Полный текст (1 287 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
التَّحْرِيم المؤبد فَكَانَ الْمنْهِي عَنهُ بَاطِلا (وَكَذَا الصَّلَاة بِلَا طَهَارَة بَاطِلَة لمثله) أَي لانْتِفَاء أَهْلِيَّة العَبْد لَهَا بِلَا طَهَارَة شرعا فَصَارَ فعلهَا بِدُونِ الطَّهَارَة عَبَثا فقبح لعَينه (وَكَانَ يجب مثله) أَي بطلَان الصَّلَاة (فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة لَكِن الظَّن الْمُتَقَدّم) أوجب خِلَافه إِشَارَة إِلَى مَا سبق من قَوْله وَمَا خَالف فلدليل كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة على ظنهم: أَي الْحَنَفِيَّة، فَإِنَّهُم حكوا بِصِحَّتِهَا مَعَ النَّهْي الْمحرم، أَو الْمُوجب لكَرَاهَة التَّحْرِيم للْحَدِيث الْمَذْكُور فِيمَا سبق، وَذَلِكَ لِأَن مُقْتَضى النَّهْي التَّحْرِيم الْمنَافِي للْجُوَاز (وروى عَن أبي حنيفَة بُطْلَانهَا كَمَا اخترناه وَهُوَ قَول زفر) والدراية تقَوِّي هَذِه الرِّوَايَة، فَلْيَكُن التعويل عَلَيْهَا (فَإِن لم يرتب) الشَّارِع على الْمنْهِي عَنهُ حكما يُوجب كَون النَّهْي عَن الْمنْهِي عَنهُ لعَينه (ظهر أَنه لم يعْتَبر فِيهِ جِهَة توجب قبحا فِي عينه كَالْبيع) الْفَاسِد فِي وَقت النداء للْجُمُعَة (على مَا تقدم فَينْعَقد سَببا) لحكمه كالملك (فَظهر أَن الِاخْتِلَاف) فِي المنهيات الشرعيات من حَيْثُ الانتهاض سَببا وَعَدَمه (لَيْسَ مُرَتبا على أَن النَّهْي عَن الشَّرْعِيّ يدل على الصِّحَّة) للمنهي عَنهُ كَمَا هُوَ معزو إِلَى الْحَنَفِيَّة وَإِلَّا لما اخْتلفت فِي انتهاضها مسَائِل على أَن النَّهْي إخْرَاجهَا عَن الْمَحَلِّيَّة لما ذكر لم تنتهض إِلَّا وانتهضت (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة النَّهْي فِي المشروعيات (يدل على مشروعيته) أَي الْفِعْل الْمنْهِي عَنهُ (بِأَصْلِهِ لَا بوصفه إِنَّمَا يُفِيد صِحَة الأَصْل) أَي أصل الْفِعْل (وَلَا يخْتَلف فِيهِ) أَي فِي كَون الأَصْل صَحِيحا (لِأَنَّهُ) أَي الأَصْل (غير الْمنْهِي عَنهُ) الَّذِي هُوَ مَجْمُوع الأَصْل وَالْوَصْف (فَلَا يستعقب) كَون الْمنْهِي عَنهُ يدل على مَشْرُوعِيَّة الْفِعْل بِأَصْلِهِ (صِحَّته) أَي الأَصْل (بِوَصْف يلازمه) أَي الأَصْل، لَا يُقَال دلّ على صِحَة الأَصْل، وَالْوَصْف الملازم لَا يُفَارق الأَصْل فِي الْوُجُود فَلَا يُفَارِقهُ فِي الصِّحَّة أَيْضا لجَوَاز أَن يكون الشَّيْء بِالنّظرِ إِلَى نَفسه صَحِيحا، وبالنظر إِلَى وَصفه فَاسِدا وَإِن كَانَ ذَلِك الْوَصْف لَازِما لذاته، وَالله أعلم.
تمّ الْجُزْء الأول ويليه الْجُزْء الثَّانِي، وأوله: الْفَصْل الْخَامِس فِي الْمُفْرد بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله.
стр. 387
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْفَصْل الْخَامِس
فِي الْمُفْرد بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله (هُوَ) أَي الْمُفْرد (بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله يَنْقَسِم إِلَى حَقِيقَة ومجاز فالحقيقة) فعيلة بِمَعْنى فَاعل، من حق: إِذا ثَبت، أَو مفعول، من حققت الشَّيْء أحقه بِالضَّمِّ: إِذا أثْبته: فَالْمَعْنى الْكَلِمَة الثَّابِتَة أَو المثبتة فِي مَكَانهَا الْأَصْلِيّ، وَالتَّاء للنَّقْل من الوصيفه إِلَى الاسمية الصرفة، وللتأنيث عِنْد السكاكي: أما إِذا كَانَ بِمَعْنى فَاعل فَظَاهر لِأَنَّهُ يذكر وَيُؤَنث حِينَئِذٍ جرى على موصوفه أَولا وَأما إِذا كَانَ بِمَعْنى مفعول، فالتأنيث بِاعْتِبَار مَوْصُوف مؤنث لَهَا: أَي الْكَلِمَة غير مجراة هِيَ عَلَيْهِ، وَفِيه تكلّف مُسْتَغْنى عَنهُ، وَهِي اصْطِلَاحا (اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ أَو مَا صدق) مَا وضع لَهُ (عَلَيْهِ) فالمستعمل فِيهِ حِينَئِذٍ فَرد من أَفْرَاد الْمَوْضُوع لَهُ (فِي عرف بِهِ) أَي بذلك الْعرف (ذَلِك الِاسْتِعْمَال) أَي بِنَاء الِاسْتِعْمَال على ذَلِك الْعرف، والظرف مُتَعَلق بِالْوَضْعِ، فَخرج بِالْمُسْتَعْملِ المهمل والموضوع قبل الِاسْتِعْمَال، وَبِقَوْلِهِ فِيمَا وضع لَهُ الْمجَاز والغلط كَمَا سَيَأْتِي (وتنقسم) الْحَقِيقَة (بِحَسب ذَلِك) الْوَضع (إِلَى لغوية) بِأَن يكون الْوَاضِع أهل اللُّغَة (وشرعية) بِأَن يكون الشَّارِع (كَالصَّلَاةِ) حَقِيقَة لغوية: فالدعاء شَرْعِيَّة فِي الْأَركان الْمَخْصُوصَة (وعرفية عَامَّة) بِأَن يكون يكون أهل الْعرف الْعَام (كالدابة) فِي ذَوَات الْأَرْبَع والحافر (وخاصة) بِأَن يكون أهل الْعرف الْخَاص (كالرفع) للحركة والحرف المخصوصين: فَإِن أهل الْعَرَبيَّة وضعوه لَهما (وَالْقلب) كجعل الْمَعْلُول عِلّة وَعَكسه فَإِن الْأُصُولِيِّينَ وضعوه لَهُ (وَيدخل) فِي الْحَقِيقَة اللَّفْظ (الْمَنْقُول) وَهُوَ (مَا وضع لِمَعْنى بِاعْتِبَار مُنَاسبَة لما كَانَ) اللَّفْظ مَوْضُوعا (لَهُ أَولا) وَسَيَأْتِي تَفْصِيله (والمرتجل) وَهُوَ الْمُسْتَعْمل فِي وضعي لم يسْبق بآخر (والأعم) الْمُسْتَعْمل (فِي الْأَخَص كَرجل فِي زيد) نقل عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: لِأَن الْمَوْضُوع للأعم حَقِيقَة فِي كل فَرد من أَفْرَاده كالإنسان فِي زيد، لَا يعرف القدماء غير هَذَا إِلَى أَن أحدث التَّفْصِيل بَين أَن يُرَاد بِهِ خُصُوص الشَّخْص
стр. 388
يَجْعَل خُصُوص عوارضه الشخصية مرَادا مَعَ الْمَعْنى الْأَعَمّ، فَيكون مجَازًا، أَو لَا فَيكون حَقِيقَة وَكَأن هَذِه الْإِرَادَة قَلما تخطر عِنْد الْإِطْلَاق حَتَّى ترك الأقدمون ذَلِك التَّفْصِيل، بل الْمُتَبَادر من مُرَاد من يَقُول لزيد يَا إِنْسَان: يامن صدق عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظ لَا يُلَاحظ أَكثر من ذَلِك انْتهى (وَزِيَادَة أَولا) بعد قَوْله فِيمَا وضع لَهُ كَمَا ذكره الْآمِدِيّ وَغَيره (تخل بعكسه) أَي التَّعْرِيف (لصدق الْحَقِيقَة) فِي نفس الْأَمر (على الْمُشْتَرك) الْمُسْتَعْمل (فِي) الْمَعْنى (الْمُتَأَخر وَضعه لَهُ) وَهَذِه الزِّيَادَة تمنع صدق الْحَد عَلَيْهِ (وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ) دلَالَة على (أَنه) أَي الْقَيْد الَّذِي زيد (بِاعْتِبَار وضع الْمجَاز) أَي إِنَّمَا أَتَى بِهِ بِسَبَب اعْتِبَار الْوَضع فِي الْمجَاز لما ذكرُوا من أَن اللَّفْظ مَوْضُوع بِإِزَاءِ الْمَعْنى الْمجَازِي وضعا نوعيا لكنه وضع ثانوي وَلَا بُد لَهُ من تقدم وضع عَلَيْهِ فَذكر أَولا ليخرج الْمجَاز، كَذَا ذكره بعض الأفاضل، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَن لَا يكون من شَأْنه الثانوية فَلَا يشكل بِالْمَعْنَى الثَّانِي للمشترك، لِأَن الثانوية لَيست لَازِمَة لحقيقته وَإِن تحققت فِيهِ غير أَن هَذَا التَّأْوِيل مِمَّا لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ كَمَا ذكره المُصَنّف ﵀ (على أَنه لَو فرض) وضع الْمجَاز (جَازَ أولية وضع الْمجَاز كاستعماله) أَي كَمَا يجوز أولية اسْتِعْمَال الْمجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة بِأَن يوضع اللَّفْظ فيستعمل فِيمَا بَينه وَبَين مَا وضع لَهُ علاقَة قبل أَن يسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ، كَذَلِك يجوز أولية وضع الْمجَاز قبل وَضعه لمعناه بِأَن يَقُول وضعت هَذَا اللَّفْظ لِأَن يَسْتَعْمِلهُ فِيمَا بَينه وَبَين مَا سأضعه لَهُ مُنَاسبَة مُعْتَبرَة، كَذَا نقل عَن المُصَنّف فِي تَوْجِيه هَذَا الْمحل (وَبلا تَأْوِيل) أَي وَزِيَادَة السكاكي بِلَا تَأْوِيل بعد ذكر الْوَضع ليحترز بِهِ عَن الِاسْتِعَارَة لعد الْكَلِمَة مستعملة فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَة لَهُ، لَكِن بالتأويل فِي الْوَضع: وَهُوَ أَن يستعار الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ لغيره بطرِيق الادعاء مُبَالغَة ثمَّ يُطلق عَلَيْهِ اللَّفْظ فَيكون مُسْتَعْملا فِيمَا وضع لَهُ بِتَأْوِيل، وَهَذِه الزِّيَادَة وَاقعَة (بِلَا حَاجَة) إِلَيْهَا فِي صِحَة الْحَد (إِذْ حَقِيقَة الْوَضع لَا تَشْمَل الادعائي) كَمَا سيتضح قَرِيبا وَقد يعْتَذر عَنهُ فِي ذَلِك بِأَنَّهُ أَرَادَ دفع الْوَهم لمَكَان الِاخْتِلَاف فِي الِاسْتِعَارَة هَل هُوَ مجَاز لغَوِيّ أَو حَقِيقَة لغوية (وَالْمجَاز) فِي الأَصْل مفعل: أما مصدر بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل من الْجَوَاز بِمَعْنى العبور والتعدي، سميت بِهِ الْكَلِمَة المستعملة فِي غير مَا وضعت لَهُ لما فِيهَا من التَّعَدِّي من محلهَا الْأَصْلِيّ. أَو اسْم مَكَان سميت بِهِ لكَونهَا مَحل التَّعَدِّي للمعنى الْأَصْلِيّ أَو من جعلت كَذَا مجَازًا إِلَى حَاجَتي أَو طَرِيقا لَهَا، على أَن معنى جَازَ الْمَكَان سلكه، فَإِن الْمجَاز بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ طَرِيق إِلَى مَعْنَاهُ الْمُسْتَعْمل فِيهِ (مَا اسْتعْمل لغيره) أَي لفظ مُسْتَعْمل لغير مَا وضع لَهُ وَمَا صدق عَلَيْهِ (لمناسبة) بَينه وَبَين ذَلِك الْغَيْر (اعْتِبَار) بَين أهل الْعَرَبيَّة (نوعها) أَي نوع تِلْكَ الْمُنَاسبَة، وَسبب اعْتِبَار النَّوْع أَنه وجد فِي كَلَام الْعَرَب اسْتِعْمَال الْكَلِمَة فِي معنى وجد فِيهِ فَرد من أَفْرَاد ذَلِك
стр. 389
النَّوْع من الْمُنَاسبَة (وينقسم) الْمجَاز إِلَى لغَوِيّ وشرعي، وعرفي عَام وخاص (كالحقيقة لِأَن الِاسْتِعْمَال فِي غير مَا وضع لَهُ، إِمَّا لمناسبة لما وضع لَهُ لُغَة أَو شرعا، أَو عرفا خَاصّا أَو عَاما (وَتدْخل الْأَعْلَام فيهمَا) أَي فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، فالمرتجل فِي الْحَقِيقَة وَهُوَ ظَاهر وَالْمَنْقُول إِن لم يكن مَعْنَاهُ الثَّانِي من أَفْرَاد الْمَعْنى الأول: فَهُوَ حَقِيقَة فِي الأول مجَاز فِي الثَّانِي من جِهَة الْوَضع الثَّانِي وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الثَّانِي من أَفْرَاد مَعْنَاهُ الأول، فَإِن كَانَ إِطْلَاقه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار أَنه من أَفْرَاد الأول فَهُوَ حَقِيقَة من جِهَة الْوَضع الأول مجَاز فِي الثَّانِي من جِهَة الْوَضع الأول ومجاز فِي الأول حَقِيقَة فِي الثَّانِي من جِهَة الْوَضع الثَّانِي وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الثَّانِي من أَفْرَاد مَعْنَاهُ الأول، فَإِن كَانَ إِطْلَاقه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار أَنه من أَفْرَاد الأول، فَهُوَ حَقِيقَة من جِهَة الْوَضع الأول، مجَاز من جِهَة الْوَضع الثَّانِي، وَإِن كَانَ بِاعْتِبَار أَنه من أَفْرَاد الثَّانِي فحقيقة من جِهَة الْوَضع الثَّانِي، مجَاز من جِهَة الْوَضع الأول، كَذَا ذكره الشَّارِح من غير تَنْقِيح وَلَا يخفى أَن الْأَعْلَام على تَقْدِير دُخُولهَا فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز كَغَيْرِهَا إِن اسْتعْملت فِيمَا وضعت لَهُ فِي عرف ذَلِك الِاسْتِعْمَال فحقيقة، وَإِن اسْتعْملت فِي غير ذَلِك فمجاز، سَوَاء كَانَت مرتجلة أَو منقولة إِلَى فَرد من أَفْرَاد الْمَعْنى الأول أَو إِلَى غَيره، فَإِذا كَانَ مدَار الِاسْتِعْمَال على الْوَضع الثَّانِي، وَأُرِيد بِالْعلمِ الْمَنْقُول مَا وضع لَهُ أَولا، أَو فَرد مَا وضع أَولا من حَيْثُ أَنه فَرد فَجَاز ايضا، وَإِن كَانَ مَدَاره على الْوَضع الأول وَأُرِيد بِهِ مَا وضع لَهُ ثَانِيًا من حَيْثُ انه وضع لَهُ ثَانِيًا من حَيْثُ أَنه وَله ضع لَهُ ثَانِيًا فمجاز أَيْضا، وَإِن كَانَ فَردا لما وضع لَهُ أَولا فَردا فالمدار على الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ فِي عرف التخاطب وجودا وعدما فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الْعلم وَغَيره (و) لزم (على من أخرجهَا) أَي الْأَعْلَام مِنْهُمَا كالآمدي والرازي (تَقْيِيد الْجِنْس) الْمَأْخُوذ فِي تعريفهما بِغَيْر الْعلم، قَالَ الشَّارِح وَاقْتصر الْبَيْضَاوِيّ على أَنَّهَا لَا تُوصَف بالمجاز بِالذَّاتِ لِأَنَّهَا لم تنقل لعلاقة، وَفِيه نظر انْتهى (وَخرج عَنْهُمَا) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (الْغَلَط) كخذ هَذَا الْفرس مُشِيرا إِلَى الْكتاب أما عَن الْحَقِيقَة فَظَاهر، وَأما عَن الْمجَاز فَلِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل فِي غير الوضعي لعلاقة، لِأَن الِاسْتِعْمَال عبارَة عَن ذكر اللَّفْظ وَإِرَادَة الْمَعْنى بِهِ وَلم يتَحَقَّق، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ الْمَعْنى تعلّقت بِهِ إِرَادَة الْمُتَكَلّم لَكِن من حَيْثُ أَنه جرى الْفرس على لِسَانه خطأ فَهُوَ حَال الْإِعْرَاب أَو اللَّفْظ بِاعْتِبَار تغير حكم إعرابه والتعريف للْأولِ، فَلَا ينْتَقض بِخُرُوج الْمجَاز بِالنُّقْصَانِ، وَالزِّيَادَة كَقَوْلِه - ﴿واسئل الْقرْيَة﴾ - وَلَيْسَ كمثله ذكره الشَّارِح، وَقَالَ المُصَنّف (ومجاز الْحَذف حَقِيقَة) مستعملة فِيمَا وضع لَهُ (لِأَنَّهُ) أَي مجَاز الْحَذف إِنَّمَا هُوَ (الْمَذْكُور) الْمُسْتَعْمل فِي مَعْنَاهُ كَلَفْظِ الْقرْيَة المُرَاد بِهِ الْمَكَان الَّذِي وَضعه بإزائه، وَإِنَّمَا سمي مجَازًا (بِاعْتِبَار تغير إعرابه) وَهُوَ الْجَرّ إِلَى النصب لِأَن التَّقْدِير اسئل أهل الْقرْيَة (وَلَو أُرِيد بِهِ) أَي بالمذكور وَهُوَ الْقرْيَة فِي هَذَا الْمِثَال (الْمَحْذُوف) بِذكر
الاثْنَي
стр. 390
الْمحل وَإِرَادَة الْحَال (كَانَ) الْمَذْكُور هُوَ الْمجَاز (الْمَحْدُود) ويشمله التَّعْرِيف الْمَذْكُور (ومجاز الزِّيَادَة قيل) فِي تَعْرِيفه هُوَ (مَا لم يسْتَعْمل لِمَعْنى) كالكاف فِي كمثله، لِأَن الْمَعْنى لَيْسَ مثله من غير زِيَادَة فِيهِ (وَمُقْتَضَاهُ) أَي مُقْتَضى هَذَا القَوْل (أَنه لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا) لِأَن الِاسْتِعْمَال فِي الْمَعْنى مَأْخُوذ فِي كل مِنْهُمَا (وَلما لم ينقص) مجَاز الزِّيَادَة (عَن التَّأْكِيد قيل لَا زَائِد) فِي كَلَام الْعَرَب، فَالْمُرَاد بِنَفْي الزِّيَادَة نفي كَونه لَغوا لَا فَائِدَة لَهُ أصلا فِي الْمَعْنى، وبإثباتها عدم اسْتِعْمَاله فِي معنى حَقِيقَة أَو مجَازًا، فَلَا تدافع بَينهمَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا هُوَ التَّحْقِيق عِنْده بقوله (وَالْحق أَنه) أَي مجَاز الزِّيَادَة (حَقِيقَة لوضعه لِمَعْنى التَّأْكِيد) واستعماله فِيهِ كَمَا وضع لغيره من التَّشْبِيه وَغَيره وَاسْتعْمل فِيهِ (لَا مجَاز لعدم العلاقة) الَّتِي هِيَ شَرط فِي الْمجَاز بَين مَعْنَاهُ الْمَشْهُور وَبَين التَّأْكِيد (فَكل مَا اسْتعْمل زَائِدا مُشْتَرك) بَين التَّأْكِيد وَغَيره (وزائد باصطلاح النَّحْوِيين) عطف على قَوْله حَقِيقَة، ومرادهم من الزِّيَادَة عدم إفادته غير التاكيد، لَا عدم إفادته مُطلقًا، فَإِنَّهُ يُنَافِي بلاغة الْكَلَام (وَاعْلَم أَن الْوَضع يكون لقاعدة) لَيست اللَّام صلَة الْوَضع لِأَن الْقَاعِدَة لَيست مَا وضع لَهُ، بل هِيَ لَام الْغَرَض، فَإِن الْمَقْصد من هَذَا النَّوْع من الْوَضع تَحْصِيل قَاعِدَة كُلية يعلم مِنْهَا وضع أَلْفَاظ كَثِيرَة بِإِزَاءِ معَان كَثِيرَة كَقَوْلِه: وضعت كل اسْم فَاعل بِإِزَاءِ ذَات ثَبت لَهَا مبدأ الِاشْتِقَاق بِمَعْنى الْحُدُوث وَقَوله (كُلية) صفة كاشفة، لِأَنَّهُ لَا تكون الْقَاعِدَة إِلَّا كُلية (جزئيات موضوعها) أَي مَوْضُوع تِلْكَ الْقَاعِدَة وَهُوَ فِي الْمِثَال الْمَذْكُور كل اسْم فَاعل (أَلْفَاظ مَخْصُوصَة) كضارب وناصر وكل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضُوع لِمَعْنى مَخْصُوص (ولمعنى خَاص) مَعْطُوف على قَوْله لقاعدة: أَي الْغَرَض من الْقسم الثَّانِي من الْوَضع إِفَادَة معنى خَاص وضع اللَّفْظ بإزائه بِخِلَاف الأول، فَإِن الْغَرَض مِنْهُ إِفَادَة معَان كَثِيرَة بِأَلْفَاظ كَثِيرَة (وَهُوَ) أَي الْوَضع لمُعين خَاص (الْوَضع الشخصي، وَالْأول) أَي الْوَضع لقاعدة إِلَى آخِره الْوَضع (النوعي) لكَون كل من الْمَوْضُوع لَهُ فِيهِ مفهوما كليا ينْدَرج تَحْتَهُ أَفْرَاد كَثِيرَة بِخِلَاف الأول (وينقسم) النوعي (إِلَى مَا) أَي إِلَى وضع نَوْعي (يدل جزئي مَوْضُوع مُتَعَلقَة) قد عرفت أَن الْوَضع النوعي مُتَعَلقَة الْقَاعِدَة الْكُلية وَأَن لَهَا مَوْضُوعا، لِأَنَّهَا قَضِيَّة كُلية وَأَن لموضوعها جزئيات: أَي أفرادا هى أَلْفَاظ مَخْصُوصَة، فَإِن كَانَ جزئي مَوْضُوع مُتَعَلّقه دَالا (بِنَفسِهِ) فَهُوَ الْقسم الْمشَار إِلَيْهِ بقوله (وَهُوَ) مَا يدل إِلَى آخِره (وضع قَوَاعِد التراكيب) الْقَوَاعِد مُتَعَلقَة بالتراكيب كَقَوْلِه: وضعت هَذِه الْهَيْئَة التركيبية للنسبة الإسنادية، وَهَذِه للنسبة الإضافية إِلَى غير ذَلِك (والتصاريف) أَي وقواعد مُتَعَلقَة بالتصاريف، والتصريف تَحْويل مبدأ الِاشْتِقَاق إِلَى أَمْثِلَة مُخْتَلفَة كالفعل وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَغَيرهَا (و) إِلَى مَا يدل جزئي مَوْضُوع مُتَعَلّقه (بِالْقَرِينَةِ وَهُوَ) أَي مَا يَد بِالْقَرِينَةِ (وضع الْمجَاز كَقَوْل الْوَاضِع: كل مُفْرد
стр. 391
