← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يَعْنِي الْعلم بالانقطاع قطعا لانْتِهَاء مدَّته (مَعَ قيام الْمُبِيح) وَهُوَ الْحل الثَّابِت قبل عرُوض هَذَا الْمَانِع، بِخِلَاف الْحمل على الِاغْتِسَال فَإِنَّهُ يُوجب ذَلِك (و) مِنْهُ مَا (بَين آيتي اللَّغْو) فِي الْيَمين، وَهِي عِنْد أَصْحَابنَا وَأحمد الْحلف على أَمر يظنّ أَنه كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة كل يَمِين صدرت من غير قصد فِي الْمَاضِي وَفِي الْمُسْتَقْبل، وهما قَوْله تَعَالَى - ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ - وَالْأُخْرَى مثلهَا إِلَّا أَنه ذكر فِيهَا - ﴿بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ - بدل ﴿بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ (تفِيد إِحْدَاهمَا) وَهِي الأولى (الْمُؤَاخَذَة بالغموس) وَهِي الْحلف على أَمر مَاض أَو حَال يتَعَمَّد الْكَذِب بِهِ (لِأَنَّهَا) أَي الْيَمين الْغمُوس (مكسوبة) لِأَن تعمد الْكَذِب من كذب الْقلب وَعَمله (وَالْأُخْرَى) وَهِي الثَّانِيَة تفِيد (عَدمه) أَي لَا يُؤَاخذ بالغموس (إِذْ لَيست) الْغمُوس (معقودة) لِأَن العقد قد يكون لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل شرعا كَالْبيع وَنَحْوه والغموس لَيست كَذَلِك (فَدخلت) الْغمُوس (فِي اللَّغْو) الْمُقَابل للمعقودة، وَإِنَّمَا سمي بِهِ (لعدم الْفَائِدَة الَّتِي تقصد الْيَمين لَهَا) شرعا وَهِي تَحْقِيق الْبر فَلَا يكون مؤاخذا بهَا (وَخرجت) أَي الْغمُوس (مِنْهُ) أَي اللَّغْو (فِي) الْآيَة (الْأُخْرَى) وَدخلت فِي المكسوبة (بشمول الْكسْب إِيَّاهَا) أَي الْغمُوس (وأفادت ضدية اللَّغْو للكسب) أَي أفادت الْآيَة ضديته للتقابل بَينهمَا (فَهُوَ) أَي اللَّغْو هَهُنَا (السَّهْو) فتعارضتا فِي الْغمُوس بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة وَعدمهَا وَبِاعْتِبَار الاندراج فِي اللَّغْو وَعَدَمه (والتخلص) بِهَذَا الِاعْتِبَار (عِنْد الْحَنَفِيَّة بِالْجمعِ) بَينهمَا (بِأَن المُرَاد بالمؤاخذة) الثَّابِتَة للغموس (فِي) الْآيَة (الأولى) الْمُؤَاخَذَة (الأخروية) وَهِي المُرَاد (و) المُرَاد بالمؤاخذة المنفية عَن الْغمُوس (فِي) الْآيَة (الثَّانِيَة) الْمُؤَاخَذَة (الدُّنْيَوِيَّة بِالْكَفَّارَةِ) فَلم يتحد مُتَعَلق المؤاخذتين فَلَا تعَارض (أَو) المُرَاد بِاللَّغْوِ فِي الْآيَتَيْنِ الْخَالِي عَن الْقَصْد وبالمؤاخذة (فيهمَا) أَي الْآيَتَيْنِ الْمُؤَاخَذَة (الأخروية) والغموس دَاخِلَة فِي المكسوبة لَا فِي المعقودة فالآية الأولى أوجبت الْمُؤَاخَذَة على الْغمُوس (و) الْآيَة (الثَّانِيَة ساكتة عَن الْغمُوس وَهِي) أَي الْغمُوس (ثَالِثَة) وَالْيَمِين منقسمة على أَقسَام ثَلَاثَة، وَالْمَذْكُور فِيهَا حكم الْقسمَيْنِ مِنْهَا، وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ كَون المُرَاد من الْمُؤَاخَذَة الأخروية لَا يُوَافق قَوْله تَعَالَى - فكفارته - إِلَى آخِره لِأَنَّهُ لَا مُؤَاخذَة دنيوية دَفعه بقوله (أَي يُؤَاخِذكُم فِي الْآخِرَة بِمَا عقدتم) عِنْد الْحِنْث (فطريق دَفعه) أَي طَرِيق دفع الْعقَاب الْحَاصِل بِهِ (وستره إطْعَام) عشرَة مَسَاكِين، نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن وَجه الْمُؤَاخَذَة فِي هَذَا مَا يتضمنه من سوء الْأَدَب على الشَّرْع إِلَى آخر مَا ذكر وَحَاصِله الْمُؤَاخَذَة بِمُجَرَّد الْيَمين وَإِن لم يَحْنَث وَحمل الْيَمين على الْحلف على شرب الْخمر بعد تَحْرِيمهَا، وَسُوء الْأَدَب إقدامه على مثل

стр. 842

هَذَا، وَلَا يخفى مَا فِيهِ وَالله أعلم بِصِحَّة هَذَا النَّقْل، وَقد يشْتَبه على بعض الطّلبَة كَلَام المدرسين (وَاحْتج) الْمُجيب (الأول) الْقَائِل بِأَن المُرَاد بالمؤاخذة فِي الأولى الأخروية، وَفِي الثَّانِيَة الدُّنْيَوِيَّة فَلَا تكون الْغمُوس وَاسِطَة بَين اللَّغْو والمنعقدة كَمَا يَقُول الْمُجيب الثَّانِي (بِأَن الْمَفْهُوم من) قَول الْقَائِل (لَا يُؤَاخذ بِكَذَا لَكِن) يُؤَاخذ (بِكَذَا عدم الْوَاسِطَة) يَعْنِي إِذا قصد الْمُتَكَلّم بَيَان حكم حَقِيقَة يتَحَقَّق فِي ضمن أَفْرَاد كَثِيرَة بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة وَعدمهَا مثلا. فَقَالَ: يُؤَاخذ بِهَذَا الْقسم مِنْهَا وَلَا يُؤَاخذ بِذَاكَ فالمتبادر من هَذَا الْبَيَان أَن لَا يبْقى شَيْء مِنْهَا خَارج من الْقسمَيْنِ، وَإِلَّا لم يكن الْبَيَان وافيا فَيلْزم كَون الْغمُوس فِي اللَّغْو أَو المعقودة وَلَيْسَت بمعقودة فَلَزِمَ دُخُولهَا فِي اللَّغْو فَلَزِمَ أَن لَا يكون المُرَاد بالمؤاخذة المنفية عَن اللَّغْو الأخروية فَيتَعَيَّن الدُّنْيَوِيَّة وَهِي الْكَفَّارَة (وَعند الشَّافِعِي) المُرَاد بالمؤاخذة (فيهمَا) أَي الْآيَتَيْنِ (الدُّنْيَوِيَّة وَهِي) أَي الْغمُوس (دَاخِلَة فِي المعقودة) عِنْده بِنَاء على حمل العقد على عقد الطّلب وعزمه كَقَوْلِه الشَّاعِر: (عقدت على قلبِي بِأَن يكتم الْهوى ...) (كَمَا) هِيَ دَاخِلَة (فِي المكسوبة فَلَا تعَارض) بَين الْآيَتَيْنِ لاتِّفَاقهمَا على الْمُؤَاخَذَة فِي الْغمُوس (وَدفعه) أَي دُخُولهَا فِي المعقودة (بِأَن حَقِيقَة العقد) إِنَّمَا تكون (بِغَيْر الْقلب) لِأَن العقد فِي الأَصْل ربط الشَّيْء بالشَّيْء وَذَلِكَ فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء لما فِيهِ من ربط أحد الْكَلَامَيْنِ بِالْآخرِ، أَو ربط الْكَلَام بِمحل الحكم وَلَيْسَ فِي عزم الْقلب شَيْء مِنْهُمَا، وَصرف الْكَلَام عَن الْحَقِيقَة بِغَيْر ضَرُورَة لَا يجوز (قد يمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول (بِأَنَّهُ) أَي العقد (أَعم) من أَن يكون فِي الْأَعْيَان أَو الْمعَانِي فَيعم المصطلح وَعقد الْقلب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (يسند إِلَى الْأَعْيَان فيراد) بِهِ (الرَّبْط) لبعضها بِبَعْض (وَإِلَى الْقلب فعزمه) أَي فيراد بِهِ عزم الْقلب (وَكثر) إِطْلَاق العقد عَلَيْهِ (فِي اللُّغَة) وَفِي التَّلْوِيح أَن إِطْلَاقه عَلَيْهِ فِي اللُّغَة أشهر من العقد المصطلح فَإِنَّهُ من مخترعات الْفُقَهَاء وَأجِيب بِأَن العقد فِيمَا لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل صَار حَقِيقَة شَرْعِيَّة قَالَ تَعَالَى - ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ - وَالْأَمر بالإيفاء لَا يَصح إِلَّا فِيمَا لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل (بل) الأولى فِي الْجَواب أَن يُقَال (الظَّاهِر) أَن المُرَاد بالمؤاخذة (فِي) الْآيَة (الأولى الأخروية للإضافة إِلَى كسب الْقلب) إِذْ الْغَالِب فِي الْمُؤَاخَذَة على عمل الْقلب والأخروية، على أَن الْغمُوس كَبِيرَة مَحْضَة لَا تناسب الْكَفَّارَة الدائرة بَين الْعباد والعقوبة، وَأَيْضًا فالمتبادر من الْمُؤَاخَذَة إِذا أطلقت أَن تكون بِحَسب الْآخِرَة (وَهَذَا) الْجمع بَين هَاتين الْآيَتَيْنِ (جمع من قبل الحكم) إِذْ الِاخْتِلَاف بَين الْآيَتَيْنِ إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة فِي الْغمُوس وَعدمهَا اللَّتَيْنِ كَانَا حكم الْآيَتَيْنِ فيتصرف فِي مفهومهما بتعميمه بِحَيْثُ انقسمت إِلَى الأخروية والدنيوية فَجعلت احداهما مَحل الْإِثْبَات وَالْأُخْرَى مَحل النَّفْي لِئَلَّا يتحد موردهما

стр. 843

فيرتفع التَّنَاقُض والتعارض (وَمِنْه) أَي الْجمع من قبل الحكم (توزيعه) أَي الحكم بإثباته فِي بعض مَحَله بِأحد الدَّلِيلَيْنِ ونفيه فِي بعضه بِالْآخرِ (كقسمة الْمُدَّعِي بَين المثبتين) كَمَا إِذا ادّعى رجلَانِ أَن هَذِه الدَّار ملكه كملا وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة وَلَا رُجْحَان لأَحَدهمَا على الْأُخْرَى فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تنصف بَينهمَا فقد أثبت الْملك لأَحَدهمَا فِي بعض الدَّار بِبَيِّنَة وَنفى ملكه عَن الْبَعْض الآخر بيينة الرجل الآخر، وَهَذَا هُوَ التَّوْزِيع فِي الحكم الَّذِي هُوَ الْملك (وَمَا قيل) أَي قيل هَذَا الْجمع وَهُوَ الْجمع فِي قِرَاءَة التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف (من قبل الْحَال) إِذْ حمل احداهما على حَالَة وَالْأُخْرَى على حَالَة أُخْرَى، وَعبر عَنهُ صدر الشَّرِيعَة بِالْمحل (و) قد (يكون) الْجمع بَين المتعارضين (من قبل الزَّمَان) إِمَّا (صَرِيحًا بِنَقْل التَّأَخُّر) لأَحَدهمَا عَن الآخر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾، وَقَوله تَعَالَى - ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ - فَإِن بَينهمَا تَعَارضا فِي حق الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا، وَجمع الْجُمْهُور بَينهمَا بِأَن أولات الْأَحْمَال الْآيَة (بعد وَالَّذين يتوفون) الْآيَة كَمَا صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود، وَتقدم فِي الْبَحْث الْخَامِس فِي التَّخْصِيص يكون من قبل الزَّمَان (أَو حكما كالمحرم) أَي كتقديمه (على الْمُبِيح) إِذا تَعَارضا (اعْتِبَارا لَهُ) أَي الْمحرم (مُتَأَخِّرًا) عَن الْمُبِيح (كي لَا يتَكَرَّر النّسخ بِنَاء على أَصَالَة الْإِبَاحَة) فَيلْزم كَون الْمحرم الْمُقدم على الْمُبِيح نَاسِخا للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة ومنسوخا بالمبيح الْمُتَأَخر عَنهُ بِخِلَاف الْعَكْس وَهُوَ ظَاهر، وَهَذَا مُخَالف لما سَيَأْتِي من أَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيْسَ بنسخ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتجوز بِهِ عَن تغير الحكم أَعم من أَن يكون ذَلِك الحكم إِبَاحَة أَصْلِيَّة أَو غَيرهَا، وَتقدم فِي المسئلة الثَّانِيَة من مسئلتي التنزل فِي فصل الْحَاكِم مَا فِيهِ من الْبَحْث والتحرير (وَلِأَنَّهُ) أَي تَقْدِيم الْمحرم على الْمُبِيح (الِاحْتِيَاط) إِذْ احْتِمَال ترك الْعَمَل بِمَا يَقْتَضِيهِ الْمُبِيح أَهْون من احْتِمَال تَركه بِمَا يَقْتَضِيهِ الْمحرم كَمَا فِي تَحْرِيم الضَّب بِمَا روى أَحْمد وَغَيره بِرِجَال الصَّحِيح عَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فنزلنا أَرضًا كَثِيرَة الضباب فأصبنا مِنْهَا فذبحنا فَبَيْنَمَا الْقُدُور تغلي بهَا خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن أمة من بني إِسْرَائِيل فقدت، وَإِنِّي أَخَاف أَن تكون هِيَ فاكفئوها فكفأناها، وَإِنَّا لجياع، وروى الْجَمَاعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ مَا دلّ على أَنه أكل مِنْهُ فَلم ينْدر عَنهُ وَلم يكن مَعَه معتذرا بِأَنَّهُ يعافه لعدمه بِأَرْض قومه (وَلَا يقدم الْإِثْبَات) لأمر عَارض (على النَّفْي) كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْكَرْخِي وَالشَّافِعِيَّة (إِلَّا أَن كَانَ) النَّفْي لَا يعرف بِالدَّلِيلِ بل (بِالْأَصْلِ) وَهُوَ كَون الأَصْل فِي الْعَوَارِض الْعَدَم والانتفاء فَإِن الْإِثْبَات بِالدَّلِيلِ يقدم عَلَيْهِ (كحرية) مغيث (زوج بَرِيرَة لِأَن عبديته كَانَت مَعْلُومَة فالإخبار بهَا) أَي بعبديته كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة أَن

стр. 844

النَّبِي ﷺ خَيرهَا وَكَانَ زَوجهَا عبدا (بِالْأَصْلِ) أَي بِنَاء على أَن رقبته لم تَتَغَيَّر فَهَذَا نفي لحريته بِنَاء على مَا كَانَت عَلَيْهِ فالإخبار بحريَّته حِين إعْتَاقهَا كَمَا فِي كتب السّير بِنَاء على مَا ثَبت عِنْد المخبرين بِمَا دلّ على حدوثها بعد العبدية إِثْبَات مقدم على النَّفْي الْمَذْكُور (فَإِن) كَانَ النَّفْي (من جنس مَا يعرف بدليله عَارضه) أَي الْإِثْبَات لتساويهما حِينَئِذٍ بِاعْتِبَار مُوجب الْعلم (وَطلب التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا بِوَجْه آخر (كالإحرام فِي حَدِيث مَيْمُونَة ﵂ وَهُوَ مَا فِي الْكتب السِّتَّة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ تزوج رَسُول الله ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ محرم، زَاد البُخَارِيّ وَبنى بهَا وَهُوَ حَلَال، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ تزوج نَبِي الله مَيْمُونَة وهما محرمان فَإِنَّهُ (نفي لأمر) عَارض وَهَذَا الْحَد الطَّارِئ (يدل عَلَيْهِ هَيْئَة محسوسة) من التجرد وَرفع الصَّلَوَات وَغَيرهمَا (فساوى رِوَايَة) مُسلم وَابْن مَاجَه عَن يزِيد بن الْأَصَم حَدَّثتنِي مَيْمُونَة أَن النَّبِي ﷺ (تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال) قَالَ وَكَانَت خَالَتِي وَخَالَة ابْن عَبَّاس، وَزَاد فِيهِ أَبُو يعلى بعد أَن رَجعْنَا إِلَى مَكَّة، وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان عَن أبي رَافع " تزوج النَّبِي ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال وَبنى بهَا وَهُوَ حَلَال، وَكنت الرَّسُول بَينهمَا " (وَرجح نفي ابْن عَبَّاس على) إِثْبَات (ابْن الْأَصَم وَأبي رَافع) بِقُوَّة السَّنَد وبضبط الروَاة وفقههم خُصُوصا ابْن عَبَّاس. قَالَ الزُّهْرِيّ: وَمَا يدْرِي ابْن الْأَصَم أَعْرَابِي بوال على سَاقه أنجعله مثل ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ الَّذين رووا أَنه ﷺ تزوج بهَا وَهُوَ محرم أهل علم وَثَبت من أَصْحَاب ابْن عَبَّاس مثل سعيد بن جُبَير وَعَطَاء وَطَاوُس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَجَابِر بن زيد وَهَؤُلَاء كلهم فُقَهَاء، وَالَّذين نقلوا عَنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن أبي نجيح وَهَؤُلَاء أَئِمَّة يعْتد برأيهم (هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحل اللَّاحِق) للْإِحْرَام (وَأما على إِرَادَة) الْحل (السَّابِق) على الْإِحْرَام (كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات) فِي موطأ مَالك عَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ بعث النَّبِي ﷺ أَبَا رَافع مَوْلَاهُ ورجلا من الْأَنْصَار فزوجاه مَيْمُونَة بنت الْحَارِث وَرَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ قبل أَن يخرج، وَفِي معرفَة الصَّحَابَة للمستغفري قبل أَن يحرم (فَابْن عَبَّاس مُثبت) لِلْأَمْرِ الْعَارِض وَهُوَ الْإِحْرَام (وَيزِيد) بن الْأَصَم (ناف) لَهُ (فيترجح) حَدِيث ابْن عَبَّاس (بِذَات الْمَتْن) أَي متن الحَدِيث لِأَن الْمُثبت فِي حد ذَاته يرجع على النَّافِي لاشْتِمَاله على زِيَادَة الْعلم (وَلَو عَارضه) أَي نفي يزِيد إِثْبَات ابْن عَبَّاس لكَون نَفْيه مِمَّا يعرف بدليله لِأَن حَالَة الْحل أَيْضا تعرف بِالدَّلِيلِ أَيْضا وَهِي هَيْئَة الْحَلَال (فِيمَا قُلْنَا) أَي فيرجح حَدِيث ابْن عَبَّاس بِمَا قُلْنَا من قُوَّة السَّنَد وَفقه الرَّاوِي ومزيد ضَبطه كَذَا ذكر الشَّارِح، وَلَا يخفى

стр. 845

عَلَيْك أَن المُصَنّف لم يقل هَهُنَا هَذِه المرجحات الْمَذْكُورَة اللَّهُمَّ أَن يُقَال قَوْله من جنس مَا يعرف بدليله عَارضه وَطلب التَّرْجِيح يُشِير إِلَى الْمَذْكُورَات وَغَيرهَا إِجْمَالا (وَعرف) من هَذَا (أَن النَّافِي رَاوِي الأَصْل) أَي الْحَالة الْأَصْلِيَّة فالمثبت رَاوِي خِلَافه (فَإِن أمكنا) أَي كَون النَّفْي بِنَاء على الدَّلِيل، وَكَونه بِنَاء على الْعَدَم الْأَصْلِيّ (كبحل الطَّعَام) أَي كالإخبار بِهِ (وطهارة المَاء) فَإِن كلا مِنْهُمَا (نفي يعرف بِالدَّلِيلِ) بِأَن ذبح شَاة وَذكر اسْم الله عَلَيْهَا وَغسل إِنَاء بِمَاء السَّمَاء أَو بِمَاء جَار لَيْسَ لَهُ أثر نَجَاسَة وملأه بِأَحَدِهِمَا وَلم يغب عَنهُ أصلا وَلم يُشَاهد وُقُوع نَجَاسَة فِيهِ (وَالْأَصْل) أَي يعرف بِالْأَصْلِ بِأَن يعْتَمد على أَن الأَصْل فِي المذبوحة الْحل وَلم يعلم ثُبُوت حُرْمَة فِيهَا، وَفِي المَاء الطَّهَارَة وَلم يعلم وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ (فَلَا يُعَارض) الْإِخْبَار بهما (مَا) أَي الْإِخْبَار (بحرمته) أَي الطَّعَام (ونجاسته) أَي المَاء (وَيعْمل بهما) أَي بِالْحلِّ فِي الطَّعَام وَالطَّهَارَة فِي المَاء (إِن تعذر السُّؤَال) للمخبر عَن مُسْتَنده لِأَن الِاسْتِصْحَاب إِن لم يصلح دَلِيلا يصلح مرجحا فيرجح خبر النَّافِي بِهِ كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن اعْتِبَاره مرجحا إِنَّمَا يتم أَن تَسَاويا والتساوي هَهُنَا مَحل نظر إِذْ الْمُثبت يعْتَمد الدَّلِيل قطعا واعتمادنا فِي علية مَشْكُوك الِاحْتِمَال اعْتِمَاده على الأَصْل فَتَأمل. فَالْوَجْه أَن يُفَسر قَوْله بهما بِالْحُرْمَةِ والنجاسة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَعَذَّر السُّؤَال (سُئِلَ) الْمخبر (عَن مبناه) أَي مبْنى خَبره (فَعمل بِمُقْتَضَاهُ) فَإِن تمسك الْمخبر بِظَاهِر الْحَال، وَالْأَصْل فِي الشَّاة الْحل، وَفِي المَاء الطَّهَارَة، وَلم يعلم مَا ينافيهما فخبر الْحُرْمَة والنجاسة يعْمل بِهِ لكَونه عَن دَلِيل، وَإِن تمسك بِالدَّلِيلِ كَانَ مثل الْإِثْبَات فَيَقَع التَّعَارُض وَيجب الْعَمَل بِالْأَصْلِ (وَمثل الْحَنَفِيَّة تَقْرِير الْأُصُول) لمتعلق المتعارضين إِذا لم يكن بعدهمَا دَلِيل يُصَار إِلَيْهِ (بسؤر الْحمار) أَي الْبَقِيَّة من المَاء الَّذِي شرب مِنْهُ فِي الْإِنَاء (تعَارض فِي حل لَحْمه وحرمته المستلزمتين لطهارته) أَي سؤره (ونجاسته الْآثَار) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر " نهى رَسُول الله ﷺ يَوْم خَيْبَر عَن لُحُوم الْحمر " وَهُوَ يدل على تَحْرِيمهَا وَحُرْمَة الشَّيْء مَعَ صلاحيته للغذاء إِذا لم تكن للكرامة آيَة النَّجَاسَة ونجاسة اللَّحْم تَسْتَلْزِم نَجَاسَة اللعاب لِأَنَّهُ متحلب مِنْهُ وَهُوَ يخالط المَاء فَيكون نجسا، وَفِي سنَن أبي دَاوُد، وَعَن غَالب بن أبجر قَالَ أصابتنا سنة فَلم يكن لي فِي مَالِي إِلَّا شَيْء من حمر، وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ حرم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة فَأتيت النَّبِي ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله أصابتني السّنة وَلم يكن فِي مَالِي مَا أطْعم أَهلِي إِلَّا سمان حمر وَأَنَّك حرمت لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة. فَقَالَ: أطْعم أهلك من سمين حمرك فَإِنَّمَا حرمتهَا من أجل جوَار الْقرْيَة، وَهَذَا يدل على حلهَا وَهُوَ يسْتَلْزم طَهَارَتهَا وطهارة السؤر (فقرر حَدِيث الْمُتَوَضِّئ بِهِ) أَي بسؤره على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل التوضئ (وطهارته) أَي طَهَارَة السؤر على

