← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

والكرخي والصيرفي وَبَعض الْمُعْتَزلَة كَأبي هَاشم (إِجْمَاع ظَنِّي أَو حجَّة ظنية) وَقيل إِن كَانَ الساكتون أقل كَانَ إِجْمَاعًا وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ مُخْتَار الْجَصَّاص، وَقيل إِن وَقع فِي شَيْء مفوت استدراكه من اراقة دم واستباحة فرج فإجماع وَإِلَّا فحجة، وَذهب الرَّوْيَانِيّ إِلَى هَذَا التَّفْصِيل فِيمَا إِذا كَانَ فِي عصر الصَّحَابَة وَألْحق الْمَاوَرْدِيّ التَّابِعين بالصحابة فِي ذَلِك، وَذكر النَّوَوِيّ أَنه الصَّحِيح. قَالَ (الْحَنَفِيَّة لَو شَرط سَماع قَول كل) من المجمعين (انْتَفَى) الْإِجْمَاع (لتعذره) أَي سَماع قَول كل (عَادَة) قَالَ السَّرخسِيّ: إِذْ لَيْسَ فِي وسع عُلَمَاء الْعَصْر السماع من الَّذين كَانُوا قبلهم بقرون فَهُوَ سَاقِط عِنْدهم، لِأَن المتعذر كالممتنع، وَكَذَا يتَعَذَّر السماع عَن جَمِيع عُلَمَاء الْعَصْر وَالْوُقُوف على قَول كل فريق مِنْهُم فِي حكم حَادِثَة حَقِيقَة لما فِيهِ من الْحَرج الْبَين، لَكِن الْإِجْمَاع غير مُنْتَفٍ فَالشَّرْط الْمَذْكُور مُنْتَفٍ انْتهى. وَأَنت خَبِير بِأَن الْفرق بَين السماع من الَّذين قبلهم بقرون وَبَين السماع من جَمِيع عُلَمَاء الْعَصْر فِي غَايَة الوضوح فَكيف يُقَاس هَذَا عَلَيْهِ، الأول كالمحال، وَالثَّانِي فِيهِ بعض حرج، وَالْفرق بَين السكوتي والقولي حِينَئِذٍ بالتتبع لكيفية وُقُوعه. (وَأَيْضًا الْعَادة فِي كل عصر إِفْتَاء الأكابر وسكوت الأصاغر تَسْلِيمًا، وللإجماع على أَنه) أَي السكوتي (إِجْمَاع فِي الْأُمُور الاعتقادية فَكَذَا) الْأَحْكَام (الفرعية) بل يثبت هَهُنَا بطرِيق أولى. قَالَ (النافون) لحجيته (مُطلقًا) أَي قطعا وظنا (السُّكُوت يحْتَمل غير الْمُوَافقَة من خوف أَو تفكر أَو عدم اجْتِهَاد أَو تَعْظِيم) للقائل فَلَا يكون إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة مَعَ قيام هَذِه الِاحْتِمَالَات. (أجَاب الظني) أَي الْقَائِل بِأَنَّهُ إِجْمَاع ظَنِّي (بِأَنَّهُ) أَي السُّكُوت (ظَاهر فِي الْمُوَافقَة) للمفتي وَالْقَاضِي (وَفِي غَيرهَا) أَي وَالسُّكُوت فِي غير الْمُوَافقَة مِمَّا ذكر (احتمالات) غير ظَاهِرَة وَهِي (لَا تَنْفِي الظُّهُور. و) أجَاب (الْحَنَفِيَّة) بِأَنَّهُ (انْتَفَى الأول) وَهُوَ السُّكُوت للخوف (بِالْعرضِ) حَيْثُ قُلْنَا وَلَا تقية (و) انْتَفَى (مَا بعده) وَهُوَ السُّكُوت للتفكر (بِمُضِيِّ مُدَّة التَّأَمُّل فِيهِ عَادَة، و) السُّكُوت (للتعظيم بِلَا تقية فسق) لترك الْوَاجِب الَّذِي هُوَ الرَّد لِأَن الْفَتْوَى أَو الْقَضَاء إِذا كَانَ غير حق يكون مُنْكرا وَاجِب الرَّد فَلَا ينْسب إِلَى المتدين، وَلَا سِيمَا أَئِمَّة الدّين. (وَمَا) روى (عَن ابْن عَبَّاس فِي سُكُوته عَن عمر فِي القَوْل) من قَوْله (كَانَ مهيبا نفوا) أَي الْحَنَفِيَّة كفخر الْإِسْلَام وَالْقَاضِي أبي زيد (صِحَّته) عَنهُ نقلا (وَلِأَنَّهُ) أَي عمر ﵁ (كَانَ يقدمهُ) أَي ابْن عَبَّاس (على كثير من الأكابر) ويسأله عَن مسَائِل (ويستحسن قَوْله) فَعَنْهُ كَانَ عمر يدخلني مَعَ أَشْيَاخ بدر فَكَانَ بَعضهم وجد فِي نَفسه فَقَالَ: لم يدْخل هَذَا مَعنا وَلنَا أَبنَاء مثله؟ فَقَالَ عمر: أَنه من حَيْثُ علمْتُم فَدَعَا ذَات يَوْم فَأَدْخلنِي مَعَهم فَمَا رَأَيْت أَنه دَعَاني يَوْمئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ، قَالَ مَا تَقولُونَ