بَين مُسَمَّاهُ و) بَين (غَيره) من الْمعَانِي الْمُنَاسبَة لَهُ أَمر (مُشْتَرك) يَعْنِي علاقَة ذَات نِسْبَة إِلَى كل من الْمُسَمّى وَذَلِكَ الْغَيْر (اعتبرته) صفة لمشترك، ثمَّ فسر اعْتِبَاره لذَلِك الْمُشْتَرك بقوله (أَي استعملته) أَي الْفَرد (فِي الْغَيْر بِاعْتِبَارِهِ) أَي اسْتِعْمَاله فِي ذَلِك الْغَيْر بِاعْتِبَار ذَلِك الْمُشْتَرك الْمُوجب للمناسبة بَينهمَا (فَلِكُل) من النَّاس أَن يسْتَعْمل (ذَلِك) الْمُفْرد فِي ذَلِك الْغَيْر // بِاعْتِبَار الْمُشْتَرك بَينهمَا (مَعَ قرينَة) صارفة عَن الْمُسَمّى مُعينَة لذَلِك الْمَعْنى (وَلَفظ الْوَضع حَقِيقَة عرفية فِي كل من الْأَوَّلين) الشخصي والنوعي الدَّال جُزْء مَوْضُوع مُتَعَلّقه بِنَفسِهِ لتبادر كل مِنْهُمَا إِلَى الْفَهم من إِطْلَاق لفظ الْوَضع، توصيف الشخصي بالأولوية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّالِث فَلَا يُنَافِي ثانويته فِي التَّقْسِيم الأول (مجَاز فِي الثَّالِث) النوعي الدَّال جزئي مَوْضُوع مُتَعَلّقه بِالْقَرِينَةِ (إِذْ لَا يفهم) من إِطْلَاق الْوَضع (بِدُونِ تَقْيِيده) أَي الْوَضع بالمجاز كَأَن يُقَال: وضع الْمجَاز (فَانْدفع) بِهَذَا التَّحْقِيق (مَا قيل) على حد الْحَقِيقَة، وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (أَن أُرِيد بِالْوَضْعِ) الْوَضع (الشخصي خرج من الْحَقِيقَة) كثير من الْحَقَائِق (كالمثنى والمصغر) وكل مَا تكون دلَالَته بِحَسب الْهَيْئَة لَا الْمَادَّة لِأَنَّهَا، مَوْضُوعَة بالنوع لَا بالشخص (أَو) أُرِيد بِهِ مُطلق الْوَضع (الْأَعَمّ) من الشخصي والنوعي (دخل الْمجَاز) فِي تَعْرِيف الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ مَوْضُوع بالنوع وَحَاصِل الدّفع اخْتِيَار الشق الثَّالِث، وَهُوَ الْمَعْنى الْعرفِيّ الَّذِي يعم الْأَوَّلين: أَعنِي تعْيين اللَّفْظ للدلالة على الْمُسَمّى بِنَفسِهِ (وَظهر اقْتِضَاء الْمجَاز وضعين) وضعا (للفظ) لمسماه الَّذِي يسْتَعْمل فِيهِ حَقِيقَة (و) وضعا (لِمَعْنى نوع العلاقة) أَي لِمَعْنى بَينه وَبَين الْمُسَمّى نوع من العلاقة الْمُعْتَبرَة عِنْد أَرْبَاب الْعَرَبيَّة، والعلاقة بِكَسْر الْعين مَا ينْتَقل الذِّهْن بواسطته عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِلَى الْمجَازِي، وَهِي فِي الأَصْل مَا يعلق الشَّيْء بِغَيْرِهِ، وَأما بِفَتْحِهَا فَهُوَ تعلق الْخصم بخصمه، والمحب بمحبوبه: كَذَا قيل، وَفِي الْقَامُوس العلاقة بِالْكَسْرِ: الْحبّ اللَّازِم للقلب، وبالفتح، الْمحبَّة وَنَحْوهَا، وبالكسر فِي السَّوْط وَنَحْوه (وَهِي) أَي العلاقة (بالاستقراء) خَمْسَة: (مشابهة صورية) بَين مَحل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (كإنسان للمنقوش) أَي كمشابهة الْإِنْسَان للصورة المنقوشة فِي الْجِدَار وَغَيره (أَو) مشابهة بَينهمَا (فِي معنى مَشْهُور) أَي صفة غير الشكل ظَاهِرَة الثُّبُوت بِمحل الْحَقِيقَة، لَهَا بِهِ مزِيد اخْتِصَاص وشهرة لينتقل الذِّهْن عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ من الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِلَى تِلْكَ الصّفة فِي الْجُمْلَة: فيفهم الْمَعْنى الْمجَازِي بِاعْتِبَار ثُبُوت الصّفة لَهُ (كالشجاعة للأسد) فَإِنَّهَا صفة مَشْهُورَة لَهُ (بِخِلَاف البخر) فَإِنَّهُ غير مَشْهُور بِهِ فَلَا يَصح إِطْلَاق الْأسد على الرجل الأبخر للاشتراك فِي البخر (ويخص) هَذَا النَّوْع من الْمجَاز (بالاستعارة) أَي باسم الِاسْتِعَارَة (فِي عرف) لأهل علم الْبَيَان وَإِن كَانَ كل مجَاز فِيهِ اسْتِعَارَة للفظ من مَحَله الْأَصْلِيّ بِحَسب اللُّغَة بِخِلَاف
стр. 392
ذِي اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا شبه بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ لعلاقة المشابهة: وَكَثِيرًا مَا يُطلق على اسْتِعْمَال الْمُشبه بِهِ فِي الْمُشبه، وَمَا عدا هَذَا النَّوْع يُسمى مجَازًا مُرْسلا (والكون) عَلَيْهِ أَي (كَون) الْمَعْنى (الْمجَازِي سَابِقًا) أَي فِي زمَان سَابق متلبسا (بالحقيقي) أَي بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ بِنَاء (على اعْتِبَار الحكم) وَإِن لم يكن كَذَلِك بِنَاء على اعْتِبَار حَال الْمُتَكَلّم (كآتوا الْيَتَامَى) أَمْوَالهم، فَإِنَّهُم موصوفون باليتم حَال الْخطاب بِهَذَا الْكَلَام، لكِنهمْ لَيْسُوا بموصوفين بِهِ حَال تعلق الإيتاء بهم: بل هم بالغون راشدون عِنْد ذَلِك، فَالْمُعْتَبر فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظ حَال الحكم لِأَنَّهُ لم يذكر إِلَّا ليثبت الحكم لمعناه، فَالْمَعْنى الْمجَازِي لِلْيَتَامَى نظرا إِلَى اعْتِبَار الحكم الْمبلغ، وَقد كَانُوا متلبسين بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الْيُتْم قبل زمَان الحكم بالإيتاء، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله سَابِقًا خبر الْكَوْن، وَقَوله بالحقيقي حَالا، وعَلى اعْتِبَار الحكم صلَة لسابقا (وَالْأول) أَي كَون الْمَعْنى الْمجَازِي (آيلا إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (بعده) أَي بعد اعْتِبَار الحكم (وَإِن كَانَ) أَي تحقق الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ حَال التَّكَلُّم) بِالْجُمْلَةِ الْمُشْتَملَة على هَذَا الْمجَاز (كقتلت قَتِيلا، وَإِنَّمَا لم يكن) هَذَا (حَقِيقَة لِأَن المُرَاد) قتلت (حبا) يصير قَتِيلا بعد الْقَتْل، فَكَانَ مجَازًا بِاعْتِبَار أَوله بعد الْقَتْل إِلَى الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، ثمَّ ظَاهر هَذَا الْكَلَام أَنه لَا بُد من الصيرورة إِلَيْهِ فَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّد توهمها، وَبِه جزم كثير. وَقَالَ بَعضهم يَكْفِي توهمها، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَكفى) فِي مجَاز الأول (توهمه) أَي الأول إِلَيْهِ (وَإِن لم يكن) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق الأول إِلَيْهِ (كعصرت خمرًا فأريقت فِي الْحَال، وَكَونه) أَي الْحَقِيقِيّ الَّذِي يؤول إِلَيْهِ ثَانِيًا (لَهُ) أَي للمعنى الْمجَازِي ثبوتا (بِالْقُوَّةِ) حَاصله (الاستعداد) أَي كَون الْمَعْنى الْمجَازِي مستعدا لحُصُول الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهُ (فيساوي) هَذَا الْكَوْن الْمعِين بالاستعداد (الأول على) سَبِيل (التَّوَهُّم) على قَول من يَكْتَفِي بِهِ، إِذْ لَا يلْزم من مُجَرّد الاستعداد الْحُصُول والمناقشة بِأَن توهم إتصاف الشَّيْء بالشَّيْء لَا يسْتَلْزم استعداده فِي نفس الْأَمر لَا يلائم هَذَا الْمقَام (وعَلى اعْتِبَار حَقِيقَة الْحُصُول لَا) يُسَاوِي الاستعداد الأول: بل الاستعداد أَعم (فَهُوَ) أَي اعْتِبَار تحقق الصيرورة إِلَيْهِ فِي الأول (أولى) لِأَنَّهُ من العلاقات وَالْأَصْل فِيهَا عدم الِاتِّحَاد (وَيصرف الْمِثَال) أَي عصرت خمرًا فأريقت فِي الْحَال (للاستعداد) لَا للْأولِ لوُجُود التَّوَهُّم فِيهِ، دون التحقق (والمجاورة) وَهَذِه هِيَ العلاقة الْخَامِسَة (وَمِنْهَا) أَي من الْمُجَاورَة (الْجُزْئِيَّة للمنتفى عرفا بانتفائه) أَي كَون الشَّيْء جُزْءا للشَّيْء الَّذِي يَنْتَفِي عرفا بِانْتِفَاء ذَلِك الْجُزْء، وَإِنَّمَا قَالَ عرفا، لِأَن انْتِفَاء الْمركب من الشَّيْء وَغَيره بِانْتِفَاء ذَلِك الشَّيْء ضرورى غير أَنه لَا يُقَال عرفا بِانْتِفَاء بعض الْأَجْزَاء انْتَفَى ذَلِك الشئ كَمَا إِذا انْتَفَى ظفر زيد مثلا لَا يُقَال انْتَفَى زيد عرفا (كالرقبة) فَإِنَّهَا جُزْء للذات وَهِي تَنْتفِي بانتفائها، فَيجوز ذكرهَا وَإِرَادَة
стр. 393
الذَّات كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ - (لَا الظفر) أَي وَلَيْسَ الظفر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّات كَذَلِك لما ذكر فَلَا يَصح إِطْلَاقه عَلَيْهَا (بِخِلَاف) اسْتِعْمَال (الْكل فِي الْجُزْء) فَإِنَّهُ يَصح مُطلقًا، وَلَا يشْتَرط فِيهِ أَن يكون الْجُزْء بِهَذِهِ المثابة (وَمِنْه) أَي من إِطْلَاق اسْم الْكل على الْجُزْء (الْعَام لفرده) أَي ذكر الْعَام لإِرَادَة فَرد مِنْهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ بِنَاء على أَن المُرَاد بِالنَّاسِ نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ كَمَا ذكره ابْن عبد الْبر عَن طَائِفَة من الْمُفَسّرين وَابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَجزم بِهِ السُّهيْلي، وَمَا قيل من أَنه من بَاب الْكُلِّي والجزئي لَا من بَاب الْكل والجزء مَدْفُوع بِمَا ذكر فِي أول مبَاحث الْعَام (و) مِنْهُ (قلبه) أَي إِطْلَاق فَرد من الْعَام على الْعَام نَحْو (علمت نفس) فَإِن المُرَاد كل نفس (والذهنية) أَي وَمن الْمُجَاورَة الْمُجَاورَة الْجُزْئِيَّة الذهنية (كالمقيد على الْمُطلق كالمشفر) بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ شفة الْبَعِير (على الشّفة مُطلقًا ولاجتماع الاعتبارين) التَّشْبِيه والمجاورة الذهنية من حَيْثُ الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد (صَحَّ) إِطْلَاق المشفر على شفة الْإِنْسَان (اسْتِعَارَة) إِذا قصد تشبيهها بمشفر الْإِبِل فِي الْغَلَط كَمَا صَحَّ أَن يكون مجَازًا مُرْسلا من بَاب إِطْلَاق الْمُقَيد على الْمُطلق (وَقَلبه) أَي إِطْلَاق الْمُطلق على الْمُقَيد (وَالْمرَاد أَن يُرَاد خُصُوص الشَّخْص) كزيد (باسم الْمُطلق) كَرجل (وَهُوَ) أَي القَوْل بِأَن هَذَا مجَاز لبَعض الْمُتَأَخِّرين (مستحدث، والغلط) فِيهِ جَاءَ (من ظن) أَن المُرَاد بِوُقُوع (الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ) وُقُوعه (فِي نفس الْمُسَمّى) الْكُلِّي (لَا) فِي (أَفْرَاده) فاستعماله فِي فَرد الْمُسَمّى من حَيْثُ الخصوصية الشخصية اسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ مَعَ زِيَادَة أَمر آخر، وَهُوَ الشَّخْص والمركب مِمَّا وضع لَهُ وَغَيره مُغَاير لما وضع لَهُ، فَيكون مجَازًا (ويلزمهم أَن أَنا) حَال كَونه صادرا (من مُتَكَلم خَاص وَهَذَا) حَال كَونه مُشْتَمِلًا (لمُعين مجَاز) خبر أَن، لِأَن كلا مِنْهُمَا مَوْضُوع لِمَعْنى كلي فاستعماله فِي جُزْء من حَيْثُ إِنَّه جُزْء اسْتِعْمَال فِي غير مَا وضع لَهُ، وعَلى هَذَا رَأْي الْمُتَقَدِّمين وَأما على رَأْي الْمُتَأَخِّرين فَهُوَ مَوْضُوع لكل وَاحِد من خصوصيات الْمَفْهُوم الْكُلِّي فالوضع عَام لكَون آلَة مُلَاحظَة الْأَشْخَاص مفهوما عَاما، والموضوع لَهُ خَاص على مَا حقق فِي مَوْضِعه (وَكثير) مَعْطُوف على مَحل اسْم أَن الْمُتَقَدّم الْمَبْنِيّ، وَذَلِكَ كَسَائِر الْمُضْمرَات والموصولات (والاتفاق) أَي اتِّفَاق الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين (على نَفْيه) أَي نفي كَون اسْتِعْمَال الْمَذْكُورَات فِي الخصوصيات مجَازًا، أما فِي المبهمات على رَأْي الْمُتَأَخِّرين فَظَاهر، وَأما على رَأْي غَيرهم فَلَمَّا سيشير إِلَيْهِ بقوله (فَإِنَّمَا هُوَ) أَي اسْتِعْمَال الْمُطلق فِي فَرد مِنْهُ (حَقِيقَة كَمَا ذكرنَا أول الْبَحْث، و) من الْمُجَاورَة (كَونهمَا) أَي الْحَقِيقِيّ والمجازي (عرضين فِي مَحل) وَاحِد (كالحياة للْعلم) أَي المستعملة فِي الْعلم بِهَذِهِ العلاقة (أَو) كَونهمَا عرضين (فِي محلين متشابهين ككلام السُّلْطَان) الْمُسْتَعْمل (لكَلَام
стр. 394
وزيره) فَإِن مَحل الْكَلَامَيْنِ وَإِن لم يَكُونَا متحدين: لكنهما متشابهان فِي نَفاذ الحكم وَغَيره (أَو) كَونهمَا (جسمين فيهمَا) أَي فِي محلين متشابهين (كالرواية للمزادة) وَهِي فِي الأَصْل اسْم للبعير الَّذِي يحمل المزادة: أَي المزود الَّذِي يَجْعَل فِيهِ الزَّاد: أَي الطَّعَام للسَّفر كَذَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ. وَقَالَ السَّيِّد الشريف: والمزادة ظرف المَاء يستقى بِهِ على الدَّابَّة الَّتِي تسمى راوية. قَالَ أَبُو عبيد: لَا تكون المزادة إِلَّا من جلدين تفأم بجلد ثَالِث بَينهمَا لتتسع وَجَمعهَا المزاود والمزايد، وَأما الظّرْف الَّذِي يَجْعَل فِيهِ الزَّاد فَهُوَ المزود وَجمعه المزاود (وكونهما) أَي الْحَقِيقِيّ والمجازي (متلازمين ذهنا) بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ (كالسبب للمسبب) نَحْو: رعينا الْغَيْث مرَادا بِهِ النَّبَات الَّذِي سَببه الْغَيْث (وَقَلبه) أَي إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب (وَشَرطه) أَي شَرط قلبه (عِنْد الْحَنَفِيَّة الِاخْتِصَاص) أَي اخْتِصَاص الْمُسَبّب بِالسَّبَبِ (كإطلاق الْمَوْت على الْمَرَض) المهلك (والنبت على الْغَيْث) والاختصاص بِحَسب الْأَغْلَب، فَلَا يرد أَن الْمَوْت قد يَقع بِدُونِ الْمَرَض والنبت قد ينْبت بِدُونِ الْغَيْث (والملزوم على اللَّازِم كنطقت الْحَال) أَي دلّت فَإِن النُّطْق ملزوم الدَّالَّة وَقَلبه كشد الْإِزَار الاعتزال النِّسَاء كَقَوْلِه:
(قوم إِذا حَاربُوا شدو مآزرهم ... دون النِّسَاء وَلَو باتت باطهار)
(أَو) متلازمين (خَارِجا: كالغائط على الفضلات) لِأَن الْغَائِط وَهُوَ الْمَكَان المنخفض من الأَرْض مِمَّا يقْصد عَادَة لإزالتها (وَهُوَ) أَي إِطْلَاق الْغَائِط عَلَيْهَا (الْمحل) أَي إِطْلَاق الْمحل (على الْحَال، وَقَلبه) أَي الْحَال على الْمحل كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله﴾ - الَّتِي هِيَ الْجنَّة الَّتِي تحل فِيهَا الرَّحْمَة (وأدرج فِي) التجاور (الذهْنِي أحد المتقابلين فِي الآخر) فَإِن بَينهمَا مجاورة فِي الْجنان، حَتَّى أَن الذِّهْن ينْتَقل من مُلَاحظَة السوَاد مثلا إِلَى الْبيَاض (وَمنع) الإدراج الْمَذْكُور (بامتناع إِطْلَاق الْأَب على الابْن) مَعَ أَن بَينهمَا تقَابل التضايف ومجاورة فِي الْوُجُود ذهنا وخارجا (وَإِنَّمَا هُوَ) أَي إِطْلَاق أحد المتقابلين على الآخر (من قبيل الِاسْتِعَارَة بتنزيل التضاد منزلَة التناسب لتمليح) أَي إتْيَان بِمَا فِيهِ ملاحة وظرافة (أَو تهكم) أَي سخرية واستهزاء (أَو تفاؤل كالشجاع على الجبان) فَإِنَّهُ إِن كَانَ الْغَرَض مِنْهُ مُجَرّد الملاحة، لَا السخرية فتمليح، وَإِلَّا فتهكم (والبصير على الْأَعْمَى) وَهُوَ صَالح للْكُلّ، وَالْفرق بَينهمَا بِحَسب الْمقَام (أَو) متلازمين (لفظا) بِمَعْنى إِذا ذكر الْمَوْضُوع لَهُ معبرا عَنهُ باسمه ذكر الْمَعْنى الْمجَازِي معبرا عَنهُ باسم الْمَوْضُوع لَهُ غَالِبا على سَبِيل المشاكلة، فَيكون بَين اللَّفْظَيْنِ تلازم والتغاير بَينهمَا اعتباري بِاعْتِبَار الْمُسْتَعْمل فِيهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة﴾ أطلق السَّيئَة على الْجَزَاء مَعَ أَنه حسن لوُقُوعه فِي صحبتهَا، وَقد يُقَال إِنَّمَا سمى جزاؤها سَيِّئَة لِأَنَّهُ يسوء من ينزل بِهِ، فعلى
стр. 395
هَذَا لَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ (وَمَا ذكر من) كَون (الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان من العلاقة مُنْتَفٍ) لما مر من أَنه حَقِيقَة (وَالْمجَاز) أَي إِطْلَاق لفظ الْمجَاز (فِي متعلقهما) أَي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان (مجَاز) لعدم اسْتِعْمَاله فِي غير مَا وضع لَهُ، والعلاقة المشابهة فِي التَّعَدِّي من أَمر أُصَلِّي إِلَى غير أُصَلِّي (ويجمعها) أَي العلاقات (قَول فَخر الْإِسْلَام اتِّصَال) بَينهمَا (صُورَة أَو معنى) لِأَن كل مَوْجُود لَهُ صُورَة وَمعنى، لَا ثَالِث لَهما والعلاقة اتِّصَال: وَهُوَ إِمَّا بَين الصُّورَتَيْنِ وَإِمَّا بَين الْمَعْنيين (زَاد) فَخر الْإِسْلَام فِي نُسْخَة (فِي الصورى) أَي قَالَ بعد قَوْله اتِّصَال صُورَة (لَا تدخله شُبْهَة الِاتِّحَاد) بَين طرفِي الِاتِّصَال (فَانْدفع) بِهَذَا (لُزُوم إِطْلَاق بعض الْأَعْضَاء على بعض) فَإِن الِاتِّصَال بَينهمَا تدخله شُبْهَة الِاتِّحَاد بِاعْتِبَار الصُّورَة الاجتماعية، حَتَّى يُقَال للمجموع شخص وَاحِد (وَلم يحققوا علاقَة التغليب). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَأما بَيَان مجازية التغليب والعلاقة فِيهِ وَأَنه من أَي أَنْوَاعه فَمَا لم أر أحدا حام حوله (ولعلها) أَي العلاقة (فِي العمرين) لأبي بكر وَعمر (المشابهة سيرة) فِيمَا يتَعَلَّق بخلافة النُّبُوَّة (وخصوص الْمُغَلب) أَي تعْيين كَون الْمُغَلب اسْم عمر مَعَ أَن العلاقة الْمَذْكُورَة لَا تعين أحد الاسمين بِخُصُوصِهِ للتغليب (للخفة) فَإِن لفظ عمر أخف من لفظ أبي بكر (وَهُوَ) أَي تَغْلِيب لفظ عمر على لفظ أبي بكر (عكس التَّشْبِيه) فَإِن شَأْن التَّشْبِيه أَن يُغير اسْم مَا هُوَ أَعلَى فِي وَجه التَّشَبُّه عَمَّا هُوَ أدنى فِيهِ (و) العلاقة (فِي القمرين الإضاءة، وَالْخُصُوص) أَي وخصوص الْمُغَلب وَهُوَ تَخْصِيص لفظ الْقَمَر، فَإِن كَانَ لفظ الْقَمَر أخف (للتذكير) فَإِن الْقَمَر مُذَكّر وَالشَّمْس مؤنث (منكوسا) أَي معكوسا بِالنّظرِ إِلَى التَّشْبِيه فَإِن الشَّمْس هِيَ الْمُشبه بِهِ (وَأما الخافقان فَلَا تَغْلِيب) فِيهِ بِنَاء (على أَنه) أَي الخافق مَوْضُوع (للضدين وَقد نقل) كَونه لَهما. قَالَ ابْن السّكيت: الخافقان أفقا الْمشرق وَالْمغْرب لِأَن اللَّيْل وَالنَّهَار يخفقان فيهمَا: أَي يضطربان وَهُوَ معنى مَا قيل هما الهوا آن المحيطان بجانبي الأَرْض جَمِيعًا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هما طرفا السَّمَاء وَالْأَرْض، وَأما من جعل الخافق حَقِيقَة فِي الْمغرب، من خَفَقت النُّجُوم إِذا غَابَتْ، لِأَنَّهُ تحقق مِنْهُ الْكَوَاكِب تلمع فقد غلب أَحدهمَا على الآخر.
