Полный текст (1 287 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الْعُدُول) عَن الْحَقِيقَة (إِلَيْهِ) أَي الْمجَاز (مَعَ قدرَة الْحَقِيقَة) أَي الْقُدْرَة على جَوَازًا وقوعيا (لفوائده) أَي الْمجَاز لما فِيهِ من لطائف الاعتبارات، ومحاسن الاستعارات الْمُوجبَة أَعلَى دَرَجَة الْكَلَام فِي البلاغة على أَنه وَاقع فِي كَلَام من يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْعَجز عَن اسْتِعْمَال الْحَقِيقِيَّة (و) بِالنِّسْبَةِ (إِلَى السَّامع: أَي لتعذر الْحَقِيقَة) تَفْسِير لموجب الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّامع فَإِنَّهُ إِذا تعذر الْحمل على الْحَقِيقَة للقرينة الصارفة عَنْهَا، واضطر إِلَى الْحمل على الْمجَاز تحققت الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا لَكِنَّهَا (لَا تَنْفِي الْعُمُوم) وَحَاصِل الْكَلَام أَن الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلّم تستدعى نفى الْعُمُوم لما ذكر لَكِنَّهَا لَيست بموجودة، وبالنسبة إِلَى السَّامع بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور مَوْجُودَة لَكِنَّهَا لَا تستدعي نَفْيه: بل الْمُتَكَلّم لما أَرَادَ الْعُمُوم لعدم تحقق الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ اليه لزم حمل السَّامع اللَّفْظ على الْعُمُوم وَهُوَ ظَاهر (وَلَا) تتَحَقَّق الضَّرُورَة الْمُوجبَة لنفي الْعُمُوم أَيْضا (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاضِع) ثمَّ بَين كَيْفيَّة تحقق الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بقوله (بِأَن اشْترط فِي اسْتِعْمَاله) أَي الْمجَاز (تعذرها) أَي الْحَقِيقَة وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْمُسَامحَة إِذْ لم يتَحَقَّق فِي حق الْوَاضِع إِلَّا اعْتِبَار الضَّرُورَة فِي الِاسْتِعْمَال لَا نَفسهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (لما ذكرنَا) من الْمَنْع فَإِن وُقُوع الِاشْتِرَاط مِنْهُ مَمْنُوع، وَمن أَنه لَا يَنْفِي الْعُمُوم فَإِنَّهُ على تَقْدِير وُقُوعه مِنْهُ لَا يَقْتَضِي عدم إِرَادَة الْعُمُوم إِذا اسْتعْمل بعد تعذر الْحَقِيقَة فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلِأَن الْعُمُوم للْحَقِيقَة بِاعْتِبَار شُمُول المُرَاد) بِاللَّفْظِ (بِمُوجبِه) أَي الشُّمُول بِأَسْبَاب زَائِدَة على ذَاتهَا كأداة التَّعْرِيف، ووقوعها فِي سِيَاق النَّفْي (لَا) بِاعْتِبَار (ذَاتهَا) فَإِذا وجدت تِلْكَ الْأَسْبَاب فِي الْمجَاز أَيْضا أوجبته (قيل) وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (وَلَا يَتَأَتَّى نزاع لأحد فِي صِحَة قَوْلنَا جَاءَنِي الْأسود الرُّمَاة إِلَّا زيد لَكِن الْوَاجِد) للْخلاف (مقدم) على نافيه للعجز النَّافِي عَن إِقَامَة الدَّلِيل على أَنه لم يقل بِعَدَمِ صِحَة عُمُوم الْمجَاز أحد (واندرج الْوَجْه) أَي وَجه صِحَة عُمُوم الْمجَاز الْمَذْكُور فِي ال مسئلة الْمُتَنَازع فِيهَا بَين الْفَرِيقَيْنِ تَحت مَا ذكر على وَجه الْإِجْمَال (ولزمت الْمُعَارضَة) بَين عِلّة وصف الطّعْم وَوصف الْكَيْل، ويترجح الْأَعَمّ، وَهُوَ الْكَيْل لتعديه إِلَى مَا لَيْسَ بمطعوم، وَهُوَ الْأَحْوَط الْأَنْسَب بِبَاب الرِّبَا.
مسئلة
(الْحَنَفِيَّة وفنون الْعَرَبيَّة) أَي عَامَّة عُلَمَاء الْعَرَبيَّة والمحققون من الشَّافِعِيَّة (وَجمع من الْمُعْتَزلَة) مِنْهُم أَبُو هَاشم (لَا يسْتَعْمل) اللَّفْظ (فيهمَا) أَي فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي حَال كَونهمَا (مقصودين بالحكم) بِأَن يُرَاد كَون كل مِنْهُمَا ظرفا للنسبة الْمُعْتَبرَة فِي الْكَلَام فِي
стр. 422
إِطْلَاق وَاحِد (وَفِي الْكِنَايَة البيانية) إِنَّمَا يسْتَعْمل اللَّفْظ فيهمَا لَا لِأَن يكون كل مِنْهُمَا مَقْصُودا بالحكم بل (لينتقل) الذِّهْن (من) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ الْوَاقِع بَينه إِلَى) الْمَعْنى (الْمجَازِي) فَقَوْلهم كثير الرماد أُرِيد بِهِ كَثْرَة الرماد ليَكُون سلما لفهم الْجُود الَّذِي هُوَ منَاط صدق الْكَلَام، فَيصدق زيد كثير الرماد إِذا كَانَ لَهُ جود وَإِن لم يكن لَهُ ذرة من الرماد، فَلَيْسَ الْمَقْصد بالحكم إِلَّا الْجُود (وَأَجَازَهُ) أَي اسْتِعْمَاله فيهمَا مقصودين بالحكم فِي إِطْلَاق وَاحِد (الشَّافِعِيَّة وَالْقَاضِي وَبَعض الْمُعْتَزلَة) كَعبد الْجَبَّار وَأبي عَليّ الجبائي (مُطلقًا إِلَّا أَن لَا يُمكن الْجمع) بَينهمَا (كالفعل أمرا وتهديدا) فَإِن الْأَمر طلب الْفِعْل والتهديد يَقْتَضِي التّرْك فَلَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا (وَالْغَزالِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن يَصح) اسْتِعْمَاله فيهمَا (عقلا لَا لُغَة، وَهُوَ الصَّحِيح إِلَّا فِي غير الْمُفْرد) أَي مَا لَيْسَ بمثنى وَلَا مَجْمُوع اسْتثِْنَاء من قَوْله لَا لُغَة (فَيصح) الِاسْتِعْمَال فيهمَا فِي غير الْفَرد (لُغَة) أَيْضا (لتَضَمّنه) أَي غير الْمُفْرد (المتعدد) من اللَّفْظ، وَفِيه أَن تضمن الْمثنى وَالْمَجْمُوع للمتعدد من الْمَعْنى مُسلم، وَأما من حَيْثُ اللَّفْظ فَلَا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد تعدده حكما، وَلذَا قَالُوا التَّثْنِيَة وَالْجمع اخْتِصَار الْعَطف (فَكل لفظ) من المتعددين مُسْتَعْمل (لِمَعْنى، وَقد ثَبت) فِي الْكَلَام لفصيح (الْقَلَم أحد اللسانين، وَالْخَال أحد الْأَبَوَيْنِ) فقد تعدد لفظ اللِّسَان، وَأُرِيد بِأَحَدِهِمَا الْقَلَم، وبالآخر الْجَارِحَة، وَكَذَلِكَ تعدد لفظ الْأَب، وَأُرِيد بِأَحَدِهِمَا الْخَال وبالآخر الْوَالِد: فَجمع بَين الْمجَازِي والحقيقي فيهمَا فِي اسْتِعْمَال وَاحِد (والتعميم فِي المجازية) أَي وَاسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي مَعَانِيه المجازية (قيل على الْخلاف كلا أَشْتَرِي) مُسْتَعْملا (بشرَاء الْوَكِيل والسوم) فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَا يشترى مُبَاشَرَته بِنَفسِهِ لحقيقة الشِّرَاء فشراء الْوَكِيل مَعْنَاهُ الْمجَازِي، وَكَذَلِكَ السّوم على الشِّرَاء فَإِنَّهُ مُبَاشرَة لأسبابه كتعيين الثّمن وَنَحْوه (و) قَالَ (الْمُحَقِّقُونَ لَا خلاف فِي مَنعه) أَي التَّعْمِيم فِي المجازية، فَيحكم بخطأ من قَالَ لَا أَشْتَرِي وَأَرَادَ شِرَاء الْوَكِيل والسوم (وَلَا) خلاف أَيْضا (فِيهِ) أَي منع تعميمه فِي الْحَقِيقِيّ والمجازي (على أَنه حَقِيقَة ومجاز) على أَن يكون اللَّفْظ الَّذِي عمم فيهمَا حَقِيقَة ومجازا بِحَسب هَذَا الِاسْتِعْمَال (وَلَا) خلاف أَيْضا (فِي جَوَازه) أَي اسْتِعْمَال اللَّفْظ (فِي) معنى (مجازي ينْدَرج فِيهِ الْحَقِيقِيّ) بِأَن يعم الْحَقِيقِيّ وَغَيره (لنا فِي الأول) أَي فِي صِحَّته عقلا (صِحَة إِرَادَة مُتَعَدد بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ (قطعا) للإمكان وَانْتِفَاء الْمَانِع (وَكَونه) أَي اللَّفْظ مَوْضُوعا (لبعضها) أَي الْمعَانِي المتعددة، وَهُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ دون الْبَعْض (لَا يمْنَع عقلا إِرَادَة غَيره) أَي غير ذَلِك الْبَعْض الَّذِي هُوَ لَهُ (مَعَه) أَي مَعَ الَّذِي هُوَ لَهُ (بعد صِحَة طَرِيقه) أَي غير الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل مَا ذكر من إِرَادَة الْمَعْنيين مَعًا بطرِيق صَحِيح عقلا (نصب مَا يُوجب الِانْتِقَال من لفظ) وَاحِد
стр. 423
إِلَى الْحَقِيقِيّ والمجازي (بِوَضْع) أَي بوساطة علاقَة الْوَضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا وضع لَهُ (و) بوساطة قرينه) دَالَّة على إِرَادَة الْمجَازِي مَعَ الْحَقِيقِيّ (فَقَوْل بعض الْحَنَفِيَّة) على مَا نقل عَن كثير مِنْهُم (يَسْتَحِيل) الْجمع بَينهمَا (كَالثَّوْبِ) الْوَاحِد يَسْتَحِيل أَن يكون (ملكا وعارية فِي وَقت) وَاحِد (تهافت) أَي تساقط (إِذْ ذَاك) أَي اسْتِحَالَة كَون الشَّيْء الْوَاحِد ظرفا لجسمين مُخْتَلفين مالئا لكل مِنْهُمَا إِيَّاه إِنَّمَا يكون (فِي الظّرْف الْحَقِيقِيّ) وَاللَّفْظ لَيْسَ بظرف حَقِيقِيّ للمعنى، وَإِنَّمَا يُقَال الْمَعْنى فِي اللَّفْظ تَنْزِيلا لَهُ منزلَة الظّرْف بِضَرْب من التَّشْبِيه وإلحاق الْمَعْقُول بالمحسوس فِي حكم يتَوَقَّف على وجود عِلّة جَامِعَة، وَهِي مَقْصُودَة هَهُنَا. وَقَول الشَّارِح هَهُنَا كَالثَّوْبِ الْوَاحِد يَسْتَحِيل أَن يكون على اللابس الْوَاحِد ملكا وعارية فِي مَحَله لعدم كَون اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الْوَاحِد حَقِيقَة ومجازا حَتَّى يكون نظرا لما قَالَ، وَإِنَّمَا ذكر المُصَنّف الْملك وَالْعَارِية ليدل على تعدد اللابس الْمَالِك وَالْمُسْتَعِير (لَا يُقَال) الْمَعْنى (الْمجَازِي يسْتَلْزم معاند) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) فيستحيل اجْتِمَاعهمَا، فأعني بالمعاند (قرينَة عدم إِرَادَته) أَي الْحَقِيقِيّ (لِأَنَّهُ) أَي ادِّعَاء الاستلزام الْمَذْكُور (بِلَا مُوجب) لَهُ (بل ذَاك) أَي استلزامه إِيَّاه (عِنْد عدم قصد التَّعْمِيم، أما مَعَه) أَي مَعَ قصد التَّعْمِيم بِهِ (فَلَا يُمكن) وجود قرينَة عدم إِرَادَة الْحَقِيقِيّ (نعم يلْزم عقلا كَونه) أَي اللَّفْظ (حَقِيقَة ومجازا فِي اسْتِعْمَال وَاحِد وهم) أَي المصححون عقلا (ينفونه) أَي كَون اللَّفْظ حَقِيقَة ومجازا مَعًا، (لَا يُقَال بل) هُوَ (مجَاز للمجموع) فِي التَّلْوِيح، بل يَجعله مجَازًا قَطْعِيا لكَونه مُسْتَعْملا فِي الْمَجْمُوع الَّذِي هُوَ غير الْمَوْضُوع لَهُ (لِأَنَّهُ) أَي اللَّفْظ (لكل) من الْحَقِيقِيّ والمجازي (إِذْ كل) مِنْهُمَا (مُتَعَلق الحكم لَا الْمَجْمُوع) يرد عَلَيْهِ أَنه أَرَادَ بِنَفْي كَون الْمَجْمُوع مُتَعَلق الحكم عدم تعلقه بالمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع فَهُوَ لَا يسْتَلْزم عدم كَون الْمَجْمُوع مُسْتَعْملا فِيهِ إِذْ كل عَام مُسْتَغْرق لأفراده بِحَيْثُ ينشأ الحكم لكل مِنْهُمَا لَا يتَعَلَّق حكمه بِمَجْمُوع أَفْرَاده من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع مَعَ أَنه لَا شكّ فِي أَنه مُسْتَعْمل فِي الْمَجْمُوع وَإِن أَرَادَ بِهِ عدم تعلقه بِكُل فَرد من الْمَجْمُوع فَهُوَ بِخِلَاف مَا يَقُوله المعمم فَإِنَّهُ يَقُول بِثُبُوت الحكم لكل فَرد من الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي (لَكِن نفيهم) أَي الْحَنَفِيَّة جَوَاز الْجمع بَينهمَا (غير عَقْلِي) وَإِنَّمَا هُوَ لغَوِيّ إِذْ الْعقل لَا يَنْفِي ذَلِك وَإِن نَفَاهُ الِاسْتِعْمَال اللّغَوِيّ (بل يَصح عقلا) أَي يسْتَعْمل فيهمَا مَعًا (حَقِيقَة لإِرَادَة الْحَقِيقِيّ ومجازا لنحوه) أَي لنَحْو مَا ذكر: يَعْنِي لإِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلنَا فِي الثَّانِي) أَي نفي صِحَّته لُغَة (تبادر) الْمَعْنى (الوضعي فَقَط) من غير أَن يُشَارِكهُ غَيره فِي التبادر عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ، هَذَا عَلامَة كَونه مُقْتَضى الْوَضع (يَنْفِي غير الْحَقِيقِيّ) وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من الْحَقِيقِيّ والمجازي
стр. 424
أَن يكون اللَّفْظ فِيهِ (حَقِيقَة) لِأَن عدم تبادره دَلِيل على ذَلِك، وَوضع الظَّاهِر مَوضِع الضَّمِير لزِيَادَة التَّمَكُّن فِي ذهن السَّامع والوضعي والحقيقي وَاحِد (وَعدم العلاقة) بَين غير الْحَقِيقِيّ وَبَينه (يَنْفِيه) أَي بِنَفْي غير الْحَقِيقِيّ أَن يكون اللَّفْظ فِيهِ (مجَازًا بِمَا قدمْنَاهُ فِي الْمُشْتَرك) من أَنه لَا يجوز إِرَادَة مَجْمُوع معنييه مِنْهُ لعدم العلاقة بَينه وَبَين كل وَاحِد مِنْهُمَا وَصِحَّة إِطْلَاق لفظ الْجُزْء على الْكل مَشْرُوط بالتركيب الْحَقِيقِيّ وَكَون الْجُزْء بِحَيْثُ إِذا انْتَفَى انْتَفَى الِاسْم عَن الْكل عرفا: كالرقبة بِخِلَاف الظفر وَنَحْو الأَرْض لمجموع السَّمَوَات وَالْأَرْض (وعَلى النَّفْي) أَي نفي الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (اخْتصَّ الموَالِي بِالْوَصِيَّةِ) الْوَاقِعَة (لَهُم) أَي للموالي (دون مواليهم) أَي موَالِي الموَالِي فِيمَا إِذا أوصى من لَا ولَايَة عَلَيْهِ بِشَيْء لمواليه وَله عُتَقَاء وعتقاء عُتَقَاء، لِأَن العتقاء موَالِيه حَقِيقَة لمباشرته عتقهم وعتقاء العتقاء موَالِيه مجَازًا لتسببه فِي عتقهم بِإِعْتَاق معتقهم وَالْجمع منفي فتعينت الْحَقِيقَة (إِلَّا أَن يكون) أَي يُوجد (وَاحِد) من الموَالِي لَا غير (فَلهُ النّصْف) أَي نصف الْمُسَمّى (وَالْبَاقِي للْوَرَثَة) لِأَنَّهُ لما تعيّنت الْحَقِيقَة وَيسْتَحق الِاثْنَان مِنْهُم ذَلِك، لِأَن لَهما حكم لجمع فِي الْوَصِيَّة كَمَا فِي الْمِيرَاث صَار النّصْف للْوَاحِد ضَرُورَة وَالنّصف للْوَرَثَة لَا لعتقاء الْعَتِيق لِئَلَّا يلْزم الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لَا يُقَال إِذا لم يكن لَهُ من العتقاء الأواحد، فَالظَّاهِر من إِطْلَاق لفظ الْجمع إِرَادَة الْوَاحِد لأَنا نقُول هَذَا إِذا لم يكن عِنْد الْوَصِيَّة وجود وَاحِد آخر منتظر (وَكَذَا لأبناء فلَان مَعَ حفدته عِنْده) أَي وَمثل حكم الموَالِي مَعَ موَالِي الموَالِي فِي الْوَصِيَّة حكم الْأَبْنَاء مَعَ أَبنَاء الْأَبْنَاء عِنْد أبي حنيفَة، لِأَن الْأَبْنَاء حَقِيقَة وَأَبْنَاء الْأَبْنَاء مجَاز وَالْجمع منفي إِلَّا ان يُوجد ابْن صلبي لَا غير فَلهُ النّصْف، وَالنّصف للْوَرَثَة (وَقَالا) أَي صَاحِبَاه (يدْخلُونَ) أَي موَالِي الموَالِي والحفدة فِي الْوَصِيَّة (مَعَ الْوَاحِد) من الموَالِي وَالْأَبْنَاء (فيهمَا) أَي فِي المسئلتين (بِعُمُوم الْمجَاز) لِأَن الموَالِي يُطلق عرفا على الْفَرِيقَيْنِ وَكَذَا الْأَبْنَاء (والاتفاق دُخُولهمْ فيهمَا إِن لم يكن أحد) من الموَالِي وَالْأَبْنَاء (لتعيين الْمجَاز حِينَئِذٍ) احْتِرَازًا عَن الإلغاء (وَأما النَّقْض) لنفي الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (بِدُخُول حفدة الْمُسْتَأْمن على بنيه) مَعَ بني بنيه فِي الْأمان (وبالحنث بِالدُّخُولِ) وَلَو دخل (رَاكِبًا) أَو منتعلا (فِي حلفه لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان) وَلَا نِيَّة كَمَا لَو دَخلهَا حافيا مَعَ أَنه حَقِيقَة فِيهِ حَتَّى لَو نَوَاه صدق ديانَة وَقَضَاء مجَاز فِي دُخُوله رَاكِبًا ومنتعلا، (وَبِه) أَي وبالبحث (بِدُخُولِهِ دَار سكناهُ) أَي فلَان (إِجَارَة) أَو إِعَارَة (فِي حلفه لَا يدْخل دَاره) وَلَا نِيَّة لَهُ كَمَا لَو دخل دَار سكناهُ الْمَمْلُوكَة مَعَ أَنَّهَا حَقِيقَة فِي الْمَمْلُوكَة بِدَلِيل عدم صِحَة نَفيهَا عَنهُ مجَاز فِي الْمُسْتَأْجرَة والمستعارة بِدَلِيل صِحَة نَفيهَا عَنهُ (وبالعتق) لعَبْدِهِ (فِي إِضَافَته إِلَى يَوْم يقدم) فلَان (فَقدم لَيْلًا) وَلَا نِيَّة لَهُ مَعَ أَنه حَقِيقَة فِي النَّهَار حَتَّى لَو نَوَاه صدق
стр. 425
قَضَاء وديانة مجَاز فِي اللَّيْل لصِحَّة نَفْيه (وَيجْعَل لله عَليّ صَوْم كَذَا بنية النّذر وَالْيَمِين يَمِينا ونذرا حَتَّى وَجب الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة بمخالفته) خلافًا لأبي يُوسُف مَعَ أَن الْكَلَام حَقِيقِيَّة للنذر حَتَّى لَا يتَوَقَّف على النِّيَّة مجَاز للْيَمِين حَتَّى يتَوَقَّف على نِيَّتهَا لَا على قَول أبي يُوسُف، فَإِنَّهُ يَقُول نذر فَقَط (فَأُجِيب عَن الأول) أَي النَّقْض بِدُخُول حفدته فِي الاستئمان على بنيه (بِأَن الِاحْتِيَاط فِي الحقن) أَي حفظ الدَّم وصيانته عَن السفك (أوجبه) أَي دُخُول الحفدة (تبعا لحكم) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) أَي حقن دِمَاء الْأَبْنَاء (عِنْد تحقق شبهته) أَي شُبْهَة الْحَقِيقِيّ فَإِن فِي الحفدة شُبْهَة الْبُنُوَّة (للاستعمال) أَي لِأَن لفظ الْبَنِينَ يسْتَعْمل فيهم كَمَا فِي (نَحْو بني هَاشم وَكثير) من نَظَائِره، أَلا ترى أَنه يثبت الْأمان بِمُجَرَّد صُورَة المسالمة بِأَن أَشَارَ مُسلم إِلَى كَافِر بالنزول من حصن، أَو قَالَ انْزِلْ إِن كنت رجلا وتريد الْقِتَال أَو ترى مَا أفعل بك وَظن الْكَافِر مِنْهُ الْأمان، بِخِلَاف الْوَصِيَّة فَإِنَّهَا لَا تسْتَحقّ بِصُورَة الِاسْم والشبهة (ففرعوا) على (عَدمه) أَي عدم الدُّخُول (فِي الأجداد والجدات بالاستئمان على الْآبَاء والأمهات بِنَاء على كَون الْأَصَالَة فِي الْخلق) فِي الأجداد والجدات (تمنع التّبعِيَّة فِي الدُّخُول فِي اللَّفْظ) لِأَن الصالة الخلقية لَا تناسبها التّبعِيَّة بِحَسب تنَاول اللَّفْظ (وَإِعْطَاء الْجد السُّدس لعدم الْأَب لَيْسَ بإعطائه) أَي السُّدس (الْأَبَوَيْنِ) أَي بطرِيق التّبعِيَّة فِي تنَاول لفظ الْأَب لتخالف مُقْتَضى اصالته الخلقية (بل بِغَيْرِهِ) أى بِدَلِيل آخر: وَهُوَ اقامة الشَّرْع اياه مقَام الْأَب عِنْد عَدمه كَمَا فِي بنت الابْن عِنْد عدم الْبِنْت (إِلَّا أَنه) أَي هَذَا الْجَواب (يُخَالف قَوْلهم الْأُم الأَصْل لُغَة وَقَول بَعضهم الْبَنَات الْفُرُوع لُغَة) فَإِن هَذَا يُفِيد استواءهم فِي الدُّخُول (وَأَيْضًا إِذا صرف الِاحْتِيَاط عَن الِاقْتِصَار فِي الْأَبْنَاء) على الْأَبْنَاء (عِنْد شُبْهَة الْحَقِيقَة بِالِاسْتِعْمَالِ فَعَنْهُ) أَي فَيصْرف الِاحْتِيَاط على الِاقْتِصَار فِي الْأَبْنَاء) على الْآبَاء (لذَلِك) أَي لشُبْهَة الْحَقِيقَة بِالِاسْتِعْمَالِ (كَذَلِك) أَي كَمَا فِي الْأَبْنَاء (بِعُمُوم الْمجَاز فِي الْأُصُول كَمَا هُوَ فِي الْفُرُوع إِن لم يكن حَقِيقَة فَيدْخلُونَ) أَي الأجداد والجدات فِي الْآبَاء والأمهات (ومانعية الْأَصَالَة خلقَة مَمْنُوع) لعد اقْتِضَاء عقل أَو نقل ذَلِك (هَذَا وَالْحق أَن هَذَا من مَوَاضِع جَوَاز الْجمع عندنَا) قَالَ الشَّارِح: أَي عِنْد المُصَنّف، وَلَا يخفى أَن قَوْله عندنَا مَعْنَاهُ عِنْد الْحَنَفِيَّة (لِأَن الْآبَاء وَالْأَبْنَاء جمع) وَقد جَوَّزنَا الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز عقلا ولغة فِي غير الْمُفْرد كَمَا قدمْنَاهُ (وَعَن) النَّقْض (الثَّانِي) بِالْحِنْثِ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا فِي حلفه لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان (بهجر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) لوضع الْقدَم، لِأَنَّهُ لَو اضْطجع خَارِجهَا وَوضع قَدَمَيْهِ فِيهَا لَا يُقَال عرفا وضع الْقدَم فِي الدَّار وَلَا يَحْنَث بذلك كَمَا فِي الْخَانِية (لفهم صرف الْحَامِل) إِلَى مَا ذكر أَي لِأَنَّهُ فهم الْمُجْتَهد أَن مَا حمل الْحَالِف على الْحلف من المنافرة صَارف عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ
стр. 426
إِلَى مَا ذكر من الْمَعْنى الْعرفِيّ وَهُوَ الدُّخُول الْمُطلق على أَي كَيْفيَّة كَانَ (وَالْجَوَاب عَن الثَّالِث) أَي النَّقْض بِالْحِنْثِ بِدُخُول دَار سُكْنى فلَان إِجَارَة أَو إِعَارَة فِي حلفه لَا يدْخل دَاره (بِأَن حَقِيقَة إِضَافَة الدَّار) إِنَّمَا تتَحَقَّق (بالاختصاص) الْكَامِل الْمُصَحح لِأَن يخبر عَن الْمُضَاف بِأَنَّهُ للمضاف إِلَيْهِ (بِخِلَاف نَحْو كَوْكَب الخرقاء) فِي قَوْله:
(إِذا كَوْكَب الخرقاء لَاحَ بسحرة ... سُهَيْل أذاعت غزلها فِي القرائب)
