← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أَبُو حنيفَة ﵀ (بِهِ) أَي بِأَن المُرَاد بالخلق الْمَذْكُور فِي قَوْله الْمَشْهُور الْخلق بِالْفِعْلِ (فقد نَفَاهُ الدَّلِيل) أَي لَا يتبع فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ قد نَفَاهُ الدَّلِيل الْقطعِي، وَهُوَ لُزُوم قدم الْعَالم على تَقْدِير قدم الْخلق بِالْفِعْلِ فَإِن قلت قَوْلنَا: الله تَعَالَى خَالق بِالْفِعْلِ مُطلقَة عَامَّة، وَصدق الْمُطلقَة دائمي لِأَنَّهُ لَا يلْزم فِيهَا إِلَّا ثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع فِي الْجُمْلَة، فَلَا يلْزم دوَام ثُبُوت الْخلق حَتَّى يلْزم قدم الْعَالم قلت هَذَا من الاعتبارات الفلسفية لَا تساعده اللُّغَة، فَإِن إِطْلَاق الْمُشْتَقّ على شَيْء حَقِيقَة يقتضى ثُبُوت مبدأ الِاشْتِقَاق فِي زمَان الْإِطْلَاق على قَول الْجُمْهُور، أَو فِيهِ، أَو قبله عِنْد الْبَعْض، وَللَّه در المُصَنّف حَيْثُ ذكر مَسْأَلَة اشْتِرَاط بَقَاء الْمَعْنى فِي كَون الْمُشْتَقّ حَقِيقَة عقيب هَذَا الْبَحْث، فَقَالَ: مَسْأَلَة (الْوَصْف) وَهُوَ على مَا مر مَا دلّ على ذَات مُبْهمَة متصفة بِمعين (حَال الاتصاف حَقِيقَة) أَي إِذا أطلق على ذَات متصفة بمبدأ اشتقاقه فِي زمَان اتصافها بِهِ حَقِيقَة اتِّفَاقًا، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن رَاكِبًا فِي جَاءَنِي رَاكب، وَسَيَجِيءُ رَاكب حَقِيقَة إِن كَانَ الرّكُوب مَوْجُودا عِنْد ثُبُوت الْمَجِيء لموصوفه وَإِن لم يكن مَوْجُودا فِي زمَان الاخبار فَالْعِبْرَة بِزَمَان تعلق مَا نسب إِلَيْهِ فِي الْكَلَام، فَإِن وجد الْمَعْنى فِيهِ فالوصف حَقِيقَة سَوَاء وجد فِي زمَان الاخبار أَولا، ثمَّ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب جعلا مَوْضُوع المسئلة الْمُشْتَقّ. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيّ: التَّحْقِيق أَن المنازع اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث، وسيظهر لَك أَن الْوَجْه مَا اخْتَارَهُ المُصَنّف ﵀ (وَقَبله) وَإِذا أطلق على ذَات قبل أَن يَتَّصِف بِالْمَعْنَى المصدري (مجَاز) اتِّفَاقًا (وَبعد انقضائه) أَي وَإِذا طلق ثَانِيًا حَقِيقَة عَلَيْهَا بعد مَا اتصفت بِهِ وانقضى ذَلِك الاتصاف، فقد اخْتلف فِيهِ على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَولهَا مجَاز مُطلقًا (ثَالِثهَا) التَّفْصِيل، وَهُوَ أَنه (إِن كَانَ بَقَاؤُهُ) أَي الاتصاف (مُمكنا) بِأَن لم يكن الْمصدر من المصادر السيالة الْغَيْر القارة لعدم اجْتِمَاع أزائها فِي الْوُجُود كالتكلم والاخبار، بل يكون مثل الْقيام وَالْقعُود (فمجاز، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بَقَاؤُهُ مُمكنا بِأَن كَانَ من المصادر الْمَذْكُورَة فالوصف حِينَئِذٍ (حَقِيقَة) وَاكْتفى بِذكر الثَّالِث اختصارا مَعَ أَن الْأَوَّلين يفهمان فِي أَمْثَال هَذَا الْمقَام كَمَا لَا يخفى، كَيفَ وَقَوله ثَالِثهَا دلّ على أَن هَهُنَا قَوْلَيْنِ غَيره؟ وَلَا يخلوا إِمَّا فيهمَا التَّفْصِيل أَولا، لَا سَبِيل إِلَى الأول لِأَنَّهُ يجب إِذن ذكرهمَا، وعَلى الثَّانِي يتَعَيَّن أَن يكون أَحدهمَا القَوْل بالمجاز مُطلقًا وَالْآخر بِالْحَقِيقَةِ مُطلقًا (كَذَا) إِشَارَة إِلَى مَا ذكرت فِي بَيَان الْأَقْوَال، وَالْكَاف اسْم مُبْتَدأ خَبره (شرح بِهِ) وَالضَّمِير الْمَجْرُور عَائِد إِلَى الْمُبْتَدَأ (وَضعهَا) قَائِم مقَام فَاعل شرح،

стр. 72

وَالضَّمِير رَاجع إِلَى المسئلة، وَوضع المسئلة عبارَة عَن ذكرهَا فِي صدر المبحث لِأَن يُقَام عَلَيْهَا الْبُرْهَان، وَهَذَا كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد من وضع الْمُدَّعِي أَولا، ثمَّ إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، وَقَوله (هَل يشْتَرط لكَونه حَقِيقَة بَقَاء الْمَعْنى، ثَالِثهَا إِن كَانَ مُمكنا اشْترط) بدل من قَوْله وَضعهَا، وَالْمعْنَى شرح وضع المسئلة، وَهُوَ هَل يشْتَرط إِلَى آخِره بِمثل مَا ذكرنَا، والواضع ابْن الْحَاجِب، وَالشَّارِح القَاضِي عضد الدّين (وَهُوَ) أَي الشَّرْح الْمَذْكُور (قَاصِر) عَن إِفَادَة مَا يفِيدهُ الْوَضع الْمَذْكُور (إِذْ يُفِيد) الْوَضع إِطْلَاق اشْتِرَاط الْحَقِيقَة بِبَقَاء الْمَعْنى فِي كل مَا يُمكن بَقَاؤُهُ فِيهِ، و (إِطْلَاق الِاشْتِرَاط) على الْوَجْه الْمَذْكُور يُفِيد (المجازية حَال قيام جُزْء) من الْمَعْنى بعد انْقِضَاء بعض أَجْزَائِهِ (فِي) كل (مَا يُمكن) بَقَاؤُهُ فِيهِ ضَرُورَة انْتِفَاء شَرط الْحَقِيقَة، وَهُوَ بَقَاء الْمَعْنى بسب انْقِضَاء بعض أَجْزَائِهِ (وَالشَّرْح) الْمَذْكُور يُفِيد (الْحَقِيقَة) فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذكر للوصف ثَلَاث حالات: حَال الاتصاف، وَقَبله، وَبعد انقضائه، وَلَا شكّ أَن مَا يُمكن بَقَاء الْمَعْنى فِيهِ إِذا انْقَضى بعض أَجْزَائِهِ دون بعض لَا تندرج حَاله هَذِه تَحت الثَّالِثَة، لِأَن انْقِضَاء الْمَعْنى عبارَة عَن انْقِضَاء جَمِيع أَجْزَائِهِ، وَلَا تَحت الثَّانِيَة، وَهُوَ ظَاهر، فَتعين دُخُوله فِي الأولى، وَلزِمَ الحكم بِكَوْنِهِ حَقِيقَة لقَوْله حَال الاتصاف حَقِيقَة، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: معنى قَوْله: وَهُوَ قَاصِر أَن الْوَضع قَاصِر عَمَّا هُوَ الْحق فِي الْأَدَاء، إِذْ الْمَفْهُوم من كَلَام المُصَنّف ﵀ الْمُوَافقَة مَعَ القَاضِي فِيمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامه لموافقته إِيَّاه فِي الْوَضع، وَيُؤَيِّدهُ قرب الْمرجع حِينَئِذٍ الضَّمِير هُوَ وَالله أعلم. (الْمجَاز) أَي دَلِيل الْمجَاز مُبْتَدأ خَبره (يَصح فِي الْحَال نَفْيه مُطلقًا) وَالْمعْنَى دَلِيل الْقَائِل بمجازية الْوَصْف بعد انْقِضَاء الْمَعْنى صِحَة نفي الْوَصْف المنقضي مبدأ اشتقاقه عَن الذَّات الَّتِي انْقَضى عَنهُ فِيمَا بعد الِانْقِضَاء نفيا مُطلقًا عَن التَّقْيِيد بالماضي أَو الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال، وَهُوَ النَّفْي فِي الْجُمْلَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصح نَفْيه فِي الْحَال، وَهُوَ أخص من النَّفْي مُطلقًا، والأخص يسْتَلْزم الْأَعَمّ (وَهُوَ) أَي نَفْيه مُطلقًا (دَلِيله) أَي دَلِيل كَون الْوَصْف مجَازًا (وَكَونه) أَي كَون نفي الْوَصْف فِي الْجُمْلَة (لَا يُنَافِي الثُّبُوت المنقضى فِي نفس الْأَمر) لعدم الْمُنَافَاة بَين السالبة الْمُطلقَة والموجبة الْغَيْر الدائمة، وَقَوله فِي نفس الْأَمر ظرف عدم الْمُنَافَاة (لَا يَنْفِي مُقْتَضَاهُ) أَي مُقْتَضى النَّفْي الْمَذْكُور (من نفي كَونه حَقِيقَة) بَيَان لمقتضاه: أَي عدم الْمُنَافَاة بَين النَّفْي والثبوت لَا يسْتَلْزم عدم اقْتِضَاء النَّفْي مجازية الْمَنْفِيّ (نعم لَو كَانَ المُرَاد) من النَّفْي الَّذِي جعل دَلِيل الْمجَاز (نفي ثُبُوت الضَّرْب مثلا فِي الْحَال وَهُوَ) أَي نفي ثُبُوت الضَّرْب فِي الْحَال (نفي الْمُقَيد) بِالْحَال لَكَانَ يبْقى اقْتِضَاء المجازية، لِأَن دَلِيل المجازية نفي الضَّرْب بِلَا تَقْيِيد (لَكِن المُرَاد صدق زيد لَيْسَ ضَارِبًا من غير قصد التَّقْيِيد) أَي تَقْيِيد

стр. 73

الضَّرْب الْمَنْفِيّ بِكَوْنِهِ فِي الْحَال، وَإِن كَانَ صدق النَّفْي فِي نفس الْأَمر بِاعْتِبَار ثُبُوت الضَّرْب فِي الْحَال وَغَيره (وَأجِيب بِمَنْع صدق) النَّفْي (الْمُطلق على طَلَاقه) قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ إِن ادّعى صِحَة النَّفْي الْمُطلق بِحَسب اللُّغَة: أَي يَصح لُغَة أَنه لَيْسَ بضارب فَهُوَ مَمْنُوع، بل هُوَ عين النزاع، وَإِن ادّعى صِحَّته عقلا، بِمَعْنى أَنه يصدق عقلا أَنه لَيْسَ بضارب فِي الْجُمْلَة بِنَاء على أَنه يصدق أَنه لَيْسَ بضارب فِي الْحَال، والضارب فِي الْحَال ضَارب فِي الْجُمْلَة، فصحة النَّفْي بِهَذَا الْمَعْنى لَا يُنَافِي كَون اللَّفْظ حَقِيقَة، بل النَّافِي لَهُ صِحَة النَّفْي بِالْكُلِّيَّةِ انْتهى، وَالْمُصَنّف ﵀ اكْتفى بِمَا هُوَ الْعُمْدَة فِي الْجَواب (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو كَانَ) الْوَصْف (حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا) أَي اتصاف كَانَ (قبله) أَي قبل الْإِطْلَاق (لَكَانَ) حَقِيقَة أَيْضا (بِاعْتِبَار مَا بعده) أَي الْإِطْلَاق (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا بعده على تَقْدِير كَونه حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا قبله (فتحكم) أَي فَيلْزم تحكم، أَو فَالْفرق تحكم (بَيَان الْمُلَازمَة) بَين الاعتبارين (أَن صِحَّته) أَي كَون الْإِطْلَاق حَقِيقَة (فِي الْحَال) فِي حَال اتصاف مَا يُطلق عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى (أَن تقيد بِهِ) أَي بالاتصاف فِي الْحَال (فمجاز فيهمَا) أَي فالوصف مجَاز فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا لانْتِفَاء مَا قيد بِهِ فيهمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَقَيَّد بالقيد الْمَذْكُور (فحقيقة فيهمَا) لِأَن الْمُعْتَبر حِينَئِذٍ فِي الْحَقِيقَة تحقق الْمَعْنى فِي وَقت مَا وهما متساويان فِيهِ (وَغَيره) أَي غير أحد الْأَمريْنِ من كَونه حَقِيقَة فيهمَا مَعًا أَو مجَازًا فيهمَا مَعًا (تحكم) لعدم الْفَارِق (الْجَواب) أَنه (لَا يلْزم من عدم التَّقْيِيد بِهِ) أَي الاتصاف فِي الْحَال (عدم التَّقْيِيد) بِمَا يَخُصهَا بِمَا عدا الصُّورَة الَّتِي لَا نزاع فِي مجازيتها (لجَوَاز تقيده) أَي كَون الْإِطْلَاق حَقِيقَة (بالثبوت) أَي ثُبُوت الْمَعْنى (قَائِما) حَال الْإِطْلَاق (أَو منقضيا) حالان عَمَّا أضيف إِلَيْهِ الثُّبُوت فَحذف وَعوض عَنهُ اللَّام، أَعنِي الْمَعْنى فَإِنَّهُ فَاعل معنى (الْحَقِيقَة) أَي دَلِيل كَون الْوَصْف حَقِيقَة فِيمَا أطلق عَلَيْهِ بعد انْقِضَاء الْمَعْنى، هَذَا الْكَلَام (أجمع اللُّغَة) أَي أَهلهَا (على) صِحَة إِطْلَاق (ضَارب أمس) على من قَامَ بِهِ الضَّرْب بالْأَمْس وانقضى (وَالْأَصْل) فِي الْإِطْلَاق (الْحَقِيقَة) فَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا لمَانع، وَالْأَصْل عَدمه (عورض) الدَّلِيل الْمَذْكُور (بإجماعهم) أَي أهل اللُّغَة (على صِحَّته) أَي إِطْلَاق ضَارب (غَدا) على من لم يقم بِهِ الضَّرْب بعد وسيقوم فِي غَد (وَلَا حَقِيقَة) فِي هَذَا الْإِطْلَاق بِالْإِجْمَاع وَلَا فرق بَينهمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي صِحَة الْإِطْلَاق إِجْمَاعًا وَعدم وجود الْمَعْنى فِي الْحَال فَيحكم بمجازيتهما مَعًا (وَحَاصِله خص الأَصْل لدَلِيل الْإِجْمَاع على مجازية الثَّانِي، وَلَيْسَ مثله فِي الآخر) ضمير حَاصله رَاجع إِلَى جَوَاب الْمُعَارضَة الْمَفْهُوم بِقَرِينَة الْمقَام لكَونه مترقيا بعْدهَا سِيمَا عِنْد كَونهَا ظَاهِرَة الدّفع، على أَن مَا بعده يُنَادي بتفسير الْمرجع، تَقْرِيره خص الأَصْل الْمَذْكُور وَهُوَ الأَصْل الْحَقِيقَة

стр. 74

فِي الثَّانِي وَهُوَ ضَارب غَدا للْإِجْمَاع، وَلَا إِجْمَاع على مجازية الأول ليخص فِيهِ أَيْضا، فَعدم الْفرق بَينهمَا غير صَحِيح يعلم أَن قَول الشَّارِح: الْوَجْه حذف وَلَيْسَ مثله فِي الآخر الْوَجْه حذفه وَلَا يخفى عَلَيْك مَا فِي قَوْله خص الأَصْل من اللطف (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو لم يَصح) إِطْلَاق الْوَصْف بعد انْقِضَاء الْمَعْنى (حَقِيقَة لم يَصح) أَن يُقَال (الْمُؤمن لغافل) عَن تذكر الْإِيمَان (ونائم) حَقِيقَة لِكَوْنِهِمَا غير متصفين بالتصديق وَالْإِقْرَار فِي الْحَالَتَيْنِ، كَمَا أَنَّهُمَا غير متصفين بضدهما فيهمَا (وَالْإِجْمَاع) على (أَنه) أَي الْمُؤمن (لَا يخرج بهما) أَي بالغفلة وَالنَّوْم (عَنهُ) أَي الْإِيمَان (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْمُؤمن (مجَاز) فيهمَا، وَالْإِجْمَاع على صِحَة إِطْلَاق الْمُؤمن عَلَيْهِمَا، لَا على إِطْلَاقه عَلَيْهِمَا حَقِيقَة (لِامْتِنَاع) أَن يُقَال (كَافِر لمُؤْمِن لكفر تقدم) على إيمَانه تَعْلِيل لكَون إِطْلَاق الْمُؤمن عَلَيْهِمَا مجَازًا، تَوْضِيحه لَو كَانَ حَقِيقَة بِاعْتِبَار إِيمَان تقدم لما امْتنع إِطْلَاق كَافِر لمُؤْمِن تقدم كفره لكنه مُمْتَنع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يمْتَنع ذَلِك (كَانَ أكَابِر الصَّحَابَة كفَّارًا حَقِيقَة) لتقدم الْكفْر على إِيمَانهم، فَتعين كَون الْمُؤمن مجَازًا فِي الغافل والنائم (وَكَذَا النَّائِم لليقظان) أَي وَكَذَا كَانَ إِطْلَاق النَّائِم على الْيَقظَان حَقِيقَة لنوم تقدم، وبطلانه لُغَة ظَاهر (قيل وَالْحق أَنه) أَي الْمُؤمن وَنَحْوه (لَيْسَ من مَحل النزاع، وَهُوَ) أَي محلّة (اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث) يَعْنِي أَن مَا هُوَ على صِيغَة اسْم الْفَاعِل قد يكون بِمَعْنى الْحُدُوث كالعالم لله سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِمْرَار (لَا) بِمَعْنى الثُّبُوت كَمَا (فِي مثل الْمُؤمن وَالْحر وَالْعَبْد مِمَّا لَا يعْتَبر فِيهِ طريان) أَي من الصِّفَات الَّتِي لم يعْتَبر فِيهَا حُدُوث مبدأ اشتقاقها، أَعنِي عروضه لموصوفاتها بعد مَا لم يكن. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَالتَّحْقِيق أَن النزاع فِي حَقِيقَة اسْم الْفَاعِل، وَهُوَ الَّذِي بِمَعْنى الْحُدُوث، لَا فِي مثل الْكَافِر، وَالْمُؤمن، والنائم، وَالْيَقظَان، والحلو، والحامض، وَالْعَبْد، وَالْحر مِمَّا يعْتَبر فِي بعضه الاتصاف بِهِ مَعَ عدم طريان المنافى، وَفِي بعضه الاتصاف بِهِ بِالْفِعْلِ أَلْبَتَّة انْتهى، وَقد علم بذلك أَن الْحُدُوث لم يعْتَبر فِي شَيْء من الْمَذْكُورَات، وَالْمُعْتَبر فِي الْبَعْض الأول الاتصاف فِي الْجُمْلَة مَعَ عدم طريان المنافى، وَالْكَافِر وَالْمُؤمن من الْبَعْض الأول، وَالْبَاقِي من الثَّانِي (وَقد يُقَال وَلَو سلم) كَون الْمُؤمن اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث (فَالْجَوَاب الْحق) الكاشف عَن حَقِيقَة المُرَاد الحاسم مَادَّة الشُّبْهَة (أَنه إِذا أجمع على أَنه) أَي الْمُؤمن (إِذا لم يخرج بهما) أَي النّوم والغفلة (عَن الْإِيمَان أَو عَن كَونه مُؤمنا) يجوز أَن يكون تَفْسِيرا للْإيمَان، وَبَيَان كَونه مصدرا مَبْنِيا للْفَاعِل، وَيجوز أَن يُرَاد بِالْإِيمَان الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ، وَذكر هَذَا للْمُبَالَغَة بِاعْتِبَار إِفَادَة عدم خُرُوجه عَن الْإِيمَان وَعَن لَازمه فَهُوَ كالتأكيد (باعترافكم) مُتَعَلق بأجمع لَا بيخرج كَمَا توهمه الشَّارِح لفساد الْمَعْنى حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ يقتضى الْإِجْمَاع على عدم الْخُرُوج