(تَنْبِيه: يُقَال) أَي يُطلق (الْحَقِيقَة وَالْمجَاز على غير الْمُفْرد بالاشتراك الْعرفِيّ، فعلى الْإِسْنَاد) أَي فَيُقَال عَلَيْهِ (عِنْد قوم) كصاحب التَّلْخِيص (وعَلى الْكَلَام على) اصْطِلَاح (الْأَكْثَر) مِنْهُم الشَّيْخ عبد القاهر والسكاكي (وَهُوَ) أَي إطلاقهما على الْكَلَام (أقرب) من إطلاقهما على الْإِسْنَاد، وَيَأْتِي وَجهه (فالحقيقة الْجُمْلَة الَّتِي أسْند فِيهَا الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ) من الْمصدر وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالصّفة المشبهة، وَاسم التَّفْضِيل والظرف (إِلَى مَا) أَي شَيْء (هُوَ) أَي الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ (لَهُ) أَي لذَلِك الشَّيْء: كالفاعل فِيمَا بني لَهُ وَالْمَفْعُول فِيمَا بني لَهُ، وَمعنى كَونه أَن يكون
стр. 396
مَعْنَاهُ قَائِما بِهِ ووصفا لَهُ وَحقه أَن يسند إِلَيْهِ سَوَاء كَانَ بِاخْتِيَارِهِ كضرب أَولا كمات (عِنْد الْمُتَكَلّم) مُتَعَلق لَهُ: أَي فِي اعْتِقَاده وَزَادُوا على هَذَا قيد فِي الظَّاهِر ليدْخل فِيهِ مَا يفهم من كَلَام ظَاهر كَلَامه أَي اعْتِقَاده أَنه لَهُ، وَلَيْسَ فِي نفس الْأَمر اعْتِقَاده كَذَلِك كَمَا دخل بقوله عِنْد الْمُتَكَلّم مَا لَيْسَ لَهُ فِي نفس الْأَمر، لكنه لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم، وَعند المُصَنّف ﵀ أَنه لَا حَاجَة إِلَى زِيَادَة هَذَا الْقَيْد وَلذَا قَالَ (وَلَا حَاجَة إِلَيّ فِي الظَّاهِر لِأَن الْمُعَرّف) على صِيغَة الْمَجْهُول (الْحَقِيقَة فِي نَفسهَا) يَعْنِي الْمَذْكُور فِي التَّعْرِيف بِدُونِ قيد فِي الظَّاهِر كَاف فِي تَصْوِير مَاهِيَّة الْحَقِيقَة من حَيْثُ هِيَ، وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى الْقَيْد الْمَذْكُور فِي الحكم بِأَن الْإِسْنَاد الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام الْمُتَكَلّم هَل هُوَ مُعْتَقد الْمُتَكَلّم ليتَحَقَّق هُنَاكَ فَرد من الْحَقِيقَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ثمَّ الحكم بوجودها) أَي الْحَقِيقَة (بدليله) أَي الْوُجُود فشيء آخر (غير ذَلِك) أَي غير الْحَقِيقَة فِي نَفسهَا، وَيلْزم من هَذَا أَنه إِذا ظهر لنا من ظَاهر حَال الْمُتَكَلّم أَن الْفِعْل لهَذَا الْفَاعِل فِي اعْتِقَاده وَلَيْسَ كَذَلِك فِي نفس الْأَمر لم يتَحَقَّق هُنَاكَ فَرد الْحَقِيقَة فِي نفس الْأَمر، وَإِن كَانَ فِي ظننا أَنه تحقق ويلتزمه المُصَنّف ﵀، لكنه بَقِي شَيْء: وَهُوَ أَن نَحْو زيد إِنْسَان جسم خَارج، مَعَ أَن ظَاهر كَلَام الشَّيْخ عبد القاهر والسكاكي أَنه حَقِيقَة لَا تدخل فِي التَّعْرِيف، وَذهب صَاحب التَّلْخِيص إِلَى أَنه لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلَا مجَاز (وَالْمجَاز) الْجُمْلَة الَّتِي أسْند فِيهَا الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ (إِلَى غَيره) أَي غير مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم (لمشابهة الملابسة) بَين الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ، وَبَين غير مَا هُوَ لَهُ: يَعْنِي ينزل غير مَا هُوَ لَهُ فِي مَوضِع مَا هُوَ لَهُ لِكَوْنِهِمَا متشاركين فِي معنى الملابسة: يَعْنِي كَمَا أَن الْفِعْل أَو مَا فِي مَعْنَاهُ ملابس لما هُوَ لَهُ كَذَلِك ملابس لذَلِك الْغَيْر (أَو الْإِسْنَاد كَذَلِك) مَعْطُوف على قَوْله الْجُمْلَة الخ: أَي الْحَقِيقَة أما أَن تفسر بِالْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَة، وَإِمَّا أَن تفسر بِإِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم، وعَلى هَذَا الْقيَاس تَعْرِيف الْمجَاز (وَالْأَحْسَن فيهمَا) أَي فِي تعريفي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز أَن يُقَال (مركب) نسب فِيهِ أَمر إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْد المتكل، أَو إِلَى غير مَا هُوَ لَهُ عِنْده لمشابهة الملابسة (وَنسبَة ليدْخل) الْمركب (الإضافي) فِي نَحْو (إنبات الرّبيع) فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي تعريفهم لعدم الْإِسْنَاد فِيهِ، وَمِنْه - شقَاق بَينهمَا﴾ - ومكر اللَّيْل وَالنَّهَار، وَذَلِكَ لشمُول النِّسْبَة التَّامَّة وَغير التَّامَّة بِخِلَاف الْإِسْنَاد، وَإِنَّمَا قَالَ الْأَحْسَن، لجَوَاز سهل الْإِسْنَاد على الْمَعْنى الْأَعَمّ وَإِن كَانَ خلاف الظَّاهِر، وَأَيْضًا لَا مساحة فِي الِاصْطِلَاح، وَزَاد السكاكي فِي تَعْرِيف الْمجَاز قَوْله بِضَرْب من التَّأْوِيل لِئَلَّا ينْتَقض بِمَا إِذا قصد الْمُتَكَلّم صُدُور الْكَذِب عَنهُ فيسند إِلَى غير مَا هُوَ لَهُ عِنْده من غير مُلَاحظَة الملابسة الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُ لَيْسَ بمجاز، وَالْمُصَنّف ﵀ أخرجه بقوله لمشابهته الملابسة وَلَا يخفى أَنه غير دَاخل فِي الْحَقِيقَة أَيْضا فَيبقى وَاسِطَة بَينهمَا (ويسميان) أَي هَذِه الْحَقِيقَة وَهَذَا الْمجَاز (عقليين) لِأَن
стр. 397
الْحَاكِم بِأَنَّهُ ثَابت فِي مَحَله أَو مجَاز عَنهُ إِنَّمَا هُوَ الْعقل لَا الْوَضع كَمَا فِي اللغوين (وَوجه الأقربية) أَي أقربية إِطْلَاق الْحَقِيقَة وَالْمجَاز على الْكَلَام من إطلاقهما على الْإِسْنَاد (اسْتِقْرَار أَنه) أَي الْوَصْف بهما (للفظ) يَعْنِي قد اسْتَقر فِي الأذهان أَنَّهُمَا من أَوْصَاف اللَّفْظ (والمركب) بِاعْتِبَار هَيئته النوعية (مَوْضُوع للتركيبي) أَي للمعنى التركيبي وضعا (نوعيا) لِأَن الْمَوْضُوع والموضوع لَهُ لَو حظا فِي هَذَا الْوَضع: يَعْنِي أَنه كلي (بدل أَفْرَاده) يَعْنِي أَن الْمركب الْمَذْكُور كلي، وكل مركب خَاص فَرد من أَفْرَاده وَكَذَلِكَ الْمَعْنى التركيبي، وَالْمَقْصُود وضع كل مركب خَاص بِإِزَاءِ معنى تركيبي خَاص، وتفصيل هَذِه الأوضاع غير مُمكن، فَجعل آلَة مُلَاحظَة الخصوصيات عنوان الْمركب الْكُلِّي وَآلَة مُلَاحظَة الْمعَانِي التركيبية عنوانا آخر مثله، فوضعوا ذَلِك لأفراد هَذَا دفْعَة وَاحِدَة، فَصَارَ هَذَا الْوَضع الْكُلِّي الإجمالي بدل وضع الْأَفْرَاد للإفراد تَفْصِيلًا (بِلَا قرينَة) مُتَعَلق بِالْوَضْعِ الْمَذْكُور: أَي وضع الْمركب الْمَذْكُور للدلالة على الْمَعْنى التركيبي بِنَفسِهِ بِلَا قرينَة، وَفِي نُسْخَة الشَّارِح تدل إِفْرَاده بِلَا قرينَة من الدّلَالَة وَهُوَ الأوفق بِمَا سبق، فالمجاز مُتَعَلق بِالدّلَالَةِ (فَهِيَ) أَي تِلْكَ المركبات من المستعملة فِيمَا وضعت لَهَا بِلَا قرينَة (حقائق فَإِذا اسْتعْمل) الْمركب (فِيمَا) أَي فِي معنى غير مَا وضع لَهُ حَال كَونه متلبسا (بهَا) أَي بِالْقَرِينَةِ (فمجاز) أَي فَذَلِك الْمركب مجَاز (و) يُسمى (الْأَوَّلَانِ) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الْمُفْرد (لغويين تعميما للغة فِي الْعرف) بِأَن يُرَاد بهَا معنى عَام يتَحَقَّق فِي عرف أَرْبَاب الْعَرَبيَّة وَغَيرهم أَو الْمَعْنى أَن التَّعْمِيم إِنَّمَا هُوَ فِي الْعرف (وتوصف النِّسْبَة بهما) أَي بِالْحَقِيقَةِ وَالْمجَاز فَيُقَال: نِسْبَة حَقِيقَة وَنسبَة مجَاز (وتنسب) النِّسْبَة إِلَيْهِمَا، فَيُقَال نِسْبَة حَقِيقِيَّة وَنسبَة مجازية (لنسبتها) أَي لأجل نِسْبَة النِّسْبَة (إِلَى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز) لَا يظْهر وَجه لوضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر إِلَّا أَن يُقَال: المُرَاد بهما هَهُنَا غير مَا أُرِيد بهما أَولا: أَي الثَّابِت فِي مَحَله والمجاوز عَنهُ فَيكون نِسْبَة النِّسْبَة إِلَيْهِمَا من قبيل نِسْبَة الْأَخَص إِلَى الْأَعَمّ (واستبعاده) قَالَ الشَّارِح: أَي الْمجَاز الْعقلِيّ والأولي: أَي وصف النِّسْبَة بهما (باتحاد جِهَة الْإِسْنَاد) كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب من أَنه لَيْسَ للإسناد جهتان: جِهَة الْحَقِيقَة، وجهة الْمجَاز كالأسد، وَالْمجَاز لَا يتَحَقَّق إِلَّا عِنْد اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ، وَفِي الشَّرْح العضدي: فَإِن قلت فقد قَالَ عبد القاهر فِي نَحْو أحياني اكتحالي بطلعتك: أَن الْمجَاز فِي الْإِسْنَاد فَإِن موجد الشرور هُوَ الله قُلْنَا هَذَا بعيد لِاتِّحَاد جِهَة الْإِسْنَاد، فَإِنَّهُ لَا فرق فِي اللُّغَة بَين قَوْلك سرني رؤيتك، وَمَات زيد وَضرب عَمْرو، فَإِن جِهَة الْإِسْنَاد وَاحِدَة لَا يخْطر بالبال عِنْد الِاسْتِعْمَال غَيرهَا. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي حَاشِيَة عَلَيْهِ فِي منع كَون أَمْثَال هَذِه الصُّور من قبيل الْمجَاز إِلَّا بِاعْتِبَار الْمُفْردَات، وَهَذَا حق فِي مثل: شابت لمة اللَّيْل، لِأَن اللمة مجَاز عَن سَواد أَجزَاء اللَّيْل، والشيب الْبيَاض فِيهِ
стр. 398
بِخِلَاف قَامَت الْحَرْب على سَاق، فَإِنَّهُ تَمْثِيل لحَال الْحَرْب بِحَال من يقوم على سَاقه لَا يقْعد وَلَا مجَاز فِي شَيْء من مفرداته وَبِالْجُمْلَةِ المركبات مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا التركيبة وضعا نوعيا بِحَيْثُ يدل عَلَيْهَا بِلَا قرينَة، فَإِن اسْتعْملت فِيهَا فحقائق وَإِلَّا فمجازات، وَهَذَا غير الْإِسْنَاد الْمجَازِي الَّذِي يَقُول بِهِ عبد القاهر وَمن تبعه من الْمُحَقِّقين، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء من اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ، بل مَعْنَاهُ أَن حق الْفِعْل بِحكم الْعقل أَن يسند إِلَى مَا هُوَ لَهُ فإسناده إِلَى غير مَا هُوَ لَهُ مجَاز عَقْلِي واتحاد جِهَة الْإِسْنَاد بِحَسب الْوَضع، واللغة لَا يُنَافِي ذَلِك وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ اتِّحَاد جِهَته بِحَسب الْعقل وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى مَا هُوَ متصف بِهِ محلا لَهُ فِي الْمَبْنِيّ للْفَاعِل ومتعلقا لَهُ فِي الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول فَمَا يَقْتَضِيهِ الْعقل ويرتضيه، وَفِي غير ذَلِك مِمَّا يأباه إِلَّا بِتَأْوِيل، وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق وَالَّذِي يزِيل الْوَهم بِالْكُلِّيَّةِ أَن يَجْعَل الْفِعْل مجَازًا وضعيا عَمَّا يَصح عِنْد الْعقل إِسْنَاده إِلَى الْفَاعِل الْمَذْكُور: وَهُوَ التَّسَبُّب العادي فَيكون أنبت مجَازًا عَن تسبب فِي الإنبات، وَصَامَ عَن تسبب فِي الصَّوْم إِلَى غير ذَلِك، وَهَذَا مُشكل فِيمَا أسْند إِلَى الْمصدر مثل جد جده، وَبِالْجُمْلَةِ كَلَام المُصَنّف فِي هَذَا الْمقَام يدل على قصر بَاعه فِي علم الْبَيَان انْتهى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بعيد إِذْ لَا يمْنَع اتحاده) أَي الْإِسْنَاد (بِحَسب الْوَضع) اللّغَوِيّ (انقسامه) أَي الْإِسْنَاد (عقلا إِلَى مَا هُوَ للمسند إِلَيْهِ) فَيكون حَقِيقَة (و) إِلَى (مَا لَيْسَ لَهُ) أَي للمسند إِلَيْهِ فَيكون مجَازًا (ثمَّ) لَا يمْنَع (وضع الِاصْطِلَاح) كَذَلِك بِأَن يُسمى الْإِسْنَاد إِلَى مَا هُوَ لَهُ حَقِيقَة، وَإِلَى غير مَا هُوَ لَهُ مجَازًا (والطرفان أَي الْمسند والمسند إِلَيْهِ، أَو الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فِي الْمجَاز الْعقلِيّ (حقيقان كأشاب الصَّغِير الْبَيْت) أَي وأفنى الْكَبِير كرّ الْغَدَاة وَمر العشى، فَإِن كلا من الإشابة والإفناء مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته (أَو مجازان كأحياني اكتحالي بطلعتك) فَإِن المُرَاد بِالْإِحْيَاءِ: السرُور وبالاكتحال الرُّؤْيَة (أَو أَحدهمَا) نَحْو أَحْيَا الرّبيع الأَرْض، فَإِن المُرَاد بِالْإِحْيَاءِ الْمَعْنى الْمجَازِي وَهُوَ تهييج القوى النامية فِيهَا وأحداث نضارتها بالنبات كَمَا أَن الْحَيَاة صفة تَقْتَضِي الْحس وَالْحَرَكَة وبالربيع حَقِيقَته وكسا الْبَحْر الْفَيَّاض الْكَعْبَة: يَعْنِي الشَّخْص الْجواد وكسا مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته (وَقد يرد) الْمجَاز الْعقلِيّ (إِلَى التَّجَوُّز بالمسند) حَال كَونه مُسْتَعْملا (فِيمَا تصح نسبته) إِلَى الْمسند إِلَيْهِ بِقَرِينَة صارفة عَن كَونه مُسْندًا إِلَى مَا هُوَ لَهُ وقرينة مُعينَة لما اسْتعْمل فِيهِ مَا يَصح إِسْنَاده إِلَى الْفَاعِل الْمَذْكُور لكَونه وَصفا لَهُ أَو مُتَعَلقا بِهِ فِي نفس الْأَمر، والراد هُوَ ابْن الْحَاجِب (وَإِلَى كَون الْمسند إِلَيْهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ) مَعْطُوف على قَوْله إِلَى التَّجَوُّز، وَالتَّقْدِير وَقد يرد الْمجَاز الْعقلِيّ إِلَى كَون الْمسند إِلَيْهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ على مَا هُوَ مصطلح السكاكي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كالسكاكي) أَي كرد السكاكي (وَلَيْسَ) الرَّد إِلَى كَونه اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ على اصْطِلَاحه مغنيا) عَن الرَّاد شَيْئا فِيمَا هُوَ
стр. 399
بصدده من رد الْإِسْنَاد الْمجَازِي إِلَى الْحَقِيقِيّ (لِأَنَّهَا) أَي الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ عَن رَأْيه (إِرَادَة الْمُشبه بِهِ بِلَفْظ الْمُشبه) فِيهِ مُسَامَحَة، وَالْمرَاد لفظ الْمُشبه المُرَاد بِهِ الْمُشبه بِهِ (بادعائه) أَي بادعاء كَون الْمُشبه (من أَفْرَاده) أَي الْمُشبه بِهِ فيدعي أَن اسْم الْمنية فِي أنشبت الْمنية أظفارها اسْم للسبع مرادف لَهُ بِتَأْوِيل، وَهُوَ أَن الْمنية يَدعِي دُخُولهَا فِي جنس السبَاع مُبَالغَة فِي التَّشْبِيه: فَالْمُرَاد بِالنِّيَّةِ السَّبع بادعاء سبعيتها (فَلم يخرج) الْإِسْنَاد الْمَذْكُور (عَن كَون الْإِسْنَاد إِلَى غير من هُوَ لَهُ) عِنْد الْمُتَكَلّم إِلَى كَونه إِلَى من هُوَ لَهُ: فَإِن نِسْبَة إنشاب الْأَظْفَار إِلَى الْمنية لَا تصير نسبته إِلَى من هُوَ لَهُ بِمُجَرَّد أَن يَدعِي لَهَا السبعية: لِأَن السَّبع الادعائي لَيْسَ بِسبع حَقِيقِيّ وَلَا تصير نسبته إِلَى مَا هُوَ لَهُ إِلَّا بِكَوْن الْمنية سبعا حَقِيقِيًّا، وَذَلِكَ محَال (وَقد يعْتَبر) الْمجَازِي الْعقلِيّ (فِي الْهَيْئَة التركيبية الدَّالَّة على التَّلَبُّس الفاعلي، وَلَا مجَاز فِي الْمُفْردَات) كَمَا نسب إِلَى الشَّيْخ عبد القاهر، وَأنكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن يكون قولا لأحد من عُلَمَاء الْبَيَان اعْتِبَار الْمجَاز الْعقلِيّ فِيمَا ذكر إِنَّمَا كَانَ فِي النِّسْبَة والمركب، وَهَهُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة الْعَارِضَة على الْمركب الدَّالَّة على النِّسْبَة الْقَائِمَة بَين الْفِعْل وَمَا قَامَ بِهِ من حَيْثُ أسْند فِيهِ إِلَى غير مَا يَقْتَضِي الْعقل إِسْنَاده إِلَيْهِ تَشْبِيها لَهُ بالفاعل الْحَقِيقِيّ، فَشبه تلبس الْغَيْر الفاعلي بالتلبس الفاعلي (فَهُوَ) أَي الْمجَاز (اسْتِعَارَة تمثيلية) وَهِي أَن يستعار الدَّال على هَيْئَة منتزعة من أُمُور من تِلْكَ الْهَيْئَة لهيئة أُخْرَى منتزعة من أُمُور أخر كَمَا إِذا شبهت هَيْئَة تردد الْمَعْنى فِي حكم بهيئة تردد من قَامَ ليذْهب، وَقلت أَرَاك أَيهَا الْمُفْتِي تقدم رجلا وتؤخر أُخْرَى لَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الْمُفْردَات تجوز، وَإِنَّمَا وَقع التَّجَوُّز فِي مَجْمُوع الْمركب الدَّال على الصُّورَة الأولى حَقِيقَة باستعارة للصورة الثَّانِيَة مُبَالغَة فِي كَمَال مشابهة الْمُسْتَعَار لَهُ بالمستعار مِنْهُ حَتَّى كَأَنَّهُ دخل تَحت جنسه فَسُمي باسمه فَإِن قلت هَذَا يدل على أَن التَّجَوُّز إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظ الْمركب، وَالْكَلَام فِي اعْتِبَار الْمجَاز للهيئة التركيبية الدَّال على التَّلَبُّس الفاعلي بِأَن يستعار للتلبس الْغَيْر الفاعلي قلت مَا ذَكرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ تَفْسِير للاستعارة التمثيلية على مَا ذكره الْقَوْم وَالْمُصَنّف أَرَادَ إِدْخَال الْمجَاز فِي الْهَيْئَة التركيبية تحتهَا: إِذْ الدَّال فِي الْمركب الْمَذْكُور بِالْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ الْهَيْئَة الْعَارِضَة على مَجْمُوع مفرداتها، والتلبس الفاعلي هَيْئَة منتزعة من أُمُور، وَكَذَا التَّلَبُّس الْغَيْر الفاعلي فَيصدق عَلَيْهِ أَنه اسْتِعَارَة الدَّال على هَيْئَة لأخرى فَافْهَم (وَلم يقولوه) أَي عُلَمَاء الْبَيَان بِاعْتِبَار الْمجَاز الْعقلِيّ فِي الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة (هُنَا) أَي فِي مَحل النزاع الَّذِي ذكر فِيهِ هَذِه الْوُجُوه هُنَا، نَحْو: أنبت الرّبيع البقل وَالْمعْنَى: لم يقل عُلَمَاء الْأُصُول هَذَا الِاعْتِبَار فِي هَذَا الْبَحْث (وَلَيْسَ) هَذَا الِاعْتِبَار (بِبَعِيد) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (فَإِنَّمَا هِيَ) أَي هَذِه الإرادات المجازية (اعتبارات) وتصرفات عقلية للمتكلم (قد
стр. 400
يَصح الْكل فِي مَادَّة) وَاحِدَة (وَقد لَا) يَصح الْكل فِي مَادَّة وَاحِدَة: بل يَصح الْبَعْض دون الْبَعْض (فَلَا حجر) فِي اعْتِبَارهَا عِنْد وجود مَا يصحح ذَلِك، وَمن ثمَّة اعْتبر صَاحب الْكَشَّاف التَّجَوُّز فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿ختم الله على قُلُوبهم﴾ - من أَرْبَعَة أوجه.
