Полный текст (1 287 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الشَّك بقوله (لِأَن الْمَوْت فِي سنة غير نَادِر) والمشكوك لَا يزاحم الْمُتَيَقن فَيتَعَيَّن الْعَام الأول للْأَدَاء تَحَرُّزًا عَن الْفَوات (فيأثم) بِالتَّأْخِيرِ عَنهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن للِاحْتِيَاط (فموجبه) أَي الْحَج أَمر (مُطلق) عَن خُصُوصِيَّة الْوَقْت فَلَا مُوجب للفور (وَلذَا) أَي الِاحْتِيَاط (عِنْده اتفقَا) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد (على أَنه لَو فعل) الْحَج (بعده) أَي أول سني الْإِمْكَان (وَقع أَدَاء) وَإِنَّمَا قُلْنَا لتعيينه للْأَدَاء بِلَا شكّ فِي إِدْرَاك الْعَام الثَّانِي لَا لِأَنَّهُ خَارج عَن وقته فَإِذا أدْرك زَالَ الشَّك وَحصل الْيَقِين بِكَوْنِهِ من عمره وَوَقع الْأَمْن من الْفَوات وَتعين الثَّانِي للْأَدَاء، وَكَذَا الحكم فِي كل عَام (وتأدى فَرْضه) أَي الْحَج (بِإِطْلَاق النِّيَّة) لِلْحَجِّ (لظَاهِر الْحَال) أَي حَال من يجب عَلَيْهِ الْحَج: إِذْ الظَّاهِر مِنْهُ أَنه لَا يتَحَمَّل المشاق الْكَثِيرَة لغيره مَعَ شغل ذمَّته بِالْفَرْضِ الرُّكْن فِي الْإِسْلَام، وَكَثْرَة ثَوَاب أَدَاء الْفَرْض، وَبَرَاءَة الذِّمَّة، وَلَيْسَ التأدى الْمَذْكُور لتعين الْوَقْت كَمَا فِي رَمَضَان (لَا من حكم الأشكال) إِمَّا جمع شكل بِمَعْنى الْمثل والشبيه، وَإِمَّا مصدر، يُقَال أشكل الْأَمر: أَي الْتبس، وَالْمعْنَى لِأَن تأديه بِمُطلق النِّيَّة من حكم كَون الْوَقْت شَبِيها بالظرف وبالمعيار، فباعتبار شبهه بالمعيار تأدى بالمطلق (وَلذَا) أَي وَلكَون التأدى بِهِ لظَاهِر الْحَال (يَقع) حجه (عَن النَّفْل إِذا نَوَاه) أَي النَّفْل (لانْتِفَاء الظَّاهِر) بالتصريح بِخِلَافِهِ، (وَقد يبنيان) أَي تأدى فَرْضه بِمُطلق النِّيَّة، ووقوعه عَن النَّفْل إِذا نَوَاه (على الشبهين) شبه المعيار، وَشبه الظّرْف (فَالْأول) أَي التأدي الْمَذْكُور (لشبه المعيار) كَمَا أَن فرض الصَّوْم يتَأَدَّى بالمطلق (وَالنَّفْل) أَي ووقوعه عَن النَّفْل (للظرف) أَي لشبه الظّرْف كوقوع الْمَنوِي عَن الصَّلَاة النَّافِلَة إِذا نَوَاهَا فِي وَقت الصَّلَاة (وَلَا يخفى عدم وُرُود الدَّلِيل، وَهُوَ ظَاهر الْحَال على الدَّعْوَى) وَهِي (تأديه بنية الْمُطلق) بِإِسْقَاط الْفَرْض عَن ذمَّته (وَإِنَّمَا يسْتَلْزم) الدَّلِيل الْمَذْكُور (حكم الْخَارِج) أَي غير الناوي لِخُرُوجِهِ عَن دَائِرَة الِاطِّلَاع على مَا فِي ضَمِيره (عَلَيْهِ) أَي الْخَارِج الناوي مُطلقًا مُتَعَلق بالحكم (بِأَنَّهُ) أَي الْخَارِج (نوى الْفَرْض لَا) أَنه يسْتَلْزم (سُقُوطه) أَي الْفَرْض (عَنهُ) أَي الْخَارِج (عِنْد الله إِذا نوى الْحَج مُطلقًا فِي الْوَاقِع) وَلَيْسَ الْكَلَام إِلَّا فِي هَذَا.
مَبْحَث الْوَاجِب الْمُخَير
(مسئلة: الْأَمر بِوَاحِد) أَي إِيجَاب وَاحِد مُبْهَم (من أُمُور مَعْلُومَة صَحِيح) عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء والأشاعرة، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب، وَيعرف بِالْوَاجِبِ الْمُخَير (كخصال الْكَفَّارَة) أَي كَفَّارَة الْيَمين فَإِن قَوْله تَعَالَى - ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ - فِي قُوَّة الْأَمر بِالْإِطْعَامِ
стр. 597
وَقد عطف عَلَيْهِ الْكسْوَة والتحرير فَكل وَاحِد مِنْهَا وَاجِب على الْبَدَل لَا الْجمع على مَا يَقْتَضِيهِ كلمة أَو (وَقيل) وَالْقَائِل بعض الْمُعْتَزلَة هُوَ (أَمر بِالْجَمِيعِ وَيسْقط) وجوب الْجَمِيع (بِفعل الْبَعْض، وَقيل) وَالْقَائِل مِنْهُم أَيْضا أَمر (بِوَاحِد معِين عِنْده تَعَالَى) دون الْمُكَلّفين (وَهُوَ) أَي الْوَاحِد الْمعِين (مَا يَفْعَله كل) من الْمُكَلّفين بِهِ (فيختلف) الْمَأْمُور بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم ضَرُورَة أَن الْوَاجِب فِي حق كل وَاحِد مَا يختاره وَهُوَ يخْتَلف (وَقيل لَا يخْتَلف) الْمَأْمُور بِهِ باخْتلَاف الْمَفْعُول لَهُم (وَيسْقط) ذَلِك الْوَاجِب الْمعِين (بِهِ) أَي بالإتيان بالمأمور بِهِ (و) بالإتيان (بِغَيْرِهِ) أَي غير الْمَأْمُور بِهِ مِنْهَا، وَيُسمى هَذَا قَول التزاحم، لِأَن الأشاعرة ترويه عَن الْمُعْتَزلَة والمعتزلة عَن الأشاعرة، فاتفق الْفَرِيقَانِ على فَسَاده، وَعَن السُّبْكِيّ أَنه لَا يسوغ نَقله عَن أَحدهمَا. وَقَالَ وَالِده لم يقل بِهِ قَائِل (وَنقل) وجوب (الْجَمِيع على الْبَدَل لَا يعرف وَلَا معنى لَهُ إِلَّا أَن يكون) مَعْنَاهُ هُوَ الْمَذْهَب (الْمُخْتَار) بِنَاء على اعترافهم بِأَن تاركها جَمِيعًا لَا يَأْثَم إِثْم من ترك وَاجِبَات ومقيمها جَمِيعًا لم يثب ثَوَاب وَاجِبَات (لنا الْقطع بِصِحَّة أوجبت أحد هَذِه) الْأُمُور (فَإِنَّهُ) أَي قَوْله هَذَا (لَا يُوجب جَهَالَة مَانِعَة من الِامْتِثَال لحُصُول التَّعْيِين بِالْفِعْلِ) يَعْنِي إِذا اخْتَار وَاحِدًا مِنْهَا بِعَيْنِه فَفعله تعين كَونه الْوَاجِب لتحَقّق الْوَاحِد الْمُبْهم فِي ضمنه، وَعدم احْتِمَال تحَققه بعد ذَلِك فِي ضمن معِين آخر، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد، وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَمَا يَفْعَله العَبْد مُتَعَيّن قبل أَن يفعل، ثمَّ أجَاب عَن القَوْل بِأَنَّهُ أَمر بِوَاحِد معِين عِنْده تَعَالَى إِلَى آخِره فَقَالَ (وَتعلق علمه تَعَالَى بِمَا يفعل كل) من الْمُكَلّفين (لَا يُوجِبهُ) أَي مفعول كل (عبنا على فَاعله، بل) يُوجب تعين (مَا يسْقط) بِهِ الْوُجُوب من مفعول كل من الْأُمُور الْمُخَير فِيهَا، على أَن تعلق الْعلم بِمَا ذكر مَخْصُوص بِصُورَة تحقق الْفِعْل امتثالا، وَأما إِذا لم يتَحَقَّق فَمَا الَّذِي يُوجب تعين ذَلِك الْمُبْهم؟ فالدليل لَا يَفِي بِتمَام الْمُدَّعِي، وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن كل وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه خير فِيهِ الْمُكَلف بَين الْفِعْل وَالتّرْك، وَلَا يتَحَقَّق لأحد هَذِه الْأُمُور إِلَّا فِي ضمن وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه، فَيلْزم أَن يكون الْوَاجِب وَهُوَ أحد هَذِه الْأُمُور خير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك، وَهَذَا يُنَافِي الْوُجُوب أجَاب عَنهُ بقوله (وَلَا يلْزم اتِّحَاد الْوَاجِب والمخير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن الْوَاجِب) إِنَّمَا هُوَ الْوَاحِد (الْمُبْهم) والمخير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك إِنَّمَا هُوَ كل وَاحِد بِعَيْنِه، والمبهم وَإِن لم يكن لَهُ تحقق إِلَّا فِي الْوَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه: لَكِن التَّخْيِير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك لَا يكون تخييرا فِي الْمُبْهم، إِذْ ترك الْوَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه لَا يسْتَلْزم ترك الْكل بِخِلَاف ترك الْمُبْهم فَإِنَّهُ يسْتَلْزم: إِذْ نفي الْأَعَمّ يسْتَلْزم نفي الْأَخَص، ثمَّ لما كَانَ قَوْله الْوَاجِب الْمُبْهم يُوهم أَن يكون بِشَرْط الْإِبْهَام دفع ذَلِك بقوله (لَا على معنى) أَنه الْمُبْهم مأخوذا (بِشَرْط الْإِبْهَام) بل بِمَعْنى أَنه (لَا يُعينهُ الْمُوجب) تَعَالَى بِأَن يطْلب من الْمُكَلف إِيقَاع ذَلِك الْوَاحِد فِي ضمن وَاحِد
стр. 598
بِعَيْنِه كَيفَ وَلَو كَانَ مأخوذا بِشَرْط الْإِبْهَام لما كَانَ لَهُ تحقق فِي الْخَارِج لما علم من أَن الْمَاهِيّة بِشَرْط عدم التَّعْيِين لَا يُمكن تحققها، بل الْمُعْتَبر إِنَّمَا هِيَ الْمَاهِيّة لَا بِشَرْط شَيْء (فَلِذَا) أَي لكَون الْمُعْتَبر الْمَاهِيّة الْمُطلقَة لَا بِشَرْط الْإِبْهَام (سقط) الْوَاجِب عَن ذمَّة الْمُكَلف (بالمعين) بالإتيان بِوَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه: إِذْ الْمُطلق فِي ضمن الْفَرد الْخَاص (لتَضَمّنه) أَي الْمعِين (مَفْهُوم الْوَاحِد) الْمُبْهم، ثمَّ على قَول الْجُمْهُور إِذا كَانَ فِي الْكل مَا هُوَ أَعلَى ثَوابًا وَفعل الْكل فَقيل المثاب عَلَيْهِ الْأَعْلَى سَوَاء فعله مُرَتبا أَو مَعًا، وَإِن ترك الْكل عُوقِبَ على أدناها، وَقيل غير ذَلِك أطنب فِيهِ الشَّرْح، وطويناه لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ فِي الْبَحْث.
مسئلة
(الْوَاجِب على) سَبِيل (الْكِفَايَة) وَهُوَ مُهِمّ متحتم قصد حُصُوله من غير نظر إِلَى فَاعله: أما ديني كَصَلَاة الْجِنَازَة، وَأما دُنْيَوِيّ كالصنائع الْمُحْتَاج إِلَيْهَا، فَخرج الْمسنون لِأَنَّهُ غير متحتم، وَفرض الْعين لِأَن فَاعله مَنْظُور أما خُصُوص شخصه كالمفروض على النَّبِي ﷺ دون أمته أَو كل وَاحِد وَاحِد من الْمُكَلّفين (على الْكل، وَيسْقط) الْوُجُوب عَنْهُم (بِفعل الْبَعْض) وَهَذَا قَول الْجُمْهُور، وَالْمرَاد الْكل الإفرادي، وَقيل المجموعي: إِذْ لَو تعين على كل وَاحِد كَانَ سُقُوطه عَن البَاقِينَ بعد تحَققه نسخا، وَلَا نسخ اتِّفَاقًا، بِخِلَاف الْإِيجَاب على الْمَجْمُوع من حَيْثُ هُوَ فَإِنَّهُ لَا يسْتَلْزم الْإِيجَاب على وَاحِد، وَيكون التأثيم على الْجَمِيع بِالذَّاتِ، وعَلى كل وَاحِد بِالْعرضِ وَأجِيب بِمَنْع لُزُوم النّسخ، إِذْ قد يسْقط بعد التحقق بِانْتِفَاء عِلّة الْوُجُوب، فحصول الْمَقْصُود هَهُنَا على أَنه يلْزم النّسخ على هَذَا الْقَائِل أَيْضا، لِأَن فعل الْبَعْض لَيْسَ فعل الْمَجْمُوع قطعا، وَقد سقط عَن الْمَجْمُوع من غير أَن يَقع مِنْهُم الْفِعْل: هَذَا وَنحن لَا نفهم طلب الْفِعْل من الْمَجْمُوع من حَيْثُ هُوَ إِلَّا فِي مثل حمل جسم عَظِيم لَا يقدر الْبَعْض على حمله، وَمَعَ ذَلِك يلْزم على كل وَاحِد الْمُشَاركَة فِي الْحمل لَا الِاسْتِقْلَال (وَقيل) وَاجِب (على الْبَعْض) وَهُوَ قَول الإِمَام الرَّازِيّ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ ثمَّ الْمُخْتَار على هَذَا أَي بعض كَانَ، إِذْ لَا معِين، فَمن قَامَ بِهِ سقط الْوُجُوب بِفِعْلِهِ وبفعل غَيره كَمَا يسْقط الدّين بأَدَاء غَيره عَنهُ (لنا) على الْمُخْتَار (إِثْم الْكل بِتَرْكِهِ) اتِّفَاقًا، وَلَو لم يجب على كل وَاحِد لما أَثم (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ على الْبَعْض (سقط) الْوُجُوب (بِفعل الْبَعْض) وَلَو كَانَ على الْكل لما سقط: إِذْ لَا يسْقط عَن شخص بِفعل غَيره (قُلْنَا) لَا يستبعد هَذَا (لِأَن الْمَقْصُود وجود الْفِعْل لَا ابتلاء كل مُكَلّف) كَمَا فِي فرض الْعين، وَقد وجد (كسقوط مَا على زيد) من الدّين (بِفعل عَمْرو) لحُصُول الْغَرَض بِهِ، وَقيد الشَّارِح بِمَا إِذا كَانَ زيد ضَامِنا عَنهُ عَمْرو فِيهِ
стр. 599
لِأَن فِيهِ أَدَاء مَا فِي ذمَّة الْمُؤَدِّي، وَإِسْقَاط مَا فِي ذمَّة غَيره كَمَا فِي مَحل النزاع.
وَأَنت خَبِير بِأَن الاستبعاد، إِنَّمَا جَاءَ من قبل إِسْقَاط مَا فِي ذمَّة شخص بِفعل غَيره، فَمَا ذكره المُصَنّف كَاف فِي الْمَقْصُود من غير هَذَا الْقَيْد (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ المذكورون لإِثْبَات صِحَة (أَمر وَاحِد مُبْهَم كبواحد مُبْهَم) أَي كالأمر بِوَاحِد مُبْهَم من الْخِصَال الْمَذْكُورَة فَكَمَا جَازَ ذَلِك جَازَ هَذَا (أُجِيب بِأَن الْفرق بِأَن إِثْم) مُكَلّف (مُبْهَم غير مَعْقُول) بِخِلَاف إِثْم الْمُكَلف بترك أحد أُمُور مُعينَة مُبْهما فَإِنَّهُ مَعْقُول: إِذْ ترك الْمُبْهم بترك جَمِيع مَا يتَحَقَّق فِيهِ من الْأُمُور الْمعينَة (قيل) وَالْقَائِل الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ وَهَذَا إِنَّمَا يَصح لَو لم يكن (مَذْهَبهم) أَي الْقَائِلين بِالْوُجُوب على الْبَعْض أَن مُوجب عدم قيام بعض (إِثْم الْكل) بِسَبَب ترك الْبَعْض (لَكِن قَول قَائِله) أَي الْوُجُوب على الْبَعْض (أَنه) أَي الْإِثْم (يتَعَلَّق بِمن غلب على ظَنّه أَنه) أَي الْوَاجِب (لن يَفْعَله غَيره فَإِن ظَنّه) أَي عدم الْفِعْل (الْكل عمهم) الْإِثْم (وَإِن خص) ظن عدم الْفِعْل الْبَعْض (خصّه) أَي ذَلِك الْبَعْض الظَّان (الْإِثْم) على تَقْدِير التّرْك، وَحِينَئِذٍ (فَالْمَعْنى) الْمُكَلف بِالْوُجُوب بعض (غير معِين وَقت الْخطاب لِأَنَّهُ) أَي الْمُكَلف (لَا يتَعَيَّن) للْوُجُوب عَلَيْهِ (إِلَّا بذلك الظَّن) وَهُوَ ظن أَن لن يَفْعَله غَيره (وَلَو لم يظنّ) هَذَا الظَّن أحد (لَا يَأْثَم أحد، وَيشكل) هَذَا حِينَئِذٍ (بِبُطْلَان معنى الْوُجُوب) فَإِن لَازمه الْإِثْم على تَقْدِير التّرْك، فَإِذا انْتَفَى انْتَفَى الْمَلْزُوم (وَقد يُقَال) فِي الْجَواب عَن هَذَا (إِنَّمَا يبطل) الْوُجُوب (لَو كلف) الْمُكَلف بِالْوَاجِبِ الْمَذْكُور (مُطلقًا) أَي سَوَاء ظن أَن لَا يَفْعَله غَيره أَو لَا (أما) لَو كلف (الظَّان) أَن لن يَفْعَله غَيره فَقَط (فَلَا) يبطل معنى الْوُجُوب: إِذْ لَا تَكْلِيف حِينَئِذٍ فَلَا وجوب (وَالْحق أَنه) أَي القَوْل بِوُجُوبِهِ على الْبَعْض (عدُول عَن مُقْتَضى الدَّلِيل) الدَّال على وُجُوبه على الْكل (كقاتلوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ وَنَحْوه) لعُمُوم الْخطاب على من يَتَأَتَّى مِنْهُ الْقِتَال (بِلَا ملجئ) للعدول عَنهُ (لما حققناه) من أَنه مَا يتَوَهَّم كَونه صارفا من السُّقُوط بِفعل الْبَعْض لَيْسَ بصارف: إِذْ لَا مَحْذُور فِيهِ (قَالُوا) ثَالِثا (قَالَ تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ فَإِن تَحْصِيل الْعُلُوم الدِّينِيَّة فَوق مَا يحْتَاج إِلَيْهِ كل أحد مِمَّا يتَعَلَّق بِالْعَمَلِ الْوَاجِب عَلَيْهِ عينا وَاجِب على الْكِفَايَة، وَقد صرح بِوُجُوبِهِ على طَائِفَة غير مُعينَة من كل فرقة من الْمُسلمين بلولا الدَّاخِلَة على الْمَاضِي الدَّالَّة على التنديم واللوم الَّذِي لَا يكون إِلَّا عِنْد ترك الْوَاجِب (قُلْنَا) هَذَا مؤول (بالسقوط بِفِعْلِهَا) أَي الطَّائِفَة من الْفرْقَة: يَعْنِي لما كَانَ قيام الْبَعْض بذلك مسْقطًا عَن الْكل نسب اللوم إِلَى الْبَعْض نظرا إِلَى ذَلِك وَإِن كَانَ الْكل مُسْتَحقّا لَهُ، وَفِي الْعرف يسْتَعْمل فِي توبيخ أهل الْبَلَد جَمِيعًا لم يقم بَعْضكُم بِهَذَا الْأَمر وَيفهم مِنْهُ عرفا لوم الْكل، وَإِنَّمَا صرنا إِلَى التَّأْوِيل (جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ). وَفِي نُسْخَة جمعا للدليلين: يَعْنِي
стр. 600
هَذِه الْآيَة بِاعْتِبَار ظَاهرهَا، وَدَلِيلنَا الدَّال على الْوُجُوب على الْجَمِيع فَإِن هَذِه تحْتَمل التَّأْوِيل بِخِلَاف ذَلِك، فَلَو حملناها على ظَاهرهَا لزم إِلْغَاء ذَلِك وَهُوَ أقوى. (وَاعْلَم أَنه إِذا قيل صَلَاة الْجِنَازَة وَاجِبَة) أَي فرض (على الْكِفَايَة) كَمَا صرح بِهِ بعض الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وحكوا الْإِجْمَاع عَلَيْهِ (فقد يسْتَشْكل) بسقوطها (بِفعل الصَّبِي) الْمُمَيز كَمَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا الْإِشْكَال (بِمَا تقدم) من أَن الْمَقْصُود الْفِعْل، وَقد وجد (لَا يدْفع الْوَارِد من لفظ الْوُجُوب) يَعْنِي لَو لم يُوصف الْفِعْل بِالْوُجُوب كَذَا نقُول قد تحقق الْفِعْل، وَإِن لم يكن مَوْصُوفا بِالْوُجُوب لكنه ورد فِي الشَّرْع أَن الْمَطْلُوب فعل مَوْصُوف بِهِ، وَفعل الصَّبِي لَيْسَ كَذَلِك فَلم يتَحَقَّق الْمَطْلُوب.
