Полный текст (1 287 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
قَالَ فَأَي الْهِجْرَة أفضل، قَالَ الْجِهَاد قَالَ فَأَي الْجِهَاد أفضل؟ قَالَ من عقر جَوَاده وَأُهْرِيقَ دَمه ". قَالَ رَسُول الله ﷺ " ثمَّ عملان هما أفضل الْأَعْمَال إِلَّا من عمل بمثلهما: حجَّة مبرورة أَو عمْرَة مبرورة ". وَمن هُنَا ذهب بَعضهم إِلَى أَن الْجِهَاد أفضل عبادات الْبدن، وَقد يُجَاب عَمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَن فرض الْحَج تَأَخّر إِلَى السّنة التَّاسِعَة، وَكَانَ الْجِهَاد فرض عين فِي أول الْإِسْلَام فَلَعَلَّ النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك قبل فرض الْحَج. قَالَ أَحْمد وَغَيره من الْعلمَاء إِن الْجِهَاد أفضل الْأَعْمَال بعد الْفَرَائِض. وَقَالَ مَالك: الْحَج أفضل من الْغَزْو، لِأَن الْغَزْو فرض كِفَايَة، وَالْحج فرض عين، وَكَانَ ابْن عمر يكثر الْحَج وَلَا يكثر الْغَزْو، وَلَكِن يشكل بقوله ﷺ " حجَّة لمن لم يحجّ خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج ".
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ: ذكر الشَّارِح هَذِه الْجُمْلَة فِي مسَائِل غَيرهَا من هَذَا الْجِنْس (وَعبادَة فِيهَا معنى الْمُؤْنَة) هِيَ فعولة على الْأَصَح من مأنت الْقَوْم: إِذا احتملت ثقلهم، وَقيل مفعلة من الأون وَهُوَ أحد جَانِبي الخرج لِأَنَّهُ ثقل، أَو من الأين وَهُوَ التَّعَب والشدة، وَهَذِه الْعِبَادَة (صَدَقَة الْفطر) وَكَونهَا فِيهَا معنى الْمُؤْنَة (إِذْ وَجَبت) على الْمُكَلف (بِسَبَب غَيره) كَمَا وَجب مُؤْنَته روى الْبَيْهَقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عمر قَالَ " أَمر رَسُول الله ﷺ بِصَدقَة الْفطر عَن الصَّغِير وَالْكَبِير وَالْحر وَالْعَبْد مِمَّن يمونون، فَإِن الْعِبَادَة الْمَحْضَة لَا تجب على الْغَيْر بِسَبَب الْغَيْر (فَلم يشْتَرط لَهَا كَمَال الْأَهْلِيَّة) كَمَا شَرط للعبادات الْخَالِصَة لقُصُور معنى الْعِبَادَة (فَوَجَبت فِي مَال الصَّغِير وَالْمَجْنُون خلافًا لمُحَمد وَزفر) يتَوَلَّى أداءها الْأَب، ثمَّ وَصِيّه، ثمَّ الْجد، ثمَّ وَصِيّه، ثمَّ وَصِيّ نَصبه القَاضِي عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أوجباه عَلَيْهِمَا إِلْحَاقًا لَهَا بِنَفَقَة ذِي الرَّحِم الْمحرم مِنْهُمَا فَإِنَّهَا تجب فِي مَالهمَا، إِذا كَانَا غَنِيَّيْنِ باتفاقهم. قَالَ صَاحب الْكَشَّاف ثمَّ تِلْمِيذه قوام الدّين الكاكي قَول مُحَمَّد وَزفر أوضح (وَمؤنَة فِيهَا معنى الْقرْبَة كالعشر: إِذْ الْمُؤْنَة مَا بِهِ بَقَاء الشَّيْء وَبَقَاء الأَرْض فِي أَيْدِينَا بِهِ) أَي بالعشر، لِأَن الله تَعَالَى حكم بِبَقَاء الْعَالم إِلَى الْوَقْت الْمَوْعُود، وَهُوَ بِبَقَاء الأَرْض، وَمَا يخرج من الْقُوت وَغَيره لمن عَلَيْهَا: فَوَجَبت عمارتها وَالنَّفقَة عَلَيْهَا كَمَا أوجب على الْملاك نَفَقَة عبيدهم ودوابهم وبقاؤها إِنَّمَا هُوَ بِجَمَاعَة الْمُسلمين لأَنهم الحافظون لَهَا، أما من حَيْثُ الدُّعَاء وَهُوَ من الضُّعَفَاء المحتاجين فَإِن بهم النَّصْر على الْأَعْدَاء وبهم يمطرون، وَأما من حَيْثُ الذب بِالشَّوْكَةِ عَن الدَّار وغوائل الْكفَّار وهم الْمُقَاتلَة فَوَجَبَ فِي بَعْضهَا الْعشْر نَفَقَة للأولين وَفِي بَعْضهَا الْخراج للآخرين، وَجعلت النَّفَقَة عَلَيْهَا تَقْديرا (وَالْعِبَادَة) فِيهِ (لتَعَلُّقه) أَي الْعشْر (بالنماء) الْحَقِيقِيّ لَهَا، وَهُوَ الْخَارِج مِنْهَا كتعلق الزَّكَاة بِهِ أَو لِأَن مصرفه الْفَقِير كمصرف الزَّكَاة (وَإِذا كَانَت الأَرْض الأَصْل) والنماء وَصفا تَابعا لَهَا (كَانَت الْمُؤْنَة غالبة) فِيهِ (وللعبادة)
стр. 562
فِيهِ (لَا يبتدأ الْكَافِر بِهِ) أَي بالعشر لِأَن الْكفْر منافي الْعِبَادَة من كل وَجه، وَلِأَن فِي الْعشْر ضرب كَرَامَة، وَالْكفْر مَانع مِنْهُ مَعَ إِمْكَان الْخَارِج (وَلَا يبْقى) الْعشْر (عَلَيْهِ) أَي الْكَافِر إِذا اشْترى أَرضًا عشرِيَّة عِنْد أبي حنيفَة (خلافًا لمُحَمد فِي الْبَقَاء) للعشر عَلَيْهِ (إِلْحَاقًا) للعشر (بالخراج) فَإِنَّهُ يبْقى عَلَيْهِ إِذا اشْترى أَرضًا خَرَاجِيَّة بِالْإِجْمَاع (بِجَامِع الْمُؤْنَة) فَإِن كلا مِنْهُمَا من مُؤَن الأَرْض، وَالْكَافِر أهل للمؤنة (وَالْعِبَادَة) فِي الْعشْر (تَابِعَة) للمؤنة فَيسْقط فِي حَقه لعدم أَهْلِيَّته لَهَا (فَلَا يُثَاب) الْكَافِر (بِهِ) أَي بالعشر (وَأجِيب) من قبله عَنهُ (بِأَنَّهُ) أَي معنى الْعِبَادَة (وَإِن تبع) الْمُؤْنَة (فَهُوَ ثَابت) فِي الْعشْر فَإِن كلا من تعلقه بالنماء وَصَرفه إِلَى مصارف الْفُقَرَاء مُسْتَمر (فَيمْنَع) ثُبُوته فِيهِ من الْغَايَة فِي حق الْكَافِر إِلَّا بطرِيق التَّضْعِيف، فَالْقَوْل بِوُجُوبِهِ بِدُونِ التَّضْعِيف عَلَيْهِ خرق للْإِجْمَاع (فَتَصِير) الأَرْض العشرية (خَرَاجِيَّة بِشِرَائِهِ) أَي الْكَافِر إِيَّاهَا عِنْد أبي حنيفَة، وَإِنَّمَا اخْتلفت الرِّوَايَة فِي وَقت صيرورتها خَرَاجِيَّة، فَفِي السّير كَمَا اشْترى، وَفِي رِوَايَة تبقى عشرِيَّة مَا لم يوضع عَلَيْهَا الْخراج، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ إِذْ بقيت مُدَّة يُمكنهُ أَن يزرع فِيهَا، زرع أَولا (وَلأبي يُوسُف) أَي وَخِلَافًا لَهُ فِي أَنه (يضعف عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا بُد من تَغْيِيره، لِأَن الْكفْر يُنَافِيهِ، والتضعيف تَغْيِير للوصف فَقَط، فَيكون أسهل من إبِْطَال الْعشْر وَوضع الْخراج، لِأَن فِيهِ تَغْيِير الأَصْل وَالْوَصْف جَمِيعًا، والتضعيف فِي حق الْكَافِر مَشْرُوع فِي الْجُمْلَة (كبني تغلب) وَلَا يُقَال فِيهِ تَضْعِيف للقربة، وَالْكفْر ينافيها، لأَنا نقُول بعد التَّضْعِيف صَار فِي حكم الْخراج الَّذِي هُوَ من خَواص الْكفَّار، وخلا عَن وصف الْقرْبَة (وَيُجَاب بِأَنَّهَا) أَي الصَّدَقَة الْمَأْخُوذَة من بني تغلب هِيَ فِي الْمَعْنى (أجزية سميت بذلك) أَي بِكَوْنِهَا صَدَقَة مضاعفة (بِالتَّرَاضِي لخُصُوص عَارض) فَإِن بني تغلب بِكَسْر اللَّام عرب نَصَارَى. قَالَ الْقَائِم بن سَلام فِي كتاب الْأَمْوَال: همّ: يَعْنِي عمر أَن يَأْخُذ مِنْهُم الْجِزْيَة، فتفرّقوا فِي الْبِلَاد، فَقَالَ النُّعْمَان بن زرْعَة أَو زرْعَة بن النُّعْمَان لعمر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الْجِزْيَة، وَلَيْسَ لَهُم أَمْوَال إِنَّمَا هم أَصْحَاب حروث ومواش، وَلَهُم مكانة فِي العدوّ فَلَا تعن عددّك عَلَيْك بهم: فَصَالحهُمْ عمر ﵁ على أَن يضع عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَاشْترط عَلَيْهِم أَن لَا ينصرُوا أَوْلَادهم، وَفِي رِوَايَة عَن هَذِه جِزْيَة سَموهَا مَا شِئْتُم، وَإِنَّمَا اخْتلف الْفُقَهَاء فِي أَنَّهَا هَل هِيَ جِزْيَة على التَّحْقِيق من كل وَجه؟ فَقيل نعم حَتَّى لَو كَانَ للْمَرْأَة أَو الصَّبِي نقود أَو مَاشِيَة لَا يُؤْخَذ مِنْهُم شَيْء، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَرِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَقيل لَا، بل وَاجِبَة بِشَرْط الزَّكَاة وأسبابها، وَهُوَ ظَاهر الرِّوَايَة، لِأَن الصُّلْح وَقع على ذَلِك، وَالصَّحِيح مَا قَالَه أَبُو حنيفَة من أَنَّهَا تصير خَرَاجِيَّة كَمَا ذكره فَخر الْإِسْلَام وَغَيره، وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّالِث (وَمؤنَة فِيهَا معنى الْعقُوبَة) وَهِي (الْخراج أما الْمُؤْنَة فلتعلق بَقَائِهَا) أَي الأَرْض
стр. 563
لأهل الْإِسْلَام (بالمقاتلة المصارف) لَهُ كَمَا بَيناهُ آنِفا (والعقوبة للانقطاع بالزراعة عَن الْجِهَاد) لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِالْأَرْضِ لصفة التَّمَكُّن من الزِّرَاعَة والاشتغال بهَا عمَارَة للدنيا وإعراض عَن الْجِهَاد، وَهُوَ سَبَب الذل شرعا (فَكَانَ) الْخراج (فِي الأَصْل صغَارًا) فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن أَبَا أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: وَرَأى سكَّة وشيئا من آلَة الْحَرْث سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول " لَا يدْخل هَذَا بَيت قوم إِلَّا دخله الذَّال " (وَبَقِي) الْخراج للْأَرْض الخراجية وَظِيفَة مستمرة (لَو اشْتَرَاهَا مُسلم) أَو ورثهَا أَو وَهبهَا أَو أسلم مَالِكهَا (لِأَن ذَلِك) الصغار (فِي ابْتِدَاء التوظيف) لَا فِي بَقَائِهِ نظرا إِلَى مَا فِيهِ من رُجْحَان معنى الْمُؤْنَة الَّتِي الْمُؤمن من أَهلهَا، وَهَذَا هُوَ الْقسم الرَّابِع (وَحقّ قَائِم بِنَفسِهِ: أَي لم يتَعَلَّق بِسَبَب مبَاشر) فسر الْقيام بِالنَّفسِ بِكَوْن الْحق بِحَيْثُ لم يتَعَلَّق وُجُوبه بِمَا جعله الشَّارِع سَببا لَهُ إِذْ بَاشرهُ العَبْد، بل يكون ثُبُوته بِحكم مَالك الْأَشْيَاء كلهَا وَهُوَ (خمس الْغَنَائِم) أَي الْأَمْوَال الْمَأْخُوذَة من الْكفَّار قهرا لإعلاء كلمة الله فالمصاب كُله حق الله تَعَالَى، وَالْعَبْد يعْمل لمَوْلَاهُ لَا يسْتَحق عَلَيْهِ شَيْئا إِلَّا أَنه سُبْحَانَهُ جعل أَرْبَعَة أخماسه للغانمين امتنانا مِنْهُ عَلَيْهِم، واستبقى الْخمس حَقًا لَهُ، وَأمر بصرفه إِلَى من سماهم فِي كِتَابه الْعَزِيز: فَتَوَلّى السُّلْطَان أَخذه وقسمته بَينهم لكَونه نَائِب الشَّرْع فِي إِقَامَة حُقُوقه (وَمِنْه) أَي الْحق الْقَائِم بِنَفسِهِ (الْمَعْدن) بِكَسْر الدَّال وَهُوَ فِي الأَصْل الْمَكَان بِقَيْد الِاسْتِقْرَار فِيهِ، من عدن بِالْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ، ثمَّ اشْتهر فِي نفس الْأَجْزَاء المستقرة الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي الأَرْض يَوْم خلقهَا (والكنز) وَهُوَ الْمُثبت فِيهَا من الْأَمْوَال بِفعل الْإِنْسَان، والركاز يعمهما لِأَنَّهُ من الركز المُرَاد بِهِ المركوز أَعم من أَن يكون راكزه الْخَالِق أَو الْمَخْلُوق، فَهُوَ مُشْتَرك معنوي بَينهمَا، ثمَّ المُرَاد بالمعدن هُنَا عِنْد أَصْحَابنَا. الجامد الَّذِي يذوب وَيَنْقَطِع كالنقدين وَالْحَدِيد والرصاص والنحاس، وبالكنز مَا لَا عَلامَة للْمُسلمين فِيهِ حَتَّى كَانَ جاهليا: فَإِن هذَيْن لَا حق لأحد فيهمَا، جعل أَرْبَعَة أَخْمَاس كل مِنْهُمَا للواجد، واستبقى الْخمس لَهُ تَعَالَى ليصرف إِلَى من سماهم (فَلم يلْزم أَدَاؤُهُ) أَي الْخمس من هَذِه الْأَمْوَال (طَاعَة) ليشترط لَهُ النِّيَّة ليَقَع قربَة (إِذْ لم يقْصد الْفِعْل) الَّذِي هُوَ الدّفع (بل) قصد (مُتَعَلّقه) أَي الْفِعْل وَهُوَ المَال الْمَدْفُوع (بل هُوَ) أَي الْخمس (حق لَهُ تَعَالَى فَلم يحرم على بني هَاشم إِذْ لم يتسخ إِذْ لم تقم بِهِ قربَة وَاجِبَة). قَالَ الشَّارِح: قلت وَالْأولَى الِاقْتِصَار على قربَة بِنَاء على حُرْمَة الصَّدَقَة الناقلة عَلَيْهِم كالمفروضة لعُمُوم قَوْله ﷺ " إِن الصَّدَقَة لَا تنبغي لآل مُحَمَّد إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس "، رَوَاهُ مُسلم إِلَى غير ذَلِك، فَوَجَبَ اعْتِبَاره كَمَا قَالَه المُصَنّف فِي فتح الْقَدِير انْتهى. وَالْعجب أَن المُصَنّف فِي الْكتاب الْمَذْكُور بعد مَا نَقله بِخَمْسَة أسطر قَالَ: وَلَا يخفى أَن هَذِه العمومات تنتظم الصَّدقَات الناقلة
стр. 564
والواجبة فجروا على مُوجب ذَلِك فِي الْوَاجِبَة فَقَالُوا: لَا يجوز صرف كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار وَالْقَتْل وَجَزَاء الصَّيْد وَعشر الأَرْض، وغلة الْوَقْف إِلَيْهِم إِلَّا إِذا كَانَ الْوَقْف عَلَيْهِم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَنْزِلَة الْوَقْف على الْأَغْنِيَاء، فَإِن كَانَ على الْفُقَرَاء وَلم يسمّ بني هَاشم لَا يجوز الصّرْف إِلَيْهِم، وَأما صَدَقَة النَّفْل فَقَالَ فِي النِّهَايَة: يجوز النَّفْل بِالْإِجْمَاع، وَكَذَا يجوز النَّفْل للغني: كَذَا فِي فَتَاوَى العتابي وصرّح فِي الْكَافِي بِدفع صَدَقَة الْوَقْف إِلَيْهِم على أَنه بَيَان الْمَذْهَب من غير نفل خلاف، فَقَالَ: وَأما التطوّع وَالْوَقْف فَيجوز الصّرْف إِلَيْهِم، لِأَن المؤدّي فِي الْوَاجِب يظْهر نَفسه بِإِسْقَاط الْفَرْض فيتدنس المؤدّي كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمل، وَفِي النَّفْل تبرّع بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يتدنس المؤدّي كمن تبرّد بِالْمَاءِ، إِلَى هُنَا كَلَام المُصَنّف. وَهَذَا هُوَ الْقسم الْخَامِس (وعقوبات كَامِلَة) أَي مَحْضَة لَا يشوبها معنى آخر فَهِيَ كَامِلَة فِي كَونهَا عُقُوبَة وَهِي (الْحُدُود) أَي حدّ الزِّنَا وحدّ السّرقَة وحدّ الشّرْب فَإِنَّهَا شرعت لصيانة الْأَنْسَاب وَالْأَمْوَال والعقول، وموجبها جنايات لَا يشوبها معنى الْإِبَاحَة فَيَقْتَضِي أَن يكون لكلّ مِنْهَا عُقُوبَة كَامِلَة زاجرة عَن ارتكابه حَقًا لله تَعَالَى على الخلوص، وَعَن الْمبرد سميت الْعقُوبَة عُقُوبَة لِأَنَّهَا تتلو الذُّنُوب، من عقبه يعقبه: إِذا اتبعهُ، وَهَذَا هُوَ الْقسم السَّادِس (و) عُقُوبَة (قَاصِرَة) وَهِي (حرمَان الْقَاتِل) إِرْث الْمَقْتُول لقَتله عمدا أَو غَيره على مَا فصل فِي الْفِقْه ثمَّ (كَونه) أَي حرمَان الْقَاتِل (حَقًا لَهُ تَعَالَى لِأَن مَا يجب لغيره) تَعَالَى (بالتعدّي عَلَيْهِ) أَي الْغَيْر يكون (فِيهِ نفع لَهُ) أَي للْغَيْر، والغير هُنَا: الْمَقْتُول (وَلَيْسَ فِي الحرمان نفع للمقتول) فَتعين كَونه لله تَعَالَى زاجرا عَن ارْتِكَاب مثل هَذَا الْعَمَل كالحدّ لِأَن مَا لَا يجب لغيره تَعَالَى يجب لَهُ ضَرُورَة (ومجرّد الْمَنْع) من الْإِرْث (قَاصِر) فِي معنى الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ لم يلْحقهُ ألم فِي بدنه وَلَا نُقْصَان فِي مَاله: بل هُوَ مجرّد منع لثُبُوت ملكه فِي التَّرِكَة، وَقيل لَيْسَ لهَذَا الْقسم مِثَال غير هَذَا: وَهَذَا هُوَ الْقسم الرَّابِع (وَحُقُوق هما) أَي الْعِبَادَة والعقوبة مجتمعان (فِيهَا كالكفارات) للْيَمِين وَالْقَتْل وَالظِّهَار وَالْفطر الْعمد فِي نَهَار رَمَضَان، وَكَفَّارَة قتل الصَّيْد للْمحرمِ، وصيد الْحرم، أما أَن فِيهَا معنى الْعِبَادَات فَلِأَنَّهَا تؤدّى بِمَا هُوَ عبَادَة مَحْضَة من عتق أَو صَدَقَة أَو صِيَام، وَيشْتَرط فِيهَا النِّيَّة، وَيُؤمر من هِيَ عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ بِنَفسِهِ بطرِيق الْفَتْوَى، وَلَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ جبرا، وَالشَّرْع لم يفوّض إِلَى الْمُكَلف إِقَامَة شَيْء من الْعُقُوبَات على نَفسه بل هِيَ مفوّضة إِلَى الْأَئِمَّة، وتستوفي جبرا، وَأما أَن فِيهَا معنى الْعقُوبَة فَإِنَّهَا لم تجب إِلَّا أجزية على أَفعَال من الْعباد لَا مُبتَدأَة، وَلِهَذَا سميت كَفَّارَات لِأَنَّهَا ستارة للذنوب (وجهة الْعِبَادَة غالبة فِيهَا) بِدَلِيل وُجُوبهَا على أَصْحَاب الْأَعْذَار مثل الخاطئ والناسى وَالْمكْره، وَالْمحرم المضطرّ إِلَى قتل الصَّيْد لمخمصة وَلَو كَانَت جِهَة الْعقُوبَة فِيهَا
стр. 565
غالبة لامتنع وُجُوبهَا بِسَبَب الْعذر: لِأَن الْمَعْذُور لَا يسْتَحق الْعقُوبَة، وَكَذَا لَو كَانَت مُسَاوِيَة لِأَن جِهَة الْعِبَادَة إِن لم تمنع الْوُجُوب على هَؤُلَاءِ المعذورين فجهة الْعقُوبَة تَمنعهُ، وَالْأَصْل عَدمه، فَلَا يثبت إِلَّا بِالشَّكِّ (إِلَّا الْفطر) أَلا كَفَّارَته فَإِن جِهَة الْعقُوبَة فِيهَا غالبة (وألحقها) أَي كَفَّارَة الْفطر (الشَّافِعِي بهَا) أَي بِسَائِر الْكَفَّارَات فِي تَغْلِيب معنى الْعِبَادَة فِيهَا على الْعقُوبَة حَيْثُ لم يُسْقِطهَا بِالشُّبْهَةِ كَمَا سَيَأْتِي (وَالْحَنَفِيَّة) إِنَّمَا قَالُوا بتغليب معنى الْعقُوبَة فِيهَا على الْعِبَادَة (لتقيدها) أَي وجوب كَفَّارَة الْفطر (بالعمد) أَي بِالْفطرِ الْعمد (ليصير) الْفطر الْعمد (حَرَامًا وَهُوَ) أَي كَونه حَرَامًا (المثير للعقوبة والتصور) أَي ولقصور الْعقُوبَة فِيهَا حَيْثُ لم تكن كَامِلَة (لكَون الصَّوْم) الَّذِي تعمد الْفطر فِي أَثْنَائِهِ (لم يصر حَقًا تَاما مُسلما لصَاحب الْحق) وَهُوَ الله لَكِن (وَقعت الْجِنَايَة عَلَيْهِ) أَي على الصَّوْم (فَلِذَا) أَي فلأجل أَن الْجِنَايَة وَقعت عَلَيْهِ (تأدّى) هَذَا الْحق الْوَاجِب الَّذِي هُوَ الْكَفَّارَة (بِالصَّوْمِ وَالصَّدَََقَة) الَّتِي هِيَ الْإِطْعَام، فلولا أَن فِي هَذِه الْكَفَّارَة معنى الْعِبَادَة، وَإِن كَانَ مَغْلُوبًا مَا تأدّت بِمَا هُوَ من جنس الْعِبَادَة (وشرطت النِّيَّة) فِيهَا إِذْ الْعِبَادَة لَا تصح إِلَّا بِالنِّيَّةِ مَعْطُوف على تأدّى (فتفرع) على غَلَبَة معنى الْعقُوبَة (درؤها) أَي سُقُوط وجوب الْكَفَّارَة (بِالشُّبْهَةِ) أَي شُبْهَة الْإِبَاحَة كَمَا يدْرَأ الحدّ، وَمن ثمَّة لم يجب إِجْمَاعًا على من جَامع ظَانّا أَن الْفجْر لم يطلع، أَو أَن الشَّمْس غَابَتْ ثمَّ تبين خِلَافه (فَوَجَبَ) الْحق الْمَذْكُور (مرّة بمرار) أَي بفطر متعدّد فِي أَيَّام (قبل التَّكْفِير من رَمَضَان) وَاحِد عندنَا كَمَا يحدّ مرّة بزناة مرّة بعد أُخْرَى إِذا لم يحد بِكُل مرّة. وَقَالَ الشَّافِعِي: يجب بِكُل فطر يَوْم كَفَّارَة (وَمن اثْنَيْنِ) أَي وَيجب كَفَّارَة وَاحِدَة بفطر متعدّد قبل التَّكْفِير من رمضانين (عِنْد الْأَكْثَر) أَي أَكثر الْمَشَايِخ. وَفِي الْكَافِي فِي الصَّحِيح (خلافًا لما يرْوى عَنهُ) أَي عَن أبي حنيفَة من أَنه يجب التعدّد فِي الْكَفَّارَة بتعدّد فطر الْأَيَّام، وَإِنَّمَا قُلْنَا بالتداخل حَيْثُ قُلْنَا بِهِ (لِأَن التَّدَاخُل دَرْء) يَعْنِي أَنه لما كَانَ عَلَيْهِ الْعقُوبَة فِي الْكَفَّارَات ألحقها بالحدود الَّتِي تندرئ بِالشُّبُهَاتِ حصل عِنْد تكرّر مُوجبهَا قبل التَّكْفِير شُبْهَة الِاكْتِفَاء بكفارة وَاحِدَة عَن الْجِنَايَات المتعدّدة نظرا إِلَى حُصُول الْمَقْصد، وَهُوَ الانزجار بِوَاحِدَة، فاندرأ تعدّد الْوُجُوب بِهَذِهِ الشُّبْهَة (وَلَو كفر) عَن فطر يَوْم (ثمَّ أفطر) فِي آخر (فأخرى) أَي فَيجب كَفَّارَة أُخْرَى (لتبين عدم انزجاره بِالْأولَى) أَي الْكَفَّارَة الأولى (فتفيد الثَّانِيَة) الانزجار (وَالثَّانِي حُقُوق الْعباد كضمان الْمُتْلفَات وَملك الْمَبِيع وَالزَّوْجَة وَكثير) (و) الثَّالِث (مَا اجْتمعَا) أَي حق الله وَحقّ العَبْد فِيهِ (وَحقه تَعَالَى غَالب) وَهُوَ (حدّ الْقَذْف) لِأَنَّهُ من حَيْثُ أَنه يَقع نَفعه عَاما بإخلاء الْعَالم عَن الْفساد حق الله، وَمن حَيْثُ أَنه صِيَانة الْعرض وَدفع الْعَار عَن الْمَقْذُوف حق العَبْد: إِذْ هُوَ
стр. 566
