← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

لَهُ أَو وَاجِب عَلَيْهِ مِمَّا اخْتصَّ بِهِ، وَلَا فرق بَين أَن يكون القَوْل مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا، وَذَلِكَ لِأَن فِيهِ جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ أولى من إبِْطَال أَحدهمَا كَمَا سَنذكرُهُ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْمُتَقَدّم مِنْهُمَا هُوَ الْبَيَان أيا كَانَ وَهُوَ بَاطِل إِذْ يلْزمه نسخ الْفِعْل إِذا كَانَ هُوَ الْمُتَقَدّم مَعَ إِمْكَان الْجمع وَأَنه بَاطِل. بَيَانه إِذا تقدم الْفِعْل وَهُوَ طوافان وَجب علينا طوافان، فَإِذا أَمر بِطواف وَاحِد فقد نسخ أحد الطوافين عَنَّا انْتهى، فَإِن قيل القَوْل الْمُتَأَخر يُوجب النّسخ فَمَا معنى قَوْله بِلَا مُلْزم، قُلْنَا مَعْنَاهُ أَن النّسخ إِنَّمَا لزم بِسَبَب جعل الْفِعْل بَيَانا، لِأَن القَوْل إِذن على تَقْدِير كَون القَوْل بَيَانا لَا يلْزم النّسخ بل يحمل على أَن الْفِعْل ندب لنا وَله ﷺ أَو وَاجِب مُخْتَصّ بِهِ فَلَا يسْتَلْزم النّسخ فِي حَقنا وَفِي حَقه إِذْ لَيْسَ فِي القَوْل تنصيص على مُشَاركَة الْأمة (وَلَا يتَصَوَّر فِيهِ) أَي فِي الْمُجْمل (أرجحية دلَالَته على دلَالَة الْمُبين) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل (على) الْمَعْنى (الْمعِين) من الْمُجْمل (بل يُمكن) أَن يكون دلَالَة الْمُجْمل (على مَعْنَاهُ الإجمالي وَهُوَ أحد الِاحْتِمَالَيْنِ) أرجح من دلَالَة الْمُبين على المُرَاد مِنْهُ (كثلاثة قُرُوء) فَإِنَّهُ أقوى دلَالَة (على ثَلَاثَة أَقراء من الطُّهْر أَو الْحيض وَيتَعَيَّن) المُرَاد من الْمُجْمل (بأضعف دلَالَة على الْمعِين) بِالنِّسْبَةِ إِلَى دلَالَة الْمُجْمل على مَعْنَاهُ الإجمالي (وَسلف للحنفية) فِي بحث الْمُجْمل (مَا تقصر مَعْرفَته) أَي معرفَة المُرَاد مِنْهُ (على السّمع، فَإِن ورد) سمعى بَين المُرَاد مِنْهُ بَيَانا (قَطْعِيا شافيا صَار) ذَلِك الْمُجْمل بعد لُحُوق هَذَا الْبَيَان (مُفَسرًا، أَولا) يكون شافيا (فمشكل) ذكر فِيمَا سبق أَن مَا خَفِي المُرَاد مِنْهُ لتَعَدد مَعَانِيه الاستعمالية مَعَ الْعلم بالاشتراك وَلَا معِين أَو مَعَ تجويزها مجازية أَو بَعْضهَا إِلَى التَّأَمُّل مُشكل. ثمَّ ذكر أَن مَا لحقه الْبَيَان خرج عَن الْإِجْمَال بالِاتِّفَاقِ، وسمى بَيَانا عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَعند الْحَنَفِيَّة إِن كَانَ شافيا بقطعي فمفسر أَو بظني فمؤول أَو غير شاف خرج عَن الاجمال إِلَى الاشكال، فَظَاهر عِبَارَته هَهُنَا أَن الْبَيَان الَّذِي لَيْسَ بقطعي إِذا لم يكن شافيا هُوَ الْمُشكل وَالَّذِي يظْهر من هُنَاكَ بِأَن الَّذِي لَيْسَ بشاف فَهُوَ مُشكل سَوَاء كَانَ قَطْعِيا أَو ظنيا (أَو ظنا فمشكل) مَعْطُوف على قَطْعِيا وَكَانَ مُقْتَضى الظَّن أَن يَقُول أَو ظنيا مَحَله، وَلَعَلَّه تَصْحِيف من النَّاسِخ فَأول (وَقبل الِاجْتِهَاد فِي استعلامه) لجَوَاز الِاجْتِهَاد فِي مُقَابلَة الظني دون الْقطعِي (وَهُوَ) أَي هَذَا الْخلاف (لَفْظِي مَبْنِيّ على الِاصْطِلَاح) فِي المُرَاد بالمجمل، وَسبق تَفْصِيله فِي مَوْضِعه (وَقَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (إِذا بَين الْمُجْمل الْقطعِي الثُّبُوت بِخَبَر وَاحِد نسب) الْمَعْنى الْمُبين (إِلَيْهِ) أَي الْمُجْمل لكَونه أقوى، لَا إِلَى خبر الْوَاحِد مَعَ كَونه دَالا عَلَيْهِ (فَيصير) الْمَعْنى الْأَعَمّ (ثَابتا بِهِ) أَي بالمجمل (فَيكون) ذَلِك الْمَعْنى

стр. 877

(قَطْعِيا) بِنَاء على أَنه ثَابت بقطعي (وَمنعه صَاحب التَّحْقِيق، إِذْ لَا تظهر مُلَازمَة) بَينهمَا توجب ذَلِك وَقيل لَا فرق بَين أَن يعرف المُرَاد من الْمُشْتَرك بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ظَنِّي، وَبَين أَن يعرف بِخَبَر الْوَاحِد (وَهُوَ) أَي مَنعه (حق وَلَو انْعَقَد عَلَيْهِ) أَي على أَن المُرَاد من الْمُجْمل ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي بَينه الْخَبَر الْمَذْكُور (إِجْمَاع فشيء آخر. وَإِلَى بَيَان ضَرُورَة تقدم) فِي التَّقْسِيم الأول من الْفَصْل وَهَذَا أَيْضا لم يَجعله القَاضِي أَبُو زيد من أَقسَام الْبَيَان، وَجعله فَخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وموافقوهما مِنْهَا، وَالْإِضَافَة فِيهِ إِلَى السَّبَب (وَأما بَيَان التبديل فَهُوَ النّسخ، وَهُوَ) أَي النّسخ لُغَة (الْإِزَالَة) حَقِيقَة كنسخت الشَّمْس الظل، والشيب الشَّبَاب، وَالرِّيح آثَار الدَّار، يسْتَعْمل (مجَازًا للنَّقْل) أَي التَّحْوِيل للشَّيْء من مَكَان إِلَى مَكَان، أَو من حَالَة إِلَى حَالَة مَعَ بَقَائِهِ فِي نَفسه كنسخت النَّحْل الْعَسَل: إِذا نقلته من خلية إِلَى خلية لما فِي النَّقْل من الْإِزَالَة عَن مَوْضِعه الأول (أَو قلبه) أَي حَقِيقَة للنَّقْل مجَاز للإزالة، وَهَذَا قَول جمَاعَة مِنْهُم الْقفال، وَالْأول قَول الْأَكْثَرين، وَرجحه الإِمَام الرَّازِيّ (أَو مُشْتَرك) لَفْظِي بَينهمَا، إِذْ الأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة، وَهَذَا قَول القَاضِي وَالْغَزالِيّ، أَو معنوي، وَبِه قَالَ ابْن الْمُنِير، وَالْقدر الْمُشْتَرك هُوَ الرّفْع (وتمثيل النَّقْل بنسخت مَا فِي هَذَا الْكتاب) كَمَا ذكر كثير (تساهل) لِأَنَّهُ فعل مثل مَا فِيهِ فِي غَيره لَا نقل فِيهِ عينه، ثمَّ قيل هَذَا نزاع لَفْظِي لَا يتَعَلَّق بِهِ غَرَض علمي وَقيل بل معنوي تظهر فَائِدَته فِي جَوَاز النّسخ بِلَا بدل، وَفِيه مَا فِيهِ. (وَاصْطِلَاحا رفع تعلق مُطلق) عَن تَقْيِيد بتأقيت أَو تأبيد (بِحكم شَرْعِي) الْجَار مُتَعَلق بتعلق (ابْتِدَاء) لَا يُقَال مَا ثَبت فِي الْمَاضِي من التَّعَلُّق لَا يتَصَوَّر بُطْلَانه لتحققه قطعا، وَمَا فِي الْمُسْتَقْبل لم يثبت بعد فَكيف يبطل، فَلَا رفع، لأَنا نقُول المُرَاد بِالرَّفْع زَوَال ظن الْبَقَاء فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَوْلَا النَّاسِخ لَكَانَ فِي عقولنا ظن أَنه بَاقٍ فِي الْمُسْتَقْبل فقد علم أَن الَّذِي رفع إِنَّمَا هُوَ التَّعَلُّق الْحَادِث المتجدد لَا نفس الحكم (فَانْدفع) مَا قيل من (أَن الحكم قديم لَا يرْتَفع) لِأَن كل أزلي أبدي، وَلَا يتَصَوَّر رَفعه (و) انْدفع (بِمُطلق مَا) أَي رفع تعلق الحكم (بالغاية) نَحْو - ﴿وَأَتمُّوا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ -. (و) انْدفع أَيْضا بِمُطلق رفع تعلقه بِسَبَب (الشَّرْط) نَحْو: صل الظّهْر إِن زَالَت الشَّمْس، فَإِن طلب الظّهْر تنجيزا قد رفع بِسَبَب تَعْلِيقه بِشَرْط الزَّوَال (و) انْدفع بِهِ أَيْضا رفع تعلقه بالمستثنى فِي صدر الْكَلَام بِحَسب الظَّاهِر من حَيْثُ الْعُمُوم بِسَبَب (الِاسْتِثْنَاء) نَحْو: اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا أهل الذِّمَّة، إِذْ لَيْسَ شَيْء من الْمَذْكُورَات نسخا وَاعْترض الشَّارِح بِأَن الرّفْع يَقْتَضِي سَابِقَة الثُّبُوت وَلم يرفع شَيْء مِنْهَا مَا سبق ثُبُوته قبل ذكرهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى الِاحْتِرَاز عَنْهَا وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الِاحْتِرَاز فِي مثل هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن دُخُوله فِي جنس التَّعْرِيف، فَإِن الرّفْع كَمَا يُطلق

стр. 878

على إِزَالَة مَا ثَبت يُطلق على إِزَالَة احْتِمَال وجود شَيْء بِسَبَب وجود مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهرا كَمَا فِي الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء، فَإِن قَوْله ﷺ يقتضى التَّنْجِيز لَوْلَا الشَّرْط وَالْأَمر بقتل الْمُشْركين يقتضى قتل أهل الذِّمَّة لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء، وَالْحكم المغيا كَانَ ظَاهره أَن يَشْمَل مَا بعد الْغَايَة لولاها، لِأَن الأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الاستمراز، على أَن الِاحْتِرَاز قد يُرَاد بِهِ رفع توهم دُخُول مَا لَيْسَ من أَفْرَاد الْمُعَرّف، وَقيل أَنه احْتِرَاز عَن الحكم الْمُؤَقت بِوَقْت خَاص، فَإِنَّهُ لَا يَصح نُسْخَة قبل انتهائه، وَلَا يتَصَوَّر بعد انتهائه، وَعَن الحكم الْمُقَيد بالتأييد، كَذَا ذكره الشَّارِح وَلَا يخفى مَا فِيهِ وَقَالَ انْدفع بقولنَا الحكم الشَّرْعِيّ مَا كَانَ رفعا للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة قبل وُرُود الشَّرْع عِنْد الْقَائِل بهَا، فَإِنَّهُ لَا يُسمى نسخا اتِّفَاقًا، لَا يُقَال خرج مِنْهُ مَا نسخ لَفظه وَبَقِي حكمه، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَفْع حكم، بل لفظ لِأَنَّهُ مُتَضَمّن لرفع أَحْكَام كَثِيرَة كالتعبد بتلاوته وَمنع الْجنب إِلَى غير ذَلِك فَتَأمل (و) انْدفع (بالأخير) أَي ابْتِدَاء (مَا) أَي رفع تعلقه (بِالْمَوْتِ وَالنَّوْم) وَالْجُنُون وَنَحْوهَا، وبانعدام الْمحل كذهاب الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَي الرّفْع فِي هَذِه الْأَشْيَاء (لعَارض) من هَذِه الْعَوَارِض لَا ابْتِدَاء بخطاب شَرْعِي وَأورد بِأَن رفع تعلق الحكم بِالنَّوْمِ بقوله ﷺ " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة: عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ ": الحَدِيث. وَقد يُجَاب بِأَن هَذَا الحَدِيث مَبْنِيّ على الْعَارِض وإخبار عَمَّا رفع لعَارض، وَالْمرَاد بقوله ابْتِدَاء مَا لَا يكون لعَارض فَتَأمل (وَيعلم التَّأَخُّر من الرّفْع) فِي الشَّرْح العضدي بعد تَعْرِيف النّسخ بِرَفْع الحكم الشَّرْعِيّ بِدَلِيل شَرْعِي مُتَأَخّر، وَقَوله مُتَأَخّر ليخرج، نَحْو: صل عِنْد كل زَوَال إِلَى آخر الشَّهْر وَإِن كَانَ يُمكن أَن يُقَال أَنه لَيْسَ يرفع التَّوَهُّم مِمَّا يقْصد فِي الْحُدُود انْتهى. وَالْمُصَنّف ترك ذكر الدَّلِيل الشَّرْعِيّ لِأَن رفع تعلق الحكم الشَّرْعِيّ لَا يُمكن بِدُونِهِ فَذكره مُسْتَلْزم لذكره وَكَون ذَلِك الدَّلِيل مُتَأَخِّرًا عَن الحكم الْمَرْفُوع تعلقه يعلم من مَفْهُوم الرّفْع لِأَنَّهُ فرع وجوده السَّابِق، وَفسّر الشَّارِح التَّأَخُّر بالتراخي وَلَيْسَ بجيد إِذْ الرّفْع لَا يدل عَلَيْهِ وَلَا يلْزمه، ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا فسر التَّأَخُّر بالتراخي لِأَن الْمُتَأَخر قد يكون مُخَصّصا نَاسِخا كالاستثناء والمخصص الأول انْتهى. وَأَنت خَبِير بِأَن الِاسْتِثْنَاء قد خرج بِمُطلق والمخصص الأول لم يرفع تعلق الحكم بل بَين أَن مَا خصص بِهِ لم يكن مُتَعَلّقه (والسمعي المستقل) بِنَفسِهِ (دَلِيله) أَي الرّفْع الَّذِي هُوَ النّسخ (وَقد يَجْعَل) النّسخ (إِيَّاه) أَي الدَّلِيل (اصْطِلَاحا) كَمَا وَقع (فِي قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ) هُوَ (اللَّفْظ الدَّال على ظُهُور انْتِفَاء شَرط دوَام الحكم الأول) فِي الشَّرْح العضدي مَعْنَاهُ أَن الحكم كَانَ دَائِما فِي علم الله دواما مَشْرُوطًا بِشَرْط لَا يُعلمهُ إِلَّا هُوَ، وَأجل الدَّوَام أَن يظْهر انْتِفَاء ذَلِك بِالشّرطِ الْمُكَلف فَيَنْقَطِع الحكم وَيبْطل دَوَامه، وَمَا ذَلِك إِلَّا بتوفيقه تَعَالَى إِيَّاه، فَإِذا قَالَ قولا دَالا

стр. 879

عَلَيْهِ فَذَلِك هُوَ النّسخ (و) فِي قَول (الْغَزالِيّ) وفَاقا للْقَاضِي أبي بكر (الْخطاب الدَّال على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ الأول على وَجه لولاه كَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ) فَخرج نَحْو: لَا تَصُومُوا بعد غرُوب الشَّمْس بعد أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل، لِأَنَّهُ وَإِن دلّ على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت لَكِن لَا على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه لِأَنَّهُ لَو اتَّصل بِهِ لَكَانَ بَيَانا لمُدَّة الحكم كالشرط وَالصّفة والغاية وَالِاسْتِثْنَاء، كَذَا ذكره الشَّارِح. (وَمَا قيل) وَعَزاهُ ابْن الْحَاجِب إِلَى الْفُقَهَاء (النَّص الدَّال على انْتِهَاء أمد الحكم) أَي غَايَته (مَعَ تراخيه عَن مورده) أَي زمَان وُرُود الحكم الأول احْتِرَاز عَن الْبَيَان الْمُتَّصِل بالحكم مُسْتقِلّا كَانَ أَو غير مُسْتَقل، وَهَذِه التعاريف غير مرضية (فَإِنَّهُ اعْترض عَلَيْهَا) أَي على هَذِه التعاريف (بِأَن جِنْسهَا) من اللَّفْظ وَالْخطاب وَالنَّص (دَلِيله) أَي النّسخ (لَا هُوَ) أَي النّسخ، وَقد يُقَال: النّسخ الحكم بِالْآيَةِ وَالْخَبَر (وَأجِيب بالتزامه) أَي كَون جِنْسهَا نفس النّسخ (كَمَا أَنه) أَي جِنْسهَا هُوَ (الحكم) وَهُوَ خطاب الله الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف إِلَى آخِره. فِي الشَّرْح العضدي، وَقد يُجَاب عَنْهَا بِأَنَّهُ قد علم أَن الحكم يَدُوم مَا وجد شَرط دَوَامه وَلَيْسَ شَرطه إِلَّا عدم قَول الله تَعَالَى الدَّال على انتفائه، فقاطع الدَّوَام هُوَ ذَلِك القَوْل، وَهُوَ النّسخ، فَكَمَا أَن الحكم لَيْسَ إِلَّا قَوْله افْعَل، فالنسخ لَيْسَ إِلَّا ذَلِك القَوْل (وَهَذَا) أَي كَون الْكَلَام نفس الحكم (إِنَّمَا يَصح) حَقِيقَة (فِي) الْكَلَام (النَّفْسِيّ والمجعول جِنْسا) فِي التعاريف الْمَذْكُورَة (اللَّفْظ) لتصريحهم بِهِ (وَلِأَنَّهُ) أَي الْجِنْس الْمَذْكُور (جعل دَالا لنا، والنفسي مَدْلُول) عَلَيْهِ بِهِ (وَأَيْضًا يدْخل قَول الْعدْل نسخ) حكم كَذَا فِي التعاريف الْمَذْكُورَة لصدقها عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بنسخ فَلَا تكون مطردَة (وَيخرج) عَنْهَا (فعله ﷺ وَقد يكون النّسخ بِهِ فَلَا تكون منعكسة (وَأجِيب بِأَن المُرَاد) بِالدَّال فِي التعاريف (الدَّال بِالذَّاتِ) أَي بِاعْتِبَار الذَّات لَا بِوَاسِطَة مَا يفهم مِنْهُ (وهما) أَي قَول الْعدْل وَفعله ﷺ (دَلِيلا ذَلِك، لَا هُوَ) أَي الدَّال بِالذَّاتِ (وَخص الْغَزالِيّ بورود اسْتِدْرَاك) قَوْله على وَجه الخ) لِأَن مَا قصد بِهِ إِخْرَاجه وَقد عَرفته آنِفا غير دَاخل فِي الدَّال على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت إِلَى آخِره إِذْ لم يثبت الصَّوْم بعد الْغُرُوب وَلم يظْهر لَهُ فَائِدَة أُخْرَى (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْقَيْد الْمَذْكُور (احْتِرَاز عَن قَول الْعدْل لِأَنَّهُ) أَي قَول الْعدْل (لَيْسَ كَذَلِك) أَي لولاه لَكَانَ ثَابتا (لِأَن الِارْتفَاع) للْحكم لَيْسَ بقول الْعدْل بل (بقول الشَّارِع قَالَه هُوَ) أَي الْعدْل (أَولا) أَي أَو لم يقلهُ (والتراخي لإِخْرَاج الْمُقَيد بالغاية) وَنَحْوهَا من المخصصات الْمُتَّصِلَة (وَلَا يخفى أَن صِحَّته) أَي هَذَا الْجَواب (توجب اعْتِبَار قَول الْعدْل دَاخِلا) فِي الْخطاب الدَّال إِلَى آخِره، إِذْ لَا يحْتَرز عَمَّا لَيْسَ بداخل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد الدَّال بِالذَّاتِ فَلَا يكون دَاخِلا

стр. 880

(فَلَا ينْدَفع) النَّقْض بقوله الْعدْل (عَن) التعريفين (الآخرين) الأول وَالثَّالِث لإيجابه حمل الدَّال على أَعم مِمَّا يكون بِالذَّاتِ (وَلَو صَحَّ ذَلِك) أَي رفع الإيرادين عَنْهُمَا (بادعاء أَنه) أَي الدَّال بِالذَّاتِ هُوَ (الْمُتَبَادر من الدَّال لزم الِاسْتِدْرَاك) الْمَذْكُور على الْغَزالِيّ فدار الْأَمر بَين دُخُول قَول الْعدْل فِي صدر التعاريف الثَّلَاثَة وَيلْزمهُ الِاسْتِدْرَاك وَبَين دُخُوله وَعدم اندفاع الْبَعْض بقول الْعدْل عَن التعريفين (ويندفع قَول) الْعدْل (الرَّاوِي) نسخ كَذَا (عَن (الثَّالِث) وَهُوَ النَّص الدَّال على انْتِهَاء أمد الحكم مَعَ تراخيه عَن مورده (أَيْضا) أَي كَمَا ينْدَفع بِإِرَادَة الدَّال بِالذَّاتِ (بِأَنَّهُ) أَي قَوْله (لَيْسَ بِنَصّ فِي) الْمَعْنى (الْمُتَبَادر) مِنْهُ لما فِيهِ من الِاحْتِمَال، إِن أَرَادَ بِالنَّصِّ مَا يُقَابل الظَّاهِر فكونه لَيْسَ بِنَصّ فِيهِ على الْإِطْلَاق مَمْنُوع، وَإِن أَرَادَ بِهِ مَا يُقَابل الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس: وَهُوَ الْكتاب وَالسّنة، وَقَول الرَّاوِي لَيْسَ مِنْهُمَا فَقَوله فِي الْمُتَبَادر يَأْبَى عَنهُ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار مَا هُوَ الْمُتَبَادر من لفظ النَّص، وَقد يُقَال مُرَاده أَن الرَّاوِي قد يظنّ أَن الحكم مَنْسُوخا وَلَيْسَ كَذَلِك فِي الْوَاقِع (وَذكرهمْ) أَي الْفُقَهَاء (الِانْتِهَاء) فِي تَعْرِيف النّسخ (دون الرّفْع) كَمَا فِي الثَّالِث (إِن كَانَ لظُهُور فَسَاده) أَي ذَلِك الرّفْع (إِذْ لَا يرْتَفع الْقَدِيم لم يفد) ذكر الِانْتِهَاء (لِأَنَّهُ) أَي الرّفْع (لَازم الِانْتِهَاء) لِأَنَّهُ إِذا انْتهى ارْتَفع، على أَن الْقَدِيم كَمَا لَا يرْتَفع لَا يَنْتَهِي، وَإِن أُرِيد انْتِهَاء تعلقه فَكَذَلِك الرّفْع (وَإِن) كَانَ ذكرهم إِيَّاه (لِاتِّفَاق اختيارهم عبارَة أُخْرَى) لَا لقصد ذَلِك: يَعْنِي قصدُوا تعبيرا آخر فَوَقع فِيهِ ذكر الِانْتِهَاء اتِّفَاقًا (فَلَا بَأْس) إِذْ لَا حجر فِي ذَلِك. مسئلة (أجمع أهل الشَّرَائِع على جَوَازه) أَي النّسخ عقلا (ووقوعه) نسخا (وَخَالف غير العيسوية من الْيَهُود فِي جَوَازه ففرقة) وهم الشمعونية مِنْهُم ذَهَبُوا إِلَى امْتِنَاعه (عقلا، وَفرْقَة) هم العنانية إِلَى امْتِنَاعه (سمعا) أَي نصا لَا عقلا، واعترف بِجَوَازِهِ عقلا وسمعا العيسوية مِنْهُم وهم أَصْحَاب أبي عِيسَى الْأَصْفَهَانِي المعترفون ببعثه نَبيا مُحَمَّد ﷺ إِلَى بني إِسْمَاعِيل خَاصَّة وهم الْعَرَب، لَا إِلَى الْأُمَم كَافَّة (و) خَالف (أَبُو مُسلم الْأَصْفَهَانِي) المعتزلي الملقب بِالْحَافِظِ واسْمه مُحَمَّد ابْن بَحر، وَقيل ابْن عمر، وَقيل هُوَ عَمْرو بن يحيى وَهُوَ مَعْرُوف بِالْعلمِ ذُو تَأْلِيفَات كَثِيرَة مَا بَين تَفْسِير وَغَيره (فِي وُقُوعه فِي شَرِيعَة وَاحِدَة) وَحكى الإِمَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه إِنْكَاره نسخ شَيْء من الْقُرْآن لِأَنَّهُ تَعَالَى وصف كِتَابه بِأَنَّهُ - ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ - فَلَو نسخ بعضه لبطل وَأجَاب الْبَيْضَاوِيّ بِأَن الضَّمِير لمجموع الْقُرْآن، وَهُوَ لَا ينْسَخ اتِّفَاقًا، وَفِي