стр. 947

فِي قَول الله - ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ - فَقَالَ بَعضهم: أمرنَا أَن نحمد الله وَنَسْتَغْفِرهُ إِذا نصرنَا وَفتح علينا، فَسكت بَعضهم فَلم يقل شَيْئا، فَقَالَ لي أكذاك تَقول يَا ابْن عَبَّاس؟ فَقلت لَا، قَالَ فَمَا نقُول؟ قلت هُوَ أجل رَسُول الله ﷺ أعلمهُ لَهُ قَالَ ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ وَذَلِكَ عَلامَة أَجلك ﴿فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا﴾، فَقَالَ عمر مَا أعلم مِنْهَا إِلَّا مَا تَقول: رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَعنهُ قَالَ دَعَا عمر الْأَشْيَاخ من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ذَات يَوْم فَقَالَ لَهُم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي لَيْلَة الْقدر " التمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر وترا فَفِي أَي التوتر ترونها؟ فَقَالَ رجل بِرَأْيهِ إِنَّهَا تاسعة سابعة خَامِسَة ثَالِثَة، فَقَالَ يَا ابْن عَبَّاس تكلم، قلت أَقُول برأيي. قَالَ عَن رَأْيك أَسأَلك، قلت إِنِّي سَمِعت الله أَكثر من ذكر السَّبع فَذكر الحَدِيث وَفِي آخِره. قَالَ عمر أعجزتم أَن تَقولُوا مثل مَا قَالَ هَذَا الْغُلَام الَّذِي لم تستو شؤون رَأسه. أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُسْند عمر وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد إِلَى غير ذَلِك (وَكَانَ) عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (أَلين للحق) وَأَشد انقيادا لَهُ من غَيره (وَعنهُ) ﵁ (لَا خير فِيكُم إِن لم تَقولُوا) يَعْنِي كلمة الْحق (وَلَا خير فِي ان لم أسمع) ذكره فِي التَّقْوِيم وَغَيره (وقصته مَعَ الْمَرْأَة فِي نَهْيه عَن مغالاة الْمهْر شهيرة) رَوَاهُ غير وَاحِد مِنْهُم أَبُو يعلى الْموصِلِي بِسَنَد قوي عَن مَسْرُوق قَالَ: ركب عمر ابْن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مِنْبَر رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس مَا إكْثَاركُمْ فِي صدَاق النِّسَاء وَقد كَانَ الصَّدقَات فِيمَا بَين رَسُول الله ﷺ وَبَين أَصْحَابه أَرْبَعمِائَة دِرْهَم فَمَا دون ذَلِك وَلَو كَانَ الْإِكْثَار فِي ذَلِك تقوى عِنْد الله أَو مكرمَة لم تَسْبِقُوهُمْ إِلَيْهَا فَلَا أَعرفن مَا زَاد رجل فِي صدَاق امْرَأَة على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، قَالَ ثمَّ نزل فَاعْتَرَضتهُ امْرَأَة من قُرَيْش فَقَالَت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نهيت النَّاس أَن يزِيدُوا النِّسَاء فِي صداقهن على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، قَالَ نعم قَالَت: أما سَمِعت الله يَقُول - ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾ - فَقَالَ عمر اللَّهُمَّ عفوا كل أحد أفقه من عمر، قَالَ ثمَّ رَجَعَ فَركب الْمِنْبَر ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي كُنْتُم نَهَيْتُكُمْ أَن تَزِيدُوا النِّسَاء فِي صداقهن على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم فَمن شَاءَ أَن يُعْطي من مَاله مَا أحب. قَالَ الشَّارِح لَكِن فِي نفي صِحَة اعتذار ابْن عَبَّاس عَن ترك مُرَاجعَة عمر بالهيبة نظر، فقد روى الطَّحَاوِيّ وَإِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق وَالْقَاضِي فِي الْأَحْكَام عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة قَالَ: دخلت أَنا وَزفر بن الْحدثَان على ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا بعد مَا ذهب بَصَره فتذاكرنا فَرَائض الْمَوَارِيث فَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَتَرَوْنَ من أحصى رمل عالج عددا لم يخص فِي مَال نصفا وَنصفا وَثلثا إِذا ذهب نصف وَنصف فَأَيْنَ الثُّلُث، فساق الحَدِيث، ورأيه فِي ذَلِك وَفِي آخِره، فَقَالَ لَهُ زفر مَا مَنعك أَن تُشِير عَلَيْهِ بِهَذَا الرَّأْي، قَالَ هَيْبَة وَالله. قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ مَوْقُوف حسن انْتهى، فَإِن قلت كَيفَ تمنع المهابة