مسئلة
(لَا خلاف أَن) الْأَسْمَاء (المستعملة لأهل الشَّرْع من نَحْو الصَّلَاة وَالزَّكَاة) فِي غير مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة (حقائق شَرْعِيَّة يتَبَادَر مِنْهَا مَا علم) لَهَا من مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّة (بِلَا قرينَة) سَوَاء كَانَ ذَلِك لمناسبة بَين الشَّرْعِيّ واللغوي فَيكون مَنْقُولًا، أَو لَا فَيكون مَوْضُوعا مُبْتَدأ (بل) الْخلاف (فِي أَنَّهَا) أَي الْأَسْمَاء المستعملة لأهل الشَّرْع فِي مَعَانِيهَا حَقِيقَة (عرفية للفقهاء) بسب وضعهم إِيَّاهَا لتِلْك الْمعَانِي، فَهِيَ فِي تخاطبهم تدل عَلَيْهَا بِلَا قرينَة، وَأما الشَّارِع فَإِنَّمَا استعملها فِيهَا مجَازًا عَن مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة بمعونة الْقَرَائِن فَلَا تحمل عَلَيْهَا إِلَّا بِقَرِينَة (أَو) حَقِيقَة شَرْعِيَّة (بِوَضْع الشَّارِع) حَتَّى تدل فِي كَلَامه على تِلْكَ الْمعَانِي بِلَا قرينَة (فالجمهور) أَي قَالَ جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ الْوَاقِع هُوَ (الثَّانِي) وَهُوَ أَنَّهَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة بِوَضْع الشَّارِع (فَعَلَيهِ) أَي فعلى الْمَعْنى الشَّرْعِيّ (يحمل كَلَامه) أَي الشَّارِع إِذا وَقعت مُجَرّدَة عَن الْقَرَائِن (وَالْقَاضِي أَبُو بكر) الْوَاقِع هُوَ (الأول) أَي أَنَّهَا حَقِيقَة عرفية للفقهاء لَا للشارع (فعلى اللّغَوِيّ) يحمل كَلَام الشَّارِع إِذا لم يكن صَارف عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِلَّا بِقَرِينَة) صارفة عَن اللّغَوِيّ إِلَى الشَّرْعِيّ. قَالَ الشَّارِح: قَالَ المُصَنّف فَإِن قلت كَيفَ يتَفَرَّع الْحمل على الْمَعْنى اللّغَوِيّ الْحَقِيقِيّ على كَونهَا مجازات قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهَا مجازات عِنْد وجود الْقَرَائِن، وَيحمل على اللّغَوِيّ عِنْد عَدمه انْتهى قلت بَيَان الْمَتْن مغن عَن هَذَا الإطناب، وَقيل مُرَاده أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي الدُّعَاء، ثمَّ شَرط فِيهِ الْأَفْعَال الرُّكُوع وَالسُّجُود وَغَيرهمَا فَتكون خَارِجَة عَن الصَّلَاة شرطا وَلَا يخفى بعده (وَفِيه) أَي فِيمَا ذهب إِلَيْهِ القَاضِي (نظر لِأَن كَونهَا) أَي الصَّلَاة مثلا مَوْضُوعَة (للأفعال) الْمَعْلُومَة شرعا (فِي عهد رَسُول الله ﷺ لَا يقبل التشكيك، وَأشهر) مَعْطُوف على قَوْله لَا يقبل فَهُوَ خبر أَن: يَعْنِي أَن أحد الْأَمريْنِ مُتَحَقق بِلَا شُبْهَة: أما الْعلم بِكَوْنِهَا للصَّلَاة بِوَضْع الشَّارِع، وَإِمَّا بِكَوْنِهَا مجَازًا فِي الْأَفْعَال أشهر من الْحَقِيقَة فِي زَمَنه ﷺ (وهم) أَي القَاضِي وَالْجُمْهُور (يقدمونه) أَي الْمجَاز الْأَشْهر من الْحَقِيقَة (على الْحَقِيقَة) فَكيف يحمل على اللّغَوِيّ فِي كَلَام الشَّارِع عِنْد الْقَرِينَة (فَمَا قيل) قَائِله الْبَيْضَاوِيّ (الْحق أَنَّهَا مجازات) لغوية (اشتهرت يَعْنِي فِي لفظ الشَّارِع) لَا مَوْضُوعَات مُبتَدأَة لَيْسَ قولا
стр. 401
آخر: بل هُوَ (مَذْهَب القَاضِي) بِعَيْنِه كَمَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: إِذْ لَا شكّ فِي حُصُول الاشتهار بعد تَجْوِيز الشَّارِع (وَقَول فَخر الْإِسْلَام) وَالْقَاضِي ابي زيد وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ (بِأَنَّهَا) أَي الصَّلَاة (اسْم للدُّعَاء، سمي بهَا عبَادَة مَعْلُومَة) مجَازًا (لما أَنَّهَا) أَي الصَّلَاة (شرعت للذّكر) أَي لذكر الله تَعَالَى بنعوت جَلَاله وصفات كَمَاله قَالَ الله تَعَالَى - ﴿أقِم الصَّلَاة لذكري﴾ - أَي لتذكرني فِيهَا لاشتمالها على الْأَذْكَار الْوَارِدَة فِي أَرْكَانهَا فسميت الْعِبَادَة الْمَعْلُومَة بهَا مجَازًا من إِطْلَاق اسْم الْجُزْء على الْكل (يُرِيد) كَونهَا (مجَازًا لغويا هجرت حقائقها: أَي مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّة لُغَة) فَلَيْسَ مذهبا آخر كالبديع) أَي كَمَا يدل عَلَيْهِ كَلَام صَاحب البديع (لنا) على أَنَّهَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة بِوَضْع الشَّارِع (الْقطع بفهم الصَّحَابَة قبل حُدُوث الاصطلاحات فِي زَمَنه ﷺ ظرف لفهم الصَّحَابَة ومفعوله (ذَلِك) أَي الْمَعْنى الشَّرْعِيّ لَهَا (وَهُوَ) أَي فهمهم ذَلِك (فَرعه) أَي فرع الْوَضع لَهَا (نعم لَا بُد أَولا) أَي فِي أول خطاب الشَّارِع لمن هُوَ عَالم بِالْوَضْعِ اللّغَوِيّ دون الشَّرْعِيّ (من نصب قرينَة النَّقْل) عَن الْمَعْنى اللّغَوِيّ إِلَى الشَّرْعِيّ دفعا لتبادر اللّغَوِيّ (فمدار التَّوْجِيه) فِي مَحل الِاشْتِبَاه (على أَنه إِذا لزم تَقْدِير قرينَة غير اللّغَوِيّ) على تَقْدِير النَّقْل وَتَقْدِير قرينَة الْمجَاز على تَقْدِير عدم النَّقْل، فَإِنَّهُ لَا بُد من وجود الْقَرِينَة على الْوَجْهَيْنِ (فَهَل الأولى) فِي هَذِه الْقَرِينَة (تقديرها) واعتبارها (قرينَة تَعْرِيف النَّقْل) وتثبيته (أَو) تقديرها قرينَة تَعْرِيف (الْمجَاز) وتعيينه (وَالْأَوْجه الأول) أَي تقديرها قرينَة النَّقْل على اللّغَوِيّ إِلَى الشَّرْعِيّ كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (إِذْ علم استمراره) أَي الشَّارِع (على قَصده) أَي الشَّرْعِيّ (من اللَّفْظ أبدا إِلَّا لدَلِيل) وقرينة صارفة عَن الشَّرْعِيّ إِلَى غَيره، واستمرار الْقَصْد الْمَذْكُور أَمارَة نسخ إِرَادَة الأول: وَهُوَ معنى النَّقْل (وَالِاسْتِدْلَال) للمختار كَمَا فِي الْمُخْتَصر والبديع (بِالْقطعِ بِأَنَّهَا) فِي الشَّرْع مَوْضُوعَة (للركعات وَهُوَ) أَي الْقطع بِأَنَّهَا لَهَا فِي الشَّرْع هُوَ (الْحَقِيقَة) أَي دَلِيل الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة (لَا يُفِيد) الْمَطْلُوب (لجَوَاز) كَونهَا فِي الأَصْل مجَازًا فِيهَا، ثمَّ (طروه) أَي الْقطع بذلك (بالشهرة) أَي بشهرة التَّجَوُّز بهَا للشرعي، فَإِن الْمجَاز إِذا شاع يصير الْمَعْنى الْمجَازِي بِحَيْثُ يفهم بِلَا قرينَة فَيصير حَقِيقَة (أَو بِوَضْع أهل الشَّرْع) وهم الْفُقَهَاء إِيَّاهَا لَهَا (قَالُوا) أَي القَاضِي وموافقوه اذا أمكن عدم النَّقْل تعين وَأمكن) عدم النَّقْل هَهُنَا (باعبارها) أى الصَّلَاة مثلا بَاقِيَة (فِي اللُّغَوِيَّة والزيادات) الَّتِي جَاءَت من قبل الشَّرْع على اللُّغَوِيَّة (شُرُوط اعْتِبَار الْمَعْنى شرعا وَهَذَا) الدَّلِيل جَار (على غير مَا حررنا عَنهُ) أَي القَاضِي من أَنَّهَا مجَاز أشهر من الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة (مخترع باختراع أَنه) أَي القَاضِي (قَائِل بِأَنَّهَا) مستعملة (فِي حقائقها اللُّغَوِيَّة) وَتقدم النّظر فِيهِ وَذكر الْأَبْهَرِيّ أَن للْقَاضِي قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا مَا حَرَّره المُصَنّف، وَالْآخر هَذَا وَعَن الإِمَام أَنه
стр. 402
قَالَ: وَأما القَاضِي فاستمر على لجاج ظَاهر فَقَالَ: الصَّلَاة الدُّعَاء والمسمى بهَا فِي الشَّرْع هُوَ الدُّعَاء لَكِن إِنَّمَا يعْتَبر عِنْد وُقُوع أَفعَال وأحوال، وطرد ذَلِك فِي الْأَلْفَاظ الَّتِي فِيهَا الْكَلَام (وَأجِيب باستلزامه) أَي هَذَا القَوْل (عدم السُّقُوط) للصَّلَاة الْمَفْرُوضَة عَن الْمُكَلف (بِلَا) قرينَة (دُعَاء لافتراضه) أَي الدُّعَاء (بِالذَّاتِ و) باستلزامه (السُّقُوط) بهَا عَن الذِّمَّة (بِفعل الشَّرْط) أَي بِمُجَرَّد أَن يفعل الشَّرْط من غير فعل الرُّكْن (مطردا) أَي دَائِما (فِي) حق (الْأَخْرَس الْمُنْفَرد) لصِحَّة صلَاته مَعَ انْتِفَاء الْمَشْرُوط الَّذِي هُوَ الدُّعَاء وَإِنَّمَا قيد بالمنفرد، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ لَهُ إِمَام فدعاء الإِمَام دُعَاء لَهُ وَمنع السُّبْكِيّ هَذَا بِأَن الدُّعَاء هُوَ الطّلب الْقَائِم بِالنَّفسِ وَهُوَ يُوجد من الْأَخْرَس وَفِيه نظر، إِذْ مُجَرّد الطّلب إِذا قَامَ بِنَفس شخص لم يصدر عَنهُ مَا يدل عَلَيْهِ لَا يُقَال أَنه دُعَاء (ثمَّ لَا يَتَأَتَّى) هَذَا التَّوْجِيه (فِي بَعْضهَا) أَي فِي بعض الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة كَالزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ لُغَة النَّمَاء وَالزِّيَادَة، وَشرعا تمْلِيك قدر مَخْصُوص من مَال مَخْصُوص لشخص مَخْصُوص، وَلَا يُمكن أَن تحمل الزَّكَاة على النَّمَاء وَيجْعَل الْمَذْكُور شرطا كَمَا لَا يخفى (قَالُوا) أَيْضا (لَو نقلهَا) أَي الشَّارِع الْأَسْمَاء عَن الْمعَانِي اللُّغَوِيَّة إِلَى الشَّرْعِيَّة (فهمها) أَي الْمعَانِي المنقولة (لَهُم) أَي الصَّحَابَة لأَنهم كلفوا بهَا، والفهم شَرط التَّكْلِيف (وَلَو وَقع) التفهيم (نقل) إِلَيْنَا لأننا مكلفون بهَا أَيْضا (وَلزِمَ تواتره) أَي النَّقْل (عَادَة) لتوفر الدَّوَاعِي عَلَيْهِ وَلم يُوجد وَإِلَّا لما وَقع الْخلاف فِي النَّقْل (وَالْجَوَاب الْقطع بفهمهم) أَي الصَّحَابَة الْمعَانِي الشَّرْعِيَّة من الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة (كَمَا ذكرنَا وفهمنا) أَي وَالْقطع يفهمنا تِلْكَ الْمعَانِي الشَّرْعِيَّة أَيْضا مِنْهَا (وَبعد حُصُول الْمَقْصُود) وَهُوَ الْفَهم (لَا يلْزم تعْيين طَرِيقه) أَي طَرِيق الْمَقْصُود من التفهيم قصدا بالعبارة وَنَحْوهَا (وَلَو التزمناه) أَي تعْيين طَرِيقه (جَازَ) أَن يكون ذَلِك التفهيم (بالترديد) أَي بطرِيق التّكْرَار (بالقرائن) عِنْد سَماع تِلْكَ الْأَسْمَاء لَهُم: أَي للصحابة ثمَّ لنا مِنْهُم (كالأطفال) يتعلمون اللُّغَات من غير تَصْرِيح لَهُم بِوَضْع اللَّفْظ لمسماه، بل إِذا ردد اللَّفْظ وَكرر يفهمون مَعْنَاهُ بِالْقَرِينَةِ ويحفظونه (أَو) أَن يكون (أَصله) أَي أصل التفهيم (بإخباره) أَي الشَّارِع (ثمَّ اسْتغنى عَن إخبارهم) أَي أَخْبَار الصَّحَابَة (لمن يليهم) مِمَّن تلقى عَنْهُم (أَنه) أَي الشَّارِع (أخْبرهُم) أَي الصَّحَابَة فَقَوله ثمَّ اسْتغنى على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله عَن أخبارهم قَائِم مقَام فَاعله، وَقَوله من يليهم مفعول أَولا لأخبارهم، وَقَوله أَنه أخْبرهُم مَفْعُوله الثَّانِي: يَعْنِي لَا يلْزم على الصَّحَابَة أَن يخبروا من يليهم أَنه أخبرنَا الشَّارِع بِوَضْع الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة لمعانيها الشَّرْعِيَّة، وَذَلِكَ لِأَن من يليهم فَهموا من استعمالاتهم وَضعهَا كَمَا يفهم الْأَطْفَال من غير أَن يُقَال لَهُم هَذَا مَوْضُوع لذا أَو بأخبارهم بِالْوَضْعِ
стр. 403
من غير أَن يَقُولُوا أخبرنَا الشَّارِع بِهِ، وَيُمكن أَن يناقش فِيهِ بِأَن شَأْن الصَّحَابَة يَقْتَضِي أَن لَا يسكتوا عَن أَخْبَار الشَّارِع إيَّاهُم فِي مثله، وَفِي قَوْله (لحُصُول الْقَصْد) إِشَارَة إِلَى دَفعه: يَعْنِي أَن الْمَقْصد معرفَة الْوَضع سَوَاء حصلت بالأخبار أَو بالقرائن كالأطفال (قَالُوا) أَي القَاضِي وَمن تبعه ثَالِثا (لَو نقلت) الْأَسْمَاء عَن مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة إِلَى الشَّرْعِيَّة (كَانَت) الْأَسْمَاء المنقولة إِلَيْهَا (غير عَرَبِيَّة لأَنهم) أَي الْعَرَب (لم يضعوها) على ذَلِك التَّقْدِير، بل الشَّارِع (وَيلْزم أَن لَا يكون الْقُرْآن عَرَبيا) لاشْتِمَاله على غير الْعَرَبِيّ، فَإِن الْمركب من الْعَرَبِيّ وَغَيره لَيْسَ بعربي، وَقد قَالَ الله تَعَالَى - ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ - (أُجِيب بِأَنَّهَا) أَي الْأَسْمَاء المنقولة (عَرَبِيَّة إِذْ وضع الشَّارِع لَهَا ينزلها) ويصيرها (مجازات لغوية) إِذا كَانَ التخاطب بلغَة الْعَرَب فَإِن العلاقة بَين الْمَعْنى اللّغَوِيّ والشرعي مَوْجُودَة: لِأَن النَّقْل يقتضيها (وَيَكْفِي فِي الْعَرَبيَّة كَون اللَّفْظ مِنْهَا) أَي من الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة للْعَرَب (و) كَون (الِاسْتِعْمَال على شَرطهَا) أَي شَرط الْعَرَبيَّة بِأَن يكون الْمُسْتَعْمل فِيهِ إِمَّا عين الْمَوْضُوع لَهُ، أَو مَا بَينه وَبَين الْمَوْضُوع لَهُ نوع من العلاقات الْمُعْتَبرَة مَعَ وجود الْقَرِينَة الصارفة والمعينة (وَلَو سلم) أَنه لَا يَكْفِي ذَلِك فِي كَونهَا عَرَبِيَّة (لم يخل) كَونهَا غير عَرَبِيَّة (بعربيته) أَي الْقُرْآن (إِمَّا لكَون الضَّمِير) فِي قَوْله إِنَّا أَنزَلْنَاهُ (لَهُ) أَي لِلْقُرْآنِ (وَهُوَ) أَي الْقُرْآن (مِمَّا يصدق الِاسْم) أَي اسْمه (على بعضه) أَي بعض الْقُرْآن (ككله) أَي كَمَا يصدق على كُله (كالعسل) فَإِنَّهُ يصدق على القلل مِنْهُ وَالْكثير حَتَّى لَو حلف لَا يقْرَأ الْقُرْآن فَقَرَأَ جُزْء مِنْهُ حنث، فَيجوز أَن يُرَاد بالضمير بعض الْقُرْآن، وَلَا ريب فِي عربيته (بِخِلَاف) نَحْو (الْمِائَة والرغيف) مِمَّا لَا يُشَارك الْجُزْء الْكل فِي الْحَقِيقَة وَالِاسْم: فَلَا تطلق الْمِائَة والرغيف على بعض مِنْهَا (أَو) لكَون الضَّمِير (للسورة) بِاعْتِبَار الْمنزل، أَو الْمَذْكُور، وَهَذَا إِنَّمَا يتم إِذا لم يكن فِي تِلْكَ السُّورَة اسْم شَرْعِي (وَاعْلَم أَن الْمُعْتَزلَة سموا قسما من) الْحَقَائِق (الشَّرْعِيَّة) حَقِيقَة (دينية وَهُوَ مَا دلّ على الصِّفَات الْمُعْتَبرَة فِي الدّين وَعَدَمه) أَي عدم الدّين (اتِّفَاقًا) أَي اعْتِبَار اتّفق عَلَيْهِ الْمذَاهب (كالإيمان، وَالْكفْر، وَالْمُؤمن) وَالْكَافِر (بِخِلَاف الْأَفْعَال) أَي مَا هِيَ من فروع الدّين كَمَا يتَعَلَّق بالجوارح فَإِن فِي اعْتِبَارهَا فِي الدّين خلافًا (كَالصَّلَاةِ والمصلى وَلَا مشاحة) فِي الِاصْطِلَاح (وَوجه الْمُنَاسبَة) فِي تَسْمِيَة مَا ذكر دينية (أَن الْإِيمَان) على قَوْلهم (الدّين لِأَنَّهُ) أَي الدّين اسْم (لمجموع التَّصْدِيق الْخَاص) بِكُل مَا علم مَجِيئه ﷺ بِهِ من عِنْد الله ضَرُورَة (مَعَ المأمورات والمنهيات لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾ - بعد ذكر الْأَعْمَال) أَي قَوْله تَعَالَى - ﴿ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة﴾ - بعد قَوْله - ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين﴾ -
стр. 404
فَذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور من الْعِبَادَات إِجْمَالا وتفصيلا، فَإِن يعبدوا فِي تَأْوِيل الْمصدر الْمُضَاف لتقدير أَن المصدرية بعد لَام كي، والمصدر الْمُضَاف إِلَى الْمعرفَة يُفِيد الْعُمُوم، ويقيموا الصَّلَاة وَمَا بعده من عطف الْخَاص على الْعَام لزِيَادَة الاهتمام فَيكون جَمِيع الْعِبَادَات الْوَاجِبَة دين الْملَّة المستقيمة، وَكَانَ يُوجب هَذَا أَن لَا يكون الدّين إِلَّا الْأَعْمَال، غير أَن الْإِجْمَاع على اعْتِبَار الْإِيمَان فِي حَقِيقَة الدّين، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والاتفاق على اعْتِبَار التَّصْدِيق فِي مُسَمَّاهُ) أَي الدّين بِخِلَاف الْأَفْعَال (فَنَاسَبَ تَمْيِيز الِاسْم الْمَوْضُوع لَهُ) أَي للتصديق الْخَاص (شرعا بالدينية وَهَذِه) الْمُنَاسبَة (على رَأْيهمْ) أَي الْمُعْتَزلَة (فِي اعْتِبَار الْأَعْمَال جُزْء مَفْهُومه) أَي الْإِيمَان (وعَلى) رَأْي (الْخَوَارِج) الْمُنَاسبَة فِي هَذِه التَّسْمِيَة (أظهر) مِنْهَا على رَأْي الْمُعْتَزلَة لجعل الْمُعْتَزلَة مرتكب الْكَبِيرَة لَيْسَ بِمُؤْمِن وَلَا كَافِر، وَجعل الْخَوَارِج مرتكبها كَافِرًا: فَكلما زَاد اعْتِبَار الْعَمَل فِي الْإِيمَان زَاد الِاحْتِيَاج إِلَى التَّمْيِيز (وَلَا يلْزم من نفي ذَلِك) أَي كَون الْأَعْمَال جزم مَفْهُوم الْإِيمَان كَمَا هُوَ قَول أَصْحَابنَا (نَفيهَا) أَي الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة: لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي مَا يصلح مُنَاسبَة بِوَضْع الِاصْطِلَاح (إِذْ يَكْفِي) فِي وَجه التَّسْمِيَة (أَنَّهَا) أَي الدِّينِيَّة (اسْم لأصل الدّين وأساسه أَعنِي التَّصْدِيق فَظهر أَن الْكَلَام فِي ذَلِك) أَي فِي نفي كَون الْأَعْمَال من الْإِيمَان (مَعَ أَنه) أَي الْكَلَام فِي ذَلِك (يخرج) من فن الْأُصُول (إِلَى فن آخر) أَي علم الْكَلَام (وَلَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك (مَطْلُوب أصولي: بل اصطلاحي و) أَن الْكَلَام فِي ذَلِك كَلَام (فِي غَرَض سهل وَهُوَ إِثْبَات مُنَاسبَة تَسْمِيَة اصطلاحية لَا يُفِيد نَفيهَا: فعلى الْمُحَقق تَركه). قَالَ الشَّارِح وَفِي هَذَا تَعْرِيض بِابْن الْحَاجِب قلت لَو كَانَ التَّعْرِيض بِهِ بترك التَّعْرِيض لَكَانَ
تَتِمَّة
(كَمَا يقدم) الْمَعْنى (الشَّرْعِيّ فِي لِسَانه) أَي فِي خطاب أهل الشَّرْع (على مَا سلف) أَي اللّغَوِيّ (كَذَا الْعرفِيّ فِي لسانهم) أَي أهل الْعرف خَاصّا كَانَ أَو عَاما تقدم على اللّغَوِيّ (فَلَو حلف لَا يَأْكُل بيضًا كَانَ) الْمَحْمُول عَلَيْهِ (ذَا القشر) فِي الْمَبْسُوط فَهُوَ على بيض الطير من الدَّجَاج والأوز وَغَيرهمَا، وَلَا يدْخل فِيهِ بيض السّمك إِلَّا أَن ينويه: لأَنا نعلم أَنه لَا يُرَاد بِهِ بيض كل شَيْء فَإِن بيض الدُّود لَا يدْخل فِيهِ: فَيحمل على مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْبيض ويؤكل عَادَة (فَيدْخل النعام) أَي بيضه تَفْرِيع على كَون الْبيض مَحْمُولا على ذِي القشر، وَذَاكَ مُفَرع على تَقْدِيم الْعرفِيّ: فَعلم أَن المُرَاد دُخُوله فِيمَا إِذا كَانَ عرف خطاب الْحَالِف بِحَسب معتادهم فِي الاطلاقات مَا يعم بيض النعام، وَأما إِذا كَانَ الْعرف مَا هُوَ أخص من ذَلِك فَلَا يدْخل فِيهِ فيدور ذَلِك مَعَ التعارف وَلَا شكّ أَنه مِمَّا يخْتَلف فيختلف الْجَواب باختلافه (أَو) لَا يَأْكُل
стр. 405
(طبيخنا فَمَا طبخ من اللَّحْم فِي المَاء ومرقه) إِذا كَانَ الْمُتَعَارف بَينهم مَا ذكر بِحَيْثُ لَا يفهم فِي إِطْلَاقهم غَيره بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْمُتَعَارف مَا هُوَ أَعم من ذَلِك فَإِنَّهُ يَحْنَث على ذَلِك التَّقْدِير بِأَكْل كل مَا يُؤْكَل عَادَة فِي الطبائخ سَوَاء كَانَ من اللَّحْم (أَو) غَيره أَو لَا يَأْكُل (رَأْسا فَمَا يكبس) فِي التنانير عرف الْحَالِف وَيُبَاع مشويا من الرُّءُوس (بقرًا وَغنما) عِنْد أبي حنيفَة آخر لِأَنَّهُمَا الْمُتَعَارف فِي زَمَنه آخر لَا غير، وإبلا أَيْضا عِنْده أَولا إِذْ كَانَ متعارفا لأهل الْكُوفَة ثمَّ تَرَكُوهُ (وَلَو تعورف الْغنم فَقَط تعين) محلا لإِطْلَاق الرَّأْس بِاعْتِبَار ذَلِك الْعرف: فَالْخِلَاف خلاف زمَان لَا برهَان (أَو) لَا يَأْكُل (شواء خص اللَّحْم) فَلَا يَحْنَث بالمشوي من الْبيض والباذنجان وَغَيرهمَا: لِأَن الْمُتَعَارف مُخْتَصّ بِهِ (وَقَول فَخر الْإِسْلَام) فِي تَوْجِيه ترك الْحَقِيقَة بِالْعرْفِ (لِأَن الْكَلَام مَوْضُوع لاستعمال النَّاس وحاجتهم فَيصير الْمجَاز باستعمالهم كالحقيقة يحمل على ذَلِك الْمحمل) قَوْله يحمل الخ خبر الْمُبْتَدَأ لما بَين أَن إِطْلَاق اللَّفْظ فِي الْإِيمَان يحمل على مَا هُوَ الْمُتَعَارف فِي زمن الْحَالِف، لَا على مَا يَقْتَضِيهِ أصل وَضعه أَفَادَ أَن فَخر الْإِسْلَام أَرَادَ بِمَا ذكر هَذَا الْمَعْنى فَهُوَ مجَاز لغَوِيّ مهجور الْحَقِيقَة، فَصَارَ حَقِيقَة عرفية، وَلَا يخفى أَن مجازية مَا ذكر بِاعْتِبَار إِرَادَة بعض أَفْرَاد الْحَقِيقَة خَاصَّة بِمُوجب الْعرف.
مسئلة
(لَا شكّ أَن الْمَوْضُوع قبل الِاسْتِعْمَال لَيْسَ حَقِيقَة وَلَا مجَازًا لانْتِفَاء جنسهما) أَي جنس تعريفي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَهُوَ الْمُسْتَعْمل (وَلَا) شكّ أَيْضا (فِي عدم استلزام الْحَقِيقَة مجَازًا) لجَوَاز أَن لَا يسْتَعْمل اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ (وَاخْتلف فِي قلبه) أَي استلزام الْمجَاز الْحَقِيقَة (وَالأَصَح نَفْيه) أَي نفي قلبه (وَيَكْفِي فِيهِ) أَي فِي نفى استلزامه إِيَّاهَا (تَجْوِيز التَّجَوُّز بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ لما يُنَاسِبه (بعد الْوَضع قبل الِاسْتِعْمَال) لَهُ فِيمَا وضع لَهُ (لكِنهمْ استدلوا بِوُقُوعِهِ) أى الْمجَاز وَلَا حَقِيقَة (بِنَحْوِ ثَابت لمة اللَّيْل) إِذا ظهر فِيهِ تباشير الصُّبْح، فَإِن هَذَا مجَاز لَا حَقِيقَة لَهُ (وَدفع) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَنَّهُ مُشْتَرك الْإِلْزَام) يَعْنِي أَن الِاسْتِدْلَال فرع تحقق الْمُسْتَعْمل فِيهِ، وَبِهَذَا الدَّلِيل يُمكن نفي الْوَضع لِأَن مَا لَا تحقق لَهُ لَا يصلح لِأَن يوضع لَهُ، لِأَن الْوَضع لمصْلحَة الِاسْتِعْمَال فَلَا يُمكن إِثْبَات مجَاز بِدُونِ الْحَقِيقَة بِهَذَا الدَّلِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لاستلزامه) أَي الْمجَاز (وضعا) إِذْ الِاسْتِعْمَال فِي غير مَا وضع لَهُ فرع تحقق الْوَضع، وَقد عرفت أَن امْتنَاع الِاسْتِعْمَال لما ذكر يسْتَلْزم امْتنَاع الْوَضع، ثمَّ أَفَادَ أَن نَحْو مَا ذكر لَا يصلح للاستدلال بِهِ فِي مَحل النزاع بقوله (والاتفاق) على (أَن الْمركب لم يوضع)
стр. 406
وضعا (شخصيا وَالْكَلَام فِيهِ) أَي فِي الْوَضع الشخصي (وَأَيْضًا إِن اعْتبر الْمجَاز فِيهِ) أَي فِي شابت لمة اللَّيْل (فِي الْمُفْرد) أَي فِي شابت بِأَن أُرِيد بالشيب حُدُوث بَيَاض الصُّبْح فِي آخر سَواد اللَّيْل، وَفِي لمة بِأَن أُرِيد بهَا سَواد آخر اللَّيْل وَهُوَ الْغَلَس (منعنَا عدم حَقِيقَة شابت أَو لمة) لاستعمالهما فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهَا من بَيَاض الشّعْر، وَالشعر المجاور على شحمة الْأذن فِي غير هَذَا الْمركب (أَو) اعْتبر الْمجَاز فِيهِ (فِي نسبتهما) أَي النِّسْبَة الإسنادية للشيب إِلَى اللمة، وَالنِّسْبَة الإضافية للمة إِلَى اللَّيْل (فَلَيْسَ) الْمجَاز فيهمَا (النزاع) لِأَنَّهُ مجَاز عَقْلِي، والنزاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْمجَاز فِي الْمُفْرد (وَأما منع الثَّانِي) أَي الْمجَاز فِي النِّسْبَة بِأَن يُقَال: لَا مجَاز فِي النِّسْبَة (لِاتِّحَاد جِهَة الْإِسْنَاد) كَمَا سبق فِي تَنْبِيه قَول الْحَنَفِيَّة: وَالْمجَاز على غير الْمُفْرد (فَغير وَاقع لما تقدم) هُنَاكَ وأوضحناه فَليُرَاجع (وَأَيْضًا) وضع (الرَّحْمَن لمن لَهُ رقة الْقلب وَلم يُطلق) إطلاقا (صَحِيحا إِلَّا عَلَيْهِ تَعَالَى) وَالله منزه عَن الْوَصْف بهَا (فَلَزِمَ) أَن يكون إِطْلَاقه عَلَيْهِ تَعَالَى (مجَازًا بِلَا حَقِيقَة بِخِلَاف قَوْلهم) أَي بني حنفية فِي مُسَيْلمَة الْكذَّاب (رَحْمَن الْيَمَامَة). وَقَول شَاعِرهمْ:
(وَأَنت غيث الورى لَا زلت رحمانا ...)