مسئلة
(لَا يجب شَرط التَّكْلِيف) أَي تَحْصِيله (اتِّفَاقًا كتحصيل النّصاب) للتكليف بِوُجُوب الزَّكَاة (والزاد) أَي تَحْصِيله لوُجُوب الْحَج (وَأما مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب) حَال كَونه (سَببا) لَهُ إِمَّا (عقلا) أَي من حَيْثُ الْعقل (كالنظر) أَي تَرْتِيب الْمَعْلُومَة للتأدي إِلَى مَجْهُول فَإِنَّهُ سَبَب (للْعلم) وَالْمرَاد بِهِ الْعلم الْوَاجِب كالتصديق الإيماني (وَفِيه) أَي فِي كَون النّظر سَببا عقليا للْعلم (نظر) إِذْ هُوَ سَبَب عادي لَهُ، فَإِن استعقاب النّظر الْعلم بخلقه تَعَالَى إِجْرَاء الْعَادة عِنْد الْحَنَفِيَّة والأشاعرة (أَو شرعا) استعقاب (كالتلفظ) بِمَا يُفِيد الْعتْق فَإِنَّهُ سَبَب شرعا (لِلْعِتْقِ) الْوَاجِب بِنذر أَو كَفَّارَة أَو غَيرهمَا (أَو عَادَة كَالْأولِ) أَي النّظر للْعلم. وَقد عرفت (وخر الْعُنُق) للْقَتْل الْوَاجِب (أَو) حَال كَونه (شرطا) للْوَاجِب (عقلا كَتَرْكِ الضِّدّ) للْوَاجِب (أَو عَادَة كَغسْل جُزْء من الرَّأْس) لغسل الْوَجْه إِذْ لَا يتَحَقَّق غسل الْوَجْه عَادَة إِلَّا مَعَ غسل جُزْء من الرَّأْس (أَو شرعا) كَالْوضُوءِ للصَّلَاة (فالحنفية وَالْأَكْثَرُونَ) على أَن كل وَاحِد مِمَّا ذكر (وَاجِب بِهِ) أَي بِسَبَب وجوب ذَلِك الْوَاجِب المتوقف عَلَيْهِ (وَقيل) الْوُجُوب فِيمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب مُسلم (فِي الشَّرْط الشَّرْعِيّ فَقَط) لَا فِي غَيره وَهُوَ مُخْتَار ابْن الْحَاجِب فِيمَا هُوَ مَقْدُور الْمُكَلف (وَقيل) مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب لَا يجب بِوُجُوبِهِ سَوَاء كَانَ مَقْدُورًا للمكلف أَولا (لَا فِي الشَّرْط و) لَا فِي (غَيره فيخطآن) أَي هَذَانِ الْقَوْلَانِ (للاتفاق على الْأَسْبَاب) أَي على أَن إِيجَاب الْمُسَبّب إِيجَاب لتَحْصِيل سَببه (إِلَّا أَن يُقَال التَّعَلُّق) للْإِيجَاب إِنَّمَا هُوَ (بهَا) أَي بالأسباب ابْتِدَاء (فَالْأَمْر بِالْقَتْلِ وَالْعِتْق يتَعَلَّق بالحز) للعنق (والتلفظ) بِصِيغَة الْعتْق (ابْتِدَاء) لَا بِنَفْي الْحَيَاة وَلَا بِإِزَالَة الرّقّ (إِذْ لَا تعلق بِغَيْر الْمَقْدُور) إِذْ التَّكْلِيف لَا يكون إِلَّا بِهِ، والمسببات قد لَا تكون مقدورة لنا كهذه بِخِلَاف مُبَاشرَة الْأَسْبَاب فَإِنَّهَا فِي وسع العَبْد ظَاهرا، فالمتعلق للْإِيجَاب حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ السَّبَب وَإِن كَانَ وَسِيلَة للمسبب، فَهَذَا التَّأْوِيل
стр. 601
مخلص عَن التخطئة (وَلَا بُد) فِي قَوْلهم مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب وَاجِب (من قيد بِهِ) أَي من اعْتِبَار قيد هُوَ لفظ بِهِ فَالضَّمِير للْوَاجِب: أَي مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب وُجُوبه بِسَبَب وجوب ذَلِك الْوَاجِب (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر هَذَا الْقَيْد (لزم الْكفْر) قَالَ الشَّارِح لِأَن الْمُتَبَادر من إِطْلَاقه الْوَاجِب لذاته وَهُوَ لَيْسَ إِلَّا رب الْعَالمين مَعَ أَنه لَيْسَ المُرَاد من هَذَا الْإِطْلَاق قطعا انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَيْسَ المُرَاد بِالْوُجُوب هَهُنَا مَا يُقَابل الْإِمْكَان، بل أحد الْأَحْكَام الْخَمْسَة غير أَنه لَا يظْهر لكَلَام المُصَنّف وَجه آخر (للْأَكْثَر لَو لم يجب) مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب (بَقِي جَوَاز التّرْك) أَي ترك مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب (دَائِما ولازمه) أَي لَازم جَوَاز تَركه دَائِما (جَوَاز ترك مَا لَا يَتَأَتَّى بِدُونِهِ) أَي مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب (وَهُوَ) أَي جَوَاز ترك مَا لَا يَتَأَتَّى بِدُونِهِ (منَاف لوُجُوبه) أَي وجوب الْوَاجِب (فِي وَقت مَا) ظرف لوُجُوبه (أَو) لَازمه (جَوَاز فعله) أَي الْوَاجِب الَّذِي هُوَ الْمَشْرُوط (دونه) أَي الشَّرْط (فَمَا فرض شرطا لَيْسَ شرطا) لتحَقّق الْوَاجِب بِدُونِهِ (وَلَا يخفى منع الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم أَنه لَو لم يجب بِهِ نفي جَوَاز التّرْك للشّرط لجَوَاز وُجُوبه بِغَيْرِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِنَّمَا يجوز التّرْك لَو لم يجب) مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب (مُطلقًا) وَحِينَئِذٍ لَا يبْقى لَهُ وجوب: لَا بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ فَيلْزم جَوَاز تَركه دَائِما (واستدلالهم) أَي الْأَكْثَرين (بِالْإِجْمَاع على) وجوب (التَّوَصُّل) إِلَى الْوَاجِب وَلَو لم يجب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ لما وَجب التَّوَصُّل إِلَى الْوَاجِب إِذْ لَا معنى للتوصل إِلَى الْإِتْيَان بِجَمِيعِ مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ (فِي غير) مَحل (النزاع لِأَن الْمُوجب حِينَئِذٍ) أَي حِين اسْتدلَّ بِالْإِجْمَاع على أَن الْموصل إِلَى الْوَاجِب وَاجِب (غير مُوجب الأَصْل) الَّذِي هُوَ الْوَاجِب الْأَصْلِيّ فَإِن مُوجبه الْأَمر، وَمُوجب مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْإِجْمَاع (وَإِذن لَا حَاجَة للنافي) لوُجُوب مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب بإيجابه فِي غير الشَّرْط كَابْن الْحَاجِب وَصَاحب البديع (إِلَى الْجَواب بتخصيص الدَّعْوَى بِغَيْر الْأَسْبَاب) كَمَا فعلاه (واستدلاله) أَي النَّافِي بِأَنَّهُ (لَو وَجب امْتنع التَّصْرِيح بِنَفْي وُجُوبه) للتناقض بَينهمَا، لكنه غير مُمْتَنع للْقطع بِوُجُوب غسل الْوَجْه وَعدم وجوب غسل غَيره من أَجزَاء الرَّأْس (إِن أَرَادَ) بِنَفْي وُجُوبه الَّذِي لَا يمْتَنع التَّصْرِيح بِهِ (نفى وُجُوبه بِهِ) أَي بِإِيجَاب الْوَاجِب (فنفى التَّالِي) وَهُوَ امْتنَاع التَّصْرِيح بِنَفْي وُجُوبه (عين) مَحل (النزاع أَو) نفي وُجُوبه (مُطلقًا نَفينَا الْمُلَازمَة) لجَوَاز وُجُوبه بِشَيْء آخر غير إِيجَاب الْوَاجِب (وَكَذَا قَوْله) أَي النَّافِي (وَصَحَّ قَول الكعبي فِي نفي الْمُبَاح) عطفا على قَوْله امْتنع التَّصْرِيح إِلَى آخِره، وَذَلِكَ لِأَن فعل الْوَاجِب: وَهُوَ ترك الْحَرَام لَا يتم إِلَّا بالمباح فَيجب الْمُبَاح وَهُوَ بَاطِل، وَفِيه أَن قَول الكعبي نفي كل مُبَاح، وَالَّذِي يلْزم هُنَا على تَقْدِير التنزل نفي بعض الْمُبَاح وَهُوَ الَّذِي لَا يتم ترك الْمُبَاح إِلَّا بِهِ عَلَيْهِ منع الْمُلَازمَة، وَكَذَا قَول النَّافِي (وَوَجَب نِيَّة الْمُقدمَة) وَهِي
стр. 602
مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب لِأَنَّهَا عبَادَة وَاجِبَة (وَمَعْنَاهُ) أَي وجوب نِيَّة الْمُقدمَة أَنَّهَا تجب فِيهَا (كَمَا لَو وَجب) مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب (بِغَيْرِهِ) أَي غير إِيجَاب الْوَاجِب (وَإِنَّمَا يلزمان) أَي نفي الْمُبَاح وَوُجُوب نِيَّة الْمُقدمَة (لَو تعين) الْمُبَاح للامتثال (أَو شرع) مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ (عبَادَة لكنه) أَي الِامْتِثَال (يُمكن بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْمُبَاح كالواجب (ونلتزمه) أَي وجوب النِّيَّة (فِي مُقَدّمَة هِيَ عبَادَة) لَا مُطلقًا (وَكَذَا قَوْله) أَي النَّافِي (لَو كَانَ) مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب وَاجِبا (لزم تعقله) أَي مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب (للْآمِر) لِامْتِنَاع طلب الشَّيْء بِدُونِ تعقله (وَالْقطع) حَاصِل (بنفيه) أَي نفي لُزُوم تعقله، لِأَن الْآمِر بالشَّيْء رُبمَا يذهل عَمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ ذَلِك الشَّيْء عِنْد الْأَمر بِهِ (مَمْنُوع الْمُلَازمَة لِأَنَّهُ) أَي لُزُوم تعقل الْآمِر إِنَّمَا هُوَ (فِي الْوَاجِب أَصَالَة) أما فِي إِيجَاب الشَّيْء بتبعية غَيره فَلَا، وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال: وَهُوَ أَنه لَو وَجب مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب بِإِيجَاب الْوَاجِب من غير أَن يتعقله الْآمِر للَزِمَ وُجُوبه بِلَا تعلق الْخطاب أجَاب عَنهُ بقوله (وَلُزُوم الْوُجُوب بِلَا تعلق) الْخطاب بِهِ (مَمْنُوع لما نذْكر) قَرِيبا (فَإِن دفع) منع تعقل الْأَمر (بِأَن المُرَاد) بقوله لَو كَانَ لزم تعقله لَهُ (إِذْ لَو دلّ) دَلِيله عَلَيْهِ (لعقل) وَذَلِكَ لِأَن المُرَاد بقوله لَو كَانَ لوَجَبَ بِهِ ووجوبه بِهِ حَاصله كَونهمَا مفادين بِإِيجَاب وَاحِد فَيلْزم تعقلهما مَعًا من ذَلِك الْإِيجَاب (وَإِذا لم يعقل لم يدل فَلَا إِيجَاب بِهِ) أَي بِدَلِيل الْوَاجِب (ووجوبه) أَي وجوب مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر دَلِيل الْوَاجِب (لَيْسَ الْكَلَام فِيهِ) فَقَوله وَلُزُوم الْوَاجِب إِلَى آخِره إبِْطَال للسند الْمسَاوِي للْمَنْع إِذْ لَا يخلص من لُزُوم تعقل الْآمِر إِلَّا بِهِ فَهُوَ إثباب للمقدمة الممنوعة، وَلذَا أورد عَلَيْهِ الْمَنْع وَقَوله فَإِن دفع جَوَاب بتحرير الدَّلِيل على وَجه لَا يرد عَلَيْهِ الْمَنْع فَقَوله (قُلْنَا) إِلَى آخِره إبِْطَال لما حرر بِهِ على وَجه يصير دَلِيلا للْأَكْثَر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (و) مقولنا هَذَا (هُوَ الدَّلِيل الْحق للْأَكْثَر أَن الدّلَالَة على) رَأْي (الْأُصُولِيِّينَ لَا تخْتَص باللوازم الْبَيِّنَة بالأخص) أَي لَا يلْزم فِيهَا أَن يكون الْمَدْلُول لَازِما بَينا بِالْمَعْنَى الْأَخَص وَهُوَ أَن تَحْصِيل اللَّازِم فِي الذِّهْن كلما يحصل الْمَلْزُوم فِيهِ بل يكفى فِيهَا أَن يكون لَازِما بَينا بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَهُوَ أَن يكون تصور الْمَلْزُوم وَاللَّازِم كَافِيا فِي الْجَزْم باللزوم بَينهمَا، وَلَا شكّ فِي دلَالَة دَلِيل الْوُجُوب عَلَيْهِ بِهَذَا النَّوْع من الْوَاجِب الدّلَالَة (وَتقدم فِي) بحث (مَفْهُوم الْمُوَافقَة) كفهم حُرْمَة الضَّرْب من حُرْمَة التأفيف (أَن دلَالَته) أَي مفهومها (قد تكون نظرية وَيجْرِي فِيهَا) أَي فِي دلالتها (الْخلاف) بِأَن يُؤَدِّي نظر مُجْتَهد إِلَى إِثْبَاتهَا وَنظر آخر إِلَى نَفيهَا فَلَا يبعد وُقُوع الْخلاف فِي دلَالَة دَلِيل الْوُجُوب عَلَيْهِ (فعلى مَا علم مُقَدّمَة) أَي فدلالة دَلِيل الْوَاجِب على مَا علم كَونه مُقَدّمَة (من) ملزوم (مَا هِيَ) أَي الْمُقدمَة (لَهُ) لتوقفه عَلَيْهَا (أظهر) خبر الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف الْمَذْكُور: أَعنِي دلَالَته، والملزوم هُوَ الشَّارِع، وَالْمعْنَى إِذا اعْتبر دلَالَة اللَّفْظ
стр. 603
فِي مَفْهُوم الْمُوَافقَة مَعَ نظريتها فدلالته على مَا علم كَونه مَوْقُوفا عَلَيْهِ شرعا من قبل الْمَلْزُوم الَّذِي أوجب مَدْلُوله الصَّرِيح أظهر من دلَالَة مَفْهُوم الْمُوَافقَة الَّذِي لم يعلم من الشَّارِع توقف مَدْلُوله الصَّرِيح عَلَيْهِ أَن طلب الْمُتَكَلّم من الْمَأْمُور فعلا جعل صِحَّته مَوْقُوفَة على فعل آخر وَعلم مِنْهُ ذَلِك طلب لَهما جَمِيعًا وَهُوَ ظَاهر. هَذَا، وَفسّر الشَّارِح الْمَلْزُوم بِاللَّفْظِ وَلَا يخفى مَا فِيهِ (وَفرع عَلَيْهِ) أَي على وجوب الْمُقدمَة بِوُجُوب مَا هِيَ مُقَدّمَة لَهُ (تَحْرِيم) الزَّوْجَة (إِذا اشتبهت بالأجنبية) لِأَن الْكَفّ عَن الْأَجْنَبِيَّة وَاجِب، وَلَا يحصل الْعلم بِهِ إِلَّا بالكف عَن الزَّوْجَة فَيجب الْكَفّ عَنْهَا لتيقن الْكَفّ عَن الْأَجْنَبِيَّة، كَذَا ذكره الشَّارِح.
وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ التيقن بِالْخرُوجِ عَن عُهْدَة الْوَاجِب وَاجِبا، أما إِذا كَانَ الظَّن بِالْخرُوجِ الْمَذْكُور كَافِيا وَغلب على ظَنّه أَنَّهَا زَوجته فَلَا تحرم فَتَأمل.
مسئلة
(يجوز تَحْرِيم أحد أَشْيَاء) مُعينَة (كإيجابه) أَي أحد الْأَشْيَاء إِلَّا أَن التَّخْيِير هُنَا فِي التروك وَهُنَاكَ فِي الْأَفْعَال (فَلهُ) أَي الْمُكَلف (فعلهَا) أَي الْأَشْيَاء (إِلَّا وَاحِدًا لَا جمعهَا فعلا) بِأَن يفعل جميل تِلْكَ الْأَشْيَاء لِئَلَّا يكون فَاعِلا للْمحرمِ كَمَا أَنه هُنَاكَ لَيْسَ لَهُ تَركهَا جَمِيعًا لِئَلَّا يكون تَارِكًا للْوَاجِب، وَله أَن يَتْرُكهَا جَمِيع كَمَا أَن لَهُ أَن يَفْعَلهَا جَمِيعًا هُنَاكَ (وفيهَا) أَي فِي هَذِه المسئلة من الْأَقْوَال مثل (مَا تقدم) فِي الْوَاجِب الْمُخَير، فَقيل الْمحرم وَاحِد مِنْهَا لَا بِعَيْنِه، وَقيل يحرم جَمِيعهَا فيعاقب بِفِعْلِهَا عِقَاب فعل الْمُحرمَات ويثاب بِتَرْكِهَا ثَوَاب ترك الْمُحرمَات وَيسْقط تَركهَا الْوَاجِب بترك وَاحِد مِنْهَا، وَقيل الْمحرم مَا يختاره الْمُكَلف للترك مِنْهَا فيختلف باخْتلَاف الِاخْتِيَار، وَفِي الشَّرْح زِيَادَة تَفْصِيل فِيهَا، هَذَا وَزعم بعض الْمُعْتَزلَة أَنه لم يرد فِي اللُّغَة النَّهْي عَن وَاحِد من أَشْيَاء مُعينَة، ورد بِالْمَنْعِ حَتَّى أَنه لَوْلَا الْإِجْمَاع عَن النَّهْي عَن طَاعَة الْجَمِيع فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا﴾ - لم تحمل الْآيَة على ذَلِك (فتفريع تَحْرِيم الْكل) أَي زَوْجَاته (فِي قَوْله لزوجاته إحداكن طَالِق) على هَذَا الأَصْل (مناقضة لهَذَا الأَصْل) إِذْ من حكمه أَن لَهُ فعلهَا إِلَّا وَاحِدًا فتحريم الْكل منَاف لَهُ (بِخِلَاف) تَحْرِيم الزَّوْجَة فِي (الِاشْتِبَاه) بأجنبية فَإِنَّهُ لَا مناقضة فِيهِ لهَذَا الأَصْل، إِذْ لَيْسَ تَحْرِيم الزَّوْجَة مَعَ الْأَجْنَبِيَّة بِسَبَب تَحْرِيم أَحدهمَا، وَإِنَّمَا (حرمت الزَّوْجَة لاحتمالها) أَي الزَّوْجَة (الْمُحرمَة احْتِيَاطًا وَلَا احْتِمَال فِي الْوَاحِدَة الْمَوْطُوءَة هُنَا لِأَن مُوجبه) أَي إحداكن طَالِق (ترك وَاحِدَة) لَا على التَّعْيِين (وَقد فعل) إِذا وطئهن إِلَّا وَاحِدَة (إِلَّا أَن يعين) إِحْدَاهُنَّ للطَّلَاق (وينسى) الْمعينَة (فكالاشتباه) أَي فيحرمن احْتِيَاطًا لاحْتِمَال أَن يكون كل
стр. 604
مِنْهُنَّ الْمُحرمَة كَمَا فِي مسئلة الِاشْتِبَاه، فِي الْمَحْصُول إِذا قَالَ أحدا كَمَا طَالِق يحْتَمل أَن يُقَال بِبَقَاء حل وطئهما لِأَن الطَّلَاق شَيْء معِين فَلَا يحصل إِلَّا فِي مَحل معِين، فَإِذا لم يعين لَا يَقع بل الْوَاقِع أَمر لَهُ صَلَاحِية التَّأْثِير فِي الطَّلَاق عِنْد التَّعْيِين، وَمِنْهُم من قَالَ حرمنا جَمِيعًا إِلَى وَقت الْبَيَان تَغْلِيبًا لجَانب الْحُرْمَة، وَجزم الْبَيْضَاوِيّ بِهَذَا تَفْرِيعا على وجوب الْمُقدمَة الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا الْعلم بالإتيان بِالْوَاجِبِ.
مسئلة
(لَا يجوز فِي) الْفِعْل (الْوَاحِد بالشخص والجهة وُجُوبه وحرمته بإطباق مانعي تَكْلِيف الْمحَال وَبَعض المجيزين) لَهُ (لتَضَمّنه) أَي جَوَاز اجْتِمَاعهمَا فِيهِ (الحكم بِجَوَاز التّرْك) إِذْ الْحَرَام يجب تَركه، وَفِي ضمن الْوُجُوب يتَحَقَّق الْجَوَاز الْمُطلق بِمَعْنى الْإِذْن (وَعَدَمه) أَي عدم جَوَاز التّرْك إِذْ الْوَاجِب لَا يجوز تَركه (وَيجوز) اجْتِمَاعهمَا (فِي) الْوَاحِد الشخصي (ذِي الْجِهَتَيْنِ) الْغَيْر المتلازمتين فَيجب بأحداهما وَيحرم بِالْأُخْرَى (كَالصَّلَاةِ فِي) الأَرْض (الْمَغْصُوبَة عِنْد الْجُمْهُور) فَتجب لكَونهَا صَلَاة وَتحرم لكَونهَا غصبا (خلافًا لِأَحْمَد وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين والجبائي فَلَا تصح) أَي فأنهم قَالُوا لَا تصح الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوبَة (فَلَا يسْقط الطّلب) بِفِعْلِهَا فِيهَا (و) خلافًا (للْقَاضِي أبي بكر) فَإِنَّهُ قَالَ (لَا تصح) الصَّلَاة (وَيسْقط) الطّلب بِفِعْلِهَا (لنا الْقطع فِيمَن أَمر بخياطة) وَأمر بِأَنَّهُ (لَا) يَفْعَلهَا (فِي مَكَان كَذَا فخاطه) أَي الثَّوْب (فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْمَكَان (أَنه) أَي بِأَنَّهُ، فَإِنَّهُ مُتَعَلق بِالْقطعِ (مُطِيع عَاص للجهتين) لِأَنَّهُ ممتثل لأمر الْخياطَة غير ممتثل للنَّهْي عَن ذَلِك الْمَكَان، فَكَذَا فِيمَا نَحن فِيهِ مُطِيع من جِهَة أَنه غصب (وَلِأَنَّهُ) أَي اجْتِمَاع الْوُجُوب وَالْحُرْمَة (لَو امْتنع فلاتحاد الْمُتَعَلّق) أَي فَإِنَّمَا يمْتَنع لِاتِّحَاد متعلقهما (وَالْقطع بالتعدد) هُنَا (فَإِن مُتَعَلق الْأَمر) بِالصَّلَاةِ (الصَّلَاة و) مُتَعَلق (النَّهْي) عَن إيقاعها فِي الْمَغْصُوبَة (الْغَصْب) فَفِيهِ مُسَامَحَة، إِذْ الْمنْهِي الْإِيقَاع فِي الْمَغْصُوبَة لَا للغصب (جَمعهمَا) أَي المتعلقين الْمُكَلف بامتثاله الْأَمر وَترك امتثاله النَّهْي (مَعَ إِمْكَان الانفكاك) بِأَن يفعل الْمَأْمُور بِهِ وَلَا يفعل الْمنْهِي عَنهُ فَيصَلي فِي غير الْمَغْصُوبَة (وَأَيْضًا لَو امْتنع) الْجمع بَين الْوُجُوب وَالْحُرْمَة فِي الْوَاحِد (امْتنع صِحَة صَوْم مَكْرُوه وَصَلَاة) مَكْرُوهَة، لِأَن الْوُجُوب كَمَا يضاد التَّحْرِيم يضاد الْكَرَاهَة إِذْ لَا مَانع إِلَّا التضاد وَاللَّازِم بَاطِل لثُبُوت كَرَاهَة كثير من الصَّلَاة وَالصَّوْم (وَدفعه) أَي هَذَا الدَّلِيل كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَغَيره (باتحاد مُتَعَلق الْأَمر وَالنَّهْي هُنَا) أَي فِي الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة (وَهُوَ) أَي متعلقهما (الْكَوْن فِي الحيز) وَهُوَ حُصُول الْجَوْهَر فِي حيزه لِأَن حُصُول الْمصلى فِي ذَلِك الْمَكَان جُزْء
стр. 605