стр. 881

الْمَحْصُول مَعْنَاهُ لم يتقدمه من الْكتب مَا يُبطلهُ وَلَا يَأْتِي بعده مَا يُبطلهُ وَأجَاب آخَرُونَ بِأَنا لَا نسلم أَن النّسخ إبِْطَال، سلمنَا أَنه إبِْطَال، لَكِن نمْنَع أَن هَذَا الْإِبْطَال بَاطِل: بل هُوَ حق - يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت -. (لنا لَا يلْزم قطعا مِنْهُ) أَي النّسخ (محَال عَقْلِي إِن لم تعْتَبر الْمصَالح) أَي رِعَايَة جلب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة فِي التكاليف (فَظَاهر) عدم لُزُومه، إِذْ على ذَلِك التَّقْدِير لَا يقْصد مِنْهَا إِلَّا الِابْتِلَاء وَالله تَعَالَى يفعل الله مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد من غير اعْتِبَار مصلحَة فِي حكمه (وَإِن) اعْتبر الْمصَالح فِيهَا (فلاختلافها) أَي الْمصَالح (بالأوقات) أَي بِحَسب اختلافها كشرب الدَّوَاء نَافِع فِي وَقت ضار فِي آخر (فيختلف حسن الشَّيْء وقبحه) باخْتلَاف الْأَوْقَاف (وَالْأَحْوَال) مَعْطُوف على الْأَوْقَات أَي وباختلاف الْأَحْوَال فاختلاف الْمصَالح تَارَة ينشأ من اخْتِلَاف الْأَوْقَات، وَأُخْرَى باخْتلَاف أَحْوَال الْمُكَلّفين، فاختلاف الْأَوْقَات لذَلِك بِدُونِ الْأَحْوَال غير ظَاهر (فَبَطل قَوْلهم) أَي مانعي جَوَازه عقلا (النَّهْي يَقْتَضِي الْقبْح وَالْوُجُوب الْحسن فَلَو صَحَّ) كَون الْفِعْل الْوَاحِد مَنْهِيّا مَأْمُورا بِهِ (حسن وقبح) وَهُوَ محَال لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاع الضدين، وَوجه الْبطلَان أَن الْمحَال اجْتِمَاع الْحسن والقبح من جِهَة وَاحِدَة، وَعند اخْتِلَاف الْجِهَة لَا مَحْذُور فِيهِ كَمَا إِذا كَانَ فِي قتل شخص صَلَاح للْعَالم فَإِن قَتله قَبِيح بِالنّظرِ إِلَى ذَاته حسن بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَلَاح الْعَالم (وَلِأَنَّهُ) أَي نسخ الحكم (إِن) كَانَ (لحكمة ظَهرت) لَهُ تَعَالَى (بعد عَدمه) أَي عدم ظُهُورهَا عِنْد شرع الحكم الأول (فبداء) بِالْمدِّ أَي ظُهُور بعد الخفاء، وَهُوَ محَال عَلَيْهِ تَعَالَى لاستلزامه الْعلم بعد الْجَهْل (أَولا) لحكمة ظَهرت لَهُ تَعَالَى (وَهُوَ) أَي مَا لَا يكون لحكمة من الْأَحْكَام (الْعَبَث) وَهُوَ فعل الشَّيْء لَا لغَرَض صَحِيح، وَهُوَ محَال على الله سُبْحَانَهُ (وَإِنَّمَا يكون) أَي يتَحَقَّق مَا ذكرُوا (لَو نسخ مَا حسن) لنَفسِهِ (وقبح لنَفسِهِ كالإيمان وَالْكفْر) وَمحل النزاع مَا حسن وقبح لغيره، ثمَّ هَذَا كُله عِنْد غير الأشاعرة (أما الأشاعرة فيمنعون وجوده) أَي وجود كل من الْحسن والقبح عقلا، فالحسن عِنْدهم مَا حسنه الشَّرْع والقبيح مَا قبحه فالمنسوخ كَانَ حسنا فِي وقته والناسخ صَار حسنا فِي وقته (وَأما الْوُقُوع فَفِي التَّوْرَاة أَمر آدم بتزويج بَنَاته من بنيه) أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس كَانَ لَا يُولد لآدَم غُلَام إِلَّا ولدت مَعَه جَارِيَة فَكَانَ يُزَوّج توءمة هَذَا للْآخر وتوءمة الآخر لهَذَا، وَقد حرم فِي شَرِيعَة من بعده من الْأَنْبِيَاء اتِّفَاقًا وَهَذَا هُوَ النّسخ (وَفِي السّفر الأول) من التَّوْرَاة (قَالَ تَعَالَى لنوح) عِنْد خُرُوجه من الْفلك (إِنِّي جعلت كل دَابَّة حَيَّة مأكلا لَك ولذريتك) وأطلقت ذَلِك أَي أبحت كنبات العشب مَا خلا الدَّم فَلَا تأكلوه (ثمَّ حرم مِنْهَا) أَي من الدَّوَابّ على من بعده (على لِسَان مُوسَى كثير) مِنْهَا كَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ السّفر الثَّالِث من التَّوْرَاة. (وَأما الِاسْتِدْلَال) عَلَيْهِم

стр. 882

(بِتَحْرِيم السبت) أَي الْعَمَل الدنيوي كالاصطياد فِيهِ فِي شَرِيعَته ﵇ (بعد إِبَاحَته) قبل مُوسَى ﵇ (وَوُجُوب الْخِتَان عِنْدهم) أَي الْيَهُود (يَوْم الْولادَة) وَقيل فِي ثامن يَوْمهَا (بعد إِبَاحَته فِي مِلَّة يَعْقُوب) أَو فِي شَرِيعَة إِبْرَاهِيم ﵇ فِي أَي وَقت أَرَادَ الْمُكَلف فِي الصغر وَالْكبر، وَإِبَاحَة الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ فِي شَرِيعَة يَعْقُوب، وبتحريمه عِنْد الْيَهُود (فَيدْفَع بِأَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيْسَ نسخا) وَإِبَاحَة هَذِه الْأُمُور كَانَت بِالْأَصْلِ فَلَا يكون رَفعهَا نسخا (واحكم بِالْإِبَاحَةِ وَإِن كَانَ حكما بتحقق كَلمته النفسية) وَهُوَ مَضْمُون أَنه مُبَاح وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى - ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ - أَي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَهُوَ مَا فِيهِ كَلِمَاته الدَّالَّة على كَلمته النفسية (وَهِي) أَي كَلمته النفسية (الحكم) بِمَعْنى خطاب الله الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف (لَكِن) الحكم (الشَّرْعِيّ أخص مِنْهُ) أَي من الحكم بِمَعْنى الْخطاب الْمَذْكُور، وَقَالَ الشَّارِح أَي من الحكم بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّة (وَهُوَ) أَي الحكم الشَّرْعِيّ (مَا علق بِهِ خطاب) أَي خطابه تَعَالَى (فِي شَرِيعَة) من الشَّرَائِع أَرَادَ بالحكم هَهُنَا مُتَعَلق الحكم بِمَعْنى الْخطاب، وَهُوَ كَيْفيَّة فعل الْمُكَلف من وجوب أَو حُرْمَة (وَبَعض الْحَنَفِيَّة التزموه) أَي رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة (نسخا لِأَن الْخلق لم يتْركُوا سدى) أَي مهملين غير مأمورين وَلَا منهيين (فِي وَقت) من الْأَوْقَات (فَلَا إِبَاحَة وَلَا تَحْرِيم قطّ إِلَّا بشرع فَمَا يذكر من حَال الْأَشْيَاء) يَعْنِي كَيْفيَّة أَفعَال الْمُكَلّفين (قبل الشَّرْع) فَيُقَال الأَصْل فِيهَا الْإِبَاحَة مثلا (فرض) أَي أَمر ذكر على سَبِيل الْفَرْض، وَالْوَاقِع فِي نفس الْأَمر أَن الْخلق فِي كل وَقت مأمورون بأَشْيَاء ومنهيون عَن أَشْيَاء ومخيرون فِيمَا سواهُمَا (وَأما) النّسخ (فِي شَرِيعَة) وَاحِدَة (فوجوب التَّوَجُّه إِلَى الْبَيْت) أَي فمثاله وجوب الِاسْتِقْبَال إِلَى الْكَعْبَة شرفها الله تَعَالَى بقوله - ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ - الْآيَة بعد أَن كَانَ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (وَنسخ الْوَصِيَّة للْوَالِدين) الثَّابِتَة بقوله تَعَالَى - ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين﴾ - فنسخ الله من ذَلِك - ﴿والأقربين﴾ -. فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ كَانَ المَال للْوَلَد، وَكَانَت الْوَصِيَّة للْوَالِدين فنسخ الله من ذَلِك مَا أحب فَجعل للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجعل لِلْأَبَوَيْنِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس، وَسَيَأْتِي ذكر النَّاسِخ فِي مسئلة السّنة بِالْقُرْآنِ (وَكثير) وستقف على كثير مِنْهُ (لَا يُنكره إِلَّا مكابر أَو جَاهِل بالوقائع). قَالَ (المانعون سمعا لَو نسخت شَرِيعَة مُوسَى لبطل قَوْله) أَي قَول مُوسَى أَو قَوْله تَعَالَى على زعمهم (هَذِه شَرِيعَة مُؤَبّدَة مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض أُجِيب بِمَنْع أَنه) أَي هَذَا القَوْل (قَالَه) بل هُوَ مُخْتَلف فِيهِ فضلا عَن كَونه متواترا، وَكَونه فِي التَّوْرَاة الْآن لَا ينفع لوُقُوع التَّغْيِير والتبديل فِيهَا. قيل أَن

стр. 883

أول من اختلقه للْيَهُود ابْن الراوندي ليعارض بِهِ رِسَالَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ (وَإِلَّا) لَو قَالَه (لقضت الْعَادة بمحاجتهم) أَي الْيَهُود (بِهِ) أَي بِهَذَا القَوْل للنَّبِي ﷺ لحرصهم على معارضته (وشهرته) أَي ولقضت شهرة الْحجَّاج لَو وَقع لتوفر الدَّوَاعِي على نقلهَا، ثمَّ يمْنَع كَونه متواترا مَعَ كَونه فِي التَّوْرَاة (لِأَنَّهُ لَا تَوَاتر فِي نقل التَّوْرَاة الكائنة الْآن لِاتِّفَاق أهل النَّقْل عَن إحراق بخْتنصر) فِي الْقَامُوس بخْتنصر بِالتَّشْدِيدِ أَصله بوخت وَمَعْنَاهُ ابْن وَنصر كبقم صنم، وَكَانَ وجد عِنْد الصَّنَم وَلم يعرف لَهُ أَب فنسب إِلَيْهِ. حَرْب الْقُدس (أسفارها) فِي الْقَامُوس السّفر الْكتاب الْكَبِير أَو جُزْء من أَجزَاء التَّوْرَاة (و) أَنه (لم يبْق من يحفظها، وَذكر أَحْبَارهم أَن عُزَيْرًا ألهمها فكتبها وَدفعهَا إِلَى تِلْمِيذه لِيَقْرَأهَا عَلَيْهِم) فَأَخَذُوهَا من التلميذ، وَبقول الْوَاحِد لَا يثبت التَّوَاتُر وَبَعْضهمْ زعم أَن التلميذ زَاد فِيهَا وَنقص (وَلذَلِك لم تزل نسخهَا الثَّلَاث) الَّتِي بيد العنانية وَالَّتِي بيد السامرية وَالَّتِي بيد النَّصَارَى (مُخْتَلفَة فِي أَعمار الدُّنْيَا) فَفِي نُسْخَة السامرية زِيَادَة ألف سنة وَكسر على مَا فِي نُسْخَة العنانية وَفِي الَّتِي بيد النَّصَارَى زِيَادَة ألف وثلثمائة سنة وفيهَا الْوَعْد بِخُرُوج الْمَسِيح وبخروج الْعَرَبِيّ صَاحب الْجمل وارتفاع تَحْرِيم السبت عِنْد خروجهما. قَالَ الشَّارِح كَذَا ذكر غير وَاحِد من مَشَايِخنَا. وَفِي تَتِمَّة الْمُخْتَصر فِي أَخْبَار الْبشر نسخ التَّوْرَاة ثَلَاث السامرية والعبرانية وَهِي الَّتِي بأيدي الْيَهُود إِلَى زَمَاننَا وَعَلَيْهَا اعتمادهم وكلتاهما فَاسِدَة لأنباء السامرية بِأَن من هبوط آدم ﵇ إِلَى الطوفان ألف سنة وثلاثمائة وَسبع سِنِين وَكَانَ الطوفان لستمائة سنة خلت من عمر نوح ﵇ وعاش آدم تِسْعمائَة وَثَلَاثِينَ سنة بِاتِّفَاق فَيكون نوح على حكم هَذِه التَّوْرَاة أدْرك جَمِيع آبَائِهِ إِلَى آدم، وَمن عمر آدم فَوق مِائَتي سنة وَهُوَ بَاطِل بِاتِّفَاق، ولأنباء العبرانية بِأَن بَين هبوط آدم الطوفان ألفي سنة وَخَمْسمِائة وستا وَخمسين سنة، وَبَين الطوفان وولادة إِبْرَاهِيم ﵇ مِائَتي سنة واثنتين وَتِسْعين سنة وعاش نوح بعد الطوفان ثَلَاثمِائَة وَخمسين سنة بِاتِّفَاق فَيكون نوح أدْرك من عمر إِبْرَاهِيم ثَمَانِيَة وَخمسين سنة، وَهَذَا بَاطِل بالِاتِّفَاقِ لِأَن قوم هود أمة نجت بعد نوح، وَأمة صَالح نجت بعد أمة هود، وَإِبْرَاهِيم وَأمته بعد أمة صَالح بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى خَبرا عَن هود فِيمَا يعظ بِهِ قومه وهم عَاد - ﴿واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد قوم نوح﴾ - وَقَوله تَعَالَى فِيمَا يعظ بِهِ صَالح قومه وهم ثَمُود - ﴿واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد عَاد﴾ -. وَالنُّسْخَة الثَّالِثَة اليونانية وَذكر أَنَّهَا اخْتَارَهَا محققو المؤرخين، وَهِي توراة نقلهَا اثْنَان وَسَبْعُونَ حبرًا قبل ولادَة الْمَسِيح بقريب ثلثمِائة سنة لبطليموس اليوناني بعد الْإِسْكَنْدَر. قَالَ الشَّارِح، وَإِن كَانَت بِهَذِهِ المثابة فَلم يثبت تواترها، وَقَالَ الطوفي فِيهَا نُصُوص كَثِيرَة وَردت مؤيدة ثمَّ تبين أَن المُرَاد بهَا التَّوْقِيت بِمدَّة مقدرَة. (قَالُوا) أَي مانعو جَوَاز النّسخ سمعا وعقلا الحكم (الأول إِمَّا مُقَيّد بغاية) أَي

стр. 884

بِوَقْت مَحْدُود معِين (فالمستقبل) أَي فَالْحكم الَّذِي ورد بِخِلَاف الأول (بعده لَيْسَ نسخا) للْأولِ (إِذْ لَيْسَ رفعا) لَهُ قطعا لِأَنَّهُ انْتهى بِنَفسِهِ بانتهاء وقته الْمعِين (أَو) مُقَيّد (بتأبيد فَلَا رفع) يتَصَوَّر فِيهِ (للتناقض) على تَقْدِير الرّفْع لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ الْإِخْبَار بتأبيد الحكم وبنفيه. فَإِن قلت التَّنَاقُض فِي الْأَخْبَار والحكمين سيان. قلت لكنهما يستلزمان اخبارين لِأَن لَازم افْعَل كَذَا كَونه مَطْلُوب الْفِعْل للشارع، ولازم الْفِعْل كَونه مَطْلُوب التّرْك لَهُ (ولتأديته) أَي جَوَاز نسخه (إِلَى تعذر الْإِخْبَار بِهِ) بالتأبيد على وَجه يُوجب الْعلم بالتأبيد فِي زَمَانه ﷺ إِذْ مَا من عبارَة تذكر إِلَّا وَتقبل النّسخ وَاللَّازِم بَاطِل اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ غير مُتَعَذر إِجْمَاعًا (و) إِلَى (نفي الوثوق) بتأبيد حكم مَا (فَلَا يجْزم بِهِ) أَي بالتأبيد (فِي نَحْو الصَّلَاة) أَي فِي فرضيتها وفرضية الصَّلَاة إِلَى غير ذَلِك بل (وشريعتكم) أَي وَلَا نجزم بتأبيدها أَيْضا لجَوَاز نسخهَا (الْجَواب إِن عني بالتأبيد إِطْلَاقه) أَي الحكم عَن التَّوْقِيت والتأبيد (فَلَا يمْتَنع) جَوَاز نسخه (إِذْ لَا دلَالَة لفظية عَلَيْهِ) أَي التَّأْبِيد المستلزم امْتنَاع جَوَاز نسخه إِذْ اللَّفْظ سَاكِت عَن التَّأْبِيد وَلَيْسَ بِلَا لَام لَا دلَالَة لفظية لِأَن الأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الْبَقَاء فَمن هَذَا الْوَجْه يفهم التَّأْبِيد (بل) يُقَال على سَبِيل الْجَزْم من غير تردد (أَنه) أَي النّسخ (مَشْرُوع) فِيمَا شَأْنه هَذَا (أَو) عني بالتأبيد (صَرِيحه) أَي التَّأْبِيد (فَكَذَلِك) أَي لِامْتِنَاع نسخه (أَن جعل) التَّأْبِيد (قيد الْفِعْل الْوَاجِب لَا وُجُوبه) قَالَ الشَّارِح إِذْ لَا تنَاقض بَين دوَام الْفِعْل وَعدم دوَام الحكم الْمُتَعَلّق بِهِ كَصَوْم رَمَضَان أبدا فَإِن التَّأْبِيد قيد للصَّوْم الَّذِي هُوَ الْفِعْل الْوَاجِب، لَا لإيجابه على الْمُكَلف لِأَن الْفِعْل مِمَّا يعْمل بمادته لَا بهيئته وَدلَالَة الْأَمر على الْوُجُوب بالهيئة لَا بالمادة فَقَوله لَا تنَاقض إِلَى آخِره صَحِيح فتجويز الْعقل أَن تدوم الْأَفْعَال وَلَا يَدُوم وُجُوبهَا والتناقض إِنَّمَا يكون عِنْد اتِّحَاد مورد النَّفْي والإيجاب. وَأما قَوْله فَإِن التَّأْبِيد إِلَى آخِره فأصله فِي التَّلْوِيح حَيْثُ قَالَ لَا مُنَافَاة بَين إِيجَاب فعل مُقَيّد بِزَمَان وَأَن لَا يُوجد التَّكْلِيف فِي ذَلِك الزَّمَان كَمَا يُقَال صم غَدا ثمَّ ينْسَخ قبله وَذَلِكَ كَأَن يُكَلف بِصَوْم غَد ثمَّ يَمُوت قبل غَد فَلَا يُوجد التَّكْلِيف بِهِ. وتحقيقه أَن قَوْله صم أبدا يدل على أَن صَوْم كل شهر من شهور رَمَضَان إِلَى الْأَبَد وَاجِب فِي الْجُمْلَة من غير تَقْيِيد الْوُجُوب بالاستمرار إِلَى الْأَبَد انْتهى. أَقُول وَمَعَ هَذَا التَّحْقِيق الْبَالِغ مَا انْقَطع مَادَّة الْإِشْكَال بالكيلة لِأَن قَوْله صم حَقِيقَته طلب الصَّوْم الطّلب، مَدْلُول الْهَيْئَة وَالصَّوْم مَدْلُول الْمَادَّة والظرف الْمُتَعَلّق بِالْفِعْلِ ظرفيته بِالنّظرِ إِلَى النِّسْبَة الملحوظة فِي ذَلِك الْفِعْل وَالنِّسْبَة هَهُنَا طلبية والظرف لَيْسَ مظروفه حُدُوث

стр. 885

ذَلِك الطّلب وصدوره عَن الطَّالِب بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مظروف النِّسْبَة الإيقاعية الَّتِي قصد الطَّالِب صدورها عَن الْمَطْلُوب فِيهِ عِنْد الِامْتِثَال فقد طلب مِنْهُ على سَبِيل الْإِيجَاب صوما مستمرا فَمَا معنى عدم تَقْيِيد الْإِيجَاب بالتأبيد، نعم يَصح أَن يُقَال طلب الِاسْتِمْرَار ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك الطِّبّ، وَلَا يلْزم مِنْهُ التَّنَاقُض غير أَن مَانع جَوَاز النّسخ يَقُول: لَا يَلِيق بِجَانِب الْحق سُبْحَانَهُ، أَن يطْلب الِاسْتِمْرَار ثمَّ يرجع، وَله أَن يَقُول طلبه الِاسْتِمْرَار يدل على أَنه مُقْتَضى الْحِكْمَة والنسخ يدل على أَنه لَيْسَ مُقْتَضى الْحِكْمَة، وَهَذَا تنَاقض وَلَا حَاجَة إِلَى الْتِزَام كَون التَّأْبِيد قيدا للْحكم الأول وَأما قَول الشَّارِح الْعَامِل هُوَ مَادَّة الْفِعْل لَا صورته فَلَا طائل تَحْتَهُ كَمَا لَا يخفى على من ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد (وَإِن لزم) كَون صَرِيح التَّأْبِيد (قيدا لَهُ) أَي للْحكم (فمختلف) فِي جَوَاز نسخه، فَمنهمْ من أجَازه أَيْضا، وَمِنْهُم من مَنعه كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه (وَلَا يُفِيد) هَذَا الترديد عدم جَوَاز النّسخ (لجوازه) أَي النّسخ (بِمَا تقدم) من الدَّال على جَوَازه ثمَّ وُقُوعه فالتشكيك فِيهِ سفسطة، وَفِي نُسْخَة الشَّارِح هَهُنَا زِيَادَة وَهِي قَوْله (وَتَسْلِيم كَون الحكم الْمُقَيد) بالتأبيد (صَرِيحًا لَا يجوز نسخه لَا يفيدهم) أَي مانعي جَوَاز النّسخ (النَّفْي الْكُلِّي) لجوازه (الَّذِي هُوَ مطلوبهم مَعَ أَن الحكم الْمُقَيد بالتأبيد أقل من الْقَلِيل) انْتهى (قَالُوا) أَي مانعو جَوَازه سمعا وعقلا (أَيْضا: لَو رفع) تعلق الحكم (فإمَّا) أَن يكون رَفعه (قبل وجوده) أَي الْفِعْل امتثالا (فَلَا ارْتِفَاع، أَو) يكون رَفعه (بعده) أَي الْفِعْل (أَو) يكون (مَعَه) أَي الْفِعْل (فيستحيل) رَفعه لِاسْتِحَالَة رفع مَا وجد وانقضى، لِأَن ارْتِفَاع الْمَعْدُوم محَال كَمَا يَسْتَحِيل كَونه مرتفعا وَكَونه متحققا (وَلِأَنَّهُ تَعَالَى إِمَّا عَالم باستمراره) أَي بدوام الحكم الْمَنْسُوخ (أبدا فَظَاهر) أَنه لَا نسخ، وَإِلَّا يلْزم وُقُوع خلاف علم الله وَهُوَ محَال، لِأَنَّهُ جهل (أَولا) يعلم استمراره أبدا (فَهُوَ) أَي الحكم الْمَنْسُوخ (فِي علمه مُؤَقّت فينتهي) الحكم (عِنْده) أَي عِنْد ذَلِك الْوَقْت (وَالْقَوْل الَّذِي يَنْفِيه) أَي ذَلِك الحكم بعد ذَلِك الْوَقْت (لَيْسَ رفعا) لحكم ثَابت فَلَا يكون نسخا (وَالْجَوَاب عَن الأول أَنه) أَي قَوْلكُم لَو رفع، فَأَما إِلَى آخِره (ترديد فِي الْفِعْل) الَّذِي تعلق بِهِ الحكم (لَا) فِي (الحكم) الَّذِي هُوَ مَحل النزاع، إِذْ النّسخ ارْتِفَاع الحكم لَا الْفِعْل وَبطلَان ارْتِفَاع الْفِعْل لَا يسْتَلْزم بطلَان ارْتِفَاع الحكم (وَلَو أجْرى) الترديد (فِيهِ) أَي فِي الحكم (قُلْنَا المُرَاد) بالنسخ (انْقِطَاع تعلقه) أَي الحكم، يَعْنِي كَانَ تعلقه بِفعل الْمُكَلف مستمرا إِلَى زمَان النَّاسِخ وَعِنْده انْقَطع وارتفع مَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يرْتَفع لَوْلَا النَّاسِخ (كَمَا قدمْنَاهُ فِي التَّعْرِيف ونختار علمه) أَي أَنه تَعَالَى علم اسْتِمْرَار الحكم، الْمَنْسُوخ (مؤقتا ويتضمن) علمه بِهِ مؤقتا (علمه بِالْوَقْتِ الَّذِي ينسخه فِيهِ) وَعلمه

