Полный текст (1 287 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فَإِنَّهُ عبارَة عَن الصُّور كَمَا أَفَادَ بقوله (وَهُوَ) أَي ذَلِك الْوَجْه (جعل الْمَادَّة) مرتبَة (على حد معِين) من وُجُوه التَّرْتِيب (فِي انتساب بَعْضهَا) أَي الْمَادَّة (إِلَى بعض) كَمَا صورناه فِي تركيب الْحَد الْأَوْسَط مَعَ طرفِي الْمَطْلُوب إِجْمَالا، وتفصيله مَا أَفَادَهُ بقوله (وَذَلِكَ) الْحَد الْمعِين (طرق) أَرْبَعَة (الأول مُلَازمَة بَين مفهومين، ثمَّ نفي اللَّازِم لينتفي الْمَلْزُوم، أَو إِثْبَات الْمَلْزُوم ليثبت اللَّازِم) أَي الأول، خلاصته مُلَازمَة بَين مفهومين هما مَضْمُونا قضيتين الْمُقدم والتالي، ثمَّ نفي اللَّازِم الَّذِي هُوَ التَّالِي لينتج نفي الْمَلْزُوم، أَو إِثْبَات الْمَلْزُوم الَّذِي هُوَ الْمُقدم لينتج ثُبُوت اللَّازِم، فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ مقدمتان شَرْطِيَّة مُتَّصِلَة مُوجبَة لزومية واستثنائية حملية هِيَ عين مقدم الشّرطِيَّة الْمَذْكُورَة، أَو نقيض تَالِيهَا، وَيُقَال لَهُ الْقيَاس الاستثنائي لما فِيهِ من اسْتثِْنَاء عين الْمُقدم أَو نقيض التَّالِي كَمَا عَلَيْهِ الْمُقدم والتالي ونقيضهما فِي صدر الْكَلَام من كَونهَا مَشْكُوك الْوُجُود والعدم وَكَون الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِيهِ مصدرة بأداة الِاسْتِثْنَاء: أَعنِي كلمة لَكِن (أَو نفي الْمَلْزُوم لنفي اللَّازِم فِي الْمُسَاوَاة) يَعْنِي فِيمَا إِذا كَانَ الْمُقدم والتالي متساويين فِي التحقق بِأَن يكون كل مِنْهُمَا لَازِما للْآخر ينْتج نفي الْمُقدم نفي التَّالِي، لِأَن نفي اللَّازِم يسْتَلْزم نفي الْمَلْزُوم، وَكَذَا ينْتج ثُبُوت التَّالِي ثُبُوت الْمُقدم، لِأَن ثُبُوت الْمَلْزُوم يسْتَلْزم ثُبُوت اللَّازِم، وَإِلَيْهِ أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو ثُبُوت اللَّازِم لثُبُوت الْمَلْزُوم فِيهِ) أَي التَّسَاوِي (أَيْضا) غير أَن شَارِح الْمُخْتَصر قَالَ: وَلَا يلْزم من اسْتثِْنَاء نقيض الْمُقدم نقيض التَّالِي وَلَا من اسْتثِْنَاء عين التَّالِي عين الْمُقدم لجَوَاز أَن يكون اللَّازِم أَعم، نعم لَو قدر التَّسَاوِي لزم ذَلِك، وَلَكِن لخُصُوص الْمَادَّة لَا لنَفس صُورَة الدَّلِيل، وَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ لملاحظة لُزُوم الْمُقدم للتالي وَهُوَ مُتَّصِل آخر، وَالْمُصَنّف ﵀ نظر إِلَى أصل الإنتاج وَقطع النّظر عَن نفس صورته كَمَا هُوَ اللَّائِق باعتبارات الْأُصُولِيِّينَ، أَلا ترى أَنه أَدخل قِيَاس الْمُسَاوَاة فِي الدَّلِيل، والمنطقيون أَخْرجُوهُ مِنْهُ (كَانَ) كَانَ هَذَا الْفِعْل وَاجِبا (أَو كلما) كَانَ هَذَا الْفِعْل وَاجِبا (أَو لَو كَانَ) هَذَا الْفِعْل (وَاجِبا فتاركه يسْتَحق الْعقَاب) فَهَذِهِ شَرْطِيَّة كَمَا ذكر (لَكِن لَا يسْتَحق) تَارِك هَذَا الْفِعْل الْعقَاب، فَهَذِهِ الحملية الْمَذْكُورَة مضمونها نفي التَّالِي ينْتج نفي الْمُقدم، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَلَيْسَ) هَذَا الْفِعْل وَاجِبا (أَو وَاجِب) عطف على قَوْله لَا يسْتَحق: أَي لَكِن هَذَا الْفِعْل وَاجِب ينْتج إِثْبَات اللَّازِم أَعنِي (فَيسْتَحق) تَاركه الْعقَاب، وَلما كَانَ الْمِثَال الْمَذْكُور من صور الْمُسَاوَاة، لِأَن كل وَاجِب يستحن تَاركه الْعقَاب، وكل مَا يسْتَحق تَاركه الْعقَاب وَاجِب صور الْوُجُوه الْأَرْبَعَة فِيهِ فَقَالَ (أَو لَيْسَ وَاجِبا) مِثَال لنفي الْمَلْزُوم ينْتج نفي اللَّازِم أَعنِي (فَلَا يسْتَحق تَاركه) غَايَة الْأَمر أَنه لم يُصَرح بِذكر الرَّابِع اعْتِمَادًا على فهم الْمُخَاطب واكتفاء بِالْإِشَارَةِ، وَهُوَ: أَي يسْتَحق فَهُوَ وَاجِب (الطَّرِيق الثَّانِي) الْقيَاس الاستثنائي الْمُنْفَصِل، وَهُوَ أَيْضا
стр. 37
مقدمتان أولاهما شَرْطِيَّة مُنْفَصِلَة حَقِيقِيَّة مُوجبَة حاصلها (عناد بَينهمَا) أَي بَين مفهومين على مَا تقدم (فِي الْوُجُود والعدم) مَعًا فهما قضيتان لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان، وإحداهما حملية هِيَ عين الْمُقدم أَو التَّالِي فينتج نقيض الآخر أَو نقيض أَحدهمَا فينتج عين الآخر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَفِي وجود أَحدهمَا عدم الآخر وَفِي عَدمه) أَي أَحدهمَا (وجوده) أَي الآخر، لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان (أَو) شَرْطِيَّة مُنْفَصِلَة مَانِعَة الْجمع مُوجبَة حاصلها عناد بَينهمَا (فِي الْوُجُود فَقَط) عطف على قَوْله فِي الْوُجُود والعدم، فهما قضيتان لَا يَجْتَمِعَانِ، ولكنهما قد يرتفعان (فَمَعَ وجود كل) مِنْهُمَا من الجزءين (عدم الآخر) ضَرُورَة عدم اجْتِمَاعهمَا (وَعَدَمه) أَي عدم كل مِنْهُمَا (عقيم) أَي غير منتج لوُجُود الآخر لجَوَاز ارتفاعهما مَعًا، مِثَال العناد فِي الْوُجُود فَقَط (الْوتر إِمَّا وَاجِب أَو مَنْدُوب، لكنه وَاجِب لِلْأَمْرِ الْمُجَرّد) عَن الْقَرَائِن الصارفة عَن الْوُجُوب (بِهِ) أَي بالوتر (فَلَيْسَ مَنْدُوبًا) وَلَو قيل لكنه مَنْدُوب أنتج فَلَيْسَ وَاجِبا، لكنه لَو قيل: لكنه لَيْسَ بِوَاجِب، أَو لَيْسَ بمندوب لم ينْتج لجَوَاز أَن لَا يكون وَاجِبا وَلَا مَنْدُوبًا (أَو) مُنْفَصِلَة حاصلها عناد بَينهمَا (فِي الْعَدَم) فَقَط فالمنفصلة حِينَئِذٍ مَانِعَة الْخُلُو (فَقلب الْمِثَال وَحكمه) أَي فمثاله قلب الْمِثَال الْمَذْكُور وقلب حكمه: يَعْنِي الْوتر إِمَّا لَا وَاجِب وَإِمَّا لَا مَنْدُوب، لِأَنَّهُ لَا يُمكن ارتفاعهما، إِذْ ارْتِفَاع لَا مَنْدُوب يَقْتَضِي وجود مَنْدُوب، فَلَو ارْتَفع مَعَ ذَلِك لَا وَاجِب لزم تحقق وَاجِب فَيلْزم أَن يكون ذَلِك الشَّيْء وَاجِبا ومندوبا، وَهَذَا خلف، وَإِذا ثَبت أَنَّهُمَا لَا يرتفعان مَعًا فمهما فرض ارْتِفَاع أَحدهمَا لزم وجود الآخر، وَإِلَّا يلْزم ارتفاعهما مَعًا (الطَّرِيق الثَّالِث) الْقيَاس الاقتراني وَهُوَ (انتساب الْمُنَاسب) للمطلوب (وَهُوَ) أَي الْمُنَاسب (الْوسط) أَي الْحَد الْأَوْسَط (لكل) اللَّام صلَة للانتساب: أَي لكل وَاحِد (من طرفِي الْمَطْلُوب) الْمَوْضُوع والمحمول (بِالْوَضْعِ والحل) بَيَان للانتساب أَي بِأَن يكون مَوْضُوعا لكل مِنْهُمَا، أَو مَحْمُولا لكل مِنْهُمَا أَو مَوْضُوعا لأَحَدهمَا مَحْمُولا للْآخر على مَا سنبين، وَذَلِكَ لِأَن النِّسْبَة بَين طَرفَيْهِ لما كَانَت مَجْهُولَة نظرية احْتِيجَ إِلَى أَمر ثَالِث مَعْلُوم النِّسْبَة إِلَى كل مِنْهُمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْعلم بهَا (فَيلْزم) فِي تحقق انتسابه لَهما (جملتان خبريتان) تشْتَمل إِحْدَاهمَا على مَوْضُوع الْمَطْلُوب وَالْوسط، وَالْأُخْرَى على محموله مَعَه، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وهما) أَي الجملتان (المقدمتان) اللَّتَان هما جزآ الْقيَاس المركبان فِي الْحَقِيقَة (من) حُدُود (ثَلَاثَة) طرفِي الْمَطْلُوب، وَالْحَد الْأَوْسَط ينْفَرد كل مِنْهُمَا بِأحد طَرفَيْهِ، ويشتركان فِي الْأَوْسَط، وَإِنَّمَا لم يعْتَبر الْأَوْسَط اثْنَيْنِ مَعَ أَنه فِي الصُّورَة كَذَلِك (لتكرر الْوسط) والمكرر شَيْء وَاحِد فِي الْمَعْنى (وَيُسمى الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فِي الْمَطْلُوب) حدا (أَصْغَر) لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَب أخص من الْمَحْمُول، والأخص أقل أفرادا، فَيكون
стр. 38
أَصْغَر (وَبِه فِيهِ) أَي وَيُسمى الْمَحْكُوم بِهِ فِي الْمَطْلُوب حدا (أكبر) لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَب أَعم (والمشترك) المكرر بَين الْأَصْغَر والأكبر حدا (أَوسط) لتوسطه بَينهمَا (وباعتبارهما) أَي الْأَصْغَر والأكبر يُسمى (المقدمتان) صغرى وكبرى لاشتمالهما عَلَيْهِمَا (وَيتَصَوَّر) على صِيغَة الْمَجْهُول الانتساب الْمَذْكُور (بِأَرْبَع صور لِأَن المتكرر) أما (مَحْمُول فِي الصُّغْرَى مَوْضُوع فِي الْكُبْرَى، أَو عَكسه، أَو مَوْضُوع فيهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى (أَو مَحْمُول) فيهمَا (وكل صُورَة) من الصُّور الْأَرْبَع (تسمى شكلا) فَالْأولى تسمى الشكل الأول، وَالثَّانيَِة الشكل الرَّابِع، وَالثَّالِثَة الشكل الثَّالِث، وَالرَّابِعَة الشكل الثَّانِي، كَمَا سنبين (وقطعية اللَّازِم) أَي لَازم الأشكال يَعْنِي: النتيجة (بقطعيتهما) أَي الصُّغْرَى والكبرى، لِأَن لَازم الْقطعِي قَطْعِيّ إِذا كَانَ الاستلزام قَطْعِيا، كَمَا فِي الأشكال الْأَرْبَعَة (وَهُوَ) أَي الْقيَاس الْقطعِي اللَّازِم لقطعيتهما (الْبُرْهَان) وَإِنَّمَا سمي بِهِ لوضوح دلَالَته، أخذا من برهَان الشَّمْس، وَهُوَ الشعاع الَّذِي يَلِي وَجههَا (وظنيته) أَي اللَّازِم (بظنية إِحْدَاهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى (وَهُوَ) أَي الْقيَاس الظني اللَّازِم (الأمارة) غير أَن الإنتاج قَطْعِيّ سَوَاء كَانَ اللَّازِم والملزوم قطعيين أَو ظنيين (الشكل الأول) يتَحَقَّق (بِحمْلِهِ) أَي الْوسط (فِي الصُّغْرَى وَوَضعه فِي الْكُبْرَى شَرط استلزامه) أَي هَذَا الشكل للمطلوب من حَيْثُ الكيف (إِيجَاب صغراه) ليندرج الْأَصْغَر تَحت الْأَوْسَط ليثبت لَهُ الْأَكْبَر أَو يَنْفِي عَنهُ فِي الْكُبْرَى عِنْد إثْبَاته للأوسط أَو نَفْيه عَنهُ، وَهَذَا الشَّرْط مُعْتَبر فِي جَمِيع صوره (إِلَّا فِي) صُورَة (مُسَاوَاة طرفِي الْكُبْرَى) موضوعها، وَهُوَ الْأَوْسَط ومحمولها وَهُوَ الْأَكْبَر فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ ينْتج، وَإِن كَانَت صغراه سالبة، لَكِن بِشَرْط أَن تكون الْكُبْرَى مُوجبَة، وَذَلِكَ لِأَن أحد المتساويين إِذا سلب عَن شَيْء سلبا كليا أَو جزئيا لزم سلب الآخر كَذَلِك، وَإِلَّا لزم تحقق أَحدهمَا بِدُونِ الآخر، وَلم يذكر الشَّرْط اكْتِفَاء بِمَا سَيَأْتِي من قَوْله وَقَلبه فِي التَّسَاوِي، وَظُهُور عدم إنتاج السالبتين نَحْو لَا شَيْء من الْإِنْسَان بفرس وَلَا شَيْء من الْفرس بناطق (و) شَرطه من حَيْثُ الْكمّ (كُلية الْكُبْرَى) ليعلم اندراج الْأَصْغَر تَحت حكمهَا تَحْقِيقا، فَإِن قَوْلنَا الْإِنْسَان حَيَوَان، وَبَعض الْحَيَوَان فرس غير منتج (فَيحصل) بِاشْتِرَاط الْأَمريْنِ (ضروب) أَرْبَعَة فِي غير صُورَة الْمُسَاوَاة، وَبهَا سِتَّة، الأول (كليتان موجبتان) فينتج مُوجبَة كُلية نَحْو (كل جص مَكِيل، وكل مَكِيل رِبَوِيّ، فَكل جص رِبَوِيّ و) الثَّانِي مَا كَانَ (بكيفيته) أَي الضَّرْب الأول، وهما إِيجَاب الصُّغْرَى والكبرى (وَالصُّغْرَى جزئية) نَحْو (بعض الْوضُوء منوي، وكل منوي عبَادَة، فبعض الْوضُوء عبَادَة، و) الثَّالِث (كليتان الأولى مُوجبَة) وَالثَّانيَِة سالبة والنتيجة سالبة كُلية نَحْو (كل وضوء
стр. 39
مَقْصُود لغيره) وَهُوَ فعل مَا لَا يَصح بِدُونِهِ (وَلَا مَقْصُود لغيره يشْتَرط فِيهِ نِيَّة فَلَا وضوء يشْتَرط فِيهِ نِيَّة و) الْخَامِس وَالسَّادِس (قلبه) أَي الثَّالِث من حَيْثُ الكيف بِأَن تكون الصُّغْرَى سالبة كُلية أَو جزئية كَمَا عرفت، والكبرى مُوجبَة (فِي التَّسَاوِي فَقَط) نَحْو (لَا شَيْء من الْإِنْسَان بصهال، وكل صهال فرس) فَلَا شَيْء من الْإِنْسَان بفرس (وَلَو قلت بدل فرس (حَيَوَان لم يَصح) لعدم الإنتاج لجَوَاز أَن يكون الأخض مسلوبا عَن شَيْء مَعَ ثُبُوت الْأَعَمّ لَهُ (و) الرَّابِع مَا كَانَ (بكيفيتي مَا قبله) أَي قبل الْقلب، وهما إِيجَاب الصُّغْرَى وسلب الْكُبْرَى (وَالْأولَى جزئية) فتركيبه من مُوجبَة جزئية وسالبة كُلية، والنتيجة سالبة جزئية نَحْو بعض الْأَبْيَض حَيَوَان، وَلَا شَيْء من الْحَيَوَان بِحجر فبعض الْأَبْيَض لَيْسَ بِحجر (وإنتاج) الضروب المنتجة فِي (هَذَا) الشكل (ضَرُورِيّ) بَين بِنَفسِهِ لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل (وباقيها) أَي وإنتاج بَاقِي الْإِشْكَال الْأَرْبَعَة (نَظَرِي) يحْتَاج إِلَيْهِ (فَيرد) أَي الْبَاقِي عِنْد بَيَان إنتاجه (إِلَى الضَّرُورِيّ) أَي إِلَى الشكل الأول الضَّرُورِيّ إنتاجه، وَاللَّام للْعهد، وَسَيَأْتِي كَيْفيَّة الرَّد، وَفِيه إِشَارَة إِلَى انحصار الضَّرُورِيّ فِيهِ (الشكل الثَّانِي) يحصل (بِحمْلِهِ) أَي الْوسط (فيهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى على الْأَصْغَر والأكبر (شَرطه) أَي شَرط استلزامه الْمَطْلُوب بِحَسب الكيف (اخْتِلَافهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى (كيفا) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الِاخْتِلَاف إِلَيْهِمَا كَأَن تكون إِحْدَاهمَا مُوجبَة وَالْأُخْرَى سالبة (و) بِحَسب الْكمّ (كُلية كبراه فَلَا ينْتج) هَذَا الشكل (إِلَّا سلبا والنتيجة تَتَضَمَّن أبدا) أَي دَائِما (مَا فيهمَا) أَي المقدمتين (من خسة) بَيَان للموصول (سلب وجزئية) بدل من الخسة، وَذَلِكَ لِأَن الْأَشْرَف الْإِيجَاب الْكُلِّي (ضروبه) المنتجة بِحَسب الشَّرْطَيْنِ أَرْبَعَة، الأول (كليتان الأولى مُوجبَة) وَالثَّانيَِة سالبة فينتج سالبة كُلية نَحْو (السّلم) أَي بيع السّلم (رخصَة للمفاليس وَلَا حَال) أَي بيع الْحَال الَّذِي يجب تَسْلِيمه فِي الْحَال (بِرُخْصَة للمفاليس فَلَا سلم حَال، رده) أَي رد هَذَا الضَّرْب إِلَى الشكل الأول (بعكس الثَّانِيَة) أَي الْكُبْرَى عكسا مستويا بِأَن يُقَال وَلَا رخصَة لَهُم بِحَال (والسالبة تنعكس) إِلَى سالبة كميتها (ككميتها) فالسالبة الْكُلية إِلَى السالبة الْكُلية والجزئية إِلَى الْجُزْئِيَّة (بالاستقامة) أَي بالاستواء أَو من غير تخلف، فَإِن الضَّابِط إِذا تخلف خرج عَن الاسْتقَامَة (والموجبة الْكُلية) تنعكس مستويا مُوجبَة (جزئية إِلَّا فِي) صُورَة (مُسَاوَاة طرفيها) فَإِنَّهَا تنعكس حِينَئِذٍ كُلية فَكل إِنْسَان حَيَوَان ينعكس إِلَى بعض الْحَيَوَان إِنْسَان، وكل إِنْسَان نَاطِق ينعكس إِلَى كل نَاطِق إِنْسَان وَالِاسْتِثْنَاء هَهُنَا، وَفِيمَا تقدم من زَوَائِد المُصَنّف على المنطقيين (و) الضَّرْب الثَّانِي (قلبه) أَي الضَّرْب الأول كليتان سالبة صغرى وموجبة كبرى
стр. 40
فينتج سالبة كُلية نَحْو لَا شَيْء من الْحَال بِرُخْصَة، وكل سلم رخصَة فَلَا شَيْء من الْحَال بسلم (ورده) إِلَى الشكل الأول (بعكس الصُّغْرَى) وَهُوَ لَا شَيْء من الرُّخْصَة بِحَال (وَجعلهَا) أَي الصُّغْرَى (كبرى) والكبرى صغرى، فَيصير كل سلم رخصَة، وَلَا شَيْء من الرُّخْصَة بِحَال فينتج لَا شَيْء من السّلم بِحَال (ثمَّ عكس النتيجة) وَهُوَ عين الْمَطْلُوب (و) الضَّرْب الثَّالِث (كَالْأولِ إِلَّا أَن الأولى جزئية) نَحْو (بعض الْوضُوء غير منوي، وَلَا عبَادَة غير منوي فبعض الْوضُوء لَيْسَ عبَادَة)، و (رده) إِلَى الشكل الأول (كَالْأولِ) أَي كرد الضَّرْب الأول من هَذَا الشكل فَهُوَ بعكس الْكُبْرَى، فَتَقول بعض الْوضُوء غير منوي وَلَا غير منوي بِعبَادة فينتج الْمَذْكُور (و) الضَّرْب الرَّابِع (كالثاني) أَي كالضرب الثَّانِي من هَذَا الشكل (إِلَّا أَن أولاه) أَي أولى هَذَا (جزئية) وَأولى الثَّانِي كُلية، فَهُوَ صغرى سالبة جزئية وكبرى مُوجبَة كُلية ينْتج سالبة جزئية نَحْو (بعض الْغَائِب لَيْسَ بِمَعْلُوم وكل مَا يَصح بَيْعه مَعْلُوم، فبعض الْغَائِب لَا يَصح بَيْعه، رده بعكس الثَّانِيَة بعكس النقيض) وَهُوَ عِنْد قدماء المنطقيين جعل نقيض الْجُزْء الثَّانِي أَولا، ونقيض الأول ثَانِيًا مَعَ بَقَاء الكيف والصدق بحالهما، وَعند متأخريهم، وَعين الْجُزْء الأول ثَانِيًا مَعَ الْمُخَالفَة فِي الكيف، فعلى الأول تَقول كل مَا لَيْسَ بِمَعْلُوم مَا لَا يَصح بَيْعه، وعَلى الثَّانِي لَا شَيْء مِمَّا لَيْسَ بِمَعْلُوم يَصح بَيْعه (وبالخلف) أَي بِالْقِيَاسِ الْخلف عطف على قَوْله بعكس الثَّانِيَة (فِي كل ضروبه جعل نقيض الْمَطْلُوب) تَفْسِير للخلف وَبدل مِنْهُ (وَهُوَ) أَي نقيض الْمَطْلُوب (الْمُوجبَة الْكُلية هُنَا) أَي فِي هَذَا الضَّرْب الرَّابِع من الشكل الثَّانِي، لِأَن الْمَطْلُوب فِيهِ سالبة جزئية (صغرى) الشكل (الأول وتضم الْكُبْرَى) من ضروبه مَعَ الصُّغْرَى (إِلَيْهَا يسْتَلْزم) هَذَا الصَّنِيع (بِالآخِرَة كذب نقيض الْمَطْلُوب، فالمطلوب حق) تَصْوِيره فِي الْمِثَال الْمَذْكُور كل غَائِب يَصح بَيْعه، وكل مَا يَصح بَيْعه مَعْلُوم، ينْتج كل غَائِب مَعْلُوم، وَهَذَا يُنَاقض مَا هُوَ صَادِق: أَعنِي صغرى الضَّرْب الْمَذْكُور، وَهُوَ بعض الْغَائِب لَيْسَ بِمَعْلُوم، ونقيض الصَّادِق لَا يكون صَادِقا، فقد علمت أَن الصَّنِيع الْمَذْكُور يسْتَلْزم نقيض الصُّغْرَى الصادقة، وعندك مُقَدّمَة مقررة، وَهِي أَن مَا يسْتَلْزم نقيض الصادقة كَاذِب فيتهيأ لَك بِضَم هَذِه مَعَ تِلْكَ برهَان على كذب نقيض الْمَطْلُوب، وَلِهَذَا قَالَ يسْتَلْزم بِالآخِرَة وَقس عَلَيْهِ الضروب الْمَاضِيَة، وَإِنَّمَا سمي خلفا لاستلزامه بَاطِلا كَمَا عرفت، وَقيل لِأَنَّهُ يَأْتِي الْمَطْلُوب لَا على سَبِيل الاسْتقَامَة بل من خَلفه (الشكل الثَّالِث) يحصل (بِوَضْعِهِ) أَي بِوَضْع الْوسط (فيهمَا) أَي فِي صغراه وكبراه (شَرطه) بِحَسب الكيف (إِيجَاب صغراه و) بِحَسب الْكمّ (كُلية إِحْدَاهمَا) الصُّغْرَى أَو الْكُبْرَى (ضروبه) المنتجة سِتَّة: الأول (كليتان موجبتان) والنتيجة
стр. 41