فَإِنَّهُ لم يُطلق عَلَيْهِ إطلاقا صَحِيحا لمُخَالفَته اللُّغَة إِذا انفق أَهلهَا أَن لَا يُطلق إِلَّا على الله سُبْحَانَهُ، أوقعهم فِيهِ لحاجهم فِي الْكفْر (وَلِأَنَّهُم لم يُرِيدُوا بِهِ) أَي بِلَفْظ رَحْمَن فِي إِطْلَاقه على مُسَيْلمَة الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ من رقة الْقلب) بل أَرَادوا أَن يثبتوا لَهُ مَا يخْتَص بالإله بعد مَا أثبتوا لَهُ مَا يخْتَص بالأنبياء وَهُوَ النُّبُوَّة وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُم لم يستعملوا الرَّحْمَن الْمُعَرّف بِاللَّامِ، وَإِنَّمَا استعملوه مُعَرفا بِالْإِضَافَة من رَحْمَن الْيَمَامَة، ومنكرا فِي لازلت رحمانا، ودعوانا فِي الْمُعَرّف بِاللَّامِ (قَالُوا) أَي الملزمون (لَو لم يسْتَلْزم) الْمجَاز الْحَقِيقَة (انْتَفَت فَائِدَة الْوَضع) وَهِي الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ (وَلَيْسَ) هَذَا (بِشَيْء) يعْتد بِهِ (لِأَن التَّجَوُّز) بِاللَّفْظِ (فَائِدَة لَا تستدعى غير الْوَضع) أَي تتَحَقَّق هَذِه الْفَائِدَة بِمُجَرَّد الْوَضع، وَلَا تتَوَقَّف على الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ: فَإِذا كَانَت هَذِه الْفَائِدَة حَاصِلَة بِمُجَرَّد الْوَضع كفى بِهِ فَائِدَة للوضع وَالله أعلم.
مسئلة
(الْمجَاز وَاقع فِي اللُّغَة وَالْقُرْآن والْحَدِيث خلافًا للاسفرايني فِي الأول) أَي اللُّغَة، وَحكى السُّبْكِيّ النَّفْي لوُقُوعه مُطلقًا عَنهُ وَعَن الْفَارِسِي، وَحكى الأسنوي عَنهُ وَعَن جمَاعَة (لِأَنَّهُ قد يُفْضِي إِلَى الْإِخْلَال بغرض الْوَضع) وَهُوَ فهم الْمَعْنى: يَعْنِي وُقُوعه يُفْضِي إِلَى الْإِخْلَال فِي الْجُمْلَة فِي بعض الصُّور (لخفاء الْقَرِينَة) الدَّالَّة على الْمَعْنى الْمجَازِي، وَمَا يُفْضِي إِلَى الْإِخْلَال لَا وُقُوع لَهُ فِيمَا يقْصد بِهِ الإفادة
стр. 407
والاستفادة (وَهُوَ) أَي خِلَافه فِي وُقُوعه (بعيد) لَا يشْتَبه وُقُوعه (على بعض المميزين) وَذكر لفظ الْبَعْض الَّذِي يعم من لَهُ أدنى تَمْيِيز مُبَالغَة، فَالْمَعْنى لَا يشْتَبه على من لَهُ أدنى تَمْيِيز وَلَا يصدر عَنهُ (فضلا عَنهُ) أَي فضلا عَن صدوره عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق، ثمَّ علل الْبعد بقوله (لِأَن الْقطع بِهِ) أَي بِوُقُوع الْمجَاز فِي اللُّغَة (أثبت من أَن يُورد لَهُ مِثَال) أَي الْقطع الْحَاصِل بِوُجُودِهِ بِدُونِ إِيرَاد الْمِثَال لَهُ أثبت من الْقطع الْحَاصِل بِوُجُودِهِ بسب إِيرَاد الْمِثَال أَو الْمَعْنى الْقطع بِهِ متجاوز عَن إيرادا لمثال لكَونه مغنيا عَنهُ، فَإِن أفعل التَّفْضِيل يلْزمه تجَاوز الْمفضل عَن الْمفضل عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لكثرته وَكَمَال ظُهُوره (وَيلْزمهُ) أَي يلْزم دَلِيل النَّافِي (نفي) وُقُوع (الْإِجْمَال مُطلقًا) فِي اللُّغَة، وَالْكتاب، وَالسّنة للإفضاء إِلَى الْإِخْلَال بفهم الْمَعْنى المُرَاد، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ (و) خلافًا (للظاهرية فِي الثَّانِي) أَي الْقُرْآن. قَالَ الشَّارِح وَكَذَا فِي الثَّالِث إِلَّا أَنهم غير مطبقين على إِنْكَار وُقُوعه فيهمَا، وَإِنَّمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو بكر بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ الظَّاهِرِيّ فِي طَائِفَة مِنْهُم (لِأَنَّهُ) أَي الْمجَاز (كذب لصدق نقيضه) إِذْ يَصح أَن يُقَال لمن قَالَ للبليد أَنه حمَار كذبت: إِذْ البليد لَيْسَ بِحِمَار (فيصدقان) أَي النقيضان إِذا وَقع فِي الْقُرْآن، أما صدق الْكَلَام الْمُشْتَمل على الْمجَاز فلاستحالة الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى، وَأما صدق نقيضه فلصدق نفي مَدْلُول اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل مجَازًا بِحَسب نفس الْأَمر (قُلْنَا جِهَة الصدْق مُخْتَلفَة) فمتعلق الْإِثْبَات الْمَعْنى الْمجَازِي ومتعلق النَّفْي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ. فزيد حمَار صَادِق من جِهَة الْمَعْنى الْمجَازِي، وَزيد لَيْسَ بِحِمَار صَادِق من جِهَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَلَا مَحْذُور فِيهِ لما ذكر أَن الْمجَاز صَادِق أَرَادَ أَن يُحَقّق منَاط صدقه فَقَالَ (وتحقيقي صدق الْمجَاز التَّشْبِيه وَنَحْوه من العلاقة) فَإِذا صدق كَون زيد شَبِيها بالأسد بِأَن يكون شبهه بِهِ متحققا فِي نفس الْأَمر بِأَن يكون شجاعا صدق قَوْلنَا زيد أَسد، وَإِذا صدق كَون زيد منعما عَلَيْك، صدق قَوْلك: لَهُ على يَد (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ منَاط صدق الْمجَاز صدق التَّشْبِيه هِيَ مبناه ومآله (وَهُوَ) أَي الْمجَاز (أبلغ) من الْحَقِيقَة لما فِيهِ من تصرف عَقْلِي لَيْسَ للْحَقِيقَة مثله (وَقَوْلهمْ) أَي الظَّاهِرِيَّة (يلْزم) على تَقْدِير وُقُوع الْمجَاز فِي كَلَامه تَعَالَى (وَصفه تَعَالَى بالمتجوز) لِأَن من قَامَ بِهِ فعل اشتق لَهُ مِنْهُ اسْم فَاعل وَاللَّازِم بَاطِل لِامْتِنَاع إِطْلَاقه عَلَيْهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا (قُلْنَا إِن) أدرتم لُزُومه (لُغَة منعنَا بطلَان اللَّازِم) إِذْ لَا مَانع لَهُ مِنْهُ لُغَة (أَو) أردتم لُزُومه (شرعا منعنَا الْمُلَازمَة) لِأَن كَونه مَوْصُوفا بالْكلَام الْمُشْتَمل على الْمجَاز لَا يَقْتَضِي صِحَة إِطْلَاق المتجوز عَلَيْهِ شرعا، لِأَن صِحَة إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ مَشْرُوط بِأَن لَا يكون موهما لما لَا يَلِيق بِهِ، وَلَفظ المتجوز يُوهم أَنه يتسمح ويتوسع فِيمَا لَا يَنْبَغِي من الْأَفْعَال والأقوال، وَهُوَ نقص (وَلنَا الله نور السَّمَوَات) فَإِن النُّور فِي الأَصْل: كَيْفيَّة
стр. 408
تدركها الْأَبْصَار أَولا وبواسطتها سَائِر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لَهما، وَالله سُبْحَانَهُ منزه عَن ذَلِك فَهُوَ على التَّجَوُّز بِمَعْنى منور السَّمَوَات وَقد قرئَ بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى نورها بالكواكب وَمَا يفِيض عَنْهَا من الْأَنْوَار وبالملائكة والأنبياء إِذْ عَم النُّور، أَي بِمَعْنى مدبرها، من قَوْلهم للرئيس الْفَائِق فِي التَّدْبِير: نور الْقَوْم، لأَنهم يَهْتَدُونَ بِهِ فِي الْأُمُور أَو موجدها: فَإِن النُّور ظَاهر بِذَاتِهِ مظهر لغيره، وأصل الظُّهُور: هُوَ الْوُجُود كَمَا أَن أصل الخفاء هُوَ الْعَدَم وَهُوَ تَعَالَى مَوْجُود بِذَاتِهِ موجد لما عداهُ إِلَى غير ذَلِك (ومكر الله) لِأَن الْمَكْر فِي الأَصْل يجلب بهَا مضرَّة الْغَيْر وَهُوَ منزه سُبْحَانَهُ عَنْهَا، وَإِنَّمَا يسند إِلَيْهِ على سَبِيل الْمُقَابلَة والازدواج (الله يستهزئ بهم) لِأَن الِاسْتِهْزَاء السخرية ينْسب إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ مشاكلة، أَو اسْتِعَارَة لما ينزل إِلَيْهِم من الحقارة والهوان الَّذِي هُوَ لَازم الِاسْتِهْزَاء إِلَى غير ذَلِك (فاعتدوا عَلَيْهِ) بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم (و) جَزَاء (سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا) وَلَيْسَ جَزَاء الاعتداء اعتداء، بل هُوَ عدل، وَلَا جَزَاء السَّيئَة سَيِّئَة، فهما من إِطْلَاق اسْم أحد الضدين على الآخر بِجَامِع الْمُجَاورَة فِي التخيل (وَكثير) مِمَّا لَا يُحْصى عدده، فَلَا يَنْفَعهُمْ التَّأْوِيل فِي بعض الْأَمْثِلَة، كَأَن يُقَال: النُّور حَقِيقَة هُوَ الظَّاهِر فِي نَفسه الْمظهر لغيره، لَا الْعرض الْمَذْكُور فإطلاقه عَلَيْهِ تَعَالَى حَقِيقَة، وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ: الْمَكْر إِيصَال الْمَكْرُوه خُفْيَة، والاستهزاء إِظْهَار الْإِكْرَام وإخفاء الأهانة فَيجوز صدورهما مِنْهُ تَعَالَى، وَقَوله - ﴿أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين﴾ - لَا يدل على أَن كل استهزاء جهل، والاعتداء إِيقَاع الْفِعْل المؤلم، أَو هتك حرمه الشَّيْء، والسيئة مَا يسوء من ينزل بِهِ، وَلَا مجَاز فِي شَيْء مِنْهَا، (وَأما واسئل الْقرْيَة فَقيل) الْقرْيَة (حَقِيقَة) وَأمر بَنو يَعْقُوب أباهم أَن يسْأَلهَا (فتجيبه) أَي الْقرْيَة بإنطاق الله إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ كَانَ زمَان النُّبُوَّة وخرق العوائد، وَضعف بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقع للنَّبِي عِنْد التحدي وَإِظْهَار المعجزة، وَفِي غير ذَلِك لَا يَقع عَادَة وَإِن أمكن (وَقد مناه) أَي بَيَان مَا يتَعَلَّق بِهِ وَأَن لفظ الْقرْيَة (حَقِيقَة مَعَ حذف الْأَهْل) وَفِي قَوْلهم كنافيها إِشْعَار بِأَن المُرَاد سُؤال الْأَهْل أَن جَمِيع الجمادات مُتَسَاوِيَة فِي الشَّهَادَة عِنْد الْإِطْلَاق خرقا للْعَادَة إِظْهَارًا لصدقهم (وَلَيْسَ كمثله شَيْء) لَيْسَ (من مَحل النزاع) وَهُوَ مجَاز العلاقة لِأَنَّهُ من مجَاز الزِّيَادَة، أَلا ترى إِلَى تَعْلِيلهم: أَي الظَّاهِرِيَّة بِأَنَّهُ كذب، إِذْ لَا كذب فِي مجَاز الزِّيَادَة (وَقد أُجِيب) أَيْضا من قبلهم بِغَيْر هَذَا، فَأُجِيب (تَارَة بِأَنَّهُ) أَي لَيْسَ كمثله شَيْء لنفي التَّشْبِيه (حَقِيقَة) فالكاف مستعملة فِي مفهومها الوضعي (والمثل يُقَال لنَفسِهِ) أَي لنَفس الشَّيْء وذاته فَيُقَال (لَا يَنْبَغِي لمثلك) كَذَا: أَي لَك، قَالَ الله تَعَالَى - ﴿فَإِن آمنُوا﴾ - (بِمثل مَا آمنتم بِهِ) أَي بِمَا آمنتم بِهِ: وَهُوَ الْقُرْآن وَدين الْإِسْلَام، فَالْمَعْنى لَيْسَ كذاته شَيْء (وَتَمَامه) أَي تَمام هَذَا الْجَواب (باشتراك) لفظ (مثل) بَين النَّفس والتشبيه
стр. 409
إِذْ لَا ريب فِي كَونه حَقِيقَة فِي التَّشْبِيه، فَإِن كَانَ حَقِيقَة فِي النَّفس أَيْضا ثَبت الِاشْتِرَاك (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن فِي النَّفس حَقِيقَة بل كَانَ مجَازًا (ثَبت نقيض مطلوبهم) أَي الظَّاهِرِيَّة، وَهُوَ وجود الْمجَاز فِي الْقُرْآن (وَهُوَ) أَي الِاشْتِرَاك (مَمْنُوع) أَي غير وَاقع عَدمه وَالْمجَاز أولى مِنْهُ (وَتارَة) بِأَن لَيْسَ كمثله شَيْء (حَقِيقَة) على أَن الْكَاف بِمَعْنى مثل وكل مِنْهُمَا غير زَائِد (إِمَّا لنفي مثل مثله وَيلْزمهُ) أَي وَيلْزم (نفي) مثل (مثله وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يلْزمه (تنَاقض لِأَنَّهُ) تَعَالَى (مثل مثله) تَوْضِيحه أَنه على تَقْدِير نفي مثل مثله لَو تحقق مثله لزم اجْتِمَاع النقيضين: انْتِفَاء وجود مثل الْمثل، وَوُجُود مثل الْمثل، أما الأول فَلِأَنَّهُ الْمَنْطُوق الْمَدْلُول لقَوْله - ﴿لَيْسَ كمثله﴾ - وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مَوْجُود وَهُوَ مثل مثله الْمَفْرُوض وجوده (وللزوم التَّنَاقُض) على تَقْدِير أَن لَا يلْزمه نفي مثله (انْتَفَى ظُهُوره) أَي ظُهُور نفي مثل مثله) (فِي إِثْبَات مثله) دفع لما قيل من أَنه يلْزم على تَقْدِير كَون الْكَاف بِمَعْنى الْمثل إِثْبَات الْمثل من حَيْثُ دلَالَة اللَّفْظ ظَاهر إِذْ لَا يَنْفِي عَادَة نَظِير الشَّيْء الا اذا كَانَ ذَلِك الشئ مَعْلُوم الْوُجُود، وَإِنَّمَا جعل دلَالَته ظَاهرا لَا نصا لجَوَاز عقلا نفى نَظِير الشئ مَعَ كَون ذَلِك الشَّيْء مَعْدُوما (وَبِه) أَي بِلُزُوم التَّنَاقُض على تَقْدِير وجود الْمثل مَعَ نفي الْمثل (ينْدَفع دَفعه) أَي دفع هَذَا الْجَواب الْقَائِل أَن الْكَاف بِمَعْنى الْمثل، وَلَيْسَ زَائِدا والدافع ابْن الْحَاجِب (باقتضائه) أَي الْجَواب الْمَذْكُور: وَهُوَ صلَة الدّفع (إِثْبَات الْمثل فِي مقَام نَفْيه) أَي نفي الْمثل (و) إِذْ قد عرفت أَن لُزُوم التَّنَاقُض صرف عَن حمل التَّرْكِيب على إِثْبَات الْمثل بِهِ ينْدَفع (ظُهُوره) أَي ظُهُور لَيْسَ كمثله على تَقْدِير كَون الْكَاف بِمَعْنى الْمثل (فِيهِ) أَي فِي إِثْبَات الْمثل (وَجعل هَذَا) الدّفع (مُرَتبا على الْجَواب الأول) كَون الْمثل بِمَعْنى الذَّات على مَا وَقع فِي حَوَاشِي الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (سَهْو) لِأَن نفي مثل ذَاته لَا يَقْتَضِي إِثْبَات الْمثل فِي مقَام نَفْيه (وَأما لنفي شبه الْمثل) مَعْطُوف على قَوْله: أما لنفي مثل مثله لَا فرق بَينهمَا بِاعْتِبَار إِرَادَة الْمثل من الْكَاف لَكِن الثَّانِي اعْتبر فِيهِ الْمَعْنى الكوني وَحَاصِله أَنه تَارَة ينْسب إِلَى مثل الشَّيْء أَمر إِذا نظرت فِيهِ وجدته أليق انتسابا إِلَى ذَلِك الشَّيْء فَيكون الحكم بِهِ على الْمثل كِنَايَة عَن الحكم بِهِ على ذَلِك الشَّيْء كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فينتفى الْمثل بِأولى) أَي بطرِيق أولى (كمثلك لَا يبخل) فَإِن مثله من حَيْثُ أَنه مثله إِذا انْتَفَى عَنهُ الْبُخْل كَانَ ذَاته أولى بانتفائه، وَهَهُنَا إِذا فرض لذاته المقدسة نَظِير تَعَالَى شَأْنه كَانَ ذَلِك الْمَفْرُوض عديم النظير، فَكيف يتَصَوَّر أَن لَا يكون هُوَ تَعَالَى عديم النظير (وَلَا شكّ أَن اقْتِضَاء شبه صفته انْتِفَاء الْبُخْل) إِنَّمَا أضَاف اقْتِضَاء انْتِفَاء الْبُخْل إِلَى شبه صفته، لَا إِلَى شبهه كَمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر، لِأَن الْبُخْل الْمَنْفِيّ عَن شبهه إِنَّمَا هُوَ مُقْتَضى صفة كَمَال فِي ذَات الْمُشبه وَتلك الصّفة شَبيهَة صفة من قصد انْتِفَاء بخله أَصَالَة فَافْهَم (أولى) خبر أَن (مِنْهُ)
стр. 410
أَي من قصد اقْتِضَاء شبه صفته انْتِفَاء الْبُخْل (اقْتِضَاء صفته) انْتِفَاء الْبُخْل، وَقَوله اقْتِضَاء فَاعل أولى، هَذَا على رَأْي بعض النُّحَاة، وَأما على رَأْي الْأَكْثَر، فَالْخَبَر الْجُمْلَة اقْتِضَاء صفته مُبْتَدأ وَأولى خَبره أَو الْعَكْس كَمَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ (لَكِن لَيْسَ مِنْهُ) أَي من بَاب مثلك لَا يبخل (مَا نَحن فِيهِ من نفي مثل الْمثل) لينتفي الْمثل، كلمة من لبَيَان الْمَوْصُول (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يكون مَا نَحن فِيهِ من ذَلِك الْبَاب (لم يَصح نفي مثل لِثَابِت) مُتَعَلق بِمثل الثَّانِي: أَي لشخص ثَابت لَهُ مثل فَاعل ثَابت وَاحِد فضلا عَن الْأَكْثَر لكنه: أَي نفي مثل لما هُوَ ثَابت (لَهُ مثل وَاحِد لكنه) أَي نفي مثل هُوَ لما ثَابت لَهُ مثل (صَحِيح فَإِذا قيل لَيْسَ مثل مثل زيد أحد) اسْم لَيْسَ قدم عَلَيْهِ خَبره (اقْتضى ثُبُوت مثل لزيد) وَلقَائِل أَن يَقُول يجوز أَن يكون لَيْسَ كمثله من قبيل مثلك لَا يبخل وَلَا يلْزم مِنْهُ عدم صِحَة نفي مَا ذكره لجَوَاز أَن يسْتَعْمل لَيْسَ مثل مثله تَارَة لنفي الْمثل وَتارَة لنفي مثل الْمثل مَعَ وجود الْمثل وَيتَعَيَّن كل مِنْهُمَا بِحَسب الْقَرَائِن، فَفِي مثلك لَا يبخل الْعلم بِوُجُود الْمثل حَاصِل، والقرينة دَالَّة على أَن المُرَاد نفي الْبُخْل عَمَّن أضيف إِلَيْهِ الْمثل بطرِيق أولى، فَعِنْدَ اسْتِعْمَال لَيْسَ كمثله إِن كَانَ الْعلم بِوُجُود الْمثل حَاصِلا لم يكن المُرَاد نفي الْمثل بطرِيق أولى، وَإِن لم يعلم وجود الْمثل وَكَانَ سوق الْكَلَام لنفي الْمثل كَانَ المُرَاد نَفْيه بطرِيق أولى، نعم يتَّجه أَن يُقَال هَذَا التَّأْوِيل وَإِن جَازَ على سَبِيل التَّكْلِيف، لَكِن الْمُتَبَادر من اللَّفْظ نفي مثل الْمثل مَعَ وجود الْمثل كَمَا لَا يخفى على من لَهُ ذوق الْعَرَبيَّة، وسيشير إِلَيْهِ (وَصرف) مَا حققناه من أَن مُقْتَضى لَيْسَ مثل زيد ثُبُوت مثل لزيد وَأَنه يسْتَلْزم ثُبُوت زيد أَيْضا (لُزُوم التَّنَاقُض) اللَّازِم من نفي مثل مثله على مَا بَيناهُ (إِلَى نفي مثل) آخر (غير زيد) أَي صرف مَا ذكر انصراف النَّفْي عَمَّا يسْتَلْزم التَّنَاقُض من نفي مُطلق مثل الْمثل إِلَى نفي الْمثل الْخَاص (فَلم يتحد مَحل النَّفْي وَالْإِثْبَات) فَمحل النَّفْي مثل الْمثل الذى غير زيد، وَمحل الْإِثْبَات مثل الْمثل الَّذِي هُوَ زيد، وَيحْتَمل أَن يكون لُزُوم التَّنَاقُض فَاعل صرف، الْمَعْنى صَار لُزُوم التَّنَاقُض الْمَذْكُور قرينَة صارفة لحمل النَّفْي عَن الْإِطْلَاق إِلَى التَّخْصِيص (وَهُوَ) أَي الصّرْف الْمَذْكُور (أظهر من صرفه) أَي من صرف لُزُوم التَّنَاقُض (السَّابِق) أَي الَّذِي سبق ذكره القَوْل الْمَذْكُور، يَعْنِي لَيْسَ كمثله (عَن ظُهُوره) أَي القَوْل الْمَذْكُور (فِي إِثْبَات الْمثل) إِلَى نفي الْمثل مُطلقًا (لأسبقية هَذَا) أَي إِثْبَات الْمثل إِلَى الْفَهم (من التَّرْكِيب) الْمَذْكُور غير أَن الصّرْف السَّابِق بِهِ يفتح جَوَاب الظَّاهِرِيَّة وَهَذَا يُبطلهُ كَمَا لَا يخفى (فَالْوَجْه ذَلِك الدّفع) أَي دفع دفع ابْن الْحَاجِب كَون التَّرْكِيب لنفي مثل مثله وَيلْزمهُ نفي مثله باقتضائه إِثْبَات الْمثل فِي مقَام نَفْيه بِجعْل لُزُوم التَّنَاقُض قرينَة صارفة عَن ظُهُور التَّرْكِيب فِي إِثْبَات الْمسند.