стр. 948

عَن إِظْهَار الْحق قُلْنَا لعلمه بِأَنَّهُ علم الآراء فِيهِ، وَاخْتَارَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور وَاسْتَحْسنهُ وَلم يرجع عَن ذَلِك، وَلَا فَائِدَة فِي المناظرة والمحاجة مَعَه، والاحتشام والإجلال مَنعه عَن أَمر علم فَائِدَته وَلم يبْق إِلَّا احْتِمَال مَرْجُوح وَهُوَ أَن يرجع بمناظرته، وَقيل يُمكن أَنه لم يكن إِذْ ذَاك فِي دَرَجَة الِاجْتِهَاد (وَقد يُقَال السُّكُوت عَن) إِنْكَار (الْمُنكر مَعَ الْقُدْرَة) عَلَيْهِ (فسق، وَقَول الْمُجْتَهد لَيْسَ إِيَّاه) أَي مُنْكرا (فَلَا يجب) على الْمُجْتَهد السَّاكِت (إِظْهَار خِلَافه) أَي خلاف الْمُجْتَهد الْمُفْتِي أَو القَاضِي (ليَكُون السُّكُوت) عَن إِنْكَاره (فسقا، بل هُوَ) أَي الْمُجْتَهد السَّاكِت (مُخَيّر) بَين السُّكُوت وَإِظْهَار الْخلاف، وَهَذَا (بِخِلَاف الاعتقادي فَإِنَّهُ) أَي الْمُجْتَهد فِيهِ (مُكَلّف) فِيهِ (بِإِصَابَة الْحق فَغَيره) أَي غير الْحق إِذا أَتَى بِهِ (عَن اجْتِهَاد مُنكر فَامْتنعَ السُّكُوت) فِيهِ كَيْلا يكون ساكتا عَن مُنكر فيضيق (إِلَّا أَن يُقَال يجب) على السَّاكِت إِظْهَار خلاف قَول الْمُفْتِي وَالْقَاضِي فِي الْفُرُوع أَيْضا (لتجويزه) أَي الْمُجْتَهد السَّاكِت (رُجُوع الْمُفْتى) أَو القَاضِي (إِلَيْهِ) أَي إِلَى قَوْله (لحقيته) أَي حقية قَول السَّاكِت فِي اعْتِقَاده ورجاء أَن يظْهر ذَلِك عِنْد الْمُفْتِي أَو القَاضِي فَيرجع إِلَيْهِ، وَقد يُقَال أَن هَذَا التجويز لَا يقتضى وجوب إِظْهَار الْخلاف، كَيفَ وَهُوَ يعلم أَن كلا من الافتاء وَالْقَضَاء صَحِيح وَاجِب الْعَمَل فِي حق الْمُفْتِي وَالْقَاضِي وَإِن كَانَ خطأ فِي نفس الْأَمر وسيشير إِلَيْهِ. قَالَ الشَّارِح على أَنا سنذكر من الْمِيزَان أَن العملى والاعتقادي فِي الْجَواب سَوَاء على قَول أهل السّنة وَالْقَائِل بِأَن الْمُجْتَهد قد يُخطئ ويصيب (واذن) أَي وَإِذا كَانَ الْإِظْهَار وَاجِبا للتجويز الْمَذْكُور (فَقَوْل معَاذ فِي جلد الْحَامِل) الَّتِي زنت لما هم عمر بجلدها أَن جعل الله لَك على ظهرهَا سَبِيلا (مَا جعل الله لَك على مَا فِي بَطنهَا سَبِيلا) فَقَالَ لَوْلَا معَاذ لهلك عمر (للْوُجُوب) أَي بِسَبَب وجوب إِظْهَار الْمُخَالفَة على الْمُجْتَهد (فَيبْطل) بِهِ (تَفْصِيل ابْن أبي هُرَيْرَة) الْمشَار إِلَيْهِ بقوله وَابْن أبي هُرَيْرَة كَذَلِك لَا فِي الْقَضَاء (لكنه) أَي وجوب إِظْهَار الْمُخَالفَة إِذا جوز رُجُوعه إِلَيْهِ (مَمْنُوع) لِأَن التجويز غير مُلْزم، وَلَيْسَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُجْتَهد الأول مَعْلُوم الْبطلَان وَإِن كَانَ خطأ فَالْعَمَل بِهِ صَحِيح بظنه، وَلَا نسلم أَن قَول معَاذ يدل على الْوُجُوب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَقَول معَاذ اخْتِيَار لأحد الجائزين) من السُّكُوت وَإِظْهَار الْمُخَالفَة (أَو) إِظْهَار الْمُخَالفَة وَاجِب (فِي خُصُوص) هَذِه (الْمَادَّة) لما فِيهِ من صِيَانة نفس مُحْتَرمَة عَن تعرضها للهلاك (وَقَوله) أَي ابْن أبي هُرَيْرَة (الْعَادة أَن لَا يُنكر الحكم بِخِلَاف الْفَتْوَى) فَإِنَّهَا تنكر فَلَا يكون السُّكُوت فِي الْقَضَاء دَلِيل الْمُوَافقَة وَيكون فِي الْفَتْوَى دليلها، وَقَوله مُبْتَدأ حبره (يعد اسْتِقْرَار الْمذَاهب) لَا قبله والنزاع إِنَّمَا هُوَ فِيمَا قبله، مفَاد هَذِه الْعبارَة أَن الْفرق بَينهمَا بالإنكار وَعَدَمه بعد الِاسْتِقْرَار مُسلم، وَأما قبله فكلاهما يُنكر، وَلَا يخفى أَن استقرارها