فَإِن المُرَاد بكوكب الخرقاء سُهَيْل: وَهُوَ كَوْكَب بِقرب القطب الجنوبي يطلع عِنْد ابْتِدَاء الْبرد، وإضافته إِلَى الخرقاء وَهِي الَّتِي فِي عقلهَا هوج وَبهَا حَمَاقَة مجازية لاخْتِصَاص مجازي غير كَامِل وَهُوَ كَون زمَان طلوعه وَقت ظُهُور جَسدهَا فِي تهيئة ملابس الشتَاء بتفريقها قطنها فِي قرائها ليغزل لَهَا، فَجعلت هَذِه الملابسة بِمَنْزِلَة الِاخْتِصَاص الْكَامِل (وَهُوَ) أَي اخْتِصَاصه الْكَامِل بِالدَّار يكون (بِالسُّكْنَى وَالْملك فَيحنث) بِكُل مِنْهُمَا حَتَّى يَحْنَث (بالمملوكة غير مسكونة كفاضيحان) أَي كَمَا ذكره لوُجُود الِاخْتِصَاص الْكَامِل (خلافًا للسرخسي) وَوَافَقَهُ صَاحب الْكَافِي بِنَاء على انْقِطَاع نِسْبَة السُّكْنَى إِلَيْهِ بِفعل غَيره على أَن الْبَاعِث على هَذَا الْحلف عرفا قَصده الْبعد عَن فلَان وَكَون غيظه بِحَيْثُ يحملهُ على أَن يَحْنَث عَن الدُّخُول فِيمَا ينْسب إِلَيْهِ مُطلقًا وَإِن كَانَ مُحْتملا، لَكِن الْمُتَبَادر هُوَ الأول (وَعَن) النَّقْض (الرَّابِع) بِعِتْق من أضَاف عتقه إِلَى يَوْم يقدم فلَان فَقدم لَيْلًا (بِأَنَّهُ) أَي الْيَوْم (مجَاز فِي الْوَقْت) الْمُطلق (عَام لثُبُوت الِاسْتِعْمَال) لَهُ كَذَلِك (عِنْد ظرفيته لما لَا يَمْتَد) من الْأَفْعَال وَهُوَ مَالا يقبل التأفيت نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يولهم﴾ يَوْمئِذٍ دبره فَإِن التولي عَن الزَّحْف حرَام لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا (فَيعْتَبر) الْمجَازِي الْعَام (إِلَّا لموجب) يَقْتَضِي كَون المُرَاد بَيَاض لنهار خَاصَّة (كطالق يَوْم أَصوم) فَإِن الطَّلَاق مِمَّا لَا يَمْتَد، والموجب لإِرَادَة بَيَاض النَّهَار أَن الصَّوْم إِنَّمَا يكون فِيهِ (بِخِلَاف) مَا كَانَ ظرف (مَا يَمْتَد) من الْأَفْعَال يقبل التأفيت (كالسير والتفويض) فَإِنَّهُ يكون المُرَاد بِهِ حِينَئِذٍ بَيَاض النَّهَار (لاا بِمُوجب) يَقْتَضِي كَون المُرَاد مُطلق الْوَقْت (كأحسن الظَّن يَوْم تَمُوت) فَإِن إِحْسَان الظَّن مِمَّا يَمْتَد، والموجب لإِرَادَة مُطلق الْوَقْت إِضَافَته إِلَى الْمَوْت (وَلَو لم يخْطر هَذَا) الْفرق للقائل (فقرينة) إِرَادَة (الْمجَاز) فِي مَادَّة النَّقْض (علم أَنه) أَي الْعتْق إِنَّمَا هُوَ (للسرور وَلَا يخْتَص بِالنَّهَارِ) فَاسْتعْمل فِي مجَاز عَام تندرج فِيهِ الْحَقِيقَة (وَعَن) النَّقْض (الْخَامِس) يكون لله عَليّ صَوْم كَذَا نذرا ويمينا بنيتهما (تَحْرِيم الْمُبَاح) الَّذِي هُوَ فطر الْأَيَّام الْمَنْذُور صيامها (وَهُوَ) أَي تَحْرِيمه (معنى الْيَمين) هَذَا لما عرف من أَن تَحْرِيم الْمُبَاح يَمِين بِالْكتاب وَالسّنة (يثبت مدلولا التزاميا للصيغة) أَي لله عَليّ صَوْم كَذَا، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا إِيجَاب الْمَنْذُور لما عرف من أَن الْمَنْذُور لَا بُد أَن يكون
стр. 427
قبل النّذر مُبَاح الْفِعْل وَالتّرْك ليَصِح الْتِزَامه بِالنذرِ، فَيصير تَركه الَّذِي كَانَ مُبَاحا حَرَامًا بِهِ لَازِما لَهُ بِمَعْنى أَنه مَمْنُوع عَنهُ بِسَبَب لُزُوم الْفِعْل بالتزامه وَأما كَونه مدلولا التزاميا فَظَاهر، لِأَن منطوقه الْتِزَام الصَّوْم، وَيلْزم عدم جَوَاز الْفطر (ثمَّ يُرَاد بِهِ) أَي بالمدلول الالتزامي (الْيَمين) أَي مَعْنَاهُ (فَأُرِيد) معنى الْيَمين (بِلَازِم مُوجب اللَّفْظ) وَهُوَ النّذر (لَا بِهِ) أَي لَا بِنَفس اللَّفْظ، على أَنه قد علم مِمَّا سبق تَحْرِيم الْمُبَاح عين معنى الْيَمين، وَهُوَ الْمَدْلُول الالتزامي بِعَيْنِه، وَقَوله يُرَاد بِهِ الْيَمين إِلَى آخِره يدل على أَن الْمَدْلُول الالتزامي وَسِيلَة لإِرَادَة الْيَمين، وَهُوَ الْمَدْلُول الالتزامي بِعَيْنِه لَا عينه: فبينهما تدافع وَيُجَاب عَنهُ بِأَن المُرَاد بِكَوْنِهِ معنى الْيَمين أَنه يقْصد بِهِ إنشاؤه، لَا أَنه عينه كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر فَلَا تدافع تَوْضِيحه أَن وجوب الصَّوْم يسْتَلْزم حُرْمَة ضِدّه المفوت لَهُ، وَهُوَ الْفطر، وَهَذَا معنى ثُبُوته، وَلَا شكّ أَنه يتعقل حُرْمَة الْفطر عِنْد تعقل وجوب الصَّوْم، وَهَذَا معنى كَونه مدلولا التزاميا، ثمَّ إِن التَّحْرِيم الْمَذْكُور لَا يصير يَمِينا مُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ إِلَّا بِإِرَادَة كَونه يَمِينا، وَهَذَا إنشاؤه، وَإِنَّمَا سميناه معنى الْيَمين قبل الْإِنْشَاء لما فِيهِ من الْمَنْع عَن الْفِعْل كَمَا فِي الْيَمين (وَلَا جمع) بَين الْحَقِيقَة الْمجَاز: يَعْنِي الْجمع الْمُتَنَازع فِيهِ (دون الِاسْتِعْمَال فيهمَا) أَي الْحَقِيقِيّ والمجازي، وَقد عرفت أَن الِاسْتِعْمَال فِي النّذر فَقَط وَالْيَمِين مُرَاد بالمدلول الالتزامي (وَمَا قيل لَا عِبْرَة لإِرَادَة النّذر) لِأَنَّهُ ثَابت بِنَفس الصِّيغَة من غير تَأْثِير للإرادة (فَالْمُرَاد الْيَمين فَقَط) أَي فَكَأَنَّهُ لم يرد إِلَّا الْمَعْنى الْمجَازِي (غلط إِذْ تحَققه) أَي النّذر (مَعَ الْإِرَادَة وَعدمهَا) أَي الْإِرَادَة (لَا يسْتَلْزم عدم تحققها وَإِلَّا) لَو استلزم عدم تحقق الْإِرَادَة (لم يمْتَنع الْجمع) بَين الْحَقِيقِيّ والمجازي (فِي صُورَة) من الصُّور أصلا، لِأَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ فِي كل صُورَة من الصُّور أصلا يثبت بِاللَّفْظِ من غير تَأْثِير للإرادة (وَقد فرض إرادتهما) أَي الْحَقِيقِيّ والمجازي (وَفِيه) أَي فِي الْجَواب عَن هَذَا النَّقْض (نظر، إِذْ ثُبُوت) التَّحْرِيم (الالتزامي) حَال كَونه (غير مُرَاد) وَهُوَ (خطورة عِنْد فهم ملزومه) الَّذِي هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ حَال كَونه (مَحْكُومًا) عَلَيْهِ (بِنَفْي إِرَادَته) أَي بِنَفْي كَونه مرَادا للمتكلم (وَهُوَ) أَي الحكم بذلك أَو خطوره على الْوَجْه الْمَذْكُور (يُنَافِي إِرَادَة الْيَمين الَّتِي هِيَ إِرَادَة التَّحْرِيم (حَال كَونه ملحوظا (على وَجه) هُوَ بِاعْتِبَارِهِ (أخص مِنْهُ) أَي من نَفسه حَال كَونه (مدلولا التزاميا) يَعْنِي التَّحْرِيم من حَيْثُ أَنه مَدْلُول التزامي يحْتَمل أَن يكون ملحوظا قصدا ومرادا فالتزامي يعم الْوَجْهَيْنِ وَأحد وجهيه أخص مِنْهُ مُطلقًا، ثمَّ اسْتدلَّ على الأخصية الْمَذْكُورَة بقوله (لِأَنَّهُ) أَي التَّحْرِيم الْمُعْتَبر عِنْد إِرَادَة الْيَمين (تَحْرِيم يلْزم بخلقه) وَالْعَمَل بِخِلَاف مُوجبه (الْكَفَّارَة) وَمثل هَذَا التَّحْرِيم لَا يتَحَقَّق بِمُجَرَّد الخطور من غير قصد وَإِرَادَة فَلَا بُد فِيهِ من تحقق الْإِرَادَة، ثمَّ اسْتدلَّ على التَّنَافِي بقوله (وَعدم إِرَادَة الْأَعَمّ)
стр. 428
الَّذِي هُوَ الْمَدْلُول الالتزامي على مَا بَيناهُ (يُنَافِيهِ إِرَادَة الْأَخَص) لِأَن إِرَادَة الْأَخَص تَسْتَلْزِم إِرَادَة الْأَعَمّ، وَلَو فِي ضمن الْأَخَص لَا يُقَال يجوز أَن يخْطر التَّحْرِيم غير مُرَاد فِي ضمن النّذر، ثمَّ يَجْعَل وَسِيلَة للتَّحْرِيم الملحوظ مرَادا أَو قصدا لِأَن الملحوظ بالتبع من حَيْثُ هُوَ ملحوظ بالتبع لَا يصلح لِأَن يكون وَسِيلَة للمقصد بِالذَّاتِ: إِذْ الْوَسِيلَة لَا بُد أَن تجْعَل آلَة لملاحظته، وَعند ذَلِك يلْزم الْقَصْد إِلَيْهِ فَتدبر، وَقد يُقَال: الْمَنْفِيّ الْإِرَادَة من اللَّفْظ وَهُوَ لَا يُنَافِي أصل الْإِرَادَة فَتَأمل (وَظَاهر) كَلَام (بَعضهم إِرَادَته) أَي معنى الْيَمين (بِالْمُوجبِ) أَي بِمُوجب النّذر بِفَتْح الْجِيم (بِعَيْنِه) لَا بلازمه على مَا ذكر (إِلْحَاقًا لإِيجَاب الْمُبَاح) الَّذِي هُوَ معنى النّذر (بتحرميه) أَي بِتَحْرِيم الْمُبَاح الَّذِي هُوَ معنى الْيَمين (فِي الحكم وَهُوَ) أَي الحكم (لُزُوم الْكَفَّارَة) بِالْحلف، (وَيَتَعَدَّى اسْم الْيَمين) إِلَى مَا ألحق بِهِ (ضمنه) أَي فِي ضمن هَذَا الْإِلْحَاق بالتبع (لَا لتعدية الِاسْم ابْتِدَاء) فَإِنَّهُ غير جَائِز، نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه فِيهِ نظر أَيْضا، لِأَن إِرَادَة الْإِيجَاب على أَنه يَمِين إِرَادَته على وَجه يستعقب الْكَفَّارَة بِالْحلف وإرادته على أَنه ندر إِرَادَته على وَجه لَا يستعقبها بِهِ، بل الْقَضَاء فبينهما تناف انْتهى: يَعْنِي فيكف يُرَاد معنى الْيَمين بِمُوجب النّذر، وَيجْعَل لله عَليّ صَوْم كَذَا بنية الْيَمين مَعَ النّذر يَمِينا ونذرا (وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ ذهب إِلَى أَنه (أُرِيد الْيَمين بِاللَّه) لِأَن قَوْله لله بِمَنْزِلَة بِاللَّه (و) أُرِيد (النّذر بعلي أَن أَصوم رَجَب) (وَجَوَاب الْقسم) حِينَئِذٍ (مَحْذُوف مَدْلُول عَلَيْهِ بِذكر الْمَنْذُور) أَي (كَأَنَّهُ قَالَ لله لأصومن وَعلي أَن أَصوم) رَجَب (وعَلى هَذَا لَا يرادان) النّذر وَالْيَمِين (بِنَحْوِ عَليّ أَن أَصوم) لعدم وجود مَا يُرَاد بِهِ الْيَمين فِيهِ، وعَلى مَا قبله وَهُوَ لله عَليّ أَن أَصوم يرادان لوُجُود مَا يُرَاد بِهِ الْيَمين وَهُوَ لله، وَمَا يُرَاد بِهِ النّذر، وَهُوَ عَليّ أَن أَصوم غير أَنه لَيْسَ من الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لِأَنَّهُمَا لم يرادا بِلَفْظ وَاحِد (وَالْأَوْجه أَن يكون الْمَعْنى (وعَلى مَا قبله) من الْأَقْوَال السَّابِقَة (يرادان) بعلي أَن أَصوم ليظْهر التَّفَاوُت بَين قَوْله وَقَوْلهمْ بِاعْتِبَار المُرَاد كَمَا بَين التَّفَاوُت بَين قَوْله وَقَول الْبَعْض بِاعْتِبَار آخر بقوله (وَهَذَا) الَّذِي ذهب إِلَيْهِ السَّرخسِيّ (يُخَالف الأول) أَي أول الْأَقْوَال (باتحاد الْمَنْذُور والمحلوف) فِيهِ فَإِنَّهُ فِيهِ ناذر للصيام حَالف عَلَيْهِ (وَالْأول) لَيْسَ كَذَلِك، بل فِيهِ (الْمَحْلُوف تَحْرِيم التّرْك والمنذور الصَّوْم) قَالَ الشَّارِح فِيمَا ذكره السَّرخسِيّ نظر لِأَن اللَّام إِنَّمَا تكون للقسم إِذا كَانَت للتعجب أَيْضا كَمَا صرح بِهِ النحويون عَن ابْن عَبَّاس ﵄ " دخل آدم الْجنَّة فَللَّه مَا غربت الشَّمْس حَتَّى خرج " وَمَا أُجِيب بِهِ من أَن نذر الْإِنْسَان وإيجابه على نَفسه صَالح لِأَن يتعجب مِنْهُ فَمَا يتعجب مِنْهُ انْتهى، وَلَعَلَّ المُصَنّف لم يتَعَرَّض لهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْر لَازم من حَيْثُ النَّحْو: كَيفَ وَبَاب الِاسْتِعَارَة وَاسع
стр. 429
هَذَا وَعَن أبي يُوسُف أَن لله على أَن أَصوم نذر فَقَط وَإِن نوى بِهِ الْيَمين وَلم يخْطر لَهُ النّذر يكون نذرا أَو يَمِينا على قَوْلهمَا خلافًا لَهُ حَيْثُ قَالَ: هُوَ يَمِين لَا غير، وللمسئلة زِيَادَة تَفْصِيل فِي الشَّرْح
(تَنْبِيه: لما لم يشرط نقل الْآحَاد) لأنواع العلاقة فِي خصوصيات المجازات عَن الْعَرَب فِي الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة، بل اكْتفى بِنَقْل أَنْوَاعهَا فِي صِحَة التَّجَوُّز (جَازَ فِي) الْأَلْفَاظ (الشَّرْعِيَّة) بِالْقَرِينَةِ الصارفة عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ الْمعينَة للمجازي إِذا وجدت العلاقة الْمُعْتَبرَة معنوية كَانَت أَو صورية (فالمعنوية فِيهَا) أَي فِي الشَّرْعِيَّة (أَن يشْتَرك التصرفان) الْمُسْتَعَار مِنْهُ والمستعار لَهُ (فِي الْمَقْصُود من شرعيتهما) ثمَّ بَين الْمَقْصُود بقوله (علتهما الغائبة) عطف بَيَان للمقصود (كالحوالة وَالْكَفَالَة) مِثَال للتصرفين (الْمَقْصُود مِنْهَا التَّوَثُّق فيطلق كل) أَي لفظ كل مِنْهُمَا (على الآخر (كَلَفْظِ الْكفَالَة) المقرون (بِشَرْط بَرَاءَة الْأَصِيل) يُطلق على الْحِوَالَة مجَازًا بعلاقة اشتراكهما فِي الْمَقْصُود من شرعيتهما (وَهُوَ) أَي شَرط بَرَاءَة الْأَصِيل (الْقَرِينَة فِي جعله) أَي لفظ الْكفَالَة (مجَازًا فِي الْحِوَالَة وَهِي) أَي الْحِوَالَة (بشر مُطَالبَته) أَي الْأَصِيل (كَفَالَة) والقرينة فِي هَذَا التَّجَوُّز شَرط مُطَالبَة الْأَصِيل (وَقَول مُحَمَّد) أَي وَكَقَوْلِه فِيمَا إِذا فرق الْمضَارب وَرب المَال وَلَيْسَ فِي المَال ربح وَبَعض رَأس المَال دين لَا يجْبر الْمضَارب على نَقده (وَيُقَال لَهُ) أَي للْمُضَارب (أحل رب المَال) على المدينين (أَي وَكله) بِقَبض الدُّيُون (لاشْتِرَاكهمَا) أَي الْوكَالَة وَالْحوالَة (فِي إِفَادَة ولَايَة الْمُطَالبَة) للمديون لاشْتِرَاكهمَا (لَا فِي النَّقْل الْمُشْتَرك الدَّاخِل) فِي مفهومهما فَإِنَّهُ مُشْتَرك (بَين الْحِوَالَة الَّتِي هِيَ نقل الدّين) من ذمَّة الْمُحِيل إِلَى ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ على مَا هُوَ الصَّحِيح (و) بَين (الْكفَالَة على أَنَّهَا نقل الْمُطَالبَة) من ذمَّة الْمَكْفُول فِي ذمَّة الْكَفِيل (و) بَين (الْوكَالَة على أَنَّهَا نقل الْولَايَة) من الْمُوكل إِلَى الْوَكِيل على مَا ذكرُوا (إِذْ الْمُشْتَرك) بَين الْحَقِيقِيّ والمجازي (الدَّاخِل) فِي مفهومهما (غير مُعْتَبر) علاقَة للتجوز (لَا يُقَال لإِنْسَان فرس وَقَلبه لَهُ) أَي وَلَا يُقَال للْفرس إِنْسَان لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمُشْتَرك الدَّاخِل وَهُوَ الحيوانية (فَكيف وَلَا نقل فِي الْأَخيرينِ) أَي الْكفَالَة: إِذْ هِيَ ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي الْمُطَالبَة على الْأَصَح وَقيل فِي الدّين، وَالْوكَالَة، إِذْ هِيَ إِقَامَة الْإِنْسَان غَيره مقَام نَفسه فِي تصرف مَعْلُوم (والصورية الْعلية والسببية) إِذْ الْمُجَاورَة بَين الْعلَّة وَالْحكم وَبَين الْمُسَبّب وَالسَّبَب شَبيهَة بالاتصال الصُّورِي فِي المحسوسات (فالعلية كَون الْمَعْنى وضع شرعا لحُصُول الآخر فَهُوَ) أَي الآخر (علته الغائية كالشراء) وضع شرعا (للْملك فصح كل) من الشِّرَاء وَالْملك مجَازًا (فِي الآخر لتعاكس الافتقار) أَي افتقار الْعلَّة إِلَى حكمهَا من حَيْثُ الْغَرَض وَلذَا لم يشرع فِي مَحل لَا يقبله كَشِرَاء الْحر وافتقار الحكم إِلَى علته من حَيْثُ الثُّبُوت، فَإِنَّهُ لَا يثبت بِدُونِهَا (وَإِن كَانَ) الافتقار (فِي الْمَعْلُول) إِلَى علته (على) طَرِيق
стр. 430
(الْبَدَل مِنْهُ) أَي من علته والتذكير بِاعْتِبَار عنوان مَا وضع لحصوله شرعا كالشراء (وَمن نَحْو الْهِبَة) كالصدقة مَعْطُوف على ضمير مِنْهُ، فَإِن الْملك يحصل بِكُل مِنْهُمَا فَلَا يفْتَقر إِلَى خُصُوص الشِّرَاء بل إِلَى أَحدهمَا على سَبِيل الْبَدَل (فَلَو عني بِالشِّرَاءِ الْملك فِي قَوْله: إِن اشْتَرَيْته فَهُوَ حر فَاشْترى نصفه وَبَاعه وَاشْترى) النّصْف (الآخر لَا يعْتق هَذَا النّصْف) وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا النّصْف إِذْ لَا وَجه لِلْعِتْقِ عِنْد شِرَاء النّصْف الأول لعدم تحقق ملك العَبْد الَّذِي هُوَ عبارَة عَن مَجْمُوعَة بِخِلَاف النّصْف الْأَخير، إِذْ عِنْد شِرَائِهِ يتَحَقَّق ملك الْكل وَلَو على التدريج، غير أَن النّصْف الأول خرج عَن ملكه فَلم يبْق محلا لِلْعِتْقِ (إلاقضاء) أَي لَا يعْتق هَذَا النّصْف ديانَة تَخْفِيفًا عَلَيْهِ إِلَّا أَن يكون مُرَاده ملك الْكل دفْعَة أَو تدريجا، وَإِمَّا أَنه يعْتق قَضَاء فَلِأَن الْملك للْكُلّ كَمَا يكون دفْعَة كَذَلِك يكون تدريجا فَالشَّرْط عَام والاهتمام بِالْحُرِّيَّةِ أَكثر (وَفِي قلبه) وَهُوَ أَن يَقُول إِن ملكته وَيَعْنِي بِهِ الشِّرَاء ثمَّ يَشْتَرِي النّصْف ثمَّ يَبِيعهُ ثمَّ يَشْتَرِي النّصْف الآخر يعْتق (مُطلقًا) أَي قَضَاء وديانة (لتغليظه) على نَفسه حَتَّى تجوز بِالْملكِ عَن الشِّرَاء إِذْ لَو أرد الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ كَانَ أرْفق بِهِ لما أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَإِنَّهُ) أَي العَبْد (لَا يعْتق فِيهِ) أَي فِي الْملك إِذا أُرِيد بِهِ حَقِيقَته (مَا لم يجْتَمع) جَمِيع العَبْد (فِي الْملك قَضِيَّة لعرف الِاسْتِعْمَال فيهمَا) أَي عملا بِمَا يَقْتَضِيهِ عرف الِاسْتِغْنَاء بِملكه، وَهُوَ إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا كَانَ بِصفة الِاجْتِمَاع، بِخِلَاف الشِّرَاء إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى عرفا حَتَّى لَو قَالَ إِن اشْتريت عبدا فامرأته طَالِق، ثمَّ اشْترى عبدا لغيره يَحْنَث، وَهَذَا إِذا كَانَ مُنْكرا فَإِن كَانَ معينا بِأَن قَالَ لعبد إِن اشتريتك أَو مَلكتك فَأَنت حر والمسئلة بِحَالِهَا يعْتق النّصْف الْبَاقِي فِي الْوَجْهَيْنِ، لِأَن الْعرف إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُنكر لَا الْمعِين إِذْ فِي الْمعِين يقْصد نفي ملكه عَن الْمحل، وَقد تحقق ملكه فِيهِ وَإِن كَانَ فِي أزمنة مُتَفَرِّقَة، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَظَاهر الْمَتْن يأباه ثمَّ هَذَا إِذا كَانَ الشِّرَاء صَحِيحا، وَأما إِذا كَانَ فَاسِدا فَلَا يعْتق قَالَ الشَّارِح: أَن القَوْل بِعِتْق النّصْف فِي هَذِه الْمسَائِل ماش على قَول أبي حنيفَة، أما عِنْدهمَا فَيَنْبَغِي أَن يعْتق كُله وَتجب السّعَايَة أَو الضَّمَان للِاخْتِلَاف الْمَعْرُوف فِي تجزؤ الْإِعْتَاق (وَالسَّبَب) الْمَحْض (لَا يقْصد) حُصُول الْمُسَبّب (بِوَضْعِهِ وَإِنَّمَا يثبت) الْمُسَبّب (عَن الْمَقْصُود) فِي السَّبَب اتِّفَاقًا (كزوال ملك الْمَنْفَعَة، بِالْعِتْقِ لم يوضع) الْعتْق (لَهُ) أَي للزوال الْمَذْكُور (بل يستتبعه) أَي بل يتبع زَوَاله (مَا هُوَ) أَي الَّذِي الْعتْق مَوْضُوع (لَهُ) وَهُوَ زَوَال ملك الرَّقَبَة فالسبب الْعتْق والمسبب زَوَال ملك الْمَنْفَعَة، وَالْعِتْق لم يوضع لحصوله وَإِنَّمَا يثبت عَن زَوَال ملك الرَّقَبَة الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود بِالْعِتْقِ وَوضع لَهُ (فيستعار) السَّبَب (للمسبب لافتقاره) أَي الْمُسَبّب (إِلَيْهِ) أَي السَّبَب (على الْبَدَل مِنْهُ) أَي من السَّبَب الَّذِي هُوَ الْعتْق (وَمن الْهِبَة وَالْبيع) وَالصَّدَََقَة إِذْ كل
стр. 431
مِنْهَا سَبَب لزوَال ملك الرَّقَبَة (فصح الْعتْق) أَي فِي إِطْلَاقه مجَازًا (للطَّلَاق) حَتَّى لَو قَالَ لامْرَأَته أَعتَقتك وَنوى الطَّلَاق بِهِ وَقع، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى النِّيَّة لتعيين الْمجَاز (وَالْبيع وَالْهِبَة) مجَازًا (للنِّكَاح) لِأَن كلا مِنْهُمَا سَبَب مفض لملك الْمُتْعَة (وَمنع الشَّافِعِي هَذَا) التَّجَوُّز بهما عَنهُ (لانْتِفَاء) العلاقة (المعنوية) بَينه وَبَينهمَا (لَا يَنْفِي غَيرهمَا) وَهُوَ السَّبَبِيَّة الْمَحْضَة الَّتِي هِيَ أحد نَوْعي العلاقة الصورية (وَلَا عكس) أَي لَا يتجوز بالمسبب عَن السَّبَب (خلافًا لَهُ) أَي للشَّافِعِيّ فَإِنَّهُ جوزه (فصح عِنْده الطَّلَاق) مجَازًا (لِلْعِتْقِ لشمُول الْإِسْقَاط) فيهمَا لِأَن فِي الْإِعْتَاق إِسْقَاط ملك الرَّقَبَة، وَفِي الطَّلَاق إِسْقَاط ملك الْمُتْعَة والاتصال الْمَعْنَوِيّ علاقَة مجوزة للمجاز (وَالْحَنَفِيَّة تَمنعهُ) أَي التَّجَوُّز بِالطَّلَاق عَن الْعتْق (والمجوز) للتجوز الْمَعْنى الْمُشْتَرك بَين المتجوز بِهِ والمتجوز عَنهُ على وَجه يكون المتجوز عَنهُ أقوى مِنْهُ فِي المتجوز، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَهُوَ غير تَعْلِيل المُصَنّف ويناسب مَا ذكر فِي الْبَيَان من إِلْحَاق النَّاقِص بالكامل، وَأما اعْتِبَاره فِي الْأُصُول فَغير مَعْلُوم، وَقد بَين المُصَنّف المجوز بقوله (الْمَشْهُور الْمُعْتَبر) أَي الثَّابِت اعْتِبَاره عَن الْوَاضِع نوعا بِاسْتِعْمَالِهِ اللَّفْظ بِاعْتِبَار جزئي من جزئياته أَو ينْقل اعْتِبَاره عَنهُ (وَلم يثبت) التَّجَوُّز (بالفرع) يَعْنِي الْمُسَبّب عَن الأَصْل وَهُوَ السَّبَب (بل) ثَبت (بِالْأَصْلِ) عَن الْفَرْع (إِذا لم يجيزوا الْمَطَر للسماء بِخِلَاف قلبه) أَي أَجَازُوا السَّمَاء للمطر فَنقل عَنْهُم " مَا زلنا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُم " أَي الْمَطَر (مَعَ اشتراكهما) أَي السَّبَب والمسبب (فِي) الِاتِّصَال (الصُّورِي فَلَا يَصح طَالِق أَو بَائِن أَو حرَام لِلْعِتْقِ) عِنْد أَصْحَابنَا (إِلَّا أَن يخْتَص) الْمُسَبّب (بِالسَّبَبِ) بِأَن لَا يُوجد بِدُونِهِ (فكالمعلفول) أَي فَيجوز التَّجَوُّز بِكُل مِنْهُمَا عَن الآخر فِي الْعلَّة والمعلول لِأَنَّهُمَا يصيران حِينَئِذٍ فِي مَعْنَاهُمَا كالنبت للغيب وَبِالْعَكْسِ.