стр. 846

مَا كَانَ عَلَيْهِ المَاء قبل مُخَالطَة اللعاب (وَلَا يخفى أَنه) أَي اعْتِبَار الْأُصُول (حكم عدم التَّرْجِيح) بِشَيْء من الطَّهَارَة والنجاسة على الآخر من حَيْثُ الْأَثر (لَكِن رجحت الْحُرْمَة) على الْإِبَاحَة إِذا تَعَارَضَتَا لما تقدم آنِفا، على أَن حَدِيث التَّحْرِيم صَحِيح الْإِسْنَاد والمتن لَا اضْطِرَاب فِيهِ، وَحَدِيث الْإِبَاحَة مُضْطَرب الْإِسْنَاد، وَذكره الْبَيْهَقِيّ ثمَّ النَّوَوِيّ ثمَّ الْمزي ثمَّ الذَّهَبِيّ، وَأَيْضًا فِي دلَالَته على الْإِبَاحَة مُطلقًا نظر إِذْ الْقِصَّة تُشِير إِلَى اضطرارهم كَيفَ وَهُوَ مُصَرح بِتَأْخِيرِهِ عَن حَدِيث التَّحْرِيم فَلَو صَحَّ مُفِيدا للْإِبَاحَة مُطلقًا لَكَانَ نَاسِخا للتَّحْرِيم مُوجبا للطَّهَارَة (وَالْأَقْرَب) فِي تَقْرِير الْأُصُول فِي هَذَا الْمِثَال أَن يُقَال (تَعَارَضَت الْحُرْمَة الْمُقْتَضِيَة للنَّجَاسَة والضرورة الْمُقْتَضِيَة للطَّهَارَة) فِيهِ لِأَن الْحمار يرْبط فِي الدّور والأفنية وَيشْرب فِي الْأَوَانِي المستعملة وَيحْتَاج فِي الرّكُوب وَالْحمل (وَلم تترجح) الطَّهَارَة (لتردد فِيهَا) أَي الضَّرُورَة المسقطة للنَّجَاسَة (إِذْ لَيْسَ كالهرة) فِي المخالطة حَتَّى تسْقط نَجَاسَته كَمَا سَقَطت نَجَاسَة سُؤْر الْهِرَّة لِأَن الْهِرَّة تلج المضايق دونه (وَلَا الْكَلْب) فِي المجانبة الْغَالِبَة حَتَّى لَا تسْقط نَجَاسَته لِانْعِدَامِ الضَّرُورَة فِي الْكَلْب دونه (وَلَا النَّجَاسَة) أَي وَلم تترجح النَّجَاسَة لما فِيهَا من إِسْقَاط حكم الضَّرُورَة بِالْكُلِّيَّةِ فتساقطتا وَوَجَب الْمصير إِلَى الأَصْل وَهُوَ إبْقَاء مَا كَانَ من الْحَدث فِي الْمُتَوَضِّئ، وَالطَّهَارَة فِي المَاء. مسئلة (لَا شكّ فِي جرى التَّعَارُض بَين قَوْلَيْنِ و) لَا شكّ فِي (نَفْيه) أَي نفي جرى التَّعَارُض (بَين فعلين متضادين كَصَوْم يَوْم وَفطر فِي مثله) أَي فِي مثل ذَلِك الْيَوْم كَأَن يَصُوم فِي يَوْم السبت وَيفْطر فِي سبت آخر، وَذَلِكَ لجَوَاز أَن يكون أَحدهمَا وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا أَو مُبَاحا فِي وَقت وَلَيْسَ كَذَلِك فِي وَقت آخر مثله من غير رفع وَإِبْطَال لذَلِك الحكم إِذْ لَا عُمُوم للفعلين وَلَا لأَحَدهمَا (إِلَّا إِن دلّ على وُجُوبه) أَي ذَلِك الْفِعْل (عَلَيْهِ) ﷺ (وَنَحْوه) أَي أَو على نَدبه أَو إِبَاحَته (وسببية متكرر) أَي وَدلّ مَعَ ذَلِك على سَبَبِيَّة أَمر لذَلِك الْوُجُوب أَو النّدب بِتَكَرُّر وجوده كَأَن يدل على أَن يَوْم السبت جعل سَببا لذَلِك فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يثبت التَّعَارُض بِوَاسِطَة هَذِه الدّلَالَة فَيكون فطره فِي يَوْم السبت الآخر بعد هَذِه الدّلَالَة دَلِيل عدم وجوب صَوْم كل سبت، وَذكر الشَّارِح أَن قَوْله إِلَّا إِلَى آخِره اسْتثِْنَاء من نَفْيه، وَيَنْبَغِي أَن يحمل على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع إِذْ لَيْسَ التَّعَارُض فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة بَين ذاتي الْفِعْلَيْنِ إِلَّا أَن يعمم قَوْله بَين فعلين بِحَيْثُ يشملهما بِضَرْب من الْمُسَامحَة (وَتَقَدَّمت الدّلَالَة على أَن الْأمة مثله ﷺ فِيمَا عرفت فِيهِ صفة الْفِعْل وَقد فرض أَنه دلّ هَهُنَا على صفة الْفِعْل فِي حَقه وتكرره بِتِلْكَ الصّفة.

стр. 847

بِتَكَرُّر سَببه فَيثبت فِي حق الْأمة كَذَلِك (فالنافي) وَهُوَ فطره مثلا (نَاسخ عَن الْكل) أَي ينْسَخ وجوب ذَلِك الْفِعْل عَنهُ ﷺ عَن الْأمة لِأَن فطره الْمُتَأَخر اقْتضى فطر الْأمة بِمُوجب تِلْكَ الدّلَالَة الْمُتَقَدّمَة كَمَا أَن صَوْمه اقْتضى صومهم وَقد كَانَ فِي حَقه نَاسِخا فَكَذَلِك فِي حَقهم (وَعَن الْكَرْخِي وَطَائِفَة) أَن فعله الثَّانِي ينْسَخ (عَنهُ) ﷺ (فَقَط) وَزعم الشَّارِح أَنه مَبْنِيّ على أَن الْكَرْخِي لَا يُوجب فِي حق الْأمة شَيْئا بِدَلِيل الْوُجُوب عَلَيْهِ وَنَحْوه من النّدب وَالْإِبَاحَة ويخص دَلِيل التكرر بِهِ، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مُخَالفَته فِي حَقه النّسخ عَن الْأمة إِنَّمَا يشْعر بموافقته فِي مُشَاركَة الْأمة لَهُ ﷺ فِي وجوب الْفِعْل وَنَحْوه (وَأما) التَّعَارُض (بَين فعل) النَّبِي ﷺ (عرفت صفته) من وجوب أَو ندب مثلا (فِي حَقه وَقَول) يَنْفِي ذَلِك كَأَن يَصُوم يَوْم السبت ثمَّ يَقُول صَوْمه حرَام (فعلى الْمُخْتَار من أَن أمته مثله) سَوَاء كَانَت تِلْكَ الصّفة (وجوبا أَو غَيره فَمَعَ دَلِيل سَبَبِيَّة متكرر وَالْقَوْل خَاص بِهِ) كَقَوْلِه صَوْم يَوْم السبت حرَام (نسخ) على صِيغَة الْمَعْلُوم (عَنهُ) ﷺ (الْمُتَأَخر مِنْهُمَا) أَي الْفِعْل أَو القَوْل الْمُتَقَدّم (وَلَا مُعَارضَة فيهم) أَي الْأمة (فيستمر مَا فيهم) أَي مَا كَانَ ثَبت عَلَيْهِم من الِاتِّبَاع على الْوَجْه الثَّالِث فِي حَقه إِذْ النَّاسِخ لم يتَعَرَّض لسواه ﷺ (فَإِن جهل) الْمُتَأَخر مِنْهُمَا (قيل يُؤْخَذ بِالْفِعْلِ فَيثبت) الْفِعْل (على صفته على الْكل) فيستمر مَا كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم (وَقيل) يُؤْخَذ (بالْقَوْل فيخصه النّسخ) إِذْ الْمَفْرُوض خَاص بِهِ (وَيثبت مَا فيهم) أَي يسْتَمر على مَا كَانَ (وَقيل يتَوَقَّف) فِي حَقه (وَهُوَ الْمُخْتَار دفعا للتحكم) أَي يرجح أَحدهمَا على الآخر بِلَا مُرَجّح إِذْ يحْتَمل تَأَخّر كل مِنْهُمَا (فِي حَقه وَيثبت مَا فيهم) على صفته لعدم الْمُعَارضَة فِي حَقهم (وَإِن) كَانَ القَوْل (خَاصّا بهم) أَي الْأمة بِأَن صَامَ يَوْم السبت وَقَالَ لَا يحل للْأمة صَوْمه (فَلَا تعَارض فِي حَقه فَمَا كَانَ لَهُ) ثَابت عَلَيْهِ (كَمَا كَانَ، وَفِيهِمْ) أَي فِي حق الْأمة (الْمُتَأَخر نَاسخ وَإِن جهل) الْمُتَأَخر مِنْهُمَا فِيمَا إِذا كَانَ القَوْل خَاصّا بهم فأقوال أَحدهَا يُؤْخَذ بِالْفِعْلِ فَيجب عَلَيْهِم الصَّوْم، وَثَانِيها الْوَقْف فَلَا يثبت حكم (فثالثها) وَهُوَ (الْمُخْتَار) يوخذ (بالْقَوْل) فَيحرم عَلَيْهِم الصَّوْم (لوضعه) أَي القَوْل (لبَيَان المرادات) الْقَائِمَة بِنَفس الْمُتَكَلّم (وأدليته) من الْفِعْل على خُصُوص المُرَاد (وأعميته) لِأَنَّهُ أَعم دلَالَة لِأَن أَفْرَاد مَدْلُوله أَكثر إِذْ يدل بِهِ على الْمَوْجُود والمعدوم والمعقول والمحسوس (بِخِلَاف الْفِعْل) فَإِن لَهُ محامل، وَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ ذَلِك فِي بعض الْأَحْوَال بِقَرِينَة خارجية فَيَقَع الْخَطَأ كثيرا وَيخْتَص بالموجود والمحسوس لِأَن الْمَعْدُوم والمعقول لَا يُمكن مشاهدتهما، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِنَّمَا يدل على إِطْلَاقه) نَفسه عَن قيد الممنوعية (للْفَاعِل) فَيعلم أَنه يجوز لَهُ أَن يفعل من غير أَن يعلم خُصُوص كَيْفيَّة من الْوُجُوب

стр. 848

أَو النّدب أَو الْإِبَاحَة (فَإِن دلّ) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي بِدَلِيل خارجي (على الِاقْتِدَاء) أَي على اقْتِدَاء غير الْفَاعِل بِهِ (فبذلك) أَي ففهم ذَلِك بذلك الدَّال لَا بِالْفِعْلِ (وَإِنَّمَا يثبت مَعَه) أَي الْإِطْلَاق الْمَذْكُور (احتمالات) من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة للْفَاعِل وَغَيره وَلَا يتَعَيَّن شَيْء مِنْهَا للْفِعْل بل (إِن تعين بَعْضهَا فبغيره) أَي غير الْفِعْل (وَكَونه) أَي الْفِعْل (قد يَقع بَيَانا لِلْقَوْلِ) إِنَّمَا هُوَ (عِنْد إجماله) أَي القَوْل وَقد مر قَرِيبا (وكلامنا) فِي التَّرْجِيح (مَعَ عَدمه) أَي الْإِجْمَال فَإِن قلت الْكَلَام فِيمَا إِذا تعَارض الْفِعْل وَالْقَوْل الْمَذْكُور وَجَهل الْمُتَأَخر مِنْهُمَا من غير تَقْيِيد بِعَدَمِ كَون الْفِعْل بَيَانا لقَوْل مُجمل فَمَا معنى قَوْله مَعَ عَدمه قلت مَعْنَاهُ إِذا نَظرنَا إِلَى ذاتي الْفِعْل وَالْقَوْل مَعَ قطع النّظر عَن الْأُمُور الْخَارِجَة عَنْهُمَا وجدنَا الْأُمُور الثَّلَاثَة لَازِمَة لِلْقَوْلِ دون الْفِعْل، والإجمال السَّابِق من جملَة تِلْكَ الْأُمُور (وَالْفرق) بَين مَا تقدم من اخْتِيَار التَّوَقُّف عِنْد جهل الْمُتَأَخر واختصاص القَوْل بِهِ ﵇ وَبَين مَا هُنَا من الْأَخْذ بالْقَوْل عِنْد جهل الْمُتَأَخر واختصاص القَوْل بالأمة (أَنا هُنَا) أَي فِيمَا إِذا كَانَ خَاصّا بِنَا (متعبدون بالاستعلام) وَطلب الْعلم (لتعبدنا بِالْعَمَلِ) المتوقف على الْعلم فَصَارَ الْبَحْث عَن الْمُتَأَخر لتَحْصِيل الْعلم بِمَا يبْنى عَلَيْهِ الْعَمَل من الْفِعْل وَالْقَوْل عبَادَة، لِأَن تَحْصِيل مَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ الْعِبَادَة عبَادَة (لَا هُنَاكَ) أَي لسنا مأمورين بالاستعلام عِنْد جهلنا بالمتأخر من الْفِعْل وَالْقَوْل الْخَاص بِهِ ﷺ إِذْ النَّهْي مَخْصُوص بِهِ وَالْفِعْل يقْتَدى بِهِ سَوَاء كَانَ مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا، فالبحث عَن تعْيين الْمُتَأَخر فِي نفس الْأَمر ليعلم حَاله لَيْسَ مِمَّا يتعبد بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لم نؤمر بِهِ) أَي بالاستعلام فِي تعْيين الْمُتَأَخر (فِي حَقه) ليعلم كَيْفيَّة تعبده فِي ذَلِك، وَأما فِي حَقنا فقد علمت عدم احتياجنا فِي التَّعَبُّد إِلَيْهِ ثمَّ إِنَّه لَو اجتهدنا فِي طلب الْعلم بالمتأخر ليعلم حَاله لربما اسْتَقر رَأينَا على خلاف مَا فِي علمه ﷺ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) ﷺ (أدرى بِهِ) أَي بالمتأخر (أَو) كَانَ القَوْل (شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم مَعْطُوف على قَوْله وَإِن خَاصّا بهم بِأَن صَامَ يَوْم السبت ثمَّ قَالَ حرم عَليّ وَعَلَيْكُم (فالمتأخر نَاسخ عَن الْكل) أَي عَنهُ وَعَن أمته، فَإِن كَانَ الْفِعْل ثَبت فِي حق الْكل، وَإِن كَانَ القَوْل حرم على الْكل (وَفِي الْجَهْل) بالمتأخر يعْمل (بالْقَوْل) فَيحرم الصَّوْم (لوُجُوب الاستعلام فِي حَقنا) كَمَا وَجب فِيمَا خص بِنَا للاشتراك فِي الْمُوجب، وَهُوَ التَّعَبُّد على مَا عرفت فَيجب الْبَحْث عَنهُ (وباتفاق الْحَال) أَي بِسَبَب مشاركتنا إِلَيْهِ فِي الْحَال من حَيْثُ شُمُول القَوْل (يعلم حَاله) ﷺ (مُقْتَضى للشمول) الْمَذْكُور إِذا لزم الْبَحْث لوُجُوب الاستعلام فِي حَقنا، فاختبر الْعَمَل بالْقَوْل لما ذكر فِي حَقنا، وَقد كَانَ الْحَال وَاحِدًا فَعلم حَاله لَا بِالْقَصْدِ بالبحث إِلَى استعلامه فِي حَقه (لَكنا لَا نحكم

стр. 849

بِهِ) أَي فِي حَقه ﷺ (لما ذكرنَا) من أَنا لم نؤمر بِهِ وَهُوَ أدرى بِهِ، ثمَّ شرع فِي قسيم قَوْله فَمَعَ دَلِيل سَبَبِيَّة متكرر، فَقَالَ (وَأما مَعَ عدم دَلِيل التّكْرَار) وَالْكَلَام فِيمَا علم صفته، فَأَما أَن يكون خَاصّا بِهِ، أَو بالأمة، أَو شَامِلًا للْكُلّ، فَالْأول أَفَادَهُ بقوله (وَالْقَوْل الْخَاص بِهِ مَعْلُوم التَّأَخُّر) بِأَن فعل شَيْئا على سَبِيل الْوُجُوب أَو النّدب أَو الْإِبَاحَة، ثمَّ علم أَنه قَالَ بعده لَا يحل لي فعله فَلَا مُعَارضَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فقد أخذت صفة الْفِعْل) وَهِي إِحْدَى الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة (مقتضاها مِنْهُ) ﷺ (بذلك الْفِعْل الْوَاحِد، وَالْقَوْل) الصَّادِر بعد ذَلِك الْفِعْل الْوَاحِد مسئلة (شَرْعِيَّة مستأنفة فِي حَقه لَا نَاسخ، وَيثبت) الْفِعْل (فِي حَقهم) أَي الْأمة (مرّة بِصفتِهِ) من وجوب أَو غَيره (إِذْ لَا تعَارض فِي حَقهم) لفرض أَن القَوْل خَاص بِهِ (وَلَا سَبَب تكْرَار أَو) مَعْلُوم (التَّقَدُّم) كَأَن يَقُول: لَا يحل لي كَذَا ثمَّ يَفْعَله (نسخ عَنهُ الْفِعْل مُقْتَضى القَوْل: أَي دلّ) الْفِعْل (عَلَيْهِ) أَي نسخ القَوْل (وَيثبت) الْفِعْل (على الْأمة على صفته) من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَغَيره (مرّة) أَي ثبوتا مرّة وَاحِدَة (لفرض الِاتِّبَاع فِيمَا علم) لِأَن الْمَفْرُوض أَن اتِّبَاعه فِي فعله الْمَعْلُوم صفته وَاجِب (وَعدم التكرر) أَي عدم تكْرَار السَّبَب وَلم يتَكَرَّر صُدُور الْفِعْل عَنهُ، بل صدوره مرّة وَاحِدَة فالاتباع بِحَسبِهِ (وَإِن جهل) الْمُتَأَخر (فالثلاثة) الْأَقْوَال كائنة فِيهِ: تَقْدِيم الْفِعْل فَيثبت الْفِعْل فِي حَقهم، وَتَقْدِيم القَوْل فَيحرم، الْوَقْف فَلَا يثبت حكم (قيل وَالْمُخْتَار الْوَقْف، وَنظر فِيهِ) أَي فِي الشَّرْح العضدي (بِأَن لَا تعَارض مَعَ تَأَخّر القَوْل) الْخَاص بِهِ، لَا يَخْلُو نفس الْأَمر من الِاحْتِمَالَيْنِ إِمَّا تقدم القَوْل وَإِمَّا تقدم الْفِعْل، وَفِيه السَّلامَة من لُزُوم النّسخ (فَيُؤْخَذ بِهِ) أَي بالْقَوْل حكما بِأَن الْفِعْل مُتَقَدم، لِأَنَّهُ لَو أَخذ بِالْفِعْلِ لزم النّسخ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (تَرْجِيحا لرفع مُسْتَلْزم النّسخ وَعلمت اسْتِوَاء حالتي الْأمة فيهمَا) أَي تقدم القَوْل وتأخره (من ثُبُوته) آي الْفِعْل (مرّة مِنْهُم) أَي الْأمة، يَعْنِي أَن الْعلم باستواء حَالهم يُؤْخَذ من ثُبُوت الْفِعْل من الْأمة مرّة وَاحِدَة، إِذْ على تَقْدِير تقدم الْفِعْل وَتَأَخر الْمحرم فِي حَقه ﷺ لَا يحرم فِي حَقهم، والاتباع لَا يَسْتَدْعِي إِلَّا صُدُور الْفِعْل مرّة وَاحِدَة، وَكَذَلِكَ على تَقْدِير تَأَخّر تَارِيخه وناسخيته فِي حَقه، لِأَن الْمَفْرُوض أَنه ﷺ مَا صدر مِنْهُ الْفِعْل إِلَّا مرّة وَاحِدَة، وَلَا وَجه للتوقف بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم. هَذَا وَيحْتَمل أَن تكون من فِي قَوْله من ثُبُوته بَيَانِيَّة، وَالْمعْنَى ظَاهر (وَإِن) كَانَ القَوْل (خَاصّا بهم) بِأَن فعل وَقَالَ: لَا يحل للْأمة هَذَا (فَلَا تعَارض فِي حَقه) لعدم تَعْلِيق القَوْل بِهِ علم تقدمه أَولا (وَفِيهِمْ) أَي الْأمة (الْمُتَأَخر) من القَوْل أَو الْفِعْل (نَاسخ الْمرة) على تَقْدِير تَأَخّر القَوْل، فالنسخ لما لزم عَلَيْهِم مرّة بِسَبَب الِاتِّبَاع ظَاهر، وَأما على تَقْدِير تقدمه بِأَن قَالَ: صَوْم يَوْم السبت حرَام على الْأمة ثمَّ صَامَ فالصوم حرَام

стр. 850

عَلَيْهِم على مَا كَانَ وَلَا نسخ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لَا يُقَال الأسوة تَقْتَضِي اتِّبَاع الْأمة فَينْسَخ التَّحْرِيم السَّابِق، لِأَن الِاقْتِدَاء فِيمَا لم يعلم اخْتِصَاص الْفِعْل بِهِ، وَقد علم بقوله: لَا يحل للْأمة، فَإِنَّهُ دلّ على أَنه يحل لَهُ دونهم، وَمثل هَذَا الْبَحْث يدل على مَا سبق فِي أَوَائِل الْبَحْث (وَإِن جهل) الْمُتَأَخر (فالثلاثة) الْأَقْوَال فِيهِ: الْوَقْف، وَالْأَخْذ بِالْفِعْلِ، وَالْأَخْذ بالْقَوْل. (وَالْمُخْتَار القَوْل، وَإِن) كَانَ (شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم (فعلى مَا تقدم فِيهِ وَفِيهِمْ فِي) صُورَة (علم الْمُتَأَخر) من القَوْل وَالْفِعْل، فَفِي القَوْل حَقه أَن يقدم الْفِعْل فَلَا تعَارض لعدم تكَرر الْفِعْل، وَإِن تقدم القَوْل فالفعل نَاسخ لَهُ، وَفِي حَقنا الْمُتَأَخر نَاسخ (وَإِن جهل) الْمُتَأَخر فِي حَقه وحقنا (فالثلاثة) الْأَقْوَال الْوَقْف وَالْأَخْذ بِالْفِعْلِ وَالْأَخْذ بالْقَوْل (وَالْمُخْتَار القَوْل) أَي الْأَخْذ بِهِ (فَينْسَخ عَنْهُم الْمرة لَكِن لَو قدم الْفِعْل) فِي الِاعْتِبَار (وَجَبت) الْمرة (فالاحتياط فِيهِ) أَي فِي وُجُوبه مرّة وَفِيه نظر، لِأَن قَضِيَّة الِاحْتِيَاط إِنَّمَا تسلم لَو كَانَ هُنَاكَ احْتِمَال الْوُقُوع فِي النَّهْي (ثمَّ نقُول فِي الْوَجْه الَّذِي قدم بِهِ القَوْل) على الْفِعْل وَالْوَقْف (حَيْثُ قدم) وَهُوَ أَن وضع القَوْل لبَيَان المرادات إِلَى آخر مَا سبق آنِفا (نظر وَإِنَّمَا يُفِيد) الْوَجْه الْمَذْكُور (تَقْدِيمه) أَي القَوْل (لَو كَانَ) النّظر (بِاعْتِبَار مُجَرّد مُلَاحظَة ذَات الْفِعْل مَعَه) أَي مَعَ القَوْل (لَكِن النّظر بَين فعل دلّ على خُصُوص حكمه) من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة (وعَلى ثُبُوته) أَي الْفِعْل (فِي حق الْأمة) فَكل قَول دلّ على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالدَّال النُّصُوص الدَّالَّة على وجوب الِاقْتِدَاء أَو نَدبه فِي حق خُصُوص حِكْمَة النُّصُوص والقرائن (فَفِي الْحَقِيقَة النّظر) إِنَّمَا هُوَ (فِي تَقْدِيم القَوْل على مَجْمُوع أَدِلَّة مِنْهَا قَول و) مِنْهَا (فعل، وَالْقَوْل وَإِن كَانَ بِحَيْثُ يدل) على صِيغَة الْمَجْهُول (بِهِ) أَي بالْقَوْل (على هَذَا الْمَجْمُوع) أَي الْأَدِلَّة المركبة من القَوْل وَالْفِعْل أَو مَدْلُول هَذَا الْمَجْمُوع (فَإِنَّمَا عَارضه) أَي هَذَا الْمُرَجح، وفاعل عَارضه قَوْله (مَا دلّ) على صِيغَة الْمَجْهُول (بِهِ) أَي بِالْفِعْلِ (أَيْضا عَلَيْهِ) أَي على القَوْل فِيمَا إِذا وَقع الْفِعْل بَيَانا لِلْقَوْلِ، وَكلمَة مَا مَصْدَرِيَّة: أَي عَارضه كَون الْفِعْل بِحَيْثُ يدل بِهِ عَلَيْهِ، وَفسّر الشَّارِح ضمير عَلَيْهِ بِهَذَا الْمَجْمُوع، وَلَا يظْهر لَهُ معنى (فاستويا) أَي الْفِعْل وَالْقَوْل (والأدلية وَنَحْوه) مِمَّا تقدم من الأعمية وَغَيرهَا (طرد) أَي أَوْصَاف مَوْجُودَة فِي الْمحل لَكِنَّهَا لَا أثر لَهَا فِيمَا نَحن بصدده (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين عرفت مَا فِي هَذَا الْوَجْه (فَالْوَجْه فِي كل مَوضِع من ذَلِك) التَّعَارُض (مُلَاحظَة أَن الِاحْتِيَاط يَقع فِيهِ) أَي أَي فِي ذَلِك الْموضع (على تَقْدِير) تَرْجِيح (القَوْل أَو الْفِعْل فَيقدم ذَلِك) الَّذِي فِيهِ الِاحْتِيَاط (كَفعل عرفت صفته) من أَنَّهَا (وجوب أَو ندب أَو حكم فِيهِ بذلك) أَي الْوُجُوب أَو النّدب بِمُوجب (يقدم) الْفِعْل (على القَوْل الْمُبِيح) احْتِيَاطًا واحترازا عَن الْوُقُوع فِي ترك الْوَاجِب