стр. 886

بارتفاعه بالنسخ لَا يمنعهُ بل يُثبتهُ ويحققه (فَكيف يُنَافِيهِ). مسئلة (الِاتِّفَاق على جَوَاز النّسخ) للْحكم (بعد التَّمَكُّن) من الْفِعْل الَّذِي تعلق بِهِ الحكم بعد علمه بتكليفه بِهِ (بِمُضِيِّ مَا يسمع) الْفِعْل (من الْوَقْت الْمعِين لَهُ) أَي للْفِعْل (شرعا إِلَّا مَا عَن الْكَرْخِي) من أَنه لَا يجوز إِلَّا بعد حَقِيقَة الْفِعْل سَوَاء مضى من الْوَقْت مَا يسمع الْفِعْل أَولا، كَذَا ذكره الشَّارِح وَلَا يخفى مَا فِيهِ: من أَنه لَا يتَصَوَّر تحقق حَقِيقَته من غير أَن يمْضِي مَا يَسعهُ الْوَقْت: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال مُرَاده أَنه إِن لم تتَحَقَّق حَقِيقَته لَا يجوز سَوَاء إِلَى آخِره (وَاخْتلف فِيهِ) أَي فِي النّسخ (قبله) أَي قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل (بِكَوْنِهِ) أَي بِوُقُوعِهِ (قبل) دُخُول (الْوَقْت) الْمعِين للْفِعْل (أَو بعده) أَي بعد دُخُوله (قبل) مُضِيّ (مَا يسع) الْفِعْل مِنْهُ سَوَاء (شرع) فِي الْفِعْل (أَو لَا كصم غَدا وَرفع) وجوب صَوْمه (قبله) أَي الْغَد (أَو) رفع (فِيهِ) أَي فِي الْغَد (وَإِن شرع) فِي صَوْمه (قبل التَّمام) لصيامه (فالجمهور من الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم) كالشافعية والأشاعرة قَالُوا (نعم) يجوز نسخه (بعد التَّمَكُّن من الِاعْتِقَاد) لحقيقته (وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَبَعض الْحَنَابِلَة والكرخي) والجصاص والماتريدي والدبوسي (والصيرفي لَا) يجوز وَإِن كَانَ بعد التَّمَكُّن من الِاعْتِقَاد (لنا لَا مَانع عَقْلِي وَلَا شَرْعِي) من ذَلِك (فَجَاز) جَوَازًا عقليا شَرْعِيًّا (و) أما الْوُقُوع فقد (نسخ) الشَّارِع (خمسين) من الصَّلَوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة بِفَرْض الْخمس، وَيحْتَمل أَن يكون نسخ على صِيغَة الْمصدر مُضَافا إِلَى خمسين مَعْطُوفًا على لَا مَانع، وَالْمرَاد من نسخ الْخمسين نسخ مَا زَاد على الْخمس وَهُوَ خمس وَأَرْبَعُونَ كَمَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَمن ذهب إِلَى نسخ مَجْمُوع الْخمسين لم يَجْعَل هَذِه الْخَمْسَة جُزْءا مِنْهَا (فِي) لَيْلَة (الْإِسْرَاء وإنكار الْمُعْتَزلَة إِيَّاه) أَي نسخ الْخمسين بعد وُجُوبهَا، وَكَذَا إِنْكَار جمهورهم الْمِعْرَاج (مَرْدُود بِصِحَّة النَّقْل) كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا مَعَ عدم إِحَالَة الْعقل لَهُ فإنكاره بِدعَة وضلالة. وَأما إِنْكَار الْإِسْرَاء من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَكفر ثمَّ هَذَا يَقْتَضِي جَوَاز النّسخ، بل وُقُوعه قبل التَّمَكُّن من الِاعْتِقَاد أَيْضا لِأَن المتمكن مِنْهُ فرع الْعلم بِوُجُوب الْخمسين، وَالْأمة لم يعلموها، كَذَا قيل، وَهُوَ مَدْفُوع بِأَنَّهُ ﷺ من الْمُكَلّفين وَقد علم ذَلِك وَهُوَ الأَصْل، وَالْأمة تبع لَهُ (وقلولهم) أَي المانعين (لَا فَائِدَة) فِي التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ، لِأَن الْعَمَل بِالْبدنِ هُوَ الْمَقْصُود من شرع الْأَحْكَام العملية (مُنْتَفٍ بِأَنَّهَا) أَي الْفَائِدَة فِي التَّكْلِيف حِينَئِذٍ (الِابْتِلَاء للعزم) على الْفِعْل إِذا حضر وقته وتهيأت أَسبَابه (وَوُجُوب

стр. 887

الِاعْتِقَاد) لحقيته، وَلَا نسلم أَن الْعَمَل وَحده هُوَ الْمَقْصُود، وعزيمة الْقلب قد تصير قربَة بِلَا فعل كَمَا دلّ عَلَيْهِ مَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره من قَوْله ﷺ " من هم بحسنة فَلم يعملها كتبهَا الله عِنْده حَسَنَة كَامِلَة ": إِلَى غير ذَلِك، وَأعظم الطَّاعَات وَهُوَ الْإِيمَان من أَعمال الْقلب الَّذِي هُوَ رَئِيس الْأَعْضَاء (وَأما الحاقه) أَي النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل (بِالرَّفْع) أَي رفع الحكم (للْمَوْت) قبل التَّمَكُّن من فعل مَا كلف بِهِ، فَكَمَا أَن ذَلِك لَا يعد تناقضا: فَكَذَا النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل (وَمَا قيل كل رفع قبل الْفِعْل) إِشَارَة إِلَى مَا فِي الشَّرْح العضدي من رد الْمُعْتَزلَة والصيرفي حَيْثُ منعُوا جَوَاز النّسخ قبل وَقت الْفِعْل: من أَن كل مَا نسخ قبل وَقت الْفِعْل، وَقد اعترفتم بِثُبُوت الْفِعْل فيلزمكم تجويزه قبل الْفِعْل بَيَانه أَن التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ بعد وقته محَال، لِأَنَّهُ إِن فعل أطَاع، وَإِن ترك عصى فَلَا نسخ، فَكَذَلِك فِي وَقت فعله، لِأَنَّهُ فعل وأطاع بِهِ فَلَا يُمكن إِخْرَاجه عَن كَونه طَاعَة بعد تحققها (فليسا بِشَيْء لتقييد الأول) أَي الرّفْع بِالْمَوْتِ (عقلا) أَي بِالْعقلِ، إِذْ الْعقل قَاض بِأَن طلب الْفِعْل من الْمُكَلف مُقَيّد بِشَرْط الْحَيَاة: فَكَأَنَّهُ قَالَ افْعَل فِي وَقت كَذَا أَن تمت فِي ذَلِك الْوَقْت، وَاعْتِبَار مثل هَذَا التَّقْيِيد فِي الثَّانِي بِأَن يُقَال المُرَاد إِن لم ينْسَخ بعيد جدا. وَقَالَ الشَّارِح إِذْ الْعقل قَاض بِأَن لَا تَكْلِيف للْمَيت فَلم يُوجد الْجَامِع: لِأَن الرّفْع بِالْمَوْتِ بِالْعقلِ لَا بِدَلِيل شَرْعِي، وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْوَاقِع بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَيْسَ المُرَاد بالإلحاق أَن يَجْعَل الرّفْع بِالْمَوْتِ نسخا، بل قِيَاس النّسخ على الرّفْع بِالْمَوْتِ لكَون كل مِنْهُمَا رفعا للْحكم قبل التَّمَكُّن، فَلَا يضر كَون أَحدهمَا بِالْعقلِ وَالْآخر بِدَلِيل شَرْعِي، على أَنه لَا مُنَاسبَة بَين عبارَة الْمَتْن وَبَين شَرحه (لَا مَا قيل) يَعْنِي كَونه لَيْسَ بِشَيْء لما قُلْنَا (من منع تَكْلِيف الْمَعْلُوم مَوته قبل التَّمَكُّن) من الْفِعْل (ليدفع بِأَنَّهُ) أَي تَكْلِيفه (إِجْمَاع) وإلزام الْمُعْتَزلَة حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِ مُكَلّفا على مَا ذكره التَّفْتَازَانِيّ (وَالثَّانِي) أَن كل رفع قبل وَقت الْفِعْل (فِي غير) مَحل (النزاع لِأَنَّهُ) أَي الْقَائِل بِالثَّانِي (يُرِيد) بقوله كل نسخ قبل وَقت الْفِعْل (وَقت الْمُبَاشرَة) كَمَا يدل عَلَيْهِ بَيَانه فِي الشَّرْح العضدي على مَا سبق أَيْضا (والنزاع فِي وقته) أَي الْفِعْل (الَّذِي حد لَهُ) أَي قدر وَعين لَهُ شرعا. فِي الشَّرْح الْمَذْكُور مسئلة النّسخ قبل الْفِعْل وَصورتهَا أَن يَقُول حجُّوا هَذِه السّنة، ثمَّ يَقُول قبل دُخُول عَرَفَة: لَا تَحُجُّوا، وَلَا يخفى أَنه لَو أَرَادَ وقته الَّذِي حد لَهُ لما صَحَّ قَوْله كل نسخ قبله، إِذْ قد يكون فِيهِ أَبُو بعده (وَاسْتدلَّ) للمختار (بِقصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ أَمر) بِذبح وَلَده فَوَجَبَ عَلَيْهِ (ثمَّ ترك) إِبْرَاهِيم ﵇ ذبحه (فَلَو) كَانَ تَركه لَهُ مَعَ التَّمَكُّن مِنْهُ (بِلَا نسخ عصى) بِتَرْكِهِ لَكِن لم يعْص إِجْمَاعًا (وَأجِيب بِمَنْع وجوب الذّبْح) عَن أَمر لَهُ (بل)

стр. 888

رَأْي (رُؤْيا فَظَنهُ) أَي الْوُجُوب ثَابتا كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ - (وَمَا تُؤمر) أَي وَقَول وَلَده لَهُ افْعَل مَا تُؤمر (يَدْفَعهُ) أَي منع وجوب الذّبْح قيل تُؤمر مضارع فَلَا يعود إِلَى مَا مضى فِي الْمَنَام. وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ بِاعْتِبَار الِاسْتِمْرَار والبقاء (مَعَ) لُزُوم (الْإِقْدَام على مَا يحرم) من قصد الذّبْح وترويع الْوَلَد (لولاه) أَي الْوُجُوب الْقطعِي، فَإِن مثل هَذَا الْفِعْل مُمْتَنع شرعا وَعَادَة: وَلَا سِيمَا من الْأَنْبِيَاء، على أَن مَنَام الْأَنْبِيَاء ﵈ فِيمَا يتَعَلَّق بِالْأَمر وَالنَّهْي وَحي مَعْمُول بِهِ (وعَلى أصلهم) أَي الْمُعْتَزلَة أَن الْأَحْكَام ثَابِتَة عقلا وَالشَّرْع كاشف عَنْهَا، وَيجب عَلَيْهِ تَعَالَى تَمْكِين الْمُكَلف من فهمها لَا بُد فِي إقدامه على الذّبْح من إِدْرَاكه لوُجُوب عقلا، وَمن تحقق شرع كاشف عَنهُ، وَمن تمكنه من فهم ذَلِك فنسبة الْإِقْدَام إِلَيْهِ بِمُجَرَّد ظن (توريط لَهُ) أَي إِيقَاع لإِبْرَاهِيم ﵇ (فِي الْجَهْل) فَيمْتَنع). فِي الشَّرْح العضدي وعَلى أصلهم هُوَ توريط لإِبْرَاهِيم ﵇ فِي الْجَهْل بِمَا يظْهر أَنه أَمر وَلَيْسَ بِأَمْر وَذَلِكَ غير جَائِز انْتهى: وَهَذَا يحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن يكون التوريط من الله تَعَالَى بِأَن مَا يظْهر إِلَى آخِره (وَقَوْلهمْ) أَي الْمُعْتَزلَة (جَازَ التَّأْخِير) للذبح من غير لُزُوم عصيان (لِأَنَّهُ) أَي وُجُوبه (موسع). فِي الشَّرْح العضدي: وَاسْتدلَّ بِقصَّة إِبْرَاهِيم، وَهِي أَنه أَمر بِذبح وَلَده وَنسخ عَنهُ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل، أما الأول فدليل قَوْله افْعَل مَا تُؤمر وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لم يفعل، فَلَو كَانَ مَعَ حُضُور الْوَقْت لَكَانَ عَاصِيا وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنا لَا نسلم أَنه لَو لم يفعل وَقد حضر الْوَقْت لَكَانَ عَاصِيا لجَوَاز أَن يكون الْوَقْت موسعا فَيحصل التَّمَكُّن وَلَا يعْصى بِالتَّأْخِيرِ ثمَّ ينْسَخ، الْجَواب أما أَولا فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ موسعا لَكَانَ الْوُجُوب مُتَعَلقا بالمستقبل لِأَن الْأَمر بَاقٍ عَلَيْهِ قطعا فَإِذا نسخ عَنهُ فقد نسخ تعلق الْوُجُوب بالمستقبل وَهُوَ الْمَانِع عِنْدهم من النّسخ فقد جَازَ مَا قَالُوا بامتناعه وَهُوَ الْمَطْلُوب انْتهى (فِيهِ) أَي فِي قَوْلهم هَذَا (الْمَطْلُوب) وَهُوَ النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل، لِأَن حَاصِل هَذَا القَوْل تَسْلِيم وجوب الذّبْح ونسخه وَعدم لُزُوم الْعِصْيَان بِالتّرْكِ مَعَ حُضُور الْوَقْت لكَونه موسعا، وَلَا شكّ أَن الْوَقْت الموسع كل جُزْء مِنْهُ مُتَعَلق الْوُجُوب مَا لم يفعل الْوَاجِب، فالجزء الَّذِي وَقع فِيهِ النّسخ مِمَّا تعلق بِهِ الْوُجُوب وَعَدَمه يُوجب النّسخ، والمحذور الَّذِي ذَكرُوهُ على تَقْدِير النّسخ قبل التَّمَكُّن هَذَا بِعَيْنِه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لتَعَلُّقه) أَي الْوُجُوب (بالمستقبل) بِالنّظرِ إِلَى مَا قبل النّسخ من الْأَجْزَاء الَّتِي مَضَت من الْمُسْتَقْبل، وَإِنَّمَا ذكر تعلقه بالمستقبل لِأَنَّهُ المستلزم للتناقض بِخِلَاف الْأَجْزَاء الْمَاضِيَة فَإِنَّهَا مُتَعَلقَة للْوُجُوب فَقَط (وَهُوَ) أَي تعلق الْوُجُوب بالمستقبل (الْمَانِع عِنْدهم) أَي الْمُعْتَزلَة من النّسخ لَا من حَيْثُ أَنه مُسْتَقْبل بل من حَيْثُ أَنه مَحل للتناقض لما عرفت، وَقَالَ الشَّارِح

стр. 889

لاشتراطهم فِي تحقق النّسخ كَون الْمَنْسُوخ وَاجِبا فِي وقته وَتعلق الْوُجُوب بالمستقبل يُنَافِيهِ انْتهى، وَلَا يخفى أَنهم لَو اشترطوا ذَلِك لزم اجْتِمَاع الْوُجُوب وَعَدَمه فِي وَقت وَاحِد وَلزِمَ امْتنَاع النّسخ مُطلقًا بل بامتناعه قبل التَّمَكُّن وَأَيْضًا كَون تعلق الْوُجُوب بالمستقبل منافيا بِكَوْن الْمَنْسُوخ وَاجِبا فِي وقته لَا يظْهر جِهَة سَوَاء أُرِيد بوقته وَقت النّسخ أَو الْوَقْت الْمَحْدُود للمنسوخ، وَذكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن مانعية تعلق الْوُجُوب بالمستقبل من النّسخ تستفاد من تَقْرِير شبهتهم الْمَذْكُورَة. فِي الشَّرْح العضدي لَو كَانَ الْفِعْل وَاجِبا فِي الْوَقْت الَّذِي عدم الْوُجُوب فِيهِ لَكَانَ مَأْمُورا بِهِ فِي ذَلِك غير مَأْمُور بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت فَلَا يكون نفي الْوُجُوب فِيهِ نسخا لَهُ انْتهى، وَلم يذكر الْمُحَقق وَجه الاستفادة وَلَا يبعد أَن يكون الْوَجْه مَا ذكرنَا (لَكِن نقل الْمُحَقِّقُونَ عَنْهُم) أَي الْمُعْتَزلَة (أَنه) أَي النّسخ (بَيَان مُدَّة الْعَمَل بِالْبدنِ فَلَا يتَحَقَّق) النّسخ (إِلَّا بعد التَّمَكُّن) من الْعَمَل بِالْبدنِ (الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ) من شرع الْأَحْكَام (لَا الْعَزْم) على الْعَمَل (وَمَعَهُ) أَي التَّمَكُّن من الْعَمَل (يجوز) النّسخ وَإِن لم يعْمل (لِأَن الثَّابِت) حِينَئِذٍ (تَفْرِيط الْمُكَلف) وتقصيره لِأَن الْعَجز وَعدم الْقُدْرَة (وَلَيْسَ) تفريطه (مَانِعا) من النّسخ لعدم تحقق الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ لِأَن تفريطه الْمُوجب للعقاب يقوم مقَامه عمله الْمُوجب للثَّواب فِي المقصودية من الِابْتِلَاء (وَهَذَا) التَّمَكُّن من الْعَمَل (مُتَحَقق فِي الموسع) فَيجوز فِيهِ النّسخ عِنْدهم قبل وُقُوع الْعَمَل (وَدفعه) أَي دفع منع الْمُعْتَزلَة لُزُوم الْعِصْيَان فِي الموسع (بتعلق الْوُجُوب بالمستقبل) وَهُوَ الْمَانِع عِنْدهم على مَا مر لَا يصدق (فِي الموسع إِنَّمَا يصدق فِي الْمضيق) إِذْ كل جُزْء من الْوَقْت فِيهِ مُتَعَلق وجوب الْأَدَاء وَمِنْه الْمُسْتَقْبل، وبالنسخ يصير مُتَعَلق عَدمه أَيْضا بِخِلَاف الموسع إِذا لم يتَعَيَّن فِيهِ جُزْء الْأَدَاء لَا الْجُزْء الْأَخير وَفِيه سَعَة يُمكن اعْتِبَار بعض أَجْزَائِهِ مُتَعَلق الْوُجُوب وَبَعضهَا مُتَعَلق عَدمه فَلَزِمَ الْمَحْذُور بِاعْتِبَار تعلق وجوب الْأَدَاء فَوْرًا، لَا بِاعْتِبَار أصل الْوُجُوب (وَإِلَّا فقد يثبت الْوُجُوب) أَي اصله فِي الموسع وَغَيره بِمُجَرَّد دُخُول الْوَقْت (وَلذَا) أَي لوُجُوبه (لَو فعله) أَي الْوَاجِب (سقط بِخِلَاف مَا) لَو فعل (قبل الْوُجُوب مُطلقًا) أَي فِي الْمضيق والموسع لَا يسْقط بِهِ الْوَاجِب (ثمَّ الْجَواب) عَن قَوْلهم الْمَقْصد الْأَصْلِيّ الْعَمَل بِالْبدنِ وَفِي نُسْخَة وَالْجَوَاب (أَن ذَلِك) أَي كَونه مَقْصُودا أَصْلِيًّا (لَا يُوجب الْحصْر) بِأَن لَا يكون غَيره مَقْصُود للشارع وَقد مر بَيَانه آنِفا (وَمنعه) أَي وجوب الذّبْح معينا (بِأَنَّهُ) أَي وُجُوبه (لَو كَانَ) موسعا (لأخر) إِبْرَاهِيم ﵇ الشُّرُوع فِي الْمَأْمُور بِهِ كَمَا يُؤَخر (عَادَة فِي مثله) أَي ذبح الْوَلَد أما رَجَاء أَن ينْسَخ عَنهُ أَو يَمُوت أَحدهمَا فَيسْقط عَنهُ لعظم الْأَمر (مُنْتَفٍ) أَي غير موجه فَهُوَ مُلْحق بالمعدوم (لِأَن حَاله ﵇ يَقْتَضِي الْمُبَادرَة) إِلَى الِامْتِثَال. قَالَ تَعَالَى - (إِنَّهُم

стр. 890

كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات﴾ - (وَإِن كَانَ) الْمَأْمُور بِهِ أصعب (مَا كَانَ) أَي مَا دخل فِي الْوَجْه كَيفَ وَهُوَ فِي أَعلَى دَرَجَات الْخلَّة (وَقَوْلهمْ) أَي المانعين (فعل) أَي ذبح و (لَكِن) كلما قطع شَيْئا (التحم) أَي اتَّصل مَا تفرق عقيب الْقطع فقد فعل مَا هُوَ مَقْدُور لَهُ من إمرار السكين على الْحلق وَقطع الْأَوْدَاج وَلذَا قيل قد صدقت الرُّؤْيَا - (دَعْوَى مُجَرّدَة) عَن الْبَيِّنَة من حَيْثُ النَّقْل (وَكَذَا) قَوْلهم (منع) الْقطع (بصفيحة) من حَدِيث أَو نُحَاس خلقت على حلقه فَلم يحصل مُطَاوع الذّبْح مَعَ كَونه خلاف الْعَادة لم ينْقل نقلا يعْتد بِهِ وَلَو صَحَّ لنقل واشتهر فِي جملَة الْآيَات الظَّاهِرَة والمعجزة الباهرة وتصديق الرُّؤْيَا قد حصل بالعزم والشروع فِي مقدماته وبذل جهده فِي الِامْتِثَال. وَقد أخرج ابْن أبي حَاتِم بِسَنَد رِجَاله موثقون عَن السّديّ وَهُوَ تَابِعِيّ من رجال مُسلم لما أَمر إِبْرَاهِيم ﵇ بِذبح ابْنه قَالَ الْغُلَام اشْدُد عَليّ رباطي لِئَلَّا أَضْطَرِب واكفف عني ثِيَابك لِئَلَّا ينضح عَلَيْك من دمي وأسرع السكين على حلقي ليَكُون أَهْون عَليّ قَالَ فأمرّ السكين على حلقه وَهُوَ يبكي فَضرب الله على حلقه صفيحة من نُحَاس، قَالَ فقلبه على وَجهه وخر الْقَفَا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى - ﴿وتله للجبين - فَنُوديَ - أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدّقت الرُّؤْيَا﴾ - فَإِذا الْكَبْش فَأَخذه وذبحه وَأَقْبل على ابْنه يقبله وَيَقُول: يَا بني الْيَوْم وهبت لي، كَذَا ذكره الشَّارِح وَكَأَنَّهُ لم يثبت عِنْد المُصَنّف (مَعَ أَنه) أَي الذّبْح (حِينَئِذٍ) أَي على التَّقْدِير الثَّانِي (تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق) لعدم قدرته حِينَئِذٍ على الذّبْح، والمعتزلة لَا يجوزونه (ثمَّ هُوَ) أَي هَذَا الْمَنْع (نسخ) لإِيجَاب الذّبْح (أَيْضا قبل التَّمَكُّن) مِنْهُ إِذْ لَو فرض بعده لزم ترك الْوَاجِب مَعَ التَّمَكُّن وَهُوَ بَاطِل: يَعْنِي أَن قَول الْمَانِع دلَالَة قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ على النّسخ قبل التَّمَكُّن أَن منع بصفيحة لَا يصلح سندا للْمَنْع، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم النّسخ قبل التَّمَكُّن وَهُوَ الْمَطْلُوب، لَا يُقَال النّسخ إِنَّمَا يكون بِدَلِيل شَرْعِي، وَالْمَنْع بالصفيحة لَيْسَ بِهِ، لأَنا نقُول يدل على ارْتِفَاع وجوب الذّبْح إِذْ لَا يتَصَوَّر أَن يكون الذّبْح مَطْلُوبا حَال كَونه مَمْنُوعًا، وَلما كَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْقَصْدِ الْمَذْكُور غير مرضِي للحنفية، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وللحنفية) فِي الْجَواب عَنهُ (منع النّسخ وَالتّرْك) للْمَأْمُور بِهِ (للْفِدَاء) يَعْنِي لما منعُوا النّسخ ورد عَلَيْهِم لُزُوم الْعِصْيَان لترك الْمَأْمُور الِامْتِثَال فَقَالُوا إِنَّمَا تَركه لوُجُود الْفِدَاء لقَوْله تَعَالَى - ﴿وفديناه بِذبح عَظِيم﴾ - (وَهُوَ) أَي الْفِدَاء (مَا يقوم مقَام الشَّيْء فِي تلقي الْمَكْرُوه) المتوجه عَلَيْهِ بِأَن يتلَقَّى ذَلِك الْمَكْرُوه بدل أَن يتلقاه ذَلِك الشَّيْء فيتحمل عَنهُ، وَمِنْه فدتك نَفسِي أَي قبلت مَا توجه عَلَيْك من الْمَكْرُوه. نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف فِي بَيَان هَذَا أَن النّسخ رفع الحكم، وَالْولد وَنَحْوه مَحل الْفِعْل الَّذِي هُوَ مُتَعَلق الحكم فَهُوَ مَحل الحكم، وَمحل الحكم لَيْسَ دَاخِلا فِي الحكم فضلا عَن مَحل حَاله