مسئلة
(الْمجَاز خلف) عَن الْحَقِيقَة (اتِّفَاقًا) بِمَعْنى أَن الْحَقِيقَة هِيَ الأَصْل الرَّاجِح الْمُقدم فِي الِاعْتِبَار، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي جِهَة الخلفية (فَأَبُو حنيفَة) يَقُول هُوَ خلف عَنْهَا (فِي التَّكَلُّم) فِي التَّوْضِيح فبعض الشَّارِحين فسروه بِأَن لفظ هَذَا ابْني خلف عَن لفظ هَذَا حر، فَيكون التَّكَلُّم بِاللَّفْظِ الَّذِي يُفِيد هَذَا الْمَعْنى بطرِيق الْمجَاز خلفا عَن التَّكَلُّم بِاللَّفْظِ الَّذِي يفِيدهُ بطرِيق الْحَقِيقَة، وَبَعْضهمْ فسره بِأَن لفظ هَذَا الْمَعْنى ابْني إِذا أُرِيد بِهِ الْحُرِّيَّة خلف عَن لفظ هَذَا الْمَعْنى ابْني، اذا أُرِيد بِهِ الْبُنُوَّة، وَفِيه أَيْضا أَن الْخلف مَا يقوم مقَام الأَصْل، وَأَن الأَصْل إِذا كَانَ صَحِيحا لفظا أَو حكما كَانَ الْخلف كَذَلِك، وَأَن الْوَجْه الثَّانِي أليق، لِأَن الْخلاف حِينَئِذٍ لَا يكون إِلَّا فِي وَجه
стр. 432
الخلفية لَا فِي الْخلف، وَالْأَصْل بِخِلَاف الْوَجْه الأول وَلِأَن الأَصْل إِذا كَانَ هَذَا ابْني يتَحَقَّق شَرط الْمصير إِلَى الْمجَاز من صِحَة الأَصْل من حَيْثُ أَنه مُبْتَدأ وَخبر مَوْضُوع للْإِيجَاب بصيغته وَتعذر الْعَمَل بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الأَصْل هَذَا حرَام لعدم تعذر الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ حِينَئِذٍ وَحَاصِل الْخلاف هَل يشْتَرط فِي صِحَة إِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي إِمْكَان الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ؟ عِنْدهمَا نعم، وَعِنْده لَا، بل يَكْفِي صِحَة اللَّفْظ من حَيْثُ الْعَرَبيَّة، وَإِذا عرفت هَذَا (فالمتكلم بِهَذَا ابْني) مجَازًا (فِي التَّحْرِير) الَّذِي هُوَ معنى مجازي لَهُ خلف (عَن التَّكَلُّم بِهِ) أَي بِهَذَا ابنى حَقِيقَة (فِي النّسَب) أَي فِي إِرَادَة الْبُنُوَّة الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهُ من غير نظر إِلَى ثُبُوت الخلفية فِي الحكم بِأَن يكون ثُبُوت التَّحْرِير بالمجازي فرع ثُبُوت إِمْكَان ثُبُوت النّسَب بِالْأَصْلِ (وهما) أَي صَاحِبَاه قَالَا: الْمجَاز خلف عَن الْحَقِيقَة (فِي حكمهَا فَأَنت ابنى) خطابا (لعَبْدِهِ الْأَكْبَر مِنْهُ) سنا مجَاز (على عتق على من وَقت ملكته عِنْده) أَي أبي حنيفَة اسْتِعْمَالا لاسم الْمَلْزُوم فِي لَازمه (وَقَالا لَا) يعْتق (لعدم إِمْكَان الْحَقِيقِيّ) إِذْ الْمَفْرُوض كَون العَبْد أكبر، وَشرط صِحَة الْخلف إِمْكَان الأَصْل (فلغا) قَوْله أَنْت ابنى، وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم، وَإِنَّمَا اعْتبر الخلفية فِي الحكم (لِأَن الحكم) هُوَ (الْمَقْصُود، فالخلفية بِاعْتِبَارِهِ أولى، وَقد يلْحق) عدم الْعتْق فِي هَذِه (بِعَدَمِ انْعِقَاد الْحلف) فِي قَوْله (لبشر بن مَاء الْكوز وَلَا مَاء) فِيهِ فَإِنَّهُ غير مُنْعَقد (لعدم تصَوره) أَي تصور الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَهُوَ شرب المَاء الْكَائِن فِي الْكوز الْمشَار إِلَيْهِ عِنْد الْحلف وَإِمْكَان الْمَحْلُوف عَلَيْهِ شَرط الِانْعِقَاد كَمَا أَن شَرط الخلفية للمعنى الْمجَازِي لقَوْله: أَنْت بَائِن إِمْكَان الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهُ (وَعَن هَذَا) أَي اشْتِرَاط تصور حكم الأَصْل للخلف (لَغَا قطعت يدك) خطأ (إِذا أخرجهُمَا) أَي الْمُخَاطب يَدَيْهِ (صحيحتين) بعد الْإِقْرَار بقطعهما (وَلم يَجْعَل مجَازًا عَن الْإِقْرَار بِالْمَالِ) أَي دِيَة الْيَد لعدم إِمْكَان مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، ثمَّ تعقب عَلَيْهِ بقوله (لَكِن لَا يلْزم من لُزُوم إِمْكَان مَحل حكم شَرْعِي) يُرِيد بِالْمحل مَاء الْكوز فَإِنَّهُ مَحل وجوب الْبر (لتَعلق الحكم) أَي الْخطاب مُتَعَلق بِلُزُوم (بخلفه) أَي بخلف ذَلِك الحكم الشَّرْعِيّ، وَهُوَ وجوب الْكَفَّارَة لعَجزه عَن الْبر، وفاعل لَا يلْزم (لُزُوم صدق معنى لفظ) يَعْنِي حَقِيقَة قَوْله: أَنْت ابْني (لاستعماله) أَي ذَلِك (مجَازًا) إِذْ لَا يظْهر بَينهمَا مُلَازمَة فَلَا يَصح الْإِلْحَاق بِهِ (وَالثَّانِي) أَي ولغو الْإِقْرَار بِقطع الْيَد أَي إِذا أخرجهُمَا صحيحتين لَيْسَ (لتعذر) الْحَقِيقِيّ فَقَط: بل لَهُ ولتعذر (الْمجَازِي أَيْضا فَإِن الْقطع سَبَب مَال مَخْصُوص) على الْعَاقِلَة (فِي سنتَيْن) لما عرف فِي مَحَله (وَلَيْسَ) هَذَا المَال الْمَخْصُوص هُوَ (المتجوز عَنهُ) بِالْقطعِ: إِذْ لَو تجوز بِهِ عَنهُ لما لزم فِي ذمتهم، لِأَن لُزُوم المَال عَلَيْهِم فِي سنتَيْن مَخْصُوص بِمَاذَا تحقق الْقطع وَلَا يلْزم بِمُجَرَّد قَوْله: قطعت يَده من غير تحقق الْقطع،
стр. 433
ثمَّ إِنَّه لَا علاقَة بَين الْمجَازِي والحقيقي هَهُنَا إِلَّا المسببية والسببية، وَهَذِه العلاقة لَيست مَوْجُودَة بَين الْمَعْنى الْمجَازِي الَّذِي هُوَ المَال الْمُطلق وَالْقطع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْمُطلق) أَي وَالْمَال الْمُطلق الَّذِي يُمكن إثْبَاته بِالْإِقْرَارِ (لَيْسَ مسببا عَنهُ) أَي عَن الْقطع (وَله) أَي لأبي حنيفَة (أَنه) أَي التَّجَوُّز (حكم لغَوِيّ يرجع للفظ) أَي إِلَى اللَّفْظ (هُوَ) أَي الحكم (صِحَة اسْتِعْمَاله) أَي اللَّفْظ (لُغَة فِي معنى) مجازى (بِاعْتِبَار صِحَة اسْتِعْمَاله) أَي اللَّفْظ (فِي) معنى (آخر وضعي) أَي حَقِيقِيّ (لمشاكلته) مُتَعَلق بِصِحَّة الِاسْتِعْمَال: أَي لمشاكلة ذَلِك الْمَعْنى الْمجَازِي للمعنى الوضعي بِاعْتِبَار العلاقة المصححة للتجوز (ومطابقته) أَي وَكَون الوضعي مطابقا للْوَاقِع (لَيست جُزْء الشَّرْط) أَي جُزْء شَرط الِاسْتِعْمَال فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (فَكل) من اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل حَقِيقَة، والمستعمل مجَازًا (أصل فِي إِفَادَة حكمه) وَإِن كَانَ الثَّانِي فرعا للْأولِ بِاعْتِبَار الِاسْتِعْمَال لُغَة (فَإِذا تكلم) الْمُتَكَلّم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور (وَتعذر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ وَجب مجازيته فِيمَا ذكر من الْإِقْرَار) أَي الْإِخْبَار بحريَّته لِأَنَّهَا لَازِمَة للبنوة ٠ فَتَصِير أمه أم ولد) لِأَنَّهُ كَمَا جعل إِقْرَارا بحريَّته جعل إِقْرَارا بأمومية الْوَلَد لأمه بِاعْتِبَار مَا يلْزمهَا من اسْتِحْقَاق الْحُرِّيَّة بعد الْمَوْت (وَقيل) بل وَجب مجازيته (فِي إنشائه) التَّحْرِير وإحداثه (فَلَا تصير) أم ولد لَهُ: يَعْنِي اسْتِحْقَاق الْحُرِّيَّة لَهَا إِذا كَانَت فِي ملكه، لِأَن ذَلِك يثبت مسببا عَن الْإِقْرَار لَا الْإِنْشَاء (وَالأَصَح الأول) أَي مجازيته فِي الْإِخْبَار عَن عتقه (لقَوْله) أَي مُحَمَّد (فِي) كتاب (الْإِكْرَاه إِذا أكره على هَذَا ابْني لعَبْدِهِ لَا يعْتق) عَلَيْهِ (وَالْإِكْرَاه يمْنَع صِحَة الْإِقْرَار بِالْعِتْقِ لَا إنشاءه) أَي الْإِكْرَاه لَا يمْنَع صِحَة إنْشَاء الْعتْق: فَعلم أَنه جعل قَوْله هَذَا ابْني مجَازًا فِي الْإِخْبَار بِالْعِتْقِ، وَإِلَّا لما قَالَ بِعَدَمِ الْعتْق فِيهِ (فَإِن تحقق) الْمَعْنى الْمجَازِي من الْإِقْرَار بِثُبُوت الْحُرِّيَّة (عتق مُطلقًا) أَي قَضَاء وديانة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق بِأَن لم يكن الْإِخْبَار بِالْحُرِّيَّةِ مطابقا للْوَاقِع لعدم صُدُور التَّحْرِير مِنْهُ بعد حُدُوث الْملك (فقضاء) أَي فَعتق قَضَاء مُؤَاخذَة لَهُ بِإِقْرَارِهِ لَا ديانَة (لكذبه حَقِيقَة ومجازا) أما حَقِيقَة فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِابْن لَهُ، كَيفَ وَهُوَ أكبر مِنْهُ، وَأما مجَازًا فَلِأَنَّهُ لم يصدر مِنْهُ تَحْرِير وَلم يَقع مَا يُوجِبهُ (إِلَّا أَنه قد يمْنَع تعين الْمجَازِي) أَي (الْعتْق لجَوَاز) إِرَادَة (معنى الشَّفَقَة) من قَوْله: هَذَا ابْني (وَدفعه) أَي دفع منع تعْيين الْمجَازِي (بتقدم الْفَائِدَة الشَّرْعِيَّة) وَهِي الْعتْق (عِنْد إمكانها) أَي الْفَائِدَة الشَّرْعِيَّة (وَغَيرهَا) يَعْنِي أَن الْحمل على مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ التَّحْرِير مُتَعَيّن لِأَنَّهُ فَائِدَة شَرْعِيَّة، بِخِلَاف الْحمل على الشَّفَقَة، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة شَرْعِيَّة وَإِذا تعَارض احْتِمَالَانِ فِي أجدهما فَائِدَة شَرْعِيَّة دون الآخر تعين مَا فِيهِ الْفَائِدَة لترجحه (معَارض) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي دَفعه (بِإِزَالَة الْملك الْمُحَقق) وَالْأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الْبَقَاء (مَعَ احْتِمَال عَدمه
стр. 434
أَي عدم زَوَال الْملك، والمتيقن لَا يَزُول بِالِاحْتِمَالِ (وَعَدَمه) أَي ومعارض أَيْضا بِمَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة من عدم وُقُوع الْعتْق (فِي هَذَا أخي) فَإِنَّهُم (بنوه) أَي بنوا عدم تحقق وُقُوع الْعتْق بِهَذَا أخي (على اشتراكه) أَي اشْتِرَاك لفظ الْأَخ (اسْتِعْمَالا فاشيا فِي المشارك نسبا ودينا، وقبيلة، ونصيحة فتوقف) الْعَمَل بِهِ (إِلَى قرينَة) مُعينَة لأحد الْمعَانِي الْأَرْبَعَة (كمن أبي) أَي كَمَا إِذا وصل بقوله: هَذَا أخي قَوْله: من أبي وَأمي، أَو من النّسَب إِلَى غير ذَلِك (فَيعتق) لكَونه ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ (و) بنوه (على أَن الْعتْق بعلة الولاد) بِأَن يكون الْمَمْلُوك والدا أَو مولودا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة (وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ) مَا يدل عَلَيْهِ الولاد ليَكُون مجَازًا عَن لَازمه فَامْتنعَ طَرِيقه (وَعَلِيهِ) أَي وعَلى أَن الْعتْق بعلة الولاد (بنى عَدمه) أَي عدم الْعتْق (فِي جدي لعَبْدِهِ الصَّغِير) فَإِن حَقِيقَة هَذَا الْكَلَام لَا وجود لَهَا إِلَّا بِوَاسِطَة الْأَب وَلَا وجود لَهُ فِي اللَّفْظ (وَيرد أَنَّهَا) أَي عِلّة عتق الْقَرِيب (الْقَرَابَة الْمُحرمَة) لَا خُصُوص الولاد (وَلذَا) أَي وَلكَون الْعلَّة فِيهِ مَا ذكر (عتق بعمى وخالى) بِلَا خلاف: ذكر فِي الْبَدَائِع وَغَيره (فترجح رِوَايَة الْحسن) عَن أبي حنيفَة الْعتْق فِي جدي وَأخي (وَعَدَمه) أَي الْعتْق (بيابني لِأَنَّهُ) أَي النداء (لإحضار الذَّات وَلم يفْتَقر هَذَا الْقدر) الَّذِي قصد بالنداء (لتحقيق الْمَعْنى) أَي لَا يحْتَاج إِفَادَة هَذَا الْمَقْصُود إِلَى أَن يتَحَقَّق لفظ الابْن يَعْنِي (فِيهَا) أَي فِي الذَّات (حَقِيقِيًّا) كَانَ ذَلِك الْمَعْنى (أَو مجَازًا) يَعْنِي الْقَصْد من هَذَا اللَّفْظ مُجَرّد إِحْضَار الذَّات، وَفِي هَذَا الْقَصْد يَكْفِي التَّلَفُّظ المستلزم مُجَرّد تصور الْمَعْنى من غير التَّصْدِيق بِثُبُوتِهِ للذات (بِخِلَاف يَا حر) حَيْثُ يعْتق بِهِ (لِأَن لَفظه صَرِيح فِي الْمَعْنى) الَّذِي هُوَ الْعتْق لكَونه مَوْضُوعا لَهُ وعلما لإِسْقَاط الرّقّ فَيقوم عينه مقَام مَعْنَاهُ (فَيثبت) الْعتْق (بِلَا قصد) حَتَّى لَو قصد التَّسْبِيح فَجرى على لِسَانه: عَبدِي حر يعْتق (وَقيل إِذا كَانَ الْوَصْف الْمعبر بِهِ عَن الذَّات) فِي مقَام النداء (يُمكن تَحْقِيقه من جِهَته) أَي الْمُتَكَلّم بِأَن يكون قَادِرًا على إنشائه (بِاللَّفْظِ حكم بتحقيقه) أَي الْوَصْف (مَعَ الاستحضار) تَصْدِيقًا لَهُ (كيا حر) فَإِن الْحُرِّيَّة مِمَّا يقدر على إنشائه فِي اللَّفْظ وَلَو كَانَ ذَلِك الْوَصْف اسْمه فناداه بِهِ لما عتق لِأَن المُرَاد حِينَئِذٍ مُجَرّد إِعْلَامه باسمه الْعلم: لِأَن الْإِعْلَام لَا يُرَاعِي فِيهَا الْمعَانِي عِنْد الِاسْتِعْمَال (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمعبر بِهِ عَن الذَّات مِمَّا يُمكن تَحْقِيقه من جِهَته (لَغَا) ذَلِك الْوَصْف (ضَرُورَة) إِذْ لَا يُمكن حِينَئِذٍ تَصْدِيقه بإنشائه فيتمحض للإعلام (كيا بني إِذا تحقق الْأَبْنِيَة غير مُمكن لَهُ بِهَذَا اللَّفْظ لِأَنَّهُ إِن تخلق من مَاء غَيره فَظَاهر، وَكَذَا مِنْهُ لِأَن النّسَب) حِينَئِذٍ (إِنَّمَا يثبت بِهِ لَا بِاللَّفْظِ وَأما إلزامهما) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد
стр. 435
(المناقضة بالانعقاد) أَي بالِاتِّفَاقِ مَعَه فِي انْعِقَاد النِّكَاح (بِالْهبةِ فِي الْحرَّة وَلَا يتَصَوَّر) معنى التَّمْلِيك (الْحَقِيقِيّ) الَّذِي هُوَ (الرّقّ) فِيهَا (فَلَا يلْزمهُمَا إِذْ لم يشرطاه) أَي إِمْكَان الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (إِلَّا عقلا) وَهُوَ مُمكن عقلا، كَيفَ وَقد وَقع فِي شَرِيعَة يَعْقُوب ﵇ وَفِي أول الْإِسْلَام (وَلم تذكر الشَّافِعِيَّة هَذَا الأَصْل) وَهُوَ أَن خلفية الْمجَاز فِي التَّكَلُّم أَو فِي الحكم (وموافقتهما) أَي مُوَافقَة الشَّافِعِيَّة لَهما (فِي الْفَرْع) أَي فِي قَوْله لعَبْدِهِ الْأَكْبَر سنا مِنْهُ: أَنْت ابْني (لَا يُوجِبهَا) أَي الْمُوَافقَة (فِي أَصْلهَا) كَمَا يفهم من كَلَام صَاحب الْكَشْف وَغَيره، وَصرح بَعضهم بِأَن الأَصْل فِيهِ عِنْد الشَّافِعِيَّة عدم ثُبُوت النّسَب.
مسئلة
(يتَعَيَّن) وَفِي نُسْخَة يتَفَرَّع (على الخلفية) أَي خلفية الْمجَاز عَن الْحَقِيقَة (تعينها) أَي الْحَقِيقَة (إِذا أمكنا) أَي صَحَّ إِرَادَة كل من الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (بِلَا مُرَجّح) أَي حَال كَونهمَا متلبسين بِعَدَمِ مُرَجّح خارجي لرجحانها فِي نَفسهَا عَلَيْهِ (فَتعين الْوَطْء) أَي إِرَادَته (من قَوْله) تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم﴾ لِأَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للنِّكَاح على مَا هُوَ الصَّحِيح وَهُوَ هَهُنَا مُمكن مَعَ الْمجَاز الَّذِي هُوَ العقد (فَحرمت مزنية الْأَب) على فروعه بِالنَّصِّ وَأما حُرْمَة الْمَعْقُود لَهُ عَلَيْهَا عقدا صَحِيحا عَلَيْهِم فبالإجماع (وَتعلق بِهِ) أَي بِالْوَطْءِ الْجَزَاء (فِي قَوْله لزوجته: إِن نكحتك) فَأَنت طَالِق (فَلَو تزَوجهَا بعد إبانة قبل الْوَطْء) ظرف لإبانة، قيد بِهِ لِأَنَّهُ لَو تزَوجهَا بعد إبانة بعد الْوَطْء لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْجَزَاء بِالْوَطْءِ بعد هَذَا التَّزْوِيج لانحلال الْيَمين قبله (طلقت بِالْوَطْءِ) لَا بِالْعقدِ كَمَا ذكرنَا (وَفِي الْأَجْنَبِيَّة) أَي وَفِي قَوْله للأجنبية: أَن نكحتك فَعَبْدي حر يتَعَلَّق الحكم (بِالْعقدِ) لِأَن وَطأهَا لما حرم عَلَيْهِ شرعا كَانَت الْحَقِيقَة مهجورة شرعا فَتعين الْمجَاز، وَفِيه أَنه مَا تمّ هجران الْحَقِيقَة لجَوَاز إِرَادَة الْوَطْء الْحَلَال لَا مَكَان أَن يعْقد عَلَيْهَا (وَأما المنعقدة) أَي إِرَادَة الْيَمين المنعقدة، وَهِي الْحلف على ان يفعل أمرا أَو يتْركهُ فِي الْمُسْتَقْبل (بعقدتم) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ - (لِأَن العقد) حَقِيقَة (لما ينْعَقد (أَي للفظ يرْبط بآخر لايجاب حكم كَمَا قَالَ (وَهُوَ مَجْمُوع اللَّفْظ المستعقب حكمه) كمجموع الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي النِّكَاح وَالْبيع فَإِن قلت كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول فَلِأَن العقد الخ لِأَن الْفَاء فِي جَوَاب أما لَازم قلت: قَالَ الْمُحَقق الرضي وَلَا يحذف الْفَاء فِي جَوَاب أما إِلَّا لضَرُورَة نَحْو قَوْله:
(فَأَما الصدود لَا صدود لديكم ...)