стр. 75

باعتراف الْخصم (بل حكم أهل اللُّغَة وَالشَّرْع) كلمة بل للترقي بِضَم أهل اللُّغَة إِلَى أهل الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ أصل الشَّرْع (بِأَنَّهُ) أَي الشَّأْن (مَا دَامَ الْمَعْنى مودعا حافظة الْمدْرك كَانَ قَائِما بِهِ) المُرَاد بِالْمَعْنَى الْإِيمَان وَنَحْوه من الصِّفَات النفسية الإدراكية، والمدرك الْعقل، وَلَيْسَ المُرَاد بالحافظة مصطلح الْحُكَمَاء، أعيى خزانَة الواهمة الَّتِي تدْرك الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالمحسوسات كصداقة زيد وعداوة عَمْرو، بل الْقُوَّة الَّتِي تحفظ مدركات الْعقل مُطلقًا، وَالْمعْنَى حكم الْفَرِيقَانِ بِقِيَام الْإِيمَان وَنَحْوه بالمدرك مَا دَامَ مَوْجُودا فِي خزانته (مَا لم يطْرَأ) على الْمدْرك (حكم يناقضه) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور، كلمة مَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّة نائبة عَن الظّرْف الْمُضَاف إِلَى الْمصدر المؤولة هِيَ وصلتها بِهِ: أَي مُدَّة دوَام الْمَعْنى وَمُدَّة عدم طروحكم، والظرف الثَّانِي بدل عَن الأول، وَفِي الْحَقِيقَة تَفْسِير لَهُ، لِأَن مُدَّة دوَام الْمَعْنى هِيَ مُدَّة عدم طرُو مَا يناقضه، وَالْعَامِل فيهمَا كَذَلِك، وَلَك أَن تجْعَل الظّرْف الثَّانِي مَعْمُولا لقوه مودعا، غير أَنه موهم وجود الْإِيدَاع على تَقْدِير الطرو أَيْضا، وَالْمرَاد بالحكم المناقض مَا يُنَافِي الْإِيمَان من قَول أَو فعل كالتكلم بِكَلِمَة الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان، وتسميتهما حكما، لِأَنَّهُ سَبَب لترتيب أَحْكَام بِوَضْع الشَّارِع فَهُوَ من خطاب الْوَضع الَّذِي يُسمى حكما عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (بِلَا شَرط دوَام الْمُشَاهدَة) مُتَعَلق بِحكم: أَي لَا يشْتَرط فِي قيام الْإِيمَان بالمدرك الْمُؤمن دوَام مشاهدته باستحضار صورته، وَالنَّظَر إِلَيْهَا من غير أَن تغيب (فالإطلاق) أَي إِطْلَاق الْمُؤمن على الغافل والنائم وَغَيرهمَا (حِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ يكون الْإِيمَان مودعا فِي الحافظة كامنا (حَال قيام الْمَعْنى) الَّذِي هُوَ الْإِيمَان (وَهُوَ) أَي إِطْلَاق الْوَصْف على الذَّات حَال قيام الْمَعْنى (حَقِيقِيّ اتِّفَاقًا فَلم يفد) صِحَة إِطْلَاق الْمُؤمن على الغافل والنائم (فِي مَحل النزاع شَيْئا) من الْفَائِدَة لِأَن النزاع فِيمَا بعد انْقِضَاء الْمَعْنى (وَبِه) أَي بِهَذَا الْجَواب الْحق (يبطل الْجَواب بِأَنَّهُ) أَي الْمُؤمن فِي الغافل والنائم (مجَاز) لما عرفت من أَن إِطْلَاقه عَلَيْهِمَا حَال قيام الْمَعْنى، وَهُوَ حَقِيقِيّ (وإثباته) أَي إِثْبَات أَنه مجَاز (بامتناع) أَن يُقَال (كَافِر لمُؤْمِن صَحَابِيّ أَو غَيره الخ بَاطِل) لِأَن امْتنَاع إِطْلَاق كَافِر لمُؤْمِن تقدم كفره إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الشَّرْع، وَأما امْتِنَاعه من جِهَة اللُّغَة فَعدم صِحَّته غير مُسلم (بل صِحَّته) أَي صِحَة إِطْلَاق كَافِر عَلَيْهِ (لُغَة اتِّفَاق) أَي مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل اللُّغَة (وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه) أَي الْكَافِر فِي الْمُؤمن الْمَذْكُور (حَقِيقَة) لُغَة أَو مجَازًا (وَالْمَانِع) عَن الْإِطْلَاق أَمر (شَرْعِي) لَا لغَوِيّ فَإِنَّهُ مَنْهِيّ تَعْظِيمًا لَهُ (واذن) ظرف زمَان فِيهِ معنى الشَّرْط غَالِبا، وَقد يكون لمُجَرّد الظَّرْفِيَّة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين﴾ - أَصله إِذا حذفت الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا، وَعوض مِنْهَا التَّنْوِين، والعالم فِيهِ الادعاء الْمَذْكُور فِي قَوْلهم (لَهُم ادِّعَاء كَونه حَقِيقَة)

стр. 76

أَي وَإِذا لم يكن الْمَانِع لغويا لأهل الْحَقِيقَة ادعا كَون كَافِر حَقِيقَة فِي الْمُؤمن الْمَذْكُور لُغَة، وَأَن امْتنَاع إِطْلَاقه لمَانع شرعا (مَعَ صِحَة إِطْلَاق) لفظ (الضِّدّ) وَهُوَ الْمُؤمن (كَذَلِك) أَي حَقِيقَة (وَلَا يمْتَنع) صِحَة إِطْلَاق الضدين على شَيْء وَاحِد على جَمِيع التقادير (إِلَّا لَو قَامَ مَعْنَاهُمَا فِي وَقت الصحتين) أَي على تَقْدِير قيام معنى الضدين فِي وَقت وَاحِد هُوَ وَقت الصحتين (وَلَيْسَ الْمُدَّعِي) أَي مدعي أهل الْحَقِيقَة (سوى كَون اللَّفْظ) أَي الْوَصْف المنازع فِيهِ (بعد انْقِضَاء الْمَعْنى حَقِيقَة، وَأَيْنَ هُوَ؟) أَي كَونه حَقِيقَة بعد انْقِضَاء الْمَعْنى (من قِيَامه) أَي الْمَعْنى (فِي الْحَال) أَي فِي حَال صِحَة الْإِطْلَاق (ليجتمع المتنافيان) فِي وَقت وَاحِد (أَو يلْزم قيام أَحدهمَا) أَي المتنافيين (بِعَيْنِه) قَوْله يلْزم مَعْطُوف على يجْتَمع، وَإِنَّمَا قَالَ بِعَيْنِه لِأَن الْخُلُو عَن أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين فِيمَا نَحن فِيهِ غير مُتَصَوّر، إِذْ انْتِفَاء الْإِيمَان يسْتَلْزم الْكفْر وَبِالْعَكْسِ، وَأما إِذا كَانَ الضدان بِحَيْثُ لَا يمْتَنع ارتفاعهما عَن الْمحل كالأسود والأبيض، فَيجوز أَن لَا يقوم شَيْء مِنْهُمَا مَعَ صِحَة إطلاقهما بِاعْتِبَار الاتصاف السَّابِق تَلْخِيص الْكَلَام أَن حَاصِل الِاسْتِدْلَال صِحَة إِطْلَاق الْمُؤمن على الغافل والنائم اللَّازِمَة عدم خروجهما عَن الْإِيمَان يَقْتَضِي كَونه حَقِيقَة، وَكَذَا سَائِر الْأَوْصَاف بعد الِانْقِضَاء وخلاصة الْجَواب: إِمَّا منع لُزُوم الْحَقِيقَة لجَوَاز كَون الْإِطْلَاق مجازيا مُسْتَندا بامتناع كَافِر الخ أَو الْمُعَارضَة بادعا المجازية وإثباتها بالامتناع الْمَذْكُورَة ومحصول الْكَلَام الْمُحَقق منع استلزام دَلِيل مدعي الْحَقِيقَة وخصمه مدعاه لخُرُوج الْمُؤمن وَالْكَافِر عَن مَحل النزاع على تَقْدِير الْمُعَارضَة، أَو عدم صَلَاحِية خَصمه لسندية لما ذكر وَحَاصِل تَحْقِيق المُصَنّف منع استلزام الدَّلِيل الْمُدَّعِي على تَقْدِير كَون الْمُؤمن اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث لِأَنَّهُ لَيْسَ من مَحل النزاع لعدم انْقِضَاء الْمَعْنى فِيهِ، وَإِبْطَال دَلِيل مدعى الْمجَاز لصِحَّة إِطْلَاق كَافِر لمُؤْمِن لُغَة بالِاتِّفَاقِ على تَقْرِير الْمُعَارضَة، وَعدم صَلَاحِية السندية على تَقْرِير الْمَنْع مَعَ زِيَادَة التَّحْقِيق على مَا ترى، كَيفَ وَقد أبطل جَوَابا صرح بقوته القَاضِي عضد الدّين، وناهيك بِهِ (قَالُوا) ثَالِثا (لَو اشْترط لكَونه) أَي الْوَصْف (حَقِيقَة بَقَاء الْمَعْنى لم يكن لأكْثر المشتقات) من المصادر السيالة (حَقِيقَة) لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر بَقَاؤُهَا إِلَّا بعد حُصُولهَا، وَهُوَ لَا يتَصَوَّر إِلَّا باجتماع أَجْزَائِهَا، وَأَنَّهَا تَنْقَضِي أَولا فأولا (كضارب ومخبر) أما الضَّرْب فَفِي كَونه نظر كَمَا سَيَأْتِي، وَأما الْأَخْبَار فَلِأَنَّهُ عبارَة عَن التَّلَفُّظ بحروف تَنْقَضِي أَولا فأولا، فَقبل أَن يتَلَفَّظ بالحرف الْأَخير لم يتَحَقَّق الْأَخْبَار، وَحين تلفظ بِهِ قد انْقَضى، فَمَتَى يُطلق عَلَيْهِ عِنْد بَقَاء الْمَعْنى ليَكُون حَقِيقَة (بل) تكون الْحَقِيقَة (لنَحْو قَائِم وقاعد) مِمَّا اشتق من غير السيالة مِمَّا يجْتَمع أجزاؤه فِي الْوُجُود وَيبقى (وَالْجَوَاب أَنه) أَي بَقَاء الْمَعْنى (يشْتَرط إِن أمكن) بَقَاؤُهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُمكن (فوجود جُزْء) أَي فَيشْتَرط وجود جُزْء فَلَا يلْزم أَن لَا يكون لأكْثر

стр. 77

المشتقات حَقِيقَة، فَمَا دَامَ جُزْء مِنْهَا مَوْجُودا يُطلق الْوَصْف حَقِيقَة، وَلَا يلْزم كَون الْمُجيب مُطلق الِاشْتِرَاط، ليرد أَن هَذَا الْجَواب خلاف مذْهبه (وَالْحق أَن هَذَا) التَّفْصِيل (يجب أَن يكون مُرَاد مُطلق الِاشْتِرَاط) أَي من اشْتِرَاط بَقَاء الْمَعْنى فِي مُطلق الْأَوْصَاف (ضَرُورَة) أَي وجوبا أَو للضَّرُورَة الْمُقْتَضِيَة الْوُجُوب الْمَذْكُور، وَذَلِكَ لِأَن الْعَاقِل الْعَارِف باللغة لَا يسْتَلْزم نفي الْحَقِيقَة رَأْسا عَن أَكثر المشتقات (لَا مذهبا ثَالِثا) مَعْطُوف على خبر يكون فَلَا يكون فِيمَا بعد الِانْقِضَاء إِلَّا مذهبان: نفي الِاشْتِرَاط مُطلقًا، وَالتَّفْصِيل (فَهُوَ) أَي مُطلق الِاشْتِرَاط (وَإِن قَالَ يشْتَرط بَقَاء الْمَعْنى) والمتبادر مِنْهُ بَقَاؤُهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ لكنه (يُرِيد) بِهِ (وجود شَيْء مِنْهُ) أَي جُزْء من الْمَعْنى لظُهُور فَسَاد إِرَادَة مَا هُوَ الْمُتَبَادر فِيمَا لَا يُمكن بَقَاؤُهُ، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا يُفِيد التَّعْمِيم فِيمَا يُمكن ومالا يُمكن، وَلَا ضَرُورَة فِي ارتكابه فِيمَا يُمكن، وَقد صرح التفتازابي أَن مُرَاد الْمُطلق أَنه لَا بُد من بَقَاء الْمَعْنى بِتَمَامِهِ إِن أمكن وَإِلَّا فبجزء مِنْهُ، وَيُمكن حمل هَذَا الْكَلَام عَلَيْهِ بِضَرْب من الْمُسَامحَة، وَإِنَّمَا لم يقل آخر جُزْء كَمَا فِي الْمُنْتَهى لِأَن الْمُعْتَبر الْمُبَاشرَة الْعُرْفِيَّة، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَلفظ مخبر وضارب إِذا أطلق فِي حَال الاتصاف) أَي اتصاف الْمخبر (بِبَعْض الْأَخْبَار) بِكَسْر الْهمزَة: أَي عِنْد مُبَاشَرَته بِبَعْض حُرُوفه وبشيء من الضَّرْب (يكون حَقِيقَة لِأَن مثل ذَلِك) الْإِطْلَاق (يُقَال فِيهِ أَنه) إِطْلَاق حَال اتصافه) أَي الْمخبر والضارب (بالأخبار وَالضَّرْب عرفا) أَي فِي عرف اللُّغَة، ومدار معرفَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز على الْعرف (وَإِذا كَانَ) الْعرف أَو الْأَمر (كَذَلِك وَجب أَن يحمل كَلَامه) أَي مُطلق الِاشْتِرَاط (عَلَيْهِ) أَي على مَا ذكر من المُرَاد تَصْحِيحا لكَلَام الْعَاقِل الْعَارِف باللغة (وَمن المستبعد أَن يَقُول أحد) مِمَّن لَهُ أدنى معرفَة باللغة (لفظ ضَارب) إِذْ أطلق على شخص (فِي حَال الضَّرْب مجَاز) لعدم قيام مَجْمُوع أَجْزَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَالة (وَإنَّهُ) أَي الضَّارِب (لم يسْتَعْمل حَقِيقَة أبدا، وَكثير مثل هَذَا) من إِثْبَات الْخلاف بِنَاء على مَا يتَوَهَّم من ظواهر الْأَقْوَال (فِي كَلَام المولعين) من أولع بالشَّيْء إِذا علق بِهِ (بِإِثْبَات الْخلاف) وهم الَّذين ابتلوا بالوقوع فِيهِ من غير توقف وَتَأمل وُقُوع (وَنقل الْأَقْوَال) مَعْطُوف على إِثْبَات لخلاف: أَي المولعين بِمُجَرَّد نقل الْأَقْوَال من غير تدبر وتعمق فِي فهم مَقَاصِد الْقَوْم، وَيجوز أَن يكون مُبْتَدأ خَبره (لمن تتبع) أَي نقلهَا مُسلم لمن تتبع حق التتبع، والمولعون لَيْسُوا مِنْهُم، فعلى الأول مُتَعَلق بِمَحْذُوف: أَي مَعْلُوم كثرته لمن تتبع (ثمَّ الْحق أَن ضَارِبًا لَيْسَ مِنْهُ) أَي من الْوَصْف الَّذِي لَا يُمكن بَقَاء مَعْنَاهُ (لِأَن الْوُجُود) عِنْد إِطْلَاقه على من يُبَاشر الضَّرْب (تَمام الْمَعْنى) لَا جزؤه كَمَا يتَوَهَّم من ضرب مائَة عَصا أَنه ضرب وَاحِد، وكل وَاحِد من الْمِائَة

стр. 78

جُزْء مِنْهُ بل كل وَاحِد مِنْهَا يصدق عَلَيْهِ مَفْهُوم الضَّرْب مَوْجُود فِيهِ تَمام حَقِيقَته (وَإِن انْقَضى كثير من الْأَمْثَال) أَي من أَفْرَاد الضَّرْب الْمُمَاثلَة للموجود حَال الْإِطْلَاق (لَا يُقَال فَالْوَجْه حِينَئِذٍ) أَي حِين أُجِيب عَن أَدِلَّة الْمجَاز والحقيقة، وَلم يبْق لأَحَدهمَا رُجْحَان على الآخر من حَيْثُ الدَّلِيل (الْحَقِيقَة) أَي اخْتِيَارهَا (تَقْدِيمًا للتواطئ) وَهُوَ كَون اللَّفْظ مَوْضُوعا لما يعم الْمَعْنى الَّذِي هُوَ حَقِيقَة فِيهِ بِلَا شُبْهَة، وَالْمعْنَى الَّذِي فِيهِ شُبْهَة المجازية (على الْمجَاز) أَي المجازية (لَا التَّوَقُّف) أَي لَيْسَ الْوَجْه التَّوَقُّف (كظاهر بعض الْمُتَأَخِّرين) أَي كمفهوم ظَاهر كَلَام بَعضهم، وَهُوَ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (لعدم لَازمه) أَي التواطئ تَعْلِيل لقَوْله: لَا يُقَال وَحَاصِله الِاسْتِدْلَال بِنَفْي اللَّازِم على نفي الْمَلْزُوم (وَهُوَ) أَي لَازمه (سبق الْأَحَد) أَي أحد الْأَمريْنِ: من الْمُثبت لَهُ الْمَعْنى قَائِما، والمثبت لَهُ منقضيا (الدائر) بَين الْأَمريْنِ الْمَذْكُورين، يَعْنِي لَو كَانَ الْوَصْف مَوْضُوعا لأحد الْأَمريْنِ لسبق إِلَى الْفَهم عِنْد إِطْلَاقه كَمَا هُوَ شَأْن الْمَوْضُوع لَهُ، لكنه لم يسْبق فَلَا وضع فَلَا تواطؤ (لسبقه) أَي الْمَعْنى إِلَى الْفَهم (بِاعْتِبَار الْحَال من نَحْو زيد قَائِم) وَسبق أحد الْأَمريْنِ بِعَيْنِه يسْتَلْزم عدم سبق أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه، وَظَاهر هَذَا الْكَلَام أَن المُصَنّف ﵀: اخْتَار المجازية فِي مَحل النزاع، وَقد استبان بِمَا ذكر من التَّفْصِيل أَن مَحل النزاع الْوَصْف الَّذِي هُوَ مَظَنَّة لَا يكون إِلَّا حَقِيقَة بعد الِانْقِضَاء، بِخِلَاف مَا اعْتبر فِيهِ الاتصاف بِالْفِعْلِ اتِّفَاقًا، وَمَا اعْتبر فِيهِ عدم طريان المنافى وَالله أعلم. الْفَصْل الثَّانِي (فِي) تَقْسِيم الْمُفْرد بِاعْتِبَار (الدّلَالَة وظهورها وخفائها) فَهِيَ (تقسيمات) ثَلَاثَة (التَّقْسِيم الأول) وَهُوَ تقسيمه بِاعْتِبَار الدّلَالَة نَفسهَا، التَّقْسِيم ضم قيود متباينة ذاتا أَو اعْتِبَارا إِلَى مَفْهُوم كلي بِحَيْثُ يحصل من انضمام كل قسيم، وَهُوَ قسيم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الآخر (اللَّفْظ الْمُفْرد إِمَّا دَال بالمطابقة أَو التضمن أَو الِالْتِزَام) وَسَيَجِيءُ تَفْسِيرهَا (وَالْعَادَة) أَي عَادَة الْأُصُولِيِّينَ (التَّقْسِيم فِيهَا) أَي الدّلَالَة نَفسهَا، لَا الدَّال (ويستتبعه) أَي الدّلَالَة اللَّفْظ فِي الانقسام: أَي يَنْقَسِم اللَّفْظ تبعا للدلالة، وَإِنَّمَا عدل عَنْهَا لتَكون التقسيمات كلهَا للمفرد تسهيلا للضبط (وَالدّلَالَة كَون الشَّيْء) بِحَيْثُ (مَتى فهم فهم) مِنْهُ (غَيره فَإِن كَانَ التلازم) أَي لُزُوم فهم الْغَيْر لذَلِك فهم الشَّيْء، وملزومية ذَلِك الشَّيْء لفهم الْغَيْر الْمُسْتَفَاد من قَوْله مَتى فهم فهم الخ، وَالْمرَاد عدم الانفكاك لَا امْتِنَاعه (بعلة الْوَضع) بِسَبَب كَون ذَلِك الشَّيْء مَوْضُوعا لذَلِك الْغَيْر، أَو لما هُوَ جزؤه أَو لَازمه (فوضعية) أَي فالدلالة وضعية (أَو الْعقل) والتقابل بِاعْتِبَار اسْتِقْلَال الْعقل وَعَدَمه، وَإِلَّا

стр. 79

فالعقل لَهُ مدْخل فِي الوضعية أَيْضا (فعقلية، وَمِنْهَا الطبيعية) أَي من الْعَقْلِيَّة الدّلَالَة الطبيعية، وَهِي مَا كَانَت الطبيعة سَبَب وجود الدَّال (إِذْ دلَالَة أح على الْأَذَى) وَهُوَ وجع الصدرا لملجئ صَاحبه إِلَى إِيقَاعه (دلَالَة الْأَثر) وَهُوَ أح (على مبدئه) ومنشئه، وَهُوَ الوجع الْمَذْكُور (كالصوت) أَي كدلالة الصَّوْت المسموع من وَرَاء الْجِدَار على صَاحبه (وَالْكِتَابَة) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَاتِب (وَالدُّخَان) بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّار، فَإِنَّهَا عقليات كلهَا (والوضعية) تَارَة (غير لفظية كالعقود) جمع عقد، وَهُوَ مَا يعْقد بالأصابع على كَيْفيَّة خَاصَّة مَوْضُوع لعدد معِين (وَالنّصب) جمع نصبة، وَهُوَ الْعَلامَة المنصوبة لمعْرِفَة الطَّرِيق (ولفظية) وَهِي (كَون اللَّفْظ بِحَيْثُ إِذا أرسل) لم يقل أطلق لِأَن الْمُتَبَادر من الْإِطْلَاق مَا قرن بالإرادة، والإرسال أَعم وَاللَّفْظ يدل على مَعْنَاهُ إِذا تلفظ بِهِ، وَإِن لم يرد بِهِ الْمَعْنى (فهم) مِنْهُ (الْمَعْنى للْعلم بِوَضْعِهِ) أَي اللَّفْظ (لَهُ) أَي الْمَعْنى والمتبادر كَون اللَّام مُتَعَلقا بفهم، وَهُوَ يُوهم كَون اللَّازِم الْفَهم من حَيْثُ إِنَّه مُعَلل، وَيرد أَنه إِذا أرسل وَلم يكن السَّامع عَالما بِالْوَضْعِ لم يفهم، وَهُوَ يُنَافِي مَتى فهم فهم فَتعين كَونه مُتَعَلقا بِالْإِرْسَال، وَاللَّام بِمَعْنى عِنْد كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ - (وَأورد) نقضا على عكس التَّعْرِيف من حَيْثُ تضمنه لُزُوم حُدُوث فهم الْمَعْنى عِنْد الْإِرْسَال (سَمَاعه) أَي اللَّفْظ (حَال كَون الْمَعْنى مشاهدا) للسامع لعدم حُدُوث الْفَهم حِينَئِذٍ لِامْتِنَاع حُصُول الْحَاصِل (وَأجِيب بِقِيَام الْحَيْثِيَّة) المفسرة بهَا الدّلَالَة اللفظية، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهِي) أَي الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة (الدّلَالَة) تَوْضِيحه سلمنَا انْتِفَاء حُدُوث فهم الْمَعْنى حَال الْمُشَاهدَة، لكنه لَا يخل فِيهَا، لِأَنَّهَا عبارَة عَن تِلْكَ الْحَيْثِيَّة، وَهِي مَوْجُودَة فِي الدَّال لكَونه بِحَيْثُ إِلَى آخِره، وَلقَائِل أَن يَقُول لَا نسلم قيام الْحَيْثِيَّة، لِأَن كلمة إِذا فِيهَا بِمَعْنى مَتى لما مر فِي تَعْرِيف مُطلق الدّلَالَة، فَيجب حُدُوث الْمَعْنى فِي كل إرْسَال، وَقد عرفت عَدمه عِنْد إرْسَاله حَال الْمُشَاهدَة، وَلعدم حقية هَذَا الْجَواب. قَالَ (وَالْحق) أَن يُقَال إِنَّه حصل (الِانْقِطَاع) أَي انْقِطَاع الْمُشَاهدَة (بِالسَّمَاعِ) أَي بِسَبَب اشْتِغَال البال باستماع اللَّفْظ (ثمَّ التجدد) أَي تجدّد فهم حَادث (عَنهُ) أَي عَن اللَّفْظ، وَيتَّجه أَنه لَا تَنْقَطِع الْمُشَاهدَة غَايَة الْأَمر أَن يَنْقَطِع الالتفاف إِلَى الْمُشَاهدَة بِالذَّاتِ، وَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِانْقِطَاع الْمُشَاهدَة هُوَ هَذَا، وَالْمرَاد بالفهم اللَّازِم فِي الدّلَالَة مَا يعم الْفَهم الْحَادِث من حَيْثُ الذَّات، والحادث من حَيْثُ الِالْتِفَات (وللدلالة إضافات) أَي صِفَات إضافية حَاصِلَة لَهَا بِالْقِيَاسِ (إِلَى تَمام مَا وضع لَهُ اللَّفْظ، وجزئه، ولازمه) فَإِذا اعْتبرت الدّلَالَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمام مَا وضع لَهُ حصلت إِضَافَة، وَإِلَى جزئه أُخْرَى، وَإِلَى لَازمه أُخْرَى (إِن كَانَا) أَي إِن وجد الْجُزْء وَاللَّازِم فَكَانَ تَامَّة، وَيجوز كَونهَا نَاقِصَة، وَالْخَبَر مَحْذُوف،