من الصَّلَاة الْمَأْمُور بهَا وَنَفس الْغَصْب الْمنْهِي عَنهُ (بِخِلَاف الْمَكْرُوه) من الصَّوْم وَالصَّلَاة لعدم اتِّحَاد مُتَعَلق الْوُجُوب وَالْكَرَاهَة فِيهِ (فَإِن فرض) الْمَكْرُوه (كَذَلِك) أَي أَن مُتَعَلق الْأَمر وَالنَّهْي مُتحد (منع صِحَّته) أَي الْمَكْرُوه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يفْرض كَذَلِك (لم يفد) صِحَة الْمَطْلُوب لِأَن الْكَلَام فِيمَا إِذا اتَّحد متعلقهما (يُنَاقض جوابهما الْآتِي) قَرِيبا كَمَا سَيظْهر من تَجْوِيز اجْتِمَاعهمَا مَعَ اتِّحَاد الْمُتَعَلّق باخْتلَاف الْجِهَة وَهُوَ خبر قَوْله وَدفعه إِلَى آخِره (بل لَيْسَ فِيهَا) أَي فِي الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة وَفِي الصَّلَاة الْمَكْرُوهَة وَفِي الصَّوْم الْمَكْرُوه (تحتم منع) أَي لَيْسَ فِيهَا نهي مَقْطُوع بِهِ، وَإِلَّا لما كَانَ للِاجْتِهَاد مساغ فَمن حَيْثُ أَنه فعل وَاحِد مُتَضَمّن لأمر مَنْهِيّ يظنّ كَونه مَنْهِيّا مُطلقًا وَمن حَيْثُ أَنه امْتِثَال لأمر إيجابي وَالنَّهْي بِاعْتِبَار بعض جهاته يظنّ أَنه لَيْسَ بمنهي مُطلقًا، وَإِذا لم يقطع بِالْمَنْعِ (فَلَا يُنَافِي) كَونه مَمْنُوعًا من وَجه (الصِّحَّة) بِاعْتِبَار الْجِهَة الَّتِي يُؤَدِّي بهَا الْوَاجِب (فالمانع) من الصِّحَّة فِي الْوَاحِد الشخصي الْمَذْكُور (خُصُوص تضَاد) وَهُوَ فِيمَا إِذا لم يكن فِيهِ اخْتِلَاف الْجِهَة، وَقَالَ الشَّارِح: فالمانع من الْجمع بَينهمَا فِي وَاحِد شخصي ذِي جِهَتَيْنِ خُصُوص تضَاد وَهُوَ الْمَنْع المتحتم الْقطعِي عَن الشَّيْء وَالْأَمر بِهِ وَلَا يخفى مَا فِيهِ (لَا مطلقه) أَي التضاد سَوَاء اخْتلفت الْجِهَة أَو اتّحدت (وَالِاسْتِدْلَال) للمختار بِأَنَّهُ (لَو لم تصح) الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوبَة (لم يسْقط) التَّكْلِيف بهَا (وَهُوَ) أَي عدم سُقُوطه (مُنْتَفٍ) قَالَ القَاضِي (للْإِجْمَاع السَّابِق) على ظُهُور الْمُخَالف وَهُوَ أَحْمد وَمن وَافقه على سُقُوطه فَالصَّلَاة صَحِيحَة، ثمَّ الِاسْتِدْلَال مُبْتَدأ خَبره (دفع بِمَنْع صِحَة نَقله) أَي الْإِجْمَاع كَمَا قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ لَو كَانَ إِجْمَاع لعرفه أَحْمد لِأَنَّهُ أعرف بِهِ من القَاضِي لِأَنَّهُ أقرب زَمَانا من السّلف، وَلَو عرفه لما خَالفه فَانْدفع قَول الْغَزالِيّ الْإِجْمَاع حجَّة على أَحْمد (قَالُوا) أَي القَاضِي والمتكلمون (لَو صحت) الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة (كَانَ) كَونهَا صَحِيحَة (مَعَ اتِّحَاد الْمُتَعَلّق) لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي (لِأَن الصَّلَاة حركات وسكنات وهما) أَي الحركات والسكنات (شغل حيّز) فهما مَأْمُور بهما (وشغله) أَي الحيز ظلما هُوَ (الْغَصْب) وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي متعلقهما وَاحِد لَكِن (بجهتين فَيُؤْمَر بِهِ بِاعْتِبَار أَنه صَلَاة وَينْهى عَنهُ لِأَنَّهُ غصب) وَهَذَا هُوَ الْجَواب الَّذِي ذكره المُصَنّف أَن مَا تقدم من الدّفع يناقضه (وألزم) على القَوْل بِصِحَّة الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة بِنَاء على تعدد الْجِهَة (صِحَة صَوْم) يَوْم (الْعِيد) لكَونه مَأْمُورا بِهِ حَيْثُ أَنه صَوْم، مَنْهِيّا عَنهُ من حَيْثُ أَنه فِي يَوْم الْعِيد (وَالْجَوَاب بتخصيص الدَّعْوَى) وَهُوَ جَوَاز اجْتِمَاعهمَا فِي الْوَاحِد الشخصي فِي ذى الْجِهَتَيْنِ (بِمَا يُمكن فِيهِ انفكاكهما أَي الْجِهَتَيْنِ بِأَن لَا يتلازم جِهَة الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم كَمَا هُوَ فِي الخلافية إِذْ كل من جِهَة الصلاتية والغصبية لَا يسْتَلْزم الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يتَحَقَّق الصَّلَاة بِلَا غصب بِخِلَاف صَوْم يَوْم
стр. 606
الْعِيد فَإِنَّهُ كَونه صوما وَهُوَ المجوز لَا يَنْفَكّ عَن كَونه فِي يَوْم الْعِيد وَهُوَ الْمحرم فَإِن قلت خُصُوصِيَّة كَونه فِي الْعِيد اعْتبرت فِي جِهَة الصَّوْم فَقلت بِعَدَمِ الانفكاك فَلَو لم تعْتَبر خُصُوصِيَّة مَكَان الصَّلَاة فِي جِهَة الصَّلَاة فِي الخلافية فَيلْزم عدم الانفكاك وَإِن قطعت النّظر عَن خُصُوصِيَّة الْمَكَان فِي الخلافية لم يقطع النّظر عَن خُصُوصِيَّة الزَّمَان فِي الصَّوْم الْمَذْكُور فَإِنَّهُ يتَحَقَّق حِينَئِذٍ صَوْم بِلَا جِهَة مُحرمَة قلت المُرَاد تحقق الْجِهَتَيْنِ مَعًا، وَفِي الصَّوْم الْمَذْكُور لَا يُمكن تحقق جِهَة الصَّوْم الشخصي بِلَا محرم مَعَ جِهَة كَونه فِي يَوْم الْعِيد مثلا لكَون الزَّمَان جُزْءا من حَقِيقَة الصَّوْم وَعدم كَون الْمَكَان جُزْءا بل حَقِيقَة الصَّوْم وَعدم كَون الْمَكَان جُزْءا من حَقِيقَة الصَّلَاة فَتَأمل (و) أُجِيب (بِأَن نهي التَّحْرِيم ينْصَرف) قبحه (إِلَى الْعين) أَي عين الْمنْهِي عَنهُ والقبيح لعَينه لَا يكون لَهُ صِحَة فَيجب القَوْل بِهِ (إِلَّا لدَلِيل) يُفِيد خِلَافه (وَقد وجدت إطلاقات) مفيدة للصِّحَّة (فِي) حق (الصَّلَاة) فبعمومها يَشْمَل صِحَة الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة (أوجبته لخارج) أَي لوصف خَارج عَن ذَات الْمنْهِي عَنهُ: إِذْ لَو كَانَ لعَينه لاقتضت عدم الصِّحَّة، ولزمت المدافعة بَين تِلْكَ الإطلاقات وَالنَّهْي الْمَذْكُور (وَإِجْمَاع غير أَحْمد) على صِحَة الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوبَة (لَا فِي الصَّوْم) أَي بِخِلَاف الصَّوْم فِي يَوْم الْعِيد فَإِنَّهُ لم يقم دَلِيل صَارف عَن ظَاهر بُطْلَانه، بل وَقع الِاتِّفَاق على ذَلِك: كَذَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (وَلَا يخفى مَا فِيهِ) أَي فِي الْفرق الْمَذْكُور فَإِنَّهُ وجد فِي الصَّوْم إطلاقات أَيْضا إِلَّا أَن يفرق بِاعْتِبَار إِجْمَاع غير أَحْمد على أَن الْحَنَفِيَّة يصححون نَذره وَأَنه لَو صَامَهُ خرج عَن عُهْدَة النّذر وَإِن أوجبوا عَلَيْهِ الْإِفْطَار ثمَّ الْقَضَاء، ثمَّ أَشَارَ إِلَى فرق آخر بقوله (وَلِأَن منشأ الْمصلحَة والمفسدة) فِي الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوبَة وَهُوَ كَونه مُطيعًا من جِهَة أَنه غصب (مُتَعَدد، بِخِلَاف صَوْم الْعِيد) فَإِن الْجِهَة الَّتِي يتَوَهَّم فِيهَا الإطاعة هُوَ الصَّوْم الْخَاص هِيَ بِعَينهَا مَنْهِيّ عَنْهَا (وَقد يمْنَع) هَذَا (بل الشّغل) للحيز الَّذِي هُوَ الحركات والسكنات الْمَذْكُورَة، وَعين الْغَصْب (منشؤهما) أَي الْمصلحَة والمفسدة وَهُوَ مُتحد كَمَا سبق (هَذَا فَأَما الْخُرُوج) من الأَرْض الْمَغْصُوبَة (بعد توسطها ففقهي) أَي فالبحث عَن حكمه بحث فرعي (لَا أُصَلِّي) لِأَن الأصولي يبْحَث عَن أَحْوَال الْأَدِلَّة للْأَحْكَام، لَا عَن أَحْوَال أَفعَال الْمُكَلّفين فَإِنَّهُ وَظِيفَة الْفَقِيه (وَهُوَ) أَي الحكم الفرعي لَهُ (وُجُوبه) أَي الْخُرُوج مِنْهَا على قصد التَّوْبَة، وَنفي الْمعْصِيَة عَن نَفسه (فَقَط) أَي لَا وحرمته كَمَا هُوَ قَول أبي هَاشم أَنه مَأْمُور بِهِ، لِأَنَّهُ انْفِصَال عَن الْمكْث ومنهي عَنهُ لِأَنَّهُ تصرف فِي ملك الْغَيْر (واستبعد اسْتِصْحَاب الْمعْصِيَة للْإِمَام) فِي الشَّرْح العضدي: من توَسط أَرضًا مَغْصُوبَة فحط الأصولي فِيهِ بَيَان امْتنَاع تعلق الْأَمر وَالنَّهْي مَعًا بِالْخرُوجِ، وَبَيَان خطأ أبي هَاشم فِي قَوْله بتعلقهما مَعًا بِالْخرُوجِ، فَإِذا تعين الْخُرُوج لِلْأَمْرِ دون
стр. 607
النَّهْي بِدَلِيل يدل عَلَيْهِ، فالقطع يَنْفِي الْمعْصِيَة عَنهُ إِذا خرج بِمَا هُوَ شَرطه فِي الْخُرُوج من السرعة والسلوك لأَقْرَب الطّرق وأقلها ضَرَرا: إِذْ لَا مَعْصِيّة بإيقاع الْمَأْمُور بِهِ الَّذِي لَا نهي عَنهُ. قَالَ الإِمَام باستصحاب حكم الْمعْصِيَة عَلَيْهِ مَعَ إِيجَاب الْخُرُوج وَهُوَ بعيد: إِذْ لَا مَعْصِيّة إِلَّا بِفعل مَنْهِيّ أَو ترك مَأْمُور بِهِ، وَقد سلم انْتِفَاء تعلق النَّهْي بِهِ فانتهض الدَّلِيل عَلَيْهِ فَإِن قيل فِيهِ الجهتان، فَيتَعَلَّق الْأَمر بإفراغ ملك الْغَيْر، وَالنَّهْي بِالْغَصْبِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة سَوَاء قُلْنَا غلط، لِأَنَّهُ لَا يُمكن الِامْتِثَال فَيلْزم تَكْلِيف الْمحَال، بِخِلَاف صَلَاة الْغَصْب فَإِنَّهُ يُمكن الِامْتِثَال، وَإِنَّمَا جَاءَ الِاتِّحَاد بِاخْتِيَار الْمُكَلف انْتهى، فالمستبعد ابْن الْحَاجِب وَغَيره، والمستصحب إِمَام الْحَرَمَيْنِ، واستصحاب الْمعْصِيَة عبارَة عَن إبْقَاء حكمهَا عَلَيْهِ مَعَ إِيجَاب الْخُرُوج بِنَاء على أَن الِاسْتِيلَاء على ملك الْغَيْر بِالدُّخُولِ لم يزل مَا لم يتم الْخُرُوج، وَوجه الاستبعاد مَا أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا نهي عَنهُ) أَي عَن الْخُرُوج بتوبة وَلَا مَعْصِيّة إِلَّا بِفعل نهي أوترك مَأْمُور بِهِ، وَقد اعْترف بِانْتِفَاء تعلق النَّهْي بِالْخرُوجِ (وثبوتها) أَي الْمعْصِيَة (بِلَا نهي) أَي فعل مَنْهِيّ عَنهُ أَو ترك مَأْمُور بِهِ (كَقَوْلِه) أَي إِمَام الْحَرَمَيْنِ (مَمْنُوع) قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَإِنَّمَا حكمُوا بالاستبعاد دون الاستحالة، لِأَن الإِمَام لَا يسلم أَن دوَام الْمعْصِيَة لَا يكون إِلَّا بِفعل مَنْهِيّ عَنهُ أَو ترك مَأْمُور بِهِ: بل ذَاك فِي ابتدائها خَاصَّة. وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ: وَإِذا عصى الْمُكَلف بِفعل شخص آخر هُوَ مسبب عَن فعله على مَا قَالَ ﷺ " من سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ وزرها ووزر من عمل بهَا " لم يستبعد مَعْصِيَته لفعل لَهُ غير مُكَلّف بِهِ هُوَ مسبب عَن فعله الِاخْتِيَارِيّ، وَأَشَارَ إِلَى وَجه قَول أبي هَاشم، ورده بقوله (وادعاء جهتي التَّفْرِيع) لملك الْغَيْر بِالْخرُوجِ (وَالْغَصْب) بمروره فِي ملك الْغَيْر (فيتعلقان) أَي الْأَمر وَالنَّهْي (بِهِ) أَي بِالْخرُوجِ، وَقَوله فيتعلقان مَعْطُوف على ادِّعَاء إِمَّا بِتَأْوِيل فِي جَانب الْمَعْطُوف عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ مُخْتَلف الْجِهَتَيْنِ فيتعلقان، أَو فِي جَانب الْمَعْطُوف: أَي فتعلقهما بِهِ، وَخبر الْمُبْتَدَأ (يلْزمه) أَي الادعاء المستعقب للتعلق (عدم إِمْكَان الِامْتِثَال) لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي، لِأَن جِهَة التَّفْرِيع لَا تنفك عَن جِهَة الْغَصْب، وَحِينَئِذٍ (فتكليف بالمحال) إِذْ مَعْنَاهُ طلب الْخُرُوج وَعَدَمه (بِخِلَاف صَلَاة الْغَصْب فَإِنَّهُ يُمكن) الِامْتِثَال لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي فِيهَا لِإِمْكَان انفكاك جهتيهما فِيهَا كَمَا تقدم.
مسئلة
(اخْتلف فِي لفظ الْمَأْمُور بِهِ فِي الْمَنْدُوب) أَي فِي أَن تَسْمِيَته بِهِ حَقِيقَة أَو مجَاز (قيل) كَمَا فِي الشَّرْح العضدي نقلا (عَن الْمُحَقِّقين) أَن تَسْمِيَته بِهِ (حَقِيقَة، و) قَالَ (الْحَنَفِيَّة وَجمع من الشَّافِعِيَّة مجَاز، وَيجب كَون مُرَاد الْمُثبت) للْحَقِيقَة (أَن الصِّيغَة) أَي صِيغَة الْأَمر (فِي النّدب يُطلق
стр. 608
عَلَيْهَا لفظ أَمر حَقِيقَة بِنَاء على عرف النُّحَاة فِي أَن الْأَمر) يَعْنِي أَمر اسْم (للصيغة الْمُقَابلَة لصيغة الْمَاضِي وأخيه) أَي وَصِيغَة الْمُضَارع حَال كَون الصِّيغَة الْمَذْكُورَة صفة لمتعلقه (مستعملة فِي الْإِيجَاب أَو غَيره) كالندب وَالْإِبَاحَة (فتعلقه) أَي مُتَعَلق الْأَمر الَّذِي هُوَ إِبَاحَة عَن الصِّيغَة الْمَذْكُورَة (الْمَنْدُوب) صفة لمتعلقه وَخَبره (مَأْمُور بِهِ حَقِيقَة) إِذْ قد عرفت أَن مبدأ الِاشْتِقَاق وَهُوَ الْأَمر حَقِيقَة فِي الصِّيغَة المستعملة فِي النّدب، فالندب أَمر وَمن ضَرُورَته كَون الْفِعْل الْمَنْدُوب مَأْمُورا بِهِ حَقِيقَة فَإِن قلت لَا نسلم أَنه يلْزم من كَون صِيغَة النّدب مُسَمّى بِلَفْظ أَمر كَون مُتَعَلق مَدْلُول الصِّيغَة مَأْمُورا بِهِ فَالْجَوَاب أَن المُرَاد بالمأمور بِهِ مَا تعلق بِهِ مَدْلُول الْأَمر بِهِ بِحَسب الِاصْطِلَاح (والنافي) للحنفية بنى نَفْيه (على مَا ثَبت) من (أَن الْأَمر خَاص فِي الْوُجُوب وَالْمرَاد بِهِ) أَي بِالْأَمر الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خَاص (فِي الصِّيغَة) كافعل ونظائره فَإِن قلت إِذا لَا خلاف إِذا مُرَاد الْمُثبت أَن لفظ الْأَمر حَقِيقَة فِي النّدب وَغَيره على عرف النُّحَاة، وَمُرَاد النَّافِي أَن صِيغَة افْعَل كصم وصل حَقِيقَة فِي الْوُجُوب مجَاز فِي النّدب لَا أَن لفظ الْأَمر مجَاز فِي صِيغَة النّدب، وَقَوله (وَهُوَ) أَي نفي الْحَنَفِيَّة (أوجه) يدل على الْخلاف كَمَا أَن قَوْله اخْتلف الخ صَرِيح فِيهِ قلت الَّذِي يَقُول أَن صِيغَة افْعَل خَاص فِي الْوُجُوب يَقُول أَن لفظ أَمر أَيْضا مَخْصُوص بالصيغة الْمَخْصُوصَة بِالْوُجُوب وَلَا يُطلق عِنْده لفظ الْأَمر على الصِّيغَة المستعملة فِي النّدب حَقِيقَة فَلَيْسَ الْمَنْدُوب عِنْده مَأْمُورا بِهِ ثمَّ بَين كَونه أوجبه بقوله (لابتنائه) أَي النَّفْي على الأَصْل (الثَّابِت لُغَة) وَهُوَ أَن لفظ الْأَمر خَاص بالصيغة المستعملة فِي الْوُجُوب، ومدار الْأَحْكَام المستنبطة من الْكتاب وَالسّنة على اللُّغَة (وابتناء الأول) وَهُوَ أَن الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ حَقِيقَة (على الِاصْطِلَاح) للنحاة وَهُوَ أَن الصِّيغَة لما هُوَ أَعم من الْوُجُوب (واستدلال الْمُثبت بِإِجْمَاع أهل اللُّغَة على انقسام الْأَمر إِلَى أَمر إِيجَاب وَأمر ندب) لَا يَصح على إِرَادَة ظَاهره (إِنَّمَا يَصح على إِرَادَة أهل الِاصْطِلَاح من النُّحَاة) لأهل اللُّغَة لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة (لِأَن مَا ثَبت من أَن الْأَمر خَاص فِي الْوُجُوب) على مَا مر من قبل النَّافِي (حكم اللُّغَة) فَكيف يتَصَوَّر إِجْمَاع أَهلهَا على خِلَافه، ثمَّ استدلالهم الْمَذْكُور بِاعْتِبَار ابتنائه على الِاصْطِلَاح (كاستدلالهم بِأَن فعله) أَي الْمَنْدُوب (طَاعَة وَهِي) أَي الطَّاعَة (فعل الْمَأْمُور بِهِ) وَفسّر الطَّاعَة فِي الْمَأْمُور بِهِ بقوله (أَي) فعل (مَا يُطلق عَلَيْهِ الْمَأْمُور) بِهِ (فِي الِاصْطِلَاح) النَّحْوِيّ فَقَوله فعل مصدر مَبْنِيّ للْفَاعِل وَمَا يُطلق عَلَيْهِ عبارَة عَن الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ كَسَائِر أَفعَال الْمُكَلّفين مِمَّا يَفْعَلُونَهُ لقصد الْقرْبَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَادهم ذَلِك بل مَا يُطلق عَلَيْهِ فِي للغة (فعين النزاع) أى فَالْمُرَاد حِينَئِذٍ عين المنازع، إِذْ الْخصم لَا يسْتَلْزم أَن كل طَاعَة يُطلق عَلَيْهَا لفظ الْمَأْمُور بِهِ حَقِيقَة بل يُطلق على الْوَاجِبَة فَقَط (مَعَ أَنه) أَي هَذَا الِاسْتِدْلَال إِنَّمَا يتمشى (على تَقْدِير
стр. 609
اصْطِلَاح فِي الطَّاعَة) وَهُوَ أَن الطَّاعَة فعل الْمَأْمُور بِهِ مُطلقًا (وَهُوَ) أَي هَذَا الِاصْطِلَاح فِيهَا (مُنْتَفٍ للْقطع بِعَدَمِ تَسْمِيَة فعل المهدد عَلَيْهِ طَاعَة لأحد) أَي لَا يُقَال للْفِعْل الَّذِي تعلق بِهِ افْعَل على سَبِيل التهديد أَنه طَاعَة إِذا فعله المهدد عَلَيْهِ بل وَلَا يُقَال أَنه مَأْمُور بِهِ وَلَا أَنه أَمر بذلك الْفِعْل مَعَ صدق الْأَمر اصْطِلَاحا نحويا على صيغته وَاللَّازِم بَاطِل، وَقَوله لأحد إِمَّا صلَة طَاعَة وَإِمَّا مُتَعَلق بِتَسْمِيَة (وَإِلَّا) رُجُوع إِلَى أول الْبَحْث، وَالْمعْنَى وَإِن لم يكن مُرَاد الْمُثبت أَن الصِّيغَة فِي النّدب يُطلق عَلَيْهَا لفظ أَمر حَقِيقَة بِنَاء على عرف النُّحَاة بل على اللُّغَة (فَإِنَّمَا يَصح) كَونه مَأْمُورا بِهِ حَقِيقَة بِحَسب اللُّغَة بِنَاء (على أَن الصِّيغَة) الَّتِي هِيَ مُسَمّى لفظ أَمر (حَقِيقَة فِي النّدب مُشْتَركا) بَينه وَبَين الْإِيجَاب (أَو خَاصّا) للنَّدْب كَمَا هُوَ قَول الْبَعْض (وهم) أَي المثبتون (ينفونه) أَي كَونهَا مُشْتَركَة أَو خَاصَّة فِيهِ ويجعلونها حَقِيقَة فِي الْوُجُوب خَاصَّة فَلَا يكون الْمَنْدُوب مَأْمُورا بِهِ حَقِيقَة، وَحِينَئِذٍ (فاستدلال النَّافِي بِأَنَّهُ) أَي الْمَنْدُوب (لَو كَانَ مَأْمُورا) بِهِ (أَي حَقِيقَة لَكَانَ تَركه مَعْصِيّة) لما ثَبت أَن تَارِك الْمَأْمُور بِهِ عَاص (وَلما صَحَّ) قَوْله ﷺ " (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ) عِنْد كل وضوء " كَمَا فِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة أَو عِنْد كل صَلَاة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لِأَن النَّبِي ﷺ ندبهم إِلَى السِّوَاك، ثمَّ قَوْله اسْتِدْلَال النَّافِي مُبْتَدأ خبر (زِيَادَة) مِنْهُ غَيره مُحْتَاج إِلَيْهَا لتَمام الْمَطْلُوب بِمَا تقدم (وتأويله) لفظ الْأَمر فِي الحَدِيث وَمَا قبله (بِحمْلِهِ) أَي الْأَمر (على قسم خَاص هُوَ أَمر الْإِيجَاب) كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَغَيره مُخَالفَة للظَّاهِر (بِلَا دَلِيل، وَقَوْلهمْ) أَي المثبتين أَنه يُصَار إِلَى التَّأْوِيل الْمَذْكُور (لدليلنا) مَدْفُوع لِأَنَّهُ (ظهر أَنه) أَي دليلهم (لم يتم) حِينَئِذٍ فأخف الْأَمريْنِ على المثلين جعل الْخلاف لفظيا فالمثبت: يَعْنِي الِاصْطِلَاح النَّحْوِيّ وَلَا يُنكره النَّافِي، والنافي: يَعْنِي اللُّغَة وَلَا يَنْفِيه الْمُثبت، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَمثل هَذِه) الخلافية (فِي اللفظية) أَي فِي كَونهَا لفظية (الْخلاف فِي أَن الْمَنْدُوب مُكَلّف بِهِ، وَالصَّحِيح) الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور (عَدمه) أَي عدم كَونه مُكَلّفا بِهِ (خلافًا للأستاذ) أبي إِسْحَاق الاسفرايني وَالْقَاضِي، وَإِنَّمَا جعلنَا الْخلاف لفظيا (لدفع بعده) أَي بعد جعله معنويا: إِذْ يبعد من الْأُسْتَاذ وَغَيره اعْتِبَار التَّكْلِيف فِيهِ: إِذْ التَّكْلِيف إِلْزَام مَا فِيهِ مشقة وكلفة فيؤول كَلَامه (بِأَن المُرَاد) بقوله النّدب تَكْلِيف (إِيجَاب اعْتِقَاده) أَي اعْتِقَاد كَونه مَنْدُوبًا، وَإِن كَانَ التَّأْوِيل أَيْضا بَعيدا، لِأَن النّدب حكم وَوُجُوب الِاعْتِقَاد حكم آخر لكنه أخف من الأول، وَقيل كَون الْخلاف لفظيا بِاعْتِبَار تَفْسِير التَّكْلِيف، فَمن فسره بالإلزام الْمَذْكُور نَفَاهُ عَن الْمَنْدُوب، وَمن فسره بِطَلَب مَا فِيهِ كلفه أثْبته لَهُ وَالْمُصَنّف ذهب إِلَى الأول فَلَزِمَهُ كَون الْمُبَاح أَيْضا مُكَلّفا بِهِ من حَيْثُ الِاعْتِقَاد، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِلَّا أَن الْمُبَاح حِينَئِذٍ) أَي حِين يُرَاد بِكَوْنِهِ تكليفا إِيجَاب اعْتِقَاد ندبيته (تَكْلِيف) أَيْضا