أَو مَعَ قَول مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ محكية كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿فَأَما الَّذين كفرُوا أفلم تكن آياتي تتلى عَلَيْكُم﴾ -
стр. 436
أَي فَيُقَال لَهُم أفلم تكن آياتي انْتهى، وَهَهُنَا كَذَلِك فَإِن تَقْدِير الْكَلَام: وَأما إِرَادَة المنعقدة بعقدتم: فَيُقَال لَهُم فِي بَيَانهَا لِأَن العقد إِلَى آخِره، فَقَوله لِأَن العقد محكية، وَيدل عَلَيْهِ (مجَاز) خبر بعد خبر لِأَن (فِي الْعَزْم) أَي الْقَصْد القلبي (السَّبَب) صفة للعزم (لَهُ) أَي لمجموع اللَّفْظ الْمَذْكُور: إِذْ لَا يعْتَبر بِدُونِهِ (فَلَا كَفَّارَة فِي الْغمُوس) وَهِي الْحلف على أَمر مَاض تعمد الْكَذِب فِيهِ (لعدم الِانْعِقَاد) الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَة فِي الْغمُوس، وَإِنَّمَا نَفينَا الِانْعِقَاد عَنهُ (لعدم استعقابها) أَي استعقاب الْيَمين الْغمُوس (وجوب الْبر) الَّذِي هُوَ حكم عقد الْيَمين (لتعذره) أَي الْبر فِيهَا: لِأَن الْبر إِنَّمَا يكون فِي أَمر استقبالي عزم عَلَيْهِ من الْفِعْل أَو التّرْك الْمُؤَكّد بالقسم، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمَعْنى الْمجَازِي أَيْضا لَا يتَصَوَّر فِي الْغمُوس: لِأَن الْعَزْم أَيْضا إِنَّمَا يكون فِي أَمر كَذَا على أَن الْعَزْم الْمَذْكُور إِنَّمَا وصف بِكَوْنِهِ سَببا لحكم العقد وَهُوَ الْبر، وَحَيْثُ تعذر سَببه من حَيْثُ هُوَ سَببه فَالْحَاصِل أَن الْغمُوس لَا يتَصَوَّر فِيهَا حَقِيقَة العقد وَلَا مجازه، فَتعين إِرَادَة المنعقدة غير أَنه سَيَجِيءُ مَا يدل عَلَيْهِ أَن الْخصم يحملهُ على الْعَزْم، ويظن أَنه مَوْجُود فِي الْغمُوس أَيْضا. وَفِي بعض النّسخ فقد يُقَال بِالْفَاءِ، وعَلى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى مَا ذكر فِي ترك الْفَاء (وَقد يُقَال) فَيكون مَا قبل هَذَا كَلَام غَيره تعليلا لإِرَادَة المنعقدة بعقدتم (كَونهَا) أَي المنعقدة (حَقِيقَة فِيهِ) أَي فِيمَا ينْعَقد (فِي عرف أهل الشَّرْع لَا يستلزمه) أَي لَا يسْتَلْزم كَونهَا حَقِيقَة (فِي عرف الشَّارِع وَهُوَ) أَي عرف الشَّارِع (المُرَاد) هَاهُنَا (لِأَنَّهُ) أَي الْكَلَام (فِي لَفظه) أَي الشَّارِع (وَيدْفَع هَذَا بِأَن الْوَاجِب فِي مثله) مِمَّا لَا يعرف لَهُ غير الْمَعْنى اللّغَوِيّ معنى فِي الشَّارِع (اسْتِصْحَاب) أَي إبْقَاء (مَا) كَانَ (قبله) أَي قبل هَذَا الِاسْتِعْمَال من الشَّارِع على مَا كَانَ (إِلَّا بناف) أَي بِدَلِيل يدل على أَن المُرَاد غير مَا قبله فالمرجع هَهُنَا اللُّغَة الَّتِي هِيَ مدَار الخطابات القرآنية غَالِبا. وَفِي الْقَامُوس عقد الْحَبل وَالْبيع والعهد وَذكر فِيهِ مَعَاني غير هَذَا، وَلَا يُوجد شَيْء من ذَلِك فِي الْغمُوس (وَأَيْضًا) يُقَال فِي بَيَان كَون المُرَاد هُوَ المنعقدة أَنه (إِن كَانَ) العقد الْمُسْتَعْمل فِي مَجْمُوع اللَّفْظ المستعقب حكمه حَقِيقَة فَالْأَمْر كَمَا عرفت (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن حَقِيقَة فِيهِ (فالمجاز الأول) أَي فَهُوَ الْمجَاز الأول عَن الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة الَّتِي هِيَ شدّ بعض الْحَبل بِبَعْض على مَا قيل (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَزْم لقُرْبه) إِلَيْهَا أَكثر من الْعَزْم، وَالْمجَاز الْأَقْرَب مقدم (وَمِنْه) أَي من الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ لإمكانها وَلَا مُرَجّح قَوْله هَذَا (ابْني لممكن) أَي لعبد لَهُ يُولد مثله (لمثله مَعْرُوف النّسَب) من غَيره (لجوازه) أَي لجَوَاز كَونه (مِنْهُ) بِكَوْنِهِ من منكوحته أم أمته (مَعَ اشتهاره) أَي نسبته (من غَيره) فَيصدق الْمقر فِي حق نَفسه، لَا فِي إبِْطَال حق الْغَيْر فَحِينَئِذٍ (عتق وَأمه أَو وَلَده على ذَلِك) أَي
стр. 437
على تعين الْحَقِيقَة لإمكانها وَلَا مُرَجّح للمجاز (فرع فَخر الْإِسْلَام قَول أبي حنيفَة بِعِتْق ثلث كل من الثَّلَاثَة) الْأَوْلَاد (إِذا أَتَت بهم الْأمة فِي بطُون ثَلَاثَة) بِأَن يَتَخَلَّل بَين كل اثْنَيْنِ مِنْهُم سِتَّة أشهر فَصَاعِدا (بِلَا نسب) مَعْرُوف لَهُم (فَقَالَ) الْمولى فِي صِحَّته (أحدهم ابْني وَمَات) الْمولى مجهلا) أَي قبل الْبَيَان (خلافًا لقولهما) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (بِعِتْق الْأَصْغَر وَنصف الْأَوْسَط وَثلث الْأَكْبَر نظرا إِلَى مَا يُصِيبهَا من الْأُم) فسر الشَّارِح ضمير شَأْن التَّثْنِيَة بالأوسط والأكبر للقرب، وَلَا يَنْبَغِي لِأَنَّهُ لَا يُصِيب الْأَكْبَر من الْأُم شَيْء كَمَا ستعرفه: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَا يُصِيبهُ عدما، وَفِيه سماجة، فَالْوَجْه أَن يُفَسر بِالْأَصْغَرِ والأوسط فَإِنَّهُ يُصِيب كلا مِنْهُمَا من الْأُم نصيب من الْعتْق، وَذَلِكَ لِأَن الْإِقْرَار الْمَذْكُور لَهُ ثَلَاثَة احتمالات لجَوَاز أَن يكون ذَلِك الْأَحَد هُوَ الْأَكْبَر، أَو الْأَوْسَط، أَو الْأَصْغَر: فالأكبر لَا يثبت نسبه إِلَّا بالدعوة وَيثبت نسب كل من الْأَخيرينِ بِلَا دَعْوَة إِذا لم ينفه على تَقْدِير كَون الْمقر بِهِ من قبله، وَهَذَا يعين مَا يصيبهما من الْأُم: فالأصغر جزئي من جَمِيع الِاحْتِمَالَات، أما إِذا كَانَ هُوَ الْمقر بِهِ فَظَاهر: إِذْ تثبت جزئيته حِينَئِذٍ بالدعوة وَأما إِذا كَانَ من عداهُ فَيثبت من قبل ثُبُوت أمومية الْأُم وَأما الْوسط فَتثبت حُرِّيَّته فِي الِاحْتِمَالَيْنِ فِيمَا إِذا كَانَت الدعْوَة لَهُ أَو للأكبر وَلَا يثبت على احْتِمَال كَون الْمقر بِهِ الْأَصْغَر غير أَن أَحْوَال الْإِصَابَة وَإِن كثرت تعْتَبر وَاحِدَة: إِذْ الشَّيْء لَا يصاب إِلَّا من جِهَة وَاحِدَة كالملك إِذا أُصِيب بِالشِّرَاءِ لَا يصاب بِالْهبةِ فَتثبت جزئيته فِي حَال فانتصف الْعتْق فِي حَقه وَأما الْأَكْبَر فَتثبت جزئيته على احْتِمَال كَونه الْمقر بِهِ وَلَا يثبت فِي الِاحْتِمَالَيْنِ، والحرمان يجوز أَن تَتَعَدَّد جهانه: إِذْ يُقَال لم يثبت ملكه بِالشِّرَاءِ وَلَا باهلبة وَلَا بِالْإِرْثِ فَيعتق ثلثه كَذَا قَالُوا، فَقَوله نظرا تَعْلِيل لقولهما وَأما تَعْلِيل قَوْله فَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لِأَنَّهُ) أَي مَا يصيبهما من الْأُم (كالمجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِقْرَاره) يَعْنِي إِقْرَاره بأبنية أحدهم حَقِيقَة فِي إِثْبَات النّسَب غير أَنه لَا يُمكن إثْبَاته بِاعْتِبَار نَفسه فِي غير الْمعِين فَأثْبت بِاعْتِبَار لَازمه: وَهُوَ الْمعِين على سَبِيل التَّوْزِيع على السوية لَهُم، وَأما الْعتْق الْحَاصِل من قبل الْأُم فكالمجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى نفس الْإِقْرَار: فَكَمَا أَن الْمجَاز يثبت بِوَاسِطَة الْحَقِيقَة لعلاقة بَينهمَا كَذَلِك الْعتْق بِالْأُمِّ يثبت بِوَاسِطَة الدعْوَة الْمُتَعَلّقَة بِالْوَلَدِ الْمُتَقَدّم، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (للواسطة) فَكَمَا لَا يعْتَبر الْمجَاز مَعَ إِمْكَان الْحَقِيقَة كَذَلِك لَا يعْتَبر مَا هُوَ كالمجاز مَعَ إمكانها (و) فرع (البديع) أَي صَاحبه قَول أبي حنيفَة بِعِتْق ثلث الْكل إِلَى آخِره (على) مسئلة (تَقْدِيم حكم الْمجَاز بِلَا وَاسِطَة عَلَيْهِ) أَي على الْمجَاز (بهَا) أَي بِوَاسِطَة (لقُرْبه) أَي الْمجَاز بِلَا وَاسِطَة (إِلَى الْحَقِيقَة، وَتَقْرِيره) أَي تَقْرِير كَلَام البديع هَكَذَا (تعذر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) الَّذِي هُوَ الْإِقْرَار بِالنِّسْبَةِ لعدم إِثْبَات النّسَب بِهَذَا اللَّفْظ (لِامْتِنَاع) ثُبُوت (نسب الْمَجْهُول)
стр. 438
من شخص لِأَنَّهُ لَا يثبت من الْمَجْهُول إِلَّا مَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ ليتعلق بخطر الْبَيَان، وَالنّسب لَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ (فَلَزِمَ مجازيته) أَي الْإِقْرَار الْمَذْكُور (فِي اللَّازِم) أَي لَازم الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (إِقْرَاره بحريَّته) عطف بَيَان للازم (فَيعتق) أَي فَيَقَع الْعتْق (كَذَلِك) أَي أَثلَاثًا (بِاللَّفْظِ) وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أحدهم حر، وَلَا تَرْجِيح لأحد. وَلَا يلغى إِقْرَاره فَيقسم بَينهم بِالسَّوِيَّةِ فالمجاز حِينَئِذٍ بِلَا وَاسِطَة (وقولهما) أَي وَيثبت الْعتْق على قَوْلهمَا بِعِتْق الْأَصْغَر إِلَى آخِره (بِوَاسِطَة) أَي بمجاز بِوَاسِطَة هُوَ الْمعِين من جِهَة الْأُم كَمَا فِي الِاثْنَيْنِ (مَعَه) أَي مَعَ اللَّفْظ كَمَا فِي الْأَكْبَر: إِذْ لَا يُصِيبهُ من قبل الْأُم عتق كَمَا عرفت (وَالْأول) وَهُوَ الْعتْق بِلَا وَاسِطَة وَمَا يثبت بِاللَّفْظِ (أقرب) إِلَى الْحَقِيقَة من الْعتْق بِوَاسِطَة فَتعين (مُنْتَفٍ) خبر تَقْرِيره: أَي غير مُطَابق للْوَاقِع (إِذْ لَا مُوجب حِينَئِذٍ) أَي حِين لم يرد بِاللَّفْظِ إِلَّا الْإِقْرَار بِالْحُرِّيَّةِ (للأمومة) إِذْ ثُبُوت الأمومة فرع ثُبُوت النّسَب: وَهُوَ فرع إِرَادَة الْحَقِيقَة فَلَا وجود للمجاز بالواسطة وَغَيرهَا (وَهِي) أَي وَالْحَال أَن الأمومة (ثَابِتَة) فَهَذَا التَّقْرِير غير مُسْتَقِيم من وَجْهَيْن: أَحدهمَا عدم وجود الْمجَاز، وَالْكَلَام مَبْنِيّ عَلَيْهِ، الثَّانِي عدم ثُبُوت الأمومة وَهِي ثَابِتَة اتِّفَاقًا (وَأَيْضًا لَا صَارف للحقيقي) عَن الْحَقِيقَة (إِذْ الْحَقِيقِيّ مُرَاد) وَإِن لم يكن إثْبَاته من جَمِيع الْوُجُوه (فَتثبت لوازمه من الأمومة وحرية أحدهم وانتفى مَا تعذر) إثْبَاته (من النّسَب) بَيَان للموصول (فتنقسم) الْحُرِّيَّة (بِالسَّوِيَّةِ لَا بِتِلْكَ الملاحظة) الْمُعْتَبرَة عِنْدهمَا من اعْتِبَار الْعتْق بِوَاسِطَة الْأُم (لِأَنَّهَا) أَي تِلْكَ الملاحظة (مَبْنِيَّة على ثُبُوت النّسَب) وَهُوَ مُنْتَفٍ كَمَا عرفت (وَعرف) مِمَّا ذكرنَا (تَقْدِيم مجَاز على) مجَاز (آخر بِالْقربِ) إِلَى الْحَقِيقَة، وَذَلِكَ لِأَن الْحَقِيقَة هِيَ الْمَطْلُوب الأولى فَإِن لم تتيسر فَالْأَقْرَب مِنْهَا ثمَّ الْأَقْرَب كَمَا لَا يخفى (وَأما قَوْله فِي صِحَّته لِابْني ابْن عَبده) الكائنين (لبطنين) بِأَن تخَلّل بَين ولادتيهما سِتَّة أشهر فَصَاعِدا (وأبيهما) مَعْطُوف على الْمَجْرُور فِي لِابْني وَالْمرَاد بِهِ الْأَب وَالْجد بِقَرِينَة ذكرهمَا، وَبِنَاء المسئلة على إرادتهما. وَقَالَ الشَّارِح: فَبنى الْأَب على لُغَة النَّقْص فِيهِ (أحدهم ابْني وَهُوَ) أَي كَون كل مِنْهُم ابْنا لَهُ (مُمكن) بِأَن يجوز أَن يُولد مثله لمثله (وَمَات) الْمولى (مجهلا فَفِي الْكَشْف الْكَبِير الْأَصَح الْوِفَاق) للأئمة الثَّلَاثَة (على عتق ربع عَبده) لعتقه (ان عناه لَا) إِن عَنى (أحد الثَّلَاثَة) البَاقِينَ فقد عتق فِي حَال ورق فِي ثَلَاثَة أَحْوَال فَيعتق ربعه (وَثلث ابْنه) وعَلى عتق ثلث ابْن عَبده (لعتقه إِن عناه أَو أَبَاهُ) لَا بِسَبَب عتق الْأَب، لِأَن حريَّة الْأَب لَا توجب حريَّة الابْن بِخِلَاف الْأُم، بل لِأَنَّهُ يصير حِينَئِذٍ ابْن الابْن، وَالْجد إِذا ملك حافده يعْتق عَلَيْهِ (لَا) إِن عني (أحد الِابْنَيْنِ) الآخرين (وأحوال الْإِصَابَة حَالَة) وَاحِدَة لما سبق آنِفا
стр. 439
فقد عتق فِي حَالَة ورق فِي حالتين لما عرفت من أَن الحرمان يجوز أَن يَتَعَدَّد جهاله فَيعتق ثلثه (و) على عتق (ثَلَاثَة أَربَاع كل مِنْهُمَا) أَي الِابْنَيْنِ (لعتق أَحدهمَا) وَهُوَ الَّذِي ولد آخرا مِنْهُمَا فِي نفس الْأَمر (فِي الْكل) أَي كل الْأَحْوَال بِيَقِين بِأَن عَنى هُوَ وَأَبوهُ أَو جده أَو أَخُوهُ ضَرُورَة ثُبُوت نسبه بِغَيْر دَعْوَة بصيرورة أمه أم ولد (و) عتق (الآخر فِي ثَلَاث) من الْأَحْوَال بِأَن عَنى هُوَ وَأَبوهُ أَو جده (لَا إِن عَنى أَخَاهُ وَلَا أَوْلَوِيَّة) أَي لَيْسَ أَحدهمَا بِعَيْنِه أولى بِأَن يَجْعَل معتقا فِي كل الْأَحْوَال، لِأَن الْمَفْرُوض عدم الْعلم بِخُصُوص الْمُتَأَخر ولادَة، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا الْقَيْد فِي تَصْوِير ال مسئلة وَلم يتَنَبَّه الشَّارِح لهَذَا وَلم يبين وَجه عدم الْأَوْلَوِيَّة وَلم يذكر فِي تَفْسِير كل من الْأَحْوَال احْتِمَال كَون الْمقر بِهِ أَخَاهُ، وَفِيه اعْتِبَار الْإِصَابَة من قبل الْأُم فَلَا تغفل. وَفِي بعض النّسخ المصححة وَلَا أولويته بدل وَلَا أَوْلَوِيَّة: يَعْنِي عدم الْعلم بِخُصُوص الأول ولادَة (فبينهما) أَي الْأَخَوَيْنِ (عتق) الْأَصْغَر فِي نفس الْأَمر (وَنصف) للْأَكْثَر فِي نفس الْأَمر فوزع مَجْمُوع الْعتْق وَالنّصف (وَلَو كَانَ) ابْن ابْن عَبده (فَردا أَو توءمين يعْتق كُله) لعتقه فِي كل حَال سَوَاء عني هُوَ أَو أَخُوهُ أَو أَبوهُ أَو جده، فَإِن ثُبُوت نسب وَاحِد من التوءمين يسْتَلْزم ثُبُوت نسب الآخر وَهُوَ ظَاهر (وَثلث الأول) لِأَنَّهُ عتق فِي حَاله: وَهُوَ مَا إِذا الخ (وَنصف الثَّانِي) لِأَن أَحْوَال الْإِصَابَة تجْعَل وَاحِدَة: وَهُوَ مَا إِذا عناه أَو أَبَاهُ، وَكَذَا الحرمان أَو هُوَ مَا إِذا عَنى ابْنه فيتنصف (وَجزم فِي الْكَشْف الصَّغِير بِعِتْق ربع كل) من الْأَرْبَعَة (عِنْده) أَي عِنْد أبي حنيفَة كَمَا لَو قَالَ أحدهم لآخر (وَهُوَ الأقيس بِمَا قبله: إِذْ الْكل مُضَافا إِلَى الإيحاب بِلَا وَاسِطَة) على هَذَا التَّقْدِير كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة (وبواسطة) كَمَا هُوَ قَوْلهمَا، غَايَة الْأَمر أَن الْوَاسِطَة فِيمَا سبق اعْتِبَار الْأَمر، وَهَهُنَا ملك الْجَزَاء (وَلذَا) أَي لكَون عتق الْكل مُضَافا إِلَى الْإِيجَاب (لَو اسْتعْمل) قَوْله: أحدهم ابْني (مجَازًا فِي الْإِعْتَاق) أَي التَّحْرِير ابْتِدَاء (عتق فِي) المسئلة (الثَّانِيَة) أَي فِيمَا إِذا قَالَ ذَلِك لعَبْدِهِ وَابْنه وَابْن ابْنه وَاحِدًا أَو توءمين (ثلث كُله) أَي كل وَاحِد مِنْهُم كَمَا لَو قَالَ أحدهم حر (و) عتق (ربعه) أَي ربع كل من الْأَرْبَعَة (فِي الأولى) أَي فِيمَا إِذا قَالَ ذَلِك لعَبْدِهِ وَابْنه وَابْني ابْنه فِي بطنين، وَقيد بِكَوْنِهِ فِي الصِّحَّة لِأَنَّهُ لَو قَالَ فِي مَرضه وَلَا مَال لَهُ غَيرهم وَلَا تجز الْوَرَثَة عتقوا من الثُّلُث بِحِسَاب حَقهم، وَذَلِكَ فِيهِ تَفْصِيل فِي الشَّرْح: هَذَا وَفِي الزِّيَادَات اعْتِبَارا أَحْوَال الْإِصَابَة كاعتبار أَحْوَال الحرمان، وَقد عرفت أَن مَا فِي الْجَامِع الصَّغِير هُوَ الْأَصَح وَالله أعلم.