مُوجبَة جزئية نَحْو (كل بر مَكِيل وكل بر رِبَوِيّ فبعض الْمكيل رِبَوِيّ) وَإِنَّمَا ينْتج بَريَّة (لِأَن رده بعكس الأولى) عكسا مستويا، والموجبة الْكُلية تنعكس إِلَى الْجُزْئِيَّة والنتيجة تتبع أخس المقدمتين (فَلَو كَانَت) الأولى من هَذَا الضَّرْب (مُتَسَاوِيَة الجزءين أنتج كليا) لِأَن عكس الْمُوجبَة الْكُلية مُوجبَة كُلية كَمَا مر (و) الضَّرْب الثَّانِي مِنْهُ (مثله) أَي مثل الضَّرْب الأول مِنْهُ فِي الكيف والكم (إِلَّا أَن الأولى جزئية) فَهُوَ مُوجبَة جزئية صغرى وموجبة كُلية كبرى (ينْتج مثله) أَي مثل الضَّرْب الأول مُوجبَة جزئية نَحْو بعض الْمكيل بر وكل مَكِيل رِبَوِيّ، فبعض الْبر رِبَوِيّ (وَيرد) إِلَى الشكل الأول (بعكس الصُّغْرَى) وَهُوَ ظَاهر (و) الضَّرْب الثَّالِث مِنْهُ (عكس) الضَّرْب (الثَّانِي) مِنْهُ، فَهُوَ مُوجبَة كُلية صغرى وموجبة جزئية كبرى (ينْتج كَالْأولِ) أَي كالضرب الأول مِنْهُ مُوجبَة جزئية (ورده) إِلَى الشكل الأول (بِجعْل عكس الْكُبْرَى صغرى) لعدم صلاحيتها لِأَن تكون كبرى الشكل الأول لجزئيتها وَتجْعَل عين الصُّغْرَى كبرى تَقول فِيمَا إِذا كَانَ الْمُدَّعِي بعض الْمكيل رِبَوِيّ بعض الرِّبَوِيّ بر وكل بر مَكِيل، فبعض الرِّبَوِيّ مَكِيل (وَعكس النتيجة) اللَّازِمَة ليصير بعض الْمكيل رِبَوِيّ (فَلَو) كَانَت (الصُّغْرَى مُتَسَاوِيَة) أَي مُتَسَاوِيَة الجزءين (عكست) فَإِن الْمُوجبَة الْكُلية تنعكس حِينَئِذٍ كنفسها كَمَا مر غير مرّة (وَعكس النتيجة) ذكر بعض من قَرَأَ الْكتاب على المُصَنّف ﵀ فِي شَرحه عَلَيْهِ أَن المُصَنّف ﵀ زَاد قَوْله فَلَو الصُّغْرَى إِلَى آخِره بِالآخِرَة، وَفَسرهُ بِمَا حَاصله أَن عدم عكس الصُّغْرَى هَهُنَا لِأَنَّهَا تنعكس جزئية وَلَا يصلح الشكل الأول من الجزئيتين وَالصُّغْرَى المتساوية الجزءين تنعكس كُلية، وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَة إِلَى عكس النتيجة انْتهى، ثمَّ ذكر أَن هَذِه الزِّيَادَة غير مُسْتَقِيمَة عِنْده وَحملهَا على الذهول والغفلة إِذْ لَا يحصل الشكل الأول بعكس الصُّغْرَى هُنَا أصلا، لِأَنَّهَا إِن جعلت صغرى كَأَصْلِهَا فَاتَ كُلية الْكُبْرَى. وَإِن جعلت كبرى فإمَّا أَن يَجْعَل عين الْكُبْرَى صغرى أَو عكسها، فعلى الأول كَانَ الْأَوْسَط مَوْضُوعا فِي الصُّغْرَى مَحْمُولا فِي الْكُبْرَى، وعَلى الثَّانِي مَحْمُولا فيهمَا، هَذَا ملخص كَلَامه وَاعْلَم هداك الله لفهم الإشارات الْخفية فِي الْعبارَات الْعلية أَن مُسَاوَاة طرفِي صغرى الشكل الأول تسْقط اشْتِرَاط الْكُلية فِي كبراه كَمَا أَن مُسَاوَاة طرفِي كبراه تسْقط اشْتِرَاط الْإِيجَاب فِي صغراه، فَكَمَا أَن نفي أحد المتساويين وَهُوَ الْأَوْسَط عَن الْأَصْغَر يسْتَلْزم نفي الآخر، وَهُوَ الْأَكْبَر عَنهُ، وَإِلَّا لم يبْق بَينهمَا مُسَاوَاة، فَكَذَلِك إِثْبَات أحد المتساويين وَهُوَ الْأَوْسَط لشَيْء، وَهُوَ الْأَصْغَر هُنَا يسْتَلْزم إِثْبَات الآخر وَهُوَ الْأَكْبَر لَهُ، وَإِلَّا لزم وجود أحد المتساويين بِدُونِ الآخر، وكما أَن الإنتاج فِي صُورَة الْمُسَاوَاة مَعَ عدم كُلية الْكُبْرَى
стр. 42
لَيْسَ لصورة الشكل، بل لخصوصية الْمَادَّة وَوُجُود الْمُسَاوَاة كَذَلِك فِيهَا مَعَ عدم إِيجَاب الصُّغْرَى غير أَن المُصَنّف ﵀ صرح فِي صُورَة مُسَاوَاة طرفِي الْكُبْرَى بِعَدَمِ اشْتِرَاط إِيجَاب الصُّغْرَى وَاكْتفى هُنَا بِالْإِشَارَةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ شَأْن هَذَا الْكتاب ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله وَعكس النتيجة هَهُنَا غير مَحْمُول على مَا حمل عَلَيْهِ أَولا، بل المُرَاد بِهِ أَن النتيجة الْحَاصِلَة حِينَئِذٍ على عكس النتيجة الْحَاصِلَة على تَقْدِير جعل عكس الْكُبْرَى صغرى وَعين الصُّغْرَى كبرى، فَلَا حَاجَة إِلَى أَن تعكس، وَفَائِدَة عكس الصُّغْرَى كُلية صيرورة الْوسط مَحْمُولا فِيهَا وَظُهُور الْمُسَاوَاة بَين طرفيها بملاحظة الأَصْل وَالْعَكْس (و) الضَّرْب الرَّابِع مِنْهُ (كليتان الثَّانِيَة سالبة) وَالْأولَى مُوجبَة نَحْو (كل بر مَكِيل وكل بر لَا يجوز بَيْعه بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا فبعض الْمكيل لَا يجوز بَيْعه بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا، ينْتج) هَذَا الضَّرْب (كَالْأولِ) أَي كالضرب الأول مِنْهُ (فِي) صُورَة (الْمُسَاوَاة) أَي مُسَاوَاة جزئي الصُّغْرَى، فالنتيجة هَهُنَا سالبة كُلية، نَحْو كل فرس صهال، وَلَا شَيْء من الْفرس بانسان فَلَا شَيْء من الصهال بانسان (و) فِي صُورَة (الأعمية) أَي فِيمَا إِذا كَانَ مَحْمُول الصُّغْرَى أَعم من موضوعها، فالنتيجة حِينَئِذٍ سالبة جزئية (وَيرد) إِلَى الشكل الأول (بعكس الصُّغْرَى) كَمَا فِي الضَّرْب الأول (و) الضَّرْب الْخَامِس مِنْهُ (كالرابع إِلَّا أَن أولاه جزئية) فَهُوَ جزئية مُوجبَة صغرى وكلية سالبة كبرى (ينْتج سلبا جزئيا) نَحْو بعض الْمَوْزُون رِبَوِيّ وَلَا شَيْء من الْمَوْزُون يُبَاع بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا، فبعض الرِّبَوِيّ لَا يُبَاع بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا (وَيرد) إِلَى الشكل الأول بعكس الصُّغْرَى (مثله) أَي الرَّابِع فِي صُورَة الأعمية، فَيُقَال فِي الْمِثَال الْمَذْكُور بعض الرِّبَوِيّ مَوْزُون الخ (و) الضَّرْب السَّادِس (قلبه) أَي الضَّرْب الْخَامِس (كمية) لَا كَيْفيَّة فَهُوَ مُوجبَة كُلية صغرى وسالبة جزئية كبرى (ينْتج مثله) أَي الْخَامِس سلبا جزئيا نَحْو (كل بر مَكِيل وَبَعض الْبر لَا يُبَاع بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا، فبعض الْمكيل لَا يُبَاع إِلَى آخِره) أَي بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا (ورده بِاعْتِبَار الْكُبْرَى مُوجبَة سالبة الْمَحْمُول) أَي رده إِلَى الشكل الأول بِأَن يعْتَبر كبراه السالبة الْجُزْئِيَّة مُوجبَة سالبة الْمَحْمُول بِجعْل السَّلب الْوَارِد على النِّسْبَة الإيجابية جُزْءا للمحمول، ثمَّ إِثْبَات ذَلِك السَّلب للموضوع (وَهِي) أَي الْمُوجبَة الْمَذْكُورَة (لَازِمَة للسالبة) البسيطة كَمَا أَن السالبة البسيطة لَازِمَة لَهَا، وَمن ثمَّ لَا تَقْتَضِي وجود الْمَوْضُوع، بِخِلَاف المعدولة، فَإِنَّهَا تَقْتَضِيه كَمَا بَين فِي مَوْضِعه، ولصيرورتها مُوجبَة تنعكس مَعَ كَونهَا جزئية (وبجعل عكسها صغرى) للشكل الأول، فَهُوَ إِذن مُوجبَة سالبة الْمَوْضُوع صغرى، وموجبة كُلية كبرى كَانَت فِي الأَصْل صغرى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لكل بر مَكِيل فينتج مَا ينعكس إِلَى الْمَطْلُوب) وَهُوَ مَا لَا يُبَاع بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا مَكِيل ينعكس إِلَى بعض الْمكيل لَا يُبَاع إِلَى آخِره (وَيبين هَذَا) الضَّرْب
стр. 43
(وَمَا قبله) من الضروب الْخَمْسَة (بالخلف) أَيْضا، وَقد مر بَيَانه فِي الشكل الثَّانِي (إِلَّا أَنَّك تجْعَل نقيض الْمَطْلُوب كبرى) لصغرى الشكل الأول هُنَا، وَقد جعلته صغرى لكبراه هُنَاكَ فَتَقول لَو لم يصدق بعض الْمكيل لَا يُبَاع إِلَى آخِره لصدق كل مَكِيل يُبَاع إِلَى آخِره فَيجْعَل كبرى للصغرى الْمَذْكُورَة، وَهِي كل بر مَكِيل، فَيصير كل بر مَكِيل وكل مَكِيل يُبَاع إِلَى آخِره فينتج كل بر يُبَاع إِلَى آخِره، وَهَذَا يُنَاقض كبرى الأَصْل الْمَفْرُوض صدقهَا: أَي بعض الْبر لَا يُبَاع إِلَى آخِره فَيتَعَيَّن كذب نقيض الْمَطْلُوب فَيثبت (الشكل الرَّابِع خَالف) الشكل (الأول فيهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى، فالأسوط مَوْضُوع فِي الصُّغْرَى مَحْمُول فِي الْكُبْرَى (فَرده) إِلَى الأول (بعكسهما) أَي الصُّغْرَى والكبرى مستويا ويبقيان على حَالهمَا من التَّرْتِيب (أَو قلبهما) بِتَقْدِيم الْكُبْرَى على الصُّغْرَى (فَإِذا كَانَت صغراه) أَي الرَّابِع (مُوجبَة كُلية أنتج مَعَ السالبة الْكُلية) الَّتِي هِيَ كبراه سالبة جزئية، لِأَن صغراه تنعكس إِلَى مُوجبَة جزئية، والنتيجة تتبع الأخس من الْجُزْئِيَّة وَالسَّلب كَمَا عرفت (برده) إِلَى الشكل الأول (بعكس المقدمتين فَقَط) أَي لَا مَعَ الْقلب أَيْضا (لعدم السَّلب فِي صغرى) الشكل (الأول) وَهُوَ لَازم للقلب (و) أنتج صغراه الْمُوجبَة الْكُلية (مَعَ الموجبتين) الْكُلية والجزئية كبريين مُوجبَة جزئية برده (بقلبهما) أَي المقدمتين (ثمَّ عكس النتيجة لَا بعكسهما لبُطْلَان) تركيب الْقيَاس من (الجزئيتين فَسَقَطت السالبة الْجُزْئِيَّة) فِي هَذَا الشكل لعدم صلاحيتها أَن تكون صغرى أَو كبرى (لانْتِفَاء) الإنتاج بِأحد (الطَّرِيقَيْنِ) الْعَكْس وَالْقلب (مَعهَا) أَي السالبة الْجُزْئِيَّة فِي هَذَا الشكل إِن كَانَت إِحْدَى مقدمتيه فَإِنَّهَا إِن كَانَت صغرى لَا تنعكس وَلَا تصلح لِأَن تكون كبرى لجزئيتها فَامْتنعَ الْقلب أَيْضا، وَإِن كَانَت كبرى لَا يَصح إبقاؤها لما ذكر، وَلَا جعلهَا صغرى لكَونهَا سالبة (وَلَو تَسَاويا) أَي الطرفان (فِي الْكُبْرَى الْمُوجبَة الْكُلية صَحَّ) رد هَذَا الضَّرْب إِلَى الشكل الأول (بعكسهما) أَي الصُّغْرَى والكبرى لانْتِفَاء الْمَانِع، وَهُوَ جزئية الْكُبْرَى، فَإِن الْمُوجبَة الْكُلية عِنْد مُسَاوَاة طرفيها تنعكس كُلية، فالنتيجة حِينَئِذٍ كُلية إِن تَسَاويا فِي الصُّغْرَى أَيْضا وَإِلَّا فموجبة جزئيه (وَإِذا كَانَت الصُّغْرَى) فِي هَذَا الشكل (مُوجبَة جزئية فَيجب كَون الْأُخْرَى السالبة الْكُلية) لسُقُوط السالبة الْجُزْئِيَّة لما مر، وانعكاس الموجبتين جزئية فَلَا يصلحان لِأَن يَكُونَا كبريين بعد الْعَكْس، وَلَو جعلا صغريين بطرِيق الْقلب لزم حِينَئِذٍ أَن يَجْعَل الْمُوجبَة الْجُزْئِيَّة كبرى (وعَلى التَّسَاوِي) أَي تَسَاوِي طرفِي الْكُبْرَى (تجوزا الْمُوجبَة الْكُلية) أَن تكون كبرى لانْتِفَاء الْمَانِع بانعكاسها كُلية (أَو) كَانَت الصُّغْرَى فِي هَذَا الشكل (السالبة الْكُلية فَيجب) حِينَئِذٍ
стр. 44
أَن تكون (الْكُبْرَى كُلية مُوجبَة لِامْتِنَاع خلاف ذَلِك) أما الْمُوجبَة الْجُزْئِيَّة فَلِأَنَّهَا لَو عكست وعكست الأولى لزم كَون الْكُبْرَى جزئية فِي الشكل الأول وَلَو قلبت لم يكن بُد من قلب النتيجة، والسالبة الْجُزْئِيَّة لَا تنعكس، وَأما السالبة الْكُلية أَو الْجُزْئِيَّة فَلِأَنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ تركب الْقيَاس من سابتين وهما غير منتجان كَمَا مر، فَحِينَئِذٍ (ضروبه) المنتجة خَمْسَة الأول (كليتان موجبتان) تنْتج مُوجبَة جزئية نَحْو (كل مَا يلْزم عبَادَة مفتقر إِلَى النِّيَّة وكل تيَمّم يلْزم عبَادَة لَازمه كل تيَمّم مفتقر إِلَى النِّيَّة بقلب المقدمتين) فَتَقول كل تيَمّم يلْزم عبَادَة وكل مَا يلْزم عبَادَة مفتقر إِلَى النِّيَّة فينتج اللَّازِم الْمَذْكُور ثمَّ يعكس إِلَى الْمَطْلُوب) جزئيا (وَهُوَ بعض المفتقر) إِلَى النِّيَّة (تيَمّم فَإِن قلت مَا السَّبَب) فِي اعْتِبَار هَذِه الْجُزْئِيَّة مَطْلُوبا للضرب الْمَذْكُور دون الْكُلية الَّتِي ينعكس إِلَيْهَا (وكل) وَاحِد (من لُزُوم الْكُلية) الْمَذْكُورَة للضرب الْمَذْكُور لُزُوما بَينا (و) من (مَعْنَاهَا) أَي الْكُلية الْمَذْكُورَة من حَيْثُ كليتها (صَحِيح) وَالْأول يدل على صِحَة الْقيَاس من حَيْثُ الصُّورَة. وَالثَّانِي على صِحَّته من حَيْثُ الْمَادَّة (قيل) فِي الْجَواب إِنَّمَا اعْتبرت دون الْكُلية (لفرض كَون الصُّغْرَى مُطلقًا): أَي لِأَن الْمَفْرُوض فِي الْقيَاس الاقتراني كَون الصُّغْرَى مُطلقًا فِي أَي شكل كَانَت (مَا اشْتَمَل) أَي قَضِيَّة اشْتَمَلت (على مَوْضُوع الْمَطْلُوب والكبرى) مُطلقًا مَا اشْتَمَل على (محموله فَإِذا زعمت أَن الِاسْتِدْلَال) فِي الْمِثَال الْمَذْكُور مثلا على أَن بعض المفتقر إِلَى النِّيَّة تيَمّم (بالرابع) أَي بالشكل الرَّابِع (كَانَ المفتقر مَوْضُوعه) أَي الْمَطْلُوب (وَالتَّيَمُّم محموله) حَتَّى إِذا قلبنا أنتج بالشكل الأول مَا ينعكس إِلَى الْمَطْلُوب على مَا بَين فِي بَيَان رده إِلَى الأول، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْحَاصِل) من الشكل الرَّابِع بعد الصَّنِيع الْمَذْكُور (عِنْد) قصد (الرَّد) إِلَى الشكل الأول (عَكسه) أَي الْمَطْلُوب (فينعكس) الْحَاصِل من الضَّرْب الْمَذْكُور (جزئيا) لِأَنَّهُ مُوجبَة كُلية، وَقد عرفت أَنَّهَا تنعكس مُوجبَة جزئية (وَلَو تَسَاويا) أَي الطرفان فِي الْحَاصِل الْمَذْكُور (كَانَ) عَكسه (كليا) كَمَا مر غير مرّة، الضَّرْب (الثَّانِي مثله) أَي الضَّرْب الأول (إِلَّا أَن) الْمُقدمَة (الثَّانِيَة جزئية) نَحْو (كل عبَادَة بنية وَبَعض الْوضُوء عبَادَة) فبعض مَا هُوَ بنية وضوء (وَالرَّدّ وَاللَّازِم كَالْأولِ) غير أَن الْحَاصِل هَهُنَا مُوجبَة جزئية، تَقول بعض الْوضُوء عبَادَة، وكل عبَادَة بنية، فبعض الْوضُوء بنية وينعكس إِلَى بعض مَا هُوَ بنية وضوء، الضَّرْب (الثَّالِث كليتان، الأولى سالبة) وَالثَّانيَِة مُوجبَة نَحْو (كل عبَادَة لَا تستغنى عَن النِّيَّة، وكل مَنْدُوب عبَادَة ينْتج سالبة كُلية لَا مُسْتَغْنى) عَن النِّيَّة بمندوب (بِالْقَلْبِ وَالْعَكْس) أَي بقلب المقدمتين ليرد إِلَى الشكل الأول، ثمَّ عكس النتيجة إِلَى الْمَطْلُوب، الضَّرْب (الرَّابِع كليتان الثَّانِيَة سالبة) وَالْأولَى مُوجبَة (ينْتج جزئية سالبة) نَحْو (كل مُبَاح مستغن) عَن
стр. 45
النِّيَّة (وكل وضوء لَيْسَ بمباح، فبعض المستغنى عَن النِّيَّة لَيْسَ بِوضُوء، يرد) إِلَى الشكل الأول (بعكس المقدمتين) الأولى إِلَى مُوجبَة جزئية وَهِي بعض المستغنى عَن النِّيَّة مُبَاح، وَالثَّانيَِة إِلَى سالبة كُلية هِيَ كل مُبَاح لَيْسَ بِوضُوء فينتج بعض المستغنى لَيْسَ بِوضُوء (وَلَو كَانَ فِي الْمُوجبَة تساو) بَين طرفيها (كَانَت) النتيجة سالبة (كُلية) لكلية كلتا المتقدمتين عينا وعكسا الضَّرْب (الْخَامِس جزئية مُوجبَة وسالبة كُلية كالرابع لَازِما وردا) أَي لَازِمَة الْمَطْلُوب كلازمة الضَّرْب الرَّابِع فَهُوَ سلب جزئي، وَيرد إِلَى الشكل الأول مثله أَيْضا بعكس المقدمتين (وَيبين الْكل) أَي الضروب الْخَمْسَة (بالخلف) بِضَم نقيض النتيجة إِلَى إِحْدَى المقدمتين ينْتج مَا ينعكس إِلَى نقيض الْأُخْرَى فَفِي الضربين الْأَوَّلين المضموم إِلَيْهَا هُوَ الصُّغْرَى وَمَا ينعكس إِلَى نقيضه النتيجة هُوَ الْكُبْرَى، وَفِي الْبَاقِي هُوَ الْكُبْرَى وَمَا ينعكس إِلَى نقيضه هُوَ الصُّغْرَى، تَقول لَو لم يصدق بعض المفتقر إِلَى النِّيَّة تيَمّم لصدق لَا شَيْء من المفتقر إِلَيْهَا بِتَيَمُّم، وَيضم إِلَيْهَا كل مَا يلْزم عبَادَة مفتقر إِلَى النِّيَّة، فالصغرى هَذِه الْمُوجبَة الْكُلية، والكبرى تِلْكَ السالبة الْكُلية والنتيجة لَا شَيْء مِمَّا يلْزم عبَادَة بِتَيَمُّم وتنعكس إِلَى لَا شَيْء من التَّيَمُّم يلْزم عبَادَة وَهَذَا يُنَاقض كبرى الْمَرْدُود وَتقول لَو لم يصدق لَا مُسْتَغْنى عَن النِّيَّة بمندوب لصدق بعض المستغنى عَنْهَا مَنْدُوب وكل مَنْدُوب عبَادَة ينْتج بعض المستغنى عَنْهَا عبَادَة وتنعكس إِلَى بعض الْعِبَادَة مستغن، وَهُوَ يُنَاقض كل عبَادَة لَا تستغنى (الطَّرِيق الرَّابِع الاستقراء تتبع الجزئيات) أَي استقصاء جزئية كلي كلهَا، أَو أَكْثَرهَا ليعرف ثُبُوت حكم لَهَا على سَبِيل الْعُمُوم أَو ضِدّه (فيستدل) بعد تتبعها (على الحكم الْكُلِّي) الشَّامِل لكل فَرد من أَفْرَاد الْمَحْكُوم عَلَيْهِ (بِثُبُوتِهِ): أَي ذَلِك الحكم (فِيهَا): أَي الجزئيات الْمَذْكُورَة، فَهُوَ اسْتِدْلَال بِحَال الجزئي على حَال الْكُلِّي (وَهُوَ) أَي الاستقراء قِسْمَانِ (تَامّ إِن استغرقت) الجزئيات بالتتبع (يُفِيد الْقطع) كالعدد إِمَّا زوج وَإِمَّا فَرد، وكل مِنْهُمَا بعده الْوَاحِد، فَكل عدد بعده الْوَاحِد، وَيُسمى قِيَاسا مقسمًا (وناقص خِلَافه) بِأَن لم تستغرق جزئياته بل أَكْثَرهَا، فَلَا يُفِيد الْقطع، بل الظَّن لجَوَاز أَن يكون مَا لم يستقرأ مِنْهَا على خلاف مَا استقرئ كتحرك الفك الْأَسْفَل عِنْد المضغ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكثر أَفْرَاد الْحَيَوَان بِخِلَاف التمساح، فَإِنَّهُ يُحَرك فكه الْأَعْلَى (فَأَما التَّمْثِيل وَهُوَ الْقيَاس الفقهي الْآتِي فَمن مَقَاصِد الْفَنّ) فَلَا يجوز عده من الْمُقدمَات بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (الرَّابِع) من الْأُمُور الَّتِي هِيَ مُقَدّمَة الْكتاب (استمداده) أَي مَا يستمد الْأُصُول مِنْهُ من قبيل إِطْلَاق اسْم أحد المتلازمين على الآخر (أَحْكَام) كُلية لغوية (استنبطوها) أَي استخرجها أهل هَذَا الْعلم من اللُّغَة الْعَرَبيَّة (لأقسام من) الْأَلْفَاظ (الْعَرَبيَّة) كالعام وَالْخَاص والمشترك والمرادف والحقيقة وَالْمجَاز
стр. 46