стр. 610
لوُجُوب اعْتِقَاد إِبَاحَته (وَبِه) أَي بِكَوْن الْإِبَاحَة تكليفا (قَالَ) الْأُسْتَاذ (أَيْضا) وَمن سواهُ على أَنه لَيْسَ بتكليف (وَمثلهمَا) أَي الْمَنْدُوب والمباح من حَيْثُ الْخلاف فِي تعلق الْأَمر حَقِيقَة أَو مجَازًا وَفِي التَّكْلِيف، وَفِي كَون الْخلاف لفظيا (الْمَكْرُوه) فَهُوَ (مَنْهِيّ) عَنهُ (أَي اصْطِلَاحا) نحويا (وَحَقِيقَة مجَازًا لُغَة) لِأَن النَّهْي فِي الِاصْطِلَاح يُقَال على لَا تفعل استعلاء سَوَاء كَانَ على سَبِيل الحتم أَولا أما فِي اللُّغَة فَلَا يُقَال حَقِيقَة نهي عَن كَذَا إِلَّا إِذا منع عَنهُ، فالقائل حَقِيقَة يُرِيد الِاصْطِلَاح، وَالْقَائِل مجَاز يُرِيد اللُّغَة (وَأَنه) أَي الْمَكْرُوه (لَيْسَ تكليفا) عِنْد الْجُمْهُور لِأَنَّهُ لَيْسَ إِلْزَام مَا فِيهِ كلفة وتكليف عِنْد الْأُسْتَاذ (وَفِيهِمَا) أَي فِي مسئلتي الْمَكْرُوه هَاتين (مَا فيهمَا) أَي فِي مسئلتي الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ وَالْمَنْدُوب والمباح يُكَلف بهما (وَالْمرَاد) بالمكروه الْمَكْرُوه (تَنْزِيها) لِأَن الْمَكْرُوه تَحْرِيمًا لَا خلاف فِي أَنه تَكْلِيف (وَيُطلق) الْمَكْرُوه (على الْحَرَام و) على (خلاف الأولى مِمَّا لَا صِيغَة) نهى (فِيهِ) كَتَرْكِ الضُّحَى، وَهَذَا إِذا فرق بَين التنزيهية وَخلاف الأولى (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يفرق بَينهمَا نظر إِلَى الْمَآل (فالتنزيهية مرجعها إِلَيْهِ) أَي إِلَى خلاف الأولى، إِذْ حاصلها مَا تَركه أولى، والتفرقة مُجَرّد اصْطِلَاح (وَكَذَا يُطلق الْمُبَاح على مُتَعَلق) الْإِبَاحَة (الْأَصْلِيَّة) الَّتِي هِيَ عدم الْمُؤَاخَذَة بِالْفِعْلِ وَالتّرْك لما هُوَ من الْمَنَافِع لعدم ظُهُور تعلق الْخطاب (كَمَا) يُطلق الْمُبَاح أَيْضا (على مُتَعَلق خطاب الشَّارِع تخييرا، وَكِلَاهُمَا) أَي المتعلقين إِنَّمَا يعرفان (بعد الشَّرْع على مَا تقدم) فِي آخر المسئلة الثَّانِيَة من مسئلتي التنزل (أما الْمُعْتَزلَة فأعم من ذَلِك) أَي فالمباح عِنْدهم يُطلق على مَا هُوَ أَعم من مُتَعَلق الْأَصْلِيَّة والشرعية (والعقلية) إِذْ متعلقها عِنْدهم الْأَفْعَال الاخيتارية الَّتِي يدْرك الْعقل عدم اشتمالها على الْمصلحَة والمفسدة وَلم يتَعَلَّق بهَا خطاب لحكم الْعقل بِعَدَمِ الْحَرج فِي فعلهَا وَتركهَا (وَأما من جعله) أَي جَوَاز إِطْلَاق الْمُبَاح شرعا على مُتَعَلق غير الشَّرْعِيَّة وَهُوَ انْتِفَاء الْحَرج فِي الْفِعْل وَالتّرْك وَعدم جَوَاز ذَلِك (خلافًا فِي أَن لفظ الْمُبَاح هَل يُطلق فِي لِسَان الشَّرْع على غير ذَلِك) أَي غير مُتَعَلق خطاب الشَّارِع تخييرا. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: الْكَلَام فِي أَن الْمُبَاح عِنْد بعض الْمُعْتَزلَة مَا انْتَفَى الْحَرج فِي فعله وَتَركه، وَعِنْدنَا مَا تعلق خطاب الشَّارِع بذلك بِهِ (فَلَا حَاصِل لَهُ لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ الشَّارِع فَلَا يعرف لَهُ) أَي الشَّارِع (اصْطِلَاح فِي الْمُبَاح أَو) أَرَادَ (أهل الِاصْطِلَاح الفقهي فَلَا خلاف برهانيا) بل هُوَ حِينَئِذٍ لَفْظِي مَبْنِيّ على الاصلاحى (ويرادف الْمُبَاح الْجَائِز وَيزِيد) عَلَيْهِ فِي الْإِطْلَاق (بِإِطْلَاقِهِ) أَي الْجَائِز (على مَا لَا يمْتَنع شرعا وَلَو) كَانَ ذَلِك (وَاجِبا ومكروها) أَي أَو مَكْرُوها فيطلق على الْمَنْدُوب والمباح بطرِيق أولى (و) على مَا لَا يمْتَنع (عقلا) وَهُوَ الْمُمكن الْعَام سَوَاء كَانَ (وَاجِبا أَو راجحا أَو قسيميه) أَي الرَّاجِح وهما الْمَرْجُوح
стр. 611
والمساوي، وَهَذَا أَعم من الأول مُطلقًا وَمن الثَّانِي من وَجه (كَمَا يُقَال الْمَشْكُوك على الموهوم)
مسئلة
(نفي الكعبي الْمُبَاح خلافًا لِلْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ) أَي الْمُبَاح (ترك حرَام) فَإِن السُّكُوت ترك للقذف، وَالسُّكُوت ترك للْقَتْل (وَتَركه) أَي الْحَرَام (وَاجِب وَلَو) كَانَ (وَاجِبا مُخَيّرا) فِيهِ بَين أَن يَأْتِي بِوَاجِب وَغير وَاجِب كالمندوب وَالْمَكْرُوه تَنْزِيها، فَإِذا اخْتَار أَي وَاحِد مِنْهَا كَانَ وَاجِبا لكَونه ترك حرَام (فَانْدفع) بقوله وَلَو مُخَيّرا (منع تعين الْمُبَاح) على رَأْي الْجُمْهُور (للترك) لِلْحَرَامِ (لجوازه) أَي ترك الْحَرَام (بِوَاجِب) وَلَا يضر كَون الْوَاجِب الْمُخَير مُبْهما لما عرفت من خِصَال الْكَفَّارَة (ويورد) على الكعبي أَنه (لَيْسَ تَركه) أَي الْحَرَام (عين فعل الْمُبَاح) غَايَته أَنه لَا يحصل إِلَّا بِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِح (وَأجَاب) الكعبي (بِأَن) هَذَا لَا يضر فَإِن (مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب) وَيرد عَلَيْهِ أَنه لَا نسلم أَنه لَا يتم الْوَاجِب الَّذِي هُوَ ترك الْحَرَام إِلَّا بِهِ لجَوَاز أَن يتَحَقَّق فِي ضمن وَاجِب أَو مَكْرُوه فَتَأمل (وَأورد) على هَذَا الدَّلِيل (أَنه مصادمة الْإِجْمَاع على انقسام الْفِعْل إِلَيْهِ) أَي الْمُبَاح (وباقيها) أَي أقسامها من الْوَاجِب وَالْحرَام وَالْمَكْرُوه وَالْمَنْدُوب فَلَا يسمع (فَأجَاب) الكعبي (بِوُجُوب تَأْوِيله) أَي الْإِجْمَاع على انقسام الْفِعْل فَإِنَّهُ منقسم إِلَيْهَا (بِاعْتِبَارِهِ) أَي انفعل (فِي ذَاته) أَي مَعَ قطع النّظر عَمَّا يستلزمه من كَونه يحصل بِهِ ترك حرَام (لَا بملاحظة مَا يلْزمه) أَي الْفِعْل من كَونه يحصل بِهِ ترك حرَام، وَإِنَّمَا أوّلناه (لقطعية دليلنا) الْمَذْكُور جمعا بَينه وَبَين الدَّلِيل الْقطعِي بِقدر الْإِمْكَان إِذْ الأَصْل فِي الْأَدِلَّة الْأَعْمَال لَا الإهمال (وَيتَعَيَّن كَونه) أَي هَذَا التَّأْوِيل (مُرَاد الْقَائِلين بِوُجُوب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ) قَالَ الشَّارِح: قَالَ المُصَنّف ﵀: فَإِن قَوْلهم يَقْتَضِي وجوب مباحثات كَثِيرَة فَهُوَ يجر إِلَى مثل قَول الكعبي، فمرادهم أَن تِلْكَ الْمُقدمَات مُبَاحَة فِي ذَاتهَا وَلَكِن لَزِمَهَا الْوُجُوب لعَارض التَّوَصُّل إِلَى الْوَاجِب بهَا (فَإِن لُزُوم وجوب الْمعْصِيَة مُخَيّرا) مَا ذكره الكعبي إِسْنَاده إِلَى نقض إجمالي تَقْرِيره لَو صَحَّ مَا ذكره الكعبي لزم كَون الْمحرم إِذا ترك بِهِ محرما آخر: كاللواطة إِذا ترك بهَا الزِّنَا وَاجِبا. لِأَن هَذَا الْمحرم يتَحَقَّق بِهِ ترك الْحَرَام (فقد ذكر جَوَابه) وَهُوَ مَا ذكره فِي إِلْزَام حرق الْإِجْمَاع وَحَاصِله الْتِزَام كَونه حَرَامًا فِي نَفسه وَاجِبا لكَونه تركا للْمحرمِ (وَجَوَاب الْأَخيرينِ) أَي قَول الكعبي إِنَّمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب فِي جَوَاب قَول الْجُمْهُور لَيْسَ تَركه عين فعل الْمُبَاح وتأويله فِي مُقَابلَة إيرادهم عَلَيْهِ مصادمة الْإِجْمَاع (منع أَن مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ) فَهُوَ (وَاجِب) أما كَونه جَوَابا عَن الأول فَظَاهر، وَأما عَن التَّأْوِيل فَلِأَن المحوج إِلَيْهِ وجوب مَا لَا يتم
стр. 612
الْوَاجِب إِلَّا بِهِ (واقتصارهم) أَي الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين مِنْهُم على هَذَا الْمَنْع متجاوزين فِي الِاقْتِصَار (عَن آخِرهم) وَهَذَا على سَبِيل الْمُبَالغَة إِذْ لَا يُمكن التجاوز عَن الآخر، أَو الْمَعْنى عَن آخِرهم إِلَى أَوَّلهمْ بِجعْل الآخر ابْتِدَاء السلسلة من حَيْثُ التصاعد (يُنَادي بِانْتِفَاء دَفعه) أَي دفع قَول الكعبي (إِلَّا للنافي) كَون مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَاجِبا (وَلَيْسَ) هَذَا النَّفْي هُوَ (الْمَذْهَب الْحق) للفقهاء والمحدثين وَغَيرهم (وَلَا مخلص لأَهله) أَي الْحق عَن الكعبي فيلزمهم نفي الْمُبَاح رَأْسا (وَهُوَ) أَي الدّفع لقَوْل الكعبي (أقرب إِلَيْك مِنْك) هَذَا كِنَايَة عَن كَمَال الظُّهُور، إِذْ لَا يُمكن أَن يكون غير نفي الشَّيْء أقرب مِنْهُ إِلَيْهِ (لانكشاف منع أَن كل مُبَاح ترك حرَام، بل لَا شَيْء مِنْهُ) أَي من الْمُبَاح (إِيَّاه) أَي ترك حرَام (وَلَا يستلزمه) أَي الْمُبَاح ترك الْحَرَام (للْقطع بِأَن التّرْك: وَهُوَ كف النَّفس عَن الْفِعْل فرع خطوره) أَي الْفِعْل (و) فرع (دَاعِيَة النَّفس لَهُ) أَي للْفِعْل (و) نَحن (نقطع بِإِسْكَان سَائِر الْجَوَارِح) أَي جَمِيعهَا (وفعلها) أَي الْجَوَارِح مَعْطُوف على إسكان حَال كَون كل من الإسكان وَالْفِعْل (لَا عَن دَاعِيَة فعل مَعْصِيّة تركا لَهَا) أَي للمعصية حَال متداخلة من الضَّمِير المستكن فِي الْحَال الأول رَاجع إِلَى الإسكان وَالْفِعْل (بذلك) مُتَعَلق بتقطع: أَي بخطور الْفِعْل وداعية النَّفس لَهُ تَوْضِيحه أَن التّرْك الَّذِي هُوَ كف النَّفس عَن فعل الْمعْصِيَة تَارَة يتَحَقَّق بِفعل الْجَوَارِح بِأَن يشغلها بِفعل آخر عَنْهَا، والمباح أَيْضا تَارَة يتَحَقَّق بإسكانها وَتارَة بتحريكها وفعلها فيوهم أَن الْمُبَاح هُوَ التّرْك الْمَذْكُور، وَإِذا وجد شَيْء من إسكانها وفعلها وَلم يكن صدوره مسببا عَن دَاعِيَة فعل الْمعْصِيَة بِأَن يكون الْمَقْصُود مِنْهُ تَركهَا دلنا إِلَى الْقطع بصدوره لَا عَن تِلْكَ الداعية لعدم سبق خطور فعل الْمعْصِيَة وداعية النَّفس لَهَا، فكم من مُبَاح يتَحَقَّق وَلَيْسَ هُنَاكَ التّرْك الْمَذْكُور قطعا فَلَا يستلزمه (وَعند تحققها) أَي دَاعِيَة الْمعْصِيَة (فالكف) للنَّفس عَن فعلهَا (وَاجِب ابْتِدَاء) لَا ثَانِيًا بِحَسب تَحْرِيم الْمحرم الَّذِي هُوَ الْكَفّ تركا (يُثبتهُ) أَي وجوب هَذَا الْوَاجِب ابْتِدَاء فَاعله الدَّلِيل فِي قَوْله (بِمَا قَامَ بأطلاقه الدَّلِيل) الْجَار الأول مُتَعَلق بالإثبات، وَالثَّانِي بِالْقيامِ: يَعْنِي إثْبَاته الْوُجُوب بِسَبَب معنى قَائِم بِإِطْلَاقِهِ وَهُوَ عُمُومه وشموله لُزُوم الْكَفّ عَن كل دَاعِيَة مَعْصِيّة، وَيجوز أَن يكون ضمير الْمَوْصُول محذوفا وَالتَّقْدِير بِمَا قَامَ بِهِ وَيكون قَوْله بِإِطْلَاقِهِ بَدَلا عَن قَوْله بِمَا قَامَ بِهِ.
مسئلة
(قيل الْمُبَاح جنس الْوَاجِب) إِذْ الْمُبَاح مَا أذن فِي فعله، وَالْإِذْن جُزْء حَقِيقَة الْوَاجِب لاخْتِصَاص الْوَاجِب بِقَيْد زَائِد لِأَنَّهُ مَا أذن فِي فعله لَا فِي تَركه (وَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل (غلط، بل) الْمُبَاح
стр. 613
(قسيمة) أَي الْوَاجِب (مندرج مَعَه) أَي مَعَ الْوَاجِب (تَحت رجنسهما إِطْلَاق الْفِعْل) عطف بَيَان لجنسهما، وَهُوَ إِذن فِي الْفِعْل غير مُقَيّد بِالْإِذْنِ فِي التّرْك وَعَدَمه (لمبيانته) أَي الْمُبَاح للْوَاجِب (بفصله) أَي الْمُبَاح (إِطْلَاق التّرْك) فِيهِ كإطلاق الْفِعْل، إِذْ الْوَاجِب غير مُطلق التّرْك (وَتقدم) فِي مسئلة لاشك فِي تبادر كَون الصِّيغَة فِي الْإِبَاحَة وَالنَّدْب مجَازًا (فِي) بحث (الْأَمر مَا يرشد إِلَيْهِ) أَي إِلَى كَونه مباينا لما قُلْنَا فَليرْجع إِلَيْهَا.
مَبْحَث الرُّخْصَة والعزيمة
(تَقْسِيم للحنفية: الحكم إِمَّا رخصَة وَهُوَ) أَي الرُّخْصَة (مَا) أَي حكم (شرع تَخْفِيفًا لحكم) آخر (مَعَ اعْتِبَار دَلِيله) أَي الحكم الآخر (قَائِم الحكم) لبَقَاء الْعَمَل بِهِ (لعذر خوف) فَوَات (النَّفس أَو الْعُضْو) وَلَو أُنْمُلَة، فَخرجت الْعَزِيمَة لِأَنَّهَا لم تشرع تَخْفِيفًا لحكم، بل شرعت ابْتِدَاء لَا بِعَارِض، وَمِنْهَا خِصَال الْكَفَّارَة الْمرتبَة وَالتَّيَمُّم عِنْد فقد المَاء (كإجراء الْمُكْره بذلك) مُتَعَلق بالمكره أَي بِمَا يحصل بِهِ خَوفه على نَفسه أَو عضوه (كلمة الْكفْر) على لِسَانه وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان، مفعول إِجْرَاء، (وجنايته) أَي الْمحرم الْمُكْره بذلك (على إِحْرَامه) سَوَاء كَانَت الْجِنَايَة الْإِفْسَاد أَو بِمَا يُوجب الدَّم كَمَا هُوَ الظَّاهِر من إِطْلَاقه (ورمضان) أَي وَجِنَايَة الصَّائِم فِي رَمَضَان صَحِيحا مُقيما مكْرها بذلك بالإفساد (وَترك الْخَائِف على نَفسه الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَالصَّلَاة) الْمَفْرُوضَة مَعْطُوف على الْأَمر (وَتَنَاول الْمُضْطَر مَال الْغَيْر) مَعْطُوف على إِجْرَاء (وَهُوَ) أَي هَذَا النَّوْع من الرُّخْصَة (أَحَق نوعيها) أَي أولاهما حَقِيقَة باسم الرُّخْصَة لقِيَام دَلِيل الْعَزِيمَة فِيهِ، وَقيام حكمه من غير دَلِيل دَال على تراخيه عَنهُ، وَكلما قوي جَانب الْعَزِيمَة قوي فِي جَانب خِلَافه معنى الرُّخْصَة المثبتة عَن كَونه معدولا إِلَيْهِ عَن الأَصْل للضَّرُورَة، وَحِينَئِذٍ (فالعزيمة) أَي الْعَمَل بالعزيمة (أولى) لما ذكر من قيام دليلها، وَبَقَاء حكمهَا من غير مُوجب للتراخي (وَلَو مَاتَ بِسَبَبِهَا) أَي الْعَزِيمَة فإمَّا قيام دَلِيل وجوب الْإِيمَان إِلَى آخِره فَلِأَنَّهُ قَطْعِيّ لَا يتَصَوَّر تراخي حكمه عَنهُ عقلا وَلَا شرعا فيدوم بدوامه، وَإِنَّمَا رخص فِي إِجْرَاء تِلْكَ الْكَلِمَة فِي تِلْكَ الْحَالة لِئَلَّا يفوت حَقه صُورَة وَمعنى بتخريب الْبدن، وزهوق الرّوح مَعَ أَن حق الله لَا يفوت معنى لاطمئنان الْقلب بِالْإِيمَان غير أَن الْعَزِيمَة أولى لما فِيهِ من رِعَايَة تَعْظِيم الله تَعَالَى صُورَة وَمعنى، وَحُصُول الشَّهَادَة، والْآثَار فِي هَذَا كَثِيرَة شهيرة، وعَلى هَذَا الْقيَاس قيام دَلِيل النَّافِي وَبَقَاء حكمه من غير تراخ، وأولوية الْعَزِيمَة فِيهِ على مَا تبين فِي مَحَله وَقَالُوا فِي حُرْمَة أكل الْميتَة وَلحم الْخِنْزِير، وَشرب الْخمر إِمَّا فِي حَالَة الِاخْتِيَار، وَإِمَّا فِي حَالَة الِاضْطِرَار فَهِيَ
стр. 614
على الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة حَتَّى قيل أَنه لَو لم يَأْكُل حَتَّى يَمُوت كَانَ آثِما (أَو) مَا شرع تَخْفِيفًا لحكم آخر مَعَ اعْتِبَار دَلِيله (متراخيا) حكمه (عَن محلهَا) أَي الرُّخْصَة (كفطر الْمُسَافِر) أَي كرخصة فطره وَالْمَرِيض فِي رَمَضَان، فَإِن دَلِيل وجوب صَوْمه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ - قَائِم، لَكِن تراخي حكمه عَن مَحل الرُّخْصَة، وَهُوَ السّفر وَالْمَرَض لقَوْله تَعَالَى - ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ -: وَقد يُقَال أَن قَوْله تَعَالَى " فليصمه " لَا يعم الْمُسَافِر بِقَرِينَة آخر الْكَلَام فَلَا يتَحَقَّق بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ دَلِيل مُتَأَخّر الحكم، وَيُجَاب بِأَنَّهُ يدل على أَنه لَوْلَا وجود عذره لَكَانَ مثل غَيره فِي طلب الصَّوْم، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار جعل دَلِيلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَيْضا غير أَنه متراخ الحكم (والعزيمة) فِي هَذَا النَّوْع (أولى مَا لم يستضر) بهَا نظرا إِلَى قيام السَّبَب، وَأما إِذا استضر فَلَا أَوْلَوِيَّة للعزيمة، وَقد روى عَنهُ ﷺ " هِيَ رخصَة من الله فَمن أَخذ بهَا فَحسن، وَمن أحب أَن يَصُوم فَلَا جنَاح عَلَيْهِ ". وَصَامَ ﷺ فِي السّفر أَيْضا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (فَإِن مَاتَ بهَا) أَي بالعزيمة (أَثم) لقَتله نَفسه بِلَا مُبِيح، فَمَا فِي صَحِيح مُسلم من أَن النَّبِي ﷺ خرج عَام الْفَتْح إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان حَتَّى بلغ كرَاع الغميم، ثمَّ دَعَا بقدح من مَاء فَشرب بِهِ، فَقيل لَهُ إِن بعض النَّاس قد صَامَ، فَقَالَ أُولَئِكَ العصاة مَحْمُول على أَنهم استضروا بِهِ بِدَلِيل مَا فِي لفظ لَهُ، فَقيل أَن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصَّوْم (والعزيمة ذَلِك الحكم) الْمعبر عَنهُ بقوله تَخْفِيفًا لحكم وَلَا يخفى أَن الْأَنْسَب ذكره قبل قَوْله، فالعزيمة أولى لكنه أَخّرهُ لما ذكر بعده مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ (فتقيد) الْعَزِيمَة (بِمُقَابلَة رخصَة، وَقد لَا تقيد) بمقابلتها (فَيُقَال) الْعَزِيمَة (مَا شرع ابْتِدَاء غير مُتَعَلق بالعوارض) فتعم مَا كَانَ فِي مُقَابلَة رخصَة وَمَا لم يكن (وتعرف الرُّخْصَة بِمَا تغير من عسر إِلَى يسر من الْأَحْكَام وَقسم كل) من الْعَزِيمَة الرُّخْصَة بِهَذَيْنِ الْمَعْنيين (أَرْبَعَة) من الْأَقْسَام فقسم (الْعَزِيمَة إِلَى فرض) وَهُوَ (مَا) أَي حكم (قطع بلزومه) مَأْخُوذ (من فرض) بِمَعْنى قطع (وواجب بِمَا) أَي حكم (ظن) لُزُومه، سمي وَاجِبا (لسُقُوط لُزُومه) أَي وُقُوعه (على الْمُكَلف بِلَا علم) لَهُ بِثُبُوتِهِ علما قَطْعِيا فَهُوَ مَأْخُوذ (من وَجب) بِمَعْنى (سقط) قَالَ تَعَالَى فِي الْهدى بعد النَّحْر - ﴿فَإِذا وَجَبت جنوبها﴾ -: أَي سَقَطت، وَيحْتَمل أَن تكون التَّسْمِيَة بِاعْتِبَار دَرَجَته عَن مرتبَة الْعلم غير أَنه لَا يلائم إِلَّا الْحَنَفِيَّة (و) قَالَ (الشَّافِعِيَّة) بل الْجُمْهُور الْفَرْض وَالْوَاجِب اسمان (مُتَرَادِفَانِ) لفعل مَطْلُوب جزما (وَلَا يُنكرُونَ) أَي الشَّافِعِيَّة (انقسام مَا لزم) فعله (إِلَى قَطْعِيّ) أَي ثَابت بِدَلِيل قَطْعِيّ دلَالَة وسندا (وظني) أَي ثَابت بِدَلِيل ظَنِّي دلَالَة وسندا (وَلَا) يُنكرُونَ (اخْتِلَاف حَالهمَا) أَي الْقطعِي والظني من حَيْثُ إِلَّا كفار لمنكره وَعَدَمه وَغير ذَلِك، وَإِنَّمَا النزاع فِي أَن الاسمين هَل هما لِمَعْنى وَاحِد يتَفَاوَت فِي بعض الْأَحْكَام بِالنّظرِ إِلَى طَرِيق
стр. 615