مسئلة
(يلْزم الْمجَاز لتعذر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ كحلفه وَلَا نِيَّة) لَهُ (لَا يَأْكُل كل من هَذَا الْقدر فَلَمَّا يحله)
стр. 440
أَي فَينْعَقد الْحلف لما يحل الْقدر بِتَأْوِيل: وَإِلَّا فالقدر مؤنث سَمَاعي يَعْنِي مَا يطْبخ فِيهَا لتعذر أكل عينهَا عَادَة، تجوز باسم الْمحل عَن الْحَال، بِخِلَاف مَا إِذا نوى حَقِيقَتهَا أَو غَيرهَا من الْمعَانِي المجازية فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يحمل عَلَيْهَا (ولعسره) أَي الْحَقِيقِيّ مَعْطُوف على قَوْله لتعذره (كمن الشَّجَرَة) أَي كحلفه لَا يَأْكُل من الشَّجَرَة الَّتِي لَا تُؤْكَل عَادَة (فَلَمَّا تخرج) الشَّجَرَة من الثَّمر وَغَيره حَال كَونه (مَأْكُولا بِلَا كَبِير صنع) بِخِلَاف مَا يخرج مِنْهَا بصنع كَبِير كالعصر الشَّديد وَغَيره تجوزا باسم السَّبَب عَن الْمُسَبّب (وَمِنْه) أَي مِمَّا تخرجه مَأْكُولا (الْجمار) وَهُوَ شَحم النّخل والعصير (والخل لأبي الْيُسْر) الْبزورِي أَي لقَوْله وَأبي اللَّيْث. وَفِي فتح الْقَدِير وفَاقا لكثير لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لَا يخرج كَذَلِك وَلم يذكرَا فِيهِ نقلا عَن الْمُتَقَدِّمين (لَا ناطفها) يسيل من الرطب (ونبيذها) لِأَن الْمُتَبَادر بِحَسب الْمُتَعَارف مَا يخرج مِنْهَا من غير توقف على الصنع كَمَا يُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى - ﴿ليأكلوا من ثمره وَمَا عملته أَيْديهم﴾ - (وَلَو لم تخرج) الشَّجَرَة الْمَحْلُوف عَلَيْهَا (مَأْكُولا فلثمنها) أَي فَيحنث بِأَكْل مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ (وللهجر) أَي لكَون الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ مَهْجُورًا (عَادَة وَأَن سهل) تنَاوله (كمن الدَّقِيق) أَي كحلفه لَا يَأْكُل مِنْهُ (فلمآ لَهُ) أَي ينْعَقد لما يؤول إِلَيْهِ كالعصيدة فَيحنث بأكلها، لَا بِسَفَه لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَل هَكَذَا عَادَة خلافًا للشَّافِعِيّ (و) حلفه (لَا يشرب من الْبِئْر) وَهِي غير ملأى (فلمائه) أَي الْمَكَان الْمُسَمّى بالبئر، وَإِلَّا فَهِيَ مؤنث سَمَاعي (اغترافا اتِّفَاقًا فَلَا يَحْنَث بالكرع) أَي بتناوله بِفِيهِ من مَوْضِعه من غير أَن يشرب بكفيه أَو بِإِنَاء. وَفِي الفتاوي الظَّهِيرِيَّة تَفْسِير الكرع عِنْد أبي حنيفَة أَن يَخُوض الْإِنْسَان فِي المَاء ويتناوله بِفِيهِ من مَوْضِعه، وَلَا يكون إِلَّا بعد الْخَوْض فِي المَاء فَإِنَّهُ من الكراع وَهُوَ من الْإِنْسَان مَا دون الرّكْبَة، وَمن الدَّوَابّ مَا دون الكعب انْتهى، وَالْأول هُوَ الْمَعْرُوف، وَيَكْفِي فِي التَّسْمِيَة أَن الدَّابَّة لَا تكَاد تشرب إِلَّا بِإِدْخَال أكارعها فِيهِ: فحين شاركها الْإِنْسَان فِي هَذَا النَّوْع من الشّرْب سمي شَرّ بِهِ بالكرع (فِي الْأَصَح) وَفِي الذَّخِيرَة فِي الصَّحِيح (وَلَو) كَانَت (ملأى فعلى الْخلاف الْمَشْهُور فِي: لَا يشرب من هَذَا النَّهر) فَعنده على الكرع، وَعِنْدَهُمَا على الاغتراف أَيْضا (وأفادوا أَن مجازي الْبِئْر الاغتراف) فقولهما مَبْنِيّ على حمل الشّرْب من الْبِئْر على الْمَعْنى الْمجَازِي وَهُوَ الِاعْتِرَاف، وَقَوله على الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الكرع. قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَإِنَّمَا قُلْنَا أَن الكرع حَقِيقَة اللَّفْظ، لِأَن من هَهُنَا لابتداء الْغَايَة: فَالْمَعْنى ابْتِدَاء الشّرْب من نفس رجله، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِوَضْع الْفَم عَلَيْهَا نَفسهَا، فَإِذا وضع الْفَم على يَدَيْهِ وكوز وَنَحْوه، وَفِيه مَاؤُهَا لم يصدق حَقِيقَة اللَّفْظ (وَفِيه بعد) لَا لعدم العلاقة الثَّابِتَة الِاعْتِبَار كَمَا قَالَ الشَّارِح: بل لما نقل فِي شرح الْهِدَايَة عَن أبي سُهَيْل من أَن الْبِئْر إِذا كَانَ ملآن فعندهما يَمِينه على الاغتراف
стр. 441
ثمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يُقَال على مَا هُوَ أَعم من الاغتراف (وَالْأَوْجه أَن تَعْلِيق الشّرْب بهَا) أَي بالبئر (على حذف مُضَاف) أَي من مَائِهَا (فَهِيَ) أَي الْبِئْر (حَقِيقَة) والحنث بالكرع لتحَقّق الشّرْب من مَاء الْبِئْر فِيهِ، وَذكر الشَّارِح وَجها آخر، وَهُوَ التَّجَوُّز باسم الْمحل عَن الْحَال، وَجعله أوجه لأكثرية مجَاز العلاقة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مجَاز الْحَذف، ثمَّ قَالَ وأياما كَانَ يلْزم تَرْجِيح الْحِنْث بالكرع وَإِن كَانَت غير ملأى انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن مجَاز الْحَذف فِي التَّحْقِيق حَقِيقَة كَمَا تقدم، والحقيقة خير من الْمجَاز إِذا لم يكن صَارف (وَمِنْه) أَي من لُزُوم الْمجَاز للهجر عَادَة حلفه (لَا يضع قدمه) فِي دَار فلَان فَإِنَّهُ مجَاز (عَمَّا تقدم) وَهُوَ دُخُولهَا على مَا أوضحه ثمَّة (و) للهجر (شرعا) حلفه (لينكحن أَجْنَبِيَّة فَلَا يَحْنَث بِالزِّنَا إِلَّا بنيته) أَي بنية الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ الْوَطْء: إِذْ كالمهجور شرعا كالمجهور عرفا لمنع الْعقل وَالدّين مِنْهُ ظَاهرا، وَإِنَّمَا يَحْنَث بِالْعقدِ كَمَا تقدم، ثمَّ أَن الْمَوْجُود فِي نُسْخَة الشَّارِح وَغَيرهَا مِمَّا رَأَيْته لينكحن وَالظَّاهِر أَنه سَهْو من النَّاسِخ وَالصَّوَاب لَا ينكحن (وَالْخُصُومَة فِي التَّوْكِيل بهَا) أَي بِالْخُصُومَةِ، لِأَن حَقِيقَتهَا وَهِي الْمُنَازعَة مهجورة شرعا فِيمَا عرف الْخصم فِيهِ محقا لِأَنَّهَا حرَام لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا تنازعوا﴾ - وَغَيره فَهِيَ (للجواب) مجَازًا إطلاقا لاسم السَّبَب على الْمُسَبّب (عِنْد القَاضِي) لَا غير لِأَن إِقْرَاره إِنَّمَا يَصح بِاعْتِبَار أَنه جَوَاب الْخُصُومَة، وَالْخُصُومَة تخْتَص بِمَجْلِس الْقَضَاء كالبينة والاستحلاف وَغَيرهمَا، فَكَذَا جوابها. وَفِي بعض النّسخ على اسْم السَّبَب فِي الْمُسَبّب أَي بِنَاء على اسْتِعْمَاله (فتعم) الْخُصُومَة المستعملة فِي الْجَواب (الْإِقْرَار) كالإنكار، لِأَن الْجَواب كَلَام يستدعيه كَلَام الْغَيْر ويطابقه، مَأْخُوذ من جَانب الفلاة إِذا قطعهَا، فَإِن كَلَام الْغَيْر يقطع بِهِ، وَذَلِكَ كَمَا يكون بِلَا، يكون بنعم (وَلَا يكلم الصَّبِي فَيحنث بِهِ شَيخا) أَي وَمن المهجور شرعا إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ بِالصَّبِيِّ فِي حلفه: لَا يكلم هَذَا الصَّبِي، لِأَن الصَّبِي من حَيْثُ هُوَ صبي مَأْمُور فِيهِ بالمرحمة شرعا، فَانْصَرف الْيَمين عِنْد الْإِشَارَة إِلَى ذَات الصَّبِي إِلَى خُصُوص الذَّات من غير اعْتِبَار وصف الصِّبَا فَيحنث بِكَلَامِهِ حَال كَونه شَيخا لوُجُود الذَّات (بِخِلَاف الْمُنكر) كَأَن حلف لَا يكلم صَبيا لِأَنَّهُ لم يشر إِلَى خُصُوص ذَات كَأَن الصِّبَا نَفسه مثير الْيَمين، وَإِن كَانَ على خلاف الشَّرْع كحلفه ليشربن خمرًا (وَقد يتَعَذَّر حكمهمَا) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (فيتعذران) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَيكون ذَلِك لَغوا (كبنتي لزوجته المنسوبة) أَي كَقَوْلِه لزوجته الثَّابِت نَسَبهَا من غَيره هَذِه بِنْتي (فَلَا تحرم) عَلَيْهِ حُرْمَة أبدية سَوَاء كَانَت أكبر مِنْهُ أَو أَصْغَر، أصر على ذَلِك أم رَجَعَ، فَقَالَ: غَلطت أَو وهمت، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن أصر) أَي دَامَ على هَذَا الْكَلَام (فَفرق) أَي حَتَّى فرق القَاضِي بَينهمَا (منعا من الظُّلم) بترك قربانها، وَإِنَّمَا قُلْنَا تَعَذَّرَتْ
стр. 442
الْحَقِيقَة هَهُنَا (للاستحالة فِي الْأَكْبَر مِنْهُ وَصِحَّة رُجُوعه) عَن كَونهَا بنته (فِي الممكنة) أَي فِي الْأَصْغَر مِنْهُ سنا (وَتَكْذيب الشَّرْع) لَهُ فِي هَذَا الْإِقْرَار لكَونه مُبْطلًا حق الْغَيْر (بدله) أَي قَائِم مقَام رُجُوعه لِأَن تَكْذِيب الشَّرْع لَا يكون أدنى من تَكْذِيب نَفسه (فَكَأَنَّهُ رَجَعَ وَالرُّجُوع عَن الْإِقْرَار بِالنّسَبِ صَحِيح) وَعند الرُّجُوع لَا يبْقى الْإِقْرَار فَلَا يثبت النّسَب مُطلقًا وَلَا فِي حق نَفسه (بِخِلَافِهِ) أَي الْإِقْرَار بِالنُّبُوَّةِ (فِي عَبده الْمُمكن) كَونه مِنْهُ من حَيْثُ السن الثَّابِت نسبه من الْغَيْر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِقْرَار على الْغَيْر لِأَنَّهُ صَار مجَازًا عَن الْحُرِّيَّة، وَالْعَبْد وَالْأَب لَا يتصوران بهَا، وَذَلِكَ بِنَاء على مَا هُوَ الأَصْل من أَن الْكَلَام إِذا كَانَ لَهُ حَقِيقَة وَلها حكم يُصَار إِلَى إِثْبَات حكم تِلْكَ الْحَقِيقَة مجَازًا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، وَحَيْثُ لزم أَن يكون المُرَاد بِهِ دلك لَا يَصح رُجُوعه عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لعدم صِحَة الرُّجُوع عَن الْإِقْرَار بِالْعِتْقِ وَلِأَن ثُبُوته) أَي التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْمجَازِي لهَذِهِ بِنْتي (إِمَّا حكما للنسب وَهُوَ) أَي النّسَب قد ثَبت (من الْغَيْر) فَيثبت للْغَيْر، لَا لَهُ (أَو بِالِاسْتِعْمَالِ) لهَذِهِ بِنْتي (فِيهِ) أَي فِي التَّحْرِيم (وَهُوَ) أَن التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ حكم النّسَب: أَعنِي الأبدي (منَاف لسبق الْملك) بِالنِّكَاحِ لانْتِفَاء صِحَة نِكَاح الْمُحرمَات (لَا أَنه) أَي التَّحْرِيم الْمَذْكُور (من حُقُوقه) أَي حُقُوق ملك النِّكَاح (وَالَّذِي من حُقُوقه) أَي التَّحْرِيم الَّذِي من حُقُوق ملك النِّكَاح وَهُوَ إنْشَاء التَّحْرِيم الْكَائِن بِالطَّلَاق (لَيْسَ اللَّازِم) للمعنى الْحَقِيقِيّ (ليتجوز بِهِ) أَي بِهَذِهِ بِنْتي (فِيهِ) أَي فِي التَّحْرِيم الْكَائِن بِالطَّلَاق.
مسئلة
(الْحَقِيقَة المستعملة أولى من الْمجَاز الْمُتَعَارف الأسبق) إِلَى الْفَهم (مِنْهَا) أَي من الْحَقِيقَة المستعملة (عِنْده) أَي أبي حنيفَة (وَعِنْدَهُمَا، وَالْجُمْهُور قلبه) أَي الْمجَاز الْمُتَعَارف الأسبق أولى من الْحَقِيقَة المستعملة (وَتَفْسِير التعارف بالتفاهم) كَمَا قَالَ مَشَايِخ الْعرَاق بِأَن يكون الْمَعْنى الْمجَازِي مَشْهُورا فِي إطلاقات اللَّفْظ، فالتعارف بِاعْتِبَار تفاهم النَّاس عِنْد الاستعمالات (أولى مِنْهُ) أَي من تَفْسِيره (بالتعامل) كَمَا قَالَ مَشَايِخ بَلخ: أَن يكون الْمُتَعَارف هُوَ الْعَمَل بِالْمَعْنَى الْمجَازِي لَا الْحَقِيقِيّ كَمَا سيشير إِلَيْهِ (لِأَنَّهُ) أَي التَّعَامُل (فِي غير مَحَله) أَي الْمجَاز، أَو مَحَله مواقع الِاسْتِعْمَال والتفاهم، ثمَّ بَين كَونه فِي غير مَحَله بقوله (لِأَنَّهُ) أَي التَّعَامُل هُوَ (كَون الْمَعْنى الْمجَازِي مُتَعَلق عَمَلهم) أَي أهل الْعَرَب، تَفْسِير باللازم: إِذْ حَقِيقَته مَا يَقع فِيمَا بَينهم من الْعَمَل الْمُتَعَلّق بِالْمَعْنَى الْمجَازِي (وَهَذَا) أَي عَمَلهم على هَذَا الْوَجْه (سَببه) أَي سَبَب التفاهم، لِأَن الأذهان عِنْد سَماع اللَّفْظ تنْتَقل إِلَى مَا هُوَ المتداول فِيمَا بَينهم من حَيْثُ الْعَمَل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ بِهِ) أَي بالتعامل (يصير)
стр. 443
الْمجَاز (أسبق) إِلَى الْفَهم. قَالَ الشَّارِح هَهُنَا فَمحل التَّعَامُل الْمَعْنى، وَمحل الِاسْتِعْمَال والحقيقة وَالْمجَاز اللَّفْظ انْتهى: فَعلم أَنه فهم أَن المُرَاد أَوْلَوِيَّة التَّفْسِير الأول على الثَّانِي بِاعْتِبَار أَن الأول يتَعَلَّق بِاللَّفْظِ، وَالثَّانِي بِالْمَعْنَى، وَلَا يخفى ضعفه (ثمَّ هَذَا) التَّقْرِير فِي وضع المسئلة بِنَاء (على تَسْمِيَة الْمَعْنى بهما) أَي بِالْحَقِيقَةِ وَالْمجَاز، وإطلاقهما عَلَيْهِ مُسَامَحَة لإِجْمَاع أهل اللُّغَة على أَنَّهُمَا من أَوْصَاف اللَّفْظ، وَهَذَا بِنَاء على الظَّاهِر: إِذْ يبعد أَن يُرَاد بِالْحَقِيقَةِ المستعملة اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي الْمَوْضُوع لَهُ، وَالْمجَاز الْمُتَعَارف اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي الْمجَازِي الْمُتَعَارف، وَيكون الْمَعْنى: حمل اللَّفْظ على الْحَقِيقِيّ الَّذِي قد يسْتَعْمل فِيهِ أولى من حمله على الْمجَازِي الْمُتَعَارف (والتحرير) أَي تَقْرِير الْمحل على وَجه التَّحْقِيق (أَنه) أَي الْمجَاز الْمُتَعَارف هُوَ (الْأَكْثَر اسْتِعْمَالا فِي الْمجَازِي مِنْهُ فِي الْحَقِيقِيّ) أَي اللَّفْظ الَّذِي اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى الْمجَازِي أَكثر من اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَمَا يُقَابله ظَاهر فمدار الْمجَاز الْمُتَعَارف على أكثرية اسْتِعْمَاله فِي الْمجَازِي، ومدار مُقَابِله على عدمهَا الْمُتَعَارف بالتفاهم والتعامل، وَبَيَان الْأَوْلَوِيَّة حِينَئِذٍ على الْوَجْه الَّذِي ذكر آنِفا لَا يتَّجه (وَمَا قيل) على مَا روى عَن مَشَايِخ مَا وَرَاء النَّهر من قَوْلهم (الثَّانِي) وَهُوَ التَّفْسِير بالتعامل (قَوْلهمَا وَالْأول) وَهُوَ التَّفْسِير بالتفاهم (قَوْله للحنث عِنْده بِأَكْل آدَمِيّ وخنزير) إِذا حلف لَا يَأْكُل لَحْمًا لِأَن التفاهم يَقع عَلَيْهِ: إِذْ الْمُتَبَادر مِنْهُ مَا يُطلق عَلَيْهِ اللَّحْم وَعدم الْحِنْث عِنْدهمَا: لِأَن التَّعَامُل لَا يَقع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَل عَادَة (غير لَازم: بل) الْحِنْث عِنْده فيهمَا (لاستعمال اللَّحْم فيهمَا) أَي فِي لحم الْآدَمِيّ وَالْخِنْزِير فَهُوَ يعْمل بِأَصْلِهِ، وَهُوَ الْحمل على الْحَقِيقَة عِنْد تَحْقِيق الِاسْتِعْمَال نعم لَو لم يسْتَعْمل فيهمَا وَكَانَ الْمصير إِلَى الْمجَاز لَكَانَ للتَّعْلِيل وَجه (فَيقدم) الِاعْتِبَار للْحَقِيقَة وَعدم الْحِنْث عِنْدهمَا كَمَا أَفَادَ بقوله (ولأسبقية مَا سواهُمَا) أَي مَا سوى لحم الْآدَمِيّ وَالْخِنْزِير إِلَى الأفهام عِنْد الْإِطْلَاق (عِنْدهمَا، وَيشكل عَلَيْهِ) أَي على أبي حنيفَة (مَا تقدم من التَّخْصِيص بِالْعَادَةِ بِلَا خلاف) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اقْتِصَار الْحِنْث على مَا اُعْتِيدَ أكله من اللحوم، فَإِذا كَانَ الْحَالِف مُسلما كَانَ فِي حَقه الْمُتَعَارف عدم أكلهما، ومبني الْأَيْمَان على الْعرف، فِي العتابي هُوَ الصَّحِيح، وَفِي الْكَافِي وَعَلِيهِ الْفَتْوَى (وَكَون هَذِه) المسئلة (فرع جِهَة الخلفية فرجح) أَبُو حنيفَة (التَّكَلُّم بهَا) أَي بِالْحَقِيقَةِ على التَّكَلُّم بالمجاز (ورجحا الحكم بأعميته) أَي بِسَبَب أعمية حكم الْمجَاز وشموله (لحكمهما) أَي لحكم الْحَقِيقَة وَغَيره فتكثر فَائِدَته، فَفِيهِ عمل بِالْحَقِيقَةِ من وَجه لدخولها فِيهِ وَلَا يخفى عَلَيْك أَن فرعية هَذِه المسئلة لمسئلة الخلفية لَا يُنَاسب القَوْل بترجيح أبي حنيفَة التَّكَلُّم وترجيحهما الحكم، لِأَن التَّرْجِيح إِنَّمَا يعْتَبر إِذا كَانَ كل من المتخاصمين يجوز كلا من الْأَمريْنِ: اعْتِبَار التَّكَلُّم، وَاعْتِبَار الحكم وفرعيتها لجِهَة
стр. 444
الخلفية ملزمة لاعْتِبَار التَّكَلُّم بِالنِّسْبَةِ إِلَى أبي حنيفَة وَاعْتِبَار الحكم بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا: إِذْ كل مِنْهُمَا برهن على مَا ذهب إِلَيْهِ فِي الأَصْل، وَالْفرع يتبع الأَصْل.
وَأَنت خَبِير بِأَن مُقْتَضى ذَلِك الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِذا أمكن إِرَادَته لَا يُصَار إِلَى الْمجَازِي بِلَا مُرَجّح وَهَهُنَا يُمكن: إِذْ الْمَفْرُوض أَن الْحَقِيقَة مستعملة وَلَا مُرَجّح: إِذْ الأعمية مُعَارضَة بأصالة الْحَقِيقَة فَكيف تكون هَذِه فرعا لتِلْك (لَا يتم) خبر الْمُبْتَدَأ: أعنى قَوْله كَون هَذِه (إِذْ الْغَرَض يتَعَلَّق بالخصوص كضده) أَي كَمَا يتَعَلَّق بِالْعُمُومِ (والمعين) لمتعلق الْغَرَض مِنْهُمَا (الدَّلِيل) مَعَ أَن حكم الْمجَاز الْمُتَعَارف قد لَا يعم حكم الْحَقِيقَة (فالمبنى) لهَذِهِ المسئلة (صلوح غَلَبَة الِاسْتِعْمَال) فِي الْمَعْنى الْمجَازِي لِأَن يكون (دَلِيلا) على رُجْحَان إِرَادَته على الْحَقِيقِيّ (فأثبتاه) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الصلوح الْمَذْكُور (ونفاه) أَي أَبُو حنيفَة إِيَّاه محتجا (بِأَن الْعلَّة لَا ترجح بِالزِّيَادَةِ من جِنْسهَا) يَعْنِي أَن أصل الِاسْتِعْمَال الْوَاقِع على قانون الْعَرَبيَّة غَلَبَة إِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي، وَغَلَبَة الِاسْتِعْمَال زِيَادَة من جنس الِاسْتِعْمَال، وَقد تقرر أَن إِحْدَى العلتين الكائنتين من جنس وَاحِد لَا ترجح على الْأُخْرَى بِالزِّيَادَةِ من ذَلِك الْجِنْس (فتكافآ) أَي فتساوي الْحَقِيقِيَّة وَالْمجَاز فِي الِاعْتِبَار (ثمَّ تترجح) الْحَقِيقَة عِنْده لرجحانها لذاتها عَلَيْهِ (لَا ذَلِك) أَي لَا أَن الرجحان بِسَبَب كَون حكم الْمجَاز أَعم كَمَا ذكر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمَبْنِيّ على مَا ذكرنَا، وَكَانَ سَبَب التَّرْجِيح الأعمية (اطرد) التَّرْجِيح بِالْعُمُومِ عِنْدهمَا (فرجحا) الْمجَاز (الْمسَاوِي) للْحَقِيقَة فِي التبادر إِلَى الْفَهم (إِذا عَم) حكم الْحَقِيقَة، وَقد يُقَال: يجوز أَن يكون مُرَاد من رجح بالأعمية أَن الْمُرَجح مَجْمُوع الْأَمريْنِ التبادر مَعَ الأعمية غير أَنه ترك ذكر التبادرلظهوره فَتَأمل (وَقَالا العقد) الْمَذْكُور فِي - ﴿عقدتم﴾ - (الْعَزْم لعمومه) أَي الْعَزْم (الْغمُوس) والمنعقدة. قَوْله: وَقَالا مَعْطُوف على قَوْله رجحا إِذْ هُوَ أَيْضا يتَفَرَّع على الاطراد الْمَذْكُور، وهما مَعَ أبي حنيفَة فِي الْحمل على المنعقدة، لَا الْعَزْم (ونظائره) مِمَّا يَقْتَضِيهِ الاطراد (كثير وَلَيْسَ) شَيْء مِنْهَا كَذَلِك (و) الْمجَاز (الْمسَاوِي) للْحَقِيقَة فِي التبادر (اتِّفَاق) أَي مَحل اتِّفَاق بَين الْأَئِمَّة فَإِنَّهُم أَجمعُوا على تَقْدِيم الْحَقِيقَة عَلَيْهِ (وفرعها) أَي هَذِه المسئلة حلف (لَا يشرب من الْفُرَات) بِالتَّاءِ الممدودة فِي الْخط فِي حالتي الْوَصْل، وَالْوَقْف: النَّهر الْمَعْرُوف بَين الشَّام والجزيرة، وَرُبمَا قيل بَين الشَّام وَالْعراق حلف (لَا يَأْكُل الْحِنْطَة) وَلَا نِيَّة لَهُ (انْصَرف) الْحلف (عِنْده إِلَى الكرع) فِي الشّرْب من الْفُرَات (وَإِلَى عينهَا) أَي إِلَى كل عين الْحِنْطَة (وَإِلَى مَا يتَّخذ مِنْهَا) أَي من الْحِنْطَة (ومائه) أَي الْفُرَات (عِنْدهمَا، و) يرد (على) مسئلة (الْحِنْطَة التَّخْصِيص بِالْعَادَةِ) بِلَا خلاف كَمَا مر آنِفا: فَإِن مُقْتَضَاهُ اقْتِصَار الْحِنْث على مَا يتَّخذ مِنْهَا
стр. 445
عَادَة، لِأَن الْعرف الْعَمَل مُخَصص (وَأجِيب بِأَنَّهَا). قَالَ الشَّارِح: أَي الْعَادة أَو المسئلة الخلافية (فِي) الْحِنْطَة (غير الْمعينَة) وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه على تَقْدِير إرجاع الضَّمِير إِلَى الخلافية كَمَا يشْعر بِهِ قَوْله (أما فِيهَا) أَي الْمعينَة (فَقَوله مثلهمَا) لَا يتم الْكَلَام: إِذْ الْجَواب عَن الْإِيرَاد لَا يحصل إِلَّا بِنَفْي الْعَادة الْمَحْضَة، بِأَن يُقَال: أَبُو حنيفَة إِنَّمَا خالفهما فِي غير الْمعِين، وَلَا عَادَة فِيهِ: بل فِي الْمعينَة، وَفِي الْمعينَة قَوْله كقولهما: وعَلى تَقْدِير إرجاعه إِلَى الْعَادة يرد أَن الْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ بِإِثْبَات الْعَادة فِي إِحْدَاهمَا دون الْأُخْرَى تحكم: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال مَقْصُود الْمُجيب تقليل الِاعْتِرَاض لَا دَفعه بِالْكُلِّيَّةِ، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الخلافية: وَفِيه مَا فِيهِ، هَذَا وَقيل الْخلاف فِي الْمعينَة، وَأما فِي غير الْمعينَة فَيَنْبَغِي أَن يكون جَوَابه كجوابهما: كَذَا ذكره شيخ الْإِسْلَام وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة (وَيُمكن ادعاؤه) أَي أبي حنيفَة (أَن الْعَادة فِيهَا) أَي فِي الْحِنْطَة (مُشْتَركَة) بَين تنَاول عينهَا وَمَا يتَّخذ مِنْهَا (وَإِن غلبت) الْعَادة (فِيمَا) يتَّخذ (مِنْهَا كالكرع) فَإِن الْعَادة فِي الشّرْب مُشْتَركَة بَينه وَبَين الشّرْب بِالْإِنَاءِ وَنَحْوه (وَتقدم بَقِيَّة الصوارف) عَن الْحَقِيقَة (فِي التَّخْصِيص) فِي مسئلة: الْعَادة للْعُرْف الْعَمَل مُخَصص فَليُرَاجع.