ينْتَفع بِهِ على الْخُصُوص، ثمَّ فِي هَذَا حق الله تَعَالَى أَيْضا لما فِيهِ من حق الاستعباد فَكَانَ الْغَالِب حق الله (فَلَيْسَ للمقذوف إِسْقَاطه) أَي الحدّ: لِأَن حق الله لَا يسْقط بِإِسْقَاط العَبْد وَإِن كَانَ غير متمحض لَهُ كَمَا يشْهد بِهِ دلَالَة الْإِجْمَاع على عدم سُقُوط العدّة بِإِسْقَاط الزَّوْج إِيَّاهَا، وَإِن كَانَ الْمَقْصد مِنْهَا الِاحْتِرَاز عَن اخْتِلَاط مَاء الْغَيْر بمائه الْمُوجب الِاشْتِبَاه فِي نسب وَلَده، وَذَلِكَ لما فِيهَا من حق الله (وَلذَا) أَي وَلكَون الْغَالِب فِي هَذَا الحدّ حق الله تَعَالَى (وَلم يفوّض إِلَيْهِ) أَي الْمَقْذُوف ليقيمه على قَاذفه (لِأَن حُقُوقه تَعَالَى لَا يستوفيها إِلَّا الإِمَام) لاستنابة الله إِيَّاه فِي استيفائها (وَلِأَنَّهُ) أَي حدّ الْقَذْف (لتهمته) أَي الْقَاذِف الْمَقْذُوف (بِالزِّنَا وَأثر الشَّيْء من بَابه) أَي بَاب ذَلِك الشَّيْء واتباعه، وحدّ الزِّنَا حق الله اتِّفَاقًا (فدار) حدّ الْقَذْف (بَين كَونه لله تَعَالَى خَالِصا) كحدّ الزِّنَا (أَو) كَونه (لَهُ) أَي لله تَعَالَى (وَلِلْعَبْدِ) فَلَا أقلّ من أَن يُقَال (فتغلب) حق الله (بِهِ). قَالَ الشَّارِح: أَي بحدّ الْقَذْف انْتهى، وَلَا وَجه لَهُ إِلَّا أَن تكون الْبَاء بِمَعْنى فِي، وَالْأَوْجه إرجاع الضَّمِير إِلَى مَا ذكر مِمَّا يدلّ على كَون حَقه تَعَالَى غَالِبا، وَذهب صدر الْإِسْلَام إِلَى أَن الْغَالِب فِيهِ حق العَبْد، وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (و) الرَّابِع (مَا اجْتمعَا) أَي حق الله وَحقّ العَبْد فِيهِ (وَالْغَالِب حق العَبْد) وَهُوَ (الْقصاص بالِاتِّفَاقِ) فَإِن لله تَعَالَى فِي نفس العَبْد حق الاستعباد، وَلِلْعَبْدِ حق الِاسْتِمْتَاع، ثمَّ إِن الْقصاص من حَيْثُ أَنه يُنبئ عَن الْمُمَاثلَة يدلّ على أَن رِعَايَة جَانب العَبْد أَكثر والأفرعاية إخلاء الْعَالم عَن الْفساد الَّذِي هُوَ النَّفْع الْعَام الرَّاجِع إِلَى حق الله تَعَالَى كَانَ يَقْتَضِي زِيَادَة الزّجر بِضَم أَخذ المَال وَنَحْوه مَعَه، (وينقسم) مُتَعَلق الحكم الشَّرْعِيّ مُطلقًا (أَيْضا بِاعْتِبَار آخر أصل وَخلف) أَي يَنْقَسِم إِلَى أصل وَخلف: فَعلم أَن الِاعْتِبَار الآخر الْأَصَالَة والخلفية (لَا يثبت) كَونه خلفا (إِلَّا بِالسَّمْعِ) نصا أَو دلَالَة أَو إِشَارَة أَو اقْتِضَاء (صَرِيحًا أَو غَيره) أى غير صَرِيح (فَالْأَصْل كالتصديق فِي الْإِيمَان) فَإِنَّهُ أصل مُحكم لَا يحْتَمل السُّقُوط بِعُذْر مَا، وَلَا يبْقى مَعَ التبديل بِحَال (وَالْخلف عَنهُ) أَي عَن التَّصْدِيق (الْإِقْرَار) بِاللِّسَانِ لِأَنَّهُ معبر عَمَّا فِي الْقلب (إِذْ لم يعلم الأَصْل يَقِينا) لِأَنَّهُ غيب لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الله تَعَالَى تَعْلِيل لاعْتِبَار الْخلف: أَي لَا بدّ مِنْهُ، إِذْ لَا يُمكن إدارة الْأَحْكَام على حَقِيقَته لعدم الْعلم بهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أدير) الحكم (عَلَيْهِ) أَي على الْخلف (فَلَو أكره) الْكَافِر على الْإِسْلَام (فأقرّ بِهِ حكم بِإِسْلَامِهِ) لوُجُوده ظَاهرا، وَإِن لم يُوجد الأَصْل فِي نفس الْأَمر (فرجوعه) عَن الْإِسْلَام إِلَى الْكفْر بِحَسب اللِّسَان (ردّة لَكِن لَا توجب الْقَتْل) لِأَن الْإِكْرَاه شُبْهَة لإسقاطه (بل) توجب (الْحَبْس وَالضَّرْب حَتَّى يعود) إِلَى الْإِسْلَام لَا يُقَال ينيغى أَن لَا يقبل بِدُونِ الْإِكْرَاه أَيْضا لوُجُود الشُّبْهَة بِاعْتِبَار عدم الْعلم بِحَقِيقَة الْأَيْمَان
стр. 567
يَقِينا، لأَنا نقُول: لَا عِبْرَة بِالشُّبْهَةِ مَا لم تكن ناشئة عَن دَلِيل مثل الْإِكْرَاه (وَدفن) من أكره على الْإِسْلَام حَتَّى أقرّبه، ثمَّ لم يظْهر مِنْهُ خِلَافه إِلَى أَن مَاتَ (فِي مَقَابِر الْمُسلمين بِهِ) أَي بِإِقْرَارِهِ بِالْإِسْلَامِ مكْرها (و) يثبت أَيْضا (بَاقِي أَحْكَام الخلفية فِي الدُّنْيَا) من إِسْقَاط الْجِزْيَة عَنهُ وَجَوَاز الصَّلَاة خَلفه وَعَلِيهِ إِلَى غير ذَلِك (فَأَما الْآخِرَة فَالْمَذْهَب للحنفية) وَهُوَ نصّ أبي حنيفَة (أَنه) أَي الْإِقْرَار (أصل) فِي أَحْكَامهَا أَيْضا (فَلَو صدّق) بِقَلْبِه (وَلم يقرّ) بِلِسَانِهِ (بِلَا مَانع) لَهُ من الْإِقْرَار واستمرّ (حَتَّى مَاتَ كَانَ فِي النَّار، وَكثير من الْمُتَكَلِّمين) وَرِوَايَة عَن أبي حنيفَة، وَأَصَح الرِّوَايَتَيْنِ عَن الْأَشْعَرِيّ الأَصْل فِي أَحْكَام الْآخِرَة (التَّصْدِيق وَحده وَالْإِقْرَار) شَرط (ل) إِجْرَاء (أَحْكَام الدُّنْيَا) عَلَيْهِ (كَقَوْل بَعضهم) أَي الْحَنَفِيَّة: مِنْهُم أَبُو مَنْصُور الماتريدي وَفِي شرح الْمَقَاصِد الْإِقْرَار لهَذَا الْغَرَض لَا بدّ أَن يكون على وَجه الإعلان على الإِمَام وَغَيره من أهل الْإِسْلَام، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ لإتمام الْإِيمَان فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مجرّد التَّكَلُّم وَإِن لم يظْهر على غَيره، ثمَّ الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ قَادِرًا وَترك التَّكَلُّم بِهِ لَا على وَجه الإباء، إِذْ الْعَاجِز كالأخرس مُؤمن اتِّفَاقًا، والمصرّ على عدم الْإِقْرَار مَعَ الْمُطَالبَة بِهِ كَافِر اتِّفَاقًا لكَون ذَلِك من أَمَارَات عدم التَّصْدِيق (ثمَّ صَار أَدَاء الْأَبَوَيْنِ فِي الصَّغِير وَالْمَجْنُون خلفا عَن أدائهما) أَي الصَّغِير وَالْمَجْنُون لعجزهما عَن ذَلِك (فَحكم بإسلامهما تبعا لأَحَدهمَا) أَي الْأَبَوَيْنِ إِذا كَانَ الْمَتْبُوع وَالتَّابِع حِين الْإِسْلَام فِي دَار وَاحِدَة، أَو الْمَتْبُوع فِي دَار الْحَرْب، وَالتَّابِع فِي دَار الْإِسْلَام، لَا بِالْعَكْسِ كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي الْيَنَابِيع وَغَيره (ثمَّ تَبَعِيَّة الدَّار) صَارَت خلفا عَن أَدَاء الصَّغِير بِنَفسِهِ فِي إِثْبَات الْإِسْلَام لَهُ عِنْد عدم إِسْلَام أحد الْأَبَوَيْنِ على الْوَجْه الْمَذْكُور (فَلَو سبى فَأخْرج إِلَى دَار الْإِسْلَام وَحده حكم بِإِسْلَامِهِ، وَكَذَا تَبَعِيَّة الْغَانِمين) أَي تبعيته للْمُسلمين الْغَانِمين إِذا لم يكن مَعَه أَبَوَاهُ وَلَا أَحدهمَا، واختص بِهِ أحدهم فِي دَار الْحَرْب بِشِرَائِهِ من الإِمَام، أَو قسْمَة الإِمَام الْغَنِيمَة ثمَّة صَارَت خلفا عَن أَدَاء الصَّغِير كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَلَو قسم فِي دَار الْحَرْب فَوَقع فِي سهم أحدهم) أَي الْمُسلمين (حكم بِإِسْلَامِهِ، وَالْمرَاد أَن كلا من هَذِه خلف عَن أَدَاء الصَّغِير) بِنَفسِهِ على التَّرْتِيب الْمَذْكُور (لَا أَنه يخلف بَعْضهَا بَعْضًا) لِأَن الْخلف لَا خلف لَهُ كَذَا قَالُوا، ثمَّ كَون هَذِه التبعيات مرتبَة هَكَذَا: هُوَ الْمَذْكُور فِي أصُول فَخر الْإِسْلَام وموافقيه. وَفِي الْمُحِيط أَن تَبَعِيَّة صَاحب الْيَد مقدّمة على تَبَعِيَّة الدَّار، فَقيل يحْتَمل أَن يكون فِي المسئلة رِوَايَتَانِ بَقِي أَن الخلفية لَا تتثبت إِلَّا بِالسَّمْعِ، وَالظَّاهِر إِنَّه فِيمَا كَانَ بَين مُسلم أُصَلِّي وذمية الْإِجْمَاع، وَقد يُقَال مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة، فَأَبَوَاهُ يهوّدانه، أَو ينصرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ يصلح سندا للْإِجْمَاع فَجعل اتِّفَاقهمَا عِلّة ناقلة للْوَلَد عَن أصل الْفطْرَة،
стр. 568
فَيثبت فِيمَا اتفقَا عَلَيْهِ وَيبقى على أصل الْفطْرَة فِيمَا اخْتلفَا فِيهِ، وَأما فِيمَا بَين مُسلم عَارض إِسْلَامه وذمية، وَبَين مسلمة عَارض إسلامهما وذميّ فَظَاهر كَلَامهم أَنه الحَدِيث الْمَذْكُور لِأَنَّهُ يُفِيد ثُبُوت الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة للْوَلَد إِذا كَانَ أَبَوَاهُ على ذَلِك الْوَصْف، فَإِذا زَالَ الْوَصْف عَن أَحدهمَا انْتَفَت الْعلَّة، فينتفى الْمَعْلُول، فيترجح الْوَصْف المفطور عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِسْلَام، لَكِن يرد عَلَيْهِ أَن يُقَال: فليزم بِعَين هَذَا صيرورة الصَّغِير مُسلما بِمَوْت أَحدهمَا كَمَا هُوَ قَول الإِمَام أَحْمد، وَهُوَ خلاف مَا عَلَيْهِ بَاقِي الْأَئِمَّة. وَهَذِه الْجُمْلَة ذكرهَا الشَّارِح فِي تفاصيل أخر، و (هَذَا) كُله (إِذا لم يكن) الصَّغِير (عَاقِلا وَإِلَّا) أَي وَإِن كَانَ عَاقِلا (استقلّ بِإِسْلَامِهِ) فَإِن أسلم صَحَّ وَحِينَئِذٍ (فَلَا يرتدّ بردة من أسلم مِنْهُمَا) أَي أَبَوَيْهِ (على مَا سَيعْلَمُ) فِي فصل الْأَهْلِيَّة، لَكِن ذكر فَخر الْإِسْلَام فِي شرح الْجَامِع الصَّغِير وَيَسْتَوِي فِيمَا قُلْنَا أَن يعقل وَأَن لَا يعقل، وَذكر قَاضِي خَان فِي شَرحه عَلَيْهِ لَو أسلم أحد أَبَوَيْهِ يَجْعَل مُسلما تبعا سَوَاء كَانَ الصَّغِير عَاقِلا أَو لم يكن، لِأَن الْوَلَد يتبع خير الْأَبَوَيْنِ دينا (وَمِنْه) قَالَ الشَّارِح: أَي من الْخلف عَن الأَصْل (والصعيد) وَلَا يخفى أَنه حِينَئِذٍ لَا وَجه لذكر الْوَاو: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون الْمَعْنى وَمِنْه قَوْلهم والصعيد الخ على الْمُسَامحَة، وَقد يُقَال أَن قَوْله مِنْهُ مُتَعَلق بقوله سَيعْلَمُ، وَالضَّمِير للموصول والجارّ وَالْمَجْرُور فِي موقع الْفَاعِل فَإِنَّهُ (خلف عَن المَاء، فَيثبت بِهِ) أَي بالصعيد (مَا ثَبت بِهِ) أَي بِالْمَاءِ من الطَّهَارَة الْحكمِيَّة إِلَى وجود الناقض على مَا هُوَ مُقْتَضى الخلفية، فالأصالة والخلفية بَين الآلتين، فَيجوز إِمَامَة الْمُتَيَمم لوُجُود شَرط الصَّلَاة، وَهِي الطَّهَارَة فِي حق كلّ مِنْهُمَا، فَيجوز بِنَاء أَحدهمَا على الآخر كالغاسل على الماسح مَعَ أَن الْخُف بدل من الرجل فِي قبُول الْحَدث وَرَفعه، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (ولمحمد) وَزفر أَيْضا أَن الْأَصَالَة والخلفية (بَين الْفِعْلَيْنِ) أَي التَّيَمُّم وَالْوُضُوء أَو الْغسْل (فَلَا يلْزم ذَلِك) أَي أَن يثبت بالصعيد مَا يثبت بِالْمَاءِ، إِذْ الْمَفْرُوض أَن الْخَلِيفَة لَيست بَينهمَا (وَلَا يُصَلِّي الْمُتَوَضِّئ خلف الْمُتَيَمم لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمر) الْمُحدث (بِالْفِعْلِ) أَي الْوَصْف، فَقَالَ إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة (فَاغْسِلُوا) الْآيَة، وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا (ثمَّ نقل) الْأَمر عَن الْوضُوء (إِلَى الْفِعْل) الآخر. وَهُوَ التَّيَمُّم عِنْد عدم الْقُدْرَة على المَاء، فَقَالَ - ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى﴾ - إِلَى قَوْله - ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ - الْآيَة، وَإِذا لم يكن الصَّعِيد خلفا للْمَاء لم يثبت بِهِ طَهَارَة مُطلقَة كَمَا يثبت بِالْمَاءِ ليعتبر ذَلِك فِي حقّ المقتدى الْمُتَوَضِّئ (وَلَهُمَا) أَي أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (أَنه) تَعَالَى (نقل) الطّلب عَن المَاء إِلَى الصَّعِيد (عِنْد عدم المَاء) حَيْثُ قَالَ (فَلم تَجدوا مَاء فَكَانَ) المَاء هُوَ (الأَصْل) وَيُؤَيِّدهُ قَوْله ﷺ الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُؤمن وَلَو إِلَى عشر سِنِين. وَقد يُقَال كَمَا أَن الخلفية إِذا اعْتبرت بَين
стр. 569
الآلتين اقْتَضَت ثُبُوت مَا ثَبت بِالْمَاءِ فِي الصَّعِيد، كَذَلِك إِذا اعْتبرت بَين الْفِعْلَيْنِ اقْتَضَت أَن يرتب على التيميم مَا كَانَ يَتَرَتَّب على الْوضُوء من الطَّهَارَة الْحكمِيَّة إِلَى وجود الناقض بِمُقْتَضى الخلفية فَمَا الْفرق بَين الاعتبارين، وَالْجَوَاب أَنَّهَا إِذا اعْتبرت بَين الْفِعْلَيْنِ ثَبت ضَرُورَة الْحَاجة إِلَى إِسْقَاط الْفَرْض عَن الذِّمَّة مَعَ قيام الْحَدث كطهارة الْمُسْتَحَاضَة، وَيلْزمهُ عدم جَوَاز تَقْدِيمه على الْوَقْت وَعدم جَوَاز مَا شَاءَ من الْفَرَائِض والنوافل بِخِلَاف مَا إِذا اعْتبرت بَين الآلتين، فَإِنَّهَا تثبت حِينَئِذٍ مُطلقَة يرْتَفع بِهِ الْحَدث وَيلْزمهُ جَوَاز مَا ذكر فَإِن قلت مَا السرّ فِي ثُبُوتهَا على وَجه الضَّرُورَة إِذا اعْتبرت بَين الْفِعْلَيْنِ دون الآلتين مَعَ اشْتِرَاك مَا يَقْتَضِي اعْتِبَار الضَّرُورَة، وَهُوَ قَوْله - ﴿فَلم تَجدوا مَاء﴾ - فِي الْوَجْهَيْنِ (قلت الضَّرُورَة الَّتِي اقتضاها القَوْل الْمَذْكُور اعتبرناها فيهمَا والضرورة الَّتِي هِيَ مَحل النزاع لَا يقتضيها القَوْل الْمَذْكُور، بل يقتضيها خُصُوصِيَّة الأَصْل وَاعْتِبَار الخلفية بَين الْفِعْلَيْنِ، بَيَان ذَلِك أَن التُّرَاب فِي حدّ ذَاته مغبر مَحْض لَا يحصل حِكْمَة الْأَمر بالتطهير وَهُوَ تَحْسِين الْأَعْضَاء فاللائق بِشَأْنِهِ أَن يكون الْحَاصِل بِهِ مجرّد إِبَاحَة الصَّلَاة كطهارة من بهَا الِاسْتِحَاضَة غير أَن للشارع ولَايَة أَن يَجْعَل طَهَارَته كَامِلَة مثل المَاء على خلاف قِيَاس الْعقل، فالشأن فِي معرفَة اعْتِبَار الشَّارِع، وَذَلِكَ بِقَرِينَة اعْتِبَار الخلفية، فَإِن اعتبرها بَين المَاء وَالتُّرَاب كَانَ ذَلِك عَلامَة إِعْطَائِهِ الطَّهَارَة الْكَامِلَة لكَون أَصله مَعْرُوفا بالطهورية شرعا وعقلا، وَأَن اعتبرها بَين الْفِعْلَيْنِ كَانَ ذَلِك قرينَة إِعْطَائِهِ إِيَّاه مجرّد الْإِبَاحَة للصَّلَاة لعدم مَا هُوَ صَارف عَن اعْتِبَار مَا يَلِيق بِشَأْنِهِ من كَون الأَصْل مَعْرُوفا بِمَا ذكر حِينَئِذٍ (وَلَا بدّ فِي تَحْقِيق الخلفية من عدم الأَصْل) حَال انْتِقَال الحكم عَن الأَصْل إِلَى الْخلف إِذْ لَا معنى إِلَى الْمصير إِلَى الْخلف مَعَ وجود الأَصْل (و) من (إِمْكَانه) أَي الأَصْل لينعقد السَّبَب، ثمَّ بِالْعَجزِ عَنهُ يتحوّل الحكم عَنهُ إِلَى الْخلف (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الأَصْل مُمكنا لأمر مَا (فَلَا أصل) أَي فَلَا يُوصف ذَلِك الْأَمر بِالْأَصَالَةِ لغيره، وَإِذ لَا أصل لَهُ (فَلَا خلف) أَي فَلَا يُوصف ذَلِك الْغَيْر بالخلفية عَنهُ، وَمن هُنَا لزم التَّكْفِير من حلف ليمسنّ السَّمَاء لِأَنَّهَا انْعَقَدت مُوجبَة للبرّ لَا مَكَان مسّ السَّمَاء فِي الْجُمْلَة، لِأَن الْمَلَائِكَة يصعدون إِلَيْهَا وَالنَّبِيّ ﷺ صعد إِلَيْهَا لَيْلَة الْمِعْرَاج إِلَّا أَنه مَعْدُوم عرفا وَعَادَة، فانتقل الحكم مِنْهُ إِلَى الْخلف الَّذِي هُوَ الْكَفَّارَة، وَلم يلْزم من حلف على نفي مَا كَانَ، أَو ثُبُوت مَا لم يكن فِي الْمَاضِي لعدم إِمْكَان الأَصْل.
الْفَصْل الثَّالِث
فِي (الْمَحْكُوم فِيهِ) الْمَحْكُوم فِيهِ مُبْتَدأ وَقَوله (وَهُوَ) أَي الْمَحْكُوم فِيهِ (أقرب من الْمَحْكُوم
стр. 570
بِهِ) مُعْتَرضَة وَخَبره (فعل الْمُكَلف) يُرِيد أَن التَّعْبِير عَن فعل الْمُكَلف بالمحكوم فِيهِ أقرب من حَيْثُ الْمُنَاسبَة، وَأولى من التَّعْبِير عَنهُ بالمحكوم بِهِ كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة والبيضاوي وَغَيرهمَا نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: إِذا لم يحكم الشَّارِع بِهِ على الْمُكَلف، بل حكم فِي الْفِعْل بِالْوُجُوب، بِالْمَنْعِ، بِالْإِطْلَاقِ، وَالظَّاهِر أَن لَيْسَ مَنعه حكم بِهِ على الْمُكَلف وَلَا فِي إِطْلَاقه وَالْإِذْن فِيهِ، وَإِنَّمَا يخال ذَلِك فِي إِيجَابه، وَعند التَّحْقِيق يظْهر أَن لَيْسَ إِيجَابه: أَي إِيجَاب الشَّارِع فعله حكما بِنَفس الْفِعْل، وَلَو سلم كَانَ بِاعْتِبَار قسم يُخَالِفهُ أَقسَام (مُتَعَلق الْإِيجَاب) حَال من الْخَبَر (و) الْعَامِل معنوي (هُوَ الْوَاجِب) أَي يُسمى الْوَاجِب (لم يشتقوا لَهُ) أَي لفعله الْمَذْكُور (بِاعْتِبَار أَثَره) أَي الْإِيجَاب الْمُتَعَلّق بِهِ اسْما (إِلَّا اسْم الْفَاعِل) وَأما الْبَاقِي (فمتعلق النّدب وَالْإِبَاحَة وَالْكَرَاهَة مفعول) اشتق لمتعلقها بِاعْتِبَار أَثَرهَا اسْم مفعول، وَهُوَ (مَنْدُوب مُبَاح مَكْرُوه و) اشتقوا (كلا) من اسْمِي الْفَاعِل وَالْمَفْعُول (لمتعلق التَّحْرِيم) فَقَالُوا هُوَ (حرَام محرّم تَخْصِيصًا بالاصطلاح فِي الأول) أَي وَقع تَخْصِيص فِي مُتَعَلق الْإِيجَاب بالاقتصار على اسْم الْفَاعِل (و) فِي (الْأَخير) يَعْنِي مُتَعَلق التَّحْرِيم بِأَن وَسعوا لَهُ فِي الِاشْتِقَاق لَا لغيره، وكل ذَلِك بمجرّد الِاصْطِلَاح، لَا لموجب اقْتضى ذَلِك (ورسم الْوَاجِب بِمَا) أَي فعل (يُعَاقب تَاركه) على تَركه، قَوْله رسم الْوَاجِب مُبْتَدأ خَبره (مَرْدُود بِجَوَاز الْعَفو) عَنهُ: أَي سَبَب الرّد أَنه لَيْسَ الْعقَاب من لوازمه لجَوَاز أَن يعفي عَنهُ فَلَا يُعَاقب (و) رسمه (بِمَا أوعد) بالعقاب (على تَركه، إِن أُرِيد) بِالتّرْكِ التّرْك (الأعمّ من ترك) مُكَلّف (وَاحِد أَو) ترك (الكلّ) أَي كلّ الْمُكَلّفين فِي تِلْكَ النَّاحِيَة (ليدْخل الْكِفَايَة) أَي الْوَاجِب كِفَايَة فِي التَّعْرِيف (لزم التوعد بترك وَاحِد فِي الْكِفَايَة) مَعَ فعل غَيره (أَو) أُرِيد بِهِ (ترك الكلّ خرج مَتْرُوك الْوَاحِد) فِي الْوَاجِب عينا أَن لم يبين حكمه (أَو) أُرِيد بِهِ تَركه (الْوَاحِد خرج الْكِفَايَة، وَأما ردّه) أَي التَّعْرِيف الْمَذْكُور (بِصدق إيعاده كوعده فيستلزم الْعقَاب) يَعْنِي أَن الْعُدُول عَن المعاقبة إِلَى الإيعاد الْمعبر عَنهُ بأوعد لَا يصحح التَّعْرِيف للُزُوم وُقُوع مُتَعَلق الإيعاد، فَلَا فرق فِي الْمَآل بَين قَوْلكُم يُعَاقب وقولكم أوعده الله بالعقاب على التّرْك، فَكَمَا أَن ذَلِك مَرْدُود بِجَوَاز الْعَفو كَذَلِك هَذَا (فيناقض تجويزهم الْعَفو) إِذا أوعد تَارِك الْوَاجِب مُطلقًا بالعقاب، وقلتم إيعاده يسْتَلْزم الْعقَاب، فَلم يبْق لجَوَاز الْعَفو مجَال (وَهُوَ) أَي هَذَا الردّ (بالمعتزلة أليق) لِاسْتِحَالَة الْخلف فِي وعيده تَعَالَى عِنْدهم، بِخِلَاف أهل السّنة، ثمَّ إِن التَّنَاقُض يلْزم من ظنّ كَون الإيعاد الْمَذْكُور فِي التَّعْرِيف مستلزما للعقاب فِي جَمِيع الْأَوْقَات (إِلَّا) وَقت (أَن يُرَاد) بالإيعاد الْمَذْكُور (إيعاد ترك وَاجِب الْإِيمَان) فَإِن الْخلف فِيهِ غير جَائِز قطعا لقَوْله تَعَالَى - (إِن الله لَا يغْفر أَن
стр. 571
يُشْرك بِهِ﴾ - وَأما الإيعاد على ترك وَاجِب غَيره فَيجوز الْخلف فِيهِ لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ -، وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَا يجوز أَن يُرَاد هَذَا الإيعاد الْخَاص من التَّعْرِيف إِذْ لَا دلَالَة للعام على الْخَاص بِوَجْه (فَلَا يبطل التَّعْرِيف إِلَّا بِفساد عَكسه بِخُرُوج مَا سواهُ) أَي مَا سوى وَاجِب الْإِيمَان، لَا بِخُرُوج كلّ وَاجِب، وَقَالَ الشَّارِح: إِن ظَاهر المواقف والمقاصد أَن الأشاعرة على جَوَاز الْخلف فِي الْوَعيد، لِأَنَّهُ يعدّ جودا وكرما لَا نقصا، وَإِن فِي غَيرهمَا الْمَنْع مِنْهُ معزوّا إِلَى الْمُحَقِّقين، فَإِن الشَّيْخ حَافظ الدّين نصّ على أَنه الصَّحِيح، وَأَن الْأَشْبَه أَن يُقَال بِجَوَازِهِ فِي حق الْمُسلمين خَاصَّة جمعا بَين الْأَدِلَّة انْتهى.