стр. 851

أَو الْمَنْدُوب على احْتِمَال تَأَخّر الْفِعْل (وَقَلبه) بِأَن يكون (القَوْل) وَالْفِعْل نسخا لما تقدم فِيهِ القَوْل على الْفِعْل (وَكَذَا القَوْل) حَال كَونه (محرما مَعَ الْفِعْل) مُوجبا أَو تأدبا يقدم على الْفِعْل (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا (و) كَذَا (قَول كَرَاهَة مَعَ فعل إِبَاحَة) تقدم فِيهِ القَوْل (وَقس) على هَذِه أَمْثَالهَا (فَأَما إِذا لم تعرف صفة الْفِعْل فعلى) أَي فبناء على (الْوُجُوب عَلَيْهِ) السَّلَام (وَعَلَيْهِم) أَي الْأمة كَمَا نقل عَن مَالك، و) بِنَاء على (النّدب وَالْإِبَاحَة كَذَلِك) أَي لَهُ وَلَهُم عِنْد الْقَائِلين بالندب فِيمَا إِذا لم تعرف صفته والقائلين بِالْإِبَاحَةِ فِيهِ (وعَلى خُصُوص هَذِه بالأمة الْمُتَأَخر) من الْفِعْل وَالْقَوْل (نَاسخ عَنْهُم فعلا) كَانَ ذَلِك الْمُتَأَخر (أَو قولا شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم (أَو خَاصّا بهم) أَي الْأمة، فسر الشَّارِح قَوْله هَذِه بِالْأَحْكَامِ من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة وَلم يبين مَعْنَاهُ على مَا هُوَ عَادَته فِي مشكلات هَذَا الْكتاب وعذره ظَاهر، وَالَّذِي يظْهر أَنه إِشَارَة إِلَى مَا سبق، من أَن الْخلاف فِي فعله الْمَجْهُول الصّفة عِنْد الْمُحَقِّقين بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأمة: فَالْمَعْنى وَبِنَاء على خُصُوص هَذِه الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة بالأمة على مَا هُوَ التَّحْقِيق الْمُتَأَخر فعلا أَو قولا شَامِلًا أَو خَاصّا، أَو على تَقْدِير شُمُول القَوْل أَيْضا لَا يفتش عَمَّا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ على مَا سبق تَفْصِيله (فَإِن جهل) الْمُتَأَخر (فالمختار مَا فِيهِ الِاحْتِيَاط كَمَا ذكرنَا، وعَلى الْوَقْف فِي الْكل) أَي فِي حَقه وحقهم أَو فِي كل الْأَحْكَام بخصوصها من الْوُجُوب وَغَيره، إِذْ الْكَلَام فِيمَا إِذا لم تعرف صفته فَلَا يعرف فِيهِ سوى الْإِطْلَاق الَّذِي هُوَ لَازم الْفِعْل على مَا مر آنِفا كَمَا أُشير إِلَيْهِ بقوله (سوى إِطْلَاق الْفِعْل) فَقَوله وعَلى الْوَقْف بَيَان لحكم مَجْهُول الصّفة على قَول من لم يقل بِالْوُجُوب وَلَا بالندب وَلَا بِالْإِبَاحَةِ، بل يَقُول بِالْإِطْلَاقِ (إِن تَأَخّر القَوْل النَّافِي لَهُ) أَي لإِطْلَاق الْفِعْل حَال كَونه (خَاصّا بِهِ) ﵇ كَأَن صَامَ يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ قَالَ لَا يحل لي صَوْم الْجُمُعَة (مَنعه) أَي نسخ هَذَا القَوْل إِطْلَاق الْفِعْل (فِي حَقه دونهم) فيستمر لَهُم حل صَوْمه مَعَ الْوَقْف عَمَّا زَاد على ذَلِك لما ذكر (أَو) حَال كَونه خَاصّا (بهم) كَأَن قَالَ لَا يحل لأمتي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة (فَفِي حَقهم) أَي نسخ القَوْل إِطْلَاق الْفِعْل فِي حَقهم فَقَط وحكمنا بالاطلاق لَهُ مَعَ الْوَقْف عَمَّا زَاد عَلَيْهِ (أَو) حَال كَونه (شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم فَلَا يحل لي وَلَا لكم (نفى الْإِطْلَاق مُطلقًا) أَي نسخ الْحل الَّذِي كَانَ لَازم الْإِطْلَاق عَن الْكل وَزَالَ الْوَقْف مُطلقًا (فَلَو كَانَ) القَوْل الْمُتَأَخر (مُوجبا للْفِعْل أَو نادبا) لَهُ، وَقد كَانَ الْفِعْل الْمُتَقَدّم مُفِيدا للإطلاق لعدم كَونه مَعْرُوف الصّفة (قَرَّرَهُ) أَي الْمُتَأَخر الْفِعْل (على مُقْتَضَاهُ) أَي القَوْل من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَلَا يخفى أَنه حِينَئِذٍ لَا يكون القَوْل مُعَارضا للْفِعْل، وَقد كَانَ بِنَاء الْبَحْث على معارضته إِيَّاه نفى بِكَوْن هَذَا استطراديا فَتَأمل (وَإِن) تَأَخّر (الْفِعْل وَالْقَوْل خَاص بِهِ) ﵇ كَأَن يَقُول

стр. 852

وَلَا يحل لي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ يَصُوم (فالوقف فِيمَا سوى مُجَرّد الْإِطْلَاق فِي حق الْكل) لِأَنَّهُ ثَبت الْحل فِي حَقه وحقهم بِمُقْتَضى الْفِعْل مَعَ الْوَقْف عَمَّا سوى الْإِطْلَاق فِي حق الْكل (أَو) كَانَ القَوْل خَاصّا (بهم) كَأَن يَقُول لَا يحل للْأمة ثمَّ اسْتمرّ يَصُومهُ (أَو شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم كلا يحل لي وَلكم ثمَّ صَامَهُ (منعُوا) أَي منع الْحل فِي حَقهم (دونه) فَيحل لَهُ (وَإِن جهل) الْمُتَأَخر (فَفِي الأول) أَي إِذا كَانَ (القَوْل) خَاصّا بِهِ (الْوَقْف فِي حَقه) لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمُتَأَخر القَوْل حرم عَلَيْهِ أَو الْفِعْل حل لَهُ ولسنا مأمورين بالبحث عَن ذَلِك فنقف عَن الحكم عَلَيْهِ بِشَيْء (والحل لَهُم) لِأَنَّهُ ثَابت لَهُم تقدم هَذَا القَوْل أَو تَأَخّر (وَفِي الثَّانِي) أَي إِذا كَانَ القَوْل خَاصّا بهم (منعُوا) مُطلقًا إِذْ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون القَوْل مقدما أَو مُؤَخرا أما على الثَّانِي فَظَاهر، وَأما على الأول فَلِأَن الْمحرم قد سبق، والمبيح فِي حَقهم لم يتَحَقَّق (وَحل لَهُ) لِأَن الْفِعْل يُوجِبهُ وَلم يُعَارضهُ القَوْل (وَفِي الثَّالِث) إِذا كَانَ شَامِلًا لَهُ وَلَهُم (الْوَقْف فِي حَقه) إِذْ على تَقْدِير تَأَخّر القَوْل حرم عَلَيْهِ وعَلى تَقْدِير تقدمه حل، وَلَا يحكم فِي حَقه بِشَيْء (وَمنعُوا) لأَنهم فِي التَّأَخُّر والتقدم كَذَلِك أما على التَّأَخُّر فَظَاهر، وَأما فِي التَّقْدِيم فالفعل لَا يَسْتَدْعِي الْإِبَاحَة فِي حَقهم بل فِي حَقه فَقَط وَالله أعلم. (فصل الشَّافِعِيَّة﴾ قَالُوا (التَّرْجِيح اقتران الْإِمَارَة بِمَا تقوى الأمارة بِهِ على معارضها) فتغلبه فَيعْمل بهَا دونه (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (وَإِن كَانَ) هُوَ (الرجحان وَسبب التَّرْجِيح) لَا نَفسه، لِأَنَّهُ جعل أحد المتعادلين راجحا بِإِظْهَار فضل فِيهِ (فالترجيح) أَي هَذَا التَّرْجِيح (اصْطِلَاحا) فَهُوَ حَقِيقَة عرفية خَاصَّة فِيهِ، ومجاز لغَوِيّ من تَسْمِيَة الشَّيْء باسم مسببه (والأمارة) أَي اعْتِبَار الأمارة الَّتِي هِيَ دَلِيل ظَنِّي، لِأَن الْقطعِي من الْأَدِلَّة (لِأَنَّهُ لَا تعَارض مَعَ قطع) وَالتَّرْجِيح مَا يتَخَلَّص بِهِ من التَّعَارُض (وَتقدم مَا فِيهِ) أَي فِي عدم التَّعَارُض مَعَ الْقطع فِي أول فصل التَّعَارُض: من أَن التَّحْقِيق جَرَيَانه فِي القطعيين أَيْضا كَمَا فِي الظنيين، وَأَن تَخْصِيص الظنيين بِهِ تحكم (فَيجب تَقْدِيمهَا) أَي الأمارة المقترنة بِمَا تقَوِّي بِهِ على معارضها (للْقطع عَن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ بِهِ) أَي بتقديمها (وَأورد) على الْأَكْثَرين (شَهَادَة أَرْبَعَة مَعَ) شَهَادَة (اثْنَيْنِ) إِذا تَعَارَضَتَا فَإِن الظَّن بالأربعة أقوى، وَلَا تقدم شَهَادَة الْأَرْبَعَة على شَهَادَة الِاثْنَيْنِ (فالتزم) تَقْدِيم شَهَادَة الْأَرْبَعَة كَمَا هُوَ قَول لمَالِك وَالشَّافِعِيّ (وَالْحق الْفرق) بَين الشَّهَادَة وَالدَّلِيل، إِذْ كم من وَجه ترجح بِهِ الْأَدِلَّة دون الشَّهَادَات: وَذَلِكَ لِأَن الشَّهَادَة مقدرَة فِي الشَّرْع بِعَدَد مَعْلُوم فكفينا الِاجْتِهَاد فِيهَا، بِخِلَاف الرِّوَايَة فَإِنَّهَا مَبْنِيَّة عَلَيْهِ (وللحنفية) فِي تَعْرِيف التَّرْجِيح بِنَاء (على أَنه) أَي التَّرْجِيح (فعل) الْمُجْتَهد (إِظْهَار الزِّيَادَة لأحد المتماثلين على الآخر بِمَا لَا يسْتَقلّ) فَخرج النَّص مَعَ الْقيَاس الْمعَارض لَهُ صُورَة، فَلَا يُقَال النَّص رَاجِح عَلَيْهِ

стр. 853

لانْتِفَاء الْمُمَاثلَة الَّتِي هِيَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع، وَقد عرفت فَائِدَة التَّقْيِيد بِمَا لَا يسْتَقلّ من قَوْله فِي التَّعَارُض: والرجحان تَابع مَعَ التَّمَاثُل (و) لَهُم بِنَاء (على مثل مَا قبله) أَي من قبل هَذَا التَّعْرِيف، يَعْنِي إِظْهَار الزِّيَادَة إِلَى آخِره، وَهُوَ تَعْرِيف الشَّافِعِيَّة (فضل الخ) أَي لأحد المتماثلين على الآخر وَصفا، وَهُوَ قَول فَخر الْإِسْلَام وَغَيره كَمَا أَن اصْطِلَاح الشَّافِعِيَّة وضع لفظ التَّرْجِيح بِإِزَاءِ مَا هُوَ مُنَاسِب بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ كَذَلِك اصْطِلَاح بعض الْحَنَفِيَّة وضع لَهُ بِإِزَاءِ مَا هُوَ سَبَب بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (وَأفَاد) تَعْرِيف الْحَنَفِيَّة (نفي التَّرْجِيح بِمَا يصلح دَلِيلا) فِي نَفسه مَعَ قطع النّظر عَن الدَّلِيل الْمُوَافق لَهُ فَلَا يرجح دَلِيل مُسْتَقل وَافقه دَلِيل مُسْتَقل آخر على دَلِيل مُنْفَرد لَيْسَ لَهُ ذَلِك: وَهَكَذَا فِي الْقيَاس (فَبَطل) التَّرْجِيح لأحد الْحكمَيْنِ المتعارضين (بِكَثْرَة الْأَدِلَّة) على الآخر (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة لاستقلال كل من تِلْكَ الْأَدِلَّة فِي إِثْبَات الْمَطْلُوب فَلَا يَنْضَم إِلَى الآخر وَلَا يتحد بِهِ ليُفِيد تقويته، لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يتقوى بِصفة تُؤْخَذ فِي ذَاته لَا بانضمام مثله إِلَيْهِ (وترجيح مَا) أَي نَص (يُوَافق الْقيَاس على مَا) أَي نَص (يُخَالِفهُ) أَي الْقيَاس (لَيْسَ بِهِ) أَي بالترجيح لِكَثْرَة الْأَدِلَّة (عِنْد قابله) أَي من يقبل التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (لِأَنَّهُ) أَي الْقيَاس الْمُوَافق للنَّص (غير مُعْتَبر هُنَاكَ) لِأَنَّهُ لَا يعْتَبر فِي مُقَابلَة النَّص فَلَا يصلح دَلِيلا فِي نَفسه هُنَاكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَيْسَ) الْقيَاس ثمَّة (دَلِيلا والاستقلال (فَرعه) أَي كَونه دَلِيلا، بل هُوَ بِمَنْزِلَة الْوَصْف لذَلِك النَّص (وَصَحَّ عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (نَفْيه) أَي نفي تَرْجِيح مَا يُوَافق الْقيَاس على مَا يُخَالِفهُ. وَفِي الْكَشْف وَغَيره أَن الْأَصَح (لِأَنَّهُ) أَي الْقيَاس (دَلِيل فِي نَفسه مُسْتَقل) وَلذَا يثبت الحكم بِهِ عِنْد عدم النَّص وَالْإِجْمَاع و (لَكِن عدم شَرط اعْتِبَاره) هُنَا لما ذكرنَا (وَالْقِيَاس على مثله) أَي وترجح الْقيَاس على قِيَاس مثله معَارض لَهُ (بِكَثْرَة الْأُصُول) كَمَا سَيَأْتِي بَيَانهَا فِي محلهَا (لَيْسَ مِنْهُ) أَي من التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (لِأَنَّهَا) أَي الْأُصُول (لَا توجب حكم الْفَرْع) بل الْمُوجب لَهُ الْفَرْع الْمَوْجُود فِيهَا المثير للْحكم فَيحدث فِيهِ قُوَّة مرجحة (وَهُوَ) أَي وجوب حكم الْفَرْع هُوَ (الْمَطْلُوب) من الْقيَاس (فَيعْتَبر فِيهِ) أَي فِي حكم الْفَرْع (التَّعَارُض) بَين القياسين، ثمَّ يرجح الْقيَاس الَّذِي هُوَ أصُول يُؤْخَذ فِيهَا جنس الْوَصْف أَو نَوعه على مَا لَيْسَ كَذَلِك (فَهُوَ) أَي التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأُصُول ترجح (بِقُوَّة الْأَثر) وَهُوَ من الطّرق المصححة فِي تَرْجِيح الأقيسة كَمَا سَيَأْتِي. ثمَّ شرع فِي بَيَان مَا بِهِ التَّرْجِيح، فَقَالَ (فَفِي الْمَتْن) أَي مَا تضمنه الْكتاب وَالسّنة من الْأَمر وَالنَّهْي وَالْعَام وَالْخَاص وَنَحْوهَا يكون التَّرْجِيح (بِقُوَّة الدّلَالَة كالمحكم فِي عرف الْحَنَفِيَّة على الْمُفَسّر، وَهُوَ) أَي الْمُفَسّر عِنْدهم يرجح (على النَّص) فِي عرفهم (وَهُوَ) أَي النَّص فِي عرفهم

стр. 854

(على الظَّاهِر) فِي عرفهم، وَقد سبق تَفْسِيرهَا على التَّفْصِيل فِي التَّقْسِيم الثَّانِي من الْفَصْل الثَّانِي من المبادي اللُّغَوِيَّة (وَلذَا) أَي ولترجح الْأَقْوَى دلَالَة (لزم نفي التَّشْبِيه) عَن الله تَعَالَى (فِي) قَوْله ﴿على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَنَحْوه مِمَّا يُوهم الْمَكَان لَهُ (ب) قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ لِأَنَّهُ مُقْتَضى نفي الْمُمَاثلَة بَينه وَبَين شَيْء مَا مُطلقًا، وَالْمَكَان والمتمكن متماثلان من حَيْثُ الْقدر، أَو يُقَال لَو كَانَ لَهُ مَكَان لَكَانَ مثل الْأَجْسَام فِي التَّمَكُّن، وَقدم الْعَمَل بِهَذِهِ الْآيَة لكَونهَا محكمَة لَا تحْتَمل تَأْوِيلا (ويضبط مَا تقدم من الاصطلاحين) للحنفية وَالشَّافِعِيَّة فِي ألقاب أَقسَام تقسيمات الدّلَالَة للمفرد فِي الْفَصْل الثَّانِي من الْمقَالة الأولى (يجمع وَيفرق) فسر الشَّارِح الْجمع بِأَن يحكم بِوُجُود بعض الْأَقْسَام على الاصطلاحين جَمِيعًا فِي بعض الْمَوَارِد، وَالْفرق بِأَن يحكم بِوُجُود بَعْضهَا على أحد الاصطلاحين دون الآخر، ثمَّ قَالَ وينشأ من ذَلِك تَرْجِيح الْبَعْض على الْبَعْض بِحَسب التَّفَاوُت بَينهمَا فِي قُوَّة الدّلَالَة انْتهى. وَالَّذِي يظْهر لي من السِّيَاق أَنه لما ذكر أَن التَّرْجِيح فِي الْمَتْن بِقُوَّة الدّلَالَة، وَذكر أقساما من الدوال وَأفَاد كَون بَعْضهَا أقوى من الْبَعْض فِي الدّلَالَة أَرَادَ أَن يرشدك إِلَى ضابطة يسهل مَعْرفَتهَا عَلَيْك بِسَبَب ضبطك الاصطلاحين وَهِي أَن تجمع بَين مَا لم يذكر من أَقسَام الدوال وَتنظر إِلَى النِّسْبَة بَين كل قسمَيْنِ من حَيْثُ قُوَّة الدّلَالَة ومقابلها وَهُوَ الْجمع، وتحكم بِكَوْن أَحدهمَا أقوى دلَالَة وَهُوَ الْفرق (والخفي) يرجح (على الْمُشكل عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة لما عرف من أَن الخفاء فِي الْمُشكل أَكثر مِنْهُ فِي الْخَفي (وَأما الْمُجْمل مَعَ الْمُتَشَابه) باصطلاح الْحَنَفِيَّة (فَلَا يتَصَوَّر) تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر (وَلَو) قصد إِلَى التَّرْجِيح (بعد الْبَيَان) للمجمل (لِأَنَّهُ) أَي تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر (بعد فهم مَعْنَاهُمَا) والمتشابه انْقَطع رَجَاء مَعْرفَته فِي الدُّنْيَا عِنْدهم (والحقيقة) ترجح (على الْمجَاز الْمسَاوِي) فِي الِاسْتِعْمَال لَهَا (شهرة اتِّفَاقًا) لِأَنَّهَا الأَصْل فِي الْكَلَام (وَفِي) تَرْجِيح الْمجَاز (الزَّائِد) فِي الِاسْتِعْمَال من حَيْثُ الشُّهْرَة على الْحَقِيقَة (خلاف أبي حنيفَة) فَإِنَّهُ يرجحها عَلَيْهِ وَقَالَ الْجُمْهُور وَمِنْهُم الصاحبان يرجح عَلَيْهَا، وَتقدم الْكَلَام فِي ذَلِك فِي الْفَصْل الْخَامِس فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (والصريح على الْكِنَايَة، والعبارة على الْإِشَارَة وَهِي) أَي الْإِشَارَة (على الدّلَالَة مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَهِي) أَي الدّلَالَة (على الْمُقْتَضى وَلم يُوجد لَهُ) أَي لترجيح الدّلَالَة عَلَيْهِ (مِثَال فِي الْأَدِلَّة وَقيل يتَحَقَّق) لَهُ مِثَال فِيهَا، وَهُوَ مَا (إِذا بَاعه) أَي عبدا (بِأَلف ثمَّ قَالَ) البَائِع وَالْمُشْتَرِي قبل نقد الثّمن (أعْتقهُ عني بِمِائَة) فَفعل، إِذْ (دلَالَة حَدِيث زيد بن أَرقم) الْمَذْكُور فِي المسئلة الَّتِي يَليهَا فصل التَّعَارُض (تَنْفِي صِحَّته) أَي بيع العَبْد الْمَذْكُور الثَّابِت اقْتِضَاء لشراء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل نقد الثّمن (واقتضاء الصُّورَة) أَي قَول غير مَالك العَبْد لمَالِكه

стр. 855

عتق عَبدك عني بِمِائَة فِي غير هَذِه الْوَاقِعَة (يُوجِبهَا) أَي صِحَة البيع الْمُقْتَضى (وَلَيْسَ) هَذَا أَمْثَالًا لترجح الدّلَالَة على الْمُقْتَضى (إِذْ ليسَا) أَي بيع زيد واقتضاء الصُّورَة صِحَة البيع (دَلِيلين) سمعيين كَمَا هُوَ ظَاهر، فَأَيْنَ تعَارض الدَّلِيلَيْنِ الَّذِي التَّرْجِيح فَرعه، هَكَذَا شرح الشَّارِح هَذَا الْمحل وَمضى. وَأَنت خَبِير بِأَن النزاع فِي تحقق الْمِثَال بعد تَسْلِيم كَون تَرْجِيح الدّلَالَة على الْمُقْتَضى من جملَة المرجحات فِي بَاب التَّعَارُض بَين الْأَدِلَّة وَعدم كَونهمَا دَلِيلين سمعيين إِن كَانَ بِسَبَب كَون بيع زيد أَو البَائِع الْمَذْكُور، واقتضاء لَفْظَة صِحَة البيع أَمريْن جزئيين لَا يُقَال لشَيْء مِنْهُمَا دَلِيل سَمْعِي فَالْجَوَاب أَنه إِذا حررنا النّظر عَن خصوصيتهما يرجعان إِلَى أصليين كليين، وَإِن كَانَ بِسَبَب أَن هذَيْن الدَّلِيلَيْنِ ليسَا دَلِيلين سمعيين، فللخصم أَن يَقُول حَدِيث زيد بن أَرقم من الْأَدِلَّة السمعية، وَالدّلَالَة على الْمُقْتَضى أَيْضا مِنْهَا، وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم عدم كَونهمَا دَلِيلين لَا يَنْبَغِي أَن يُنَازع فِي تحقق الْمِثَال فِي عدم هَذَا لترجيح مِمَّا نَحن فِيهِ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال فِي قَوْله لم يُوجد لَهُ مِثَال فِي الْأَدِلَّة إِشَارَة إِلَى أَنه لَو فرض لَهُ مِثَال لَا يكون ذَلِك من جملَة التَّرْجِيح الْكَائِن بَين الْأَدِلَّة وَعدم كَونهمَا ليسَا من الْأَدِلَّة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَلِأَن حَدِيث زيد إِنَّمَا نسب إِلَيْهِ) أَي إِلَى زيد (لِأَنَّهُ صَاحب الْوَاقِعَة فِي زمن عَائِشَة الرادة عَلَيْهِ) بِهِ بَيْعه وشراءه (فَلَا يكون غَيره) مِمَّن وَقع مِنْهُ مثل مَا وَقع من زيد (مثله) أَي مثل زيد (دلَالَة) يَعْنِي أَن مردودية وُقُوع مَا صدر من زيد بذلك الحَدِيث لَيست بطرِيق دلَالَة لنَصّ، وَكَذَلِكَ مردودية مثل صَنِيعه من غَيره بذلك الحَدِيث لَيست بِدلَالَة النَّص (إِذْ هُوَ) أَي الحَدِيث الْمَرْدُود بة على زيد (نَهْيه ﷺ عَن شِرَاء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل نقد الثّمن فَيثبت) هَذَا النَّهْي (فِي غَيره) أَي غير زيد (عبارَة كَمَا) يثبت (فِيهِ) أَي فِي زيد عبارَة أَيْضا (وَكَيف) يكون هَذَا من الدّلَالَة (وَلَا أَوْلَوِيَّة) لكَونه مَنْهِيّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مورد النَّص كأولوية ضرب الْأَبَوَيْنِ بِالْحُرْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُرْمَة التأفيف على قَول من اشْترط فِي دلَالَة النَّص أَوْلَوِيَّة الْمَسْكُوت بالحكم فِي الدّلَالَة (وَلَا لُزُوم فهم المناط) للْحكم الْمَذْكُور فِي الْمَسْكُوت على مَا بَين فِي محلّة (فِي مَحل الْعبارَة) وَلَا دلَالَة بِدُونِهِ (والمقتضى) بِفَتْح الضَّاد أَي وترجح الْمُقْتَضى الَّذِي أثبت (للصدق عَلَيْهِ) أَي لكَون صدق الْكَلَام مَوْقُوفا على الْمُقْتَضى الَّذِي أثبت (لغيره) أَي لغير الصدْق وَهُوَ وُقُوعه شَرْعِيًّا لِأَن الصدْق فهم من وُقُوعه شَرْعِيًّا (وَمَفْهُوم الْمُوَافقَة على) مَفْهُوم (الْمُخَالفَة عِنْد قابله) بِالْبَاء الْمُوَحدَة كَذَا قَالَ الشَّارِح: أَي من يقبل مَفْهُوم الْمُخَالفَة لِأَن مَفْهُوم الْمُوَافقَة أقوى، وَلذَا لم يَقع خلاف وَألْحق بالقطعيات، وَقيل بِخِلَافِهِ لَكِن الأول هُوَ الصَّحِيح على مَا ذكره ابْن