ثُبُوته أَو كل مِنْهُمَا لقسم مِنْهُ مُغَاير للْآخر بِاعْتِبَار طَريقَة (فَهُوَ) نزاع (لَفْظِي غير أَن إِفْرَاد كل قسم باسم أَنْفَع عِنْد الْوَضع) لموضوع المسئلة (للْحكم) عَلَيْهِ فَإنَّك حِينَئِذٍ تضع الْفَرْض مَوْضُوع مسئلة لتَحكم عَلَيْهِ بِمَا يُنَاسِبه وتضع الْوَاجِب كَذَلِك، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَا مترادفين فَإنَّك حِينَئِذٍ تحْتَاج إِلَى نصب قرينَة بِحَسب الْمَوَاضِع (وَإِلَى سنة) أَي (الطَّرِيقَة الدِّينِيَّة) المأثورة (مِنْهُ ﷺ أَو) الْخُلَفَاء (الرَّاشِدين) كلهم (أَو بَعضهم) الَّتِي يُطَالب الْمُكَلف بإقامتها من غير افتراض وَلَا وجوب، وَلم يذكر هَذَا الْقَيْد لظُهُوره بِقَرِينَة التقابل. وَعنهُ ﷺ " عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ ": حسنه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ. وَأخرجه ابْن مَاجَه وَأحمد وَأَبُو دَاوُد، وهم: أَبُو بكر، وَعمر وَعُثْمَان، وَعلي ﵃ كَمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ وَغَيره لما صَححهُ أَحْمد وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث سُفْيَان " الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة، ثمَّ تكون ملكا ". وَاحْتج بِهِ أَحْمد وَغَيره على خلافتهم فقد كَانَت مدتهم هَذِه إِلَّا سِتَّة أشهر مُدَّة الْحسن ابْن عَليّ ﵄ (وينقسم مُطلقهَا) أَي السّنة (إِلَى سنة هدى) وَهُوَ مَا يكون إِقَامَتهَا تكميلا للدّين، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَيرد عَلَيْهِ أَن مَا سَيَأْتِي من السّنَن الزَّوَائِد كثير مِنْهَا مَا يصدق عَلَيْهِ هَذَا التَّعْرِيف إِذا قصد بِهِ اتِّبَاعه ﷺ : اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال المنظور قَصده ﷺ وَهُوَ لم يقْصد بالزوائد ذَلِك (تاركها) بِلَا عذر (مضلل ملوم كالأذان) للمكتوبات على مَا ذهب إِلَيْهِ كثير من الْمَشَايِخ، وَذهب صَاحب الْبَدَائِع إِلَى وُجُوبه، وَمَال إِلَيْهِ المُصَنّف لمواظبته ﷺ عَلَيْهِ من غير ترك (وَالْجَمَاعَة) عَن ابْن مَسْعُود " من سره أَن يلقى الله غَدا فليحافظ على هَؤُلَاءِ الصَّلَوَات حَيْثُ يُنَادي بِهن، فَإِن الله تَعَالَى شرع لنبيكم سنَن الْهدى وانهن من سنَن الْهدى، وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم، وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ ". وَفِي رِوَايَة " أَن رَسُول الله ﷺ علمنَا سنَن الْهدى، وَأَن من سنَن الْهدى الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي يُؤذن فِيهِ ". رَوَاهُ مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن (وَإِنَّمَا يُقَاتل المجمعون على تَركهَا) أَي سنة الْهدى كَمَا قَالَ مُحَمَّد فِي أهل بَلْدَة تركُوا الْأَذَان وَالْإِقَامَة أمروا بهما فَإِن أَبَوا قوتلوا بِالسِّلَاحِ (للاستخفاف) لِأَن مَا كَانَ من إِعْلَام الدّين فالإصرار على تَركه استخفاف بِالدّينِ، فيقاتلون على ذَلِك، ذكره فِي الْمَبْسُوط، فَهَذَا الْقِتَال يدل على وجوب الْأَذَان كَمَا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم، وَيشكل على هَذَا قَوْله وَلَو تَركه وَاحِد ضَربته وحبسته. وَفِي شرح مُخْتَصر الْكَرْخِي عَنهُ أَنه قَالَ " لَو ترك أهل كورة سنة من سنَن رَسُول الله ﷺ لقاتلتهم عَلَيْهَا، وَلَو ترك رجل وَاحِد ضَربته وحبسته " لِأَن السّنة لَا يضْرب وَلَا يحبس عَلَيْهَا إِلَّا أَن يحمل على مَا إِذا كَانَ مصرا على التّرْك من غير عذر فَإِنَّهُ استخفاف كَمَا فِي الْجَمَاعَة المصرين
стр. 616
عَلَيْهِ من غير عذر، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَنه يحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى الْفرق بَين إِصْرَار الْكل وإصرار الْبَعْض حَيْثُ يُقَاتل فِي الأول، وَيضْرب وَيحبس فِي الثَّانِي فَلْيتَأَمَّل (وَقَول الشَّافِعِي مُطلقهَا) أَي السّنة إِذا أطلقها الصَّحَابِيّ أَو الْمُتَكَلّم بِلِسَان الشَّرْع (منصرف إِلَيْهِ) أَي إِلَى مسنونه ﷺ صَحِيح فِي عرف الْآن، وَالْكَلَام فِي عرف السّلف ليعْمَل بِهِ فِي نَحْو قَول الرَّاوِي) صحابيا كَانَ أَو غَيره (السّنة أَو من السّنة. وَكَانُوا) أَي السّلف (يطلقونها) أَي السّنة على (مَا ذكرنَا) أَي سنته ﷺ وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، فَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَليّ ﵁ فِي قصَّة جلد الْوَلِيد بن عقبَة من شرب الْخمر " لما أَمر الجلاد بالإمساك على الْأَرْبَعين " جلد النَّبِي ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بكر أَرْبَعِينَ، وَعمر ثَمَانِينَ، وكل سنة: وَهَذَا أحب إِلَيّ ". وَقَالَ مَالك: قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز " سنّ رَسُول الله ﷺ وولاة الْأَمر من بعده سننا الْأَخْذ بهَا اعتصام بِكِتَاب الله تَعَالَى، وَقُوَّة على دين الله تَعَالَى ". وَنقل عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَغَيره مَا يُوَافق الشَّافِعِي، ذكر الشَّارِح تَفْصِيله (وَإِلَى) سنَن (زَائِدَة كَمَا فِي أكله وقعوده ولبسه) ﷺ قَالُوا أَخذهَا حسن وَتركهَا لَا بَأْس بِهِ: أَي لَا يتَعَلَّق بِهِ كَرَاهَة وَلَا إساءة (وَإِلَى نفل) مَعْطُوف على قَوْله إِلَى فرض، وَهُوَ الْمَشْرُوع زِيَادَة على الْفَرَائِض والواجبات وَالسّنَن لنا لَا علينا (يُثَاب على فعله) لِأَنَّهُ عبَادَة (فَقَط) وَلَا يُعَاقب على تَركه (وَمِنْه) أَي النَّفْل الركعتان (الأخريان) من الرّبَاعِيّة (للْمُسَافِر) إِذْ يُثَاب على فعلهمَا غير أَنه يصير مسيئا بِتَأْخِير السَّلَام وَلَا يُعَاقب على تَركهمَا (فَلم ينوبا عَن سنة الظّهْر) على الصَّحِيح، لِأَن السّنة بالمواظبة، والمواظبة عَلَيْهَا مِنْهُ ﷺ بتحريمة مُبتَدأَة وَإِن لم يحْتَج إِلَى نِيَّة السّنة فِي وُقُوعهَا سنة على مَا هُوَ الْمُخْتَار، ثمَّ عطف على الأخريان (وَمَا تعلق بِهِ دَلِيل ندب يَخُصُّهُ، وَهُوَ الْمُسْتَحبّ وَالْمَنْدُوب) كالركعتين أَو الْأَرْبَع قبل الْعَصْر وَالسّنة بعد الْمغرب: كَذَا ذكره الشَّارِح. وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة: اخْتلف فِي الْأَفْضَل بعد رَكْعَتي الْفجْر. قَالَ الْحلْوانِي: رَكعَتَا الْمغرب، فَإِنَّهُ ﷺ لم يدعهما سفرا وَلَا حضرا، ثمَّ الَّتِي بعد الظّهْر لِأَنَّهَا سنة مُتَّفق عَلَيْهَا، وَقيل الَّتِي قبل الْعشَاء، وَالَّتِي قبل الظّهْر وَبعده وَبعد الْمغرب كلهَا سَوَاء (وَثُبُوت التَّخْيِير) شرعا (فِي ابْتِدَاء الْفِعْل) للنفل بَين التَّلَبُّس بِهِ، وَعدم التَّلَبُّس (لَا يسْتَلْزم عقلا وَلَا شرعا استمراره) أَي التَّخْيِير (بعده) أَي بعد الِابْتِدَاء والشروع فِيهِ (كَمَا قَالَ الشَّافِعِي) وَإِذا لم يستلزمه (فَجَاز الِاخْتِلَاف) بَين حالتيه: مَا قبل الشُّرُوع وَمَا بعده بِاعْتِبَار التَّخْيِير وَلُزُوم الْإِتْمَام (غير أَنه) أَي الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك (يتَوَقَّف على الدَّلِيل وَهُوَ) أَي الدَّلِيل (النَّهْي عَن إبِْطَال الْعَمَل) الثَّابِت بِنَصّ الْقُرْآن، وَالْقِيَاس على الْحَج النَّفْل (فَوَجَبَ الْإِتْمَام فَلَزِمَ الْقَضَاء بالإفساد، و) قسمت (الرُّخْصَة
стр. 617
إِلَى مَا ذكر) فِي أول التَّقْسِيم من الْقسمَيْنِ وَوصف أَولهمَا بِأَنَّهُ أَحَق نوعيها (و) إِلَى (مَا وضع عَنَّا من إصر) أَي حكم مغلظ شاق (كَانَ على من قبلنَا) من الْأُمَم (فَلم يشرع عندنَا) أَي فِي ملتنا أصلا تكريما لنبينا ﷺ وَرَحْمَة لنا (كقرض مَوضِع النَّجَاسَة) من الثَّوْب وَالْجَلد (وَأَدَاء الرّبع فِي الزَّكَاة) لتَعلق الْوُجُوب بِربع المَال، وَاشْتِرَاط قتل النَّفس فِي صِحَة التَّوْبَة، وَبت الْقَضَاء بِالْقصاصِ عمدا كَانَ الْقَتْل أَو خطأ، وإحراق الْغَنَائِم، وَتَحْرِيم الْعُرُوق فِي اللَّحْم، وَتَحْرِيم السبت وَتَحْرِيم الطَّيِّبَات بِسَبَب الذُّنُوب، وَأَن لَا يطهر من الْجَنَابَة وَالْحَدَث غير المَاء، وَكَون الْوَاجِب من الصَّلَاة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة خمسين، وَعدم جَوَازهَا فِي غير الْمَسْجِد، وَحُرْمَة الْجِمَاع بعد الْعَتَمَة فِي الصَّوْم وَالْأكل بعد النّوم فِيهِ. قَالَ الشَّارِح: وَكِتَابَة ذَنْب المذنب لَيْلًا على بَاب دَاره صباحا وَلَا يخفى أَنه مِمَّا نَحن فِيهِ (و) إِلَى (مَا) أَي حكم (سقط: أَي لم يجب مَعَ الْعذر مَعَ شرعيته فِي الْجُمْلَة) وَتسَمى رخصَة إِسْقَاط (وَهَذَانِ) يَعْنِي مَا وضع عَنَّا وَمَا سقط مَعَ الْعذر إِلَى آخِره جعلا قسمَيْنِ مِنْهَا (بِاعْتِبَار مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الرُّخْصَة) فَقَط سَوَاء كَانَ بطرِيق الْحَقِيقَة أَو الْمجَاز من غير اعْتِبَار حَقِيقَتهَا، وَهُوَ أَن يشرع تَخْفِيفًا لحكم مَعَ اعْتِبَار دَلِيله قَائِم الحكم لعذر، أَو متراخيا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا حَقِيقَتهَا كالقصر) للصَّلَاة الرّبَاعِيّة للْمُسَافِر، وَإِنَّمَا حكمنَا بِكَوْن الْقصر لَيْسَ فِيهِ حَقِيقَة الرُّخْصَة (لإِيجَاب السَّبَب الْأَرْبَع فِي غير الْمُسَافِر) فالسبب الْمُوجب للأربع، وَهُوَ النَّص الدَّال على وجوب الْأَرْبَع لَيْسَ فِي مَحل الْقصر (و) إِيجَاب السَّبَب (رَكْعَتَيْنِ فِيهِ) أَي فِي الْمُسَافِر، وَذَلِكَ (بِحَدِيث عَائِشَة) ﵂ فِي الصَّحِيحَيْنِ " فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فأقرت صَلَاة السّفر وزيدت فِي الْحَضَر (وَسُقُوط حُرْمَة الْخمر وَالْميتَة للْمُضْطَر) إِلَى شرب الْخمر وَأكل الْميتَة مَخَافَة الْهَلَاك على نَفسه من الْعَطش والجوع فَإِن دَلِيل الْحُرْمَة لم يقم فِي مَحل الرُّخْصَة، وَهُوَ الِاضْطِرَار (وَالْمكْره) على شرب الْخمر وَأكل الْميتَة بِالْقَتْلِ، وَقطع الْعُضْو فحرمتهما سَاقِطَة مَعَ عذر الِاضْطِرَار وَالْإِكْرَاه ثَابِتَة عِنْد عدمهما على مَا هُوَ ظَاهر الرِّوَايَة (للاستثناء) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿إِلَّا مَا اضطررتم﴾ - بعد قَوْله تَعَالَى - ﴿وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم﴾ - إِذْ الِاسْتِثْنَاء من الْحَظْر إِبَاحَة (فَتجب الرُّخْصَة) هَهُنَا كَمَا يجب شرب الْخمر وَأكل الْخِنْزِير لدفع الْهَلَاك (وَلَو مَاتَ للعزيمة) هَهُنَا بِأَن يمْتَنع عَن شرب الْخمر وَأكل الْميتَة عِنْد الِاضْطِرَار وَالْإِكْرَاه (أَثم) بإلقائه بِنَفسِهِ إِلَى التَّهْلُكَة من غير ملجئ، لَكِن هَذَا إِذا علم بِالْإِبَاحَةِ فِي حق هَذِه الْحَالة لخفاء انكشاف الْحُرْمَة، فيعذر بِالْجَهْلِ، وَلَا يَحْنَث بأكلها مُضْطَرّا إِذا حلف لَا يَأْكُل الْحَرَام، وَذهب كثير مِنْهُم أَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة إِلَى أَن الْحُرْمَة لَا ترْتَفع، بل إثمها يرْتَفع كَمَا فِي الْإِكْرَاه على الْكفْر فَلَا يَأْثَم بالامتناع، وَيحنث فِي الْحلف الْمَذْكُور، فعلى هَذَا يكون من الْقسم الأول لقَوْله
стр. 618
تَعَالَى - ﴿فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ - وَالْمَغْفِرَة إِنَّمَا تكون بعد الْإِثْم وَالْجَوَاب أَن الْمَغْفِرَة بِاعْتِبَار التَّنَاوُل الْمُقدر الزَّائِد على مَا لَا بُد مِنْهُ فِي بَقَاء المهجة: إِذْ يعسر على الْمُضْطَر رِعَايَة ذَلِك (وَمِنْه) أَي من هَذَا الْقسم الْأَخير من الرُّخْصَة (سُقُوط غسل الرجل مَعَ الْخُف) فِي مُدَّة الْمسْح، لِأَن استتار الْقدَم بالخف منع سرَايَة الْحَدث إِلَيْهَا، فوجوب الْغسْل الَّذِي هُوَ الْعَزِيمَة لَيْسَ فِي مَحل الرُّخْصَة، فَغسل الرجلَيْن فِي هَذِه الْحَالة سَاقِط وَالْمسح شرع ابْتَدَأَ تيسيرا، لِأَن الْغسْل يتَأَدَّى بِالْمَسْحِ (وَقَوْلهمْ) أَي جمَاعَة من الْحَنَفِيَّة فِي هَذِه المسئلة (الْأَخْذ بالعزيمة) وَهُوَ غسل الرجلَيْن (أولى) من الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ، وَهُوَ الْمسْح (مَعْنَاهُ إمَاطَة) أَي إِزَالَة (سَبَب الرُّخْصَة بالنزع للخف ليغسلهما أولى من عدمهَا وَالْمسح على الْخُف، هَذَا وَذكر الزَّيْلَعِيّ أَن كَون الْمسْح على الْخُف من هَذَا النَّوْع سَهْو، لِأَن من شَأْن هَذَا النَّوْع عدم بَقَاء مَشْرُوعِيَّة الْعَزِيمَة مَعَه، لَكِن الْغسْل مَشْرُوع وَإِن لم ينْزع الْخُف: وَلذَا يبطل مَسحه إِذا خَاضَ فِي المَاء وَدخل فِي الْخُف حَتَّى انغسل أَكثر رجلَيْهِ، وَكَذَا لَو تكلّف وَغسل رجلَيْهِ من غير نزع الْخُف أَجزَأَهُ عَن الْغسْل حَتَّى لَا يبطل بِانْقِضَاء الْمدَّة انْتهى قَوْله أَجزَأَهُ عَن الْغسْل أَي عَن الْغسْل بعد النزع، وَقَوله حَتَّى لَا يبطل إِلَى آخِره يرد عَلَيْهِ أَن الْغسْل لَا معنى لبطلانه أَيْضا لِأَنَّهُ اضمحل مَعَ وجود هَذَا الْغسْل: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتَوَهَّم لهَذَا الْغسْل مُدَّة كَمَا للمسح لَا يخفى مَا فِيهِ. وَقَالَ الشَّارِح، وَتعقبه المُصَنّف: بِأَن مبناه على صِحَة هَذَا الْفَرْع، وَهُوَ مَنْقُول فِي الفتاوي الظَّهِيرِيَّة، لَكِن فِي صِحَّته نظر فَإِن كلمتهم متفقة على أَن الْخُف اعْتبر شرعا مَانِعا سرَايَة الْحَدث إِلَى الْقدَم فَتبقى الْقدَم على طَهَارَتهَا، وَيحل الْحَدث بالخف فيزال بِالْمَسْحِ، وبنوا عَلَيْهِ منع الْمسْح للمقيم والمعذورين بعد الْوَقْت وَغير ذَلِك من الخلافيات، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن غسل الرجل فِي الْخُف وَعَدَمه سَوَاء إِذا لم يبتل بِهِ ظَاهر الْخُف فِي أَنه لم يزل بِهِ الْحَدث، لِأَنَّهُ غير مَحَله إِلَى قَوْله وَالْأَوْجه كَون الْأَجْزَاء إِذا خَاضَ النَّهر لابتلال الْخُف ثمَّ إِذا انْقَضتْ الْمدَّة إِنَّمَا لم يتَقَيَّد بهَا لحُصُول الْغسْل بالخوض، والنزع إِنَّمَا وَجب للْغسْل وَقد حصل انْتهى. ثمَّ ذكر رِوَايَات من الْكتب الْمُعْتَبرَة تفِيد مَا ذكره المُصَنّف: مِنْهَا مَا فِي فتاوي الإِمَام مُحَمَّد بن الْفضل لَا ينْتَقض مَسحه على كل حَال، لِأَن استتار الْقدَم بالخف يمْنَع سرَايَة الْحَدث إِلَى الرجل فَلَا يَقع هَذَا غسلا مُعْتَبرا فَلَا يُوجب بطلَان الْمسْح، وَمَا فِي المجتبي من أَنه لَا ينْتَقض وَإِن بلغ المَاء الرّكْبَة، ثمَّ ذكر أَن الَّذِي يظْهر لَهُ أَنه يجب عَلَيْهِ غسل رجلَيْهِ ثَانِيًا إِذا نزعهما وَانْقَضَت الْمدَّة وَهُوَ غير مُحدث، لِأَن عِنْد النزع أَو انْقِضَاء الْمدَّة يعْمل ذَلِك الْحَدث السَّابِق عمله فيسرى إِلَى الرجلَيْن فَيحْتَاج إِلَى مزيل لَهُ عَنْهُمَا حِينَئِذٍ للْإِجْمَاع على أَن المزيل لَا يظْهر عمله فِي حدث طَارِئ بعده، ثمَّ قَالَ فَلْيتَأَمَّل،
стр. 619
وَلَعَلَّ وَجه التَّأَمُّل أَن السَّرَايَة وَإِن تَأَخَّرت عَن الْغسْل الْمَذْكُور، لَكِن سَبَب السَّرَايَة سبقه، (و) من هَذَا الْقسم (السّلم) وَهُوَ بيع آجل بعاجل (سقط اشْتِرَاط ملك الْمَبِيع) فِيهِ مَعَ اشْتِرَاطه فِيمَا عداهُ من الْبياعَات إِجْمَاعًا. وَقد قَالَ ﷺ " وَلَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك ". وَقدم ﷺ الْمَدِينَة وهم يسلفون فِي الثِّمَار السّنة والسنتين، فَقَالَ: " من أسلف فِي تمر فليسلف فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم " تيسيرا وتخفيفا لِأَنَّهُ بيع المفاليس، فَكَانَ رخصَة مجَازًا لَا حَقِيقَة، لِأَن السَّبَب الْمحرم قد انْعَدم فِي حَقه شرعا (فَلَو لم يبع سلما وَتلف جوعا أَثم) لإلقائه بِنَفسِهِ إِلَى التَّهْلُكَة من غير ملجئ (وَاكْتفى) فِي صِحَة السّلم (بِالْعَجزِ التقديري عَن الْمَبِيع) بِأَن يكون الْمُسلم فِيهِ فِي ملكه وَلكنه مُسْتَحقّ الصّرْف إِلَى حَاجته، وَدَلِيل الْحَاجة إقدامه عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يرضى بأرخص الثمنين إِلَّا لحَاجَة (فَلم يشْتَرط عدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ) أَي لم يشْتَرط الْعَجز الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ أَن لَا يكون فِي ملكه حَقِيقَة (وَاقْتصر الشَّافِعِيَّة) فِي تَفْسِير الرُّخْصَة (على أَن مَا شرع من الْأَحْكَام لعذر مَعَ قيام الْمحرم لَوْلَا الْعذر رخصَة) أَي اكتفوا فِي تحقق حَقِيقَة الرُّخْصَة مُطلقًا بِمُجَرَّد وجود الْعذر الذى لولاه لتحَقّق قيام الْمحرم، فَلم يشترطوا قيام الْمحرم بِالْفِعْلِ فِي شَيْء من أَقسَام الرُّخْصَة وَقَالُوا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الحكم الْمَشْرُوع على الْوَجْه الْمَذْكُور (فعزيمة، وَمُقْتَضَاهُ) أَي هَذَا الِاقْتِصَار (انْتِفَاء التَّعَلُّق) أَي تعلق التَّحْرِيم (بقائم الْعذر) أَي بِالْفِعْلِ الَّذِي قَامَ عذره، لأَنهم اكتفوا بِمُجَرَّد كَونه بِحَيْثُ لَوْلَا عذره لَكَانَ حَرَامًا يَقْتَضِي القوانين الشَّرْعِيَّة، وَكَلمه لَوْلَا تدل على عدم الْحُرْمَة مَعَ وجود الْعذر (وَيَقْتَضِي) انْتِفَاء تعلق التَّحْرِيم بِمحل الرُّخْصَة (امْتنَاع صَبر الْمُكْره على الْكَلِمَة) أَي على إِجْرَاء كلمة الْكفْر على لِسَانه بِالْقَتْلِ أَو قطع الْعُضْو حَتَّى الْقَتْل أَو الْقطع بِأَن يمْتَنع عَن إجرائها حَتَّى يقتل أَو يقطع، فَقَوله حَتَّى غَايَة للصبر: وَذَلِكَ (لحُرْمَة) الْقطع بِهِ و (قتل النَّفس) أَي الرِّضَا بقتلها والتسبب لَهُ (بِلَا مُبِيح) إِذْ الْمَفْرُوض عدم تعلق الْحُرْمَة بإجرائها بِنَاء على اقتصارهم. وَفِي الشَّرْح العضدي دَلِيل الْحُرْمَة إِذا بَقِي مَعْمُولا بِهِ، وَكَانَ التَّخَلُّف عَنهُ لمَانع طَارِئ فِي حق الْمُكَلف لولاه لثبتت الْحُرْمَة فِي حَقه فَهُوَ الرُّخْصَة انْتهى. واستنبط الْأَبْهَرِيّ من هَذَا أَنه إِن لم يبْق مُكَلّفا عِنْد طرد الْعذر لَا رخصَة فِي حَقه، لِأَنَّهَا من الْأَحْكَام الَّتِي شَرط فِيهَا التَّكْلِيف: فَعدم تَحْرِيم مثل إِجْرَاء الْمُكْره كلمة الشّرك على لِسَانه، وإفطاره فِي رَمَضَان، وإتلافه مَال الْغَيْر لَيْسَ رخصَة، لِأَن الْإِكْرَاه الملجئ يمْنَع التَّكْلِيف.