قلت والحقّ أَن من الْوَعيد مَا فِيهِ تفاصيل كَثِيرَة كتخاصم أهل النَّار وحكاية أسئلتهم وأجوبتهم وتقريعات الْمَلَائِكَة وَغَيرهم عَلَيْهِم وتأسفاتهم على مَا فاتهم من طلب الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا، فَعدم تحقق مثله مِمَّا يحيله الْعقل عَادَة إِذْ لَا يَلِيق بجنابه الْإِخْبَار عَن الْمُسْتَقْبل بِتِلْكَ التفاصيل من غير أَن يكون لَهُ مصداق، وَيُشبه أَن يكون تَجْوِيز مثل هَذَا الِاحْتِمَال من بَاب الْغرُور، وَإِنَّمَا يجوز الْخلف فِي مثل قَول الْملك لأَقْتُلَنك، وشتان بَينهمَا (وَأما) ردّ هَذَا التَّعْرِيف (بِأَن مِنْهُ) أَي الْوَاجِب (مَا لم يتوعد عَلَيْهِ) أَي على تَركه فَلَا يصدق عَلَيْهِ مَا أوعد على تَركه (فمندفع بِثُبُوتِهِ) أَي الإيعاد على التّرْك (لكلها) أَي الْوَاجِبَات (بالعمومات) أَي بالنصوص الْعَامَّة كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعدّ حُدُوده يدْخلهُ نَارا﴾ ﴿﴾ (وَمن يعْمل مِثْقَال ذرّة شرّا يره﴾ - (ورسم) الْوَاجِب أَيْضا (بِمَا يخَاف الْعقَاب بِتَرْكِهِ، وأفسد طرده) أَي كَون هَذَا التَّعْرِيف مَانِعا (بِمَا لَيْسَ بِوَاجِب) أَي لم يثبت وُجُوبه شرعا (وَشك فِي وُجُوبه) فَإِن الْمَشْكُوك فِي وُجُوبه يخَاف على تَركه لاحْتِمَال كَونه وَاجِبا فِي نفس الْأَمر فَيصدق عَلَيْهِ الحدّ دون الْمَحْدُود، لِأَن الْمُعَرّف مَا ثَبت وُجُوبه شرعا (وَيدْفَع) هَذَا الْإِفْسَاد (بِأَن مَفْهُومه) أَي مَا يخَاف الْعقَاب بِتَرْكِهِ (مَا) أَي فعل (بِحَيْثُ) يخَاف الْعقَاب بِتَرْكِهِ: يَعْنِي أَن هَذِه الْحَيْثِيَّة لَازِمَة لَهُ (فَلَا يختصّ) ذَلِك الْفِعْل (بخوف وَاحِد دون آخر) بِأَن يخَاف بعض النَّاس الْعقَاب بِتَرْكِهِ وَلَا يخَاف بعض آخر، بل يعمّ الْخَوْف كلّ أحد (وَلَا خوف للمجتهد فِي ترك مَا شكّ فِيهِ) بعد الِاجْتِهَاد، وَذَلِكَ ليأسه عَمَّا يُفِيد زَوَال الشَّك بعد بذل الوسع فَلَا يصدق التَّعْرِيف على الْمَشْكُوك فِي وُجُوبه لما عرفت من اعْتِبَار عُمُوم الْخَوْف فِيهِ (و) أفسد (عَكسه) أَي جامعية التَّعْرِيف الْمَذْكُور (بِوَاجِب) أَي بِمَا ثَبت وُجُوبه شرعا غير أَنه (شكّ فِي عدم وُجُوبه) فَإِن قلت الشَّك عبارَة عَن تَسَاوِي الطَّرفَيْنِ، فالشك فِي عدم الْوُجُوب شكّ فِي الْوُجُوب قلت الشَّك كَمَا قلت غير أَن الشُّبْهَة طارئة فِي الأول على أَمر ثَبت وُجُوبه بدليله، وَفِي الثَّانِي على أَمر ثَبت عدم وُجُوبه. فَعبر عَن كلّ مِنْهُمَا بِمَا يَلِيق بِهِ
стр. 572
(أَو) مَا (ظنّ) عدم وُجُوبه بِأَن ظنّ الْمُجْتَهد الَّذِي ادّعى اجْتِهَاده إِلَى وُجُوبه ابْتِدَاء عدم الْوُجُوب أَو ظنّ غَيره (فَإِنَّهُ) أَي الشَّأْن أَو الْوَاجِب الْمَذْكُور (لَا يخَاف) الْعقَاب بِتَرْكِهِ فَلَا يصدق التَّعْرِيف على هَذَا الْفَرد من الْمُعَرّف، إِذْ لَيْسَ مثله مِمَّا يخَاف على تَركه خوفًا لَا يختصّ بِوَاحِد دون وَاحِد، أما إِذا كَانَ هُوَ الظانّ فالشارح ذكر أَنه لَا يخَاف بترك مَا ظنّ عدم وُجُوبه ابْتِدَاء عَادَة، وَفِيه نظر (وَهُوَ) أَي إِفْسَاد عَكسه بِهَذَا (حقّ، ومنبع دفع الأوّل) أَي منشأ دفع الْإِشْكَال على طرده من غير حَاجَة إِلَى تَفْسِيره بِمَا بحث بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور، إِذْ عدم الْخَوْف مُشْتَرك بِمَا لَيْسَ بِوَاجِب وَشك فِي وُجُوبه وَبَين مَا هُوَ وَاجِب وَشك فِي عدم وُجُوبه، وَذَلِكَ مَعْلُوم بِحَسب الْعَادة (وللقاضي أبي بكر) رسم آخر، وَهُوَ (مَا يذمّ شرعا تَاركه بِوَجْه مّا، يُرِيد) بقوله بِوَجْه مّا أحد الْوُجُوه الْمشَار إِلَيْهَا بِهَذَا التَّفْصِيل تَركه (فِي جَمِيع وقته) الَّذِي وَقت بِهِ، فاحترز بِهِ عَن تَركه فِي بعض ذَلِك الْوَقْت (بِلَا عذر نِسْيَان ونوم وسفر) فَلَا يذمّ إِذا ترك بِأحد هَذِه الْأَعْذَار، وَهَذَا فِي الْوَاجِب عينا. وَأما فِي الْوَاجِب كِفَايَة فَتعْتَبر هَذِه الْقُيُود مَعَ قيد آخر (و) هُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (مَعَ عدم فعل غَيره) بِأَن يتْركهُ الْجَمِيع (أَن) كَانَ الْوَاجِب (كِفَايَة و) ترك (الْكل) من الْأُمُور الْمُخَير فِيهَا (فِي) الْوَاجِب (الْمُخَير) فِيهِ بَين الْأُمُور (وَلَو أَرَادَ) القَاضِي (عدم الْوُجُوب مَعهَا) أَي الْأَعْذَار الْمَذْكُورَة على مَا صرّح بِهِ فِي التَّقْرِيب من أَنه لَا وجوب على النَّائِم وَالنَّاسِي وَنَحْوهمَا حَتَّى السَّكْرَان، وَأَن الْمُسَافِر يجب عَلَيْهِ صَوْم أحد الشَّهْرَيْنِ (فَلَا يذمّ) الْمُكَلف (مَعهَا) أَي الْأَعْذَار الْمَذْكُورَة وَلَو هَاهُنَا بِمَعْنى أَن بِدَلِيل دُخُول الْفَاء فِي جوابها (بِالتّرْكِ إِلَى آخر الْوَقْت) إِذْ لَا وجوب مَعهَا (وَبعد زَوَالهَا) أَي الْأَعْذَار (توجه وجوب الْقَضَاء عِنْده) أَي القَاضِي (فيذم) الْمُكَلف (بِتَرْكِهِ) أَي الْقَضَاء (بِوَجْه مَا وَهُوَ): أَي ترك الْقَضَاء بِوَجْه مّا (مَا): أَي التّرْك الَّذِي يكون (فِي جَمِيع الْعُمر) مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ (ولبعضهم اعْتِرَاض) عَلَيْهِ (جدير بِالْإِعْرَاضِ) ثمَّ عِنْده وجوب الْقَضَاء لَيْسَ فرع وجوب الْأَدَاء (أما على) اصْطِلَاح (الْحَنَفِيَّة فالوجوب يَنْفَكّ عَن وجوب الْأَدَاء وَهُوَ) أَي وجوب الْأَدَاء فِي هَذِه الْحَالَات هُوَ (السَّاقِط) لَا أصل الْوُجُوب.
(تَقْسِيم)
للْوَاجِب بِاعْتِبَار تقيده بِوَقْت يفوت بفواته، وَعدم تقيده بذلك
(الْوَاجِب) قِسْمَانِ وَاجِب (مُطلق) وَهُوَ الَّذِي (لم يُقيد طلب إِيقَاعه بِوَقْت من الْعُمر كالنذور الْمُطلقَة وَالْكَفَّارَات) وَقَضَاء رَمَضَان كَمَا ذكره القَاضِي أَبُو زيد وَصدر الْإِسْلَام وَصَاحب الْمِيزَان، وَذكر فَخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ أَنه موقت، لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا فِي النَّهَار، وَأَجَابُوا عَنْهُمَا
стр. 573
بِأَن كَونهمَا فِي النَّهَار دَاخل فِي مَفْهُومه لَا قيد لَهُ (وَالزَّكَاة) كَمَا هُوَ قَول الشَّيْخ أبي بكر الرَّازِيّ، وَالْوَجْه الْمُخْتَار أَن الْأَمر بِالصرْفِ إِلَى الْفَقِير مَعَه قرينَة الْفَوْر، وَهِي أَنه لدفع حَاجته، وَهِي مُعجلَة، فَلَزِمَ بِالتَّأْخِيرِ من غير ضَرُورَة إِثْم. نعم بِالنّظرِ إِلَى دَلِيل الافتراض لَا تجب الْفَوْرِيَّة كَمَا صرّح بِهِ الْحَاكِم الشَّهِيد والكرخي: وَذكر الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر عَن أبي حنيفَة أَنه يكره التَّأْخِير من غير عذر، فَيحمل على كَرَاهَة التَّحْرِيم، وعنهما مَا يُفِيد ذَلِك، وَبِه قَالَت الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (وَالْعشر وَالْخَرَاج، وأدرج الْحَنَفِيَّة صَدَقَة الْفطر) فِي هَذَا الْقسم (نظرا إِلَى أَن وُجُوبهَا طهرة للصَّائِم) عَن اللَّغْو والرفث فَلَا يتَقَيَّد بِوَقْت (وَالظَّاهِر تقييدها بيومه) أَي يَوْم الْفطر (من) قَوْله ﷺ " (أغنوهم الخ) أَي عَن المسئلة فِي هَذَا الْيَوْم ". قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة: روى الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث عَن ابْن عمر قَالَ أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نخرج صَدَقَة الْفطر قبل الصَّلَاة وَيَقُول: أغنوهم عَن الطّواف فِي هَذَا الْيَوْم (فبعده) أَي فإخراجها فِيمَا بعد يَوْم الْفطر (قَضَاء ووجوبه) أَي الْوَاجِب الْمُطلق (على التَّرَاخِي: أَي جَوَاز التَّأْخِير) عَن الْوَقْت الَّذِي وَجب فِيهِ إِنَّمَا فسر بقوله ووجوبه بِهِ على التَّرَاخِي لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن التَّرَاخِي وَاجِب فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهر اللَّفْظ: فَالْمَعْنى وُجُوبه كَائِن على وَجه يجوز فِيهِ التَّرَاخِي (مَا لم يغلب على ظَنّه فَوَاته) إِن لم يَفْعَله فقد وسع لَهُ فِي مدّة عمْرَة بِشَرْط أَن لَا يخليها مِنْهُ (عِنْد جَمَاهِير الْفرق) من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والمتكلمين (خلافًا للكرخي وَبَعض الشَّافِعِيَّة) والمالكية والحنابلة على مَا ذكره الشَّارِح فَإِنَّهُم قَالُوا بِوُجُوبِهِ فَوْرًا (ومبناه) أَي هَذَا الْخلاف (أَن الْأَمر) الْمُطلق (للفور أَو لَا) وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ مفصلا (و) وَاجِب (مُقَيّد بِهِ) أَي بِوَقْت مَحْدُود (يفوت) الْوَاجِب (بِهِ) أَي بِفَوَات ذَلِك الْوَقْت (وَهُوَ) أَي الْوَاجِب الْمُقَيد بِهِ (بالاستقراء) أَقسَام (أَرْبَعَة: الأوّل أَن يفضل الْوَقْت عَن الْأَدَاء، وَيُسمى) ذَلِك الْوَقْت (عِنْد الْحَنَفِيَّة ظرفا اصْطِلَاحا) يَعْنِي أَن تَخْصِيصه بِهِ مجرّد اصْطِلَاح مِنْهُم: إِذْ هُوَ فِي اللُّغَة مَا يحلّ بِهِ الشَّيْء، وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِي كل وَقت سَوَاء فضل عَن الْأَدَاء أَو لَا. وَقد يُقَال لما كَانَ غَالب الظروف المحسوسة أعظم مِقْدَارًا من المظروف شبه هَذَا الظّرْف بهَا فَسُمي باسمها (وموسعا عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَبِه) أَي الموسع (سَمَّاهُ فِي الْكَشْف الصَّغِير) أَي كشف الْأَسْرَار: شرح الْمنَار لمؤلفه كَذَا فسره الشَّارِح، وَقَالَ لم أَقف عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وقفت عَلَيْهِ فِي الْكَشْف الْكَبِير من كَلَام الْغَزالِيّ انْتهى. وَعدم وُقُوفه لَا يسْتَلْزم عَدمه فِيهِ، مَعَ أَنه يحْتَمل أَن يكون اسْم كتاب آخر (كوقت الصَّلَاة) الْمَكْتُوبَة فَإِنَّهُ (سَبَب مَحْض عَلامَة) دَالَّة (على الْوُجُوب) أَي وُجُوبهَا فِيهِ (وَالنعَم) المتتابعة على الْعَاد (فِيهِ) أَي الْوَقْت هما (الْعلَّة) المثيرة للْوُجُوب فِيهِ (بِالْحَقِيقَةِ) لِأَنَّهَا صَالِحَة للعلية، بِخِلَاف
стр. 574
نفس الْوَقْت فَإِنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَينه وَبَينهَا، وَإِنَّمَا جعل سَببا مجَازًا لِأَنَّهُ محلّ لحدوث النعم فأقيم مقَامهَا تيسيرا (وَشرط صِحَة مُتَعَلقَة) أَي الْوُجُوب مَعْطُوف على قَوْله سَبَب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تصحّ للصَّلَاة فِي غير الْوَقْت أَدَاء، ومتعلقه هُوَ المؤدّى (من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك) أَي هُوَ شَرط صِحَة المؤدّى من حَيْثُ هُوَ مُتَعَلق الْوُجُوب: أَي من حَيْثُ هُوَ مؤدّى، إِذْ هُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار صَار مُتَعَلق الْوُجُوب (وَمَا قيل) وَالْقَائِل جمّ غفير من أَن وَقت الصَّلَاة (ظرفيته للمؤدّي وَهُوَ) أَي المؤدّي (الْفِعْل) يَعْنِي الْأَركان الْمَخْصُوصَة (وشرطيته للْأَدَاء وَهُوَ) أَي الْأَدَاء (غَيره) أَي الْفِعْل فَلَا يتحد المظروف والمشروط (غلط) خبر الْمَوْصُول (لِأَن الْفِعْل الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول) أَي الَّذِي يفعل (فِي الْوَقْت) وَكَذَا قَالُوا الْمَفْعُول حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ (هُوَ المُرَاد بِالْأَدَاءِ، لَا أَدَاء الْفِعْل الَّذِي هُوَ فعل الْفِعْل) قَوْله الَّذِي صفة أَدَاء الْفِعْل، وَالْمرَاد بِفعل الْفِعْل هُوَ الْوَصْف الْقَائِم بالفاعل: أَعنِي كَونه مؤدّيا لما فِي ذمّته (لِأَنَّهُ) أَي فعل الْفِعْل أَمر (اعتباري لَا وجود لَهُ) وَمَا لَا وجود لَهُ لَا يصلح للمشروطية، وَفِيه أَن الْأَمر الاعتباري إِذا كَانَ لَهُ ثبوب بِحَسب نفس الْأَمر كزوجية الْأَرْبَعَة لم لَا يجوز أَن يَقع مَشْرُوطًا بِشَرْط فَتَأمل (وَفِيه) أَي هَذَا الْقسم (مسئلة) تذكر فِي مباحثه لَا أَنَّهَا من أَفْرَاده.
