجَاب حمل الْمُطلق على الْمُقَيد بِجعْل الْمُقَيد بَيَانا للمطلق كَمَا فِي قَوْلهم (أَو نسخ) كَمَا هُوَ قَول أَصْحَابنَا (فالمقيد) للشَّافِعِيَّة (فِي مَحل النزاع إِثْبَات أَنه بَيَان، وَلَهُم) أَي الشَّافِعِيَّة (فِيهِ) أَي فِي إِثْبَات (أَنه) بَيَان أَنه: أَي الْبَيَان (أسهل من النّسخ) لِأَن الدّفع أسهل من الرّفْع (فَوَجَبَ الْحمل عَلَيْهِ) أَي الْبَيَان أسهل من النّسخ (قُلْنَا) اعْتِبَار الأسهل (إِذْ لَا مَانع) من الْحمل عَلَيْهِ (وَحَيْثُ كَانَ الْإِطْلَاق مِمَّا يُرَاد) شرعا (قطعا وَثَبت) الْإِطْلَاق (غير مقرون بِمَا يَنْفِيه وَجب اعْتِبَاره) أَي الْإِطْلَاق (كَذَلِك) أَي على صرافته (على نَحْو مَا قدمْنَاهُ فِي تَخْصِيص الْمُتَأَخر، وَمَا قيل) كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب من أَنه (لَو لم يكن الْمُقَيد الْمُتَأَخر بَيَانا لَكَانَ كل تَخْصِيص نسخا) للعام بِجَامِع أَن كلا مِنْهُمَا مخرج لبعضه من الحكم (مَمْنُوع الْمُلَازمَة، بل اللَّازِم كَون كل) لفظ مُسْتَقل مخرج لبَعض مَا يتَنَاوَلهُ الْعَام (مُتَأَخّر) عَن الْعَام (نَاسِخا) لمحكمه فِي ذَلِك الْبَعْض (لَا تَخْصِيصًا، وَبِه نقُول، على أَن فِي عِبَارَته) أَي الْقَائِل الْمَذْكُور (مناقشة) تظهر (بِقَلِيل تَأمل) إِذْ لَا يتَصَوَّر أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد نسخا وتخصيصا مَعًا: غير أَن الْمَقْصُود ظَاهر: يَعْنِي كل مَا هُوَ تَخْصِيص فِي نفس الْأَمر يلْزم أَن يكون نسخا على ذَلِك التَّقْدِير لَا تَخْصِيصًا (ثمَّ أُجِيب) عَن هَذَا (فِي أصولهم) أَي الشَّافِعِيَّة كَمَا فِي شرح العضدي (بِأَن فِي التَّقْيِيد حكما شَرْعِيًّا لم يكن ثَابتا قبل): أَي قبل التَّقْيِيد كوجوب الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة: أَي لَا بُد فِي النّسخ من كَون الْمُتَأَخر حكما شَرْعِيًّا، وَهَذَا يتَحَقَّق فِي التَّقْيِيد دون التَّخْصِيص، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بِخِلَاف التَّخْصِيص، فَإِنَّهُ دفع لبَعض حكم الأول) فَقَط لَا إِثْبَات لحكم آخر (وينبو) أَي يبعد هَذَا الْجَواب (عَن الْفَرِيقَيْنِ) الشَّافِعِيَّة، وَالْحَنَفِيَّة لاستلزامه عدم ثُبُوت الحكم
стр. 332
الشَّرْعِيّ فِي شَيْء من التقيدات قبل وُرُود الْمُقَيد، وَلم يقل بِهِ أحد مِنْهُمَا، أما الشَّافِعِيَّة فَإِنَّهُم يجْعَلُونَ التَّقْيِيد بَيَانا فِي جَمِيع صور النزاع والاتفاق وَيلْزمهُ ثُبُوت الحكم قبل وَإِن كَانَ ظُهُوره بعد، وَأما الْحَنَفِيَّة فقد وافقوا الْخصم فِي صُورَة الِاتِّفَاق، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِن الْمُطلق مُرَاد بِحكم الْمُقَيد إِذا وَجب الْحمل) للمطلق على الْمُقَيد (اتِّفَاقًا) لِأَن الْبَيَان يقْصد بِهِ حكم الْمُبين، وَقد يُقَال مُرَاد الْمُجيب بالتقييد مَحل النزاع، فَمحل الْوِفَاق خَارج المبحث فَلَا ينبو عَن الْحَنَفِيَّة، وَالْجَوَاب رد على الشَّافِعِيَّة فَلَا يضر النبو عَنْهُم فَتَأمل (وإلزامهم) أَي الشَّافِعِيَّة للحنفية (كَون الْمُطلق الْمُتَأَخر نسخا) للمقيد على تَقْدِير كَون الْمُتَأَخر نَاسِخا للمطلق، لِأَن التَّقْيِيد اللَّاحِق كَمَا يُنَافِي الْإِطْلَاق السَّابِق وَيَرْفَعهُ كَذَلِك الْعَكْس، وَأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ (لَا أعلم فِيهِ تَصْرِيحًا من الْحَنَفِيَّة، وَعرف) من قواعدهم (ايجابهم وصل بَيَان المُرَاد بالمطلق) صلَة المُرَاد، وصلَة الْوَصْل محذوفة، وَيصِح الْعَكْس، وَهَذَا إِذا لم يكن الْإِطْلَاق مرَادا (كَقَوْلِهِم فِي تَخْصِيص الْعَام) يجب وصل الْمُخَصّص بِهِ إِذا لم يرد الْعُمُوم بِهِ (بذلك الْوَجْه) الْمُتَقَدّم بَيَانه فَليرْجع إِلَيْهِ (وَيَجِيء فِيهِ) أَي فِي تَأْخِير الْمُقَيد (مَا قدمْنَاهُ من وجوب إرادتهم مثل قَول أبي الْحُسَيْن من) وصل الْبَيَان (الإجمالي كَهَذا الْإِطْلَاق مُقَيّد وَيصير) الْمُطلق حِينَئِذٍ (مُجملا أَو التفصيلي، وَلنَا أَن نلتزمه) عِنْدهم أَي كَون الْمُطلق الْمُتَأَخر نَاسِخا الْمُقَيد (على قِيَاس نسخ الْعَام الْمُتَأَخر الْخَاص الْمُتَقَدّم) على الْمُقَيد (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (وَمعنى النّسخ فِيهِ) أَي فِي نسخ الْمُطلق الْمُتَأَخر الْمُقَيد (نسخ الْقصر على الْمُقَيد، أَو مختلفي السَّبَب كإطلاق الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار) حَيْثُ قَالَ تَعَالَى - ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ - (وتقييدها فِي) كَفَّارَة (الْقَتْل) حَيْثُ قَالَ تَعَالَى - ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ - (فَعَن الشَّافِعِي يحمل) الْمُطلق على الْمُقَيد فَيجب كَونهَا مُؤمنَة فِي الظِّهَار كَمَا فِي الْقَتْل (فَأكْثر أَصْحَابه) أَي الشَّافِعِي يَقُولُونَ (يَعْنِي) الشَّافِعِي حمل مَا ورد فِيهِ الْمُطلق بِمَا ورد فِيهِ الْمُقَيد قِيَاسا (بِجَامِع) بَينهمَا وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدهم وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَهُوَ فِي هَذَا حُرْمَة سببهما: وَهُوَ الظِّهَار وَالْقَتْل (وَالْحَنَفِيَّة يمنعونه) أَي وجود جَامع يصلح مبْنى لقياس صَحِيح (لانْتِفَاء شَرط الْقيَاس عدم مُعَارضَة مُقْتَضى نَص) عطف بَيَان لشرط الْقيَاس، وَذَلِكَ لِأَن الْمُطلق نَص يدل على إِجْزَاء الْمُقَيد وَغَيره، وَالْقِيَاس يَقْتَضِي عدم إِجْزَاء الْغَيْر (وَبَعْضهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة نقل عَن الشَّافِعِي أَنه يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد (مُطلقًا) من غير اشْتِرَاط جَامع بَينهمَا (لوحدة كَلَام الله تَعَالَى فَلَا يخْتَلف) بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيد (بل يُفَسر بعضه بَعْضًا، وَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل (أَضْعَف) من الأول (إِذا نَظرنَا) لاستنباط الْأَحْكَام وَفهم المُرَاد (فِي مقتضيات الْعبارَات) من حَيْثُ الْعَرَبيَّة: وَهِي لَا تخْتَلف بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيد قطعا لَا فِي وحدة الْكَلَام الأزلي الْقَائِم، فَإِن تِلْكَ الْوحدَة بِحَسب ذَات الصّفة: وَهُوَ لَا تنَافِي الِاخْتِلَاف بِحَسب
стр. 333
التعلقات كَمَا عرف فِي مَحَله، كَيفَ وَإِلَّا يرْتَفع اخْتِلَاف الْأَحْكَام مُطلقًا (وَلَو كَانَ الِاخْتِلَاف بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيد فِي سَبَب الحكم الْوَاحِد كأدوا عَن كل حر وَعبد) عَن عبد الله بن ثَعْلَبَة قَالَ: خطب رَسُول الله [ ﷺ ] النَّاس قبل الْفطر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ فَقَالَ: أَدّوا صَاعا من بر أَو قَمح بَين اثْنَيْنِ أَو صَاعا من تمر، أَو شعير عَن كل حر وَعبد صَغِير أَو كَبِير، وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيد لسَبَب وجوب صَدَقَة الْفطر: وَهُوَ الْمخْرج عَنهُ بِقَيْد الْإِسْلَام (مَعَ رِوَايَة من الْمُسلمين) على مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر بِلَفْظ أَن رَسُول الله ﷺ فرض زَكَاة الْفطر فِي رَمَضَان على النَّاس صَاعا من تمر، أَو صَاعا من شعير عَن كل حر وَعبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين (فَلَا حمل) للمطلق على الْمُقَيد فِي هَذَا عِنْد الْحَنَفِيَّة (خلافًا للشَّافِعِيّ) ﵀ (لما تقدم) من أَن الْحمل عِنْد الْحَنَفِيَّة لأحد أَمريْن: إِمَّا الضَّرُورَة أَو اتِّحَاد السَّبَب مَعَ اتِّحَاد الحكم، وَعند الشَّافِعِيَّة بالجامع أَو وحدة الْكَلَام وَتَفْسِير بعضه الْبَعْض (وَالِاحْتِيَاط الْمُتَقَدّم لَهُم) أَي الشَّافِعِيَّة فِي الْعَمَل بالمقيد (يَنْقَلِب عَلَيْهِم) فِي حملهمْ الْمُطلق فِي هَذَا على الْمُقَيد (إِذْ هُوَ) أَي الِاحْتِيَاط (فِي جعل كل) من الْمُطلق والمقيد من السَّبَب لِأَنَّهُ أَن جعل الْمُقَيد (سَببا) دون الْمُطلق على إِطْلَاقه يفوت الْعَمَل بِحكم الله على احْتِمَال اعْتِبَار الشَّارِع سَببه الْمُطلق لوُجُوب الصَّدَقَة فِي غير صُورَة الْمُقَيد أَيْضا، وَقد يكون لشَيْء وَاحِد أَسبَاب مُتعَدِّدَة، ثمَّ بَقِي شَيْء للشَّافِعِيَّة: وَهُوَ مَا إِذا أطلق الحكم فِي مَوضِع وَقيد فِي موضِعين بقيدين متضادين، قَالُوا من قَالَ بِالْحملِ مُطلقًا قَالَ بِبَقَاء الْمُطلق على إِطْلَاقه، إِذْ لَيْسَ التَّقْيِيد بِأَحَدِهِمَا بِأولى من الآخر، وَمن قَالَ بِالْحملِ قِيَاسا على مَا كَانَ الْحمل عَلَيْهِ أولى، فَإِن لم يكن قِيَاس رَجَعَ إِلَى الأَصْل الْإِطْلَاق.