وَالظَّاهِر وَالنَّص إِلَى غير ذَلِك، وَالْجَار فِي قَوْله لأقسام مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ صفة أَحْكَام: أَعنِي مثبتة (جعلوها) أَي تِلْكَ الْأَحْكَام (مَادَّة لَهُ) أَي لهَذَا الْعلم وأجزاء لَهُ (لَيست) تِلْكَ الْأَحْكَام (مدونة قبله) أَي قبل تدوين هَذَا الْعلم وَإِن ذكرت فِي أثْنَاء استدلالاتهم فِي الْفُرُوع وأكثرها (فَكَانَت) الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة بَعْضًا (مِنْهُ) أَي هَذَا الْعلم وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن يُقَال بعض مَقَاصِد هَذَا الْعلم يتَوَقَّف على معرفَة بعض هَذِه الْأَحْكَام وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ مسَائِل الْعلم خَارج عَنهُ، أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَتوقف إِثْبَات بعض مطالبه) أَي هَذَا الْعلم (عَلَيْهَا) أَي الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (لَا يُنَافِي الاصالة لجَوَاز) كَون (مَسْأَلَة) من الْعلم (مبدأ لمسألة) أُخْرَى مِنْهُ، غَايَة الْأَمر كَونهَا خَارِجَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يتَوَقَّف عَلَيْهَا (وَهَذَا) أَي كَون هَذَا الْعلم يستمد من هَذِه الْأَحْكَام (لِأَن الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة مِنْهَا) أَي من تِلْكَ الْأَقْسَام (وَحمل حكم الْعَام مثلا) وَحمل حكم الْمُطلق على الْعَام (وَالْمُطلق لَيْسَ بِقَيْد كَونه) أَي الْعَام أَو الْمُطلق الْمَحْمُول عَلَيْهِ (عَام الْأَدِلَّة) الْمَذْكُورَة أَو مُطلقهَا (بل) على مُطلق الْعَام وَالْمُطلق غَايَة الْأَمر أَن الحكم الْمَحْمُول (ينطبق عَلَيْهَا) أَي عَام الْكتاب وَالسّنة ومطلقه انطباق حكم الْكُلِّي على جزئياته الإضافية، فَانْدفع مَا قيل من أَن الْأَحْكَام الكائنة لأقسام من الْعَرَبيَّة إِنَّمَا هِيَ مثبتة فِي هَذَا الْعلم على موضوعاتها من حَيْثُ إِنَّهَا من الْكتاب وَالسّنة لَا مُطلقًا، فَلَا يكون الْعلم مستمدا من الْأَحْكَام على الْوَجْه الَّذِي ذكرْتُمْ (وَقد يجْرِي فِيهَا) أَي فِي الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (خلاف) كَمَا سَيَأْتِي (وأجزاء مُسْتَقلَّة) مَعْطُوف على قَوْله أَحْكَام، وَتلك الْأَجْزَاء (تصورات الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة الْخَمْسَة الْوُجُوب وَالْحُرْمَة وَالنَّدْب وَالْكَرَاهَة وَالْإِبَاحَة، يُرِيد أَن وَجه استمداد الْأُصُول من الْأَحْكَام إِنَّمَا هُوَ من جِهَة مباديه التصورية إِذْ لَا بُد فِيهِ من تصورها ليمكن إِثْبَاتهَا أَو نَفيهَا كَمَا إِذا قُلْنَا الْأَمر للْوُجُوب لَا النّدب، وَإِنَّمَا صرح بِكَوْنِهَا أَجزَاء مُسْتَقلَّة دفعا لما ذكر فِي بعض الْحَوَاشِي من أَنَّهَا جعلت فِي الْفِقْه مبادئ اسْتِقْلَالا، وَفِي الْأُصُول استمدادا لكَونهَا محمولات لمسائل الْفِقْه وأعراضا ذاتية لموضوعه ومتعلقات لمحمولات مسَائِل الْأُصُول، وَبَين ذَلِك بقوله (كالفقه) أَي كَمَا أَن الْفِقْه يستمد من هَذِه الْأَجْزَاء (يجمعهما) أَي الْأُصُول وَالْفِقْه فِي الاستمداد مِنْهَا (الِاحْتِيَاج) الْكَائِن لكل مِنْهُمَا (إِلَى تصور محمولات الْمسَائِل) أَي مسائلهما، وَذَلِكَ لما عرفت من أَن مَوْضُوعَات مسَائِل الْأُصُول الْأَدِلَّة السمعية ومحمولاتها مَا يرجع إِلَى كَونهَا مثبتا للْحكم الشَّرْعِيّ، وموضوعات مسَائِل الْفِقْه أَفعَال الْمُكَلّفين ومحمولاتها الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (على أَن الظَّاهِر) أَن يكون (استمداد الْفِقْه إِيَّاهَا) أَي تصورات الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (مِنْهُ) أَي من علم الْأُصُول (لسبقه) أَي الْأُصُول الْفِقْه لكَونه فرعا
стр. 47
عَلَيْهِ (وَإِن لم يدون) الْأُصُول قبل الْفِقْه، فَإِن أول من دون الْفِقْه ورتب كتبه وأبوابه الإِمَام أَبُو حنيفَة ﵀. قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ من أَرَادَ الْفِقْه فَهُوَ عِيَال على أبي حنيفَة نَقله الفيروزابادي الشَّافِعِي ﵀ فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء وَغَيره، وَقَالَ المطرزي فِي الْإِيضَاح ذكر الإِمَام السَّرخسِيّ فِي كِتَابه أَن ابْن سُرَيج وَكَانَ مقدما فِي أَصْحَاب الشَّافِعِي بلغه أَن رجلا يَقع فِي أبي حنيفَة ﵀، فَدَعَاهُ فَقَالَ: يَا هَذَا أتقع فِي رجل يسلم لَهُ النَّاس ثَلَاثَة أَربَاع الْعلم وَهُوَ لَا يسلم لَهُم الرّبع، فَقَالَ: وَكَيف ذَلِك؟ فَقَالَ الْفِقْه: سُؤال وَجَوَاب، وَهُوَ الَّذِي تفرد بِوَضْع السُّؤَال فَسلم لَهُ نصف، ثمَّ أجَاب عَن السُّؤَال، وخصومه لَا يَقُولُونَ أَنه أَخطَأ فِي الْكل، فَإِذا جعلت مَا وافقوه فِيهِ مُقَابلا لما خالفوه فِيهِ سلم ثَلَاثَة أَربَاع الْعلم لَهُ وَبَقِي بَينه وَبَين جَمِيع النَّاس ربع الْعلم فَتَابَ الرجل، وَيُقَال أَن أول من دون فِي أصُول الْفِقْه اسْتِقْلَالا الإِمَام الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ صنف فِيهِ كتاب الرسَالَة بالتماس ابْن الْمهْدي (وَيزِيد) الْأُصُول على الْفِقْه استمدادا (بهَا) أَي بتصورات الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة لكَونهَا (مَوْضُوعَات) لمسائله (فِي مثل الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ أَولا، وَالْوَاجِب إِمَّا مُقَيّد بِالْوَقْتِ أَولا) وَلَيْسَ مثله فِي الْفِقْه فَلِذَا كَانَ أَكثر احتياجا (وَعنهُ) أَي عَن كَونهَا مَوْضُوعَات (عدت) الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (من الْمَوْضُوع) أَي من مَوْضُوع الْأُصُول، ثمَّ مُرَاد المُصَنّف ﵀ بِمَا مِنْهُ الاستمداد مَا بِحَيْثُ يكون مَادَّة وجزءا لهَذَا الْعلم، وَلِهَذَا لم يَجْعَل الاستمداد من ثَلَاثَة هذَيْن، وَالْكَلَام كَمَا جعله الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب مِنْهَا، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح والشأن فِي اخْتِيَار مَا هُوَ أولى بِالِاعْتِبَارِ (وَمَا قيل) من أَن علم الْأُصُول لَيْسَ علما بِرَأْسِهِ، بل هُوَ (كُله أَجزَاء عُلُوم) وأبعاضها جمعت من الْكَلَام وَالْفِقْه واللغة والْحَدِيث والجدل (بَاطِل) قَالَ شَارِح هَذَا الْكتاب أَن الْقَائِل هُوَ السُّبْكِيّ (وَمَا يخال) أَي يظنّ (من علم الحَدِيث) من الْأَحْوَال الراجعة إِلَى مَتنه أَو طَرِيقه كالعبرة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب وبعمل الصَّحَابِيّ لَا بروايته أَو بِالْعَكْسِ، وعدالة الرَّاوِي وجرحه أَن الْأُصُول يستمد مِنْهُ (لَيْسَ) الْبَحْث عَنهُ (استمدادا) لِلْأُصُولِ (بل تدَاخل موضوعي علمين) يَتَرَتَّب غايتهما على الْبَحْث عَن أَحْوَال شَيْء وَاحِد فيشتركان فِي الْمَوْضُوع أَو ينْدَرج مَوْضُوع أَحدهمَا تَحت مَوْضُوع الآخر على مَا مر (يُوجب مثله) أَي الِاشْتِرَاك فِي بعض الْأَحْكَام (و) الدَّلِيل (السمعي) الَّذِي هُوَ مَوْضُوع الْأُصُول (من حَيْثُ يُوصل) الْعلم بأحواله إِلَى قدرَة إِثْبَات الْأَحْكَام لأفعال الْمُكَلّفين (ينْدَرج فِيهِ) أَي السمعي (السمعي النَّبَوِيّ) الَّذِي هُوَ مَوْضُوع علم الحَدِيث اندراج الجزئي الإضافي تَحت الْكُلِّي، وَالْمرَاد بِهِ أَدِلَّة السّنة كَمَا ينْدَرج فِيهِ أَدِلَّة الْكتاب (من حَيْثُ كَيْفيَّة الثُّبُوت) وَكَون الْأُصُول باحثا من حَيْثُ
стр. 48
الإيصال لَا يُنَافِي بحثها من حَيْثُ كَيْفيَّة الثُّبُوت، بل الْبَحْث عَن الإيصال السمعي بعد معرفَة كَيْفيَّة ثُبُوته من صِحَة وَحسن وَغَيرهمَا، وَمن ثمَّة تخْتَلف صِفَات إِثْبَات الْأَحْكَام باخْتلَاف كَيْفيَّة ثُبُوت أدلتها قُوَّة وضعفا فالبحث من الْحَيْثِيَّة الثَّانِيَة رَاجع إِلَى الأولى، فَظهر أَن مبَاحث السّنة من مبَاحث الْأُصُول أَصَالَة (ومباحث الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس والنسخ ظَاهر) كَونهَا من مسَائِل الْأُصُول المختصة بِهِ، وَلَا يعلم علم من الْعُلُوم الْمُدَوَّنَة كَفِيل بهَا سواهُ.
(الْمقَالة الأولى) من المقالات الثَّلَاث (فِي المبادئ اللُّغَوِيَّة) جمع مبدأ، هُوَ فِي الأَصْل مَكَان الْبدَاءَة فِي الشَّيْء أَو زَمَانه، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا على مَا سبق، تصورات وتصديقات يتَوَقَّف عَلَيْهَا الْبَحْث عَن مسَائِل الْفَنّ بوسط أَو بِغَيْرِهِ كبيان معنى اللُّغَة، وَسبب وَضعهَا، والواضع، وَلُزُوم الْمُنَاسبَة بَين اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ، وَعدم لُزُومهَا، وَمَا وضع لَهُ اللَّفْظ ذهني أَو خارجي أَو أَعم مِنْهُمَا، وَطَرِيق معرفَة الْوَضع وَهل يجْرِي الْقيَاس إِلَى غير ذَلِك؟ وَوجه التَّسْمِيَة أَن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ مبدأ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْقُوف، وَتَقْدِيم هَذِه الْمقَالة لاحتياج الْكل إِلَيْهَا (اللُّغَات الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة) للمعاني أَشَارَ بِلَفْظ الْجمع إِلَى عدم اخْتِصَاص التَّعْرِيف بلغَة الْعَرَب، والمتبادر من الْوَضع تعْيين اللَّفْظ للدلالة بِنَفسِهِ، فعلى هَذَا لَا يكون الْمجَاز لُغَة حَقِيقَة بل مجَازًا، وَيُمكن أَن يُرَاد بِهِ مَا يعم الْوَضع الْمجَازِي فَيكون لُغَة حَقِيقَة (ثمَّ تُضَاف كل لُغَة إِلَى أَهلهَا) وَهُوَ من تنْسب إِلَيْهِ لَا واضعها، يُقَال لُغَة الْعَرَب ولغة الْعَجم (وَمن لطفه) : أَي إفَاضَة إحسانه برفقه على عباده، والإضمار فِي مَحل الْإِظْهَار للإشعار بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَاضر فِي الأذهان بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى سبق الذّكر (الظَّاهِر تَعَالَى) أَشَارَ بِهَذَا الْوَصْف إِلَى أَن لطفه على قسمَيْنِ الظَّاهِر والخفي (وَقدرته) وَهِي صفة أزلية مُؤثرَة فِي المقدورات عِنْد تعلقهَا بهَا (الباهرة) أَي الْغَالِبَة الْعَالِيَة عَن الْعَجز عَن إِيجَاد مَا تعلّقت إِرَادَته من المقدورات (الاقدار) وَهِي إعطا الْقُدْرَة (عَلَيْهَا) أَي على الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة بالنطق بهَا مَتى شَاءُوا إعلاما بِمَا فِي ضمائرهم (وَالْهِدَايَة) عطف على الْمُبْتَدَأ: أَعنِي الاقدار وَالْخَبَر هُوَ قَوْله من لطفه، وَهِي الدّلَالَة على مَا يُوصل إِلَى البغية، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَهُنَا نشرا على غير تَرْتِيب اللف، فَإِن الْهِدَايَة مُتَعَلقَة باللطف والاقدار بِالْقُدْرَةِ (للدلالة بهَا) اللَّام صلَة الْهِدَايَة فَإِنَّهَا تتعدى بِاللَّامِ وَإِلَى وبنفسه، وَالْهِدَايَة صفة الْحق سُبْحَانَهُ، وَالدّلَالَة وَهِي الْإِرْشَاد إِلَى مَا فِي الضَّمِير بِوَاسِطَة اللَّفْظ صفة الْمُتَكَلّم بهَا (فَخفت الْمُؤْنَة) بِهَذَا الطَّرِيق فِي الإفادة والاستفادة ليسره وسهولته (وعمت الْفَائِدَة) لتناول إفادتها الْمَوْجُود والمعدوم والمحسوس والمعقول. ووجودها مَعَ الْحَاجة وانقضائها مَعَ انْقِضَائِهَا بِخِلَاف الْكِتَابَة وَالْإِشَارَة والمثال وَهُوَ الجرم الْمَوْضُوع على شكل مَا فِي الضَّمِير (والواضع للأجناس) أَي الْمعَانِي الْكُلية الْمُسَمَّاة باسم
стр. 49
كالإنسان وَالْحَيَوَان وَالْأكل وَالشرب، فالمفعول مَحْذُوف أَو الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة بِإِزَاءِ الْمعَانِي الْكُلية، فَاللَّام لتقوية الْعَمَل والموضوع لَهُ مَحْذُوف (أَولا الله سُبْحَانَهُ) وَيجوز أَن يتوارد على بَعْضهَا وضعان لله أَولا، وللعباد ثَانِيًا (قَول الْأَشْعَرِيّ) أَي القَوْل بِأَن الْوَاضِع لَهَا أَولا الله سُبْحَانَهُ قَوْله (وَلَا شكّ فِي أوضاع أخر لِلْخلقِ علمية شخصية) على مَا يشْهد بِهِ الْوَاقِع، وَإِنَّمَا جعل مَحل الْخلاف الْأَجْنَاس، لِأَن الْأَشْخَاص بَعْضهَا بِوَضْع الله تَعَالَى بِغَيْر خلاف كأسماء الله تَعَالَى المتلقاة من السّمع وَأَسْمَاء الْمَلَائِكَة وَبَعض أَسمَاء الْأَنْبِيَاء، وَبَعضهَا بِوَضْع الْبشر بِلَا ريب، وَإِنَّمَا قيد بالشخصية لانْتِفَاء الْقطع فِي العلمية الجنسية كانتفائه فِي أَسمَاء الْأَجْنَاس (وَغَيرهَا) أَي غير أوضاع الْأَعْلَام الشخصية الَّتِي هِيَ لِلْخلقِ بِلَا شكّ مَا لَا يقطع بِكَوْنِهِ للحق دون الْخلق (جَائِز) وجوده، فَإِن كَانَ مَا وضع لَهُ فِيهِ عين مَا وضع وَمَا ضع لَهُ بِوَضْع الْحق فَهُوَ مُجَرّد توارد، وَإِلَّا فَيلْزم ترادف إِن كَانَت الْمُغَايرَة فِي الأول دون الثَّانِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَيَقَع الترادف) أَو اشْتِرَاك إِن كَانَت فِي الثَّانِي فَقَط، أَو انْفِرَاد فِي الْوَضع كَمَا ذكر من وضع الْعلم الشخصي إِن كَانَت فيهمَا، وَكَأَنَّهُ ذكر الترادف مثلا وَترك غَيره بالمقايسة (لقَوْله تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ تَعْلِيل للأشعري، وَالْمرَاد بالأسماء المسميات والعلامات، لَا مصطلح النُّحَاة فَيعم الْأَفْعَال والحروف أَيْضا على أَنه لَو أُرِيد لثبت الْمَطْلُوب أَيْضا لعدم الْقَائِل بِالْفَصْلِ، وَلِأَن التَّعْلِيم بِمُجَرَّد الْأَسْمَاء دونهمَا متعسر. وَالظَّاهِر أَن التَّعْلِيم بإلقائها عَلَيْهِ مُبينًا لَهُ مَعَانِيهَا إِمَّا بِخلق علم ضَرُورِيّ لَيْسَ بإعمال شَيْء من أَسبَاب الْعلم اخْتِيَارا أَو إِلْقَاء فِي روعه، وَهُوَ يجْتَمع مَعَ التَّوَجُّه وأعمال السَّبَب أَو غير ذَلِك وأياما كَانَ فَهُوَ غير مفتقر إِلَى سَابِقَة اصْطِلَاح ليتسلسل، بل إِلَى وضع، وَالْأَصْل يَنْفِي أَن يكون ذَلِك الْوَضع مِمَّن كَانَ قبل آدم وَمِمَّنْ مَعَه فِي الزَّمَان من الْمَخْلُوقَات، فَيكون من الله وَهُوَ الْمَطْلُوب (وَأَصْحَاب أبي هَاشم) المعتزلي الْمَشْهُور، وَيُقَال لَهُم الدهشمية قَالُوا الْوَاضِع (الْبشر آدم وَغَيره) وضع الْأَوَائِل، ثمَّ عرف الْبَاقُونَ بتكرار الْأَلْفَاظ مَعَ قرينَة الْإِشَارَة وَغَيرهَا (لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ أَي بلغتهم مجَاز من تَسْمِيَة الشَّيْء باسم سَببه (أَفَادَ) النَّص (نسبتها) أَي اللُّغَة (إِلَيْهِم) أَي الْقَوْم (وَهِي) أَي النِّسْبَة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا تكون (بِالْوَضْعِ) أَي بوضعهم إِيَّاهَا بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا، لِأَن الأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحمل على الْكَامِل مِمَّا يحْتَملهُ اللَّفْظ (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّقْرِير (تَامّ) فِي الِاسْتِدْلَال (على الْمَطْلُوب) يَعْنِي على تَقْدِير تَسْلِيم مقدماته يستلزمه فَلَا يُنَافِي وُرُود منع على بعض مقدماته (وَأما تَقْرِيره) أَي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا النَّص (دورا) مفعول التَّقْرِير لتَضَمّنه معنى التصيير: أَي جعله مُفِيدا للدور (كَذَا) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر بعده
стр. 50
من التَّقْرِير: وَهُوَ حَال عَن ضمير تَقْرِيره، وَلَيْسَ المُرَاد بِمثل هَذَا حَقِيقَة التَّشْبِيه، بل كَون مَا قصد بَيَانه بِحَيْثُ يعبر عَنهُ بِهَذِهِ الْعبارَة وَنَحْوهَا وَمَا بعده بدل عَنهُ وَهُوَ قَوْله (دلّ) أَي النَّص الْمَذْكُور (على سبق اللُّغَات الْإِرْسَال) لدلالته على مُلَابسَة الرُّسُل اللُّغَة المنسوبة إِلَى الْقَوْم قبل الْإِرْسَال، لِأَن تخاطبهم بِتِلْكَ اللُّغَة يسبب كَون الرَّسُول متلبسا بهَا حَال الْإِرْسَال ليبين لَهُم مَا أمروا بِهِ فيفهموا بِيَسِير (وَلَو كَانَ) حُصُول اللُّغَات لَهُم (بالتوقيف) من الله تَعَالَى (وَلَا يتَصَوَّر) التَّوْقِيف (إِلَّا بِالْإِرْسَال) لِأَنَّهُ الطَّرِيق الْمُعْتَاد فِي تَعْلِيم الله سُبْحَانَهُ للعباد (سبق الْإِرْسَال اللُّغَات فيدور) وَهُوَ دور تقدم بِمَعْنى مسبوقية الشَّيْء بِمَا هُوَ مَسْبُوق بذلك الشَّيْء، وَهُوَ محَال وَإِن كَانَ سبقا زمانيا لَا ذاتيا، فَإِن سبق الشَّيْء على نَفسه زَمَانا ظَاهر الاستحالة (فغلط) جَوَاب أما (لظُهُور أَن كَون التَّوْقِيف لَيْسَ إِلَّا بِالْإِرْسَال إِنَّمَا يُوجب سبق الْإِرْسَال على التَّوْقِيف لَا) سبق الْإِرْسَال على (اللُّغَات) حَتَّى يلْزم الدّور، وَلَك أَن تَقول سبق الْإِرْسَال على التَّوْقِيف لعدم حُصُوله بِلَا إرْسَال رَسُول، وَلَا شكّ أَنه لَا يحصل إِلَّا برَسُول عَالم باللغات ليعلم قومه إِيَّاهَا، وَالْحَاصِل أَن النَّص يدل على تقدم اللُّغَات من حَيْثُ أَنَّهَا مَعْلُومَة للْقَوْم على الْإِرْسَال والتوقيف يدل على أَنَّهَا من تِلْكَ الْحَيْثِيَّة مُتَأَخِّرَة عَن الْإِرْسَال فَسبق الْإِرْسَال على التَّوْقِيف يسْتَلْزم سبقه على اللُّغَات من حَيْثُ كَونهَا مَعْلُومَة لَهُم وَإِن لم يسْتَلْزم سبقه عَلَيْهَا من حَيْثُ ذواتها، وَذَلِكَ كَاف فِي إِثْبَات الدّور، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ يجوز أَن يتَعَلَّق باللغات نَوْعَانِ من الْعلم، أَحدهمَا بطرِيق التَّوْقِيف، وَالْآخر بطرِيق آخر: كالضرورة مثلا، وَتَكون اللُّغَات من حَيْثُ معلوميتها بالنوع الأول مُتَأَخِّرًا عَن الْإِرْسَال، وَمن حَيْثُ معلوميتها بِالثَّانِي مُتَقَدما عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ معنى قَوْله لَا على اللُّغَات لَا عَلَيْهَا من حَيْثُ معلوميتها بِغَيْر طَرِيق التَّوْقِيف أَولا عَلَيْهَا من جَمِيع الحيثيات، فالآية لَا تدل على أَن الْوَاضِع إِنَّمَا هُوَ الْبشر، وَإِن سلم دلالتها على سبق اللُّغَات على الْإِرْسَال، وَكَون التَّوْقِيف لَيْسَ إِلَّا بِالْإِرْسَال (بل يُفِيد سبقها) أَي كَون التَّوْقِيف كَمَا ذكر لَا يُوجب سبق الْإِرْسَال على اللُّغَات بل يُفِيد سبق اللُّغَات على الْإِرْسَال، لِأَن الْإِرْسَال لتعليمها إِنَّمَا يكون بعد وجودهَا مَعْلُومَة للرسول عَادَة ليترتب فَائِدَة الْإِرْسَال عَلَيْهِ بِلَا تَأَخّر (فَالْجَوَاب) من قبل التوقيفية عَن الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (بِأَن آدم علمهَا) بِلَفْظ الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول بتعليم الله، وَالضَّمِير للأسماء (وَعلمهَا) بِلَفْظ الْمَبْنِيّ للْفَاعِل آدم غَيره (فَلَا دور) إِذْ تَعْلِيمه بِالْوَحْي يستدعى تقدم الْوَحْي على اللُّغَات، لَا تقدم الْإِرْسَال وَلَا يتَصَوَّر الْإِرْسَال عِنْد ذَلِك لعدم الْقَوْم وَبعد أَن وجدوا وتعلموا اللُّغَات مِنْهُ أرسل إِلَيْهِم وَحَاصِل الْجَواب منع كَون التَّوْقِيف لَيْسَ إِلَّا بِالْإِرْسَال فَقَوله (وبمنع حصر التَّوْقِيف على الْإِرْسَال) يغاير الْجَواب الأول بِاعْتِبَار السَّنَد، فَإِن سَنَد هَذَا تَجْوِيز، وَسَنَد