стр. 80

أَعنِي موجودين، وَقَوله للدلالة إِلَى آخِره دَال على الْجَزَاء الْمَحْذُوف والمشروط إِنَّمَا هُوَ الإضافتان الأخيرتان بِالْحَقِيقَةِ، أَشَارَ إِلَى مَا هُوَ الْمَشْهُور من أَن الْمُطَابقَة لَا تَسْتَلْزِم التضمن والالتزام، لجَوَاز أَن يكون مَا وضع لَهُ بسيطا لَا لَازم أَو مركب كَذَا (وَلها) أَي للدلالة (مَعَ كل) إِضَافَة (اسْم، فَمَعَ الأول) اسْمهَا (دلَالَة الْمُطَابقَة، وَمَعَ الثَّانِي دلَالَة التضمن، وَكَذَا الِالْتِزَام) أَي وَمَعَ إضافتها إِلَى اللَّازِم اسْمهَا دلَالَة الِالْتِزَام، وَالتَّعْبِير عَن الْإِضَافَة بِالْأولِ وَالثَّانِي بِاعْتِبَار كَونهَا مصدرا، (ويستلزم اجتماعها) أَي الدلالات الثَّلَاث (انتقالين) من لفظ (وَاحِد) مِنْهُ (إِلَى الْمَعْنى المطابقي والتضمني) وَإِنَّمَا قُلْنَا بوحدة الِانْتِقَال فيهمَا (لِأَن فهمه) أَي الْجُزْء (فِي ضمنه) أَي تَمام مَا وضع (لَا كظن) أَي كمظنون (شَارِح الْمطَالع) الْفَاضِل الْمَشْهُور قطب الدّين الرَّازِيّ من أَنه ينْتَقل الذِّهْن من اللَّفْظ إِلَى جُزْء مَا وضع لَهُ، ثمَّ مِنْهُ إِلَى تَمَامه، وَأَن الْمُطَابقَة تَابِعَة للتضمن فِي الْفَهم لسبق الْجُزْء فِي الْمَوْجُودين، وَمَا ذكره المُصَنّف ﵀ إِشَارَة إِلَى مَا ذكره الْمُحَقق شَارِح الْمُخْتَصر القَاضِي عضد الدّين فِي الدّلَالَة اللفظية من أَنه ينْتَقل الذِّهْن من اللَّفْظ إِلَى الْمَعْنى ابْتِدَاء، وَهِي وَاحِدَة لَكِن رُبمَا تضمن الْمَعْنى الْوَاحِد جزءين فيفهم مِنْهُ الجزءان، وَهُوَ بِعَيْنِه فهم الْكل، فالدلالة على الْكل لَا تغاير الدّلَالَة على الجزءين مَعًا مُغَايرَة بِالذَّاتِ بل بِالْإِضَافَة وَالِاعْتِبَار، وَقرر هَذَا التَّحْقِيق الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ، ثمَّ قَالَ ومبني هَذَا التَّحْقِيق على أَن التضمن فهم الْجُزْء فِي ضمن الْكل، والالتزام فهم اللَّازِم بعد فهم الْمَلْزُوم، حَتَّى إِذا اسْتعْمل اللَّفْظ فِي الْجُزْء أَو اللَّازِم مَعَ قرينَة مَانِعَة عَن إِرَادَة الْمُسَمّى لم يكن تضمنا أَو التزاما بل مُطَابقَة لكَونهَا دَالَّة على تَمام الْمَعْنى: أَي مَا عَنى بِاللَّفْظِ وَقصد انْتهى بَيَان ذَلِك أَن دلَالَة اللَّفْظ بِوَضْعِهِ للمعنى فالعالم بِهِ إِذا فهم اللَّفْظ يتَوَجَّه قصدا بِمُقْتَضى علمه نَحْو الْمَوْضُوع لَهُ لَا إِلَى جزئه وَإِن كَانَ يتعقل قبل تعقل الْكل ضَرُورَة، لِأَن الذِّهْن غير مُتَوَجّه إِلَيْهِ قصدا، وَكَونه وَاسِطَة فِي الِانْتِقَال فرع توجه الذِّهْن إِلَيْهِ قصدا لَا يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون مَقْصُود شَارِح الْمطَالع من كَون الْجُزْء وَاسِطَة فِي الِانْتِقَال مُقَدّمَة فِي التعقل لِأَن ذَلِك بديهي لَا يحْتَاج إِلَى الْبَيَان وَلَا تنَازع فِيهِ مَعَ أَنه شبه وساطته بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل بوساطة الْمَوْضُوع لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الالتزامي (يَلِيهِ) أَي يَلِي ذَلِك الْوَاحِد انْتِقَال (آخر) من الْمَعْنى المطابقي (إِلَى) الْمَعْنى (الالتزامي لُزُوما) أَي لكَون الالتزامي لَازِما للمطابقي، وَإِنَّمَا صَار لُزُومه سَبَب الِانْتِقَال (لِأَنَّهُ) أَي اللُّزُوم هَهُنَا (بِالْمَعْنَى الْأَخَص) اللُّزُوم عِنْد المنطقيين يُطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا أخص، وَهُوَ كَون اللَّازِم بِحَيْثُ يحصل فِي الذِّهْن كلما حصل الْمَلْزُوم فِيهِ، وَثَانِيهمَا الْأَعَمّ، وَهُوَ كَونه بِحَيْثُ إِذا تصور مَعَ الْمَلْزُوم يحكم الْعقل باللزوم بَينهمَا على الْفَوْر أَو بعد التَّأَمُّل، أما لعلاقة عقلية أَو لعرف خَاص أَو عَام وَمَا يجْرِي مجْرَاه والأخصية بِاعْتِبَار أَنه كلما

стр. 81

تحقق اللُّزُوم بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا تعقلا يحكم الْعقل باللزوم بَينهمَا من غير عكس وَهُوَ ظَاهر (فَانْتفى لُزُوم الالتزامي مُطلقًا) كَمَا زعم الإِمَام الرَّازِيّ من أَن كل مُسَمّى لَهُ لَازم ذهني، وَذَلِكَ الزَّعْم (للُزُوم تعقل أَنه) أَي الْمُسَمّى (لَيْسَ غَيره) أَي غير نَفسه (لِأَن ذَلِك) أَي التعقل الْمَذْكُور لَازم (بالأعم) أَي بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ، وَقد عَرفته وَالْمُعْتَبر هَهُنَا اللَّازِم بِالْمَعْنَى الْأَخَص (هَذَا) كُله (على) اصْطِلَاح (المنطقيين فَلَا دلَالَة للمجازات على) الْمعَانِي (المجازية) لعدم كَونهَا بِحَيْثُ مَتى أرْسلت فهم مِنْهَا تِلْكَ الْمعَانِي، بل إِذا أرْسلت مَعَ الْقَرِينَة، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (بل ينْتَقل إِلَيْهَا) أَي الْمعَانِي المجازية (بِالْقَرِينَةِ فَهِيَ) أَي الْمعَانِي المجازية (مرادات) بالمجازات (لَا مدلولات لَهَا فَلَا تورد) المجازات نقضا (عَلَيْهِم) أَي على عكس تَعْرِيف المنطقيين بِأَنَّهَا خَارِجَة عَنهُ (إِذْ يلتزمونه) أَي خُرُوجهَا عَن التَّعْرِيف لعدم دُخُولهَا فِي الْمُعَرّف (وَلَا ضَرَر) فِي ذَلِك (إِذْ لم يسْتَلْزم) عدم دلالتها على الْمعَانِي المجازية (نفى فهم المُرَاد) مِنْهَا ليَكُون التزامهم بَاطِلا لكَونه خلاف الْوَاقِع (فَلَيْسَ للمجاز) الْمُسْتَعْمل (فِي الْجُزْء وَاللَّازِم دلَالَة مُطَابقَة فيهمَا) أَي بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله فِي الْجُزْء وَاللَّازِم (كَمَا قيل) قَائِله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ، وَقد مر آنِفا (بل اسْتِعْمَال يُوجب الِانْتِقَال مَعَه إِلَى كل فَقَط الْقَرِينَة) اضراب عَن ثُبُوت الدّلَالَة المطابقية للمجاز على الْجُزْء اللَّازِم إِلَى ثُبُوت اسْتِعْمَال لَهُ توجب الْقَرِينَة المفيدة إِرَادَة أَحدهمَا حَال كَونهَا مَعَ ذَلِك الِاسْتِعْمَال الِانْتِقَال عَن الْمَوْضُوع لَهُ إِلَى كل من الْجُزْء وَاللَّازِم فَقَط: أَي بِدُونِ مُشَاركَة شَيْء آخر إِيَّاه فِي الْإِرَادَة (وَدلَالَة) مَعْطُوف على اسْتِعْمَال (تضمنية والتزامية فيهمَا) مُتَعَلق بِاسْتِعْمَال، وَإِنَّمَا تثبت الدلالتان (تبعا للمطابقية الَّتِي لم ترد) فَلَا يرد أَنه يلْزم تحقق الدّلَالَة التضمنية والالتزامية بِدُونِ المطابقية (وَهَذَا) أَي وجود المطابقية فِي الْمجَاز الْمَذْكُور مَعَ كَونهَا غير مُرَاد (لِأَن بعد) تحقق (الْوَضع لَا تسْقط الدّلَالَة) المطابقية (عَن) الدَّال (الوضعي) إِذا كَانَ الشَّارِح عَالما بِالْوَضْعِ (فَكَذَا لَا تسْقط) الدّلَالَة (عَن لَازمه) أَي لَازم الوضعي إِذا كَانَ لَهُ لَازم (فتتحقق) الدّلَالَة المطابقية فِي الْمجَاز الْمَذْكُور (لتحَقّق علتها) أَي الدّلَالَة (وَهُوَ) أَي علتها (الْعلم بِالْوَضْعِ) فَإِن قلت قَوْله بعد الْوَضع إِلَى آخِره يدل على أَن مُجَرّد الْوَضع كَاف فِي تحقق الْحَيْثِيَّة، وَهَذَا يدل على أَنه لَا بُد من الْعلم بِالْوَضْعِ أَيْضا قلت لَيْسَ المُرَاد من التحقق هُنَا اتصاف اللَّفْظ بالحيثية الْمَذْكُورَة بل ثَمَرَتهَا، وَهُوَ الِانْتِقَال إِلَى مَا وضع لَهُ، وَمُجَرَّد الْوَضع كَاف فِي اتصافه بالحيثية الْمَذْكُورَة غير كَاف فِي الِانْتِقَال بل لَا بُد فِيهِ من الْعلم بِالْوَضْعِ أَيْضا (وَالْمرَاد) من اللَّفْظ الْمجَازِي (غير متعلقها) أَي غير مُتَعَلق الدّلَالَة المطابقية، وَهُوَ الْمَدْلُول المطابقي، يَعْنِي المُرَاد المعني الْمجَازِي الَّذِي هُوَ غير متعلقها (وَأما الأصوليون فَمَا للوضع دخل

стр. 82

فِي الِانْتِقَال) أَي فعندهم الدّلَالَة الوضعية هِيَ الَّتِي للوضع دخل فِي الِانْتِقَال من دالها إِلَى مدلولها (فتتحقق) الدّلَالَة على اصطلاحهم (فِي الْمجَاز) لدخل الْوَضع فِي الِانْتِقَال الْمجَازِي، لِأَن العلاقة بَين الْمَعْنى الْمجَازِي والموضوع لَهُ سَببه، وَعدم اعتبارهم اللُّزُوم الْكُلِّي بَين فهم الْمَعْنى وَفهم اللَّفْظ اكْتِفَاء باللزوم فِي الْجُمْلَة (والالتزامية بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ) أَي وتتحقق الدّلَالَة الالتزامية باللزوم بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَلَا يشْتَرط اللُّزُوم بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَقد مر تفسيرهما (ثمَّ اخْتلف الِاصْطِلَاح) للأصوليين فِي أَصْنَاف الدّلَالَة الوضعية بِاعْتِبَار مفهوماتها وأسمائها (وَفِي ثُبُوت بَعْضهَا) بِإِثْبَات بَعضهم قسما لم يُثبتهُ الْبَعْض الآخر كالمفهوم الْمُخَالف أثْبته الشَّافِعِيَّة لَا الْحَنَفِيَّة (أَيْضا، فالحنفية) أَي فَقَالَت الْحَنَفِيَّة (الدّلَالَة) الوضعية قِسْمَانِ (لفظية وَغير لفظية، وَهِي) أَي غير اللفظية (الضرورية) أَي الَّتِي أوجبت الضَّرُورَة الناشئة من الدَّلِيل اعْتِبَارهَا من غير لفظ يدل (ويسمونها) أَي الْحَنَفِيَّة (بَيَان الضَّرُورَة) أَي الْحَاصِل بِسَبَبِهَا، فَهُوَ من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى سَببه، وَأما تَسْمِيَة الدّلَالَة بَيَانا فباعتبار أَن موصوفها بَيَان لمدلوله (وَهِي) أَي الضرورية (أَرْبَعَة أَقسَام كلهَا دلَالَة سكُوت مُلْحق باللفظية) لِأَن السُّكُوت بمعاونة الْمقَام يَقْتَضِي اعْتِبَارهَا (الأول مَا يلْزم منطوقا) لِأَن السُّكُوت بِدُونِ اتصالها مَعَ الْمَنْطُوق وَلَا يُفِيد اعْتِبَارهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث﴾ دلّ سُكُوته) عَن ذكر نصيب الْأَب (أَن للْأَب الْبَاقِي) لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن تعْيين نصِيبه مَقْصُود كتعيين نصيب الْأُم، فَإِن لم يكن الْبَاقِي لَهُ لَا يتَعَيَّن فَيلْزم عدم صِحَة السُّكُوت لَا يُقَال الْمَنْطُوق يدل على انحصار الْوَارِث فيهمَا وَتَعْيِين نصيب الْأُم، وَيلْزمهُ كَون الْبَاقِي للْأَب، فَهُوَ مَدْلُوله التزاما لأَنا نقُول: لَو سلم دلَالَته على الانحصار لَا نسلم كَونه دَالا عَلَيْهِ التزاما، لجَوَاز أَن يكون لَهُ بعض الْبَاقِي وَالْبَعْض الآخر يقسم بَينهمَا بطرِيق الرَّد، أَو يُعْطي لبيت المَال فَإِن قلت الْأَب عصبَة فَلَا يحْتَمل مَا ذكرت قلت الْكَلَام فِي دلَالَة اللَّفْظ، وَلَيْسَ الْمُخَاطب منحصرا فِيمَن يعلم قَوَاعِد الْفَرَائِض فاحتيج إِلَى أَن يُقَال لَو كَانَ نصِيبه بعض الْبَاقِي لما صَحَّ السُّكُوت عَن بَيَانه قَوْله - ﴿وَورثه﴾ - إِلَى آخِره مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف: أَي مِنْهَا، وَقَوله دلّ إِلَى آخِره اسْتِئْنَاف، وَكَذَا قَوْله (ودفعته) أَي النَّقْد (مُضَارَبَة) وَهِي عقد شركَة فِي الرِّبْح الْحَاصِل بِعَمَل الْمضَارب (على أَن لَك نصف الرِّبْح يُفِيد) سُكُوته (أَن الْبَاقِي) وَهُوَ النّصْف الآخر (للْمَالِك) وَيتَّجه هَهُنَا نَظِير الْإِيرَاد الْمَذْكُور وَلَيْسَ فِيهِ نَظِير ذَلِك الْجَواب، لِأَن الْبَاقِي من حَيْثُ أَنه نَمَاء ملكه يتَعَيَّن أَن يكون لَهُ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال المُرَاد بِدلَالَة السُّكُوت مَا لم يكن الدَّال فِيهِ منطوقا، وملاحظة الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة كَذَلِك (وَكَذَا فِي قلبه اسْتِحْسَانًا) أَي وَمِنْهَا قَوْله دَفعته إِلَيْك مُضَارَبَة على أَن لي نصف الرِّبْح فَالْقِيَاس فَسَاده لعدم بَيَان نصيب الْمضَارب، وَالِاسْتِحْسَان صِحَّته، لِأَن الْمَنْطُوق دلّ على أَن نصيب الْمَالِك

стр. 83

النّصْف فَتعين النّصْف الآخر للْمُضَارب لعدم مُسْتَحقّ آخر وَالرِّبْح مُشْتَرك بَينهمَا. (الثَّانِي دلَالَة حَال السَّاكِت) الَّذِي وظيفته الْبَيَان مُطلقًا، أَو فِي تِلْكَ الْحَادِثَة (كسكوته ﷺ عِنْد أَمر يُشَاهِدهُ) من قَول أَو فعل لَيْسَ مُعْتَقد كَافِر مَعَ قدرته على الْإِنْكَار وَعدم سبق بَيَان حكمه مِنْهُ، فَإِنَّهُ يدل حِينَئِذٍ على الْجَوَاز من فَاعله وَغَيره، لِأَنَّهُ لَو لم يكن جَائِزا لزم ارتكابه لمحرم، وَهُوَ تَقْرِيره على الْمحرم، هَذَا إِذا لم يُنكر وَلم يستبشر، وَأما إِذا استبشر فدلالته على الْجَوَاز أوضح (وَسَيَأْتِي فِي السّنة) بَيَانه مستقصى إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وسكوت الصَّحَابَة عَن تَقْوِيم مَنَافِع ولد الْمَغْرُور) هُوَ ولد الرجل من امْرَأَة ملكهَا فِي ظَنّه ملك يَمِين أَو نِكَاح، ثمَّ اسْتحقَّهَا شخص بِإِثْبَات كَونهَا أمة لَهُ، فَردَّتْ عَلَيْهِ مَعَ الْعقر، وَيثبت نسب الْوَلَد مِنْهُ، وَهُوَ حر بِالْقيمَةِ. قَالَ الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ: لَا خلاف بَين الصَّدْر الأول وفقهاء الْأَمْصَار فِي أَنه حر الأَصْل، وَفِي أَنه مَضْمُون على الْأَب، إِلَّا أَن السّلف اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة ضَمَانه، فَذهب أَصْحَابنَا أَن عَلَيْهِ الْقيمَة بَالِغَة مَا بلغت، وَفِي الْهِدَايَة وَغَيرهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة على ذَلِك، وَقد وَقعت الْحَادِثَة فِي زمن الصَّحَابَة ﵃ فبينوا مَا تعلق بهَا من الْأَحْكَام، وسكتوا عَن تَقْوِيم مَنَافِع الْوَلَد ليَأْخُذ الْمُسْتَحق قيمتهَا كَمَا يَأْخُذ قيمَة الْوَلَد، وَقد جَاءَ طَالبا لحكم الْحَادِثَة غير عَالم بِجَمِيعِ مَاله وهم عالمون بِهِ، فسكوتهم هَذَا (يُفِيد عدم تَقْوِيم الْمَنَافِع) لِأَنَّهَا لَو كَانَت مُتَقَومَة فِي الشَّرْع مُسْتَحقَّة للْمولى للَزِمَ عَلَيْهِم ارْتِكَاب محرم، وَهُوَ كتمان حكم الله عِنْد وجوب بَيَانه. قَالَ الله تَعَالَى - ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ -، (وَمِنْه) أَي من الثَّانِي (سكُوت الْبكر) عِنْد اسْتِئْذَان الْوَلِيّ، أَو رَسُوله إِلَيْهَا فِي تَزْوِيجهَا من معِين مَعَ ذكر الْمهْر أَولا على اخْتِلَاف الْمَشَايِخ، أَو عِنْد بُلُوغهَا ذَلِك عَن الْوَلِيّ على الْأَصَح فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُفِيد الرِّضَا بِهِ بِدلَالَة حَالهَا من الرَّغْبَة فِي الزواج كَمَا هُوَ شَأْن النِّسَاء، وَعدم الْمَانِع عَن الرَّد، لِأَن الْحيَاء يمْنَعهَا عَن الْإِجَازَة لما فِيهَا من إِظْهَار الرَّغْبَة فِي الرِّجَال، لَا عَن الرَّد، بل الْحيَاء يَقْتَضِي الرَّد، لِأَن السُّكُوت لَا يَخْلُو عَن تَجْوِيز قلت سِيمَا إِذا علمت أَن سكُوت الْبكر رضَا، فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ " قلت يَا رَسُول الله تستأمر النِّسَاء؟ قَالَ: نعم، قلت: إِن الْبكر تَسْتَحي فتسكت؟ فَقَالَ سكُوتهَا إِذْنهَا ". (وَفِي ادِّعَاء أكبر ولد من ثَلَاثَة بطُون أمته نفي لغيره) أَي وَمِنْهَا سُكُوته عَن دَعْوَة وَلدين من ثَلَاثَة بطُون أمته بعد دَعْوَة الْأَكْبَر، فَإِنَّهُ فِي ادِّعَاء الْأَكْبَر خَاصَّة نفي لَهما. اعْلَم أَن الْفراش ثَلَاثَة: قوي، وَضَعِيف، ومتوسط، وَهِي فرَاش الْمَنْكُوحَة، وَالْأمة أم الْوَلَد، وَفِي الأول يثبت النّسَب بِغَيْر الدعْوَة، وَلَا يَنْفِي بنفيه إِلَّا بالملاعنة، وَفِي الثَّانِي لَا يثبت