стр. 411
مسئلة
(اخْتلف فِي كَون الْمجَاز نقليا) فَقَائِل قَالَ لَيْسَ نقليا وَآخر قَالَ نقلي، ثمَّ اخْتلفُوا (فَقيل) يشْتَرط النَّقْل (فِي آحاده) فَلَا بُد فِي كل فَرد من الْمجَاز من نقل عَن الْعَرَب أَنهم استعملوه فِي خُصُوص ذَلِك الْمَعْنى الْمجَازِي (وَقيل) يشْتَرط (فِي نوع العلاقة) فَيشْتَرط فِي كل مجَاز أَن ينْقل عَن الْعَرَب اعْتِبَار نوع علاقته (وَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل هُوَ (الْأَظْهر) وَمن قَالَ لَا يشْتَرط ذَلِك قَالَ يَكْفِي وجود علاقَة مصححة للانتقال عَمَّا وضع لَهُ إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي بمعاونة الْقَرِينَة (فالشارط) للنَّقْل فِي نوع العلاقة يَقُول معنى اشْتِرَاطه للعلاقة (أَن يَقُول) الْوَاضِع (مَا) أَي معنى (بَينه وَبَين) معنى (آخر) وَهُوَ مَا وضع لَهُ اللَّفْظ (اتِّصَال كَذَا) كِنَايَة عَن العلاقة (إِلَى آخِره) أَي أجزت أَن يسْتَعْمل فِيهِ من غير احْتِيَاج إِلَى نقل آحاده، والشارط للنَّقْل فِي الْآحَاد يشْتَرط سَمَاعه مِنْهُم فِي عين كل صُورَة (وَالْمُطلق) للْجُوَاز من غير اشْتِرَاط نقل فِي الْآحَاد وَلَا فِي النَّوْع يَقُول (الشَّرْط) فِي صِحَة التَّجَوُّز أَن يكون (بعد وضع التَّجَوُّز) أَي بعد تعْيين الْوَاضِع اللَّفْظ للاستعمال فِي غير مَا وضع لَهُ عِنْد الْقَرِينَة الصارفة والمعينة (اتِّصَال) بَين المتجوز بِهِ والمجوز عَنهُ (فِي ظَاهر) الْأَوْصَاف المختصة بالمتجوز عَنهُ، فَحَيْثُ وجد لم يتَوَقَّف على غَيره (وعَلى النَّقْل) أَي على القَوْل بِاشْتِرَاط النَّقْل نوعا (لَا بُد من الْعلم بِوَضْع نوعها) أَي بِتَعْيِين الْوَاضِع اللَّفْظ للاستعمال فِي غير مَا وضع لَهُ مِمَّا لَهُ نوع اتِّصَال بالموضوع لَهُ من الْأَنْوَاع الْمُعْتَبرَة: وَإِلَّا لَكَانَ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي ذَلِك وضعا جَدِيدا أَو غير مُعْتَد بِهِ (وَاسْتدلَّ) للمطلق بِأَنَّهُ (على التَّقْدِيرَيْنِ) أَي تَقْدِير شَرط نقل الْآحَاد، وَتَقْدِير شَرط نقل الْأَنْوَاع (لَو شَرط) أَحدهمَا (توقف أهل الْعَرَبيَّة) فِي كل تجوز على التَّقْدِير الأول، وَفِي كل نوع من التَّجَوُّز على التَّقْدِير الثَّانِي (وَلَا يتوقفون أَي فِي) أَحْدَاث (الْآحَاد و) لَا فِي (أَحْدَاث أَنْوَاعهَا) أَي العلاقة، وَمن ثمَّة لم يدونوا المجازات تدوينهم الْحَقَائِق (وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (منتهض) أَي قَائِم ثَابت (فِي الأول) أَي فِي عدم اشْتِرَاط النَّقْل فِي الْآحَاد (مَمْنُوع) بطلَان (التَّالِي) أَي لَا نسلم عدم التَّوَقُّف (فِي الثَّانِي) وَهُوَ عدم اشْتِرَاط النَّقْل فِي الْأَنْوَاع، تَقْرِيره وَلَو اشْترط النَّقْل فِي الْأَنْوَاع لتوقفوا فِيهَا، لكِنهمْ لَا يتوقفون، فاستثناء نقيض التَّالِي مَمْنُوع (وعَلى الْآحَاد) أَي وَاسْتدلَّ على عدم اشْتِرَاط النَّقْل فِي الْآحَاد بِأَنَّهُ (لَو شَرط النَّقْل فِيهَا (لم يلْزم الْبَحْث عَن العلاقة) لِأَن النَّقْل بِدُونِهَا مُسْتَقلَّة بِتَصْحِيحِهِ حِينَئِذٍ فَلَا معنى للبحث فِيهَا لكنه لَازم بإطباق أهل الْعَرَبيَّة فَلَا يشْتَرط النَّقْل فِي الْآحَاد (وَدفع أَن أُرِيد نفي التَّالِي) أَي عدم لُزُوم الْبَحْث عَن العلاقة (فِي) حق (غير الْوَاضِع منعناه) أَي نفي التَّالِي لِأَنَّهُ
стр. 412
لَا يلْزم عَلَيْهِ الْبَحْث عَنْهَا (بل يَكْفِيهِ) أَي غير الْوَاضِع (نَقله) أَي نقل كل وَاحِد من الْآحَاد عِنْد اسْتِعْمَاله (وبحثه) عَن العلاقة (للكمال) وَهُوَ الِاطِّلَاع على الْحِكْمَة الباعثة لاستعمال من نقل عَنهُ اللَّفْظ فِي ذَلِك الْمعِين (أَو) أُرِيد نفي التَّالِي (فِيهِ) أَي حق الْوَاضِع (منعنَا الْمُلَازمَة) فَإِن الْوَاضِع مُحْتَاج إِلَى معرفَة الْمُنَاسبَة بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي المسوغة للتجوز (و) الْوَاضِع (غير) مَحل (النزاع) فَإِن النزاع فِي غير الْوَاضِع (قَالُوا) أَي الشارطون للنَّقْل (لَو لم يشْتَرط) النَّقْل فِيهَا (جَازَ) أَن يسْتَعْمل (نَخْلَة لطويل غير إِنْسَان) للمشابهة فِي الطول كَمَا جَازَت للْإنْسَان الطَّوِيل (وشبكة للصَّيْد) للمجاورة بَينهمَا (وَابْن لِأَبِيهِ) إطلاقا للمسبب على السَّبَب (وَقَلبه) أَي أَب لِابْنِهِ إطلاقا للسبب على الْمُسَبّب (وَهَذَا) الدَّلِيل (للْأولِ) أَي الْقَائِل بِاشْتِرَاط نقل فِي الْآحَاد (وَالْجَوَاب وجوب تَقْدِير الْمَانِع) فِي أَمْثَال هَذِه الصُّور (للْقطع بِأَنَّهُم) أَي أهل الْعَرَبيَّة (لَا يتوقفون) عَن استعمالات مجازات لم تسمع أعيانها بعد تحقق نوع عَن العلاقات الْمُعْتَبرَة وتخلف الصِّحَّة عَن الْمُقْتَضى فِي بعض الصُّور لمَانع مَخْصُوص بهَا لَا يقْدَح فِي الِاقْتِضَاء، إِذْ عدم الْمَانِع لَيْسَ جُزْءا من الْمُقْتَضى، وَقَالَ صدر الشَّرِيعَة: إِنَّمَا لم يجز نَخْلَة لطويل غير إِنْسَان لانْتِفَاء المشابهة فِيمَا لَهُ مزِيد اخْتِصَاص بالنخلة وَهُوَ الطول مَعَ فروع وأغصان فِي أعاليها وطراوة وتمايل فِيهَا، وَفِيه أَنه لَو فرض مَا يشاركها فِيمَا ذكر لَا يسْتَعْمل فِيهَا أَيْضا فَتَأمل.
المعرفات للمجاز
(يعرف الْمجَاز بتصريحهم) أَي أهل اللُّغَة (باسمه) أَي الْمجَاز كَهَذا اللَّفْظ مجَاز فِي كَذَا (أَو حَده) بِأَن يُصَرح بِحَدّ الْمجَاز كَهَذا اللَّفْظ مُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ (أَو بعض لوازمه) كاستعماله فِي كَذَا يتَوَقَّف على العلاقة (وبصحة نفي مَا) أَي معنى (لم يعرف) معنى حَقِيقِيًّا (لَهُ) أَي للفظ، وَهُوَ الْمُسْتَعْمل فِيهِ عَن الْمَعْنى الْمَعْرُوف كَونه حَقِيقِيًّا لَهُ (فِي الْوَاقِع) مُتَعَلق بِالصِّحَّةِ كَقَوْلِك: للبليد حمَار فَإِنَّهُ يَصح فِيهِ أَن يُقَال الْحمار لَيْسَ ببليد، وَغَيره جعل العلاقة صِحَة نفي الْحَقِيقِيّ عَن الْمُسْتَعْمل فِيهِ وهما متلازمان، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوَاقِع لصِحَّة سلب الْإِنْسَان لُغَة وَعرفا عَن الفاقد بعض الصِّفَات الإنسانية المعتد بهَا، وَعَكسه بِنَاء على اعتبارات خطابية (قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب (وَعَكسه) وَهُوَ عدم صِحَة نفي مَا لم يعرف حَقِيقِيًّا لَهُ (دَلِيل الْحَقِيقَة) كَعَدم صِحَة نفي الإنسانية عَن البليد وَعَكسه فَإِنَّهُ دَلِيل على أَنه إِنْسَان حَقِيقَة (وَاعْترض) والمعترض الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (بِالْمُسْتَعْملِ فِي الْجُزْء وَاللَّازِم) الْمَحْمُول كاسنان
стр. 413
(من قَوْلنَا عِنْد نفي خَواص الإنسانية) عَن زيد مقول القَوْل (مَا زيد بِإِنْسَان أَي كَاتب) إِن اسْتعْمل فِي اللَّازِم (أَو نَاطِق) إِن اسْتعْمل فِي الْجُزْء حَاصِل الِاعْتِرَاض أَنكُمْ قُلْتُمْ صِحَة النَّفْي دَلِيل الْحَقِيقَة وَلَفظ إِنْسَان فِي الْمِثَال الْمَذْكُور سَوَاء اسْتعْمل فِي كَاتب أَو نَاطِق مجَاز بِلَا شُبْهَة مَعَ أَنه (لَا يَصح النَّفْي) فِيهِ فقد وجد الدَّلِيل (وَلَا حَقِيقَة) فَتخلف الْمَدْلُول عَن الدَّلِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَصح نفي الْإِنْسَان عَن الْكَاتِب وَلَا عَن النَّاطِق، لِأَن كل كَاتب إِنْسَان، وَكَذَا كل نَاطِق إِنْسَان، ورد عَلَيْهِ المُصَنّف بقوله: (وَالْحق الصِّحَّة) أَي صِحَة النَّفْي (فيهمَا) أَي فِي كَاتب وناطق فَيصح أَن يُقَال: الْكَاتِب لَيْسَ بِإِنْسَان، وَكَذَا النَّاطِق لَيْسَ بِإِنْسَان على أَن تكون الْقَضِيَّة طبيعية: إِذْ لَيْسَ مَفْهُوم الْإِنْسَان غير شَيْء مِنْهُمَا وَإِن كَانَ مَحْمُولا على أَفْرَاد كل مِنْهُمَا على أَن تكون الْقَضِيَّة متعارفة (قيل) على مَا فِي شرح العضدي (وَأَن يعرف لَهُ مَعْنيانِ) مَعْطُوف على مَدْخُول الْبَاء فِي قَوْله بتصريحهم: أَي وَيعرف الْمجَاز بِأَن يعرف للفظ مَعْنيانِ (حَقِيقِيّ ومجازي) بدل من مَعْنيانِ (ويتردد فِي المُرَاد) مِنْهُمَا فِي مورده فَكل من الْمَعْنيين بِخُصُوصِهِ مَعْلُوم، وَهَذَا حَقِيقِيّ، وَهَذَا مجازي، غير أَنه لَا يعرف المُرَاد بِخُصُوصِهِ، وَيعرف أَن أَحدهمَا مُرَاد (فصحة) نفي (الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ) عَن الْإِرَادَة فِي مثل هَذَا المورد (دَلِيله) أَي دَلِيل كَون اللَّفْظ مُسْتَعْملا فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلَيْسَ) هَذَا القَوْل (بِشَيْء) يعْتد بِهِ (لِأَن الحكم بِالصِّحَّةِ) أَي بِصِحَّة نفي الْحَقِيقِيّ عَن الْإِرَادَة فِي هَذَا المورد (يحِيل الصُّورَة) الْمَذْكُورَة أَي يحِيل كَونهَا مِمَّا يعرف بِهِ كَون اللَّفْظ مجَازًا (لِأَنَّهُ) أَي الحكم بِأَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ غير مُرَاد فِيهَا (فرع عدم التَّرَدُّد) فِي المُرَاد بِخُصُوصِهِ، وَالْعلم بِأَن الْمَعْنى الْمجَازِي مُرَاد: فالعلم بمجازية اللَّفْظ على هَذَا مقدم على الحكم بِالصِّحَّةِ، فَكيف يكون الحكم بهَا دَلِيل المجازية (وَإِن أُرِيد) بِكَوْن صِحَة نفي الْحَقِيقِيّ دَلِيلا إِثْبَات الدّلَالَة (لظُهُور الْقَرِينَة) الْمقيدَة للمجازية (بِالآخِرَة) بعد التَّرَدُّد بِسَبَب التَّأَمُّل إِسْنَادًا لوصف الشَّيْء إِلَى سَببه (فقصور) أَي فَهَذَا التَّأْوِيل قُصُور عَن فهم مَا يلْزمه من الْوُقُوع فِيمَا هُوَ أوهن (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل هَذَا التَّأْوِيل أَنه (إِذا دلّت الْقَرِينَة على أَن اللَّفْظ مجَاز فَهُوَ مجَاز) وَلَا طائل تَحْتَهُ: إِذْ حَاصله أَنه إِذا قَامَ دَلِيل المجازية يحكم بِمُوجبِه (وَمَعْلُوم وجوب الْعلم بِالدَّلِيلِ، و) يعرف الْمجَاز (بِأَن يتَبَادَر) من اللَّفْظ إِلَى الْفَهم (غَيره) أَي غير الْمَعْنى الْمُسْتَعْمل فِيهِ (لَوْلَا الْقَرِينَة) فَلَو كَانَ حَقِيقَة لما تبادر غَيره (وَقَلبه) أَي قلب مَا ذكر وَهُوَ لَا يتَبَادَر غير الْمُسْتَعْمل فِيهِ لَوْلَا الْقَرِينَة الدَّالَّة على المُرَاد غَيره (عَلامَة الْحَقِيقَة) فَمَا ذكره مطردَة منعكسة (وإيراد الْمُشْتَرك) نفضا على عَلامَة الْحَقِيقَة (إِذْ لَا يتَبَادَر فِيهِ الْمَعْنى (الْمعِين) الْمُسْتَعْمل فِيهِ، وَعدم تبادر غير الْمُسْتَعْمل فِيهِ يدل على كَون الْمُسْتَعْمل فِيهِ
стр. 414
متبادرا عرفا (وَهُوَ) أَي الْمُشْتَرك (حَقِيقَة فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْمعِين (مَبْنِيّ على) اشْتِرَاط (انعكاس الْعَلامَة وَهُوَ) أَي اشْتِرَاط انعكاسها (مُنْتَفٍ) بل الشَّرْط اطرادها فَقَط (واصلاحه) أَي تَوْجِيه إِيرَاد الْمُشْتَرك على عَلامَة الْمجَاز، وَهُوَ أَن يُقَال الْمُشْتَرك على عَلامَة الْمجَاز، وَهُوَ أَن يُقَال الْمُشْتَرك لَيْسَ بمجاز، وعلامة الْمجَاز مَوْجُودَة فِيهِ: إِذْ الْمُتَبَادر مِنْهُ غير مَا اسْتعْمل فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تبادر غَيره) خبر اصلاحه على الْمُسَامحَة (وَهُوَ) أَي غير الْمُسْتَعْمل فِيهِ (الْمُبْهم) يعين أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين (إِلَّا بِقَرِينَة) تعين أَحدهمَا بِعَيْنِه، اسْتثِْنَاء من أَعم الْأَحْوَال أَي تبادر غَيره فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا حَال كَونه متلبسا بِقَرِينَة (وَدفعه) أَي دفع الْإِيرَاد الْمَذْكُور (بِأَن فِي معنى التبادر) أَي تبادر الْغَيْر مَأْخُوذ (أَنه) أَي الْغَيْر (مُرَاد، وَهُوَ) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور (مُنْتَفٍ بالمبهم، واندفع مَا) ذكر من إِيرَاد الْمُشْتَرك (إِذا قرر) بِوَجْه آخر مشار إِلَيْهِ بقوله (بِمَا إِذا اسْتعْمل) الْمُشْتَرك (فِي) معنى (مجازي) مَا مَصْدَرِيَّة، وَإِذا زَائِدَة (فَإِنَّهُ لَا يتَبَادَر) حِينَئِذٍ (غَيره) أَي غير ذَلِك الْمجَاز لما عرفت من أَن المُرَاد تبادر الْغَيْر من حَيْثُ أَنه مُرَاد (فَبَقيت عَلامَة الْحَقِيقَة فِي الْمجَاز) ثمَّ أَفَادَ وَجه الاندفاع بقوله (بِأَن عَلامَة الْحَقِيقَة تبادر الْمَعْنى) الْمُسْتَعْمل فِيهِ (لَوْلَا الْقَرِينَة وَهُوَ المُرَاد بِعَدَمِ تبادر غَيره) أَي لَا يَكْفِي فِي الْحَقِيقَة مُجَرّد عدم تبادر غير الْمُسْتَعْمل فِيهِ: بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من تبادر الْمُسْتَعْمل فِيهِ بِدُونِ الْقَرِينَة (فَلَا وُرُود لهَذَا) الْإِيرَاد (إِذْ لَيْسَ يتَبَادَر) الْمَعْنى (الْمجَازِي) من لفظ الْمُشْتَرك حَتَّى يكون حَقِيقَة (ثمَّ هُوَ) أَي هَذَا التَّقْرِير (يُنَاقض مناضلة الْمُقَرّر) أَي مباراته ومجادلته: يَعْنِي القَاضِي عضد الدّين (فِيمَا سلف) فِي مسئلة عُمُوم الْمُشْتَرك بتنصيصه (على أَن الْمُشْتَرك ظَاهر فِي كل معِين ضَرْبَة) أَي دفْعَة وَاحِدَة (عِنْد عدم قرينَة معِين، و) يعرف الْمجَاز أَيْضا (بِعَدَمِ اطراده) أَي اللَّفْظ (بِأَن اسْتعْمل) فِي مَحل (بِاعْتِبَار، وَامْتنع) اسْتِعْمَاله (فِي) مَحل (آخر مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الِاعْتِبَار (كاسأل الْقرْيَة دون) اسْأَل (الْبسَاط) فَإِن لفظ اسْأَل اسْتعْمل فِي سُؤال الْقرْيَة بِاعْتِبَار نسبته إِلَى أَهلهَا، وَلم يسْتَعْمل فِي سُؤال الْبسَاط بِاعْتِبَار نسبته إِلَى أَهلهَا، فَلَو كَانَ اسْتِعْمَاله بذلك الِاعْتِبَار على مَا يَقْتَضِيهِ وَضعه الْأَصْلِيّ لما اخْتلف بِاعْتِبَار الْمجَاز (وَلَا تنعكس) هَذِه الْعَلامَة: أَي لَيْسَ الاطراد دَلِيل الْحَقِيقَة فَإِن الْمجَاز قد يطرد كالأسد للشجاع (وَأورد) على هَذِه الْعَلامَة: أَعنِي عدم الاطراد (السخي والفاضل امتنعا فِيهِ تَعَالَى مَعَ) وجود (المناط) أَي منَاط إطلاقهما، وَهُوَ الْجُود وَالْعلم فِي حَقه تَعَالَى، فقد تحقق فيهمَا عدم الاطراد وَلم يتَحَقَّق الْمجَاز (والقارورة) امْتنع اسْتِعْمَاله (فِي الدن) أَي لَا يُسمى قَارُورَة مَعَ وجود المناط فقد تحقق فِيهَا عدم الاطراد
стр. 415
وَهُوَ كَونه مقرا للمائع (وَأجِيب بِأَن عَدمه) أَي عدم اسْتِعْمَال هَذِه الْأَلْفَاظ فِيمَا ذكر (لُغَة عرف تقييدها) أَي الْمَذْكُورَات (بِكَوْنِهِ) أَي الْجُود (مِمَّن شَأْنه أَن يبخل و) الْعلم مِمَّن شَأْنه أَن (يجهل و) الْمقر (بالزجاجية) فَانْتفى منَاط الْإِطْلَاق فِيمَا امْتنع اسْتِعْمَالهَا فِيهِ، ثمَّ تعقب هَذَا الْجَواب بقوله (وَيَجِيء مثله) أَي مثل هَذَا الْجَواب (فِي الْكل) أَي فِي كل مَادَّة يَجْعَل فِيهَا عدم الاطراد عَلامَة للمجاز (إِذْ لَا بُد من خُصُوصِيَّة) لذَلِك الْمحل الْمُسْتَعْمل فِيهِ (فتجعل) تِلْكَ الخصوصية (جُزْءا) من المناط (و) يعرف المناط أَيْضا (بجمعه) أَي اللَّفْظ (على خلاف مَا عرف لمسماه) أَي إِذا كَانَ للاسم جمع بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَقد اسْتعْمل فِي معنى آخر لَا يعلم كَونه حَقِيقَة فِيهِ غير أَنه جمعه بِاعْتِبَار ذَلِك الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ الآخر مُخَالف لجمعه بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ كَانَ هَذَا الِاخْتِلَاف دَلِيلا على أَنه مجَاز فِي الْمَعْنى الآخر كالأمر فان جمعه بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الصِّيغَة الْمَخْصُوصَة أوَامِر، وَبِاعْتِبَار الْفِعْل أُمُور فَدلَّ على أَنه مجَاز فِيهِ (دفعا للاشتراك) اللَّفْظِيّ لِأَنَّهُ خير مِنْهُ (وَهَذَا) الَّذِي علل بِهِ كَون الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور عَلامَة للمجاز (فِي التَّحْقِيق يُفِيد أَن لَا أثر لاخْتِلَاف الْجمع) إِذْ الْمُؤثر إِنَّمَا هُوَ الِاحْتِرَاز عَن الِاشْتِرَاك، فَإِن الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور كَمَا يتَحَقَّق بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، كَذَلِك يتَحَقَّق بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاك فَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر (وَلَا تنعكس) هَذِه الْعَلامَة، إِذْ لَيْسَ كل مجَاز يُخَالف جمعه جمع الْحَقِيقَة فَإِن الْأسد بِمَعْنى الشجاع، وَالْحمار بِمَعْنى البليد يجمعان على أَسد وحمر، وَهَذَا الْكَلَام يُؤَيّد مَا قبله. قَالَ الشَّارِح لَا حَاجَة إِلَى قَوْله (كَالَّتِي قبلهَا) لتصريحه بِهِ ثمَّة قلت لَعَلَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى وَجه إيرادها متصلين (و) يعرف الْمجَاز أَيْضا (بِالْتِزَام تَقْيِيده) أَي اللَّفْظ عِنْد اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى المتردد فِيهِ بِشَيْء من لوازمه كجناح الذل، ونار الْحَرْب، وَنور الْإِيمَان، فَإِنَّهَا فِي مَعَانِيهَا الْحَقِيقَة تسْتَعْمل مُطلقَة، وَفِي هَذِه بِهَذِهِ الْقُيُود، فَهَذَا الِالْتِزَام دَلِيل التَّجَوُّز: إِذْ لَو كَانَت حَقِيقَة فِيهَا لاستعملت فِيهَا مُطلقَة كَمَا تسْتَعْمل فِي مَعَانِيهَا الْمَشْهُورَة كَمَا هُوَ أصل اللُّغَة فِي الاستعمالات الْحَقِيقِيَّة، وَهَذِه الْعَلامَة قد لَا تُوجد فِي بعض المجازات اعْتِمَادًا على الْقَرَائِن، وَإِنَّمَا اعْتبر الِالْتِزَام احْتِرَازًا عَن الْمُشْتَرك، فَإِنَّهُ رُبمَا يُقيد كرأيت عينا جَارِيَة، لَكِن من غير الْتِزَام (و) يعرف الْمجَاز أَيْضا (بتوقف إِطْلَاقه) أَي اللَّفْظ للمعنى المتردد فِيهِ الَّذِي هُوَ وصف مُتَعَلق بموصوف (على) ذَلِك (مُتَعَلقَة) صلَة للتوقف حَال كَونه فِي ذَلِك الْإِطْلَاق (مُقَابلا للْحَقِيقَة) بِأَن يسْتَعْمل قبيل هَذَا الْإِطْلَاق فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿ومكروا ومكر الله﴾ فَإِن إِطْلَاق الْمَكْر على الْمَعْنى اللَّائِق بجناب الْحق سُبْحَانَهُ مقرون بِذكر مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، وَهُوَ الذَّات الْمُقَدّس الْمُتَعَلّق
стр. 416
بذلك الْمَعْنى، وَقد قَابل إِطْلَاقه لهَذَا الْمَعْنى إِطْلَاقه لمعناه الْحَقِيقِيّ الْقَائِم بِمَا عبر عَنهُ بضمير الْجمع، وَصِحَّة هَذَا التَّمْثِيل مَبْنِيّ (على أَنه) أَي الْمجَاز لفظ (مكر الْمُفْرد وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر التَّجَوُّز فِي لفظ مكر، بل فِي نِسْبَة مكر الذَّات الْمُقَدّس (فَلَيْسَ) الْمِثَال على ذَلِك التَّقْدِير (الْمَقْصُود) أَي مطابقا لما قصد من الْمجَاز اللّغَوِيّ (كالتمثيل لعدم الاطراد باسأل الْقرْيَة) فَإِنَّهُ غير مُطَابق للقصد، لِأَن الْمجَاز فِي النِّسْبَة، لَا فِي الْمُفْرد الَّذِي هُوَ الْمَقْصد، ثمَّ علل قَوْله فَلَيْسَ هُوَ الْمَقْصد بقوله، (فَإِن الْكَلَام فِي) الْمجَاز (اللّغَوِيّ لَا) الْمجَاز (الْعقلِيّ) الَّذِي هُوَ الْمجَاز فِي النِّسْبَة.