стр. 51
ذَلِك أَمر نقلي، وَالْأَوْجه أَن يُقَال الأول مُعَارضَة، وَالْمُدَّعِي أَن الْبشر لَيْسَ بواضع، لِأَن آدم علمه الله تَعَالَى: وَغَيره علمه آدم، فَلم يكن أحد وَاضِعا، غَايَة الْأَمر أَنه أُشير فِي ضمنه إِلَى بطلَان دليلهم بِأَنَّهُ لَو كَانَ التوفيف يسْتَلْزم الدّور لما وَقع لكنه وَقع (لجوازه) أَي التَّوْقِيف من الله (بالإلهام) أَي بإلقاء الله تَعَالَى فِي روع الْعَاقِل من غير كسب مِنْهُ أَن هَذِه الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي (ثمَّ دَفعه) أَي هَذَا التجويز (بِخِلَاف الْمُعْتَاد) أَي بِأَن التَّوْقِيف بِغَيْر الْإِرْسَال من الإلهام وَنَحْوه خلاف مَا جرت بِهِ الْعَادة الألهية، فَإِن لم يقطع بِعَدَمِهِ فَلَا أقل من أَن يكون خلاف الظَّاهِر فَلَا يُصَار إِلَيْهِ بِمُجَرَّد التجويز (ضائع) خبر قَوْله فَالْجَوَاب إِلَى آخِره وَذَلِكَ لكَونه مَبْنِيا على الدّور، وَقد عرفت أَنه غلط مُسْتَغْنى عَنهُ (بل الْجَواب) الْمُعْتَمد الْمَبْنِيّ على تَقْرِير استدلالهم بِالْآيَةِ على الْوَجْه التَّام (أَنَّهَا) أَي الْإِضَافَة فِي قَوْله تَعَالَى بِلِسَان قومه (للاختصاص) أَي اخْتِصَاص اللِّسَان بهم من بَين النَّاس لتخاطبهم بهَا من سَائِر اللُّغَات (وَلَا يسْتَلْزم) الِاخْتِصَاص (وضعهم) إِيَّاهَا (بل يثبت) الِاخْتِصَاص (مَعَ تَعْلِيم آدم بنيه إِيَّاهَا) أَي اللُّغَات (وتوارث الأقوام) من السّلف وَالْخلف بالتعليم والتعلم (فاختص كل) أَي كل قوم (بلغَة) دلّت الْفَاء التعقيبية على أَن اخْتِصَاص كل قوم بلغَة إِنَّمَا حدث بعد التَّوَارُث، فعلى هَذَا لَا يلْزم أَن الْأَوَائِل لم يَكُونُوا كَذَلِك، بل كَانُوا يخاطبون بِكُل لُغَة (وَأما تَجْوِيز كَون علم) أَي كَون المُرَاد بِعلم آدم الْأَسْمَاء (ألهمه الْوَضع) بِأَن بعث داعيته وَألقى فِي روعه كيفيته حَتَّى فعل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس﴾ - (أَو مَا سبق وَضعه مِمَّن تقدم) أَي أَو ألهمه الْأَسْمَاء السَّابِق وَضعهَا مِمَّن تقدم آدم، فقد ذكر غير وَاحِد من الْمُفَسّرين أَن الله تَعَالَى خلق جانا قبله وأسكنهم الأَرْض، ثمَّ أهلكهم بِذُنُوبِهِمْ (فخلاف الظَّاهِر) لِأَن الأَصْل عدم الْوَضع السَّابِق، والمتبادر من التَّعْلِيم أَن يكون بطرِيق الْخطاب لَا الإلهام (و) هَذِه (الْمَسْأَلَة ظنية) فَلَا يتَّجه أَن دليلها لَا يُفِيد الْقطع فَلَا يعْتَبر وَهِي (من الْمُقدمَات) لِلْأُصُولِ، وَمَا يذكر قبل الشُّرُوع فِيهِ لمزيد بَصِيرَة، لَا من مقاصده وَلَا من مباديه الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا مسَائِله (و) إِطْلَاق (المبادي فِيهَا) أَي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة (تَغْلِيب) فَلَا يتَّجه أَنه كَيفَ ذكرت فِي المبادي اللُّغَوِيَّة (كَالَّتِي تَلِيهَا) أَي كَمَا فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي تلِي هَذِه الْمَسْأَلَة من أَن الْمُنَاسبَة بَين اللَّفْظ، وَالْمعْنَى مُعْتَبرَة أم لَا، فَإِنَّهَا أَيْضا ظنية من الْمُقدمَات، ثمَّ أَشَارَ إِلَى دفع مَا دفع بِهِ احتجاج التوقيفية بِالْآيَةِ بقوله (وَكَون المُرَاد بالأسماء) الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة (المسميات) وَهِي الْحَقَائِق الْمَوْضُوعَة بإزائها الْأَسْمَاء (بعرضهم) أَي بِدلَالَة قَوْله تَعَالَى عرضهمْ فِي قَوْله - ﴿ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ﴾ - لِأَن الْعرض للسؤال عَن أَسمَاء المعروضات، فَلَا يكون المعروض الَّذِي هُوَ مرجع
стр. 52
الضَّمِير الْمَنْصُوب نفس الْأَلْفَاظ، وَلِأَن عرض الْأَلْفَاظ إِنَّمَا يكون بالتلفظ بهَا ويأباه الْأَمر التعجيزي وَلِأَن ضمير جمع الْمُذكر الْعَاقِل إِنَّمَا يَصح إِذا أُرِيد بِهِ الْحَقَائِق مَعَ تَغْلِيب الْعُقَلَاء (مندفع) خبر الْكَوْن (بالتعجيز بأنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ) يَعْنِي الْقَصْد من طلب الإنباء بالأسماء تعجيز الْمَلَائِكَة عَنهُ ليظْهر فضل آدم عَلَيْهِم بِسَبَب إنبائه بهَا وَكَونه عَالما بهَا دونهم وَتَعْلِيم آدم الْأَسْمَاء لهَذِهِ الْمصلحَة فَلَو كَانَ معنى قَوْله تَعَالَى - ﴿علم آدم الْأَسْمَاء﴾ - علم المسميات لزم ترك ذكر مَا لَا بُد مِنْهُ، وَذكر مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ مَعَ حُصُول مطلب التوقيفية أَن فرض تعليمها مَعَ تَعْلِيم أسمائها أَو عدم استقامة معنى الْكَلَام أَن فرض بِدُونِهِ لِأَنَّهُ يُخَالف حِينَئِذٍ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَلَمَّا أنبأهم﴾ - وَالْوَجْه أَن يُقَال المُرَاد بالأسماء أَولا وَثَانِيا مَعْنَاهَا الْمُتَبَادر، وبالضمير الرَّاجِع إِلَيْهَا فِي عرضهمْ المسميات بطرِيق الِاسْتِخْدَام (وَبعد) كَون المُرَاد بِعلم الْأَسْمَاء (علم المسميات) عطف على التَّعْجِيز، وَذَلِكَ لِأَن إِرَادَة المسميات بِلَفْظ الْأَسْمَاء بعيد عَن الْفَهم، وَقيل لِأَن الْمَفْعُول الثَّانِي للتعليم من قبيل الصِّفَات والأعراض لَهُ الْأَشْخَاص والذوات، وَأَنت خَبِير بِأَن نفس الْأَلْفَاظ أَيْضا لَا تصلح إِلَّا بِاعْتِبَار وَضعهَا، وَمثل هَذَا الِاعْتِبَار يُمكن من جَانب المسميات أَيْضا بِأَن يُقَال علمهَا بِاعْتِبَار أَحْكَامهَا غير أَن التَّأْوِيل فِي الأول أظهر لشيوع تعلم اللُّغَة وَعلمهَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْمَذْهَب الثَّالِث بقوله (وَتوقف القَاضِي) أبي بكر الباقلاني عَن تعْيين الْوَاضِع (لعدم) دَلِيل (الْقطع) بذلك (لَا يَنْفِي الظَّن) بذلك (والمتبادر من قَوْله) أَي القَاضِي (كل) من الْمذَاهب فِيهَا (مُمكن عَدمه) أَي الظَّن، لِأَن مثل هَذَا الْإِطْلَاق يُفِيد بِظَاهِرِهِ الْمُسَاوَاة فِي الِاحْتِمَال (وَهُوَ) أَي عدم الظَّن بأحدها (مَمْنُوع) لوُجُود مَا يفِيدهُ كَمَا مر من دَلِيل الْأَشْعَرِيّ (وَلَفظ كلهَا) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ - (يَنْفِي اقْتِصَار الحكم على كَون مَا وَضعه سُبْحَانَهُ الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَعْرِيف الِاصْطِلَاح) كلمة على صلَة الِاقْتِصَار لَا الحكم، لِأَن الْكَوْن لَيْسَ بموضوع الْقَضِيَّة، بل هُوَ عبارَة عَن نِسْبَة الْمَحْمُول، وَهُوَ الْقدر إِلَى الْمَوْضُوع، وَالْحكم الَّذِي هُوَ إِيقَاع النِّسْبَة هَهُنَا مَقْصُور على نِسْبَة هَذَا الْمَحْمُول إِلَيْهِ دون غَيره، وَهُوَ الزَّائِد على الْقدر الْمَذْكُور، احْتج الْأُسْتَاذ بِأَنَّهُ إِن لم يكن الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاصْطِلَاح: أَي فِي بَيَان أَن هَذِه الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي ليستفيد غير الْوَاضِع الْعلم بِالْوَضْعِ من الْوَاضِع بالتوقيف من الله لزم الدّور لتوقف الِاصْطِلَاح على سبق معرفَة ذَلِك الْقدر، والمفروض أَنه يعرف بالاصطلاح (إِذْ يُوجب) لفظ كلهَا (الْعُمُوم) أَي عُمُوم التَّعْلِيم جَمِيع الْأَسْمَاء الْقدر الْمَذْكُور وَغَيره على أَن اللَّام ظَاهِرَة فِي الِاسْتِغْرَاق غَايَة الْأَمر أَنه تخصص مِنْهُ مَا تقدم لقِيَام الدَّلِيل عَلَيْهِ (فَانْتفى) بِهَذَا (توقف الْأُسْتَاذ فِي غَيره) أَي فِي غير مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بَيَان الِاصْطِلَاح (كَمَا نقل عَنهُ) الْأُسْتَاذ
стр. 53
نقل عَنهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَنقل الرَّازِيّ والبيضاوي عَنهُ أَن الْبَاقِي اصطلاحي فِيهِ أَن معلم الْكل لَا يلْزم أَن يكون وَاضعه بل التَّعْلِيم إِنَّمَا يكون بعد الْوَضع: وَهُوَ يحْتَمل أَن يكون من الله أَو غَيره كالجن فَإِن قلت الأَصْل عدم الْوَضع من غَيره قلت المتمسك بالاستصحاب لَا يعْتَبر فِي مثل هَذَا الْمطلب، غَايَة الْأَمر أَن كَون الْقدر الْمَذْكُور بِوَضْع الله أَفَادَهُ الدَّلِيل فَقَالَ بِهِ وَتوقف فِي غَيره لعدم الدَّلِيل (وإلزام الدّور أَو التسلسل) على اخْتِلَاف الْقَوْم فِي تَقْرِير الْإِلْزَام: الْآمِدِيّ يسْتَلْزم التسلسل لتوقفه على اصْطِلَاح سَابق وَهُوَ على آخر وَهَكَذَا، وَاقْتصر ابْن الْحَاجِب على الدّور كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَذكر التَّفْتَازَانِيّ فِي وَجه اقْتِصَار الْآمِدِيّ على التسلسل أَن الدّور أَيْضا نوع من التسلسل بِنَاء على عدم تناهي التوقفات، وَفِيه مَا فِيهِ، وَفِي وَجه اقْتِصَار ابْن الْحَاجِب أَنه لَا بُد بِالآخِرَة من الْعود إِلَى الِاصْطِلَاح الأول ضَرُورَة تناهي الاصطلاحات (لَو لم يكن تَوْقِيف الْبَعْض) أَي الْقدر الْمَذْكُور (مُنْتَفٍ) خير الْمُبْتَدَأ يعين إِلْزَام أحد الْأَمريْنِ على تَقْدِير عدم تَوْقِيف الْبَعْض غير وَارِد، لِأَن طَرِيق معرفَة الْقدر الْمَذْكُور لَا ينْحَصر فِي الِاصْطِلَاح (بل الترديد) أَي اسْتِعْمَال اللُّغَات فِي مَعَانِيهَا مرّة بعد أُخْرَى (مَعَ الْقَرِينَة) الدَّالَّة على أَن المُرَاد من هَذَا اللَّفْظ هَذَا الْمَعْنى من الْإِشَارَة وَنَحْوهَا (كَاف فِي الْكل) أَي كل اللُّغَات فضلا عَن الْقدر الْمَذْكُور (وَتدْخل الْأَفْعَال والحروف) فِي عُمُوم الْأَسْمَاء (لِأَنَّهَا أَسمَاء لُغَة) لِأَن اسْم الشَّيْء هُوَ اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ، والتخصيص بِمَا يُقَابل الْفِعْل والحرف اصْطِلَاح النُّحَاة، وَقيل فَائِدَة الِاخْتِلَاف أَن من قَالَ بالتوقيف جعل التَّكْلِيف مُقَارنًا لكَمَال الْعقل، وَمن قَالَ بالاصطلاح أَخّرهُ عَن مُدَّة يُمكن فِيهَا من معرفَة الِاصْطِلَاح (وَهَذَا) أَي معنى هَذَا أَو هَذَا كَمَا ذكر (وَأما اعْتِبَار الْمُنَاسبَة) بَين اللَّفْظ وَالْمعْنَى الداعية لتعيين خُصُوص هَذَا اللَّفْظ لهَذَا الْمَعْنى (فَيجب الحكم بِهِ) أَي باعتبارها بَينهمَا (فِي وَضعه تَعَالَى) فَإِن خَفِي ذَلِك علينا فلقصور منا أَو لحكمة اقتضته (للْقطع بِحِكْمَتِهِ) وَهِي على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي شرح الْكَشَّاف العملم بالأشياء كَمَا هُوَ وَالْعلم بالأمور على مَا يَنْبَغِي وَيُطلق على مَا يشملها، وَمن الْعُلُوم أَن كل معنى لَيْسَ نسبته إِلَى جَمِيع الْأَلْفَاظ على السوية بل بَينه وَبَين بَعْضهَا مُنَاسبَة لَيست بَينه وَبَين غَيرهَا، وَيَنْبَغِي أَن يُرَاعى ذَلِك فِي الْوَضع والقادر الْحَكِيم لَا يفوت ذَلِك (وَهُوَ) أَي اعْتِبَار الْمُنَاسبَة (ظَاهر فِي) وضع (غَيره) بِنَاء على أَن الظَّاهِر من حَاله عدم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَهُوَ مظنون فِي حَقه (وَالْوَاحد قد يُنَاسب بِالذَّاتِ الضدين) جَوَاب على استدلالنا فِي اعْتِبَار الْمُنَاسبَة، تَقْرِيره اللَّفْظ الْوَاحِد قد يكون للشَّيْء ونقيضه أَو ضِدّه، كالجون للأحمر والأبيض وَالْأسود. والقرء للْحيض وَالطُّهْر، ومناسبته لأَحَدهمَا تَسْتَلْزِم عدمهَا إِلَى الآخر وَحَاصِل الْجَواب منع الاستلزام بِهَذَا السَّنَد (فَلَا يسْتَدلّ على نفي
стр. 54
لُزُومهَا) أَي الْمُنَاسبَة (بِوَضْع) اللَّفْظ (الْوَاحِد لَهما) أَي الضدين، وَهَذَا بِنَاء على تَقْرِير الِاسْتِدْلَال على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَأما إِذا قررت بِأَنَّهُ لَو كَانَت دلَالَة الْأَلْفَاظ لمناسبة ذاتية لما وضع اللَّفْظ الْوَاحِد للنقيضين، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الِاخْتِلَاف فِيمَا بِالذَّاتِ إِن دلّ عَلَيْهِمَا، فَلَا يُجَاب بِمَا ذكر، لَكِن القَوْل بِدلَالَة الْأَلْفَاظ الْمُنَاسبَة طبيعية، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْوَضع كَمَا عزى إِلَى بعض الْمُعْتَزلَة مِنْهُم عباد بن سُلَيْمَان مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يصدر من الْعَاقِل، وَلذَا أولوه بِمَا ذكر فِي مَحَله، وأوله المُصَنّف ﵀ بِمَا يَأْتِي، وَالْجُمْهُور على أَن نِسْبَة الْأَلْفَاظ إِلَى الْمعَانِي على السوية وَتَخْصِيص الْبَعْض بِالْبَعْضِ إِرَادَة الْوَاضِع الْمُخْتَار، غير أَن المُصَنّف ﵀ مَال إِلَى اعْتِبَار الْمُنَاسبَة على مَا ذكر، وأيده بقوله (وَهُوَ) أَي اعْتِبَار الْمُنَاسبَة على الْوَجْه الْمَذْكُور (مُرَاد الْقَائِل بِلُزُوم الْمُنَاسبَة فِي الدّلَالَة) لَا الْمُنَاسبَة الذاتية الْمُقْتَضِيَة إِيَّاهَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَاده مَا ذكر بل مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ (فَهُوَ) أَي مُرَاده أَو قَوْله (ضَرُورِيّ الْبطلَان) فَلَا يحْتَاج إِبْطَاله إِلَى الْحجَّة والبرهان كَمَا فعله ابْن الْحَاجِب وَكثير من أهل الشَّأْن (والموضوع لَهُ) اللَّفْظ (قيل الذهْنِي دَائِما) أَي الصُّور الذهنية سَوَاء كَانَ مَوْجُودا فِي الذِّهْن وَالْخَارِج أَو فِي الذِّهْن فَقَط، وَهَذَا مُخْتَار الإِمَام الرَّازِيّ (وَقيل) الْمَوْضُوع لَهُ الْمَوْجُود (الْخَارِجِي) وعزى إِلَى أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ (وَقيل الْأَعَمّ) من الذهْنِي والخارجي، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي هُوَ الْحق (وَنحن) نقُول اللَّفْظ (فِي الْأَشْخَاص) أَي فِي الْأَعْلَام الشخصية مَوْضُوع (للخارجي) أَي للموجود الْخَارِجِي (وَوُجُوب استحضار الصُّورَة) أَي الصُّورَة الذهنية للموجود الْخَارِجِي (للوضع) أَي لِأَن يضع اللَّفْظ بِإِزَاءِ ذَلِك وَالْمَوْجُود الْخَارِجِي (لَا يَنْفِيه) أَي لَا يَنْفِي كَونه للخارجي جَوَاب لمن قَالَ للذهني، لِأَن الْوَاضِع إِنَّمَا يستحضر صُورَة فَيَضَع الِاسْم بإزائها، فالموضوع لَهُ تِلْكَ الصُّورَة وَحَاصِله أَن الصُّورَة آلَة لملاحظة الْخَارِجِي، لَا أَنه وضع لَهَا (ونفيناه) أَي وضع الْأَلْفَاظ (للماهيات الْكُلية) لما سنذكر فِي بحث الْمُطلق (سوى علم الْجِنْس على رَأْي) أَي على رَأْي من يفرق بَينه وَبَين اسْم الْجِنْس بِأَنَّهُ للْحَقِيقَة المتحدة، وَاسم الْجِنْس لفرد مِنْهَا غير معِين، وَهُوَ الْأَوْجه على مَا ذكره المُصَنّف ﵀، وَفِي اسْم الْجِنْس مذهبان: أَحدهمَا أَنه مَوْضُوع للماهية مَعَ وحدة لَا بِعَينهَا، وَيُسمى فَردا منتشرا وَذهب إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ وَابْن الْحَاجِب، وَاخْتَارَهُ التَّفْتَازَانِيّ وَقطع بِهِ المُصَنّف ﵏، وَالْآخر أَنه مَوْضُوع للماهية من حَيْثُ هِيَ، وَاخْتَارَهُ السَّيِّد الشريف ﵀، فالموضوع لَهُ على الأول الْمَاهِيّة بِشَرْط شَيْء، وعَلى الثَّانِي لَا بِشَرْط شَيْء، وَسَيَجِيءُ بَيَانه فِي بحث الْمُطلق إِن شَاءَ الله تَعَالَى (بل) مَا سوى الْأَعْلَام الشخصية والجنسية مَوْضُوع (لفرد غير معِين) وَهُوَ
стр. 55