(السَّبَب) للصَّلَاة الْمَكْتُوبَة هُوَ (الْجُزْء الأول من الْوَقْت عينا) أَي من حَيْثُ عينه فَهُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز (للسبق والصلاحية بِلَا مَانع) يَعْنِي بعد مَا تعين أَن يكون الْوَقْت هُوَ السَّبَب لوُجُوبهَا وَلَا يُمكن جعله مَجْمُوع أَجْزَائِهِ لاستلزامه وُقُوع الصَّلَاة بعد الْوَقْت لزم أَن يكون بعض أَجْزَائِهِ، وكل جُزْء يصلح لذَلِك، والجزء الأول أسبق فِي الْوُجُود والاستحقاق وَلَا معَارض لَهُ فَتعين للسَّبَبِيَّة (وَعَامة الْحَنَفِيَّة) على أَن السَّبَب (هُوَ) الْجُزْء الأول من الْوَقْت إِذا اتَّصل بِهِ الْأَدَاء (فَإِن لم يتَّصل بِهِ الْأَدَاء انْتَقَلت) السَّبَبِيَّة مِنْهُ إِلَى مَا يَلِيهِ (كَذَلِك) ينْتَقل من كل جُزْء إِلَى مَا يَلِيهِ إِلَى أَن يصل (إِلَى مَا) أَي جُزْء (يتَّصل بِهِ) أَي بِالْأَدَاءِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم ينْتَه إِلَى جُزْء مُتَّصِل بِالْأَدَاءِ تعين الْجُزْء (الْأَخير) للسَّبَبِيَّة، يرد عَلَيْهِ أَن الْجُزْء الْأَخير إِن اتَّصل بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاة كَانَ دَاخِلا فِيمَا يتَّصل بِالْأَدَاءِ لما سَيَأْتِي من أَن التَّحْرِيمَة إِذا وَقعت فِي الْوَقْت تسمى أَدَاء، وَإِن لم يتَّصل فِينَا فِي مَا بعده، وَهُوَ قَوْله وَبعد خُرُوجه جملَته اتِّفَاقًا، وَالْجَوَاب أَنا نَخْتَار الشق الأول ونقول: اتِّصَاله بِالشُّرُوعِ يتَحَقَّق فِيمَا إِذا بَقِي من الْوَقْت مَا لَا يسع التَّحْرِيمَة فَحِينَئِذٍ لَا يتَحَقَّق الِاتِّصَال بِالْأَدَاءِ فَتدبر فَإِن قلت انْتِقَال السَّبَبِيَّة فرع تحققها وَلَا تحقق لَهَا بِدُونِ الِاتِّصَال بِالْأَدَاءِ قلت المُرَاد بهَا السَّبَبِيَّة بالقوّة الْقَرِيبَة من الْفِعْل (ولزفر) أَي وَالسَّبَب عِنْد زفر (مَا) أَي جُزْء (يسع) الْمَجْمُوع لتركب الْمُبْتَدَأ (مِنْهُ إِلَى آخر الْوَقْت الْأَدَاء) بِالنّصب
стр. 575
مفعول يسع، وَيجب أَن يشْتَرط وُقُوع الشُّرُوع فِي الصَّلَاة فِيمَا بَين الْجُزْء الْمَذْكُور وَآخر الْوَقْت: إِذْ لَو لم يَقع كَانَ السَّبَب جملَة الْوَقْت اتِّفَاقًا (وَبعد خُرُوجه) أَي الْوَقْت السَّبَب (جملَته) أَي مَجْمُوع الْوَقْت (اتِّفَاقًا) نقل الشَّارِح عَن أبي الْيُسْر أَن السَّبَب هُوَ الْجُزْء الْأَخير بعد مضيه أَيْضا وَكَأَنَّهُ لم يثبت عِنْد المُصَنّف (فتأدّى عصر يَوْمه فِي) الْوَقْت (النَّاقِص) وَهُوَ وَقت تغير الشَّمْس لِأَنَّهُ وَجب نَاقِصا، لِأَن نُقْصَان السَّبَب مُؤثر فِي نُقْصَان الْمُسَبّب، فتأدّى كَمَا وَجب تَفْرِيع على مَا سبق من أَن السَّبَب الْجُزْء الْمُتَّصِل بِالْأَدَاءِ فَإِن المقترن بالتغير نَاقص، فَيجب بِهِ على وصف النُّقْصَان بِالِابْتِدَاءِ فِي الْوَقْت النَّاقِص (لَا) عصر (أمسه لِأَنَّهُ) أَي سَبَب عصر أمسه (نَاقص من وَجه) لِأَن عصر يَوْم حَيْثُ لم يؤدّ فِي جُزْء من الْوَقْت كَانَ سَبَب وُجُوبه جملَة الْوَقْت، وَهِي تشْتَمل على النَّاقِص وَغَيره فَهُوَ نَاقص من وَجه دون وَجه (فَلَا يتَأَدَّى بالناقص) أى فِي الْوَقْت النَّاقِص (من كل وَجه) لعدم اشتماله على غير النَّاقِص (وَاعْترض بِلُزُوم صِحَّته) أَي عصر أمسه (إِذا وَقع بعضه) أَي بعض عصر أمسه (فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت النَّاقِص وَبَعضه فِي الْوَقْت الْكَامِل الَّذِي هُوَ مَا قبل التَّغَيُّر لكِنهمْ نصوا على عدم الصِّحَّة (فَعدل) عَن الْجَواب الْمَذْكُور إِلَى الْجَواب بِأَن الْوَقْت الْكَامِل لما كَانَ أَكثر من النَّاقِص تعين وجوب الْقَضَاء كَامِلا ذَهَابًا (إِلَى تَغْلِيب الصَّحِيح) الَّذِي هُوَ أَكثر أَجزَاء سَبَب عصر أمسه على غير الصَّحِيح الَّذِي هُوَ الأقلّ الْفَاسِد (للغلبة) للْأَكْثَر لِأَن للْأَكْثَر حكم الكلّ فِي كثير من الْمَوَاضِع فَكَأَن سَببه كَامِل من غير نقص فَلَا يتأدّى فِي الْوَقْت النَّاقِص (فورد) حِينَئِذٍ (من أسلم وَنَحْوه) كمن بلغ وَمن طهرت من حيض (فِي) الْوَقْت (النَّاقِص) فَلم يصلّ فِيهِ حَتَّى مضى (لَا يصحّ مِنْهُ) قَضَاء تِلْكَ الصَّلَاة (فِي نَاقص غَيره) من الْأَوْقَات (مَعَ تعذّر الْإِضَافَة) للسبب (فِي حَقه) أَي من أسلم وَنَحْوه (إِلَى الكلّ) أَي كل الْوَقْت لعدم أهليتهم للْوُجُوب فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ، فَيَنْبَغِي أَن يجوز لِأَن الْقَضَاء حِينَئِذٍ يكون بِالصّفةِ الَّتِي وَجب بهَا الْأَدَاء، وَقد تقرّر الْجُزْء الْأَخير للسَّبَبِيَّة فِي حَقه (فَأُجِيب بِأَن لَا رِوَايَة) فِي هَذَا عَن الْمُتَقَدِّمين (فيلتزم الصِّحَّة) أَي صِحَة قَضَاء من ذكر فِي الْوَقْت النَّاقِص كَمَا هُوَ قَول بعض الْمَشَايِخ، وَعَزاهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة إِلَى فَخر الْإِسْلَام (وَالصَّحِيح أَن النُّقْصَان لَازم الْأَدَاء فِي ذَلِك الْجُزْء) الْأَخير لما فِيهِ من التَّشْبِيه بعبدة الشَّمْس فِي ذَلِك الْوَقْت (لَا) لَازم نفس (الْجُزْء) لانْتِفَاء هَذَا الْمَعْنى فِيهِ (فَيحمل) النُّقْصَان فِي الْأَدَاء فِيهِ (لوُجُوب الْأَدَاء فِيهِ) بِسَبَب شرف الْوَقْت وورود السّنة بِهِ (فَإِذا لم يؤدّ) فِي ذَلِك الْوَقْت (و) الْحَال أَنه (لَا نقص) فِي الْوَقْت أصلا (وَجب الْكَامِل) أَي وَجب الْقَضَاء على وَجه الْكَمَال بإيقاعه فِي وَقت لَا نقص لما يَقع فِيهِ (قَالُوا) أَي عَامَّة الْحَنَفِيَّة (كَونه) أَي
стр. 576
السَّبَب الْجُزْء (الأول يُوجب كَون الْأَدَاء بعده) أَي الْجُزْء الأول من الْوَقْت إِذا لم يتَّصل بِهِ الْأَدَاء (قَضَاء، و) كَونه (الْكل) أَي كل الْوَقْت (يُوجِبهُ) أَي الْأَدَاء (بعده) أَي الْوَقْت ضَرُورَة لزم تقدم السَّبَب على الْمُسَبّب (وهما) أَي كَون الْأَدَاء بعد الْجُزْء الأول فِي الْوَقْت ضَرُورَة وَقَضَاء وَإِيجَاب الْفِعْل بعد الْوَقْت أَدَاء (منتفيان) أما الأول فَلِأَنَّهُ لَا وَجه لِلْقَوْلِ بالتفويت مَعَ وجود الْوَقْت، وَأما الثَّانِي فبالإجماع (قُلْنَا) يخْتَار الأول ثمَّ (الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، وَإِنَّمَا يلْزم) كَون الْأَدَاء بعده قَضَاء (لَو لم يكن) الْجُزْء الأول (سَببا للْوُجُوب الموسع بِمَعْنى أَنه) أَي الْجُزْء الأول (عَلامَة) دَالَّة (على تعلق وجوب الْفِعْل) أَي تعلق الْوُجُوب بِالْفِعْلِ (مُخَيّرا فِي أَجزَاء زمَان مُقَدّر) أَي مَحْدُود أَو مَفْرُوض وُقُوع أَجْزَائِهِ ظرفا للْفِعْل (يَقع) الْفِعْل (أَدَاء فِي كل مِنْهَا) أَي فِي كل وَاحِد من أَجزَاء ذَلِك الزَّمَان (كالتخيير فِي الْمَفْعُول من) خِصَال (الْكَفَّارَة فجميعه) أَي جَمِيع أَجزَاء ذَلِك الزَّمَان (وَقت الْأَدَاء وَالسَّبَب الْجُزْء السَّابِق) وَلَا يجب اتِّصَال أَدَاء الْوَاجِب بِسَبَب وُجُوبه (وَلَا تنعكس الْفُرُوع) نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ أَنا وَإِن قُلْنَا السَّبَب هُوَ الْجُزْء الأول عينا لَا تنعكس الْفُرُوع المذهبية: بل يستمرّ قَوْلنَا أَن من أسلم وَبلغ إِلَى آخِره فِي الْوَقْت الَّذِي يلْزم الْأَدَاء فِيهِ نُقْصَان المؤدّى لَا يَصح أَدَاء عصره فِي مثله من يَوْم غَيره، لِأَن مَا يجب دَائِما كَامِل: إِذْ لَا نقص فِي الْوَقْت كَمَا حقق فَلَا يتأدّى بِمَا يثبت فِيهِ نقص إِلَّا عصر يَوْمه (وَمَا نقل عَن بعض الشَّافِعِيَّة) من (أَنه) أَي الْمَفْعُول الَّذِي هُوَ الصَّلَاة (قَضَاء بعده) أَي بعد الْجُزْء السَّابِق وَإِن كَانَ فِي الْوَقْت. وَفِي الْكَشْف الْكَبِير، وَهُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيّين (و) عَن (بعض الْحَنَفِيَّة أَنه) أَي السَّبَب الْجُزْء (الْأَخير فَفِي مَا قبله) أَي فالفعل الْوَاقِع فِيمَا قبل الْجُزْء الْأَخير (نفل يسْقط بِهِ الْفَرْض لَيْسَ) شَيْء مِنْهُمَا (مَعْرُوفا عِنْدهم) أَي أهل المذهبين. هَذَا، وَنقل عَن بعض أَصْحَابنَا أَن مَا فعله فِي أول الْوَقْت مراعى، فَإِن لحق آخِره، وَهُوَ من أهل الْخطاب بهَا كَانَ مَا أدّاه فرضا، وَإِن لم يكن من أهل الْخطاب كَانَ نفلا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِنَّمَا عَن الْكَرْخِي إِذا لم يبْق) الْمُكَلف (بِصفة التَّكْلِيف بعده) أَي الْجُزْء السَّابِق (بِأَن يَمُوت أَو يجنّ كَانَ) ذَلِك الْمَفْعُول (نفلا، وَالْكل) من هَذِه الْأَقْوَال قَول (بِلَا مُوجب) وَاحْتج كل من يعلق الْوُجُوب بأوّل الْوَقْت لَا غير بِأَن الْوَاجِب الْمُؤَقت لَا ينْتَظر لوُجُوبه بعد وجود شَرَائِطه سوى دُخُول الْوَقْت فَعلم أَنه مُتَعَلق بِهِ، وَإِذا ثَبت الْوُجُوب بأوّل الْوَقْت لَا يتَعَلَّق بِمَا بعده لِامْتِنَاع التَّوَسُّع فِي الْوُجُوب، وَمن يعلقه بآخر الْوَقْت يحْتَج بِأَنَّهُ لما جَازَ التَّأْخِير إِلَى التَّضْيِيق وَامْتنع التَّوَسُّع كَانَ مُتَعَلقا بِآخِرهِ، وَمَا قبله لَا تعلق لَهُ بِالْإِيجَابِ، ثمَّ المؤدّى إِنَّمَا يكون نفلا كَمَا قَالَ الْبَعْض لِأَنَّهُ يتَمَكَّن من التّرْك فِي أوّله لَا إِلَى بدل
стр. 577
وإثم، وَهَذَا حدّ الْفِعْل إِلَّا أَن بِأَدَائِهِ يحصل الْمَطْلُوب وَهُوَ إِظْهَار فضل الْوَقْت فَيمْنَع لُزُوم الْفَرْض كمحدث تَوَضَّأ قبل الْوَقْت يَقع نفلا، وَمَعَ هَذَا يمْنَع لُزُوم فرض الْوَقْت بعد دُخُوله أَو مَوْقُوفا كَمَا قَالَ الْبَعْض الآخر كَالزَّكَاةِ المعجلة قبل الْحول للمصدّق كشاة من أَرْبَعِينَ شَاة فَإِنَّهُ إِن تمّ الْحول وَعِنْده تسع وَثَلَاثُونَ أَجزَأَهُ، وَإِن كَانَ أقلّ كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذهَا من يَد المصدّق وَإِن كَانَت قَائِمَة كَذَا ذكره الشَّارِح فِي مسَائِل أُخْرَى من هَذَا الْبَاب: ثمَّ الاجماع على وُجُوبهَا على من بلغ أَو أسلم فِي وسط الْوَقْت أَو آخِره إِن كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ يَسعهَا، وَلَو كَانَ الْوُجُوب مُتَعَلقا بأوّله لَا غير لما وَجب عَلَيْهِم (وَإِنَّمَا يلْزم) كَونه قَضَاء بعد الْجُزْء الأوّل فِي الْوَقْت (لَو كَانَ) الْجُزْء (الأوّل سَبَب) الْوُجُوب (الْمضيق) وَلَيْسَ كَذَلِك (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (تتقررّ السَّبَبِيَّة على مَا) أَي جُزْء (يَلِيهِ الشُّرُوع) فِي الْوَاجِب (فِيهِ) أَي فِي قَوْلهم (مَا سنذكر) فِي ال مسئلة الَّتِي تلِي هَذِه.
مسئلة
(الْوَاجِب بِالسَّبَبِ الْفِعْل عينا مُخَيّرا) فِي أَجزَاء زَمَانه الْمَحْدُود لَهُ (كَمَا قُلْنَا) آنِفا فِي السَّابِقَة (و) قَالَ (القَاضِي أَبُو بكر الْوَاجِب فِي كل جُزْء) من أَجزَاء الْوَقْت مَا لم يتضيق (أحد الْأَمريْنِ مِنْهُ) أَي الْفِعْل (وَمن الْعَزْم عَلَيْهِ) أَي الْفِعْل (فِيمَا بعده) أَي ذَلِك الْجُزْء الْخَالِي هُوَ وَمَا قبله من الْفِعْل، فَإِذا لم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَا يسع الْفِعْل تعين الْفِعْل (فَإِن لم يفعل وَلم يعزم) على الْفِعْل حَتَّى مضى الْوَقْت (عصى، وَعند زفر عصى بِالتَّأْخِيرِ عَن قدر مَا يسع) الْأَدَاء من أَجزَاء الْوَقْت، وَكَذَا عندنَا فِي الْفجْر (وَدفع) قَول القَاضِي (بِأَن الْمُصَلِّي فِي الْجُزْء) الَّذِي لَيْسَ بالأخير (ممتثل لكَونه مُصَليا لَا) لكَونه (آتِيَا بِأحد الْأَمريْنِ) الْفِعْل والعزم مُبْهما وَلَو كَانَ هُنَا تَخْيِير بَين الصَّلَاة والعزم لَكَانَ الِامْتِثَال بهَا من حَيْثُ أَنَّهَا أحد الْأَمريْنِ (وَله) أَي للْقَاضِي (دَفعه) أَي دفع هَذَا الدّفع (بِأَن لَا مُنَافَاة) بَين كَونه ممتثلا لكَونه مُصَليا، وَكَونه آتِيَا بِأحد الْأَمريْنِ (فَلْيَكُن) امتثاله لكَونه مُصَليا (لكَون الصَّلَاة أَحدهمَا) أَي لأجل أَن الصَّلَاة أحد الْأَمريْنِ، إِذْ لَا شكّ أَن الْإِتْيَان بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِه إتْيَان بِأَحَدِهِمَا لَا على التَّعْيِين، وَالْحق أَنه ورد التَّنْصِيص من الشَّارِع بِأَن الْمُصَلِّي فِي الْجُزْء الْمَذْكُور ممتثل لكَونه مُصَليا، فَالظَّاهِر من هَذِه الْعبارَة كَون الْمَأْمُور بِهِ الصَّلَاة عينا لَا مَا هُوَ أَعم مِنْهَا، وَإِلَّا لَكَانَ حق الْأَدَاء أَن يُقَال ممتثل لكَونه آتِيَا بالمأمور بِهِ ويعبر عَنهُ بِنَفس الْمَأْمُور بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مسَاوٍ لَهُ لَا بِمَا هُوَ أخص مِنْهُ لاستلزامه الْأَعَمّ لَكِن وُرُوده من الشَّارِع غير ثَابت فَلَا يحْتَج بِهِ (وَدَعوى التعين) أَي
стр. 578
كَون الْوَاجِب أَحدهمَا بِعَيْنِه (مَحل النزاع) فَلَا يثبت إِلَّا بدليله وَمَا ذكر لَا يصلح دَلِيلا (إِنَّمَا ذَاك) أَي وجوب أَحدهمَا بِعَيْنِه فِي الْمصلى (عِنْد التَّضْيِيق) فِي الْوَقْت بِحَيْثُ لم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَا يَسعهَا وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ (وَفِي البديع) فِي جَوَاب القَاضِي (لَو كَانَ الْعَزْم بَدَلا) عَن الصَّلَاة (سقط بِهِ) أَي الْعَزْم (الْمُبدل) وَهُوَ الصَّلَاة (كَسَائِر الأبدال) كالمسح وَغَيره وَلَيْسَ كَذَلِك (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا (منع الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم سُقُوط الْمُبدل مُطلقًا بالإتيان بِالْبَدَلِ مُطلقًا لجَوَاز أَن يكون الْبَدَل بَدَلا من كل وَجه، فَلَا نقُول أَن الْعَزْم بدل عَن الصَّلَاة من كل وَجه فَلَا يلْزم سُقُوطهَا مُطلقًا (بل اللَّازِم سُقُوط وُجُوبهَا فِي ذَلِك الْوَقْت والبدلية لَيست إِلَّا فِي هَذَا الْقدر) أَي فِي سُقُوط الْوُجُوب فِي ذَلِك الْوَقْت فَيسْقط الْوُجُوب فِيهِ بالعزم فِيهِ على الْفِعْل فِي ثَانِي الْحَال كَمَا يسْقط بالإتيان بِالصَّلَاةِ فِيهِ، قيل وَأَيْضًا هُوَ لم يَجْعَل الْعَزْم وَحده بَدَلا بل الْعَزْم مَعَ الْفِعْل فِي ثَانِي الْحَال، فمجرد الْعَزْم لَا يُوجب السُّقُوط (بل الْجَواب) عَن القَاضِي (أَن الْكَلَام فِي الْوَاجِب بِالْوَقْتِ وَلَا تعلق لوُجُوب الْعَزْم بِهِ) أَي بِالْوَقْتِ (بل وجوب الْعَزْم على فعل كل وَاجِب) موسعا كَانَ أَو مضيقا إِجْمَالا عِنْد الِالْتِفَات إِلَيْهِ إِجْمَالا وتفصيلا عَن التَّفْصِيل حكم (من أَحْكَام الْإِيمَان) يثبت مَعَ ثُبُوت الْإِيمَان سَوَاء دخل الْوَقْت الْوَاجِب أَو لَا، فَهُوَ وَاجِب مُسْتَمر قبل وُجُوبه وَمَعَهُ بِحَسب الِالْتِفَات إِلَيْهِ ليتَحَقَّق التَّصْدِيق الَّذِي هُوَ الإذعان وَالْقَبُول غير مُخْتَصّ بِالصَّلَاةِ وَلَا بدلية عَنْهَا (هَذَا، وَلَا يبعد أَن مَذْهَب القَاضِي أَن الْوَاجِب بأوّل الْوَقْت الصَّلَاة أَو الْعَزْم على فعلهَا) أَي الصَّلَاة (بعده) أَي أوّل الْوَقْت (فِيهِ) أَي الْوَقْت (كَمَا هُوَ الْمَنْقُول عَن الْمُتَكَلِّمين) فِي برهَان إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالَّذِي أرَاهُ أَنهم لَا يوجبون تَجْدِيد الْعَزْم فِي الْجُزْء الثَّانِي، بل يحكم بِأَن الْعَزْم الأوّل ينسحب على جَمِيع الْأَزْمِنَة الْمُسْتَقْبلَة: كانسحاب النِّيَّة على الْعِبَادَة الطَّوِيلَة (إِلَّا أَن كل جُزْء يلْزم فِيهِ الْفِعْل أَو الْعَزْم المستلزم لاستصحاب الْعَزْم من أول الْوَقْت إِلَى آخِره لِأَنَّهُ بعيد) قَالَ الشَّارِح: لِأَن أحد لَا يَقُول بِأَن الْعَزْم فِي الْجُزْء الْأَخير كَاف، ثمَّ نقل عَن القَاضِي أَن هَذَا التَّخْيِير عِنْده فِي غير الْجُزْء الْأَخير، أما فِي الْجُزْء الْأَخير فَيتَعَيَّن الْفِعْل قطعا انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن سَبَب الْبعد مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله لَا أَن كل جُزْء إِلَى قَوْله المستلزم إِلَى آخِره وَهُوَ ظَاهر.
مسئلة
(تثبت السَّبَبِيَّة لوُجُوب الْأَدَاء) فِي الْوَاجِب البدني (بأوّل الْوَقْت موسعا كَمَا ذكرنَا) إِشَارَة إِلَى مَا سبق فِي تَفْسِير سببيته للْوُجُوب الموسع من قَوْله بِمَعْنى أَنه عَلامَة على تعلق وجوب الْفِعْل مُخَيّرا فِي أَجزَاء زمَان مُقَدّر يَقع أَدَاء فِي كل مِنْهَا (عِنْد الشَّافِعِيَّة بِخِلَاف الماليّ ليثبت بالنصاب)
стр. 579
أَي بِملكه (وَالرَّأْس) الَّذِي يمونه ويلي عَلَيْهِ على قَول (أَو الْفطر) أَي غرُوب الشَّمْس آخر يَوْم من رَمَضَان على الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة (وَالدّين) الْمُؤَجل إِلَى وَقت معِين (أصل الْوُجُوب) لِلزَّكَاةِ وَصدقَة الْفطر وتفريغ الذِّمَّة (وَتَأَخر وجوب الْأَدَاء) إِلَى تَمام الْحول وطلوع فجر أول يَوْم من شَوَّال وحلول الْأَجَل (بِدَلِيل السُّقُوط) لهَذِهِ الْأَشْيَاء عَن الْمُكَلف (بالتعجيل) لَهَا (وَهُوَ) أَي سُقُوطهَا (فرع سبق الْوُجُوب) لَهَا (و) فرع (تَأَخّر وجوب الْأَدَاء عِنْد الْحَنَفِيَّة كَذَلِك) أَي قَائِلُونَ بانفصال الْوُجُوب عَن وجوب الْأَدَاء (فِي البدني أَيْضا) كَمَا فِي المالي (فَثَبت بِالْأولِ) من أَجزَاء الْوَقْت (أصل الْوُجُوب فَيعْتَبر حَال الْمُكَلف فِي) الْجُزْء (الْأَخير) من الْوَقْت (من الْحيض) بَيَان لحاله (وَالْبُلُوغ) يرد عَلَيْهِ أَن قَوْله فَيثبت بِالْأولِ أصل الْوُجُوب إِن أَرَادَ بِهِ ثُبُوته بِشَرْط أَن يكون أَهلا لَهُ لزم وجود الْبَالِغ فِي الْجُزْء الأول بِلَا معنى لاعْتِبَار حَاله فِي الْجُزْء الْأَخير من حَيْثُ الْبلُوغ، وَإِن لم يكن أَهلا لزم إِثْبَات الحكم بِدُونِ الْأَهْلِيَّة، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَقُول بأهلية الصَّبِي الْمُمَيز لوُجُوب الصَّلَاة كَمَا قيل فِي حق وجوب أصل الْإِيمَان، وَفِيه تَأمل (وَالسّفر وأضدادها) أَي الطَّهَارَة وَالصبَا وَالْإِقَامَة (فَلَو كَانَت طَاهِرَة أول الْوَقْت فَلم تصل حَتَّى حَاضَت آخِره لَا قَضَاء) عَلَيْهَا سَوَاء كَانَ الْبَاقِي مَا يسع الصَّلَاة أَو تحريهما فَقَط. وَقَالَ زفر: إِن بَقِي مَا يَسعهَا لَا قَضَاء وَإِلَّا فعلَيْهَا الْقَضَاء. وَقَالَ الشَّافِعِي إِن أدْرك من عرض لَهُ أحد هَذِه الْعَوَارِض يَعْنِي الْحيض وَالنّفاس وَالْجُنُون وَنَحْوهَا قبل عروضها أخف مَا يُمكنهُ فعله وَجب وَإِلَّا فَلَا (وَفِي قلبه) أَي فِيمَا إِذا كَانَت حَائِضًا أول الْوَقْت ثمَّ طهرت آخِره (قلبه) أَي قلب نفي الْقَضَاء وَهُوَ الْقَضَاء. قَالَ الشَّارِح لَو كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت قدر مَا يسع التَّحْرِيمَة عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة إِذا كَانَ حَيْضهَا عشرَة أَيَّام فَإِن كَانَ أقل وَالْبَاقِي قدر الْغسْل مَعَ مقدماته كالاستقاء وخلع الثَّوْب والستر عَن الْأَعْين والتحريمة فعلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا انْتهى. وَقَالَ زفر لَا يثبت الْوُجُوب مَا لم يدْرك مَا يسع جَمِيع الْوَاجِب وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا زَالَ الْكفْر وَالْجُنُون وَقد بَقِي من الْوَقْت قدر التَّحْرِيمَة يجب عِنْد الثَّلَاثَة وَلَا يجب عِنْد زفر. وَقَالَ الشَّافِعِي يجب إِذا زَالَت هَذِه الْعَوَارِض وَقد بَقِي من الْوَقْت قدر تَكْبِيرَة (وَلَا يُنكرُونَ) أَي الْحَنَفِيَّة (إِمْكَان ادِّعَاء الشَّافِعِيَّة) أَي أَن مَا ادَّعَاهُ الشَّافِعِيَّة من أَن الْوَقْت سَبَب لوُجُوب الْأَدَاء موسعا بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور أَمر مُمكن يصلح للاعتبار، و (لَكِن ادعوهُ) أَي لَكِن الْحَنَفِيَّة يدعونَ كَونه (غير وَاقع بِدَلِيل وجوب الْقَضَاء على نَائِم) استغرق نَومه (كل الْوَقْت) من الْجُزْء الأول إِلَى الْجُزْء الْأَخير (وَهُوَ) أَي وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ (فرع وجود) أصل (الْوُجُوب) عَلَيْهِ إِذْ وجوب الْقَضَاء فرع كَون الأَصْل وَاجِبا، أَلا ترى أَن من حدث لَهُ أَهْلِيَّة بعد مُضِيّ الْوَقْت بِإِسْلَام أَو بُلُوغ لَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء إِجْمَاعًا، وَقد يفرق بَينهمَا مَعَ قطع النّظر عِنْد
стр. 580