مسئلة
(إِذا لزم) كَون اللَّفْظ (مُشْتَركا) بَين مُسَمَّاهُ الْمَعْرُوف، والمتردد فِيهِ لم يكن مجَازًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُشْتَركا لزم كَونه (مجَازًا) فِي المتردد فِيهِ (لزم مجَازًا) أَي لزم اعْتِبَار كَونه مجَازًا فِيهِ، وَهُوَ جَزَاء الشَّرْط وَحَاصِله أَنه إِذا دَار الْأَمر بَين الِاشْتِرَاك والتجوز تعين اخْتِيَار التَّجَوُّز (لِأَنَّهُ) أَي الْحمل على التَّجَوُّز (لَا يخل بالحكم) بِمَا هُوَ المُرَاد مِنْهُ بِعَيْنِه سَوَاء وجد قرينَة الْمجَاز أَولا (إِذْ هُوَ) أَي الحكم (عِنْد عدمهَا) أَي الْقَرِينَة (بالحقيقي) أَي بِكَوْن المُرَاد الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للفظ (وَمَعَهَا) أَي الْقَرِينَة (بالمجازي) أَي بِكَوْنِهِ الْمَعْنى الْمجَازِي لَهُ (أما الْمُشْتَرك فَلَا) يحكم بِأَن المُرَاد بِهِ معِين من معنييه (إِلَّا مَعهَا) أَي الْقَرِينَة الْمعينَة لَهُ: كَذَا قَالُوا، ورد عَلَيْهِم المُصَنّف بقوله (وَلَا يخفى عدم الْمُطَابقَة) أَي عدم مُطَابقَة مَا ذكر من الْإِخْلَال بالحكم على تَقْدِير الِاشْتِرَاك وَعدم الْقَرِينَة للْوَاقِع لِأَنَّهُ إِن لم يُمكن اجْتِمَاعهمَا أَو لم يقل بِالْعُمُومِ الاستغراقي للمشترك يحكم بإجماله، والإجمال مِمَّا يقْصد فِي الْكَلَام فَلَا إخلال، وَإِن أمكن وَقُلْنَا بِهِ تعين المُرَاد فَلَا إخلال على التَّقْدِيرَيْنِ (وَقَوْلهمْ) أَي المرجحين للْحَمْل على الْمجَاز (يحْتَاج) الْمُشْتَرك (إِلَى قرينتين) بِاعْتِبَار معنييه كل مِنْهُمَا تعين فِي مَحل بِاعْتِبَار الاستعمالات (بِخِلَاف الْمجَاز) فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى وَاحِدَة فبعيد إِنَّمَا يتمشى على عدم تعميمه فِي مفاهيمه ظَاهره (لَيْسَ بِشَيْء) إِذْ لَا يَقْتَضِي وجود القرنيتين فِي كل اسْتِعْمَال (بل كل) من الْمُشْتَرك وَالْمجَاز (فِي الْمَادَّة) أَي فِي كل مَادَّة مَخْصُوصَة من مواد الِاسْتِعْمَال (يحْتَاج) فِي إِفَادَة المُرَاد (إِلَى قرينَة) وَاحِدَة (وتعددها) أَي الْقَرِينَة فِي الْمُشْتَرك (لتعدده) أَي فِي الْمَعْنى المُرَاد مِنْهُ (على) سَبِيل (الْبَدَل) إِذْ المُرَاد مِنْهُ فِي هَذَا الِاسْتِعْمَال فَرد يدل على فَرد أُرِيد مِنْهُ فِي ذَلِك الِاسْتِعْمَال: فالتعدد فِي الْقَرِينَة على هَذَا القَوْل (كتعددها) أَي الْقَرِينَة فِي الْمجَاز (لتَعَدد) الْمعَانِي (المجازيات) للفظ وَاحِد بِاعْتِبَار الاستعمالات (كَذَلِك) أَي على الْبَدَل
стр. 417
فهما سيان بِاعْتِبَار وحدة الْقَرِينَة وتعددها على هَذَا الْوَجْه الْمَذْكُور، وَإِن اخْتلفَا من حَيْثُ أَن قرينَة الِاشْتِرَاك لتعيين الدّلَالَة وقرينة الْمجَاز لنَفس الدّلَالَة (وَلَعَلَّ مُرَادهم لُزُوم الِاحْتِيَاج إِلَى قرينتين (دَائِما على تَقْدِير الِاشْتِرَاك دون الْمجَاز لتعيين المُرَاد،) من الْمَعْنيين (وَنفى الآخر) يعْنى أَن القرينتين إِحْدَاهمَا لتعيين المُرَاد، وَالْأُخْرَى لنفي مَا لَيْسَ بِمُرَاد وَلَا يخفى أَن الْمعِين لأحد الْمَعْنيين لَا بُد أَن يكون نافيا للْآخر، فالتعدد بِاعْتِبَار الْحَيْثِيَّة، لَا بِاعْتِبَار الذَّات (وَهَذَا) أَي احْتِيَاج الْمُشْتَرك إِلَيْهِمَا بِنَاء (على) مَذْهَب (معممه) أَي الْمُشْتَرك فِي مفاهيمه إِنَّمَا هُوَ (فِي حَالَة عدم التَّعْمِيم) فَإِنَّهُ عِنْد قصد استغراقه لكل مَا يصلح لَهُ لَا يتَصَوَّر وجود الْقَرِينَة الْمعينَة لبَعض مفاهيمه (وَالْمجَاز كَذَلِك) أَي يلْزم كَونه مُحْتَاجا إِلَى القرينتين: إِحْدَاهمَا لتعيين المُرَاد، وَهُوَ الْمَعْنى الْمجَازِي، وَالْأُخْرَى لنفي الْحَقِيقَة بِنَاء (على الْجمع) على قَول من يُجِيز الْجمع بَين الْحَقِيقِيّ والمجازي فِي اسْتِعْمَال وَاحِد فِي حَال عدم التَّعْمِيم، فَإِنَّهُ عِنْد التَّعْمِيم يحْتَاج إِلَى قرينَة إردة الْمجَاز لَا إِلَى قرينَة نفي الْحَقِيقَة، بل هِيَ حِينَئِذٍ تفِيد خلاف مَقْصُوده: هَذَا وَقد يفرق بَينهمَا بِأَن الْمجَاز قد يسْتَعْمل فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ فَيصير حِينَئِذٍ حَقِيقَة وَلَا يحْتَاج إِلَى قرينَة بِخِلَاف الْمُشْتَرك، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِعْمَال لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْقَرِينَة إِلَّا عِنْد المعمم حَال التَّعْمِيم، وَهُوَ قَلِيل (وأبلغ) مَعْطُوف على قَوْله لَا يخل بالحكم فَهُوَ دَلِيل آخر على اخْتِيَار الْمجَاز إِلَى الْمجَاز أبلغ من الْحَقِيقَة، لِأَن اشتماله على نكت البلاغة أَكثر، وَاعْترض عَلَيْهِ المُصَنّف بقوله (وإطلاقه) أَي إِطْلَاق كَونه أبلغ (بِلَا مُوجب) يُفِيد ذَلِك (لِأَنَّهُ) أَي قَوْلهم أبلغ إِن كَانَ (من البلاغة) فَهُوَ (مَمْنُوع) كَيفَ (و) قد (صرح بأبلغية الْحَقِيقَة) من الْمجَاز (فِي مقَام الْإِجْمَال) مُطلقًا الدَّاعِي للأبهام على السَّامع أَولا ثمَّ التَّفْصِيل ثَانِيًا فَإِن ذَلِك أوقع فِي نفس (فَإِن الْمُشْتَرك) فِي مثل هَذَا الْمقَام (هُوَ المطابق لمقْتَضى الْحَال) لاقتضائها الْإِجْمَال الْحَاصِل فِي الْمُشْتَرك (بِخِلَاف الْمجَاز) فَإِن اللَّفْظ مَعَ عدم الْقَرِينَة يحمل على الْحَقِيقَة، وَمَعَهَا على الْمجَاز فَلَا إِجْمَال (و) إِن كَانَ (بِمَعْنى تَأْكِيد إِثْبَات الْمَعْنى) أَي , وَإِن كَانَ من الْمُبَالغَة بِمَعْنى كَونه أكمل وَأقوى فِي الدّلَالَة على مَا أُرِيد بِهِ من الْحَقِيقَة على مَا أُرِيد بهَا (كَذَلِك) أَي فَهُوَ مَمْنُوع أَيْضا (للْقطع بمساواة رَأَيْت أسدا ورجلا هُوَ والأسد سَوَاء) فِي الأَسدِية، وَقَالَ الشَّارِح الشجَاعَة وَحِينَئِذٍ يرد منع الْمُسَاوَاة بِفَوَات ادِّعَاء كَونه أسدا فَتَأمل (نعم هُوَ) أَي الْمجَاز (كَذَلِك) أَي يُفِيد التَّأْكِيد (فِي) رَأَيْت أسدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَأَيْت (رجلا كالأسد) فَإِن فِي ادِّعَاء الأَسدِية تَأْكِيدًا لإِثْبَات الشجَاعَة (وَكَونه) أَي الْمجَاز، بل التَّعْبِير عَن المُرَاد بطرِيق التَّجَوُّز (كدعوى الشَّيْء بَيِّنَة) أَي متلبسا بَيِّنَة فِي كَون كل مِنْهُمَا
стр. 418
أَعنِي الْمَعْنى الْمجَازِي وَالشَّيْء الْمَدْلُول عَلَيْهِ بَيِّنَة مَقْرُونا بِمَا يستلزمه ويوضحه (بِنَاء على أَن الِانْتِقَال إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي دَائِما من الْمَلْزُوم) وَهُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِلَى اللَّازِم كالانتقال من الْغَيْث الى النبت (ولزومه) أى لُزُوم الِانْتِقَال فِيهِ دَائِما من الْمَلْزُوم الى اللَّازِم (تكلّف) وَفِي نُسْخَة مصححة " وَإِنَّمَا يتَحَقَّق بتكلف " وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرَاد باللزوم الِانْتِقَال فِي الْجُمْلَة سَوَاء كَانَ هُنَاكَ لُزُوم عَقْلِي حَقِيقِيّ، أَو عادي أَو اعتقادي أَو ادعائي (وَهُوَ) أَي التَّكَلُّف الْمَذْكُور (مُؤذن بحقية انتفائه) أَي انْتِفَاء لُزُوم الِانْتِقَال الْمَذْكُور الْمُسْتَند إِلَيْهِ الأبلغية الْمَذْكُورَة (مَعَ أَنه إِنَّمَا يلْزم) هَذَا التَّرْجِيح (فِي) اللُّزُوم (التحقيقي لَا الادعائي وَأما الأوجزية) أَي وَأما تَرْجِيح الْمجَاز على الْمُشْتَرك بِأَن الْمجَاز أوجز فِي اللَّفْظ من الْحَقِيقَة، فَإِن أسدا يقوم مقَام رجل شُجَاع (والأخفية) أَي وَبِأَن الْمجَاز أخف لفظا من الْحَقِيقَة كالحادثة والخنفقيق للداهية (والتوصل إِلَى السجع) أَي وَبِأَن الْمجَاز أخف لفظا من الْحَقِيقَة كَمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى تواطؤ الفاصلتين من النثر على الْحَرْف الآخر نَحْو الْحمار ثرثار إِذا وَقعا فِي أَوَاخِر القوافي بِخِلَاف بليد ثرثار: أَي كثير الْكَلَام (والطباق) أَي وَبِأَنَّهُ يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْجمع بَين مَعْنيين مُتَقَابلين فِي الْجُمْلَة أَو مَا هُوَ مُلْحق بِهِ نَحْو:
(لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى)
فَضَحِك مجَاز عَن ظهر، وَلَو ذكره مَكَانَهُ لفات هَذَا التحسين البديعي (والجناس) أَي وَبِأَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى تشابه اللَّفْظَيْنِ لفظا مَعَ تغايرهما معنى (والروي) وَبِأَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمُحَافظَة على الْحَرْف الَّذِي تبنى عَلَيْهِ القصيدة (فمعارض بِمثلِهِ فِي الْمُشْتَرك) فقد يكون أوجز وأخف كَالْعَيْنِ للجاسوس أَو للينبوع ويتوصل بِهِ إِلَى السجع والروي نَحْو: لَيْث مَعَ غيث دون أَسد، والمطابقة نَحْو حسننا خير من خياركم والجناس نَحْو: رحبة رحبة، بِخِلَاف وَاسِعَة، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، فَالْوَجْه أَن يُعَارض بنكات أخر مُخْتَصَّة بالمشترك كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (ويترجح) الْمُشْتَرك (بالاستغناء عَن العلاقة وَمُخَالفَة الظَّاهِر وَهُوَ) أَي الظَّاهِر (الْحَقِيقَة، وَهَذَا) أَي كَون الْحَقِيقَة هُوَ الظَّاهِر (إِن عمم فِي غير الْمُنْفَرد) وَهُوَ الْمُشْتَرك (فَمَمْنُوع) لِأَن الْمُشْتَرك حَقِيقَة وَلَيْسَ بِظَاهِر فِي شَيْء من مَعَانِيه إِلَّا بِقَرِينَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعمم فِيهِ (لَا يُفِيد) لِأَن الْكَلَام فِيهِ (و) أَيْضا ترجح الْمُشْتَرك بالاستغناء (عَن ارْتِكَاب الْغَلَط) يَعْنِي أَن الْحمل على الِاشْتِرَاك مخلص عَن ارْتِكَاب احْتِمَال الْغَلَط (للتوقف) أَي لتوقف الْمُخَاطب عَن تعْيين المُرَاد مِنْهُ (لعدمها) أَي عِنْد عدم الْقَرِينَة الْمعينَة لأحد معنييه، والغلط إِنَّمَا يَقع فِي التَّعْيِين، وَهَذَا على رَأْي من لَا يعممه فِي مفاهيمه، وَأما عِنْد المعمم فَحكمه مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو للتعميم) يَعْنِي اسْتغْنَاء عَن ارْتِكَاب
стр. 419
الْغَلَط لكَونه علما فِي جَمِيع مَا يصلح لَهُ فَلَا يبْقى للغلط مجَال، وَفِيه مَا سَنذكرُهُ (بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف الْحمل على الْمجَاز فَإِنَّهُ ارْتِكَاب للغلط إِذْ لَا يتَوَقَّف فِيهِ عَن تعْيين المُرَاد عِنْد عدم الْقَرِينَة بل يحكم بِإِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (و) الْحَال أَنه (قد لَا يُرَاد) من اللَّفْظ عِنْد عدمهَا الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) وَقد أقيم على إِرَادَة الْمجَازِي قرينَة خُفْيَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وتخفى الْقَرِينَة) على الْمُخَاطب فَيَقَع فِي الْغَلَط بِحمْلِهِ على الْحَقِيقِيّ (وَالْوَجْه أَن جَوَاز اللَّفْظ) المتحقق (فيهمَا) أَي فِي الْمُشْتَرك وَالْمجَاز كِلَاهُمَا (بتوهمها) أَي بِسَبَب توهم الْقَرِينَة وهما فِي توهمهما سَوَاء، أما فِي الْمُشْتَرك فيتوهم قرينَة مُعينَة لأحد الْمَعْنيين وَلم يقصدها الْمُتَكَلّم فَيَقَع فِي الْغَلَط، وَأما فِي الْمجَاز فيتوهما مُعينَة للمجازي وَلم يقصدها بل قصد الْحَقِيقَة فَيَقَع أَيْضا فِي الْغَلَط (وَلَا أثر لاحتياج) أَي لاحتياج الْمجَاز (إِلَى علاقته) المسوغة للتجوز بِهِ عَن الْحَقِيقِيّ فِي حُصُول هَذَا التَّوَهُّم كَمَا يظْهر (بِقَلِيل تَأمل) قَالَ الشَّارِح لِأَن الْكَلَام فيهمَا بعد تحقق كل مِنْهُمَا وَلَا تحقق للمجاز بِدُونِ علاقته الْمَذْكُورَة انْتهى، وَفِيه أَن التَّأْثِير لَا ينْحَصر اعْتِبَاره فِي أَن يكون بعد تحققهما فَالْوَجْه أَن يُقَال أَن من أثبت لَهُ تَأْثِيرا زعم أَن الْمجَاز لكَونه مُحْتَاجا إِلَيْهَا لَا يَخْلُو عَنْهَا، ووجودها يُفْضِي إِلَى توهم الْقَرِينَة، وَيظْهر بِأَدْنَى تَأمل أَن وجود العلاقة فِي نفس الْأَمر لَا يَسْتَدْعِي تعقله ومدارا لتوهم الْمَذْكُور على التعقل لَا الْوُجُود فَتدبر، وَهَذَا مَبْنِيّ على جعل الْكَلَام من تَتِمَّة جَوَاز الْغَلَط فيهمَا، وَأما إِذا جَعَلْنَاهُ جَوَابا على تَرْجِيح الْمُشْتَرك باحتياج الْمجَاز إِلَى العلاقة وَالْمعْنَى لَا أثر لَهُ فِي التَّرْجِيح كَمَا يظْهر بِقَلِيل من التَّأَمُّل، إِذْ غَايَته قلَّة الْمُؤْنَة فِي جَانب الْمُشْتَرك وَلَا عِبْرَة بِهَذِهِ فِي مُقَابلَة مَا يحصل للْكَلَام من البلاغة فِي مُلَاحظَة العلاقة، فَهَذَا الْأَثر مَعْدُوم فِي جنب ذَلِك الْأَثر (و) أَيْضا يتَرَجَّح الْمُشْتَرك (بِأَنَّهُ يطرد) فِي كل وَاحِد من مَعَانِيه لِأَنَّهُ حَقِيقَة فِيهِ، بِخِلَاف الْمجَاز فَإِن من علاماته عدم الاطراد (وَتقدم مَا فِيهِ) من أَن الْمجَاز قد يطرد كالأسد الشجاع (و) أَيْضا يتَرَجَّح الْمُشْتَرك (بالاشتقاق من مفهوميه) إِذا كَانَ مِمَّا يشتق مِنْهُ، لِأَنَّهُ حَقِيقَة فِي كل مِنْهُمَا وَهُوَ من خواصها (فيتسع) الْكَلَام وتكثر الْفَائِدَة، وَهَذَا على رَأْي مانعي الِاشْتِقَاق من الْمجَاز كَالْقَاضِي وَالْغَزالِيّ (وَالْحق أَن الِاشْتِقَاق يعْتَمد المصدرية) أَي مَدَاره على كَون اللَّفْظ مصدرا (حَقِيقَة كَانَ) الْمصدر (أَو مجَازًا كالحال ناطقة ونطقت الْحَال) من النُّطْق بِمَعْنى الدّلَالَة (وَقد تَتَعَدَّد) الْمعَانِي (المجازية للمنفرد) تعددا (أَكثر من) تعدد مَعَاني (مُشْتَرك) ويشتق من ذَلِك الْمُنْفَرد إِذا كَانَ مصدرا بِاعْتِبَار كل وَاحِد من تِلْكَ الْمعَانِي المجازية (فَلَا يلْزم أوسعيته) أَي الْمُشْتَرك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمجَاز (فَلَا يَنْضَبِط) الاتساع الْمُقْتَضى للترجيح (وَعَدَمه) أَي عدم الِاشْتِقَاق (من الْأَمر بِمَعْنى الشَّأْن) جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَنه لَو كَانَ يشتق من اللَّفْظ بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْمجَازِي لاشتق من
стр. 420
لفظ الْأَمر بِمَعْنى الشَّأْن وَحَاصِل الْجَواب أَن عدم الِاشْتِقَاق فِيهِ (لعدمها) أَي المصدرية لَا للمجازية كَمَا زعم الْبَعْض وَعدم الِاشْتِقَاق (من) الإقبال والإدبار فِي قَوْلهم: (فَإِنَّمَا هِيَ إقبال وإدبار) مَعَ وجود الْمصدر بِأَن يُقَال هِيَ مقبلة ومدبرة (لفوت غَرَض الْمُبَالغَة) أَي غَرَض هُوَ الْمُبَالغَة الْحَاصِلَة من حمل الْمصدر على النَّاقة لِكَثْرَة مَا تقبل وتدبر، كَأَنَّهَا تجسمت من الإقبال والإدبار لَا للمجازية (وترجح أكثرية الْمجَاز للْكُلّ) أَي جَمِيع مرجحات الِاشْتِرَاك فَإِن من تتبع كَلَام الْعَرَب علم أَن الْمجَاز فِيهِ أَكثر من الْمُشْتَرك حَتَّى ظن بعض الْأَئِمَّة أَن أَكثر اللُّغَة مجَاز فيترجح الْحمل على الْأَعَمّ الْأَغْلَب.
مسئلة
(يعم الْمجَاز فِيمَا تجوز بِهِ فِيهِ فَقَوله) أَي فَلفظ الصَّاع فِي قَوْله ﷺ " لَا تَبِيعُوا الدِّينَار بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ (وَلَا الصَّاع بالصاعين) إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم الرِّبَا " (يعم فِيمَا يُكَال بِهِ) وَهُوَ مَوْضُوع للمكيال الْخَاص مُسْتَعْمل مجَازًا فِيمَا يُكَال بِهِ مُسْتَغْرق جَمِيع أَفْرَاده (فَيجْرِي الرِّبَا فِي نَحْو الجص) مِمَّا لَيْسَ بمطعوم (ويفيد مناطه) أَي عِلّة الرِّبَا، لِأَن الحكم علق بالمكيل فَيُفِيد عَلَيْهِ مبدأ الِاشْتِقَاق (وَعَن بعض الشَّافِعِيَّة لَا) يعم، وَعَزاهُ غير وَاحِد إِلَى الشَّافِعِي (لِأَنَّهُ) أَي الْمجَاز (ضَرُورِيّ) أَي لضَرُورَة التَّوسعَة فِي الْكَلَام إِذْ الأَصْل فِيهِ الْحَقِيقَة (فَانْتفى) الرِّبَا (فِيهِ) أَي فى نَحْو الجص وَجه التَّفْرِيع أَن الثَّابِت ضَرُورَة يقْتَصر على قدر الضَّرُورَة والعموم زَائِد على قدرهَا، وَالْإِجْمَاع على أَن الطَّعَام مُرَاد، فَصَارَ المُرَاد بالصاع من أجمع عَلَيْهِ لَا غير (فَسلم عُمُوم الطَّعَام) يَعْنِي لَو ثَبت عَلَيْهِ الْكَيْل بِعُمُوم الصَّاع فِي مَعْنَاهُ الْمجَازِي بِحَيْثُ دخل تَحت عُمُومه نَحْو الجص لما سلم عُمُوم الطَّعَام، لِأَن عليته تَقْتَضِي عدم تحقق الحكم عِنْد عدم الْكَيْل، فالطعام لَا يدْخل تَحت الحكم عِنْد عدم الْكَيْل: كالطعام الَّذِي لَا يدْخل تَحت الْكَيْل، لَا يجْرِي فِيهِ الرِّبَا: فَعِنْدَ ذَلِك لم يسلم عُمُومه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لانْتِفَاء علية الْكَيْل) وَعند انْتِفَاء عليته تتَعَيَّن عَلَيْهِ الطّعْم على مَا يفهم من قَوْله ﷺ " لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء ". أخرج مَعْنَاهُ الشَّافِعِي فِي مُسْنده، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَامْتنعَ) أَن تبَاع (الحفنة بالحفنتين مِنْهُ) أَي من الطَّعَام (ولزمت عليته) أَي الطّعْم عِنْدهم (قيل) على مَا يفهم من كَلَام الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (لم يعرف) نفي عُمُوم الْمجَاز (عَن أحد وَيبعد) أَن يَقُول بِهِ أحد (لِأَنَّهَا) أَي الضَّرُورَة الْمَدْلُول عَلَيْهَا بقوله لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلّم مَمْنُوع) يَعْنِي فَقَوْل مَانع عُمُوم الْمجَاز: أَن الْمجَازِي إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ للضَّرُورَة غير مُسلم (للْقطع بتجويز
стр. 421
الْعُدُول) عَن الْحَقِيقَة (إِلَيْهِ) أَي الْمجَاز (مَعَ قدرَة الْحَقِيقَة) أَي الْقُدْرَة على جَوَازًا وقوعيا (لفوائده) أَي الْمجَاز لما فِيهِ من لطائف الاعتبارات، ومحاسن الاستعارات الْمُوجبَة أَعلَى دَرَجَة الْكَلَام فِي البلاغة على أَنه وَاقع فِي كَلَام من يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْعَجز عَن اسْتِعْمَال الْحَقِيقِيَّة (و) بِالنِّسْبَةِ (إِلَى السَّامع: أَي لتعذر الْحَقِيقَة) تَفْسِير لموجب الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّامع فَإِنَّهُ إِذا تعذر الْحمل على الْحَقِيقَة للقرينة الصارفة عَنْهَا، واضطر إِلَى الْحمل على الْمجَاز تحققت الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا لَكِنَّهَا (لَا تَنْفِي الْعُمُوم) وَحَاصِل الْكَلَام أَن الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلّم تستدعى نفى الْعُمُوم لما ذكر لَكِنَّهَا لَيست بموجودة، وبالنسبة إِلَى السَّامع بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور مَوْجُودَة لَكِنَّهَا لَا تستدعي نَفْيه: بل الْمُتَكَلّم لما أَرَادَ الْعُمُوم لعدم تحقق الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ اليه لزم حمل السَّامع اللَّفْظ على الْعُمُوم وَهُوَ ظَاهر (وَلَا) تتَحَقَّق الضَّرُورَة الْمُوجبَة لنفي الْعُمُوم أَيْضا (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاضِع) ثمَّ بَين كَيْفيَّة تحقق الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بقوله (بِأَن اشْترط فِي اسْتِعْمَاله) أَي الْمجَاز (تعذرها) أَي الْحَقِيقَة وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْمُسَامحَة إِذْ لم يتَحَقَّق فِي حق الْوَاضِع إِلَّا اعْتِبَار الضَّرُورَة فِي الِاسْتِعْمَال لَا نَفسهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (لما ذكرنَا) من الْمَنْع فَإِن وُقُوع الِاشْتِرَاط مِنْهُ مَمْنُوع، وَمن أَنه لَا يَنْفِي الْعُمُوم فَإِنَّهُ على تَقْدِير وُقُوعه مِنْهُ لَا يَقْتَضِي عدم إِرَادَة الْعُمُوم إِذا اسْتعْمل بعد تعذر الْحَقِيقَة فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلِأَن الْعُمُوم للْحَقِيقَة بِاعْتِبَار شُمُول المُرَاد) بِاللَّفْظِ (بِمُوجبِه) أَي الشُّمُول بِأَسْبَاب زَائِدَة على ذَاتهَا كأداة التَّعْرِيف، ووقوعها فِي سِيَاق النَّفْي (لَا) بِاعْتِبَار (ذَاتهَا) فَإِذا وجدت تِلْكَ الْأَسْبَاب فِي الْمجَاز أَيْضا أوجبته (قيل) وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (وَلَا يَتَأَتَّى نزاع لأحد فِي صِحَة قَوْلنَا جَاءَنِي الْأسود الرُّمَاة إِلَّا زيد لَكِن الْوَاجِد) للْخلاف (مقدم) على نافيه للعجز النَّافِي عَن إِقَامَة الدَّلِيل على أَنه لم يقل بِعَدَمِ صِحَة عُمُوم الْمجَاز أحد (واندرج الْوَجْه) أَي وَجه صِحَة عُمُوم الْمجَاز الْمَذْكُور فِي ال مسئلة الْمُتَنَازع فِيهَا بَين الْفَرِيقَيْنِ تَحت مَا ذكر على وَجه الْإِجْمَال (ولزمت الْمُعَارضَة) بَين عِلّة وصف الطّعْم وَوصف الْكَيْل، ويترجح الْأَعَمّ، وَهُوَ الْكَيْل لتعديه إِلَى مَا لَيْسَ بمطعوم، وَهُوَ الْأَحْوَط الْأَنْسَب بِبَاب الرِّبَا.