الْفَرد الْمُنْتَشِر (فِيمَا) وضع لمَفْهُوم كلي (أَفْرَاده خارجية أَو ذهنية) فَإِن كَانَت خارجية فالموضوع لَهُ فَرد مَا من تِلْكَ الْأَفْرَاد الخارجية، وَإِن كَانَت ذهنية من الذهنية، وَإِن كَانَت ذهنية وخارجية، فَالظَّاهِر أَن الْعبْرَة بالخارجية (وَطَرِيق مَعْرفَتهَا) أَي معرفَة الأوضاع (التَّوَاتُر كالسماء وَالْأَرْض وَالْحر وَالْبرد وَأكْثر) أوضاع (أَلْفَاظ الْقُرْآن مِنْهُ) أَي مِمَّا عرف بالتواتر، أَشَارَ إِلَى دفع مَا شكك بِهِ بعض المبتدعة من أَن أَكثر الْأَلْفَاظ دورانا على الألسن كالجلالة وَقع فِيهِ الْخلاف أسرياني أم عَرَبِيّ مُشْتَقّ، ومم؟ أَو مَوْضُوع ابْتِدَاء، وَلم؟ فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا الروَاة لَهُ معدودون كالخليل والأصمعي، وَلم يبلغُوا عدد التَّوَاتُر، فَلَا يحصل الْقطع بقَوْلهمْ، وَأَيْضًا الْغَلَط عَلَيْهِم فِي تتبع كَلَام البلغاء جَائِز، وَالْجَوَاب مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (والتشكيك فِيهِ) أَي فِيمَا عرف بالتواتر (سفسطة) أَي مُكَابَرَة (فِي مَقْطُوع) بِهِ بأخبار من يحِيل الْعقل تواطأهم على الْكَذِب (والآحاد) مَعْطُوف على التَّوَاتُر، وَهِي مَا لم يبلغ حد التَّوَاتُر من الْأَخْبَار (كالقر) بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء للبرد (واستنباط الْعقل من النَّقْل) طَرِيق ثَالِث لمعرفتها (كنقل أَن الْجمع الْمحلى) بِاللَّامِ (يدْخلهُ الِاسْتِثْنَاء) الْمُتَّصِل، وَهَذِه مُقَدّمَة نقلية (وَأَنه) أَي الِاسْتِثْنَاء (إِخْرَاج بعض مَا يَشْمَلهُ اللَّفْظ) أَي لفظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَهِي أَيْضا نقلية (فَيحكم) الْعقل بعد التَّأَمُّل فِي هَاتين المقدمتين النقليتين (بِعُمُومِهِ) أَي الْجمع الْمَذْكُور وتناوله جَمِيع الْأَفْرَاد بضميمة عقلية، هِيَ أَن الْإِخْرَاج تَحْقِيقا لَا يتَحَقَّق إِلَّا بتناول صدر الْكَلَام للمخرج تَحْقِيقا، وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق بِدُونِ الْعُمُوم، ولمزيد حَاجَة هَذَا الْقسم إِلَى أَعمال الْعقل سمي بِالِاسْمِ الْمَذْكُور، وَإِن كَانَ الْعقل لَهُ مدْخل تَامّ فِي الْأَقْسَام كلهَا (أما) الْعقل (الصّرْف) أَي الْخَالِص من غير مدخلية النَّقْل (فبمعزل) بِفَتْح الْمِيم وَكسر الزَّاي بمَكَان بعيد عَن الِاسْتِقْلَال بِمَعْرِِفَة الْوَضع (وَلَيْسَ المُرَاد) من النَّقْل (نقل قَول الْوَاضِع كَذَا لكذا) أَي اللَّفْظ الْفُلَانِيّ مَوْضُوع للمعنى الْفُلَانِيّ (بل) المُرَاد (توارث فهم كَذَا من كَذَا) أَي الْخلف من السّلف أَنه يفهم الْمَعْنى الْفُلَانِيّ من اللَّفْظ الْفُلَانِيّ إِفَادَة واستفادة (فَإِن زَاد) طَرِيق النَّقْل على الْقدر الْمَذْكُور بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظ مَوْضُوع لهَذَا الْمَعْنى (فَذَاك) أقوى وأصرح (وَاخْتِلَاف فِي) جَوَاز إِثْبَات اللُّغَة بطرِيق (الْقيَاس) وَهُوَ إِلْحَاق معنى بِمَعْنى مُسَمّى باسم فِي التَّسْمِيَة بذلك الِاسْم، فجوزه القَاضِي وَابْن سُرَيج وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام الرَّازِيّ، وَقيل عَلَيْهِ أَكثر عُلَمَاء الْعَرَبيَّة، وَالأَصَح مَنعه، وَهُوَ قَول عَامَّة الْحَنَفِيَّة وَأكْثر الشَّافِعِيَّة وَالْغَزالِيّ والآمدي (أَي إِذا سمي مُسَمّى باسم فِيهِ) أَي ذَلِك الِاسْم (معنى) بِاعْتِبَار أَصله من حَيْثُ الِاشْتِقَاق أَو غَيره (يخال) أَي يظنّ صفة معنى (اعْتِبَاره) أَي ذَلِك الْمَعْنى (فِي التَّسْمِيَة) بِأَن يكون سَبَب تَسْمِيَة ذَلِك الْمُسَمّى بذلك الِاسْم (للدوران) مُتَعَلق بيخال: أَي الظَّن
стр. 56
الْمَذْكُور لأجل دوران الِاسْم مَعَ ذَلِك الْمَعْنى وجودا وعدما (وَيُوجد) ذَلِك الْمَعْنى عطف على يخال (فِي غَيره) أَي غير ذَلِك الْمُسَمّى (فَهَل يتَعَدَّى الِاسْم إِلَيْهِ) أَي إِلَى غير ذَلِك الْغَيْر بِسَبَب وجود ذَلِك الْمَعْنى فِيهِ (فيطلق) ذَلِك الِاسْم (عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك الْغَيْر (حَقِيقَة) وَأما مجَازًا فَلَا نزاع فِيهِ (كالمسمى نقلا) أَي كَمَا يُطلق اسْم كَانَ لِمَعْنى، ثمَّ نقل إِلَى معنى آخر، فَسمى بِهِ لمشاركتهما فِي معنى يتضمنه الِاسْم على الْمُسَمّى الْمَنْقُول إِلَيْهِ حَقِيقَة، وَقَوله نقلا نصب على الْمصدر: أَي تَسْمِيَة نقل: أَي بطرِيق النَّقْل (كَالْخمرِ) الَّتِي هِيَ اسْم للنئ من مَاء الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد إِذا أطلق (على النَّبِيذ) إِلْحَاقًا لَهُ بالنئ الْمَذْكُور (للمخامرة) وَهِي التخمير والتغطية لِلْعَقْلِ، وَهُوَ معنى فِي الِاسْم يظنّ اعْتِبَاره فِي تَسْمِيَة النئ بِهِ لدوران التَّسْمِيَة مَعَه، فَمَا لم يُوجد فِي مَاء الْعِنَب لَا يُسمى خمرًا بل عصيرا، وَإِذا وجد فِيهِ سمي بِهِ، وَإِذا زَالَ عَنهُ لم يسم بِهِ بل خلا، وَقد وجد فِي النَّبِيذ (أَو يخص) اسْم الْخمر (بمخامر هُوَ مَاء الْعِنَب) الْمَذْكُور، فَلَا يُطلق حَقِيقَة على النَّبِيذ، وَقَوله يخص مَعْطُوف على يتَعَدَّى (وَالسَّارِق) أَي وكالسارق الَّذِي هُوَ اسْم للآخذ مَال الْحَيّ خُفْيَة من حرز لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ إِذا أطلق (على النباش) وَهُوَ من يَأْخُذ كفن الْمَيِّت خُفْيَة من الْقَبْر بعد دَفنه (للأخذ خُفْيَة) أَي لهَذَا الْمَعْنى الْمَوْصُوف بِمَا ذكر (وَالزَّانِي) الَّذِي هُوَ اسْم للمولج آلَته فِي قبل آدمية حَيَّة مُحرمَة عَلَيْهِ بِلَا شُبْهَة إِذا أطلق (على اللائط) وَهُوَ من يعْمل عمل قوم لوط (للإيلاج الْمحرم) الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْمَوْصُوف بِمَا ذكر (وَالْمُخْتَار نَفْيه) أَي الْقيَاس الْمَذْكُور (قَالُوا) أَي المثبتون (الدوران) يُفِيد أَن صِحَة إِطْلَاق الِاسْم مَبْنِيّ على وجود الْمَعْنى الْمَذْكُور مهما وجد، وَقد وجد فِيمَا قصد إِلْحَاقه (قُلْنَا إفادته) أَي الدوران ذَلِك (مَمْنُوعَة) أَي كَون الدوران طَرِيقا صَحِيحا لإِثْبَات الْمَطْلُوب غير مُسلم، كَمَا يَأْتِي فِي مسالك الْعلَّة (وَبعد التَّسْلِيم) لإِفَادَة الدوران، وَكَونه طَرِيقا صَحِيحا كَمَا هُوَ مَذْهَب جمَاعَة نقُول (إِن أردتم) بدوران الِاسْم مَعَ الْمَعْنى الْمَذْكُور دورانا (مُطلقًا) سَوَاء وجد فِي أَفْرَاد الْمُسَمّى أَو غَيرهَا بادعاء ثُبُوت الِاسْم فِي كل مَادَّة يُوجد فِيهَا ذَلِك الْمَعْنى، وانتفائه فِي كل مَا لم يُوجد فِيهِ بطرِيق النَّقْل (فَغير الْمَفْرُوض) أَي فَمَا أردتموه خلاف الْمَفْرُوض (لِأَن مَا يُوجد فِيهِ) ذَلِك الْمَعْنى (حِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ ثَبت كَون الِاسْم لما فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى مُطلقًا (يكون) خبر إِن (من أَفْرَاد الْمُسَمّى) يَعْنِي مَا فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى لَا يتَحَقَّق حِينَئِذٍ فرع يلْحق بِأَصْل الْقيَاس، وَهَذَا خلاف الْمَفْرُوض (أَو) أردتم بدوران الِاسْم أَن يَدُور مَعَه (فِي الأَصْل) الْمَقِيس عَلَيْهِ (فَقَط) بِوُجُود الِاسْم فِي كل مَادَّة يُوجد فِيهَا الْمُسَمّى وانتفائه فِي كل مَا لم يُوجد فِيهِ (منعنَا) حِينَئِذٍ
стр. 57
(كَونه) أَي الدوران (طَرِيقا) مثبتا تَسْمِيَة الشَّيْء باسم لمشاركته الْمُسَمّى فِي معنى دَار الِاسْم مَعَه وجودا وعدما فِي الْمُسَمّى (هُنَا) أَي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَإِن سلمنَا كَون الدوران طَرِيقا صَحِيحا لإِثْبَات المطالب فِي الْجُمْلَة (وَكَونه) أَي الدوران (كَذَلِك) أَي طَرِيقا صَحِيحا لإِثْبَات الحكم (فِي الشرعيات) العمليات (للْحكم الشَّرْعِيّ) أَي لتعديته من مَحل إِلَى مَحل أَو لإثباته بِهَذَا الطَّرِيق (لَا يستلزمه) أَي كَونه طَرِيقا صَحِيحا (فِي) إِثْبَات (الِاسْم) وتعديته من مُسَمّى إِلَى مَحل آخر حَاصِل استدلالهم أَنه ثَبت الْقيَاس بالدوران شرعا فَيثبت لُغَة، إِذْ الْمَعْنى الْمُوجب للثبوت فيهمَا وَاحِد، وَهُوَ الِاشْتِرَاك فِي معنى يظنّ مدَار الحكم (لِأَنَّهُ) أَي الْقيَاس فِي الشرعيات (سَمْعِي) ثَبت اعْتِبَاره بِالسَّمَاعِ من الشَّارِع (تعبد بِهِ) أَي تعبدنا الشَّارِع بِهِ لوُرُود الْقَاطِع مِنْهُ فِي حَقه، وَهُوَ الْإِجْمَاع إِذْ لَا عِبْرَة بِخِلَاف الظَّاهِرِيَّة فِيهِ (لَا) أَنه أَمر (عَقْلِي) ليَكُون للرأي مدْخل فِيهِ فَيرد نقضا على عدم اعتبارنا الْقيَاس فِي اللُّغَة، ثمَّ أيد سَنَد الْمَنْع الْمَذْكُور فِي ثَانِي شقي الترديد بقوله (ثمَّ تَجْوِيز كَون خُصُوصِيَّة الْمُسَمّى مُعْتَبرَة) فِي التَّسْمِيَة بِالِاسْمِ الْمَذْكُور (ثَابت) وَالْمرَاد بِثُبُوت التجويز أَنه لَيْسَ مُجَرّد احْتِمَال عَقْلِي بل هُوَ إِمْكَان وقوعي (بل) ثُبُوته (ظَاهر بِثُبُوت مَنعهم) أَي عُلَمَاء الْعَرَبيَّة، قَالَ أهل الْعَرَبيَّة فِي مَبْحَث الِاشْتِقَاق: الْمُشْتَقّ قد يطرد كاسم الْفَاعِل، وَالزَّمَان وَغَيرهمَا، وَقد لَا يطرد كالقارورة والدبران، وتحقيقه أَن وجود معنى الأَصْل فِي مَحل التَّسْمِيَة قد يعْتَبر بِحَيْثُ أَنه دَاخل فِي التَّسْمِيَة، وَالْمرَاد ذَات مَا بِاعْتِبَار نسبته لَهُ إِلَيْهَا، فَهَذَا يطرد فِي كل ذَات كَذَلِك، وَقد يعْتَبر بِحَيْثُ أَنه مصحح للتسمية مُرَجّح لَهَا من بَين الْأَسْمَاء من غير دُخُوله فِي التَّسْمِيَة، وَالْمرَاد ذَات مَخْصُوصَة فِيهَا الْمَعْنى: لَا من حَيْثُ هُوَ فِيهَا بل بِاعْتِبَار خصوصها، فَهَذَا لَا يطرد وَالْجَار مُتَعَلق بِثَابِت أَو بِظَاهِر (طرد الأدهم) مفعول الْمَنْع أَي صِحَة إِطْلَاق الأدهم الَّذِي هُوَ اسْم الْفرس الْأسود على كل مَا فِيهِ سَواد (والأبلق) الَّذِي هُوَ اسْم للْفرس الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض على كل مَا فِيهِ ذَلِك (والقارورة) الَّتِي هِيَ اسْم لمقر الْمَائِعَات من الزّجاج على كل مَا هُوَ مقرّ لَهَا من غَيره (والأجدال) الَّذِي هُوَ اسْم للصقر لقُوته، على كل مَا فِيهِ قُوَّة (والأخيل) الَّذِي هُوَ اسْم لطائر بِهِ خيلان على كل مَا بِهِ ذَلِك (وَمَا لَا يُحْصى) من نَظَائِر هَذِه الْمَذْكُورَات، كالسماك الَّذِي هُوَ اسْم لكل من كوكبين مخصوصين مرتفعين، على كل مُرْتَفع، وَقرر هَذَا الْكَلَام مُعَارضَة، بَيَانه أَن الْقيَاس فِي اللُّغَة إِثْبَات لَهَا الْمُحْتَمل وَهُوَ بَاطِل، أما الأولى فَلِأَنَّهُ يحْتَمل التَّصْرِيح بِمَنْعه كَمَا يحْتَمل التَّصْرِيح بِاعْتِبَارِهِ بِدَلِيل مَنعهم اطراد الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة، وَأما الثَّانِيَة فَلِأَنَّهُ بِمُجَرَّد احْتِمَال الْوَضع لَا يَصح الحكم بِهِ فَإِن ذَلِك يسْتَلْزم جَوَاز الحكم بِالْوَضْعِ بِغَيْر قِيَاس، إِذا قَامَ احْتِمَال، وَذَلِكَ بَاطِل اتِّفَاقًا (فَظهر)
стр. 58
بِمَا ذكر من اعْتِبَار خُصُوصِيَّة الْمُسَمّى (أَن المناط) أَي منَاط التَّسْمِيَة (فِي مثله) أَي مثل مَا ذكر مِمَّا فِيهِ معنى يُنَاسب أَن يعْتَبر فِي التَّسْمِيَة هُوَ (الْمَجْمُوع) من الذوات وَالْوَصْف الْمَخْصُوص (فإثباتها) أَي اللُّغَة (بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ إِثْبَات (بِالِاحْتِمَالِ) وَفِي بعض النّسخ بمحتمل وَهُوَ بَاطِل لما عرفت، ثمَّ قيل ثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي الْحُدُود فِي الْجِنَايَات الْمَذْكُورَة، فالقائل بِالْقِيَاسِ يحد شَارِب النَّبِيذ والنباش واللائط، وَمن لم يقل لَا يحد (وَاللَّفْظ أَن وضع لغيره) أَي لغير نَفسه سَوَاء كَانَ لفظا آخر كالاسم وَالْفِعْل، أَو معنى كزيد وَضرب كَذَا قيل، وَيرد عَلَيْهِ أَن الِاسْم وَالْفِعْل وضعا لمفهومين كليين وَيُمكن الْجَواب بِأَن أفرادهما أَلْفَاظ فكون مَا وضعا لَهُ ألفاظا بِاعْتِبَار مَا صدقا عَلَيْهِ، والتمثيل بالضمائر الراجعة إِلَى الْأَلْفَاظ ونظائرها على رَأْي الْمُتَأَخِّرين من أَن الْوَضع فِيهَا عَام والموضوع لَهُ خَاص (فمستعمل وَإِن لم يسْتَعْمل) قطّ فِيمَا وضع لَهُ والمستعمل يسْتَعْمل فِي مَعْنيين أَحدهمَا هَذَا، وَالْآخر مَا أطلق وَأُرِيد بِهِ الْمَعْنى (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يوضع لغيره (فمهمل وَإِن اسْتعْمل) أَي أطلق وَأُرِيد بِهِ نَفسه (كديز ثَلَاثَة) فَإِنَّهُ لم يوضع دير لغيره من لفظ أَو معنى (وبالمهمل) أَي بِاسْتِعْمَال المهمل فِي نَفسه اسْتِعْمَالا صَحِيحا (ظهر وضع لَك لفظ لنَفسِهِ) لِأَن ذكر اللَّفْظ وَإِرَادَة نَفسه لَا يخْتَص بالمهمل بل يعم الْأَلْفَاظ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي دلَالَته عَلَيْهِ وَتلك الدّلَالَة لَيست عقلية فَهِيَ وضعية (كوضعها لغيره) أَي كظهور وضع بَعْضهَا لغير نَفسه بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْغَيْر فَشبه ظُهُور وضع الْكل للنَّفس بِظُهُور وضع الْبَعْض للْغَيْر بِجَامِع الِاسْتِعْمَال بِلَا قرينَة، غَايَة الْأَمر أَن منَاط الِاسْتِعْمَال والإهمال الْوَضع للْغَيْر (لِأَن الْمجَاز يسْتَلْزم وضعا) أَي وَضعه قبل أَن يسْتَعْمل فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (للمغاير) أَي لمغاير الْمَعْنى الْمجَازِي: لِأَن الْمجَاز هُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ فَلَو فرض كَون الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه مجَازًا لزم كَون نَفسه مغايرا لما وضع لَهُ فَالْحَاصِل أَن مجازيه المهمل الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه تَسْتَلْزِم وَضعه للمغاير وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي الْوَضع للمغاير (مُنْتَفٍ فِي المهمل) كَمَا علم من تَعْرِيفه الْحَاصِل من التَّقْسِيم، وَإِذا انْتَفَى الْمجَاز تعين الْحَقِيقَة، وَهِي مستلزمة للوضع، وعَلى هَذَا التَّقْرِير يثبت الْوَضع فِي المهمل الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه، ثمَّ يحمل عَلَيْهِ الْمُسْتَعْمل لعدم الْقَائِل بِالْفرقِ بَين المهمل والمستعمل بِاعْتِبَار الِاسْتِعْمَال فِي نَفسهَا وَيُمكن أَن يُرَاد استلزام مجازية الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه وَضعه لغير نَفسه، لِأَن مَا وضع لَهُ اللَّفْظ مُغَاير لمعناه الْمجَازِي (وَلعدم العلاقة) تَعْلِيل آخر لنفي مجازية الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه وَحَاصِله أَن العلاقة لَازِمَة فِي الْمجَاز وَلَا يتَصَوَّر شَيْء من أَنْوَاع العلاقة الْمُعْتَبرَة بَين نفس اللَّفْظ وَمَا وضع لَهُ أما فِي المهمل فَظَاهر، وَأما فِي الْمُسْتَعْمل فَلِأَنَّهُ لَا علاقَة بَين اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ، أَعنِي من العلاقات الْمُعْتَبرَة كَمَا لَا يخفى على الْعَارِف بهَا، وَمَا قيل من أَن العلاقة بَينهمَا الْمُجَاورَة لارتسامهما فِي الخيال مَعًا لَيْسَ
стр. 59
بِشَيْء، لِأَن العلاقة فِي الْمجَاز وَسِيلَة للانتقال من الدَّال إِلَى الْمَدْلُول وهما متحدان هَهُنَا والتغاير اعتباري، فَمن حَيْثُ أَنه سَبَب لإحضار نَفسه دَال، وَمن حَيْثُ أَنه مُرَاد بِذكرِهِ مَدْلُول وَلَا يحْتَاج مثل هَذِه الدّلَالَة إِلَى وَسِيلَة، نعم يحْتَاج إِلَى قرينَة تعين أَن المُرَاد بِهِ نَفسه، وَهُوَ غير العلاقة وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن كَون اللَّفْظ مَوْضُوعا لنَفسِهِ يسْتَلْزم الْمُسَاوَاة بَين دلَالَته على نَفسه ودلالته على مَعْنَاهُ، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ لتبادر مَعْنَاهُ وَسَبقه إِلَى الْفَهم، أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَيجب كَون الدّلَالَة) أَي دلَالَة اللَّفْظ الْمَوْضُوع لغيره (على مُغَاير) أَي على مَا وضع لَهُ المغاير لنَفسِهِ دون نَفسه (قبل) ذكر (الْمسند) ظرف للدلالة الْمَذْكُورَة وَإِنَّمَا قيدت بِهِ، لِأَنَّهُ بعد ذكره يتَعَيَّن كَون المُرَاد بِهِ نَفسه لِأَنَّهُ صَارف عَن المغاير لعدم صِحَة إِسْنَاده إِلَيْهِ (لعدم الشُّهْرَة) خبر الْكَوْن، يَعْنِي عدم شهرة وضع اللَّفْظ لنَفسِهِ أَو عدم شهرة اسْتِعْمَاله فِي نَفسه كشهرة اسْتِعْمَاله فِي الْغَيْر فَإِن كل وَاحِد من العدمين يُوجب عدم تبادر النَّفس خُصُوصا مَعَ شهرة وَضعه للْغَيْر، أَو شهرة اسْتِعْمَاله فِيهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وشهرة مَا يُقَابله) فكون الدّلَالَة قبل الْمسند على المغاير لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة لَا يُنَافِي وَضعه لَهما (وَلما كَانَ) وَضعه لنَفسِهِ (غير قصدي) بِأَن قَالَ الْوَضع مثلا وضعت كل لفظ بِإِزَاءِ نَفسه (لِأَن الظَّاهِر أَنه) أَي وَضعه لنَفسِهِ (لَيْسَ إِلَّا تَجْوِيز اسْتِعْمَاله) فِي نَفسه (ليحكم عَلَيْهِ) أَي على اللَّفْظ (نَفسه) تَأْكِيد للمجرور، وَذَلِكَ لِأَن الْوَضع القصدي إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد المباينة والبعد بَين الدَّال والمدلول، وَلَا بعد بَين اللَّفْظ وَنَفسه، بل فهم نَفسه عِنْد ذكره ضَرُورِيّ، لَكِن لَا يُسمى ذَلِك دلَالَة إِلَّا إِذا صرفت قرينَة عنان الْقَصْد إِلَيْهِ بِالذَّاتِ ليحكم عَلَيْهِ، فَيكون حِينَئِذٍ مرَادا، وَلما وجدنَا هَذِه الْإِرَادَة فِي الاطلاقات الصَّحِيحَة فِي جَمِيع اللُّغَات عرفنَا التجويز فِي ذَلِك من الْوَاضِع، وَإِلَّا لما وَقعت كَذَلِك، وَلَا شكّ أَن هَذَا التجويز نوع من الْوَضع مِنْهُ (لم يوضع الألقاب الاصطلاحية بِاعْتِبَارِهِ) جَوَابا لما، وَالْمَقْصُود من هَذَا الْكَلَام دفع إِيرَاد يدل عَلَيْهِ قَوْله (فَلم يكن كل مَوْضُوع للمغاير مُشْتَركا) تَقْرِيره أَن القَوْل بِوَضْع الْأَلْفَاظ لأنفسها يسْتَلْزم انحصار اللَّفْظ الْمَوْضُوع فِي الْمُشْتَرك فَلَا يَصح تقسيمه إِلَى الْمُفْرد والمشترك وَكَذَلِكَ انحصاره فِي الْعلم إِلَى غير ذَلِك وَحَاصِل الْجَواب أَن الِاشْتِرَاك وَغَيره من الْأَسْمَاء الاصطلاحية لم تُوضَع لمعانيها بِاعْتِبَار هَذَا الْوَضع، بل بِاعْتِبَار وَضعهَا لغير أَنْفسهَا (وَلم يسم) اللَّفْظ الْمَوْضُوع (بِاعْتِبَارِهِ) أَي وَضعه لنَفسِهِ (عُلَمَاء وَلَا اسْم جنس وَلَا دَالا بالمطابقة) إِلَى غير ذَلِك وَإِنَّمَا سميت الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة ألقابا، لكَونهَا مشعرة بمعان اعْتبرت فِي تَسْمِيَة مسمياتها بهَا كَمَا أَن الألقاب مشعرة بمعان اعْتبر فِي تَسْمِيَتهَا فِي مدح أَو ذمّ (والاعتراض بِأَنَّهُ) أَي القَوْل بِوَضْع اللَّفْظ لنَفسِهِ (مُكَابَرَة لِلْعَقْلِ بل لَا وضع) للفظ لنَفسِهِ (لاستدعائه) أَي الْوَضع (التَّعَدُّد) أَي
стр. 60