стр. 949

إِنَّمَا يكون سَببا لعدم الْإِنْكَار فِي الحكم، لِأَن الْمذَاهب إِذا تقررت وَعرف أهل كل مَذْهَب لَا وَجه للإنكار على صَاحب مَذْهَب فِي الْعَمَل على مُوجبه، وَهَذِه الْعلَّة مُشْتَركَة بَين الحكم وَالْفَتْوَى فَلَا وَجه للْفرق بَين الِاسْتِقْرَار أَيْضا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال ارتباط الظّرْف بالْقَوْل بِاعْتِبَار عدم إِنْكَار الحكم فَقَط، لَا بِاعْتِبَار التَّفْرِقَة بَينهمَا فَتَأمل (وَقَول الجبائي) فِي اعْتِبَاره الْإِجْمَاع السكوتي بِشَرْط الانقراض (الِاحْتِمَالَات) الْمَذْكُورَة من الْخَوْف والتفكر وَغَيرهمَا (تضعف بعد الانقراض) لبعد اسْتِمْرَار هَذِه الْمَوَانِع إِلَى انْقِرَاض عصرهم (لَا قبله) أَي الانقراض (مَمْنُوع بل الضعْف) لَهَا (يتَحَقَّق بعد مُضِيّ مُدَّة التَّأَمُّل فِي مثله) أَي فِي مثل ذَلِك القَوْل (عَادَة وَمن الْمُحَقِّقين) إِشَارَة إِلَى مَا فِي الشَّرْح العضدي (من قيد قطعيته) أَي الْإِجْمَاع السكوتي (بِمَا إِذا كثر) وُقُوع تِلْكَ الْحَادِثَة (وتكرر) تكررا يكون (فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى) وَهُوَ: أَي هَذَا التَّقْيِيد أوجه، هَكَذَا فِي نُسْخَة اعْتمد عَلَيْهَا، وَفِي نُسْخَة الشَّارِح (وَحِينَئِذٍ يحْتَمل) أَن يكون مُفِيدا للْقطع بمضمونه على مَا فسره، وَقَالَ السُّبْكِيّ تكَرر الْفتيا مَعَ طول الْمدَّة وَعدم الْمُخَالفَة يفضى إِلَى الْقطع وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ. مسئلة (إِذا أجمع على قَوْلَيْنِ فِي مسئلة) فِي عصر (لم يجز إِحْدَاث) قَول (ثَالِث) فِيهَا (عِنْد الْأَكْثَر) مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ فِي المعالم، وَنَصّ عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحسن وَالشَّافِعِيّ فِي رسَالَته (وَخَصه) أَي عدم جَوَاز إِحْدَاث ثَالِث (بعض الْحَنَفِيَّة بالصحابة) أما إِذا كَانَ الْإِجْمَاع على قَوْلَيْنِ مِنْهُم فَلم يجوزوا لمن بعدهمْ أَحْدَاث ثَالِث فِيهَا (ومختار الْآمِدِيّ) وَابْن الْحَاجِب يجوز إِن لم يرفع شَيْئا مِمَّا أجمع عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ، وَلَا يجوز (إِن رفع مجمعا عَلَيْهِ كرد الْمُشْتَرَاة بكرا بعد الْوَطْء لعيب قبل الْوَطْء) كَانَ بهَا عِنْد البَائِع على المُشْتَرِي بعد الْوَطْء (قيل لَا) يردهَا (وَقيل) يردهَا (مَعَ الْأَرْش) أَي أرش الْبكارَة. (لَا يُقَال) يردهَا (مجَّانا) أَي بِغَيْر أرش الْبكارَة لِأَنَّهُ قَول ثَالِث رَافع لمجمع عَلَيْهِ. نقل الأول عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، وَالثَّانِي عَن عمر وَزيد بن ثَابت، وأنهما قَالَا يرد مَعهَا عشر قيمتهَا إِن كَانَت بكرا، وَنصف عشر قيمتهَا إِن كَانَت ثَيِّبًا، فقد اتَّفقُوا على عدم ردهَا مجَّانا. قَالَ الشَّارِح: وَقَالَ شَيخنَا الْحَافِظ، وَفِي هَذَا الْمِثَال نظر. فَإِن الَّذِي يرْوى عَنْهُم ذَلِك من الصَّحَابَة لم يثبت عَنْهُم، وَأما التابعون فَصحت عَنْهُم الْأَقْوَال الثَّلَاثَة: الأول عَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَالثَّانِي عَن سعيد بن الْمسيب وَشُرَيْح وَمُحَمّد ابْن سِيرِين وَكثير، وَالثَّالِث عَن الْحَارِث العكلي وَهُوَ من فُقَهَاء الْكُوفَة من أَقْرَان إِبْرَاهِيم