стр. 856

الْحَاجِب (و) يرجح (الْأَقَل احْتِمَالا) على الْأَكْثَر احْتِمَالا (كالمشترك) الْمَوْضُوع (لاثْنَيْنِ على مَا) أَي الْمُشْتَرك (لأكْثر وَالْمجَاز الْأَقْرَب) إِلَى الْحَقِيقَة على مَا هُوَ أبعد مِنْهُ إِلَيْهَا (وَفِي كتب الشَّافِعِيَّة) يرجح الْمجَاز على مجَاز آخر (بأقربية الْمُصَحح) أَي العلاقة إِلَى الْحَقِيقَة مَعَ اتِّحَاد الْجِهَة (كالسبب الْأَقْرَب) فِي الْمُسَبّب (على) الْمُسَبّب (الْأَبْعَد) مِنْهُ فِي الْمُسَبّب (و) يرجح ب (قربه) أَي بِقرب الْمُصَحح إِلَى الْحَقِيقَة (دون) الْمُصَحح (الآخر) فِي الْمجَاز الآخر بِأَن يكون بَعيدا (كالسبب) أَي كإطلاق اسْم السَّبَب (على الْمُسَبّب على عَكسه) أَي إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب كَأَن الْمُسَبّب لَا يسْتَلْزم سَببا معينا لجَوَاز ثُبُوته بِسَبَب آخر، بِخِلَاف السَّبَب فَإِنَّهُ يسْتَلْزم مسببا معينا (وَيَنْبَغِي تعارضهما) أَي مَا سمي باسم سَببه وَمَا سمي باسم مسببه (فِي) السَّبَب (المتحد) لمسبب فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يسْتَلْزم كل مِنْهُمَا الآخر بِعَيْنِه لِأَن الْمَفْرُوض أَنه لَيْسَ إِلَّا سَبَب وَاحِد (وَمَا) أَي الْمجَاز الَّذِي (جَامعه) أَي علاقته (أشهر) مترجح على مَا علاقته دون ذَلِك فِي الشُّهْرَة (و) الْمجَاز (الْأَشْهر) اسْتِعْمَالا (مُطلقًا) أَي فِي اللُّغَة أَو فِي الشَّرْع أَو فِي الْعرف على غَيره (وَالْمَفْهُوم وَالِاحْتِمَال الشرعيان) يترجحان على الْمَفْهُوم وَالِاحْتِمَال اللَّذين ليسَا بشرعيين، لم يذكر الشَّارِح للمفهوم الشَّرْعِيّ وَمُقَابِله مِثَالا وَلم يبين مَعْنَاهُ وَهَكَذَا فعل فِي الِاحْتِمَال الشَّرْعِيّ مُقَابِله، وَالَّذِي يظْهر لي أَن الحكم الْمَنْطُوق إِذا كَانَ شَرْعِيًّا كَانَ الْمَفْهُوم أَيْضا شَرْعِيًّا وَإِذا لم يكن شَرْعِيًّا كَانَ مَفْهُومه كَذَلِك، وَإِن كَانَ مفَاد مَفْهُومه حكما شَرْعِيًّا وَلَا تتَحَقَّق الْمُعَارضَة إِلَّا إِذا كَانَ مفَاد الْمَفْهُوم الشَّرْعِيّ ومفاد مُقَابِله حكما شَرْعِيًّا، وَأما مِثَال الِاحْتِمَال الشَّرْعِيّ وَمَا قابله فَمثل الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد صَلَاة فِي اللُّغَة وَأَنه كَالصَّلَاةِ فِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة (بِخِلَاف) اللَّفْظ (الْمُسْتَعْمل) للشارع (فِي) مَعْنَاهُ (اللّغَوِيّ مَعَه) أَي اسْتِعْمَاله (فِي) الْمَعْنى (الشَّرْعِيّ) فَإِنَّهُ يقدم الْمَعْنى اللّغَوِيّ على الشَّرْعِيّ عِنْد تعارضهما ممكنين فِي اطلاق، وَمعنى اسْتِعْمَاله فيهمَا أَنه يحْتَمل أَن يكون مُسْتَعْملا فِي كل مِنْهُمَا على سَبِيل الْبَدَلِيَّة، مِثَاله النِّكَاح يسْتَعْمل لُغَة فِي الْوَطْء وَشرعا فِي العقد (وَفِيه) أَي فِي هَذَا (نظر) لِأَن اسْتِعْمَاله فِي مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ (كأقربية الْمُصَحح وقربه وأشهريته) أَي كَمَا فِي تَرْجِيح كل من هَذِه الثَّلَاثَة على مَا يُقَابله نظر (بل وأقربية نفس الْمَعْنى الْمجَازِي) أَي بل فِي تَرْجِيح هَذَا على مجَاز لَيْسَ كَذَلِك نظر أَيْضا كَمَا سَيعْلَمُ (وأولوية) الْمجَاز الَّذِي هُوَ نفى (الصِّحَّة فِي لَا صَلَاة) لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب على الْمجَاز الَّذِي هُوَ نفي الْكَلَام فِيهِ (لذَلِك) أَي لِأَن نفى الصِّحَّة الْمجَاز الْأَقْرَب إِلَى نفى الذَّات (مَمْنُوع لِأَن النَّفْي) وَارِد (على النِّسْبَة لَا) على (طرفها) الأول (و) طرفها (الثَّانِي مَحْذُوف فَمَا قدر) أَي فَهُوَ مَا قدر خبر للطرف الأول وَإِذا كَانَ الْأَمر هَكَذَا (كَانَ كل الْأَلْفَاظ) الملفوظ مِنْهَا والمقدر فِي

стр. 857

التَّرْكِيب الْمَذْكُور (حقائق) لاستعمالها فِي مَعَانِيهَا الوضعية (غير أَن خصوصه) أَي الْمُقدر إِنَّمَا يتَعَيَّن (بِالدَّلِيلِ) الْمعِين لَهُ (وَوَجهه) أَي النّظر فِي تَرْجِيح مَا اشْتَمَل على أقربية الْمُصَحح إِلَى آخِره (أَن الرجحان) إِنَّمَا هُوَ (بِمَا يزِيد قُوَّة دلَالَة على المُرَاد أَو) بِمَا يزِيد قُوَّة دلَالَة على (الثُّبُوت) وَهَذِه الْمَذْكُورَات لَيْسَ فِيهَا ذَلِك (والحقيقي) أَي وَالْفَرْض أَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (لم يرد) من إِطْلَاق اللَّفْظ (فَهُوَ) أَي الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَيْسَ بِمُرَاد مِنْهُ (كَغَيْرِهِ) من الْمعَانِي الَّتِي لَيست بمرادة مِنْهُ (وَتعين الْمجَازِي فِي كل) أَي كل اسْتِعْمَال لَهُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ (بِالدَّلِيلِ) الْمعِين لَهُ (فاستويا) أَي المجازيان (فِيهِ) أَي فِيمَا ذكر أَو فِي اللَّفْظ بِاعْتِبَار مَا ذكر وَالْحَاصِل أَنه إِذا ذكر لفظ وَصرف الدَّلِيل عَن إِرَادَة مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ إِلَى مَا يَصح أَن يتجوز فِيهِ فَلَا يتَعَيَّن المُرَاد إِلَّا بالمعين فالمدار عَلَيْهِ فكون أحد المفادين مجَازًا بِحَيْثُ يكون بَينه وَبَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ قرب فِي ذَاته أَو فِي مصححه أَو بِحَيْثُ يكون مصححه أشهر لَا أثر لَهُ، وَقد يُقَال المجازيان إِذا كَانَ لكل مِنْهُمَا قرينَة مُعينَة فاستويا فِيهِ بِاعْتِبَار ذَلِك لَكِن تكون العلاقة المصححة لأَحَدهمَا مَوْصُوفَة بِالْقَرِينَةِ مثلا كَانَ دلَالَته أوضح فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَإِن لم يكن مرَادا لكنه وَاسِطَة فِي الِانْتِقَال إِلَى الْمجَازِي، وَلَا نسلم أَنه كَسَائِر الْمعَانِي الَّتِي لَيست مُرَادة فَتَأمل (نعم لَو احتملت دلَالَته) أَي دلَالَة الْمعِين لأحد المجازيين (دون الآخر) بِأَن يكون التَّعْيِين على احْتِمَال فَقَط وَأما الْمعِين للْآخر فَلَا يكون مُحْتملا بل يكون نصا فِي المُرَاد فَحِينَئِذٍ يكون هَذَا أرجح (وَذَلِكَ) أَي التَّعْيِين بِاعْتِبَار الِاحْتِمَال وَعَدَمه (شَيْء آخر) غير الْقرب من الْحَقِيقِيّ والبعد مِنْهُ (وَمَا أكدت دلَالَته) يرجح على مَا لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ أغلب على الظَّن (والمطابقة) ترجح على التضمن والالتزام لِأَنَّهَا أضبط (والنكرة فِي) سِيَاق (الشَّرْط) تترجح (عَلَيْهَا) أَي النكرَة (فِي) سِيَاق (النَّفْي وَغَيرهَا) أَي وعَلى غير النكرَة كالجمع الْمحلى والمضاف (لقُوَّة دلالتها) أَي النكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط (بإفادة التَّعْلِيل) لِأَن الشَّرْط كالعلة وَالْحكم الْمُعَلل دلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ أقوى (وَالتَّقْيِيد) للنكرة الَّتِي رجحت عَلَيْهَا النكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط (بِغَيْر المركبة) أَي المبنية على الْفَتْح لِأَن لَا فِيهَا لنفي الْجِنْس لكَونهَا نصا فِي الِاسْتِغْرَاق (تقدم) فِي الْبَحْث الثَّانِي من مبَاحث الْعَام (مَا يَنْفِيه) أَي التَّقْيِيد الْمَذْكُور فيستوي الْحَال بَين أَن تكون مركبة أَولا (وَكَذَا الْجمع الْمحلي والموصول) يتَرَجَّح كل مِنْهُمَا (على) اسْم الْجِنْس (الْمُعَرّف) بِاللَّامِ لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْهُود فَتَصِير دلَالَته على الْعُمُوم ضَعِيفَة، على أَن الْمَوْصُول مَعَ صلته يُفِيد التَّعْلِيل كَمَا تفيده النكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط (وَالْعَام) يتَرَجَّح (على الْخَاص فِي الِاحْتِيَاط) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الِاحْتِيَاط فِي الْعَمَل كَمَا لَو كَانَ محرما وَالْخَاص مبيحا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الِاحْتِيَاط فِيهِ

стр. 858

(جمع) بَينهمَا بِالْعَمَلِ بالخاص فِي مَحَله وبالعام فِيمَا سواهُ (كَمَا تقدم) فِي فصل التَّعَارُض (وَالشَّافِعِيَّة) يتَرَجَّح عِنْدهم (الْخَاص دَائِما) على الْعَام لِأَنَّهُ غير مُبْطل للعام بِخِلَاف الْعَمَل بِالْعَام فَإِنَّهُ مُبْطل للخاص وَلِأَنَّهُ أقوى دلَالَة (وَمَا) أَي الْعَام الَّذِي (لزمَه تَخْصِيص) يتَرَجَّح (على خَاص ملزوم التَّأْوِيل) لِأَن تَخْصِيص الْعَام أَكثر من تَأْوِيل الْخَاص (وَالتَّحْرِيم) يتَرَجَّح (على غَيره) من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة وَالْكَرَاهَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (فِي الْمَشْهُور احْتِيَاطًا) إِذْ غَايَة مَا يلْزم من تَقْدِيمه ترك الْوَاجِب وَهُوَ فِيمَا إِذا كَانَ فِي مُقَابلَة الْمُوجب وَإِن كَانَ للمناقشة مجَال، وَقد يسْتَدلّ بقوله ﵇ " مَا اجْتمع الْحَرَام والحلال إِلَّا وَغلب الْحَرَام الْحَلَال " وَفِيه مقَال للحفاظ (وَإِذا ثَبت أَنه) ﷺ (كَانَ يحب مَا خفف على أمته) وَالْأَخْبَار فِيهِ أَكثر من أَن تحصى، وَمِنْهَا قَوْله ﷺ : " إِذا أم أحدكُم النَّاس فليخفف، فَإِن فيهم الصَّغِير وَالْكَبِير والضعيف وَالْمَرِيض وَذَا الْحَاجة " مُتَّفق عَلَيْهِ (اتجه قلبه) أَي تَرْجِيح غير التَّحْرِيم، وَتعقبه الشَّارِح بِأَن هَذَا لَا يتم فِي الْوُجُوب إِذْ لَيْسَ فِي تَرْجِيحه عَلَيْهِ تَخْفيف لِأَن الْمحرم يتَضَمَّن اسْتِحْقَاق الْعقَاب على الْفِعْل، والموجب يتضمنه على التّرْك فَتعذر الِاحْتِيَاط، فَلَا جرم أَن جزم بالتساوي بَينهمَا الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور وَقَالَ لَا يقدم أَحدهمَا على الآخر انْتهى، وَقد يُقَال أَن التَّحْرِيم منع عَن الْفِعْل، والإيجاب إِلْزَام بِهِ، والمرء حَرِيص لما منع فَهُوَ أشق على النَّفس، وَهُوَ الَّذِي أخرج آدم من الْجنَّة فَإِن الصَّبْر عَن الْمنْهِي أصعب (وَالْوُجُوب) يرجح (على مَا سوى التَّحْرِيم) من الْكَرَاهَة وَالنَّدْب للِاحْتِيَاط (وَالْكَرَاهَة) ترجح (على النّدب) لما ذكر (وَالْكل) من الْكَرَاهَة وَالتَّحْرِيم وَالْوُجُوب وَالنَّدْب يرجح (على الْإِبَاحَة) لما ذكر أَيْضا (فتقديم الْأَمر) على مَا سوى النَّهْي (وَالنَّهْي) على مَا سواهُ مُطلقًا أَو على الْأَمر (لَيْسَ لذاتيهما) بل لِأَن مَدْلُول الْأَمر الْوُجُوب، وَقد قدم للِاحْتِيَاط ومدلول النَّهْي التَّحْرِيم وَقد قدم كَذَلِك (وَالْخَاص من وَجه) أَي من بعض جهاته لَا من كل وَجه يرجح (على الْعَام مُطلقًا) أَي من جَمِيع جهاته لِأَن احْتِمَال تَخْصِيصه أَكثر من الْخَاص من وَجه لَا يدْخلهُ التَّخْصِيص من ذَلِك الْوَجْه (و) الْعَام (الَّذِي لم يخص) يرجح على الْعَام الَّذِي خص، نَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الْمُحَقِّقين مُعَللا بِأَن دُخُول التَّخْصِيص يضعف اللَّفْظ، والرازي بِأَن الَّذِي دخله قد أزيل عَن تَمام مُسَمَّاهُ والحقيقة ترجح على الْمجَاز (وَذكر من) تعَارض (الْأَدِلَّة) للْأَحْكَام (مَا) أَي التَّعَارُض بَين الدَّلِيلَيْنِ اللَّذين (بَينهمَا) عُمُوم (من وَجه) لَا يخفى عَلَيْك أَن التَّعَارُض إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا أَفَادَ كل مِنْهُمَا نقيض الآخر فَلَا بُد من اتِّحَاد النِّسْبَة، وَلها بِاعْتِبَار طرقه ومتعلقاتها جِهَات، وَتلك الْجِهَات تقبل الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَإِن كَانَ أحد الدَّلِيلَيْنِ

стр. 859

عَاما بِاعْتِبَار جِهَة وخاصا بِاعْتِبَار أُخْرَى، وَالْآخر على عَكسه بِأَن يكون خَاصّا بِاعْتِبَار مَا كَانَ بَينهمَا عُمُوما من وَجه (مثل لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِالْفَاتِحَةِ) وَلَفظ الصَّحِيحَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب فَإِن هَذَا (عَام فِي الْمُصَلِّين) لِأَن الْمَعْنى لَا صَلَاة لكل مصل لم يقْرَأ بهَا ضَرُورَة كَون كلمة من من صِيغ الْعُمُوم (خَاص فِي المقروء) إِذْ الْفَاتِحَة اسْم لسورة مَخْصُوصَة (وَمن كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة) أخرجه ابْن منيع بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم فَإِن هَذَا (خَاص بالمقتدى) لَيْسَ المُرَاد بالخاص مَا يُقَابل الْمجَاز الاصطلاحي إِذْ لَا فرق بَين من كَانَ بِإِمَام وَبَين من لم يقْرَأ فِي الْعُمُوم الاصطلاحي، بل المُرَاد أَنه يَشْمَل المقتدى فَقَط بِخِلَاف من لم يقْرَأ، فَإِنَّهُ يعمه وَغَيره (عَام فِي المقروء) إِذْ يعم كل مَا يقْرَأ الإِمَام فَاتِحَة كَانَ أَو غَيره (فَإِن خص عُمُوم الْمُصَلِّين) فِي لَا صَلَاة (بالمقتدى) وَيُقَال أَن المُرَاد بالمصلين هُنَاكَ من عدا المقتدى (عَن وُجُوبهَا) أَي حكم وجوب الْفَاتِحَة (عَلَيْهِ) أَي على المقتدى فَلَا يجب عَلَيْهِ (وَجب أَن يخص خُصُوص المقروء) فِي الحَدِيث الأول (وَهُوَ) أَي المقروء (الْفَاتِحَة عُمُوم المقروء الْمَنْفِيّ) فِي الحَدِيث الثَّانِي (عَن المقتدى) إِذْ جعل قِرَاءَة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ تفِيد أَن لَا يقْرَأ بِنَفسِهِ (فَتجب عَلَيْهِ الْفَاتِحَة فيتدافعان) أَي الدليلان فِي المقتدى، أوجب الأول عَلَيْهِ قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَنفى الثَّانِي وُجُوبهَا عَلَيْهِ تَوْضِيحه أَن الأول نفى صَلَاة كل مصل بِدُونِ الْفَاتِحَة فَلَزِمَ نفى صَلَاة المقتدى بِدُونِهَا ضمنا فأوجبها عَلَيْهِ، وَالثَّانِي نفى جنس الْقِرَاءَة عَنهُ فنفى وجوب الْفَاتِحَة بِخُصُوصِهِ فَعِنْدَ ذَلِك يطالبنا الْخصم بِمثل هَذِه الْمُعَامَلَة ومثبته هَذَا بِخُصُوصِهِ (فَالْوَجْه فِي هَذَا) الْمِثَال (أَن) يُقَال (لَا تعَارض) بَين الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورين (إِذْ لم ينف) الدَّلِيل الثَّانِي (قرَاءَتهَا) أَي وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة (على المقتدين بل ثَبت أَن قِرَاءَة الإِمَام جعلت شرعا قِرَاءَة لَهُ) أَي المقتدى (بِخِلَاف النَّهْي عَنْهَا) أَي الصَّلَوَات (فِي الْأَوْقَات) الثَّلَاثَة: وَقت طُلُوع الشَّمْس حَتَّى ترْتَفع، وَوقت استوائها حَتَّى تَزُول، وَوقت ميلها إِلَى الْغُرُوب حِين تغرب. لما فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره (مَعَ من نَام عَن صَلَاة) فليصلها إِذا ذكرهَا أخرجه بِمَعْنَاهُ مُسلم (وَفِي بعض كتب الشَّافِعِيَّة) كشرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ للأسنوي (يطْلب التَّرْجِيح فيهمَا) أَي المتعارضين اللَّذين بَينهمَا عُمُوم من وَجه (من خَارج وَكَذَا يجب للحنفية) أَي يطْلب التَّرْجِيح فيهمَا من خَارج لِأَن كلا أَخذ مُقْتَضى خصوصه فِي عُمُوم الآخر ثمَّ وَقع التَّعَارُض بَينهمَا (وَالْمحرم مُرَجّح) على غَيره، وَحَدِيث النهى محرم وَحَدِيث من نَام مُطلق فيترجح (وَمَا جرى بِحَضْرَتِهِ) ﷺ (فَسكت) عَنهُ يتَرَجَّح (على مَا بلغه) فَسكت عَنهُ ذكره الْآمِدِيّ (وَالْوَجْه تَقْيِيده)

стр. 860

أَي مَا بلغه فَسكت عَنهُ (بِمَا إِذا ظهر عدم ثُبُوته) أَي ثُبُوت وُقُوع هَذَا الَّذِي بلغه (لَدَيْهِ) ﷺ لجَوَاز أَن يكون سُكُوته عَنهُ حِينَئِذٍ لعلمه بِعَدَمِ وُقُوعه من وَحي أَو غَيره، إِذْ عِنْد اطِّلَاعه بِمَا جرى لَا فرق بَين الْحُضُور والغيب فِي عدم جَوَاز السُّكُوت عَنهُ على تَقْدِير كَونه مُنْكرا (وَمَا) روى (بصيغته) أَي بِلَفْظ النَّبِي ﷺ يتَرَجَّح (على المنفهم عَنهُ) أَي على الَّذِي انفهم عَنهُ فروى عَنهُ فالعبارة للراوي لَا لَهُ ﷺ سَوَاء أفهمهُ من لَفظه أَو من فعله إِذْ يتَطَرَّق إِلَى هَذَا احْتِمَال الْغَلَط فِي الْفَهم، وَقيل لِأَن المحكى بِاللَّفْظِ أجمع على قبُوله بِخِلَاف المحكى بِالْمَعْنَى (ونافى مَا يلْزمه) أَي الْخَبَر الَّذِي يَنْفِي حكما شَرْعِيًّا يلْزمه (دَاعِيَة) إِلَى مَعْرفَته لكَونه مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى (فِي) خبر (الْآحَاد) يتَرَجَّح (على) مُثبت (مثله) مِمَّا يلْزمه دَاعِيَة من خبر الْآحَاد كَخَبَر مُطلق يَنْفِي وجوب الْوضُوء من مس الذّكر، وَخبر بسرة بإثباته، وَتقدم وَجهه على أصُول الْحَنَفِيَّة، وَنقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن جُمْهُور الْعلمَاء تقدم الْمُثبت وَقيل بتسويتهما وَاخْتَارَهُ الْغَزالِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ النَّفْي المحصور وَالْإِثْبَات سيان (ومثبت دَرْء الْحَد) أَي رفع إِيجَابه يتَرَجَّح (على مُوجبه) أَي الْحَد لما فِي الأول من الْيُسْر وَعدم الْحَرج. قَالَ تَعَالَى - ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر. وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ - وَقَالَ ﷺ " ادرءوا الْحُدُود " رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ (وَمُوجب الطَّلَاق وَالْعتاق) يتَرَجَّح على نافيهما، وَذَلِكَ لِأَن الأول محرم للتَّصَرُّف فِي الزَّوْجَة وَالرَّقِيق، وَثَانِيهمَا مُبِيح والحظر مقدم على الْإِبَاحَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ويندرج) موجبهما (فِي الْمحرم، وَقيل بِالْعَكْسِ) أَي يتَرَجَّح نافيهما على، مُوجبهَا لِأَنَّهُ على وفْق الدَّلِيل الْمُقْتَضى لصِحَّة النِّكَاح وَإِثْبَات ملك الْيَمين (وَالْحكم التكليفي) يتَرَجَّح (على الوضعي) قَالَ الشَّارِح لِأَن التكليفي مُحَصل للثَّواب الْمَقْصُود للشارع بِالذَّاتِ وَأكْثر الْأَحْكَام تكليفي (وَقيل بعكسه، وَمَا يُوَافق الْقيَاس) من النُّصُوص يتَرَجَّح على نَص لم يُوَافقهُ (فِي الأحق) من الْقَوْلَيْنِ، لِأَن الْقيَاس حِينَئِذٍ لَيْسَ بِدَلِيل مُسْتَقل لوُجُود النَّص فَيصير مُوَافقا على مَا مر (وَمَا لم يُنكر الأَصْل) رِوَايَة الْفَرْع فِيهِ يتَرَجَّح على مَا أنكر الأَصْل رِوَايَة الْفَرْع فِيهِ. قَالَ السُّبْكِيّ: وَهَذَا فِيمَا أنكر الأَصْل وصمم على إِنْكَاره أهـ قلت وَكَذَا إِذا أنكر ثمَّ شكّ فِيهِ، وَمَا لم يَقع فِيهِ مثل ذَلِك لَا شكّ أَنه أرجح فَتَأمل، ثمَّ إِذا عَارض الْإِجْمَاع نَص أطلق ابْن الْحَاجِب تَقْدِيم الْإِجْمَاع على النَّص، وَقَالَ المُصَنّف (وَالْإِجْمَاع الْقطعِي) يتَرَجَّح (على نَص كَذَلِك) أَي قَطْعِيّ كتابا كَانَ أَو سنة متواترة، وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: يَنْبَغِي أَن يُقيد بالظنيين وَتوقف المُصَنّف فِيهِ حَيْثُ قَالَ (وَكَون) الْإِجْمَاع (الظني كَذَلِك) أَي يرجح على نَص ظَنِّي (ترددنا فِيهِ) أَي لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيم الْإِجْمَاع مُطلقًا