وجود الْوُجُوب بِوُجُوب الْأَهْلِيَّة فِي النَّائِم دونهمَا وَلَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِوُجُوب الْأَدَاء على النَّائِم الْمَذْكُور اتِّفَاقًا، إِذْ النَّائِم لَا يصلح للخطاب فَكيف يطْلب مِنْهُ أَدَاء الْفِعْل مُنجزا أورد عَلَيْهِ أَن وجوب الْقَضَاء بِالنَّصِّ ابْتِدَاء لما صَحَّ عَنهُ ﷺ " فَإِذا نسى أحدكُم صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا " وَأجِيب بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَا مَا روى فِيهِ شَرَائِط الْقَضَاء كنية الْقَضَاء وَغَيرهَا وَدفع بِأَن عِنْد الحضم لَا فرق بَين الْأَدَاء وَالْقَضَاء فِي النِّيَّة لَا فِي الصَّلَاة وَلَا فِي الصَّوْم بل يحْتَاج إِلَى أَن يَنْوِي مَا عَلَيْهِ فيهمَا (وَلَا اعْتِبَار بقول من جعله) أَي الْقَضَاء الْمَذْكُور (أَدَاء مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة. قَالَ فَخر الْإِسْلَام: النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ إِذا مر عَلَيْهِمَا جَمِيع وَقت الصَّلَاة وَجب الأَصْل وتراخى وجوب الْأَدَاء وَالْخطاب انْتهى، فَإِذا لم يجب الْأَدَاء فِي الْوَقْت لَا يتَحَقَّق بعده الْقَضَاء إِذْ هُوَ فرع وجوب الْأَدَاء فِيهِ (والاتفاق على انْتِفَاء وجوب الْأَدَاء عَلَيْهِ) أَي النَّائِم الْمَذْكُور، وَفِي الْكَشْف الْأَدَاء نَوْعَانِ: أَحدهمَا مَا يكون الْمَطْلُوب فِيهِ نفس الْفِعْل فيأثم بِتَرْكِهِ وَلَا بُد فِيهِ من سَلامَة الْآلَات والأسباب، وَالثَّانِي مَا يكون الْمَطْلُوب فِيهِ خَلفه لَا نَفسه، وَهُوَ الْقَضَاء مَبْنِيّ على وجوب الْأَدَاء بِالْمَعْنَى الثَّانِي والمتفق على انتفائه وُجُوبه بِالْمَعْنَى الأول وَلَا يخفى عَلَيْك أَن أصل الْوُجُوب غير هَذَا: إِذْ لَيْسَ فِيهِ تعرض للْأَدَاء بِأحد النَّوْعَيْنِ فَتَأمل. وَفِي التَّلْوِيح لقَائِل أَن يمْنَع عدم الْخطاب، وَإِنَّمَا يلْزم اللَّغْو لَو كَانَ مُخَاطبا بِأَن يفعل فِي حَالَة النّوم مثلا وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ مُخَاطب بِأَن يفعل بعد الانتباه، وَالْعجب أَنهم جوزوا خطاب الْمَعْدُوم بِنَاء على أَن الْمَطْلُوب صُدُور الْفِعْل حَالَة الْوُجُوب. وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة من شَرط وجوب الْأَدَاء الْقُدْرَة الممكنة إِلَّا أَنه لَا يشْتَرط وجودهَا عِنْد الْأَمر: بل عِنْد الْأَدَاء فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاس كَافَّة، وَصَحَّ أمره فِي حق من وجد بعده ويلزمهم الْأَدَاء بِشَرْط أَن يبلغهم ويتمكنوا من الْأَدَاء انْتهى. وَهَذَا لَا يُنَافِي الِاتِّفَاق الْمَذْكُور، لِأَن المُرَاد مِنْهُ انْتِفَاء وجوب الْأَدَاء تنجيزا، وجوازه إِنَّمَا هُوَ وُجُوبه تَعْلِيقا فَإِن قلت الْمَعْدُوم والنائم مَعَ قطع النّظر عَن عدم قابليتهما بالإتيان بالمأمور بِهِ لَا يفهمان الْخطاب، فَلَا يخاطبان بِالْخِطَابِ التعليقي أَيْضا قلت يفهمان فِيمَا بعد، وَإِن لم يفهما فِي زمن الْخطاب فَتَأمل، وَفِي الْخُلَاصَة وَالْمُخْتَار أَن النَّائِم الْمَذْكُور عَلَيْهِ الْقَضَاء وَنَقله عَن أبي حنيفَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن قَول من جعله أَدَاء غير مُعْتَبر بِأَن يَجْعَل وُجُوبه ابْتِدَاء (كَانَ الْوُجُوب مُطلقًا لَا موقتا) وَقد قَالَ تَعَالَى - ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ -، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى وَإِن لم ينتف وجوب الْأَدَاء بِأَن يجب الْأَدَاء فِي أول الْوَقْت كَانَ ذَلِك الْوُجُوب غير موقت، لِأَن الْمَفْرُوض استغراق النّوم الْوَقْت، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ وجوب الْأَدَاء فِي وَقت مَا فَتدبر (وَكَذَا صِحَة صَوْم الْمُسَافِر عَن الْعرض) أَي فرض رَمَضَان
стр. 581
(فرع الْوُجُوب عَلَيْهِ) أَي على الْمُسَافِر لعدم وُقُوع مَا لَيْسَ بِفَرْض عَن الْفَرْض، وعَلى تقدري عدم الْوُجُوب يلْزم عدم فرضيته (وَعدم إثمه) أَي الْمُسَافِر (لَو مَاتَ بِلَا أَدَاء) الصَّوْم (فِي سَفَره) الَّذِي أفطر فِيهِ، وَقَوله عدم إثمه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف: أَعنِي دَلِيل عدم وجوب الْأَدَاء عَلَيْهِ والقرينة قَوْله وَكَذَا، تَوْضِيحه انه ذكر فِيمَا سبق أَمريْن: أَحدهمَا دَلِيل سبق الْوُجُوب وَهُوَ وجوب الْقَضَاء على النَّائِم الْمَذْكُور، وَالثَّانِي دَلِيل انْتِفَاء وجوب الْأَدَاء وَهُوَ الِاتِّفَاق، أَو كَونه موقتا على مَا ذكر، وَهَهُنَا ذكر أَمريْن: أَحدهمَا دَلِيل سبق الْوُجُوب وَهُوَ صِحَة صَوْمه عَن الْفَرْض، وَالثَّانِي دَلِيل عدم وجوب الْأَدَاء، وَهُوَ عدم الْإِثْم فالمشبه والمشبه بِهِ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله، وَكَذَا مَجْمُوع الْأَمريْنِ (وصرحوا) أَي الْحَنَفِيَّة (بِأَن لَا طلب فِي اصل الْوُجُوب، بل هُوَ) أَي أصل الْوُجُوب (مُجَرّد اعْتِبَار من الشَّارِع أَن فِي ذمَّته) أَي الْمُكَلف (جبرا الْفِعْل) فَقَوله الْفِعْل اسْم أَن، وَفِي ذمَّة خَبَرهَا وَهِي مَعَ اسْمهَا وخبرها مفعول اعْتِبَار، وجبرا نصب على الْمصدر: أَي جبر الْمُكَلف على شغل الذِّمَّة جبرا (كالشغل بِالدّينِ) أَي شغل ذمَّته كشغلها بدين النَّاس فِي أَن كلا مِنْهُمَا اعْتِبَار شَرْعِي (وَهُوَ) أَي الدّين (فعل عِنْد أبي حنيفَة) هُوَ تمْلِيك المَال أَو تَسْلِيمه: إِذْ يُوصف بِالْوُجُوب وَهُوَ صفة الْأَفْعَال، وَمعنى أَو فِي الدّين، أَتَى بِهَذَا الْفِعْل: أَي تمْلِيك المَال أَو تَسْلِيمه، وَمعنى قَوْله عَليّ ألف وَاجِبَة وَاجِب أَدَاؤُهَا (وَقد يشكل المذهبان) مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (بِأَن الْفِعْل) أَي فعل الْمُكَلف لقصد أَدَاء مَا فِي الذِّمَّة بعد أصل الْوُجُوب قبل وجوب الْأَدَاء (بِلَا) سبق (طلب كَيفَ يسْقط الْوَاجِب وَهُوَ) أَي الْوَاجِب إِنَّمَا يكون وَاجِبا (بِالطَّلَبِ والسقوط) إِنَّمَا يكون (بتقدمه) أَي الطّلب أَيْضا (وَقصد الِامْتِثَال) وَهُوَ إِنَّمَا يكون (بِالْعلمِ بِهِ) أَي بِالطَّلَبِ، فإسقاط الْوَاجِب يستدعى سبق الطّلب من الْوُجُوه الثَّلَاثَة فَكيف تثبته الْحَنَفِيَّة بِمُجَرَّد سبق الْوُجُوب الْخَالِي عَن الطّلب ٠ وَالشَّافِعِيَّة إِن أرادوه) أَي أَرَادوا نفس الْوُجُوب فِي مَحل أثبتوه مَا أَرَادَ الْحَنَفِيَّة بِهِ (فَكَذَلِك) أَي ورد عَلَيْهِم مَا ورد على الْحَنَفِيَّة من أَنه إِسْقَاط قبل الطّلب (وَإِن دخله) أَي أصل الْوُجُوب (طلب) لأصل الْفِعْل، وَالْجُمْلَة معطوفة على قَوْله وصرحوا بِهِ إِلَى آخِره: فَهَذَا فرض لما يُقَابل مَا صَرَّحُوا بِهِ، وَمَا بَينهَا مُتَعَلق بالشق الأول (قُلْنَا لَا يعقل طلب فعل بِلَا طلب) أَدَائِهِ (و) بِلَا طلب (قَضَائِهِ لِأَنَّهُ) أَي الْفِعْل (إِمَّا مُطلق عَن الْوَقْت وَهُوَ) أَي الْمُطلق عَنهُ (مَطْلُوب الْأَدَاء فِي الْعُمر، أَو مُقَيّد بِهِ) أَي الْوَقْت (فَهُوَ مَطْلُوب الْأَدَاء فِيهِ) أى فى وقته الْمَحْدُود لَهُ (مُخَيّرا فِي الْأَجْزَاء) أى فِي ايقاعه فِي أى جُزْء من أَجزَاء ذَلِك الْوَقْت (وَهُوَ) أَي الْوَاجِب (الموسع) فِيهِ وَهَذَا التَّوَسُّع قبل أَن يتضيق الْوَقْت (ثمَّ) يجب (مضيقا) بِغَيْر تَخْيِير مُوجب للسلعة وَذَلِكَ عِنْد ضيق الْوَقْت (وَقَول
стр. 582
الْحَنَفِيَّة يتضيق) الْوُجُوب (عِنْد الشُّرُوع) فِي الْفِعْل (وتقرر السَّبَبِيَّة للَّذي يَلِيهِ) الشُّرُوع (يلْزمه) أَي القَوْل الْمَذْكُور (كَون الْمُسَبّب هُوَ الْمُعَرّف للسبب، وَهُوَ) أَي كَون الْمُسَبّب هُوَ الْمُعَرّف للسبب (عكس) فِي (وَضعه) أَي الْمُسَبّب لِأَن شَأْنه أَن يكون مُعَرفا لَا مُعَرفا (و) عكس (وضع الْعَلامَة) لِأَن الْعَلامَة هِيَ الْمعرفَة لما هِيَ عَلامَة لَهُ كَمَا أَن السَّبَب هُوَ مَا يعرف للمسبب. وَفِي بعض النّسخ (ومفوتا لمقصودها) وَهِي مَا عَلَيْهِ الشَّارِح، وَقَالَ الظَّاهِر ومفوت وَلَيْسَ فِي النُّسْخَة الَّتِي اعتمادي عَلَيْهَا هَذِه الزِّيَادَة، وَهُوَ أولى إِذْ لَيْسَ فِي تِلْكَ النُّسْخَة زِيَادَة فَائِدَة، أَو فسر مقصد الْعَلامَة بالتعريف لما هِيَ عَلامَة لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنى يفهم بِدُونِ تِلْكَ الزِّيَادَة (وَبِه) أَي بِكَوْن الْمُسَبّب هُنَا هُوَ الْمُعَرّف للسبب (يصير) هَذَا القَوْل (أبعد من الْمَذْهَب المرذول) رذل ككرم وَعلم بِمَعْنى ذل، ورذله غَيره وأرذله عدَّة رذلة وَهُوَ (أَن التَّكْلِيف مَعَ الْفِعْل) لَا قبله (لقَولهم) أَي الْحَنَفِيَّة تَعْلِيل لبَيَان وجوب الْمَذْهَب المرذول (أَن الطّلب) الَّذِي هُوَ التَّكْلِيف (لم يسْبقهُ) أَي الْفِعْل (إِذْ لَا طلب فِي أصل الْوُجُوب كَمَا ذكرنَا) على مَا مر فِي قَوْله وصرحوا الخ (فَهُوَ) أَي أصل الْوُجُوب (السَّابِق) على الْفِعْل لَا طلبه إِذْ هُوَ مَعَ الْمُبَاشرَة، وَإِنَّمَا كَانَ أبعد لتَضَمّنه كَون التَّكْلِيف مَعَ الْفِعْل لُزُوم عكس وضع السَّبَب والعلامة (وَالْوَجْه أَن مَا أمكن فِيهِ اعْتِبَار وجوب الْأَدَاء بِالسَّبَبِ موسعا اعْتبر) وجوب أَدَائِهِ بذلك السَّبَب على الْوَجْه الْمَذْكُور (كَالدّين الْمُؤَجل يثبت بِالشغلِ) أَي شغل ذمَّة الْمَدْيُون بذلك الدّين (وجوب الْأَدَاء موسعا: أَي مُخَيّرا) فِي أَدَاء الدّين فِي أَي جُزْء شَاءَ من الْمدَّة المحدودة (إِلَى الْحُلُول) أَي حُلُول الْأَجَل (أَو) إِلَى (الطّلب بعده) أَي الْحُلُول (فيتضيق) فَإِن قلت أَن وجوب الْأَدَاء قد انْتقل عَن التَّوَسُّع إِلَى التَّضْيِيق بِمُجَرَّد حُلُول الْأَجَل فَمَا معنى حُدُوث التَّضْيِيق بعده الْمُسْتَفَاد من عطف الطّلب على الْحُلُول قلت هَذَا على تَقْدِير رضَا الدَّائِن بِالتَّأْخِيرِ عَن الْأَجَل (وكالثوب المطار) أَي الَّذِي أطارته الرّيح (إِلَى إِنْسَان يجب) أَدَاؤُهُ بِمَعْنى تَسْلِيمه للْمَالِك (كَذَلِك) أَي وجوبا موسعا (إِلَى طلب مَالِكه) فيتضيق حِينَئِذٍ (ومالا) يُمكن فِيهِ اعْتِبَار وجوب الْأَدَاء بِالسَّبَبِ موسعا (كَالزَّكَاةِ عِنْد الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُ لَو وَجب الْأَدَاء بِملك النّصاب موسعا، فَأَما إِلَى الْحول فيتضيق، وَأما إِلَى آخر الْعُمر، وَالْأول) أَي وجوب الْأَدَاء بِملك النّصاب موسعا إِلَى الْحُلُول (فيتضيق مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ) أَي وجوب الْأَدَاء (بعد الْحول على التَّرَاخِي على مَا اختاروه، وَكَذَا الثَّانِي) أَي وجوب الْأَدَاء بِملك النّصاب موسعا إِلَى آخر الْعُمر (لِأَن حَاصِلَة) أَنه (وَاجِب موسع من حِين الْملك إِلَى آخر الْعُمر فيضيع معنى اشْتِرَاط الْحول، نعم يتم) كَون الزِّيَادَة وَاجِبَة الْأَدَاء بِملك النّصاب موسعا إِلَى الْحول (على) قَول (الْمضيق) للْوُجُوب (بالحول والمصرف) ثمَّ قَوْله
стр. 583
وَمَا لَا مُبْتَدأ أَو مَعْطُوف على مَا أمكن، خَبره (فَيجب أَن يعْتَبر فِيهِ) أَي فِي هَذَا (إِقَامَة السَّبَب مقَام الْوُجُوب شرعا فِي حق التَّعْجِيل فَلَو لم يعجل لَا يتَحَقَّق هَذَا الِاعْتِبَار) وَهُوَ أَن السَّبَب أقيم مقَام الْوُجُوب شرعا (أَو) يعْتَبر فِيهِ (أَنه بالمبادرة الْمَأْذُون فِيهَا شرعا إِلَى سد خلة أَخِيه) الْفَقِير (دفع عَنهُ) أَي الْمُعَجل (الطّلب أَن يتَعَلَّق بِهِ) أَي بِفِعْلِهِ وَهُوَ أَدَاء الزَّكَاة (شرعا) وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَنَّهُ (ألزم) علينا اعْتِبَار هَذَا التَّأْوِيل (ذَلِك الدَّلِيل) الْمَذْكُور (وَكَذَا) أقيم السَّبَب مقَام وجوب الْأَدَاء (فِي مُسْتَغْرق الْوَقْت يَوْمًا) أَي فِي حق من استغرق أَوْقَات صلواته مَا أخرجه عَن صَلَاحِية طلب الْفِعْل مِنْهُ كنوم أَو إِغْمَاء وَنَحْوهمَا ليظْهر أَثَره فِي ثُبُوت وجوب الْقَضَاء (وَلَو أَرَادَ الْحَنَفِيَّة هَذَا) الَّذِي ذكرنَا بِمَا أجمله المتقدمون مِنْهُم فِي هَذَا الْمقَام (لم يَفْتَقِرُوا إِلَى اعْتِبَار شَيْء يُسمى بِالْوُجُوب وَلَا طلب فِيهِ وَلَا تكلّف كَلَام زَائِد) لم يحْتَج إِلَيْهِ فِي تَوْجِيه مَا تكلفوا لَهُ من الْمسَائِل (وَلَا يَسْتَقِيم مَا ذكرُوا إِلَّا على ذَلِك) لما عرفت مِمَّا أوردنا عَلَيْهِ.
مسئلة
(الْأَدَاء فعل الْوَاجِب) بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ إِيقَاعه (فِي وقته الْمُقَيد) أَي الَّذِي هُوَ قيد الْوَاجِب (بِهِ شرعا) أَي فِي الشَّرْع فَهُوَ ظرف للتَّقْيِيد، وَالْمرَاد بتقييده بِهِ شرعا جعله ظرفا لإيقاعه لَا تَخْصِيصه بِوَقْت معِين من بَين الْأَوْقَات فَإِنَّهُ يخرج مَا جعل الْعُمر وقتا لَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (الْعُمر) فَهُوَ بدل الْبَعْض من وقته الْمُقَيد بِهِ (وَغَيره) أَي الْعُمر من الْأَوْقَات المحدودة فاندرج فِيهِ الْوَاجِب الْمُطلق والموقت فِي الِاصْطِلَاح الْمَشْهُور، وَفِي الشَّرْح العضدي الْأَدَاء مَا فعل فِي وقته الْمُقدر لَهُ شرعا، وَإِلَّا فَخرج مَا لم يقدر لَهُ وَقت كالنوافل أَو قدر لَا شرعا كَالزَّكَاةِ يعين لَهُ الإِمَام شرعا، وَمَا وَقع فِي وقته الْمُقدر لَهُ ثَانِيًا كالناسي إِذا ذكر الصَّلَاة بعد خُرُوج وَقتهَا فَإِن وَقت التَّذْكِرَة قدر لَهَا شرعا لَكِن الْوَاقِع فِيهِ قَضَاء (وَهُوَ) أَي اعْتِبَار اشْتِرَاط إِيقَاع الْفِعْل فِي الْوَقْت الْمَذْكُور على وَجه يُوهم اشْتِرَاط استغراق الْوَقْت جَمِيع أَجزَاء الْفِعْل (تساهل) فِي الْعبارَة إِذا استغراقه كَذَلِك لَيْسَ بِشَرْط (بل) الشَّرْط أَن يَقع (ابتداؤه) أَي الْفِعْل (فِي غير الْعُمر) أَي فِيمَا عدا الْعُمر من الْأَوْقَات المحدودة لأَدَاء الْوَاجِبَات، ثمَّ مثل ذَلِك الِابْتِدَاء الْوَاجِب إِيقَاعه فِي الْوَقْت بقوله (كالتحريمة) ثمَّ التَّقْدِير فِي ابْتِدَاء الصَّلَاة بهَا والاكتفاء بِوُقُوع هَذَا الْقدر مِنْهَا فِي الْوَقْت إِنَّمَا هُوَ (للحنفية) فِي غير صَلَاة الْفجْر فَإِن بإدراكها فِي الْوَقْت يكون مدْركا للصَّلَاة وَإِن وَقع مَا سواهُ خَارجه وَهُوَ وَجه عِنْد الشَّافِعِيَّة تبعا لما فِي الْوَقْت (وركعة للشَّافِعِيَّة) وَهُوَ أصح الْأَوْجه عِنْدهم لقَوْله ﷺ " من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة فقد أدْرك الصَّلَاة " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَفِي الْمُحِيط الصَّلَاة الْوَاحِدَة يجوز أَن يكون بَعْضهَا أَدَاء وَبَعضهَا قَضَاء كَمَا إِذا غربت الشَّمْس فِي
стр. 584
خلال صَلَاة الْعَصْر وَسَبقه إِلَى هَذَا الناطفي، وَقيل هُوَ قَول عَامَّة الشَّافِعِيَّة اعْتِبَار الْكل جُزْء بِزَمَانِهِ (والإعادة فعل مثله) أَي الْوَاجِب (فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت، فَخرج بِهِ الْقَضَاء لِأَنَّهُ فعل الْمثل فِي غير وقته فَإِن قلت مَا يَأْتِي بِهِ ثَانِيًا غير الأول فَمَا معنى الْإِعَادَة قلت بتنزيل الثَّانِي منزلَة عين الأول لمماثلته (لخلل غير الْفساد) كَتَرْكِ ركن (و) غير (عدم صِحَة الشُّرُوع) لفقد شَرط مُقَدّر من طَهَارَة أَو غَيرهَا، إِذْ الأول فِي الصُّورَتَيْنِ لَا وجود لَهُ فالخلل مَا يُؤثر نقصا فِي الصَّلَاة. قَالَ الشَّارِح: وَحِينَئِذٍ فَهَل تكون الْإِعَادَة وَاجِبَة فَصرحَ غير وَاحِد من شرَّاح أصُول فَخر الْإِسْلَام بِأَنَّهَا لَيست بواجبة، وَإِن كَانَ بِالْأولِ يخرج عَن الْعهْدَة وَإِن كَانَ على وَجه الْكَرَاهَة على الْأَصَح، وَأَن الثَّانِي بِمَنْزِلَة الْجَبْر كالجبر بسجود السَّهْو، وَالْأَوْجه الْوُجُوب كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْهِدَايَة، وَصرح بِهِ بَعضهم، وَيُوَافِقهُ مَا عَنى السَّرخسِيّ وَأَبُو الْيُسْر من ترك الِاعْتِدَال يلْزمه الْإِعَادَة زَاد أَبُو الْيُسْر وَيكون الْفَرْض هُوَ الثَّانِي، ثمَّ نقل عَن المُصَنّف أَنه لَا إِشْكَال فِي وجوب الْإِعَادَة إِذْ هُوَ الحكم فِي كل صَلَاة أدّيت مَعَ كَرَاهَة التَّحْرِيم وَيكون جَابِرا للْأولِ لِأَن الْفَرْض لَا يتَكَرَّر، وَجعله الثَّانِي يَقْتَضِي عدم سُقُوطه بِالْأولِ وَهُوَ لَازم ترك الرُّكْن لَا الْوَاجِب، إِلَّا أَن يُقَال المُرَاد أَن ذَلِك امتنان من الله تَعَالَى إِذْ يحْتَسب الْكَامِل وَإِن تَأَخّر عَن الْفَرْض لما علم سُبْحَانَهُ أَنه سيوفقه انْتهى، ثمَّ أَنه أطنب الْكَلَام فِي أَن الْإِعَادَة هَل هِيَ أَدَاء أَو قَضَاء أَو غَيرهمَا، وَكَلَام المُصَنّف ظَاهر فِي الثَّالِث لجعلها مُقَابلا للأولين، وَلما نقل عَنهُ من أَن الْفَرْض هُوَ الأول فَلَا يكون الثَّانِي فعل الْوَاجِب فِي الْوَقْت غير أَن قَوْله إِلَّا أَن يُقَال إِلَى آخِره تَجْوِيز لكَونه أَدَاء وَالصَّلَاة المفعولة جمَاعَة بعد فعلهَا على الِانْفِرَاد إِعَادَة إِن عَمها الْخلَل بِحَيْثُ يعم مَا لَيْسَ وَاقعا على الْوَجْه الْأَكْمَل (وَالْقَضَاء) تَعْرِيفه بِنَاء (على أَنه) وَاجِب (بِسَبَبِهِ) أَي الأول إِذْ لَو كَانَ وُجُوبه بِسَبَب آخر لَا يصدق عَلَيْهِ التَّعْرِيف لِأَن الْوَاجِب بِسَبَب آخر لَا يكون غير الأول (فعله) أَي الْوَاجِب (بعده) أَي الْوَقْت (فَفعل مثله) أَي الْوَاجِب (بعده) أَي الْوَقْت لخلل وَقع فِي أَدَائِهِ (خَارج) عَن تَعْرِيف الْقَضَاء لِأَنَّهُ فعل عين الْوَاجِب لَا مثله، وَفسّر الشَّارِح بِأَنَّهُ خَارج عَن الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَكَأَنَّهُ دَعَاهُ إِلَيْهِ قَوْله (كَفعل غير الْمُقَيد) بِوَقْت (من السّنَن) إِذْ خُرُوجه لَا يخص تَعْرِيف الْقَضَاء، وَأَنت خَبِير بِأَن مَا فسرنا بِهِ مُقْتَضى السِّيَاق والتفريع، وَلَا بعد فِي قَوْلنَا هَذَا خَارج عَن هَذَا الْقسم كَمَا أَن ذَلِك خَارج عَن الْأَقْسَام، على أَن خُرُوجه من الْقَضَاء مُسْتَلْزم لِخُرُوجِهِ عَنْهَا، إِذْ من الْمَعْلُوم أَنه لَيْسَ بِالْأَدَاءِ وَلَا إِعَادَة (والمقيد) مِنْهَا بِوَقْت (كَصَلَاة الْكُسُوف) والخسوف بوقتيهما وَالْمعْنَى على مَا ذكرنَا فعل مثل الْوَاجِب بعد الْوَقْت خَارج عَن تَعْرِيف الْقَضَاء كَمَا أَن فعل غير الْمُقَيد إِلَى آخِره خَارج عَن تَعْرِيف كل مِنْهُمَا، وَبَعْضهمْ جعل الْأَدَاء نَوْعَيْنِ
стр. 585
وَاجِب وَنفل وَلم يَأْخُذ فِيهِ قيد للْوُجُوب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَمن يُحَقّق الْقَضَاء فِي غير الْوَاجِب) مثل سنة الْفجْر كَمَا ذكر أَصْحَابنَا وَغَيرهم (يُبدل الْوَاجِب بِالْعبَادَة) فَيَقُول فعل الْعِبَادَة بعد وَقتهَا (فتسمية الْحَج) الصَّحِيح (بعد) الْحَج (الْفَاسِد قَضَاء) كَمَا وَقع فِي عبارَة مَشَايِخنَا وَغَيرهم (مجَاز) لِأَنَّهُ فِي وقته وَهُوَ الْعُمر (وتضييقه) أَي وَقت الْحَج (بِالشُّرُوعِ) فَلَا يجوز لَهُ الْخُرُوج مِنْهُ وتأخيره إِلَى عَام آخر (لَا يُوجِبهُ) أَي كَونه قَضَاء بعد الْإِفْسَاد لفَوَات وَقت الْإِحْرَام كَمَا زَعَمُوا (كَالصَّلَاةِ فِي الْوَقْت) ثَانِيًا (بعد إفسادها، والتزام بعض الشَّافِعِيَّة) قَالَ الشَّارِح: أَي القَاضِي حُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ وَالرُّويَانِيّ (أَنَّهَا) أَي الصَّلَاة الْمَذْكُورَة (قَضَاء) لِأَنَّهُ يتضيق عَلَيْهِ وَقتهَا بِدُخُولِهِ ففات وَقت إِحْرَامه بهَا (بعيد إِذْ لَا يَنْوِي) الْقَضَاء بهَا اتِّفَاقًا وَلَو كَانَت قَضَاء لَوَجَبَتْ نِيَّته، وَمَا قيل أَنه لَا يشْتَرط نِيَّة الْقَضَاء فِي الْقَضَاء خلال لِلْجُمْهُورِ، نعم صححوا نِيَّة جَاهِل الْوَقْت لغيم أَو نَحوه وَمن ظن خُرُوج الْوَقْت أَو بَقَاءَهُ حَتَّى تبين خلاف ظَنّه، وَأما الْعَالم بِالْحَال فَلَا تَنْعَقِد صلَاته إِلَّا بنية الْأَدَاء أَو الْقَضَاء، ثمَّ المتضيق بِالشُّرُوعِ بِفِعْلِهِ لَا بِأَمْر الشَّرْع وَالنَّظَر فِي الْأَدَاء وَالْقَضَاء إِلَى أَمر الشَّارِع (وَبَعْضهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة قَالَ: هِيَ (إِعَادَة) فَلَا يعْتَبر فِي تَعْرِيفهَا كَونهَا لخلل غير الْفساد (واستبعاد قَول القَاضِي) أبي بكر من ابْن الْحَاجِب وَغَيره (فِيمَن) أدْرك وَقت الْفِعْل ثمَّ (أخر) الْفِعْل (عَن جُزْء مِنْهُ مَعَ ظن مَوته قبله) أَي الْفِعْل (حَتَّى أَثم) بِالتَّأْخِيرِ (اتِّفَاقًا) ومقول قَوْله (أَنه) أَي فعله بعد ذَلِك الْوَقْت (قَضَاء) خلافًا لِلْجُمْهُورِ فِي كَونه أَدَاء (إِن أَرَادَ) بِهِ مَا يسْتَلْزم صِحَّته (نِيَّة الْقَضَاء) فَهُوَ فِي موقعه، فالشرطية خبر استبعاد، حذف الْجَزَاء للْعلم بِهِ، وَقد عرفت وَجه الْبعد بقوله آنِفا إِذْ لَا يَنْوِي (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد بِهِ ذَلِك وَلم يشْتَرط فِيهِ نِيَّة الْقَضَاء (فلفظي) أَي فالنزاع لَفْظِي يرجع إِلَى التَّسْمِيَة بِلَفْظ الْقَضَاء لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُوَافق الْجُمْهُور فِي أَنه فعل وَقع فِي وَقت كَانَ مُقَدرا لَهُ أَولا، وهم يوافقونه فِي وُقُوعه خَارج مَا تعين لَهُ من الْوَقْت ثَانِيًا بِحَسب ظَنّه فَلَا نزاع فِي الْمَعْنى (وتعريفه) أَي الْقَضَاء (بِفعل مثله) أَي الْوَاجِب كَمَا ذكره الْحَنَفِيَّة (إِنَّمَا يتَّجه على أَنه) أَي الْقَضَاء وُجُوبه (بآخر) أَي بِسَبَب آخر غير سَبَب الْأَدَاء فَلَا وَجه لاعتباره مثل الْوَاجِب الأول، بل هُوَ عينه غير أَنه أوقع فِي غير وقته الْمُقدر لَهُ ابْتِدَاء (وَاخْتلف فِيهِ) أَي فِي الْقَضَاء (بِمثل مَعْقُول) أَي مَعْلُوم لِلْعَقْلِ مماثلته للفائت كَالصَّلَاةِ للصَّلَاة، وَالصَّوْم للصَّوْم هَل يجب بِمَا يجب بِهِ الْأَدَاء أَو بِأَمْر آخر (فَأكْثر (بِأَمْر آخر، وَالْمُخْتَار للحنفية) كَالْقَاضِي أبي زيد وشمس الْأَئِمَّة وفخر الْإِسْلَام أَنه يجب (بِهِ) أَي بِمَا يجب بِهِ الْأَدَاء، وَبِه قَالَ كثير من الشَّافِعِيَّة والحنابلة وَعَامة أهل الحَدِيث، وَإِنَّمَا قيد الْمثل
стр. 586