стр. 84

بدون الدعوى، وفي الثالث يثبت بدونها، لكن ينفى بنفيه، فيرد حينئذ أن الأمة فيما نحن فيه قد صارت أم ولد بادعاء الأكبر، فأشار الجواب بقوله (ولا يلزم ثبوته) أي نسب غير الأكبر منه لما ذكرنا (لمقارنة النفي) أي نفي نسب غيره المفهوم من السكوت مع اقتضاء المقام عند السكوت لوجوب البيان عليه، خصوصا بعد بيان نسب الأكبر (الاعتراف بالأمومة) أي اعتراف المولى بكون الأمة أم ولد، وإنما قيد بثلاثة بطون، لأنها لو ولدتهم في بطن واحد بأن كان ما بين كل اثنين منهم ما دون ستة أشهر لكان اعترافه بأحدهم اعترافا بالباقي ضرورة. (الثالث) من الأقسام الأربعة (اعتباره) أي اعتبار بيان الضرورة (لدفع التغرير) أي لضرورة دفع وقوع الناس في الغرور (كدلالة سكوته) أي المولى (عند رؤية عبده يبيع) له أو لغيره بإذنه بيعا صحيحا أو فاسدا، ويشتري ما لم تتعلق به الحاجة المعتادة كالخبز واللحم (عن النهي) متعلق بسكوته: أي نهي العبد ذلك (على الإذن) في التجارة متعلق بالدلالة، لعلمه بأن الناس إذا رأوا عبده يبيع وسكت عنه يستدلون بذلك على الإذن، فلا يمتنعون عن معاملته، ويفضي ذلك إلى ضررهم عند لحوق الدين بتأخر أدائه إلى وقت العتق، فالسكوت مع علمه بذلك دليل الإذن والتزام ما يترتب على ذلك التصرف، فإن المؤمن لا يرضى بضرر الناس من جهته، قال ﷺ "من غشنا فليس منا"، ثم هذا مذهب علمائنا الثلاثة، وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا يكون حجة لاحتمال أن يكون سكوته لفرط الغيظ وقلة المبالاة بناء على أنه محجور شرعا، والمحتمل لا يكون حجة. قلنا ترجح جانب الرضا، لأن المعروف نهيه إذا لم يرض (وسكوت الشفيع) أي وكدلالة سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد علمه بالبيع على إسقاطها لضرورة دفع الغرور عن المشتري بتصرفه في الدار بهدم وبناء وزيادة ونقص بظن أنه لا غرض للشفيع فيها، والطلب فيها ثلاثة: طلب مواثبة بأن يطلبها كما علم بالبيع سواء كان عنده أحد أو لا من غير توقف عند أكثر المشايخ، وإلى آخر مجلس علمه عند غيرهم، وطلب تقرير بالإشهاد على البائع إن كانت في يده، أو على المشتري، أو عند العقار، وإظهار أنه طلبها قبل ذلك ويطلبها الآن، وقوله اشهدوا على ذلك، ومدته مقدرة بتمكنه منه، وطلب خصومة، وتملك بالمرافعة إلى القاضي وطلب القضاء، واتفقوا على أنه لا يبطل بمجرد السكوت، وقيل يبطل بالتأخير شهرا بلا عذر، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يبطل أبدا وعليه الفتوى، فالمراد ههنا سكوته عن الأولين. (الرابع) بيان الضرورة التي هي دلالة السكوت (الثابت ضرورة الطول) مفعول له للثبوت، لأن علة تحقق السكوت عن ذكر ما يدل عليه إنما هو ضروريته للاحتراز عن طول

стр. 85

الكلام، فالفعل المعلل هو الثبوت وفاعله السكوت، والضرورة فعل قائم به فوجد شرط نصب المفعول له، وهو كونه فعلا لفاعل الفعل المعلل (فيما تعورف) ظرف للثبوت يعني لا يثبت في كل مقام سكت فيه عن ذكر شيء مخافة الطول، بل فيما تعورف في عرف اللغة السكوت عند ضرورة الطول كالسكوت عن مميز عدد عطف عليه عدد مفسر كمائة وثلاثة أثواب، أو عطف عليه ما يدل على جنس يصلح تفسيرا للمعطوف عليه (كمائة ودرهم أو ودينار أو وقفيز) من بر مثلا: أي مائة درهم ودرهم، ومائة دينار ودينار، ومائة قفيز من بر وقفيز منه، فالسكوت عن مميز هذه عرفا يدل على أنه من جنس ما عطف عليها (بخلاف) مائة (وعبد) أو مائة (وثوب) فإنه تعورف السكوت عن مميز عدد عطف عليه الدرهم والدينار، وما كان مقدارا كالمكيل والموزون، وما تعورف في الأخيرين، وعلله التفتازاني بعد مشابهة العبد والثوب العدد الذي تعورف فيه خصوصا بعد قوله: له علي، فإن موجبه الثبوت في الذمة، ومثلهما لا يثبت في الذمة إلا في السلم للضرورة، ثم إن الشافعي ﵀ يوافقنا في أن البيان قد يكون بالسكوت لضرورة الطول، ويخالفنا في بناء هذه المسائل عليه، لأن العطف مبناه على التغاير، ومبنى التفسير على الاتحاد، على أنه لو كان بيانا في مائة ودرهم لكان بيانا في مائة وعبد، وهو منتف بالاتفاق، وقد عرفت الفرق آنفا. (واللفظية) أي الدلالة اللفظية أيضا أربعة أقسام (عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء) وجه الضبط إما ثابتة بنفس اللفظ أو لا، والأولى إما مقصودة وهي العبارة أو لا، وهي الإشارة، والثانية إن فهم مدلولها لغة فهي الدلالة، وإلا فإن توقف عليه صدق اللفظ أو صحته فهو الاقتضاء، وإلا فهي من التمسكات الباطلة (وباعتباره) أي هذا التقسيم (ينقسم اللفظ إلى دال بالعبارة إلى آخره) أي ودال بالإشارة، ودال بالدلالة، ودال بالاقتضاء (فعبارة النص: أي اللفظ) فسر لئلا يتوهم أن المراد ما يقابل الظاهر كما سيشير إليه، ومعنى اللفظ المفهوم به المعنى حقيقة أو مجازا، والعبارة لغة تفسير الرؤيا، مأخوذ من العبر، جانب النهر، يقال عبرت النهر: أي قطعته إلى الجانب الآخر، كأن عابر الرؤيا بالحركة الفكرية يعبر من جانب إلى جانب، وسمي هذا النوع به لأنه يعبر ما في الضمير الذي هو مستور (دلالته) أي اللفظ (على المعنى) حال كونه (مقصودا أصليا) من ذكره (ولو) كان ذلك المعنى (لازما) لما وضع له، ولو بالمعنى الأعم (وهو) أي كون المعنى مقصودا أصليا من ذكر لفظه هو (المعتبر عندهم) أي الحنفية (في النص) المقابل للظاهر (أو) دلالته على المعنى حال كونه مقصودا (غير أصلي) من ذكره (وهو) كون المعنى مقصودا غير أصلي هو (المعتبر) عندهم (في الظاهر كما سيذكر)

стр. 86

كل مِنْهُمَا فِي التَّقْسِيم الثَّانِي (ففهم إِبَاحَة النِّكَاح وَالْقصر على الْعدَد) أَي الْأَرْبَع عِنْد اجتماعهن فِي حق الْحر (من آيَة - ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ - (من الْعبارَة) لِأَنَّهُمَا مقصودان من اللَّفْظ، وَإِن كَانَ الأول غير أُصَلِّي كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَإِن كَانَت) أَي الْآيَة (ظَاهرا فِي الأول) أَي إِبَاحَة النِّكَاح، لِأَن الْمَقْصُود بالإفادة بالْكلَام أَصَالَة إِنَّمَا هُوَ بَيَان الْعدَد، والسياق لَهُ لَا لنَفس الْحل، لِأَنَّهُ عرف من غَيرهَا قبل نُزُولهَا، وَفِي الْعبارَة مُسَامَحَة، لِأَن الْفَهم الْمَذْكُور من مَدْلُول الْعبارَة، لَا مِنْهَا، وَيجوز أَن يكون من للابتداء لَا للتَّبْعِيض (وَكَذَا حُرْمَة الرِّبَا وَحل البيع والتفرقة) بَين البيع والربا بِالْحلِّ وَالْحُرْمَة من آيَة، ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ من عبارَة النَّص، وَإِن كَانَت ظَاهرا فِي الْأَوَّلين نصا فِي التَّفْرِقَة، لِأَن سياقها لإنكار تَسْوِيَة الْكفَّار بَينهمَا وَبَيَان الْفرق وَإِبْطَال قياسهم الْمَفْهُوم من قَوْلهم: إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا (والتفرقة لَازم مُتَأَخّر) لمسمى اللَّفْظ فَيصح جعله من الْعبارَة، وَبِخِلَاف الْمُتَقَدّم فَإِنَّهُ من الِاقْتِضَاء، وَذَلِكَ لِأَن الْمُتَأَخر كالمعلول، والمتقدم كالعلة، وَدلَالَة الْعلَّة على الْمَعْلُول مطردَة بِخِلَاف الْعَكْس كَمَا بَين فِي مَوْضِعه (وَلذَا) أَي وَلِأَن الْمَعْنى العباري يكون لَازم مَا وضع لَهُ (لم يُقيد بالوضعي) أَرَادَ بالوضعي هَهُنَا بِقَرِينَة الْمقَام مَا هُوَ عين الْمَوْضُوع لَهُ أَو جزؤه كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ، وَإِن كَانَ مَا سبق فِي تَعْرِيف الوضعية يعم اللَّازِم أَيْضا (و) قد (يُقَال) فِي تَعْرِيفهَا كَمَا قَالَ فَخر الْإِسْلَام وَمن تبعه (مَا سيق لَهُ الْكَلَام) قَالَ صَاحب الْكَشَّاف وَغَيره (وَالْمرَاد) مَا سيق لَهُ (سوقا أَصْلِيًّا أَو غير أُصَلِّي وَهُوَ) أَي غير الْأَصْلِيّ (مُجَرّد قصد الْمُتَكَلّم بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ (لإِفَادَة مَعْنَاهُ) ليتوسل بِهِ إِلَى أَدَاء مَا هُوَ الْمَقْصُود بِالذَّاتِ من السِّيَاق (وَلذَا) أَي لكَون المُرَاد السُّوق الْأَعَمّ (عممنا الدّلَالَة للعبارة فِي الْآيَتَيْنِ) فِيهِ تَعْرِيض لصدر الشَّرِيعَة حَيْثُ جعل الدّلَالَة على التَّفْرِقَة بَين البيع والربا عبارَة لكَونهَا مَقْصُودَة بِالسوقِ، وعَلى الْحل وَالْحُرْمَة إِشَارَة لعدم كَونهمَا مقصودين، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن تَسْمِيَة مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ صَرِيحًا بِالْإِشَارَةِ لَا يَخْلُو عَن بعد (ودلالته) أَي اللَّفْظ (على مَا لم يقْصد بِهِ أصلا) لَا أَصَالَة وَلَا تبعا (إِشَارَة) كانتقال الْملك وَوُجُوب التَّسْلِيم فِي البيع وَحُرْمَة الِانْتِفَاع وَوُجُوب رد الزَّائِد فِي الرِّبَا (وَقد يتَأَمَّل) أَي الْمَعْنى الإشاري أَصله يتَأَمَّل فِيهِ حذف الْجَار، وأوصل الضَّمِير إِلَى الْفِعْل مستترا وَالْمعْنَى قد يَقع التَّأَمُّل فِي اسْتِخْرَاج الْمَعْنى الإشاري من اللَّفْظ، قَالَ صَاحب الْكَشَّاف: فَكَمَا أَن إِدْرَاك مَا لَيْسَ بمقصود بِالنَّصِّ مَعَ الْمَقْصُود بِهِ من قُوَّة الْأَبْصَار فهم مَا لَيْسَ بمقصود من الْكَلَام فِي ضمن الْمَقْصُود بِهِ من قُوَّة الذكاء، وَلِهَذَا يخْتَص بفهم الْإِشَارَة الْخَواص (كالاختصاص) أَي اخْتِصَاص الْوَلَد (بالوالد نسبا) أَي من حَيْثُ

стр. 87

نسبه، فَإِنَّهُ مَفْهُوم إِشَارَة (من آيَة: ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ (دون الْأُم) لِأَن اللَّام للاختصاص، فَيجب كَون الْوَالِد أخص بِالْوَلَدِ من سواهُ فِي الْولادَة الَّذِي هُوَ الانتساب، وَهُوَ غير مَقْصُود مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود من سوقها إِيجَاب النَّفَقَة وَالْكِسْوَة على الْوَلَد فَإِن قلت قد سبق أَن السُّوق الْأَصْلِيّ وَغَيره، والاختصاص لكَونه معنى اللَّام مسوق لَهُ تبعا قلت معنى اللَّام الِاخْتِصَاص مُطلقًا، لَا من حَيْثُ النّسَب فَتَأمل، وَهَذَا مِثَال لما يتَأَمَّل فِيهِ لغموضه، وَلذَا خَفِي على كثير من الأذكياء (فَيثبت أَحْكَام) متفرعة على الِاخْتِصَاص الْمَذْكُور (من انْفِرَاده) أَي الْأَب (بِنَفَقَتِهِ) أَي الْوَلَد كَالْعَبْدِ لما كَانَ مُخْتَصًّا بالمولى لَا يُشَارِكهُ أحد فِي نَفَقَته، لِأَن غرمه على من لَهُ غنمه، فَأصل النَّفَقَة وُجُوبه بِعِبَارَة النَّص، والانفراد بإشارته (والإمامة والكفاءة وعدمهما) أَي الْإِمَامَة والكفاءة، يَعْنِي من تِلْكَ الْأَحْكَام أَهْلِيَّة الْوَلَد للْإِمَامَة الْكُبْرَى وكفاءته للقرشية مثلا، إِذا كَانَ الْأَب أَهلا وكفؤا لَهما: أَي من حَيْثُ النّسَب فَلَا يرد الْوَلَد الَّذِي لَا يستجمع شرائطها لم يَتَعَدَّ إِلَيْهِ، وَكَذَا إِذا لم يكن الْأَب أَهلا وكفؤا لم يكن الْوَلَد أَهلا وكفؤا (مَا لم يُخرجهُ الدَّلِيل) اسْتثِْنَاء معنى: أَي يثبت جَمِيع الْأَحْكَام الَّتِي يقتضيها الِاخْتِصَاص الْمَذْكُور إِلَّا مَا أخرجه الدَّلِيل عَن أَن يثبت، فَلَا يثبت حُرِّيَّته ورقه بتبعية الْأَب لكَونه تَابعا للْأُم فيهمَا، لما ورد فيهمَا من الْأَثر (وَزَوَال ملك المُهَاجر) من دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام مَعْطُوف على الِاخْتِصَاص، فَهُوَ مِثَال آخر لما يتَأَمَّل فِيهِ (عَن المخلف) مُتَعَلق بالزوال: أَي عَمَّا خَلفه فِي دَار الْحَرْب باستيلاء الْكفَّار واحرازهم إِيَّاه (من لفظ الْفُقَرَاء)، فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ﴾ - وَالْجَار مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ صفة الزَّوَال: أَي الْمَفْهُوم إِشَارَة مِنْهُ، وَالْكَلَام إِنَّمَا سيق لبَيَان اسْتِحْقَاق الْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة سَهْما من الْغَنِيمَة، وَلم يقْصد بِهِ زَوَال ملكهم عَنهُ أصلا، لكنه يفهم بِإِشَارَة لفظ الْفُقَرَاء، فَإِن الْفَقِير لُغَة من لَهُ مَا يَكْفِي عِيَاله، أَو من يجد الْقُوت، والمسكين من لَا شَيْء لَهُ، وَقيل المعتر الْمُحْتَاج، والمسكين من أذله الْفقر وَغَيره، وَقيل هُوَ أخس حَالا من الْفَقِير، وَقيل هما سَوَاء، وَشرعا من لم يملك النّصاب، وكل وَاحِد من الْمعَانِي الْمَذْكُورَة يلْزمه زَوَال الْملك، لِأَنَّهُ لَو لم يزل لصدق عَلَيْهِم الْأَغْنِيَاء لَا الْفُقَرَاء، لِأَن الْغَنِيّ يتَحَقَّق بِملك المَال وَإِن بَعدت يَده عَنهُ، وَكَذَا ذكر ابْن السَّبِيل مُقَابلا للْفُقَرَاء فِي النُّصُوص، وَاتفقَ على عدم دُخُوله فيهم عَامَّة الْعلمَاء فَإِن قيل هُوَ اسْتِعَارَة شبهوا بالفقراء لاحتياجهم، وَانْقِطَاع أطماعهم عَن أَمْوَالهم بِقَرِينَة إِن الله لم يَجْعَل للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا، وَالْمرَاد السَّبِيل الشَّرْعِيّ لَا الْحسي، وبقرينة إِضَافَة الديار وَالْأَمْوَال إِلَيْهِم أُجِيب بِأَن الأَصْل الْحَقِيقَة، وَنفي السَّبِيل بِاعْتِبَار أَنهم لَا يملكُونَ أنفس الْمُؤمنِينَ

стр. 88

بالاستيلاء، وإضافة الديار والأموال إليهم مجازيا باعتبار ما كان، لأن في حملها على الحقيقة، وحمل الفقراء على المجاز مصيرا إلى الخلف، قبل تعذر الأصل، على أن المعتبر في الحقيقة حالة اعتبار الحكم من الثبوت، لا حالة التكلم والإثبات، فإضافة الديار والأموال إليهم حقيقة، لأنها كانت ملكا لهم حالة الإخراج (والوجه أنه) أي الزوال المذكور دلالة الآية عليه (اقتضاء) لا إشارة (لأن صحة إطلاق الفقر) أي الفقير على المهاجرين المخلفين أموالهم (بعد ثبوت ملك) تلك (الأموال) لهم (متوقفة على الزوال) أي زوال ملكهم عنها، والإشارة دلالة على ما لم يقصد باللفظ، ولم يتوقف عليه صحة المنطوق، وإنما اعتبر هذا القيد فيها لكونها مقابلة للاقتضاء المعتبر فيه ذلك (ودلالة لفظ الثمن في الحديث على انعقاد بيع الكلب)، وهو قوله ﷺ "إن مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن من السحت" رواه ابن ماجه في صحيحه، وفي رواية لمسلم "خبيث" وحلوان الكاهن أجرته، كان مقتضى العطف على الاختصاص أن يقول وانعقاد بيع الكلب من لفظ الثمن في الحديث، لكنه لما كان الكلام في بيان الدلالات، وكان اللائق بذلك التمثيل بالدلالة، أراد أن يشير إلى أن لفظ الدلالة فيما سبق مقدرة: أي كدلالة الاختصاص، وزوال ملك المهاجرين الحاصلة من كذا وكذا من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول فيما سبق، وإلى الفاعل ههنا، ووجه الدلالة أن لفظ الثمن موضوع لغة وشرعا لما يلزمه البيع تعقلا وتحققا، وهو مال يقصد به بدله عند مبادلة المال بالمال، وهي معنى البيع. فإن قلت المنع عن أخذ ثمن الكلب لا يدل على صحة بيعه. قلت: المنع عن الشيء فرع إمكانه، ولا يمكن أن يكون له ثمن من غير انعقاد بيعه، وذلك لأن الممتنع لا يحتاج إلى المنع، لا يقال يجوز أن يكون إطلاقه مجازيا، لأن الأصل هو الحقيقة، ولا شك أن الانعقاد المذكور غير مقصود من اللفظ، بل هو مدلول التزامي، فيكون دلالته إشارة (و) دلالة (آية أحل لكم ليلة الصيام) الرفث إلى نسائكم (على) جواز (الإصباح جنبا) لأنها دلت على جواز الجماع إلى آخر جزء من الليل، وجواز الملزوم يستلزم جواز اللازم (وظهر) من المعاني المذكورة في الأمثلة المدلولة إشارة (أنها) أي الإشارة الدلالة (الالتزامية وإن خفي) اللزوم واحتيج إلى تأمل، وفي بعض النسخ أنها الالتزامية للعبارة، فإن صح فالمعنى للدال عبارة، والمراد بالعبارة المعنى المشهور (فإن لم يرد سواه) أي سوى اللازم المفهوم من الالتزامية باللفظ الدال عليه التزاما (فكان) اللفظ الذي أريد به (مجازا) لاستعماله في غير ما وضع له، والفاء للعطف على الشرطية، أو لمجرد السببية، والجزاء قوله (لزم) حينئذ كون دلالة اللفظ عليه (عبارة) ويجوز أن يكون المفعول لزم بتضمين معنى الصيرورة كقولهم يتم التسعة بهذا