مَبْحَث الْأَمر
(وَأما الْأَمر فلفظه) أَي أَمر (حَقِيقَة فِي القَوْل الْمَخْصُوص) أَي صِيغَة افْعَل ونظائرها (اتِّفَاقًا) ثمَّ قيل (مجَاز فِي الْفِعْل) أَي الْفِعْل الَّذِي يعزم عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى - وشاورهم فِي الْأَمر - (وَقيل مُشْتَرك لَفْظِي فيهمَا) أَي مَوْضُوع لكل وَاحِد من القَوْل الْمَخْصُوص، وَالْفِعْل بِوَضْع على حِدة (وَقيل) مُشْتَرك (معنوي) بَينهمَا (وَقيل) مَوْضُوع (للْفِعْل الْأَعَمّ من اللساني) وَغَيره (ورد) هَذَا (بِلُزُوم كَون الْخَبَر وَالنَّهْي أمرا) حِينَئِذٍ، لِأَن كلا مِنْهُمَا فعل اللِّسَان (وَقيل) مَوْضُوع (لأَحَدهمَا الدائر) بَين القَوْل الْخَاص وَالْفِعْل (وَدفع بِلُزُوم كَون اللَّفْظ الْخَاص لَيْسَ أمرا لِأَنَّهُ) أَي اللَّفْظ الْخَاص (لَيْسَ إِيَّاه) أَي الْأَحَد الدائر، بل هُوَ وَاحِد معِين (وَإِنَّمَا يتم) هَذَا الدّفع
стр. 334
بِنَاء (على أَن الْأَعَمّ مجَاز فِي فَرده مَا لم يؤول) فِي الْأَعَمّ بِأَن يُقَال لَيْسَ الْمُسْتَعْمل فِيهِ اللَّفْظ لَا الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ والخصوصية تفهم من الْقَرِينَة، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التَّكَلُّف (وَيدْفَع) كَون الْأَعَمّ مجَازًا إِلَّا بالتأويل (بِأَنَّهُ تَكْلِيف لَازم للوضع) أَي لوضع اسْم الْجِنْس (للماهية) من حَيْثُ هِيَ (فيؤيد) لُزُوم هَذَا التَّكْلِيف (نَفْيه) أَي نفي الْوَضع للماهية (وَقد نفيناه) أَي الْوَضع لَهَا قَرِيبا، وَإِذا كَانَ كَذَلِك (فَمَعْنَى) وضع لفظ الْأَمر (لأَحَدهمَا) وَضعه (لفرد مِنْهُمَا على الْبَدَل) وَهُوَ معنى الْوَضع الْمُفْرد الشَّائِع (وَدفع) كَون الْأَعَمّ مجَازًا فِي فَرده أَيْضا (على تَقْدِيره) أَي تَقْدِير الْوَضع للماهية (بِأَنَّهُ) أَي كَون الْأَعَمّ مجَازًا فِي أَفْرَاده (غلط) نَاشِئ (من ظن كَون الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ) اللَّفْظ فِي تَعْرِيف الْحَقِيقَة اسْتِعْمَاله (فِي الْمُسَمّى دون أَفْرَاده وَلَا يخفى ندرته) أَي ندرة هَذَا الِاسْتِعْمَال، وَيلْزم مِنْهُ ندرة الْحَقَائِق، وَكَون كل الْأَلْفَاظ مجازات بِدُونِ التَّأْوِيل إِلَّا النَّادِر (لنا) على الْمُخْتَار: وَهُوَ لفظ الْأَمر حَقِيقَة فِي القَوْل الْمَخْصُوص مجَاز فِي الْفِعْل أَنه (يسْبق القَوْل الْمَخْصُوص) إِلَى الْفَهم عِنْد إِطْلَاق لفظ الْأَمر على أَنه مُرَاد دون الْفِعْل (فَلَو كَانَ كَذَلِك) أَي لفظ الْأَمر مُشْتَركا لفظيا أَو معنويا بَينهمَا (لم يسْبق معِين) مِنْهُمَا إِلَى الْفَهم الْمُتَبَادر، بل يتَبَادَر كل مِنْهُمَا على طَرِيق الِاحْتِمَال (وَاسْتدلَّ) أَيْضا على الْمُخْتَار (لَو كَانَ) لفظ الْأَمر (حَقِيقَة فيهمَا لزم الِاشْتِرَاك) أَيْضا (فيخل بالفهم) للتردد بَينهمَا (فعورض بِأَن الْمجَاز) أَيْضا (مخل) بالفهم لتجويز الْمُخَاطب كَونه مرَادا بِاللَّفْظِ (وَلَيْسَ بِشَيْء، لِأَن الحكم بِهِ) أَي بالمجاز (بِالْقَرِينَةِ) الظَّاهِرَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تظهر (فبالحقيقة) أَي فَيحكم الْعقل بِالْحَقِيقَةِ فَإِنَّهَا المُرَاد (فَلَا إخلال وَالْأَوْجه أَنه) أَي الِاسْتِدْلَال (لَا يبطل التواطؤ) أَي الِاشْتِرَاك الْمَعْنَوِيّ، لِأَنَّهُ غير مخل بالفهم كَسَائِر أَسمَاء الْأَجْنَاس الْمُشْتَركَة بَين الْأَفْرَاد (فَلَا يلْزم الْمَطْلُوب) وَهُوَ أَن لفظ الْأَمر مجَاز فِي الْفِعْل (فَإِن نظمه) أَي الْمُسْتَدلّ التواطؤ (فِي الِاشْتِرَاك) بِإِرَادَة الْأَعَمّ من اللَّفْظِيّ والمعنوي (قدم) أَي النّظم الْمَذْكُور (الْمجَاز على التواطؤ، وَهُوَ) أَي تَقْدِيم الْمجَاز عَلَيْهِ (مُنْتَفٍ) لمُخَالفَته الأَصْل بِلَا مُوجب، بِخِلَاف تَقْدِيم التواطؤ عَلَيْهِ (قد صرح بِهِ) أَي بالانتفاء الِاشْتِرَاك (اللَّفْظِيّ) دَلِيله أَن لفظ الْأَمر (يُطلق لَهما) أَي القَوْل وَالْفِعْل (وَالْأَصْل) فِي الْإِطْلَاق (الْحَقِيقَة قُلْنَا أَيْن لُزُوم) الِاشْتِرَاك (اللَّفْظِيّ) من هَذَا الدَّلِيل: أَي لَا يسْتَلْزم أَصَالَة الْحَقِيقَة خُصُوص الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ لتحققهما فِي الِاشْتِرَاك (الْمَعْنَوِيّ) أَي الِاشْتِرَاك الْمَعْنَوِيّ، دَلِيله أَنه (يُطلق لَهما) وَالْإِطْلَاق إِمَّا على الْحَقِيقَة، وَهِي إِمَّا بالاشتراك اللَّفْظِيّ أَو الْمَعْنَوِيّ، وَإِمَّا على الْمجَاز (وَهُوَ) أَي الْمَعْنَوِيّ (خير من اللَّفْظِيّ وَالْمجَاز أُجِيب لَو صَحَّ) هَذَا على إِطْلَاقه (ارتفعا) أَي
стр. 335
الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ وَالْمجَاز (لجَرَيَان مثله) أَي مثل هَذَا الِاسْتِدْلَال (فِي كل مَعْنيين للفظ) وَاللَّازِم مُنْتَفٍ (والحل أَن ذَلِك) أَي كَون الْمَعْنَوِيّ خيرا (عِنْد التَّرَدُّد) بَينه وَبَينهمَا (لَا مَعَ دَلِيل أَحدهمَا كَمَا ذكرنَا) من تبادر القَوْل الْمَخْصُوص (وَاسْتدلَّ) على الْمُخْتَار أَيْضا (لَو كَانَ) لفظ الْأَمر (حَقِيقَة فِي الْفِعْل اشتق بِاعْتِبَارِهِ) أَي الْفِعْل، فَيُقَال: أَمر وآمر (مثلا كَأَكْل وآكل) أَي كَمَا اشتق أكل وآكل من الْأكل لما كَانَ مَوْضُوعا للْفِعْل (وَيُجَاب إِن اشتق فَلَا إِشْكَال) يَعْنِي عدم الِاشْتِقَاق لَيْسَ بمجزوم بِهِ، فعلى تَقْدِير وجود الِاشْتِقَاق بطلَان اللَّازِم غير مُسلم (وَإِلَّا) وَإِن لم يشتق، وَهُوَ الظَّاهِر (فكالقارورة) أَي فلمانع من الِاشْتِقَاق كَمَا امْتنع أَن تطلق القارورة على غير الزّجاج مِمَّا يصلح مقرا للمائعات مَعَ أَن الْقيَاس يَقْتَضِي صِحَة إِطْلَاقهَا نظرا إِلَى الْمُنَاسبَة الاشتقاقية، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك (لدليلنا) على أَنه حَقِيقَة فِي الْفِعْل وَاعْترض الشَّارِح عَلَيْهِ بِأَن الْمَانِع من إِطْلَاق القارورة على غير الظّرْف الزّجاج انْتِفَاء الزّجاج الَّذِي الظَّاهِر اشْتِرَاطه فِي إِطْلَاقهَا على الْغَيْر، وَالْمَانِع من إِطْلَاق أَمر وآمر على مَدْلُول أكل وآكل، وَلَا دَلِيل على مخدوش يُفِيد تَقْدِير الْمَانِع فِي هَذَا، وَمن ادَّعَاهُ فَعَلَيهِ الْبَيَان انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه كَلَام على السَّنَد الْأَخَص بِمَنْع الْمُلَازمَة بَين صِحَة الِاشْتِقَاق وتحقيقه، إِذْ يَكْفِي فِيهِ أَن يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون عدم التحقق لمَانع كَمَا أَن الْقيَاس يَقْتَضِي صِحَة إِطْلَاق القارورة المشتقة من الْقَرار لما يقر فِيهِ الْمَائِع على الزجاجي وَغَيره وَلم يتَحَقَّق لمَانع وَإِن كَانَ مُجَرّد عدم الِاسْتِعْمَال، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَانِع قصد الِاخْتِصَاص إِلَى غير ذَلِك، وَانْتِفَاء الزّجاج لَا دخل لَهُ فِي الْمَقْصُود، إِذْ لَيْسَ هُوَ مُعْتَبرا فِي مبدأ الِاشْتِقَاق. (و) اسْتدلَّ أَيْضا للمختار (بِلُزُوم اتِّحَاد الْجمع) أَي جمع أَمر بِمَعْنى القَوْل الْمَخْصُوص، وَالْفِعْل لَو كَانَ حَقِيقَة فيهمَا (وَهُوَ) أَي اتِّحَاد الْجمع (مُنْتَفٍ، لِأَنَّهُ) أَي الْجمع (فِي الْفِعْل أُمُور، و) فِي (القَوْل أوَامِر) قيل عَلَيْهِ أَن كَون أوَامِر جمع أَمر مَمْنُوع، لِأَن فعلا لَا يجمع على فواعل، بل هِيَ جمع آمرة كضوارب جمع ضاربة، وَهَذَا بحث لَا يضرّهُ، لِأَن الِاخْتِلَاف ثَابت على حَاله، لِأَن كَونه حَقِيقَة فيهمَا يَسْتَدْعِي وجود جمع وَاحِد مُسْتَعْمل فيهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك (وَيُجَاب بِجَوَاز اخْتِلَاف جمع لفظ وَاحِد بِاعْتِبَار معنيية) وللشارح هَهُنَا مَا يقْضِي مِنْهُ الْعجب حَيْثُ فسر معنييه بالحقيقي والمجازي وَمثل بِالْأَيْدِي والأيادي بِاعْتِبَار الْجَارِحَة وَالنعْمَة، وَالْمَقْصُود فِي الْجَواب تَجْوِيز الِاخْتِلَاف بِاعْتِبَار الْمَعْنيين الحقيقيين، فَإِن الِاخْتِلَاف بِاعْتِبَار الْحَقِيقِيّ والمجازي هُوَ مطلب الْمُسْتَدلّ، وَهَذَا الْجَواب رد عَلَيْهِ من قبل الْقَائِل بالاشتراك اللَّفْظِيّ (و) اسْتدلَّ أَيْضا للمختار (بِلُزُوم إنصاف من قَامَ بِهِ فعل بِكَوْنِهِ) أَي من قَامَ بِهِ ذَلِك الْفِعْل (مُطَاعًا) إِذا لم يُخَالف (أَو مُخَالفا) إِذا خُولِفَ كَمَا فِي قَول الْقَائِل
стр. 336
بِأَن الْأَمر بقوله افْعَل يُوصف بهما، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ (وَيُجَاب بِأَنَّهُ) أَي اللُّزُوم الْمَذْكُور إِنَّمَا يثبت (لَو كَانَ) الاتصاف بالكون مُطَاعًا أَو مُخَالفا (لَازِما عَاما) لِلْأَمْرِ بِاعْتِبَار كل مَا يُطلق عَلَيْهِ حَقِيقَة (لكنه) لَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا هُوَ (لَازم أحد المفهومين) وَهُوَ القَوْل الْمَخْصُوص لَا غير (و) اسْتدلَّ للمختار أَيْضا (بِصِحَّة نَفْيه) أَي الْأَمر عَن (الْفِعْل) فَيُقَال أَن الْفِعْل لَيْسَ بِأَمْر وأفراد الْحَقِيقَة لَا يَصح نفي الْحَقِيقَة عَنْهَا (وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (مصادرة) على الْمَطْلُوب، إِذْ صِحَة نفي مَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْأَمر حَقِيقَة عَن الْفِعْل فرع تَسْلِيم أَن الْفِعْل لَيْسَ أحد معنييه، وَهَذَا عين الْمُتَنَازع فِيهِ، ومنشأ الْغَلَط صِحَة نفي الْأَمر بِمَعْنى القَوْل الْمَخْصُوص عَن الْفِعْل (وحد) الْأَمر (النَّفْسِيّ) هُوَ نوع تعلق من أَنْوَاع تعلق الْكَلَام النَّفْسِيّ بِأَنَّهُ (اقْتِضَاء فعل غير كف على جِهَة الاستعلاء) وَهَذَا الْحَد لِابْنِ الْحَاجِب، فالاقتضاء جنس يَشْمَل الْأَمر وَالنَّهْي والالتماس وَالدُّعَاء، وَغير كف يخرج النَّهْي، وعَلى جِهَة الاستعلاء بِمَعْنى طلب الْعُلُوّ وعد نَفسه عَالِيا على الْمَطْلُوب مِنْهُ يخرج الالتماس لِأَنَّهُ على سَبِيل التَّسَاوِي، وَالدُّعَاء لِأَنَّهُ على سَبِيل التسفل (وسيتحقق فِي) مبَاحث (الحكم أَنه) أَي الْأَمر النَّفْسِيّ (معنى الْإِيجَاب فَيفْسد طرده بالندب النَّفْسِيّ) وَهُوَ لَيْسَ بِإِيجَاب (فَيجب زِيَادَة حتما) فِي التَّعْرِيف لإخراجه، وَكَون الْأَمر النَّفْسِيّ الْإِيجَاب بِنَاء على كَون الْأَمر حَقِيقَة فِي الْوُجُوب دون غَيره (وَأورد اكفف) وَنَحْوه كانته وذروا ترك (على عَكسه) فَإِنَّهَا أوَامِر، وَلَا يصدق عَلَيْهَا الْحَد لعدم اقْتِضَاء الْفِعْل غير الْكَفّ فِيهَا (وَلَا تتْرك) وَلَا تَنْتَهِ إِلَى آخِره (على طرده) فَإِنَّهَا نواهي وَيصدق عَلَيْهَا الْحَد (وَأجِيب بِأَن الْمَحْدُود النَّفْسِيّ، فيلتزم أَن معنى لَا تتْرك مِنْهُ) أَي من الْأَمر النَّفْسِيّ (واكفف وذروا البيع نهي) فاطرد وانعكس (وَإِذا كَانَ معنى أطلب فعل كَذَا الْحَال) خبر كَانَ: أَي الِاسْتِقْبَال (دخل) فِي الْأَمر النَّفْسِيّ لصدقه وَإِن كَانَ خَبرا صِيغَة لِأَنَّهُ اقْتِضَاء فعل غير كف (وَإِنَّمَا يمْتَنع) دُخُوله (فِي الصيغي) لِأَن الْمُعْتَبر فِيهِ القَوْل الْمَخْصُوص صِيغَة افْعَل وَنَحْوه (فَلَا يحْتَاج) إِلَى (أَن) المُرَاد من الْكَفّ فِي التَّعْرِيف (الْكَفّ عَن مَأْخَذ الِاشْتِقَاق) لِأَن الِاحْتِيَاج إِلَى أَفعَال (٧) اكفف فرع كَونه دَاخِلا عَن الْمُعَرّف (والأليق بالأصول تَعْرِيف الصيغي، لِأَنَّهُ بَحثه) أَي علم الْأُصُول (عَن) الْأَدِلَّة (السمعية) وَهِي الْأَلْفَاظ من حَيْثُ يُوصل الْعلم بأحوالها من عُمُوم وخصوص وَغَيرهمَا إِلَى قدرَة إِثْبَات الْأَحْكَام (وَهُوَ) أَي الْأَمر الصيغي (اصْطِلَاحا) لأهل الْعَرَبيَّة (صيغته الْمَعْلُومَة) سَوَاء كَانَت على سَبِيل الاستعلاء أَو لَا (ولغة هِيَ) أَي صيغته الْمَعْلُومَة مستعملة (فِي الطّلب الْجَازِم أَو اسْمهَا) أَي اسْم تِلْكَ الصِّيغَة كصيغة نزال (مَعَ الاستعلاء) وَهَذَا الَّذِي ذكره إِنَّمَا هُوَ لفظ الْأَمر: أَعنِي أَمر
стр. 337
(بِخِلَاف فعل الْأَمر) نَحْو: اضْرِب فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِيهِ مَا ذكر (فَيصدق) هُوَ أَي الْأَمر بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ (مَعَ الْعُلُوّ وَعَدَمه، وَعَلِيهِ) أَي على عدم اشْتِرَاط الْعُلُوّ، وَهُوَ كَون الطَّالِب أَعلَى مرتبَة من الْمَطْلُوب مِنْهُ (الْأَكْثَر) أَي أَكثر الْأُصُولِيِّينَ (وأهدرهما) أَي الاستعلاء والعلو (الْأَشْعَرِيّ) وَبِه قَالَ أَكثر الشَّافِعِيَّة (وَاعْتبر الْمُعْتَزلَة الْعُلُوّ) أَي اشترطوه إِلَّا أَبَا الْحسن مِنْهُم، وَوَافَقَهُمْ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَابْن الصّباغ، والسمعاني من الشَّافِعِيَّة (وَلَا أَمر عِنْدهم) أَي الْمُعْتَزلَة (إِلَّا الصِّيغَة) لإنكارهم الْكَلَام النَّفْسِيّ (وَرجح نفي الْأَشْعَرِيّ الْعُلُوّ بذمهم) أَي الْعُقَلَاء (الْأَدْنَى بِأَمْر الْأَعْلَى) إِذْ لَو كَانَ الْعُلُوّ شرطا لما تحقق الْأَمر من الْأَدْنَى فلازم (و) رجح أَيْضا نَفْيه (الاستعلاء بقوله تَعَالَى عَن فِرْعَوْن) مُخَاطبا لِقَوْمِهِ (فَمَاذَا تأمرون) فَإِنَّهُ أطلق على قَوْلهم الْمُقْتَضى لَهُ فعلا غير كف، وَلم يكن لَهُم استعلاء عَلَيْهِ، بل كَانُوا يعبدونه (وَمِنْهُم من جعله) أَي مَاذَا تأمرون متمسكا بِهِ (لنفي الْعُلُوّ) وَهُوَ ظَاهر (وَالْحق اعْتِبَار الاستعلاء) كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَصحح فِي الْمَحْصُول (وَنفى) اشْتِرَاط (الْعُلُوّ لذمهم الْأَدْنَى بِأَمْر الْأَعْلَى). وَقد مر آنِفا (وَالْآيَة) مَاذَا تأمرون (وَقَوله) أَي عَمْرو ابْن الْعَاصِ لمعاوية:
(أَمرتك أمرا جَازِمًا فعصيتني ... وَكَانَ من التَّوْفِيق قتل ابْن هَاشم)
لما خرج هَذَا من الْعرَاق على مُعَاوِيَة مرّة بعد مرّة، وَقد أمْسكهُ فِيهَا، وَأَشَارَ عَلَيْهِ عَمْرو بقتْله فخالفه وَأطلق لحلمه، أَي حضين بن الْمُنْذر يُخَاطب يزِيد بن الْمُهلب أَمِير خُرَاسَان وَالْعراق إِلَّا أَن تَمَامه فِي هَذَا:
(فَأَصْبَحت مسلوب الْإِمَارَة نَادِما ...)