стр. 861

على النَّص كَمَا فِي تَقْدِيم الْإِجْمَاع الْقطعِي على النَّص الْقطعِي بِعَدَمِ قبُوله النّسخ غير أَن وجود التَّعَارُض بَين القطعيين مُشكل لِأَن النَّص الْقطعِي مقدم على الْإِجْمَاع وَكَيف ينْعَقد الْإِجْمَاع فِي مُقَابلَة قَطْعِيّ، إِذْ يلْزم اجْتِمَاع الْأمة على الضَّلَالَة، وَأما الْإِجْمَاع الظني فقد يكون الظني الْمَتْن إِذا كَانَ الْمجمع عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يدل على الحكم دلَالَة قَطْعِيَّة وَقد يكون ظنية بِاعْتِبَار طَرِيق نَقله الينا فَيَنْبَغِي أَن يعْتَبر فِي تعَارض الظنيين قُوَّة الظَّن وَضَعفه وَذَلِكَ يتَفَاوَت بِاعْتِبَار الْموَاد وَلَا يحكم بِتَقْدِيم الْإِجْمَاع الظني على النَّص الظني على الْإِطْلَاق (وَمَا عمل) بِهِ الْخُلَفَاء (الراشدون) أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ يرجح على مَا لَيْسَ كَذَلِك، إِذْ النَّبِي ﷺ أَمر بمتابعتهم والاقتداء بهم، ولكونهم أعرف بالتنزيل ومواقع الْوَحْي والتأويل: وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ بِمحضر من الصَّحَابَة وَلم يُخَالف فِيهِ أحد فَإِنَّهُ يحل مَحل الْإِجْمَاع، وَذهب أَبُو حَازِم أَن مَا اتّفقت الْأَرْبَعَة عَلَيْهِ إِجْمَاع، وَالْأَكْثَر على خِلَافه كَمَا سَيَأْتِي (أَو علل) أَي الحكم الَّذِي تعرض فِيهِ لِلْعِلَّةِ يتَرَجَّح على الَّذِي لم يتَعَرَّض فِيهِ لَهَا (لإِظْهَار الاعتناء بِهِ) لِأَن ذكر علته يدل على الاهتمام بِهِ والحث عَلَيْهِ (لَا الأقبلية) أَي لِأَن الْفَهم أقبل لَهُ لسُهُولَة فهمه لكَونه مَعْقُول الْمَعْنى كَمَا فِي الشَّرْح العضدي، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْآمِدِيّ (كَمَا) يتَرَجَّح مَا (ذكر مَعَه السَّبَب) هُوَ الْعلَّة الباعثة عَلَيْهِ ظَاهرا فدلالته قَوِيَّة (وَفِي السَّنَد) أَي وَالتَّرْجِيح للمتن بِاعْتِبَار حِكَايَة طَرِيقه (كالكتاب) أَي كترجيحه (على السّنة) وَهَذَا على إِطْلَاق قَول بَعضهم. قَالَ السُّبْكِيّ وَلَا يقدم الْكتاب على السّنة وَلَا السّنة عَلَيْهِ خلافًا لزاعميهما: أما الأول فلحديث معَاذ الْمُشْتَمل على أَنه يقْضِي بِكِتَاب الله فَإِن لم يجد فبسنة رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ، وَأقرهُ ﷺ ، وَأما الثَّانِي فَلقَوْله تَعَالَى - ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ -. ثمَّ قَالَ وَالأَصَح تساوى الْمُتَوَاتر من كتاب أَو سنة وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ أصُول أَصْحَابنَا على مَا قدمه المُصَنّف فِي أول فصل التَّعَارُض أَن الْقطعِي الدّلَالَة من السّنة القطعية السَّنَد يتَرَجَّح على الظنية الدّلَالَة من الْكتاب، والقطعي الدّلَالَة مِنْهُمَا إِذا لم يعلم تاريخهما لَا يرجح أَحدهمَا على الآخر بِكَوْنِهِ كتابا أَو سنة، بل بِمَا سوغ تَرْجِيحه بِهِ إِن أمكن، وَإِلَّا جمع بَينهمَا إِن أمكن، وَإِلَّا تساقطا، وَإِن علم تاريخهما نسخ الْمُتَأَخر الْمُتَقَدّم، فقطعي الدّلَالَة من الْكتاب يتَرَجَّح على الْقطعِي السَّنَد الظني الدّلَالَة من السّنة لقُوَّة دلَالَته فَلم يبْق مَا ينطبق عَلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ من السّنة قَطْعِيّ الدّلَالَة ظَنِّي السَّنَد مَعَ مَا كَانَ من أَمر الْكتاب ظَنِّي الدّلَالَة لرجحان الْكتاب حِينَئِذٍ بِاعْتِبَار السَّنَد، هَكَذَا ذكر الشَّارِح (ومشهورها) أَي وكترجيح الْخَبَر الْمَشْهُور من السّنة (على الْآحَاد) لرجحان سَنَده (كاليمين على من أنكر) فَإِنَّهُ خبر مَشْهُور رجح (على خبر الشَّاهِد وَالْيَمِين) أَي الْقَضَاء بهما للْمُدَّعِي. أخرجه مُسلم وَغَيره، وَهُوَ من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لم تبلغ حد

стр. 862

الشُّهْرَة: فَلِذَا لم يَأْخُذ بِهِ أَصْحَابنَا مُطلقًا خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة فِي بعض الموراد على مَا عرف فِي الْفِقْه (و) يرجح الْخَبَر (بِفقه الرَّاوِي) وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ الِاجْتِهَاد كَمَا هُوَ عرف السّلف (وَضَبطه) وَتقدم بَيَانه (وورعه) أَي تقواه، وَهُوَ الْإِتْيَان بالواجبات والمندوبات والاجتناب عَن الْمُحرمَات والمكروهات، كَذَا ذكره الشَّارِح، لَعَلَّ الْإِتْيَان بالمندوبات والاجتناب عَن المكروهات وَلَو كَانَت تنزيهية إِنَّمَا اعْتبر فِي مَفْهُوم الْوَرع لَا التَّقْوَى، فعلى هَذَا تَفْسِيره للتقوى مَحل مناقشة (وشهرته) أَي ويرجح الْخَبَر بشهرة روايه (بهَا) أَي بالأمور الْمَذْكُورَة على خبر روايه مَوْصُوف بهَا، لكنه لم يشْتَهر بهَا (وبالرواية وَأَن لم يعلم رجحانه فِيهِ) أَي يرجح لشهرته بالرواية لِأَن الظَّن فِيهِ أقوى، وَذكر شمس الْأَئِمَّة أَن اعْتِبَار الرِّوَايَة لَيْسَ بمرجح على من لم يقيدها ثمَّ مِنْهُم من خص التَّرْجِيح بالفقه بالمروي بِالْمَعْنَى. وَفِي الْمَحْصُول وَالْحق الْإِطْلَاق لِأَن الْفَقِيه يُمَيّز بَين مَا يجوز وَمَا لَا يجوز، فَإِذا سمع مَا لَا يجوز أَن يحمل على ظَاهره بحث عَنهُ وَسَأَلَ عَن مقدماته وَسبب نُزُوله فَيطلع على مَا يَزُول بِهِ الْإِشْكَال، بِخِلَاف الْعَاميّ. قَالَ ابْن برهَان وبكون أَحدهمَا أفقه من الآخر بِقُوَّة حفظه، وَزِيَادَة ضَبطه، وَشدَّة اعتنائه: حَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن إِجْمَاع أهل الحَدِيث قيل وبعلمه بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ يتحفظ عَن مواقع الزلل، وَقيل بِالْعَكْسِ لاعتماد ذَلِك على مَعْرفَته، وَالْجَاهِل يخَاف فيبالغ بِالْحِفْظِ وَلَيْسَ بِشَيْء: إِذْ الْعَدَالَة تمنع عَن الِاعْتِمَاد وَعدم المبالاة (وَفِي) كَون (علو السَّنَد) أَي قلَّة الوسائط بَين الرَّاوِي للمجتهد وَبَين النَّبِي ﷺ مرجحا لكَونه أبعد من الْخَطَأ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّة (خلاف الْحَنَفِيَّة، وبكونها) أَي ويرجح بِكَوْن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (عَن حفظه) أَي الروي (لَا نسخته) فَيقدم خبر الْمعول على حفظه على خبر الْمعول على كِتَابه، وَفِيه أَن احْتِمَال النسْيَان والاشتباه على الْحَافِظ لَيْسَ دون احْتِمَال الزِّيَادَة وَالنَّقْص فِي الْكتاب المصون تَحت يَده (وخطه) أَي وترجح رِوَايَة الْمُعْتَمد على خطه (مَعَ تذكره) كَذَلِك على رِوَايَة الْمُعْتَمد فِي رِوَايَته (على مُجَرّد خطه، وَهَذَا) التَّرْجِيح (على قَول غَيره) أَي أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة عِنْده لِلْخَطِّ بِلَا تذكر فَلم يحصل التَّعَارُض، وَالتَّرْجِيح فَرعه (وبالعلم بِأَنَّهُ) أَي رَاوِيه (عمل بِمَا رَوَاهُ على قسيميه) أَي على الَّذِي لم يعلم أَنه عمل بِهِ أَولا، وَالَّذِي علم أَنه لم يعْمل بِهِ (أَو) للْعلم بِأَن رَاوِيه (لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة) على مَا رَاوِيه لَيْسَ كَذَلِك، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُرْسلين، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (على) قَول (مجيز الْمُرْسل) أَي لَا على قَول من لَا يُجِيزهُ إِلَّا بديل (وَالْوَجْه نَفْيه) أَي نفى هَذَا التَّرْجِيح على قَول الْمُجِيز أَيْضا (لِأَن الْغَرَض) أَنه (فِيهِ) أَي قبُول الْمُرْسل مُطلقًا (مَا يُوجِبهُ) أَي الْعلم بِأَنَّهُ لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا عِنْده (و) يرجح مَا يكون رَاوِيه (من أكَابِر الصَّحَابَة على) مَا كَانَ روايه

стр. 863

من (أصاغرهم، وَيجب لأبي حنيفَة تَقْيِيده) أَي مَا يرجح مَا رَوَاهُ أكابرهم (بِمَا إِذا رجح) مَا رَوَاهُ الأكابر (فقها) أَي بِالنّظرِ إِلَى قَوَاعِد الْفِقْه بِأَن يكون انتسب إِلَيْهَا (إِذْ قَالَ) أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف. (بِرَأْي الأصاغر فِي الْهدم) أَي هدم الزَّوْج الثَّانِي مَا دون الثَّلَاث من الطَّلَاق وهم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵃ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن فِي الْآثَار دون الأكابر فِي عدم الْهدم كَمَا ذهب إِلَيْهِ مُحَمَّد وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وهم عمر وَعلي ﵄، فَقَالَ المُصَنّف فِيمَا سبق وَالْحق وَعدم الْهدم. وَفِي فتح الْقَدِير القَوْل الألولي مَا قَالَه مُحَمَّد وَبَاقِي الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (فَلَا يتَرَجَّح فِي) بَاب (الرِّوَايَة) خبر الْأَكْبَر على الْأَصْغَر (بعد فقه الْأَصْغَر وَضَبطه إِلَّا بِذَاكَ) أَي برجحانه بِالنّظرِ إِلَى قَوَاعِد الْفِقْه (أَو غَيره) من المرجحات (و) يرجح (بأقر بَيته) أَي الرَّاوِي عِنْد السماع من النَّبِي ﷺ (وَبِه) أَي بِالْقربِ عِنْد السماع (رجح الشَّافِعِيَّة الْإِفْرَاد) بِالْحَجِّ عَن الْعمرَة على غَيره (من رِوَايَة ابْن عمر لِأَنَّهُ كَانَ تَحت نَاقَته). أخرج أَبُو عوَانَة أَنه قَالَ: وَإِنِّي كنت عِنْد نَاقَة النَّبِي ﷺ يمسني لُعَابهَا أسمعهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وهم فِي ذَلِك تبع لإمامهم قَالَ الشَّافِعِي أخذت بِرِوَايَة جَابر لتقدم صحبته وَحسن سياقته لابتداء الحَدِيث وبرواية عَائِشَة لفضل حفظهَا، وَبِحَدِيث ابْن عمر لقُرْبه من رَسُول الله ﷺ (وَلَا يخفى عدم صِحَة إِطْلَاقه) أَي التَّرْجِيح بِالْقربِ (وَوُجُوب تَقْيِيده) أَي الْقرب الْمُرَجح (ببعد الآخر بعدا يتَطَرَّق مَعَه الِاشْتِبَاه) فِي المسموع على الْبعيد (للْقطع بِأَن لَا أثر لبعد شبر) مثلا (لقريبين) بِأَن يكون أَحدهمَا أقرب من الآخر بِقدر شبر (ثمَّ للحنفية) التَّرْجِيح بِالْقربِ أَيْضا لِلْقُرْآنِ من رِوَايَة أنس (إِذْ) روى (عَن أنس أَنه كَانَ آخِذا بزمامها حِين أهل بهما) أَي بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة فَفِي الْمَبْسُوط عَنهُ كنت آخِذا بزمام نَاقَة رَسُول الله ﷺ وَهِي تَقْصَعُ بجرتها ولعابها يسيل على كَتِفي وَهُوَ يَقُول لبيْك بِحجَّة وَعمرَة: أَي تجر مَا تجتره من الْعلف وتخرجه إِلَى الْفَم وتمضغه ثمَّ تبلعه (وتعارض ماعن ابْن عمر فِي الصَّحِيح) إِذْ كَمَا عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أهل رَسُول الله ﷺ بِالْحَجِّ مُفردا فَعَنْهُ أَيْضا فيهمَا بَدَأَ رَسُول الله ﷺ فَأهل بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهل بِالْحَجِّ، وَلم تعَارض الرِّوَايَة عَن أنس، وَالْأَخْذ بِرِوَايَة من لم تضطرب رِوَايَته أولى إِلَى غير ذَلِك من وُجُوه تَرْجِيحه قرانه على الْإِفْرَاد والتمتع (وبكونه تحمل بَالغا) أَي ويرجح بِكَوْن رَاوِي الحَدِيث تحمله بَالغا على مَا تحمل صَبيا لكَونه أضبط وَأقرب مِنْهُ غَالِبا (وَيَنْبَغِي) أَن يعْتَبر (مثله فِيمَن تحمل مُسلما) فرجح بِدُونِهِ على خبر من تحمل كَافِرًا (لِأَنَّهُ) أَي الْكَافِر (لَا يحسن ضَبطه لعدم إِحْسَان إصغائه) وَعدم اهتمامه بشأن الْحِفْظ (وبقدم الْإِسْلَام) لزِيَادَة أصالته فِي الْإِسْلَام (وَقد يعكس) أَي يرجح خبر مُتَأَخّر الْإِسْلَام على خبر مُتَقَدّمَة، وَذكر السُّبْكِيّ أَن الَّذِي ذكره جُمْهُور

стр. 864

الشَّافِعِيَّة، لَكِن شَرط فِي الْمَحْصُول أَن يعلم أَن سَمَاعه وَقع بعد إِسْلَامه (للدلالة على آخرية الشَّرْعِيَّة) يَعْنِي أَن كَون مُتَأَخّر الْإِسْلَام يدل على أَن مَا رَوَاهُ شرع آخر نَاسِخا للْأولِ: وَذكر الإِمَام الرَّازِيّ أَن الأولى إِذا علمنَا أَن الْمُتَقَدّم مَاتَ قبل إِسْلَام الْمُتَأَخر، أَو أَن رِوَايَات الْمُتَقَدّم أَكْثَرهَا مُتَقَدم على رِوَايَات الْمُتَأَخر، فَهُنَا يحكم بالرجحان، لِأَن النَّادِر مُلْحق بالغالب انْتهى. وَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور أَن جهل تاريخهما فالغالب أَن رِوَايَة مُتَأَخّر الْإِسْلَام نَاسخ وَأَن علم فِي أَحدهمَا وَجَهل فِي الآخر، فَإِن كَانَ المؤرخ فِي آخر أَيَّامه ﷺ فَهُوَ النَّاسِخ فَينْسَخ قَوْله ﷺ إِذا صلى الإِمَام قَاعِدا فصلوا قعُودا بِصَلَاة أَصْحَابه قيَاما وَهُوَ قَاعد فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَإِن لم يعلم التَّارِيخ فيهمَا، واحتيج إِلَى نسخ أَحدهمَا بِالْآخرِ، فَقيل النَّاقِل عَن الْعَادة أولى من الْمُوَافق لَهَا كَذَا وجدنَا فِي نُسْخَة الشَّرْح وَالظَّاهِر أَنه تَصْحِيف، وَالصَّوَاب وَإِن لم يعلم كَون المؤرخ فِي آخر أَيَّامه بدل وَإِن لم يعلم التَّارِيخ فيهمَا لِئَلَّا يلْزم التّكْرَار، وَقيل الْمحرم والموجب أولى من الْمُبِيح، فَإِن كَانَ أَحدهمَا مُوجبا وَالْآخر محرما لم يقدم أَحدهمَا على الآخر إِلَّا بِدَلِيل (كَكَوْنِهِ (مدنيا) أَي كَمَا يتَرَجَّح الْخَبَر الْمدنِي على الْخَبَر الْمَكِّيّ لتأخيره عَنهُ ثمَّ المصطلح عَلَيْهِ أَن الْمَكِّيّ مَا ورد قبل الْهِجْرَة فِي مَكَّة وَغَيرهَا، وَالْمَدَنِي مَا ورد بعْدهَا فِي الْمَدِينَة أَو مَكَّة أَو غَيرهمَا (وشهرة النّسَب) أَي ويرجح أحد المتعارضين بشهرة نسب رَاوِيه، لِأَن احْتِرَاز مَشْهُور النّسَب عَمَّا يُوجب نقص مَنْزِلَته يكون أَكثر (وَلَا يخفى مَا فِيهِ، وصريح السماع) أَي ويرجح أحد المتعارضين بتصريح رَاوِيه بِسَمَاعِهِ كسمعته يَقُول كَذَا (على محتمله) أَي على الآخر الرَّاوِي بِلَفْظ يحْتَمل السماع وَغَيره (كقال، وصريح الْوَصْل) أَي ويرجح أَحدهمَا بِكَوْن سَنَده مُتَّصِلا صَرِيحًا بِأَن ذكر كل من رُوَاته تحمله عَمَّن رَوَاهُ كحدثنا وَأخْبرنَا، أَو سَمِعت أَو نَحْو ذَلِك (على العنعنة) أَي على الَّذِي رَوَاهُ كل رُوَاته أَو بَعضهم بِلَفْظ عَن من غير ذكر صَرِيح اتِّصَال على مَا ذكر (وَيجب عَدمه) أَي عدم التَّرْجِيح بتصريح الْوَصْل على العنعنة (لقابل الْمُرْسل بعد عَدَالَة المعنعن وأمانته) وَكَونه غير مُدَلّس تَدْلِيس التَّسْوِيَة (وَمَا لم تنكر رِوَايَته) أَي ويرجح أحد المتعارضين الَّذِي لم يُنكر على رَاوِيه رِوَايَته على الَّذِي أنكر على رَاوِيه رِوَايَته، وَالْمُعْتَبر إِنْكَار الثِّقَات (وبدوام عقله) أَي يرجح أحد المتعارضين بسلامة عقل رَاوِيه على الَّذِي اخْتَلَّ عقل رَاوِيه فِي وَقت من الْأَوْقَات (وَالْوَجْه فِيمَا) أَي الحَدِيث الَّذِي (علم أَنه) رَوَاهُ رَاوِيه الَّذِي اخْتَلَّ عقله (قبل زَوَاله) أَي عقله (نَفْيه) أَي التَّرْجِيح بِهَذَا الْعَارِض (وَذَاكَ) التَّرْجِيح بالعارض الْمَذْكُور (إِذا لم يُمَيّز) على صِيغَة الْمَجْهُول: أَي لم يعلم هَل رَوَاهُ فِي سَلامَة عقله أم فِي اخْتِلَاطه كَمَا شَرطه فِي الْمَحْصُول (وصريح التَّزْكِيَة) أَي

стр. 865

ويرجح أَحدهمَا بِكَوْن رَاوِيه مزكى بِلَفْظ صَرِيح فِي التَّزْكِيَة (على) الآخر الْمُزَكي رَاوِيه بِسَبَب (الْعَمَل بروايته) أَو الحكم بِشَهَادَتِهِ) فَإِنَّهُمَا قد يبينان على الظَّاهِر من غير تَزْكِيَة (و) يرجح (مَا) أَي الْخَبَر الَّذِي حكم (بِشَهَادَتِهِ) أَي بِشَهَادَة رَاوِيه (عَلَيْهَا) أَي على الْخَبَر الَّذِي عمل رَاوِيه بِرَأْيهِ لِأَنَّهُ يحْتَاط فِي الشَّهَادَة أَكثر (و) الْخَبَر (الْمَنْسُوب إِلَى كتاب عرف بِالصِّحَّةِ) كالصحيحين يرجح (على) الْخَبَر الْمَنْسُوب إِلَى (مَا) أَي كتاب (لم يلتزمها) أَي الصِّحَّة، وَالَّذِي يرويهِ أَي صَاحب الصِّحَّة، بل يروي الصَّحِيح وَغَيره (فَلَو أبدى) صَاحب الْكتاب الَّذِي لم يلْتَزم فِيهِ الصِّحَّة، وَالَّذِي يرْوى عَنهُ (سندا) فَذَلِك الْمَرْوِيّ (اعْتبر الْأُضْحِية) بَينهمَا طَرِيقا فَأَيّهمَا أصح يرجح (وَكَون مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ) راجحا (على مَا روى برجالهما) بِأَن يكون رجال مُسْنده رجَالًا روى عَنْهُم فِيهَا بأعيانهم (فِي غَيرهمَا) أَي فِي غير الصَّحِيحَيْنِ يتَعَلَّق بروي (أَو تحقق) مَعْطُوف على روى (فِيهِ) وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْمَوْصُول (شَرطهمَا) أَي الصَّحِيحَيْنِ أَي جَمِيع مَا شرطا فِي صِحَة الحَدِيث (بعد إِمَامَة الْمخْرج) كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الصّلاح وَغَيره (تحكم) وَهُوَ ظَاهر (وَيجب) التَّرْجِيح للمروي (بالذكورة) لراويه (فِيمَا يكون خَارِجا) أَي فِيمَا يَقع من الْأَفْعَال والأقوال خَارج الْبيُوت (إِذْ الذّكر فِيهِ) أَي فِيمَا يَقع من الْأَفْعَال والأقوال خَارج الْبيُوت (أقرب) من الْأُنْثَى (و) يجب التَّرْجِيح لَهُ (بالأنوثة) لراويه (فِي عمل الْبيُوت) لِأَنَّهُنَّ بِهِ أعرف (وَرجح) فِي فصل (كسوف الْهِدَايَة حَدِيث سَمُرَة) ابْن جُنْدُب أَنه ﷺ صلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كل رَكْعَة بركوع وسجدتين كَمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح غير أَن صَاحب الْهِدَايَة عزاهُ إِلَى رِوَايَة ابْن عمر وَلم تُوجد عَنهُ (على) حَدِيث (عَائِشَة) أَنه ﷺ صلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كل رَكْعَة بركوعين وسجدتين كَمَا أخرجه أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة (بِأَن الْحَال أكشف لَهُم) أَي للرِّجَال لقربهم، لَكِن حَدِيث ركوعين قد رَوَاهُ ابْن عَبَّاس كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعبد الله بن عَمْرو على مَا فِي صَحِيح مُسلم (وَكَثْرَة المزكين) للراوي فِي التَّرْجِيح بهَا (ككثرة الروَاة) وَسَيَأْتِي مَا فِيهَا (و) يرجح (بفقههم) أَي المزكين بِأَن يكون أحد الْحَدِيثين مزكى رَاوِيه فَقِيه (ومداخلتهم للمزكى) أَي ويرجح مُخَالطَة قَول رَاوِيه فِي الْبَاطِن، لِأَن صدقه حِينَئِذٍ أقوى (و) يرجح (بِعَدَمِ الِاخْتِلَاف فِي رَفعه) إِلَى رَسُول الله ﷺ على معارضه الْمُخْتَلف فِي رَفعه إِلَيْهِ وَوَقفه على رَاوِيه لزِيَادَة قُوَّة الظَّن فِي صدق الأول (وَتَركنَا) مرجحات أُخْرَى (للضعف) كَقَوْلِهِم يرجح الْمُوَافق لدَلِيل آخر، وَأحمد أهل الْمَدِينَة. قَالَ الشَّارِح وَفِي ضعف التَّرْجِيح بالموافقة لدَلِيل آخر مُطلقًا نظر، وَكَيف والأحق