بالمعقول لِأَنَّهُ بِمثل غير مدرك لِلْعَقْلِ مماثلته للفائت لعَجزه كالفدية للصَّوْم لَا يجب إِلَّا بِأَمْر آخر بالِاتِّفَاقِ (للْأَكْثَر الْقطع بِعَدَمِ اقْتِضَاء صم يَوْم الْخَمِيس صم) يَوْم (الْجُمُعَة) فِي الشَّرْح العضدي لَو وَجب الْقَضَاء بِالْأَمر الأول لَكَانَ مقتضيا للْقَضَاء وَاللَّازِم مُنْتَفٍ، أما الْمُلَازمَة فَبَيِّنَة إِذْ الْوُجُوب أخص من الِاقْتِضَاء وَثُبُوت الْأَخَص يسْتَلْزم ثُبُوت الْأَعَمّ، وَأما انْتِفَاء اللَّازِم فلأنا قاطعون بِأَن قَول الْقَائِل صم يَوْم الْخَمِيس لَا يَقْتَضِي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة بِوَجْه من وُجُوه الِاقْتِضَاء وَأَيْضًا لَو اقْتَضَاهُ لَكَانَ أَدَاء وَكَانَ بِمَثَابَة صم إِمَّا يَوْم الْخَمِيس وَإِمَّا يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ تَخْيِير بَينهمَا. وَالثَّانِي أَدَاء بِرَأْسِهِ لَا قَضَاء للْأولِ وَأَيْضًا يلْزم أَن يَكُونَا سَوَاء فَلَا يقْضِي بِالتَّأْخِيرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بل اقْتَضَاهُ (كَانَ) أَي صَوْم يَوْم الْخَمِيس وَصَوْم يَوْم الْجُمُعَة (سَوَاء) فِي كَونهمَا أَدَاء بِمَنْزِلَة صم إِمَّا يَوْم الْجُمُعَة وَإِمَّا يَوْم الْخَمِيس (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا الِاسْتِدْلَال أَن يُقَال (مُقْتَضَاهُ) أَي صَوْم يَوْم الْخَمِيس (أَمْرَانِ): أَحدهمَا (إِلْزَام) أصل (الصَّوْم. و) الثَّانِي (كَونه) أَي الصَّوْم (فِيهِ) أَي يَوْم الْخَمِيس (فَإِذا عجز عَن الثَّانِي) وَهُوَ كَونه فِيهِ الَّذِي بِهِ كَمَال الْمَأْمُور بِهِ (لفواته بَقِي قَضَاؤُهُ الصَّوْم لَا فِي) خُصُوص (الْجُمُعَة وَلَا) فِي خُصُوص (غَيرهَا وَإِنَّمَا يلْزم مَا ذكر) من الْمُسَاوَاة (لَو اقْتِضَاء) أَي صَوْم يَوْم الْخَمِيس الصَّوْم (فِي) يَوْم (معِين) غَيره كَيَوْم الْجُمُعَة وَلَيْسَ كَذَلِك (نعم لَو اقْتضى فَوَاته) أَي الْأَدَاء (ظُهُور بطلَان مصلحَة الْوَاجِب ومفسدته) إِمَّا بِالنّصب عطفا على ظُهُور وَإِمَّا بِالْجَرِّ عطفا على بطلَان (سقط) الْوَاجِب بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق بِلَا مصلحَة مَعَ ظُهُور فَسَاده (للمعارض الرَّاجِح) وَهُوَ ظُهُور بطلَان الْمصلحَة والمفسدة (وَهُوَ) أَي اقْتِضَاء فَوَاته ذَلِك (بعيد، إِذْ عقلية حسن الصَّلَاة ومصلحتها بعد الْوَقْت كقبله) أَي كعقلية حسنها ومصلحتها قبل الْوَقْت: إِذْ الْمَقْصُود بهَا تَعْظِيم الله لفظا وَمُخَالفَة الْهوى وَذَلِكَ لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات، وَإِنَّمَا امْتنع التَّقْدِيم على الْوَقْت لِامْتِنَاع تَقْدِيم الحكم على السَّبَب كَمَا سَيَجِيءُ (وَغَايَة تَقْيِيده) أَي الْوَاجِب (بِهِ) أَي بِالْوَقْتِ أَنه (لزِيَادَة الْمصلحَة فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت لشرفه، وكل من الْفَوات والتفويت غير مسْقط لَهُ (وَقَوْلهمْ) أَي الْقَائِلين بِأَنَّهُ لَا يجب بِمَا يجب بِهِ الْأَدَاء (لَو لم يكن) الْوَقْت (قيدا فِيهِ) أَي فعل الْوَاجِب (دَاخِلا فِي الْمَأْمُور بِهِ جَازَ تَقْدِيمه) أَي الْمَأْمُور بِهِ على الْوَقْت الْمُقَيد بِهِ (مندفع بِأَن الْكَلَام فِي الْوَاجِب وَلَا وَاجِب قبل التَّعَلُّق) أَي قبل تعلق الْوُجُوب بِهِ وَلَا يتَعَلَّق الْوُجُوب إِلَّا عِنْد دُخُول الْوَقْت فِي الْوَاجِب الْمُؤَقت (ثمَّ قيل ثَمَرَته) أَي الْخلاف تظهر (فِي الصّيام الْمَنْذُور الْمعِين) إِذا فَاتَ وقته (يجب قَضَاؤُهُ على) القَوْل (الثَّانِي) وَهُوَ أَنه يجب بِمَا يجب بِهِ الْأَدَاء (وَلَا) يجب (على الأول) وَهُوَ أَنه يجب بِأَمْر آخر لعدم وُرُود مَا يدل عَلَيْهِ (وَقيل الْقَضَاء) فِيهِ (اتِّفَاق فَلَا ثَمَرَة)
стр. 587
لهَذَا الْخلاف (ويطالبون) أَي الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يجب بِالْأَمر الآخر (بِالْأَمر الْجَدِيد) غير النّذر فِي هَذِه الصُّورَة الدَّال على وجوب قَضَاء الصَّوْم الْمَذْكُور والإتيان بِهِ مُتَعَذر فِيمَا يظْهر (وَلَو قيل) بدل بِأَمْر جَدِيد (بِسَبَب آخر) كَمَا هُوَ عبارَة السَّرخسِيّ وَغَيره (شَمل الْقيَاس فَيمكن) أَن يجيبوا بِأَن السَّبَب الآخر هُوَ الْقيَاس (على الصَّلَاة) الْمَفْرُوضَة فِي الصَّلَاة الْمَنْذُورَة، وعَلى الصَّوْم الْمَفْرُوض فِي الصَّوْم الْمَنْذُور فَإِنَّهُ قَالَ ﷺ " فَإِذا نسى أحدكُم صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا ". وَقَالَ تَعَالَى - ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ - اعْتِبَارا بِمَا هُوَ وَاجِب بِإِيجَاب العَبْد بِمَا هُوَ وَاجِب بِإِيجَاب الله تَعَالَى ابْتِدَاء (ونوقض) الْمُخْتَار عِنْد الْحَنَفِيَّة وَهُوَ أَنه يجب بِمَا يجب بِهِ الْأَدَاء (بِنذر اعْتِكَاف رَمَضَان إِذا لم يعتكفه) أَي رَمَضَان حَيْثُ (يجب) فِي ظَاهر الرِّوَايَة قَضَاؤُهُ (بِصَوْم جَدِيد وَلم يُوجِبهُ) أَي نذر اعْتِكَافه صَوْمه لوُجُوبه بِدُونِ النّذر (فَكَانَ) وجوب الْقَضَاء (بِغَيْرِهِ) أَي غير مَا يحب بِهِ الْأَدَاء (وَيبْطل) النّذر بعد انْتِفَاء الِاعْتِكَاف: أَي لَا يبْقى لَهُ مُوجب (كَأبي يُوسُف وَالْحسن) أَي كَمَا قَالَا، إِذْ لَا يُمكن إِيجَاب الْقَضَاء بِدُونِ الصَّوْم لِأَنَّهُ لَا اعْتِكَاف إِلَّا بِالصَّوْمِ، وَلَا إِيجَابه بِالصَّوْمِ وَإِلَّا يلْزم إِلْزَام الزِّيَادَة على مَا الْتَزمهُ، وَفِيه أَن هَذَا كُله فرع كَون الصَّوْم الْجَدِيد قَضَاء، وَهُوَ غير لَازم لكَون الِاعْتِكَاف قَضَاء لجَوَاز كَون الصَّوْم أَدَاء تَابعا للاعتكاف من حَيْثُ التحقق لَا من حَيْثُ كَونه قَضَاء (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي نذر الِاعْتِكَاف (مُوجب) للصَّوْم، لِأَنَّهُ شَرط صِحَة الِاعْتِكَاف وَشرط الشَّيْء يجب بتبعية وُجُوبه إِلَّا أَنه (امْتنع) إِيجَابا لَهُ (فِي خُصُوص ذَلِك) أَي نذر اعْتِكَافه رَمَضَان لمَانع هُوَ وُجُوبه قبل النّذر فَإِن إِضَافَته إِلَى رَمَضَان وَشرف الْوَقْت مَعَ حُصُول الْمَقْصد بِصَوْم الشَّهْر، لِأَن الشَّرْط من حَيْثُ هُوَ شَرط يعْتَبر وجوده تبعا يمْنَع إِيجَاب اعْتِكَاف بِصَوْم فِي غير رَمَضَان عِنْد الْأَدَاء (فَعِنْدَ عَدمه) أَي الْمَانِع، وَهُوَ رَمَضَان إِذا لم يعتكفه وَلزِمَ الْقَضَاء (ظهر أَثَره) أَي نذر الِاعْتِكَاف فِي إِيجَاب الصَّوْم كمظهر نذر أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُصليهَا بِتِلْكَ الطَّهَارَة، وَإِذا انْقَضتْ لَزِمته لأدائها بذلك النّذر لَا بِسَبَب آخر (وَلزِمَ أَن لَا يقْضِي فِي رَمَضَان آخر، وَلَا وَاجِب) آخر لِأَن الصَّوْم وَإِن كَانَ شرطا لكنه مِمَّا يلْزم بِالنذرِ لكَونه عبَادَة مَقْصُودَة فِي نَفسه، فَإِذا ظهر أثر النّذر فِي إِيجَابه لَا يتَأَدَّى بِوَاجِب آخر كَمَا لَو نَذره مُطلقًا أَو مُضَافا إِلَى غير رَمَضَان (سوى قَضَاء) رَمَضَان (الأول) فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ (للخلفية) أَي لخلفية صَوْم الشَّهْر الْمقْضِي عَن صَوْم الْمَنْذُور: إِذْ الْخلف فِي حكم الأَصْل وَقد اكْتفى بِالصَّوْمِ الْوَاجِب أَصَالَة لَا من قبل النّذر بتبعية الِاعْتِكَاف فِي الأَصْل فَكَذَلِك فِي الْخلف.
стр. 588
تذنيب
مُتَعَلق بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاء يشْتَمل على أَقسَام لَهما باعتبارات مُخْتَلفَة (قسم الْحَنَفِيَّة الْأَدَاء) حَال كَونهم (معممين) التَّقْسِيم لَهُ (فِي الْمُعَامَلَات) كَمَا فِي الْعِبَادَات إِلَى مَا لَيْسَ فِي معنى الْقَضَاء، وَهُوَ يَنْقَسِم (إِلَى كَامِل) مستجمع لجَمِيع الْأَوْصَاف المشروعية فِيهِ (كَالصَّلَاةِ) الْمَشْرُوع فِيهَا الْجَمَاعَة كالمكتوبة والعيد وَالْوتر فِي رَمَضَان والتراويح (بِجَمَاعَة، وقاصر) غير مستجمع لما ذكر (كالمكتوبة) إِذْ صلاهَا (مُنْفَردا). وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ " صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين ضعفا ". (و) إِلَى (مَا) أَي أَدَاء (فِي معنى الْقَضَاء كَفعل اللَّاحِق) وَهُوَ من فَاتَهُ بعد مَا دخل مَعَ الإِمَام بعض صَلَاة الإِمَام لنوم أَو سبق حدث فَمَا فَاتَهُ من صَلَاة الإِمَام (بعد فرَاغ الإِمَام) فَهُوَ أَدَاء بِاعْتِبَار كَونه فِي الْوَقْت قَضَاء بِاعْتِبَار فَوَاته مَعَ الإِمَام، ثمَّ لما كَانَ أَدَاء بِاعْتِبَار الأَصْل قَضَاء بِاعْتِبَار الْوَصْف جعل أَدَاء شَبِيها بِالْقضَاءِ لَا الْعَكْس (وَلذَا) أَي كَونه فِي معنى الْقَضَاء (لَا يقْرَأ فِيهِ وَلَا يسْجد لسَهْوه وَلَا يتَغَيَّر فَرْضه) من الثنائية إِلَى الرّبَاعِيّة لَو كَانَ مُسَافِرًا (بنية الْإِقَامَة) فِيهِ فِي مَوضِع صَالح لَهَا وَالْوَقْت بَاقٍ لِأَن الْقَضَاء لَا يتَغَيَّر بِالْغَيْر لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على الأَصْل وَهُوَ لم يتَغَيَّر لانقضائه، فَكَذَا مَا فِي معنى الْقَضَاء خلافًا لزفَر فِي هَذَا، هَذَا كُله فِي حق الله تَعَالَى (و) أما (فِي حُقُوق الْعباد) فالكامل مِثَاله (رد عين الْمَغْصُوب سالما) أَي على الْوَجْه الَّذِي غصبه (و) الْقَاصِر مِثَاله (رده) أَي عين الْمَغْصُوب (مَشْغُولًا بِجِنَايَة) لَزِمت فِي يَد الْغَاصِب يسْتَحق بهَا رقبته أَو طرفه أَو بدين استهلاكه مَال إِنْسَان فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَقع الرَّد على الْوَجْه الَّذِي غصبه، ولكونه أَدَاء لَو هلك فِي يَد الْمَالِك قبل الدّفع إِلَى الْمَجْنِي عَلَيْهِ أَو البيع فِي الدّين برِئ الْغَاصِب، ولقصوره إِذا دفع أَو قتل بذلك السَّبَب أَو بيع فِي ذَلِك الدّين رَجَعَ الْمَالِك على الْغَاصِب بِالْقيمَةِ كَأَن الرَّد لم يُوجد (و) مَا فِي معنى الْقَضَاء مِثَاله (تَسْلِيم عب د غَيره الْمُسَمّى مهْرا بعد شِرَائِهِ) لزوجته الَّتِي سَمَّاهُ لَهَا مهْرا: فكونه أَدَاء لكَونه عين الْمُسَمّى مهْرا (فتجبر) الزَّوْجَة (عَلَيْهِ) أَي على قبُوله كَمَا لَو كَانَ فِي ملك عِنْد العقد وَلَا يملك الزَّوْج منعهَا مِنْهُ (وَيُشبه الْقَضَاء لِأَنَّهُ) أَي الزَّوْج (بعد الشِّرَاء ملكه حَتَّى نفذ عتقه) وَبيعه وَغَيرهمَا من التَّصَرُّفَات فِيهِ (مِنْهُ) أَي الزَّوْج (لَا مِنْهَا) أَي الزَّوْجَة، لِأَن تبدل الْملك بِمَنْزِلَة تبدل الْعين شرعا فَإِنَّهُ صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه أكل من لحم تصدق بِهِ على بَرِيرَة، وَقَالَ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة وَمِنْهَا لنا هَدِيَّة (و) قسموا (الْقَضَاء إِلَى مَا) أَي قَضَاء (بِمثل مَعْقُول، و) بِمثل (غير مَعْقُول كَالصَّوْمِ للصَّوْم والفدية لَهُ) أَي للصَّوْم، وَهِي الصَّدَقَة بِنصْف صَاع من بر أَو صَاع من شعير أَو تمر بَدَلا عَنهُ عِنْد
стр. 589
الْعَجز المستدام مِنْهُ: فَالْأول مِثَال الْمَعْقُول، وَالثَّانِي مِثَال غير الْمَعْقُول (وَمَا) أَي وَإِلَى قَضَاء (يشبه الْأَدَاء كقضاء تَكْبِيرَات الْعِيد فِي الرُّكُوع) عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد إِذا أدْرك الإِمَام وَخَافَ أَن يرفع رَأسه مِنْهُ لَو اشْتغل بهَا فَكبر للافتتاح ثمَّ للرُّكُوع ثمَّ أَتَى فِيهِ بهَا (خلافًا لأبي يُوسُف) حَيْثُ قَالَ: لَا يَأْتِي بهَا فِيهِ لفواتها عِنْد محلهَا، وَهُوَ الْقيام وَعدم قدرته على مثل من عِنْده قربَة فِي الرُّكُوع كَمَا لَو نسي الْفَاتِحَة أَو السُّورَة أَو الْقُنُوت ثمَّ ركع، وَوجه ظَاهر الرِّوَايَة أَن الرُّكُوع لما أشبه الْقيام حَقِيقَة من حَيْثُ بَقَاء الانتصاب والاستواء فِي النّصْف الْأَسْفَل من الْبدن وَحكما لِأَن الْمدْرك المشارك للْإِمَام فِي الرُّكُوع مدرك لتِلْك الرَّكْعَة لم يتَحَقَّق الْفَوات لبَقَاء مَحل الْأَدَاء من وَجه، وَقد شرع مَا هُوَ من جِنْسهَا وَهُوَ تَكْبِيرَة الرُّكُوع فِيمَا لَهُ شبه الْقيام فَإِن الْأَصَح أَن الْإِتْيَان بهَا فِي حَالَة الانحطاط وَهِي محتسبة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة من تكبيراتها، وَالتَّكْبِير عبَادَة، وَهِي تثبت بِالشُّبْهَةِ فَكَانَ الِاحْتِيَاط فِي فعلهَا لبَقَاء جِهَة الْأَدَاء بِبَقَاء الْمحل من وَجه بِخِلَاف الْقِرَاءَة والقنوت فَإِن كلا مِنْهُمَا لم يشرع فِيمَا لَهُ شبه الْقيام بِوَجْه ثمَّ لَا يرفع يَدَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهُ وَوضع الْكَفّ سنتَانِ إِلَّا أَن الرّفْع فَاتَ عَن مَحَله فِي الْجُمْلَة والوضع لم يفت فَكَانَ أولى، هَذَا فِي حق الله تَعَالَى (وَفِي حُقُوق الْعباد ضَمَان الْمَغْصُوب) المثلى من مَكِيل أَو مَوْزُون أَو مَعْدُود مُتَقَارب (بِالْمثلِ صُورَة) ويتبعها الْمَعْنى ضَرُورَة كالحنطة بِالْحِنْطَةِ وَالزَّيْت بالزيت والبيضة بالبيضة قَضَاء كَامِل بِمثل مَعْقُول (ثمَّ) ضَمَانه بِالْمثلِ (معنى بِالْقيمَةِ) بدل من قَوْله بِالْمثلِ معنى (للعجز) عَن الْمثل صُورَة وَمعنى تَعْلِيل للاكتفاء بِالْمثلِ معنى بِالضَّمَانِ، وَذَلِكَ عِنْد انْقِطَاعه بِأَن لَا يُوجد فِي الْأَسْوَاق قَضَاء قَاصِر بِمثل مَعْقُول أما كَونه قَضَاء فَظَاهر، وَأما كَونه قاصرا فلانتفاء الصُّورَة، وَأما كَونه بِمثل مَعْقُول فللمساواة فِي الْمَالِيَّة (وَبِغير مَعْقُول) أَي وَالْقَضَاء بِمثل قَاصِر غير مَعْقُول (ضَمَان النَّفس والأطراف بِالْمَالِ فِي) الْقَتْل وَالْقطع (الْخَطَأ) إِذْ لَا مماثلة بَين شَيْء مِنْهُمَا وَالْمَال صُورَة وَهُوَ ظَاهر، وَلَا معنى لِأَن الْآدَمِيّ مَالك غير مبتذل، وَالْمَال مَمْلُوك متبذل وللقصور لم يشرع إِلَّا عِنْد تعذر الْمثل الْكَامِل الْمَعْقُول وَهُوَ الْقصاص، وَذَلِكَ لعدم قَصده (وَإِعْطَاء قيمَة عبد سَمَّاهُ مهْرا بِغَيْر عينه) قَضَاء يشبه الْأَدَاء (حَتَّى أجبرت) الزَّوْجَة (عَلَيْهَا) أَي على قبُول قيمَة عبد وسط إِذا أَتَاهَا بهَا كَمَا يجْبر على قبُول عبد وسط إِذا أَتَاهَا بِهِ لكَونه عين الْوَاجِب (وَإِن كَانَت) الْقيمَة (قَضَاء لشبهه) أَي هَذَا الْقَضَاء (بِالْأَدَاءِ لمزاحمتها) أَي الْقيمَة (الْمُسَمّى، إِذْ لَا يعرف) هَذَا الْمُسَمّى لجهالته وَصفا (إِلَّا بهَا) أَي بِالْقيمَةِ: إِذْ لَا يُمكن تَعْيِينه بِدُونِهَا ثمَّ هِيَ لَا تتَعَيَّن إِلَّا بالتقويم فَصَارَت الْقيمَة أصلا من هَذَا الْوَجْه مزاحما للمسمى فَأَيّهمَا أَتَى بِهِ يجْبر بِهِ على الْقبُول بِخِلَاف الْمعِين فَإِنَّهُ مَعْلُوم بِدُونِ التَّقْوِيم فَكَانَت قِيمَته قَضَاء مَحْضا فَلم يجْبر عَلَيْهَا عِنْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ (وَفِيه)
стр. 590
أَي فِي حكم هَذِه المسئلة بِاعْتِبَار تعليلها الْمَذْكُور (نظر) لِأَن الْمُسَمّى مَعْلُوم الْجِنْس مَجْهُول الْوَصْف وَفِي نَظَائِره يعْتَبر الْوسط نظرا إِلَى الْجَانِبَيْنِ، وَبِه ترْتَفع الْجَهَالَة فَيلْزمهُ تَسْلِيم عبد وسط فَلَا نسلم الْمُزَاحمَة الْمَذْكُورَة (وَعَن سبق المماثل صُورَة) وَمعنى فِي التَّضْمِين من حَيْثُ الِاعْتِبَار شرعا على المماثل معنى فَقَط (قَالَ أَبُو حنيفَة فِيمَن قطع) يَد إِنْسَان عمدا (ثمَّ قتل) الْقَاطِع الْمَقْطُوع أَيْضا (عمدا قبل الْبُرْء) أَي برْء الْقطع (للْوَلِيّ كَذَلِك) أَي أَن يقطع يَده ثمَّ يقْتله كَمَا لَهُ أَن يقْتله من غير قطع، إِذْ الأول مثل كَامِل بِاعْتِبَار الصُّورَة وَالْمعْنَى، وَهُوَ إزهاق الرّوح بِخِلَاف الثَّانِي فَإِنَّهُ قَاصِر لفَوَات الصُّورَة فِيهِ والكامل سَابق فِي الِاعْتِبَار غير أَنه لَهُ الِاقْتِصَار لِأَنَّهُ حَقه كَمَا أَن لَهُ الْعَفو، وَقيل هَذَا يَقْتَضِي أَن هَذَا لَو كَانَ بَين صَغِير وكبير هُوَ وليه لم يتَمَكَّن الْكَبِير من الِاقْتِصَار على الْقَتْل عِنْده، لِأَن حق الصَّغِير فِي الْكَامِل وَهُوَ مُمكن (خلافًا لَهما) حَيْثُ قَالَا لَيْسَ لَهُ سوى الْقَتْل (بِنَاء على أَنَّهَا) أَي هَذِه الْأَفْعَال جِنَايَة (وَاحِدَة) معنى عِنْدهمَا وَهِي الْقَتْل (لِأَن بِالْقَتْلِ ظهر أَنه) أَي الْجَانِي (قَصده) أَي بِالْقَتْلِ (بِالْقطعِ) فَصَارَ كَمَا لَو قَتله بضربات يحْتَمل آخرهَا أَن يكون ماحيا لأثر الأول فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر أَن يحكم بِالسّرَايَةِ بعد فَوت الْمحل بِهِ فيضاف الحكم إِلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى - ﴿وَمَا أكل السَّبع إِذا مَا ذكيتم﴾ - جعل التذكية ماحيا أثر جراحه من السَّبع، كَذَا ذكره الشَّارِح وَفِيه مَا فِيهِ (وجنايتان عِنْده) أَي أبي حنفية وهما الْقطع وَالْقَتْل (وَمَا ذكرا) أَي صَاحِبَاه من ظُهُور أَنه قصد الْقَتْل بِالْقطعِ (لَيْسَ بِلَازِم) لجَوَاز حُدُوث دَاعِيَة الْقَتْل بعد الْقطع، بِخِلَاف مَا لَو تخَلّل الْبُرْء بَينهمَا فَإِن الِاتِّفَاق على أَن لَهُ أَن يقطع ثمَّ يقتل لِأَن الأولى قد انْتَهَت وَاسْتقر حكمهَا بالبرء (وَعنهُ) أَي سبق المماثل صُورَة وَمعنى على الْقَاصِر فِي الِاعْتِبَار أَيْضا (قَالَ) أَبُو حنيفَة (لَا يضمن) الْغَاصِب الْمَغْصُوب (الْمثْلِيّ بِالْقيمَةِ إِذا انْقَطع الْمثل) من أَيدي النَّاس (إِلَّا يَوْم الْخُصُومَة) وَالْقَضَاء بهَا (لِأَن التضيق) لوُجُوب أَدَائِهِ الْمثل الْكَامِل الْوَاجِب فِي ذمَّته (بِالْقضَاءِ) بِهِ عَلَيْهِ (فَعنده) أَي الْقَضَاء بِهِ عَلَيْهِ (بتحقق الْعَجز) عَنهُ فيتحول إِلَى الْقَاصِر (بِخِلَاف) الْمَغْصُوب (القيمي) حَيْثُ تجب قِيمَته يَوْم الْغَصْب اتِّفَاقًا (لِأَن وجوب قِيمَته) أَي القيمى (بِأَصْل السَّبَب) الَّذِي هُوَ الْغَصْب (فَيعْتَبر) الْوُجُوب (يَوْم الْغَصْب، وَلأبي يُوسُف) أَنه يجب قيمَة المثلى (يَوْم الْغَصْب لِأَنَّهُ لما الْتحق) المثلى (بِمَا لَا مثل لَهُ بالانقطاع وَجب الْخلف) وَهُوَ الْقيمَة (ووجوبه) أَي الْخلف (بسب الأَصْل) أَي الْمثل صُورَة، وَمعنى (وَهُوَ) أَي سَبَب الأَصْل (الْغَصْب، وَمُحَمّد) قَالَ (الْقيمَة للعجز) عَن الْمثل صُورَة وَمعنى (وَهُوَ) أَي الْعَجز (بالانقطاع فَيعْتَبر يَوْمه) أَي الِانْقِطَاع وَفِي التُّحْفَة الصَّحِيح قَول أبي حنيفَة (وَاتَّفَقُوا) أَي أَصْحَابنَا على (أَن بِإِتْلَاف الْمَنَافِع) للأعيان كاستخدام
стр. 591
العَبْد وركوب الدَّابَّة وسكنى الدَّار (لَا ضَمَان لعدم الْمثل الْقَاصِر) لِأَن الْمَنْفَعَة لَا تماثل الْعين صُورَة وَهُوَ ظَاهر، وَلَا معنى لِأَن الْعين مَال مُتَقَوّم، بِخِلَاف الْمَنْفَعَة، لِأَن المَال مَا يصان ويدخر لوقت الضَّرُورَة وَالْحَاجة، وَالْمَنَافِع لَا تبقى بل كَمَا تُوجد تتلاشى، والتقوم الَّذِي هُوَ شَرط الضَّمَان لَا يثبت بِدُونِ الْوُجُود والبقاء (والاتفاق) وَاقع (على نفي الْقَضَاء بالكامل) أَي على أَن الْمَنَافِع لَا تضمن بِمِثْلِهَا فِي الْمَنَافِع، هَذَا على تَقْدِير رفع الِاتِّفَاق، وَأما على تَقْدِير جَرّه فالتقدير والاتفاق الْوَاقِع الخ (لَو وَقع) أَي لَو وجد الْمثل الْكَامِل (كالحجر على كميات مُتَسَاوِيَة) الْحجر كصرد جمع الْحُجْرَة للغرفة: يَعْنِي كإتلاف مَنْفَعَة حجرَة من الْحجر الكائنة على كميات مُتَسَاوِيَة الْمُمَاثلَة مَنَافِعهَا صُورَة وَمعنى فَإِنَّهَا لَا تضمن بِمَنْفَعَة حجرَة أُخْرَى مِنْهَا فَلِأَن لَا تضمن بالأعيان مَعَ أَنه لَا مماثلة بَينهمَا صُورَة وَمعنى أولى، وَلما ذهب الشَّافِعِي إِلَى ضَمَانهَا بِنَاء على أَنَّهَا مَال متقوّم كَالْعَيْنِ بِدَلِيل وُرُود العقد عَلَيْهَا فَأَشَارَ إِلَى دَفعه بقوله (وورود العقد عَلَيْهَا لتحَقّق الْحَاجة) أَي يثبت تقومّها فِي العقد على خلاف الْقيَاس بِقِيَام الْعين مقَامهَا لضَرُورَة حَاجَة النَّاس إِلَى عقد الْإِجَارَة وَخلاف الْقيَاس مقتصر على قدر الضَّرُورَة فَإِن قيل الْحَاجة ماسة إِلَى ضَمَانهَا أَيْضا لِأَن فِي القَوْل بِعَدَمِ وُجُوبه انفتاح بَاب الظُّلم قُلْنَا نهى الشَّارِع يَدْفَعهُ (وَلم ينْحَصر دَفعهَا) أَي حَاجَة دفع الْعدوان (فِي التَّضْمِين بل الضَّرْب وَالْحَبْس أدفَع) للعدوان من التَّضْمِين وَنحن أوجبناهما أَو أَحدهمَا على المتعدّي، وَفِي الْمُجْتَبى وأصحابنا الْمُتَأَخّرُونَ يفتون بقول الشَّافِعِي فِي المسبلات والأوقاف وأموال الْيَتَامَى ويوجبون أجر مَنَافِعهَا على الغصبة، وَفِي الْفَتَاوَى وَغَيرهَا مَنَافِع الْعقار الْمَوْقُوفَة مَضْمُونَة سَوَاء كَانَ معدّا للِاسْتِغْلَال أَو لَا بِكُل حَال، وَحكى بَعضهم الْإِجْمَاع على هَذَا وَسَيذكر فِي كَلَام المُصَنّف مَا يُؤَيّد هَذَا (و) لَا يضمن (الْقصاص بقتل الْمُسْتَحق عَلَيْهِ) الْقصاص بقصاص ولادية (وَلَا) يضمن أَيْضا (ملك النِّكَاح بِشَهَادَة الطَّلَاق بعد الدُّخُول إِذا رجعُوا) أَي الشُّهُود بِالطَّلَاق بِشَيْء (خلافًا للشَّافِعِيّ فيهمَا) أَي فِي هَاتين المسئلتين إِذْ عِنْده الْقَاتِل يضمن الدِّيَة لِأَن الْقصاص ملك متقوّم للوليّ. وَقد أتلف ذَلِك عَلَيْهِ بقتْله فَيضمن، وَالشُّهُود يضمنُون للزَّوْج مهر الْمثل، لِأَن ملك النِّكَاح متقوّم على الزَّوْج ثبوتا فَيكون متقوّما عَلَيْهِ زوالا، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يضمن الْقصاص بِالدِّيَةِ وَملك النِّكَاح بعد الدُّخُول بِالْمهْرِ (لِأَن الدِّيَة وَمهر الْمثل لَا يماثلانهما) أَي الْقصاص وَملك النِّكَاح صُورَة وَهُوَ ظَاهر، وَلَا معنى لِأَن الْمَقْصُود من الْقصاص الانتقام والتشفي بإعدام الْحَيَاة، وَمن ملك النِّكَاح السكن والازدواج وإبقاء النَّسْل فَلَيْسَ بِمَال متقوّم (والتقوّم) بِالْمَالِ فِي بَاب الْقَتْل وَملك النِّكَاح (شَرْعِي للزجر) كَمَا فِي قتل الْأَب ابْنه عمدا (أَو الْجَبْر) كَمَا فِي قتل الْخَطَأ (وللخطر) أَي لشرف الْمحل فيهمَا أَيْضا صِيَانة للدم عَن الهدر
стр. 592
ولشرف بضع الْمَرْأَة حَالَة ثُبُوته تَعْظِيمًا لَهُ احْتِرَازًا عَن ملكه مجَّانا للنسل (لَا للتقوّم المالي) وَفِي تَهْذِيب الْبَغَوِيّ الْقَاتِل لَا يضمن الدِّيَة كمذهبنا.