стр. 891

وَإِنَّمَا بتحقق نسخ الحكم بِرَفْعِهِ لإبدال مَحَله يدل على بَقَاء الحكم، غير أَنه جعل هَذَا عوضا عَن ذَلِك، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَو ارْتَفع) وجوب ذبح الْوَلَد (لم يفد) إِذا لم يبْق مقَام حَتَّى يقوم الآخر مقَامه (وَمَا قيل) ردا لهَذَا الْجَواب (الْأَمر بذَبْحه) أَي الْفِدَاء (بَدَلا) عَن الْوَلَد (هُوَ النّسخ) لِأَنَّهُ رفع لطلب ذبح الْوَلَد وَإِيجَاب لذبح الْفِدَاء (مَوْقُوف على ثُبُوته) أَي ثُبُوت رفع ذَلِك الْوُجُوب وَإِثْبَات وجوب آخر (وَهُوَ) أَي الثُّبُوت الْمَذْكُور (مُنْتَفٍ) إِذْ لم يثبت نقلا وَلم يلْزم من مُجَرّد إِبْدَال الْمحل على مَا عرفت، لَا يُقَال إِن لم يلْزم ذَلِك فَهُوَ ظَاهر فِيهِ لِأَنَّهُ مَمْنُوع إِذْ الْإِبْدَال كَمَا جَازَ أَن يكون مَعَ إِيجَاب آخر جَازَ أَن يكون مَعَ الْإِيجَاب الأول بل مَا لَا يُؤدى إِلَى النّسخ أرجح، وَفِي التَّلْوِيح وَلَو قيل أَن الْخلف قَامَ مقَام الأَصْل لكنه استلزم حُرْمَة الأَصْل: أَعنِي ذبح الْوَلَد وَتَحْرِيم الشَّيْء بعد وُجُوبه نسخ لَا محَالة، فَجَوَابه أَنا لَا نسلم كَونه نسخا، وَإِنَّمَا يلْزم لَو كَانَ حكما شَرْعِيًّا وَهُوَ مَمْنُوع، فَإِن حُرْمَة ذبح الْوَلَد ثَابِتَة فِي الأَصْل فَزَالَتْ بِالْوُجُوب ثمَّ عَادَتْ بِقِيَام الشَّاة مقَام الْوَلَد. قَالَ الشَّارِح وَهَذَا على منوال مَا تقدم من أَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيست نسخا كَمَا الْتَزمهُ بعض الْحَنَفِيَّة إِذْ لَا إِبَاحَة وَلَا تَحْرِيم إِلَّا لشرع يكون رفع الْحُرْمَة الْأَصْلِيَّة نسخا، ثمَّ إِذا كَانَ رَفعهَا نسخا يكون ثُبُوتهَا بعد رَفعهَا نسخا أَيْضا فَيبقى الْإِيرَاد الْمَذْكُور مُحْتَاجا إِلَى الْجَواب فَلْيتَأَمَّل. ثمَّ اخْتلف فِي الذَّبِيح. قَالَ الطوفي فالمسلمون على أَنه إِسْمَاعِيل وَأهل الْكتاب على أَنه إِسْحَاق، وَعَن أَحْمد فِيهِ الْقَوْلَانِ انْتهى. وَفِي الْكَشَّاف عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمُحَمّد ابْن كَعْب الْقرظِيّ وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنه إِسْمَاعِيل، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَالْعَبَّاس وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنه إِسْحَاق، وَذكر كَونه إِسْحَاق عَن الْأَكْثَرين الْمُحب الطَّبَرِيّ، وَكَونه إِسْمَاعِيل مِنْهُم النَّوَوِيّ وَصحح الْقَرَافِيّ أَنه إِسْحَاق، وَابْن كثير أَنه إِسْمَاعِيل وَزَاد: وَمن قَالَ أَنه إِسْحَاق فَإِنَّهُ تَلقاهُ مِمَّا حرفه النقلَة من بني إِسْرَائِيل، وَذكر الفاكهي أَنه اثْبتْ الْبَيْضَاوِيّ أَنه الْأَظْهر (قَالُوا) أَي الْمُعْتَزلَة (ان كَانَ) أَي الْمَنْسُوخ (وَاجِبا وَقت الرّفْع اجْتمع الْأَمْرَانِ بالنقضين) الْأَمر بِالْفِعْلِ وَالْأَمر بِتَرْكِهِ (فِي وَقت) وَاحِد وتوارد النَّفْي والاثبات على مَحل وَاحِد (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن وَاجِبا وَقت الرّفْع (فَلَا نسخ) لعدم الرّفْع (أُجِيب بِاخْتِيَار الثَّانِي) وَهُوَ أَنه لم يكن وَاجِبا وَقت الرّفْع (وَالْمعْنَى رفع) أَن يُوجب. وَفِي نُسْخَة الشَّارِح رفع (إِيجَابه) أَي الْمَنْسُوخ (حكمه) الثَّابِت لَهُ (عِنْد حُضُور وقته) الْمُقدر لَهُ شرعا (لولاه) أَي النَّاسِخ فَإِن قلت: الْمَنْسُوخ هُوَ عين الحكم الأول فَمَا معنى إِيجَابه الحكم قلت الحكم الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف المتكرر سَببه الْمُؤَقت بِوَقْت قدر لَهُ شرعا لَهُ تعلقات جزئية بِاعْتِبَار تكَرر سَببه وتجدد وقته، فَكلما تجدّد سَبَب لَهُ وَقت يحدث وجوب

стр. 892

جَدِيد، فَالْمُرَاد الحكم الْمَذْكُور فِي قَوْله يُوجب حكمه هَذَا الْحَادِث فَإِنَّهُ يُسمى حكما وَإِن كَانَ فِي الْحَقِيقَة تعلقا من تعلقات الْكَلَام النَّفْسِيّ الأزلي على مَا حقق فِي مَحَله (وَهُوَ) أَي رفع النَّاسِخ حكم الْمَنْسُوخ عِنْد حُضُور وَقت الْمَنْسُوخ الْمُقدر لَهُ (ممنوعكم) أَيهَا الْمُعْتَزلَة حَيْثُ قُلْتُمْ: تعلق الْوُجُوب بالمستقبل مَانع من نسخه بزعم أَنه يسْتَلْزم توارد النَّفْي وَالْإِثْبَات على مَحل وَاحِد فِي وَقت: وَذَلِكَ لأنكم ظننتم أَن الحكم الأول يُوجب تعلق الْوُجُوب مُنجزا بِالْفِعْلِ فِي وَقت النّسخ وَمَا علمْتُم أَن مرادنا كَونه بِحَيْثُ يُوجِبهُ لَوْلَا النَّاسِخ فَإِن كَونه فِي معرض الْإِيجَاب نوع تعلق يرْتَفع بِسَبَب النَّاسِخ وَالله أعلم. (فَإِن أجزتموه) أَي رفع النَّاسِخ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (وَلم تسموه نسخا فلفظية) أَي فالمنازعة لفظية (وَقد وافقتم) على جَوَاز النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل (وَأَيْضًا لَو صَحَّ) مَا ذكرْتُمْ من قَوْلكُم إِن كَانَ وَاجِبا وَقت الرّفْع إِلَى آخِره (انْتَفَى النّسخ) مُطلقًا وَلَو بعد التَّمَكُّن بل بعد الْفِعْل لجَرَيَان الترديد الْمَذْكُور فِي جَمِيع الْمَرَاتِب. (ثمَّ استبعد) نقل هَذَا الِاسْتِدْلَال (عَنْهُم) أَي الْمُعْتَزلَة (لذَلِك الرّفْع مِنْهُم) أَي قَوْلهم فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ جَازَ التَّأْخِير لِأَنَّهُ موسع فَإِنَّهُ يُفِيد تعلق الْوُجُوب بِوَقْت الرّفْع، لِأَن حَاصِل ذَلِك الْجَواب تَسْلِيم وجوب الذّبْح، وَتَسْلِيم النّسخ، وَعدم الْعِصْيَان بِالتّرْكِ لكَون الْوُجُوب موسعا وَلَا شكّ أَن الْوُجُوب فِي الموسع بَاقٍ مَا لم يَأْتِ بِالْفِعْلِ فَيلْزم وُقُوع النّسخ فِي وَقت تعلق الْوُجُوب (وللتعارض) من عدم تجويزهم النّسخ قبل التَّمَكُّن للُزُوم اجْتِمَاع الْأَمريْنِ بالنقيضين، وتجويزهم إِيَّاه بعد التَّمَكُّن لما عرفت، من أَن عِلّة التجويز مُشْتَركَة بَين الصُّورَتَيْنِ (يجب نِسْبَة ذَلِك) الَّذِي ذكره الْمُحَقِّقُونَ عَنْهُم إِلَيْهِم لسلامته عَن التَّعَارُض حملا لكَلَام الْعُقَلَاء على مَا لَا يلْزم التَّنَاقُض مَا أمكن. مسئلة قَالَ (الْحَنَفِيَّة والمعتزلة لَا يجوز نسخ حكم فعل لَا يقبل حسنه وقبحه السُّقُوط) الْوَاو بِمَعْنى أَو وَيحْتَمل التَّوْزِيع لِأَن لفعل الَّذِي لَا يجوز نسخ حكمه كل بِاعْتِبَار بعض مَا صدقاته لَا يقبل حسنه السُّقُوط، وَبِاعْتِبَار بَعْضهَا لَا يقبل قبحه السُّقُوط أَو يقدر السُّقُوط قبل الْوَاو وَلَا يجوز تَأْخِيره بعْدهَا (كوجوب الْإِيمَان وَحُرْمَة الْكفْر) لِأَنَّهُ لَا يرْتَفع شَيْء مِنْهُمَا لقِيَام دَلِيله وَهُوَ الْعقل (وَالشَّافِعِيَّة يجوز) وَالْإِجْمَاع على عدم الْوُقُوع (وَهِي) أَي هَذِه المسئلة (فرع التحسين والتقبيح) العقليين. قَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّة والمعتزلة، وَلم يقل بِهِ الأشاعرة من الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم فَقَالُوا

стр. 893

بِجَوَاز نسخهما عقلا. وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي فصل الْحَاكِم (وَلَا) يجوز نسخ حكم (نَحْو الصَّوْم عَلَيْكُم وَاجِب مستمرا أبدا اتِّفَاقًا) فَعِنْدَ غير الْحَنَفِيَّة (للنصوصية) على تأبيد الحكم (وَعند الْحَنَفِيَّة لذَلِك) أَي للنصوصية (على رَأْي) فِي النَّص وَهُوَ اللَّفْظ المسوق للمراد الظَّاهِر مِنْهُ (وعَلى) رَأْي (آخر) فِيهِ وَهُوَ مَا ذكر مَعَ قيد آخر وَهُوَ أَن لَا يكون مدلولا وضعيا كالتفرقة بَين البيع والربا فِي الْحل وَالْحُرْمَة فِي أحل الله البيع وَحرم الرِّبَا (للتَّأْكِيد) فَإِن الْأَبَد هُوَ الِاسْتِمْرَار الدَّائِم فَهُوَ وَإِن سيق لَهُ لكنه مَدْلُول وضعي (على مَا سلف من تَحْقِيق الِاصْطِلَاح) فِي التَّقْسِيم الثَّانِي للدلالة (وَاخْتلف فِي) حكم (ذِي مُجَرّد تأبيد قيدا للْحكم) كيجب عَلَيْكُم أبدا صَوْم رَمَضَان (لَا الْفِعْل كصوموا أبدا) فَإِن أبدا هَهُنَا ظرف للصَّوْم لَا لإيجابه عَلَيْهِم، لِأَن الْفِعْل يعْمل بمادته لَا بهيئته، وَدلَالَة الْأَمر على الْوُجُوب بالهيئة لَا بالمادة، وَفِيه مَا فِيهِ (أَو) فِي حكم ذِي مُجَرّد (تأقيت قبل مضيه) أَي مُضِيّ ذَلِك الْوَقْت (كحرمته عَاما) حَال كَونه حرمته (إنْشَاء فالجمهور وَمِنْهُم طَائِفَة من الْحَنَفِيَّة يجوز) نسخه (وَطَائِفَة كَالْقَاضِي أبي زيد وَأبي مَنْصُور وفخر الْإِسْلَام والسرخسي) والجصاص (يمْتَنع) نسخه (للُزُوم الْكَذِب) فِي الأول لِأَن الحكم الأول يدل على أَن الصَّوْم مَطْلُوب دَائِما والنسخ يدل على خِلَافه (أَو البداء) على الله تَعَالَى فِي الثَّانِي لِأَن النّسخ فِيهِ يدل على حُدُوث (وَهُوَ) أَي اللُّزُوم الْمَذْكُور (الْمَانِع) من النّسخ (فِي الْمُتَّفق) على عدم جَوَاز نسخه كَقَوْلِه الصَّوْم عَلَيْكُم وَاجِب مُسْتَمر أبدا (قَالُوا) أَي المجوزون للنسخ فِي الأول: أَن أبدا (ظَاهر فِي عُمُوم الْأَوْقَات) المستقلة (فَجَاز تَخْصِيصه) بِوَقْت فِيهَا دون وَقت كَمَا يجوز تَخْصِيص عُمُوم سَائِر الظَّوَاهِر، إِذْ التَّخْصِيص فِي الْأَزْمَان كالتخصيص فِي الْأَعْيَان (قُلْنَا نعم) يجوز تَخْصِيصه (إِذا اقْترن) الْمَخْصُوص (بدليله) أَي التَّخْصِيص (فَيحكم حِينَئِذٍ) أَي حِين اقترانه بِدَلِيل التَّخْصِيص (بِأَنَّهُ) أَي التَّأْبِيد (مُبَالغَة) أُرِيد بِهِ الزَّمن الطَّوِيل مجَازًا (أما مَعَ عَدمه) أَي دَلِيل التَّخْصِيص (وَهُوَ) أَي عَدمه (الثَّابِت) فِيمَا نَحن فِيهِ (فَذَلِك اللَّازِم) أَي فلزوم الْكَذِب هُوَ اللَّازِم لإِرَادَة التَّخْصِيص فِيمَا نَحن فِيهِ (وَحَاصِله) أَي هَذَا الْجَواب (حِينَئِذٍ يرجع إِلَى اشْتِرَاط الْمُقَارنَة فِي دَلِيل التَّخْصِيص) للعام الْمَخْصُوص (وَتقدم) فِي بحث التَّخْصِيص (وَالْحق أَن لُزُوم الْكَذِب) إِنَّمَا هُوَ (فِي) نسخ (الْأَخْبَار) الَّتِي لَا يتَغَيَّر مَعْنَاهَا كوجود الصَّانِع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كماض) كَقَوْلِه ﷺ " الْجِهَاد مَاض (إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَلِذَا) أَي لُزُوم الْكَذِب (اتّفق عَلَيْهِ) أَي على عدم جَوَاز النّسخ فِي الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة (الْحَنَفِيَّة، وَالْخلاف) إِنَّمَا هُوَ (فِي غَيره) أَي غير نسخ الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة (مِمَّا يتَغَيَّر مَعْنَاهُ كفر زيد بِخِلَاف حُدُوث الْعَالم) وَنَحْوه مِمَّا لَا يتبدل قطعا

стр. 894

فَإِن الْإِجْمَاع على أَنه لَا يجوز نسخه فِي الشَّرْح العضدي إِن كَانَ مَدْلُول الْخَبَر مِمَّا لَا يتَغَيَّر كوجود الصَّانِع وحدوث الْعَالم فَلَا يجوز نسخه اتِّفَاقًا وَإِن كَانَ مِمَّا يتَغَيَّر كَإِيمَانِ زيد وكفره فقد اخْتلف فِيهِ، وَالْمُخْتَار أَنه مثل مَا لَا يتَغَيَّر مَدْلُوله وَعَلِيهِ الشَّافِعِي وَأَبُو هَاشم خلافًا لبَعض الْمُعْتَزلَة انْتهى، ثمَّ لما بَين مَحل الْخلاف بقوله فِي ذِي مُجَرّد إِلَى آخِره، وَذكر اخْتِلَاف الْحَنَفِيَّة فِيهِ وَدَلِيل المجوزين للنسخ من الظُّهُور فِي عُمُوم الْأَوْقَات وَجَوَاز التَّخْصِيص وَجَوَاب المانعين من عدم اقتران الْمُخَصّص أَرَادَ أَن يذكر مَا هُوَ المرضى عِنْده فَقَالَ (ولازم تراخي الْمُخَصّص) فِي مَحل اتّفق الْحَنَفِيَّة على عدم جَوَازه (من التَّعْرِيض على الْوُقُوع) أَي وُقُوع الْمُكَلف بِمَا ترَاخى عَنهُ مخصوصه (فِي غير الْمَشْرُوع) بإتيانه بِمَا سيخرجه الْمُخَصّص (غير لَازم هُنَا) أَي فِيمَا نَحن فِيهِ من مَحل الْخلاف الْمَذْكُور لِأَن الْمُخَصّص إِنَّمَا هُوَ النَّاسِخ وَقبل ظُهُوره يعْمل بالحكم الأول إِذْ الْمَشْرُوع حِينَئِذٍ (بل غَايَته) أَي غَايَة مَا يلْزمه عدم الاقتران هُنَا (اعْتِقَاد أَنه) أَي الحكم الأول (لَا يرفع) لما يَقْتَضِيهِ ظَاهر التَّأْبِيد فِي نَحْو صُومُوا أبدا والتوقيت فِي مثل حرمته عَلَيْكُم عَاما (وَهُوَ) أَي الِاعْتِقَاد الْمَذْكُور (غير ضائر) وَإِذا علم أَن اللَّازِم الَّذِي كَانَ مَحْظُور التَّرَاخِي من جِهَة مُنْتَفٍ فِيمَا نَحن فِيهِ (فَالْوَجْه) فِيهِ (الْجَوَاز) أَي جَوَاز النّسخ (كصم غَدا ثمَّ نسخ قبله) أَي الْغَد (فَإِنَّهُ) أَي جَوَاز نسخه (اتِّفَاق) وَجه الشّبَه اشتراكهما فِي تعلق وجوب الْفِعْل بِزَمَان مُسْتَقْبل ثمَّ نسخه قبل انْقِضَاء ذَلِك الزَّمَان (وَمَا قيل) على مَا فِي الشَّرْح العضدي من أَنه (لَا مُنَافَاة بَين إِيجَاب فعل مُقَيّد بالأبد وَعدم أبدية التَّكْلِيف) بذلك إِذْ الْمَوْصُوف بالأبدية إِنَّمَا هُوَ نفس الْفِعْل وبعدمها الْإِيجَاب الْمُتَعَلّق بهَا، فَمحل الْإِثْبَات غير مَحل النَّفْي وَحَاصِله أَن الطَّالِب يطْلب فِي بعض الْأَوْقَات أمرا دَائِما ثمَّ يطْلب فِي وَقت آخر ترك ذَلِك الْأَمر (بعد مَا قرر فِي) تَقْرِير (النزاع من أَنه) أَي النزاع مَبْنِيّ (على) تَقْدِير (جعله) أَي التَّأْبِيد (قيدا للْحكم مَعْنَاهُ) أَي معنى مَا قيل (بالنسخ يظْهر خِلَافه) أَي فِي كل مَحل جعل التَّأْبِيد قيدا للْحكم يظْهر بعد النّسخ أَنه لَيْسَ بِقَيْد لَهُ بل هُوَ قيد للْفِعْل، إِذْ لَا مُنَافَاة بَين النّسخ وَبَينه بِخِلَاف الأول فان النّسخ يُنَافِيهِ وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا التَّوْجِيه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْوَجْه حِينَئِذٍ) أَي حِين يقْصد الْجَواب بِعَدَمِ الْمُنَافَاة (أَن لَا يَجْعَل النزاع على ذَلِك التَّقْدِير، بل) يَجْعَل (هُوَ مَا) أَي تَصْوِير (هُوَ ظَاهر فِي تَقْيِيد الحكم) لَا نَص فمانع النّسخ ينظر إِلَى ظَاهره، والمجيب يحملهُ على خلاف الظَّاهِر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن تَصْوِير مَحل النزاع على هَذَا المنوال (فَالْجَوَاب) بِلَا مُنَافَاة الخ (على خلاف الْمَفْرُوض) وَهُوَ كَون التَّأْبِيد قيدا للْحكم قطعا (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ التَّأْبِيد قيدا للْفِعْل

стр. 895

لَا الحكم (فقد لَا يخْتَلف فِي الْجَوَاز) أَي جَوَاز النّسخ. مسئلة قَالَ (الْجُمْهُور لَا يجْرِي) النّسخ (فِي الْأَخْبَار) مَاضِيَة كَانَت أَو مُسْتَقْبلَة (لِأَنَّهُ) أَي النّسخ فِيهَا (الْكَذِب) أَي يستلزمه (وَقيل نعم) يجْرِي فِيهَا مُطلقًا مَاضِيَة كَانَت أَو مُسْتَقْبلَة وَعدا أَو وعيدا إِذا كَانَ مدلولها مِمَّا يتَغَيَّر، وَعَلِيهِ الإِمَام الرَّازِيّ والآمدي لقَوْله تَعَالَى (﴿يمحوا الله مَا يَشَاء وَيثبت. أَن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى﴾). وَقد قَالَ تَعَالَى - ﴿فبدت لَهما سوآتهما﴾ - (وعَلى قَوْلهم) أَي المجوزين لنسخ الْأَخْبَار (يجب إِسْقَاط) قيد (شَرْعِي من التَّعْرِيف) إِذْ لَا يصدق على نسخ الْخَبَر رفع تعلق مُطلق الحكم الشَّرْعِيّ (وَالْجَوَاب) لمانعي نسخه عَن الْآيَتَيْنِ أَن معنى يمحوا الله مَا يَشَاء (ينْسَخ بِمَا يستصوبه) ويتركه غير مَنْسُوخ. قَالَ الشَّارِح وَالْوَجْه حذف الْبَاء كَمَا فِي الْكَشَّاف ينْسَخ مَا يستصوب نسخه، وَيثبت بدله مَا تَقْتَضِي حكمته إثْبَاته انْتهى. وَالْمُصَنّف لم يذكر الْمَنْسُوخ، وَذكر مَا ينْسَخ بِهِ اختصارا مَعَ أَنه يفهم ضمنا، لِأَن فِي استصواب مَا ينْسَخ بِهِ إِشَارَة إِلَيْهِ، وَهُوَ توهم أَن المُصَنّف أَدخل الْبَاء على الْمَنْسُوخ وَحَاصِل الْجَواب أَن قَوْله مَا يَشَاء لَا يحمل على الْعُمُوم لتندرج تَحْتَهُ الْأَخْبَار على أَنه لَو حمل عَلَيْهَا أبدا لَا يلْزم نسخهَا لجَوَاز أَن لَا يتَعَلَّق بنسخها الْمُشبه (أَو) يمحو (من ديوَان الْحفظَة). قَالَ الشَّارِح مَا لَيْسَ بحسنة وَلَا بسيئة، لأَنهم مأمورون بكتبة كل قَول وَفعل (و) يثبت (غَيره) انْتهى كَأَنَّهُ حمله على هَذَا التَّخْصِيص قَوْله تَعَالَى - ﴿مَا لهَذَا الْكتاب لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها﴾ -. وَفِيه نظر لجَوَاز أَن يكون ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعْض لَا الْكل وَغَيره من الْأَقْوَال نَحْو: يمحو سيئات التائب وَيثبت الْحَسَنَات مَكَانهَا، أَو يمحو قرنا وَيثبت آخر إِلَى غير ذَلِك. وَقَوله أَن لَك أَلا تجوع فِيهَا (وَلَا تعرى من الْقَيْد وَالْإِطْلَاق) يَعْنِي مُطلق صُورَة وتقيد حَقِيقَة بِشَرْط عدم الْمُخَالفَة لِلْأَمْرِ (لَا) من (النّسخ وَأما نسخ إِيجَاب الْأَخْبَار) عَن شَيْء (بالأخبار) أَي بِإِيجَاب الْأَخْبَار (عَن نقيضه) فالمأمور بِهِ حِينَئِذٍ أَن يخبر الْمُكَلف عَن شَيْء ثمَّ عَن نقيضه (فَمَنعه الْمُعْتَزلَة لاستلزامه) أَي هَذَا النّسخ (الْقَبِيح كذب أَحدهمَا) أَي النَّاسِخ والمنسوخ (بِنَاء على حكم الْعقل) بالتحسين والتقبيح (وَيجب) أَن يعْتَبر (للحنفية مثله) أَي الْمَنْع لما ذكر من الاستلزام لقَولهم بِاعْتِبَار الْعقل بالتحسين والتقبيح (إِلَّا أَن تغير الأول إِلَيْهِ). قَالَ الشَّارِح عَن ذَلِك الْوَصْف الَّذِي وَقع الْإِخْبَار بِهِ أَولا إِلَى الْوَصْف الَّذِي يُكَلف بالإخبار عَنهُ ثَانِيًا لانْتِفَاء الْمَانِع حِينَئِذٍ انْتهى. وَلم يبين أَن الْخَبَر الأول كَيفَ يتَغَيَّر وَصفه الَّذِي بِهِ حسن الْأَمر بالإخبار بِهِ إِلَى