(مجَاز عَن تشيرون وأشرت للْقطع بِأَن الصِّيغَة فِي التضرع، والتساوي لَا تسمى أمرا) وَفِي الْكَشَّاف: تأمرون من المؤامرة، وَهِي الْمُشَاورَة، أَو من الْأَمر الَّذِي هُوَ ضد النَّهْي: جعل العبيد آمرين وربهم مَأْمُورا لما استولى عَلَيْهِ فِي فرط الدهش والحيرة. وَقَالَ (القَاضِي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ) وَالْغَزالِيّ (القَوْل الْمُقْتَضى) بِنَفسِهِ (طَاعَة الْمَأْمُور بِفعل الْمَأْمُور بِهِ) فَالْقَوْل جنس والمقتضى احْتِرَاز عَمَّا عدا الْأَمر من أَقسَام الْكَلَام، وبنفسه لقطع وهم حمل الْأَمر على الْعبارَة، وَأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي بِنَفسِهَا، بل بمعناها، وَالطَّاعَة احْتِرَاز عَن الدُّعَاء، وَالرَّغْبَة من غير جزم فِي طلب الطَّاعَة كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه مَا فِيهِ (ويستلزم) هَذَا الْحَد (الدّور من ثَلَاث أوجه) ذكر الطَّاعَة، والمأمور، والمأمور بِهِ: لِأَن الطَّاعَة مُوَافقَة الْأَمر، والمأمور مُشْتَقّ من الْأَمر فَيتَوَقَّف معرفَة كل مِنْهُمَا على معرفَة الْأَمر (وَدفعه) أَي الدّور على مَا فِي الشَّرْح العضدي (بِأَنا إِذا علمنَا الْأَمر من حَيْثُ هُوَ كَلَام علمنَا الْمُخَاطب بِهِ، وَهُوَ الْمَأْمُور وَمَا يتضمنه، وَهُوَ الْمَأْمُور بِهِ
стр. 338
وَفعله) أَي الْمَأْمُور بِهِ (وَهُوَ الطَّاعَة وَلَا يتَوَقَّف) الْعلم بِشَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء (على معرفَة حَقِيقَة الْأَمر الْمَطْلُوبَة بالتعريف، فَإِن أَرَادَ) بقوله: إِذا علمنَا الْأَمر من حَيْثُ هُوَ كَلَام الْمَعْنى (الْحَاصِل من الْجِنْس) أَي القَوْل، وَهُوَ الْمَعْنى الْمُقَيد (لم يلْزمه غير الْأَوَّلين) وهما الْمُخَاطب بِهِ وَمَا يتضمنه الْكَلَام، وَفِيه أَن لُزُوم اللَّفْظ الْمُخَاطب فِي القَوْل اللَّفْظِيّ لكَونه مَوْضُوعا للإفادة، وَأما لُزُومه فِي النَّفْسِيّ فَغير ظَاهر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال لما كَانَ بَين اللَّفْظِيّ والنفسي شدَّة ارتباط بِمَا ينْتَقل الذِّهْن فِيهِ إِلَى مَا هُوَ لَازمه على أَنه كَلَام على السَّنَد الْأَخَص (ثمَّ لم يفد) القَوْل (حَقِيقَة) لفظ (الْمَأْمُور) أَي الْمَعْنى الَّذِي وضع بإزائه، وَقصد بِهِ فِي التَّعْرِيف (من مُجَرّد فهم الْمُخَاطب) الْمَدْلُول عَلَيْهِ بالْقَوْل (وَلَا) حَقِيقَة (الْمَأْمُور بِهِ من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك) أَي الْمَأْمُور بِهِ: أَي لَا يفهم ذَاك الْمَأْمُور ملحوظا يُوصف المأمورية من فهم الْمُخَاطب، وَلَا ذَات الْمَأْمُور بِهِ بِوَصْف كَونه مَأْمُورا بِهِ (من معرفَة أَن للْكَلَام معنى تضمنه) كل ذَلِك ظَاهر (وَأما فعله) أَي وَأما إفادته لفعل مضمونه (وَكَونه) أَي كَون فعله (طَاعَة فأبعد) من كل من الْأَوَّلين (أَو) أَرَادَ الْحَاصِل من الْجِنْس (بقيوده) أَي بقيود الْجِنْس الْمَذْكُور فِي التَّعْرِيف (فعين الْحَقِيقَة) أَي فَهَذَا المُرَاد حَقِيقَة الْأَمر (وَيعود الدّور) وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن حَاصِل الدّفع منع كَون معرفَة كل مِنْهَا مَوْقُوفا على معرفَة حَقِيقَة الْأَمر لجَوَاز أَن يتَصَوَّر كل مِنْهَا على وَجه يميزه من غَيره من غير أَن يُوجد فِي ذَلِك التَّصَوُّر حَقِيقَة الْأَمر الَّتِي صَارَت مَطْلُوبَة من التَّعْرِيف: لكنه يرد عَلَيْهِ أَن سَنَده لَا يصلح للسندية (وَيبْطل طرده بأمرتك بِفعل كَذَا) فَإِنَّهُ خبر، وَلَيْسَ بِأَمْر مَعَ صدق الْحَد عَلَيْهِ، وَهَذَا بِنَاء على أَن الْمُعَرّف الصيغي لَا النَّفْسِيّ كَمَا هُوَ الظَّاهِر من اللَّفْظ الْمُوَافق لغَرَض الأصولي، فَزِيَادَة فِيهِ بِنَفسِهِ فِي التَّعْرِيف لدفع الْوَهم الْمَذْكُور على مَا ذكره الشَّارِح غير حسن (وَقيل هُوَ الْخَبَر عَن اسْتِحْقَاق الثَّوَاب، وَفِيه) أَي فِي هَذَا الْحَد (جعل المباين) للمحدود، وَهُوَ الْخَبَر (جِنْسا لَهُ) وَهُوَ بَاطِل لما بَينهمَا من التَّنَافِي: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بِهِ مَا يسْتَلْزم الْإِخْبَار عَنهُ ضمنا فَتَأمل. (و) قَالَ (الْمُعْتَزلَة) أَي جمهورهم (قَول الْقَائِل لمن دونه افْعَل) أَي مَا وضع لطلب الْفِعْل من الْفَاعِل (وَإِبْطَال طرده) أَي هَذَا التَّعْرِيف (بالتهديد وَغَيره) مِمَّا لم يرد بِهِ الطّلب من هَذِه الصِّيغَة، نَحْو - اعْمَلُوا مَا شِئْتُم، ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ -: للْإِبَاحَة لصدق الْحَد عَلَيْهِ مَعَ أَنه لَيْسَ بِأَمْر (مَدْفُوع بِظُهُور أَن المُرَاد) قَول الْقَائِل (افْعَل) حَال كَونه (مرَادا بِهِ مَا يتَبَادَر مِنْهُ) عِنْد الْإِطْلَاق، وَهُوَ الطّلب (و) إبِْطَال طرده (بالحاكي) لأمر غَيره لمن دونه (والمبلغ) لِلْأَمْرِ من دونه مَدْفُوع أَيْضا (بِأَنَّهُ) أَي قَول كل مِنْهُمَا (لَيْسَ قَول الْقَائِل) أَي الَّذِي هُوَ الحاكي والمبلغ
стр. 339
فَاللَّام للْعهد (عرفا، يُقَال للتمثيل) بِشعر أَو غَيره لغيره (لَيْسَ) مَا تمثل بِهِ (قَوْله، وَلَيْسَ الْقُرْآن قَوْله) أَي النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ مبلغه فَلَا يبطل الطَّرْد (نعم الْعُلُوّ غير مُعْتَبر) على الصَّحِيح عندنَا (و) قَالَت (طَائِفَة) مِنْهُم: الْأَمر هُوَ (الصِّيغَة) الْمَعْلُومَة (مُجَرّدَة عَن الصَّارِف عَن الْأَمر، وَهُوَ) أَي هَذَا الْحَد تَعْرِيف الشَّيْء (بِنَفسِهِ، وَلَو أسْقطه) أَي لفظ مُجَرّدَة عَن الصَّارِف عَن الْأَمر (صَحَّ) التَّعْرِيف (لفهم الصَّارِف عَن المبادر) لِأَنَّهُ يفهم اشْتِرَاط التجرد عَن الصَّارِف عَمَّا هُوَ الْمُتَبَادر من الصِّيغَة الْمَعْلُومَة، وَهُوَ الطّلب، وَمَا يشار إِلَيْهِ الذِّهْن لَا حَاجَة إِلَى التَّصْرِيح بِهِ، وَالشَّارِح جعل ضمير أسقط للفظ عَن الْأَمر، وَذكر بعد قَول المُصَنّف عَن التبادر قَوْله الَّذِي هُوَ الطّلب من إِطْلَاق الصَّارِف، وَهُوَ الْأَظْهر (و) قَالَت (طَائِفَة) من معتزلة الْبَصْرَة (الصِّيغَة بِإِرَادَة وجود اللَّفْظ ودلالته على الْأَمر والامتثال) فِي الشَّرْح العضدي قَالَ قوم: صِيغَة افْعَل بارادات ثَلَاث: إِرَادَة وجود اللَّفْظ، وَإِرَادَة دلالتها على الْأَمر، وَإِرَادَة الِامْتِثَال، وَاحْترز بِالْأولَى عَن النَّائِم: إِذْ يصدر عَنهُ صِيغَة افْعَل من غير إِرَادَة وجود اللَّفْظ، وبالثانية عَن التهديد، والتخيير، وَالْإِكْرَام، والإهانة وَنَحْوهَا، وبالثالثة عَن الصِّيغَة تصدر عَن الْمبلغ والحاكي فَإِنَّهُ لَا يُرِيد الِامْتِثَال، وَإِلَى بعضه أَشَارَ بقوله (ويحترز بالأخير) أَي الِامْتِثَال (عَنْهَا) أَي الصِّيغَة صادرة (من نَائِم، ومبلغ، وَمَا سوى الْوُجُوب) من التهديد إِلَى آخِره، وَفِيه اعْتِرَاض على مَا فِي الشَّرْح الْمَذْكُور حَيْثُ لم يتَعَرَّض بِأَن الْأَخير مغن من حَيْثُ الِاحْتِرَاز عَن غَيره مِمَّا قبله (و) أَن (مَا قبله) أَي الْأَخير (تنصيص على الذاتي) وتصريح بأجزاء حَقِيقَة (وَأورد) على الْحَد الْمَذْكُور أَنه (إِن أُرِيد بِالْأَمر الْمَحْدُود اللَّفْظ) أَي الْأَمر الصيغي (أفْسدهُ) أَي الْحَد (إِرَادَة دلالتها) أَي الصِّيغَة (على الْأَمر) لِأَن اللَّفْظ غير مَدْلُول عَلَيْهِ (أَو) أُرِيد بِالْأَمر الْمَحْدُود (الْمَعْنى) النَّفْسِيّ (أفْسدهُ) أَي الْحَد (جنسه) فَاعل أفسد لِأَن الْمَعْنى لَيْسَ بِصِيغَة (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي المُرَاد بالمحدود (اللَّفْظ) وَبِمَا فِي الْحَد الْمَعْنى الَّذِي هُوَ الطّلب (وَاسْتعْمل الْمُشْتَرك) الَّذِي هُوَ نفس الْأَمر (فِي معنييه) الصِّيغَة الْمَعْلُومَة، والطلب (بِالْقَرِينَةِ) الْعَقْلِيَّة فَإِن قلت الْمَذْكُور فِي صدر التَّعْرِيف لفظ الصِّيغَة، وَفِي أثْنَاء التَّعْرِيف لفظ الْأَمر وَلَيْسَ هَذَا من بَاب اسْتِعْمَال الْمُشْتَرك فِي معنييه قلت مَعْلُوم أَن صَاحب التَّعْرِيف قَالَ: الْأَمر الصِّيغَة إِلَى آخِره، غَايَة الْأَمر أَنه لم يذكرهُ المُصَنّف هَهُنَا اعْتِمَادًا على مَا سبق (وَقَالَ قوم) آخَرُونَ من الْمُعْتَزلَة الْأَمر (إِرَادَة الْفِعْل (وَأورد) أَنه (غير جَامع لثُبُوت الْأَمر وَلَا إِرَادَة) كَمَا (فِي أَمر عَبده بِحَضْرَة من توعده) أَي السَّيِّد بالإهلاك أَن ظهر أَنه لَا يُخَالِفهُ مثلا (على ضربه) أَي ضرب الْآمِر عَبده،
стр. 340
(فَاعْتَذر) المتوعد عَن ضربه (بمخالفته) أَي بمخالفة العَبْد إِيَّاه فِي أمره فِي حَضرته وَلم يرد مِنْهُ الْفِعْل، بل عَدمه ليثبت عذره فيتخلص العَبْد من وعيده (وألزم تَعْرِيفه) أَي الْأَمر (بِالطَّلَبِ النَّفْسِيّ مثله) أَي مثل الْإِيرَاد الْمَذْكُور: أَي كَمَا يرد على تَعْرِيف الْأَمر بِإِرَادَة الْفِعْل أَنه غير جَامع إِلَى آخِره كَذَلِك يرد على تَعْرِيفه بِأَنَّهُ طلب النَّفْسِيّ الْفِعْل لثُبُوت الْأَمر وَلَا طلب كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور بِعَيْنِه، إِذْ الْعَاقِل لَا يطْلب هَلَاك نَفسه كَمَا يُريدهُ (وَدفعه) على مَا فِي الشَّرْح العضدي (بتجويز طلبه) أَي طلب الْعَاقِل الْهَلَاك لغَرَض (إِذا علم عدم وُقُوعه) أَي الْهَلَاك (إِنَّمَا يَصح فِي اللَّفْظِيّ: أما النَّفْسِيّ فكالإرادة) أَي فالطب النَّفْسِيّ كالإرادة النفسية (لَا يَطْلُبهُ أَي سَبَب هَلَاكه بِقَلْبِه كَمَا لَا يُريدهُ، وَمَا قيل) على مَا ذكره الْآمِدِيّ، وَاسْتَحْسنهُ ابْن الْحَاجِب (لَو كَانَ) الْأَمر (إِرَادَة لوقعت المأمورات) أَي الَّتِي أمرهَا (بِمُجَرَّدِهِ) أَي الْأَمر (لِأَنَّهَا) أَي الْإِرَادَة (صفة تخصص الْمَقْدُور بِوَقْت وجوده) أَي الْمَقْدُور (فوجدوها) أَي الْإِرَادَة (فرع) وجود مَقْدُور (مُخَصص) وَالثَّانِي بَاطِل لِأَن إِيمَان الْكفَّار الْمَعْلُوم عَدمه عِنْد الله لَا شكّ أَنه مَأْمُور بِهِ، فَيلْزم أَن يكون مرَادا، وَهُوَ يسْتَلْزم وجوده مَعَ أَنه محَال (لَا يلْزمهُم) أَي الْمُعْتَزلَة خبر مَا قيل (لِأَنَّهَا) أَي الْإِرَادَة (عِنْدهم) أَي الْمُعْتَزلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعباد (ميل يتبع اعْتِقَاد النَّفْع أَو دفع الضَّرَر) فِي الْفِعْل (وبالنسبة إِلَيْهِ الْعلم بِمَا فِي الْفِعْل من الْمصلحَة) وَهَذَا تَحْقِيق مَذْهَبهم فِي الإفادة.