تعدد مُتَعَلقَة ضَرُورَة استلزامه مَوْضُوعا وموضوعا لَهُ وَلَا تعدد على تَقْدِير وَضعه لنَفسِهِ (وَلِأَنَّهُ) أَي الْوَضع (للْحَاجة) أَي إِفَادَة الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ (وَهِي) أَي الْحَاجة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا تحصل (فِي) إِفَادَة (المغاير) أَي إِفَادَة اللَّفْظ مَا يغايره (مَبْنِيّ) خبر الْمُبْتَدَأ، وَهُوَ قَوْله الِاعْتِرَاض على حمل كَلَام الْقَائِل بِالْوَضْعِ (على ظَاهر اللَّفْظ) أَي على معنى يدل عَلَيْهِ ظَاهر عِبَارَته من إِطْلَاق لفظ الْوَضع (وَمَا قُلْنَا) من أَن المُرَاد من وضع اللَّفْظ لنَفسِهِ تَجْوِيز اسْتِعْمَاله فِي نَفسه ليحكم عَلَيْهِ (مخلص مِنْهُ) أَي من الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور وَأجِيب أَيْضا بِأَن التغاير الاعتباري كَاف فِي كَون الشَّيْء دَالا ومدلولا، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن المخلص مغن عَن هَذَا التَّكَلُّف. قَالَ السَّيِّد السَّنَد فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف ردا على الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ التَّحْقِيق أَنه إِذا أُرِيد إِجْرَاء الحكم على لفظ مَخْصُوص تلفظ بِهِ نَفسه وَلم يحْتَج هُنَاكَ إِلَى وضع وَلَا إِلَى دَال على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ للاستغناء بتلفظه وحضوره بذلك فِي ذهن السَّامع عَمَّا يدل عَلَيْهِ ويحضره فِيهِ، وَمَا ذكره المُصَنّف قريب مِنْهُ (والمستعمل مُفْرد ومركب، فالمفرد مَاله دلَالَة لاستقلاله بِوَضْع) الْجَار الأول مُتَعَلق بِالدّلَالَةِ، وَالثَّانِي بالاستقلال: أَي بِكَوْن دلَالَته على الْمَعْنى بِسَبَب وَضعه لَهُ مُسْتقِلّا لَا فِي ضمن لفظ آخر كتاء تضرب (وَلَا جُزْء مِنْهُ) أَي مِمَّا لَهُ الدّلَالَة الْمَذْكُورَة (لَهُ) أَي الْجُزْء الْمَذْكُور (مثلهَا) أَي مثل الدّلَالَة الْمَذْكُورَة بِأَن يدل على معنى لاستقلاله بِوَضْع، فَقَوله مِنْهُ صفة جُزْء وَله خبر مثلهَا، وَالْجُمْلَة خبر لَا (والمركب مَا لَهُ ذَلِك) أَي الدّلَالَة الْمَذْكُورَة (ولجزئه) مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَجْرُور: أَي ولجزئه أَيْضا تِلْكَ الدّلَالَة (وَلم يشْتَرط كَونه) أَي كَون جزئه (دَالا على جُزْء الْمُسَمّى) أَي مُسَمّى الْكل كَمَا شَرط المنطقيون (فَدخل نَحْو عبد الله علما فِي الْمركب) لِأَن جزءه دَال لَكِن لَا على جُزْء الْمَعْنى فَإِن قلت صرح الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بِعَدَمِ دلَالَة جُزْء مِنْهُ عِنْد الْقَرِينَة الدَّالَّة على إِرَادَة الْمَعْنى العلمي، وَشبه عبد فِي عبد الله بِأَن من إِنْسَان، وَلَا قَائِل فِيهِ بالتركيب وَدلَالَة أَن على الشَّرْط قُلْنَا الْقَرِينَة صارفة عَن الْإِرَادَة لَا الدّلَالَة وَلَيْسَ امتزاج مَاله دلَالَة بِمَا لَا دلَالَة لَهُ كامتزاجه بِمَا لَهُ دلَالَة بِحَيْثُ لَا يشابه الْمركب مِنْهُمَا بهيئة المركبات (وَخرج) عَن الْمركب (تضرب وأخواته) من المبدوء بِالْهَمْزَةِ وَالنُّون وَالْيَاء وفيهَا مَذَاهِب وَالْمُخْتَار أَن الْكل مُفْرد وَمُقَابِله أَن الْكل مركب، وَالثَّالِث التَّفْصِيل وَهُوَ قَول ابْن سينا أَن المبدوء بِالْيَاءِ مُفْرد وَغَيره مركب، وَجه الثَّانِي دلَالَة حرف المضارعة على مَوْضُوع معِين فِي غير ذِي الْيَاء وَغير معِين فِيهِ، وَلَا وَجه للتفصيل كَذَا نقل عَن المُصَنّف وَلَا يبعد أَن يُقَال فِي تَوْجِيهه أَن الْفِعْل من حَيْثُ أَنه عرض لَا بُد لَهُ من مَوْضُوع يدل على مَوْضُوع غير معِين فالياء كَأَنَّهَا لَا تفِيد أمرا زَائِدا بِخِلَاف مَا يدل على تعين الْمَوْضُوع (لِأَنَّهُ) أَي الْمُضَارع مَوْضُوع
стр. 61
(لمُجَرّد فعل الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال) على سَبِيل منع الْخُلُو، فَيصح على الْأَقْوَال كَونه للْحَال فَقَط أَو الِاسْتِقْبَال فَقَط، أَو لَهما على الِاشْتِرَاك كَمَا هُوَ الْمُخْتَار (لموضوع خَاص) يَعْنِي مَا قَامَ بِهِ من الْمُتَكَلّم والمخاطب وَالْغَائِب الْمعِين، فمنعاه مركب من ثَلَاثَة حدث وزمان وَنسبَة إِلَى معِين وَالْجَار مُتَعَلق بِمَحْذُوف، وَهُوَ صفة فعل: أَي لمُجَرّد الْفِعْل الثَّابِت لموضوع، الْمُثبت لَهُ خَارج عَمَّا وضع لَهُ وَحَاصِل التَّعْلِيل أَن الْمُضَارع الَّذِي فِيهِ حرف المضارعة كلمة وَاحِدَة وضعت دفْعَة وَاحِدَة للمعنى الَّذِي فِيهِ النِّسْبَة إِلَى الْمُتَكَلّم أَو الْمُخَاطب أَو الْغَائِب إِلَّا أَنه وضع مَدْخُول حرف المضارعة للْحَدَث وَالزَّمَان وَالنِّسْبَة، وحرف المضارعة لوصف ذَلِك الْمَوْضُوع من التَّكَلُّم الخ (بِخِلَاف ضربت) بالحركات الثَّلَاث فِي التَّاء (لاستقلال تائه بِالْإِسْنَادِ) الَّذِي يقْضِي اسْتِقْلَال الْمسند إِلَيْهِ لفظا لكَونه محلا للإعراب، وَمعنى لكَونه مُسْندًا إِلَيْهِ (بِخِلَاف تَاء تضرب) سَوَاء كَانَت للمخاطب أَو للغائبة، وَهُوَ حَال من التَّاء، وَالْمعْنَى تَاء ضربت مُسْتَقلَّة حَال كَونهَا مُلَابسَة بِخِلَاف تَاء تضرب فِي الِاسْتِقْلَال (وَقيد المنطقيون) فِي تعريفي الْمُفْرد الْمركب (دلَالَة الْجُزْء بِجُزْء الْمَعْنى) أَي بِكَوْنِهَا على جُزْء الْمَعْنى (وقصدها) أَي وبكونها مَقْصُودَة، فالمفرد عِنْدهم مَا لَيْسَ لَهُ جُزْء دَال على جُزْء مَعْنَاهُ دلَالَة مَقْصُودَة إِمَّا بِأَن لَا يكون لَهُ جُزْء كالهمزة، أَو كَانَ بِلَا دلَالَة كزاي زيد، أَو مَعَ دلَالَة لَكِن لَا على جُزْء الْمَعْنى كَعبد الله، أَو مَعَ دلَالَة على جُزْء مَعْنَاهُ لَكِن دلَالَة غير مَقْصُودَة كالحيوان النَّاطِق الْمَوْضُوع لشخص، وَإِلَى الآخرين أَشَارَ بقوله (فعبد الله مُفْرد، و) كَذَا (الْحَيَوَان النَّاطِق لإِنْسَان) تَفْرِيع على اعْتِبَار القيدين نفيا وإثباتا (وإلزامهم) أَي المنطقيين (بتركيب نَحْو مخرج) وضارب وسكران لدلَالَة جَوْهَر الْكَلِمَة على مبدأ الِاشْتِقَاق، وَمَا ضم إِلَيْهِ من مَا زيد عَلَيْهِ (غير لَازم) عَلَيْهِم، وَلما كَانَ الْإِلْزَام الْمَذْكُور محررا على وَجْهَيْن تَارَة بِاعْتِبَار الْهَيْئَة، وَتارَة بِاعْتِبَار الْحُرُوف الزَّوَائِد فصل الْجَواب فَقَالَ (فعلى اعْتِبَار الْجُزْء الْهَيْئَة) مفعول ثَان للاعتبار لتَضَمّنه معنى التصيير وَالْمعْنَى فَعدم لُزُومه بِنَاء على اعْتِبَار الْجُزْء الْمُوجب تركيبها الْهَيْئَة مفَاد (لتصريحهم) أَي المنطقيين فِي تَفْسِير الْجُزْء الْمُعْتَبر فِي الْمُفْرد والمركب (بالمسموع بالاستقلال) فمرادهم جُزْء مسموع بِذَاتِهِ لَا فِي ضمن شَيْء والهيئة إِن سلم كَونهَا مسموعة فَهِيَ مسموعة فِي ضمن الْمَادَّة، وَقَرِيب من هَذَا مَا قيل من أَن المُرَاد الْجُزْء الميرتب فِي السّمع (وَلِأَن الْكَلَام فِي تركيب اللَّفْظ ظَاهر) أَي وَلِأَن كَلَام المنطقيين هَهُنَا فِي تركيب لفظ مَعَ لفظ ظَاهر متبادر والتعريفات تحمل على مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهَا، وَالْحَاصِل أَنه دفع الِاعْتِرَاض عَنْهُم بِوَجْهَيْنِ: الأول أَنهم صَرَّحُوا بمرادهم، وَالثَّانِي أَن مُرَادهم ظَاهر من كَلَامهم من غير حَاجَة إِلَى تصريحهم (وعَلى اعْتِبَاره) أَي الْجُزْء (الْمِيم) فِي نَحْو
стр. 62
مخرج (وَنَحْوه) كالألف فِي ضَارب (فلمنع دلَالَته) أَي كل من الْمِيم وَنَحْوه (بل) الدَّال على مَجْمُوع الْمَعْنى المُرَاد فِي هَذِه الْأَلْفَاظ (الْمَجْمُوع) من الْحُرُوف الْأُصُول والزوائد لوضع الْمَجْمُوع دفْعَة للمجموع من غير وضع الْجُزْء للجزء، لَا يُقَال لَزِمَهُم القَوْل بتركيب نَحْو مخرج لقَولهم بتركيب الْمُضَارع، لِأَن اعْتِبَار التَّرْكِيب فِيهِ يسْتَلْزم كَون الْحَرْف الزَّائِد مَوْضُوعا بِإِزَاءِ مَا هُوَ الأَصْل فِي الْمَعْنى: أَعنِي الذَّات الَّتِي يقوم بهَا مبدأ الِاشْتِقَاق، بِخِلَاف حرف المضارعة، فَإِنَّهَا بِإِزَاءِ وصف الْفَاعِل من التَّكَلُّم وَالْخطاب والغيبة، نعم الْوَجْه عدم التَّرْكِيب فِي الْمُضَارع أَيْضا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَجعل تضرب) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق للمخاطب أَو الغائبة (مركبا إِن كَانَ) سَببه (الْإِسْنَاد فِي تائه فخلاف أهل اللُّغَة) أَي مخالفهم وَكَيف لَا والمسند إِلَيْهِ الِاسْم لَا غير وحروف المضارعة من حُرُوف المباني، مَجْمُوع الشَّرْط وَالْجَزَاء خبر الْمُبْتَدَأ (أَو للمستكن) مَعْطُوف على قَوْله إِلَى تائه، وَاللَّام بِمَعْنى إِلَى كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿فسقناه لبلد﴾ - (فَمَا ذكرنَا) أَي فَجَوَابه مَا ذكرنَا من أَن الْمُضَارع مَوْضُوع لمُجَرّد الْفِعْل الثَّابِت لموضوع خَاص وَلَا تركيب فِيهِ، وَالضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ كلمة أُخْرَى مَوْضُوعَة لذَلِك الْمَوْضُوع، وَلَا نزاع فِي تركيب مَجْمُوع الْمُضَارع وَالضَّمِير (وَلذَا) أَي وَلعدم اقْتِضَاء المستكن تركبه (لم يركب) أَي لم يصر مركبا (اضْرِب) على صِيغَة الْأَمر (وَيضْرب فِي زيد يضْرب) مَعَ وجود المستكن فيهمَا (وَجَوَاب مركبه) أَي من ذهب إِلَى تركيب الْمُضَارع مُطلقًا (مِنْهُم) أَي من المنطقيين (مَا ذكرنَا) من التَّفْصِيل، وَذهب الرضي إِلَى أَن الْمُضَارع، وَمثل مسلمان ومسلمون وَبصرى وقائمة والمؤنث بِالْألف والمعرف بِاللَّامِ مركبات عدت لشدَّة الامتزاج وَعدم اسْتِقْلَال الْحُرُوف الْمُتَّصِلَة فِيهَا كلمة وَاحِدَة وأعربت إِعْرَاب الْكَلِمَة الْوَاحِدَة، وَمَا اخْتَارَهُ المُصَنّف ﵀ أنسب بقواعد الْإِعْرَاب، وَلما ذكر (وينقسم كل من الْمُفْرد والمركب، فالمركب) قدمه لقلَّة أقسامه وَكَون مَفْهُومه وجوديا (إِن أَفَادَ نِسْبَة تَامَّة) يَصح السُّكُوت عَلَيْهَا (بِمُجَرَّد ذَاته) من غير انضمامه إِلَى كلمة أُخْرَى، فَخرج قَائِم مَعَ ضَمِيره فِي زيد قَائِم، لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهَا بانضمامه إِلَى زيد (فجملة) أَي فَهُوَ جملَة اسمية أَن بُدِئَ باسم كزيد قَائِم وفعلية إِن بُدِئَ بِفعل كقام زيد وَيَا عبد الله وَإِن أكرمتني أكرمتك، وَيُقَال لهَذِهِ شَرْطِيَّة، وأمامك أَو فِي الدَّار خَبرا عِنْد الْبَصرِيين بِتَقْدِير حصل أَو اسْتَقر، وَيُقَال لهَذِهِ ظرفية خلافًا للكوفيين فَإِنَّهُم جَعَلُوهُ مُفردا بِتَقْدِير نَحْو حَاصِل، وَمِنْهُم من جعله قسما بِرَأْسِهِ لَا من الْمُفْرد وَلَا من الْجُمْلَة (أَو نَاقِصَة) عطف على تَامَّة: أَي إِن أَفَادَ نِسْبَة نَاقِصَة لَا يَصح السُّكُوت عَلَيْهَا (فالتقييدي) أَي فَهُوَ الْمركب التقييدي لتقييد الْجُزْء الأول بِالْآخرِ كغلام زيد وَالْحَيَوَان النَّاطِق (ومفرد
стр. 63
أَيْضا) لِأَن الْمُفْرد مُشْتَرك بَين معَان مِنْهَا مَا يُقَابل الْجُمْلَة، وَمِنْهَا مَا أَفَادَ بقوله (وَكَذَا فِي مُقَابلَة الْمثنى وَالْمَجْمُوع) أَي كَمَا يُطلق فِي مُقَابلَة الْجُمْلَة كَذَلِك يُطلق فِي مقابلتهما، وَمِنْهَا مَا يُقَابل الْمُضَاف إِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والمضاف) عطف على الْمثنى وَالْمَجْمُوع (وَنَحْو قَائِم) من الصِّفَات (لَا يرد) على تَعْرِيف الْجُمْلَة بتوهم كَون مَا أَفَادَهُ من نِسْبَة الْمصدر إِلَى الذَّات تَاما (لِأَنَّهُ مُفْرد) لعدم دلَالَة جزئه على معنى (وَأَيْضًا) لَا يدل على النِّسْبَة وضعا (إِنَّمَا يدل على ذَات متصفة) بِمَا اشتق مِنْهُ بِوَضْعِهِ لَهَا (فَيلْزم) أَن يفهم (النِّسْبَة) بَين الذَّات وَالْوَصْف (عقلا) أَي لُزُوما عقليا ضَرُورَة أَن الْوَصْف لَا بُد أَن يقوم بموصوف (لَا أَنَّهَا مَدْلُول اللَّفْظ) فَإِن قلت الدّلَالَة على الذَّات المتصفة بِوَصْف يسْتَلْزم كَون النِّسْبَة الَّتِي هِيَ الاتصاف المتعقل بسين الذَّات وَالْوَصْف مدلولا قلت الْمَعْنى الْمركب الْمُشْتَمل على النِّسْبَة إِذا وضع بإزائه لفظ وَاحِد يكون الْوَضع لَهُ هُنَاكَ أمرا وحدانيا إِذا أَخذ بِالْعقلِ فِي تَفْصِيله ينْحل إِلَى مُتَعَدد مِنْهُ النِّسْبَة فَتَأمل (وَحَال وُقُوعه) أَي نَحْو قَائِم (خَبرا فِي نَحْو زيد قَائِم نسبته إِلَى الضَّمِير لَيست تَامَّة بِمُجَرَّد ذَاته) مُسْند إِلَى فَاعله (بل) النِّسْبَة (التَّامَّة) نسبته مَعَ فَاعله (إِلَى زيد وَلذَا) أَي وَلكَون نسبته إِلَى الضَّمِير غير تَامَّة (عد مَعَه) أَي مَعَ الضَّمِير (مُفردا) كَمَا يدل عَلَيْهِ اختلافه باخْتلَاف العوامل وَوَضعه على أَن يكون مُعْتَمدًا على من هُوَ لَهُ لإفادته معنى فِي ذَات تقدم ذكرهَا، (و) إِفْرَاد نَحْو قَائِم حَال وُقُوعه خَبرا (على) رَأْي (المنطقيين فِي اعْتِبَاره) أَي الضَّمِير (الرابطة) ثَانِي مفعول الِاعْتِبَار لما يرتبط بِهِ الْمَحْمُول بالموضوع (أظهر فإسناده لَيْسَ إِلَّا إِلَى زيد) لِأَن الرابطة دَالَّة على النِّسْبَة لَا أَنَّهَا ظرفها (وَهُوَ) أَي الضَّمِير (يُفِيد أَن مَعْنَاهُ) أَي قَائِم ثَابت (لَهُ) أَي لزيد (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يفد ذَلِك (لاستقل كل) من الْمَوْضُوع والمحمول (بمفهومه) عَن الآخر (فَلم يرتبط، وَغَايَة مَا يلْزم) المنطقيين فِي الِاعْتِبَار الْمَذْكُورَة (طرده) أَي اعْتِبَار الضَّمِير (فِي الجامد) من الْأَخْبَار كَمَا فِي الْمُشْتَقّ طردا للباب من اطرد الْأَمر: أَي تبع بعضه بَعْضًا (وَقد يلْتَزم) طرده فِي الجامد (كالكوفيين) أَي كالتزام الْكُوفِيّين ذَلِك فَإِنَّهُم يؤولون غير الْمُشْتَقّ بِهِ، فيؤولون زيد أَسد بِشُجَاعٍ، وأخوك بمواخيك، وكل جامد بِمَا يُنَاسِبه، عَن الْكسَائي أَن الجامد يتَحَمَّل الضَّمِير بِلَا تَأْوِيل (وَإِن كَانَ) الِالْتِزَام الْمَذْكُور (على غير مهيعم) أَي طريقهم الْبَين فَإِنَّهُم لَا يلتزمون تحمل الْمُشْتَقّ لَهُ فضلا عَن الجامد، بل إِن كَانَ ملفوظا يسمون الْقَضِيَّة ثلاثية، وَإِلَّا قَالُوا هُوَ مَحْذُوف للْعلم بِهِ، ويسمونها ثنائية، فعلى هَذَا يحْتَاج قَوْله، وعَلى المنطقيين إِلَى آخِره إِلَى تَأْوِيله، لِأَن ظَاهره يَقْتَضِي اعْتِبَار الضَّمِير وَجعله رابطة فَتدبر (وبخفائه) أَي الضَّمِير الْمُسْتَتر (وَالدَّال) أَمر
стр. 64
ظَاهر، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ خفِيا فِي ذَاته كَيفَ يكون سَببا لظُهُور الْمَدْلُول، وَلَا بُد من أَمر بعيد الرَّبْط بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر (قيل الرابط حَرَكَة الْإِعْرَاب) ضمة ظَاهِرَة فِي آخر المعرب، ويلحقها مَا يقوم مقَامهَا وَاو أَو ألف (وَلَا يُفِيد) الْأَعْرَاب الْمَذْكُور أَيْضا مَا قصدوه من الظُّهُور (إِذْ يخفى) الْأَعْرَاب أَيْضا (فِي المبنى والمعتل) مَقْصُورا كَانَ أَو منقوصا، وَكَذَا المعرب عِنْد الْوَقْف (وَالْأَظْهَر أَنه) أَي الرَّبْط (فعل النَّفس) وَهُوَ الْإِيقَاع والانتزاع (وَدَلِيله) أَي فعل النَّفس (الضَّم الْخَاص) أَي التَّرْكِيب الْخَاص الْمَوْضُوع نَوعه لإِفَادَة ذَلِك، وَأما الْحَرَكَة (فَعِنْدَ ظُهُورهَا) لفقد الْمَانِع (يتَأَكَّد الدَّال) وَهُوَ الضَّم الْمَذْكُور (وَإِلَّا انْفَرد) أَي وَإِن لم تظهر لمَانع انْفَرد الضَّم بِالدّلَالَةِ الْمَذْكُورَة (وَاعْلَم أَن الْمَقْصُود) الْأَصْلِيّ (من وضع الْمُفْردَات لَيْسَ إِلَّا إِفَادَة الْمعَانِي التركيبية) هَذِه تَوْطِئَة لما بعْدهَا من بَيَان أَقسَام حَاصِلَة فِي اعْتِبَار الْمَعْنى التركيبي (وَالْجُمْلَة خبر إِن دلّ) أَي الْجُمْلَة، والتذكير بِاعْتِبَار الْخَبَر (على مُطَابقَة) نسبتها المفادة مِنْهَا لأمر (خَارج) عَن مدلولها بِاعْتِبَار تِلْكَ الملاحظة المستفادة من دلالتها كَائِن بَين طرفِي الْإِمْكَان فِي الْوَاقِع من الْوُقُوع، أَو اللاوقوع، وَلَا يذهب عَلَيْك الْفرق بَين الدّلَالَة على الْمُطَابقَة وَبَين الْمُطَابقَة بِحَسب نفس الْأَمر، فَإِن الأولى لَازِمَة للنسبة الْجُزْئِيَّة لَا الثَّانِيَة، وَذَلِكَ لكَونهَا حاكية عَن نِسْبَة خارجية بَين الطَّرفَيْنِ، إِذْ لَا بُد من الْمُطَابقَة فِي التَّصَوُّر بَين الحاكي والمحكي عَنهُ، فَإِن كَانَ مَا هُوَ الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر بِعَيْنِه هُوَ المحكي تحصل الثَّانِيَة، وَإِلَّا فَلَا (وَأما عدمهَا) أَي عدم مُطَابقَة نسبتها المفادة مِنْهَا (فَلَيْسَ مدلولا وَلَا مُحْتَمل اللَّفْظ) لِأَن مَا يفهم من الحاكي إِنَّمَا هُوَ مِثَال المحكي عَنهُ لَا غير، وَلَكِن (إِنَّمَا يجوز الْعقل أَن مَدْلُوله) أَي الْخَبَر (غير وَاقع) لِأَن الْحِكَايَة عَن الشَّيْء لَا تَسْتَلْزِم تحَققه فِي الْوَاقِع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تدل الْجُمْلَة على مُطَابقَة خَارج بِأَن لم تكن نسبتها المدلولة حاكية عَن نِسْبَة خارجية (فإنشاء) أَي فالجملة حِينَئِذٍ إنْشَاء (وَلَا حكم فِيهِ) وَفسّر الحكم بقوله (أَي إِدْرَاك أَنَّهَا) أَي النِّسْبَة (وَاقعَة أَولا) أَي لَيست بواقعة (فَلَيْسَ كل جملَة قَضِيَّة) إِذْ لَا بُد فِيهَا من الحكم وَكَونهَا حاكية عَن خارجية، وَلذَا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، فالجملة أَعم من الْقَضِيَّة (وَالْكَلَام يرادفها) أَي الْجُمْلَة (عِنْد قوم) من النُّحَاة، قيل مِنْهُم الزَّمَخْشَرِيّ عَفا الله عَنهُ (وأعم) مِنْهَا مُطلقًا (عِنْد الأصولين كاللغويين) أَي كَمَا أَنه أَعم عِنْدهم، وَنقل الأمدي عَن أَكثر الْأُصُولِيِّينَ، وَالْإِمَام الرَّازِيّ عَن جَمِيعهم أَن الْكَلِمَة المركبة من حرفين فَصَاعِدا كَلَام، وَشرط صدورها عَن مُخْتَار، فالصادر من الساهي أَو النَّائِم لَيْسَ بِكَلَام.