стр. 89

عشرة (لأنه) أي اللازم المذكور، وهو (المقصود بالسوق) حينئذ سواء كان سوقا أصليا أو غير أصلي (وكذا في الجزء) يعني إذا لم يرد باللفظ سوى جزء ما وضع له، فكان مجازا فيه لزم أن يكون دلالة اللفظ عليه عبارة، فالمعنى الإشاري قد يكون جزء الموضوع له، وقد يكون لازمه المتأخر كانعقاد البيع المذكور، وقيد المتأخر احتراز عن اللازم المتقدم، فإن الدلالة عليه اقتضاء كما سيجيء (وإن دل) اللفظ (على) ثبوت (حكم منطوق) بالإضافة: أي حكم ما نطق به باستعمال اللفظ فيه (لمسكوت) متعلق بالثبوت، وهو ما لم ينطق به، ويقصد باللفظ (لفهم مناطه) تعليل للدلالة، يعني إنما يدل على ثبوته للمسكوت، لأنه يفهم السامع منه علة ذلك الحكم، وهي موجودة في المسكوت، ثم أفاد ذلك الفهم (بمجرد فهم اللغة) أي الفهم الحاصل من العلم بوضع اللفظ لغة من غير حاجة إلى اجتهاد وقياس، فخرج ما دل على ثبوته لفهم مناطه بطريق القياس، ثم إن جمهور مشايخنا ﵏ على أن الدلالة ليست من القياس، ومنهم من قال إنها نوع منه، وهو نص الشافعي رحمة الله عليه في رسالته، واختيار إمام الحرمين، والرازي، وسموها قياسا جليا. قال المحقق التفتازاني ما حاصله إن الثابت بها فوق الثابت بالقياس، لأن المناط هنا يدركه كل من يعرف اللغة، فكأنه ثابت بنفس النظم ويستدل على مغايرتهما بأن الأصل في القياس لا يكون جزءا من الفرع إجماعا، وهنا قد يكون، فإن قوله لا تعطه ذرة يدل على منع ما فوقها، والذرة جزء منه، وبأنها ثابتة قبل شرع القياس، فإن كل أحد يفهم من لا تقل له أف ألا تضربه ولا تشتمه سواء علم شرعية القياس أو لا، وبأن النافين للقياس قائلون به، والنزاع لفظي يرجع إلى الخلاف في تعين مسمى القياس (فدلالة) جزاء الشرط: أي فدلالة للفظ على ما ذكر تسمى دلالة، وإنما غير الأسلوب، ولم يقل ودلالته على حكم إلى آخره دلالة، لأنه لا يخلو عن اللغو صورة (كان) أي سواء كان السكوت (أولى) بحكم المنطوق منه باعتبار تحقق المناط فيه على الوجه الأتم (أو لا) يكون أولى بأن يكونا متساووين (كدلالة) قوله تعالى (﴿لا تقل لهما أف﴾ على تحريم الضرب) فحكم المنطوق التحريم المستفاد من النهي الثابت للمنطوق الذي هو التأفيف، وكل من يعرف اللغة يعرف أن النهي عنه لعلة الأذى، فيفهم منه حرمة الضرب والشتم والمسكوت ههنا، وهو الضرب والشتم أولى بالحرمة لوجود العلة فيه أتم، وأف: صوت يدل على تضجر المتكلم، أو اسم الفعل الذي هو أتضجر، وأتبرم (وأما) دلالة اللفظ (على مجرد لازم المعنى) من غير اعتبار ما ذكر من كونه حكم منطوق لمسكوت إلى آخره (كدلالة الضرب على الإيلام) كما ذكره فخر الإسلام ومن تبعه، فإن الضرب إذا ذكر في

стр. 90

مقَام التَّأْدِيب والتعذيب يدل على الإيلام، فَمن حلف لَا يضْرب كَانَ حَالفا أَن لَا يؤلم، فَيحنث بالخنق، أَو العض، وَمَا فِيهِ إيلام كالضرب (فَغير مَشْهُور) كَونهَا من دلَالَة النَّص (و) إِن دلّ اللَّفْظ (على مسكوت يتَوَقَّف صدقه) أَي الْمَنْطُوق (عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك الْمَنْطُوق، واعتباره فِي الْكَلَام (كرفع الْخَطَأ) فِي الحَدِيث المتداول بَين الْفُقَهَاء " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان "، وَلَا يضر عدم العثور بروايته بِهَذَا اللَّفْظ، فَإِنَّهُ روى بِمَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا " رفع الله عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ ". وَقيل رِجَاله ثِقَات، وَيجوز أَن يقْرَأ بِلَفْظ الْمصدر الْمُضَاف مشارا بِهِ إِلَى الرِّوَايَة الصَّحِيحَة، هَذَا وَلَا شكّ أَن ذَات الْخَطَأ غير مَرْفُوع لِكَثْرَة وُقُوعه، فَلَو لم يرد حكم الْخَطَأ أَو إثمه لم يكن الْكَلَام صَادِقا لعدم رفع ذَاته (أَو صِحَّته) مَعْطُوف على صدقه: أَي يتَوَقَّف صِحَة الْمَنْطُوق على اعْتِبَار ذَلِك الْمَسْكُوت كَمَا فِي: أعتق عَبدك عني بِأَلف فَإِنَّهُ لَو لم يكن المعني بِعْ عَبدك مني بِأَلف، وَكن وَكيلِي فِي إِعْتَاقه لم يَصح هَذَا الْكَلَام وَلم يستقم (على مَا سنذكر) تَفْصِيله فِي مسئلة الْمُقْتَضى (اقْتِضَاء) أَي لدلَالَة على الْمَسْكُوت المتوقف عَلَيْهِ صدق الْمَنْطُوق، أَو صِحَّته اقْتِضَاء، وَوجه التَّسْمِيَة ظَاهر فَإِن قلت كل وَاحِد كَمَا دلّ عَلَيْهِ لفظ دلَالَة أَو اقْتِضَاء، إِمَّا مَقْصُود مِنْهُ أَولا، فعلى الأول ينْدَرج تَحت الْعبارَة، وعَلى الثَّانِي تَحت الْإِشَارَة، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يلْزم كَون قسم الشَّيْء قسيما لَهُ قلت لَيْسَ شَيْء مِنْهُمَا مَقْصُودا مِنْهُ، وَلَا ينْدَرج تَحت الْإِشَارَة، لِأَن المُرَاد مِنْهَا مَا لم يكن بطرِيق الدّلَالَة والاقتضاء لقَرِينَة التقابل (والشافعة قسموها) أَي الدّلَالَة الوضعية اللفظية (إِلَى مَنْطُوق دلَالَة اللَّفْظ) عطف بَيَان لمنطوق إِن جر على مَا جوزه الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿مقَام إِبْرَاهِيم﴾ - إِنَّه عطف بَيَان لآيَات، أَو بدل مِنْهُ، وَخبر مَحْذُوف إِن رفع، ومفعول أَعنِي إِن نصب (فِي مَحل النُّطْق) ظرف للدلالة بِاعْتِبَار الْمَدْلُول، فاللفظ إِذا دلّ على حَال مَنْطُوق يُقَال دلَالَته فِي مَحل النُّطْق، وَإِذا دلّ على حَال مسكوت يُقَال دلَالَته لَيست فِي مَحل النُّطْق، لِأَن بَيَان حَال الْمَنْطُوق حقيق بِأَن يَقع النُّطْق فِيهِ وَمحل لَهُ، وَبَيَان حَال غَيره حقيق بِأَن يسكت عَنهُ (على) ثُبُوت (حكم الْمَذْكُور وَإِن) كَانَ ذَلِك الحكم (غير مَذْكُور كفى السَّائِمَة) أَي كدلالة قَوْله فِي السَّائِمَة (مَعَ قرينَة الحكم) وَهِي وُقُوعه فِي جَوَاب من قَالَ فِي الْغنم المعلوفة الزَّكَاة أم فِي السَّائِمَة على حكم غير مَذْكُور، وَهِي وجوب الزَّكَاة فِي مَحل النُّطْق لكَونه بَيَان حَال الْمَنْطُوق، وَهُوَ السَّائِمَة، وَإِضَافَة الْقَرِينَة إِلَى الحكم من قبيل إِضَافَة الدَّال إِلَى الْمَدْلُول. (وَمَفْهُوم) مَعْطُوف على مَنْطُوق (دلَالَته) وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا مر (لَا فِيهِ) أَي لَا فِي مَحل النُّطْق (على) ثُبُوت (حكم مَذْكُور لمسكوت) لم يذكر فِي الْكَلَام (أَو نَفْيه) أَي الحكم الْمَذْكُور (عَنهُ) أَي عَن

стр. 91

الْمَسْكُوت سَوَاء كَانَ الحكم الْمَذْكُور إِيجَابا أَو سلبا (وَقد يظْهر) من كَلَام الْقَوْم (أَنَّهُمَا) أَي الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم (قِسْمَانِ للمدلول): قَالَه الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: جَعلهمَا من أَقسَام الدّلَالَة محوج إِلَى تكلّف عَظِيم فِي تَصْحِيح عِبَارَات الْقَوْم، نقل عَن المُصَنّف أَن كلمة قد هَهُنَا للتكثير، وَهِي قد تسْتَعْمل لذَلِك كَمَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ وَغَيره (فالدلالة حِينَئِذٍ دلَالَة الْمَنْطُوق، وَدلَالَة الْمَفْهُوم لأنفسهما) يَعْنِي حِين جعل الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم قسمي الْمَدْلُول، يُقَال فِي التَّقْسِيم إِلَيْهِمَا الدّلَالَة الوضعية: أما دلَالَة الْمَنْطُوق بِأَن كَانَ مدلولها، وَأما دلَالَة الْمَفْهُوم كَذَلِك (والمنطوق) قِسْمَانِ (صَرِيح) هُوَ (دلَالَته) أَي اللَّفْظ الناشئة (عَن) مُجَرّد (الْوَضع وَلَو) كَانَت تِلْكَ الدّلَالَة (تضمنا) فانحصر الصَّرِيح فِي الْمُطَابقَة والتضمن، وَخرجت الالتزامية، لِأَنَّهَا لَيست عَن مُجَرّد الْوَضع، بل لَا بُد فِيهَا من علاقَة اللُّزُوم أَيْضا (وَغَيره) أَي غير الصَّرِيح وَهُوَ دلَالَته (على مَا يلْزم) أَي مَا وضع لَهُ (وينقسم) غير الصَّرِيح (إِلَى) الدّلَالَة على لَازم (مَقْصُود من اللَّفْظ) يتَعَلَّق قصد الْمُتَكَلّم بِهِ وَإِرَادَة إِفَادَة اللَّفْظ (فتنحصر) الدّلَالَة على اللَّازِم الْمَقْصُود بالاستقراء (فِي الِاقْتِضَاء كَمَا ذكرنَا آنِفا) أَي من سَاعَة، وَفِي أول وَقت يقرب بِنَا، يَعْنِي قَوْله وعَلى مسكوت يتَوَقَّف صدقه عَلَيْهِ كرفع الْخَطَأ أَو صِحَّته (والإيماء) وَهُوَ دلَالَته على لَازم مَقْصُود بِسَبَب (قرانه) أَي اللَّفْظ (بِمَا) أَي بِشَيْء (لَو لم يكن هُوَ) أَي ذَلِك الشَّيْء (عِلّة لَهُ) أَي لمدلوله (كَانَ) ذَلِك الْقرَان (بَعيدا) عَمَّا هُوَ الْمُتَعَارف فِي المحاورات، لكَون الْمُتَعَارف فِي المحاورات إِرَادَة علية مَا قرن بِهِ لَهُ (وَيُسمى) هَذَا الْقسم الْمُسَمّى بِالْإِيمَاءِ (تَنْبِيها) أَيْضا لِأَنَّهُ كَمَا فِيهِ إِيمَاء إِلَى علية ذَلِك الشَّيْء بِسَبَب ذَلِك الْقرَان كَذَلِك فِيهِ تَنْبِيه عَلَيْهَا أَيْضا (كقران) قَول النَّبِي ﷺ (أعتق) رَقَبَة (بواقعت) أَي بقول الْأَعرَابِي " واقعت فِي نَهَار رَمَضَان يَا رَسُول الله " كَذَا ذكر الحَدِيث فِي كتب الْأُصُول، وَالْمَذْكُور فِي الصِّحَاح السِّتَّة عَن أبي هُرَيْرَة " أَتَى رجل النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكت، قَالَ مَا شَأْنك؟ قَالَ: وَقعت على امْرَأَتي فِي رَمَضَان، قَالَ: فَهَل تَجِد رَقَبَة تعتقها؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل تَسْتَطِيع أَن تطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا، قَالَ اجْلِسْ، فَأتى النَّبِي ﷺ بعرق فِيهِ تمر، فَقَالَ: تصدق بِهِ، قَالَ: عَليّ أفقر مني يَا رَسُول الله؟ فوَاللَّه مَا بَين لابتيها يُرِيد الحرتين أهل بَيت أفقر من أهل بَيْتِي، فَضَحِك عَلَيْهِ ﷺ حَتَّى بَدَت ثناياه، وَفِي لفظ أنيابه، وَفِي لفظ نَوَاجِذه، ثمَّ قَالَ خُذْهُ فأطعمه أهلك " ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة، فقران قَوْله ﷺ فِي الْجَواب وَقعت إِلَى آخِره يُفِيد علية الوقاع للاعتاق، فَإِن غَرَض السَّائِل بَيَان مُوجب فعله (وَغير مَقْصُود) عطف على مَقْصُود، فَهُوَ الْقسم الثَّانِي

стр. 92

من غير الصريح (وهو الإشارة، ويقال له) أيضا (دلالة الإشارة، وكذا ما قبله) يعني يقال له دلالة اقتضاء، ودلالة الإيماء (كدلالة مجموع) قوله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا)، وقوله تعالى (وفصاله في عامين) على (أن أقل) مدة (الحمل ستة أشهر) لأن المراد أن مدة الحمل والفصال الذي هو الرضاع التام المنتهي إلى الفطام من تسمية الشيء باسم غايته ثلاثون شهرا، وقد حط عنه الفصال حولان لقوله -وفصاله في عامين-، فلم يبق الحمل إلا ستة أشهر. والمقصود من الآية بيان ما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها، فما ذكر يفهم بطريق الإشارة. لا يقال لم لا يجوز أن يراد أن كل واحد من الحمل والفصال أكثر مدته ثلاثون. لأنه ينفيه قوله تعالى -والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة-، وعليه ما قيل في الآية دليل على أن مدة أكثر الرضاع سنتان كما هو قول الإمامين والأئمة الثلاثة. وقال الإمام: إن الثلاثين توقيت لكل على حدة إلا أنه وجد المنقص في مدة الحمل، وهو قول عائشة ﵂: "ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول عمود المغزل"، وبقي مدة الفصال على ظاهرها، فلا يكون في الآية على هذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر لعدم التبعيض حينئذ، وفيه أنه يلزم حينئذ إبطال ما يدل عليه الكتاب بخبر الواحد فتدبر (و) دلالة (آية) أحل لكم (ليلة الصيام الرفث، على جواز الإصباح جنبا) وقد مر بيانه (وليس شيء منهما) أي حق كون أقل الحمل ستة، وجواز الإصباح جنبان (مقصودا باللفظ بل لزم) كل منهما (منه) أي من اللفظ كما بينا (وكدلالة) ما يعزى إليه ﷺ في صفة النساء من أنه قال (تمكث) إحداهن (شطر عمرها لا تصلي) البيهقي أنه لم يجده وقال ابن الجوزي: لا يعرف، وعن النووي أنه باطل (على أن أكثر الحيض خمسة عشر) يوما كما هو مذهب الشافعي ﵀، وكذا أقل الطهر، لأن المراد بالشطر النصف (وثم) مناط الاستدلال، وهو كون المراد بالشطر النصف (لكن القطع بعدم إرادة حقيقة النصف به) أي بالشطر ههنا (لأن أيام الإياس والحبل والصغر من العمر) ولا حيض فيها (ومعتادة خمسة عشر لا تكاد توجد ولا يثبت حكم العموم) وهو الحكم بانتفاء الصلاة في نصف عمر كل امرأة (بوجوده) أي الحكم المذكور (في فرد نادر) إن سلم تحققه (واستعمال الشطر في طائفة من الشيء) أي بعض منه سواء كان نصفا أو لا (شائع) في الكلام كما في قوله تعالى: فول وجهك شطر المسجد الحرام) في القاموس الشطر نصف الشيء وجزؤه، ومنه حديث الإسراء "فوضع شطرها" أي بعضها، والجهة انتهى، وتفسير ما في الآية بالبعض أنسب

стр. 93

بما ذهب إليه الشافعي في الاستقبال، وبالجهة أنسب بما ذهب إليه أصحابنا (ومكثت شطرا من الدهر فوجب كونه) أي المذكور، وهو طائفة من الشيء (المراد به) أي بالشطر (في المروي) لتعذر إرادة النصف مع شيوع إرادة البعض مطلقا، وقد استبان لك أن الصريح من المنطوق على اصطلاحهم يندرج في العبارة على اصطلاحنا، وغير الصريح منه إن كان مقصودا من اللفظ أحد قسميه، وهو الإيماء كذلك، والآخر هو الاقتضاء قسيم لها كما كان قسيما لها عندنا، وإذا لم يكن مقصودا منه فهو إشارة عندنا وعندهم (والمفهوم) ينقسم (إلى مفهوم موافقة) بالإضافة إلى المصدر لحصول فهم المدلول فيه بسبب موافقة المسكوت للمذكور في المناط، أو لموافقتهما في الحكم (وهو) أي مفهوم الموافقة (فحوى الخطاب) أي يسمى به، وفحوى الخطاب معناه، وذلك لأن مدلوله يفهم بمجرد الخطاب، مع أن اللفظ غير مستعمل فيه (ولحنه) أي ويسمى لحن الخطاب أيضا: أي معناه. قال الله تعالى -ولتعرفنهم في لحن القول-، واللحن قد يطلق على اللغة، وعلى الفطنة أيضا، والمناسبة في كل منهما ظاهرة (ما ذكرنا) من دلالة اللفظ على حكم منطوق لمسكوت يفهم مناطه بمجرد اللغة (من الدلالة) أي دلالة النص (إلا أن منهم) أي الشافعية (من شرط أولوية المسكوت بالحكم) من المذكور (ولا وجه له) أي لهذا الشرط (إذ بعد فرض فهم ثبوته) أي الحكم (للمسكوت كذلك) أي لفهم مناطه بمجرد اللغة (لا وجه لإهدار هذه الدلالة) غاية الأمر كون الاحتجاج بما فيه الشرط المذكور أقوى، عن الواسطي أن اشتراط الأولوية ظاهر المنقول عن الشافعي، وعليه يدل كلام أكثر أئمتنا، وطريقة الإمام الرازي وأتباعه أنه لا يشترط (وعبارتهم) أي الشارطين (تنبيه بالأدنى على الأعلى) مثل قوله تعالى -فلا تقل لهما أف- (وقلبه) أي بالأعلى على الأدنى (مثل) قوله تعالى -ومن أهل الكتاب من إن تأمنه (بقطنار) يؤده إليك- كعبد الله بن سلام: استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه، فإنه يدل على أنه إذا ائتمن على دينار يؤديه بالطريق الأولى (وقد يكتفى بالأول) وهو تنبيه بالأدنى على الأعلى كما فعله ابن الحاجب (على أن يراد بالأدنى مناسبة للحكم) اللام للتقوية، لا صلة المناسبة، يعني كونه أدنى باعتبار مناسبته للحكم في حد ذاته لا باعتبار دلالته على كمال المحكوم عليه في الحكم بعد ما أثبت (فالقنطار) في حد ذاته (أقل مناسبة بالتأدية من الدينار) لغلبة الشح على النفس في المال الكثير، والمانع عن التأدية دون القليل فإنه مبذول عادة (والدينار أقل مناسبة بعدمها) أي التأدية (منه) أي القنطار، فإذا ثبت الحكم مع وجود ما لا يناسبه، وهو القنطار المناسب لعدم التأدية لزم ثبوته مع وجود