مسئلة
(صِيغَة الْأَمر خَاص) أَي حَقِيقَة على الْخُصُوص (فِي الْوُجُوب) فَقَط (عِنْد الْجُمْهُور) وَصَححهُ ابْن الْحَاجِب والبيضاوي، وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ هُوَ الْحق، الْآمِدِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنه مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀، وَقيل هُوَ الَّذِي أملاه الْأَشْعَرِيّ على أَصْحَابه فَقَالَ (أَبُو هَاشم) فِي جمَاعَة من الْفُقَهَاء مِنْهُم الشَّافِعِي ﵀ على قَول، وَعَامة الْمُعْتَزلَة قَالُوا حَقِيقَة (فِي النّدب) فَقَط (وَتوقف الْأَشْعَرِيّ وَالْقَاضِي فِي أَنه) مَوْضُوع (لأيهما) أَي الْوُجُوب وَالنَّدْب (وَقيل) توقفا فِيهِ (بِمَعْنى لَا يدْرِي مَفْهُومه) أصلا، قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ وَهُوَ الْمُوَافق لكَلَام الْآمِدِيّ (وَقيل مُشْتَرك) لَفْظِي (بَينهمَا) أَي الْوُجُوب وَالنَّدْب، وَهُوَ مَنْقُول عَن الشَّافِعِي (وَقيل) مُشْتَرك لَفْظِي بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب (وَالْإِبَاحَة، وَقيل) مَوْضُوع (للمشترك بَين الْأَوَّلين) أَي الْوُجُوب، وَالنَّدْب وَهُوَ الطّلب: أَي تَرْجِيح الْفِعْل على التّرْك: وَهُوَ مَنْقُول عَن أبي مَنْصُور الماتريدي وعزى إِلَى مَشَايِخ سَمَرْقَنْد (وَقيل) مَوْضُوع (لما) أَي للقدر الْمُشْتَرك (بَين الثَّلَاثَة من الْأذن) وَهُوَ رفع الْحَرج
стр. 341
عَن الْفِعْل بَيَان للموصول، قيل وَهُوَ مَذْهَب المرتضى من الشِّيعَة، وَقَالَ (الشِّيعَة مُشْتَرك) لَفْظِي (بَين الثَّلَاثَة) أَي الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة (والتهديد) وَقيل غير ذَلِك (لنا) على الْمُخْتَار وَهُوَ أَنه حَقِيقَة فِي الْوُجُوب أَنه (تكَرر اسْتِدْلَال السّلف بهَا) أَي بِصِيغَة الْأَمر مُجَرّدَة عَن الْقَرَائِن (على الْوُجُوب) اسْتِدْلَالا (شَائِعا بِلَا نَكِير فَأوجب الْعلم العادي باتفاقهم) على أَنَّهَا لَهُ (كالقول) أَي كإجماعهم القَوْل: يَعْنِي أَن عدم نكيرهم مَعَ شيوع الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور يدل على إِجْمَاعهم على ذَلِك كَمَا يدل تصريحهم بذلك قولا (وَاعْترض بِأَنَّهُ) أَي استدلالهم على الْوُجُوب إِنَّمَا (كَانَ بأوامر مُحَققَة بقرائن الْوُجُوب) يَعْنِي أَن إِرَادَة الْوُجُوب بِتِلْكَ الْأَوَامِر لم يكن بطرِيق الْحَقِيقَة، بل بالمجاز بقرائن تدل على خُصُوص الْوُجُوب (بِدَلِيل استدلالهم بِكَثِير مِنْهَا) أَي من صِيغ الْأَمر (على النّدب قُلْنَا تِلْكَ) الصِّيَغ أُرِيد بهَا النّدب (بقرائن) صارفة عَن الْحَقِيقَة وَهُوَ الْوُجُوب مُعينَة للنَّدْب، علم ذَلِك (باستقراء الْوَاقِع مِنْهُمَا) أَي من الصِّيَغ الْمَنْسُوب إِلَيْهَا الْوُجُوب، والصيغ الْمَنْسُوب إِلَيْهَا النّدب فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْعرْف: يَعْنِي علمنَا بالتتبع أَن فهم الْوُجُوب لَا يحْتَاج إِلَى الْقَرِينَة لتبادره إِلَى الذِّهْن بِخِلَاف النّدب فَإِنَّهُ يحْتَاج (قَالُوا) فِي الرَّد على الْمُخْتَار مَا يفِيدهُ هَذَا الدَّلِيل (ظن فِي الْأُصُول لِأَنَّهُ) أَي الْإِجْمَاع الْمَذْكُور (سكوتي) اخْتلف فِي حجيته، وَمثله يكون ظنيا (وَلما قُلْنَا من الِاحْتِمَال) أَي احْتِمَال كَون فهم الْوُجُوب بقرائن وَالظَّن لَا يَكْفِي، لِأَن الْمَطْلُوب فِيهَا الْعلم (قُلْنَا لَو سلم) أَنه ظَنِّي (كفى) فِي الْأُصُول (وَإِلَّا تعذر الْعَمَل بِأَكْثَرَ الظَّوَاهِر) لِأَنَّهَا لَا تفِيد إِلَّا الظَّن، وَالْقطع لَا سَبِيل إِلَيْهِ كَمَا لَا يخفى على المتتبع لمسائل الْأُصُول (لَكنا نمنعه) أَي كَون المفاد بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُور الظَّن (لذَلِك الْعلم) أَي لحُصُول الْعلم العادي باتفاقهم على أَنَّهَا للْوُجُوب بِسَبَب تكْرَار الِاسْتِدْلَال وَعدم النكير وَحُصُول الْعلم بِسَبَب الدَّلِيل يدل على كَون مفاده الْعلم إِلَّا الظَّن (ولقطعنا بتبادر الْوُجُوب من) الْأَوَامِر (الْمُجَرَّدَة) عَن الْقَرَائِن الصارفة عَنهُ (فَأوجب) الْقطع بتبادره (الْقطع بِهِ) أَي الْوُجُوب (من اللُّغَة، وَأَيْضًا) قَوْله تَعَالَى لإبليس - ﴿مَا مَنعك أَن لَا تسْجد﴾ - (إِذْ أَمرتك، يَعْنِي) قلت لَك فِي ضمن خطابي الْمَلَائِكَة ﴿اسجدوا لآدَم﴾ الْمُجَرّد) عَن الْقَرَائِن صفة للفظ اسجدوا، دلّ على أَن مَدْلُول الْأَمر الْمُجَرّد عَن الْقَرِينَة الصارفة للْوُجُوب، وَإِنَّمَا لزمَه اللوم المستعقب للطرد لَا مَكَان حمله على النّدب الَّذِي لَا حرج فِي تَركه، وَالْقَوْل بِأَن الْوُجُوب لَعَلَّه فهم من قرينَة حَالية أَو مقالية لم يحكها الْقُرْآن أَو من خُصُوصِيَّة تِلْكَ اللُّغَة الَّتِي وَقع الْأَمر بهَا احْتِمَال غير قَادِح فِي الظُّهُور، وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ يدل على ذَلِك لِأَنَّهُ تَعَالَى (ذمهم على مُخَالفَة ارْكَعُوا) الْمُجَرّد، وَلَوْلَا أَن حَقِيقَته الْوُجُوب لما ترَتّب عَلَيْهَا الذَّم (وَأما) الِاسْتِدْلَال على الْوُجُوب كَمَا ذكره
стр. 342
ابْن الْحَاجِب وَغَيره بِمَا اشْتهر على أَلْسِنَة الْعلمَاء وَهُوَ (تَارِك الْأَمر عَاص) مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن خطاب مُوسَى لهارون عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام - ﴿أفعصيت أَمْرِي﴾ - بِتَرْكِهِ مُقْتَضَاهُ (وَهُوَ) أَي العَاصِي مُطلقًا (متوعد) لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم﴾ - (فنمنع كَونه) أَي العَاصِي (تَارِك) الْأَمر (الْمُجَرّد) عَن الْقَرَائِن الْمُجَرَّدَة للْوُجُوب (بل) العَاصِي (تَارِك مَا) هُوَ مقرون من الْأَوَامِر (بِقَرِينَة الْوُجُوب) وَإِضَافَة أَمْرِي عهدية أُشير بهَا إِلَى أَمر كَذَا (فَإِذا اسْتدلَّ) لعصيان تَارِك الْأَمر الْمُجَرّد (بأفعصيت أَمْرِي: أَي اخلفني) تفسر لقَوْله أَمْرِي إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى - ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُون اخلفني فِي قومِي﴾ - (منعنَا تجرده) أَي تجرد هَذَا الْأَمر عَن الْقَرِينَة المفيدة للْوُجُوب، فَإِن فِي السِّيَاق مَا يُفِيد ذَلِك (فَأَما) الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ أَي يعرضون عَنهُ بترك مُقْتَضَاهُ - ﴿أَن تصيبهم فتْنَة﴾ - أَي محنة الدُّنْيَا - ﴿أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ - لِأَنَّهُ رتب على ترك مُقْتَضى أمره أحد العذابين (فَصَحِيح، لِأَن عُمُومه) أَي عُمُوم أمره (بِإِضَافَة الْجِنْس الْمُقْتَضى كَون لفظ أَمر لما يُفِيد الْوُجُوب خَاصَّة يُوجِبهُ للمجردة) يَعْنِي أَن لفظ أمره عَام لكَون إِضَافَته جنسية فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْله الْأَمر بِاللَّامِ الاستغراقية، فَلَزِمَ ترَتّب الْوَعيد على مُخَالفَة كل فَرد من أَفْرَاد مَا وضع لَهُ لفظ أَمر من الصِّيَغ الْمَعْلُومَة كاسجد، واركع إِلَى غير ذَلِك، وَهَذَا الْعُمُوم يقتضى كَون لفظ أَمر مَوْضُوعا لما يُفِيد الْوُجُوب فَقَط، وَإِلَّا لم يَتَرَتَّب الْوَعيد على مُخَالفَة كل فَرد، إِذْ من الْجَائِز على تَقْدِير عدم لُزُوم موضوعية كل صِيغَة مِنْهَا للْوُجُوب وَقع مُخَالفَته لمقْتَضى صِيغَة مُجَرّدَة عَن الْقَرِينَة الْمعينَة للْوُجُوب، فالعموم الْمَذْكُور مُوجب لكَون الصِّيغَة الْمُجَرَّدَة عَن الْقَرَائِن للْوُجُوب: فَحِينَئِذٍ يَصح الْعُمُوم لكَون جَمِيع أَفْرَاده حِينَئِذٍ مَوْضُوعا للْوُجُوب وَالله أعلم. (والاستلال) للْوُجُوب أَيْضا (بِأَن الِاشْتِرَاك خلاف الأَصْل) لَا خلاله بالفهم (فَيكون) الْأَمر (لأحد الْأَرْبَعَة) الْوُجُوب، وَالنَّدْب، وَالْإِبَاحَة والتهديد حَقِيقَة. وَفِي الْبَاقِي مجَازًا، وَلم يذكر غير الْأَرْبَعَة للاتفاق على كَونه مجَازًا فِيمَا سواهَا (وَالْإِبَاحَة والتهديد بعيد للْقطع بفهم تَرْجِيح الْوُجُوب) يَعْنِي أَنا نقطع بِأَنَّهُ يفهم من صِيغَة الْأَمر أَن الْأَمر طَالب لوُجُوب الْفِعْل بِمَعْنى أَنه رَاجِح عِنْدهم وَعَن تَركه أَعم من أَن يكون مجوزا للترك أَو لَا، وَهَذَا الْفَهم لَا يحْتَاج إِلَى قرينَة لتبادره إِلَى الذِّهْن (وَانْتِفَاء النّدب) أَي كَونه حَقِيقَة أَيْضا ثَابت (للْفرق بَين) قَوْلنَا (اسْقِنِي وندبتك) إِلَى أَن تسقيني، وَلَو كَانَ لَهُ لم يكن بَينهمَا فرق (ضَعِيف لمنعهم) أَي النادبين (الْفرق) بَينهمَا (وَلَو سلم) الْفرق (فَيكون ندبتك نصا) فِي النّدب (واسقني) لَيْسَ بِنَصّ فِيهِ، بل (يحْتَمل الْوُجُوب) وَالنَّدْب (وَأَيْضًا لَا ينتهض) أَي لَا يقوم بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُور حجَّة بِنَاء
стр. 343
(على) احْتِمَال الِاشْتِرَاك (الْمَعْنَوِيّ إِذْ نفى) الِاشْتِرَاك (اللَّفْظِيّ لَا يُوجب تَخْصِيص الْحَقِيقَة بأحدها) أَي الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة وَإِذا لم يُوجب تخصيصها بأحدها يبطل نَفْيه الدَّلِيل أَيْضا لِأَنَّهَا فرع ذَلِك الْإِيجَاب (وَلَو أَرَادَ) الْمُسْتَدلّ بالاشتراك (مُطلق الِاشْتِرَاك) أَي مَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الِاشْتِرَاك ليشْمل اللَّفْظِيّ والمعنوي (منعنَا كَون) الِاشْتِرَاك (الْمَعْنَوِيّ بِخِلَاف الأَصْل، وَلَو قَالَ) الْمُسْتَدلّ (الْمَعْنَوِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى معنوي أخص مِنْهُ خلاف الأَصْل: إِذْ الإفهام بِاللَّفْظِ) وَالْأَصْل فِيهِ الْخُصُوص لإفادته الْمَقْصُود من غير مُزَاحم، فَيكون الْأَمر مَوْضُوعا للْوُجُوب الْمُشْتَرك بَين أَفْرَاده مثلا أَدخل فِي الإفهام من كَونه لما يعم الْوُجُوب وَالنَّدْب إِلَى غير ذَلِك لقلَّة المزاحم (اتجه) جَوَاب لَو: يَعْنِي كَانَ كلَاما موجها، ثمَّ مثل للمعنوي الْأَعَمّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَخَص بقوله (كالمعنوي الَّذِي هُوَ الْمُشْتَرك بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب) وَهُوَ الطّلب (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَوِيّ الَّذِي هُوَ وجوب فَإِنَّهُ) أَي الْمُشْتَرك بَينهمَا (جنس بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُجُوب، إِذْ هُوَ) أَي الْوُجُوب (نوع) من الطّلب (فدار) معنى الْأَمر (بَين خُصُوص الْجِنْس وخصوص النَّوْع) وخصوص النَّوْع أولى لما فِيهِ من تقليل الِاشْتِرَاك وَاحْتج (النادب) بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ (إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم) فَإِن رد الْأَمر إِلَى مشيئتنا عَلامَة أَن المُرَاد بِالْأَمر مَا يُفِيد النّدب (قُلْنَا) إفادته رد الْأَمر إِلَى مشيئتنا مَمْنُوع، بل هُوَ رد إِلَى استطاعتنا و (هُوَ دَلِيل الْوُجُوب) لِأَن السَّاقِط عَنَّا حِينَئِذٍ مَا لَا استطاعة لنا فِيهِ وَفِي الْمَنْدُوب المستطاع أَيْضا سَاقِط لَا حرج فِيهِ، وَاسْتدلَّ (الْقَائِل بِالطَّلَبِ) هُوَ الَّذِي يَقُول: حَقِيقَة الطّلب الْأَعَمّ من الْوُجُوب وَالنَّدْب فَإِنَّهُ (ثَبت رُجْحَان) جَانب (الْوُجُود) أَي وجود الْفِعْل على تَركه فِي قصد الْآمِر، وَهُوَ الْمَعْنى الْمُشْتَرك بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب (وَلَا مُخَصص) لَهُ بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِه ليتعين كَونه مَطْلُوبا لَهُ دون الآخر (فَوَجَبَ كَونه) أَي الْوُجُوب (الْمَطْلُوب مُطلقًا) حَال إِمَّا عَن الضَّمِير أَو عَن الْخَبَر، ومآلهما وَاحِد، وَإِذا ثَبت كَون الْوُجُوب الْمُطلق مرَادا وَجب كَونه حَقِيقَة فِيهِ (دفعا للاشتراك) على تَقْدِير كَونه مَوْضُوعا لكل مِنْهُمَا (وَالْمجَاز) على تَقْدِير وَضعه لأَحَدهمَا فَقَط وَلَا يخفى عَلَيْك أَن أول الْكَلَام يدل على أَن وجوب كَونه الْمَطْلُوب مُطلقًا لثُبُوت رُجْحَان الْوُجُود مَعَ عدم الْمُخَصّص، وَآخره يدل على أَنه وجوب لدفع لُزُوم الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ وَالْمجَاز فبينهما تدافع، وَقد أَشَرنَا إِلَى جَوَابه وتوضيحه أَن قَوْله دفعا إِلَى آخِره تَعْلِيل لنفي احْتِمَال يفهم ضمنا، وَذَلِكَ لِأَن ثُبُوت رُجْحَان الْوُجُود كَمَا يجوز أَن يكون بِسَبَب وضع الْأَمر لمُطلق الطّلب كَذَلِك يجوز أَن يكون بِسَبَب اسْتِعْمَاله فِي كل من نَوْعي الطّلب على سَبِيل الِاشْتِرَاك، أَو الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، ورجحان الْوُجُوب لَازم على الْوَجْهَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَجب كَون حَقِيقَته للطلب الْمُطلق لَا غير دفعا إِلَى آخِره
стр. 344
(قُلْنَا) بل هُوَ لأَحَدهمَا، وَهُوَ الْوُجُوب (بمخصص وَهِي) الْمُخَصّص، والتأنيث بِاعْتِبَار الْخَبَر وَهُوَ (أدلتنا على الْوُجُوب مَعَ أَنه) أَي جعله للطلب (إِثْبَات اللُّغَة بِلَازِم الْمَاهِيّة) وَهُوَ الرجحان الْمَذْكُور: وَهُوَ غير جَائِز لجَوَاز كَون اللَّازِم أَعم، فَيكون مَاهِيَّة الْمُسَمّى أخص من الطّلب الْمُشْتَرك بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب (الِاشْتِرَاك بَين الْأَرْبَعَة و) الِاشْتِرَاك بَين (الِاثْنَيْنِ) والاشتراك بَين الثَّلَاثَة، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ (ثَبت الْإِطْلَاق) على الْأَرْبَعَة، وعَلى الِاثْنَيْنِ، وعَلى الثَّلَاثَة (وَالْأَصْل الْحَقِيقَة قُلْنَا الْمجَاز خير) من الِاشْتِرَاك (وَتَعْيِين) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) وَهُوَ الْوُجُوب ثَابت (بِمَا تقدم) من أدلته قَالَ (الْوَاقِف كَونهَا) أَي الصِّيغَة (للْوُجُوب أَو غَيره بِالدَّلِيلِ) لاستعمالها فِيهِ وَفِي غَيره (وَهُوَ) الدَّلِيل على التَّعْيِين (مُنْتَفٍ، إِذْ الْآحَاد) أَي أَخْبَار الْآحَاد على كَونهَا للمعين (لَا تفِيد الْعلم) وَهُوَ الْمَطْلُوب فِي هَذِه ال مسئلة (وَلَو تَوَاتر) الْأَخْبَار (لم يخْتَلف) فِيهِ: أَي فِي التَّعْيِين، لَكِن الِاخْتِلَاف فِيهِ ثَابت فَلَا تَوَاتر، وَالْعقل الصّرْف بمعزل عَن إِثْبَات هَذَا الطّلب (قُلْنَا) لَا نسلم أَنه لم يتواتر، إِذْ (تَوَاتر استدلالات عدد التَّوَاتُر من الْعلمَاء وَأهل اللِّسَان تَوَاتر أَنَّهَا) أَي الصِّيغَة (لَهُ) أَي للْوُجُوب فَقَوله تَوَاتر أَولا مُبْتَدأ وَقَوله تَوَاتر ثَانِيًا خَبره، وَالْحمل على الْمُسَامحَة (وَلَو سلم) أَنه لم يتواتر (كفى الظَّن) الْمُسْتَفَاد من تتبع موارد اسْتِعْمَال هَذِه الصِّيغَة (الْقَائِل بِالْإِذْنِ كالقائل بِالطَّلَبِ) فِي أَنه يَقُول مثل قَوْله تَعَالَى ثَبت الْإِذْن بِالضَّرُورَةِ اللُّغَوِيَّة، وَلم يُوجد مُخَصص لَهُ بِأحد الثَّلَاثَة من الْوُجُوب، وَالنَّدْب، وَالْإِبَاحَة، فَوَجَبَ جعله للمشترك بَينهمَا وَهُوَ الْإِذْن بِالْفِعْلِ، وَيُجَاب بِمثل جَوَابه.
مسئلة
لَيست مبدئية لغوية، بل شَرْعِيَّة (مستطردة: أَكثر المتفقين على الْوُجُوب) لصيغة الْأَمر على مَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَمِنْهُم الشَّافِعِي والماتريدي على قَول متفقون على (أَنَّهَا) أَي صِيغَة الْأَمر (بعد الْحَظْر) أَي الْمَنْع (فِي لِسَان الشَّرْع للْإِبَاحَة) علم هَذَا (باستقراء استعمالاته) أَي الشَّرْع لَهَا (فَوَجَبَ الْحمل) أَي حملهَا (عَلَيْهِ) أَي على الْمَعْنى الإباحي (عِنْد التجرد) عَن الْمُوجب لغيره (لوُجُوب الْحمل على الْغَالِب) لِأَن الظَّاهِر كَون هَذَا الْخَاص مُلْحقًا بالغالب (مَا لم يعلم) بِدَلِيل (أَنه) أَي هَذَا الْأَمر الْخَاص (لَيْسَ مِنْهُ) أَي هَذَا (نَحْو: فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا) الْمُشْركين فَإِنَّهُ للْوُجُوب وَإِن كَانَ بعد الْحَظْر للْعلم بِوُجُوب قتل الْمُشرك إِلَّا لمَانع (وَظهر) من استناد الْإِبَاحَة إِلَى الاستقراء الْمَذْكُور (ضعف قَوْلهم) أَي الْقَائِلين بِالْوُجُوب بعد الْحَظْر: كَالْقَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ، وَأبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَالْإِمَام الرَّازِيّ والبيضاوي وفخر الْإِسْلَام
стр. 345
وَعَامة الْمُتَأَخِّرين من الْحَنَفِيَّة (لَو كَانَ) الْأَمر للْإِبَاحَة بعد الْحَظْر (امْتنع التَّصْرِيح بِالْوُجُوب) بعد الْحَظْر، وَلَا يمْتَنع إِذْ لَا يلْزم من إِيجَاب الشَّيْء بعد التَّحْرِيم محَال، وَوجه الضعْف أَنا مَا ادعينا الْمُنَافَاة بَين الْإِيجَاب اللَّاحِق وَالتَّحْرِيم السَّابِق، بل الاستقراء دَعَانَا إِلَى ذَلِك (وَلَا مخلص) من كَونه للْإِبَاحَة (إِلَّا بِمَنْع صِحَة الاستقراء إِن تمّ) منع صِحَّته: وَهُوَ مَحل نظر (وَمَا قيل أَمر الْحَائِض وَالنُّفَسَاء) بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم بعد تحريمهما عَلَيْهِمَا فِي الْحيض وَالنّفاس (بِخِلَافِهِ) أَي يُفِيد الْوُجُوب بعد الْحَظْر لَا الْإِبَاحَة (غلط لِأَنَّهُ) أَي أَمرهمَا بهما (مُطلق) عَن التَّرْتِيب على سبق الْحَظْر (وَالْكَلَام) المنازع فِيهِ من أَن الْأَمر بعد الْحَظْر للْإِبَاحَة: إِنَّمَا هُوَ (فِي) الْأَمر (الْمُتَّصِل بِالنَّهْي إِخْبَارًا) كَمَا روى عَنهُ ﷺ (قد كنت نَهَيْتُكُمْ) عَن زِيَارَة الْقُبُور فقد أذن لمُحَمد فِي زِيَارَة قبر أمه فزوروها فَإِنَّهَا تذكر الْآخِرَة: رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ حسن صَحِيح (و) فِي الْأَمر (الْمُعَلق بِزَوَال سَببه) أَي سَبَب الْحَظْر نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾، فالصيد كَانَ حَلَالا على الْإِطْلَاق ثمَّ حرم بِسَبَب الْإِحْرَام، ثمَّ علق الْحل بِالْإِذْنِ فِيهِ بِالْحلِّ المستلزم زَوَال السَّبَب الْمَذْكُور (وَيدْفَع) هَذَا التغليط (بوروده) أَي الْأَمر للحائض فِي الصَّلَاة (كَذَلِك) أَي مُعَلّقا بِسَبَب زَوَال الْحَظْر (فَفِي الحَدِيث) الْمُتَّفق عَلَيْهِ (فَإِذا أَدْبَرت عَنْك الْحَيْضَة فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي) إِلَّا أَن الْحَيْضَة لم تذكر بهَا صَرِيحًا بعد أَدْبَرت اكْتِفَاء بضميرها الْمُسْتَتر فِيهِ لتقدم ذكرهَا فِي قَوْله: فَإِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعى الصَّلَاة، وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف فِي دفع التغليط، لِأَن المغلط غلط بِاعْتِبَار أَمرهمَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم جَمِيعًا (وَالْحق أَن الاستقراء دلّ على أَنه) أَي الْأَمر (بعد الْحَظْر لما اعْترض) أَي طَرَأَ الْحَظْر (عَلَيْهِ، فَإِن) اعْترض (على الْإِبَاحَة) بِأَن كَانَ ذَلِك الْمَحْظُور مُبَاحا، قبل الْحَظْر ثمَّ اتَّصل بِهِ الْأَمر (كاصطادوا) فَإِن الصَّيْد كَانَ مُبَاحا قبل الْإِحْرَام فَصَارَ مَحْظُورًا بِهِ، فَأمر بِهِ بعد التَّحَلُّل (فلهَا) جَوَاب أَن: أَي فَالْأَمْر حِينَئِذٍ للْإِبَاحَة (أَو) اعْترض (على الْوُجُوب: كاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي فَلهُ) أَي فَالْأَمْر للْوُجُوب، لِأَن الصَّلَاة كَانَت وَاجِبَة ثمَّ حرمت بِالْحيضِ (فلنختر ذَلِك) أَي التَّفْصِيل الْمَذْكُور، وَفِي الشَّرْح العضدي وَهُوَ غير بعيد، وَمَا اخْتَارَهُ المُصَنّف أقرب إِلَى التَّحْقِيق (وَقَوْلهمْ) أَي الْقَائِلين بِأَنَّهُ للْوُجُوب بعد الْحَظْر (الْإِبَاحَة فِيهَا) أَي فِي هَذِه الْأَشْيَاء من الِاصْطِيَاد وَنَحْوه (ل) دَلِيل وَهُوَ (أَن الْعلم بِأَنَّهَا) أَي الْمَذْكُورَات (شرعت لنا) أَي لمصْلحَة انتفاعنا بهَا (فَلَا تصير) وَاجِبَة (علينا) بِالْأَمر فَإِنَّهُ يَنْقَلِب علينا حِينَئِذٍ لنقل الْوَاجِب وَاحْتِمَال الْفَوات الْمُوجب للعقوبة، وَهَذَا لَا يَلِيق بشأن مَا شرع للِانْتِفَاع بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الْأمة (لَا يدْفع استقراء أَنَّهَا) أَي صِيغَة الْأَمر (لَهَا) أَي للْإِبَاحَة (فَإِنَّهُ) أَي هَذَا الاستقراء (مُوجب للْحَمْل على الْإِبَاحَة فِيمَا لَا قرينَة مَعَه) تدل على
стр. 346
الْحمل على الْوُجُوب (و) مُوجب للْحَمْل بِنَاء (على مَا اخترنا على مَا اعْترض عَلَيْهِ) من الْإِبَاحَة وَالْوُجُوب، هَذَا من تَمام ال مسئلة على مَا فِي نُسْخَة اعتمدنا عَلَيْهَا، وَفِي نُسْخَة الشَّارِح زِيَادَة: وَهِي (ثمَّ إِنَّمَا يلْزم من قدم الْمجَاز الْمَشْهُور لَا أَبَا حنيفَة إِلَّا أَن تَمام الْوَجْه عَلَيْهِ فِيهَا) انْتهى، وَفسّر من قدم بِأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَمن وافقهما، وَفسّر الْوَجْه بِوَجْه هَذِه المسئلة، وَفسّر ضمير عَلَيْهِ بِأبي حنيفَة وَلم يبين المُرَاد بِهَذَا الْكَلَام وَلَا يخفى عَلَيْك أَن حمل الْأَمر بعد الْحَظْر على الْإِبَاحَة لَا يلْزم أَن يكون بطرِيق التَّجَوُّز لجَوَاز كَونه فِي لِسَان الشَّرْع فِي خُصُوص هَذَا الْمحل حَقِيقَة على أَنه لَو سلم لَيْسَ من بَاب تَقْدِيم الْمجَاز الْمَشْهُور، بل من بَاب الْحمل على الْمجَاز بِالْقَرِينَةِ وَكَأَنَّهُ وَالله أعلم غير الْمَتْن فِي هَذَا الْمحل وَكَانَ قد كتب عَلَيْهِ الشَّرْح قبل التَّغْيِير وَلم يُغَيِّرهُ وَرَأَيْت أَن الصَّوَاب تَركه.