стр. 866

من الْقَوْلَيْنِ عِنْد المُصَنّف تَرْجِيح مَا يُوَافق الْقيَاس على مَا لَا يُوَافقهُ انْتهى، وَقد سبق فِي الْفَصْل الَّذِي قبل هَذَا نفي التَّرْجِيح بِمَا يصلح دَلِيلا عِنْد الْحَنَفِيَّة وَأَن ترجح مَا يُوَافق الْقيَاس لَيْسَ لعدم استقلاله عِنْد وجود النَّص إِلَى آخِره فَكَأَنَّهُ نَسيَه، وَذكر الشَّارِح طَائِفَة من المتروكات (والوضوح) مَعْطُوف على الضعْف فَإِن الوضوح من أَسبَاب التّرْك كَقَوْلِهِم يقدم الْإِجْمَاع الْمُتَقَدّم عِنْد تعَارض إجماعين، وَفِي تعَارض تأويلين يقدم مَا دَلِيله أرجح إِلَى غير ذَلِك مِمَّا ذكره الشَّارِح (وتتعارض التراجيح) فَيحْتَاج إِلَى بَيَان المخلص (كفقه ابْن عَبَّاس وَضَبطه) فِي رِوَايَة (نِكَاح) النَّبِي ﷺ (مَيْمُونَة) وَهُوَ محرم بل وهما محرمان (بِمُبَاشَرَة أبي رَافع) الرسَالَة بَينهمَا فِي رِوَايَته لتزوجها وَهُوَ حَلَال (حَيْثُ قَالَ كنت السفير بَينهمَا وكسماع الْقَاسِم) ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر (مشافهة من عَائِشَة). وَفِي نُسْخَة مصححة وكالسماع مشافهة فِي الْقَاسِم عَن عَائِشَة أَن (بَرِيرَة عتقت وَكَانَ زَوجهَا عبدا) فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم وَغَيرهمَا وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهَا عمته فَلم يكن بَينهَا وَبَينه حجاب (مَعَ إِثْبَات الْأسود عَنْهَا) أَي كَانَ زوج بَرِيرَة حرا، فَلَمَّا أعتقت خَيرهَا رَسُول الله ﷺ . رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَصْحَاب السّنَن وَإِنَّمَا جعل الْأسود مثبتا لِأَن كَونه عبدا فِي الأَصْل بالِاتِّفَاقِ فَهُوَ يثبت أمرا عارضا على الأَصْل وَهُوَ الْحُرِّيَّة، وَالقَاسِم يصغي لذَلِك، والمثبت يقدم على النَّافِي لزِيَادَة الْعلم فِيهِ، لكنه أَجْنَبِي عَن عَائِشَة وَالقَاسِم محرم لَهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِنَّهُ) أَي سَمَاعه يكون (من وَرَاء حجاب) فيعارض الْإِثْبَات والمشافهة الْمُشْتَملَة على النَّفْي (وَإِذا قطع) الْأسود (بِأَنَّهَا) أَي المخبرة من وَرَاء حجاب (هِيَ) أَي عَائِشَة، كَذَا فِي نُسْخَة الشَّارِح، وَفِي نُسْخَة مصححه وَإِذن لَا تردد أَنَّهَا هِيَ (فَلَا أثر لارتفاعه) أَي الْحجاب فَلَا يصلح مرجحا، فيرجح الْإِثْبَات لما ذكر (وَلَو رجح) حَدِيث أبي رَافع (بالسفارة لَكَانَ) التَّرْجِيح (لزِيَادَة الضَّبْط) لِأَن السفير يكون ضَبطه أَكثر (فِي خُصُوص الْوَاقِعَة) الَّتِي هُوَ سفير فِيهَا (فَإِذا كَانَ) الضَّبْط (صفة النَّفس) أَي نفس أبي رَافع كَمَا أَنه صفة نفس ابْن عَبَّاس، وَبهَا يغلب ظن الصدْق (اعتدلا) أَي تساوى ابْن عَبَّاس وَأَبُو رَافع (فِيهَا) أَي فِي هَذِه الصّفة (وترجح) خبر ابْن عَبَّاس (بِأَن الْإِخْبَار بِهِ) أَي بِالْإِحْرَامِ (لَا يكون إِلَّا عَن سَبَب علم هُوَ) أَي سَبَب الْعلم (هَيْئَة الْمحرم نعم مَا) روى (عَن صَاحِبَة الْوَاقِعَة) مَيْمُونَة ﵂ (تزَوجنِي) رَسُول الله ﷺ (وَنحن حلالان). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (إِن صَحَّ قوى) خبر أبي رَافع، فَعلم أَن خبر صَاحب الْوَاقِعَة يتَرَجَّح على غَيره إِذا عَارضه، وَفِي قَوْله إِن صَحَّ إِشَارَة إِلَى أَنه مَا صَحَّ عِنْد المُصَنّف. وَقَالَ الشَّارِح وَقد صَحَّ وَلم يبين دَلِيل الصِّحَّة (فَيجب) أَن يكون قَوْلهَا تزَوجنِي (مجَازًا عَن الدُّخُول) لعلاقة السَّبَبِيَّة

стр. 867

العادية (جمعا) بَين الْحَدِيثين (وَمِنْه) أَي تعَارض التَّرْجِيح (للحنفية الْوَصْف الذاتي) وَهُوَ (مَا) يعرض للشَّيْء (بِاعْتِبَار الذَّات أَو الْجُزْء) مِنْهَا، وَقَيده الشَّارِح بالغالب، وَأطْلقهُ المُصَنّف (على الْحَال) وَهُوَ (مَا) يعرض للشَّيْء (بِخَارِج) أَي بِسَبَب أَمر خَارج عَنهُ، لِأَن مَا بِالذَّاتِ أسق وجودا، وَأَعْلَى رُتْبَة (كَصَوْم) من رَمَضَان أَو من النّذر الْمعِين (لم يبيت) أَي لم ينْو من اللَّيْل بل نوى قبل نصف النَّهَار فَأدى (بعضه منوي وَبَعضه لَا) بِالضَّرُورَةِ (وَلَا تجزأ) أَي وَالْحَال أَن صَوْم يَوْم من رَمَضَان وَاحِد لَا يتَجَزَّأ صِحَة وَفَسَادًا بل إِمَّا يفْسد الْكل أَو يَصح (فتعارض) حِينَئِذٍ (مُفسد الْكل) وَهُوَ عدم النِّيَّة فِي الْبَعْض (ومصححه) أَي الْكل وَهُوَ وجود النِّيَّة فِي الْبَعْض (فترجح الأول) وَهُوَ الْإِفْسَاد للْكُلّ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي (بِوَصْف الْعِبَادَة المقتضيها) أَي النِّيَّة صفة للوصف الأول (فِي الْكل) أَي كل الْأَجْزَاء فالوصف الْمَذْكُور بِسَبَب اقتضائه النِّيَّة مَعَ انتفائها يُوجب الْفساد فِي الْكل لعدم التجزئ، (و) يرجح (الثَّانِي) وَهُوَ الصِّحَّة للْكُلّ (بِكَثْرَة الْأَجْزَاء المتصفة) بِالنِّيَّةِ. وَفِي بعض النّسخ الْمُتَّصِلَة بِدُونِ المتصفة (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّرْجِيح (بالذاتي) لِأَن الْكَثْرَة ثَابِتَة الْأَجْزَاء فِي حد ذَاتهَا وَإِن كَانَ اتصافها واتصالها بِالنِّسْبَةِ بِاعْتِبَار أَمر خَارج عَن الذَّات: أَي النِّيَّة بِخِلَاف وصف الْعِبَادَة فَإِنَّهُ ثَابت للْفِعْل بِاعْتِبَار قصد الْقرْبَة الْمُنْفَصِل عَن الذَّات (وينقض) هَذَا (بِالْكَفَّارَةِ) أَي بصومها، وَكَذَا بِصَوْم النّذر الْمُطلق فَإِنَّهُم لم يجيزوهما إِلَّا مبيتين مَعَ إِمْكَان الِاعْتِبَار الْمَذْكُور (وَيدْفَع بِأَن الْغَرَض) مَعَ ذَلِك الِاعْتِبَار (توقف الْأَجْزَاء) أَي كَون تِلْكَ الامساكات الْوَاقِعَة فِي أَجزَاء الْيَوْم الْمَذْكُور مُتَوَقف حكمهَا من حَيْثُ الْبطلَان وَالصِّحَّة إِلَى أَن يظْهر لُحُوق النِّيَّة بِالْأَكْثَرِ فَيصح أَولا فَيبْطل (لما فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت من الشُّرُوع قبل النِّيَّة (وَذَلِكَ) التَّوَقُّف على مَا ذكر إِنَّمَا يتَحَقَّق (فِي الْوُجُوب) أَي وجوب الصَّوْم (فِي) الْيَوْم (الْمعِين) لأَدَاء ذَلِك الصَّوْم (بِخِلَاف نَحْو) صَوْم (الْكَفَّارَة) إِذْ (لم يتَعَيَّن يَوْمهَا للْوَاجِب) فَلم يعْتَبر من لم يبيت النِّيَّة قبل النِّيَّة شَارِعا حَتَّى يتَوَقَّف حكم تِلْكَ الامساكات على مَا ذكر فِي حق صَوْم الْكَفَّارَة (فلمشروع الْوَقْت) أَي فَيعْتَبر شَارِعا فِي مَشْرُوع الْوَقْت (وَهُوَ النَّفْل) فَإِذا لم يبيت كَانَت تِلْكَ الامساكات السَّابِقَة على النِّيَّة متوقفة لصوم النَّفْل فَلَا تصير وَاجِبَة بنية وَاجِب، بل يتَعَيَّن أحد الْأَمريْنِ النَّفْل أَو الْفطر، وَلما كَانَ الحكم بالتوقف يحْتَاج إِلَى مَا يفْسد اعْتِبَاره شرعا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَهُوَ) أَي النَّفْل (الأَصْل) فِي الِاعْتِبَار (إِذْ كَانَ النَّبِي ﷺ ينويه من النَّهَار) كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بالتوقف (وَهَذَا) التَّوْجِيه بِنَاء (على أَنه) ﷺ (صَائِم) فِي (كل الْيَوْم) فِي الْهِدَايَة وَعِنْدنَا يصير صَائِما من أول النَّهَار لِأَنَّهُ عبَادَة قهر النَّفس، وَهُوَ إِنَّمَا

стр. 868

يتَحَقَّق بإمساك مُقَدّر فَيعْتَبر قرَان النِّيَّة بأكثره مسئلة قَالَ (أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة والرواة مَا لم يبلغ) الْمَرْوِيّ بِكَثْرَة (الشُّهْرَة) فَعلم التَّوَاتُر بطرِيق أولي (وَالْأَكْثَر) من الْعلمَاء قَوْلهم (خِلَافه) أَي خلاف قَوْلهمَا فيترجح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة والرواة إِن لم يبلغ (لَهما تقوى الشَّيْء) أَي تَرْجِيحه إِنَّمَا يكون (بتابع) لذَلِك الشَّيْء (لَا بمستقل) بالتأثير، وكل من الْأَدِلَّة والرواة مُسْتَقل بِإِيجَاب الحكم فَلَا يعْتَبر مرجحا لموافقه (بل يُعَارض) الدَّلِيل الْمُنْفَرد فِي أحد الْجَانِبَيْنِ كل دَلِيل من الْجَانِب الآخر (كَالْأولِ) أَي كَمَا يُعَارض الدَّلِيل الْمَطْلُوب تَرْجِيحه مِنْهَا إِذْ لَيست معارضته لوَاحِد مِنْهَا بِأولى من معارضته للْآخر (وَيسْقط الْكل) عِنْد عدم الْمُرَجح (كَالشَّهَادَةِ) من حَيْثُ إِنَّه لَا يرجح لإحدى الشَّهَادَتَيْنِ المتعارضتين بعد استكمال نصابها بِزِيَادَة لأحداهما فِي الْعدَد على الْأُخْرَى، وَحكى غير وَاحِد كصدر الشَّرِيعَة الْإِجْمَاع على هَذَا. قَالَ الشَّارِح: وَقد ينظر فِي مَا قدمنَا من أَن مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ فِي قَول لَهما يريان ذَلِك انْتهى إِن رَجعْنَا إِلَى هَذَا القَوْل لَا يصير بِالْإِجْمَاع (ولدلالة إِجْمَاع سوى ابْن مَسْعُود على عدم تَرْجِيح عصوبة ابْن عَم هُوَ أَخ لأم) بِأَن تزوج عَم إِنْسَان من أَبَوَيْهِ أَو لأَب أمه فَولدت لَهُ ابْنا (على ابْن عَم لَيْسَ بِهِ) أَي بِأَخ لأم فِي الْإِرْث مِنْهُ (ليحرم) ابْن الْعم الَّذِي لَيْسَ بِأَخ لأم مَعَ ابْن الْعم الَّذِي هُوَ أَخ لأم (بل يسْتَحق) ابْن الْعم الَّذِي هُوَ أَخ لأم (بِكُل) من السببين: بِكَوْنِهِ ابْن عَم، وَكَونه أَخا لأم (مُسْتقِلّا) نَصِيبا من الْإِرْث فَيسْتَحق السُّدس بِكَوْنِهِ أَخا لأم من حَيْثُ كَونه صَاحب فرض وَنصف الْبَاقِي بِكَوْنِهِ عصبَة إِذا لم يتْرك وَارِثا سواهُمَا، أما ابْن مَسْعُود فَذهب إِلَى أَنه يحجب ابْن الْعم الَّذِي لَيْسَ بِأَخ لأم. وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن النَّخعِيّ أَنه قضى عمر وَعلي وَزيد ﵃ كَقَوْل الْجُمْهُور، وَقضى عبد الله أَن المَال لَهُ دون ابْن عَمه (و) لدلَالَة إِجْمَاع (للْكُلّ) على عدم التَّرْجِيح (فِيهِ) أَي فِي ابْن عَم حَال كَونه (زوجا) على ابْن عَم لَيْسَ بِزَوْج فَيكون لَهُ النّصْف بِالزَّوْجِيَّةِ وَالْبَاقِي بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ فَلَو رجح بِكَثْرَة الدَّلِيل لرجح بِكَثْرَة دَلِيل الْإِرْث، وَهَذَا (بِخِلَاف كَثْرَة) يكون (بهَا هَيْئَة اجتماعية) لأجزائها (وَالْحكم وَهُوَ الرجحان مَنُوط بالمجموع) من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع لَا بِكُل وَاحِد من أَجْزَائِهَا فَإِنَّهُ يرجح بهَا على مَا لَيْسَ كَذَلِك (لحُصُول زِيَادَة الْقُوَّة لوَاحِد) فِيهِ قُوَّة زَائِدَة وَهِي الْهَيْئَة الاجتماعية (فَلِذَا) أَي لثُبُوت التَّرْجِيح بِالْكَثْرَةِ لَهَا هَيْئَة اجتماعية وَالْحكم مَنُوط بمجموعها من حَيْثُ هُوَ (رجح) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف أحد القياسين المتعارضين (بِكَثْرَة الْأُصُول)

стр. 869

أَي بِشَهَادَة أصلين أَو أصُول لوصفه المنوط بِهِ الحكم على معارضه الَّذِي لَيْسَ كَذَلِك (فِي) بَاب تعَارض (الْقيَاس) لِأَن كَثْرَة الْأُصُول توجب زِيَادَة تَأْكِيد وَلُزُوم الحكم بِكَوْن ذَلِك الْوَصْف عِلّة (بِخِلَافِهِ) أَي مَا إِذا كَانَ الحكم مَنُوطًا (بِكُل) لَا بالمجموع فَإِنَّهُ لَا يرجح بِالْكَثْرَةِ الْحَاصِلَة من ضم غَيره إِلَيْهِ (وَأَجَابُوا) أَي الْأَكْثَر (بِالْفرقِ) بَين الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة بِأَن الحكم فِي الشَّهَادَة مَنُوط بِأَمْر وَاحِد وَهُوَ هَيْئَة اجتماعية فالأكثرية والأقلية فِيهَا سَوَاء، لِأَن الْمُؤثر هُوَ تملك الْهَيْئَة فَقَط، بِخِلَاف الرِّوَايَة فَإِن الحكم فِيهَا بِكُل وَاحِد، فَإِن كل راو بمفرده يناط بِهِ الحكم وَهُوَ وجوب الْعَمَل بروايته، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن الْهَيْئَة الاجتماعية بِاعْتِبَار أفرادها وَمَا صدقاتها مُتَقَارِبَة، إِذْ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من اثْنَيْنِ لَيست كالهيئة الْحَاصِلَة من عشْرين شَاهدا فَلَا تَأْثِير لإناطة الحكم بهَا (وَبِأَن الْكَثْرَة تزيد الظَّن بالحكم قُوَّة) فَإِنَّهُ يحصل بِكُل وَاحِد ظن، وَلَا شكّ أَن الظنين فَصَاعِدا أقوى من ظن وَاحِد، وَهَكَذَا، وَالْعَمَل بالأقوى وَاجِب (فيترجح، وَيدْفَع) هَذَا (بِدلَالَة الْإِجْمَاع الْمَذْكُور على عدم اعْتِبَاره) أَي هَذَا الْقدر من زِيَادَة قُوَّة الظَّن، وَقد يُقَال مُقْتَضى الْقيَاس اعْتِبَاره، وَقد ورد السّمع على عدم اعْتِبَاره فِي الشَّهَادَة وَخلاف الْقيَاس يقْتَصر على مورد النَّص على أَن عدم اعْتِبَاره فِي الشَّهَادَة لَا يسْتَلْزم عدم اعْتِبَاره فِي الرِّوَايَة لجَوَاز أَن يكون بَينهمَا فرق وَأَنه يخفى علينا (بِخِلَاف بُلُوغه) أَي الْخَبَر (الشُّهْرَة) حَيْثُ يتَرَجَّح بِهِ على معارضه، فَإِن للهيئة الاجتماعية تَأْثِيرا فِي الْقُوَّة لمنعها احْتِمَال الْكَذِب وَقبل الْبلُوغ كل وَاحِد يجوز كذبه كَذَا قيل (وَقد يُقَال) من قبل الْأَكْثَر (إِن لم تفده كَثْرَة الروَاة قُوَّة الدّلَالَة) على الصدْق (فتجويز كَونه) أَي كَون مَا رُوَاته أقل صادرا (بِحَضْرَة) جمع (كثير لَا) الْخَبَر (الآخر) الْمعَارض لَهُ وَهُوَ الَّذِي رُوَاته كثير بِأَن لم يكن صادرا بِحَضْرَة كثير (أَو) تَجْوِيز كَونهمَا (متساويين) فِي عدد الْحَاضِرين عِنْد صدورهما بِأَن يساوى من حضر سَماع هَذَا الْخَبَر فِي الْعدَد من حضر سَماع هَذَا الْخَبَر (وَاتفقَ نقل كثير) للْخَبَر الَّذِي رُوَاته كثير مَعَ كَون سامعيه مساوين لسامعي الآخر أَو أقل مِنْهُ (دونه) أَي دون الْخَبَر الَّذِي رُوَاته أقل وحاضروه أَكثر ويساوون (بل جَازَ الْأَكْثَر) أَي كَون رِوَايَة الْأَكْثَر (بِحَضْرَة الْأَقَل) أَي بِسَبَب حُضُور الْأَقَل بِأَن لَا تكون رِوَايَة بَعضهم عَن السماع بِغَيْر وَاسِطَة الْأَقَل، وَفسّر الشَّارِح الْأَكْثَر بِمَا رُوَاته أَكثر فَإِن لم يؤول بِمَا قُلْنَا لزم التّكْرَار لكَونه عين الِاحْتِمَال الأول ثمَّ قَوْله فتجويز مُبْتَدأ خَبره (لَا يَنْفِي قُوَّة الثُّبُوت) لما رُوَاته أَكثر، يَعْنِي إِن لم تفد كَثْرَة الروَاة قُوَّة الظَّن فِي مرويهم على مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور فتجويز الْخصم مَا ذكر من الِاحْتِمَالَات النافية للترجيح للكثرة لَا يَنْفِي قُوَّة ثُبُوت مرويهم (لِأَنَّهُ) أَي التجويز الْمَذْكُور (معَارض بضده) وَهُوَ أَن

стр. 870

يكون الْخَبَر الَّذِي رُوَاته أَكثر صادرا بِحَضْرَة جمع كثير دون معارضه (فيسقطان) أَي التجويزان الْمَذْكُورَان (وَيبقى مُجَرّد كَثْرَة تفِيد قُوَّة الثُّبُوت) والتذكير بِاعْتِبَار كَونه رجحانا، هَذَا وليت شعري بِأَن التجويز الْمَذْكُور على تَقْدِير كَونه مُعَارضا بالضد هَل يُفِيد عدم إِفَادَة كَثْرَة الروَاة قُوَّة للدلالة، كَيفَ ومدار ظن الْمُجْتَهد بِصدق الْخَبَر نقل الْخَبَر وبلوغه إِلَيْهِ، وَأما كَون الْحَاضِرين صدوره بِكَثْرَة أَو قلَّة فِي نفس الْأَمر من غير أَن يجروا فِيهِ قسما لَا يظْهر لنا تَأْثِيره وَالله أعلم. (بِخِلَاف ثُبُوت جهتي الْعُصُوبَة وَمَا مَعهَا) من الْأُخوة لأم أَو الزَّوْجِيَّة فالمضاف إِلَيْهِ مَجْمُوع الْأَمريْنِ وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة (عَن الشَّارِع) مُتَعَلق بثبوتهما (فَإِنَّهُمَا) أَي الْجِهَتَيْنِ (سَوَاء) ظَاهر الْعبارَة التَّسْوِيَة بَين جِهَة الْعُصُوبَة وجهة كَونه صَاحب فرض، وَلَيْسَ المُرَاد هَذَا، بل المُرَاد التَّسْوِيَة بَين كَونه عصبَة وَصَاحب فرض، وَمعنى التَّسْوِيَة الْكَائِن عَن الشَّارِع عدم اعْتِبَاره مزية للثَّانِي على الأول، وَلما احتجينا بتسوية الشَّارِع بَينهمَا مَعَ اجْتِمَاع السببين للإرث فِي الثَّانِي دون الأول واجتماع السببين بِمَنْزِلَة كَثْرَة الْأَدِلَّة فِي جَانب أحد المتعارضين، أجَاب من قبل الْأَكْثَر بِأَن ذَلِك بالتنصيص من قبل الشَّارِع وَلَا مجَال للْقِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص، وَلَا يخفى أَنه يفهم من كَلَام المُصَنّف ميله إِلَى جَانب الْأَكْثَر، وللشارح هَهُنَا كَلَام طَوِيل يفهم مِنْهُ عدم استنباطه مُرَاد المُصَنّف على الْوَجْه الَّذِي حررناه. فصل (يلْحق السمعيين) الْكتاب وَالسّنة (الْبَيَان) وَهُوَ (الْإِظْهَار لُغَة) قَالَ تَعَالَى - ﴿ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ - أَي إِظْهَار مَعَانِيه وشرائعه (وَاصْطِلَاحا إِظْهَار المُرَاد) من لفظ متلو ومرادف لَهُ (بسمعي) متلو أَو مَرْوِيّ (غير مَا) أَي اللَّفْظ الَّذِي أدّى المُرَاد (بِهِ) ابْتِدَاء فَخرجت النُّصُوص الْوَارِدَة لبَيَان الْأَحْكَام ابْتِدَاء، فعلى هَذَا هُوَ فعل الْمُبين. (وَيُقَال) إِن الْبَيَان أَيْضا (لظُهُوره) أَي المُرَاد الَّذِي هُوَ أثر الدَّلِيل، يُقَال بِأَن الْأَمر والهلال إِذا ظهر وانكشف، وَنسبه شمس الْأَئِمَّة إِلَى بعض أَصْحَابنَا وَاخْتَارَهُ أَصْحَاب الشَّافِعِي كَذَا ذكره الشَّارِح (و) يُقَال أَيْضا (للدال على المُرَاد بذلك) أَي بِمَا لحقه الْبَيَان. قَالَ الشَّارِح: فعلى هَذَا كل مُقَيّد من كَلَام الشَّارِع وَفعله وَتَقْرِيره وسكوته واستبشاره وتنبيهه بالفحوى على الحكم بَيَان (و) يجب (على) مَذْهَب (الْحَنَفِيَّة زِيَادَة أَو) إِظْهَار (انتهائه) أَي المُرَاد من المتلو أَو الْمَرْوِيّ (أَو رفع احْتِمَال) لإِرَادَة غَيره وتخصيصه (عَنهُ) أَي عَن المُرَاد بذلك اللَّفْظ نَحْو بجناحيه فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا طَائِر يطير بجناحيه﴾ - فَإِنَّهُ يُفِيد نفي التبوز بالطائر عَن سريع لحركة فِي السّير كالبريد، والتأكيد فِي قَوْله