стр. 94

مَا يُنَاسِبه، وَهُوَ الدِّينَار الْمُنَاسب بالتأدية (ولاعتبار الْحَنَفِيَّة) الْمَسْكُوت (الْمسَاوِي) للمنطوق فِي الحكم ومناطه (أثبتوا الْكَفَّارَة) على الْأكل فِي رَمَضَان من غير مُبِيح شَرْعِي، وَلَا شُبْهَة مُلْحقَة بِهِ (بعمد الْأكل كالجماع) أَي كَمَا أثبتها النَّص الْمَذْكُور فِي الْكتب السِّتَّة فِي الْجِمَاع الْعمد والمناط المستوي فِيهِ الْأكل، وَالْجَامِع تَفْوِيت ركن الصَّوْم اعتداء، وَإِنَّمَا حكمنَا بِكَوْنِهِ مناطا (لتبادر أَنَّهَا): أَي الْكَفَّارَة (فِيهِ) أَي الْجِمَاع (لتفويت الرُّكْن اعتداء). وَمن أَسبَاب الْعلم بالمناط تبادره من النَّص، كَيفَ وَالْجِمَاع من حَيْثُ ذَاته لم يكن محرما؟ وَمَا ثمَّ إِلَّا كَونه مفوتا لركن الصَّوْم عمدا، وَلَا شكّ فِي مساواتهما فِي معنى التفويت، والركن فِي اللُّغَة الْجَانِب الْقوي، وَفِي الشَّرْع جُزْء الشَّيْء إِذا كَانَ لَهُ جزآن فَصَاعِدا وَإِلَّا فنفسه، وَالْمُصَنّف ﵀ صرح فِي شرح الْهِدَايَة فِي الصَّوْم بِأَن رُكْنه وَاحِد، وَهُوَ الْكَفّ عَن كل مِنْهَا: أَي الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع. وَقَالَ فتساوت كلهَا فِي أَنَّهَا مُتَعَلق الرُّكْن لَا يفضل وَاحِد على أَخَوَيْهِ بِشَيْء فِي ذَلِك انْتهى، وَالْمرَاد بالاعتداء: الْعدوان وَالظُّلم بتعمد الْإِفْسَاد، وَقد يُقَال لَا، ثمَّ أَن الْمُتَبَادر مُجَرّد تَفْوِيت الرُّكْن، بل تفويته على نَفسه وعَلى غَيره مَعَ زِيَادَة خصوصيات جماعية مُوجبَة لكَمَال الْفَضِيلَة فَتدبر (وَلما انقسم) مَفْهُوم الْمُوَافقَة (إِلَى قَطْعِيّ) هُوَ مَا يكون فِيهِ التَّعْلِيل بِالْمَعْنَى، وَكَونه أَشد مُنَاسبَة للفرع قطعيين على مَا ذكره القَاضِي عضد الدّين وَالظَّاهِر أَنه مَبْنِيّ على رَأْي شارط الْأَوْلَوِيَّة وَإِلَّا يَكْفِي قَطْعِيَّة التَّعْلِيل بِالْمَعْنَى ووجوده بالمسكوت (كَمَا سبق) من الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة (وظني) وَهُوَ مَا فِيهِ أحد الْمَذْكُورين ظنيا (كَقَوْل الشَّافِعِي) ﵀ (إِذا وَجَبت الْكَفَّارَة) وَهِي تَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة لمن قدر عَلَيْهِ، وَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين لمن لم يقدر (فِي) الفتل (الْخَطَأ). قَالَ النَّوَوِيّ ﵀ الْعمد: قصد الْفِعْل والشخص بِمَا يقتل غَالِبا: جارح، أَو مثقل، فَإِن فقد قصد أَحدهمَا بِأَن وَقع عَلَيْهِ فَمَاتَ، أَو رمى شَجَرَة فَأَصَابَهُ فخطأ (وَغير الْغمُوس) أَي وَوَجَبَت الْكَفَّارَة، وَهِي إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا يطعم الشَّخْص أَهله، أَو كسوتهم، أَو تَحْرِير رَقَبَة فِي حق المستطيع، وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام إِذا يسْتَطع فِي الْيَمين المنعقدة، وَهِي الْحلف على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل ليفعله أَو يتْركهُ بِالنَّصِّ على ذَلِك (ففيهما) أَي فوجوب الْكَفَّارَة فِي الْقَتْل الْعمد الْمَفْهُوم بِذكر مُقَابِله، والغموس وَهُوَ الْحلف على أَمر حَال، أَو مَاض يتَعَمَّد فِيهِ الْكَذِب (أولى) من وُجُوبهَا فِي الْأَوَّلين (لفهم الْمُتَعَلّق) تَعْلِيل لقَوْل الشَّافِعِي ﵀: أَي قَالَ ذَلِك، لِأَنَّهُ فهم من النصين الدالين على وجوب التَّعَلُّق فِي الْمَنْطُوق أَن الحكم فيهمَا مُتَعَلق (بالزجر) على ارتكابهما تعلق الْمَعْلُول بعلته، وَأَن الْعمد والغموس أَشد مُنَاسبَة بِهَذِهِ الْعلَّة، فَهُوَ أولى بالحكم، وَذَلِكَ لِأَن احتياجهما إِلَى الزّجر أَكثر،

стр. 95

وَهَذَا الْفَهم ظَنِّي لعدم مَا يُفِيد الْقطع بِهِ، وَمن ثمَّ لم يُوَافقهُ أَصْحَابنَا، بل ذَهَبُوا إِلَى أَن المناط فيهمَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لَا بتدارك مَا فرط) عطف على قَوْلهمَا بالزجر: أَي لَا التَّعَلُّق مثلا فِي مُسَافر قصر من التثبت فِي الرَّمْي، والتحفظ عَن هتك حُرْمَة اسْم الله تَعَالَى بترك الْيَمين، أَو بِعَدَمِ ارْتِكَاب مَا يُوجب الْحِنْث (بالثواب) الْحَاصِل بِالْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي أَن معنى الْعِبَادَة فِيهَا أغلب، أَو الْعقُوبَة، فعلى الأول يتَرَجَّح تعلقهَا بالتدارك، وعَلى الثَّانِي بالزجر، والأغلب فِيهَا عندنَا الأول، وَعِنْده الثَّانِي، وَلَا يخفى أَن مَا يتدارك بِهِ الأخف لَا يصلح لِأَن يتدارك بِهِ الأغلظ، والعمد من أكبر الْكَبَائِر، والغموس كَبِيرَة مَحْضَة مَعْدُودَة فِي الْخَبَر الصَّحِيح من الْكَبَائِر. وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة عِنْد قَوْله وَلَا كَفَّارَة فِيهَا: أَي فِي الْغمُوس إِلَّا التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء: مِنْهُم مَالك وَأحمد (جَازَ الِاخْتِلَاف فِيهَا) جَوَاب لما، يَعْنِي لما كَانَ قسم مِنْهَا ظنيا محلا للِاجْتِهَاد جَازَ الِاجْتِهَاد فِيهَا، وتفرع عَلَيْهِ جَوَاز الِاخْتِلَاف فِيهَا، وَلَو كَانَ كلهَا قَطْعِيا لما جَازَ ذَلِك (وَالْخَطَأ) عطف على الِاخْتِلَاف (كَمَا ذكرنَا) لِأَن جَوَاز الِاخْتِلَاف يسْتَلْزم جَوَاز الْخَطَأ لعدم إِمْكَان صوابية الْقَوْلَيْنِ الْمُخْتَلِفين، (وَلذَا) أَي لجَوَاز الِاخْتِلَاف فِي دلَالَة النَّص بِنَاء على الِاخْتِلَاف فِي فهم المناط (فرع أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وجوب الْحَد باللواطة على دلَالَة نَص وُجُوبه) أَي الْحَد (بِالزِّنَا بِنَاء) عِلّة للتفريع، أَو الدّلَالَة (على تعلقه) أَي تعلق وجوب حد الزِّنَا (بسفح المَاء) أَي إِرَاقَة الْمَنِيّ (فِي مَحل محرم مشتهي وَالْحُرْمَة قَوِيَّة) حَال من مفعول فرع: أَي فرع وجوب حد اللواطة عَلَيْهَا حَال كَون الْحُرْمَة الْمُقْتَضِيَة ذَلِك الْوُجُوب أقوى من الْحُرْمَة الْمُوجبَة حد الزِّنَا لكَونهَا مُؤَبّدَة لَا تنكشف بِحَال، بِخِلَاف الْأُخْرَى لانكشافها فِي بعض الْمحَال بِملك النِّكَاح أَو الْيَمين، وَبِه أَفَادَ أَوْلَوِيَّة الْمَسْكُوت بالحكم هَذَا، وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة ذَهَبُوا إِلَى مَا ذَهَبا (وَالْإِمَام) أَبُو حنيفَة ﵀ يمْنَع وجوب الْحَد باللواطة، فَإِنَّهُ (يَقُول السفح) بِالزِّنَا (أَشد ضَرَرا) من السفح باللواطة (إِذْ هُوَ) أَي السفح بِالزِّنَا (إهلاك نفس معنى) يُؤَيّدهُ أَنه قرن بَينه وَبَين الْقَتْل فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ -، قيل لِأَنَّهُ مفض إِلَى الْإِثْبَات ظَاهرا وَإِذا ثَبت وَلَيْسَ لَهُ مرب وَلَا قيم لعجزهن عَن الِاكْتِسَاب يهْلك الْوَلَد، وَالْأَوْجه أَن يُقَال الإهلاك الْمَعْنَوِيّ لهتك الْعرض بِعَدَمِ النّسَب، وَفِي الحَدِيث " عرض الْمُؤمن كدمه "، وَعدم الاتصاف بالكمالات العلمية والعملية، والاتصاف بالرذائل مِمَّا يُنَاسب مثبته السوء، فَإِن عجز النِّسَاء والهلاك لعدم من ينْفق لَا عِبْرَة بِهِ مَعَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ - على أَن الزَّانِيَة لَا تعجز (وَهُوَ) أَي القَوْل الْمُعَلل مَبْنِيّ (على اعْتِبَاره) أَي الإهلاك الْمَذْكُور

стр. 96

(المناط) ثاني مفعولي الاعتبار: أي قوله المذكور مبني على أنه جعل مناط وجوب حد الزنا السفح المفضي إلى الإهلاك (لا مجرده) معطوف على ضمير اعتباره: أي لا اعتبار مجرد سفح الماء في محل محرم مشتهى، لتكون اللواطة مشاركة في هذا المعنى، ولا يخفى عليك أن قوله على اعتباره المناط ظاهره يدل على أنه المناط استقلالا، وقوله لا مجرده يدل على أنه جزء منه والتوجيه ظاهر (والشهوة) المأخوذة في المناط الموجودة في الزنا (أكمل) من الشهوة الكائنة في اللواطة، فإذا اعتبر في المناط تلك الشهوة لزم عدم تحققه فيها، والجملة حال عن المناط، يعني يجعل الإهلاك عن المناط حال كون الشهوة المعتبرة فيه المتحققة في الزنا أكمل (لأنها) أي الشهوة في الزنا (من الجانبين) لميلانهما إليه بالطبع بخلاف اللواطة لعدم ميل المفعول فيه بالطبع إليها، على ما هو الأصل في الجبلة السليمة، ونقصان الشهوة في المفعول فيه يستدعي نقصانها في الفاعل، لأن زيادة جاذبة المحبوب توجب زيادة محبة المحب، ولأنه يصدر عنه حينئذ أفعال تقتضي زيادة هيجان الشهوة. فإن قلت سلمنا التفاوت بين الشهوتين، لكن لا نسلم اعتبار تلك الزيادة في المناط. قلنا لا بد أن يعتبر، لأن زيادة التلذذ في المعصية يستدعي زيادة التشديد فيما يترتب عليها لما بين العمل والجزاء من المماثلة، فاللواطة لا تشارك الزنا في مناط الحكم فلا دلالة في نص وجوب حده على وجوب حدها (وهذا) القول (أوجه) من قولهما لما مر من اشتماله على اعتبار قيدين ينبغي اعتبارهما في المناط (والترجيح) الذي ذكرناه (بزيادة قوة الحرمة) في اللواطة على الحرمة في الزنا (ساقط) عن درجة الاعتبار عند انعدام تحقق المناط على ما بينا. قال الشارح في بيان السقوط: ألا ترى أن حرمة الدم والبول فوق حرمة الخمر من حيث إن حرمتهما لا تزول أبدا، وحرمتهما [وحرمتها] تزول بالتخليل، مع أنه لا يجب الحد بشربهما انتهى، ولا يخفى عليك أن الحرمة مأخوذة في المناط اتفاقا، فزيادة قوتها في اللواطة تصلح لأن تكون موجبة لأولويتها بالحكم لولا المانع، وهو عدم الإهلاك في اللواطة والأكملية، وليس في مناط حد الخمر ما يزداد قوته بما ذكر في البول فتدبر (وكذا قولهما بإيجاب القتل بالمثقل) أي كما أن قوله بعدم إيجاب الحد باللواطة بدلالة نص الزنا أوجه من قولهما كذلك قولهما بإيجاب القتل قصاصا بالقتل عمدا بالمثقل الذي لا يحتمله البنية بدلالة نص إيجاب القتل بالمثقل بما يفرق الأجزاء كالسيف أوجه من قوله (لظهور تعلقه) أي إيجاب القتل بما يفرق الأجزاء (بالقتل العمد العدوان) وعدم اعتبار خصوصية تفريق الأجزاء في الآلة، وإنما المعتبر كونها قاتلة عادة، لأن العمد، وهو القصد معتبر في قوله تعالى -كتب عليكم القصاص في القتلى-، لقوله ﵇ في بيان موجب القتل العمد قود: أي موجبه، وحكمه الزجر به يتوفر، والعقوبة

стр. 97

المتناهية لا شرع لها دون ذلك، ولا يوقف عليه إلا بدليله، وهو استعمال الآلة القاتلة، فكل من يعرف اللغة يفهم وجوب القود بالمثقل المذكور بالنص المذكور، وإليه أشار بقوله (ويتحقق) القتل العمد العدوان (بما لا تحتمله البنية) من المثقل كما يتحقق بما يفرق الأجزاء، قيل بل ربما كان أبلغ لأنه يزهق الروح بنفسه، والجارح بواسطة السراية (فادّعاء قصوره) أي القتل بالمثقل (في العمدية) كما ذكره بعض المشايخ في وجه قول أبي حنيفة ﵀ (مرجوح) والراجح عند العقل خلافه، وقيل المناط: الضرب بما لا يطيقه البدن، وفي التلويح هو مما لا يفهمه كل من يعرف اللغة، ولذا ذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن الجرح الناقص للبنية ظاهرا وباطنا: بأن يكون مزهقا للروح، مفسدا للطبائع الأربع، فإنه حينئذ تقع الجناية قصدا على النفس الحيوانية التي هي البخار المتكون من ألطف أجزاء الأغذية: السبب للحس، والحركة القوام للحياة، واحترز به عن النفس الإنسانية التي لا تفنى بخراب البدن، فتكون أكمل من لجناية بدون القصد كقتل الخطأ، أو بنقض، ظاهرا فقط كالجرح بدون السراية، أو باطنا فقط كالقتل بالمثقل، ولا يخفى تعلق القود بالقتل العمد العدوان كما ذكره المصنف ﵀، ولا شك في أنه أظهر مما ذهب إليه أبو حنيفة، فلا شك في كون قولهما أوجه. فإن قلت إثبات القصاص بالقتل بالمثقل بطريق القياس غير جائز، لأن الحدود تندرئ بالشبهات، والقياس لا يخلو عنها، فتعين أن يكون بدلالة النص، ويلزمها فهم المناط بمجرد فهم اللغة، وهو يستدعي توارد الأفهام عليه من غير خفاء واختلاف. قلت: لا نسلم استدعاءه ذلك، وإنما يستدعي بداهته، والبداهة لا تنافي الخفاء، وعند الخفاء قد يقع الخلاف (وإلى مفهوم مخالفة) معطوف على مفهوم موافقة (وهو) أي مفهوم المخالفة (دلالته) أي اللفظ (على) ثبوت (نقيض حكم المنطوق للمسكوت، ويسمى) أي مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) ولما كان الدلالة في الأول على ثبوت حكم المنطوق للمفهوم، وفي الثاني على ثبوت نقيضه له ناسب أن يسمى فحوى الخطاب: أي معناه في الأول، وهو ظاهر، ودليل الخطاب في الثاني لحصولها بنوع من الاستدلال ببعض الاعتبارات الخطابية كالوصفية والشرطية (وهو أقسام، مفهوم الصفة) بدل من أقسام، أو مبتدأ خبره محذوف: أي منها (عند تعليق حكم) ظرف للدلالة المفهومة من القسمة: أي منها دلالته على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت الحاصلة من الصفة عند تعليق حكم (بموصوف بمخصص) صفة موصوف: أي بوصف مخصوص (لا كشف) أي لا بوصف كاشف عن معنى الوصف غير مخصص إياه كقوله تعالى -إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعها، وإذا مسه الخير منوعا-، ومن ثم

стр. 98

قَالَ ثَعْلَب لمُحَمد بن عبد الله بن طَاهِر لما سَأَلَهُ مَا الْهَلَع؟ قد فسره الله تَعَالَى، وَلَا يكون تَفْسِير أبين من تَفْسِيره (ومدح وذم) أَي وَلَا بِوَصْف مادح، وَلَا ذام يقْصد بِهِ مُجَرّد الْمَدْح والذم، وَلَا مترجم بِهِ على الْمَوْصُوف، نَحْو جَاءَ زيد الْعَالم، أَو الْجَاهِل، أَو الْفَقِير، وَلَا بِوَصْف مُؤَكد، وَهُوَ مَا موصوفه مُتَضَمّن لمعناه كأمس الدابر لَا يعود (ومخرج الْغَالِب) أَي وَلَا بِوَصْف خرج مخرج الْغَالِب الْمُعْتَاد بِأَن لَا يَنْفَكّ عَن الْمَوْصُوف فِي أَكثر تحققاته، فخروجه وبروزه مَعَ الْمَوْصُوف فِي الذّكر على حسب بروزه مَعَه فِي الْوُجُود، وَلَا يقْصد بِهِ التَّخْصِيص (كاللاتي فِي جحوركم) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم﴾ - جمع ربيبة، بنت زَوْجَة الرجل من آخر، سميت بهَا، لِأَنَّهُ يُرَبِّيهَا غَالِبا كولده، وَإِنَّمَا لحقته الْهَاء، مَعَ أَنه فعيل بِمَعْنى مفعول لصيرورته اسْما، وكونهن فِي حجور أَزوَاج الْأُمَّهَات هُوَ الْغَالِب من حالهن، فوصفهن بِهِ لذَلِك لَا للتخصيص (فَلَا يدل) الْكَلَام الْمُشْتَمل على الْمَوْصُوف بِوَصْف من الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة، أَو قَوْله - ﴿وربائبكم﴾ - الخ (على نفي الحكم عِنْد عَدمه) أَي عدم ذَلِك الْوَصْف، أَو عدم كونهن فِي حجوركم، وَفَائِدَة ذكر الاحتضان تَقْوِيَة الشّبَه بَينهَا وَبَين الْأَوْلَاد المستدعية كَونهَا حَقِيقَة بِأَن تجْرِي مجراهم، وَذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى تَعْمِيم الحكم، وَقد روى عَن عَليّ ﵁ جعله شرطا حَتَّى أَن الْبعيد عَن الزَّوْج لَا يحرم عَلَيْهِ، وَنقل عَن ابْن عبد السَّلَام أَن الْقَاعِدَة تَقْتَضِي الْعَكْس، وَهُوَ أَنه إِذا خرج مخرج الْغَالِب يكون لَهُ مَفْهُوم، لَا إِذا لم يكن غَالِبا، لِأَن الْغَالِب على الْحَقِيقَة تدل الْعَادة على ثُبُوتهَا لَهَا، فالمتكلم يَكْتَفِي بدلالتها عَن ذكره، فَإِنَّمَا ذكره ليدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، وَإِذا لم يكن عَادَة فغرض الْمُتَكَلّم بِذكرِهِ إفهام السَّامع ثُبُوته للْحَقِيقَة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَجَوَاب سُؤال عَن الْمَوْصُوف) أَي وَلَا بِوَصْف ذكر فِي جَوَاب سُؤال عَن مَوْصُوف بِهِ، كَأَن يُقَال هَل فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة؟ فَيَقُول الْمُجيب فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة، فَذكر الْوَصْف لتنصيص الْجَواب فِي مَحل السُّؤَال، فَلَا يدل على عدم الْوُجُوب فِي غَيرهَا (وَبَيَان الحكم لمن هوله) وَلَا بِوَصْف ذكر لبَيَان الحكم لمن لَهُ الْمَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف كَمَا إِذا كَانَ لزيد غنم سَائِمَة، وَأَنت تُرِيدُ بَيَان حكم غنم زيد لَا غَيره، فَتَقول فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة تنصيصا على أَن الْغَرَض بَيَان وجوب الزَّكَاة لأجل زيد (ولتقدير جهل الْمُخَاطب بِحكمِهِ) أَي وَلَا بِوَصْف ذكر لغَرَض جَهَالَة الْمُخَاطب بِحكم الْمَوْصُوف بِاعْتِبَار هَذَا الْوَصْف فَقَط لعلمه بِاعْتِبَار وصف آخر كَمَا إِذا لم يعلم فِي السَّائِمَة مَعَ علمه فِي العلوفة (أَو ظن الْمُتَكَلّم) أَي ولتقدير ظن الْمُتَكَلّم علم الْمُخَاطب بِحَال الْمَسْكُوت كظنه أَن الْمُخَاطب عَالم بِأَنَّهُ لَا زَكَاة فِي المعلوفة (أَو جَهله) أَي لتقدير جهل الْمُتَكَلّم بِحَال الْمَسْكُوت فِيمَا إِذا كَانَ غير الشَّارِع (وَخَوف يمْنَع ذكر حَاله)