стр. 896

الْوَصْف الَّذِي كلف بالإخبار ثَانِيًا، وَهل ينْتَقل وصف أحد النقيضين إِلَى الآخر فَالْوَجْه أَن يُقَال إِذا كَانَ مَضْمُون الْخَبَر مِمَّا يتَغَيَّر ويتبدل ككفر زيد، فَفِي زمَان اتصافه بالْكفْر يحسن أَن يُؤمر بِأَن يَقُول زيد لَيْسَ بِكَافِر (وَكَذَا الْمُعْتَزلَة) يَنْبَغِي أَن يكون قَوْلهم على هَذَا التَّفْصِيل. مسئلة (قيل) وقائله بعض الْمُعْتَزلَة والظاهرية (لَا ينْسَخ) الحكم (بِلَا بدل) عَنهُ (فَإِن أُرِيد) بِالْبَدَلِ بدل مَا (وَلَو) كَانَ ثُبُوته (بِإِبَاحَة أَصْلِيَّة فاتفاق) كَونه لَا يجوز بِلَا بدل لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يتْرك عباده هملا فِي وَقت من الْأَوْقَات، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الرسَالَة: وَلَيْسَ ينْسَخ فرض أبدا إِلَّا أثبت مَكَانَهُ فرض كَمَا نسخت قبْلَة بَيت الْمُقَدّس، فَأثْبت مَكَانهَا الْكَعْبَة انْتهى. وَقَالَ الصَّيْرَفِي فِي شرحها أَنه ينْقل من حظر إِلَى إِبَاحَة وَمن إِبَاحَة إِلَى حظر أَو تَخْيِير على حسب أَحْوَال الْفُرُوض قَالَ: وَمثل ذَلِك الْمُنَاجَاة كَأَن يُنَاجِي النَّبِي ﷺ بِلَا تَقْدِيم صَدَقَة، ثمَّ فرض الله تَقْدِيم الصَّدَقَة، ثمَّ أَزَال ذَلِك فردهم إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. قَالَ فَهَذَا معنى قَول الشَّافِعِي فرض مَكَان فرض فتفهمه انْتهى. (أَو) أُرِيد بِالْبَدَلِ بدل (مفَاد بِدَلِيل النّسخ فَالْحق نَفْيه) أَي نفي هَذَا السَّلب الْكُلِّي أَعنِي لَا نسخ بِلَا بدل (لِأَنَّهُ) أَي السَّلب الْمَذْكُور قَول (بِلَا مُوجب وَالْوَاقِع خِلَافه كنسخ حُرْمَة الْمُبَاشرَة) للنِّسَاء (بعد الْفطر) فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن الْبَراء بن عَازِب كَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ إِذا كَانَ الرجل صَائِما فَحَضَرَ الْإِفْطَار فَنَامَ قبل أَن يفْطر لم يَأْكُل ليلته وَلَا يَوْمه حَتَّى يُمْسِي، وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَغَيرهَا عَن ابْن عَبَّاس، وَكَانَ النَّاس على عهد رَسُول الله ﷺ إِذا صلوا الْعَتَمَة حرم عَلَيْهِم الطَّعَام وَالشرَاب، وَالنِّسَاء وصاموا إِلَى الْقَابِلَة، وَالْمَشْهُور فِي رِوَايَة ابْن عبد الْبر، أَو الْمَقْطُوع فِي رِوَايَات الْبَراء أَن ذَلِك كَانَ مُقَيّدا بِالنَّوْمِ، ويترجح بِقُوَّة سَنَده (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي من النَّاسِخ لحكم بِغَيْر بدل (نَاسخ ادخار لُحُوم الْأَضَاحِي) فَوق ثَلَاث لِأَنَّهُ مقرون بِبَدَل: حَيْثُ قَالَ النَّبِي ﷺ : " نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها ونهيتكم عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث فأمسكوا مَا بدا لكم " رَوَاهُ مُسلم فَهَذِهِ إِبَاحَة شَرْعِيَّة هِيَ بدل مفَاد بِدَلِيل النّسخ، وَفِي هَذَا تَعْرِيض بِابْن الْحَاجِب فِي تمثيله لوُقُوع النّسخ بِلَا بدل (وَجَاز أَن لَا يتَعَرَّض الدَّلِيل) النَّاسِخ (لغير الرّفْع) لتَعلق حكم الْمَنْسُوخ (أَو) أُرِيد بقوله بِلَا بدل (بِلَا ثُبُوت حكم شَرْعِي) لذَلِك الْفِعْل (وَإِن لم يكن) ذَلِك الحكم ثَابتا (بِهِ) أَي بِدَلِيل النّسخ (فَكَذَلِك) أَي الْحق نَفْيه (لذَلِك) أَي لكَونه بِلَا مُوجب إِلَى آخِره (وَتَكون) الصّفة (الثَّابِتَة) للْفِعْل (الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة) فَإِنَّهَا لَيست بِحكم شَرْعِي على الْمُخْتَار، و (لَكِن لَيْسَ مِنْهُ) أَي من النّسخ بِلَا ثُبُوت حكم شَرْعِي (نسخ تَقْدِيم الصَّدَقَة)

стр. 897

عِنْد إِرَادَة مُنَاجَاة النَّبِي ﷺ (لثُبُوت الحكم الشَّرْعِيّ) وَهُوَ ندبية الصَّدَقَة (بِالْعَام النادب للصدقة) فِي الْكتاب وَالسّنة وَنسخ حُرْمَة الْمُبَاشرَة من الشق الثَّالِث الثَّابِت فِيهِ بدل الْمَنْسُوخ بِدَلِيل غير دَلِيل النّسخ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿أحل لكم﴾ - الْآيَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بِثُبُوت إِبَاحَة الْمُبَاشرَة يباشروهن) فِي قَوْله - ﴿فَالْآن باشروهن﴾ - وَقَوله بِثُبُوت مُتَعَلق بمقدر نَحْو إِنَّمَا قُلْنَا بِأَن بدل حُرْمَة الْمُبَاشرَة ثَبت بِغَيْر دَلِيل النّسخ، وَكَانَ مَحَله عِنْد قَوْله كنسخ حُرْمَة الْمُبَاشرَة ليبين بِهِ قَوْله وَالْوَاقِع بِخِلَافِهِ لَكِن أَخّرهُ لكَونه مِثَالا للشق الثَّالِث، وَلِأَنَّهُ ذكر فِي الشَّرْح العضدي مَعَ نسخ تَقْدِيم الصَّدَقَة مثالين للنسخ بِلَا بدل فقصد الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا فيهمَا تبعا. (قَالُوا) أَي مانعو النّسخ بِلَا بدل قَالَ تَعَالَى (مَا ننسخ الْآيَة) أَي - من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا - فَفِي كل نسخ لَا بُد من الْإِتْيَان بِأحد الْأَمريْنِ، وَلَا يَعْنِي بِالْبَدَلِ إِلَّا هَذَا، وَفِي الشَّرْح العضدي: وَلَا يتَصَوَّر كَونه خيرا أَو مثلا إِلَّا فِي بدل (أُجِيب بالخيرية لفظا) أَي من حَيْثُ اللَّفْظ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي تَجْدِيد حكم آخر، وَهَذَا الْجَواب مَبْنِيّ (على إِرَادَة نسخ التِّلَاوَة لِأَنَّهُ) أَي كَون المُرَاد هَذَا هُوَ (الظَّاهِر) وَذَلِكَ لِأَن الْآيَة اسْم للنظم الْخَاص، فَالظَّاهِر أَن الْخَيْرِيَّة بِاعْتِبَار مَا يرجع إِلَى اللَّفْظ (وَأما ادِّعَاء أَن مِنْهُ) أَي من الْإِتْيَان بِخَير من حَيْثُ الحكم (على) تَقْدِير (التنزل) وَتَسْلِيم أَن الْخَيْرِيَّة بِاعْتِبَار الحكم، وَالْجَار مُتَعَلق بالادعاء، وَاسم أَن قَوْله (ترك الْبَدَل). فِي الشَّرْح العضدي سلمنَا أَن المُرَاد نأتي بِحكم خير مِنْهَا، لكنه عَام يقبل التَّخْصِيص، فَلَعَلَّهُ خصص بِمَا نسخ لَا إِلَى بدل، سلمناه لَكِن إِذا أَتَى بنسخه من غير بدل وَهُوَ حكم فَلَعَلَّهُ خير للمكلف لمصْلحَة يعلمهَا الله تَعَالَى انْتهى. فَجعل ترك الْبَدَل حكما، فَقَالَ المُصَنّف (فَلَيْسَ) أَي لَيْسَ هَذَا الْجَواب فِي مَحل النزاع (إِذْ لَيْسَ) ترك الْبَدَل (حكما شَرْعِيًّا) وَهُوَ المنازع فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَصرح أَن الْخلاف فِيهِ) أَي فِي الحكم الشَّرْعِيّ، وَقد يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون هَذَا سندا آخر. يمْنَع استلزام الْآيَة مدعاهم، وَهُوَ لُزُوم حكم آخر شَرْعِي فِي كل نسخ. وَحَاصِله أَن الْخَيْرِيَّة لَيْسَ بِاعْتِبَار النّظم بل بِاعْتِبَار الحكم الشَّرْعِيّ خَاصَّة، فَلَا يلْزم الْخُرُوج من مَحل النزاع فَتَأمل (وتجويز التَّخْصِيص) لعُمُوم - نأت بِخَير مِنْهَا - الْمشَار إِلَيْهِ فِي الشَّرْح الْمَذْكُور على مَا مر آنِفا (لَا يُوجب وُقُوعه) أَي التَّخْصِيص، فَإِذا لم يثبت الْوُقُوع لَا يضر الْخصم لأَنهم لَا يمْنَعُونَ جَوَاز النّسخ بِلَا بدل عقلا كَمَا سيشير إِلَيْهِ (والتنزل) كَمَا فعله ابْن الْحَاجِب (إِلَى أَنَّهَا) أَي الْآيَة (لَا تفِيد نفي الْوُقُوع) أَي وُقُوع النّسخ بِلَا بدل (وَالْخلاف) إِنَّمَا هُوَ (فِي الْجَوَاز تَسْلِيم لَهُم) أَي للنافين للنسخ بِلَا بدل، لِأَن مَعْنَاهُ سلمنَا أَن الْآيَة تدل على نفي الْوُقُوع لَكِن نزاعنا مَعكُمْ فِي الْجَوَاز، لأَنهم إِذا قَالُوا لَا نزاع لنا فِي الْجَواب عقلا لَا يَنْبَغِي مَعَهم نزاع

стр. 898

وَقد سلمتم مَا هُوَ مطلوبهم، وَهُوَ نفي الْوُقُوع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِأَن الظَّاهِر إرادتهم) أَي النافين (نَفْيه) أَي جَوَاز النّسخ بِلَا بدل (سمعا). وَحَاصِله نفي الْوُقُوع (لَا عقلا) وَإِنَّمَا عرفنَا ذَلِك (باستدلالهم) بِالْآيَةِ، فَإِنَّهَا لَا تكون على نفي الْوُقُوع وَمَا ثمَّة تَصْرِيح مِنْهُم بِأَن مُرَادهم نفي الْجَوَاز وَالله أعلم. مسئلة وَاتَّفَقُوا على جَوَاز النّسخ بالأخف والمساوى كالمباشرة والتوجه إِلَى الْكَعْبَة، وَهل يجوز بالأثقل. قَالَ (الْجُمْهُور يجوز بأثقل، ونفاه) أَي الْجَوَاز بِهِ (شذوذ) بَعضهم عقلا، وَبَعْضهمْ سمعا (لنا أَن اعْتبرت الْمصَالح) فِي التَّكْلِيف (وجوبا) كَمَا هُوَ رَأْي الْمُعْتَزلَة (أَو تفضلا) كَمَا هُوَ رَأْي غَيرهم (فلعلها) أَي الْمصلحَة للمكلف (فِيهِ) أَي فِي النّسخ بأثقل كَمَا يَنْقُلهُ من الصِّحَّة إِلَى السقم، وَمن الشَّبَاب إِلَى الْهَرم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن فِيهِ كَمَا يُومِئ إِلَيْهِ - يحكم مَا يَشَاء - وَيفْعل مَا يُرِيد. (فأظهر) أَي فالجواز أظهر (وَيلْزم) من عدم جَوَاز الأثقل لكَونه أثقل (نفي ابْتِدَاء التَّكْلِيف) فَإِنَّهُ نقل من سَعَة الْإِبَاحَة إِلَى مشقة التَّكْلِيف. قَالَ القَاضِي وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك (وَوَقع) النّسخ بِالْأَكْثَرِ (بِتَعْيِين الصَّوْم) أَي صَوْم رَمَضَان (بعد التَّخْيِير بَينه) أَي الصَّوْم (وَبَين الْفِدْيَة) عَن كل يَوْم بإطعام مِسْكين نصف صَاع بر أَو صَاع تمر أَو شعير عندنَا، ومدبر أَو غَيره من قوت الْبَلَد عِنْد الشَّافِعِيَّة، أَو مُدبر أَو مدى تمر أَو شعير عِنْد أَحْمد، فَإِن التَّعْيِين أثقل من التَّخْيِير. عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع لما نزلت - ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين﴾ - كَانَ من أَرَادَ أَن يفْطر يفتدي حَتَّى نزلت الْآيَة بعْدهَا، فنسختها. وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ نزل رَمَضَان، فشق عَلَيْهِم، من أطْعم كل يَوْم مِسْكينا ترك الصّيام مِمَّن يطيقُونَهُ، وَرخّص لَهُم ذَلِك، فنسختها - ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ - فَأمروا بالصيام لَكِن يعارضها مَا فِي الصَّحِيح أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس لَيست مَنْسُوخَة، وَهِي للشَّيْخ الْكَبِير وَالْمَرْأَة الْكَبِيرَة لَا يستطيعان أَن يصوما، فيطعمان مَكَان كل يَوْم مِسْكينا. هَذَا، وَاخْتَارَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة مَا عَن ابْن عَبَّاس، لِأَن مثله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ لكَونه مُخَالفا لظَاهِر الْقُرْآن، وَيحْتَاج إِلَى تَقْدِير حرف النَّفْي كَمَا فِي تالله تفتؤ - ﴿يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ - فَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع، ولكونه أفقه، وَفِي قِرَاءَة حَفْصَة - ﴿وعَلى الَّذين لَا يطيقُونَهُ﴾ - (وَالْوَجْه أَنه) قَالَ الشَّارِح: أَي الْوُجُوب الَّذِي هُوَ الحكم الأول، وَالْوَجْه أَن تعْيين الصَّوْم بعد التَّخْيِير كَمَا لَا يخفى (لَيْسَ بنسخ أصلا) قَالَ الشَّارِح أَي بمنسوخ بِنَاء على التَّفْسِير الأول (على وزان مَا تقدم فِي فدَاء إِسْمَاعِيل ﵇)

стр. 899

من أَن الْإِبْدَال يَقْتَضِي بَقَاء وجوب الْمُبدل مِنْهُ. قَالَ الشَّارِح الَّذِي يظْهر لي أَن يَقُول على ضد وزان مَا تقدم فِي فدَاء الذَّبِيح، لِأَن الْوُجُوب هُنَا صَار بِحَيْثُ لَا يسْقط عَنهُ مُتَعَلّقه مَعَ قدرته على مُتَعَلّقه بعد أَن كَانَ بِحَيْثُ يسْقط بِكُل مِنْهُمَا مَعَ قدرته عَلَيْهِمَا وثمة صَار الْوُجُوب يسْقط عَنهُ بِبَدَل مُتَعَلّقه قطعا بِحَيْثُ لَا يجوز لَهُ الْعُدُول إِلَى مُتَعَلّقه، وَإِن كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ انْتهى، وَالَّذِي يظْهر أَن مُرَاد المُصَنّف التَّشْبِيه بِاعْتِبَار عدم منسوخية أصل الْوُجُوب، لما ذكر من قصَّة الْإِبْدَال، وَلَا يُنَافِي هَذَا منسوخية كَيْفيَّة الْوُجُوب من التَّخْيِير إِلَى التَّعْيِين (ورجم الزواني) المحصنة (وجلدهن) إِن كن غير محصنات (بعد الْحَبْس فِي الْبيُوت) عَن ابْن عَبَّاس كَانَت الْمَرْأَة إِذا زنت حبست فِي الْبَيْت حَتَّى تَمُوت إِلَى أَن نزلت - ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ - قَالَ فَإِن كَانَا محصنين رجما بِالنِّسْبَةِ فَهُوَ سبيلهن الَّذِي جعل الله، وَلَا يضر مَا فِيهِ لتضافر الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بِهَذَا الْمَعْنى وانعقاد الْإِجْمَاع عَلَيْهِ، وَالرَّجم أثقل من الْحَبْس. (قَالُوا) أَي الشذوذ. قَالَ الله تَعَالَى (﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾) والنسخ إِلَى الأثقل لَيْسَ بتَخْفِيف فَلَا يُريدهُ الله تَعَالَى (أُجِيب بِأَن سياقها) أَي الْآيَة تدل على إِرَادَة التَّخْفِيف (فِي الْمَآل) أَي الْمعَاد (وَفِيه) أَي فِي الْمَآل (يكون) التَّخْفِيف (بالأثقل فِي الْحَال، وَسلم) الْعُمُوم فِي الْحَال والمآل (كَانَ) الْعُمُوم (مَخْصُوصًا بالوقوع) أَي بِقَرِينَة وُقُوع أَنْوَاع التكاليف الثَّقِيلَة المبتدأة وأنواع الِابْتِلَاء فِي الْأَبدَان وَالْأَمْوَال بالِاتِّفَاقِ (وَهُوَ) أَي هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِنَاء على مَا نفيناه) فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة من أَن النزاع لَيْسَ فِي الْجَوَاز الْعقلِيّ بل فِي (الْجَوَاز السمعي الَّذِي مآله النزاع فِي الْوُقُوع قَالُوا) ثَانِيًا. قَالَ تَعَالَى (﴿مَا ننسخ الْآيَة﴾) فَيجب الأخف لِأَنَّهُ الْخَيْر أَو المساوى والأشق لَيْسَ بِخَير وَلَا مثل (أُجِيب بخيرية الأثقل عَاقِبَة) لكَونه أَكثر ثَوابًا. قَالَ تَعَالَى - ﴿لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب﴾ - الْآيَة (أَو مَا تقدم) من أَن المُرَاد الْخَيْرِيَّة لفظا مسئلة (يجوز نسخ الْقُرْآن بِهِ) أَي بِالْقُرْآنِ (كآية عدَّة الْحول بِآيَة الْأَشْهر) قَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى - ﴿مَتَاعا لكم إِلَى الْحول﴾ - غير إِخْرَاج كَانَ ذَلِك أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ الْمدَّة بقوله تَعَالَى - ﴿أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ - (والمسالمة) أَي ولنسخ آيَات المسالمة للْكفَّار كَقَوْلِه - ﴿فَاعْفُ عَنْهُم وَاصْفَحْ﴾ - (بِالْقِتَالِ) أَي بآياته كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة﴾ - (وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر بِمثلِهِ) أَي بالْخبر الْمُتَوَاتر (و) خبر (الْآحَاد بِمثلِهِ) كَقَوْلِه ﷺ (كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزورها، وَعَن لُحُوم الْأَضَاحِي أَن تمسكوا فَوق ثَلَاثَة أَيَّام: فأمسكوا مَا بدا لكم الخ)

стр. 900

ونهيتكم عَن شرب النَّبِيذ إِلَّا فِي سقاء فَاشْرَبُوا فِي الأوعية، وَلَا تشْربُوا مُسكرا (فبالمتواتر) أَي فجواز نسخ الْآحَاد بالمتواتر (أولى) من جَوَاز نسخهَا بالآحاد لِأَنَّهُ أقوى (وَأما قلبه) وَهُوَ نسخ الْمُتَوَاتر بالآحاد (فَمَنعه الْجُمْهُور كل مانعي تَخْصِيص الْمُتَوَاتر بالآحاد، وَأكْثر مجيزيه) أَي تَخْصِيص الْمُتَوَاتر بالآحاد حَال كَون الْأَكْثَر (فارقين بِأَن التَّخْصِيص جمع لَهما) أَي الْمُتَوَاتر والآحاد (والنسخ إبِْطَال أَحدهمَا) الَّذِي هُوَ الْمُتَوَاتر بالآحاد (وَأَجَازَهُ) أَي نسخ الْمُتَوَاتر بالآحاد (بَعضهم) أَي بعض المجيزين لتخصيص الْمُتَوَاتر بالآحاد لتأخير الْآحَاد (لنا لَا يقاومه) أَي الْمُتَوَاتر لِأَنَّهُ قَطْعِيّ وَخبر الْآحَاد ظَنِّي (فَلَا يُبطلهُ) أَي خبر الْآحَاد الْمُتَوَاتر لِأَن الشَّيْء لَا يبطل أقوى مِنْهُ (قَالُوا) أَي المجيزون (وَقع) نسخ الْمُتَوَاتر بِخَبَر الْآحَاد (إِذْ ثَبت التَّوَجُّه) لأهل مَسْجِد قبَاء (إِلَى الْبَيْت بعد الْقطعِي) الْمُفِيد لتوجههم إِلَى بَيت الْمُقَدّس مَا يزِيد على عَام على خلاف مِقْدَاره (الْآتِي لأهل) مَسْجِد (قبَاء) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَلم يُنكره ﷺ إِذْ لَو أنكر لنقل، وَيشْهد لَهُ مَا أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن تويلة بنت مُسلم قَالَت صلينَا الظّهْر وَالْعصر فِي مَسْجِد بني حَارِثَة واستقبلنا مَسْجِد إيلياء فصلينا رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جَاءَنَا من يحدثنا أَن رَسُول الله ﷺ قد اسْتقْبل الْبَيْت الْحَرَام فتحول النِّسَاء مَكَان الرِّجَال وَالرِّجَال مَكَان النِّسَاء فصلينا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَنحن مستقبلون الْبَيْت الْحَرَام فَحَدثني رجل من بني حَارِثَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أُولَئِكَ رجال آمنُوا بِالْغَيْبِ. (وَبِأَنَّهُ) أَي النَّبِي ﷺ (كَانَ يبْعَث الْآحَاد للتبليغ) للْأَحْكَام مُطلقًا أَي مُبتَدأَة كَانَت أَو ناسخة لَا يفرق بَينهمَا، والمبعوث إِلَيْهِم متعبدون بِتِلْكَ الْأَحْكَام وَرُبمَا كَانَ فِي الْأَحْكَام مَا ينْسَخ متواترا إِذا لم ينْقل الْفرق بَين مَا نسخ متواترا وَغَيره (وَقل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ الْآيَة) نسخ مِنْهَا حل ذِي الناب (بِتَحْرِيم كل ذِي نَاب) من السبَاع بِخَبَر الْوَاحِد كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره مَرْفُوعا " كل ذِي نَاب من السبَاع حرَام " و (أُجِيب بِجَوَاز اقتران خبر الْوَاحِد بِمَا يُفِيد الْقطع، وَجعله) أَي المقترن الْمُفِيد للْقطع (النداء) أَي نِدَاء الْمخبر بذلك (بِحَضْرَتِهِ) ﷺ على رُءُوس الأشهاد على مَا فِي الشَّرْح العضدي (غلط أَو تساهل) بِأَن يُرَاد بِحَضْرَتِهِ وجوده فِي مَكَان قريب بِحَيْثُ لَا يخفى عَلَيْهِ كالواقع بِحُضُورِهِ (وَهُوَ) أَي التساهل (الثَّابِت) لبعد سَماع أهل قبَاء نِدَاء الْمخبر فِي مَجْلِسه (وَالثَّانِي) وَهُوَ بعثة الْآحَاد لتبليغ الْأَحْكَام إِنَّمَا يتم (إِذا ثَبت إرسالهم) أَي الْآحَاد (بنسخ) حكم (قَطْعِيّ عِنْد الْمُرْسل إِلَيْهِم، وَلَيْسَ) ذَلِك بِثَابِت وَمن ادَّعَاهُ فَعَلَيهِ الْبَيَان (وَلَا أجد الْآن تَحْرِيمًا) بِغَيْر مَا اسْتثْنى: أَي معنى الْآيَة هَذَا لِأَن لَا أجد للْحَال فإباحة غير الْمُسْتَثْنى مُؤَقَّتَة بِوَقْت الْإِخْبَار (فالثابت) عَن الْإِبَاحَة فِي ذَلِك الْوَقْت (إِبَاحَة أَصْلِيَّة ورفعها) أَي الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة

стр. 901

فِي الْمُسْتَقْبل بِالتَّحْرِيمِ (لَيْسَ نسخا) لِأَن النّسخ رفع لحكم شَرْعِي وَالْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيست إِيَّاه على الْمُخْتَار وَقد مر. مسئلة (يجوز نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ) عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء والمتكلمين ومحققي الشَّافِعِيَّة (وَأَصَح قولي الشَّافِعِي الْمَنْع) فَإِنَّهُ قَالَ لَا ينْسَخ كتاب الله إِلَّا كتاب الله كَمَا كَانَ الْمُبْتَدِئ بفرضه فَهُوَ المزيل الْمُثبت بِمَا شَاءَ مِنْهُ ﷻ وَلَا يكون ذَلِك لأحد من خلقه وَهَكَذَا سنة رَسُول الله ﷺ ، وَاخْتلف أَصْحَابه فَقيل المُرَاد نفي الْجَوَاز الْعقلِيّ، وَنسب إِلَى المحاسبي وَعبد الله ابْن سعيد والقلانسي وهم من أكَابِر أهل السّنة، ويروى عَن أَحْمد وَأبي إِسْحَاق الإسفرايني وَأبي الطّيب الصعلوكي وَأبي مَنْصُور، وَقيل لم يمْنَع الْعقل والسمع لكنه لم يقل وَهُوَ قَول ابْن سُرَيج. قَالَ السُّبْكِيّ: وَنَصّ الشَّافِعِي لَا يدل على أَكثر مِنْهُ ثمَّ قَالَ حَيْثُ وَقع نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ فمعها قُرْآن عاضد لَهَا يبين توَافق الْكتاب وَالسّنة أَو نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ فمعه سنة عاضدة لَهُ تبين توافقهما (لنا لَا مَانع) عَقْلِي وَلَا شَرْعِي من ذَلِك (وَوَقع) والوقوع دَلِيل الْجَوَاز (فَإِن التَّوَجُّه إِلَى الْقُدس) أَي بَيت الْمُقَدّس (لَيْسَ فِي الْقُرْآن وَنسخ) التَّوَجُّه إِلَيْهِ (بِهِ) أَي بِالْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى - ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ - (وَكَذَا حُرْمَة الْمُبَاشرَة) بقوله تَعَالَى - ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث﴾ - الْآيَة فَإِن تَحْرِيمهَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن (وتجويز كَونه) أَي نسخ كل مِنْهُمَا (بِغَيْرِهِ) أَي غير الْقُرْآن (من سنة أَو) تَجْوِيز ثُبُوت حكم (الأَصْل) فِيهَا (بِتِلَاوَة) أَي بمتلوّ من الْقُرْآن (نسخت وَذَلِكَ) التجويز (على) تَقْدِير (الْمُوَافقَة) فِيهِ مَعَ الْخصم (احْتِمَال بِلَا دَلِيل) فَلَا يسمع (ثمَّ لَو صَحَّ) مَا ذكرْتُمْ من التجويز الْمَذْكُور (لم يتَعَيَّن نَاسخ علم تَأَخره مَا لم يقل ﷺ هَذَا نَاسخ) لكذا وَنَحْوه لذَلِك الِاحْتِمَال (وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع قَالُوا أَي المانعون) أَولا قَوْله تَعَالَى - ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ - يَقْتَضِي أَن شَأْنه الْبَيَان للْأَحْكَام، والنسخ رفع لَا بَيَان (أُجِيب) بِتَسْلِيم شَأْنه وَمنع أَنه لَيْسَ بِبَيَان بقوله (والنسخ) رفع لَا بَيَان (مِنْهُ) أَي من الْبَيَان لِأَنَّهُ بَيَان انْتِهَاء مُدَّة الحكم (قَالُوا) ثَانِيًا نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ (يُوجب التنفير) للنَّاس عَن النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ يفهم أَن الله تَعَالَى لم يرض بِمَا سنه رَسُول الله ﷺ وَهُوَ منَاف لمقصد الْبعْثَة وَهُوَ التأسي بِهِ والاقتداء (أُجِيب) بِأَنا لَا نسلم حُصُول النفرة على تَقْدِير النّسخ (إِذا آمنا بِأَنَّهُ مبلغ) وسفير يعبر بِهِ عَن الله تَعَالَى لَا غير، وَإِذا كَانَ التَّصَرُّف كُله من الله - ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ -

стр. 902

حكما معينا فِي مَحل الإجتهاد يُصِيبهُ تَارَة ويخطئه أُخْرَى، وَلَيْسَ كل مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد حكم الله تَعَالَى فِي نفس الْأَمر (لَو كَانَ الحكم) أَي خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِفعل العلد هُوَ عبن (مَا) أدّى الِاجْتِهَاد (إِلَيْهِ كَانَ) الْمُجْتَهد (بظنه) الْحَاصِل بِالِاجْتِهَادِ (يقطع بِأَنَّهُ) أَي المظنون الَّذِي أدّى إِلَيْهِ (حكمه تَعَالَى) (مَشْرُوط بِبَقَاء ظَنّه) الْحَاصِل بِالِاجْتِهَادِ، لِأَن الَّذِي علم قطعا أَن مطنونه عين حكم الله تَعَالَى فِي حَقه كَيفَ يتَصَوَّر أَن يتَحَوَّل عَنهُ بِأَن يشك فِيهِ أَو يظنّ خِلَافه فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون قطعه بِكَوْن المظنون حكم الله تَعَالَى فِي حَقه مُقَيّدا بِعَدَمِ طروّ مَا ينافى ذَلِك الظَّن من شكّ أوظن بِخِلَافِهِ، وَعند طروه يتَغَيَّر حكم الله تَعَالَى فِي حَقه إِلَى بدل أَن تعلق ظَنّه بِخِلَاف مُتَعَلق الظَّن الأول أَولا إِلَى بدل أَن لم يتَعَلَّق قلت: يلْزم حِينَئِذٍ تعدد حكم الله تَعَالَى فِي حَادِثَة وَاحِدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص وَاحِد والنسخ، وسيجئ تَفْصِيله (والاجماع) مُنْعَقد (على جَوَاز تغيره) أَي الظَّن الْمَذْكُور بِأحد الْوَجْهَيْنِ (وَوُجُوب الرُّجُوع) عَن الظَّن الْمَذْكُور مَعْطُوف على مَدْخُول على الْمُتَعَلّقَة بالاجماع (وَأَنه) أَي الْمُجْتَهد (لم يزل عِنْد ذَلِك الْقطع) أَي لاقطع بِأَنَّهُ حكمه تَعَالَى. قَوْله أَنه لم يزل مَعْطُوف على بَقَاء ظَنّه، وَالْمرَاد بِاشْتِرَاط الْقطع بِكَوْنِهِ لم يزل عِنْد ذَلِك الْقطع للْقطع بِأَنَّهُ حكم الله تَعَالَى فِي حَقه بهت، لِأَن الْعلم الْقطعِي لَا يتَغَيَّر: وَهَذَا أظهر من حَيْثُ الْعبارَة، لَكِن القَاضِي عضد الدّين صدر بِهِ فِي شرح الْمُخْتَصر بِالْمَعْنَى الأول (فيجتمع الْعلم) الْقطعِي بِأَنَّهُ حكم الله تَعَالَى (وَالظَّن) بِأَنَّهُ حكمه تَعَالَى (فيجتمع النقيضان: تَجْوِيز النقيض) اللَّازِم لحقيقة الظَّن الْمُتَعَلّق بِأَنَّهُ حكم الله تَعَالَى (وَعَدَمه) أَي عدم تَجْوِيز النقيض اللَّازِم لحقيقة الْعلم وَالْقطع بِأَنَّهُ حكمه، وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْعلم وَالظَّن المتعلقان بِمَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد ومآ لَهما وَاحِد حَاصِل الِاسْتِدْلَال أَن كَون مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد حكم الله تَعَالَى فِي حَقه يسْتَلْزم الْقطع المستلزم للمحظورات الثَّلَاث لُزُوم بَقَاء الظَّن والاجماع على عدم لُزُومه واستمرار الْقطع المزيل للظن وانكار بَقَاء الظَّن بهت، واجتماع الْعلم وَالظَّن المستلزم لِاجْتِمَاع النقيضين (وإلزام كَونه) أَي كَون اجْتِمَاع النقيضين (مُشْتَرك الالزام) بِأَن الاجماع مُنْعَقد على وجوب اتِّبَاع الظَّن، فَيجب الْفِعْل إِذا ظن الْوُجُوب قطعا، وَيحرم إِذا ظن الْحُرْمَة قطعا، ثمَّ شَرط الْقطع بَقَاء الظَّن بِمَا ذكرْتُمْ، فليلزم الظَّن وَالْقطع مَعًا، ويجتمع النقيضان (مُنْتَفٍ) خبر الْمُبْتَدَأ (لاخْتِلَاف مَحل الظَّن) أَي مُتَعَلّقه على الْمَذْهَب الْحق (وَهُوَ)

стр. 903

ابْن عَبَّاس، وَلَيْسَ مِمَّا لَا يجْرِي فِيهِ الرَّأْي فَإِذا قَامَ الدَّلِيل الْقَاطِع على أَنه لَا يصلح نَاسِخا يجب الْعَمَل بِمُوجبِه فَإِن قَول الصَّحَابِيّ فِيمَا يجْرِي فِيهِ الرَّأْي لَيْسَ بِحجَّة على الْمُجْتَهد (قَالُوا) أَي المانعون قَالَ تَعَالَى (مَا ننسخ الْآيَة وَالسّنة لَيست خيرا مِنْهُ) أَي من الْقُرْآن (وَلَا مثلا) لَهُ (ونأت يُفِيد أَنه) أَي الْآتِي بِالْخَيرِ والمثل (هُوَ تَعَالَى) والآتي بِالسنةِ هُوَ الرَّسُول (أُجِيب بِمَا تقدم) من أَن المُرَاد الْخَيْر والمثل من جِهَة اللَّفْظ، وَلَا يخفى أَن الِاسْتِدْلَال يُفِيد أَمريْن: أَحدهمَا أَن عدم خيرية السّنة وَعدم مثليتها يمْنَع من كَونهَا نَاسِخا لِلْقُرْآنِ، وَالثَّانِي أَن كَون الْآتِي بالناسخ لَيْسَ إِلَّا الله تَعَالَى يَأْبَى عَن كَون مَا أَتَى بِهِ الرَّسُول نَاسِخا فَمَا تقدم لَا يصلح إِلَّا جَوَابا عَن الأول ومتممه قَوْله (وَعدم تفاضله) أَي لفظ السّنة (بالخيرية أَي البلاغة) يَعْنِي من حَيْثُ البلاغة (مَمْنُوع) قَالَ الشَّارِح إِذْ فِي الْقُرْآن الفصيح والأفصح والبليغ والأبلغ انْتهى وَهَذَا غَفلَة مِنْهُ عَن الْبَحْث، إِذْ الْكَلَام فِي نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ لَا بِالْقُرْآنِ، وَأَنت خَبِير بِأَن أبلغية السّنة من الْقُرْآن إِذا لم يكن قدر السُّورَة لَيْسَ بممتنع شرعا لَكِن ترك هَذَا الْوَجْه أوجه (وَلَو سلم) أَن المُرَاد كَونه خيرا أَو مثلا من حَيْثُ الْمَعْنى (فَالْمُرَاد بِخَير من حكمهَا) أَو بِمثل حكمهَا بِالنّظرِ إِلَى الْعباد (وَالْحكم الثَّابِت بِالسنةِ جَازَ كَونه أصلح للمكلف) مِمَّا ثَبت بِالْقُرْآنِ أَو مُسَاوِيا لَهُ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى جَوَاب الْأَمر الثَّانِي بقوله (وَهُوَ) أَي الحكم الثَّابِت بِالسنةِ (من عِنْده تَعَالَى وَالسّنة مبلغة ووحي غير متلوّ بَاطِن) أَي كَونه وَحيا (لَا من عِنْد نَفسه) ﷺ قَالَ تَعَالَى - ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ - فالآتي بهَا فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ الله تَعَالَى، وَالرَّسُول سفير. مسئلة نسخ جَمِيع الْقُرْآن غير جَائِز بِالْإِجْمَاع. قَالَ الإِمَام الرَّازِيّ وَغَيره لِأَنَّهُ معْجزَة مستمرة على التَّأْبِيد، وَنسخ بعضه جَائِز، وتفصيله مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (ينْسَخ الْقُرْآن تِلَاوَة وَحكما أَو أَحدهمَا) أَي تِلَاوَة لَا حكما أَو عَكسه (وَمنع بعض الْمُعْتَزلَة غير الأول) أَي تِلَاوَة وَحكما (لنا جَوَاز تِلَاوَة حكم)، وَلذَا تحرم على الْجنب إِجْمَاعًا (وَمفَاده) من الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم وَغَيرهمَا حكم (آخر وَلَا يلْزم من نسخ حكم نسخ آخر) لَا تلازم بَينهمَا يُوجب ذَلِك، وَهَذَانِ الحكمان كَذَلِك فَيجوز نسخ أَحدهمَا دون الآخر كَسَائِر الْأَحْكَام الَّتِي لَيْسَ بَينهَا هَذَا التلازم (وَوَقع) نسخ أَحدهمَا دون الآخر (روى عَن عمر كَانَ فِيمَا أنزل الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّة نكالا من الله). قَالَ الشَّارِح: كَذَا ذكره ابْن الْحَاجِب، وَالَّذِي وقفت عَلَيْهِ مَا أخرجه الشَّافِعِي

стр. 904

عَنهُ أَنه قَالَ " إيَّاكُمْ أَن تهلكوا عَن آيَة الرَّجْم أَن يَقُول قَائِل لَا نجد حَدَّيْنِ فِي كتاب الله: فَلَقَد رجم رَسُول الله ﷺ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَقُول النَّاس زَاد عمر فِي كتاب الله لكتبتها الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّة فَإنَّا قد قرأناهما " فَإِن قلت كَيفَ يَكْتُبهَا وَهُوَ مَنْسُوخ التِّلَاوَة قلت لم يقل بكتبها فِي الْمُصحف: بل أَرَادَ كتَابَتهَا فِي صحيفَة للْعَمَل بحكمها وليعلم أَنَّهَا كَانَت فِي الْقُرْآن فنسخت تلاوتها، وللترمذي نَحوه. ثمَّ أخرجه النَّسَائِيّ وَعبد الله بن أَحْمد فِي زيادات لمُسْند وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم عَن أبي بن كَعْب قَالَ كم تَعدونَ سُورَة الْأَحْزَاب. قَالَ قلت ثِنْتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَسبعين آيَة قَالَ كَانَت توازي سُورَة الْبَقَرَة أَو أَكثر، وَكُنَّا نَقْرَأ فِيهَا الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالاً من الله، وَإِنَّمَا عبر عَنْهُمَا بهما لِأَن الْغَالِب فيهمَا الاستبعاد (وَحكمه) أَي هَذَا الْمَنْسُوخ التِّلَاوَة (ثَابت) لِأَن المُرَاد بالشيخ وَالشَّيْخَة الْمُحصن والمحصنة وهما إِذا زَنَيَا رجما إِجْمَاعًا (وَلَقَد استبعد) كَون هَذَا قُرْآنًا نسخ تِلَاوَته استبعادا ناشئا (من طلاوة الْقُرْآن) بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة أَي حسنه لما أَنه يُوجد فِيهِ ذَلِك وَلَا يلْزم على الاستبعاد إِيهَام إِنْكَار يخْشَى عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك فِيمَا ثَبت قرآنيته بالمتواتر وَثُبُوت هَذَا بأخبار الْآحَاد (وَمِنْه) أَي الْمَنْسُوخ تِلَاوَته فَقَط عِنْد أَصْحَابنَا (الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة لِابْنِ مَسْعُود) - فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام (مُتَتَابِعَات) - إِذْ لَا وَجه لقرَاءَته ذَلِك فِي الْقُرْآن إِلَّا أَن يُقَال كَانَ يُتْلَى فِيهِ ثمَّ انتسخت تِلَاوَته فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ بِصَرْف الْقلب عَن حفظه إِلَّا قلب ابْن مَسْعُود فَبَقيَ الحكم بنقله فَإِن خبر الْوَاحِد يُوجب الْعَمَل بِهِ غير أَن كِتَابَته فِي الْمَصَاحِف لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا بُد فِيهَا من التَّوَاتُر، (و) مِنْهُ أَيْضا الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة ل (ابْن عَبَّاس فَأفْطر فَعدَّة) بعد قَوْله تَعَالَى - ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر﴾ - وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه كَانَ فِي الْقُرْآن " فَلَو أَن لِابْنِ آدم واديان من ذهب لابتغى أَن يكون لَهُ ثَالِث، وَلَا يمْلَأ فَاه إِلَّا التُّرَاب، وَيَتُوب الله على من تَابَ " قَالَ ابْن عبد الْبر قيل إِنَّه كَانَ من صُورَة ص (وَقَلبه) أَي نسخ الحكم لَا التِّلَاوَة (آيَة الِاعْتِدَاد حولا متلوة وارتفاع مفادها) بأَرْبعَة أشهر وَعشرا (وهما) أَي نسخ التِّلَاوَة وَالْحكم (مَعًا قَول عَائِشَة كَانَ فِيمَا أنزل عشر رَضعَات) مَعْلُومَات (يحرمن) رَوَاهُ مُسلم (قَالُوا) أَي مانعو نسخ أَحدهمَا بِدُونِ الآخر وَلَا (التِّلَاوَة مَعَ مفادها) من الحكم (كَالْعلمِ مَعَ العالمية والمنطوق مَعَ الْمَفْهُوم) فَكَمَا لَا يَنْفَكّ كل من العالمية وَالْمَفْهُوم عَن صَاحبه وَبِالْعَكْسِ كَذَلِك لَا يَنْفَكّ الحكم عَن التِّلَاوَة وَبِالْعَكْسِ، وَوجه الشّبَه أَن كلا مِنْهُمَا لَا يتَصَوَّر تحَققه بِدُونِ الآخر (وَالْمَقْصُود أَنه) أَي كلا مِنْهُمَا (ملزوم) للْآخر (فَلَا يضرّهُ) أَي الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (منع ثُبُوت الْأَحْوَال) رد

стр. 905

لما قيل من قبل الْجُمْهُور من أَن العالمية من الْأَحْوَال أَي الصِّفَات النفسية الَّتِي لَيست بموجودة وَلَا مَعْدُومَة قَائِمَة بموجودة، وَالْحق عندنَا منع ثُبُوتهَا وَإِن قَالَ بِهِ بعض منا كَالْقَاضِي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَا يخفى أَن الَّذِي سموهُ حَالا وَإِن كَانَ مَعْدُوما لكنه من الْأُمُور الَّتِي نفس الْأَمر نفس لظرفها وَإِن لم يكن ظرفا لوجودها كزوجية الْأَرْبَعَة بِخِلَاف زوجية الْخَمْسَة، وَهَذَا الْقدر كَاف فِي تحقق الْمُلَازمَة بَينه وَبَين أَمر آخر. (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا الِاسْتِدْلَال (إِن قلت) المتلوّ أَو الحكم (ملزوم الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الْمَعْنى أَو التِّلَاوَة (ابْتِدَاء سلمناه وَلَا يُفِيد) لِأَن الْكَلَام لَيْسَ فِيهِ (أَو) ملزوم الثُّبُوت (بَقَاء منعناه) إِذْ لَا يلْزم من الثُّبُوت ابْتِدَاء الثُّبُوت بَقَاء (وَالْكَلَام فِيهِ) أَي فِي ثُبُوته بَقَاء (قَالُوا) أَي المانعون ثَانِيًا (بَقَاء التِّلَاوَة دون الحكم يُوهم بَقَاءَهُ) أَي الحكم (فيوقع) بَقَاؤُهَا دونه (فِي الْجَهْل) وَهُوَ اعْتِقَاد بَقَاء الحكم وَهُوَ غير مُطَابق للْوَاقِع، وَهُوَ قَبِيح لَا يَقع من الله سُبْحَانَهُ (وَأَيْضًا فَائِدَة إنزاله) أَي الْقُرْآن (إفادته) أَي الحكم (وتنتفي) إفادته الحكم (بِبَقَائِهِ) أَي الحكم (دونهَا) أَي التِّلَاوَة هَكَذَا فِي النّسخ المصححة، وَالشَّارِح بنى عَلَيْهِ، وَالصَّوَاب ببقائها دونه اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يرجع ضمير بَقَائِهِ إِلَى الْقُرْآن وَضمير دونهَا إِلَى الحكم بِاعْتِبَار أَنه فَائِدَة لَا يخفى مَا فِيهِ. فِي الشَّرْح العضدي وَأَيْضًا فتزول فَائِدَة الْقُرْآن لانحصار فَائِدَة اللَّفْظ فِي إِفَادَة مَدْلُوله وَإِذا لم يقْصد بِهِ ذَلِك فقد بطلت فَائِدَته، وَالْكَلَام الَّذِي لَا فَائِدَة فِيهِ يجب أَن ينزه عَنهُ الْقُرْآن (أُجِيب) بِأَن (مبناه) أَي الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (على التحسين والتقبيح) العقليين وَقد نفاهما الأشاعرة (وَلَو سلم) القَوْل بهما (فَإِنَّمَا يلْزم الْإِيقَاع) فِي الْجَهْل عِنْد نسخ الحكم لَا التِّلَاوَة (لَو لم ينصب دَلِيل عَلَيْهِ) أَي على عدم بَقَاء الحكم لكنه نصب عَلَيْهِ فالمجتهد يعْمل بِالدَّلِيلِ والمقلد بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ (وَيمْنَع حصر فَائِدَته) أَي الْقُرْآن فِي إِفَادَة الحكم (بل) إنزاله كَمَا يكون لإفادته يكون (للإعجاز ولثواب التِّلَاوَة أَيْضا وَقد حصلتا) إِذْ الإعجاز لَا ينتفى بنسخ تعلق حكم اللَّفْظ وَكَذَا الثَّوَاب (كالفائدة الَّتِي عينتموها) أَي كَمَا حصلت الإفادة الْمَذْكُورَة ابْتِدَاء وَلَا يلْزم بَقَاء الْفَائِدَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر حُصُول الْفَائِدَة ابْتِدَاء قبل النّسخ لعدم بَقَاء الحكم بعده (انْتَفَى النّسخ بعد) طلب (الْفِعْل الْوَاجِب تكرره) بِتَكَرُّر سَببه إِذْ الْمَطْلُوب فِيهِ استمراره باستمرار سَببه وَهُوَ فَائِدَة الْخطاب الْمُتَعَلّق بِهِ وبالنسخ يَزُول ذَلِك، والمستلزم للمحال مُنْتَفٍ فالنسخ مُنْتَفٍ، والقائلون بالنسخ لَا يَقُولُونَ بِانْتِفَاء هَذَا النّسخ بل أَجمعُوا على صِحَّته بل وُقُوعه، وَإِنَّمَا قيد الانتفاء بِهَذَا النّسخ لِأَن نسخ فعل لم يجب تكرره لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الْفَائِدَة لِأَن الْمَطْلُوب فِيهِ أصل الْفِعْل وَهُوَ يحصل بِمرَّة قبل النّسخ فَلْيتَأَمَّل.