стр. 871

تَعَالَى - ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ - فَإِنَّهُ يُفِيد نفي احْتِمَال التَّخْصِيص (لأَنهم) أَي الْحَنَفِيَّة سوى القَاضِي أبي زيد (قسموه) أَي الْبَيَان (إِلَى خَمْسَة) من الْأَقْسَام، وَهُوَ إِلَى أَرْبَعَة: (بَيَان تَبْدِيل سَيَأْتِي) وَهُوَ النّسخ وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ بِبَيَان المُرَاد من اللَّفْظ بل بَيَان انْتِهَاء إِرَادَة المُرَاد مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي أسْقطه أَبُو زيد وَوَافَقَهُ شمس الْأَئِمَّة إِلَّا أَنه أثبت بدله قسما آخر كَمَا سَيَأْتِي (و) بَيَان (تَقْرِير وَهُوَ التَّأْكِيد) يُفِيد رفع احْتِمَال غير المُرَاد من الْمُبين، ثمَّ إِن بَيَان التَّقْرِير قسم من الْبَيَان الْمُطلق (وَقسم الشَّيْء مِمَّن مَا صدقاته) وَلَا يظْهر صدق الْمقسم عَلَيْهِ، إِذْ إِظْهَار المُرَاد بسمعي غير مَا بِهِ فرع عدم ظُهُوره من الْمُبين قبل هَذَا الْبَيَان وَالْمرَاد ظَاهر مِنْهُ قبله (وَتَحْصِيل الْحَاصِل مُنْتَفٍ) فَلَا يُمكن بعد ظُهُور المُرَاد إِظْهَاره (فَلَزِمَ ذَلِك) أَي زِيَادَة أَو رفع احْتِمَال عَنهُ ليعلم صدق تَعْرِيفه الْبَيَان عَلَيْهِ، وَلَا يبعد أَن يُقَال احْتِمَال خلاف المُرَاد محَال بظهوره فَلَا يظْهر ظهورا تَاما إِلَّا بعد رفع الِاحْتِمَال الْمَذْكُور، وَهَذَا الْقسم يجوز كَونه مَفْصُولًا عَن الْمُبين وموصولا بِهِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ مُقَرر للظَّاهِر فَلَا يفْتَقر إِلَى التَّأْكِيد بالاتصال (و) بَيَان (تَغْيِير كالشرط وَالِاسْتِثْنَاء وتقدما) فِي بحث التَّخْصِيص (إِلَّا أَن تَغْيِير الشَّرْط من إِيجَاب الْمُعَلق فِي الْحَال) أَي من إثْبَاته الحكم الْمُتَرَتب عَلَيْهِ شرعا مُنجزا (إِلَى) زمَان (وجوده) أَي الشَّرْط فَهُوَ تَغْيِير من وصف التَّنْجِيز إِلَى وصف التَّعْلِيق فَيتَأَخَّر حكمه إِلَى أَن يُوجد الشَّرْط (و) تَغْيِير (الِاسْتِثْنَاء) من إِثْبَات الحكم الَّذِي كَانَ فِي معرض الثُّبُوت للمستثنى قبل الِاسْتِثْنَاء (إِلَى عَدمه) أَي الحكم الْمَذْكُور فَهُوَ صَارف لأوّل الْكَلَام عَن ظَاهره إِلَى خِلَافه (وَبِه) أَي بِسَبَب كَون تَغْيِير الِاسْتِثْنَاء إِلَى عدم (فرقوا) أَي الْحَنَفِيَّة (بَين تعلقه) أَي بَيَان التَّغْيِير (بمضمون الْجمل المتعقبها) الْإِضَافَة لفظية من إِضَافَة الصّفة إِلَى مفعولها أَي الْجمل الَّتِي تعقبها بَيَان التَّغْيِير (وَعَدَمه) أَي عدم تعلقه بِمَا ذكر أَي وَبَين تعلقه بِغَيْر مَضْمُون الْجمل المتعاقبة (فِي الِاسْتِثْنَاء) فَإِنَّهُ تعلق بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة بِخِلَاف الشَّرْط فَإِنَّهُم فِيهِ لم يفرقُوا بَين تعلقه بمضمون الْجمل الْمَذْكُورَة وَبَين تعلقه بغَيْرهَا، وَذَلِكَ بِأَن تذكر جمل وَيذكر بعْدهَا اسْتثِْنَاء وَأمكن أَن يَجْعَل مُتَعَلقا بِكُل وَاحِدَة مِنْهَا وَأَن يَجْعَل بالأخيرة يعْتَبر تعلقه بالأخيرة (تقليلا للأبطال مَا أمكن) أَي بِقدر الْإِمْكَان، يَعْنِي لَو اعْتبر تعلقه بِكُل وَاحِد من تِلْكَ الْجمل لزم عدم الحكم الْمَأْخُوذ فِي جَانب الْمُسْتَثْنى مِنْهُ من الْمُسْتَثْنى بِاعْتِبَار كل وَاحِدَة مِنْهَا، وَإِذا علق بالأخيرة لَا يلْزم إِلَّا إبِْطَال الحكم الَّذِي تضمنته لَا الْأَحْكَام الَّتِي تضمنها مَا قبلهَا (وَيمْتَنع تراخيهما) عَن متعلقهما يَعْنِي الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء وَلَا يَكُونَا إِلَّا موصولين (وَتقدم قَول ابْن عَبَّاس فِي الِاسْتِثْنَاء) بِجَوَاز تراخيه على خلاف فِي مِقْدَاره وَوَجهه وَدفعه (وَمِنْه) أَي بَيَان التَّغْيِير (تَخْصِيص الْعَام وَتَقْيِيد الْمُطلق) إِذْ تبين أَن الأول أَي الْعَام غير جَار على عُمُومه، وَالثَّانِي أَي الْمُطلق غير جَار

стр. 872

على إِطْلَاقه وَهُوَ تَغْيِير النّظر إِلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ السامعة من الْعُمُوم وَالْإِطْلَاق (وتقدما) فِي بحث الْعُمُوم والتخصيص (وَيجب مثله) أَي امْتنَاع التَّرَاخِي (فِي صرف كل ظَاهر) لِئَلَّا يلْزم الْإِيقَاع فِي خلاف الْوَاقِع (وعَلى الْجَوَاز) لتأخير بَيَان تَخْصِيص الْعَام عَنهُ كَمَا هُوَ قَول مَشَايِخ سَمَرْقَنْد، وَعَلِيهِ أَيْضا تَفْرِيع جَوَاز تَأْخِير صرف كل ظَاهر عَن ظَاهره أَن يُقَال (تَأْخِيره ﵇ تَبْلِيغ الحكم) الشَّرْعِيّ الْمَأْمُور بتبليغه (إِلَى) وَقت (الْحَاجة) إِلَيْهِ وَهُوَ وَقت تَنْجِيز التَّكْلِيف (أجوز) أَي أَشد جَوَازًا إِذْ لَا يلْزم فِي تبليغه شَيْء مِمَّا يلْزم فِي تَأْخِير بَيَان مَخْصُوص الْعَام إِذْ لَا تَكْلِيف قبل التَّبْلِيغ وَلم يُؤمر بالتبليغ إِلَّا عِنْد أَوَانه فَإِذا جَازَ التَّأْخِير مَعَ وجود التَّكْلِيف فَمَعَ عَدمه أولى كَذَا ذكره الشَّارِح (وعَلى الْمَنْع) لتأخير بَيَان مُخَصص الْعَام (وَهُوَ) أَي الْمَنْع لتأخيره (الْمُخْتَار للحنفية) من مَشَايِخ الْعرَاق وَالْقَاضِي أبي زيد وَمن تبعه من الْمُتَأَخِّرين يجوز تَأْخِيره ﷺ تَبْلِيغ الحكم إِلَى وَقت الْحَاجة أَيْضا (إِذْ لَا يلْزم) فِيهِ (مَا تقدم) وَهُوَ الْإِيقَاع فِي خلاف الْوَاقِع ومطلوبية الْجَهْل الْمركب، وَقيل لَا يجوز لقَوْله تَعَالَى - ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ - لِأَن وجوب التَّبْلِيغ مَعْلُوم بِالْعقلِ ضَرُورَة فَلَا فَائِدَة لِلْأَمْرِ بِهِ (وَكَون أَمر التَّبْلِيغ فوريا مَمْنُوع) وَالْعقل لَا يسْتَقلّ بِمَعْرِِفَة الْأَحْكَام، وَلَو سلم فَلْيَكُن لتقوية الْعقل بِالنَّقْلِ (وَلَعَلَّه) أَي التَّبْلِيغ (وَجب لمصْلحَة) لم تفت بِتَأْخِيرِهِ (وَأَيْضًا ظَاهره) أَي مَا أنزل إِلَيْك من رَبك (لِلْقُرْآنِ) لِأَنَّهُ السَّابِق إِلَى الْفَهم من لفظ الْمنزل. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: وَظَاهر الْآيَة يُوجب تَبْلِيغ كل مَا أنزل وَلَعَلَّ المُرَاد تَبْلِيغ مَا يتَعَلَّق بِهِ مصَالح الْعباد وَقصد بإنزاله اطلاعهم عَلَيْهِ فَإِن من الْأَسْرَار الإلهية مَا يحرم إفشاؤه. مسئلة (وَالْأَكْثَر) مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ وَابْن الْحَاجِب (يجب زِيَادَة قُوَّة الْمُبين للظَّاهِر) عَلَيْهِ: أَي السمعي الَّذِي يصرف الظَّاهِر عَن ظَاهره يجب أَن يكون لَهُ زِيَادَة قُوَّة (وَالْحَنَفِيَّة تجوز الْمُسَاوَاة) بَينهمَا فِي الْقُوَّة (وَدفع) تجويزهم ذَلِك (بِعَدَمِ أَوْلَوِيَّة الْمُبين مِنْهُمَا) أَي المتساويين، يَعْنِي أَنَّهُمَا سمعيان متساويان فِي الْقُوَّة متعارضان بِحَسب الظَّاهِر وَلَيْسَ أَحدهمَا أولى بِالِاعْتِبَارِ من الآخر فَكيف يقدم أَحدهمَا وَهُوَ الْمُبين على الآخر ويصرفه عَن ظَاهره (بِخِلَاف الرَّاجِح) مَعَ / الْمَرْجُوح (لتقدمه) أَي الرَّاجِح على الْمَرْجُوح (فِي الْمُعَارضَة، وَيدْفَع) هَذَا الدّفع (بِأَن مُرَادهم) أَي الْحَنَفِيَّة الْمُسَاوَاة (فِي الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الْمَتْن (لَا الدّلَالَة) وَعدم أَوْلَوِيَّة الْمُبين إِنَّمَا هُوَ على تَقْدِير الْمُسَاوَاة فِي الدّلَالَة، وَأما إِذا كَانَا متساويين فِي الثُّبُوت لَا فِي الدّلَالَة بِأَن يكون

стр. 873

أَحدهمَا نصا وَالْآخر ظَاهرا فالنص يصلح لِأَن يكون مُبينًا للظَّاهِر (وَمَعْلُوم أَن الأول) من السمعيين (مُبين) على صِيغَة الْمَفْعُول، وَهَذَا دفع لما يُقَال من أَنَّهُمَا إِذا كَانَا متساويين لَا يتَعَيَّن الْمُبين عَن الْمُبين وَأما قَول أبي الْحُسَيْن وَيجوز بالأدنى أَيْضا فَبَاطِل لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ إِلْغَاء الرَّاجِح بالمرجوح كَذَلِك لَا يجوز إِلْغَاء أحد المتساويين بِالْآخرِ، فَإِن قيل يجوز إِلْغَاء أحد المتساويين فِي الثُّبُوت بِالْآخرِ الْمَرْجُوح فِيهِ فَلْيتَأَمَّل. (و) بَيَان (تَفْسِير، وَهُوَ بَيَان الْمُجْمل) باصطلاح الشَّافِعِيَّة، وَهُوَ مَا فِيهِ خَفَاء فَيعم باصطلاح الْحَنَفِيَّة الْخَفي والمشترك والمجمل (وَيجوز) بَيَان التَّفْسِير (بأضعف) دلَالَة أَو ثبوتا (إِذْ لَا تعَارض بَين الْمُجْمل وَالْبَيَان ليترجح) الْبَيَان عَلَيْهِ فَيلْزم إِلْغَاء الرَّاجِح بالمرجوح (و) يجوز (تراخيه) أَي بَيَان الْمُجْمل عَن وَقت الْخطاب بِهِ (إِلَى وَقت الْحَاجة إِلَى الْفِعْل وَهُوَ وَقت تَعْلِيق التَّكْلِيف) بِالْفِعْلِ (مضيقا) لَا وَقت تَعْلِيقه موسعا عِنْد الْجُمْهُور مِنْهُم أَصْحَابنَا والمالكية وَأكْثر الشَّافِعِيَّة، وَاخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ وَابْن الْحَاجِب وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين (وَعَن الْحَنَابِلَة والصيرفي وَعبد الْجَبَّار والجبائي وَابْنه) وَبَعض الشَّافِعِيَّة كَأبي إِسْحَاق الْمروزِي وَالْقَاضِي أبي حَامِد (مَنعه) أَي منع تراخيه عَن وَقت الْخطاب بِهِ إِلَّا أَن الاسفرايني ذكر أَن الْأَشْعَرِيّ نزل ضيفا على الصَّيْرَفِي فناظره فِي هَذَا فَرجع إِلَى الْجَوَاز لنا لَا مَانع عقلا) من جَوَازه (وَوَقع شرعا كآيتي الصَّلَاة وَالزَّكَاة) أَي أقِيمُوا الصَّلَاة وَأتوا الزَّكَاة (ثمَّ بَين) النَّبِي ﷺ (الْأَفْعَال) للصَّلَاة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (والمقادير) لِلزَّكَاةِ كَمَا فِي كتب الصَّدقَات ككتاب الصّديق ﵁ فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَكتاب عمر ﵁ فِي كتاب أبي دَاوُد وَغَيره (أما) ترَاخى بَيَان الْمُجْمل (عَن وَقت الْحَاجة فَيجوز) عقلا (عِنْد من يجوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق) وهم الأشاعرة (لكنه) أَي تراخيه عَن وَقتهَا (غير وَاقع) وَمن لَا يجوزه لَا يجوز هَذَا لِأَن التَّكْلِيف بِمَا لَا يُعلمهُ الْمُكَلف تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاف، ثمَّ علل جَوَازه بِالْعقلِ بِمَا يُفِيد أَن يجوزه من لَا يجوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق بقوله (لِأَنَّهُ) أَي الْجمل (قبل الْبَيَان لَا يُوجب شَيْئا) على الْمُكَلف بل إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ اعْتِقَاد حقية المُرَاد مِنْهُ لَا غير حَتَّى يلْحقهُ الْبَيَان (فَلم يحكم) الشَّارِع عَلَيْهِ (بِوُجُوب مَال يعلم) الْمُكَلف وُجُوبه عَلَيْهِ (بِحَيْثُ) إِذا لم يفعل ذَلِك (يُعَاقب بِعَدَمِ الْفِعْل) فَانْتفى وَجه المانعين عَنهُ بِأَن الْمَقْصُود إِيجَاب الْعَمَل وَهُوَ مُتَوَقف على الْفَهم والفهم لَا يحصل بِدُونِ الْبَيَان، فَلَو جَازَ تَأْخِيره أدّى إِلَى تَكْلِيف مَا لَيْسَ فِي الوسع واليه أَشَارَ بقوله (وَبِه) أَي بالْقَوْل بِأَنَّهُ لَا يُوجب شَيْئا قبل الْبَيَان (انْدفع قَوْلهم) أَي المانعين لَهُ تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل (يودى إِلَى الْجَهْل المخل بِفعل الْوَاجِب فِي وقته) وَجه الاندفاع أَن وَقت الْأَدَاء وَقت الْبَيَان وَقبل الْبَيَان لَا تَكْلِيف بإيقاع الْفِعْل بل باعتقاد حقية المُرَاد مِنْهُ إِجْمَالا

стр. 874

(وَقَوْلهمْ) أَي المانعين لَهُ أَيْضا لَو جَازَ تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل لَكَانَ الْخطاب بالمجمل (كالخطاب بالمهمل) فَيلْزم جَوَاز الْخطاب بِهِ وَاللَّازِم بَاطِل، ثمَّ قَوْلهم مُبْتَدأ خَبره (مهمل) إِذْ فِي الْمُجْمل يعلم أَن المُرَاد أحد محتملاته أَو معنى مَا، بِخِلَاف المهمل فَإِنَّهُ لَا معنى لَهُ أصلا (وَمَا قيل) على مَا فِي أصُول ابْن الْحَاجِب (جَوَاز تَأْخِير اسماع الْمُخَصّص) للعام الْمُكَلف بِهِ إِلَى وَقت الْحَاجة (أولى من) جَوَاز (تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل) إِلَى وَقت الْحَاجة (لِأَن عدم الإسماع) أَي اسماع الْمُكَلف الْمُخَصّص مَعَ وجوده فِي نفس الْأَمر (أسهل من الْعَدَم) أَي عدم بَيَان الْمُجْمل لانْقِطَاع الِاطِّلَاع على الْمَوْجُود لَا الْمَعْدُوم، وَهَذَا إِلْزَام من الشَّافِعِيَّة المجيزين لتأخير بَيَان الْمُجْمل للحنفية الْقَائِلين بِهِ دون تراخي التَّخْصِيص، ثمَّ مَا قيل مُبْتَدأ خَبره (غير صَحِيح لِأَن الْعَام غير مُجمل فَلَا يتَعَذَّر الْعَمَل بِهِ) قبل الِاطِّلَاع على الْمُخَصّص (فقد يعْمل بِهِ) أَي بِعُمُومِهِ بزعم أَنه مُرَاد (وَهُوَ) أَي وَالْحَال أَن عُمُومه (غير مُرَاد) فَيَقَع فِي الْمَحْذُور خُصُوصا إِذا كَانَ الأَصْل فِيهِ التَّحْرِيم (بِخِلَاف الْمُجْمل) فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِهِ قبل الْبَيَان (فَلَا يسْتَلْزم تَأْخِير بَيَانه محذورا) كالعمل بِمَا هُوَ غير مُرَاد (بِخِلَافِهِ) أَي تَأْخِير الْبَيَان (فِي الْمُخَصّص) فَإِنَّهُ يستلزمه كَمَا بَينا (ثمَّ تمنع الْأَوْلَوِيَّة) أَي كَون تَأْخِير اسماع الْمُخَصّص بِالْجَوَازِ أولى من تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل (بل كل من الْعَام والمجمل أُرِيد بِهِ معِين آخر ذكر داله فَقبل ذكره) أَي داله (هُوَ) أَي ذَلِك الْمعِين (مَعْدُوم إِلَّا فِي الْإِرَادَة) للمتكلم لعلمه بذلك الْمُتَعَيّن، وَإِنَّمَا الْإِبْهَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَاطب. قَالَ الشَّارِح: أَي إِلَّا فِي جَوَاز كَونه المُرَاد من اللَّفْظ وَهُوَ غير موجه كَمَا لَا يخفى (فهما) أَي الْمُجْمل وَالْعَام (فِيهَا) أَي فِي الْإِرَادَة سَوَاء. مسئلة (وَيكون) الْبَيَان (بِالْفِعْلِ كالقول) أَي وَيكون بالْقَوْل (إِلَّا عِنْد شذوذ لنا) فِي أَنه يكون بِالْفِعْلِ (يفهم) من الإفهام أَو الْفَهم (أَنه) أَي الْفِعْل الصَّالح لِأَن يكون مرَادا من القَوْل هُوَ (المُرَاد بالْقَوْل) الْمُجْمل (بِفِعْلِهِ عَقِيبه) أَي طَرِيق إفهامه أَنه يفعل عقيب ذَلِك القَوْل الْمُجْمل (فصلح) الْفِعْل (بَيَانا بل هُوَ) الْفِعْل (أدل) على تعْيين المُرَاد، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة) أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ وَزَاد فِيهِ، فَإِن الله تَعَالَى أخبر مُوسَى بن عمرَان عَمَّا صنع قومه من بعده فَلم يلق الألواح، فَلَمَّا عاين ذَلِك ألْقى الألواح وَقد صَار هَذَا القَوْل مثلا (وَبِه) أَي بِالْفِعْلِ (بَين) ﷺ (الصَّلَاة وَالْحج) لكثير من الْمُكَلّفين كَمَا تشهد بِهِ كتب السّنة (قَالُوا) أَي المانعون لم يبينها بِالْفِعْلِ (بل يصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وخذوا عني) مَنَاسِككُم (أُجِيب بِأَنَّهُمَا) أَي الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورين (دَلِيلا كَونه) أَي الْفِعْل (بَيَانا)

стр. 875

لِأَنَّهُ هُوَ الْبَيَان لِأَنَّهُ لم يبين المُرَاد لكنه يُفِيد أَن فعله بَيَان (وَهَذَا) الْجَواب (يَنْفِي الدَّلِيل الأول) وَهُوَ أَن الْفِعْل بِوُقُوعِهِ عقيب الْمُجْمل يفهم أَنه المُرَاد بِهِ (إِذْ يُفِيد أَن كَونه بَيَانا) إِنَّمَا عرف (بِالشَّرْعِ) لَا بِكَوْنِهِ وَقع عَقِيبه (وَبِه) أَي بِالشَّرْعِ (كِفَايَة) فِي إِثْبَات كَون الْفِعْل بَيَانا (فَالْأولى أَن يُقَال أَنه) أَي كلا من صلوا وخذوا (لزِيَادَة الْبَيَان) إِذْ الْبَيَان حصل لَهُم بِمُبَاشَرَة تِلْكَ الْأَفْعَال بحضرتهم، فَقَوله صلوا وخذوا لزِيَادَة التَّوْضِيح والتأكيد (وَقَوْلهمْ) أَي المانعين (الْفِعْل أطول) من القَوْل زَمَانا (فَيلْزم تَأْخِيره) أَي الْبَيَان بِهِ (مَعَ إِمْكَان تَعْجِيله) بالْقَوْل وَأَنه غير جَائِز (مَمْنُوع الأطولية) إِذْ قد يطول الْبَيَان بالْقَوْل أَكثر مِمَّا يطول بِالْفِعْلِ (و) مَمْنُوع (بطلَان اللَّازِم) أَي التَّأْخِير مَعَ إِمْكَان التَّعْجِيل (بعده) أَي بعد تَسْلِيم الأطولية، وَقَالَ الشَّارِح: أَي بعد إِمْكَان تَعْجِيله وَلَا معنى لَهُ لِأَن إِمْكَان التَّعْجِيل قيد اعْتبر فِي اللَّازِم وَهُوَ يلائم مَعَ بطلَان التَّأْخِير بل يلائم بُطْلَانهَا، ومسند هَذَا الْمَنْع أَن التَّعْجِيل قبل الْحَاجة أَيْضا مُمكن وَلَا مَحْذُور فِي التَّأْخِير عِنْد ذَلِك، ثمَّ الْمَمْنُوع إِنَّمَا هُوَ التَّأْخِير المفوت لأَدَاء الْوَاجِب (فَلَو تعاقبا) أَي القَوْل وَالْفِعْل الصالحان للْبَيَان (وَعلم الْمُتَقَدّم فَهُوَ) أَي الْمُتَقَدّم الْبَيَان قولا كَانَ أَو فعلا وَالثَّانِي تَأْكِيد (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعلم الْمُتَقَدّم (فأحدهما) من غير تعْيين هُوَ الْبَيَان وَهَذَا إِذا اتفقَا فِي الدّلَالَة على حكم وَاحِد (فَإِن تَعَارضا) أَي الْفِعْل وَالْقَوْل كَمَا روى عَن عَليّ ﵁ أَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة وَطَاف طوافين وسعى سعيين وَحدث أَن رَسُول الله ﷺ فعل ذَلِك رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد رُوَاته ثِقَات، وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ " من أحرم بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة أَجزَأَهُ طواف وَاحِد وسعى وَاحِد مِنْهُمَا حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب (فالمختار) للْإِمَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه وَابْن الْحَاجِب أَن أَن الْبَيَان هُوَ (القَوْل) لِأَنَّهُ الدَّال نَفسه وَالْفِعْل لَا يدل إِلَّا بِأَن يعلم ذَلِك بِالضَّرُورَةِ من قَصده وَأَن يَقُول هَذَا الْفِعْل بَيَان للمجمل أَو بِأَن يذكر الْمُجْمل وَقت الْحَاجة لم يفعل مَا يصلح بَيَانا لَهُ وَلَا يفعل غَيره وَلَا بَينه بالْقَوْل. قَالَ الشَّارِح: وَقد أوردت على المُصَنّف يَنْبَغِي على مَا تقدم من أَن الْفِعْل دلّ من القَوْل أَن يقدم الْفِعْل على القَوْل، فَأجَاب بِأَن معنى أدليته أَن الْفِعْل الجزئي الْمَوْجُود فِي لخارج لَا يحْتَمل غَيره لِأَنَّهُ بهيآته أدل على كَونه المُرَاد بالمجمل من دلَالَة القَوْل على المُرَاد بِهِ فَإِن الاستقراء يُفِيد أَن كثيرا من الْأَفْعَال المبينة للمجمل تشْتَمل على هيآت غير مُرَادة من الْمُجْمل من وَجه آخر والمنظور هَهُنَا هَذَا الْوَجْه (وَقَول أبي الْحُسَيْن) الْبَيَان (هُوَ الْمُتَقَدّم) قولا كَانَ أَو فعلا (يسْتَلْزم لُزُوم النّسخ) للْفِعْل (بِلَا مُلْزم لَو كَانَ) الْمُتَقَدّم (الْفِعْل) فِي الشَّرْح العضدي وَأما إِذا اخْتلفَا كَأَن طَاف طوافين وَأمر بِطواف وَاحِد فالمختار أَن القَوْل هُوَ الْبَيَان وَالْفِعْل ندب