стр. 950

النَّخعِيّ (ومقاسمة الْجد) الصَّحِيح، وَهُوَ الَّذِي لَا يدْخل فِي نسبته إِلَى الْمَيِّت أُنْثَى (الْأُخوة) لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب (وحجبه الْأُخوة فَلَا يُقَال بحرمانه) أَي بحرمان الْجد بهم لِأَنَّهُ قَول ثَالِث رَافع الْمجمع عَلَيْهِ لِاتِّفَاق الْقَوْلَيْنِ على أَن للْجدّ حظا من الْمِيرَاث، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي قدره. وَنقل الشَّارِح عَن شَيْخه الْمَذْكُور فِي هَذَا الْمِثَال أَيْضا أقوالا ثَلَاثَة مَشْهُورَة عَن الصَّحَابَة: حجبه لَهُم عَن أبي بكر الصّديق وَعمر وَعُثْمَان وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَغَيرهم، وَأَنه رَجَعَ بَعضهم إِلَى الْمُقَاسَمَة، وَهُوَ قَول الْأَكْثَر، وَجَاء حرمانه عَن زيد بن ثَابت وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الرَّحْمَن ابْن غنم، ثمَّ رَجَعَ زيد وَعلي إِلَى الْمُقَاسَمَة. ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يثبت إِجْمَاع من بعدهمْ على بطلَان الثَّالِث الَّذِي هُوَ الحرمان فَلَا يسمع بعد ذَلِك بِنَاء على أَن الْإِجْمَاع اللَّاحِق يرفع الْخلاف السَّابِق (وعدة الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا) زَوجهَا (بِالْوَضْعِ) لحملها كَمَا عَلَيْهِ عَامَّة أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَغَيرهم (أَو أبعد الْأَجَليْنِ) من الْوَضع ومضي أَرْبَعَة أشهر وَعشر كَمَا روى عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس. (لَا يُقَال) تنقضى عدتهَا (بِالْأَشْهرِ فَقَط) لِأَنَّهُ قَول ثَابت رَافع لمجمع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا مضى الشَّهْر الأول وَلم تضع الْحمل اتّفق الْفَرِيقَانِ على عدم مُضِيّ الْعدة. أما على القَوْل بِالْوَضْعِ فَظَاهر، وَأما على القَوْل بالأبعد فَإِن الْأَبْعَد يتَحَقَّق (بِخِلَاف الْفَسْخ) للنِّكَاح (بالعيوب) من الْجُنُون والجذام والبرص والجب والعنة والقرن والرتق وَعدم الْفَسْخ بهَا (وَزَوْجَة وأبوين أَو زوج) وأبوين (للْأُم ثلث الْكل أَو ثلث مَا بَقِي) بعد فرض الزَّوْجَيْنِ (يجوز) فيهمَا قَول ثَالِث وَهُوَ (التَّفْصِيل فِي الْعُيُوب). قَالَ الشَّارِح: الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فِيهَا مَشْهُورَة عَن الصَّحَابَة (وَبَين الزَّوْج وَالزَّوْجَة) فَإِن التَّفْصِيل فِي كل من هذَيْن لَا يرفع مجمعا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَافق فِي كل صُورَة قولا. (وَطَائِفَة) كالظاهرية وَبَعض الْحَنَفِيَّة قَالُوا (يجوز) إِحْدَاث ثَالِث (مُطلقًا) سَوَاء كَانَ المجمعون على قَوْلَيْنِ الصَّحَابَة أَو غَيرهم، وَسَوَاء رفع الثَّالِث مجمعا عَلَيْهِ أَو لم يرفع. قَالَ (الْآمِدِيّ) إِنَّمَا يجوز الْأَحْدَاث إِذا لم يرفع مجمعا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ (لم يُخَالف مجمعا) عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي خلاف الْمجمع عَلَيْهِ (الْمَانِع) من الْأَحْدَاث لِأَنَّهُ خرق للْإِجْمَاع وَلم يُوجد (بل) الثَّالِث حِينَئِذٍ (وَافق كلا) من الْقَوْلَيْنِ (فِي شَيْء) إِذْ حَاصِل التَّفْصِيل كَون الْمفصل مَعَ أحد الْفَرِيقَيْنِ فِي صُورَة، وَمَعَ الآخر فِي غير تِلْكَ الصُّورَة. وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن الطَّائِفَتَيْنِ أجمعتا على عدم التَّفْصِيل. فالتفصل خلاف الْإِجْمَاع قَالَ (وَكَون عدم التَّفْصِيل مجمعا مَمْنُوع بل هُوَ) أَي الْإِجْمَاع على عدم التَّفْصِيل (القَوْل بِهِ) أَي بِعَدَمِ التَّفْصِيل، وَالْفَرْض أَنهم سكتوا عَنهُ، بل يجوز عدم خطوره ببالهم فَكيف يكون مجمعا عَلَيْهِ لَهُم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْأَمر كَذَلِك بِأَن يكون السُّكُوت عَن الشَّيْء قولا بِعَدَمِهِ (امْتنع القَوْل فِيمَا يحدث) أَي فِي