الْقسم الثَّانِي
(كَون الْوَقْت سَببا للْوُجُوب مُسَاوِيا للْوَاجِب) بِأَن يُوجد بِإِزَاءِ كل جُزْء من الْوَقْت جُزْء من الْوَاجِب (وكل مُؤَقّت فالوقت شَرط أَدَائِهِ) إِذْ لَا يتَحَقَّق بِدُونِهِ وَهُوَ غير مُؤثر فِي وجوده. وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يذكر هَذَا عِنْد تَقْسِيم الْوَاجِب إِلَى الموقت وَغَيره، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بَيَان كَون هَذَا الْقسم جَامعا للأوصاف الثَّلَاثَة (ويسمونه) أَي الْحَنَفِيَّة هَذَا الْوَقْت (معيارا) لتقديره الْوَاجِب إِذْ يزْدَاد بِزِيَادَتِهِ وَينْقص بنقصه فَيعلم بِهِ مِقْدَاره كَمَا يعرف مقادير الموزونات بالمعيار (وَهُوَ رَمَضَان عين شرعا لفرض الصَّوْم، فَانْتفى شَرْعِيَّة غَيره من الصّيام فِيهِ فَلم يشرطوا) أَي الْحَنَفِيَّة (نِيَّة التَّعْيِين) أَي تعْيين كَونه الصَّوْم الْفَرْض عِنْد الْعَزْم على أَدَائِهِ (فأصيب) صَوْم رَمَضَان (بنية مباينة) لنِيَّة صَوْم رَمَضَان ومباينتها بِاعْتِبَار متعلقها وَهُوَ المنويّ (كالنذر وَالْكَفَّارَة بِنَاء على لَغْو الْجِهَة) الَّتِي عينهَا الناوي لِأَن تعْيين الشَّارِع الْوَقْت لرمضان لَا يخلي لما عينه العَبْد اعْتِبَارا فَيلْغُو (فيقى) الصَّوْم (الْمُطلق) بعد طرح خُصُوصِيَّة النفلية وَالْكَفَّارَة (وَبِه) أَي بالمطلق (يصاب) الصَّوْم الْفَرْض الرمضاني أَدَاء (كالأخص) مثل (زيد يصاب بالأعم) مثل (إِنْسَان) وَمعنى مصابية زيد بالإنسان أَنه إِذا قَالَ الْمُتَكَلّم رَأَيْت إنْسَانا مثلا وَفِي نفس الْأَمر نِيَّة زيد يكون مصداق هَذَا الحكم وَمحله خُصُوصِيَّة زيد. وَإِن كَانَ آلَة مُلَاحظَة مُتَعَلق الرُّؤْيَة ذَلِك الْمَفْهُوم الْكُلِّي، وَلَا شكّ أَن الْكُلِّي من حَيْثُ هُوَ كلي لَا يصلح لِأَن يصير طرفا لنسبة خارجية فالمتكلم والمخاطب يعلمَانِ إِجْمَالا أَن طرفها فِي نفس الْأَمر فَرد مِنْهُ. وَإِذا انحصر تحَققه بِاعْتِبَار تِلْكَ النِّسْبَة فِي خُصُوص فَرد يصير ذَلِك الْكُلِّي فِي نفس الْأَمر عبارَة عَنهُ ضَرُورَة، وَلذَلِك تحكم بِأَنَّهُ رَأْي زيدا إِذا لم يكن هُنَاكَ غَيره (وَالْجُمْهُور على نَفْيه) أَي نفي وُقُوعه عَن رَمَضَان بِهَذِهِ النِّيَّة (وَهُوَ) أَي نفي وُقُوعه عَنهُ (الْحق، لِأَن نفي شَرْعِيَّة غَيره) أَي غير صَوْم رَمَضَان (إِنَّمَا يُوجب نفي صِحَّته) أَي الْغَيْر (إِذا نَوَاه وَنفى صِحَة مَا نَوَاه من الْغَيْر لَا يُوجب وجود نِيَّة مَا يَصح) أَن يَنْوِي، يَعْنِي فرض رَمَضَان (وَهُوَ) أَي وَالْحَال أَن الناوي (يُنَادي) وَيَقُول (لم أرده) لِأَن تعين غَيره فِي النِّيَّة تنصيص على نفي إِرَادَته (بل لَو ثَبت) وُقُوعه عَن فرض رَمَضَان بِهَذِهِ النِّيَّة (كَانَ) وُقُوعه (جبرا) وَهُوَ يُنَافِي الصِّحَّة إِذْ لَا بدّ من أَدَاء الْفَرْض من الِاخْتِيَار. وَلَيْسَ إِصَابَة الْأَخَص بالأعم بمجرّد إِرَادَة الْأَعَمّ، لِأَن الْمَطْلُوب
стр. 593
إِصَابَة الْأَخَص من حَيْثُ هُوَ أخص بِاعْتِبَار النِّيَّة وَالْقَصْد وَلم يحصل. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وإصابة الْأَخَص بالأعم) إِنَّمَا يكون (بإرادته) أَي الْأَخَص (بِهِ) أَي بالأعم (ونقول لَو أَرَادَ نِيَّة صَوْم الْفَرْض للصَّوْم) أَي لَو قصد نِيَّة الصَّوْم الْمُطلق فِي الذّكر نِيَّة صَوْم الْفَرْض (صَحَّ) صَوْمه عَن رَمَضَان (لِأَنَّهُ) أَي الناوي (أَرَادَهُ) أَي نَوَاه لِأَن الْمُعْتَبر فِي النِّيَّة قصد الْقلب. وَقد تحقق (وارتفع الْخلاف، وَأما كَون التَّعْيِين) أَي تعْيين الْوَقْت الَّذِي هُوَ رَمَضَان لصومه شرعا (يُوجب الْإِصَابَة) أَي إِصَابَة فرض رَمَضَان بالإمساك (بِلَا نِيَّة) أَي بِلَا إِرَادَة صَوْم (كَرِوَايَة عَن زفر) أَي كَمَا روى عَنهُ. قَالَ الشَّارِح وَذكره النَّوَوِيّ عَن عَطاء وَمُجاهد أَيْضا (فَعجب) لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يتَّجه لَو لم يكن الِاخْتِيَار شرطا لصِحَّة الْفِعْل الْمَطْلُوب من الْمُكَلف شرعا، لكنه شَرط بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع، وَأنكر الْكَرْخِي حِكَايَة هَذَا عَن زفر. وَقَالَ: إِنَّمَا قَالَ زفر أَنه يجوز بنية وَاحِدَة (وَاسْتثنى أَبُو حنيفَة) من وُقُوع نِيَّة غير رَمَضَان عَن رَمَضَان (نِيَّة الْمُسَافِر غَيره) أَي غير رَمَضَان فِي رَمَضَان بِأَن يَنْوِي وَاجِبا آخر من نذر أَو كَفَّارَة أَو قَضَاء فَقَالَ (يَقع) ذَلِك المنويّ (عَن الْغَيْر) بانفاق الرِّوَايَات عَنهُ ذكره فِي الْأَجْنَاس (لإِثْبَات الشَّارِع التَّرَخُّص لَهُ) أَي الْمُسَافِر بترك الصَّوْم فِي وقته الْمعِين لَهُ تَخْفِيفًا لمَشَقَّة السّفر (وَهُوَ) أَي التَّرَخُّص إِنَّمَا يتَحَقَّق (فِي الْميل إِلَى الأخف) عِنْده من مَشْرُوع الْوَقْت وَغَيره من الْوَاجِبَات، وَمن الْفطر (وَهُوَ) أَي الأخف (صَوْم الْوَاجِب المغاير) لمشروع الْوَقْت فَإِنَّهُ إِذا اخْتَارَهُ بِنَاء على أَن إِسْقَاطه من ذمَّته أهمّ عِنْده لِأَنَّهُ لَو لم يدْرك عدّة من أَيَّام أخر لم يُؤَاخذ بِفَرْض الْوَقْت ويؤاخذ بذلك الْوَاجِب، ومصلحة الدّين أهم من مصلحَة الْبدن: يَعْنِي كَونه أخف (وعَلى هَذَا) التَّوْجِيه (يَقع) المنويّ (بنية النَّفْل عَن رَمَضَان) إِذْ لَا ترخص لَهُ فِيهِ، لِأَن الْفَائِدَة الْمَطْلُوبَة وَهُوَ الثَّوَاب فِي الْفَرْض أَكثر فَكَانَ هَذَا ميلًا إِلَى الأثقل فَيلْغُو وصف النفلية وَيبقى مُطلق الصَّوْم فَيَقَع عَن فرض الْوَقْت (وَهُوَ رِوَايَة) لِابْنِ سَمَّاعَة (عَنهُ) أَي أبي حنيفَة. وَفِي الْكَشْف وَغَيره وَهُوَ الْأَصَح، وَفِي نَوَادِر أبي يُوسُف رِوَايَة عَن ابْن سَمَّاعَة يكون عَن التطوّع. وَكَذَا فِي مُخْتَصر الْكَرْخِي (وَلِأَن انْتِفَاء غَيره) أَي غير فرض الْوَقْت لَيْسَ حكم الْوُجُوب، فَإِن الْوُجُوب مَوْجُود فِي الْوَاجِب الموسع بل هُوَ (حكم التَّعْيِين) أَي تعْيين هَذَا الزَّمَان لأَدَاء الْفَرْض (وَلَا تعْيين عَلَيْهِ) أَي الْمُسَافِر فَصَارَ هَذَا الْوَقْت فِي حَقه (كشعبان فَيصح نفله) كَمَا يَصح وَاجِب آخر عَلَيْهِ كَمَا فِي شعْبَان، وَقَوله وَلِأَن إِلَى آخِره مَعْطُوف على قَوْله لإِثْبَات الشَّارِع فَهُوَ تَعْلِيل آخر لوُقُوع مَا نَوَاه الْمُسَافِر من غير رَمَضَان، وَإِن اخْتلفَا بِاعْتِبَار مَا يتَفَرَّع عَلَيْهِمَا من وُقُوع مَا نَوَاه بِوَصْف النفلية عَن رَمَضَان أَو النَّفْل (وَهُوَ رِوَايَة) لِلْحسنِ عَن أبي حنيفَة أَيْضا (وَهُوَ
стр. 594
أَي هَذَا التَّوْجِيه (مغلطة لِأَن التَّعْيِين عَلَيْهِ) أَي الْمُكَلف: يَعْنِي التَّعْيِين الَّذِي نَفَاهُ عَن الْمُسَافِر بقوله وَلَا تعْيين عَلَيْهِ كشعبان (لَيْسَ تعْيين الْوَقْت) على مَا سنفسره (ليندرج) تعْيين الْوَقْت (فِيهِ) أَي فِي نفي مَا نفيناه: يَعْنِي لَو كَانَ تعْيين الْوَقْت مِمَّا نفيناه لَكَانَ يَشْمَلهُ النَّفْي (وينتفي بانتفائه) لكنه لَيْسَ مِنْهُ، ثمَّ فسرهما على وَجه يُمَيّز أَحدهمَا عَن الآخر بقوله (بل مَعْنَاهُ) أَي التَّعْيِين الَّذِي أَثْبَتْنَاهُ (فِي حَقه) أَي الْمُكَلف إِن لم يكن مُسَافِرًا، ونفيناه عَنهُ إِن كَانَ مُسَافِرًا (إِلْزَامه صَوْم الْوَقْت) على وَجه لَا مخلص لَهُ عَنهُ إِن لم يكن مُسَافِرًا أَو مَرِيضا (وَعَدَمه) أَي عدم إِلْزَامه إِيَّاه الَّذِي شرع فِي حَقه عِنْد السّفر (يصدق بتجويز الْفطر) يَعْنِي عدم الْإِلْزَام الْمَذْكُور يتَحَقَّق بِمُجَرَّد تجويزنا لَهُ الْفطر من غير أَن نجوز لَهُ صوما آخر (وَتَعْيِين الْوَقْت) أَي نَفينَا عَن التَّعْيِين الْمَذْكُور مَعْنَاهُ (أَن لَا يَصح فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت (صَوْم آخر) وَلَا شكّ أَن إِلْزَام صَوْم الْوَقْت مُسْتَلْزم عدم صِحَة صَوْم آخر من غير عكس: إِذْ يجوز أَن لَا يجوز فِي الْوَقْت صَوْم آخر وَيجوز الْفطر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَجَاز اجْتِمَاع عدم التَّعْيِين) بِمَعْنى الْإِلْزَام الْمَذْكُور (عَلَيْهِ بتجويز الْفطر مَعَ) وجود (تعْيين الْوَقْت بِأَن لَا يَصح فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت (صَوْم غَيره) أَي غير فرض الْوَقْت (لَو صَامَهُ) أَي لَو نوى صِيَام ذَلِك الْغَيْر (فَلم يلْزم من نفي التَّعْيِين عَلَيْهِ) بِمَعْنى الْإِلْزَام (نفي تعْيين الْوَقْت) بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (وحقق فِي الْمَرِيض تَفْصِيل بَين أَن يضرّه) الصَّوْم ككون مَرضه حمى مطبقة، أَو وجع الرَّأْس، أَو الْعين: كَذَا ذكره الشَّارِح (فَتعلق الرُّخْصَة) بتجويز الْفطر فِي حَقه (بخوف الزِّيَادَة) للمرض (فكالمسافر) فَهَذَا الْمَرِيض كالمسافر فِي تعلق الرُّخْصَة فِي حَقه بعجز مُقَدّر لَا بِحَقِيقَة الْعَجز، وَفِي قوع صَوْمه عَمَّا نَوَاه. قَالَ الشَّارِح: وعَلى هَذَا يحمل مَا مَشى عَلَيْهِ صَاحب الْهِدَايَة وَأكْثر مَشَايِخ بُخَارى من أَن الْمَرِيض إِذا نوى وَاجِبا آخر أَو النَّفْل يَقع عَمَّا نَوَاه كَمَا هُوَ رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة (و) بَين (أَن لَا) يضرّهُ الصَّوْم (كفساد الهضم) والأمراض الرطوبية (فبحقيقتها) أَي فَتعلق الرُّخْصَة بِحَقِيقَة الْمَشَقَّة الَّتِي هِيَ الْعَجز (فَيَقَع) مَا نَوَاه هَذَا الْمَرِيض من الْغَيْر (عَن فرض الْوَقْت) إِذْ لم يهْلك بِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يظْهر أَنه لم يكن عَاجِزا فَلم يثبت لَهُ التَّرَخُّص فَكَانَ كَالصَّحِيحِ، هَذَا وَنقل الشَّارِح إِجْمَاع من يعتدّ بإجماعه على أَن الْمَرَض الْمُبِيح للفطر مَا يضر بِسَبَبِهِ الصَّوْم على اخْتِلَاف فِيهِ، وَأَدْنَاهُ الازدياد والامتداد، وَأَعلاهُ الْهَلَاك، فَالَّذِي لَا يضرّ بِسَبَبِهِ الصَّوْم لَا يُبِيح الْفطر إِجْمَاعًا.
стр. 595
الْقسم الثَّالِث
من أَقسَام الْوَاجِب الْمُقَيد بِالْوَقْتِ وَاجِب، وَفِيه (معيار لَا سَبَب كالنذر الْمعِين) أَي نذر صَوْم يَوْم معِين فَإِن السَّبَب فِيهِ النّذر لَا الْوَقْت (فإدراج) النّذر (الْمُطلق وَالْكَفَّارَة وَالْقَضَاء فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْقسم كَمَا فعل الْبَزْدَوِيّ والسرخسي (غير صَحِيح، لِأَن الْأَمر فِيهَا مُطلق لَا مُقَيّد بِالْوَقْتِ فَلَا يشْتَرط نِيَّة التَّعْيِين) لَهُ فالخروج عَن عُهْدَة النّذر (للتعين) أَي لتعيين الْوَقْت لَهُ (شرعا) فيتأدّى بِمُطلق النِّيَّة، وَنِيَّة النَّفْل إِلَّا فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة ﵀ على مَا فِي الْمُحِيط وَلَا يتأدّى بنية وَاجِب آخر، بل يَقع فِيهِ عَمَّا نوى بِلَا خلاف، بِخِلَاف رَمَضَان لِأَن ولَايَة العَبْد قَاصِرَة فَلهُ إبِْطَال مَاله وَهُوَ صلاحيته للنفل، وَلَيْسَ لَهُ إبِْطَال مَا عَلَيْهِ وَهُوَ صلاحيته للواجبات وَللَّه تَعَالَى الْولَايَة الْكَامِلَة فَلهُ إبِْطَال مَا للْعَبد وَمَا عَلَيْهِ، فَأبْطل صلاحيته لغير فرض رَمَضَان نفلا وواجبا. وَفِي الشَّرْح هَهُنَا مناقشات وأجوبة طويناها (بِخِلَاف مَا أدرجوه) من النّذر الْمُطلق وَالْكَفَّارَة وَالْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من التَّعْيِين لَيْلًا قبل طُلُوع الْفجْر لعدم تعين الزَّمَان.