стр. 99

وَلَا بِوَصْف ذكر لتقدير خوف يمْنَع الْمُتَكَلّم عَن ذكر السُّكُوت (أَو غير ذَلِك) كَمَا يقتضى تَخْصِيصه بِالذكر، فَإِن مَفْهُوم الصّفة إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِذا لم يكن لذكرها فَائِدَة أُخْرَى (كفى السَّائِمَة الزَّكَاة يُفِيد) الْوَصْف بالسوم (نَفْيه) أَي نفي الحكم، وَهُوَ وجوب الزَّكَاة (عَن العلوفة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: أَي المعلوفة، وَالْقَائِل بِمَفْهُوم الصّفة الشَّافِعِي وَأحمد والأشعري وَكثير من الْعلمَاء: ﵃، ونفاه أَبُو حنيفَة ﵁ وَابْن سُرَيج وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْقَاضِي أَبُو بكر وَالْغَزالِيّ ﵁ والمعتزلة. (وَالشّرط على شَرط) أَي وَمَفْهُوم الشَّرْط عِنْد تَعْلِيق حكم على شَرط، فَإِنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاء الشَّرْط، فَيثبت نقيضه، والعاطف إِمَّا لعطف الشَّرْط على الصّفة، والظرف وَمَا أضيف إِلَيْهِ مُقَدّر بِقَرِينَة السِّيَاق، أَو لعطف الشَّرْط وَمَا بعده على الصّفة وصلَة التَّعْلِيق، أَعنِي الْمَوْصُوف، والعطف على معمولي عاملين مُخْتَلفين جَائِز مُطلقًا عِنْد الْأَخْفَش إِلَّا إِذا وَقع فصل بَين العاطف والمعطوف الْمَجْرُور، وَكَذَا على مَا هُوَ الْمُخْتَار وَابْن الْحَاجِب إِذا كَانَ الْمَجْرُور مقدما مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كن أولات حمل فأنفقوا عَلَيْهِنَّ فَلَا نَفَقَة لمبانة غَيرهَا﴾ أَي غير الْحَامِل، علق إِيجَاب النَّفَقَة على كَون المبانة ذَات حمل، فَدلَّ على عدم وُجُوبهَا غير حَامِل، وَقيد الْمُطلقَة بالمبانة لوُجُوب نَفَقَة الْمُطلقَة الرَّجْعِيَّة إِجْمَاعًا حَامِلا كَانَت أَو لَا. (والغاية) أَي وَمَفْهُوم الْغَايَة (عِنْد مده) أَي الحكم الثَّابِت للمنطوق (إِلَيْهَا) أَي إِلَى الْغَايَة، لِأَن ذكر الْغَايَة يدل على انتهائه عِنْدهَا، فَلم يثبت للمسكوت الَّذِي هُوَ بعد الْغَايَة، فَيثبت لَهُ نقيضه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلَا تحل لَهُ من بعد حَتَّى تنْكح﴾ زوجا غَيره، فَإِن حكم الْمَنْطُوق، وَهُوَ عدم الْحل انْتهى عِنْد نِكَاح الزَّوْج الآخر (فَتحل) للْأولِ (إِذا نكحت) غَيره وَانْقَضَت الْعدة، فالمسكوت عَنهُ نِكَاح الأول يعد نِكَاح الثَّانِي، ونقيض الحكم الْحل. (وَالْعدَد) أَي وَمَفْهُوم الْعدَد، وَهُوَ دلَالَته على ثُبُوت نقيض حكم الْمَنْطُوق (عِنْد تَقْيِيده) أَي حكم الْمَنْطُوق (بِهِ) أَي بِالْعدَدِ الْمَسْكُوت فِيمَا عدا الْعدَد كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ فَإِنَّهُ يدل على نفي الْوُجُوب عَن الزَّائِد على الثَّمَانِينَ كَمَا يدل على وُجُوبهَا بِسَبَب تَقْيِيد الْوُجُوب بِالْعدَدِ الْمَذْكُور (فَرجع الْكل) أَي الشَّرْط والغاية وَالْعدَد (إِلَى الصّفة معنى) لِأَن الْمَقْصُود من الصّفة تَخْصِيص الْمَنْطُوق، وَهُوَ حَاصِل فِي الْكل، وَلَيْسَ الْمَقْصُود عدم التَّفَاوُت بَين الْمَذْكُورَات بِوَجْه حَتَّى يرد أَنه لَو كَانَ الْكل سَوَاء لما وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْقَائِلين بهَا، فالشافعي وَأحمد والأشعري وَأَبُو عبيد من اللغويين، وَكثير من الْفُقَهَاء والمتكلمين قَالُوا بِمَفْهُوم الصّفة. وَقَالَ بِمَفْهُوم الشَّرْط كل من قَالَ بمفهومها، وَبَعض من لم يقل بِهِ

стр. 100

كابن سريج وأبي الحسن [؟ الحسين] البصري. وقال بمفهوم الغاية كل من قال بمفهوم الشرط، وبعض من لم يقل به كالقاضي عبد الجبار، فإن كل من يرد الكل إليها يريد بها ما هو أعم من النعت: أي ما يفيد معنى تخصيص المنطوق، والتفاوت إنما هو بين الصفة بمعنى النعت وباقي الأقسام، ثم قالوا أقواها مفهوم الغاية، ثم الشرط، ثم الصفة، وثمرته تظهر في الترجيح عند التعارض (والاتفاق) بين القائلين بالمفهوم على (أنه) أي المفهوم (ظني) وإلا لما كان للاجتهاد مجال (ومفهوم اللقب) لم يقل واللقب تنبيها على أنه ليس في عدد تلك الأقسام، ولذا لم يقل به إلا شذوذ كما سيشير إليه (وهو تعليق بجامد) أي ودلالة تعليق حكم بجامد على نفيه عن غيره، والمراد دلالة اللفظ على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عند تعليقه بجامد (كفي الغنم زكاة) أي نفي مفهوم اللقب (سوى شذوذ على ما سنذكر، والحنفية ينفونه) أي مفهوم المخالفة (بأقسامه في كلام الشارع فقط) قال الكردري: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه في خطابات الشرع، فأما في متفاهم الناس وعرفهم وفي المعاملات والعقليات فيدل انتهى. ثم لما وافق أصحابنا الشافعية في غالب أحكام الأمثلة السابقة، وكان ذلك موهما كونهم قائلين بمفهوم المخالفة أزال ذلك بقوله (ويضيفون حكم الأولين) مفهوم الصفة والشرط (إلى الأصل) وهو العدم الأصلي بحكم الاستصحاب وإبقاء ما كان على ما كان، وإنما أخرج المنطوق من ذلك الحكم الأصلي لمكان النطق المصرح بخلافه، فما سواه أبقي على حاله (إلا لدليل) يعني حكم الموصوف عند اتصافه بوصف آخر، والمشروط عند عدم الشرط إنما هو العدم الأصلي دائما إلا إذا بت له حكم حادث لدليل اقتضى ذلك (والأخيرين) أي ويضيفون حكم ما بعد الغاية وما وراء العدد (إلى الأصل الذي قرره السمع) أي الشرع من العمومات وغيرها كقوله تعالى -وأحل لكم ما وراء ذلكم-: في حل نكاح المطلقة ثلاثا بعد نكاح الزوج الثاني، وعموم المنع من الأذى الدال على حرمة الضرب بعد الثمانين في القذف، ولعل تخصيص الأصل في الأخيرين بتقرير السمع بحكم الاستقراء بأن وجدوا موادهما كلها داخلة تحت أصل قرره السمع، بخلاف الأولين (ويمنعون نفي النفقة) للمبانة التي ليست بحامل، جواب إشكال وهو أنكم قلتم يضاف حكم الأولين إلى الأصل، ولا يستقيم ذلك في المبانة المذكورة، لأن الأصل فيها وجوب النفقة ما دامت في العدة، لأن النفقة في مقابلة احتباسها له: نعم كان الأصل عدم الوجوب قبل النكاح لكنه انعكس الأمر بناء على علته، فأجيب بمنع نفيها، فإن نفقتها واجبة عندنا (وألحق بعض مشايخهم) أي الحنفية

стр. 101

(بالمفهوم) المخالف في النفي (دلالة الاستثناء) فقال ليس فيه دلالة على ثبوت نقيض حكم الصدر لما بعد إلا (والحصر) أي وألحق أيضا دلالة الحصر على نفي الحكم عما عدا المحصور فيه كما في الصحيحين من قوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات). اختلف في إنما، فقيل لا تفيد الحصر فهو إن وما مؤكدة، فقوله تعالى -إنما أنت نذير- في قوة إنك نذير، وقيل: تفيده بالمنطوق، وقيل بالمفهوم فينفى الحكم عما يقابل المذكور في الكلام آخرا، فالمعنى صحة الأعمال أو ثوابها بالنيات لا بدونها (والعالم زيد) فقيل لا يفيد الحصر أصلا، وقيل يفيد بالمنطوق، وقيل بالمفهوم، دليل الأول أنه لو أفاد أفاد عكسه: أي زيد العالم، واللازم باطل، ودليل الثاني أن العالم لا يصلح للجنس، لأن الحقيقة الكلية ليست زيدا الجزئي، ولا لمعين لعدم القرينة، فكان لما صدق عليه الجنس مطلقا، فيفيد أن كل ما صدق عليه العالم زيد الجزئي، وهو معنى الحصر الادعائي، ودليل الثالث أن وضع اللغة لا يقتضي إلا إثبات زيد العالم، فالحصر إنما يفهم بعرف الاستعمال، والمختار عند المصنف ﵀ ما أفاد بقوله (وهو) أي ما ذكر من دلالة الاستثناء والحصر (عندنا عبارة ومنطوق إلا في حصر اللام والتقديم) فإن دلالتهما ليست بعبارة ولا منطوق (فما) أي فدلالة الحصر (بالأداتين) حرف الاستثناء، وإنما (ظاهر) كونه عبارة ومنطوقا (وسيعرف) كل واحد في موضعه مفصلا (وقد نفوا) أي الحنفية (اليمين عن المدعى بحديث "البينة على المدعي) واليمين على المدعى عليه" المخرج في الصحيحين (بواسطة العموم) أي عموم اليمين المستفاد باللام الاستغراقية، فإنه في قوة كل يمين عليه، أو عموم البنية، فإنه إذا كان كل بينة على المدعى يلزم أن لا يكون عليه يمين أصلا، فإنه لو فرض لزوم يمين عليه لزم أن يكون على خصمه، وهو المدعى عليه البينة، فلم تكن كل بينة على المدعي (فلم تبق يمين) تستحق (عليه) أي على المدعى. وحاصل هذا الكلام تضعيف نسبة مانعي دلالة الحصر على النفي إلى الحقيقة، لأن كلامهم مشحون باعتبارها (وقيل العدد اتفاق) أي اعتبار مفهوم العدد متفق عليه بين القائلين بمفهوم المخالفة وبين أصحابنا (لقول الهداية) في دفع قول الشافعي ﵀: لا يجب الجزاء على المحرم بقتل ما لا يؤكل من الصيد كالسباع لأنها جبلت على الأذى، فدخلت في الفواسق المستثناة، ولنا أن السبع صيد لتوحشه، وكونه مقصودا بالأخذ لجلده، أو ليصاد به، أو لدفع أذاه، والقياس على الفواس ممتنع (لما فيه من إبطال العدد) المذكور في حديث الصحيحين "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة"، فإن تجويز قتل

стр. 102

غيرها إلحاقا بها ينفي فائدة ذكر العدد الخاص مع التصريح بأسامي المعدودات. فإن قلت لم لا يجوز أن تكون فائدته نفي حل قتل ما ليس في معنى واحد منها. قلت: إذن يكفي ذكر المعدودات من غير ذكر العدد (والحق أن نفي الزائد) أي نفي حل قتل ما سوى هذه الخمسة من الصيد البري إذا قلنا به إنما هو (بالأصل) الذي أفاده السمع، وهو قوله تعالى -وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما- لا بالمفهوم المخالف للعدد المذكور. قال الشارح فلا يرد قتل الذئب، لأنه ليس من الصيد في ظاهر الرواية، وهذا مخالف لما سبق (وقوله) أي صاحب الهداية (يكفي إلزاما) يعني في مقام المناظرة أن يكون بحثا إلزاميا، فإن الخصم قائل بمفهوم العدد (على ما ظن) من كونه إلزاما للشافعي ﵀، وهو ينفصل عنه لأنه يقدم القياس على المفهوم (لكنهم) أي الحنفية (قد زادوا على الخمس) استدراك عما يفهم من قوله من أن الحنفية ما زادوا على الخمس شيئا، فإنهم زادوا قتل الذئب ابتداء قول الكرخي ﵀ وتبعه صاحب الهداية والمحيط، وظاهر الرواية أنه ليس بصيد، وفي البدائع الأسد والذئب والنمر والفهد يحل قتلها ولا شيء فيها، وإن لم تصل لأنها تبتدئ بالأذى، وبالجملة اختلفت أقوال المشايخ ﵏ في اعتبار مفهوم العدد والزيادة على الخمس، والمصنف جزم بالزيادة ولم يصح عنده بالاتفاق على اعتبار مفهوم العدد، بل يصح خلافه (قالوا) أي القائلون بمفهوم الصفة (صح عن أبي عبيد) بلفظ المصغر بلا هاء كما ذكره الأكثرون، وهو القاسم بن سلام الكوفي أو بها كما ذكر إمام الحرمين، وهو معمر بن المثنى (فهمه) أي مفهوم الصفة (من لي الواجد، ومطل الغني) أي من الحديث الحسن الذي أخرجه أحمد وإسحاق والطبراني "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" وليه بفتح اللام مطله، وهو مدافعته والتعلل في أداء الحق الذي عليه، وحل عرضه أن يقول مطلني، وعقوبته الحبس: ذكره النجاري [؟ البخاري] عن سفيان الثوري، وذكر أحمد وإسحاق عنه حل عرضه أن يشكوه انتهى، فقال يدل على أن لي من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته، ومن الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري وغيره "مطل الغني ظلم" فقال يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم اعتبارا لمفهوم الصفة، فإن الواجد والغني صفتا مقدر: أي المديون، والمراد بالغنى: القدرة على الإيفاء (وكذا) صح (عن الشافعي) ﵀ فهم مفهوم الصفة (نقله) أي الفهم المذكور (عنه خلق) كثيرون (وهما) أي أبو عبيد والشافعي رحمهما الله (عالمان باللغة) وفهما ذلك من مجرد اللفظ من غير اجتهاد، فيجب كون ما فهماه مدلوله (وعورض) الاستدلال المذكور (بقول الأخفش ومحمد بن الحسن) بخلاف ذلك، وهما إمامان في العربية: أما الأخفش فهو من الثلاثة

стр. 103

المشهورين أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد شيخ سيبويه، وأبو الحسن سعيد بن مسعدة صاحب سيبويه، وأبو الحسن علي بن سليمان صاحب ثعلب والمبرد، وأما محمد فناهيك به، وقد روى الخطيب بإسناده عنه قال: ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفا على الحديث والفقه (ولو ادعى) على صفة المجهول (السليقة في الشافعي) أي مذاق العربية فيه ذوقا طبيعيا، وفي القاموس يتكلم بالسليقة: أي عن طبعه، لا عن تعلم (فالشيباني) يعني محمد بن الحسن منسوب إلى شيبان، وهي قبيلة من العرب، والخبر محذوف: أي مثله، وكذلك (مع تقدم زمانه) على زمان الشافعي ﵀، فإنه ولد سنة اثنين وثلاثين ومائة، وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة، والشافعي ﵀ ولد سنة خمسين [و] مائة، وتوفي سنة أربع ومائتين، والمتقدم قد أدرك من صحة الألسنة ما لم يدركه المتأخر، ومن ثم استغنى الصدر الأول عن تدوين علم العربية. وعلى زمان أبي عبيد فإنه توفي سنة أربع وعشرين ومائتين عن سبع وستين أو ثلاث وسبعين، وأيضا رأي المتقدم أقرب إلى الصواب لقوله ﵊ "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم" الحديث، وروي أن كليهما ممن تتلمذ له، وأخذ عنه خصوصا الشافعي ﵀ حتى ذكر أصحابه وغيرهم عنه أنه قال حملت عن محمد بن الحسن وقري بختي كتبا، وأسند الخطيب البغدادي عنه قال ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصح منه: كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته. وقال أبو إسحاق في الطبقات، وروى الربيع قال: كتب الشافعي ﵀ إلى محمد وقد طلب منه كتبا ينسخها فأخرها عنه: قولوا لمن لم تر عين من رآه مثله * ومن كأن من رآه قد رأى من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله * لعله يبذله لأهله لعله وعن أبي عبيد "ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن" (أو العلم) معطوف على السليقة، يعني أو ادعى في الشافعي العلم البالغ إلى حد لم يبلغ إليه علم محمد بن الحسن (وصحة النقل) أي وادعى أنه صح عنه نقل ذلك (للأتباع) أي لكثرة الأتباع، وكونهم ثقات (فكذا) أي الشيباني مثله في العلم، وصحة النقل عنه لكثرة أصحابه، وكونهم ثقات، وبهذا تبين ضعف ما قيل من أن أبا يوسف ومحمدا لم يكونا مجتهدين على الإطلاق، بل من المجتهدين في المذهب. (فإن قيل) الدليل (المثبت) للحكم (أولى) بالقبول من الدليل النافي إياه عند التعارض، ودليل القائل بمفهوم الصفة مثبت للحكم فهو أولى بالقبول من الدليل النافي إياه عند التعارض، ودليل خصمه ينفيه، فإن القائل يقول يدل اللفظ عليه، وخصمه يقول لا يدل عليه: وذلك

стр. 104

لأن المنفي لعدم الوجدان، وهو لا يدل على عدم الوجود إلا ظنا، والإثبات للوجدان، وهو يدل عليه قطعا. (قلنا ذلك) أي كونه أولى إنما هو (في نقل الحكم عن الشارع و) نقل (نفيه) لأن الإحاطة بالنفي هناك غير ممكن فعدم الوجدان، وهو لا يدل على عدم الوجود إلا ظنا (أما هنا) أي فيما نحن فيه من إثبات المفهوم ونفيه بحسب اللغة (فلا أولوية) للمثبت على النافي لإمكان الإحاطة بالنفي للحاذق بمعرفة اللغة (وسيظهر) وجها قريبا (قالوا) أي المثبتون مطلقا (لو لم يدل) الكلام المشتمل على ما ذكر من الصفة والشرط والغاية واللقب (على نفي الحكم) عن المسكوت (خلا التخصيص) أي تخصيص الحكم بأحد المذكورات (عن فائدة) لأن غيره من الفوائد معدوم ظاهرا، واللازم باطل لخروج كلام الله تعالى ورسوله ﷺ عن البلاغة. (أجيب بمنع انحصار الفائدة فيه) أي في نفي الحكم عن المسكوت لجواز أن يكون له فائدة أخرى، وعدم ظهورها بالنسبة إلى بعض الأفهام لا يستلزم عدم ظهورها بالنسبة إلى الكل (و) أجيب أيضا (بأنه) أي ما ذكرتم (إثبات اللغة: أي وضع التخصيص لنفي الحكم عن المسكوت) تفسير للغة، فإنها عبارة عن اللفظ الموضوع، وإثباته بمعنى إثبات وضعه، والتخصيص لما كان من اعتبارات اللفظ الموضوع جعل بمنزلته (فإنه) أي التخصيص متعلق بإثباته (حينئذ) أي حين يجعل دالا على ما ذكر (مفيد) بخلاف ما إذا لم يجعل، فإنه على ذلك التقدير يلزم خلوه عن الفائدة فلا يصار إليه، ويتعين جعله دالا (وهو) أي إثبات اللغة بدليل العقل بدون النقل (باطل) كما عرفت في موضعه. فإن قلت الخلاف في إثبات اللغة بالقياس لا بغيره. قلت منشأ الخلاف كونه إثباتا بالعقل، وهو موجود في التعليل المذكور لأن كون التخصيص مفيدا يحتمل أن لا يجعل سببا للوضع (وتحقيق الاستدلال) بالخلو عن الفائدة فلا يصار إليه على تقدير عدم اعتبار المفهوم (يدفعه) أي هذا الجواب (وهو) أي تحقيقه (أن الاستقراء) أي تتبع اللغة (دل) حاكيا (عنهم) أي عن أهلها على (أن ما من التخصيص) بوصف: أي غيره بيان للموصول (ظن) على صيغة المجهول، وقوله (أن لا فائدة فيه) قائم مقام فاعله، والجملة صلة الموصول (سوى كذا) مما يصلح أن تكون فائدة له، استثناء من الفائدة المنفية (تعين) ذلك الذي استثني منها مرادا من التخصيص المذكور. (وحاصله) أي التحقيق، أو الاستقراء (أن) بالتخفيف (وضع) على المجهول (التخصيص) بالرفع (لفائدة) يعني أن الوضع يعرف بالاستعمال، وقد علم باستقراء مواد التخصيص إرادة فائدة ما من غير تخلف، فعلم أنه وضع لها (فإن ظنت) الفائدة (غير النفي عن المسكوت فهي) أي الفائدة المظنونة هي الموضوع لها التخصيص (وإلا) أي وإن لم تظن

стр. 105

غير النفي المذكور (حمل) التخصيص (عليه) لكونه من أفراد ما وضع له (ولا يخفى أن مفيده) أي وضع التخصيص لما ذكر إنما هو (نقل اللفظ) لأن دلالة الاستقراء التتبع للغة تابعة لدلالة الألفاظ المنقولة إليه، فإفادته وضع التخصيص لما ذكر إفادة نقل اللفظ في الحقيقة. فإن قلت إذا كان التخصيص موضوعا لما ذكر كان دلالته من قبيل المنطوق لا المفهوم. قلت: هو ليس بلفظ ليلزم ذلك (ولا معنى له) أي لكونه موضوعا للفائدة التي تتعين بالظن الذي يختلف (لاختلاف الفهم) ففهم يظن انحصار فائدته في شيء، وآخر في شيء آخر (فكان) وضعه لما ذكر (وضعا للإفادة) ودفع الجهل باعتبار قصد الواضع (مؤديا) بالآخرة (إلى الجهل) باعتبار اختلاف الفهم، وموجبا لاختلاف الكلام لعدم انضباط مدلوله بحسب المفهوم (والاستقراء إنما يفيد وجود الاستعمال) أي استعمال ما فيه تخصيص بالوصف وغيره (ثم غاية ما) قد (يعلم عنده) أي عند وجود الاستعمال (انتفاء الحكم) المنطوق في ذلك الاستعمال (عن المسكوت) وفيه إشارة إلى أن هذا العلم مفقود في أكثر المواد (والكلام بعد ذلك) أي بعد حصول العلم المذكور (في أنه) أي الانتفاء المذكور، هل هو (مدلول اللفظ) أي الذي فيه التخصيص (أو) مدلول (الأصل) الذي هو الاستصحاب، فإن الأصل عدم الحكم للمنطوق خرج عن حكم الأصل بالتصريح، والمسكوت بقي على حاله، أو الذي قرره السمع على ما مر (أو علم الواقع) يعني أو ليس فهم الانتفاء مدلول شيء من اللفظ أو الأصل، بل هو علم حاصل للمخاطب بما هو الواقع، يعني الانتفاء المذكور، فهذه احتمالات لم يرجح واحد منها، فكيف يتعين كونه مدلول اللفظ (لا يفيد ذلك) أي كونه مدلول اللفظ (الاستقراء) بالرفع على الفاعلية، والمفعول ذلك، والجملة تأكيد لما علم ضمنا في قوله الاستقراء إنما يفيد وجود الاستعمال، وفذلكة للكلام السابق (ولهذا) أي لأجل ما ذكرنا من عدم إفادة الاستقراء ذلك إلى آخره (نفاه) أي المفهوم (من ذكرنا من أهل اللغة) من الأخفش ومحمد بن الحسن وغيرهما (مع أن الاستعمالات والمرادات لم تخف عليهم) تأييد لمنع دلالة الاستقراء، بأنه لو دل ما اختص بفهمه من أهل الاستقراء بعض دون بعض، ولما كان قوله: ولهذا نفاه في معرض مناقشة أن ما قبله أفاد التردد في أنه مدلول اللفظ أو لا، فكيف يتفرع عليه نفي كونه مدلولا له، أشار إلى دفعها بقوله (وهذا) أي التردد والنفي (لأن أكثر ما انتفى فيه الحكم عن المسكوت) من الاستعمالات التي شملها (يوافق الأصل) لكون الانتفاء المذكور موجب الأصل الذي هو الاستصحاب، أو الذي قرره السمع، فالنفي المذكور بموجب الأصل مثبت، وباعتبار الفهم من اللفظ منفي لما ذكر من التردد (والاستقراء