(تَتِمَّة)
(يَنْقَسِم كل من الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بِاعْتِبَار تبادر المُرَاد) عِنْد إِطْلَاقه (للغلبة اسْتِعْمَالا) فِي ذَلِك المُرَاد (وَعَدَمه) أَي وَبِاعْتِبَار عدم تبادره لعدم الْعلَّة الْمَذْكُورَة (إِلَى صَرِيح يثبت حكمه الشَّرْعِيّ بِلَا نِيَّة، وكناية) لَا يثبت حكمه إِلَّا بنية أَو مَا يقوم مقَامهَا (وَمِنْه) أَي من هَذَا الْقسم الَّذِي هُوَ الْكِنَايَة (أَقسَام الخفاء) أَي الْخَفي والمشكل والمجمل وَقد مر تَفْسِيرهَا (وَالْمجَاز غير المشتهر وَيدخل الصَّرِيح الْمُشْتَرك المشتهر فِي أَحدهمَا) أَي أحد معنييه (بِحَيْثُ تبادر) ذَلِك الْأَحَد عِنْد إِطْلَاقه (و) يدْخل الصَّرِيح (الْمجَاز كَذَلِك) أَي الْمجَاز المشتهر فِي الْمَعْنى الْمجَازِي بِحَيْثُ يتَبَادَر عِنْد إِطْلَاقه (مَعَ الهجر) أَي حَال كَون مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ مَهْجُورًا لَا يسْتَعْمل فِيهِ (اتِّفَاقًا) أَي اتِّفَاق الْأَئِمَّة (وَمَعَ اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة) هُوَ صَرِيح أَيْضا (عِنْدهمَا و) يدْخل الصَّرِيح (الظَّاهِر وَبَاقِي الْأَرْبَعَة) من أَقسَام الظُّهُور: وَهُوَ النَّص، والمفسر، والمحكم (إِن اشتهرت) فِي المُرَاد مِنْهُ بِحَيْثُ تبادر (فإخراج شَيْء مِنْهَا) أَي من الظَّاهِر وَبَاقِي الْأَرْبَعَة (مُطلقًا) من الصَّرِيح كَمَا فعله صَاحب الْكَشْف وَغَيره (لَا يتَّجه) أَي غير موجه، بل يخرج مِنْهَا مَا لَيْسَ بمشتهر (لَكِن مَا لَا يشْتَهر مِنْهَا لَا يكون كِنَايَة وَالْحَال) أَي وَحَال مَا لَا يشْتَهر مِنْهَا (تبادر) مَعْنَاهُ (الْمعِين) عِنْد إِطْلَاقه (وَإِن كَانَ) تبادره (لَا للغلبة) الاستعمالية (بل) تبادره (للْعلم بِالْوَضْعِ) أَي وضع اللَّفْظ لَهُ (وقرينة النَّص) من كَون الْكَلَام مسوقا لَهُ (وأخويه) أَي وقرينة
стр. 446
الْمُفَسّر من السُّوق لَهُ وَعدم احْتِمَاله التَّخْصِيص والتأويل، وقرينة الحكم مِنْهُ وَكَونه غير قَابل للنسخ (فَيلْزم تثليث الْقِسْمَة إِلَى مَا لَيْسَ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَة، لَكِن حكمه) أَي حكم هَذَا الْقسم (إِن اتَّحد بِالصَّرِيحِ أَو بِالْكِنَايَةِ فَلَا فَائِدَة) فِي التَّثْلِيث (فليترك مَا مَال إِلَيْهِ كثير من) ذكر (قيد الِاسْتِعْمَال ويقتصر) فِي تَعْرِيف الصَّرِيح (على مَا تبادر خُصُوص مُرَاده) سَوَاء كَانَ (لغَلَبَة أَو غَيرهَا) من سوق وتنصيص وَتَفْسِير وإحكام كَمَا مَال إِلَيْهِ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَالْقَاضِي أَبُو زيد (لَكِن أخرجُوا) من الصَّرِيح (الظَّاهِر على هَذَا) التَّعْرِيف لِأَن الظُّهُور فِيهِ لَيْسَ بتام لعدم السُّوق لَهُ (وَلَا فرق) بَين الظَّاهِر والصريح (إِلَّا بِعَدَمِ الْقَصْد الْأَصْلِيّ) فِي الظَّاهِر: إِذْ هُوَ غير الْمَقْصد الْأَصْلِيّ الَّذِي سيق الْكَلَام لَهُ بِخِلَافِهِ فِي النَّص: وَهُوَ غير مُؤثر فِي التبادر (ثمَّ من) صور (ثُبُوت حكمه) أَي الصَّرِيح (بِلَا نِيَّة جَرَيَانه) على لِسَانه كَأَنْت طَالِق وَأَنت حر (غَلطا فِي نَحْو سُبْحَانَ الله اسْقِنِي) بِأَن أَرَادَ أَن يَقُول هَذَا فَقَالَ ذَلِك فَيثبت الطَّلَاق وَالْعِتْق قَضَاء وديانة (أما قَصده) إِلَى الصَّرِيح (مَعَ صرفه) أَي الصَّرِيح الْإِضَافَة فيهمَا إِلَى الْمَفْعُول، وَفِي الأول احْتِرَاز عَن الْغَلَط، فَإِن الذِّهْن غافل عَن اللَّفْظ فِيهِ (بِالنِّيَّةِ إِلَى محتمله) أَي مُحْتَمل لفظ الصَّرِيح مِمَّا يسْتَعْمل فِيهِ فِي الْجُمْلَة (فَلهُ) أَي للناوي (ذَلِك) الْمعِين الَّذِي قَصده (ديانَة) أَي فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى (كقصد الطَّلَاق) أَي الْإِطْلَاق (من وثاق) فِي قَوْله أَنْت طَالِق (فَهِيَ زَوجته ديانَة) لاحْتِمَال اللَّفْظ لَهُ، لَا قَضَاء لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر وَفِيه تَخْفيف عَلَيْهِ (وَمُقْتَضى النّظر كَونه) أَي كَون ثُبُوت حكمه بِلَا نِيَّة (فِي الْكل) فِيمَا قصد اللَّفْظ وَلم يقْصد حكمه وَفِيمَا لم يقْصد اللَّفْظ وَلَا ثُبُوت الحكم وَفِيمَا قصد اللَّفْظ وَقصد بِهِ غير مَا هُوَ سَبَب لَهُ شرعا (قَضَاء فَقَط) لَا ديانَة، لِأَن القَاضِي يحكم بِالظَّاهِرِ، وَظَاهر الْحَال يدل على ثُبُوته الْمُتَبَادر من مُبَاشرَة الْعقل الْمُخْتَار السب الْمَوْضُوع شرعا لنَوْع من التَّصَرُّف عَالما بالسببية أَنه قصد السب وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ، فَلَا يصدق فِي عدم قصد شَيْء من السَّبَب أَو الْمُسَبّب وَقصد أَمر آخر غير السَّبَب لمَكَان التُّهْمَة، وَأما الْعَالم الْخَبِير بأسرار الْعباد فَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُم، فَلَا يؤاخذهم بِمَا لَا قصد لَهُم فِيهِ، ثمَّ اسْتدلَّ على مَا ادَّعَاهُ بقوله (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْأَمر كَذَلِك بِأَن يثبت الحكم فِي نفس الْأَمر: أَعنِي عِنْد الله سُبْحَانَهُ بِمُجَرَّد مُبَاشرَة السَّبَب قصد حكم أَولا (أشكل بِعْت واشتريت: إِذْ لَا يثبت حكمهمَا فِي الْوَاقِع مَعَ الْهزْل و) ثُبُوت الحكم (فِي نَحْو الطَّلَاق وَالنِّكَاح) بِمُجَرَّد الْمُبَاشرَة قصدا وَلَا على خلاف الْقيَاس (بِخُصُوصِهِ دَلِيل) وَهُوَ الحَدِيث الْآتِي (وَكَذَا فِي الْغَلَط) يثبت الحكم قَضَاء فَقَط ذكره ثَانِيًا مَعَ اندراجه فِي لفظ الْكل لمزيد الاهتمام: إِذْ ثُبُوت الحكم فِيهِ قَضَاء مَعَ أَنه مِمَّا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ مِمَّا يستبعده الْعقل (لما
стр. 447
ذكرته فِي فتح الْقَدِير) وَهُوَ قريب كَمَا ذكرنَا من قَوْله وَالْحَاصِل انه إِذا قصد السَّبَب عَالما بِأَنَّهُ سَبَب رتب الشَّرْع حكمه عَلَيْهِ، أَرَادَهُ أَو لم يردهُ إِلَّا أَن أَرَادَ مَا يحْتَملهُ، وَأما أَنه إِذا لم يَقْصِدهُ أَو لم يدر مَا هُوَ فَيثبت الحكم عَلَيْهِ شرعا: وَهُوَ غير رَاض بِحكم اللَّفْظ وَلَا بِاللَّفْظِ فِيمَا ينبو عَنهُ قَوَاعِد الشَّرْع، وَقد قَالَ تَعَالَى - ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ -، وَفسّر بأمرين: أَن يحلف على أَمر يَظُنّهُ كَمَا قَالَ مَعَ أَنه قَاصد للسب عَالم بِحكمِهِ فألغاه لغلطه فِي ظن الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَالْآخر أَن يجْرِي على لِسَانه بِلَا قصد إِلَى الْيَمين كلا وَالله، وبلى وَالله فَرفع حكمه الدنيوي من الْكَفَّارَة لعدم قَصده إِلَيْهِ: فَهَذَا تشريع لِعِبَادِهِ أَن لَا يرتبوا الْأَحْكَام على الْأَشْيَاء الَّتِي لم تقصد وَكَيف وَقد فرق بَينه وَبَين النَّائِم عِنْد الْعَلِيم الْخَبِير من حَيْثُ لَا قصد لَهُ إِلَى اللَّفْظ وَلَا حكمه، وَإِنَّمَا لم يصدقهُ غير الْعَلِيم: وَهُوَ القَاضِي (وَلَا يَنْفِيه) أَي هَذَا القَوْل (الحَدِيث الْحسن) الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل عِنْد أَهله من الصَّحَابَة ﵃ " وَغَيرهم (ثَلَاث جدهن إِلَى آخِره) أَي جد وهزلهن لَهُنَّ جد: النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة " لِأَن الهازل رَاض بِالسَّبَبِ لَا بالحكم، والغالط غير رَاض بهما فَلَا يلْزم من ثُبُوت الحكم من حق الأول ثُبُوته فِي حق الثَّانِي، ثمَّ لَا يخفى عَلَيْك أَن مُقْتَضى النّظر عدم ثُبُوت الحكم فِي الْكل ديانَة، وَمَا فِي فتح الْقَدِير من تَرْتِيب الشَّرْع الحكم إِذا قصد السَّبَب وَإِن لم يردهُ يدل على ثُبُوته ديانَة، فبينهما تدافع، وَمَا ذكر فِي تَفْسِير الْآيَة يُؤَيّد الأول، وَقد يُجَاب بِأَن مَا فِي فتح الْقَدِير مَبْنِيّ على كَلَام الْقَوْم، والمرضي عِنْده مَا يَقْتَضِيهِ النّظر (وَمَا قيل لفظ كنايات الطَّلَاق مجَاز) يَعْنِي: يُطلق لفظ الْكِنَايَة على تِلْكَ الْأَلْفَاظ مجَازًا: إِذْ هِيَ مستعملة فِي مَعَانِيهَا الْحَقِيقَة (لِأَنَّهَا) أَي كنايات الطَّلَاق (عوامل بحقائقها) للْقطع بِأَن معنى بَائِن الِانْفِصَال الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ ضد الِاتِّصَال، وَكَذَا الْبَتّ والبتل للْقطع إِلَى غير ذَلِك، والتردد إِنَّمَا هُوَ فِي متعلقهما: وَهُوَ الوصلة، وَهُوَ أَعم من وصلَة النِّكَاح وَالْخَيْر وَالشَّر، فَإِذا تعين عمل بحقيقته (غلط) لِأَنَّهُ يدل على أَن المجازية لَازِمَة للكناية، وَالْكِنَايَة لَا تكون حَقِيقَة وَلَيْسَ كَذَلِك (إِذْ لَا تنَافِي الْحَقِيقَة الْكِنَايَة) لِأَن الْكِنَايَة مَا استتر المُرَاد مِنْهَا، والاستتار قد يتَحَقَّق فِي الْحَقِيقَة كَمَا فِي الْمُشْتَرك وَغَيره (وَمَا قيل) فِي وَجه أَنه مجَاز (الْكِنَايَة الْحَقِيقَة) حَال كَونهَا (مستترة المُرَاد وَهَذِه) أَي كناياته (معلومته) أَي المُرَاد (والتردد فِيمَا يُرَاد بهَا) فيتردد مثلا فِي أَن المُرَاد بهي بَائِن (أبائن من الْخَيْر وَالنِّكَاح مُنْتَفٍ) خبر مَا قيل (بِأَن الْكِنَايَة) إِنَّمَا تتَحَقَّق (بالتردد فِي المُرَاد) من اللَّفْظ سَوَاء كَانَ ذَلِك المُرَاد معنى حَقِيقِيًّا لَهُ أَو مجازيا، وَسَوَاء كَانَ نفس الْمَعْنى الْمُسْتَعْمل فِيهِ أَو مُتَعَلّقه الَّذِي أضيف إِلَيْهِ (و) الْكِنَايَات (إِنَّمَا هِيَ مَعْلُومَة) الْمَعْنى (الوضعي) لَهَا (كالمشترك) فَإِن مَا وضع لَهُ مَعْلُوم غير أَنه مُتَعَدد، نَشأ التَّرَدُّد من قبل تعدده، وَاحْتِمَال إِرَادَة
стр. 448
هَذَا الْمَوْضُوع لَهُ أَو ذَلِك فمعلوميته وضعية مَا نفى التَّرَدُّد فِي المُرَاد مِنْهُ (وَالْخَاص) بالنوع الْمُسْتَعْمل (فِي فَرد معِين) فِي الْوَاقِع غير مَعْلُوم عِنْد السَّامع فَمَا وضع لَهُ وَهُوَ الْمَفْهُوم الَّذِي هُوَ وضعيه مَعْلُوم غير أَنه أُرِيد من حَيْثُ تحَققه فِي ضمن فَرد معِين: وَهُوَ غير مَعْلُوم (وَإِنَّمَا المُرَاد) بِكَوْنِهَا مجَازًا (مجازية إضافتها إِلَى الطَّلَاق فَإِن الْمَفْهُوم) من كنايات الطَّلَاق (أَنَّهَا كِنَايَة عَنهُ) أَي عَن مُجَرّد الطَّلَاق (وَلَيْسَ) كَذَلِك (وَإِلَّا) لَو كَانَت عَنهُ (وَقع الطَّلَاق) بهَا (رَجْعِيًا) مُطلقًا لِأَن الرّجْعَة لَازِمَة للطَّلَاق مَا لم يكن على مَال، وثالثا فِي حق الْحرَّة أَو ثَانِيًا فِي حق الْأمة وَلَيْسَت مُطلقًا كَذَلِك بل بَعْضهَا، وَقد يناقش فِيهِ بِأَنا لَا نسلم أَن الرّجْعَة لَازِمَة للطَّلَاق مُطلقًا بل لصريحه غير أَن إِطْلَاق قَوْله تَعَالَى - ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ - يُؤَيّد مَا ذكره المُصَنّف.
مسَائِل الْحُرُوف
(قيل) وقائله صدر الشَّرِيعَة وَغَيره (جرى فِيهَا) أَي الْحُرُوف (الِاسْتِعَارَة تبعا كالمشتق) أَي كَمَا جرى الِاسْتِعَارَة فِي المشتقات تبعا حَال كَون الْمُشْتَقّ (فعلا ووصفا بتبعية اعْتِبَار التَّشْبِيه فِي الْمصدر لاعْتِبَار التَّشْبِيه) تَعْلِيل لجَرَيَان الِاسْتِعَارَة فِي الْحُرُوف تبعا ٠ أَولا فِي مُتَعَلق مَعْنَاهُ) أَي الْحَرْف (الجزئي) صفة كاشفة لمعناه: إِذْ كل حرف مَوْضُوع بِإِزَاءِ نِسْبَة جزئية غير ملحوظة قصدا بل آلَة الملاحظة غَيره (وَهُوَ) أَي مُتَعَلق مَعْنَاهُ (كليه) أَي الْمَفْهُوم الْكُلِّي الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الجزئي فِي جزئي من جزئياته، مثلا كلمة من مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ الِابْتِدَاء الْخَاص من حَيْثُ أَنه آله لملاحظة السّير مثلا، وَهُوَ جزئي للابتداء الْمُطلق الْمَوْضُوع لَهُ لفظ الِابْتِدَاء من حَيْثُ أَنه مُسْتَقل بالمفهومية غير مَقْصُود بالتبع كَمَا فِي الْمَعْنى الْحرفِي (على مَا تحقق) فِي مَوْضِعه (فيستعمل) لفظ الْحَرْف (فِي جزئي الْمُشبه) إِذْ قد عرفت أَن التَّشْبِيه وَقع ابْتِدَاء فِي الْكل: فالمشبه والمشبه بِهِ كليان لَا محَالة، والجزئي الْمُسْتَعْمل فِيهِ الْحَرْف من جزئيات الْمُشبه كَمَا شبه ترَتّب الْعَدَاوَة والبغضاء على الِالْتِقَاط بترتب الْعلَّة الغائية على الْمَعْلُول، فَاسْتعْمل اللَّام الْمَوْضُوعَة بخصوصيات الترتب الْعلي فِي جزئيات ترَتّب الْعَدَاوَة على الِالْتِقَاط، وَهُوَ خصوصيتها ترَتّب عَدَاوَة مُوسَى ﵇ على خُصُوص الْتِقَاط آل فِرْعَوْن (وَهَذَا) الْكَلَام (لَا يُفِيد وُقُوع) الْمجَاز (الْمُرْسل فِيهَا) أَي فِي الْحُرُوف (ثمَّ لَا يُوجب) هَذَا الْكَلَام (الْبَحْث عَن خصوصيتها) أَي الْحُرُوف (فِي الْأُصُول لَكِن الْعَادة) جرت بالبحث عَن بعض أحوالها (تتميما للفائدة) للاحتياج إِلَيْهَا فِي بعض الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة، وَذكرت عقيب مبَاحث الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لانقسامها إِلَيْهِمَا (وَهِي) أَي الْحُرُوف (أَقسَام) مِنْهَا:
стр. 449
حُرُوف الْعَطف
(الْوَاو للْجمع فَقَط) أَي بِلَا شَرط تَرْتِيب وَلَا معية (فَفِي الْمُفْرد) أَي فالعطف بهَا فِي الْمُفْرد اسْما كَانَ أَو فعلا حَال كَونه (مَعْمُولا) لعامل (فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من الفاعلية والمفعولية والحالية) إِلَى غير ذَلِك من أَحْكَام المعمولات (وعاملا) فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (فِي مسنديته كضرب وَأكْرم وَفِي جمل لَهَا مَحل) من الْإِعْرَاب (كَالْأولِ) أَي كالعطف بهَا فِي الْمُفْرد (وَفِي مقابلها) أَي فِي الْجمل الَّتِي لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب (لجمع مضمونها) أَي تِلْكَ الْجمل (فِي التحقق) أَي يُفِيد الْعَطف فِي الْجمل مُشَاركَة تِلْكَ الْجمل فِي أصل تحقق الْمَضْمُون من غير تعرض للاقتران بِحَسب الزَّمَان أَو التعقيب بمهلة وَغير مهلة كَمَا فِي الْمُفْرد (و) مسئلة (هَل يجمع) الْعَطف الْمَذْكُور الْجمل (فِي متعلقاتها) بِأَن يُشَارك المعطوفة الْمَعْطُوف عَلَيْهَا فِيمَا يتَعَلَّق بهَا (يَأْتِي) فِي المسئلة الَّتِي بعد هَذِه (وَقيل) الْوَاو (للتَّرْتِيب، وَنسب لأبي حنيفَة) وَالشَّافِعِيّ أَيْضا (كَمَا نسب إِلَيْهِمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَمَالك أَيْضا (الْمَعِيَّة) أَي كَونهَا للمعية، وَإِنَّمَا نسب إِلَيْهِ (لقَوْله فِي: إِن دخلت) الدَّار (فطالق وَطَالِق وَطَالِق لغير المدخولة تبين بِوَاحِدَة) مقول قَوْله (وَعِنْدَهُمَا) تبين (بِثَلَاث) فلولا أَنه جعلهَا للتَّرْتِيب لما أَبَانهَا بِالْأولَى: بل الثَّلَاث لوقوعها مَعًا عِنْد عدم التَّرْتِيب، وَفِيه أَن عدم كَونهَا للتَّرْتِيب لَا يسْتَلْزم كَونهَا للمعية لجَوَاز أَن تكن لمُطلق الْجمع، فَلَا يلْزم وُقُوعهَا مَعًا إِذا سبق تحقق الأولى عِنْد وجود الشَّرْط على طبق سبقها عِنْد التَّعْلِيق يسْتَلْزم تحقق حكمهَا، وبمجرد التَّحْقِيق تبين أَن لَا عدَّة لغير المدخولة، وَأما دلَالَة حكمهَا بالبينونة بِالثلَاثِ على كَونهَا للمعية فلأنهما لَو لم يجعلاها للمعية لما حكما بِالثلَاثِ لما ذكر وَفِيه أَيْضا نظر لما سَيظْهر وَجهه من قَوْله (وَلَيْسَ) كلا الْقَوْلَيْنِ بِنَاء على ذَلِك (بل لِأَن مُوجبه) أَي الْعَطف (عِنْده) أَي أبي حنيفَة (تعلق الْمُتَأَخر) أَي الْمَعْطُوف بِمَا تعلق بِهِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (بِوَاسِطَة الْمُتَقَدّم) أَي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (فينزلن) أَي الطلقات الثَّلَاث (كَذَلِك) أَي على طبق تَرْتِيب التَّعَلُّق مُرَتبا (فَيَسْبق) الطَّلَاق (الأول) بِمَا ذكر (فَيبْطل محليتها) أَي غير المدخولة فَلَا يكون مَا بعده محلا يتَعَلَّق بِهِ (وَقَالا بعد مَا اشتركت) المعطوفات (فِي التَّعْلِيق وَإِن) كَانَ اشتراكها (بِوَاسِطَة) أَي بِوَاسِطَة الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (تنزل) كلهَا (دفْعَة لِأَن نزُول كل) مِنْهَا (حكم الشَّرْط) وَحكم الشَّرْط لَازمه فَلَا يتَأَخَّر عَن ملزومه فِي التحقق شرعا، وَإِن تَأَخّر ذكرا، واذا كَانَ كل مِنْهُمَا حكماله، وَقد تقرر أَن حكم الشَّيْء لَا ينْفَصل عَنهُ (فتقترن أَحْكَامه) بِالضَّرُورَةِ (كَمَا فِي تعدد الشَّرْط) نَحْو إِن دخلت فَأَنت طَالِق، وَإِن دخلت فَأَنت طَالِق: فَإِن تعلق الطَّلَاق الثَّانِي بِالشّرطِ بعد تعلق
стр. 450
الأول بِهِ، ثمَّ إِذا وجد الشَّرْط بِأَن دخلت مرّة يَقع ثِنْتَانِ مَعًا (وَدفع هَذَا) الْقيَاس (بِالْفرقِ) بَين الملحق والملحق بِهِ (بِانْتِفَاء الْوَاسِطَة) فِيمَا بَين الطَّلَاق وَالدُّخُول فِي تعدد الشَّرْط. إِذْ لَيْسَ تعلق الطَّلَاق بِالشّرطِ فِي الثَّانِي بِوَاسِطَة تعلقه بِهِ فِي الشَّرْط الأول وَإِن كَانَ بعده فِي الذّكر بِخِلَاف الطَّلَاق الثَّانِي فِي: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَطَالِق فَإِنَّهُ لم يتَعَلَّق بِالشّرطِ إِلَّا بِوَاسِطَة الأول، وَعطفه عَلَيْهِ (لَا يضر) فِي الْمَطْلُوب خبر الْمُبْتَدَأ (إِذْ يَكْفِي) لَهما فِي إِثْبَات النُّزُول دفْعَة (مَا سواهُ) أَي هَذَا الْقيَاس من نزُول كل مِنْهُمَا حكما للشّرط وَلُزُوم اقتران أَحْكَامه (وَفِيه) أَي فِي الْجَواب لَهما عَن دَلِيله (ترديد آخر) فِي الْوَاسِطَة (ذَكرْنَاهُ فِي الْفِقْه). قَالَ فِي شرح الْهِدَايَة وقولهما أرجح قَوْله تعلق بِوَاسِطَة تعلق الأول، إِن أُرِيد أَنه عِلّة تعلقه فَمَمْنُوع: بل علته جمع الْوَاو ياه إِلَى الشَّرْط، وَإِن أُرِيد كَونه سَابق التَّعَلُّق سلمناه، وَلَا يُفِيد كالأيمان المتعاقبة، وَلَو سلم أَن تعلق الأول عِلّة لتَعلق الثَّانِي لم يلْزم كَون نُزُوله عِلّة لنزوله: إِذْ لَا تلازم فَجَاز كَونه عِلّة لتَعَلُّقه فَيقدم فِي التَّعَلُّق وَلَيْسَ نُزُوله عِلّة لنزوله (لنا) فِي أَن الْوَاو للْجمع فَقَط (النَّقْل عَن أَئِمَّة اللُّغَة، وتكرر من سِيبَوَيْهٍ كثيرا) ذكره فِي سَبْعَة عشر موضعا من كِتَابه (وَنقل إِجْمَاع أهل البلدين عَلَيْهِ) الْبَصْرَة والكوفة، كَذَا نَقله الصَّيْرَفِي والسهيلي والفارسي إِلَّا أَنهم نوقشوا فِيهِ بِأَن جمَاعَة مِنْهُم ثَعْلَب وَغُلَامه وقطرب وَهِشَام على أَنَّهَا للتَّرْتِيب: كَذَا ذكره الشَّارِح (وَأما الِاسْتِدْلَال) للمختار (بِلُزُوم التَّنَاقُض) على تَقْدِير التَّرْتِيب (فِي تقدم السُّجُود على قَول حطة) كَمَا فِي سُورَة الْبَقَرَة (وَقَلبه) أَي تقدم حطة على السُّجُود كَمَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف (مَعَ الِاتِّحَاد) أَي اتِّحَاد الْقِصَّة لِأَن وجوب دُخُول الْبَاب سجدا مقدما على القَوْل ومؤخرا عَنهُ فِي حَادِثَة وَاحِدَة يسْتَلْزم التَّنَاقُض (وَامْتِنَاع تقَاتل زيد وَعَمْرو) أَي وَيلْزم امْتِنَاعه إِذْ لَا يتَصَوَّر فِي فعل يَقْتَضِي مَفْهُومه معية مَا بعده من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ والمعطوف التَّرْتِيب (و) يلْزم امْتنَاع (جَاءَ زيد وَعَمْرو قبله) للتناقض فَإِن الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب المستلزم لبعدية عَمْرو، وَلَفْظَة قبله عَكسه (و) بِلُزُوم (التّكْرَار) فِي (بعده) فِي جَاءَنِي زيد وَعَمْرو بعده (فمدفوع بِجَوَاز التَّجَوُّز بهَا) أَي بِالْوَاو باستعمالها (فِي الْجمع) الْمُطلق (فَصحت) للْجمع (فِي الخصوصيات) أَي فِي هَذِه الصُّور الْمَخْصُوصَة (و) الِاسْتِدْلَال للمختار (بِلُزُوم صِحَة دُخُولهَا فِي الْجَزَاء) بِأَنَّهَا لَو كَانَت للتَّرْتِيب لزم صِحَة دُخُولهَا على جَزَاء الشَّرْط الرابطة بِهِ على سَبِيل التَّرْتِيب عَلَيْهِ (كالفاء) وَلَا شكّ فِي عدم صِحَة أَن جَاءَ زيد وأكرمه وَصِحَّة فَأكْرمه فَهُوَ مَدْفُوع (بِمَنْع الْمُلَازمَة كثم) أَي لَا نسلم أَنَّهَا لَو كَانَت للتَّرْتِيب لصَحَّ دُخُولهَا على الْجَزَاء فَإِنَّهُ منقوض بثم فَإِنَّهَا للتَّرْتِيب اتِّفَاقًا، وَلَا يجوز دُخُولهَا على الْجَزَاء اتِّفَاقًا،