مسئلة
(لَا شكّ فِي تبادر كَون الصِّيغَة) أَي صِيغَة الْأَمر (فِي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب مجَازًا بِتَقْدِير أَنَّهَا خَاص فِي الْوُجُوب) فِي التَّوْضِيح: اعْلَم أَن الْأَمر إِذا كَانَ حَقِيقَة فِي الْوُجُوب فَإِنَّهُ إِذْ أُرِيد بِهِ الْإِبَاحَة أَو النّدب يكون بطرِيق الْمجَاز لَا محَالة، لِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ غير مَا وضع لَهُ فقد ذكر فَخر الْإِسْلَام فِي هَذِه المسئلة اخْتِلَافا، فَعِنْدَ الْكَرْخِي والجصاص مجَاز فيهمَا، وَعند الْبَعْض حَقِيقَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَحكى فَخر الْإِسْلَام على التَّقْدِير) الْمَذْكُور وَهُوَ تَقْدِير كَونهَا خَاصّا فِي الْوُجُوب (خلافًا فِي أَنَّهَا مجَاز) فيهمَا (أَو حَقِيقَة فيهمَا) وَلَعَلَّ ذكر التبادر فِي كَلَام المُصَنّف يكون إِشَارَة إِلَى احْتِمَال كَونهَا حَقِيقَة فيهمَا بالتأويل الْآتِي، وَحَيْثُ كَانَ القَوْل بِكَوْنِهَا حَقِيقَة فيهمَا مُحْتَاجا إِلَى التَّأْوِيل كَونهَا حَقِيقَة فيهمَا بالتأويل الْآتِي، وَحَيْثُ كَانَ القَوْل بِكَوْنِهَا حَقِيقَة فيهمَا مُحْتَاجا إِلَى التَّأْوِيل (فَقيل أَرَادَ) فَخر الْإِسْلَام، أَو الَّذِي حكى عَنهُ بِمحل الْخلاف (لفظ أَمر) يَعْنِي أَمر (وَبعد) أَي نسب إِلَى الْبعد كَونه مُرَاده (بنظمه الْإِبَاحَة) أَي بِسَبَب أَنه نظم الْإِبَاحَة مَعَ النّدب فِي سلك وَاحِد، وَلَا مُنَاسبَة بَين لفظ الْأَمر وَالْإِبَاحَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْمَعْرُوف) بَين الْأُصُولِيِّينَ (كَون الْخلاف فِي النّدب فَقَط) وَصُورَة الْخلاف (هَل يصدق أَنه) أَي الْمَنْدُوب (مَأْمُور بِهِ حَقِيقَة) أم لَا (وَسَيذكر) فِي فصل الْمَحْكُوم بِهِ (وَقيل) أَرَادَ بِالْأَمر (الصِّيغَة) كافعل، لَا لفظ الْأَمر (وَالْمرَاد) أَي مُرَاد الْقَائِل حَقِيقَة فيهمَا (أَنَّهَا) أَي الصِّيغَة (حَقِيقَة خَاصَّة للْوُجُوب عِنْد التجرد) عَن الْقَرِينَة الصارفة لَهَا عَنهُ (وللندب وَالْإِبَاحَة مَعهَا) أَي الْقَرِينَة المفيدة أَنَّهَا لَهما كَمَا أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ حَقِيقَة فِي الْكل بِدُونِ الِاسْتِثْنَاء، وَفِي الْبَاقِي مَعَ الِاسْتِثْنَاء (وَدفع) هَذَا القَوْل فِي التَّلْوِيح (باستلزامه رفع الْمجَاز) بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَون اللَّفْظ حَقِيقَة فِي الْمَعْنى
стр. 347
المجازى عِنْد الْقَرِينَة المفيدة أَنه المُرَاد (وَبِأَنَّهُ يجب فِي الْحَقِيقَة اسْتِعْمَاله) أَي اللَّفْظ (فِي) الْمَعْنى (الوضعي بِلَا قرينَة) وَلَا يسْتَعْمل صِيغَة الْأَمر فيهمَا بِلَا قرينَة (وَقيل بل الْقِسْمَة) للفظ بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى (ثلاثية) وَهِي أَنه إِن اسْتعْمل فِي معنى خَارج عَمَّا وضع لَهُ فَجَاز وَإِلَّا فَإِن اسْتَعْملهُ فِي عين مَا وضع لَهُ فحقيقة، وَإِلَّا فحقيقة قَاصِرَة، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بقوله (بِإِثْبَات الْحَقِيقَة القاصرة: وَهِي مَا) أَي اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل (فِي الْجُزْء) أَي جُزْء مَا وضع لَهُ لوُجُوب اسْتِعْمَال الْمجَاز فِي غير الْمَعْنى الوضعي والجزئي لَيْسَ غيرا وَلَا عينا. قَالَ صدر الشَّرِيعَة: الْجُزْء عِنْد فَخر الْإِسْلَام لَيْسَ عينا وَلَا غيرا على مَا عرف من تَفْسِير الْغَيْر فِي علم الْكَلَام، فَإِذا تقرر هَذَا (فالكرخي والرازي وَكثير) على أَنَّهَا فِي النّدب وَالْإِبَاحَة (مجَاز إِذْ ليسَا) أَي النّدب وَالْإِبَاحَة (جزئي الْوُجُوب لمنافاته) أَي الْوُجُوب (فصلهما) أَي فصل النّدب وَالْإِبَاحَة، وَمَا يُنَافِي فصل الْمَاهِيّة لَا يكون جُزْءا مِنْهَا (وَإِنَّمَا بَينهمَا) أَي بَين الْوُجُوب وَبَين الْإِبَاحَة وَالنَّدْب قدر (مُشْتَرك هُوَ الْإِذْن) فِي الْفِعْل، ثمَّ امتاز الْوُجُوب بفصل هُوَ امْتنَاع التّرْك، وَالنَّدْب بِجَوَازِهِ مرجوحا، وَالْإِبَاحَة بِجَوَازِهِ مُسَاوِيا (وَالْقَائِل) بِأَن صِيغَة الْأَمر فيهمَا (حَقِيقَة) يَقُول (الْأَمر فِي الْإِبَاحَة إِنَّمَا يدل على الْمُشْتَرك الْإِذْن) فِي الْفِعْل عطف بَيَان للمشترك (وَهُوَ) أَي الْمُشْتَرك (الْجُزْء) من الْوُجُوب (فحقيقة قَاصِرَة) أَي فيهمَا حَقِيقَة قَاصِرَة (وَثُبُوت إِرَادَة مَا بِهِ المباينة) للْوُجُوب من جَوَاز التّرْك مرجوحا وتساويا (وَهُوَ) أَي مَا بِهِ المباينة (فصلهما) أَي النّدب وَالْإِبَاحَة إِنَّمَا تدل عَلَيْهِ (بِالْقَرِينَةِ لَا بِلَفْظ الْأَمر) أَي صيغته، وَفِي التَّلْوِيح للْقطع بِأَن الصِّيغَة لطلب الْفِعْل، وَلَا دلَالَة لَهَا على جَوَاز التّرْك أصلا، وَإِنَّمَا يثبت جَوَاز التّرْك بِحكم الأَصْل، إِذْ لَا دَلِيل على حُرْمَة التّرْك (ومبناه) أَي هَذَا الْكَلَام (على أَن الْإِبَاحَة رفع الْحَرج عَن الطَّرفَيْنِ) الْفِعْل وَالتّرْك (وَكَذَا النّدب) رفع الْحَرج عَن الطَّرفَيْنِ (مَعَ تَرْجِيح الْفِعْل، وَالْوُجُوب) رفع الْحَرج (عَن أَحدهمَا) أَي أحد الطَّرفَيْنِ: وَهُوَ الْفِعْل، لِأَنَّهَا لَو فسرت بمعان أخر على مَا فصلت فِي التَّلْوِيح لَا يَتَأَتَّى بِمَا ذكر (وَمن ظن جزئيتهما) أَي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب للْوُجُوب (فَبنى الْحَقِيقَة) أَي كَونه حَقِيقَة قَاصِرَة (عَلَيْهِ) أَي على كَونهمَا جُزْءا (غلط لترك) الظَّان الْمَذْكُور فِي جَعلهمَا جُزْءا من الْوُجُوب (فصلهما) المنافى للْوُجُوب إِذْ لَو لم يتْركهُ لما حكم بالجزئية وَقد عرفت أَن مَا حَكَاهُ فَخر الْإِسْلَام من القَوْل بِكَوْن صِيغَة الْأَمر حَقِيقَة فِي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب لما كَانَ مُحْتَاجا إِلَى التَّأْوِيل تصدى لتوجيهه صدر الشَّرِيعَة وَثلث الْقِسْمَة كَمَا سَمِعت وَجعل صِيغَة الْأَمر فِي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب حَقِيقَة قَاصِرَة لكَون مَدْلُول الصِّيغَة هُنَاكَ إِنَّمَا هُوَ جنس حقيقتهما: وَهُوَ الْإِذْن الْمَذْكُور على مَا مر بَيَانه عَن التَّلْوِيح. وَقَالَ هَذَا بحث دَقِيق مَا مَسّه إِلَّا خاطري، وَقَررهُ
стр. 348
الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ وَبَالغ فِي مساعدته حَتَّى قَالَ: فَإِن قلت قد صَرَّحُوا بِاسْتِعْمَال الْأَمر فِي النّدب وَالْإِبَاحَة وإرادتهما مِنْهُ، وَلَا ضَرُورَة فِي حمل كَلَامهم على أَن المُرَاد أَنه يسْتَعْمل فِي جنسهما عُدُولًا عَن الظَّاهِر: وَمَا ذكر من أَن الْأَمر لَا يدل على جَوَاز التّرْك أصلا، إِن أَرَادَ بِحَسب الْحَقِيقَة فَغير مُفِيد، وَإِن أَرَادَ بِحَسب الْمجَاز فمحال، لم لَا يجوز أَن يسْتَعْمل اللَّفْظ الْمَوْضُوع لطلب الْفِعْل جزما فِي طلبه مَعَ إجَازَة التّرْك وَالْإِذْن فِيهِ مرجوحا أَو مُسَاوِيا بِجَامِع اشتراكهما فِي جَوَاز الْفِعْل جرما فِي طلبه مَعَ إجَازَة التّرْك قلت هُوَ كَمَا صَرَّحُوا بِاسْتِعْمَال الْأسد فِي الْإِنْسَان الشجاع من حَيْثُ أَنه من أَفْرَاد الشجاع لَا من حَيْثُ أَنه مَدْلُول بِهِ على ذاتيات الْإِنْسَان، فاستعماله صِيغَة الْأَمر فِي النّدب وَالْإِبَاحَة من حَيْثُ أَنَّهُمَا من أَفْرَاد جَوَاز الْفِعْل وَالْإِذْن وَتثبت خُصُوصِيَّة كَونه مَعَ جَوَاز التّرْك بِالْقَرِينَةِ كَمَا أَن الْأسد يسْتَعْمل فِي الشجاع، وَيعلم كَونه إنْسَانا بِالْقَرِينَةِ انْتهى، وَتعقب المُصَنّف صدر الشَّرِيعَة بقوله (وَلَا يخفى أَن الدّلَالَة على الْمَعْنى وَعدمهَا) أَي عدم الدّلَالَة على الْمَعْنى (لَا دخل لَهَا فِي كَون اللَّفْظ مجَازًا، وَعَدَمه) أَي عدم كَونه مجَازًا بِأَن تكون حَقِيقَة قَاصِرَة أَو غير قَاصِرَة (بل) مدَار كَونه مجَازًا أَو حَقِيقَة (اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِيهِ) أَي فِي الْمَعْنى (وإرادته) أَي الْمَعْنى (بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ، فَإِن كَانَ الْمَعْنى الْمُسْتَعْمل فِيهِ مَا وضع لَهُ أَو جزءه كَانَ حَقِيقَة على الِاصْطِلَاح الْمَذْكُور، وَإِن كَانَ غَيرهمَا كَانَ مجَازًا، وَكم بَين الدّلَالَة والاستعمال: أَلا ترى أَن اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ يدل على الْجُزْء اللَّازِم وَلَيْسَ بمستعمل فِي شَيْء مِنْهُمَا حِينَئِذٍ (وَلَا شكّ أَنه) أَي الْأَمر (اسْتعْمل فِي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب بِالْفَرْضِ) على مَا هُوَ الْمَفْرُوض، فَإِن المنازع فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الْأَمر الْمُسْتَعْمل فيهمَا مَعَ تَسْلِيم كَونه مَوْضُوعا للْوُجُوب هَل حَقِيقَة فيهمَا أَو مجَاز؟ وَصدر الشَّرِيعَة بصدد تَوْجِيه كَونه حَقِيقَة فيهمَا: فَقَوله أَن لأمر يدل على جُزْء من الْإِبَاحَة، وَهُوَ جَوَاز الْفِعْل لَا يُغْنِيه، لِأَن ذَلِك الْجُزْء مَدْلُول لَهُ وَلَيْسَ بمستعمل فِيهِ حَتَّى يكون حَقِيقَة قَاصِرَة فِي الْجُزْء، وَلَا يلْزم مِنْهُ كَونه حَقِيقَة فِي الْإِبَاحَة والنزاع فِيهَا (فَيكون) الْأَمر (مجَازًا) فيهمَا (وَإِن لم يدل الْأَمر حِينَئِذٍ) أَي حِين اسْتعْمل فيهمَا (إِلَّا على جزئه) أَي جُزْء كل من الْإِبَاحَة وَالنَّدْب (إِطْلَاق الْفِعْل) عطف وَبَيَان لفعله، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا أجَاب بِهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ عَنهُ بقوله (وَكَون اسْتِعْمَاله) أَي الْأَمر (فيهمَا) أَي النّدب وَالْإِبَاحَة (من حَيْثُ هما) النّدب وَالْإِبَاحَة (من أَفْرَاد الْجَامِع) بَينهمَا وَبَين الْوُجُوب (وَهُوَ) أَي الْجَامِع (الْإِذْن) فِي الْفِعْل (كاستعمال الْأسد فِي الرجل الشجاع من حَيْثُ هُوَ) أَي الرجل الشجاع (من أَفْرَاده) أَي من أَفْرَاد الشجاع الْمُطلق كَمَا تقرر من أَن الْمُسْتَعَار لَهُ فِي اسْتِعْمَاله إِنَّمَا هُوَ شخص من أَفْرَاد الشجاع الْمُطلق، وخصوصية كَونه رجلا يفهم
стр. 349
من الْقَرَائِن كَمَا سَيَجِيءُ، وَفسّر الشَّارِح ضمير أَفْرَاده بالأسد وَلَا معنى لَهُ (وَيعلم أَنه) أَي الْمُسْتَعْمل فِيهِ (إِنْسَان بِالْقَرِينَةِ لَا يصرف عَنهُ) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي قَوْله، وَكَون اسْتِعْمَاله إِلَى آخِره، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع للكون الْمَذْكُور، وَالْمَجْرُور للاستعمال فِي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب (إِلَى كَون الِاسْتِعْمَال فِي جُزْء مَفْهُومه) أَي مَفْهُوم الْأَمر وَهُوَ جَوَاز الْفِعْل: إِذْ فرق بَين أَن يكون الْمُسْتَعْمل فِيهِ فَردا من أَفْرَاد مَفْهُوم وَبَين أَن يكون عين ذَلِك الْمَفْهُوم (وَلَا) يصرف أَيْضا (كَون دلَالَته على مُجَرّد الْجُزْء) بِحَيْثُ لَا يتَعَدَّى إِلَى ماهو فَرد لَهُ عَن اسْتِعْمَاله فِي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب إِلَى اسْتِعْمَاله فِي جُزْء مَفْهُومه (بل هُوَ) أَي الْجُزْء الْمَذْكُور (لمُجَرّد تسويغ الِاسْتِعْمَال فِي تَمَامه) أَي تَمام الْمَعْنى الْمجَازِي الْمُسْتَعْمل فِيهِ: لِأَنَّهُ العلاقة بَينه وَبَين الْمَوْضُوع لَهُ، وَلَا ينافى دلَالَة اللَّفْظ بمعونة الْقَرِينَة على غير ذَلِك الْجُزْء أَيْضا، وَهَذِه إِشَارَة إِلَى مَا فِي التَّلْوِيح من منع كَون الْأَمر بِحَيْثُ لَا يدل إِلَّا على الطّلب (وَهُوَ) أَي الِاسْتِعْمَال فِي تَمام الْمَعْنى الْمجَازِي (منَاط المجازية دون الدّلَالَة لثبوتها) أَي الدّلَالَة (على) الْمَعْنى (الوضعي) أَي تَمام مَا وضع لَهُ اللَّفْظ (مَعَ مجازيته) أَي مجازية اللَّفْظ وَكَونه مُسْتَعْملا فِي غير مَا وضع لَهُ، كَيفَ لَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَاسِطَة فِي الِانْتِقَال إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي (كَمَا قدمنَا، والقرينة) إِنَّمَا هِيَ (للدلالة على أَن اللَّفْظ لم يرد بِهِ الْمَعْنى الوضعي) لَا للدلالة على الوضعي أَو جزئه (وَالْمرَاد بحيوان فِي قَوْلنَا: يكْتب حَيَوَان إِنْسَان اسْتِعْمَالا لاسم الْأَعَمّ فِي الْأَخَص بِقَرِينَة يكْتب) إِشَارَة إِلَى مَا فِي التَّلْوِيح من قَوْله: فَإِن قلت فعلى هَذَا لَا فرق بَين قَوْلنَا هَذَا الْأَمر للنَّدْب، وَقَوْلنَا هُوَ للْإِبَاحَة: إِذْ المُرَاد أَنه يسْتَعْمل فِي جَوَاز الْفِعْل مَعَ قرينَة دَالَّة على أَوْلَوِيَّة الْفِعْل، وَالْمرَاد بِكَوْنِهِ للْإِبَاحَة أَنه خَال عَن ذَلِك كَمَا إِذا قُلْنَا: يَرْمِي حَيَوَان، ويطير حَيَوَان، فَإِنَّهُ مَدْلُول اللَّفْظ إِلَّا أَن الأول مُسْتَعْمل فِي الْإِنْسَان، وَالثَّانِي فِي الطير انْتهى. (وَتقدم) فِي أَوَائِل الْكَلَام فِي الْأَمر (أَنه) اسْتِعْمَال الْأَعَمّ فِي الْأَخَص (حَقِيقَة) لِأَن الخصوصية لَيست مِمَّا اسْتعْمل فِيهِ اللَّفْظ: بل هِيَ مَدْلُول عَلَيْهَا بِالْقَرِينَةِ وَلَا يخفى أَنه إِذا كَانَ الْأَمر مُسْتَعْملا على هَذَا المنوال فِي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب كَانَ بِهَذَا الِاعْتِبَار حَقِيقَة قَاصِرَة فيهمَا: فغاية مَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ أَنه خلاف مَا هُوَ الْوَاقِع بِحَسب الظَّاهِر الْمُتَبَادر وَهُوَ أَن اسْتِعْمَاله فيهمَا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار خصوصيتهما لَا بِاعْتِبَار كَونهمَا فردين لجَوَاز الْفِعْل، والخصوصية تُوجد من الْقَرِينَة، وَصدر الشَّرِيعَة إِنَّمَا قصد نوع تَأْوِيل لكَلَام ذَلِك الْقَائِل إِلَّا أَن يَجعله مذهبا لنَفسِهِ، كَيفَ وَقد صرح بِخِلَافِهِ وارتكاب خلاف الظَّاهِر لِئَلَّا يكون الْكَلَام فَاسِدا مَحْضا لَيْسَ ببدع فِي الْأَمر: فَالْأولى أَن يحمل تغليط المُصَنّف فِيمَا سبق على من ظن جزئية الْإِبَاحَة وَالنَّدْب من الْوُجُوب من غير ذَلِك الْقَائِل، وَيَبْنِي كَون الْأَمر حَقِيقَة قَاصِرَة عَلَيْهِ
стр. 350
وَقَوله لَا يخفى إِلَى هُنَا على إِرَادَة تَحْقِيق على كَلَام الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ.