стр. 106

يفِيدهُ) أَي كَون الْأَكْثَر مُوَافقا للْأَصْل (فَلَا يتَمَكَّن من إثْبَاته) أَي انْتِفَاء الحكم (بِاللَّفْظِ و) الْحَال أَنه (فِيهِ) أَي فِي إثْبَاته بِاللَّفْظِ (النزاع) بَين الْفَرِيقَيْنِ وَالْحَاصِل أَنه لَو لم يكن الأَصْل الَّذِي يصلح لِأَن يثبت بِهِ انْتِفَاء الحكم علن الْمَسْكُوت مَوْجُودا فِي الْأَكْثَر كَأَن يظنّ ثُبُوته بِالْمَفْهُومِ، لِأَنَّهُ إِذا علم مَشْرُوعِيَّة الحكم وَلم يظْهر لَهُ فِي الشَّرْع مَا يظنّ كَونه دَلِيلا لَهُ سوى أَمر خَاص يكَاد أَن يتَعَيَّن لذَلِك، وَأما إِذا وجد لَهُ مَا يصلح لذَلِك سوى أَمر هُوَ مَحل النزاع تعين إِسْنَاده إِلَيْهِ (وَإِذ قد ظهر) بِمَا ذكر من الِاسْتِدْلَال بفهم أبي عبيد وَغَيره على الْمَفْهُوم (أَن الدَّلِيل) لإِثْبَات الْمَفْهُوم (الْفَهم) أَي فهم انْتِفَاء الحكم عَن الْمَسْكُوت فِي الْموَاد الْمَذْكُورَة (وَفِي مفيده) أَي الْفَهم الْمَذْكُور (احْتِمَال لما ذكرنَا) من التَّرَدُّد فِي أَنه مَدْلُول اللَّفْظ أَو الأَصْل الخ (اتَّحد حَال الْإِثْبَات وَالنَّفْي) أَي نِسْبَة إِثْبَات الْمَفْهُوم ونفيه إِلَى اللَّفْظ على السوية لتساوي احتمالية الْإِرَادَة وَعدمهَا بِالنّظرِ إِلَيْهِ، وَالدَّال على الشَّيْء لَا يشك فِي أَنه يفِيدهُ أم لَا، فالشك فِي إفادته يسْتَلْزم نفي دلَالَته، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوب (فَإِن أُجِيب عَن الْمَنْع) أَي منع انحصار الْفَائِدَة فِي النَّفْي عَن الْمَسْكُوت بتحرير الدَّلِيل على وَجه لَا يتَّجه الْمَنْع الْمَذْكُور بِأَن يُقَال (وضع التَّخْصِيص للفائدة) على صِيغَة الْمَجْهُول أَو الْمصدر الْمُضَاف (وضع الْمُشْتَرك الْمَعْنَوِيّ) بِالنّصب على الأول وَالرَّفْع على الثَّانِي: أَي وضع مَا وضع لمَفْهُوم عَام تَحْتَهُ أَفْرَاد هِيَ الْفَوَائِد الْجُزْئِيَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وكل فَائِدَة فَرد مِنْهُ) أَي الْمُشْتَرك الْمَذْكُور (تتَعَيَّن بِالْقَرِينَةِ) لتِلْك الْفَائِدَة الْمُطلقَة الْمَوْضُوع لَهَا التَّخْصِيص (فِي المورد) فِي كل كَلَام ورد فِيهِ التَّخْصِيص بِالْقَرِينَةِ الْمعينَة لَهَا (وَهِي) أَي الْقَرِينَة (عِنْد عدم قرينَة غير الْمَنْفِيّ عَن الْمَسْكُوت لُزُوم عدم الْفَائِدَة) للتخصيص الْمُوجب وجود الْمَوْضُوع بِدُونِ مَا وضع لَهُ فَيجب (إِن لم يكن) النَّفْي عَن الْمَسْكُوت مرَادا من التَّخْصِيص (فَيجب) أَن يكون النَّفْي عَنهُ حِينَئِذٍ (مدلولا لفظيا) لِأَن الْمَوْضُوع للْجِنْس إِذا أُرِيد بِهِ فَرد مِنْهُ بِالْقَرِينَةِ يكون دَالا عَلَيْهِ (قُلْنَا لَا دلَالَة للأعم على الْأَخَص) بِخُصُوصِهِ بِإِحْدَى الدلالات الثَّلَاث، يَعْنِي إِذا قُلْتُمْ بِوَضْع التَّخْصِيص لمُطلق الْفَائِدَة الَّذِي نفى الحكم عَن الْمَسْكُوت فَرد مِنْهُ لزم كَون التَّخْصِيص أَعم مِنْهُ، وَقُلْنَا لَا دلَالَة إِلَى آخِره (فَلَيْسَ) النَّفْي الْمَذْكُور مدلولا (لفظيا بل) الدّلَالَة (للقرينة) مَعْطُوف على قَوْله للأعم فَإِن قلت ذكر الْعَام وَإِرَادَة الْخَاص بمعاونة الْقَرِينَة إِطْلَاق مجازى ومدلول الْمجَاز مَدْلُول لَفْظِي قلت النزاع فِي إِثْبَات الْمَفْهُوم وَهُوَ عبارَة عَن دلَالَة اللَّفْظ بِاعْتِبَار التَّخْصِيص من غير حَاجَة إِلَى أَمر آخر وَمَا ذكرته من لُزُوم عدم الْفَائِدَة أَمر آخر على أَن قَوْلنَا فَلَيْسَ لفظيا سَنَد للْمَنْع، فَإِن الْمُجيب عَن الْمَنْع منصبه إِثْبَات الْمُدعى بادعاء وضع التَّخْصِيص إِلَى آخِره، والخصم يمْنَع وَضعه لما ذكر، وَيُؤَيّد مَنعه بِنَفْي

стр. 107

المدلولية اللفظية، وَلَا خَفَاء فِي أَنه سَنَد أخص، وإبطاله غير موجه، وَأَيْضًا يتَحَقَّق النزاع فِي كل مَادَّة بقول الْخصم بِثُبُوت الْمَفْهُوم مُدعيًا وجود الْقَرِينَة، أَعنِي لُزُوم عدم الْفَائِدَة، فَيُقَال لَهُ لَا نسلم ذَلِك: لم لَا يجوز أَن يكون هُنَاكَ فَائِدَة أُخْرَى؟ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالثَّابِت) فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يدعى فِيهَا الْخصم ثُبُوت الْمَفْهُوم (عدم الْعلم بِقَرِينَة الْغَيْر) أَي غير نفي الحكم عَن الْمَسْكُوت (لَا عدمهَا) أَي عدم قرينَة الْغَيْر فِي نفس الْأَمر لعدم الْإِحَاطَة بِالنَّفْيِ (فَيكون) التَّخْصِيص الَّذِي ادّعى وَضعه لمُطلق الْفَائِدَة (مُجملا) لازدحام الْمعَانِي الممكنة إرادتها وَعدم مَا تعين بَعْضهَا (فِي) نفي الحكم عَن (الْمَسْكُوت وَغَيره) أَي غير النَّفْي (لَا مُوجبا فِيهِ) أَي فِي الْمَسْكُوت (شَيْئا) من نفي الحكم عَنهُ وَغَيره أَو شَيْئا من الْإِيجَاب (كَرجل بِلَا قرينَة فِي زيد) فَإِنَّهُ مُجمل فِي زيد وَعَمْرو وَغَيرهمَا، وَلَا يُوجب فِي زيد شَيْئا (فَإِن قيل) لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمتم من أَن الثَّابِت عدم الْعلم بهَا لَا لعدمها، وَأَن الأول لَا يدل على الثَّانِي (بل) عدم الْعلم بِقَرِينَة الْغَيْر (ظَاهر فِي عدمهَا) أَي فِي عدمهَا بِحَسب الْوَاقِع، وَإِن لم يكن نصافيه (بعد فحص الْعَالم) بأساليب الْكَلَام، وقرائن الْمقَام مَعَ كَمَال الاهتمام عَن قرينَة الْغَيْر، فَيدل عدم علمه بهَا على عدمهَا بِحَسب غَالب الظَّن لِأَنَّهَا لَو كَانَت لم تخف عَلَيْهِ، وَهَذَا الْكَلَام إِثْبَات للمقدمة الممنوعة على تَقْدِير أَن يكون مَا قبله منعا، وَإِبْطَال لعدم ثُبُوت عدم الْقَرِينَة إِن كَانَ مُعَارضَة (قُلْنَا) ظُهُور عدمهَا (مَمْنُوع) أَن عدم الْعلم بِشَيْء وَلَو بعد فحص الْعَالم لَا يسْتَلْزم عَدمه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يستلزمه (لم يتَوَقَّف) الْعَالم بعد الفحص (فِي حكم) لِأَنَّهُ لَا تَخْلُو حَادِثَة من الْحَوَادِث عَن حكم ثَابت من الله تَعَالَى مَعَ أَمارَة أُقِيمَت عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْحق عِنْد أهل التَّحْقِيق، وَمن ضَرُورَة استلزام عدم الْعلم بالشَّيْء عدم استلزام وجود الْعلم فَلَا وَجه للتوقف (وَقد ثَبت) التَّوَقُّف (عَن الْأَئِمَّة) الْمُجْتَهدين فِي كثير من الْأَحْكَام فَإِن قلت لَعَلَّ توقفهم لعدم الْقطع، وَنحن قُلْنَا ظَاهر فِي عدمهَا، وَلم نَدع الْقطع بِهِ قُلْنَا ثَبت عَنْهُم التَّوَقُّف فِيمَا يَكْتَفِي فِيهِ بِالظَّنِّ من الْفُرُوع (فَإِن قيل) لاثبات الْمُقدمَة الممنوعة، وَهُوَ ظُهُور عدم قرينَة الْغَيْر بِإِبْطَال السَّنَد الْمسَاوِي للْمَنْع بزعم الْخصم التَّوَقُّف (نَادِر) كَالْمَعْدُومِ فَلَا يُنَافِي الظُّهُور الْمَذْكُور (قُلْنَا) لتأييد الْمَنْع بِسَنَد آخر إِن لم يسلم ذَلِك السَّنَد (فمواضع الْخلاف) بَين الْقَائِلين بِالْمَفْهُومِ والنافين، أَو بَين الْمُجْتَهدين فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (كَثِيرَة تفِيد) تِلْكَ الْمَوَاضِع (عدم الْوُجُود بالفحص) أَي عدم وجود علم (للْعَالم) بِسَبَب الفحص مَعَ وجود المفحوص عَنهُ فِي الْوَاقِع، أَو عدم وجود مَا فحص عَنهُ لما زعمتم من أَن عدم علم الْعَالم بِهِ دَلِيل على عَدمه وَهُوَ بَاطِل لوُجُوده بِدَلِيل مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده الْمُخَالف تَوْضِيحه أَن كلا من الْمُجْتَهدين

стр. 108

المخالفين لم يعلم ما أدى إليه اجتهاد الآخر، ولا شك أن ما أدى إليه اجتهاد أحدهما حكم الله لم يعلمه الآخر مع وجوده في نفس الأمر، والمفروض أن قول كل منهما نقيض الآخر لجاز أن لا يكون شيء منهما حكم الله (ولو سلم) ظهور عدم علم العالم بعد الفحص في عدم قرينة غير المنفي عن المسكوت (في) كلام (غير الشارع) لعدم سعة دائرة ما يقصدون بالتخصيص من الفوائد بحيث لا يمكن إحاطة علم العالم بها (اقتصر) جواب لو: أي اقتصر اعتبار المفهوم على كلام غير الشارع (فقلنا به) أي باعتبار المفهوم (في غيره) أي في كلام غير الشارع (من المتكلمين للزوم الانتفاء) أي انتفاء فائدة التخصيص اللام متعلق بقلنا (لولاه) أي لولا انتفاء الحكم عن المسكوت، فالضمير راجع إلى الانتفاء بطريق الاستخدام، وذلك لما فرض من تسليم استلزام عدم علم العالم الفاحص عن قرينة غير انتفاء الحكم عن المسكوت عدمها (أما الشارع فللقطع بقصدها) أي الفائدة إجمالا (منه) أي من الشارع في التخصيص (يجب تقديرها) أي اعتبار الفائدة في كلامه المخصص واعتقاد وجودها فيه إجمالا (فلا يلزم الانتفاء) أي انتفاء الفائدة (لولا الانتفاء) أي انتفاء الحكم عن المسكوت (فإثباته) أي نفي الحكم عن المسكوت (إقدام على تشريع حكم بلا ملجئ) أي موجب، فلزوم انتفاء الفائدة لولا اعتبار انتفاء الحكم عن المسكوت للعمل بوجود الفائدة إجمالا من غير دليل على تعيينها. (فإن قيل) نفي الحكم عن المسكوت (ظني) فيكفي لإثباته ظن أن لا فائدة في التخصيص سواه. (قلنا ظن المعين) بصيغة المفعول، وهو الانتفاء المذكور (عند انتفاء معينه) بصيغة الفاعل المضاف إلى ضمير المعين، وهي القرينة المعينة له (ممنوع، وعلمت أنه) أي المعين للنفي المذكور (لزوم انتفاء الفائدة) أي فائدة التخصيص إن لم يرد به (وانتفاءه) أي وعلمت انتفاء اللزوم المذكور لا سيما في كلام الشارع (واندفع بما ذكرنا قولهم) أي المثبتين للمفهوم (تثبت دلالة الإيماء) وهو قران الحكم بما لو لم يكن علة له كان بعيدا على ما مر (لدفع الاستبعاد) متعلق بتثبت (فالمفهوم) أي فثبوت دلالة التخصيص على النفي المذكور (لدفع عدم الفائدة) اللازم على تقدير عدم انتفاء الحكم عن المسكوت (أولى) لأن الاحتراز عن إيراد ما لا فائدة فيه أهم منه عن الاستبعاد (ولو جعل) القول المذكور (إثباتا لإثبات الوضع بالفائدة) ردا على من حكم ببطلان إثبات الوضع بها، وكلمة لو وصلية إشارة إلى أنه لا فرق في الاندفاع بين أن يجعل دليلا مستقلا على المطلوب كما فعله القاضي عضد الدين، وبين أن يجعل جوابا ثانيا يمنع إثبات الوضع بالفائدة كما فعل غيره من شارحي المختصر، ووجه الاندفاع ظهور الفرق بين ثبوت دلالة الإيماء، ودلالة التخصيص لظهور وجود القرينة المعينة هناك،

стр. 109

وهو الاستبعاد المذكور على ما مر، وعدمه ههنا لعدم لزوم عدم الفائدة على ما بين بما لا مزيد عليه (وأما الاعتراض عليه) أي الدليل المذكور، وهو لزوم خلو التخصيص عن الفائدة (بأن تقوية دلالته) أي دلالة ما وقع فيه التخصيص (على الثبوت) أي ثبوت الحكم المنطوق (في الموصوف) بدفع توهم خروجه على سبيل التخصيص (فائدة) فإنه لو قال في الغنم زكاة توهم أن يراد في المعلوفة دون السائمة زال الوهم (وكذا) في المشروط والمغيا، والمعدود، وكذا الاعتراض على الدليل المذكور بأن يقال (ثواب القياس) والاجتهاد في إلحاق المسكوت بالمذكور لاشتراكهما في العلة فائدة تصلح لأن يكون التخصيصلها فلا يتعين النفي المذكور لأن يكون فائدة له (فدفع الأول بأنه) أي الأول، وهو التقوية المذكورة (فرع عموم الموصوف في نحو في الغنم السائمة زكاة) حتى يكون معناه في الغنم سيما السائمة زكاة (ولا قائل به) أي بعموم الموصوف في نحوه (ولو ثبت) العموم (في مادة) كالصورة المذكورة فرضا (وصار المعنى في الغنم سيما السائمة) زكاة (خرج عن) محل (النزاع) لأن النزاع فيما لا شيء يقتضي التخصيص فيه سوى مخالفة المسكوت عنه للمذكور، ودفع وهم التخصيص فائدة سواها (و) دفع (الثاني بأنا شرطنا في دلالته) أي التخصيص على نفي الحكم عن المسكوت (عدم المساواة في المناط) أي عدم مساواة المسكوت عنه للمنطوق في علة الحكم (والرجحان) أي وعدم كونه أولى من المنطوق به، وثواب الاجتهاد إنما يتصور فيما إذا كانا متساويين في العلة وإلحاق المسكوت في الحكم بالمنطوق بدلالة النص إنما يكون عند الرجحان (وسيدفع هذا) أي الدفع الثاني (ونقضه) أي الدليل المذكور (بمفهوم اللقب) وهو تعليق الحكم بجامد كفي الغنم زكاة، بأن يقال لو لم يدل على نفي الحكم عما عداه لم يكن التخصيص باللقب مفيدا، فيلزمكم إثباته ولستم بمثبتيه، وإن أثبته شذوذ (مدفوع بأنه) أي ذكر اللقب (ليصح الأصل) أي أصل الكلام في إفادة أصل المراد فإنه يختل بدونه، وهذا أعظم فائدة. (ومن أدلتهم) أي القائلين بالمفهوم (المزيفة) أي المضعفة، وأصله زيف الدراهم: إذا جعلها زيوفا مردودة لغش (لو لم يكن) التخصيص (للحصر لزم اشتراك المسكوت، والمذكور في الحكم) لعدم الواسطة بين الاختصاص والاشتراك (وهو) أي الاشتراك (منتف) اتفاقا (للقطع بأنه) أي الحكم (ليس له) أي للمسكوت (بل) هو للمذكور (محتمل) لأن يكون ثابتا للمسكوت أيضا، فتعين الحصر (ودفع بمنع الملازمة) أي لا نسلم أنه لو لم يكن للحصر لزم الاشتراك (بل اللازم) إذن (عدم الدلالة) أي عدم دلالة التخصيص (على اختصاص ولا) على (اشتراك، بل) الدلالة (على مجرد تعلق الحكم بالمذكور) والمسكوت على

стр. 110

الاحتمال (وللإمام) أي إمام الحرمين استدلال (قريب منه) أي من هذا الدليل، وهو أن التخصيص (لو لم يفد) بيان (الحصر لم يفد اختصاص الحكم) بالمذكور دون غيره، واللازم منتف، أما الملازمة فلأنه لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره، وأما انتفاء اللازم فللعلم الضروري أنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور، وإليه أشار بقوله (لكنه يفيده في المذكور، وجوابه منع انتفاء اللازم) بأن يقال لا نسلم أن عدم إفادته الاختصاص منتف (بل إنما يفيد الحكم على المذكور لاختصاصه به) أي بالمذكور (مع ما في تركيبه) أي جوابه المنع مع الذي في تركيب الدليل أو المستدل من المحذور، يعني المصادرة على المطلوب أو ما يقرب منه (إذ هو) أي ما في التركيب ما حاصله (لو لم يفد الحصر لم يفد الحصر) قال الأبهري: في تالي هذه الشرطية تفصيل ليس في مقدمها، فلا يعد من استلزام الشيء لنفسه، وفي نقيض تاليها تفصيل ليس في نقيض مقدمها، فلا يعد من المصادرة على المطلوب، بل هو من الاستدلال من التفصيل على الجملة انتهى. وقال المحقق التفتازاني: لا تفاوت بين المقدم والتالي إلا في اللفظ، وكان لفظ الاختصاص أوضح دلالة فجعل التالي انتهى، فغاية العناية به الفرار عن المحذورين لا إثبات المطلوب (وما روي لأزيدن على السبعين) أي ومن أدلتهم المزيفة احتجاجهم بأنه ﷺ فهم مفهوم العدد من قوله تعالى -إن تستغفر لهم سبعين مرة-، وهو أعلم الناس بلسان العرب لما روي عنه ﷺ "لأزيدن على السبعين" في الصحيحين "لما قام رسول الله ﷺ ليصلي على عبد الله بن أبي ابن سلول، قام عمر، فأخذ بثوبه، فقال يا رسول الله: تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال ﷺ إنما خيرني الله فقال تعالى -استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة- وسأزيد على السبعين" وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد في تفسيره عن قتادة والطبري عن عروة مرسلا بلفظ الكتاب، ولو لم يفهم ﷺ أن حكم ما زاد على السبعين خلاف حكمها، وهو المغفرة لما قال ذلك، بل امتنع عن الاستغفار، وإذا ثبت مفهوم العدد ثبت مفهوم الصفة بالطريق الأولى، ولذا كل من قال بمفهوم العدد قال بمفهوم الصفة من غير عكس، وكذا ثبت مفهوم الشرط لكونه أقوى لمثل ما ذكرنا، وكذا الحال في مفهوم الغاية. (وأجيب بأنه) أي ما روي (ليس محل النزاع للعلم بأن ذكرها) أي السبعين ليس لتقييد عدم المغفرة بخصوص هذا العدد بل (للمبالغة) في الكثرة، فإنها صارت معناها عرفا في مثل هذا المقام، فالمراد سلب المغفرة بالكلية وإقناط منها، وإن بلغ عدد الاستغفار غاية الكثرة، ويلزمه عدم التفاوت بينها وبين ما فوقها، وإليه أشار بقوله (واتحاد الحكم في الزائد) أي وللعلم باتحاده
следующие страницы →