стр. 451
وَقد يُقَال ثمَّ لَا تصلح سندا للْمَنْع لِأَنَّهَا تدل على التَّرْتِيب مَعَ المهلة، وَالْجَزَاء مُرَتّب على الشَّرْط بِلَا مهلة (و) الِاسْتِدْلَال للمختار (بِحسن الاستفسار) أَي بِأَنَّهَا لَو كَانَت للتَّرْتِيب لما حسن من السَّامع أَن يستفسر الْمُتَكَلّم (عَن الْمُتَقَدّم) والمتأخر فِي نَحْو: جَاءَ زيد وَعَمْرو لِكَوْنِهِمَا مفهومين من الْوَاو فَهُوَ مَدْفُوع (بِأَنَّهُ) أَي حسن الاستفسار (لدفع وهم التَّجَوُّز بهَا) لمُطلق الْجمع، (و) الِاسْتِدْلَال للمختار (بِأَنَّهُ) أَي مُطلق الْجمع معنى (مَقْصُود) للمتكلم (فاستدعى) لفظا (مُفِيدا) لَهُ كَيْلا يقصر الْأَلْفَاظ عَن الْمعَانِي (وَلم يسْتَعْمل فِيهِ) أَي فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور (إِلَّا الْوَاو) فَتعين وَضعه لَهُ فَلَا يكون للتَّرْتِيب، وَإِلَّا يلْزم الِاشْتِرَاك، وَهُوَ خلاف الأَصْل، فَهُوَ مَدْفُوع (بِأَن الْمجَاز كَاف فِي ذَلِك) أَي فِي إفادته فَيَكْفِي أَن يكون الْوَاو مجَازًا فِي الْجمع الْمُطلق، وَلَا يلْزم أَن يكون مَوْضُوعا لَهُ وَلَا يخفى أَن الأولى أَن يكون لَهُ لفظ مَوْضُوع (والنقض بالترتيب للبينونة بِوَاحِدَة فِي قَوْله لغير المدخولة طَالِق وَطَالِق وط طَالِق) أَي نقض دَلِيل كَونهَا لمُطلق الْجمع بِمَا اسْتدلَّ بِهِ على كَونهَا للتَّرْتِيب بِأَن يُقَال: إِنَّهَا لَو كَانَت لمُطلق الْجمع لما بَانَتْ بِوَاحِدَة، بل بِالثلَاثِ فِيمَا إِذا قَالَ لغير المدخولة: أَنْت طَالِق إِلَى آخِره (كَمَا) تبين بِوَاحِدَة فِيمَا إِذا أَتَى (بِالْفَاءِ وَثمّ) مَكَان الْوَاو فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (مَدْفُوع بِأَنَّهُ) أَي وُقُوع الْوَاحِدَة لَا غير لَيْسَ لكَونهَا للتَّرْتِيب بل (لفَوَات الْمَحَلِّيَّة) بِوُقُوع الأولى (قبل الثَّانِيَة: إِذْ لَا توقف) للأولى على ذكر الثَّانِيَة لعدم مُوجب التَّوَقُّف، إِذْ أَنْت طَالِق تَنْجِيز لَيْسَ فِي آخِره مَا يُغَيِّرهُ من شَرط أَو غَيره فَينزل بهَا الأولى فِي الْمحل قبل التَّلَفُّظ بِالثَّانِيَةِ وَلَا تبقى الْمَحَلِّيَّة للْبَاقِي لعدم الْعدة (بِخِلَاف مَا لَو تعلّقت بمتأخر) أَي بِشَرْط مُتَأَخّر كَأَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق إِن دخلت فَإِنَّهُ يَقع الثَّلَاث حِينَئِذٍ اتِّفَاقًا لتوقف الْكل على آخر الْكَلَام فتعلقت دفْعَة وَنزلت دفْعَة (وَمَا عَن مُحَمَّد) فِي صُورَة التَّنْجِيز من قَوْله (إِنَّمَا يَقع) الطَّلَاق (عِنْد الْفَرَاغ من الْأَخير مَحْمُول على الْعلم بِهِ) أَي بِوُقُوع الطَّلَاق، لَا على نَفسه، وَإِنَّمَا تَأَخّر الْعلم إِلَى ذَلِك (لتجويز إِلْحَاق المغير) من شَرط أَو نَحوه بِهِ (والا) أى وان لم يحمل عَلَيْهِ، وَحمل على عدم وُقُوع الطَّلَاق الى أَن يفرغ من الْأَخير (لم تفت الْمَحَلِّيَّة) بِالْأولِ (فَيَقَع الْكل) لوُجُود الْمَحَلِّيَّة حَال التَّكَلُّم بِالْبَاقِي (وَلِأَنَّهُ) أَي تَأْخِير حكم الأول إِلَى الْفَرَاغ من الْأَخير (قَول بِلَا دَلِيل و) النَّقْض لكَونهَا لمُطلق الْجمع بِأَنَّهَا تفِيد التَّرْتِيب (بِبُطْلَان نِكَاح الثَّانِيَة) أَي بِدَلِيل بطلَان نِكَاح الْأمة الثَّانِيَة (فِي قَوْله) أَي الْمولى لأمته (هَذِه حرَّة وَهَذِه) حرَّة (عِنْد بُلُوغه تَزْوِيج فُضُولِيّ أمتيه من وَاحِد) كَمَا لَو أعتقهما بكلامين منفصلين: إِذْ لَو لم تفد التَّرْتِيب لما بَطل نِكَاح وَاحِدَة مِنْهُمَا كَمَا لَو أعتقهما مَعًا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يبطل شَيْء من الْعقْدَيْنِ الموقوفين أَيْضا مَدْفُوع بِأَنَّهُ لَيْسَ بطلَان الثَّانِيَة بِكَوْنِهَا للتَّرْتِيب بل
стр. 452
(بتعذر توقفه) أَي نِكَاح الثَّانِيَة (إِذْ لَا يقبل) نِكَاح الثَّانِيَة (الْإِجَازَة لِامْتِنَاع) نِكَاح الْأمة على الْحرَّة) وَهَذَا بِنَاء على أَن إِعْتَاق الْمولى عِنْد بُلُوغ تَزْوِيج الْفُضُولِيّ إجَازَة بهَا يَصح نِكَاح الْأمة إِذْ لَو لم يتم بهَا نِكَاح الأولى وتنتقل الْإِجَازَة من الْمولى إِلَيْهَا وَإِلَى وَليهَا لما بَطل نِكَاح الثَّانِيَة لجَوَاز أَن لَا تتَحَقَّق الْإِجَازَة فِي الأولى فَلَا يلْزم نِكَاح الْأمة على الْحرَّة إِن قُلْنَا بِقبُول نِكَاح الثَّانِيَة الْإِجَازَة، وَمَا ذكره الشَّارِح فِي تَعْلِيل عدم قبُوله الْإِجَازَة من أَن النِّكَاح الْمَوْقُوف مُعْتَبر بابتداء النِّكَاح وَلَيْسَت الْأمة متضمنة إِلَى الْحرَّة بِمحل الابتدائية: فَكَذَا لتوقفه فَغير موجه إِذْ لَو سلم عدم جَوَاز تَزْوِيج الْأمة مَعَ الْحرَّة كَانَ ذَلِك إِلْحَاقًا لصورة الْمعينَة بِصُورَة تَزْوِيج الْأمة بعد الْحرَّة فَصَارَ كَأَنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ حرَّة فَتزَوج بِأمة وَأما إِذْ ضم فُضُولِيّ أمة مَعَ حرَّة لوَاحِد قبل أَن يتم نِكَاح الْحرَّة لَا وَجه لبُطْلَان نِكَاح الْأمة لجَوَاز أَن لَا يتم نِكَاح الْحرَّة أَو يتم نِكَاح الْأمة قبل تَمام نِكَاح الْحرَّة (و) النَّقْض لكَونهَا لمُطلق الْجمع (بالمعية) أَي بِكَوْنِهَا لَو كَانَت لَهُ لما أفادت الْمَعِيَّة، وَقد أفادت (لبُطْلَان إنكاحه) أى الفضولى (أُخْتَيْنِ فِي عقدين من وَاحِد فَقَالَ) الزَّوْج (أجزت فُلَانَة وفلانة) أَي نِكَاح فُلَانَة وَنِكَاح فُلَانَة كَمَا لَو قَالَ أجزت نِكَاحهمَا، وَقيد بعقدين لِأَن تزويجهما فِي عقد وَاحِد لَا ينفذ بِحَال (ولعتق ثلث كل من الْأَعْبد الثَّلَاثَة إِذا قَالَ: من مَاتَ أَبوهُ عَنْهُم) أَي الْأَعْبد الثَّلَاثَة (فَقَط) أَي لم يتْرك غَيرهم شَيْئا وهم متساوون فِي الْقيمَة وَلَا وَارِث غَيره، ومقول قَوْله (أعتق) أبي (فِي مَرضه هَذَا وَهَذَا وَهَذَا مُتَّصِلا) بعضه بِبَعْض بِالْوَاو فَلَو لم يكن للمعية والمقارنة لعتق كل الأول وَنصف الثَّانِي وَثلث الثَّالِث كَمَا لَو أقرّ بِهِ مُتَفَرقًا بِأَن قَالَ: أعتق هَذَا وَسكت، ثمَّ قَالَ لآخر: أعتق هَذَا وَسكت، ثمَّ قَالَ: أعتق هَذَا لِأَنَّهُ لما أقرّ بِإِعْتَاق الأول وَهُوَ ثلث المَال عتق من غير سِعَايَة لعدم المزاحم، ثمَّ لما أقرّ بِإِعْتَاق الثَّانِي فقد زعم أَنه بَين الأول وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ فَيصدق فِي حق الثَّانِي لَا فِي حق الأول، لِأَن الْمعِين تعين بِشَرْط الْوَصْل وَلم يُوجد، ثمَّ لما أقرّ للثَّالِث فقد زعم أَنه بَينهم أَثلَاثًا فَيصدق فِي حق الثَّالِث لَا الْأَوَّلين لما ذكرنَا أَيْضا مَدْفُوع (بِأَنَّهُ) أَي كلا من بطلَان نِكَاح الثَّانِيَة وَعتق ثلث كل من إِلَّا عبد (للتوقف) لصدر الْكَلَام على آخِره (لمغيره) أَي الصَّدْر (من صِحَة إِلَى فَسَاد) يَعْنِي إِذا كَانَ فِي آخر الْكَلَام مَا يُغير حكم الأول بِسَبَب اجتماعه مَعَه بعطف أَو بِغَيْرِهِ يتَأَخَّر حكم الصَّدْر إِلَى أَن يتم، ثمَّ أَشَارَ إِلَى تعْيين منشأ التَّغْيِير بقوله (بِالضَّمِّ) أَي بِضَم إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى فِي الْإِجَازَة (فِي الأول) أَي فِي نِكَاح الْأُخْتَيْنِ (وَمن كَمَال الْعتْق إِلَى تجز) لِلْعِتْقِ (عِنْده) أَي أبي حنيفَة: إِذا الْعتْق يتَجَزَّأ عِنْده خلافًا لَهما (وَمن بَرَاءَة) لذمته (إِلَى شغل) لَهَا (عِنْد الْكل) أبي حنيفَة وصاحبيه فَإِنَّهُم
стр. 453
متفقون على أَنه يجب عَلَيْهِ أَن يسْعَى فِي ثُلثي قِيمَته غير أَنه رَقِيق فِي الْأَحْكَام عِنْده كَالْمكَاتبِ إِلَّا أَنه لَا يرد إِلَى الرّقّ بِالْعَجزِ، وَعِنْدَهُمَا كَالْحرِّ الْمَدْيُون (بِخِلَاف النقضين الْأَوَّلين) أَي النَّقْض بالبينونة بِوَاحِدَة فِي تَنْجِيز الطَّلَاق بطالق وَطَالِق وَطَالِق، والنقض بِبُطْلَان نِكَاح الْأمة الثَّانِيَة فِي هَذِه حرَّة وَهَذِه (لِأَن الضَّم) لما بعد الْوَاو إِلَى مَا قبله فيهمَا (لَا يُغير مَا قبله) يَعْنِي الطَّلَاق وَالْعتاق (من الْوُقُوع) التنجيزي إِلَى عَدمه فَلَا يتَوَقَّف شَيْء مِنْهُمَا على مَا بعده (وَلقَائِل أَن يَقُول: الضَّم الْمُفْسد لَهما) أَي لنكاح الْأُخْتَيْنِ هُوَ الضَّم (الدفعي كتزوجتهما وأجزتهما) أَي نِكَاحي الْأُخْتَيْنِ لِأَنَّهُ جمع بَينهمَا (لَا) الضَّم (الْمُرَتّب لفظا لِأَنَّهُ) أَي إفسادهما فِيهِ (فرع التَّوَقُّف) أَي توقف الأول على الآخر فِي إفادته الحكم (وَلَا مُوجب لَهُ) أَي لتوقفه عَلَيْهِ (فَيصح لأولى) أَي نِكَاحهَا (دون الثَّانِيَة كَمَا لَو كَانَ) الضَّم (بمفصول) أَي بِكَلَام مُتَأَخّر عَن الأول بِزَمَان اسْتدلَّ (المرتبون) بقوله تَعَالَى - ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا﴾ فَإِنَّهُ فهم مِنْهُ تَأَخّر السُّجُود فلولا أَن الْوَاو للتَّرْتِيب لم يتَعَيَّن فَكَانَت حَقِيقَة فِيهِ لِأَن الأَصْل عدم الْمجَاز (وسؤالهم) أَي الصَّحَابَة ﵃ (لما نزل: ﴿إِن الصَّفَا والمروة﴾، بِمَ نبدأ)؟ عطف بَيَان لسؤالهم، وَلَوْلَا أَنَّهَا للتَّرْتِيب لما سَأَلُوهُ، وَلما قَالَ " ابدءوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ ". وَلما وَجب الِابْتِدَاء بِهِ، إِذْ لَا مُوجب لَهُ غَيره (وإنكارهم) أَي الصَّحَابَة (على ابْن عَبَّاس تَقْدِيم الْعمرَة) على الْحَج (مَعَ وَأَتمُّوا الْحَج) وَالْعمْرَة لله﴾، فلولا أَنهم فَهموا التَّرْتِيب لم ينكروا عَلَيْهِ، وهم أهل اللِّسَان (وَبِقَوْلِهِ ﷺ بئس الْخَطِيب أَنْت لقَائِل: وَمن يعصهما) أَي الله وَرَسُوله فقد غوى (هلا قلت وَمن يعْص الله وَرَسُوله) فَلَو لم يكن للتَّرْتِيب لما فرق بَين العبارتين بالإنكار: إِذْ لَا فرق بَينهمَا إِلَّا بِالْوَاو الدَّالَّة على التَّرْتِيب كَمَا أَفَادَ بقوله (وَلَا فرق إِلَّا بالترتيب وَبِأَن الظَّاهِر أَن التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ للتَّرْتِيب الوجودي وَالْجَوَاب عَن الأول) أَي ارْكَعُوا واسجدوا (بِأَنَّهُ) أَي التَّرْتِيب بَينهمَا (من) قَوْله ﷺ : صلوا (كَمَا رَأَيْتُمُونِي) أُصَلِّي، رَوَاهُ البُخَارِيّ، فَإِن ظَاهره وجوب جَمِيع خصوصيات صلَاته، غير أَنه خص مِنْهُ مَا دلّ على عدم وُجُوبه دَلِيل (وَعَن الثَّانِي) أَي عَن سُؤَالهمْ: بِمَ يبدءون؟ (بِالْقَلْبِ) أَي دليلكم يقلب عَلَيْكُم فيستدل بِهِ على نقيض مدعاكم: وَهُوَ أَن يُقَال (لَو) كَانَ (للتَّرْتِيب لما سَأَلُوا) ذَلِك لفهمهم إِيَّاه مِنْهُ إِذْ هم أهل اللِّسَان (فَالظَّاهِر أَنَّهَا للْجمع، وَالسُّؤَال لتجويز إِرَادَة الْبدَاءَة بِمعين) مِنْهُمَا وَعدم التَّخْيِير بَين أَن يبْدَأ من الصفاة والمروة (وَالتَّحْقِيق سُقُوطه) أَي الِاسْتِدْلَال بهَا لشَيْء من الْجَانِبَيْنِ (لِأَن الْعَطف فِيهَا) أَي فِي الْآيَة (إِنَّمَا يضم) أَي الْمَعْطُوف إِلَى الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (فِي الشعائر) فِي كَونهمَا شَعَائِر الله (وَلَا تَرْتِيب فِيهَا) أَي فِي الشعائر، وَلَو فرض كَون الْوَاو للتَّرْتِيب فَإِنَّهُ يجب فِي خُصُوص الْمقَام الْعُدُول عَن
стр. 454
التَّرْتِيب وَإِرَادَة مُطلق الْجمع (فسؤالهم) إِنَّمَا هُوَ (عَمَّا) أَي عَن تَرْتِيب (لم يفد بِلَفْظِهِ) أَي لم يصلح لِأَن يفاد بِلَفْظ الْوَاو وَالْمَذْكُور فِي الْآيَة لما عرفت (بل) عَمَّا أفيد (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر لفظ الْوَاو. وَقَالَ الشَّارِح: وَهُوَ التطوف بَينهمَا وَلَا يظْهر وَجهه، إِذْ التطوف يصلح لِأَن يكون منشأ للسؤال لَا مُفِيدا للتَّرْتِيب، فَالْمُرَاد بِغَيْرِهِ مَا دلّ على التَّرْتِيب من السّنة (وَأجَاب هُوَ) ﷺ بقوله (ابدءوا بِمَا بَدَأَ الله) بِهِ "، وَلم يقل بِمَا أَمر الله أَن يبْدَأ بِهِ بِمُوجب الْعَطف (وَعَن الثَّالِث) أَي عَن إنكارهم على ابْن عَبَّاس تَقْدِيم الْعمرَة (أَنه) أَي إنكارهم (لتعيينه) تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ (وَالْوَاو للأعم مِنْهُ) أَي من الَّذِي عين وَهُوَ مُطلق الْجمع (وَعَن الرَّابِع) أَي إِنْكَاره ﷺ على الْخَطِيب (بِأَنَّهُ ترك الْأَدَب لقلَّة مَعْرفَته) بِاللَّه تَعَالَى، أَو بِمَا يتَعَلَّق بالخطابة، لِأَن فِي الْإِفْرَاد بِالذكر تَعْظِيمًا جَلِيلًا (بِخِلَاف مثله) أَي مثل هَذَا التَّعْبِير: أَي الْجمع بَينهمَا فِي التَّعْبِير عَنْهُمَا بضمير الْمثنى (مِنْهُ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا " فَإِنَّهُ أعلم الْخلق بِاللَّه، وَبِمَا يتَعَلَّق بالخطابة فَلَا يكون ذَلِك مِنْهُ إخلالا بالتعظيم أَو البلاغة، بل رِعَايَة لنكتة بليغة، وَلَا ترَتّب بَين المعصيتين حَتَّى يُؤَاخذ بترك إفادته، لِأَن عصيان كل مِنْهُمَا عصيان للْآخر (وَعَن الْخَامِس) وَهُوَ أَن التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ للتَّرْتِيب الوجودي (بِالْمَنْعِ) إِذْ لَا نسلم أَن التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ كَذَلِك (والنقض برأيت زيدا رَأَيْت عمرا) فَإِنَّهُ لَا خلاف فِي صِحَّته مَعَ تقدم رُؤْيَة عَمْرو وَقد قَالَ تَعَالَى - ﴿يوحي إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك﴾ - (وَلَو سلم) أَن التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ للتَّرْتِيب الوجودي (فَغير مَحل النزاع) لِأَن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَذْكُور بعد الْوَاو بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبلهَا بِاعْتِبَار دلَالَة الْوَاو لَا بِاعْتِبَار التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ
مسئلة
الْوَاو (إِذا عطفت جملَة تَامَّة) أَن غير مفتقرة إِلَى مَا يتم بِهِ وسيظهر لَك فَائِدَة الْقَيْد فِي النَّاقِصَة (على) جملَة (أُخْرَى لَا مَحل لَهَا) من الْإِعْرَاب (شركت) بَينهمَا (فِي مُجَرّد الثُّبُوت) والتحقق لاستقلاها بالحكم. وَمن ثمَّة سَمَّاهَا بَعضهم وَاو الِاسْتِئْنَاف والابتداء نَحْو - ﴿وَاتَّقوا الله ويعلمكم الله﴾ - (وَاحْتِمَال كَونه) أَي التَّشْرِيك فِي الثُّبُوت مستفادا (من جوهرهما) أَي الجملتين من غير حَاجَة إِلَى الْوَاو (يُبطلهُ ظُهُور احْتِمَال الاضراب مَعَ عدمهَا) أَي الْوَاو: يَعْنِي لَو كَانَ التَّشْرِيك مستفادا من جَوْهَر الجملتين من غير حَاجَة إِلَى الْوَاو يُبطلهُ ظُهُور احْتِمَال الِاضْطِرَاب مَعَ عدمهَا: أَي الْوَاو، يَعْنِي لَو كَانَ للتشريك لَكَانَ فِي قَامَ زيد قَامَ عَمْرو احْتِمَال الِاضْطِرَاب عَن تحقق مَضْمُون قيام زيد إِلَى تحقق قيام عَمْرو ظَاهرا، لِأَنَّهُ يلْزم على تَقْدِير إِفَادَة
стр. 455
جوهرهما التَّشْرِيك مَعَ ظُهُوره المستلزم لعدم التَّشْرِيك التَّنَاقُض (و) يُبطلهُ أَيْضا (انتفاؤه) أَي انْتِفَاء احْتِمَال الإضراب (مَعهَا) أَي الْوَاو، فَإِن قَامَ زيد وَقَامَ عَمْرو لَا يحْتَمل الإضراب عَن الْإِخْبَار الأول إِلَى الْإِخْبَار الثَّانِي إِذْ بِهِ يظْهر أَن احْتِمَال الإضراب لَيْسَ من الْجَوْهَر، لِأَن مَا بِالذَّاتِ لَا يَزُول بِالْغَيْر، وَإِذا لم يكن احْتِمَال الإضراب من الْجَوْهَر لم يكن التَّشْرِيك أَيْضا مِنْهُ لتساويهما فِي الظُّهُور فَتدبر، وَلَك أَن تجْعَل الْمَجْمُوع دَلِيلا وَاحِدًا وَحَاصِله دوران التَّشْرِيك والإضراب على الْوَاو وجودا وعدما (فَلِذَا) أَي فلكون الْعَطف الْمَذْكُور يُشْرك فِي مُجَرّد الثُّبُوت (وَقعت وَاحِدَة فِي هَذِه طَالِق ثَلَاثًا وَهَذِه طَالِق) على الْمشَار إِلَيْهَا ثَانِيًا (و) إِذا عطفت جملَة تَامَّة على (مَا لَهَا) مَحل من الْأَعْرَاب (شركت المعطوفة) مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهَا (فِي موقعها إِن) كَانَ الْمَعْطُوف عَلَيْهَا (خَبرا) فِي مَوضِع (أَو جَزَاء) للشّرط فِي مَوضِع آخر (فخبر) أَي فالمعطوف خبر فِي الأول (وَجَزَاء) فِي الثَّانِي نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن هَذَا يُفِيد أَن جملَة الْجَزَاء قد يكون لَهَا مَحل، وَبِه قَالَ طَائِفَة من الْمُحَقِّقين، وَهُوَ مَا إِذا كَانَت بعد الْفَاء وَإِذا جَوَابا لشرط جازم، ثمَّ لما بَين حكم الْجُمْلَة المعطوفة على الْجُمْلَة الَّتِي لَهَا مَحل من الْأَعْرَاب خَبرا كَانَت أَو جَزَاء أَرَادَ أَن يبين حكم جملَة عطفت على مَا لَا مَحل لَهَا من الْأَعْرَاب، لَكِن لَهَا موقع من حَيْثُ وُقُوعهَا مرتبطة بجملة أولى لِكَوْنِهِمَا شرطا وَجَزَاء فَقَالَ (وَكَذَا مَا) أَي الْجُمْلَة الَّتِي (لَهَا موقع من غير الابتدائية) بَيَان للموصول: أَي الْجُمْلَة الابتدائية لَا يكون لَهَا موقع كَذَلِك (مِمَّا لَيْسَ لَهَا مَحل) من الْأَعْرَاب بَيَان آخر لَهُ لِئَلَّا يتَوَهَّم التّكْرَار، فَعلم أَن مَا ذكر فِي صدر الْبَحْث أُرِيد بِهِ مَا لَيْسَ لَهَا موقع كَذَا، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ، وللشارح فِي حل هَذَا الْمحل كَلَام لَا يصلح إِلَّا لِأَن يطوى (كَأَن دخلت) الدَّار (فَأَنت طَالِق وعبدي حر) فَإِن لقَوْله أَنْت طَالِق موقعا بِاعْتِبَار ارتباطه بِالْجُمْلَةِ الشّرطِيَّة، وَالْوَاو شرك قَوْله عَبدِي حر مَعهَا فِي موقعها الَّذِي هُوَ الجزائية (فَيتَعَلَّق) عَبدِي حر أَيْضا بِدُخُول الدَّار (إِلَّا بصارف) اسْتثِْنَاء من قَوْله وَكَذَا: أَي شركت فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا حَال كَونهَا متلبسة بِمَا دلّ على عدم التَّشْرِيك فِي الْموقع، أَو من قَوْله فَيتَعَلَّق نَحْو أَن دخلت فَأَنت طَالِق (وضرتك طَالِق) لِأَن طَلَاق الضرة لَا يصلح لِأَن يكون باعثا لعدم الدُّخُول بل بِشَارَة لَهَا، والبشارة إِنَّمَا تتَحَقَّق بالتنجيز (فعلى الشّرطِيَّة) أَي فَهِيَ معطوفة على الْجُمْلَة الشّرطِيَّة برمتها، لَا على الْجُزْئِيَّة فَإِن قلت إِذن يلْزم عطف الْإِنْشَاء على الاخبار قلت المعطوفة أَخْبَار صُورَة على أَن الْمَعْطُوف عَلَيْهَا إنْشَاء للتعليق (فيتنجز) طَلَاق الضرة لِأَنَّهُ غير مُعَلّق (وَمِنْه) أَي مِمَّا صرفه الصَّارِف عَن كَونه مَعْطُوفًا على الجزائية مَعَ قربهَا إِلَى الشّرطِيَّة (وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ بعد وَلَا تقبلُوا بِنَاء على) الْمَذْهَب (الْأَوْجه من عدم)