стр. 951

مسئلة لم يَقع ذكرهَا بَين الْعلمَاء، وَفِي الزَّمَان السَّابِق وَلَيْسَ لأحد مِنْهُم قَول فِيهَا (إِذْ) لَو (كَانَ عدم القَوْل قولا بِالْعدمِ) أَي بِعَدَمِ القَوْل على ذَلِك التَّقْدِير، فَذَلِك بَاطِل إِجْمَاعًا فَإِن قلت فرق بَين أَن لم يكن للمسئلة ذكر أصلا، وَبَين أَن يَقع الِاجْتِهَاد فِي طلب الثَّوَاب فِيهَا. ثمَّ ينْحَصر مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي الْقَوْلَيْنِ قلت مَعَ ذَلِك لَا يلْزم أَن يخْطر التَّفْصِيل ببالهم فَلم يرتضوا بِهِ ليَكُون قولا بِعَدَمِهِ. (وَلنَا) على الْمُخْتَار وَهُوَ عدم جَوَاز إِحْدَاث الثَّالِث مُطلقًا (لَو جَازَ التَّفْصِيل كَانَ) جَوَازه (مَعَ الْعلم بخطئه) أَي التَّفْصِيل (لِأَنَّهُ) أَي التَّفْصِيل لَا عَن دَلِيل مُمْتَنع فَهُوَ (عَن دَلِيل) وَحِينَئِذٍ (فَإِن اطلعوا) أَي المطلقون (عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك الدَّلِيل (وتركوه أَو لم يطلعوا) عَلَيْهِ (حَتَّى تقرر إِجْمَاعهم على خِلَافه) وَهُوَ الاطلاق وَعدم التَّفْصِيل (لزم خَطؤُهُ) أَي ذَلِك الدَّلِيل (إِذْ لَو كَانَ) أَي ذَلِك الدَّلِيل (صَوَابا) لزم أَن المطلقين وهم جَمِيع مجتهدي الْعَصْر السَّابِق (أخطؤا) بترك الْعَمَل بِهِ علموه أَو جهلوه (والتالي) أَي خطؤهم (مُنْتَفٍ) وَإِلَّا يلْزم اجْتِمَاع الْأمة فِي ذَلِك الْعَصْر على الضَّلَالَة (فَلَيْسَ) دَلِيل التَّفْصِيل (صَوَابا) وَإِذا كَانَ دَلِيل التَّفْصِيل خطأ فدليل من يحدث ثَالِثا بِلَا تَفْصِيل كَانَ أولى بالْخَطَأ إِذْ فِي التَّفْصِيل مُوَافقَة لكل من الْقَوْلَيْنِ فِي شَيْء وَقد عرفت (وَالْمَانِع) من أَحْدَاث القَوْل الثَّالِث (لم ينْحَصر فِي الْمُخَالفَة) لما أجمع عَلَيْهِ. لجَوَاز أَن يكون مانعه الْعلم بِأَنَّهُ لَو صَحَّ لزم خطأ الْكل لما عرفت (مَعَ أَنا نعلم أَن الْمُطلق) من الْفَرِيقَيْنِ (يَنْفِي التَّفْصِيل) لِأَنَّهُ يَقُول: الْحق مَا ذهبت إِلَيْهِ لَا غير (فتضمنه) أَي نفي التَّفْصِيل (إِطْلَاقه) أَي الْمُطلق فَيكون بِمَنْزِلَة التَّنْصِيص على نفي التَّفْصِيل من الْكل. (وَأما قَوْلهم) أَي الْأَكْثَرين بِأَنَّهُ لَو جَازَ التَّفْصِيل (يلْزم تخطئة كل فريق) لكَوْنهم لم يفصلوا (فَيلْزم تخطئتهم) أَي الْأمة كلهَا، وَهُوَ غير جَائِز للنَّص على أَنَّهَا لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة، فالتفصيل غير جَائِز (فَدفع بِأَن المنتفى) فِي النَّص (تخطئة الْكل فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ، لَا تخطئة كل) أَي كل فريق من الْكل (فِي غير مَا خطئَ فِيهِ) وَفِي بعض النّسخ فِي غيرما أَخطَأ فِيهِ (الآخر) ولازم التَّفْصِيل من هَذَا الْقَبِيل قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: وَفِيه نظر وَلم يُبينهُ، وَوَجهه الأسنوى وَغَيره بِأَن الْأَدِلَّة المتضمنة لعصمة الْأمة عَن الْخَطَأ شَامِلَة للصورتين. وَقَالَ السُّبْكِيّ: وَهَذَا النّظر لَهُ أصل مُخْتَلف فِيهِ، وَهُوَ أَنه هَل يجوز انقسام الْأمة إِلَى شطرين كل شطر مُخطئ فِي مسئلة الْأَكْثَر أَنه لَا يجوز، وَاخْتَارَ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب خِلَافه وَهُوَ مُتَّجه ظَاهر فَإِن الْمَحْذُور حُصُول الْإِجْمَاع مِنْهَا على الْخَطَأ إِذْ لَيْسَ كل فَرد من الْأمة بمعصوم فَإِذا انْفَرد كل وَاحِد بخطأ غير خطأ صَاحبه فَلَا إِجْمَاع انْتهى قلت يرجع هَذَا الْكَلَام إِلَى أَن المُرَاد من الضَّلَالَة فِي قَوْله ﷺ " لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة " الشخصية إِذْ