(تَتِمَّة)
لهَذَا الْفَصْل (الصِّحَّة ترَتّب الْمَقْصُود من الْفِعْل عَلَيْهِ) أَي على الْفِعْل (فَفِي الْمُعَامَلَات)
стр. 620
الْمَقْصُود مِنْهُ (الْحل وَالْملك، وَفِي الْعِبَادَات المتكلمون) قَالُوا هِيَ (مُوَافقَة الْأَمر) أَي أَمر الشَّارِع، وَهُوَ أَن يكون (فعله مستجمعا مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ) من الشُّرُوط وَغَيرهَا (وَهُوَ) أَي فعله مستجمعا إِيَّاه (معنى الاجزاء، وَالْفُقَهَاء) قَالُوا (هما) أَي الصِّحَّة والاجزاء فِي الْعِبَادَات (اندفاع وجوب الْقَضَاء) تَفْسِير باللازم إِذْ الاندفاع وصف وجوب الْقَضَاء لَا الْفِعْل الْمَوْصُوف بِالصِّحَّةِ (فَفِيهِ) أَي الحكم الَّذِي هُوَ الصِّحَّة عِنْد الْفُقَهَاء (زِيَادَة قيد) عَلَيْهِ عِنْد الْمُتَكَلِّمين إِذْ حَاصله أَنه مُوَافقَة الْأَمر على وَجه ينْدَفع بِهِ الْقَضَاء، وَهَذَا التَّعْبِير أحسن من قَول بَعضهم كَون الْفِعْل مسْقطًا للْقَضَاء لِأَن الْقَضَاء فرع وجوب الْقَضَاء وَلم يجب (فَصَلَاة ظان الطَّهَارَة مَعَ عدمهَا) أَي الطَّهَارَة فِي نفس الْأَمر (صَحِيحَة ومجزئة على الأول) أَي قَول الْمُتَكَلِّمين أَن الْمُعْتَبر فِي الْمُوَافقَة لِلْأَمْرِ شرعا حُصُول الظَّن بهَا لِأَنَّهُ الَّذِي فِي الوسع (لَا الثَّانِي) أَي قَول الْفُقَهَاء لعدم اندفاع الْقَضَاء لِأَنَّهُ فِي معرض اللُّزُوم لاحْتِمَال ظُهُور بطلَان الظَّن، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والاتفاق على الْقَضَاء) أَي على وُجُوبه (عِنْد ظُهُوره) أَي عدم الطَّهَارَة (أَي أَن الاجزاء لَا يُوصف بِهِ وبعدمه إِلَّا محتملهما) أَي الاجزاء وَعَدَمه (من الْعِبَادَات) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج (بِخِلَاف الْمعرفَة) لله تَعَالَى لِأَنَّهَا لَا تحتملهما إِذْ لَيْسَ فيهمَا مَا يُطلق عَلَيْهِ الْمعرفَة وَهُوَ غير مجزئ لِأَنَّهُ إِذا وَصفه بِمَا لَا يَلِيق بِهِ يُسمى جهلا لَا معرفَة غير مجزية (وَقيل يُوصف بهما) أَي بالأجزاء وَعَدَمه مَا لَيْسَ بِعبَادة أَيْضا وَهُوَ (رد الْوَدِيعَة) مثلا (على الْمَالِك) حَال كَونه (مَحْجُورا) لسفه أَو جُنُون فيوصف بِعَدَمِ الْأَجْزَاء (و) حَال كَونه (غير مَحْجُور) فيوصف بالاجزاء (وَدفع) قَالَ الشَّارِح: الدَّافِع الاسنوي (بِأَنَّهُ) أَي ردهَا (لَيْسَ إِلَّا تَسْلِيمًا لمستحق التَّسْلِيم) يَعْنِي لَيْسَ رد الْوَدِيعَة مِمَّا يَقع على وَجْهَيْن مجزئ وَغير مجزئ، بل مِمَّا لَا يَقع إِلَّا على جِهَة وَاحِدَة وَهُوَ التَّسْلِيم لمستحق التَّسْلِيم فَإِن ردَّتْ إِلَى غَيره لَا يُقَال أَنه رد غير مجزئ، وَفِيه نظر (ثمَّ قيل مُقْتَضى) كَلَام (الْفُقَهَاء) أَن الاجزاء (لَا يخْتَص بِالْوَاجِبِ فَفِي حَدِيث الْأُضْحِية) عَن أبي بردة أَنه ذبح شَاة قبل الصَّلَاة فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ " لَا تجزى عَنْك " قَالَ عِنْدِي جزعة من الْمعز فَقَالَ النَّبِي ﷺ (تجزى إِلَى آخِره) أَي عَنْك وَلَا تجزى عَن أحد بعْدك، رَوَاهُ أَبُو حنيفَة وَهُوَ بِمَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، ثمَّ هَذَا بِنَاء على أَن الْأُضْحِية سنة كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (وَنظر فِيهِ) أَي فِي كَون ذَلِك مرضيا للفقهاء باستدلالهم: أَي الْفُقَهَاء (بِرِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ) مَرْفُوعا بِإِسْنَاد صَحِيح (لَا تجزى صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن على وُجُوبهَا) أَي أم الْقُرْآن فِي الصَّلَاة فَإِن الِاسْتِدْلَال بهَا على الْوُجُوب دَلِيل على أَن الاجزاء خَاص بِهِ: يَعْنِي لَو لم يكن الاجزاء مُخْتَصًّا بِالْوَاجِبِ لجَاز كَون عدم الاجزاء لفَوَات السّنة، وَلَك أَن تَقول الِاسْتِدْلَال بِاعْتِبَار عدم اجزاء الصَّلَاة، فَإِن مَعْنَاهَا لَا يجزى
стр. 621
عَمَّا يجب فِي ذمَّة الْمُكَلف، لَا بِاعْتِبَار نفس الاجزاء فَافْهَم (وَقَالُوا هُوَ) أَي هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ فِي الدّلَالَة على وُجُوبهَا (أدل من الصَّحِيحَيْنِ) أَي من لَفْظهمَا على وُجُوبهَا وَهُوَ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِأم الْكتاب لجَوَاز أَن يكون تَقْدِيره لَا صَلَاة كَامِلَة كَمَا يجوز أَن يكون التَّقْدِير لَا صَلَاة صَحِيحَة (و) باستدلالهم بِمَا (فِي حَدِيث الِاسْتِنْجَاء) عَن عَائِشَة ﵂ مَرْفُوعا " إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه بِثَلَاثَة أَحْجَار فليستطب بهَا (فَإِنَّهَا تجزى عَنهُ) على وجوب الِاسْتِنْجَاء (وَهَذَا) النّظر (يحول الدَّلِيل) الْمَذْكُور على أَن الاجزاء يُوصف بِهِ غير الْوَاجِب (اعتراضا عَلَيْهِم) أَي على الْفُقَهَاء، تَقْرِيره أَنكُمْ جعلتم الاجزاء دَلِيل الْوُجُوب وقلتم لَا وجوب للأضحية وَقدره من الشَّارِع اسْتِعْمَال الاجزاء فِيهَا (وَالصِّحَّة عمتهما) أَي الْعِبَادَات والمعاملات (كالفساد) فِي عُمُومه لَهما (وَهُوَ) أَي الْفساد (الْبطلَان) عِنْد الشَّافِعِيَّة (والحنيفة كَذَلِك) أَي يَقُولُونَ بِأَن الْفساد هُوَ الْبطلَان (فِي الْعِبَادَات) يتَحَقَّق (بِفَوَات ركن أَو شَرط) فالعبادة الْفَاسِدَة والباطلة بِمَا فَاتَ فِيهَا ركن أَو شَرط (وَقدمنَا مَا اخترناه من الزِّيَادَة فِي) مَبْحَث (النَّهْي) وَحَاصِله أَن كل فعل هُوَ من جنس الْعِبَادَات إِذا أَتَى بِهِ الْمُكَلف على وَجه مَنْهِيّ عَنهُ نهي تَحْرِيم فَهُوَ بَاطِل لِأَن بطلَان الْفِعْل عبارَة عَن كَونه بِحَيْثُ لَا يَتَرَتَّب الْمَقْصُود مِنْهُ، وَلما كَانَ الْمَقْصُود من الْعِبَادَة الثَّوَاب واندفاع الْعقَاب لَا غير كَانَ الْمنْهِي عَنهُ تَحْرِيمًا بَاطِلا لعدم ترَتّب الْمَقْصُود بِخِلَاف غير الْعِبَادَة، إِذْ لَا يسْتَلْزم عدم ترَتّب الثَّوَاب فِيهِ عدم ترَتّب مَقْصُود آخر كالملك وَالِانْتِفَاع، ومبني هَذَا الْكَلَام أَن الْمنْهِي تَحْرِيمًا لَا ثَوَاب لَهُ وَمَا ينْدَفع بِهِ الْعقَاب أما إِذا جَازَ ترَتّب الثَّوَاب عَلَيْهِ بِدُونِ الِانْتِفَاع الْمَذْكُور أَو عَكسه فَلَا يلْزم الْخُلُو عَن الْفَائِدَة، ثمَّ مُقْتَضى هَذَا بطلَان صَوْم يَوْم الْعِيد وَعدم وجوب الْقَضَاء بعد الشُّرُوع فِيهِ والإبطال، وَالْحَنَفِيَّة لَا يَقُولُونَ بِبُطْلَانِهِ وَإِن ألزموه بالإبطال وَالْقَضَاء بل يَقُولُونَ بِصِحَّتِهِ لَو صَامَهُ، وَقد علم بذلك أَن الْبَاطِل من الْعِبَادَة لَا يخص فَائت الرُّكْن وَالشّرط، بل كل مَا نهى عَنهُ تَحْرِيمًا بَاطِلا (وَفِي الْمُعَامَلَة) عِنْد الْحَنَفِيَّة (كَونهَا) أَي الْمُعَامَلَة (مترتب أَثَرهَا) مُبْتَدأ خَبره مترتب، وَالْجُمْلَة خبر الْكَوْن: أَي كَون الْمُعَامَلَة بِحَيْثُ يَتَرَتَّب عَلَيْهَا مَا هُوَ الْمَطْلُوب مِنْهَا شرعا حَال كَونهَا (مَطْلُوبَة التفاسح شرعا الْفساد وَغير مَطْلُوبه) التفاسخ شرعا (الصِّحَّة، وَعَدَمه) أَي عدم ترَتّب أَثَرهَا عَلَيْهَا (الْبطلَان) وَإِنَّمَا قَالُوا هَكَذَا (لثُبُوت الترتب) أَي ترَتّب أثر الْمُعَامَلَة عَلَيْهَا حَال كَونهَا (كَذَلِك) أَي مَطْلُوبَة التفاسخ (فِي الشَّرْع بِمَا قدمْنَاهُ) (فِي) مَبْحَث (النَّهْي) كَالْبيع الْفَاسِد إِذا اتَّصل بِهِ الْقَبْض (فَفرق) بَين الْمُعَامَلَات (بالأسماء) الْمَذْكُورَة فَمَا كَانَ مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ وَوَصفه سمي صَحِيحا لكَونه موصلا إِلَى تَمام الْمَقْصُود مَعَ سَلامَة الدّين وَمَا كَانَ مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ دون وَصفه سمي فَاسِدا كَمَا يُقَال: لؤلؤة فَاسِدَة: إِذا بَقِي أَصْلهَا وَذهب
стр. 622
بياضها ولمعانها، وَلحم فَاسد: إِذا نَتن وَلَكِن بَقِي صَالحا للغذاء، وَمَا لم يكن مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ لَا بوصفه سمى بَاطِلا كَمَا يُقَال لحم بَاطِل: إِذا صَار بِحَيْثُ لَا يبْقى لَهُ صَلَاحِية الْغذَاء (واستدلال مانعي اتصاف الْمَنْدُوب بالاجزاء) من الْفُقَهَاء (بِمَا فِي الِاسْتِنْجَاء) من الحَدِيث الْمَذْكُور إبْقَاء على وُجُوبه بِاعْتِبَار لفظ الاجزاء (قد يمْنَع) كَون المُرَاد بالاجزاء الْمَذْكُور فِيهِ الاجزاء عَن الْوَاجِب (عِنْدهم) أَي الْفُقَهَاء (فَإِنَّهُ) أَي الِاسْتِنْجَاء (مَنْدُوب) عِنْد الْحَنَفِيَّة إِذا لم يبلغ الْخَارِج قدر الدِّرْهَم (كاستدلال المعممين) أَي كَمَا يمْنَع اسْتِدْلَال الْقَائِلين بِأَنَّهُ يُوصف بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب (بِمَا فِي الْأُضْحِية) من الحَدِيث السَّابِق ذكره (لِأَنَّهَا) أَي الْأُضْحِية (وَاجِبَة) عِنْد أبي حنيفَة ﵁ (وَلَا يضرهم) أَي مانعي اتصاف الْمَنْدُوب بالاجزاء (مَا فِي الْفَاتِحَة) من الحَدِيث الْمَذْكُور (لقَولهم بِوُجُوبِهَا) أَي الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة (وَمُقْتَضى الدَّلِيل التَّعْمِيم) أَي تَقْسِيم اتصاف الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب بِهِ عِنْدهم (لحَدِيث الِاسْتِنْجَاء، ثمَّ قد يظنّ أَن الصِّحَّة وَالْفساد فِي الْعِبَادَات من أَحْكَام الشَّرْع الوضعية وَقد أنكر ذَلِك، إِذْ كَون الْمَفْعُول) أَي مَا فعله الْمُكَلف امتثالا (مُوَافقا لِلْأَمْرِ الطَّالِب لَهُ) أَي لذَلِك الْمَفْعُول كَمَا هُوَ معنى الصِّحَّة عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وتوصيف الْأَمر بالطالب على سَبِيل الْمجَاز: إِذْ الطَّالِب إِنَّمَا هُوَ الْآمِر (أَو) كَونه (مُخَالفا) لِلْأَمْرِ الطَّالِب لَهُ كَمَا هُوَ معنى الْفساد عِنْدهم (وَكَونه) أَي الْمَفْعُول (تَمام مَا طلب حَتَّى يكون مسْقطًا: أَي رَافعا لوُجُوب قَضَائِهِ) كَمَا هُوَ معنى الصِّحَّة عِنْد الْفُقَهَاء (وَعَدَمه) أَي عدم كَون الْمَفْعُول تَمام الْمَطْلُوب كَمَا هُوَ معنى عدم الصِّحَّة عِنْدهم، وَكَون الْمَفْعُول مُبْتَدأ خَبره (يَكْفِي فِي مَعْرفَته الْعقل) حَال كَونه (غير مُحْتَاج إِلَى تَوْقِيف الشَّرْع) أَي اطِّلَاعه على ذَلِك (كَكَوْنِهِ) أَي كَمَا يعرف كَونه (مُؤديا للصَّلَاة وتاركا) لَهَا بِالْعقلِ (فحكمنا بِهِ) أَي بِكُل من الصِّحَّة وَالْفساد (عَقْلِي صرف) أَي خَالص، وَلما قيل أَنه لَا شكّ فِي أَنَّهُمَا من أَحْكَام الْوَضع فِي الْمُعَامَلَات، إِذْ لَا يستراب فِي أَن كَون الْمُعَامَلَات مستتبعة لثمراتها الْمَطْلُوبَة مِنْهَا متوقفة على تَوْقِيف من الشَّارِع تعقبه المُصَنّف، فَقَالَ (وَلَا يخفى أَن ترَتّب الْأَثر) على الْفِعْل كَالصَّلَاةِ وَالْبيع (وضعي) إِذْ لَيْسَ من قَضِيَّة الْعقل أَن يَتَرَتَّب على تِلْكَ الْأَفْعَال الْمَخْصُوصَة ذَلِك الثَّوَاب، وَأَن يَتَرَتَّب على الْإِيجَاب وَالْقَبُول الْملك، بل بِمُوجب تعْيين الشَّارِع أَن يكون لكل وَاحِد أثر كَذَا (وَكَون الحكم بِهِ) أَي بترتب الْأَثر على الْفِعْل (بعد مَعْرفَته) أَي الترتب حَاصِلا (بِالْعقلِ شَيْء آخر) غير أصل الترتب، وَيحْتَمل أَن يكون بِالْعقلِ مُتَعَلقا بالمبتدأ، وَهُوَ الْكَوْن بِمَعْنى، وَخَبره شَيْء آخر وَالْحَاصِل أَن أصل ترَتّب الْأَثر الْخَاص على الْفِعْل الْخَاص لَيْسَ بعقلي، بل بِوَضْع الشَّارِع لَكِن حكمنَا بِكَوْن الْفِعْل الْوَاقِع المستجمع لشرائطه الْمُعْتَبرَة شرعا بِحَيْثُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَثَره أَمر عَقْلِي،
стр. 623
لِأَنَّهُ إِذا نظر فِيهِ فَوَجَدَهُ مستجمعا لما ذكر حكم بِكَوْنِهِ مترتب الْأَثر (وَاعْلَم أَن نقل الْحَنَفِيَّة عَن الْفُقَهَاء والمتكلمين فِي الأَصْل) الْمَذْكُور فِي تَفْسِير الصِّحَّة وَمَا يقابلها، ونقلهم (وُقُوع الظَّان مخطئا على عكس) نقل (الشَّافِعِيَّة) أما الأول فَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِصَرِيح قَوْله (وَهِي المسئلة القائلة) على سَبِيل التَّجَوُّز، ومقول القَوْل (هَل تثبت صفة الْجَوَاز) الْإِضَافَة بَيَانِيَّة. وَقد يعبر عَنهُ بالاجزاء (للْمَأْمُور بِهِ) مُتَعَلق بتثبت (إِذا أَتَى) الْمَأْمُور (بِهِ) أَي بالمأمور بِهِ (إِلَى آخرهَا) وَهُوَ قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين لَا إِلَّا بِدَلِيل وَرَاء الْأَمر، وَالصَّحِيح عِنْد الْفُقَهَاء أَنه يثبت بِهِ صفة الْجَوَاز، كَذَا فِي الْمنَار، وَإِنَّمَا كَانَ عكس مَا نقلوا، لِأَن حَاصله أَن الصِّحَّة والاجزاء مُوَافقَة الْأَمر عِنْد الْمُتَكَلِّمين واندفاع وجوب الْقَضَاء عِنْد الْفُقَهَاء وَحَاصِل هَذِه المسئلة أَن الْمُوَافقَة لَيست بموجبة للاجزاء عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وَعند الْفُقَهَاء مُوجبَة لَهُ، وَأما الثَّانِي فَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِمَا تضمنه قَوْله الْمَذْكُور: وَهُوَ أَن الصَّلَاة الْمَذْكُورَة صَحِيحَة ومجزية عِنْد الْفُقَهَاء وَغير مجزية وَلَا صَحِيحَة عِنْد الْمُتَكَلِّمين. قَالَ فِي البديع: قَالَ عبد الْجَبَّار لَا يكون الِامْتِثَال دَلِيل الاجزاء بِمَعْنى سُقُوط الْقَضَاء وَإِلَّا فَلَو كَانَ الِامْتِثَال مستلزما للاجزاء بِمَعْنى سُقُوط الْقَضَاء يلْزم أَن لَا يُعِيد الصَّلَاة أَو يَأْثَم إِذا علم الْحَدث بَعْدَمَا صلى بِظَنّ الطَّهَارَة، وَاللَّازِم بَاطِل لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْإِعَادَةِ وَغير آثم، وَإِنَّمَا تثبت هَذِه الْمُلَازمَة، لِأَن الْمُصَلِّي إِمَّا مَأْمُور أَن يُصَلِّي بِظَنّ الطَّهَارَة أَو بيقينها، فَإِن كَانَ الأول فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ لإتيانه بالمأمور بِهِ على وَجهه، وَإِن كَانَ الثَّانِي لزم الْإِثْم إِذْ لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ على وَجهه قُلْنَا الْمُكَلف مَأْمُور بِأَمْر ثَان يتَوَجَّه بِالْأَدَاءِ حَال الْعلم بِفساد الْأَدَاء على حسب حَاله من الْعلم وَالظَّن حَتَّى لَو مَاتَ عِنْد الْعلم أَجْزَأته تِلْكَ الصَّلَاة وَسَقَطت الْإِعَادَة، وَحِينَئِذٍ لَا يَأْثَم إِذا صلى بِظَنّ الطَّهَارَة، لِأَن التَّكْلِيف بِحَسب الوسع، هَذَا عِنْد من يَقُول: الْقَضَاء بِأَمْر جَدِيد، وَلمن يُوجب الْقَضَاء بِالْأَمر الأول أَن يَجْعَل الاجزاء بالامتثال مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْعلم أَو الظَّن بِالْفَسَادِ، وَأما مَعَه فَلَيْسَ الْإِتْيَان بالمأمور بِهِ دَلِيل الاجزاء انْتهى. قَوْله قُلْنَا إِلَى آخِره يرد عَلَيْهِ أَن عبد الْجَبَّار لم يرتب لُزُوم عدم الْإِعَادَة على مُجَرّد وُقُوع الِامْتِثَال بل عَلَيْهِ، وَكَونه مسْقطًا للْقَضَاء فَلَا إِشْكَال عَلَيْهِ، هَذَا وَلَا يظْهر وَجه قَوْله من الْعلم وَالظَّن، لِأَن أَدَاء الظَّان إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الظَّن، إِذْ لَو كَانَ بِحَسب الْعلم لما تبين خِلَافه وَالله أعلم.
الْفَصْل الرَّابِع فِي الْمَحْكُوم عَلَيْهِ
(الْمَحْكُوم عَلَيْهِ الْمُكَلف مسئلة: تَكْلِيف الْمَعْدُوم مَعْنَاهُ قيام الطّلب) للْفِعْل أَو التّرْك بِالذَّاتِ الْقَدِيم تَعَالَى وتقدس (بِمن سيوجد) مَوْصُوفا (بِصفة التَّكْلِيف) بِأَن يكون بَالغا
стр. 624
عَاقِلا. ومرجعه قيام صفة الْكَلَام النفسى وَهُوَ صفة وَاحِدَة بالشخص متكثرة بالاعتبارات، وَمن جملَة اعتباراته الطّلب النَّفْسِيّ (فالتعلق) للطلب بِفعل الْمَعْدُوم فِي الْأَزَل (بِهَذَا الْمَعْنى) الَّذِي حَاصله انْتِفَاء أَنه إِذا وجد وكلف فَلْيفْعَل كَذَا (هُوَ الْمُعْتَبر فِي التَّكْلِيف الأزلي وَلَيْسَ) تَكْلِيف الْمَعْدُوم بِهَذَا الْمَعْنى (مُمْتَنع) وَذهب إِلَيْهِ الأشاعرة (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بامتناع تَكْلِيف الْمَعْدُوم (يلْزم) من تَكْلِيف الْمَعْدُوم (أَمر وَنهي وَخبر) إِذْ الْمُكَلف بِهِ إِمَّا فعل وَترك أَو اعْتِقَاد بمضمون خبري (بِلَا مَأْمُور) ومنهي تَركه اكْتِفَاء بِمَا يُقَابله وَأَرَادَ بِهِ الْمَطْلُوب مِنْهُ فعل أَو ترك (و) بِلَا (مخبر وَهُوَ) أَي اللَّازِم (مُمْتَنع) فَيمْتَنع الْمَلْزُوم (قُلْنَا) يلْزم مَا قُلْتُمْ (فِي) الْخطاب (اللَّفْظِيّ ذِي التَّعَلُّق التنجيزي وَالْخطاب الشفاهي فِي الْخَبَر، أما) الطّلب (النَّفْسِيّ فتعلقه بذلك الْمَعْنى) الْمَذْكُور الْمَعْدُوم (وَاقع تَجدهُ فِي طلب) ك فِي نَفسك (صَلَاح ولد) ترجو أَنه (سيوجد أَو) تَقول (إِن وجد) أبغي صَلَاحه (وتجد معنى الْخَبَر فِي نَفسك مترددا للاعتبار وَغَيره) أَي تَجِد الْمَضْمُون الخبري يتَرَدَّد مرّة بعد أُخْرَى ويتكرر لمصْلحَة الِاعْتِبَار والاتعاظ وَغَيره من الْمصَالح، فَعلم أَن حُصُول الْمَضْمُون النَّفْسِيّ لَا يسْتَلْزم وجود مخبر وَوُقُوع أَخْبَار و (أما حَقِيقَة الأمرية) والنهيية (والخبرية الممتنعة بِلَا مُخَاطب مَوْجُود فبعروض التَّعَلُّق التنجيزي للنفسي) أَي الْخطاب النَّفْسِيّ أَشَارَ إِلَى أَن التَّعَلُّق الأزلي لَيْسَ بتنجيزي، وَفِي الشَّرْح العضدي اخْتصَّ أَصْحَابنَا بِأَن الْأَمر يتَعَلَّق بالمعدوم حَتَّى صَرَّحُوا بِأَن الْمَعْدُوم مُكَلّف وَقد شدد سَائِر الطوائف النكير عَلَيْهِ قَالُوا: إِذا امْتنع فِي النَّائِم والغافل فَفِي الْمَعْدُوم أَجْدَر، وَإِنَّمَا يرد ذَلِك لَو أُرِيد بِهِ تَنْجِيز الْمُكَلف فِي حَال الْعَدَم بِأَن يطْلب مِنْهُ الْفِعْل فِي حَال الْفِعْل بِأَن يكون الْفَهم أَو الْفِعْل فِي حَال الْعَدَم وَلم يرد ذَلِك، بل أُرِيد التَّعَلُّق الْعقلِيّ: وَهُوَ أَن الْمَعْدُوم الَّذِي علم الله أَنه يُوجد بشرائط التَّكْلِيف توجه إِلَيْهِ حكم فِي الْأَزَل بِمَا يفهمهُ ويفعله فِيمَا لَا يزَال انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: بل المُرَاد التَّعَلُّق الْمَعْنَوِيّ للطلب الْقَدِيم الْقَائِم بِذَات الله جلّ وَعلا بِالْفِعْلِ من الْمَعْدُوم حَال وجود الْمَأْمُور وتهيئه للفهم، فَإِذا وجد وتهيأ للتكليف صَار مُكَلّفا بذلك الطّلب الْقَدِيم من غير تجدّد طلب انْتهى، وَإِنَّمَا دعاهم إِلَى اعْتِبَار هَذَا التَّعَلُّق فِي الْأَزَل إِذْ الْأَمر أزلي والتعلق بِالْغَيْر جُزْء من حَقِيقَته، وَفِي هَذَا التَّعَلُّق يكفى وجود الْمَعْدُوم فِي علم الله أزلا، وَقيل الْكَلَام الَّذِي هُوَ مُشْتَرك بَين الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر قديم وَكَونه أمرا أَو نهيا أَو خَبرا حَادث جمعا بَين المصلحتين: قدم الْكَلَام وحدوث الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر، ورد بِأَنَّهَا أَنْوَاع الْكَلَام وَلَا وجود للْجِنْس بِدُونِ نوع والمعتزلة قَالُوا: لَو كَانَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر قَدِيما لزم تعدد كَلَام الله تَعَالَى فِي الْأَزَل ضَرُورَة كَونهَا أنواعا لَهُ، وَالْجُمْهُور على أَن كَلَامه تَعَالَى وَاحِد فِي الْأَزَل لَا تعدد فِيهِ وَإِن تنَاول جَمِيع مَعَاني الْكتب
стр. 625
الإلهية، أجِيبُوا بِأَن التَّعَدُّد الَّذِي يكون فِي الْكَلَام بِاعْتِبَار المتعلقات لَا التَّعَدُّد الوجودي فَقَوله فبعروض التَّعَلُّق إِلَى آخِره خبر الْمُبْتَدَأ (فَحَيْثُ نفوا عَنهُ) أَي عَن الْكَلَام الأزلي (التَّعَلُّق فَهُوَ) أَي فنفيه عَنهُ (بِهَذَا) الْمَعْنى (وَإِذا أثبت) لَهُ التَّعَلُّق (فبذلك) أَي فَأثْبت بذلك الْمَعْنى، فالنفي وَالْإِثْبَات لَا يتواردان على مَحل وَاحِد فالنزاع لَفْظِي، ثمَّ إِن هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى على القَوْل بالْكلَام النَّفْسِيّ كَمَا هُوَ الْحق.
مسئلة
(يَصح) عَن الْجُمْهُور (تَكْلِيفه تَعَالَى بِمَا علم انْتِفَاء شَرط وجوده) الَّذِي لَيْسَ بمقدور للمكلف (فِي الْوَقْت) أَي وَقت الْفِعْل كَمَا لَو أَمر بصيام غَد من علم مَوته قبل الْغَد (خلافًا للْإِمَام والمعتزلة والاتفاق) على صِحَة التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ (فِيمَن لَا يعلم) انْتِفَاء شَرط وجوده الَّذِي لَيْسَ بمقدور للمكلف وَقت فعله وَهُوَ منحصر فِي غَيره تَعَالَى كَقَوْل السَّيِّد لعَبْدِهِ صم غَدا غير عَالم بِبَقَاء حَاله إِلَى غَد (لنا لَو شَرط) لصِحَّة التَّكْلِيف (الْعلم) للمكلف بِكَسْر اللَّام (بالوجود) أَي بِوُجُود الشَّرْط الْمَذْكُور (لم يعْص مُكَلّف بِالتّرْكِ) فَإِن قلت بطلَان هَذَا لَا يسْتَلْزم الْمَطْلُوب وَهُوَ صِحَة التَّكْلِيف بِمَا علم انْتِفَاء شَرط الْوُجُود لجَوَاز انْتِفَاء الْعلم بالانتفاء وَالْعلم بالوجود مَعًا قُلْنَا إِنَّمَا يتَصَوَّر فِي حق غَيره تَعَالَى، وَأما فِي حَقه تَعَالَى فَلَا بُد من أحد العلمين، فانتفاء كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَلْزم ثُبُوت الآخر، ثمَّ بَين الْمُلَازمَة بقوله (لاستلزامه) أَي ترك الْمَأْمُور بِهِ (انْتِفَاء إِرَادَة الْفِعْل) لِأَن فعل الْمُكَلف مَشْرُوط إِرَادَة الله تَعَالَى إِيَّاه (وَهُوَ) انْتِفَاء الْإِرَادَة الَّتِي هِيَ شَرط وجود الْفِعْل (مَعْلُوم لَهُ تَعَالَى) والمفروض أَن شَرط التَّكْلِيف الْعلم بالوجود وَهُوَ مُنْتَفٍ (فَلَا تَكْلِيف) بِهِ (فَلَا مَعْصِيّة) إِذْ هِيَ فرع التَّكْلِيف وَاللَّازِم بَاطِل بِالضَّرُورَةِ من الدّين (وَيلْزم) أَيْضا (فِي غَيره تَعَالَى انْتِفَاء الْعلم بالتكليف أبدا) فَيلْزم عدم علم الْمُكَلّفين بأسرهم بالتكليف (لتجويز الانتفاء) إِذْ يجوز كل أحد انْتِفَاء شَرط الْوُجُود المستلزم انْتِفَاء التَّكْلِيف (فِي الْوَقْت وأجزائه لَو) كَانَ الْوَقْت (موسعا لغيبه) أَي لكَون وجود الشَّرْط غَائِبا عَمَّا أحَاط بِهِ علمهمْ لتجويزهم الْمَوْت قبل الْفِعْل (فَيمْتَنع الِامْتِثَال) إِذْ هُوَ فرع الْعلم بالتكليف، يرد عَلَيْهِ أَن لُزُوم انْتِفَاء الْفِعْل بِالْكُلِّيَّةِ غير مُسلم لجَوَاز حُصُول الْعلم بإعلام الله ﵎ وَلَعَلَّه أَرَادَ انْتِفَاء الْعلم بِهِ لغير إِعْلَامه تَعَالَى وَقد انْعَقَد الْإِجْمَاع لوُجُود علم الْمُكَلف بالتكليف بِغَيْر الْإِعْلَام (وَيلْزمهُ) أَي انْتِفَاء الْعلم بالتكليف (عدم إقدام الْخَلِيل ﵊ على الذّبْح) لوَلَده. قَالَ الشَّارِح: لانْتِفَاء شَرط حلّه عِنْد وقته: وَهُوَ عدم النّسخ وَاللَّازِم بَاطِل لِأَنَّهُ أقدم عَلَيْهِ قطعا انْتهى.