стр. 906

مسئلة (لَا ينْسَخ الْإِجْمَاع) الْقطعِي أَي لَا يرْتَفع الحكم الثَّابِت بِهِ (وَلَا ينْسَخ بِهِ) غَيره (أما الأول فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ) أَي لَو تحقق رفع حكمه (فبنص) أَي فَينْسَخ بِنَصّ (قَاطع أَو إِجْمَاع) قَاطع (وَالْأول) أَي نسخه بِنَصّ قَاطع (يسْتَلْزم خطأ قَاطع الْإِجْمَاع) أَي الْإِجْمَاع الْقَاطِع مثل جرد قطيفة (لِأَنَّهُ) أَي الْإِجْمَاع حِينَئِذٍ بِخِلَاف الْوَاقِع الَّذِي هُوَ النَّص وخلافه خطأ لتقدم ذَلِك عَلَيْهِ لما سَيَجِيءُ، وَلَا ينْعَقد الْإِجْمَاع على (خلاف الْقَاطِع، وَالثَّانِي) أَي رفع الْإِجْمَاع بِالْإِجْمَاع يسْتَلْزم (بطلَان أَحدهمَا) أَي الاجماعين النَّاسِخ والمنسوخ وَهُوَ ظَاهر (وَلَيْسَ) هَذَا الدَّلِيل (بِشَيْء لِأَن النّسخ لَا يُوجب خطأ) لاستلزامه خطأ الحكم الْمَنْسُوخ مُطلقًا، بل إِنَّمَا ينْسَخ الْإِجْمَاع بِنَصّ مُتَأَخّر لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر الْإِجْمَاع (الأول، وَإِلَّا) أَي وَإِن كَانَ النّسخ مُوجبا إِيَّاه (امْتنع) النّسخ (مُطلقًا) لاستلزامه خطأ الحكم الْمَنْسُوخ مُطلقًا (بل) إِنَّمَا لَا ينْسَخ الْإِجْمَاع بِنَصّ مُتَأَخّر (لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر لِأَن حجيته) أَي الْإِجْمَاع مَشْرُوطَة (بِقَيْد بعديته) أَي بِأَن يكون انْعِقَاده بعد زَمَانه ﵇ فَلَا يتَصَوَّر تَأَخّر النَّص عَنهُ) أَي الْإِجْمَاع (وثمرته) أَي الْخلاف فِي أَن الْإِجْمَاع لَا ينْسَخ بِغَيْرِهِ تظهر (فِيمَا إِذا أجمع على قَوْلَيْنِ) فِي الشَّرْح العضدي. قَالَ المجيزون: اخْتلفت الْأمة على قَوْلَيْنِ فَهُوَ إِجْمَاع على أَن المسئلة اجتهادية يجوز الْأَخْذ بكلهما، ثمَّ يجوز إِجْمَاعهم على أحد الْقَوْلَيْنِ كَمَا مر فَإِذا أَجمعُوا بَطل الْجَوَاز الَّذِي هُوَ مُقْتَضى ذَلِك الْإِجْمَاع وَهُوَ معنى النّسخ (جَازَ بعده) أَي بعد الْإِجْمَاع على الْقَوْلَيْنِ الْإِجْمَاع (على أَحدهمَا) بِعَيْنِه (فَإِذا وَقع) الْإِجْمَاع على أَحدهمَا بِعَيْنِه (ارْتَفع جَوَاز الْأَخْذ بِالْآخرِ) لتعين الْأَخْذ بِمَا أجمع عَلَيْهِ على سَبِيل التَّعْيِين، وَبطلَان الْأَخْذ بمخالفه (فالمجيز) لجَوَاز نسخ الْإِجْمَاع وصيرورته مَنْسُوخا يَقُول ارْتِفَاع جَوَاز الْأَخْذ بِالْآخرِ بعد أَن كَانَ مجمعا عَلَيْهِ (نسخ) لذَلِك الْإِجْمَاع (وَالْجُمْهُور) يَقُولُونَ (لَا) أَي لَيْسَ بنسخ (لمنع الْإِجْمَاع على أَحدهمَا) بِعَيْنِه: يَعْنِي ثُبُوت هَذَا النّسخ مَوْقُوف على صِحَة انْعِقَاد الْإِجْمَاع على أحد ذَيْنك الْقَوْلَيْنِ بِعَيْنِه وَهِي مَمْنُوعَة (لِأَنَّهُ) أَي انْعِقَاد الْإِجْمَاع على أَحدهمَا بِعَيْنِه (مُخْتَلف) فِيهِ (وَلَو سلم) انْعِقَاد الْإِجْمَاع على أَحدهمَا بِعَيْنِه (ف) لَيْسَ الِارْتفَاع الْمَذْكُور نسخا للْإِجْمَاع التَّام، لِأَن تَمَامه وتقرره (مَشْرُوط بِعَدَمِ قَاطع يمنعهُ) أَي يمْنَع انْعِقَاده على وَجه اللُّزُوم (وَالْإِجْمَاع على أَحدهمَا) بِعَيْنِه (مَانع) من ذَلِك، وَفِيه نظر، لِأَن الْمُخْتَار أَنه إِذا أجمع أهل الْحل وَالْعقد على حكم فِي عصر فبمجرد انْعِقَاده صَار قَطْعِيا وَيلْزم أَن يكون تَاما وَيَكْفِي عدم الْمَانِع فِي وَقت الِانْعِقَاد فَتدبر

стр. 907

(وَأما الثَّانِي) وَهُوَ أَن الْإِجْمَاع لَا ينْسَخ بِهِ غَيره (فالأكثر على مَنعه) أَي منع أَن ينْسَخ بِهِ غَيره (خلافًا لِابْنِ أبان وَبَعض الْمُعْتَزلَة لنا أَن) كَانَ الْإِجْمَاع (عَن نَص) من كتاب أَو سنة (فَهُوَ) أَي النَّص (النَّاسِخ) وَلما كَانَ مَا زعم الْمُجِيز نسخ الْإِجْمَاع لَهُ أَعم مِمَّا يجوز نسخه وَالنَّص لَا ينْسَخ إِلَّا مَا يجوز نسخه فسره بقوله (يَعْنِي لما بِحَيْثُ ينْسَخ) إِشَارَة إِلَى أَن مَا بِحَيْثُ لَا ينْسَخ فَهُوَ بمعزل عَن مَظَنَّة النّسخ مُطلقًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْإِجْمَاع عَن نَص (فَالْأول) أَي الحكم الَّذِي زعم الْمُجِيز أَنه مَنْسُوخ بِالْإِجْمَاع مُطلقًا (أَن) كَانَ (قَطْعِيا لزم خطا الثَّانِي) وَهُوَ الْإِجْمَاع الَّذِي ظن أَن كَونه نَاسِخا (لِأَنَّهُ) أَي الثَّانِي حِينَئِذٍ (على خلاف) النَّص (الْقَاطِع) وكل مَا هَذَا شَأْنه خطأ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن قَطْعِيا بل ظنيا (فالإجماع) المنعقد (على خِلَافه) أَي الظني الْمَذْكُور (أظهر أَنه لَيْسَ دَلِيلا) لِأَن شَرط الِاحْتِجَاج بالظني أَن لَا يكون على خلاف الْقطعِي (فَلَا حكم) ثَابت لَهُ (فَلَا رفع) لِأَنَّهُ فرع الثُّبُوت (و) يرد (عَلَيْهِ) أَي على هَذَا الِاسْتِدْلَال (منع خطأ) حَيْثُ قَالَ أَن قَطْعِيا لزم خطأ (الثَّانِي لِأَنَّهُ) أَي الثَّانِي (قَطْعِيّ مُتَأَخّر عَن قَطْعِيّ) مُتَقَدم، والناسخ لَا يَسْتَدْعِي خطأ الْمَنْسُوخ، وَإِلَّا امْتنع النّسخ مُطلقًا، وَقد مر غير مرّة (وَإِن) كَانَ الحكم ناشئا (عَن ظَنِّي) كَمَا هُوَ التَّقْدِير الثَّانِي (فيرفعه) الثَّانِي، لِأَن الْقَاطِع يرفع مَا دونه (كالكتاب للْكتاب) أَي كنسخ قَطْعِيّ الدّلَالَة مِنْهُ وظنيتها مِنْهُ (وَإِذن فللخصم منع الْأَخير) وَهُوَ أَن الْإِجْمَاع أظهر إِلَى آخِره (بل ينْسَخ) الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْإِجْمَاع الْقطعِي الأول (الظني، لَا أَنه) أَي الثَّانِي (يظْهر بُطْلَانه) أَي الأول (فَالْوَجْه) فِي دَلِيل منع نسخ الْإِجْمَاع (مَا للحنفية) من أَنه (لَا مدْخل للآراء فِي معرفَة انْتِهَاء الحكم فِي علمه تَعَالَى) وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بِالْوَحْي وَلَا وَحي بعد النَّبِي ﷺ (قَالُوا) أَي المجيزون (وَقع) نسخ الْقُرْآن بِالْإِجْمَاع (بقول عُثْمَان) لما قَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس كَيفَ تحجب الْأُم بالأخوين وَقد قَالَ تَعَالَى - ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ - والأخوان ليسَا إخْوَة (حجبها قَوْمك) يَا غُلَام. قَالَ ابْن الملقن رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَإِبْطَال حكم الْقُرْآن بِالْإِجْمَاع نسخ (وبسقوط سهم الْمُؤَلّفَة) من الزَّكَاة عِنْد الْحَنَفِيَّة وَمن وافقهم بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فِي زمن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ روى الطَّبَرِيّ أَن عمر ﵁ لما أَتَاهُ عُيَيْنَة بن حصن قَالَ - ﴿الْحق من ربكُم فَمن شَاءَ فليؤمن وَمَا شَاءَ فليكفر﴾ -: يَعْنِي الْيَوْم لَيْسَ مؤلفة من غير إِنْكَار أحد من الصَّحَابَة ذَلِك (قُلْنَا الأول) أَي الِاسْتِدْلَال بقول عُثْمَان على كَون الْإِجْمَاع نَاسِخا لِلْقُرْآنِ (يتَوَقَّف على إِفَادَة الْآيَة) أَي - ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ - (عدم حجب مَا لَيْسَ إخْوَة قطعا) للْأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس، إِذْ لَو لم يفد

стр. 908

جَازَ أَن يكون حجبهم لدَلِيل آخر (و) على (أَن الْأَخَوَيْنِ ليسَا أخوة قطعا) إِذْ لَو جَازَ كَونهمَا فِي اللُّغَة إخْوَة كَانَ معنى قَول عُثْمَان أَن قَوْمك يجعلونهما إخْوَة من حَيْثُ اللُّغَة (لَكِن الأول) أَي إِفَادَة الْآيَة عدم حجب مَا لَيْسَ إخْوَة ثَابت (بِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالف (الْمُخْتَلف) فِي صِحَة كَونه حجَّة، وَهُوَ إِن لم يكن لَهُ إخْوَة لَا يكون لأمه السُّدس. (وَالثَّانِي) وَهُوَ أَن الْأَخَوَيْنِ ليسَا إخْوَة قطعا (فرع أَن صِيغَة الْجمع لَا تطلق على الِاثْنَيْنِ لَا) حَقِيقَة (وَلَا مجَازًا قطعا) وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْإِطْلَاق عَلَيْهِمَا مجَازًا لَا يُنكر (وَلَو سلم) أَن عُثْمَان أَرَادَ حجبها بِالْإِجْمَاع، كَذَا ذكره الشَّارِح وَالْوَجْه أَن الْمَعْنى وَلَو سلم تحقق مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال مِمَّا ذكر (وَجب تَقْدِير نَص) قَطْعِيّ ثَبت عِنْدهم ليَكُون النّسخ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ الْإِجْمَاع على خلاف الْقيَاس، وَهُوَ بَاطِل (وَسُقُوط الْمُؤَلّفَة من قبيل انْتِهَاء الحكم لانْتِهَاء علته المفردة) إِنَّمَا قيدها بِهِ إِذْ لَو كَانَت مُتعَدِّدَة لم يلْزم من انْتِهَاء بَعْضهَا انْتِهَاء الحكم. قَالَ الشَّارِح وَهِي الإعزاز لِلْإِسْلَامِ، وَمعنى انتهائها أَن الإعزاز كَانَ حَاصِلا فِي زمن أبي بكر دون إِعْطَاء سهمهم (وَلَيْسَ) انْتِهَاء الحكم لانْتِهَاء علته (نسخا وَلَو ادعوا) أَي المجيزون، يَعْنِي سموا (مثله) أَي كَون الْإِجْمَاع مُبينًا رفع الحكم بانتهاء مدَّته (نسخا فلفظي) أَي فَالْخِلَاف لَفْظِي (مَبْنِيّ على الِاصْطِلَاح فِي اسْتِقْلَال دَلِيله) أَي النّسخ، فَمن اشْتَرَطَهُ فِيهِ وَهُوَ الْجُمْهُور لم يَجْعَل الْإِجْمَاع نَاسِخا، فَإِن الْإِجْمَاع لَيْسَ مُسْتقِلّا بِذَاتِهِ فِي إِثْبَات الحكم، بل لَا بُد لَهُ من مُسْتَند هُوَ الدَّلِيل فِي الْحَقِيقَة، وَهُوَ كاشف عَنهُ وَإِن لم ينْقل إِلَيْنَا لَفظه، وَمن لم يشْتَرط فِيهِ جعله نَاسِخا. قَالَ شمس الْأَئِمَّة، وَأما النّسخ بِالْإِجْمَاع فقد جوزه بعض مَشَايِخنَا بطرِيق أَن الْإِجْمَاع مُوجب علم الْيَقِين كالنص فَيجوز أَن يثبت النّسخ بِهِ وَالْإِجْمَاع فِي كَونه حجَّة أقوى من الْخَبَر الْمَشْهُور، وَإِذا كَانَ يجوز النّسخ بِهِ فجوازه بِالْإِجْمَاع أولى، وَأَكْثَرهم على أَنه لَا يجوز ذَلِك، لِأَن الْإِجْمَاع عبارَة عَن اجْتِمَاع الآراء على شَيْء، وَلَا مجَال للرأي فِي معرفَة نِهَايَة الْحسن والقبح فِي الشَّيْء عِنْد الله تَعَالَى (وَصرح فَخر الْإِسْلَام بمنسوخيته) أَي الْإِجْمَاع (أَيْضا). قَالَ الشَّارِح وَهَذَا يُفِيد أَنه مُصَرح بنسخ الْإِجْمَاع والنسخ بِهِ، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون قَوْله أَيْضا بِاعْتِبَار تحقق القَوْل بهما مَعًا من الْحَنَفِيَّة وَإِن لم يكن الْقَائِل بهما وَاحِدًا (قَالَ والنسخ فِي ذَلِك كُله) أَي فِي الْإِجْمَاع (بِمثلِهِ) أَي بِإِجْمَاع مثله (جَائِز حَتَّى إِذا ثَبت حكم بِإِجْمَاع فِي عصر يجوز أَن يجمع أُولَئِكَ على خِلَافه فَينْسَخ بِهِ الأول وَكَذَا فِي عصرين. وَوجه) قَول فَخر الْإِسْلَام (بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ظُهُور انْتِهَاء مُدَّة الحكم) الأول (بالهامه تَعَالَى للمجتهدين، وَإِن لم يكن للرأي دخل فِي معرفَة انْتِهَاء مُدَّة الحكم وزمان نسخ مَا ثَبت بِالْوَحْي) من

стр. 909

الْأَحْكَام (وَإِن انْتهى بوفاته ﷺ لِامْتِنَاع نسخ مَا ثَبت بِالْوَحْي بعده) ﷺ (لَكِن زمَان نسخ مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع لم ينْتَه بِهِ) أَي بِمَوْتِهِ ﷺ (لبَقَاء زمَان انْعِقَاده) أَي الْإِجْمَاع وحدوثه (فَجَاز أَن يجمع على خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الأول) بِاعْتِبَار تبدل الْمصَالح (فَيظْهر بِالْإِجْمَاع الْمُتَأَخر انْتِهَاء مُدَّة حكم الْإِجْمَاع السَّابِق إِلَّا أَن شَرطه) أَي نسخ الْإِجْمَاع الاجماع (الْمُمَاثلَة) بَينهمَا فِي الْقُوَّة من غَيرهم (بعده) أَي بعد إِجْمَاعهم (بِخِلَاف مَا) أَي إِجْمَاع انْعَقَد (بعده) أَي بعد إِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ ينسخه مَا بعده. (وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا) التَّوْجِيه (لَا يَتَأَتَّى إِلَّا على القَوْل بِجَوَاز الْإِجْمَاع لَا عَن مُسْتَند) وتجويز أَن يكون للْإِجْمَاع الأول مُسْتَند ظَنِّي ثمَّ يظْهر لأهل عصر الْمُتَأَخر مُسْتَند آخر أقوى من الأول سَيَأْتِي مَعَ جَوَابه (وَلَيْسَ) القَوْل بِهِ القَوْل (السديد، ثمَّ نَاقض) فَخر الْإِسْلَام فِي هَذَا التَّصْرِيح (قَوْله فِي) مَبْحَث (النّسخ، وَأما الْإِجْمَاع فَذكر بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه يجوز النّسخ بِهِ، وَالصَّحِيح أَن النّسخ بِهِ) أَي بِالْإِجْمَاع (لَا يكون) لِأَن النّسخ لَا يكون (إِلَّا فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، وَالْإِجْمَاع لَيْسَ بِحجَّة فِي حَيَاته لِأَنَّهُ لَا إِجْمَاع بِدُونِ رَأْيه) لِأَنَّهُ أول الْمُجْتَهدين، وَالْإِجْمَاع اتِّفَاق كلهم، وَإِذا تحقق رَأْيه فَهُوَ الدَّلِيل لَا الْإِجْمَاع أَشَارَ إِلَى دَلِيل آخر على عدم انْعِقَاد الْإِجْمَاع فِي زَمَانه بقوله (وَالرُّجُوع إِلَيْهِ) ﷺ عِنْد الْحَاجة إِلَى الْبَيَان فِيمَا لم يتَبَيَّن حكمه عِنْد أهل الْعلم (فرض، وَإِذا وجد مِنْهُ الْبَيَان فالموجب للْعلم هُوَ الْبَيَان المسموع مِنْهُ) لَا غَيره (وَإِذا صَار الْإِجْمَاع وَاجِب الْعَمَل بِهِ) بعده (لم يبْق النّسخ مَشْرُوعا) إِذا لم يصر مَشْرُوعا إِلَّا بعده ﷺ ، وَعند ذَلِك قد انْقَضى أَوَان النّسخ كَمَا عرفت (وَجوز أَن يُرِيد) فَخر الْإِسْلَام بِعَدَمِ النّسخ بِالْإِجْمَاع أَنه لَا ينْسَخ الْكتاب وَالسّنة بِالْإِجْمَاع، وَأما نسخ الْإِجْمَاع بِالْإِجْمَاع فَيجوز) وَالْفرق أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد بخلافهما، وَينْعَقد بِخِلَاف الْإِجْمَاع لما عرفت من تبدل الْمصَالح (وَهُوَ) أَي هَذَا الِاحْتِمَال الَّذِي جوزه (لمُجَرّد دفع المناقضة) عَن فَخر الْإِسْلَام (لَا يُقَوي اخْتِيَاره) أَي فَخر الْإِسْلَام (للضعيف) وَهُوَ أَن النّسخ يكون بِالْإِجْمَاع للْإِجْمَاع (ثمَّ هُوَ) أَي التجويز الْمَذْكُور (منَاف لقَوْله النّسخ لَا يكون إِلَّا فِي حَيَاته الخ) إِذْ الْمُتَبَادر مِنْهُ أَن مُطلق النّسخ لَا يكون إِلَّا فِيهَا (وَمَا قيل) على مَا فِي التَّلْوِيح (جَازَ وُقُوع الْإِجْمَاع الثَّانِي عَن نَص رَاجِح على مُسْتَند الْإِجْمَاع الأول وَلَا يعلم تَأَخره) أَي النَّص الرَّاجِح (عَنهُ) أَي عَن مُسْتَند الأول (كي لَا ينْسب النّسخ إِلَى) هَذَا (النَّص) الْمُتَأَخر (فَيَقَع الْإِجْمَاع الثَّانِي مُتَأَخِّرًا) عَن الْإِجْمَاع الأول (فَيكون نَاسِخا) للْأولِ. وَقَوله مَا قيل مُبْتَدأ خَبره (لم يزدْ على اشْتِرَاط تَأَخّر النَّاسِخ) وَوُجُود اشْترط (ثمَّ لَا يُفِيد)

стр. 910

تَوْجِيه نسخ الْإِجْمَاع وَيكون مُسْتَنده أقوى (لِأَنَّهُ إِذا فرض تحقق الْإِجْمَاع عَن نَص امْتنع مُخَالفَته) أَي ذَلِك الْإِجْمَاع (وَلَو ظهر نَص أرجح مِنْهُ) أَي من نَص الْإِجْمَاع الأول (لصيرورة ذَلِك الحكم) الْمجمع عَلَيْهِ (قَطْعِيا بِالْإِجْمَاع فَلَا تجوز مُخَالفَته فَلَا يتَصَوَّر الْإِجْمَاع بِخِلَافِهِ). مسئلة (إِذا رجح قِيَاس مُتَأَخّر لتأخر شَرْعِيَّة حكم أَصله عَن نَص) صلَة لتأخر (على نقيض حكمه) أَي الأَصْل مُتَعَلق بِنَصّ (فِي الْفَرْع) الَّذِي عدى الْقيَاس الْمَذْكُور فِيهِ حكم الأَصْل إِلَيْهِ فقد وَقعت الْمُعَارضَة بَين هَذَا الْقيَاس وَبَين ذَلِك النَّص لاقْتِضَاء كل مِنْهُمَا نقيض الآخر. وَفِي الْحَقِيقَة الْمُعَارضَة بَين النَّص الدَّال على حكم أصل الْقيَاس وَبَين النَّص الْمَذْكُور، ورجحان الْقيَاس يسبب رجحانه على النَّص الآخر بِشَيْء من أَسبَاب التَّرْجِيح، وَجَوَاب الشَّرْط قَوْله (وَجب نسخه) أَي الْقيَاس (إِيَّاه) أَي النَّص السَّابِق، وَهَذَا الأَصْل (لمن يُجِيز تَقْدِيمه) أَي الْقيَاس (على خبر الْوَاحِد بِشُرُوطِهِ). قَالَ الشَّارِح: أَي النّسخ وَالظَّاهِر أَن إرجاع الضَّمِير إِلَى التَّقْدِيم (دون غَيره) أَي غير من يُجِيز تَقْدِيمه على خبر الْوَاحِد. وَلما ذكر حكم الْقيَاس الرَّاجِح بِاعْتِبَار نَص حكم أَصله على النَّص الآخر ألحق بِهِ الْقيَاس المساوى بذلك الِاعْتِبَار إِيَّاه، فَقَالَ (وَكَذَا) أَي وَمثل الْقيَاس الرَّاجِح الْقيَاس (المساوى) مِثَاله نَص الشَّارِع على عدم ربوية الذّرة، ثمَّ نَص بعده على ربوية الْقَمْح وَهُوَ أصل قِيَاس ربوية الذّرة، ثمَّ نَص بعده على ربوية الْقَمْح، وَهُوَ أصل قِيَاس ربوية الذّرة على الْقَمْح فقد اقْتضى الْقيَاس الْمُتَأَخر لتأخر شَرْعِيَّة حكم أَصله فِي الذّرة وَهُوَ الربوية عَن النَّص الدَّال على عدم ربوبيتها أَن تكون الذّرة ربوية، وَنسخ حكم ذَلِك الْمُتَقَدّم (وَمَا قيل فِي نَفْيه) أَي النّسخ (فِي الظنيين) على مَا فِي أصُول ابْن الْحَاجِب لِأَنَّهُ (بَين الْقيَاس) المظنون (زَوَال شَرط الْعَمَل بِهِ وَهُوَ رجحانه). فِي الشَّرْح العضدي: اخْتلف فِي الْقيَاس هَل يكون نَاسِخا ومنسوخا. وتفصيله أَنه إِمَّا مظنون أَو مَقْطُوع الأول لَا يكون نَاسِخا وَلَا مَنْسُوخا، أما أَنه لَا يكون نَاسِخا فَلِأَن مَا قبله إِمَّا قَطْعِيّ أَو ظَنِّي، فَإِن كَانَ قَطْعِيا لم يجز نسخه بالمظنون وَإِن كَانَ ظنيا تبين زَوَال شَرط الْعَمَل بِهِ وَهُوَ رجحانه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبت مُقَيّدا لعدم ظُهُور معَارض رَاجِح أَو مسَاوٍ، و (لَيْسَ بِشَيْء بعد فرض تَأَخره) أَي الْقيَاس عَن الظني الأول (و) بعد فرض (الحكم بِصِحَّة الحكم السَّابِق) الثَّابِت بالظني الْمَذْكُور (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْقيَاس مُتَأَخِّرًا (فَلَا نسخ) إِذْ النَّاسِخ لَا يتَصَوَّر أَن يكون مُقَارنًا هَذَا على مَا فسره الشَّارِح فَلَا وَجه أَن يُقَال أَن الْمَعْنى وَإِن لم يكن الْقيَاس الْمَذْكُور نَاسِخا لما قلت لم يبْق نسخ أصلا إِذْ يُمكن مثل هَذَا الْكَلَام