стр. 952

لَو حمل على مُطلق الضَّلَالَة لزم كَونهَا شَامِلَة للصورتين وَالله تَعَالَى أعلم. قَالَ (المجوز مُطلقًا اخْتلَافهمْ) أَي المجمعين على قَوْلَيْنِ (دَلِيل تسويغ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد) فِيهَا لدلالته على كَونهَا اجتهادية والتسويغ الْمَذْكُور من لوازمه (فَلَا يكون) إِجْمَاعهم على قَوْلَيْنِ المتضمن ذَلِك التسويغ (مَانِعا) من إِحْدَاث ثَالِث فِيهَا بل مسوغا لَهُ (أُجِيب) بِأَن اخْتلَافهمْ دَلِيل تسويغ ذَلِك (بِشَرْط عدم حُدُوث إِجْمَاع مَانع) من الِاجْتِهَاد، وَهَهُنَا قد حدث ضمنا لِأَن كلا من الْفَرِيقَيْنِ يَنْفِي قَول الآخر، وكل قَول سوى قَوْله فاختلفا فِي الْقَوْلَيْنِ واتفقا فِيمَا سواهُمَا نفيا، وَالْقَوْل الثَّالِث مِمَّا سواهُمَا (كَمَا لَو اخْتلفُوا) فِي حكم حَادِثَة (ثمَّ أَجمعُوا هم) بِأَنْفسِهِم على قَول وَاحِد فِيهِ. وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ لَوْلَا أَن هَذَا الْكَلَام ذكر فِي مقَام الْمَنْع كَانَ يُقَال لَا يُقَاس الْإِجْمَاع الضمني الْمَشْكُوك فِيهِ على الْإِجْمَاع الصَّرِيح الْمَقْطُوع بِهِ، كَيفَ والمتبادر من الْإِجْمَاع الْمَذْكُور فِي لَا تَجْتَمِع أمتِي إِنَّمَا هُوَ الصَّرِيح. (قَالُوا) أَي المجوزون مُطلقًا أَيْضا (لَو لم يجز) إِحْدَاث قَول ثَالِث (لأنكر إِذْ وَقع) لكنه وَقع (وَلم يُنكر. قَالَ الصَّحَابَة للْأُم ثلث مَا بَقِي) بعد فرض الزَّوْجَيْنِ (فيهمَا) أَي فِي مسئلة زوج وأبوين، وَزَوْجَة وأبوين (و) قَالَ (ابْن عَبَّاس) لَهَا (ثلث الْكل) فيهمَا، روى الدَّارمِيّ عَنهُ وَعَن عَليّ أَيْضا (وأحدث ابْن سِيرِين وَغَيره) وَهُوَ جَابر وَابْن زيد أَبُو الشعْثَاء كَمَا ذكر الْجَصَّاص (أَن) اللَّازِم (فِي مسئلة الزَّوْج) وأبوين (كَابْن عَبَّاس) أَي كَمَا عين لَهَا (و) للْأُم فِي مسئلة (الزَّوْجَة) مَعَ الْأَبَوَيْنِ (كالصحابة وَعكس تَابِعِيّ آخر) وَهُوَ القَاضِي شُرَيْح. كَذَا فِي الْكَافِي، فَفِي مسئلة الزَّوْج كالصحابة، وَفِي مسئلة الزَّوْجَة كَابْن عَبَّاس (وَلم يُنكر) إِحْدَاث كل من هذَيْن الْقَوْلَيْنِ (وَإِلَّا) لَو أنكر (نقل) وَلم ينْقل (أجَاب الْمفصل بِأَنَّهُ) أَي هَذَا التَّفْصِيل (من قسم الْجَائِز) إحداثه إِذْ لم يرفع مجمعا عَلَيْهِ (و) أجَاب (مطلقو الْمَنْع بِمَنْع) كل من (انْتِفَاء الْإِنْكَار وَلُزُوم النَّقْل لَو أنكر، و) لُزُوم (الشُّهْرَة لَو نقل) بل يجوز أَن يكون أنكر وَلم ينْقل الْإِنْكَار، وَيجوز أَن يكون نقل وَلم يشْتَهر فَإِن مثل هَذَا لَيْسَ مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على حِكَايَة إِنْكَاره، وَفِيه تَأمل. مسئلة قَالَ (الْجُمْهُور إِذا أَجمعُوا) أَي أهل عصر (على دَلِيل) لحكم (أَو تَأْوِيل جَازَ إِحْدَاث غَيرهمَا). فِي الشَّرْح العضدي. إِذا اسْتدلَّ أهل الْعَصْر بِدَلِيل، أَو أولُوا تَأْوِيلا فَهَل لمن بعدهمْ إِحْدَاث دَلِيل أَو تَأْوِيل آخر لم يَقُولُوا بِهِ، الْأَكْثَرُونَ على أَنه جَائِز وَهُوَ الْمُخْتَار، وَمنعه الأقلون هَذَا إِذا لم ينصوا على بُطْلَانه، وَأما إِذا نصوا فَلَا يجوز اتِّفَاقًا انْتهى، وَهَذَا الْقَيْد لم يُصَرح بِهِ