стр. 626
وَأَنت خَبِير بِأَن مَا ينساق إِلَيْهِ الذِّهْن من السِّيَاق أَن وَجه اللُّزُوم مَا لزم من اشْتِرَاط الْعلم بالوجود انْتِفَاء الْعلم بالتكليف، لِأَنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ عدم علمه، ﵊ بتكليفه بِالذبْحِ لغيب وجود الشَّرْط عَنهُ مَعَ أَنه لَا يحْتَمل أَن يكون علمه بإعلام الله تَعَالَى إِيَّاه، كَيفَ وَقد علم سُبْحَانَهُ انْتِفَاء شَرط وجود الذّبْح من خرّ الرَّقَبَة وَغَيره، غير انه سَيَأْتِي فِي آخر الْكَلَام مَا يُؤَيّد الشَّارِح (وَالْإِجْمَاع على الْقطع) للمكلف (بتحقق الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم) اللَّذين هما قسما التَّكْلِيف (قبل الْمعْصِيَة) بالمخالفة (و) قبل (التَّمَكُّن) من الْفِعْل، أَقَامَ إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور ثَلَاثَة أَدِلَّة: لُزُوم انْتِفَاء الْمعْصِيَة، وَلُزُوم انْتِفَاء الْعلم بالتكليف، وَلُزُوم إقدامه ﵇، ثمَّ أَفَادَ بطلَان الثَّالِث للأوّلين بِالْإِجْمَاع الْمَذْكُور، لِأَن علم الْمُكَلف قطعا بالتكليف قبل الْمعْصِيَة يسْتَلْزم تحققها، وَذكر التَّمَكُّن لِأَن الْقطع بالتكليف بعد التَّمَكُّن من الْفِعْل يصلح عذرا عَن الْمعْصِيَة بمخالفة الْأَمر (فَانْتفى) بِهَذَا الْإِجْمَاع (مَا يخال) أَي مَا اعْترض بِهِ على الثَّالِث بِأَنا لَا نسلم لُزُوم عدم إقدام الْخَلِيل وَغَيره بِسَبَب انْتِفَاء علمه بِشَرْط التَّكْلِيف، وَهُوَ عدم النّسخ لتجويزه وُقُوعه قبل الْوَقْت لِأَنَّهُ يحْتَمل (أَن الْإِقْدَام مِنْهُ) ﵇ على ذبح الْوَلَد (وَمن غَيره) ﵇ من الْمُكَلّفين على الْإِتْيَان بِالْوَاجِبِ (لظن التَّكْلِيف بِظَنّ عدم النَّاسِخ) بِنَاء على أَن الأَصْل عَدمه (وَهُوَ) أَي ظن التَّكْلِيف (كَاف فِي لُزُوم الْعَمَل كوجوب الشُّرُوع) فِي الْفَرْض (بنية الْفَرْض) إِجْمَاعًا وَهَذَا دَلِيل على أَن تَجْوِيز النّسخ احْتِمَال لَا عِبْرَة بِهِ، وَيرد عَلَيْهِ أَنه لَا كَلَام فِي عدم اعْتِبَاره غير أَنه يلْزم على تَقْدِير اشْتِرَاط الْعلم بِوُجُود الشَّرْط الْعلم فَتدبر وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه يصلح مِثَالا لما يدل قطعا على الْإِجْمَاع على الْقطع بتحقق الْوُجُوب قبل الْمعْصِيَة والتمكن لِأَن نِيَّة الْفَرْض قبل الشُّرُوع فِيهِ وَهِي لَا تتأتى بِدُونِ الْعلم بِالْوُجُوب والتكليف، وَيرد عَلَيْهِ أَيْضا أَن ظن الْمُكَلف بالتكليف إِنَّمَا ينفع إِذا لم يكن فِي مُقَابلَة الدَّلِيل الْقطعِي، وَتَحْرِيم الذّبْح، وَلَا سِيمَا ذبح الْوَلَد ثَابت بالقطعي، وَإِنَّمَا قَالَ انْتَفَى الخ لِأَنَّهُ علم أَن الْقطع بتحقق التَّكْلِيف ثَابت بِالْإِجْمَاع فَلَا عِبْرَة بِاحْتِمَال النّسخ فَلَا وَجه لجعل إقدام الْخَلِيل ﵇ مَبْنِيا على الظَّن مَعَ كَون إقدام غَيره مَبْنِيا على الْقطع (قَالُوا) أَي المخالفون (لَو لم يشْتَرط) فِي صِحَة التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ عدم الْعلم بِانْتِفَاء شَرطه فِي وقته بِأَن يَصح التَّكْلِيف مَعَ الْعلم بِانْتِفَاء الشَّرْط (لم يشْتَرط إِمْكَان الْفِعْل لِأَن مَا عدم شَرطه غير مُمكن، وَمر فِي تَكْلِيف الْمحَال نَفْيه) أَي نفي التَّكْلِيف بِغَيْر الْمُمكن (وَالْجَوَاب النَّقْض) الاجمالى (بتكليف من لم يعلم الانتفاء) اى بالتكليف بِالْفِعْلِ الذى لم يعلم الْآمِر انْتِفَاء شَرط وجوده كالسيد يَأْمر غُلَامه بِفعل مَشْرُوط بِشَرْط وَهُوَ لَا يعلم انتفاءه
стр. 627
فَيحْتَمل أَن يكون منتفيا ويستحيل حِينَئِذٍ وجود ذَلِك الْفِعْل وَمَعَ هَذَا الْإِجْمَال لَا يتَحَقَّق إِمْكَان الْفِعْل، وَلَا شكّ فِي وُقُوع مثل هَذَا الْأَمر فِي الشَّاهِد، فَلَو كَانَ دليلكم مُوجبا لاشْتِرَاط عدم الْعلم بِانْتِفَاء الشَّرْط بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاجِب تَعَالَى لأوجب اشْتِرَاط الْعلم بِوُجُود الشَّرْط بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره تَعَالَى لاشتراك الْعلَّة، وَقد يُوَجه بِالْفرقِ بَين تَكْلِيف من يعلم الانتفاء وَمن لم يُعلمهُ، فَإِن هَذَا يسْتَلْزم عدم اشْتِرَاط إِمْكَان الْفِعْل بِخِلَاف ذَلِك، فَإِن الْجَاهِل بالانتفاء يجوز وجود الشَّرْط وَهَذَا التجويز يحملهُ على التَّكْلِيف فَتَأمل (و) أُجِيب (بِالْحلِّ) وَتَعْيِين مَحل الْحل فِي استدلالهم (بِأَن) الْإِمْكَان (الْمَشْرُوط) فِي التَّكْلِيف (كَون الْفِعْل يَتَأَتَّى) أَي كَونه مُمكن الْحُصُول (عِنْد) وجود (وقته وشرائطه، لَا) أَن الْمَشْرُوط (وجودهَا) أَي شَرَائِطه (بِالْفِعْلِ) بِالْإِطْلَاقِ الْعَام: يَعْنِي بِحَيْثُ أَنه يَتَأَتَّى أَن تحققت شَرَائِطه، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي وجودهَا فِي وَقت من الْأَوْقَات، غَايَة الْأَمر أَنه لَا بدّ من إِمْكَان الشَّرَائِط (لِأَن عدمهَا) أَي الشَّرَائِط (لَا يُنَافِي) الْإِمْكَان (الذاتي) للْفِعْل، وَالشّرط فِي التَّكْلِيف إِنَّمَا هُوَ إمكانة الذاتي لَا غير، وَإِلَّا لم يَصح تَكْلِيف كل من مَاتَ على كفره ومعصيته لِأَن علمه تَعَالَى مُتَعَلق بِعَدَمِ وُقُوع مَا أمروا بِهِ وَعدم تحقق شُرُوطه من إِرَادَة الْفِعْل وَغَيرهَا (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو صَحَّ) التَّكَلُّف (مَعَ علم الْآمِر بالانتفاء) لشرطه (صَحَّ) التَّكْلِيف (مَعَ علم الْمَأْمُور) بانتفائه (إِذْ الْمَانِع) من الصِّحَّة إِنَّمَا هُوَ (عدم إِمْكَانه) أَي الْفِعْل (دونه) أَي الشَّرْط لِأَن شَرط التَّكْلِيف الْإِمْكَان (وَهُوَ) أَي عدم الْإِمْكَان (مُشْتَرك) بَين علم الْآمِر بالانتفاء وَعلم الْمَأْمُور بِهِ (الْجَواب منع مانعية مَا ذكر) عَن الصِّحَّة (بل) الْمَانِع عَنْهَا (انْتِفَاء فَائِدَة التَّكْلِيف وَهُوَ) أَي انتفاؤها إِنَّمَا يكون إِذا انْتَفَى الشَّرْط (فِي علم الْمَأْمُور لَا) فِي علم (الْآمِر فَإِنَّهَا) أَي فَائِدَة التَّكْلِيف (فِيهِ) أَي فِي صُورَة انْتِفَاء الشَّرْط فِي علم الْآمِر (الِابْتِلَاء) للْمَأْمُور (ليظْهر عزمه) أَي الْمَأْمُور على الْفِعْل (وبشره) بِهِ (وضدهما) أَي الْعَزْم والبشر وَهُوَ التّرْك وَالْكَرَاهَة لَهُ (وَبِذَلِك) أَي بِظُهُور الْعَزْم والبشر وضدهما (تتَحَقَّق الطَّاعَة والعصيان وَاعْلَم أَن هَذِه) الْمَسْأَلَة (ذكرت فِي أصُول ابْن الْحَاجِب وَلَيْسَت) الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة (سوى جَوَاز التَّكْلِيف بِمَا علم تَعَالَى عدم وُقُوعه) من الْمُكَلف بِهِ، إِذْ كل مَا علم عدم وُقُوعه علم انْتِفَاء شَرط وجوده فِي الْجُمْلَة كالإرادة من الْمُكَلف وَإِرَادَة الله تَعَالَى إِيَّاهَا لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ - وَقَوله وَلَيْسَت سوى إِلَى آخِره على سَبِيل الْمُبَالغَة للاتحاد بِاعْتِبَار الْمَآل (وهم ذكرُوا فِي مسئلة شَرط الْمَطْلُوب الْإِمْكَان الْإِجْمَاع على وُقُوع التَّكْلِيف بِهِ) أَي بِمَا علم تَعَالَى عدم وُقُوعه (فحكاية الْخلاف مناقضة) كَمَا صرح بِهِ غير وَاحِد من شارحي كَلَامه على مَا ذكره السُّبْكِيّ (ثمَّ على بعده) أَي الْخلاف (يَكْفِي) ويغني (عَن الْإِكْثَار) والإطناب أَن يُقَال: (لنا الْقطع ب) وُقُوع (تَكْلِيف
стр. 628
كل من مَاتَ على كفر أَو مَعْصِيّة بِالْإِيمَان وَالْإِسْلَام) المتضمن التَّكْلِيف بِمَا هُوَ ضد للمعاصي (وَإِذ منكره) أَي مُنكر جَوَاز التَّكْلِيف بل وُقُوعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى من مَاتَ على كفر أَو مَعْصِيّة (يكفر بإنكار) حكم (ضَرُورِيّ ديني) لأَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ من الدّين أَن الْكفَّار والعصاة مأمورون بترك الْكفْر وَالْمَعْصِيَة إِلَى الْإِيمَان وَالطَّاعَة، فإنكار إِيجَاب الْإِيمَان كفر إِجْمَاعًا (استبعدنا الْخلاف خُصُوصا الإِمَام) أَي من الإِمَام، نقل الشَّارِح عَن السُّبْكِيّ أَن مَا لوُقُوعه شَرط إِن علم الْآمِر الشَّرْط وَاقعا فَلَا إِشْكَال، وَأَن جَهله ويفرض فِي أَمر السَّيِّد عَبده فَكَذَلِك، وَنقل المُصَنّف الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وَإِن علم انتفاءه فعلى قسمَيْنِ: أَحدهمَا مَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن فهمه حِين إِطْلَاق التَّكْلِيف كالحياة والتمييز. فَإِن السَّامع مَتى سمع التَّكْلِيف يتَبَادَر ذهنه إِلَى أَنه يستدعى حَيا مُمَيّزا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي خَالف فِيهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَالثَّانِي خِلَافه وَهُوَ تعلق علم الله تَعَالَى بِأَن زيدا لَا يُؤمن، فَإِن انْتِفَاء التَّعَلُّق شَرط فِي وجود إيمَانه لَكِن السَّامع يقْضِي بِإِمْكَان إِيمَان زيد غير نَاظر إِلَى هَذَا الشَّرْط، وَهَذَا لَا يُخَالف فِيهِ الإِمَام وَلَا غَيره، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
مسئلة
(مانعو تَكْلِيف الْمحَال) مجمعون (على أَن شَرط التَّكْلِيف فهمه) أَي تصور التَّكْلِيف بِأَن يفهم الْمُكَلف الْخطاب قدر مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الِامْتِثَال، لَا بِأَن يصدق بِأَنَّهُ مُكَلّف، وَإِلَّا لزم الدّور وَعدم تَكْلِيف الْكفَّار (وَبَعض من جوزه) أَي تَكْلِيف الْمحَال أَيْضا على أَن شَرط التَّكْلِيف فهمه (لِأَنَّهُ) أَي التَّكْلِيف (للابتداء وَهُوَ) أَي الِابْتِلَاء، وَهُوَ الاختبار (مُنْتَفٍ هَهُنَا) لِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق بِدُونِ الْفَهم (وَاسْتدلَّ) كَمَا فِي أصُول ابْن الْحَاجِب وَغَيره للمختار (لَو صَحَّ) تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (كَانَ) تَكْلِيفه (طلب) حُصُول (الْفِعْل) مِنْهُ متلبسا (بِقصد الِامْتِثَال) لِأَنَّهُ مُعْتَبر فِي معنى التَّكْلِيف (وَهُوَ) أَي طلبه بِهَذَا الْقَصْد (مُمْتَنع مِمَّن لَا يشْعر بِالْأَمر، وَقد يدْفع) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَن المستحيل) فِي تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (الِامْتِثَال وَلَا يُوجب) اسْتِحَالَة الِامْتِثَال فِيهِ (اسْتِحَالَة التَّكْلِيف، إِذْ غَايَته) أَي غَايَة تَكْلِيف من لَا يفهم (تَكْلِيف بمستحيل، وَبلا فَائِدَة الِابْتِلَاء وَيجب) تَجْوِيز مثل (ذَلِك) فِي أَنه خلاف مَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة بِحَسب ظَاهر الْعقل (مِمَّن يُجِيز عَلَيْهِ) أَي على الله تَعَالَى (تَعْذِيب الطائع، تَعَالَى عَنهُ، بل) جَوَاز هَذَا (أولى) من جَوَاز تَعْذِيب الطائع (وَأَيْضًا لَو صَحَّ) تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (صَحَّ تَكْلِيف الْبَهَائِم، إِذْ لَا مَانع فِيهَا) أَي الْبَهَائِم من التَّكْلِيف (سوى عدم الْفَهم وقلتم لَا يمْنَع) عدم الْفَهم التَّكْلِيف (وَلَا يتَوَقَّف مجيز تَكْلِيف الْمحَال عَن الْتِزَامه) أَي جَوَاز تَكْلِيف الْبَهَائِم (غَايَته) أَنه جَائِز (لم يَقع وَلَيْسَ
стр. 629
عدم الْمَانِع من التَّكْلِيف عِلّة لثُبُوته) أَي التَّكْلِيف (ليلزم الْوُقُوع بل هِيَ) أَي عِلّة ثُبُوت التَّكْلِيف (الاختبار) أَي اختبار الله تَعَالَى وَلم يثبت (وَلَو جعل هَذَا) الْخلاف (وَنَحْوه) خلافًا (لفظيا فالمانع) من تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف يَقُول: تَكْلِيف من لَا يفهم مُمْتَنع (لاتفاقنا على أَن الْوَاقِع) أَي الْمُحَقق فِي نفس الْأَمر (نقيضه) وَهُوَ عدم تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (فَيمْتَنع) التَّكْلِيف (بِلَا فهم) للتكليف فِي نفس الْأَمر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يمْتَنع كَانَ مُمكنا فِي نفس الْأَمر فيفرض تحَققه فِي نفس الْأَمر، وَإِذا فرض (اجْتمع النقيضان) عل ذَلِك التَّقْدِير: التَّكْلِيف وَعَدَمه، وَفِيه أَن مثل هَذَا لَا يُقَال فِي عدم كل مُمكن (والمجيز) لتكليفه يَقُول: جَائِز مَعَ قطع النّظر عَن أَن الْوَاقِع نقيضه مَوْجُود فَلَا طائل تَحْتَهُ، وَالْمَطْلُوب فِي دَعْوَى امْتنَاع الشَّيْء امْتِنَاعه مَعَ قطع النّظر عَن تحقق نقيضه (بِالنّظرِ إِلَى مَفْهُوم تَكْلِيف) كَائِن (بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَهُ الْقُدْرَة عَلَيْهِ) أَي على الْفِعْل، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَا قدرَة لَهُ عَلَيْهِ كَالْبَهَائِمِ (على نَحْو مَا قدمْنَاهُ فِي) فصل (الْحَاكِم) من أَنه يُمكن أَن يَقُول قَائِل: إِن الْخلاف فِي جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وتعذيب الطائع لَفْظِي (أمكن) جَوَاب لَو جعل (قَالُوا) أَي المخالفون (لَو لم يَصح) تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (لم يَقع) لكنه وَقع، كَيفَ لَا (وَقد كلف السَّكْرَان حَيْثُ اعْتبر طَلَاقه وإتلافه أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي اعتبارهما مِنْهُ (من ربط المسببات بأسبابها وضعا) شَرْعِيًّا كربط وجوب الصَّوْم بالشهر، لَا من التَّكْلِيف (قَالُوا) أَيْضا (قَالَ تَعَالَى: لَا تقربُوا الصَّلَاة الْآيَة فَخُوطِبُوا) أَي السكارى (حَال السكر أَلا يصلوا) وَهُوَ تَكْلِيف لمن لَا يفهم التَّكْلِيف (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الِاسْتِدْلَال بهَا (مُعَارضَة قَاطع) وَهُوَ الدَّلِيل الدَّال على امْتنَاع تَكْلِيف من لَا يفهم (بِظَاهِر) وَهُوَ الْآيَة (فَوَجَبَ تَأْوِيله) أَي الظَّاهِر لِأَنَّهُ يؤول عِنْد مُعَارضَة الْقَاطِع (أما بِأَنَّهُ نهي عَن السكر عِنْد قصد الصَّلَاة) لِأَن النهى إِذا ورد على وَاجِب شرعا مُقَيّد بِغَيْر الْوَاجِب انْصَرف إِلَى الْغَيْر، فَالْوَاجِب الصَّلَاة، والمقيد السكر، فالمنهي عَنهُ فِي الْحَقِيقَة السكر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ - فَإِن الْمنْهِي عَنهُ فِيهِ عدم الْإِسْلَام إِلَّا الْمَوْت (أَو) بِأَنَّهُ (نهى الثمل) بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَكسر الْمِيم، قيل هُوَ من بَدَت بِهِ أَوَائِل الطَّرب وَلم يزل عقله دون الطافح (لعدم التثبت) فِيمَا يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بِهِ فِي الصَّلَاة (كالغصب) تَمْثِيل لما لَا يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بِهِ فِيهَا، ويلائمه قَوْله - ﴿حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ - وناقش الشَّارِح فِي كَون الثمل أَوَائِل الطَّرب لما ورد فِي الحَدِيث فِي حق حَمْزَة ﵁ حَيْثُ قَالَ فِي شربه قبل التَّحْرِيم للنَّبِي ﷺ وعليّ: وَهل أَنْتُم إِلَّا عبيد أبي، فَعرف ﷺ أَنه ثمل: أَي سَكرَان شَدِيد السكر، وَلَا يخفى دَفعه (وَلَا يخفى أَنه) أَي الدَّلِيل الدَّال على امْتنَاع تَكْلِيف مَا لَا يفهم (إِنَّمَا يكون قَاطعا بِلُزُوم) اجْتِمَاع (النقيضين) على تَقْدِير تَكْلِيفه (كَمَا ذكرنَا
стр. 630
فِي الْجمع) بَين قولي الْمَانِع والمجيز (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن قطعيته بذلك (فَمَمْنُوع) كَونه قَاطعا (عِنْدهم) أَي المجزين (كَيفَ وَقد ادّعوا الْوُقُوع) قَالَ الشَّارِح: ثمَّ لقَائِل أَن يَقُول: إِن كَانَ النَّهْي خطابا حَال سكره فنصّ، وَإِن كَانَ قبل سكره كَمَا هُوَ التَّأْوِيل الأول استلزم أَن يكون مُخَاطبا فِي حَال سكره أَيْضا، إِذْ لَا يُقَال للعاقل: إِذا جننت فَلَا تفعل كَذَا، لِأَنَّهُ إِضَافَة الْخطاب إِلَى وَقت بطلَان أَهْلِيَّته، وَأَيْضًا كَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف ﵀ أَنه لَو لم ينسحب هَذَا الْخطاب بِالتّرْكِ عَلَيْهِ حَال سكره لم يفد لَهُ، وَإِن كَانَ تَوْجِيه الْخطاب فِي حَال صحوه لَكِن الْمَطْلُوب التّرْك فِي حَال سكره، وَهَذَا معنى كَونه مُخَاطبا حَال سكره انْتهى.