مسئلة
(الصِّيغَة أَي الْمَادَّة) لم يقل ابْتِدَاء الْمَادَّة: لِأَن الْمَذْكُور فِي كَلَام الْقَوْم لفظ الصِّيغَة، فَأَرَادَ تَفْسِيرهَا (بِاعْتِبَار الْهَيْئَة الْخَاصَّة) مَوْضُوعَة (لمُطلق الطّلب، لَا بِقَيْد مرّة) أَي لَيست لطلب الْفِعْل مَعَ قيد هُوَ إِيقَاعه مرّة وَاحِدَة (وَلَا تكْرَار) وَلَيْسَت لَهُ مَعَ كَونه يُوقع مكررا (وَلَا يحْتَملهُ) أَي التّكْرَار أَيْضا بِأَن يُرَاد بهَا لعدم دلالتها عَلَيْهِ، وَفِيه إِن أُرِيد عدم دلالتها بِمُوجب أهل الْوَضع فَمُسلم لَكِن الْخصم لَا يَدعِيهِ، وَلَا حَاجَة إِلَى ذكره بعد بَيَان مَا وضعت لَهُ، وَإِن أُرِيد عدمهَا بمعاونة الْقَرِينَة، فَغير مُسلم (وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد الْحَنَفِيَّة) والآمدي وَابْن الْحَاجِب وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ والبيضاوي، وَقَالَ السُّبْكِيّ وَأرَاهُ رَأْي أَكثر أَصْحَابنَا، (و) قَالَ (كثير) مِنْهُم أَنَّهَا (للمرة) وَعَزاهُ أَبُو إِسْحَق الاسفرايني إِلَى أَكثر الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ أَنه مُقْتَضى كَلَام الشَّافِعِي ﵀، وَأَنه الصَّحِيح الْأَشْبَه بمذاهب الْعلمَاء (وَقيل للتكرار أبدا) أَي مُدَّة الْعُمر مَعَ الْإِمْكَان كَمَا ذكره أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَغَيره ليخرج أزمنة ضروريات الْإِنْسَان، وعَلى هَذَا جمَاعَة من الْفُقَهَاء والمتكلمين: مِنْهُم أَبُو إِسْحَق الاسفرايني (وَقيل) الْأَمر (الْمُعَلق) على شَرط أَو صفة للتكرار لَا الْمُطلق، وَهُوَ معزو إِلَى بعض الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (وَقيل) الْأَمر الْمُطلق للمرة (ويحتمله) أَي التّكْرَار، وَهُوَ معزو إِلَى الشَّافِعِي ﵀ (وَقيل بِالْوَقْفِ) إِمَّا على أَن مَعْنَاهُ (لَا نَدْرِي) أَو وضع للمرة أَو للتكرار أَو للمطلق (أَو) على أَن مَعْنَاهُ (لَا يدْرِي مُرَاده) أَي مُرَاد الْمُتَكَلّم بِهِ (للاشتراك) بَينهمَا، وَهُوَ قَول القَاضِي أبي بكر وَجَمَاعَة، وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ (لنا) على الْمُخْتَار وَهُوَ الأول (إطباق الْعَرَبيَّة على أَن هَيْئَة الْأَمر لَا دلَالَة لَهَا إِلَّا على الطّلب فِي خُصُوص زمَان وخصوص الْمَطْلُوب) من قيام وقعود وَغَيرهمَا، إِنَّمَا هُوَ (من الْمَادَّة وَلَا دلَالَة لَهَا) إِلَّا (على غير مُجَرّد الْفِعْل) أَي الْمصدر (فَلَزِمَ) من مَجْمُوع الْهَيْئَة والمادة (أَن تَمام مَدْلُول الصِّيغَة طلب الْفِعْل فَقَط والبراءة) أَي الْخُرُوج عَن عُهْدَة الْأَمر تحصل (بِمرَّة) أَي بِفعل الْمَأْمُور بِهِ مرّة وَاحِدَة (لوُجُوده) أَي لتحَقّق مَا هُوَ الْمَطْلُوب بإدخاله فِي الْوُجُود مرّة (فَانْدفع دَلِيل الْمرة) وَهُوَ أَن الِامْتِثَال يحصل بِمرَّة فَيكون لَهَا، وَذَلِكَ لِأَن حُصُوله بهَا لَا يستدعى اعْتِبَارهَا جُزْءا من مَدْلُول الْأَمر، لِأَن هَذَا حَاصِل على تَقْدِير الْإِطْلَاق، لِأَنَّهُ لَا يُوجد الْمَأْمُور بِهِ بِدُونِ الْمرة، وَالزِّيَادَة عَلَيْهَا غير مَطْلُوبَة بِهِ (وَاسْتدلَّ) للمختار أَيْضا (مدلولها) أَي الصِّيغَة (طلب حَقِيقَة الْفِعْل فَقَط والمرة والتكرار
стр. 351
خارجان) عَن حَقِيقَته، فَيجب أَن يحصل الِامْتِثَال بِهِ فِي أَيهمَا وجد وَلَا تتقيد بِأَحَدِهِمَا (وَدفع) كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (بِأَنَّهُ) (اسْتِدْلَال بالنزاع) أَي بِالْأَمر الْمُتَنَازع فِيهِ بَين الْقَوْم فَإِن مِنْهُم من يَقُول هِيَ الْحَقِيقَة الْمقيدَة بالوحدة، وَمِنْهُم من يَقُول الْمقيدَة بالتكرار (وبأنهما من صِفَاته) أَي وَاسْتدلَّ أَيْضا بِأَن الْمرة والتكرار من صِفَات الْفِعْل: كالقلة وَالْكَثْرَة (وَلَا دلَالَة للموصوف على خُصُوص صفته بِالصِّفَاتِ الْمُقَابلَة (على الصّفة) الْمعينَة مِنْهَا (وَدفع) هَذَا أَيْضا على مَا فِي الشَّرْح الْمَذْكُور (بِأَنَّهُ إِنَّمَا يقتضى) مَا ذكر (انْتِفَاء دلَالَة الْمَادَّة: أَي الْمصدر على ذَلِك) أَي الْمرة والتكرار (وَالْكَلَام فِي الصِّيغَة) هَل هِيَ تدل على شَيْء مِنْهُمَا أم لَا، وَاحْتِمَال الصِّيغَة لَهما لَا يمْنَع ظُهُور أَحدهمَا، وَالْمُدَّعِي الدّلَالَة ظَاهرا لَا نصا (قَالُوا) أَي المكررون (تكَرر) الْمَطْلُوب (فِي النَّهْي فَعم) فِي الْأَزْمَان (فَوَجَبَ) التّكْرَار أَيْضا (فِي الْأَمر لِأَنَّهُمَا) أَي الْأَمر وَالنَّهْي (طلب قُلْنَا) هَذَا (قِيَاس فِي اللُّغَة لِأَنَّهُ فِي دلَالَة اللَّفْظ) وَقد تقدم بُطْلَانه (و) أُجِيب أَيْضا (بِالْفرقِ) بَينهمَا (بِأَن النَّهْي لتَركه) أَي الْفِعْل (وتحققه) أَي التّرْك (بِهِ) أَي التّرْك (فِي كل الْأَوْقَات) لَا يُقَال كَمَا أَن الْفِعْل يتَحَقَّق فِي بعض الْأَوْقَات كَذَلِك التّرْك يتَحَقَّق فِي بَعْضهَا لِأَن الْمصلحَة غَالِبا فِي انتفائه رَأْسا، وَذَلِكَ لَا يحصل فِي تَركه فِي بعض الْأَوْقَات (وَالْأَمر لَا يُنَافِيهِ) أَي الْفِعْل (ويتحقق) الْفِعْل (بِمرَّة، وَيَأْتِي) فِي هَذَا أَيْضا (أَنه مَحل النزاع) لِأَن كَونه لمُجَرّد إثْبَاته الْحَاصِل بِمرَّة عين النزاع، إِذْ الْمُخَالف يَقُول بل لإثباته دَائِما (وَأما) الْفرق بَينهمَا كَمَا فِي الْمُخْتَصر وَغَيره (بِأَن التّكْرَار مَانع من) فعل (غير الْمَأْمُور بِهِ) لِأَنَّهُ يسْتَغْرق وقته، وَمن شَأْن الْبشر أَنه يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن آخر عَادَة (فيتعطل) مَا سواهُ من الْمَأْمُور بِهِ والمصالح (بِخِلَاف النَّهْي) فَإِن دوَام التّرْك لَا يشْغلهُ عَن شَيْء من الْأَفْعَال (فمدفوع بِأَن الْكَلَام فِي مَدْلُوله) أَي لفظ الْأَمر، وَفِي أَنه هَل يدل على التّكْرَار أم لَا (وَلَيْسَ) مَدْلُوله (ملزوم الْإِرَادَة للتكرار) أَي إِرَادَة الْمُتَكَلّم التّكْرَار لَيْسَ بِلَازِم لكَون التكرارمدلولا للفظ فَيجوز أَن يكون اللَّفْظ دَالا على التّكْرَار، لَكِن الْمُتَكَلّم لَا تتَعَلَّق بِهِ إِرَادَته (فَيجب انتفاؤها) أَي إِرَادَة التّكْرَار على تَقْدِير كَونه مدلولا (للمانع) مِنْهَا: وَهُوَ مَا ذكر من لُزُوم التعطيل، فالدليل الْمَذْكُور يدل على عدم الْإِرَادَة، لَا الدّلَالَة (قَالُوا) أَي المكررون أَيْضا الْأَمر (نهى عَن أضداده) وَهِي كل مَا لَا يجْتَمع مَعَ الْمَأْمُور بِهِ، وَمِنْه تَركه (وَهُوَ) أَي النَّهْي (دائمي) أَي يمْنَع من الْمنْهِي عَنهُ دَائِما (فيتكرر) الْأَمر (فِي الْمَأْمُور) بِهِ إِذا لم يتَكَرَّر، ويكتفي بإيقاعه مرّة وَاحِدَة فِي وَقت وَاحِد لم يمْنَع من أضداده فِي سَائِر الْأَوْقَات (قُلْنَا تكَرر) النَّهْي (الْمَضْمُون فرع تكَرر) الْأَمر (المتضمن فإثبات تكرره) أَي تكْرَار الْأَمر المتضمن (بِهِ) أَي
стр. 352
بتكرار النَّهْي الْمَضْمُون (دور) لتوقف كل من التكررين على الآخر (وَلَيْسَ) هَذَا الْجَواب (بِشَيْء) لأَنا نقُول (بل إِذا كَانَ) تكَرر النَّهْي الْمَضْمُون (فَرعه) أَي فرع تكَرر الْأَمر المتضمن (وتحققنا ثُبُوته) أَي ثُبُوت تكَرر الْفَرْع (استدللنا بِهِ) أَي بتكرره (على أَن الأَصْل كَذَلِك) أَي متكرر أَيْضا (من قبيل) الْبُرْهَان (الانىّ) وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بالأثر على الْمُؤثر (بل) يلْزم (للفرعية) أَي لفرعية تكَرر النَّهْي لتكرر الْأَمر (إِذا كَانَ) الْأَمر (دَائِما كَانَ) نهيا عَن أضداده (دَائِما أَو) كَانَ الْأَمر (فِي) وَقت (معِين فَفِيهِ) نفى ذَلِك الْوَقْت الْمعِين (نهى الضِّدّ) لَا فِي سَائِر الْأَوْقَات (أَو) كَانَ الْأَمر (مُطلقًا فَفِي وَقت الْفِعْل) نهى الضِّدّ (الْمُعَلق) أَي الْقَائِل بِأَن الْأَمر الْمُعَلق على شَرط أَو صفة يدل على التّكْرَار. قَالَ (تكَرر) الْمَأْمُور (فِي نَحْو: وَإِن كُنْتُم جنبا) فاطهروا: فتكرر وجوب التَّطْهِير بِتَكَرُّر الْجَنَابَة (قُلْنَا الشَّرْط هُنَا عِلّة فيتكرر) الْمَأْمُور بِهِ (بتكررها اتِّفَاقًا) ضَرُورَة تكَرر الْمَعْلُول بِتَكَرُّر علته (لَا) يثبت عِنْد ذَلِك التّكْرَار (بالصيغة، وَأما غَيره) أَي مَا لَا يكون عِلّة (كاذا دخل الشَّهْر فَأعتق: فخلاف) أَي فَفِيهِ خلاف فِي كَونه للتكرار (وَالْحق النَّفْي) أَي نفي التّكْرَار فِيهِ (فَإِن قلت: فَكيف نَفَاهُ) أَي تكَرر الحكم بتكرار الْوَصْف الَّذِي هُوَ علته (الْحَنَفِيَّة فِي وَالسَّارِق والسارقة) فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا (فَلم يقطعوا فِي) الْمرة (الثَّالِثَة) يَد السَّارِق الْيُسْرَى إِذا كَانَ قد قطع فِي الأولى يَده الْيُمْنَى. وَفِي الثَّانِيَة رجله الْيُسْرَى مَعَ أَن السّرقَة عِلّة الْقطع (وجلدوا فِي الزَّانِي بكرا أبدا) أَي كلما زنى ليَكُون الزِّنَا عِلّة للجلد (فَالْجَوَاب) أَن يُقَال (أما مانعو تَخْصِيص الْعلَّة فَلم يعلق) الْقطع عِنْدهم (بعلة) من السّرقَة وَنَحْوهَا (لِأَن عدم قطع يَده فِي الثَّانِيَة إِجْمَاعًا نقض) لكَونهَا عِلّة لتخلف الحكم عَنْهَا (فَوَجَبَ عدم الِاعْتِبَار) أَي عدم اعْتِبَار علية السّرقَة للْقطع (فَبَقيَ مُوجبه) أَي النَّص (الْقطع مرّة مَعَ السّرقَة) بِخِلَاف الْجلد فِي الزِّنَا فَإِنَّهُ علق بعلة هِيَ الزِّنَا فيكرر بتكرره (وَالْوَجْه الْعَام) أَي على القَوْل بِجَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة وبعدم جَوَازه (أَنه) أَي نَص الْقطع (مؤول إِذْ حَقِيقَته قطع الْيَدَيْنِ بِسَرِقَة وَاحِدَة) فَإِن منطوقه قطع أَيدي كل من السَّارِق والسارقة إطلاقا للْجمع على مَا فَوق الْوَاحِد، وَهُوَ غير مَعْمُول بِهِ إِجْمَاعًا (بل صرف) النَّص (عَنهُ) أَي عَن قطع الْيَدَيْنِ (إِلَى وَاحِدَة هِيَ الْيُمْنَى بِالسنةِ) فَإِنَّهُ أَتَى النَّبِي ﷺ بسارق فَقطع يَمِينه، فَإِنَّهُ يدل على تعْيين الْيَمين للْقطع وَإِلَّا فقد كَانَ عَادَته طلب الْأَيْسَر للْأمة (وَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود) فَاقْطَعُوا أيمانهما، وَالْقِرَاءَة الشاذة حجَّة على الصَّحِيح (وَالْإِجْمَاع) وَلَا عِبْرَة فِي نقل عَن
стр. 353