стр. 876

لَهُ أَو وَاجِب عَلَيْهِ مِمَّا اخْتصَّ بِهِ، وَلَا فرق بَين أَن يكون القَوْل مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا، وَذَلِكَ لِأَن فِيهِ جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ أولى من إبِْطَال أَحدهمَا كَمَا سَنذكرُهُ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْمُتَقَدّم مِنْهُمَا هُوَ الْبَيَان أيا كَانَ وَهُوَ بَاطِل إِذْ يلْزمه نسخ الْفِعْل إِذا كَانَ هُوَ الْمُتَقَدّم مَعَ إِمْكَان الْجمع وَأَنه بَاطِل. بَيَانه إِذا تقدم الْفِعْل وَهُوَ طوافان وَجب علينا طوافان، فَإِذا أَمر بِطواف وَاحِد فقد نسخ أحد الطوافين عَنَّا انْتهى، فَإِن قيل القَوْل الْمُتَأَخر يُوجب النّسخ فَمَا معنى قَوْله بِلَا مُلْزم، قُلْنَا مَعْنَاهُ أَن النّسخ إِنَّمَا لزم بِسَبَب جعل الْفِعْل بَيَانا، لِأَن القَوْل إِذن على تَقْدِير كَون القَوْل بَيَانا لَا يلْزم النّسخ بل يحمل على أَن الْفِعْل ندب لنا وَله ﷺ أَو وَاجِب مُخْتَصّ بِهِ فَلَا يسْتَلْزم النّسخ فِي حَقنا وَفِي حَقه إِذْ لَيْسَ فِي القَوْل تنصيص على مُشَاركَة الْأمة (وَلَا يتَصَوَّر فِيهِ) أَي فِي الْمُجْمل (أرجحية دلَالَته على دلَالَة الْمُبين) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل (على) الْمَعْنى (الْمعِين) من الْمُجْمل (بل يُمكن) أَن يكون دلَالَة الْمُجْمل (على مَعْنَاهُ الإجمالي وَهُوَ أحد الِاحْتِمَالَيْنِ) أرجح من دلَالَة الْمُبين على المُرَاد مِنْهُ (كثلاثة قُرُوء) فَإِنَّهُ أقوى دلَالَة (على ثَلَاثَة أَقراء من الطُّهْر أَو الْحيض وَيتَعَيَّن) المُرَاد من الْمُجْمل (بأضعف دلَالَة على الْمعِين) بِالنِّسْبَةِ إِلَى دلَالَة الْمُجْمل على مَعْنَاهُ الإجمالي (وَسلف للحنفية) فِي بحث الْمُجْمل (مَا تقصر مَعْرفَته) أَي معرفَة المُرَاد مِنْهُ (على السّمع، فَإِن ورد) سمعى بَين المُرَاد مِنْهُ بَيَانا (قَطْعِيا شافيا صَار) ذَلِك الْمُجْمل بعد لُحُوق هَذَا الْبَيَان (مُفَسرًا، أَولا) يكون شافيا (فمشكل) ذكر فِيمَا سبق أَن مَا خَفِي المُرَاد مِنْهُ لتَعَدد مَعَانِيه الاستعمالية مَعَ الْعلم بالاشتراك وَلَا معِين أَو مَعَ تجويزها مجازية أَو بَعْضهَا إِلَى التَّأَمُّل مُشكل. ثمَّ ذكر أَن مَا لحقه الْبَيَان خرج عَن الْإِجْمَال بالِاتِّفَاقِ، وسمى بَيَانا عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَعند الْحَنَفِيَّة إِن كَانَ شافيا بقطعي فمفسر أَو بظني فمؤول أَو غير شاف خرج عَن الاجمال إِلَى الاشكال، فَظَاهر عِبَارَته هَهُنَا أَن الْبَيَان الَّذِي لَيْسَ بقطعي إِذا لم يكن شافيا هُوَ الْمُشكل وَالَّذِي يظْهر من هُنَاكَ بِأَن الَّذِي لَيْسَ بشاف فَهُوَ مُشكل سَوَاء كَانَ قَطْعِيا أَو ظنيا (أَو ظنا فمشكل) مَعْطُوف على قَطْعِيا وَكَانَ مُقْتَضى الظَّن أَن يَقُول أَو ظنيا مَحَله، وَلَعَلَّه تَصْحِيف من النَّاسِخ فَأول (وَقبل الِاجْتِهَاد فِي استعلامه) لجَوَاز الِاجْتِهَاد فِي مُقَابلَة الظني دون الْقطعِي (وَهُوَ) أَي هَذَا الْخلاف (لَفْظِي مَبْنِيّ على الِاصْطِلَاح) فِي المُرَاد بالمجمل، وَسبق تَفْصِيله فِي مَوْضِعه (وَقَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (إِذا بَين الْمُجْمل الْقطعِي الثُّبُوت بِخَبَر وَاحِد نسب) الْمَعْنى الْمُبين (إِلَيْهِ) أَي الْمُجْمل لكَونه أقوى، لَا إِلَى خبر الْوَاحِد مَعَ كَونه دَالا عَلَيْهِ (فَيصير) الْمَعْنى الْأَعَمّ (ثَابتا بِهِ) أَي بالمجمل (فَيكون) ذَلِك الْمَعْنى

стр. 877

(قَطْعِيا) بِنَاء على أَنه ثَابت بقطعي (وَمنعه صَاحب التَّحْقِيق، إِذْ لَا تظهر مُلَازمَة) بَينهمَا توجب ذَلِك وَقيل لَا فرق بَين أَن يعرف المُرَاد من الْمُشْتَرك بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ظَنِّي، وَبَين أَن يعرف بِخَبَر الْوَاحِد (وَهُوَ) أَي مَنعه (حق وَلَو انْعَقَد عَلَيْهِ) أَي على أَن المُرَاد من الْمُجْمل ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي بَينه الْخَبَر الْمَذْكُور (إِجْمَاع فشيء آخر. وَإِلَى بَيَان ضَرُورَة تقدم) فِي التَّقْسِيم الأول من الْفَصْل وَهَذَا أَيْضا لم يَجعله القَاضِي أَبُو زيد من أَقسَام الْبَيَان، وَجعله فَخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وموافقوهما مِنْهَا، وَالْإِضَافَة فِيهِ إِلَى السَّبَب (وَأما بَيَان التبديل فَهُوَ النّسخ، وَهُوَ) أَي النّسخ لُغَة (الْإِزَالَة) حَقِيقَة كنسخت الشَّمْس الظل، والشيب الشَّبَاب، وَالرِّيح آثَار الدَّار، يسْتَعْمل (مجَازًا للنَّقْل) أَي التَّحْوِيل للشَّيْء من مَكَان إِلَى مَكَان، أَو من حَالَة إِلَى حَالَة مَعَ بَقَائِهِ فِي نَفسه كنسخت النَّحْل الْعَسَل: إِذا نقلته من خلية إِلَى خلية لما فِي النَّقْل من الْإِزَالَة عَن مَوْضِعه الأول (أَو قلبه) أَي حَقِيقَة للنَّقْل مجَاز للإزالة، وَهَذَا قَول جمَاعَة مِنْهُم الْقفال، وَالْأول قَول الْأَكْثَرين، وَرجحه الإِمَام الرَّازِيّ (أَو مُشْتَرك) لَفْظِي بَينهمَا، إِذْ الأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة، وَهَذَا قَول القَاضِي وَالْغَزالِيّ، أَو معنوي، وَبِه قَالَ ابْن الْمُنِير، وَالْقدر الْمُشْتَرك هُوَ الرّفْع (وتمثيل النَّقْل بنسخت مَا فِي هَذَا الْكتاب) كَمَا ذكر كثير (تساهل) لِأَنَّهُ فعل مثل مَا فِيهِ فِي غَيره لَا نقل فِيهِ عينه، ثمَّ قيل هَذَا نزاع لَفْظِي لَا يتَعَلَّق بِهِ غَرَض علمي وَقيل بل معنوي تظهر فَائِدَته فِي جَوَاز النّسخ بِلَا بدل، وَفِيه مَا فِيهِ. (وَاصْطِلَاحا رفع تعلق مُطلق) عَن تَقْيِيد بتأقيت أَو تأبيد (بِحكم شَرْعِي) الْجَار مُتَعَلق بتعلق (ابْتِدَاء) لَا يُقَال مَا ثَبت فِي الْمَاضِي من التَّعَلُّق لَا يتَصَوَّر بُطْلَانه لتحققه قطعا، وَمَا فِي الْمُسْتَقْبل لم يثبت بعد فَكيف يبطل، فَلَا رفع، لأَنا نقُول المُرَاد بِالرَّفْع زَوَال ظن الْبَقَاء فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَوْلَا النَّاسِخ لَكَانَ فِي عقولنا ظن أَنه بَاقٍ فِي الْمُسْتَقْبل فقد علم أَن الَّذِي رفع إِنَّمَا هُوَ التَّعَلُّق الْحَادِث المتجدد لَا نفس الحكم (فَانْدفع) مَا قيل من (أَن الحكم قديم لَا يرْتَفع) لِأَن كل أزلي أبدي، وَلَا يتَصَوَّر رَفعه (و) انْدفع (بِمُطلق مَا) أَي رفع تعلق الحكم (بالغاية) نَحْو - ﴿وَأَتمُّوا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ -. (و) انْدفع أَيْضا بِمُطلق رفع تعلقه بِسَبَب (الشَّرْط) نَحْو: صل الظّهْر إِن زَالَت الشَّمْس، فَإِن طلب الظّهْر تنجيزا قد رفع بِسَبَب تَعْلِيقه بِشَرْط الزَّوَال (و) انْدفع بِهِ أَيْضا رفع تعلقه بالمستثنى فِي صدر الْكَلَام بِحَسب الظَّاهِر من حَيْثُ الْعُمُوم بِسَبَب (الِاسْتِثْنَاء) نَحْو: اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا أهل الذِّمَّة، إِذْ لَيْسَ شَيْء من الْمَذْكُورَات نسخا وَاعْترض الشَّارِح بِأَن الرّفْع يَقْتَضِي سَابِقَة الثُّبُوت وَلم يرفع شَيْء مِنْهَا مَا سبق ثُبُوته قبل ذكرهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى الِاحْتِرَاز عَنْهَا وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الِاحْتِرَاز فِي مثل هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن دُخُوله فِي جنس التَّعْرِيف، فَإِن الرّفْع كَمَا يُطلق

стр. 878

على إِزَالَة مَا ثَبت يُطلق على إِزَالَة احْتِمَال وجود شَيْء بِسَبَب وجود مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهرا كَمَا فِي الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء، فَإِن قَوْله ﷺ يقتضى التَّنْجِيز لَوْلَا الشَّرْط وَالْأَمر بقتل الْمُشْركين يقتضى قتل أهل الذِّمَّة لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء، وَالْحكم المغيا كَانَ ظَاهره أَن يَشْمَل مَا بعد الْغَايَة لولاها، لِأَن الأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الاستمراز، على أَن الِاحْتِرَاز قد يُرَاد بِهِ رفع توهم دُخُول مَا لَيْسَ من أَفْرَاد الْمُعَرّف، وَقيل أَنه احْتِرَاز عَن الحكم الْمُؤَقت بِوَقْت خَاص، فَإِنَّهُ لَا يَصح نُسْخَة قبل انتهائه، وَلَا يتَصَوَّر بعد انتهائه، وَعَن الحكم الْمُقَيد بالتأييد، كَذَا ذكره الشَّارِح وَلَا يخفى مَا فِيهِ وَقَالَ انْدفع بقولنَا الحكم الشَّرْعِيّ مَا كَانَ رفعا للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة قبل وُرُود الشَّرْع عِنْد الْقَائِل بهَا، فَإِنَّهُ لَا يُسمى نسخا اتِّفَاقًا، لَا يُقَال خرج مِنْهُ مَا نسخ لَفظه وَبَقِي حكمه، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَفْع حكم، بل لفظ لِأَنَّهُ مُتَضَمّن لرفع أَحْكَام كَثِيرَة كالتعبد بتلاوته وَمنع الْجنب إِلَى غير ذَلِك فَتَأمل (و) انْدفع (بالأخير) أَي ابْتِدَاء (مَا) أَي رفع تعلقه (بِالْمَوْتِ وَالنَّوْم) وَالْجُنُون وَنَحْوهَا، وبانعدام الْمحل كذهاب الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَي الرّفْع فِي هَذِه الْأَشْيَاء (لعَارض) من هَذِه الْعَوَارِض لَا ابْتِدَاء بخطاب شَرْعِي وَأورد بِأَن رفع تعلق الحكم بِالنَّوْمِ بقوله ﷺ " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة: عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ ": الحَدِيث. وَقد يُجَاب بِأَن هَذَا الحَدِيث مَبْنِيّ على الْعَارِض وإخبار عَمَّا رفع لعَارض، وَالْمرَاد بقوله ابْتِدَاء مَا لَا يكون لعَارض فَتَأمل (وَيعلم التَّأَخُّر من الرّفْع) فِي الشَّرْح العضدي بعد تَعْرِيف النّسخ بِرَفْع الحكم الشَّرْعِيّ بِدَلِيل شَرْعِي مُتَأَخّر، وَقَوله مُتَأَخّر ليخرج، نَحْو: صل عِنْد كل زَوَال إِلَى آخر الشَّهْر وَإِن كَانَ يُمكن أَن يُقَال أَنه لَيْسَ يرفع التَّوَهُّم مِمَّا يقْصد فِي الْحُدُود انْتهى. وَالْمُصَنّف ترك ذكر الدَّلِيل الشَّرْعِيّ لِأَن رفع تعلق الحكم الشَّرْعِيّ لَا يُمكن بِدُونِهِ فَذكره مُسْتَلْزم لذكره وَكَون ذَلِك الدَّلِيل مُتَأَخِّرًا عَن الحكم الْمَرْفُوع تعلقه يعلم من مَفْهُوم الرّفْع لِأَنَّهُ فرع وجوده السَّابِق، وَفسّر الشَّارِح التَّأَخُّر بالتراخي وَلَيْسَ بجيد إِذْ الرّفْع لَا يدل عَلَيْهِ وَلَا يلْزمه، ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا فسر التَّأَخُّر بالتراخي لِأَن الْمُتَأَخر قد يكون مُخَصّصا نَاسِخا كالاستثناء والمخصص الأول انْتهى. وَأَنت خَبِير بِأَن الِاسْتِثْنَاء قد خرج بِمُطلق والمخصص الأول لم يرفع تعلق الحكم بل بَين أَن مَا خصص بِهِ لم يكن مُتَعَلّقه (والسمعي المستقل) بِنَفسِهِ (دَلِيله) أَي الرّفْع الَّذِي هُوَ النّسخ (وَقد يَجْعَل) النّسخ (إِيَّاه) أَي الدَّلِيل (اصْطِلَاحا) كَمَا وَقع (فِي قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ) هُوَ (اللَّفْظ الدَّال على ظُهُور انْتِفَاء شَرط دوَام الحكم الأول) فِي الشَّرْح العضدي مَعْنَاهُ أَن الحكم كَانَ دَائِما فِي علم الله دواما مَشْرُوطًا بِشَرْط لَا يُعلمهُ إِلَّا هُوَ، وَأجل الدَّوَام أَن يظْهر انْتِفَاء ذَلِك بِالشّرطِ الْمُكَلف فَيَنْقَطِع الحكم وَيبْطل دَوَامه، وَمَا ذَلِك إِلَّا بتوفيقه تَعَالَى إِيَّاه، فَإِذا قَالَ قولا دَالا

стр. 879

عَلَيْهِ فَذَلِك هُوَ النّسخ (و) فِي قَول (الْغَزالِيّ) وفَاقا للْقَاضِي أبي بكر (الْخطاب الدَّال على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ الأول على وَجه لولاه كَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ) فَخرج نَحْو: لَا تَصُومُوا بعد غرُوب الشَّمْس بعد أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل، لِأَنَّهُ وَإِن دلّ على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت لَكِن لَا على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه لِأَنَّهُ لَو اتَّصل بِهِ لَكَانَ بَيَانا لمُدَّة الحكم كالشرط وَالصّفة والغاية وَالِاسْتِثْنَاء، كَذَا ذكره الشَّارِح. (وَمَا قيل) وَعَزاهُ ابْن الْحَاجِب إِلَى الْفُقَهَاء (النَّص الدَّال على انْتِهَاء أمد الحكم) أَي غَايَته (مَعَ تراخيه عَن مورده) أَي زمَان وُرُود الحكم الأول احْتِرَاز عَن الْبَيَان الْمُتَّصِل بالحكم مُسْتقِلّا كَانَ أَو غير مُسْتَقل، وَهَذِه التعاريف غير مرضية (فَإِنَّهُ اعْترض عَلَيْهَا) أَي على هَذِه التعاريف (بِأَن جِنْسهَا) من اللَّفْظ وَالْخطاب وَالنَّص (دَلِيله) أَي النّسخ (لَا هُوَ) أَي النّسخ، وَقد يُقَال: النّسخ الحكم بِالْآيَةِ وَالْخَبَر (وَأجِيب بالتزامه) أَي كَون جِنْسهَا نفس النّسخ (كَمَا أَنه) أَي جِنْسهَا هُوَ (الحكم) وَهُوَ خطاب الله الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف إِلَى آخِره. فِي الشَّرْح العضدي، وَقد يُجَاب عَنْهَا بِأَنَّهُ قد علم أَن الحكم يَدُوم مَا وجد شَرط دَوَامه وَلَيْسَ شَرطه إِلَّا عدم قَول الله تَعَالَى الدَّال على انتفائه، فقاطع الدَّوَام هُوَ ذَلِك القَوْل، وَهُوَ النّسخ، فَكَمَا أَن الحكم لَيْسَ إِلَّا قَوْله افْعَل، فالنسخ لَيْسَ إِلَّا ذَلِك القَوْل (وَهَذَا) أَي كَون الْكَلَام نفس الحكم (إِنَّمَا يَصح) حَقِيقَة (فِي) الْكَلَام (النَّفْسِيّ والمجعول جِنْسا) فِي التعاريف الْمَذْكُورَة (اللَّفْظ) لتصريحهم بِهِ (وَلِأَنَّهُ) أَي الْجِنْس الْمَذْكُور (جعل دَالا لنا، والنفسي مَدْلُول) عَلَيْهِ بِهِ (وَأَيْضًا يدْخل قَول الْعدْل نسخ) حكم كَذَا فِي التعاريف الْمَذْكُورَة لصدقها عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بنسخ فَلَا تكون مطردَة (وَيخرج) عَنْهَا (فعله ﷺ وَقد يكون النّسخ بِهِ فَلَا تكون منعكسة (وَأجِيب بِأَن المُرَاد) بِالدَّال فِي التعاريف (الدَّال بِالذَّاتِ) أَي بِاعْتِبَار الذَّات لَا بِوَاسِطَة مَا يفهم مِنْهُ (وهما) أَي قَول الْعدْل وَفعله ﷺ (دَلِيلا ذَلِك، لَا هُوَ) أَي الدَّال بِالذَّاتِ (وَخص الْغَزالِيّ بورود اسْتِدْرَاك) قَوْله على وَجه الخ) لِأَن مَا قصد بِهِ إِخْرَاجه وَقد عَرفته آنِفا غير دَاخل فِي الدَّال على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت إِلَى آخِره إِذْ لم يثبت الصَّوْم بعد الْغُرُوب وَلم يظْهر لَهُ فَائِدَة أُخْرَى (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْقَيْد الْمَذْكُور (احْتِرَاز عَن قَول الْعدْل لِأَنَّهُ) أَي قَول الْعدْل (لَيْسَ كَذَلِك) أَي لولاه لَكَانَ ثَابتا (لِأَن الِارْتفَاع) للْحكم لَيْسَ بقول الْعدْل بل (بقول الشَّارِع قَالَه هُوَ) أَي الْعدْل (أَولا) أَي أَو لم يقلهُ (والتراخي لإِخْرَاج الْمُقَيد بالغاية) وَنَحْوهَا من المخصصات الْمُتَّصِلَة (وَلَا يخفى أَن صِحَّته) أَي هَذَا الْجَواب (توجب اعْتِبَار قَول الْعدْل دَاخِلا) فِي الْخطاب الدَّال إِلَى آخِره، إِذْ لَا يحْتَرز عَمَّا لَيْسَ بداخل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد الدَّال بِالذَّاتِ فَلَا يكون دَاخِلا

стр. 880

(فَلَا ينْدَفع) النَّقْض بقوله الْعدْل (عَن) التعريفين (الآخرين) الأول وَالثَّالِث لإيجابه حمل الدَّال على أَعم مِمَّا يكون بِالذَّاتِ (وَلَو صَحَّ ذَلِك) أَي رفع الإيرادين عَنْهُمَا (بادعاء أَنه) أَي الدَّال بِالذَّاتِ هُوَ (الْمُتَبَادر من الدَّال لزم الِاسْتِدْرَاك) الْمَذْكُور على الْغَزالِيّ فدار الْأَمر بَين دُخُول قَول الْعدْل فِي صدر التعاريف الثَّلَاثَة وَيلْزمهُ الِاسْتِدْرَاك وَبَين دُخُوله وَعدم اندفاع الْبَعْض بقول الْعدْل عَن التعريفين (ويندفع قَول) الْعدْل (الرَّاوِي) نسخ كَذَا (عَن (الثَّالِث) وَهُوَ النَّص الدَّال على انْتِهَاء أمد الحكم مَعَ تراخيه عَن مورده (أَيْضا) أَي كَمَا ينْدَفع بِإِرَادَة الدَّال بِالذَّاتِ (بِأَنَّهُ) أَي قَوْله (لَيْسَ بِنَصّ فِي) الْمَعْنى (الْمُتَبَادر) مِنْهُ لما فِيهِ من الِاحْتِمَال، إِن أَرَادَ بِالنَّصِّ مَا يُقَابل الظَّاهِر فكونه لَيْسَ بِنَصّ فِيهِ على الْإِطْلَاق مَمْنُوع، وَإِن أَرَادَ بِهِ مَا يُقَابل الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس: وَهُوَ الْكتاب وَالسّنة، وَقَول الرَّاوِي لَيْسَ مِنْهُمَا فَقَوله فِي الْمُتَبَادر يَأْبَى عَنهُ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار مَا هُوَ الْمُتَبَادر من لفظ النَّص، وَقد يُقَال مُرَاده أَن الرَّاوِي قد يظنّ أَن الحكم مَنْسُوخا وَلَيْسَ كَذَلِك فِي الْوَاقِع (وَذكرهمْ) أَي الْفُقَهَاء (الِانْتِهَاء) فِي تَعْرِيف النّسخ (دون الرّفْع) كَمَا فِي الثَّالِث (إِن كَانَ لظُهُور فَسَاده) أَي ذَلِك الرّفْع (إِذْ لَا يرْتَفع الْقَدِيم لم يفد) ذكر الِانْتِهَاء (لِأَنَّهُ) أَي الرّفْع (لَازم الِانْتِهَاء) لِأَنَّهُ إِذا انْتهى ارْتَفع، على أَن الْقَدِيم كَمَا لَا يرْتَفع لَا يَنْتَهِي، وَإِن أُرِيد انْتِهَاء تعلقه فَكَذَلِك الرّفْع (وَإِن) كَانَ ذكرهم إِيَّاه (لِاتِّفَاق اختيارهم عبارَة أُخْرَى) لَا لقصد ذَلِك: يَعْنِي قصدُوا تعبيرا آخر فَوَقع فِيهِ ذكر الِانْتِهَاء اتِّفَاقًا (فَلَا بَأْس) إِذْ لَا حجر فِي ذَلِك. مسئلة (أجمع أهل الشَّرَائِع على جَوَازه) أَي النّسخ عقلا (ووقوعه) نسخا (وَخَالف غير العيسوية من الْيَهُود فِي جَوَازه ففرقة) وهم الشمعونية مِنْهُم ذَهَبُوا إِلَى امْتِنَاعه (عقلا، وَفرْقَة) هم العنانية إِلَى امْتِنَاعه (سمعا) أَي نصا لَا عقلا، واعترف بِجَوَازِهِ عقلا وسمعا العيسوية مِنْهُم وهم أَصْحَاب أبي عِيسَى الْأَصْفَهَانِي المعترفون ببعثه نَبيا مُحَمَّد ﷺ إِلَى بني إِسْمَاعِيل خَاصَّة وهم الْعَرَب، لَا إِلَى الْأُمَم كَافَّة (و) خَالف (أَبُو مُسلم الْأَصْفَهَانِي) المعتزلي الملقب بِالْحَافِظِ واسْمه مُحَمَّد ابْن بَحر، وَقيل ابْن عمر، وَقيل هُوَ عَمْرو بن يحيى وَهُوَ مَعْرُوف بِالْعلمِ ذُو تَأْلِيفَات كَثِيرَة مَا بَين تَفْسِير وَغَيره (فِي وُقُوعه فِي شَرِيعَة وَاحِدَة) وَحكى الإِمَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه إِنْكَاره نسخ شَيْء من الْقُرْآن لِأَنَّهُ تَعَالَى وصف كِتَابه بِأَنَّهُ - ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ - فَلَو نسخ بعضه لبطل وَأجَاب الْبَيْضَاوِيّ بِأَن الضَّمِير لمجموع الْقُرْآن، وَهُوَ لَا ينْسَخ اتِّفَاقًا، وَفِي
следующие страницы →