стр. 65
وَاخْتلف فِي إِطْلَاقه على كَلِمَات غير متضمنة الْمعَانِي، وَلَيْسَ مثل " ق " كلَاما إِلَّا إِذا اعْتبر الْمُسْتَتر (وأخص) أَي الْكَلَام أخص مُطلقًا من الْجُمْلَة (عِنْد آخَرين) مِنْهُم ابْن مَالك، وَاخْتَارَهُ الرضي. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيّ أَنه الِاصْطِلَاح الْمَشْهُور، فَقَالُوا الْكَلَام مَا تضمن الْإِسْنَاد الْأَصْلِيّ، وَكَانَ مَقْصُودا لذاته، وَالْجُمْلَة مَا تضمن الْإِسْنَاد الْأَصْلِيّ مَقْصُودا لذاته أَولا، فالمصدر وَالصِّفَات المسندة إِلَى فاعلها إسنادها لَيْسَ أصلا، لِأَن اعْتِبَاره نِسْبَة الْفِعْل، وَالْجُمْلَة الْوَاقِعَة خَبرا أَو وَصفا أَو حَالا، أَو شرطا، أَو صلَة، أَو نَحْو ذَلِك لَيْسَ إسنادها مَقْصُودا لذاته (وللمفرد بِاعْتِبَار ذَاته) كَكَوْنِهِ مشتقا أَو جَامِدا (ودلالته) ككونها مُطَابقَة، أَو تضمنا، أَو التزاما، وَكَونهَا ظَاهرا أَو خفِيا (ومقايسته لمفرد آخر) كالترادف والتساوي (ومدلوله) كالعموم وَالْخُصُوص (واستعماله) كالحقيقة وَالْمجَاز (وإطلاقه وتقييده) كَذَا وجد فِي النّسخ، وَلَا يظْهر وَجهه، فَإِن الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد إِنَّمَا ذكرهمَا فِي جملَة أَقسَام انقسامه بِالِاعْتِبَارِ الرَّابِع قبل الْفَصْل الْخَامِس (انقسامات فِي) خَمْسَة (فُصُول)
الْفَصْل الأول
فِي انقسام الْمُفْرد بِاعْتِبَار ذَاته من حَيْثُ أَنه مُشْتَقّ أَولا
(وَهُوَ) أَي الْمُفْرد قِسْمَانِ (مُشْتَقّ) وَهُوَ (مَا وَافق مصدرا) هُوَ اسْم الْحَدث الْجَارِي على الْفِعْل: أَي الْمَعْنى الْقَائِم بِالْغَيْر، وجريانه عَلَيْهِ كَونه أصلا لَهُ ومأخذا (بِحُرُوفِهِ الْأُصُول وَمَعْنَاهُ) مَعْطُوف على الْمَجْرُور الْمُتَعَلّق بوافق، فَلَا يكون الذّهاب من الذَّهَب، وَلَا ضرب بِمَعْنى دق من الضَّرْب بِمَعْنى السّير، وَلَا يضر عدم مُوَافَقَته لَهَا لسَبَب الإعلال، وَلم يذكر التَّرْتِيب لتبادره إِلَى الذِّهْن، فَخرج مثل الجبذ والجذب (مَعَ زِيَادَة) فِي الْمَعْنى سَوَاء كَانَت فِي اللَّفْظ أَولا (هِيَ) أَي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة (فَائِدَة الِاشْتِقَاق) وغايته (فالمقتل) حَال كَونه (مصدرا مَعَ الْقَتْل أصلان) غير مُشْتَقّ أَحدهمَا عَن الآخر (مزِيد وَغير مزِيد) هَذَا إِذا لم يعْتَبر فِي المقتل زِيَادَة تَقْوِيَة (وَإِن اعْتبر بِهِ) أَي بِالْقَتْلِ أَو بِالزَّائِدِ (زِيَادَة تَقْوِيَة) فِي مَعْنَاهُ الْمَوْجُود فِي الْقَتْل (فمشتق مِنْهُ) أَي فالمقتل مُشْتَقّ من الْقَتْل لصدق التَّعْرِيف عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْرِيف على رَأْي الْبَصرِيين، وَعند الْكُوفِيّين الْمُشْتَقّ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْفِعْل، وَالْمرَاد بِالْمَصْدَرِ مَا هُوَ أَعم من الْمُسْتَعْمل والمقدر، فَدخل الْأَفْعَال وَالصِّفَات الَّتِي لم تسْتَعْمل مصادرها: كنعم، وَبئسَ، وتبارك، وربعة بِمَعْنى مربوعة بَين الطول وَالْقصر، والقفاخر: أَي الضخم الجثة، ثمَّ أَسمَاء الْفَاعِل وَالْمَفْعُول مُشْتَقَّة من المصادر عِنْد الْجُمْهُور، وَمن الْفِعْل الْمُشْتَقّ مِنْهَا عِنْد الْبَعْض، وَيجوز الِاشْتِقَاق من المصادر
стр. 66
عِنْد الْجُمْهُور، وَمن الْفِعْل الْمُشْتَقّ مِنْهَا عِنْد الْبَعْض، وَيجوز الِاشْتِقَاق من المصادر بِاعْتِبَار مَعَانِيهَا المجازية، وَلَا بُد من التغاير بَين الْمُشْتَقّ والمشتق مِنْهُ بِزِيَادَة حرف أَو حَرَكَة أَو نقصانهما (وجامد) عطف على مُشْتَقّ (خِلَافه) فَهُوَ مَا لَيْسَ بموافق مصدر إِلَى آخِره كَرجل وَأسد (والاشتقاق الْكَبِير) وَهُوَ مُوَافقَة لفظين فِي الْحُرُوف الْأُصُول غير مرتبه مَعَ مُوَافقَة أَو مُنَاسبَة فِي الْمَعْنى: كالجبذ والجذب (لَيْسَ من حَاجَة الأصولي) لِأَن المبحوث عَنهُ فِي الْأُصُول إِنَّمَا هُوَ الْمُشْتَقّ بالاشتقاق الصَّغِير، وَقد علم حَده من تَعْرِيف الْمُشْتَقّ، وَاكْتفى بِذكر الْكَبِير عَن الْأَكْبَر، وَهُوَ مُنَاسبَة لفظين فِي الْحُرُوف الْأُصُول وَالْمعْنَى، كالثلب والثلم، والنعيق، والنهيق، لِأَن عدم حَاجَة الأصولي إِلَى الْكَبِير تَسْتَلْزِم عدم حَاجته إِلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الأولى (والمشتق) قِسْمَانِ (صفة) وَهُوَ (مَا دلّ على ذَات مُبْهمَة) أَي على حَقِيقَة غير مُعينَة بتعين شخصي وَلَا جنسي (متصفة بِمعين) أَي بِوَصْف لَهُ تعين مَا كضارب، فَإِن مَعْنَاهُ ذَات لَهُ الضَّرْب، فالذات فِي غَايَة الْإِبْهَام لعدم اختصاصها بِشَيْء من الْأَشْيَاء، وَالضَّرْب وصف ممتاز من سَائِر الْأَوْصَاف (فَخرج) بِقَيْد الْإِبْهَام (اسْم الزَّمَان وَالْمَكَان لِأَن المقتل) مثلا (مَكَان أَو زمَان فِيهِ الْقَتْل) وَلَا شكّ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَعَيّن بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَات مَا، لكَونهَا من الْأُمُور الْعَامَّة مُسَاوِيَة بِشَيْء مَا (قيل تتَحَقَّق الْفَائِدَة) بالأخبار (فِي نَحْو الضَّارِب جسم) فِي الْجُمْلَة لِإِمْكَان الذهول عَن جسميته (فَلم يكن) الْجِسْم (جُزْءا) من مَفْهُوم الضَّارِب (والألم يفد) نَحْو الضَّارِب جسم (كالإنسان حَيَوَان) أَي كَمَا لَا يُفِيد الْإِنْسَان حَيَوَان لكَون الْحَيَوَان جُزْءا مِنْهُ، نقل عَن المُصَنّف أَن هَذَا دَلِيل على لُزُوم إِبْهَام الذوات فِي الصّفة، وَيتَّجه عَلَيْهِ أَن عدم جزئية الْجِسْم فِي مَفْهُوم الصّفة لَا يسْتَلْزم الْمُدَّعِي، وَهُوَ غَايَة الْإِبْهَام لجَوَاز أَن يكون لَهُ جُزْء آخر مِمَّا يُخرجهُ عَن غَايَة الْإِبْهَام، وَيُجَاب عَنهُ بِأَن كل مَا تفرض جزئيته مِنْهُ بقول الْمُسْتَدلّ هُوَ يحصل عَلَيْهِ، وَالْحمل مُفِيد فَلَا يكون جُزْءا مِنْهُ، ثمَّ منع المُصَنّف ﵀ تحقق الْفَائِدَة بقوله (وَلقَائِل منع الْفرق) بَين الضَّارِب جسم، وَبَين الْإِنْسَان حَيَوَان، وادعاء تساويهما فِي عدم الْفَائِدَة (وَالِاسْتِدْلَال) مَعْطُوف على الْمَنْع: أَي لقَائِل أَن يسْتَدلّ على عدم إِبْهَام الذَّات على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي نَحْو الضَّارِب (بتبادر الْجَوْهَر مِنْهُ) فَإِن تبادره من نَحْو الضَّارِب دَلِيل على أَن الذَّات لَا تعم الْعرض، فَلم يكن فِي غَايَة الْإِبْهَام مُسَاوِيا لشَيْء مَا (وَالْأَوْجه) فِي الِاسْتِدْلَال على إِبْهَام الذَّات (صِحَة الْحمل) أَي حمل الصّفة الْمَأْخُوذَة فِي مفهومها الذَّات (على كل من الْعين) وَهُوَ الْجَوْهَر (وَالْمعْنَى) وَهُوَ الْعرض، فَلَو اعْتبر فِي مفهومها مَا يَخُصهَا بالجوهر لما صَحَّ حملهَا على الْعرض، وَيجوز أَن يُرَاد بِالْعينِ وَالْمعْنَى الْمَوْجُود الْخَارِجِي، وَمَا لَيْسَ بموجود فِي الْخَارِج
стр. 67
(وَغير صفة) مَعْطُوف على قَوْله صفة وَهُوَ (خِلَافه) أَي مَا لَا يدل على ذَات مُبْهمَة متصفة بِمعين بِأَن يدل على ذَات مُعينَة أَو مُبْهمَة غير متصفة بِمَا ذكر وَظَاهر هَذَا يَقْتَضِي أَن مَا يدل على ذَات متصفة بِوَصْف غير معِين كالإمكان الْعَام، والوجود الْمُطلق لَيْسَ بِصفة، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمَوْجُود والممكن وَنَحْوهمَا صِفَات: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال بتعين هَذِه الْأَوْصَاف، وَلَو بِوَجْه مَا فاذن عدم اعْتِبَار قيد التعين فِي التَّعْرِيف أولى كَمَا قيل: مَا دلّ على ذَات مَا بِاعْتِبَار معنى هُوَ الْمَقْصُود.
مَسْأَلَة
(وَلَا يشتق) من مصدر وصف (لذات وَالْمعْنَى) المصدري (قَائِم بِغَيْرِهِ) أَي غير الْمُشْتَقّ لَهُ، وَالْمرَاد بالاشتقاق لَهَا أَن يشتق لِأَن يُطلق عَلَيْهَا وَتسَمى بِهِ، قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي تَفْسِير كَلَام شَارِح الْمُخْتَصر: الاستقراء يُفِيد الْقطع بذلك، يَعْنِي حصل لنا من تتبع كَلَام الْعَرَب حكم كلي قَطْعِيّ بذلك كوجوب رفع الْفَاعِل، وَإِن كَانَ الاستقراء فِي نَفسه لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن انْتهى، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ حُصُول الْقطع من غير مُوجب: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال انْضَمَّ مَعَ الاستقراء قَرَائِن يُفِيد الْمَجْمُوع الْقطع بذلك (وَقَول الْمُعْتَزلَة) مُبْتَدأ خَبره (معنى كَونه) تَعَالَى (متكلما خلقه) أَي خلق الْكَلَام، وَالْمعْنَى مقولهم هَذَا الْكَلَام الْمُخَالف لما ذكرنَا، وَيجوز أَن يكون الْخَبَر محذوفا، وَالْمَذْكُور مقول القَوْل: أَي قَوْلهم هَذَا مُخَالف لما ذكرنَا (فِي الْجِسْم) مُتَعَلق بالخلق، والجسم كالشجرة الَّتِي سمع مِنْهَا مُوسَى ﵇. قَالَ تَعَالَى - ﴿نُودي من شاطئ الواد الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين﴾ - (وألزموا) أَي الْمُعْتَزلَة بطرِيق النَّقْض (جَوَاز) إِطْلَاق (المتحرك والأبيض) على الله، تَعَالَى شَأْنه عَن ذَلِك علوا كَبِيرا: لخلقه هَذِه الْأَعْرَاض فِي الْأَجْسَام الَّتِي هِيَ محالها، (وَدفع) الْإِلْزَام الْمَذْكُور (عَنْهُم بِالْفرقِ) بَين الْمُتَكَلّم وَمَا ألزموا بِهِ (بِأَنَّهُ ثَبت) بِالسَّمْعِ (الْمُتَكَلّم لَهُ) تَعَالَى كَقَوْلِه - ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ -، وَغَيره (وَامْتنع قِيَامه) أَي الْكَلَام (بِهِ) تَعَالَى بالبرهان، لِأَنَّهُ أصوات وحروف عِنْدهم، وَهِي حَادِثَة فَلَا تكون قَائِمَة بِهِ تَعَالَى، وَإِلَّا لزم كَونه محلا للحوادث (فَلَزِمَ أَن مَعْنَاهُ) أَي الْمُتَكَلّم (فِي حَقه خالقه) أَي الْكَلَام فِي جسم، وَلَا كَذَلِك المتحرك والأبيض وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ لم يثبت لَهُ بِالسَّمْعِ شَيْء مِنْهَا، بل ثَبت الْمَنْع عَن إِطْلَاقهَا (وَلَيْسَ) هَذَا الدّفع (بِشَيْء، لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيل فِي الحكم اللّغَوِيّ) أَي الحكم الْكُلِّي المستبط من تتبع اللُّغَة، وَهُوَ أَنه لَا يشتق لذات، وَالْمعْنَى قَائِم بِغَيْرِهِ (بَين
стр. 68
من يمْتَنع الْقيام بِهِ) أَي قيام الْمصدر بِهِ عقلا أَو شرعا (فَيجوز) إِطْلَاق الْمُشْتَقّ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي وَالْحَال أَن الْمصدر قَائِم (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر من يمْتَنع الْقيام بِهِ (و) بَين (غَيره) أَي من لم يمْتَنع قيام الْمصدر بِهِ (فَلَا) يجوز إِطْلَاق الْمُشْتَقّ عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى قَائِم بِغَيْرِهِ وَالْحَاصِل أَن الحكم اللّغَوِيّ الْكُلِّي الْمُقْتَضى عدم جَوَاز إِطْلَاق الْمُشْتَقّ على من لم يقم بِهِ الْمصدر من غير تَفْصِيل يقْضِي عَلَيْكُم بِعَدَمِ صِحَة إِطْلَاق الْمُتَكَلّم عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكرْتُمْ فَإِن قُلْتُمْ الِامْتِنَاع الْمَذْكُور قرينَة صارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي الَّذِي ذكرنَا قُلْنَا ذَلِك عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، وَهِي غير متعذرة لوُجُود الْكَلَام النَّفْسِيّ على مَا هُوَ مَذْهَبنَا (بل) نقُول لَا يمْتَنع قيام الْكَلَام بِهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ (لَو امْتنع لم يصغ) الْمُتَكَلّم (لَهُ) تَعَالَى (أصلا فَحَيْثُ صِيغ) لَهُ تَعَالَى (لزم قِيَامه) أَي الْكَلَام (بِهِ تَعَالَى) فَتعين أَن المُرَاد من الْكَلَام غير الْأَصْوَات والحروف وَهُوَ الْكَلَام النَّفْسِيّ (فَلَو ادعوهُ) أَي الْمُعْتَزلَة أَن معنى التَّكَلُّم خلق الْكَلَام (مجَازًا) لَا حَقِيقَة، فَلم يصغ لَهُ تَعَالَى، وَلَا يُنَافِي الحكم اللّغَوِيّ (ارْتَفع الْخلاف فِي الأَصْل الْمَذْكُور) وَهُوَ أَنه لَا يشتق لذات، وَالْمعْنَى قَائِم بغَيْرهَا، لِأَن الِاشْتِقَاق لَهَا أَن يُطلق عَلَيْهَا حَقِيقَة، وَقد اعْتَرَفُوا بنفيه، وَإِن لم يرْتَفع الْخلاف فِي المسئلة الكلامية لِأَن كَلَامه تَعَالَى عِنْدهم حَادث قَائِم بجسم، وَعِنْدنَا قديم قَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَفِي أَن الْمُتَكَلّم يُطلق عَلَيْهِ حَقِيقَة (وَهُوَ) أَي الادعاء الْمَذْكُور مِنْهُم (أقرب) إِلَى الْقبُول من ادِّعَاء كَون معنى كَلَامه ذَلِك حَقِيقَة لعدم مُخَالفَته الحكم اللّغَوِيّ، وسعة دَائِرَة الْمجَاز وَإِن كَانَ فِي حد ذَاته بعيد الارتكاب مثل هَذَا التَّجَوُّز من غير تعذر الْحَقِيقَة، والتفريق بَين المشتقات الَّتِي تطلق عَلَيْهِ تَعَالَى يَجْعَل مبدأ اشتقاق الْبَعْض قَائِما بِغَيْرِهِ تَعَالَى إِلَى غير ذَلِك (غير أَنهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (نقلوا استدلالهم) أَي الْمُعْتَزلَة على كَون الْمُتَكَلّم بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكرُوهُ (بِإِطْلَاق ضَارب حَقِيقَة) على شخص (وَهُوَ) أَي الضَّرْب قَائِم (بِغَيْرِهِ) أَي غير ذَلِك الشَّخْص، لِأَن الضَّرْب هُوَ الْأَثر الْحَاصِل فِي الْمَفْعُول، وَهُوَ الْمَضْرُوب فَإِن صَحَّ هَذَا النَّقْل عَنْهُم تعين أَن مُرَادهم ادِّعَاء الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز (وَأجِيب) عَن استدلالهم (بِأَنَّهُ) أَي الضَّرْب (التَّأْثِير) أَي تَأْثِير ذَلِك أثر الْقَائِم بالمضروب وإيجاده (وَهُوَ) أَي التَّأْثِير قَائِم (بِهِ) أَي بالضارب والمضروب لَا بالمضروب فَقَط، وَقد استوفيت الْكَلَام فِي تَحْقِيق هَذَا فِي رسالتي الْمَوْضُوعَة لبَيَان الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ وَهَذَا مَبْنِيّ على مَا هُوَ الْحق من أَن التَّأْثِير لَيْسَ هُوَ الْأَثر على أَن الْأَثر الَّذِي هُوَ الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ إِنَّمَا هُوَ قَائِم بالضارب (وَبِأَنَّهُ) مَعْطُوف على إِطْلَاق ضَارب، وَالضَّمِير للشأن (ثَبت الْخَالِق لَهُ) تَعَالَى (بِاعْتِبَار الْخلق) الَّذِي هُوَ مبدأ اشتقاقه (وَهُوَ) أَي الْخلق (الْمَخْلُوق). قَالَ تَعَالَى - ﴿هَذَا خلق الله﴾ - مُشِيرا بِهِ إِلَى
стр. 69
الْمَخْلُوق، والمخلوق غير قَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى (لَا التَّأْثِير) أَي الْخلق لَيْسَ هُوَ التَّأْثِير (والأقدم الْعَالم إِن قدم) التَّأْثِير لعدم انفكاك الْأَثر عَن التَّأْثِير (وَإِلَّا) وَإِن لم يكن التَّأْثِير قَدِيما، بل حَادِثا (تسلسل) أَي لزم التسلسل فِي التأثيرات، لِأَن الْحَادِث أثر يحْتَاج إِلَى مُؤثر وتأثير، فَيَعُود الْكَلَام إِلَى ذَلِك التَّأْثِير، وَهَكَذَا (وَهُوَ) أَي هَذَا الِاسْتِدْلَال على تَقْدِير تَسْلِيم مقدماته (مُثبت لجزء الدَّعْوَى) لَا لَهَا لِأَنَّهَا مركبة من مقدمتين، أَحدهمَا الِاشْتِقَاق لذات لَا يقوم بهَا المبدأ، وَثَانِيهمَا أَنه قَائِم بغَيْرهَا، وَالدَّلِيل لَا يُفِيد إِلَّا الأولى، إِذْ الْخلق بِمَعْنى الْمَخْلُوق مَجْمُوع الْجَوْهَر وَالْعرض، وَبَعضه قَائِم بِنَفسِهِ، وَبَعضه بذلك الْبَعْض، وَالْمَجْمُوع يعد قَائِما بِنَفسِهِ لَا بِغَيْرِهِ كالجسم الْمركب من الْمَادَّة وَالصُّورَة ونوقش بِأَن إِطْلَاق الْخَالِق لَا يجب أَن يكون بِاعْتِبَار جَمِيع الْمَخْلُوقَات، بل يَصح بِاعْتِبَار الْأَفْعَال وَالصِّفَات، وَحِينَئِذٍ يثبت تَمام الدَّعْوَى فَالْجَوَاب مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أُجِيب بِأَن معنى خلقه كَونه سُبْحَانَهُ تعلّقت قدرته بالإيجاد وَهُوَ) أَي كَونه تَعَالَى كَذَا (إِضَافَة اعْتِبَار تقوم بِهِ) تَعَالَى أما كَونه إِضَافَة لكَونهَا معقولة بِالْقِيَاسِ إِلَى الْغَيْر، وَأما إِضَافَته إِلَى الِاعْتِبَار، فباعتبار أَنه يعقل بَين الذَّات الأقدس، وَأمر اعتباري هُوَ تعلق قدرته سُبْحَانَهُ بالإيجاد، ومبني هَذَا الْجَواب على نفي كَون التكوين صفة حَقِيقِيَّة أزلية تتكون بهَا المكونات الْحَادِثَة فِي أَوْقَاتهَا كَمَا هُوَ مَذْهَب الماتريدية كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لَا صفة متقررة) مَعْطُوف على إِضَافَة اعْتِبَار (ليلزم كَونه محلا للحوادث) غَايَة للمنفي، يَعْنِي كَونه صفة متقررة يسْتَلْزم كَونه تَعَالَى محلا للحوادث على تَقْدِير حُدُوثه (أَو قدم الْعَالم) أَي تَقْدِير قدمه مَعْطُوف على كَونه (وَأورد) على الْجَواب الْمَذْكُور بطرِيق الترديد كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (إِن قَامَت بِهِ) تَعَالَى (النِّسْبَة) الَّتِي هِيَ (الِاعْتِبَار) الْمَذْكُور فِي قَوْله إِضَافَة اعْتِبَار، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْإِضَافَة بَيَانِيَّة (فَهُوَ) تَعَالَى حِينَئِذٍ (مَحل للحوادث، وَإِن لم تقم بِهِ ثَبت مطلوبهم، وَهُوَ الِاشْتِقَاق لذات وَلَيْسَ الْمَعْنى) قَائِما (بِهِ) أَي الذَّات بِتَأْوِيل مَا اشتق لَهُ، وَقد سبق أَنه مُثبت لجزء الْمُدَّعِي (مَعَ أَن الْوَجْه) الَّذِي مَعَ وجوده لَا يُسمى غَيره وَجها (أَن لَا تقوم) النِّسْبَة الْمَذْكُورَة (بِهِ) تَعَالَى (لِأَن الاعتباري لَيْسَ لَهُ وجود حَقِيقِيّ) وَهُوَ الْوُجُود الْخَارِجِي (فَلَا يقوم بِهِ حَقِيقَة) لِأَن الْقيَاس فرع وجود مَا يقوم بِهِ، وَفِيه نظر، لِأَن الْعَمى وَهُوَ عدم الْبَصَر عَمَّا من شَأْنه أَن يبصر غير مَوْجُود فِي الْخَارِج مَعَ أَنه قَائِم فِيهِ بالأعمى، وَمن ثمَّ اشْتهر بَينهم أَن ثُبُوت شَيْء لشَيْء فرع ثُبُوت الْمُثبت لَهُ لَا الْمُثبت: نعم ذكر بعض الأفاضل على سَبِيل الِاعْتِرَاض أَنه فرع ثُبُوت الْمُثبت أَيْضا، فَلَا وَجه للتخصيص، وَكَأن المُصَنّف ﵀ مَال إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يُنكر قيام الْعمي فِي الْخَارِج، بل فِي الذِّهْن، وَهُوَ الْمُصَحح للاشتقاق كَمَا يُشِير إِلَيْهِ بقوله
стр. 70
(لَكِن كَلَامهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (أَنه يَكْفِي فِي الِاشْتِقَاق) أَي فِي اشتقاق الْخَالِق من الْخلق لَهُ تَعَالَى (هَذَا الْقدر من الانتساب) بَيَان ذَلِك مَا أَفَادَهُ السَّيِّد من أَن للقدرة تعلقا حَادِثا لولاه لم تُوجد الْحَوَادِث، وَإِذا انتسب إِلَى الْعَالم فَهُوَ صدوره عَن الْخَالِق، أَو إِلَى الْقُدْرَة، فَهُوَ إيجادها للْعَالم، أَو إِلَى ذِي الْقُدْرَة، فَهُوَ خلقه للْعَالم، أَو يُمكن أَن يُقَال إِذا نسب إِلَى الْعَالم صَار مُبْتَدأ وصف لَهُ، هُوَ صدوره عَن الْخَالِق، وَإِلَى الْقُدْرَة مُبْتَدأ وصف آخر هُوَ الإيجاد، وَإِلَى ذِي الْمقدرَة صَارَت مُبْتَدأ وصف آخر، وَهُوَ كَونه تعلّقت قدرته، وَبِاعْتِبَار هَذِه النِّسْبَة اشتق اسْم الْخَالِق، وَلَا نعني بقيامه كَونه صفة حَقِيقِيَّة قَائِمَة بِهِ، بل مَا هُوَ أَعم من ذَلِك، فَإِن سَائِر الإضافات الَّتِي هِيَ أُمُور اعتبارية لَا تحقق لَهَا فِي الْأَعْيَان قَائِمَة بمحالها، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلْيَكُن) هَذَا الْقدر من الانتساب (هُوَ المُرَاد بِقِيَام الْمَعْنى فِي صدر المسئلة) حِين أورد عَلَيْهِم بِأَن نَحْو الْخَالِق والرازق اشتق لَهُ تَعَالَى، وَالْمعْنَى غير قَائِم بِهِ (ثمَّ هَذَا الْجَواب) أَي بِأَن معنى خلقه كَونه تعلّقت قدرته بإيجاده (ينبو) أَي يبعد (عَن كَلَام الْحَنَفِيَّة) أَي متأخريهم من عهد أبي مَنْصُور الماتريدي (فِي صِفَات الْأَفْعَال) وَهِي مَا أفادت تكوينا، كالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، فَإِنَّهُم صَرَّحُوا بِأَنَّهَا صِفَات قديمَة مُغَايرَة للقدرة والإرادة فَقَوله ينبو خبر يكن، وَقَوله أَنه يَكْفِي بدل عَن اسْمهَا كَمَا أَن مَدْخُول ثمَّ مَعْطُوف عَلَيْهِ (غير أَنا بَينا فِي الرسَالَة الْمُسَمَّاة بالمسايرة) فِي العقائد المنجية فِي الْآخِرَة (أَن قَول أبي حنيفَة) ﵀ (لَا يُفِيد مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَأَنه) أَي مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ (قَول مستحدث) لَيْسَ فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين (وَقَوله) أَي أبي حنيفَة ﵀ أَنه تَعَالَى (خَالق قبل أَن يخلق إِلَى آخِره) أَي ورازق قبل أَن يرْزق (بِالضَّرُورَةِ يُرَاد بِهِ) أَي بالخلق الْمَذْكُور فِي قَوْله هَذَا (قدرَة الْخلق) الَّتِي هِيَ صفة حَقِيقِيَّة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد بِهِ قدرته، بل الْخلق بِالْفِعْلِ (قدم الْعَالم) لِأَن وجود الْمَخْلُوق لَازم لَهُ فَإِن قلت هَذَا يرجع إِلَى قَول الكرامية، وهم أَصْحَاب مُحَمَّد بن كرام الْقَائِل بِأَن معبوده مُسْتَقر على الْعَرْش، وَأَنه جَوْهَر، تَعَالَى الله عَن ذَلِك. قَالَ فَخر الْإِسْلَام: وَأما الكرامية فَيَقُولُونَ إِنَّا نُسَمِّيه خَالِقًا فِي الْأَزَل لَا على معنى أَنه خلق الْخلق، بل لِأَنَّهُ قَادر على الْخلق، وَهَذَا فَاسد فَإِنَّهُ لَو جَازَ لجَاز أَن يُسَمِّي الْقَادِر على الْكَلَام متكلما انْتهى قلت هم يفسرون اسْم الْخَالِق بالقادر عَلَيْهِ كتفسير الْمُعْتَزلَة الْمُتَكَلّم بخالق الْكَلَام، وَالْإِمَام أَرَادَ بِهِ ذَلِك مجَازًا فِي بعض الاطلاقات (و) الْخلق (بِالْفِعْلِ تعلقهَا) أَي الْقُدْرَة بالإيجاد، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الأول تَعْبِير لِلْخلقِ بالإمكان (وَهُوَ) أَي التَّعَلُّق الْمَذْكُور (عرُوض الْإِضَافَة للقدرة) وَهِي إيجادها للمقدور (وَيلْزم حُدُوثه) أَي التَّعَلُّق الْمَذْكُور، وَإِلَّا يلْزم قدم الْعَالم (وَلَو صرح)