شذوذ من الِاكْتِفَاء بِقطع الْأَصَابِع لِأَن بهَا الْبَطْش (فَظهر) بِهَذِهِ الْأَدِلَّة (أَن المُرَاد) من النَّص (انقسام الْآحَاد على الْآحَاد: أَي كل سَارِق فَاقْطَعُوا يَده الْيُمْنَى بِمُوجب حمل الْمُطلق) وَهُوَ أَيْدِيهِمَا (عَلَيْهِ) أَي الْمُقَيد: وَهُوَ الْيُمْنَى لما ذكرنَا (فَلَو فرضت) السّرقَة (عِلّة) للْقطع (تعذر) الْقطع (لفَوَات مَحل الحكم) وَهُوَ الْيُمْنَى (فِي الثَّانِيَة) مُتَعَلق بتعذر، وَذَلِكَ بقطعها فِي الأولى (بِخِلَاف الْجلد) لعدم فَوت مَحَله وَهُوَ الْبدن بِالْجلدِ السَّابِق (وَقطع الرجل فِي الثَّانِيَة بِالسنةِ ابْتِدَاء) فقد روى الشَّافِعِي ﵀ وَالطَّبَرَانِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ " إِذا سرق السَّارِق فَاقْطَعُوا يَده، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله إِلَى غير ذَلِك وبالإجماع وَقَالَ (الْوَاقِف) لَو ثَبت كَونه للمرة أَو للتكرار (فَأَما بالآحاد) وَهِي إِنَّمَا تفِيد الظَّن، والمسئلة علمية، أَو بالتواتر وَهُوَ يمْنَع الْخلاف، وَالْفِعْل الصّرْف لَا مدْخل لَهُ فِيهِ، فَلَزِمَ الْوَقْف (وَتقدم مثله) فِي مسئلة: صِيغَة الْأَمر خَاص فِي الْوُجُوب للْوَاقِف فِي إمهاله أَو لغيره وَجَوَابه (وسؤال) الْأَقْرَع بن حَابِس النَّبِي ﷺ عَن الْحَج بقوله (ألعامنا هَذَا أم لِلْأَبَد) يَعْنِي أوجوب الْحَج الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى - ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ - فِي حَقنا مَخْصُوص بِهَذَا الْعَام، بِمَعْنى أَنه إِذا أَتَيْنَا بِهِ فِي هَذِه السّنة لَا يجب علينا فِي سَائِر السنين، أم يجب علينا كل سنة؟. وَفِي التَّلْوِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ " يَا أَيهَا النَّاس: قد فرض عَلَيْكُم الْحَج فحجوا، فَقَالَ الْأَقْرَع بن حَابِس: أكل عَام يَا رَسُول الله؟ فَسكت حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا: فَقَالَ لَو قلت نعم لوَجَبَ وَلما اسْتَطَعْتُم " (أوردهُ فَخر الْإِسْلَام) دَلِيلا (لاحْتِمَال التّكْرَار) فَقَالَ: لَو لم يحْتَمل اللَّفْظ لما أشكل عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور كَونه دَلِيلا (للْوَقْف بِالْمَعْنَى الثَّانِي) وَهُوَ أَنه لَا يدْرِي مُرَاد الْمُتَكَلّم بِهِ أهوَ الْمرة أَو التّكْرَار (أظهر) من كَونه دَلِيلا لاحْتِمَال التّكْرَار: لِأَنَّهُ إِذا كَانَ يحْتَمل التّكْرَار يلْزم أَن يكون ظَاهرا فِي الْمرة، فَيلْزم كَون السُّؤَال فِي غير مَحَله لِأَنَّهُ مُوجبه للْعَمَل بِالظَّاهِرِ وَترك السُّؤَال بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مُرَاد الْمُتَكَلّم خفِيا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون السُّؤَال فِي مَحل الْحَاجة (وإيراده) دَلِيلا (لإِيجَاب التّكْرَار وَجه بِعِلْمِهِ) أَي السَّائِل (بِدفع الْحَرج) بِنَفْي الْحَرج فِي الدّين وَفِي حمله على التّكْرَار حرج عَظِيم فأشكل عَلَيْهِ فَسَأَلَ (وَإِنَّمَا يصحح) هَذَا التَّوْجِيه (السُّؤَال) على تَقْدِير كَون الْأَمر للتكرار فَإِنَّهُ إِذا علم من الْخَارِج أَن الْأَمر للتكرار، أَو يُقَال لم يكن للسؤال وَجه: فيتعذر بِهَذَا (لَا) أَنه يصحح (كَونه دَلِيلا لوُجُوب التّكْرَار أَو احْتِمَاله) أَي أَو كَونه دَلِيلا لاحْتِمَال التّكْرَار لجَوَاز أَن يكون مُتَسَاوِيا السُّؤَال عدم درايته لمراد الْمُتَكَلّم كَمَا ذكرنَا فَلَا يتَعَيَّن كَون السُّؤَال لعلمه بِدفع الْحَرج مَعَ علمه بِكَوْن الْأَمر للتكرار (ثمَّ
стр. 354
الْجَواب) لِلْجُمْهُورِ عَن الِاسْتِدْلَال بالسؤال الْمَذْكُور (أَن الْعلم بتكرير) الحكم (الْمُتَعَلّق بِسَبَب متكرر ثَابت فَجَاز كَونه) أَي سُؤال السَّائِل الْمَذْكُور (لإشكال أَنه) أَي سَبَب الْحَج (الْوَقْت فيتكرر) وجوب الْحَج بتكريره (أَو) أَن سَببه (الْبَيْت فَلَا) يتَكَرَّر لعدم تكرره. قَالَ الشَّارِح: فِي أَكثر الْكتب أَن السَّائِل هُوَ سراقَة، فَقَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع: ألعامنا هَذَا أم لِلْأَبَد؟ (وَبنى بعض الْحَنَفِيَّة) كفخر الْإِسْلَام، وَصدر الشَّرِيعَة (على التّكْرَار وَعَدَمه، واحتماله) حكم (طَلِّقِي نَفسك أَو طَلقهَا يملك) الْمَأْمُور أَن يُطلق (أَكثر من الْوَاحِدَة) جملَة ومتفرقة (بِلَا نِيَّة على الأول) أَي على أَن الْأَمر للتكرار، فَإِن لفظ طلق إِذا كَانَ مَوْضُوعا لطلب التَّطْلِيق مكررا كَانَ التَّوْكِيل بِأَكْثَرَ من الْوَاحِدَة فَيملكهُ من غير الْتِفَات إِلَى نِيَّة الْمُوكل، لِأَن الشَّرْع يحكم بِالظَّاهِرِ (وَبهَا) أَي وَيملك أَكثر من الْوَاحِدَة بِالنِّيَّةِ (على الثَّالِث) أَي احْتِمَاله التّكْرَار مطابقا لنيته من اثْنَيْنِ وَثَلَاث، فَإِن لم تكن لَهُ نِيَّة أَو نوى وَاحِدَة فَوَاحِدَة لَا غير (وعَلى الثَّانِي) أَي عدم احْتِمَاله التّكْرَار (وَهُوَ) أَي الثَّانِي (قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة يملك (وَاحِدَة) سَوَاء نَوَاهَا أَو اثْنَتَيْنِ أَو لم ينْو شَيْئا (وَالثَّلَاث بِالنِّيَّةِ لَا الثِّنْتَيْنِ) وَإِن نواهما (وَلَا يخفى أَن المتفرع) فِي الْمَذْكُورَات بزعمهم (تعدد الْأَفْرَاد) للطَّلَاق وَعدم تعددها (وَلَيْسَ التّكْرَار) تعددها للْفِعْل (وَلَا ملزومه) أَي التّكْرَار (للتعدد) أَي لتحَقّق التَّعَدُّد بِحَسب الْأَفْرَاد (وَالْفِعْل وَاحِد فِي) إِيقَاع (التَّطْلِيق) دفْعَة وَاحِدَة (ثِنْتَيْنِ) تَارَة (وَثَلَاثًا) أُخْرَى فَإِن فِيهِ تعدد الطَّلَاق مَعَ عدم تكَرر فعل التَّطْلِيق (فَهُوَ) أَي تعدد الْأَفْرَاد (لَازم التّكْرَار أَعم) مِنْهُ لتحققه بِدُونِ التّكْرَار أَيْضا (فَلَا يلْزم من ثُبُوت التَّعَدُّد ثُبُوته) أَي التّكْرَار، لِأَن وجود الْأَعَمّ لَا يسْتَلْزم وجود الْأَخَص (وَلَا من انْتِفَاء التّكْرَار انتفاؤه) أَي التَّعَدُّد، لِأَن انْتِفَاء الْأَخَص لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الْأَعَمّ (فَهِيَ) أَي الصُّور الْمَذْكُورَة بِاعْتِبَار التَّعَدُّد وَعَدَمه، ونظائرها غير مَبْنِيَّة على الْمَذْكُور لتحققها بِدُونِ الْخلاف فِي كَون الْأَمر للتكرار أَو لَا، بل هِيَ مسئلة (مُبتَدأَة) هَكَذَا:
(صِيغَة الْأَمر لَا تحْتَمل التَّعَدُّد الْمَحْض)
بِأَن لَا يكون هُنَاكَ جِهَة وَاحِدَة (لأفراد مفهومها) مُتَعَلق بالتعدد (فَلَا تصح إِرَادَته) أَي التَّعَدُّد الْمَحْض من صيغته (كَالطَّلَاقِ) أَي كَمَا لَا تصح إِرَادَة الطَّلَاق (من اسقنى خلافًا للشَّافِعِيّ) ﵀ فَإِنَّهُ ذهب إِلَى أَنَّهَا تحتمله، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا تحتمله (لِأَنَّهَا مختصرة من طلب الْفِعْل بِالْمَصْدَرِ النكرَة) حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: طلق أَو وَقع طَلَاقا (وَهُوَ) أَي الْمصدر النكرَة (فَرد) من
стр. 355
حَيْثُ أَنه لَا تركيب فِيهِ من جِهَة مَعْنَاهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ (فَتجب مُرَاعَاة فردية مَعْنَاهُ) (فَلَا تحْتَمل ضد مَعْنَاهُ) وَهُوَ التَّعَدُّد الْمَحْض، وَالْعدَد فِيهِ تركيب من الْأَفْرَاد (وَصِحَّة إِرَادَة الثِّنْتَيْنِ فِي الْأمة، وَالثَّلَاث فِي الْحرَّة للوحدة الجنسية) لِأَن الثِّنْتَيْنِ كل جنس طَلَاق الْأمة وَتَمَامه كَمَا أَن الثَّلَاث كَذَلِك فِي الْحرَّة فَإِنَّهُ لوحدته كل مِنْهُمَا فَرد وَاحِد من أَجنَاس التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة فَيَقَع بِالنِّيَّةِ (بِخِلَاف الثِّنْتَيْنِ فِي الْحرَّة) فَإِنَّهُ (لَا جِهَة لوحدته) فيهمَا لَا حَقِيقَة وَلَا حكما (فَانْتفى) كَونه مُحْتَمل اللَّفْظ فَلَا ينَال بِالنِّيَّةِ وَالْحَاصِل أَن الْفَرد الْحَقِيقِيّ مُوجبه والفرد الاعتباري محتمله، وَالْعدَد الْمَحْض لَا مُوجبه وَلَا يحْتَملهُ، وَمُوجب اللَّفْظ يثبت بِاللَّفْظِ من غير افتقار إِلَى النِّيَّة، ومحتمله لَا يثبت إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَمَا لَا يحْتَملهُ لَا يثبت وَإِن نوى، لِأَن النِّيَّة لتعيين مُحْتَمل اللَّفْظ، لَا لإِثْبَات مَا لَا يحْتَملهُ (وَبعد أَنه لَا يلْزم اتِّحَاد مَدْلُول الصِّيغَة وتعدده) أَي تعدد مدلولها، بل قد يكون وَاحِدًا، وَقد يكون مُتَعَددًا (فقد يبعد نفي الِاحْتِمَال) أَي احْتِمَال التَّعَدُّد (لثُبُوت الْفرق لُغَة بَين أَسمَاء الْأَجْنَاس الْمعَانِي، وَبَعض) أَسمَاء الْأَجْنَاس (الْأَعْيَان) إِذْ لَا يُقَال لِرجلَيْنِ رجل، وَيُقَال للْقِيَام الْكثير قيام كالأعيان المتماثلة الْأَجْزَاء كَالْمَاءِ وَالْعَسَل، فَإِذا صدق الطَّلَاق على طَلْقَتَيْنِ كَيفَ لَا يحْتَملهُ) أَي الطَّلَاق هَذَا الْعدَد (لكِنهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (استمروا على مَا سَمِعت) من عدم الِاحْتِمَال (فِي الْكل) أَي كل أَسمَاء الْأَجْنَاس الْمعَانِي والأعيان حَتَّى قَالُوا تَفْرِيعا على ذَلِك (فَلَو حلف لَا يشرب مَاء انْصَرف) حلفه (إِلَى أقل مَا يصدق عَلَيْهِ) مَاء وَهُوَ قَطْرَة عِنْد الْإِطْلَاق (وَلَو نوى مياه الدُّنْيَا صَحَّ فيشرب مَا شَاءَ) مِنْهَا، وَلَا يَحْنَث لصدق أَنه لم يشْربهَا (أَو) قدرا من الأقدار المتخللة بَين الحدين كَمَا لَو نوى (كوزا لَا يَصح) ذَلِك مِنْهُ لخلو الْمَنوِي عَن صفة الفردية حَقِيقَة وَحكما.
مسئلة
(الْفَوْر) وَهُوَ امْتِثَال الْمَأْمُور بِهِ عقبه (ضَرُورِيّ للقائل بالتكرار) لِأَنَّهُ يلْزم استغراق الْأَوْقَات بِالْفِعْلِ الْمَأْمُور بِهِ على مَا مر (وَأما غَيره) أَي غير الْقَائِل بالتكرار (فإمَّا) أَي فَيَقُول الْمَأْمُور بِهِ لَا يَخْلُو من أَنه إِمَّا (مُقَيّد بِوَقْت يفوت الْأَدَاء) أَي أَدَاؤُهُ (بفوته) أَي بفوت ذَلِك الْوَقْت وَيَأْتِي تَفْصِيله فِي الْمَحْكُوم عَلَيْهِ (أَولا) أَي أَو غير مُقَيّد بِوَقْت كَذَا، وَإِن كَانَ وَاقعا فِي وَقت لَا محَالة (كالأمر بالكفارات وَالْقَضَاء) للصَّوْم وَالصَّلَاة (فَالثَّانِي) أَي غير الْمُقَيد بِمَا ذكر (لمُجَرّد الطّلب فَيجوز التَّأْخِير) على وَجه لَا يفوت الْمَأْمُور بِهِ كَمَا يجوز البدار بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الْحَنَفِيَّة، وعزى إِلَى الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ، والآمدي، وَابْن الْحَاجِب،
следующие страницы →