وَلَا يخفى أَن التَّوْجِيه الأول حَاصله لَا تشرب الْمُسكر وَلَا معنى لاستلزامه كَونه مُخَاطبا بترك الصَّلَاة حَال السكر فَالْتبسَ عَلَيْهِ فَتوهم أَنه عين مَا أولُوا بِهِ من أَن خطاب ترك الصَّلَاة حَال السكر إِنَّمَا توجه إِلَيْهِم قبل السكر، فأورد عَلَيْهِ مَا أوردهُ على ذَلِك، وَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف من أَن الانسحاب الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّأْوِيل الأول، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ السُّبْكِيّ تعقبا للتأويل الأول: وَلقَائِل أَن يَقُول هَذَا صَرِيح فِي تَحْرِيم الصَّلَاة على المنتشي مَعَ حُضُور عقله بِمُجَرَّد عدم التثبيت، وَلَا يعْمل من قَالَ بِهِ، ثمَّ قَالَ: وَالْحق الَّذِي نرتضيه مذهبا أَن من لَا يفهم أَن كَانَ لَا قابلية لَهُ كَالْبَهَائِمِ فامتناع تَكْلِيفه مجمع عَلَيْهِ سَوَاء خطاب التَّكْلِيف وخطاب الْوَضع، فَإِن كَانَت لَهُ قابلية فإمَّا أَن يكون مَعْذُورًا فِي امْتنَاع فهمه كالطفل والنائم وَمن أكره على شرب مَا أسكره فَلَا تَكْلِيف إِلَّا بِالْوَضْعِ، وَإِمَّا أَن يكون غير مَعْذُور كالعاصي يسكره فيكلف تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَقد نَص الشَّافِعِي ﵀ على هَذَا، وَيشْهد لتفرقتنا بَين من لَهُ قابلية وَمن لَا قابلية لَهُ إِيجَاب الضَّمَان على الْأَطْفَال دون الْمَيِّت، فَإِن أَصْحَابنَا قَالُوا: لَو انتفخ ميت وتكسرت قَارُورَة بِسَبَب انتفاخه لم يجب ضَمَانهَا انْتهى، وَقَوله تعقبا للتأويل الدَّال أَيْضا مَبْنِيّ على الالتباس وَكَانَ وَقع فِي كَلَام الْقَوْم أَيْضا تَأْوِيلَانِ: أَولهمَا مَا الْتبس عَلَيْهِ أَولا، وَثَانِيهمَا عين الثَّانِي فِي هَذَا الْكتاب، وَهَذَا الَّذِي تعقبه السُّبْكِيّ. (هَذَا، واستلزم) القَوْل بِأَن الْفَهم شَرط التَّكْلِيف (اشْتِرَاط الْعقل الَّذِي بِهِ الْأَهْلِيَّة) للتكليف (فالحنفية) قَالُوا: الْعقل (نور) يضيء بِهِ طَرِيق (يبتدأ بِهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْجَار وَالْمَجْرُور فِي مَحل الرّفْع (من مُنْتَهى دَرك الْحَواس) قَالَ صدر الشَّرِيعَة فابتداء دَرك الْحَواس ارتسام المحسوس فِي الحاسة الظَّاهِرَة، ونهايته ارتسامه فِي الْحَواس الْبَاطِنَة فَحِينَئِذٍ بداية تصرف الْقلب فِيهِ بِوَاسِطَة الْعقل بِأَن يدْرك الْغَائِب من الشَّاهِد وتنتزع الكليات من تِلْكَ الجزئيات المحسوسة إِلَى غير ذَلِك من تمثيلات وَبَيَان مَرَاتِب للنَّفس الناطقة فَأفَاد المُصَنّف ﵀ جَمِيع ذَلِك وَزَاد عَلَيْهِ فَقَالَ (فيبدو) أَي يظْهر (بِهِ) أَي بذلك النُّور (الْمدْرك) بِصِيغَة الْمَفْعُول (للقلب) ثمَّ فسر الْقلب بقوله (أَي الرّوح
стр. 631
وَالنَّفس الناطقة فيدركه) أَي الْقلب (بخلقه تَعَالَى) الْإِدْرَاك فِيهِ من غير تَأْثِير لذَلِك النُّور، (فالنور آلَة إِدْرَاكهَا) أَي النَّفس الناطقة (وَشَرطه) أَي إِدْرَاكهَا (كالضوء لِلْبَصَرِ) أَي كَمَا أَن الضَّوْء شَرط عادي (فِي إيصاله) أَي الْبَصَر المبصرات إِلَى النَّفس الناطقة (وَمُقْتَضى مَا ذكرنَا) من هَذَا التَّعْرِيف (أَن لدرك الْحَواس) جمع حاسة بِمَعْنى الْقُوَّة الحساسة (مبدأ، قيل) وَقد عرفت الْقَائِل (هُوَ) أَي المبدأ (ارتسام المحسوسات) أَي انطباعها (أَي صورها) بِحَذْف الْمُضَاف، لِأَن أَنْفسهَا موجودات خارجية لَا يُمكن ارتسامها (فِيهَا) أَي فِي الْحَواس (ونهايته) أَي نِهَايَة دَرك الْحَواس (فِي الْحَواس الْبَاطِنَة) الْخمس (وَهِي الْحس الْمُشْتَرك فِي مقدم الدِّمَاغ) ينطبع فِيهِ صور المحسوسات كلهَا عِنْد غيبتها عَن الْحَواس الظَّاهِرَة، ومقدمة الْبَطن الأول مِنْهُ الَّذِي هُوَ مبدأ عصب الْحَواس (فيودعها) أَي الْحس الْمُشْتَرك (خزانته الخيال) عطف بَيَان لخزانتها لتحفظها، وَهِي قُوَّة مرتبَة فِي مُؤخر الْبَطن الأول من الدِّمَاغ (ثمَّ المفكرة) وَهِي قُوَّة مرتبَة فِي الْجُزْء الأول من الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ بهَا يَقع التَّرْكِيب وَالتَّفْصِيل بَين الصُّور المحسوسة الْمَأْخُوذَة من الْحس الْمُشْتَرك والمعاني المدركة بالوهم كإنسان لَهُ رأسان، أَو عديم الرَّأْس، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تأخذها) أَي المفكرة صور المحسوسات (مِنْهُ) أَي من الْحس الْمُشْتَرك (للتركيب كَمَا تَأْخُذ من خزانَة الْوَهم) أَي الْقُوَّة (الحافظة فِي الْمُؤخر) أَي مُؤخر الدِّمَاغ (مستودعاته) مفعول تَأْخُذ (من الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالمحسوس) فالوهم قُوَّة مرتبَة فِي آخر الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ يدْرك بهَا الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمَذْكُورَة (كصداقة زيد) وعداوة عَمْرو، والحافظة قُوَّة مرتبَة فِي الْبَطن الْأَخير مِنْهُ (وَهَذَا الْأَخْذ) الْمعبر عَنهُ بقوله: ثمَّ المفكرة تأخذها مِنْهُ للتركي (ابْتِدَاء عمل الْعقل، وَلما احْتَاجَ) ثُبُوت (هَذِه) الْأُمُور من الْعقل الَّذِي هُوَ الْجَوْهَر المجرّد الْمُتَعَلّق بِالْقَلْبِ والحواس الْبَاطِنَة (إِلَى سمع) أَي دَلِيل سَمْعِي يثبتها (عِنْد كثير من أهل الشَّرْع وَلم يكتف) فِي الِاسْتِدْلَال على وجودهَا (بِكَوْن فَسَاد هَذِه الْبُطُون) الَّتِي هِيَ محالها (يُوجب فَسَاد ذَلِك الْأَثر) الْمَذْكُور من ارتسام صور المحسوسات والتركيب والمعاني الْجُزْئِيَّة (وَكَانَ الْمُحَقق) الَّذِي لَا شُبْهَة فِي وجوده (هُوَ الْإِدْرَاك، وَهُوَ) أَي الْإِدْرَاك (بخلقه تَعَالَى) أَي مخلوقه عِنْد وجود السَّبَب العادي (لم يزدْ القَاضِي الباقلاني على أَن الْعقل بعض الْعُلُوم الضرورية) إِذْ لَو كَانَ كلهَا لزم عدم وجود الْعقل لفاقد الْبَعْض لفقد شَرط من الْتِفَات أَو تجربة أَو تَوَاتر وَنَحْو ذَلِك، والاتفاق على أَنه عَاقل، وَلَو كَانَ الْعلم بالنظريات للَزِمَ مثل ذَلِك (وَالْأَكْثَر) على أَن الْعقل (قُوَّة بهَا إِدْرَاك الكليات للنَّفس) وَقَالَ الإِمَام غريزة يتبعهَا الْعلم بالضروريات عِنْد سَلامَة الْآلَات. وَقَالَ بَعضهم: قُوَّة بهَا يُمَيّز بَين الْأُمُور المستحسنة
стр. 632
والقبيحة (ومحلها) أَي الْقُوَّة الَّتِي هِيَ الْعقل (الدِّمَاغ) وَهَذَا الرَّأْي (للفلاسفة) قَالَ الشَّارِح وخصوصا الْأَطِبَّاء وَأحمد فِي رِوَايَة وَأبي الْمعِين النَّسَفِيّ، وَعَزاهُ صدر الْإِسْلَام إِلَى أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَقَالَ: وَهُوَ جسم لطيف مضيء مَحَله الرَّأْس عِنْد عَامَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وأثره يَقع على الْقلب فَيصير الْقلب مدْركا بِنور الْعقل الْأَشْيَاء كَالْعَيْنِ تصير مدركة بِنور الشَّمْس الْأَشْيَاء. وَاحْتَجُّوا بِأَن الرجل يضْرب فِي رَأسه فيزول عقله وَلَا يَزُول بِضَرْب عُضْو آخر (وَالْقلب) عطف على الدِّمَاغ (اللَّحْم) الصنوبري الشكل الْمُودع فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الصَّدْر، عطف بَيَان للقلب (للأصوليين) كَالْقَاضِي أبي زيد، وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة لقَوْله تَعَالَى - ﴿فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ -: أَي عقل من ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال وَأجِيب عَن حجَّة الْأَوَّلين بِأَنَّهُ لَا يمْنَع زَوَال الْعقل وَهُوَ فِي الْقلب بِفساد الدِّمَاغ لما بَينهمَا من الارتباط كَمَا لَا يمْنَع عدم نَبَات شعر اللِّحْيَة بِقطع الاثنيين، وَقيل التَّحْقِيق: أَن أَصله ومادته من الْقلب وَيَنْتَهِي إِلَى الدِّمَاغ (وَهِي) أَي الْقُوَّة الْمُفَسّر بهَا الْعقل (المُرَاد بذلك النُّور وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (من مُنْتَهى دَرك الْحَواس إِشَارَة إِلَى أَن عمل الْعقل لَيْسَ فِيهَا) أَي فِي مدركات الْحَواس (فَإِنَّهَا مدركات الصّبيان والبهائم) والمجانين، فَعلم أَن مُجَرّد الْحَواس كَاف فِي ذَلِك من غير حَاجَة إِلَى الْعقل (بل) عمل الْعقل (فِيمَا يَنْزعهُ مِنْهَا) أَي المدركات الحسية (وَهُوَ) أَي عمله (عِنْد انْتِهَاء دَرك الْحَواس، وَعَمله التَّرْتِيب السالف) أَي النّظر الْمَذْكُور فِي أول الْكتاب (فيخلق الله عَقِيبه) أَي التَّرْتِيب الْمَذْكُور (علم الْمَطْلُوب بِالْعَادَةِ) من غير وجوب على مَا هُوَ الْحق، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْلهم عِنْد انْتِهَاء دركها أَنه لَا يصدر مِنْهُ عمل إِلَّا عِنْد ذَلِك، بل المُرَاد أَنه لَا عمل لَهُ قبل ذَلِك (وَأما جعل النُّور الْعقل الأول) الثَّابِت (عِنْد الفلاسفة الْجَوْهَر) الْفَرد (الْمُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي نَفسه وَفعله) عطف بَيَان لِلْعَقْلِ الأول وَزَعَمُوا أَنه أول الْمَخْلُوقَات، فَالْمُرَاد بِالنورِ الْمنور أَو المضيء بِذَاتِهِ كنور الشَّمْس، فَإِن مَا سوى الشَّمْس مضيء بِغَيْرِهِ وَهُوَ الشَّمْس، وَالشَّمْس مضيء بوصفها وَهُوَ نورها، ونورها مضيء بِذَاتِهِ والجاعل صدر الشَّرِيعَة، لَكِن على سَبِيل الِاحْتِمَال الْمُمكن (فبعيد عَن الصَّوَاب) فَإِن الْأُصُولِيِّينَ جعلُوا الْعقل من صِفَات الْمُكَلف وفسروه بِهَذَا التَّفْسِير، فَكيف يتَصَوَّر أَن يُرَاد بِالنورِ الْمَذْكُور فِي تفسيرهم ذَلِك! (وَكَذَا) بعيد عَن الصَّوَاب (جعله) أَي النُّور الْمَذْكُور (إشراقه) أَي الْأَثر الفائض من هَذَا الْجَوْهَر على نفس الْإِنْسَان كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة احْتِمَالا آخر مُمكنا، لِأَنَّهُ لَيْسَ من صِفَات الْمُكَلف: بل هُوَ من تَوَابِع ذَلِك الْجَوْهَر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتجوز فِيهِ مُسَامَحَة، وَلَا يخفى بعده والاستغناء عَنهُ (مَعَ أَن مَا يحصل بإشراقه) وإفاضة نوره (على النَّفس
стр. 633
والمدرك) عطف تفسيري لَهَا (الْإِدْرَاك) فَاعل يحصل (عِنْدهم) أَي الفلاسفة خبر إِن (الْعقل الْعَاشِر الْمُتَعَلّق بفلك الْقَمَر، وَإِلَيْهِ ينسبون الْحَوَادِث اليومية على مَا هُوَ كفرهم): يَعْنِي مَذْهَبهم الْمُشْتَمل على أَنْوَاع من الْكفْر (لَا) الْعقل (الأول، وَكَذَا) بعيد عَن الصَّوَاب (جعله) أَي النُّور الْمَذْكُور (الْمرتبَة الثَّانِيَة من مَرَاتِب النَّفس) الناطقة بِحَسب مَالهَا من التعقل، وَهِي أَرْبَعَة: الأولى استعداد بعيد نَحْو الْكَمَال بِمُجَرَّد قابليتها لإدراك المعقولات مَعَ خلوّها عَن إِدْرَاكهَا بِالْفِعْلِ كَمَا للأطفال وَهِي لَيست لسَائِر الْحَيَوَانَات، وَيُسمى عقلا هيولانيا تَشْبِيها بالهيولي الخيالية فِي نَفسهَا عَن جَمِيع الصُّور الْمُقَابلَة لَهَا الثَّانِيَة استعداد متوسط لتَحْصِيل النظريات بعد حُصُول الضروريات، وَتسَمى عقلا بالملكة كَمَا سَيَجِيءُ لما حصل بهَا من ملكة الِانْتِقَال إِلَى النظريات وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِيهَا جدا الثَّالِثَة الإقدار على استحصال النظريات مَتى شَاءَت من غير احْتِيَاج إِلَى كسب جَدِيد لكَونهَا مكتسبة مخزونة تحضر بِمُجَرَّد الِالْتِفَات، وَيُسمى عقلا بِالْفِعْلِ لقربها من الْفِعْل الرَّابِعَة حُصُول النظريات مُشَاهدَة، وَيُسمى عقلا مستفادا لاستفادتها من الْعقل الفعال (أَعنِي) بالمرتبة الثَّانِيَة (الْعقل بالملكة) وَإِنَّمَا كَانَ بَعيدا (لِأَنَّهُ) أَي النُّور الْمَذْكُور (آلَة لَهَا) أَي لهَذِهِ الْمرتبَة لَا نَفسهَا (والمسمى) بِالْعقلِ بالملكة (هِيَ) أَي النَّفس (فِي هَذِه الْمرتبَة أَو الْمرتبَة) الَّتِي فِيهَا النَّفس (وكل هَذِه) الِاحْتِمَالَات (فضلات الفلاسفة لَا يَلِيق بالشرعي) كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: أَي بِالَّذِي لَهُ نِسْبَة إِلَى الشَّرْع ليرتبط بِهِ قَوْله (الْبناء عَلَيْهَا) أَي على الاعتبارات الْمَذْكُورَة الموهومة (لعدم الِاعْتِدَاد بهَا شرعا، ثمَّ يتَفَاوَت) الْعقل بِحَسب الْفطْرَة بِالْإِجْمَاع وَشَهَادَة الْآثَار، فَرب صبي أَعقل من بَالغ (وَلَا يناط) التَّكْلِيف (بِكُل قدر) بِأَن يُكَلف كل من لَهُ مِقْدَار من الْعقل قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا لقُصُور بعض مراتبه عَن فهم الْخطاب وتدبير الْعَمَل لكَونه خَارِجا عَن وَسعه، وَلَا تَكْلِيف إِلَّا على قدر الوسع فاحتيج إِلَى ضَابِط بِكَوْن منَاط التَّكْلِيف (فأنيط بِالْبُلُوغِ) حَال كَونه (عَاقِلا، وَيعرف) كَونه عَاقِلا (بالصدر عَنهُ) من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال، فَإِن كَانَ على سنَن وَاحِد كَانَ معتدل الْعقل، وَهَذَا الِاعْتِدَال إِنَّمَا يحصل غَالِبا عِنْد الْبلُوغ، فأدير التَّكْلِيف عَلَيْهِ تيسير للعباد، فَإِذا بلغ وَمَا يصدر عَنهُ على نمط وَاحِد على الْوَجْه الْمَعْرُوف بَين النَّاس حكم بِكَوْنِهِ مُكَلّفا (وَأما قبله) أَي الْبلُوغ هَل يتَحَقَّق التَّكْلِيف (فِي صبي عَاقل فَعَن أبي مَنْصُور) الماتريدي وَكثير من مَشَايِخ الْعرَاق كَمَا سبق فِي الْفَصْل الثَّانِي فِي الحكم (والمعتزلة إناطة وجوب الْإِيمَان بِهِ) أَي بعقله (وعقابه) أَي الصَّبِي الْعَاقِل (بِتَرْكِهِ) أَي الْإِيمَان لمساواته البالع فِي كَمَال الْعقل، وَإِنَّمَا عذر فِي عمل الْجَوَارِح لضعف الْبَيِّنَة بِخِلَاف عمل الْقلب، غير أَن عِنْد هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ كَمَال الْعقل معرف للْوُجُوب كالخطاب، والموجب
стр. 634
هُوَ الله ﵎، بِخِلَاف الْمُعْتَزلَة فَإِن الْعقل عِنْدهم يُوجب بِذَاتِهِ كَمَا أَن العَبْد موجد لأفعاله. كَذَا ذكره الشَّارِح (ونفاه) أَي وجوب الْإِيمَان (بَاقِي الْحَنَفِيَّة دارية) لقَوْله ﷺ " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث: عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَعَن الصبيّ حَتَّى يَحْتَلِم، وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يعقل ". قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: مَعْنَاهُ امْتنَاع التَّكْلِيف، لَا أَنه رفع بعد وَضعه انْتهى، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: الْأَحْكَام إِنَّمَا تعلّقت بِالْبُلُوغِ بعد الْهِجْرَة، وَقبلهَا إِلَى عَام الخَنْدَق كَانَت تتَعَلَّق بالتمييز: فعلى هَذَا يكون الرّفْع بعد الْوَضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُمَيز، كَذَا ذكره الشَّارِح (وَرِوَايَة لعدم انْفِسَاخ نِكَاح المراهقة بِعَدَمِ وَصفه) أَي الْإِيمَان كَمَا مر فِي الْفَصْل الثَّانِي فِي الْحَاكِم. (وَاتفقَ غير الطَّائِفَة من البخاريين) من الْحَنَفِيَّة (على وُجُوبه) أَي الْإِيمَان (على بَالغ) عَاقل (لم تبلغه دَعْوَة على التَّفْصِيل) السَّابِق فِي الْفَصْل الْمَذْكُور: وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. (وَهَذَا فصل اخْتصَّ الْحَنَفِيَّة بعقده فِي الْأَهْلِيَّة) أَهْلِيَّة الْإِنْسَان للشَّيْء صلاحيته لصدوره وَطَلَبه مِنْهُ وقبوله إِيَّاه (وَهِي ضَرْبَان: أَهْلِيَّة الْوُجُوب) للحقوق الْمَشْرُوعَة لَهُ وَعَلِيهِ (وأهلية الْأَدَاء كَونه مُعْتَبرا فعله شرعا، وَالْأول بِالذِّمةِ وصف شَرْعِي) أَي ثَابت بِاعْتِبَار الشَّرْع تثبت (بِهِ الْأَهْلِيَّة لوُجُوب مَاله و) مَا (عَلَيْهِ) من الْحُقُوق الْمَشْرُوعَة: إِذْ الْوُجُوب شغل الذِّمَّة، وَأورد عَلَيْهِ أَنه يصدق على الْفِعْل بالتفسير الأول، وَأَن الْأَدِلَّة لَا تدل على ثُبُوت مُغَاير لِلْعَقْلِ وَأجِيب بِمَنْع الصدْق عَلَيْهِ وَلَا يظْهر وَجه الْمَنْع، نعم قد يُقَال: إِن الدَّلِيل يدل على ثُبُوت مُغَاير لِلْعَقْلِ، إِذْ الْمَجْنُون لَهُ أَهْلِيَّة مَاله وَعَلِيهِ فِي الْجُمْلَة (و) قَالَ (فَخر الْإِسْلَام) الذِّمَّة (نفس ورقبة لَهَا) أَي للنَّفس (عهد) والعطف تفسيري (وَالْمرَاد أَنَّهَا) أَي الذِّمَّة (الْعَهْد) الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى - ﴿وَإِذا أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ -: الْآيَة. وَعَن أبيّ بن كَعْب فِي تَفْسِيرهَا جمعهم لَهُ يَوْمئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فجعلهم أَزْوَاجًا ثمَّ صورهم فاستنطقهم فتكلموا، وَأخذ عَلَيْهِم الْعَهْد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم؟ قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة أَنا كُنَّا عَن هَذَا غافلين، فَلَا تكفرُوا بِي فَإِنِّي أرسل إِلَيْكُم رسلًا يذكرونكم عهدي وميثاقي، والْحَدِيث فَإِن قيل كَيفَ قَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة الْآن بذلك الْإِقْرَار وهم لَا يذكرُونَ ذَلِك الْعَهْد، فَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ المُرَاد إِلَّا قيام الْحجَّة يَوْم الْقِيَامَة وهم يذكرُونَ عِنْد ذَلِك إِمَّا بِخلق الذّكر فيهم، أَو بِإِزَالَة الْمُوجب للنسيان، أَو لِأَن الصَّادِق أخْبرهُم بِوُقُوع ذَلِك فلزمهم تَصْدِيقه (فَفِي ذمَّته) أَي فَقَوْل الْقَائِل فِي ذمَّته كَذَا يُرَاد بِهِ (فِي نَفسه بِاعْتِبَار عهدهما من) إِطْلَاق اسْم (الحالّ) وَهُوَ الذمّة (فِي الْمحل) وَهُوَ النَّفس (جعلت) النَّفس (كظرف) يسْتَقرّ فِيهِ الْوُجُوب (لقُوَّة التَّعَلُّق) أَي تعلق الْعَهْد الَّذِي هُوَ منشأ الْوُجُوب بِالنَّفسِ
стр. 635
(فَقبل الْولادَة ثمَّ نفس مُنْفَصِل من وَجه) لاستقلاله بِنَفسِهِ من جِهَة التفرد بِالْحَيَاةِ وَإِن كَانَ جُزْءا من أمه من وَجه لقراره وانتقاله بقرارها، وانتقالها كيدها ورجلها، وتبعيته لَهَا فِي الْعتْق وَالرّق ودخوله فِي بيعهَا (فَهِيَ) أَي الذِّمَّة ثَابِتَة لَهُ (من وَجه من الْوُجُوب لَهُ من وَصِيَّة وميراث وَنسب وَعتق على الِانْفِرَاد) أَي دون الْأُم إِذا كَانَ مُحَقّق الْوُجُود وَقت تعلق وُجُوبهَا لَهُ على مَا عرف فِي مَحَله (لَا عَلَيْهِ) أَي غير ثَابِتَة فِيمَا يجب عَلَيْهِ (فَلَا يجب فِي مَاله ثمن مَا اشْترى الْوَلِيّ لَهُ، وَبعد الْولادَة تمت لَهُ) الذِّمَّة من كل وَجه (فاستعقبته) أَي الذِّمَّة الْوُجُوب (لَهُ وَعَلِيهِ إِلَّا مَا) أَي إِلَّا وجوب فعل (يعجز عَن أَدَائِهِ لانْتِفَاء فَائِدَته) أَي ذَلِك الْوُجُوب. ثمَّ بَين الْمُسْتَثْنى بقوله (مِمَّا لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ مُجَرّد المَال) كالعبادة الْمَحْضَة، فَإِن فَائِدَة وُجُوبهَا الْأَدَاء على سَبِيل التَّعْظِيم عَن اخْتِيَار وَقصد صَحِيح، وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يعقل لَا يتَصَوَّر مِنْهُ مَا ذكر وَالَّذِي يعقل عَن أَدَائِهِ وَلَا يَنُوب عَنهُ وليه فِي ذَلِك، لِأَن ثُبُوت الْولَايَة جبري لَا اختياريّ: فَلَا يصلح طَاعَة (وَذَلِكَ) أَي مَا بَقِي بعد الثنيا: أَي مَا يجب على الصَّبِي الْمَذْكُور مِمَّا الْمَقْصُود مِنْهُ مُجَرّد المَال (كَمَال الْغرم) أَي الغرامات الْمَالِيَّة الَّتِي هِيَ من حُقُوق الْعباد كَمَا لَو انْقَلب على مَال إِنْسَان فأتلفه عَلَيْهِ الضَّمَان (والعوض) فِي الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة من البيع وَالشِّرَاء وَنَحْوهمَا لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا المَال جبرا لفائت، وَأَدَاء لحق الْمُعَارضَة لَا الطَّاعَة، فَيحصل بأَدَاء وليه (والمؤنة) أَي مُؤنَة مَا فِي ملكه من الأَرْض وَغَيرهَا (كالعشر وَالْخَرَاج وصلَة كالمؤنة) أَي وَمثل تَشْبِيه صلَة الْمُؤْنَة (كَنَفَقَة الْقَرِيب) فَإِنَّهَا تشبه الْمُؤْنَة من جِهَة أَنَّهَا تجب على الْغَنِيّ كِفَايَة لما يحْتَاج إِلَيْهِ أَقَاربه، وَكَذَا لَا يجب على غير الْمُوسر، وَالْمَقْصُود مِنْهَا سد خلة الْقَرِيب بوصول كِفَايَته، وَذَلِكَ بِالْمَالِ (وكالعوض) أَي وَمثل صلَة تشبه الْعِوَض (كَنَفَقَة الزَّوْجَة) فَإِنَّهَا تشبهه من جِهَة وُجُوبهَا جُزْء للاحتباس الْوَاجِب عَلَيْهَا، وَمَا جعلت عوضا مَحْضا لِأَنَّهُمَا لم تجب بِعقد الْمُعَاوضَة، ولكونها صلَة تسْقط بمضيّ الْمدَّة إِذا لم يُوجد الْتِزَام كَنَفَقَة الْقَرِيب، ولشبهما بالأعواض تعْتَبر دينا بالالتزام (لَا) مَا يكون من الصِّلَة (كالأجزية) فَإِنَّهَا لَا تجب فِي مَاله (كالعقل) أَي كتحمل شَيْء من الدِّيَة مَعَ الْعَاقِلَة فَإِنَّهُ صلَة، لَكِن فِيهِ معنى الْجَزَاء على ترك حفظ السَّفِيه وَالْأَخْذ على يَد الظَّالِم، وَلذَا اخْتصَّ بِهِ رجال الْعَشِيرَة دون الصَّبِي وَالنِّسَاء لأَنهم لَيْسُوا من أهل الْحِفْظ مَعَ أَنه عُقُوبَة وَالصَّبِيّ لَيْسَ من أَهلهَا، وَهَذَا (بِخِلَاف الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا لم تجب عَلَيْهِ (للْحَرج) وَذهب بعض الْمَشَايِخ كَالْقَاضِي أبي زيد إِلَى وجوب حُقُوق الله تَعَالَى جَمِيعًا على الصَّبِي، لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على صِحَة الْأَسْبَاب وَقيام الذِّمَّة وَقد تحققا فِيهِ، لَا على الْقُدْرَة والتمييز لِأَنَّهُمَا قد يعتبران فِي حق وجوب الْأَدَاء، وَهُوَ غير أصل الْوُجُوب، ورده الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم بِأَنَّهُ
следующие страницы →