الْقسم الرَّابِع
من أَقسَام الْوَاجِب الْمَذْكُور وَاجِب وقته (ذُو شبهين) شبه (بالمعيار والظرف) أَي وَشبه بالظرف، وَهُوَ (وَقت الْحَج لَا يسع فِي عَام سوى) حج (وَاحِد) فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة يشبه المعيار كالنهار للصَّوْم فَإِنَّهُ لَا يسع إِلَّا صوما وَاحِدًا (وَلَا يسْتَغْرق فعله) أَي الْحَج (وقته) أَي جَمِيع أَجزَاء وقته كاستغراق الصَّوْم النَّهَار، وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة يشبه الظّرْف (وَالْخلاف فِي تَعْيِينه) أَي تعْيين وجوب أَدَائِهِ (من أول سني الْإِمْكَان) أَي إِمْكَان أَدَائِهِ بِحُصُول شَرَائِط وجوب أَدَائِهِ من الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَغَيرهمَا (عِنْد أبي يُوسُف) فَيجب على الْفَوْر عِنْده، وَكَذَا عِنْد أبي حنيفَة ﵀، كَذَا ذكره الشَّارِح. وَكَأن المُصَنّف ﵀ لم يجد نقلا صَرِيحًا عَنهُ فَلهَذَا لم يعز إِلَيْهِ (خلافًا لمُحَمد) ﵀ حَيْثُ قَالَ: يجب على التَّرَاخِي إِلَّا إِذا غلب على ظَنّه الْفَوات إِذا أخر، فَحِينَئِذٍ لَا يحل لَهُ التَّأْخِير وَيصير مضيقا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا الْخلاف مَبْنِيا على اخْتِلَافهمَا وَأَن الْأَمر الْمُطلق عَن الْوَقْت يُوجب الْفَوْر عِنْد أبي يُوسُف فَأوجب الْحَج مضيقا وَلَا يُوجِبهُ عِنْد مُحَمَّد فأوجبه موسعا كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الْمَشَايِخ كالكرخي فَإِن الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة الْمَشَايِخ اتِّفَاقهمَا على أَن الْأَمر الْمُطلق لَا يُوجب الْفَوْر، بل الْخلاف بَينهمَا فِي الْحَج (ابتدائي) فَأَبُو يُوسُف قَالَ على الْفَوْر (للِاحْتِيَاط عِنْده) لِأَن الْعَام الأول مَوْجُود يَقِينا، وَالْعَام الثَّانِي وجوده مَشْكُوك فِيهِ فالتأخير يَجعله فِي معرض الْفَوات، وَهُوَ غير جَائِز، ثمَّ أكد هَذَا
стр. 596
الشَّك بقوله (لِأَن الْمَوْت فِي سنة غير نَادِر) والمشكوك لَا يزاحم الْمُتَيَقن فَيتَعَيَّن الْعَام الأول للْأَدَاء تَحَرُّزًا عَن الْفَوات (فيأثم) بِالتَّأْخِيرِ عَنهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن للِاحْتِيَاط (فموجبه) أَي الْحَج أَمر (مُطلق) عَن خُصُوصِيَّة الْوَقْت فَلَا مُوجب للفور (وَلذَا) أَي الِاحْتِيَاط (عِنْده اتفقَا) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد (على أَنه لَو فعل) الْحَج (بعده) أَي أول سني الْإِمْكَان (وَقع أَدَاء) وَإِنَّمَا قُلْنَا لتعيينه للْأَدَاء بِلَا شكّ فِي إِدْرَاك الْعَام الثَّانِي لَا لِأَنَّهُ خَارج عَن وقته فَإِذا أدْرك زَالَ الشَّك وَحصل الْيَقِين بِكَوْنِهِ من عمره وَوَقع الْأَمْن من الْفَوات وَتعين الثَّانِي للْأَدَاء، وَكَذَا الحكم فِي كل عَام (وتأدى فَرْضه) أَي الْحَج (بِإِطْلَاق النِّيَّة) لِلْحَجِّ (لظَاهِر الْحَال) أَي حَال من يجب عَلَيْهِ الْحَج: إِذْ الظَّاهِر مِنْهُ أَنه لَا يتَحَمَّل المشاق الْكَثِيرَة لغيره مَعَ شغل ذمَّته بِالْفَرْضِ الرُّكْن فِي الْإِسْلَام، وَكَثْرَة ثَوَاب أَدَاء الْفَرْض، وَبَرَاءَة الذِّمَّة، وَلَيْسَ التأدى الْمَذْكُور لتعين الْوَقْت كَمَا فِي رَمَضَان (لَا من حكم الأشكال) إِمَّا جمع شكل بِمَعْنى الْمثل والشبيه، وَإِمَّا مصدر، يُقَال أشكل الْأَمر: أَي الْتبس، وَالْمعْنَى لِأَن تأديه بِمُطلق النِّيَّة من حكم كَون الْوَقْت شَبِيها بالظرف وبالمعيار، فباعتبار شبهه بالمعيار تأدى بالمطلق (وَلذَا) أَي وَلكَون التأدى بِهِ لظَاهِر الْحَال (يَقع) حجه (عَن النَّفْل إِذا نَوَاه) أَي النَّفْل (لانْتِفَاء الظَّاهِر) بالتصريح بِخِلَافِهِ، (وَقد يبنيان) أَي تأدى فَرْضه بِمُطلق النِّيَّة، ووقوعه عَن النَّفْل إِذا نَوَاه (على الشبهين) شبه المعيار، وَشبه الظّرْف (فَالْأول) أَي التأدي الْمَذْكُور (لشبه المعيار) كَمَا أَن فرض الصَّوْم يتَأَدَّى بالمطلق (وَالنَّفْل) أَي ووقوعه عَن النَّفْل (للظرف) أَي لشبه الظّرْف كوقوع الْمَنوِي عَن الصَّلَاة النَّافِلَة إِذا نَوَاهَا فِي وَقت الصَّلَاة (وَلَا يخفى عدم وُرُود الدَّلِيل، وَهُوَ ظَاهر الْحَال على الدَّعْوَى) وَهِي (تأديه بنية الْمُطلق) بِإِسْقَاط الْفَرْض عَن ذمَّته (وَإِنَّمَا يسْتَلْزم) الدَّلِيل الْمَذْكُور (حكم الْخَارِج) أَي غير الناوي لِخُرُوجِهِ عَن دَائِرَة الِاطِّلَاع على مَا فِي ضَمِيره (عَلَيْهِ) أَي الْخَارِج الناوي مُطلقًا مُتَعَلق بالحكم (بِأَنَّهُ) أَي الْخَارِج (نوى الْفَرْض لَا) أَنه يسْتَلْزم (سُقُوطه) أَي الْفَرْض (عَنهُ) أَي الْخَارِج (عِنْد الله إِذا نوى الْحَج مُطلقًا فِي الْوَاقِع) وَلَيْسَ الْكَلَام إِلَّا فِي هَذَا.
مَبْحَث الْوَاجِب الْمُخَير
(مسئلة: الْأَمر بِوَاحِد) أَي إِيجَاب وَاحِد مُبْهَم (من أُمُور مَعْلُومَة صَحِيح) عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء والأشاعرة، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب، وَيعرف بِالْوَاجِبِ الْمُخَير (كخصال الْكَفَّارَة) أَي كَفَّارَة الْيَمين فَإِن قَوْله تَعَالَى - ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ - فِي قُوَّة الْأَمر بِالْإِطْعَامِ
стр. 597
وَقد عطف عَلَيْهِ الْكسْوَة والتحرير فَكل وَاحِد مِنْهَا وَاجِب على الْبَدَل لَا الْجمع على مَا يَقْتَضِيهِ كلمة أَو (وَقيل) وَالْقَائِل بعض الْمُعْتَزلَة هُوَ (أَمر بِالْجَمِيعِ وَيسْقط) وجوب الْجَمِيع (بِفعل الْبَعْض، وَقيل) وَالْقَائِل مِنْهُم أَيْضا أَمر (بِوَاحِد معِين عِنْده تَعَالَى) دون الْمُكَلّفين (وَهُوَ) أَي الْوَاحِد الْمعِين (مَا يَفْعَله كل) من الْمُكَلّفين بِهِ (فيختلف) الْمَأْمُور بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم ضَرُورَة أَن الْوَاجِب فِي حق كل وَاحِد مَا يختاره وَهُوَ يخْتَلف (وَقيل لَا يخْتَلف) الْمَأْمُور بِهِ باخْتلَاف الْمَفْعُول لَهُم (وَيسْقط) ذَلِك الْوَاجِب الْمعِين (بِهِ) أَي بالإتيان بالمأمور بِهِ (و) بالإتيان (بِغَيْرِهِ) أَي غير الْمَأْمُور بِهِ مِنْهَا، وَيُسمى هَذَا قَول التزاحم، لِأَن الأشاعرة ترويه عَن الْمُعْتَزلَة والمعتزلة عَن الأشاعرة، فاتفق الْفَرِيقَانِ على فَسَاده، وَعَن السُّبْكِيّ أَنه لَا يسوغ نَقله عَن أَحدهمَا. وَقَالَ وَالِده لم يقل بِهِ قَائِل (وَنقل) وجوب (الْجَمِيع على الْبَدَل لَا يعرف وَلَا معنى لَهُ إِلَّا أَن يكون) مَعْنَاهُ هُوَ الْمَذْهَب (الْمُخْتَار) بِنَاء على اعترافهم بِأَن تاركها جَمِيعًا لَا يَأْثَم إِثْم من ترك وَاجِبَات ومقيمها جَمِيعًا لم يثب ثَوَاب وَاجِبَات (لنا الْقطع بِصِحَّة أوجبت أحد هَذِه) الْأُمُور (فَإِنَّهُ) أَي قَوْله هَذَا (لَا يُوجب جَهَالَة مَانِعَة من الِامْتِثَال لحُصُول التَّعْيِين بِالْفِعْلِ) يَعْنِي إِذا اخْتَار وَاحِدًا مِنْهَا بِعَيْنِه فَفعله تعين كَونه الْوَاجِب لتحَقّق الْوَاحِد الْمُبْهم فِي ضمنه، وَعدم احْتِمَال تحَققه بعد ذَلِك فِي ضمن معِين آخر، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد، وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَمَا يَفْعَله العَبْد مُتَعَيّن قبل أَن يفعل، ثمَّ أجَاب عَن القَوْل بِأَنَّهُ أَمر بِوَاحِد معِين عِنْده تَعَالَى إِلَى آخِره فَقَالَ (وَتعلق علمه تَعَالَى بِمَا يفعل كل) من الْمُكَلّفين (لَا يُوجِبهُ) أَي مفعول كل (عبنا على فَاعله، بل) يُوجب تعين (مَا يسْقط) بِهِ الْوُجُوب من مفعول كل من الْأُمُور الْمُخَير فِيهَا، على أَن تعلق الْعلم بِمَا ذكر مَخْصُوص بِصُورَة تحقق الْفِعْل امتثالا، وَأما إِذا لم يتَحَقَّق فَمَا الَّذِي يُوجب تعين ذَلِك الْمُبْهم؟ فالدليل لَا يَفِي بِتمَام الْمُدَّعِي، وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن كل وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه خير فِيهِ الْمُكَلف بَين الْفِعْل وَالتّرْك، وَلَا يتَحَقَّق لأحد هَذِه الْأُمُور إِلَّا فِي ضمن وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه، فَيلْزم أَن يكون الْوَاجِب وَهُوَ أحد هَذِه الْأُمُور خير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك، وَهَذَا يُنَافِي الْوُجُوب أجَاب عَنهُ بقوله (وَلَا يلْزم اتِّحَاد الْوَاجِب والمخير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن الْوَاجِب) إِنَّمَا هُوَ الْوَاحِد (الْمُبْهم) والمخير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك إِنَّمَا هُوَ كل وَاحِد بِعَيْنِه، والمبهم وَإِن لم يكن لَهُ تحقق إِلَّا فِي الْوَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه: لَكِن التَّخْيِير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك لَا يكون تخييرا فِي الْمُبْهم، إِذْ ترك الْوَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه لَا يسْتَلْزم ترك الْكل بِخِلَاف ترك الْمُبْهم فَإِنَّهُ يسْتَلْزم: إِذْ نفي الْأَعَمّ يسْتَلْزم نفي الْأَخَص، ثمَّ لما كَانَ قَوْله الْوَاجِب الْمُبْهم يُوهم أَن يكون بِشَرْط الْإِبْهَام دفع ذَلِك بقوله (لَا على معنى) أَنه الْمُبْهم مأخوذا (بِشَرْط الْإِبْهَام) بل بِمَعْنى أَنه (لَا يُعينهُ الْمُوجب) تَعَالَى بِأَن يطْلب من الْمُكَلف إِيقَاع ذَلِك الْوَاحِد فِي ضمن وَاحِد
стр. 598
بِعَيْنِه كَيفَ وَلَو كَانَ مأخوذا بِشَرْط الْإِبْهَام لما كَانَ لَهُ تحقق فِي الْخَارِج لما علم من أَن الْمَاهِيّة بِشَرْط عدم التَّعْيِين لَا يُمكن تحققها، بل الْمُعْتَبر إِنَّمَا هِيَ الْمَاهِيّة لَا بِشَرْط شَيْء (فَلِذَا) أَي لكَون الْمُعْتَبر الْمَاهِيّة الْمُطلقَة لَا بِشَرْط الْإِبْهَام (سقط) الْوَاجِب عَن ذمَّة الْمُكَلف (بالمعين) بالإتيان بِوَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه: إِذْ الْمُطلق فِي ضمن الْفَرد الْخَاص (لتَضَمّنه) أَي الْمعِين (مَفْهُوم الْوَاحِد) الْمُبْهم، ثمَّ على قَول الْجُمْهُور إِذا كَانَ فِي الْكل مَا هُوَ أَعلَى ثَوابًا وَفعل الْكل فَقيل المثاب عَلَيْهِ الْأَعْلَى سَوَاء فعله مُرَتبا أَو مَعًا، وَإِن ترك الْكل عُوقِبَ على أدناها، وَقيل غير ذَلِك أطنب فِيهِ الشَّرْح، وطويناه لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ فِي الْبَحْث.
مسئلة
(الْوَاجِب على) سَبِيل (الْكِفَايَة) وَهُوَ مُهِمّ متحتم قصد حُصُوله من غير نظر إِلَى فَاعله: أما ديني كَصَلَاة الْجِنَازَة، وَأما دُنْيَوِيّ كالصنائع الْمُحْتَاج إِلَيْهَا، فَخرج الْمسنون لِأَنَّهُ غير متحتم، وَفرض الْعين لِأَن فَاعله مَنْظُور أما خُصُوص شخصه كالمفروض على النَّبِي ﷺ دون أمته أَو كل وَاحِد وَاحِد من الْمُكَلّفين (على الْكل، وَيسْقط) الْوُجُوب عَنْهُم (بِفعل الْبَعْض) وَهَذَا قَول الْجُمْهُور، وَالْمرَاد الْكل الإفرادي، وَقيل المجموعي: إِذْ لَو تعين على كل وَاحِد كَانَ سُقُوطه عَن البَاقِينَ بعد تحَققه نسخا، وَلَا نسخ اتِّفَاقًا، بِخِلَاف الْإِيجَاب على الْمَجْمُوع من حَيْثُ هُوَ فَإِنَّهُ لَا يسْتَلْزم الْإِيجَاب على وَاحِد، وَيكون التأثيم على الْجَمِيع بِالذَّاتِ، وعَلى كل وَاحِد بِالْعرضِ وَأجِيب بِمَنْع لُزُوم النّسخ، إِذْ قد يسْقط بعد التحقق بِانْتِفَاء عِلّة الْوُجُوب، فحصول الْمَقْصُود هَهُنَا على أَنه يلْزم النّسخ على هَذَا الْقَائِل أَيْضا، لِأَن فعل الْبَعْض لَيْسَ فعل الْمَجْمُوع قطعا، وَقد سقط عَن الْمَجْمُوع من غير أَن يَقع مِنْهُم الْفِعْل: هَذَا وَنحن لَا نفهم طلب الْفِعْل من الْمَجْمُوع من حَيْثُ هُوَ إِلَّا فِي مثل حمل جسم عَظِيم لَا يقدر الْبَعْض على حمله، وَمَعَ ذَلِك يلْزم على كل وَاحِد الْمُشَاركَة فِي الْحمل لَا الِاسْتِقْلَال (وَقيل) وَاجِب (على الْبَعْض) وَهُوَ قَول الإِمَام الرَّازِيّ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ ثمَّ الْمُخْتَار على هَذَا أَي بعض كَانَ، إِذْ لَا معِين، فَمن قَامَ بِهِ سقط الْوُجُوب بِفِعْلِهِ وبفعل غَيره كَمَا يسْقط الدّين بأَدَاء غَيره عَنهُ (لنا) على الْمُخْتَار (إِثْم الْكل بِتَرْكِهِ) اتِّفَاقًا، وَلَو لم يجب على كل وَاحِد لما أَثم (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ على الْبَعْض (سقط) الْوُجُوب (بِفعل الْبَعْض) وَلَو كَانَ على الْكل لما سقط: إِذْ لَا يسْقط عَن شخص بِفعل غَيره (قُلْنَا) لَا يستبعد هَذَا (لِأَن الْمَقْصُود وجود الْفِعْل لَا ابتلاء كل مُكَلّف) كَمَا فِي فرض الْعين، وَقد وجد (كسقوط مَا على زيد) من الدّين (بِفعل عَمْرو) لحُصُول الْغَرَض بِهِ، وَقيد الشَّارِح بِمَا إِذا كَانَ زيد ضَامِنا عَنهُ عَمْرو فِيهِ
стр. 599
لِأَن فِيهِ أَدَاء مَا فِي ذمَّة الْمُؤَدِّي، وَإِسْقَاط مَا فِي ذمَّة غَيره كَمَا فِي مَحل النزاع.
وَأَنت خَبِير بِأَن الاستبعاد، إِنَّمَا جَاءَ من قبل إِسْقَاط مَا فِي ذمَّة شخص بِفعل غَيره، فَمَا ذكره المُصَنّف كَاف فِي الْمَقْصُود من غير هَذَا الْقَيْد (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ المذكورون لإِثْبَات صِحَة (أَمر وَاحِد مُبْهَم كبواحد مُبْهَم) أَي كالأمر بِوَاحِد مُبْهَم من الْخِصَال الْمَذْكُورَة فَكَمَا جَازَ ذَلِك جَازَ هَذَا (أُجِيب بِأَن الْفرق بِأَن إِثْم) مُكَلّف (مُبْهَم غير مَعْقُول) بِخِلَاف إِثْم الْمُكَلف بترك أحد أُمُور مُعينَة مُبْهما فَإِنَّهُ مَعْقُول: إِذْ ترك الْمُبْهم بترك جَمِيع مَا يتَحَقَّق فِيهِ من الْأُمُور الْمعينَة (قيل) وَالْقَائِل الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ وَهَذَا إِنَّمَا يَصح لَو لم يكن (مَذْهَبهم) أَي الْقَائِلين بِالْوُجُوب على الْبَعْض أَن مُوجب عدم قيام بعض (إِثْم الْكل) بِسَبَب ترك الْبَعْض (لَكِن قَول قَائِله) أَي الْوُجُوب على الْبَعْض (أَنه) أَي الْإِثْم (يتَعَلَّق بِمن غلب على ظَنّه أَنه) أَي الْوَاجِب (لن يَفْعَله غَيره فَإِن ظَنّه) أَي عدم الْفِعْل (الْكل عمهم) الْإِثْم (وَإِن خص) ظن عدم الْفِعْل الْبَعْض (خصّه) أَي ذَلِك الْبَعْض الظَّان (الْإِثْم) على تَقْدِير التّرْك، وَحِينَئِذٍ (فَالْمَعْنى) الْمُكَلف بِالْوُجُوب بعض (غير معِين وَقت الْخطاب لِأَنَّهُ) أَي الْمُكَلف (لَا يتَعَيَّن) للْوُجُوب عَلَيْهِ (إِلَّا بذلك الظَّن) وَهُوَ ظن أَن لن يَفْعَله غَيره (وَلَو لم يظنّ) هَذَا الظَّن أحد (لَا يَأْثَم أحد، وَيشكل) هَذَا حِينَئِذٍ (بِبُطْلَان معنى الْوُجُوب) فَإِن لَازمه الْإِثْم على تَقْدِير التّرْك، فَإِذا انْتَفَى انْتَفَى الْمَلْزُوم (وَقد يُقَال) فِي الْجَواب عَن هَذَا (إِنَّمَا يبطل) الْوُجُوب (لَو كلف) الْمُكَلف بِالْوَاجِبِ الْمَذْكُور (مُطلقًا) أَي سَوَاء ظن أَن لَا يَفْعَله غَيره أَو لَا (أما) لَو كلف (الظَّان) أَن لن يَفْعَله غَيره فَقَط (فَلَا) يبطل معنى الْوُجُوب: إِذْ لَا تَكْلِيف حِينَئِذٍ فَلَا وجوب (وَالْحق أَنه) أَي القَوْل بِوُجُوبِهِ على الْبَعْض (عدُول عَن مُقْتَضى الدَّلِيل) الدَّال على وُجُوبه على الْكل (كقاتلوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ وَنَحْوه) لعُمُوم الْخطاب على من يَتَأَتَّى مِنْهُ الْقِتَال (بِلَا ملجئ) للعدول عَنهُ (لما حققناه) من أَنه مَا يتَوَهَّم كَونه صارفا من السُّقُوط بِفعل الْبَعْض لَيْسَ بصارف: إِذْ لَا مَحْذُور فِيهِ (قَالُوا) ثَالِثا (قَالَ تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ فَإِن تَحْصِيل الْعُلُوم الدِّينِيَّة فَوق مَا يحْتَاج إِلَيْهِ كل أحد مِمَّا يتَعَلَّق بِالْعَمَلِ الْوَاجِب عَلَيْهِ عينا وَاجِب على الْكِفَايَة، وَقد صرح بِوُجُوبِهِ على طَائِفَة غير مُعينَة من كل فرقة من الْمُسلمين بلولا الدَّاخِلَة على الْمَاضِي الدَّالَّة على التنديم واللوم الَّذِي لَا يكون إِلَّا عِنْد ترك الْوَاجِب (قُلْنَا) هَذَا مؤول (بالسقوط بِفِعْلِهَا) أَي الطَّائِفَة من الْفرْقَة: يَعْنِي لما كَانَ قيام الْبَعْض بذلك مسْقطًا عَن الْكل نسب اللوم إِلَى الْبَعْض نظرا إِلَى ذَلِك وَإِن كَانَ الْكل مُسْتَحقّا لَهُ، وَفِي الْعرف يسْتَعْمل فِي توبيخ أهل الْبَلَد جَمِيعًا لم يقم بَعْضكُم بِهَذَا الْأَمر وَيفهم مِنْهُ عرفا لوم الْكل، وَإِنَّمَا صرنا إِلَى التَّأْوِيل (جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ). وَفِي نُسْخَة جمعا للدليلين: يَعْنِي
стр. 600
هَذِه الْآيَة بِاعْتِبَار ظَاهرهَا، وَدَلِيلنَا الدَّال على الْوُجُوب على الْجَمِيع فَإِن هَذِه تحْتَمل التَّأْوِيل بِخِلَاف ذَلِك، فَلَو حملناها على ظَاهرهَا لزم إِلْغَاء ذَلِك وَهُوَ أقوى. (وَاعْلَم أَنه إِذا قيل صَلَاة الْجِنَازَة وَاجِبَة) أَي فرض (على الْكِفَايَة) كَمَا صرح بِهِ بعض الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وحكوا الْإِجْمَاع عَلَيْهِ (فقد يسْتَشْكل) بسقوطها (بِفعل الصَّبِي) الْمُمَيز كَمَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا الْإِشْكَال (بِمَا تقدم) من أَن الْمَقْصُود الْفِعْل، وَقد وجد (لَا يدْفع الْوَارِد من لفظ الْوُجُوب) يَعْنِي لَو لم يُوصف الْفِعْل بِالْوُجُوب كَذَا نقُول قد تحقق الْفِعْل، وَإِن لم يكن مَوْصُوفا بِالْوُجُوب لكنه ورد فِي الشَّرْع أَن الْمَطْلُوب فعل مَوْصُوف بِهِ، وَفعل الصَّبِي لَيْسَ كَذَلِك فَلم يتَحَقَّق الْمَطْلُوب.
مسئلة
(لَا يجب شَرط التَّكْلِيف) أَي تَحْصِيله (اتِّفَاقًا كتحصيل النّصاب) للتكليف بِوُجُوب الزَّكَاة (والزاد) أَي تَحْصِيله لوُجُوب الْحَج (وَأما مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب) حَال كَونه (سَببا) لَهُ إِمَّا (عقلا) أَي من حَيْثُ الْعقل (كالنظر) أَي تَرْتِيب الْمَعْلُومَة للتأدي إِلَى مَجْهُول فَإِنَّهُ سَبَب (للْعلم) وَالْمرَاد بِهِ الْعلم الْوَاجِب كالتصديق الإيماني (وَفِيه) أَي فِي كَون النّظر سَببا عقليا للْعلم (نظر) إِذْ هُوَ سَبَب عادي لَهُ، فَإِن استعقاب النّظر الْعلم بخلقه تَعَالَى إِجْرَاء الْعَادة عِنْد الْحَنَفِيَّة والأشاعرة (أَو شرعا) استعقاب (كالتلفظ) بِمَا يُفِيد الْعتْق فَإِنَّهُ سَبَب شرعا (لِلْعِتْقِ) الْوَاجِب بِنذر أَو كَفَّارَة أَو غَيرهمَا (أَو عَادَة كَالْأولِ) أَي النّظر للْعلم. وَقد عرفت (وخر الْعُنُق) للْقَتْل الْوَاجِب (أَو) حَال كَونه (شرطا) للْوَاجِب (عقلا كَتَرْكِ الضِّدّ) للْوَاجِب (أَو عَادَة كَغسْل جُزْء من الرَّأْس) لغسل الْوَجْه إِذْ لَا يتَحَقَّق غسل الْوَجْه عَادَة إِلَّا مَعَ غسل جُزْء من الرَّأْس (أَو شرعا) كَالْوضُوءِ للصَّلَاة (فالحنفية وَالْأَكْثَرُونَ) على أَن كل وَاحِد مِمَّا ذكر (وَاجِب بِهِ) أَي بِسَبَب وجوب ذَلِك الْوَاجِب المتوقف عَلَيْهِ (وَقيل) الْوُجُوب فِيمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب مُسلم (فِي الشَّرْط الشَّرْعِيّ فَقَط) لَا فِي غَيره وَهُوَ مُخْتَار ابْن الْحَاجِب فِيمَا هُوَ مَقْدُور الْمُكَلف (وَقيل) مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب لَا يجب بِوُجُوبِهِ سَوَاء كَانَ مَقْدُورًا للمكلف أَولا (لَا فِي الشَّرْط و) لَا فِي (غَيره فيخطآن) أَي هَذَانِ الْقَوْلَانِ (للاتفاق على الْأَسْبَاب) أَي على أَن إِيجَاب الْمُسَبّب إِيجَاب لتَحْصِيل سَببه (إِلَّا أَن يُقَال التَّعَلُّق) للْإِيجَاب إِنَّمَا هُوَ (بهَا) أَي بالأسباب ابْتِدَاء (فَالْأَمْر بِالْقَتْلِ وَالْعِتْق يتَعَلَّق بالحز) للعنق (والتلفظ) بِصِيغَة الْعتْق (ابْتِدَاء) لَا بِنَفْي الْحَيَاة وَلَا بِإِزَالَة الرّقّ (إِذْ لَا تعلق بِغَيْر الْمَقْدُور) إِذْ التَّكْلِيف لَا يكون إِلَّا بِهِ، والمسببات قد لَا تكون مقدورة لنا كهذه بِخِلَاف مُبَاشرَة الْأَسْبَاب فَإِنَّهَا فِي وسع العَبْد ظَاهرا، فالمتعلق للْإِيجَاب حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ السَّبَب وَإِن كَانَ وَسِيلَة للمسبب، فَهَذَا التَّأْوِيل
следующие страницы →