стр. 456
جَوَاز (عطف الْأَخْبَار على الْإِنْشَاء) فَإِنَّهُ لَازم على تَقْدِير عطف - ﴿أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ - على لَا تقبلُوا أَو فاجلدوا (و) بِنَاء على (مُفَارقَة) الجملتين (الْأَوليين) المذكورتين إِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول: يَعْنِي أَن المعطوفة فارقتهما وبعدت عَنْهُمَا (بِعَدَمِ مُخَاطبَة الْأَئِمَّة) أَي بِسَبَب أَنَّهَا مَا خُوطِبَ بمضمونها الْحُكَّام بخلافهما إِذا خوطبوا بمضمونهما، ثمَّ لما كَانَ فِي الْآيَة احْتِمَال آخر وَهُوَ أَن يكون الْجَزَاء الأولي مِنْهُمَا فَقَط وَيكون قَوْله - ﴿وَلَا تقبلُوا﴾ - ابتدائية فيعطف عَلَيْهِ قَوْله - ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ - على التَّأْوِيل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَبشر الَّذين﴾ - وَكَانَ ذَلِك مفوتا لرعاية الْأَنْسَب اللَّائِق بالحكمة جعل دَلِيل مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة مَا ذكر مَعَ رِعَايَة الْأَنْسَب فَقَالَ (مَعَ الأنسبية من إِيقَاع الْجَزَاء على الْفَاعِل، أَعنِي اللِّسَان) فَإِن رد الشَّهَادَة حد فِي اللِّسَان الصَّادِر مِنْهُ جريمة الْقَذْف (كَالْيَدِ فِي الْقطع) أَي كَمَا أوقع جَزَاء السّرقَة على الْفَاعِل: وَهُوَ الْيَد إِلَّا أَنه ضم إِلَيْهَا أَلا يلام الْحسي تكميلا للزجر، فَإِن من النَّاس من لَا ينزجر بِمُجَرَّد رد الشَّهَادَة (وَأما اعْتِبَار قيود) الْجُمْلَة (الأولى فِيهَا) أَي فِي الثَّانِيَة الْمَعْطُوف عَلَيْهَا (فَإلَى الْقَرَائِن) أَي فَهُوَ مفوض إِلَى قَرَائِن الْمقَام (لَا الْوَاو وَإِن) عطفت جملَة (نَاقِصَة وَهِي) الْجُمْلَة (المفتقرة فِي تَمامهَا إِلَى مَا تمت بِهِ الأولى) بِعَيْنِه (وَهُوَ) أَي الْعَطف الْمَذْكُور (عطف الْمُفْرد) وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْله وَإِن نَاقِصَة على مَا فسرنا، إِذْ نِسْبَة عطف الْمُفْرد يحصل مَضْمُون الْجُمْلَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (انتسب) الْمُفْرد الْمَعْطُوف (إِلَى عين مَا انتسب إِلَيْهِ) الْمُفْرد (الأول) الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (بجهته) مُتَعَلق بانتسب الأول إِشَارَة إِلَى مَا اعْتبر فِي التَّابِع مُطلقًا فِي قَوْلهم: كل ثَان بأعراب سَابِقَة من جِهَة وَاحِدَة، وَضمير جِهَته رَاجع إِلَى الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، إِن كَانَت تِلْكَ الْجِهَة الفاعلية مثلا، فانتساب الْمَعْطُوف أَيْضا على الفاعلية (مَا أمكن) تَقْيِيد للانتساب إِلَى المنتسب إِلَيْهِ بِاعْتِبَار جَمِيع قيوده مهما أمكن فِيهِ اسْتثِْنَاء لبَعض الْقُيُود الَّذِي دلّ الدَّلِيل على اخْتِصَاصه بالمعطوف عَلَيْهِ (فَإِن دخلت فطالق وَطَالِق وَطَالِق تعلق) فِيهِ طَالِق الثَّانِي (بِهِ) أى بدخلت بِعَيْنِه (لَا بِمثلِهِ كقولهما) أى كَمَا قَالَ ابو يُوسُف وَمُحَمّد من أَنه تعلق بِمثل مَا تعلق بِهِ الأول، وَلَيْسَ المُرَاد بِمثلِهِ دُخُولا آخر مغايرا بِالذَّاتِ لما تعلق بِهِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بل مغايرا بِالِاعْتِبَارِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فيتعدد الشَّرْط) كَمَا لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق، ثمَّ بعد زمَان قَالَ: إِن دخلت فَأَنت طَالِق فَإِنَّهُ يَقع الْكل بِدُخُول وَاحِد اتِّفَاقًا غير أَنه لما كَانَ الْمُعَلق بِالثَّانِي غير الْمُعَلق بِالْأولِ صَار الْمُعَلق بِهِ فِي الثَّانِي مغايرا للمعلق بِهِ فِي الأول بِالِاعْتِبَارِ كَمَا قَالَه كَذَلِك (وَعلمت) فِي المسئلة الَّتِي قبل هَذِه (أَن لَا ضَرَر عَلَيْهِمَا فِي الِاتِّحَاد) أَي فِي اتِّحَاد مُتَعَلق الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ من اعْتِبَار التغاير الْمَذْكُور إِذْ مقصودهما وُقُوع الْكل دفْعَة عِنْد وجود الشَّرْط وَهُوَ حَاصِل فِيهِ لِأَنَّهُمَا يجعلان إِن دخلت طَالِق فطالق وَطَالِق بِمَنْزِلَة طَالِق
стр. 457
ثِنْتَيْنِ، والتفريق اللَّفْظِيّ لَا أثر لَهُ لِأَنَّهُ فِي حَال التَّكَلُّم بتعليق الطَّلَاق لَا فِي حَال التَّطْلِيق تَنْجِيز إِذْ لَا مُوجب للتوقف فِي التَّنْجِيز فَيَقَع بِمُجَرَّد التَّكَلُّم بتعليق الطَّلَاق لَا فِي حَال التَّعْلِيق بِالْأولِ قبل التَّكَلُّم بِالثَّانِي وَلم يبْق للمحل قابلية لوُقُوع الثَّانِي: إِذْ الْمَفْرُوض كَونهَا غير مدخوله، وَأما فِي التَّعْلِيق فالتعليق بِمُجَرَّد التَّكَلُّم لَا يتَصَوَّر لتوقفه على وجود الشَّرْط، والمتعلقات بِشَرْط وَاحِد على التَّعَاقُب يتْرك جملَة عِنْد وجوده كَمَا لَو حصل بأيمان يتحللها أزمنة على أَنه إِن أُرِيد بِكَوْن تعلق الأول وَاسِطَة فِي تعلق الثَّانِي أَنه عِلّة لَهُ فَمَمْنُوع: بل علته جمع الْوَاو إِيَّاه إِلَى الشَّرْط، وَإِن أُرِيد كَونه سَابق التَّعَلُّق سلمناه، وَلَا يُفِيد كالأيمان المتعاقبة، وَلَو سلم عَلَيْهِ تعلق الأول لم يلْزم كَون نُزُوله عِلّة نُزُوله: إِذْ لَا تلازم (وَمَا تقدم لَهما) فِي أول بحث الْوَاو من التَّعْلِيق الْمَذْكُور الْمُشبه بتعداد الشَّرْط فِي وُقُوع الْكل جملَة (تنظيره) أَي مُجَرّد تنظير لاشْتِرَاكهمَا فِيمَا ذكر (لَا اسْتِدْلَال) بِقِيَاس الأجزئة المتعاطفة المتعاقبة فِي الذّكر على المتعاقبة فِي تعليقات مُتعَدِّدَة ليرد أَنه قِيَاس مَعَ الْفَارِق (لاستقلا مَا سواهُ) أَي مَا سوى التَّعْلِيق الْمَذْكُور فِي إِثْبَات الْمَقْصُود: يَعْنِي بِهِ مَا ذكر من أَن الِاشْتِرَاك فِي التَّعَلُّق وَأَن بِوَاسِطَة يسْتَلْزم النُّزُول دفْعَة، لِأَن نزُول كل حكم الشَّرْط فتقترن أَحْكَامه (فتفريع) مَا إِذا قَالَ (كلما حَلَفت) بطلاقك (فطالق) أَي فَأَنت طَالِق (ثمَّ) قَالَ (إِن دخلت فطالق وَطَالِق على الِاتِّحَاد يَمِين، و) على (التَّعَدُّد يمينان) فَقَوله كلما حَلَفت الخ كَلَام مُفَرع، وَقَوله على الِاتِّحَاد إِلَى هُنَا خير ضمير رَاجع إِلَى قَوْله إِن دخلت الخ: يَعْنِي إِن قُلْنَا بِأَن الْمَعْطُوف تعلق بِعَين مَا تعلق بِهِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ لَا بِمثلِهِ كَانَ قَوْله: إِن دخلت الخ حلفا وَاحِدًا فَيَقَع طَلَاق وَاحِد وَإِن قُلْنَا بالتعدد بِجعْل مُتَعَلق الثَّانِي مثل الأول كَانَ القَوْل الْمَذْكُور يمينين (فَتطلق ثِنْتَيْنِ) كَمَا ذكر فِي شرح البديع للهندي، تَفْرِيع (على غير خلافية) لما عرفت من أَنه لَا خلاف بَينهمَا وَبَينه بِاعْتِبَار اتِّحَاد الْمُتَعَلّق وَعَدَمه لعدم توقف مقصودهما وَهُوَ وُقُوع الْكل جملَة على التَّعَدُّد (بل) المُرَاد بقول من فرع وحدة الْيَمين على الِاتِّحَاد وتعددها على التَّعَدُّد أَنه (لَو فرض) خلاف بَينه وَبَينهمَا فِي ذَلِك (كَانَ) التَّفْرِيع (كَذَا) أَي على هَذَا المنوال (والنقض) للضابطة الْمَذْكُورَة مَعَ أَن مُوجب الْوَاو فِي النَّاقِصَة انتساب الثَّانِي إِلَى عين مَا انتسب إِلَيْهِ الأول بجهته (بِهَذِهِ طَالِق ثَالِثا، وَهَذِه إِذْ طلقنا ثَالِثا لاثْنَتَيْنِ) تَعْلِيل للنقض: يَعْنِي وُقُوع الثَّلَاث على كل مِنْهُمَا خلاف مُقْتَضى تِلْكَ الضابطة لِأَنَّهَا تَقْتَضِي وُقُوع ثِنْتَيْنِ على كل وَاحِدَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بانقسام الثَّلَاث عَلَيْهِمَا) ليحصل لكل وَاحِد وَنصف، ويكمل كل نصف (دفع) خبر الْمُبْتَدَأ (بِظُهُور الْقَصْد إِلَى إِيقَاع الثَّلَاث) على كل وَاحِدَة مِنْهُمَا (والمناقشة فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْقَصْد بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لقَالَ وَهَذِه طَالِق ثَلَاثًا،
стр. 458
وَلم يقل وَهَذِه لِأَنَّهُ يحْتَمل الانقسام الْمَذْكُور (احْتِمَال لَا يدْفع الظُّهُور) أَي ظُهُور الْقَصْد الْمَذْكُور (وَفِيمَا لَا يُمكن) فِيهِ الانتساب إِلَى غير مَا انتسب الأول إِلَيْهِ (يقدر الْمثل) وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله انتسب الخ بعد قَوْله وَهُوَ عطف الْمُفْرد (كجاء زيد وَعَمْرو بِنَاء على اعْتِبَار شخص الْمَجِيء) لِاسْتِحَالَة اشتراكهما فِي عرضي شخصي (وَإِن كَانَ الْعَامِل) وَهُوَ فعل الْمَجِيء (بكليه) أَي بِاعْتِبَار مَفْهُومه الْكُلِّي (ينصب) من حَيْثُ الْإِسْنَاد وَالْعَمَل (عَلَيْهِمَا) أَي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ والمعطوف (مَعًا لِأَن هَذَا) أَي مَا ذكرنَا من تَقْدِير الْمثل إِنَّمَا هُوَ (تَقْدِير حَقِيقَة الْمَعْنى) أَي بَيَان مَا هُوَ المتحقق فِي نفس الْأَمر من الْكَلَام: إِذْ الْكُلِّي من حَيْثُ هُوَ كلي لَا يتَحَقَّق فِي الْخَارِج إِلَّا فِي ضَرُورَة الشخصي فالمتحقق مِنْهُ فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ شخص آخر مثله (وَعنهُ) أَي عَن اعْتِبَار تعلق الْمَعْطُوف بِعَين مَا تعلق بِهِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي الْمُفْرد لَا بِمثلِهِ قُلْنَا (فِي (قَوْله لفُلَان عَليّ ألف، وَلفُلَان انقسمت) الْألف (عَلَيْهِمَا) فَيكون لكل خَمْسمِائَة (وَنقل عَن بَعضهم أَن عطفها) أَي الْوَاو الْجُمْلَة (المستقلة) على غَيرهَا (يُشْرك فِي الحكم وَبِه) أَي بِسَبَب هَذَا التَّشْرِيك (انْتَفَت الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي كَالصَّلَاةِ) أَي كَمَا أَن الصَّلَاة منتفية عَن الصَّبِي (من) دلَالَة الْعَطف فِي (أقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة). قَالَ الشَّارِح بِنَاء على أَنه يجب أَن يكون الْمُخَاطب بِأَحَدِهِمَا عين الْمُخَاطب بِالْآخرِ، وَلما لم يكن الصَّبِي مُخَاطبا بأقيموا الصَّلَاة لم يكن مُخَاطبا بآتوا الزَّكَاة انْتهى. وَلم يبين مُرَادهم بالحكم الَّذِي يشركهما الْعَطف فَإِن أُرِيد بِهِ جَمِيع الْأَحْكَام وَالْأَحْوَال ففساده ظَاهر، وان أُرِيد بَعْضهَا فِي الْجُمْلَة فَلَا يُفِيد، وان أُرِيد بِهِ وَاحِد من الْأَحْكَام الْخَمْسَة فالعطف لَا يَقْتَضِيهِ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد فِي الْجُمْلَة الخبرية التحقق والحصول، وَفِي الإنشائية الطّلب وَلَا يخفى مَا فِيهِ (وَدفع) لُزُوم انْتِفَاء الزَّكَاة فِي مَاله لما ذكرنَا بِأَن الصَّبِي (خص من عُمُوم الأول) أَي أقِيمُوا الصَّلَاة (بِالْعقلِ) أَي بالمخصص الْعقلِيّ وَهُوَ مَا أَفَادَهُ بقوله (لِأَنَّهَا) أَي الصَّلَاة عبَادَة (بدنية) وَهِي مَوْضُوعَة عَن الصَّبِي (بِخِلَاف الزَّكَاة) فَإِنَّهَا عبَادَة مَالِيَّة مَحْضَة (تتأدى بالنائب فَلَا مُوجب لتخصيصه) فِيهَا.
(تَتِمَّة)
(تستعار) الْوَاو (للْحَال) أَي لربط الْجُمْلَة الحالية بِذِي الْحَال إِذْ هِيَ لمُطلق الْجمع وَهُوَ مَوْجُود فِي الْمُسْتَعَار لَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بمصحح الْجمع) أَي يستعار للْحَال بِسَبَب العلاقة المصححة الَّتِي هِيَ وجود مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ فِيهِ حَال كَون هَذَا الْمُصَحح مُشْتَمِلًا (على مَا فِيهِ) من الْإِشْكَال إِذا أطلق الْأَعَمّ على الْأَخَص حَقِيقَة على مَا مر، وَلذَا أضْرب، فَقَالَ (بل هُوَ) أَي الْجمع بَين الْحَال وصاحبهما (مِمَّن مَا صدقاته) أَي من أَفْرَاد مُطلق الْجمع (والعطف أَكثر) أَي اسْتِعْمَالهَا
стр. 459
فِي الْعَطف أَكثر (فَيلْزم) الْعَطف: أَي حملهَا عَلَيْهِ (إِلَّا بِمَا) أَي بِدَلِيل (لَا مرد لَهُ) فَعنده تحمل على غَيره (فَإِن أمكنا) أَي الْعَطف وَالْحَال بِأَن تصح إِرَادَة كل مِنْهُمَا (رده) أَي الْحَال (القَاضِي) فَلَا يصدق من يَقُول أردْت بهَا الْحَال لِأَنَّهُ يحكم بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ الْعَطف (وَصَحَّ) أَن يُرَاد بهَا الْحَال ب (نِيَّته) أَي الْحَال أَو الْمُتَكَلّم (ديانَة فأد) أَي فَقَوْل الْمولى لعَبْدِهِ أد إِلَيّ ألفا (وَأَنت حر، و) الإِمَام للحربي (انْزِلْ وَأَنت آمن تعذر) الْعَطف فِيهِ (لكَمَال الِانْقِطَاع) بَين مَا قبل الْوَاو وَمَا بعده إنْشَاء وإخبار نظرا إِلَى الأَصْل، فَلَا يرد أَن قَوْله أَنْت حر قصد بِهِ إنْشَاء الْعتْق (وللفهم) أَي لفهم الْحَال من مثله أَلْبَتَّة عرفا (فللحال على الْقلب) أَي كن حرا وَأَنت مؤد، وَكن آمنا وَأَنت نَازل: أَي أَنْت حر فِي حَالَة الْأَدَاء، وآمن فِي حَالَة النُّزُول (لِأَن الشَّرْط الْأَدَاء وَالنُّزُول) لَا الْحُرِّيَّة والأمان، إِذْ الْمُتَكَلّم يتَمَكَّن من تَعْلِيق مَا يتَمَكَّن من تنجيزه وَهُوَ لَا يتَمَكَّن من تَنْجِيز الْأَدَاء وَالنُّزُول (وَقيل) للْحَال ٠ على الأَصْل) لَا على الْقلب (فَيُفِيد ثُبُوت الْحُرِّيَّة مُقَارنًا لمضمون الْعَامِل وَهُوَ) أَي مضمونه (التأدية، وَبِه) أَي بِمَا ذكر من إِفَادَة ثُبُوتهَا مُقَارنًا لَهُ (يحصل الْمَقْصُود) من كَون التَّحْرِير مَشْرُوطًا بِالْأَدَاءِ فَانْدفع مَا قيل من لُزُوم الْحُرِّيَّة، والأمان قبل الْأَدَاء أَو النُّزُول، لِأَن الْحَال قيد، والقيد مقدم على الْمُقَيد (وَمُقَابِله) أَي مُقَابل تعذر الْعَطف وَهُوَ تعذر الْحَال، وَتعين الْعَطف قَول رب المَال للضارب (خُذْهُ) أَي هَذَا النَّقْد (واعمل فِي الْبَز) وَهُوَ الثِّيَاب. وَقَالَ مُحَمَّد: هُوَ فِي عرف الْكُوفَة ثِيَاب الْكَتَّان والقطن دون الصُّوف والخز (تعين الْعَطف للإنشائية) أَي لكَون كل من الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ جملَة إنشائية، وَالْأَصْل هُوَ الْعَطف، هَذَا مَا يفهم من كَلَام الشَّارِح، وَالْوَجْه أَن يُقَال مَعْنَاهُ: أَن قَوْله اعْمَلْ إنْشَاء، والإنشاء لَا يَقع حَالا (وَلِأَن الْأَخْذ لَيْسَ حَال الْعَمَل) أَي لَا يقارنه فِي الْوُجُود: إِذْ الْعَمَل بعده فَلَا يكون للْحَال، وَإِن نوى (فَلَا تتقيد الْمُضَاربَة) الْمَذْكُورَة (بِهِ) أَي الْعَمَل فِي الْبَز: بل تكون مَشْهُورَة (وَفِي أَنْت طَالِق وَأَنت مَرِيضَة أَو مصلية يحتملهما) أَي الْعَطف وَالْحَال (إِذْ لَا مَانع) فِي شَيْء مِنْهُمَا (وَلَا معِين) لوَاحِد بِخُصُوصِهِ (فتنجز) الطَّلَاق (قَضَاء) لِأَنَّهُ الظَّاهِر لأصالة الْعَطف، وَكَون حَالَة الْمَرَض وَالصَّلَاة مَظَنَّة الشَّفَقَة وَالْإِكْرَام لَا الْمُفَارقَة والإيلام، وَالْأَصْل فِي التَّصَرُّف التَّنْجِيز وَالتَّعْلِيق بِعَارِض الشَّرْط (وَتعلق) بِالْمرضِ وَالصَّلَاة (ديانَة أَن إراده) أَي التَّعْلِيق بهما لَا مَكَانَهُ، وَفِيه تَخْفيف عَلَيْهِ (وَاخْتلف فِيهَا) أَي الْوَاو (من طَلقنِي وَلَك ألف فعندهما) أَي الْإِمَامَيْنِ الْوَاو مستعارة (للْحَال) فَيجب لَهُ عَلَيْهَا الْألف إِذا طَلقهَا (للتعذر) أى لتعذر الْعَطف (بالانقطاع) لإنشائية الأولى وإخبارية الثَّانِيَة (وَفهم الْمُعَاوضَة) إِذْ مثلهَا فِي الْعرف يقْصد
стр. 460
بِهِ الْخلْع وَهُوَ مُعَاوضَة من جَانبهَا، وَلذَا صَحَّ رُجُوعهَا قبل إيقاعها، فَالْمَعْنى طَلقنِي فِي حَال يكون لَك عَليّ ألف عوضا من الطَّلَاق الْمُوجب لِسَلَامَةِ نَفسِي لي، فَإِذا قَالَ طلقت وَجب عَلَيْهَا الْألف (أَو مستعارة للإلصاق) الَّذِي هُوَ معنى الْبَاء بِدلَالَة الْمُعَاوضَة لِأَنَّهُ لَا يعْطف أحد الْعِوَضَيْنِ على الآخر، وَإِنَّمَا استعيرت لَهُ (للْجمع) أَي للتناسب بَينهمَا فِي الْجمع فَإِن كلا مِنْهُمَا يدل على الْجمع (وَعِنْده) الْوَاو (للْعَطْف) وَلَا يلْزم عطف الْأَخْبَار على الْإِنْشَاء لِأَن قَوْلهَا: لَك ألف إنْشَاء الِالْتِزَام (تَقْدِيمًا للْحَقِيقَة فَلَا شَيْء لَهُ) إِذا طَلقهَا (وصارف الْمُعَاوضَة غير لَازم فِيهِ) أَي فِي الطَّلَاق (بل عَارض) لندرة عرُوض الْتِزَام المَال فِي الطَّلَاق والبضع غير مُتَقَوّم حَالَة الْخُرُوج، والعارض لَا يُعَارض الْأَصْلِيّ (وَلذَا) أَي لعروضه (لزم) الطَّلَاق مُعَلّقا (فِي جَانِبه) أَي الزَّوْج فَصَارَ يَمِينا إِذا قَالَ طَلقتك على ألف: إِذْ لَو لم يكن عروضه وَكَانَ لَازِما لَكَانَ مُعَاوضَة وَالرُّجُوع فِي الْمُعَاوضَة بعد الْإِيجَاب قبل الْقبُول جَائِز، ثمَّ فرع على اللُّزُوم فَقَالَ (فَلَا يملك) الزَّوْج (الرُّجُوع قبل قبُولهَا) الْألف (بِخِلَاف الْإِجَارَة) أَي بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ مثل: طَلقنِي وَلَك ألف فِي عقد الْإِجَارَة وَهُوَ (احمله وَلَك دِرْهَم) لِأَن الْتِزَام المَال فِيهَا أُصَلِّي، لِأَن الْإِجَارَة بيع الْمَنَافِع بعوض فَتحمل الْوَاو بِدلَالَة صَارف الْمُعَاوضَة على الْبَاء فَكَأَنَّهُ قَالَ احمله بدرهم (وَالْأَوْجه) فِي طَلقنِي وَلَك ألف (الِاسْتِئْنَاف) فِي قَوْلهَا وَلَك ألف على أَن يكون (عدَّة) مِنْهَا، والوعيد لَا يلْزم (أَو غَيره) أَي غير وعد بِأَن تُرِيدُ لَك ألف فِي بَيْتك يقدر على تَحْصِيل غَيْرِي وَنَحْو ذَلِك (للانقطاع) الْمُوجب ترك الْعَطف (فَلم يلْزم الْحَال) عِنْد عدم إِرَادَة الْعَطف (لجَوَاز) إِرَادَة معنى (مجازي آخر ترجح) لذَلِك الْمجَازِي على إِرَادَة الْحَال (بِالْأَصْلِ بَرَاءَة الذِّمَّة) عطف بَيَان للْأَصْل (وَعدم إِلْزَام المَال بِلَا معِين) لإلزامه: يَعْنِي أَن الأَصْل هُوَ الْبَرَاءَة وإلزام المَال الْمُوجب شغل الذِّمَّة خلاف الأَصْل لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل بِعَيْنِه.
مسئلة
(الْفَاء للتَّرْتِيب بِلَا مُهْملَة فَدخلت فِي الأجزئة) لتعقبها الشُّرُوط بِلَا مهلة (فَبَانَت غير الملموسة) أَي غير الْمَدْخُول بهَا (بِوَاحِدَة فِي أَنْت طَالِق فطالق) لزوَال الْمَحَلِّيَّة لما بعد الْفَاء بِسَبَب وُقُوع مَا قبلهَا (و) دخلت فِي (المعلولات) لِأَنَّهَا تتعقب عليتها بِلَا تراخ (كجاء الشتَاء فتأهب) أَي هِيَ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِيهِ مَحْمُولا (على التَّجَوُّز بجاء عَن قرب فَإِن قربه عِلّة التأهب لَهُ) يَعْنِي أَن قرينَة السِّيَاق وَالْمقَام دلّت على أَن الْفَاء دَاخِلَة على الْمَعْلُول وَالتَّأَهُّب لَيْسَ بمعلول
следующие страницы →