стр. 71
أَبُو حنيفَة ﵀ (بِهِ) أَي بِأَن المُرَاد بالخلق الْمَذْكُور فِي قَوْله الْمَشْهُور الْخلق بِالْفِعْلِ (فقد نَفَاهُ الدَّلِيل) أَي لَا يتبع فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ قد نَفَاهُ الدَّلِيل الْقطعِي، وَهُوَ لُزُوم قدم الْعَالم على تَقْدِير قدم الْخلق بِالْفِعْلِ فَإِن قلت قَوْلنَا: الله تَعَالَى خَالق بِالْفِعْلِ مُطلقَة عَامَّة، وَصدق الْمُطلقَة دائمي لِأَنَّهُ لَا يلْزم فِيهَا إِلَّا ثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع فِي الْجُمْلَة، فَلَا يلْزم دوَام ثُبُوت الْخلق حَتَّى يلْزم قدم الْعَالم قلت هَذَا من الاعتبارات الفلسفية لَا تساعده اللُّغَة، فَإِن إِطْلَاق الْمُشْتَقّ على شَيْء حَقِيقَة يقتضى ثُبُوت مبدأ الِاشْتِقَاق فِي زمَان الْإِطْلَاق على قَول الْجُمْهُور، أَو فِيهِ، أَو قبله عِنْد الْبَعْض، وَللَّه در المُصَنّف حَيْثُ ذكر مَسْأَلَة اشْتِرَاط بَقَاء الْمَعْنى فِي كَون الْمُشْتَقّ حَقِيقَة عقيب هَذَا الْبَحْث، فَقَالَ:
مَسْأَلَة
(الْوَصْف) وَهُوَ على مَا مر مَا دلّ على ذَات مُبْهمَة متصفة بِمعين (حَال الاتصاف حَقِيقَة) أَي إِذا أطلق على ذَات متصفة بمبدأ اشتقاقه فِي زمَان اتصافها بِهِ حَقِيقَة اتِّفَاقًا، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن رَاكِبًا فِي جَاءَنِي رَاكب، وَسَيَجِيءُ رَاكب حَقِيقَة إِن كَانَ الرّكُوب مَوْجُودا عِنْد ثُبُوت الْمَجِيء لموصوفه وَإِن لم يكن مَوْجُودا فِي زمَان الاخبار فَالْعِبْرَة بِزَمَان تعلق مَا نسب إِلَيْهِ فِي الْكَلَام، فَإِن وجد الْمَعْنى فِيهِ فالوصف حَقِيقَة سَوَاء وجد فِي زمَان الاخبار أَولا، ثمَّ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب جعلا مَوْضُوع المسئلة الْمُشْتَقّ. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيّ: التَّحْقِيق أَن المنازع اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث، وسيظهر لَك أَن الْوَجْه مَا اخْتَارَهُ المُصَنّف ﵀ (وَقَبله) وَإِذا أطلق على ذَات قبل أَن يَتَّصِف بِالْمَعْنَى المصدري (مجَاز) اتِّفَاقًا (وَبعد انقضائه) أَي وَإِذا طلق ثَانِيًا حَقِيقَة عَلَيْهَا بعد مَا اتصفت بِهِ وانقضى ذَلِك الاتصاف، فقد اخْتلف فِيهِ على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَولهَا مجَاز مُطلقًا (ثَالِثهَا) التَّفْصِيل، وَهُوَ أَنه (إِن كَانَ بَقَاؤُهُ) أَي الاتصاف (مُمكنا) بِأَن لم يكن الْمصدر من المصادر السيالة الْغَيْر القارة لعدم اجْتِمَاع أزائها فِي الْوُجُود كالتكلم والاخبار، بل يكون مثل الْقيام وَالْقعُود (فمجاز، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بَقَاؤُهُ مُمكنا بِأَن كَانَ من المصادر الْمَذْكُورَة فالوصف حِينَئِذٍ (حَقِيقَة) وَاكْتفى بِذكر الثَّالِث اختصارا مَعَ أَن الْأَوَّلين يفهمان فِي أَمْثَال هَذَا الْمقَام كَمَا لَا يخفى، كَيفَ وَقَوله ثَالِثهَا دلّ على أَن هَهُنَا قَوْلَيْنِ غَيره؟ وَلَا يخلوا إِمَّا فيهمَا التَّفْصِيل أَولا، لَا سَبِيل إِلَى الأول لِأَنَّهُ يجب إِذن ذكرهمَا، وعَلى الثَّانِي يتَعَيَّن أَن يكون أَحدهمَا القَوْل بالمجاز مُطلقًا وَالْآخر بِالْحَقِيقَةِ مُطلقًا (كَذَا) إِشَارَة إِلَى مَا ذكرت فِي بَيَان الْأَقْوَال، وَالْكَاف اسْم مُبْتَدأ خَبره (شرح بِهِ) وَالضَّمِير الْمَجْرُور عَائِد إِلَى الْمُبْتَدَأ (وَضعهَا) قَائِم مقَام فَاعل شرح،
стр. 72
وَالضَّمِير رَاجع إِلَى المسئلة، وَوضع المسئلة عبارَة عَن ذكرهَا فِي صدر المبحث لِأَن يُقَام عَلَيْهَا الْبُرْهَان، وَهَذَا كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد من وضع الْمُدَّعِي أَولا، ثمَّ إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، وَقَوله (هَل يشْتَرط لكَونه حَقِيقَة بَقَاء الْمَعْنى، ثَالِثهَا إِن كَانَ مُمكنا اشْترط) بدل من قَوْله وَضعهَا، وَالْمعْنَى شرح وضع المسئلة، وَهُوَ هَل يشْتَرط إِلَى آخِره بِمثل مَا ذكرنَا، والواضع ابْن الْحَاجِب، وَالشَّارِح القَاضِي عضد الدّين (وَهُوَ) أَي الشَّرْح الْمَذْكُور (قَاصِر) عَن إِفَادَة مَا يفِيدهُ الْوَضع الْمَذْكُور (إِذْ يُفِيد) الْوَضع إِطْلَاق اشْتِرَاط الْحَقِيقَة بِبَقَاء الْمَعْنى فِي كل مَا يُمكن بَقَاؤُهُ فِيهِ، و (إِطْلَاق الِاشْتِرَاط) على الْوَجْه الْمَذْكُور يُفِيد (المجازية حَال قيام جُزْء) من الْمَعْنى بعد انْقِضَاء بعض أَجْزَائِهِ (فِي) كل (مَا يُمكن) بَقَاؤُهُ فِيهِ ضَرُورَة انْتِفَاء شَرط الْحَقِيقَة، وَهُوَ بَقَاء الْمَعْنى بسب انْقِضَاء بعض أَجْزَائِهِ (وَالشَّرْح) الْمَذْكُور يُفِيد (الْحَقِيقَة) فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذكر للوصف ثَلَاث حالات: حَال الاتصاف، وَقَبله، وَبعد انقضائه، وَلَا شكّ أَن مَا يُمكن بَقَاء الْمَعْنى فِيهِ إِذا انْقَضى بعض أَجْزَائِهِ دون بعض لَا تندرج حَاله هَذِه تَحت الثَّالِثَة، لِأَن انْقِضَاء الْمَعْنى عبارَة عَن انْقِضَاء جَمِيع أَجْزَائِهِ، وَلَا تَحت الثَّانِيَة، وَهُوَ ظَاهر، فَتعين دُخُوله فِي الأولى، وَلزِمَ الحكم بِكَوْنِهِ حَقِيقَة لقَوْله حَال الاتصاف حَقِيقَة، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: معنى قَوْله: وَهُوَ قَاصِر أَن الْوَضع قَاصِر عَمَّا هُوَ الْحق فِي الْأَدَاء، إِذْ الْمَفْهُوم من كَلَام المُصَنّف ﵀ الْمُوَافقَة مَعَ القَاضِي فِيمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامه لموافقته إِيَّاه فِي الْوَضع، وَيُؤَيِّدهُ قرب الْمرجع حِينَئِذٍ الضَّمِير هُوَ وَالله أعلم.
(الْمجَاز) أَي دَلِيل الْمجَاز مُبْتَدأ خَبره (يَصح فِي الْحَال نَفْيه مُطلقًا) وَالْمعْنَى دَلِيل الْقَائِل بمجازية الْوَصْف بعد انْقِضَاء الْمَعْنى صِحَة نفي الْوَصْف المنقضي مبدأ اشتقاقه عَن الذَّات الَّتِي انْقَضى عَنهُ فِيمَا بعد الِانْقِضَاء نفيا مُطلقًا عَن التَّقْيِيد بالماضي أَو الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال، وَهُوَ النَّفْي فِي الْجُمْلَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصح نَفْيه فِي الْحَال، وَهُوَ أخص من النَّفْي مُطلقًا، والأخص يسْتَلْزم الْأَعَمّ (وَهُوَ) أَي نَفْيه مُطلقًا (دَلِيله) أَي دَلِيل كَون الْوَصْف مجَازًا (وَكَونه) أَي كَون نفي الْوَصْف فِي الْجُمْلَة (لَا يُنَافِي الثُّبُوت المنقضى فِي نفس الْأَمر) لعدم الْمُنَافَاة بَين السالبة الْمُطلقَة والموجبة الْغَيْر الدائمة، وَقَوله فِي نفس الْأَمر ظرف عدم الْمُنَافَاة (لَا يَنْفِي مُقْتَضَاهُ) أَي مُقْتَضى النَّفْي الْمَذْكُور (من نفي كَونه حَقِيقَة) بَيَان لمقتضاه: أَي عدم الْمُنَافَاة بَين النَّفْي والثبوت لَا يسْتَلْزم عدم اقْتِضَاء النَّفْي مجازية الْمَنْفِيّ (نعم لَو كَانَ المُرَاد) من النَّفْي الَّذِي جعل دَلِيل الْمجَاز (نفي ثُبُوت الضَّرْب مثلا فِي الْحَال وَهُوَ) أَي نفي ثُبُوت الضَّرْب فِي الْحَال (نفي الْمُقَيد) بِالْحَال لَكَانَ يبْقى اقْتِضَاء المجازية، لِأَن دَلِيل المجازية نفي الضَّرْب بِلَا تَقْيِيد (لَكِن المُرَاد صدق زيد لَيْسَ ضَارِبًا من غير قصد التَّقْيِيد) أَي تَقْيِيد
стр. 73
الضَّرْب الْمَنْفِيّ بِكَوْنِهِ فِي الْحَال، وَإِن كَانَ صدق النَّفْي فِي نفس الْأَمر بِاعْتِبَار ثُبُوت الضَّرْب فِي الْحَال وَغَيره (وَأجِيب بِمَنْع صدق) النَّفْي (الْمُطلق على طَلَاقه) قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ إِن ادّعى صِحَة النَّفْي الْمُطلق بِحَسب اللُّغَة: أَي يَصح لُغَة أَنه لَيْسَ بضارب فَهُوَ مَمْنُوع، بل هُوَ عين النزاع، وَإِن ادّعى صِحَّته عقلا، بِمَعْنى أَنه يصدق عقلا أَنه لَيْسَ بضارب فِي الْجُمْلَة بِنَاء على أَنه يصدق أَنه لَيْسَ بضارب فِي الْحَال، والضارب فِي الْحَال ضَارب فِي الْجُمْلَة، فصحة النَّفْي بِهَذَا الْمَعْنى لَا يُنَافِي كَون اللَّفْظ حَقِيقَة، بل النَّافِي لَهُ صِحَة النَّفْي بِالْكُلِّيَّةِ انْتهى، وَالْمُصَنّف ﵀ اكْتفى بِمَا هُوَ الْعُمْدَة فِي الْجَواب (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو كَانَ) الْوَصْف (حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا) أَي اتصاف كَانَ (قبله) أَي قبل الْإِطْلَاق (لَكَانَ) حَقِيقَة أَيْضا (بِاعْتِبَار مَا بعده) أَي الْإِطْلَاق (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا بعده على تَقْدِير كَونه حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا قبله (فتحكم) أَي فَيلْزم تحكم، أَو فَالْفرق تحكم (بَيَان الْمُلَازمَة) بَين الاعتبارين (أَن صِحَّته) أَي كَون الْإِطْلَاق حَقِيقَة (فِي الْحَال) فِي حَال اتصاف مَا يُطلق عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى (أَن تقيد بِهِ) أَي بالاتصاف فِي الْحَال (فمجاز فيهمَا) أَي فالوصف مجَاز فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا لانْتِفَاء مَا قيد بِهِ فيهمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَقَيَّد بالقيد الْمَذْكُور (فحقيقة فيهمَا) لِأَن الْمُعْتَبر حِينَئِذٍ فِي الْحَقِيقَة تحقق الْمَعْنى فِي وَقت مَا وهما متساويان فِيهِ (وَغَيره) أَي غير أحد الْأَمريْنِ من كَونه حَقِيقَة فيهمَا مَعًا أَو مجَازًا فيهمَا مَعًا (تحكم) لعدم الْفَارِق (الْجَواب) أَنه (لَا يلْزم من عدم التَّقْيِيد بِهِ) أَي الاتصاف فِي الْحَال (عدم التَّقْيِيد) بِمَا يَخُصهَا بِمَا عدا الصُّورَة الَّتِي لَا نزاع فِي مجازيتها (لجَوَاز تقيده) أَي كَون الْإِطْلَاق حَقِيقَة (بالثبوت) أَي ثُبُوت الْمَعْنى (قَائِما) حَال الْإِطْلَاق (أَو منقضيا) حالان عَمَّا أضيف إِلَيْهِ الثُّبُوت فَحذف وَعوض عَنهُ اللَّام، أَعنِي الْمَعْنى فَإِنَّهُ فَاعل معنى (الْحَقِيقَة) أَي دَلِيل كَون الْوَصْف حَقِيقَة فِيمَا أطلق عَلَيْهِ بعد انْقِضَاء الْمَعْنى، هَذَا الْكَلَام (أجمع اللُّغَة) أَي أَهلهَا (على) صِحَة إِطْلَاق (ضَارب أمس) على من قَامَ بِهِ الضَّرْب بالْأَمْس وانقضى (وَالْأَصْل) فِي الْإِطْلَاق (الْحَقِيقَة) فَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا لمَانع، وَالْأَصْل عَدمه (عورض) الدَّلِيل الْمَذْكُور (بإجماعهم) أَي أهل اللُّغَة (على صِحَّته) أَي إِطْلَاق ضَارب (غَدا) على من لم يقم بِهِ الضَّرْب بعد وسيقوم فِي غَد (وَلَا حَقِيقَة) فِي هَذَا الْإِطْلَاق بِالْإِجْمَاع وَلَا فرق بَينهمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي صِحَة الْإِطْلَاق إِجْمَاعًا وَعدم وجود الْمَعْنى فِي الْحَال فَيحكم بمجازيتهما مَعًا (وَحَاصِله خص الأَصْل لدَلِيل الْإِجْمَاع على مجازية الثَّانِي، وَلَيْسَ مثله فِي الآخر) ضمير حَاصله رَاجع إِلَى جَوَاب الْمُعَارضَة الْمَفْهُوم بِقَرِينَة الْمقَام لكَونه مترقيا بعْدهَا سِيمَا عِنْد كَونهَا ظَاهِرَة الدّفع، على أَن مَا بعده يُنَادي بتفسير الْمرجع، تَقْرِيره خص الأَصْل الْمَذْكُور وَهُوَ الأَصْل الْحَقِيقَة
стр. 74
فِي الثَّانِي وَهُوَ ضَارب غَدا للْإِجْمَاع، وَلَا إِجْمَاع على مجازية الأول ليخص فِيهِ أَيْضا، فَعدم الْفرق بَينهمَا غير صَحِيح يعلم أَن قَول الشَّارِح: الْوَجْه حذف وَلَيْسَ مثله فِي الآخر الْوَجْه حذفه وَلَا يخفى عَلَيْك مَا فِي قَوْله خص الأَصْل من اللطف (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو لم يَصح) إِطْلَاق الْوَصْف بعد انْقِضَاء الْمَعْنى (حَقِيقَة لم يَصح) أَن يُقَال (الْمُؤمن لغافل) عَن تذكر الْإِيمَان (ونائم) حَقِيقَة لِكَوْنِهِمَا غير متصفين بالتصديق وَالْإِقْرَار فِي الْحَالَتَيْنِ، كَمَا أَنَّهُمَا غير متصفين بضدهما فيهمَا (وَالْإِجْمَاع) على (أَنه) أَي الْمُؤمن (لَا يخرج بهما) أَي بالغفلة وَالنَّوْم (عَنهُ) أَي الْإِيمَان (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْمُؤمن (مجَاز) فيهمَا، وَالْإِجْمَاع على صِحَة إِطْلَاق الْمُؤمن عَلَيْهِمَا، لَا على إِطْلَاقه عَلَيْهِمَا حَقِيقَة (لِامْتِنَاع) أَن يُقَال (كَافِر لمُؤْمِن لكفر تقدم) على إيمَانه تَعْلِيل لكَون إِطْلَاق الْمُؤمن عَلَيْهِمَا مجَازًا، تَوْضِيحه لَو كَانَ حَقِيقَة بِاعْتِبَار إِيمَان تقدم لما امْتنع إِطْلَاق كَافِر لمُؤْمِن تقدم كفره لكنه مُمْتَنع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يمْتَنع ذَلِك (كَانَ أكَابِر الصَّحَابَة كفَّارًا حَقِيقَة) لتقدم الْكفْر على إِيمَانهم، فَتعين كَون الْمُؤمن مجَازًا فِي الغافل والنائم (وَكَذَا النَّائِم لليقظان) أَي وَكَذَا كَانَ إِطْلَاق النَّائِم على الْيَقظَان حَقِيقَة لنوم تقدم، وبطلانه لُغَة ظَاهر (قيل وَالْحق أَنه) أَي الْمُؤمن وَنَحْوه (لَيْسَ من مَحل النزاع، وَهُوَ) أَي محلّة (اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث) يَعْنِي أَن مَا هُوَ على صِيغَة اسْم الْفَاعِل قد يكون بِمَعْنى الْحُدُوث كالعالم لله سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِمْرَار (لَا) بِمَعْنى الثُّبُوت كَمَا (فِي مثل الْمُؤمن وَالْحر وَالْعَبْد مِمَّا لَا يعْتَبر فِيهِ طريان) أَي من الصِّفَات الَّتِي لم يعْتَبر فِيهَا حُدُوث مبدأ اشتقاقها، أَعنِي عروضه لموصوفاتها بعد مَا لم يكن. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَالتَّحْقِيق أَن النزاع فِي حَقِيقَة اسْم الْفَاعِل، وَهُوَ الَّذِي بِمَعْنى الْحُدُوث، لَا فِي مثل الْكَافِر، وَالْمُؤمن، والنائم، وَالْيَقظَان، والحلو، والحامض، وَالْعَبْد، وَالْحر مِمَّا يعْتَبر فِي بعضه الاتصاف بِهِ مَعَ عدم طريان المنافى، وَفِي بعضه الاتصاف بِهِ بِالْفِعْلِ أَلْبَتَّة انْتهى، وَقد علم بذلك أَن الْحُدُوث لم يعْتَبر فِي شَيْء من الْمَذْكُورَات، وَالْمُعْتَبر فِي الْبَعْض الأول الاتصاف فِي الْجُمْلَة مَعَ عدم طريان المنافى، وَالْكَافِر وَالْمُؤمن من الْبَعْض الأول، وَالْبَاقِي من الثَّانِي (وَقد يُقَال وَلَو سلم) كَون الْمُؤمن اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث (فَالْجَوَاب الْحق) الكاشف عَن حَقِيقَة المُرَاد الحاسم مَادَّة الشُّبْهَة (أَنه إِذا أجمع على أَنه) أَي الْمُؤمن (إِذا لم يخرج بهما) أَي النّوم والغفلة (عَن الْإِيمَان أَو عَن كَونه مُؤمنا) يجوز أَن يكون تَفْسِيرا للْإيمَان، وَبَيَان كَونه مصدرا مَبْنِيا للْفَاعِل، وَيجوز أَن يُرَاد بِالْإِيمَان الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ، وَذكر هَذَا للْمُبَالَغَة بِاعْتِبَار إِفَادَة عدم خُرُوجه عَن الْإِيمَان وَعَن لَازمه فَهُوَ كالتأكيد (باعترافكم) مُتَعَلق بأجمع لَا بيخرج كَمَا توهمه الشَّارِح لفساد الْمَعْنى حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ يقتضى الْإِجْمَاع على عدم الْخُرُوج
стр. 75
باعتراف الْخصم (بل حكم أهل اللُّغَة وَالشَّرْع) كلمة بل للترقي بِضَم أهل اللُّغَة إِلَى أهل الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ أصل الشَّرْع (بِأَنَّهُ) أَي الشَّأْن (مَا دَامَ الْمَعْنى مودعا حافظة الْمدْرك كَانَ قَائِما بِهِ) المُرَاد بِالْمَعْنَى الْإِيمَان وَنَحْوه من الصِّفَات النفسية الإدراكية، والمدرك الْعقل، وَلَيْسَ المُرَاد بالحافظة مصطلح الْحُكَمَاء، أعيى خزانَة الواهمة الَّتِي تدْرك الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالمحسوسات كصداقة زيد وعداوة عَمْرو، بل الْقُوَّة الَّتِي تحفظ مدركات الْعقل مُطلقًا، وَالْمعْنَى حكم الْفَرِيقَانِ بِقِيَام الْإِيمَان وَنَحْوه بالمدرك مَا دَامَ مَوْجُودا فِي خزانته (مَا لم يطْرَأ) على الْمدْرك (حكم يناقضه) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور، كلمة مَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّة نائبة عَن الظّرْف الْمُضَاف إِلَى الْمصدر المؤولة هِيَ وصلتها بِهِ: أَي مُدَّة دوَام الْمَعْنى وَمُدَّة عدم طروحكم، والظرف الثَّانِي بدل عَن الأول، وَفِي الْحَقِيقَة تَفْسِير لَهُ، لِأَن مُدَّة دوَام الْمَعْنى هِيَ مُدَّة عدم طرُو مَا يناقضه، وَالْعَامِل فيهمَا كَذَلِك، وَلَك أَن تجْعَل الظّرْف الثَّانِي مَعْمُولا لقوه مودعا، غير أَنه موهم وجود الْإِيدَاع على تَقْدِير الطرو أَيْضا، وَالْمرَاد بالحكم المناقض مَا يُنَافِي الْإِيمَان من قَول أَو فعل كالتكلم بِكَلِمَة الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان، وتسميتهما حكما، لِأَنَّهُ سَبَب لترتيب أَحْكَام بِوَضْع الشَّارِع فَهُوَ من خطاب الْوَضع الَّذِي يُسمى حكما عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (بِلَا شَرط دوَام الْمُشَاهدَة) مُتَعَلق بِحكم: أَي لَا يشْتَرط فِي قيام الْإِيمَان بالمدرك الْمُؤمن دوَام مشاهدته باستحضار صورته، وَالنَّظَر إِلَيْهَا من غير أَن تغيب (فالإطلاق) أَي إِطْلَاق الْمُؤمن على الغافل والنائم وَغَيرهمَا (حِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ يكون الْإِيمَان مودعا فِي الحافظة كامنا (حَال قيام الْمَعْنى) الَّذِي هُوَ الْإِيمَان (وَهُوَ) أَي إِطْلَاق الْوَصْف على الذَّات حَال قيام الْمَعْنى (حَقِيقِيّ اتِّفَاقًا فَلم يفد) صِحَة إِطْلَاق الْمُؤمن على الغافل والنائم (فِي مَحل النزاع شَيْئا) من الْفَائِدَة لِأَن النزاع فِيمَا بعد انْقِضَاء الْمَعْنى (وَبِه) أَي بِهَذَا الْجَواب الْحق (يبطل الْجَواب بِأَنَّهُ) أَي الْمُؤمن فِي الغافل والنائم (مجَاز) لما عرفت من أَن إِطْلَاقه عَلَيْهِمَا حَال قيام الْمَعْنى، وَهُوَ حَقِيقِيّ (وإثباته) أَي إِثْبَات أَنه مجَاز (بامتناع) أَن يُقَال (كَافِر لمُؤْمِن صَحَابِيّ أَو غَيره الخ بَاطِل) لِأَن امْتنَاع إِطْلَاق كَافِر لمُؤْمِن تقدم كفره إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الشَّرْع، وَأما امْتِنَاعه من جِهَة اللُّغَة فَعدم صِحَّته غير مُسلم (بل صِحَّته) أَي صِحَة إِطْلَاق كَافِر عَلَيْهِ (لُغَة اتِّفَاق) أَي مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل اللُّغَة (وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه) أَي الْكَافِر فِي الْمُؤمن الْمَذْكُور (حَقِيقَة) لُغَة أَو مجَازًا (وَالْمَانِع) عَن الْإِطْلَاق أَمر (شَرْعِي) لَا لغَوِيّ فَإِنَّهُ مَنْهِيّ تَعْظِيمًا لَهُ (واذن) ظرف زمَان فِيهِ معنى الشَّرْط غَالِبا، وَقد يكون لمُجَرّد الظَّرْفِيَّة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين﴾ - أَصله إِذا حذفت الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا، وَعوض مِنْهَا التَّنْوِين، والعالم فِيهِ الادعاء الْمَذْكُور فِي قَوْلهم (لَهُم ادِّعَاء كَونه حَقِيقَة)
следующие страницы →