مسئلة
(الْحَنَفِيَّة وفنون الْعَرَبيَّة) أَي عَامَّة عُلَمَاء الْعَرَبيَّة والمحققون من الشَّافِعِيَّة (وَجمع من الْمُعْتَزلَة) مِنْهُم أَبُو هَاشم (لَا يسْتَعْمل) اللَّفْظ (فيهمَا) أَي فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي حَال كَونهمَا (مقصودين بالحكم) بِأَن يُرَاد كَون كل مِنْهُمَا ظرفا للنسبة الْمُعْتَبرَة فِي الْكَلَام فِي
стр. 422
إِطْلَاق وَاحِد (وَفِي الْكِنَايَة البيانية) إِنَّمَا يسْتَعْمل اللَّفْظ فيهمَا لَا لِأَن يكون كل مِنْهُمَا مَقْصُودا بالحكم بل (لينتقل) الذِّهْن (من) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ الْوَاقِع بَينه إِلَى) الْمَعْنى (الْمجَازِي) فَقَوْلهم كثير الرماد أُرِيد بِهِ كَثْرَة الرماد ليَكُون سلما لفهم الْجُود الَّذِي هُوَ منَاط صدق الْكَلَام، فَيصدق زيد كثير الرماد إِذا كَانَ لَهُ جود وَإِن لم يكن لَهُ ذرة من الرماد، فَلَيْسَ الْمَقْصد بالحكم إِلَّا الْجُود (وَأَجَازَهُ) أَي اسْتِعْمَاله فيهمَا مقصودين بالحكم فِي إِطْلَاق وَاحِد (الشَّافِعِيَّة وَالْقَاضِي وَبَعض الْمُعْتَزلَة) كَعبد الْجَبَّار وَأبي عَليّ الجبائي (مُطلقًا إِلَّا أَن لَا يُمكن الْجمع) بَينهمَا (كالفعل أمرا وتهديدا) فَإِن الْأَمر طلب الْفِعْل والتهديد يَقْتَضِي التّرْك فَلَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا (وَالْغَزالِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن يَصح) اسْتِعْمَاله فيهمَا (عقلا لَا لُغَة، وَهُوَ الصَّحِيح إِلَّا فِي غير الْمُفْرد) أَي مَا لَيْسَ بمثنى وَلَا مَجْمُوع اسْتثِْنَاء من قَوْله لَا لُغَة (فَيصح) الِاسْتِعْمَال فيهمَا فِي غير الْفَرد (لُغَة) أَيْضا (لتَضَمّنه) أَي غير الْمُفْرد (المتعدد) من اللَّفْظ، وَفِيه أَن تضمن الْمثنى وَالْمَجْمُوع للمتعدد من الْمَعْنى مُسلم، وَأما من حَيْثُ اللَّفْظ فَلَا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد تعدده حكما، وَلذَا قَالُوا التَّثْنِيَة وَالْجمع اخْتِصَار الْعَطف (فَكل لفظ) من المتعددين مُسْتَعْمل (لِمَعْنى، وَقد ثَبت) فِي الْكَلَام لفصيح (الْقَلَم أحد اللسانين، وَالْخَال أحد الْأَبَوَيْنِ) فقد تعدد لفظ اللِّسَان، وَأُرِيد بِأَحَدِهِمَا الْقَلَم، وبالآخر الْجَارِحَة، وَكَذَلِكَ تعدد لفظ الْأَب، وَأُرِيد بِأَحَدِهِمَا الْخَال وبالآخر الْوَالِد: فَجمع بَين الْمجَازِي والحقيقي فيهمَا فِي اسْتِعْمَال وَاحِد (والتعميم فِي المجازية) أَي وَاسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي مَعَانِيه المجازية (قيل على الْخلاف كلا أَشْتَرِي) مُسْتَعْملا (بشرَاء الْوَكِيل والسوم) فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَا يشترى مُبَاشَرَته بِنَفسِهِ لحقيقة الشِّرَاء فشراء الْوَكِيل مَعْنَاهُ الْمجَازِي، وَكَذَلِكَ السّوم على الشِّرَاء فَإِنَّهُ مُبَاشرَة لأسبابه كتعيين الثّمن وَنَحْوه (و) قَالَ (الْمُحَقِّقُونَ لَا خلاف فِي مَنعه) أَي التَّعْمِيم فِي المجازية، فَيحكم بخطأ من قَالَ لَا أَشْتَرِي وَأَرَادَ شِرَاء الْوَكِيل والسوم (وَلَا) خلاف أَيْضا (فِيهِ) أَي منع تعميمه فِي الْحَقِيقِيّ والمجازي (على أَنه حَقِيقَة ومجاز) على أَن يكون اللَّفْظ الَّذِي عمم فيهمَا حَقِيقَة ومجازا بِحَسب هَذَا الِاسْتِعْمَال (وَلَا) خلاف أَيْضا (فِي جَوَازه) أَي اسْتِعْمَال اللَّفْظ (فِي) معنى (مجازي ينْدَرج فِيهِ الْحَقِيقِيّ) بِأَن يعم الْحَقِيقِيّ وَغَيره (لنا فِي الأول) أَي فِي صِحَّته عقلا (صِحَة إِرَادَة مُتَعَدد بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ (قطعا) للإمكان وَانْتِفَاء الْمَانِع (وَكَونه) أَي اللَّفْظ مَوْضُوعا (لبعضها) أَي الْمعَانِي المتعددة، وَهُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ دون الْبَعْض (لَا يمْنَع عقلا إِرَادَة غَيره) أَي غير ذَلِك الْبَعْض الَّذِي هُوَ لَهُ (مَعَه) أَي مَعَ الَّذِي هُوَ لَهُ (بعد صِحَة طَرِيقه) أَي غير الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل مَا ذكر من إِرَادَة الْمَعْنيين مَعًا بطرِيق صَحِيح عقلا (نصب مَا يُوجب الِانْتِقَال من لفظ) وَاحِد
стр. 423
إِلَى الْحَقِيقِيّ والمجازي (بِوَضْع) أَي بوساطة علاقَة الْوَضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا وضع لَهُ (و) بوساطة قرينه) دَالَّة على إِرَادَة الْمجَازِي مَعَ الْحَقِيقِيّ (فَقَوْل بعض الْحَنَفِيَّة) على مَا نقل عَن كثير مِنْهُم (يَسْتَحِيل) الْجمع بَينهمَا (كَالثَّوْبِ) الْوَاحِد يَسْتَحِيل أَن يكون (ملكا وعارية فِي وَقت) وَاحِد (تهافت) أَي تساقط (إِذْ ذَاك) أَي اسْتِحَالَة كَون الشَّيْء الْوَاحِد ظرفا لجسمين مُخْتَلفين مالئا لكل مِنْهُمَا إِيَّاه إِنَّمَا يكون (فِي الظّرْف الْحَقِيقِيّ) وَاللَّفْظ لَيْسَ بظرف حَقِيقِيّ للمعنى، وَإِنَّمَا يُقَال الْمَعْنى فِي اللَّفْظ تَنْزِيلا لَهُ منزلَة الظّرْف بِضَرْب من التَّشْبِيه وإلحاق الْمَعْقُول بالمحسوس فِي حكم يتَوَقَّف على وجود عِلّة جَامِعَة، وَهِي مَقْصُودَة هَهُنَا. وَقَول الشَّارِح هَهُنَا كَالثَّوْبِ الْوَاحِد يَسْتَحِيل أَن يكون على اللابس الْوَاحِد ملكا وعارية فِي مَحَله لعدم كَون اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الْوَاحِد حَقِيقَة ومجازا حَتَّى يكون نظرا لما قَالَ، وَإِنَّمَا ذكر المُصَنّف الْملك وَالْعَارِية ليدل على تعدد اللابس الْمَالِك وَالْمُسْتَعِير (لَا يُقَال) الْمَعْنى (الْمجَازِي يسْتَلْزم معاند) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) فيستحيل اجْتِمَاعهمَا، فأعني بالمعاند (قرينَة عدم إِرَادَته) أَي الْحَقِيقِيّ (لِأَنَّهُ) أَي ادِّعَاء الاستلزام الْمَذْكُور (بِلَا مُوجب) لَهُ (بل ذَاك) أَي استلزامه إِيَّاه (عِنْد عدم قصد التَّعْمِيم، أما مَعَه) أَي مَعَ قصد التَّعْمِيم بِهِ (فَلَا يُمكن) وجود قرينَة عدم إِرَادَة الْحَقِيقِيّ (نعم يلْزم عقلا كَونه) أَي اللَّفْظ (حَقِيقَة ومجازا فِي اسْتِعْمَال وَاحِد وهم) أَي المصححون عقلا (ينفونه) أَي كَون اللَّفْظ حَقِيقَة ومجازا مَعًا، (لَا يُقَال بل) هُوَ (مجَاز للمجموع) فِي التَّلْوِيح، بل يَجعله مجَازًا قَطْعِيا لكَونه مُسْتَعْملا فِي الْمَجْمُوع الَّذِي هُوَ غير الْمَوْضُوع لَهُ (لِأَنَّهُ) أَي اللَّفْظ (لكل) من الْحَقِيقِيّ والمجازي (إِذْ كل) مِنْهُمَا (مُتَعَلق الحكم لَا الْمَجْمُوع) يرد عَلَيْهِ أَنه أَرَادَ بِنَفْي كَون الْمَجْمُوع مُتَعَلق الحكم عدم تعلقه بالمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع فَهُوَ لَا يسْتَلْزم عدم كَون الْمَجْمُوع مُسْتَعْملا فِيهِ إِذْ كل عَام مُسْتَغْرق لأفراده بِحَيْثُ ينشأ الحكم لكل مِنْهُمَا لَا يتَعَلَّق حكمه بِمَجْمُوع أَفْرَاده من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع مَعَ أَنه لَا شكّ فِي أَنه مُسْتَعْمل فِي الْمَجْمُوع وَإِن أَرَادَ بِهِ عدم تعلقه بِكُل فَرد من الْمَجْمُوع فَهُوَ بِخِلَاف مَا يَقُوله المعمم فَإِنَّهُ يَقُول بِثُبُوت الحكم لكل فَرد من الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي (لَكِن نفيهم) أَي الْحَنَفِيَّة جَوَاز الْجمع بَينهمَا (غير عَقْلِي) وَإِنَّمَا هُوَ لغَوِيّ إِذْ الْعقل لَا يَنْفِي ذَلِك وَإِن نَفَاهُ الِاسْتِعْمَال اللّغَوِيّ (بل يَصح عقلا) أَي يسْتَعْمل فيهمَا مَعًا (حَقِيقَة لإِرَادَة الْحَقِيقِيّ ومجازا لنحوه) أَي لنَحْو مَا ذكر: يَعْنِي لإِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلنَا فِي الثَّانِي) أَي نفي صِحَّته لُغَة (تبادر) الْمَعْنى (الوضعي فَقَط) من غير أَن يُشَارِكهُ غَيره فِي التبادر عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ، هَذَا عَلامَة كَونه مُقْتَضى الْوَضع (يَنْفِي غير الْحَقِيقِيّ) وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من الْحَقِيقِيّ والمجازي
стр. 424
أَن يكون اللَّفْظ فِيهِ (حَقِيقَة) لِأَن عدم تبادره دَلِيل على ذَلِك، وَوضع الظَّاهِر مَوضِع الضَّمِير لزِيَادَة التَّمَكُّن فِي ذهن السَّامع والوضعي والحقيقي وَاحِد (وَعدم العلاقة) بَين غير الْحَقِيقِيّ وَبَينه (يَنْفِيه) أَي بِنَفْي غير الْحَقِيقِيّ أَن يكون اللَّفْظ فِيهِ (مجَازًا بِمَا قدمْنَاهُ فِي الْمُشْتَرك) من أَنه لَا يجوز إِرَادَة مَجْمُوع معنييه مِنْهُ لعدم العلاقة بَينه وَبَين كل وَاحِد مِنْهُمَا وَصِحَّة إِطْلَاق لفظ الْجُزْء على الْكل مَشْرُوط بالتركيب الْحَقِيقِيّ وَكَون الْجُزْء بِحَيْثُ إِذا انْتَفَى انْتَفَى الِاسْم عَن الْكل عرفا: كالرقبة بِخِلَاف الظفر وَنَحْو الأَرْض لمجموع السَّمَوَات وَالْأَرْض (وعَلى النَّفْي) أَي نفي الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (اخْتصَّ الموَالِي بِالْوَصِيَّةِ) الْوَاقِعَة (لَهُم) أَي للموالي (دون مواليهم) أَي موَالِي الموَالِي فِيمَا إِذا أوصى من لَا ولَايَة عَلَيْهِ بِشَيْء لمواليه وَله عُتَقَاء وعتقاء عُتَقَاء، لِأَن العتقاء موَالِيه حَقِيقَة لمباشرته عتقهم وعتقاء العتقاء موَالِيه مجَازًا لتسببه فِي عتقهم بِإِعْتَاق معتقهم وَالْجمع منفي فتعينت الْحَقِيقَة (إِلَّا أَن يكون) أَي يُوجد (وَاحِد) من الموَالِي لَا غير (فَلهُ النّصْف) أَي نصف الْمُسَمّى (وَالْبَاقِي للْوَرَثَة) لِأَنَّهُ لما تعيّنت الْحَقِيقَة وَيسْتَحق الِاثْنَان مِنْهُم ذَلِك، لِأَن لَهما حكم لجمع فِي الْوَصِيَّة كَمَا فِي الْمِيرَاث صَار النّصْف للْوَاحِد ضَرُورَة وَالنّصف للْوَرَثَة لَا لعتقاء الْعَتِيق لِئَلَّا يلْزم الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لَا يُقَال إِذا لم يكن لَهُ من العتقاء الأواحد، فَالظَّاهِر من إِطْلَاق لفظ الْجمع إِرَادَة الْوَاحِد لأَنا نقُول هَذَا إِذا لم يكن عِنْد الْوَصِيَّة وجود وَاحِد آخر منتظر (وَكَذَا لأبناء فلَان مَعَ حفدته عِنْده) أَي وَمثل حكم الموَالِي مَعَ موَالِي الموَالِي فِي الْوَصِيَّة حكم الْأَبْنَاء مَعَ أَبنَاء الْأَبْنَاء عِنْد أبي حنيفَة، لِأَن الْأَبْنَاء حَقِيقَة وَأَبْنَاء الْأَبْنَاء مجَاز وَالْجمع منفي إِلَّا ان يُوجد ابْن صلبي لَا غير فَلهُ النّصْف، وَالنّصف للْوَرَثَة (وَقَالا) أَي صَاحِبَاه (يدْخلُونَ) أَي موَالِي الموَالِي والحفدة فِي الْوَصِيَّة (مَعَ الْوَاحِد) من الموَالِي وَالْأَبْنَاء (فيهمَا) أَي فِي المسئلتين (بِعُمُوم الْمجَاز) لِأَن الموَالِي يُطلق عرفا على الْفَرِيقَيْنِ وَكَذَا الْأَبْنَاء (والاتفاق دُخُولهمْ فيهمَا إِن لم يكن أحد) من الموَالِي وَالْأَبْنَاء (لتعيين الْمجَاز حِينَئِذٍ) احْتِرَازًا عَن الإلغاء (وَأما النَّقْض) لنفي الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (بِدُخُول حفدة الْمُسْتَأْمن على بنيه) مَعَ بني بنيه فِي الْأمان (وبالحنث بِالدُّخُولِ) وَلَو دخل (رَاكِبًا) أَو منتعلا (فِي حلفه لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان) وَلَا نِيَّة كَمَا لَو دَخلهَا حافيا مَعَ أَنه حَقِيقَة فِيهِ حَتَّى لَو نَوَاه صدق ديانَة وَقَضَاء مجَاز فِي دُخُوله رَاكِبًا ومنتعلا، (وَبِه) أَي وبالبحث (بِدُخُولِهِ دَار سكناهُ) أَي فلَان (إِجَارَة) أَو إِعَارَة (فِي حلفه لَا يدْخل دَاره) وَلَا نِيَّة لَهُ كَمَا لَو دخل دَار سكناهُ الْمَمْلُوكَة مَعَ أَنَّهَا حَقِيقَة فِي الْمَمْلُوكَة بِدَلِيل عدم صِحَة نَفيهَا عَنهُ مجَاز فِي الْمُسْتَأْجرَة والمستعارة بِدَلِيل صِحَة نَفيهَا عَنهُ (وبالعتق) لعَبْدِهِ (فِي إِضَافَته إِلَى يَوْم يقدم) فلَان (فَقدم لَيْلًا) وَلَا نِيَّة لَهُ مَعَ أَنه حَقِيقَة فِي النَّهَار حَتَّى لَو نَوَاه صدق
стр. 425
قَضَاء وديانة مجَاز فِي اللَّيْل لصِحَّة نَفْيه (وَيجْعَل لله عَليّ صَوْم كَذَا بنية النّذر وَالْيَمِين يَمِينا ونذرا حَتَّى وَجب الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة بمخالفته) خلافًا لأبي يُوسُف مَعَ أَن الْكَلَام حَقِيقِيَّة للنذر حَتَّى لَا يتَوَقَّف على النِّيَّة مجَاز للْيَمِين حَتَّى يتَوَقَّف على نِيَّتهَا لَا على قَول أبي يُوسُف، فَإِنَّهُ يَقُول نذر فَقَط (فَأُجِيب عَن الأول) أَي النَّقْض بِدُخُول حفدته فِي الاستئمان على بنيه (بِأَن الِاحْتِيَاط فِي الحقن) أَي حفظ الدَّم وصيانته عَن السفك (أوجبه) أَي دُخُول الحفدة (تبعا لحكم) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) أَي حقن دِمَاء الْأَبْنَاء (عِنْد تحقق شبهته) أَي شُبْهَة الْحَقِيقِيّ فَإِن فِي الحفدة شُبْهَة الْبُنُوَّة (للاستعمال) أَي لِأَن لفظ الْبَنِينَ يسْتَعْمل فيهم كَمَا فِي (نَحْو بني هَاشم وَكثير) من نَظَائِره، أَلا ترى أَنه يثبت الْأمان بِمُجَرَّد صُورَة المسالمة بِأَن أَشَارَ مُسلم إِلَى كَافِر بالنزول من حصن، أَو قَالَ انْزِلْ إِن كنت رجلا وتريد الْقِتَال أَو ترى مَا أفعل بك وَظن الْكَافِر مِنْهُ الْأمان، بِخِلَاف الْوَصِيَّة فَإِنَّهَا لَا تسْتَحقّ بِصُورَة الِاسْم والشبهة (ففرعوا) على (عَدمه) أَي عدم الدُّخُول (فِي الأجداد والجدات بالاستئمان على الْآبَاء والأمهات بِنَاء على كَون الْأَصَالَة فِي الْخلق) فِي الأجداد والجدات (تمنع التّبعِيَّة فِي الدُّخُول فِي اللَّفْظ) لِأَن الصالة الخلقية لَا تناسبها التّبعِيَّة بِحَسب تنَاول اللَّفْظ (وَإِعْطَاء الْجد السُّدس لعدم الْأَب لَيْسَ بإعطائه) أَي السُّدس (الْأَبَوَيْنِ) أَي بطرِيق التّبعِيَّة فِي تنَاول لفظ الْأَب لتخالف مُقْتَضى اصالته الخلقية (بل بِغَيْرِهِ) أى بِدَلِيل آخر: وَهُوَ اقامة الشَّرْع اياه مقَام الْأَب عِنْد عَدمه كَمَا فِي بنت الابْن عِنْد عدم الْبِنْت (إِلَّا أَنه) أَي هَذَا الْجَواب (يُخَالف قَوْلهم الْأُم الأَصْل لُغَة وَقَول بَعضهم الْبَنَات الْفُرُوع لُغَة) فَإِن هَذَا يُفِيد استواءهم فِي الدُّخُول (وَأَيْضًا إِذا صرف الِاحْتِيَاط عَن الِاقْتِصَار فِي الْأَبْنَاء) على الْأَبْنَاء (عِنْد شُبْهَة الْحَقِيقَة بِالِاسْتِعْمَالِ فَعَنْهُ) أَي فَيصْرف الِاحْتِيَاط على الِاقْتِصَار فِي الْأَبْنَاء) على الْآبَاء (لذَلِك) أَي لشُبْهَة الْحَقِيقَة بِالِاسْتِعْمَالِ (كَذَلِك) أَي كَمَا فِي الْأَبْنَاء (بِعُمُوم الْمجَاز فِي الْأُصُول كَمَا هُوَ فِي الْفُرُوع إِن لم يكن حَقِيقَة فَيدْخلُونَ) أَي الأجداد والجدات فِي الْآبَاء والأمهات (ومانعية الْأَصَالَة خلقَة مَمْنُوع) لعد اقْتِضَاء عقل أَو نقل ذَلِك (هَذَا وَالْحق أَن هَذَا من مَوَاضِع جَوَاز الْجمع عندنَا) قَالَ الشَّارِح: أَي عِنْد المُصَنّف، وَلَا يخفى أَن قَوْله عندنَا مَعْنَاهُ عِنْد الْحَنَفِيَّة (لِأَن الْآبَاء وَالْأَبْنَاء جمع) وَقد جَوَّزنَا الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز عقلا ولغة فِي غير الْمُفْرد كَمَا قدمْنَاهُ (وَعَن) النَّقْض (الثَّانِي) بِالْحِنْثِ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا فِي حلفه لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان (بهجر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) لوضع الْقدَم، لِأَنَّهُ لَو اضْطجع خَارِجهَا وَوضع قَدَمَيْهِ فِيهَا لَا يُقَال عرفا وضع الْقدَم فِي الدَّار وَلَا يَحْنَث بذلك كَمَا فِي الْخَانِية (لفهم صرف الْحَامِل) إِلَى مَا ذكر أَي لِأَنَّهُ فهم الْمُجْتَهد أَن مَا حمل الْحَالِف على الْحلف من المنافرة صَارف عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ
следующие страницы →