стр. 911

فِي كل نسخ (وَإِنَّمَا ذَاك) أَي نفي النّسخ (فِي الْمُعَارضَة الْمَحْضَة) بَين الظنيين من غير تَأَخّر أَحدهمَا (وَأما نسخه) أَي الْقيَاس (قِيَاسا آخر بنسخ حكم أَصله) أَي الآخر (مَعَ) وجود (عِلّة الرّفْع الثَّابِتَة فِي الْفَرْع على مَا قيل فَفِيهِ نظر عندنَا) تَفْسِيره مَا أَفَادَهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي حَاشِيَته على الشَّرْح العضدي بقوله، وَصُورَة ذَلِك أَن ينْسَخ حكم الأَصْل بِنَصّ مُشْتَمل على عِلّة متحققة فِي الْفَرْع فَينْسَخ حكم الْفَرْع أَيْضا بِالْقِيَاسِ على الأَصْل فَيتَحَقَّق قِيَاس نَاسخ وَآخر مَنْسُوخ: مِثَاله أَن يثبت حُرْمَة الرِّبَا فِي الذّرة بِقِيَاس على الْبر مَنْصُوص الْعلَّة ثمَّ ينْسَخ حُرْمَة الرِّبَا فِي الْبر تنصيصا على عِلّة مُشْتَركَة بَينه وَبَين الذّرة، فيقاس عَلَيْهِ وترفع حُرْمَة الرِّبَا فِيهَا فَيكون نسخا للْقِيَاس بِالْقِيَاسِ أه فعلة الرّفْع الثَّابِتَة فِي الْفَرْع عبارَة عَن الْعلَّة المنصوصة فِي الْقيَاس الثَّانِي فَإِنَّهَا مَوْجُودَة على هَذَا التَّصْوِير فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ الذّرة، ثمَّ بَين وَجه النّظر بقوله (إِذْ لَا نجيز الْقيَاس) الْمُرَتّب (لعدم حكم) وَالْقِيَاس الثَّانِي فِي التَّصْوِير الْمَذْكُور من هَذِه الْقَبِيل (كَمَا سَيعْلَمُ) فِي المرصد الثَّانِي فِي شُرُوط الْعلَّة (وَلَا يُعلل) الحكم (النَّاسِخ) من حَيْثُ أَنه نَاسخ، وَألا يلْزم تَعديَة النّسخ إِلَى حكم آخر مشارك لَهُ فِي تِلْكَ الْعلَّة لحكم مماثل للمنسوخ عِنْد إِلْغَاء خُصُوصِيَّة النَّاسِخ والمنسوخ، وَلما كَانَ قَوْله مَعَ عِلّة الرّفْع الثَّابِتَة فِي الْفَرْع على مَا قيل بِظَاهِرِهِ مُخَالف هَذَا دَفعه بقوله (وَمَا فَرْضه الْقَائِل) الْمشَار إِلَيْهِ بقوله كَمَا قيل (لَا يكون غير بَيَان وَجه انْتِهَاء الْمصلحَة) فِي شرح حكم الأَصْل للْقِيَاس الْمَنْسُوخ فَلَا يكون تعليلا للناسخ بِأَن يبين مثلا أَن الْمصلحَة الَّتِي كَانَت منشأ حُرْمَة الرِّبَا فِي الْبر انْتَهَت وَصَارَت الْمصلحَة فِي عدم حرمته، وَالْفرق بَين الْمصلحَة وَالْعلَّة سَيَأْتِي فِي مبَاحث الْقيَاس (وَهُوَ) أَي بَيَان وَجه انْتِهَاء الْمصلحَة (مَعْلُوم فِي كل نسخ فَلَو اعْتبر ذَلِك) أَي بَيَان وَجه انتهائها وَجعل تعليلا للناسخ (كَانَ) النَّاسِخ (مُعَللا دَائِما) وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع (وَإِنَّمَا يتَصَوَّر) نسخ الْقيَاس شرعا (عندنَا بشرعية بدل) غير حكم الأَصْل (فِيهِ) أَي فِي الأَصْل (يضاد) الحكم (الأول فيستلزم) شرع ذَلِك (رفع حكمه) الأول وَحِينَئِذٍ (فقد يُقَال بِمُجَرَّد رفع حكم الأَصْل أهْدر الْجَامِع) بَين الأَصْل وَالْفرع (فيرتفع حكم الْفَرْع بِالضَّرُورَةِ وَلَا أثر للْقِيَاس فِيهِ) أَي فِي ارْتِفَاع حكم الْفَرْع، وَإِنَّمَا الْأَثر بشرعية ضد حكم الأَصْل فِيهِ المستلزم رفع حكمه الأول المستدعى إهدار الْجَامِع الْمُرَتّب عَلَيْهِ ارْتِفَاع حكم الْفَرْع (وأغنى هَذَا) الْبَيَان (عَن) وضع (مسئلتها) أَي الصُّورَة الْمَذْكُورَة (وَتَمَامه) أَي هَذَا الْبَحْث (فِي) المسئلة (الَّتِي تَلِيهَا) أَي هَذِه المسئلة، وَنقل الشَّارِح عَن الْأَبْهَرِيّ أَن مِثَال نسخ الْقيَاس بِالْقِيَاسِ اتِّفَاقًا أَن ينص الشَّارِع على خلاف حكم الْفَرْع فِي مَحل يكون قِيَاس الْفَرْع عَلَيْهِ أقوى انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَن تحقق النّسخ فِي هَذَا التَّصْوِير

стр. 912

مَوْقُوف على تَأَخّر هَذَا التَّنْصِيص عَن النَّص الدَّال على حكم الأَصْل، وعَلى كَون الحكم الثَّانِي مُخَالفا للْحكم الأول فبمجرد ذَلِك التَّنْصِيص نسخ الحكم الأول وأهدر علته وارتفع حكم الْفَرْع وَيلْزمهُ نسخ الْقيَاس فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى قِيَاس آخر وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الْقيَاس الثَّانِي لإِثْبَات الحكم الْمُتَأَخر للفرع لَا لنسخ الْقيَاس الأول، وَقد يُقَال لَيْسَ مُرَاد الْأَبْهَرِيّ كَون النَّص الثَّانِي دَالا على خلاف الحكم الأول أَيْنَمَا وجد، بل على خِلَافه بِشَرْط أَن يُوجد فِي مَحَله، فمجرد هَذَا لَا ينْسَخ الحكم الأول لَا فِي الأَصْل وَلَا فِي الْفَرْع، نعم إِذا قيس الْفَرْع على مَحل النَّص الثَّانِي لزم نسخ حكمه الْحَاصِل بِالْقِيَاسِ الأول فيرتفع الْقيَاس الأول حِينَئِذٍ (وَلَا حَاجَة إِلَى تَقْسِيم الْقيَاس إِلَى قَطْعِيّ وطني) كَمَا فعله ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَذَلِكَ لما عرفت من حُصُول الْمَقْصُود بِمَا ذَكرْنَاهُ من غير تعرض لذَلِك التَّقْسِيم (وستعلم) فِي ذيل الْكَلَام فِي أَرْكَان الْقيَاس (أَن لَا قطع) ناشئ (عَن قِيَاس وَلَو قطع بعلته) أَي بعلة حكم أَصله (ووجودها فِي الْفَرْع لجَوَاز شَرْطِيَّة الأَصْل) إِذْ عَلَيْهِ الْعلَّة لَا تنَافِي شرطيته (أَو مانعية الْفَرْع) مِنْهُ، وَلَا يبعد أَن يُقَال قد يقوم فِي بعض الْموَاد قَاطع دَال على عدم شَرْطِيَّة الأَصْل وَعدم مانعية الْفَرْع، فَحِينَئِذٍ يصير الْقيَاس قَطْعِيا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال علم بالاستقراء عدم وجود قَاطع كَذَلِك (وَلَو تجوز بِهِ) أَي بِالْقطعِ (عَن كَونه) أَي الْقيَاس (جليا فَفرض غير المسئلة) أَي فالمفروض غير المسئلة الَّتِي نَحن بصددها (أَن عني بِهِ) أَي بالجلي (مَفْهُوم الْمُوَافقَة) كَمَا سَيَجِيءُ فِي المسئلة الَّتِي تلِي هَذِه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعن بِهِ ذَلِك، بل مَا يُقَابل الْقيَاس الْخَفي (فَمَا فرضناه) فِي وضع المسئلة (عَام) ينْدَرج فِيهِ الْجَلِيّ والخفي فَهُوَ أولى لاقْتِضَائه عدم تعلق الْمَقْصُود بِخُصُوص الْجَلِيّ والخفي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا يحْتَاج إِلَيْهِ) أَي إِلَى ذكر الْجَلِيّ. (قَالُوا) أَي مجيزو النّسخ بِالْقِيَاسِ نسخ الْقيَاس (تَخْصِيص) عُمُوم (الزَّمَان) أَي زمَان الحكم (بِإِخْرَاج بعضه) أَي الزَّمَان من أَن يكون الحكم مَشْرُوعا فِيهِ (فكتخصيص المُرَاد) مِمَّا يتَنَاوَلهُ لفظ الْعَام من حَيْثُ أَن كلا مِنْهُمَا إِخْرَاج بعض من مُتَعَدد، وَتَخْصِيص الْقيَاس للعام لَا نزاع فِيهِ، وَكَون أَحدهمَا فِي الْأَعْيَان وَالْآخر فِي الْأَزْمَان لَا يصلح فارقا إِذْ لَا أثر لَهُ. (الْجَواب منع الْمُلَازمَة) بَين التخصيصين (إِذْ لَا مجَال للرأي فِي الِانْتِهَاء) للْحكم فِي علم الله تَعَالَى، و (كَمَا تقدم) فِي الَّتِي قبل هَذِه (وَلَو علم) الحكم (مَنُوطًا بمصلحة علم ارتفاعها) أَي تِلْكَ الْمصلحَة (فكسهم الْمُؤَلّفَة) أَي فَهُوَ من قبيل انْتِهَاء الحكم لانْتِهَاء علته كسقوط سهم الْمُؤَلّفَة من الزَّكَاة وَلَيْسَ نسخا، وَفِي الشَّرْح العضدي الْجَواب أَنه منقوض بِالْإِجْمَاع وبالفعل وبخبر الْوَاحِد فَإِن ثَالِثهَا يخصص بِهَذَا وَلَا ينْسَخ بهَا.

стр. 913

مسئلة (نسخ أحد الْأَمريْنِ) أَي الْحكمَيْنِ المستنبطين (من فحوى مَنْطُوق) وَمن ذَلِك الْمَنْطُوق (وَهُوَ) أَي فحواه (الدّلَالَة) أَي مُسَمّى بهَا (للحنفية) أَي عِنْدهم، وبمفهوم الْمُوَافقَة عِنْد غَيرهم، وَفِيه أَقْوَال. فِي الشَّرْح العضدي الفحوى مَفْهُوم الْمُوَافقَة وَالْأَصْل مَاله الْمَفْهُوم ونسخهما مَعًا جَائِزا اتِّفَاقًا. وَاخْتلف فِي نسخ أَحدهمَا دون الآخر: فَمنهمْ من جوزهما وَمِنْهُم من منعهما إِلَى آخِره، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ثَالِثهَا الْمُخْتَار للآمدي وَأَتْبَاعه جَوَاز) نسخ (الْمَنْطُوق) لِأَنَّهُ: أَي الْمَنْطُوق بِدُونِ الفحوى (لَا) جَوَاز (قلبه) أَي يمْتَنع نسخ الفحوى بِدُونِ الْمَنْطُوق (لِأَنَّهُ) أَي الْمَنْطُوق كتحريم التأفيف (ملزوم) لفحواه كتحريم الضَّرْب (فَلَا ينْفَرد) الْمَنْطُوق (عَن لَازمه) فَلَا يُوجد تَحْرِيم التأفيف مَعَ عدم تَحْرِيم الضَّرْب (بِخِلَاف نسخ التأفيف فَقَط) بِأَن ينتفى تَحْرِيم التأفيف مَعَ بَقَاء تَحْرِيم الضَّرْب على حَاله فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع (لِأَنَّهُ) أَي نسخ التأفيف (رفع للملزوم) وَانْتِفَاء الْمَلْزُوم لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء اللَّازِم لجَوَاز أَن يكون اللَّازِم أَعم. قَالَ (المجيزون) لنسخ كل مِنْهُمَا بِدُونِ الآخر (مدلولان) متغايران بِالذَّاتِ: صَرِيح، وَغير صَرِيح (فَجَاز رفع كل دون الآخر أُجِيب) بِجَوَازِهِ (مَا لم يكن أَحدهمَا ملزوما للْآخر فَإِذا كَانَ) ملزوما للْآخر (فَمَا ذكرنَا) من أَن اللَّازِم كَمَا لَا ينتفى بِدُونِ انْتِفَاء الْمَلْزُوم والملزوم يَنْتَفِي بدن انْتِفَاء اللَّازِم قَالَ (المانعون) لنسخ شَيْء مِنْهُمَا بِدُونِ الآخر يمْتَنع نسخ (الفحوى دون الأَصْل لما قُلْتُمْ) من لُزُوم وجود الْمَلْزُوم بِدُونِ اللَّازِم (و) يمْتَنع (قلبه) أَي نسخ الأَصْل دون الفحوى (لِأَنَّهُ) أَي الفحوى (تَابع) للْأَصْل (فَلَا يثبت) الفحوى (دون الْمَتْبُوع) وَهُوَ الأَصْل (أُجِيب بِأَن التابعية) أَي تابعية الفحوى للْأَصْل إِنَّمَا هِيَ (فِي الدّلَالَة) أَي دلَالَة اللَّفْظ على الأَصْل (وَلَا ترْتَفع) الدّلَالَة إِجْمَاعًا (لَا) أَن الفحوى تَابع للْأَصْل فِي (الحكم) حدوثا وَبَقَاء حَتَّى ينتفى حكم الفحوى بِانْتِفَاء حكم الْمَنْطُوق فَإِن فهمنا تَحْرِيم الضَّرْب من فهمنا لتَحْرِيم التأفيف، لِأَن الضَّرْب إِنَّمَا يكون حَرَامًا لِأَن التأفيف حرم (وَهُوَ) أَي حكم الأَصْل هُوَ (الْمُرْتَفع) لَا دلَالَته. (وَاعْلَم أَن تَحْقِيقه أَن الفحوى) إِنَّمَا تثبت (بعلة الأَصْل متبادرة) إِلَى الْفَهم بِمُجَرَّد فهم اللُّغَة (حَتَّى تسمى قِيَاسا جليا فالتفصيل) الْمَذْكُور من تَجْوِيز نسخ الْمَنْطُوق بِدُونِ الفحوى لَا الْعَكْس (حَتَّى على اشْتِرَاط الْأَوْلَوِيَّة) أَي أَوْلَوِيَّة الْمَسْكُوت بالحكم فِي الفحوى كَمَا هُوَ قَول بَعضهم (لِأَن نسخ الأَصْل بِرَفْع اعْتِبَار قدره) أَي الأَصْل: يَعْنِي أَن الْعلَّة كلي مشكك مِقْدَار مِنْهُ فِي حِصَّة متحققة فِي الأَصْل وَمِقْدَار آخر مِنْهُ زَائِد على الأول فِي حِصَّة كائنة فِي الفحوى فنسخ

стр. 914

الأَصْل بِرَفْع اعْتِبَار ذَلِك الْمِقْدَار الْكَائِن فِي الأَصْل من الْعلَّة (وَجَاز) مَعَ رفع اعْتِبَار ذَلِك الْمِقْدَار مِنْهُ (بَقَاء الْمَفْهُوم بِقدر) من الْعلَّة (فَوْقهَا) أَي فَوق تِلْكَ الْحصَّة الَّتِي فِي الأَصْل من الْعلَّة وَنسخ الأضعف لَا يسْتَلْزم نسخ الأشد فَبَقيَ حكم الْمَفْهُوم لبَقَاء علته (بِخِلَاف الْقلب) أَي نسخ الفحوى دون الأَصْل فَإِنَّهُ لَا يجوز (إِذْ لَا يتَصَوَّر إهدار الأشد فِي التَّحْرِيم) كالضرب (وَاعْتِبَار مَا دونه) أَي مَا دون الأشد كالتأفيف (فِيهِ) أَي فِي التَّحْرِيم حَتَّى يجوز نسخ حُرْمَة الضَّرْب وَلَا ينْسَخ حُرْمَة التأفيف وَلَا يخفى أَن هَذَا التَّعْلِيل إِنَّمَا يجْرِي فيهمَا إِذا كَانَ حكم الْمَنْطُوق تَحْرِيم فعل قَبِيح فِي الْجُمْلَة وَحكم الفحوى تَحْرِيم فعل أقبح مِنْهُ، وَأما إِذا كَانَا إيجابين والمفروض أَن الفحوى أولى بالحكم فيفهم تَعْلِيله بالمقايسة فَيُقَال: لَا يتَصَوَّر إهدار مَا فِيهِ الْحسن على الْوَجْه الْأَكْمَل وَاعْتِبَار مَا دونه فِي الْحسن فَتدبر. وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن يُقَال مَا ذكرته منقوض بِنَحْوِ اقتله وَلَا تهنه أجَاب عَنهُ بقوله (وَنَحْو اقتله وَلَا تهنه) إِنَّمَا جَازَ مَعَ أَن الْقَتْل أَشد من الإهانة (لعرف صير الإهانة فَوق الْقَتْل أَذَى، وَتقدم) فِي التَّقْسِيم الأول من الْفَصْل الثَّانِي فِي الدّلَالَة (أَن الْحَنَفِيَّة وَكَثِيرًا من الشَّافِعِيَّة أَن لَا يشْتَرط) فِي مَفْهُوم الْمُوَافقَة (سوى التبادر) أَي تبادر حكم الْمَذْكُور للمسكوت بِمُجَرَّد فهم اللُّغَة سَوَاء (اتَّحد كمية المناط) للْحكم (فيهمَا) أَي الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم بِأَن تَسَاويا فِي مِقْدَاره (أَو تفَاوت) المناط فيهمَا كمية بِكَوْنِهِ فِي الْمَسْكُوت أَشد (فيلزمهم) أَي الْحَنَفِيَّة وَمن وافقهم (التَّفْصِيل الْمَذْكُور) من جَوَاز نسخ الْمَنْطُوق فَقَط لَا عَكسه (فِي الأولى) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الْمَسْكُوت أولى من الحكم الْمَذْكُور فِي الْمَنْع (وَالْمَنْع) عَن جَوَاز نسخ أحد الْأَمريْنِ دون الآخر (فيهمَا) أَي فِي نسخ الْمَنْطُوق بِدُونِ الْمَفْهُوم وَعَكسه (فِي الْمُسَاوَاة) فِي المناط (فَلَو نسخ إِيجَاب الْكَفَّارَة للجماع لَا نتفى) إِيجَابهَا (للْأَكْل) وَفِي بعض النّسخ لَا يبْقى للْأَكْل، وَالْمعْنَى وَاحِد (ومبناه) أَي مبْنى هَذَا الْكَلَام (على) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار من أَن نسخ حكم الأَصْل لَا يبْقى مَعَه حكم الْفَرْع) لَا على الأَصْل الَّذِي هُوَ مبحثنا، إِذْ النَّص إِنَّمَا ورد فِي إِيجَاب الْكَفَّارَة للجماع، وَلَيْسَ إِيجَابهَا للْأَكْل بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة، إِذْ لَيْسَ مِمَّا يثبت بعلة الأَصْل متبادرة إِلَى الْفَهم بِمُجَرَّد فهم اللُّغَة سَوَاء شرطنا فِيهِ أَوْلَوِيَّة الْمَسْكُوت أَولا، أما على الأول فَظَاهر لِأَن إِيجَابهَا للجماع أولى، وَأما على الثَّانِي فلعدم اتِّحَاد كمية المناط فيهمَا، وَفِيه نظر، فَالْوَجْه أَن يُقَال فلعدم التبادر إِلَى الْفَهم بِمُجَرَّد فهم اللُّغَة (وَكَونه) أَي عدم بَقَاء حكم الْفَرْع (يُسمى نسخا أَولا) نزاع (لَفْظِي) إِذْ حَقِيقَة النّسخ وَهُوَ الرّفْع متحققة بِلَا شُبْهَة فَمَا يبْقى النزاع إِلَّا فِي التَّسْمِيَة (أَو سَهْو الْمُخَالف) الَّذِي سَمَّاهُ نسخا إِذْ لَا نسخ حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هُوَ من زَوَال الحكم لزوَال علته، مَعْطُوف على لَفْظِي، وَحَاصِله أَن أحد الْأَمريْنِ لَازم: أما سَهْو الْمُخَالف

стр. 915

إِن كَانَ من قبيل سُقُوط سهم الْمُؤَلّفَة، وَأما النزاع لَفْظِي إِن لم يَجْعَل من قبيله (لنا نسخه) أَي حكم الأَصْل (بِرَفْع اعْتِبَار كل عِلّة لَهُ) أَي لحكم الأَصْل (وَبهَا) أَي وبعلة الأَصْل (ثَبت حكم الْفَرْع فينتفى) بانتفائها (فَقَوْل المبقين) أَيْضا هَذَا أَي الحكم لحكم (الْفَرْع للدلالة لَا للْحكم) أَي لحكم الأَصْل (وَلَا يلْزمه) أَي كَونه تَابعا لدلَالَة الأَصْل (انتفاؤه) أَي انْتِفَاء حكم الْفَرْع (لانتفائه) أَي حكم الأَصْل (وَقَوْلهمْ هَذَا) أَي الحكم بِأَن حكم الْفَرْع لَا يبْقى مَعَ نسخ حكم الأَصْل (حكم يرفع حكم الْفَرْع قِيَاسا على رفع حكم الأَصْل وَهُوَ) أَي هَذَا الْقيَاس (بِلَا جَامع) بَينهمَا مُوجب للرفع (بعد عَظِيم) كَمَا هُوَ ظَاهر مِمَّا تقدم. مسئلة مَذْهَب الْحَنَفِيَّة والحنابلة وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره أَنه (لَا يثبت حكم النَّاسِخ) فِي حق الْأمة (بعد تبليغه ﷺ من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول، فالمبلغ جِبْرِيل ﵇ (قبل تبليغه) من الْإِضَافَة إِلَى الْفَاعِل فالمبلغ (هُوَ ﷺ وتأكيد الْمَجْرُور بالمرفوع بِاعْتِبَار كَونه فَاعِلا معنى على أَنه يجوز فِي الضمائر وضع الْمَرْفُوع مَوضِع الْمَجْرُور والمنصوب وَنَحْوه، وَقيل يثبت، وَالْخلاف فِيمَا نزل إِلَى الأَرْض، وَأما إِذا بلغ جِبْرِيل النَّبِي ﷺ فِي السَّمَاء كَمَا فِي لَيْلَة الْمِعْرَاج فَلَا خلاف فِيهِ (لِأَنَّهُ) أَي ثُبُوته (يُوجب تَحْرِيم شَيْء ووجوبه فِي وَقت) وَاحِد، إِذْ وجوب الْمَنْسُوخ بَاقٍ على الْمُكَلف قبل بُلُوغ النّسخ فِي صُورَة تقدم الْوُجُوب، وتحريمه بَاقٍ عَلَيْهِ فِي سُورَة التَّحْرِيم (لِأَنَّهُ لَو ترك الْمَنْسُوخ قبل تمكنه من علمه) بالناسخ (أَثم) بِالْإِجْمَاع إِنَّمَا قَالَ قبل تمكنه من الْعلم وَلم يقل قبل علمه إِشَارَة إِلَى أَنه لَو ترك قبل الْعلم بعد التَّمَكُّن مِنْهُ لأثم بالتقصير فِي تَحْصِيله (وَهُوَ) أَي الْإِثْم على تَقْدِير التّرْك (لَازم الْوُجُوب) فَكَانَ الْعَمَل بِهِ وَاجِبا (وَالْفَرْض أَنه) أَي الْعَمَل بِهِ (حرَام) بالناسخ فَكَانَ وَاجِبا حَرَامًا فِي وَقت وَاحِد (وَلِأَنَّهُ لَو علمه) أَي مُوجب النّسخ (غير مُعْتَقد شرعيته لعدم علمه) بِكَوْنِهِ نَاسِخا للْأولِ (أَثم) بِعِلْمِهِ اتِّفَاقًا (فَلم يثبت حكمه) أَي النَّاسِخ وَهَذَا التَّعْلِيل مَعْطُوف على التَّعْلِيل الأول لَا الثَّانِي، لِأَنَّهُ يثبت عدم ثُبُوت حكم النَّاسِخ لَا اجْتِمَاع التَّحْرِيم وَالْوُجُوب (وَأَيْضًا لَو ثَبت) حكمه (قبله) أَي قبل تبليغه ﷺ الْأمة (ثَبت) حكمه (قبل تَبْلِيغ جِبْرِيل) النَّبِي ﷺ (لاتحادهما) أَي الصُّورَتَيْنِ (فِي وجود النَّاسِخ) فِي نفس الْأَمر (الْمُوجب لحكمه) أَي النَّاسِخ (مَعَ عدم تمكن الْمُكَلف من علمه) أَي النَّاسِخ (وَقد يُقَال) على الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين (الْإِثْم) إِنَّمَا هُوَ (لقصد الْمُخَالفَة) للمشروع عِنْده (مَعَ
следующие страницы →