стр. 953

المُصَنّف لظُهُوره، إِذْ يسْتَلْزم أَحْدَاث غَيرهمَا على تَقْدِير التَّنْصِيص خلاف الْإِجْمَاع (وَهُوَ الْمُخْتَار، وَقيل لَا) يجوز (لنا) أَن كلا من الدَّلِيل والتأويل (قَول) عَن اجْتِهَاد (لم يُخَالف إِجْمَاعًا لِأَن عدم القَوْل) بذلك الدَّلِيل أَو التَّأْوِيل (لَيْسَ قولا بِالْعدمِ) أَي بِعَدَمِ حقيته، فَجَاز لوُجُود الْمُقْتَضى وَعدم الْمَانِع (بِخِلَاف عدم التَّفْصِيل فِي مسئلة وَاحِدَة) الْمَذْكُور فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة (لِأَنَّهُ) أَي أحد المطلقين (يَقُول لَا يجوز التَّفْصِيل لبُطْلَان دَلِيله) أَي التَّفْصِيل، وَهَذَا القَوْل لَيْسَ بتصريح مِنْهُ، بل (بِمَا ذكرنَا) من أَنه لَو جَازَ التَّفْصِيل كَانَ مَعَ الْعلم بخطئه إِلَى آخِره وَيرد عَلَيْهِ أَن الْمُطلق صَاحب أحد الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة كَابْن عَبَّاس فِيمَا سبق وَكَيف يتَصَوَّر فِيهِ أَن يَقُول بِلِسَان الْحَال لَو جَازَ التَّفْصِيل كَانَ مَعَ الْعلم بخطئه. وَأَقُول يتَصَوَّر لِأَنَّهُ يعلم أَن التَّفْصِيل بَاطِل إِجْمَاعًا فَهُوَ مَعْلُوم الْخَطَأ عِنْده فَهُوَ يَقُول لَو فرض جَوَازه كَانَ مَعَ الْعلم بخطئه وَالْأَظْهَر أَن يُقَال قَوْله مَا ذكرنَا إِشَارَة إِلَى قَوْله مَعَ أَنا نعلم أَن الْمُطلق يَنْفِي التَّفْصِيل إِلَى آخِره، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقُول: الْحق مَا ذهبت إِلَيْهِ لَا غير فَافْهَم (وَكَذَا) الْمُطلق (الآخر) يَقُول مثل ذَلِك القَوْل بذلك التَّأْوِيل (فَيلْزم) من الْأَحْدَاث لَهُ (خطؤهم) أَي الْأمة. (وَأَيْضًا لولم يجز) أَحْدَاث كل من الدَّلِيل والتأويل (لأنكر) أحداثه (حِين وَقع) لكَونه مُنْكرا، وهم لَا يسكتون عَنهُ (لَكِن) لم يُنكر، بل (كل عصر بِهِ) أَي بأحداث كل مِنْهُمَا (يتمدحون) ويعدون ذَلِك فضلا. قَالَ مانعو جَوَازه هُوَ اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِذْ سبيلهم الدَّلِيل أَو التَّأْوِيل السَّابِق فَرد عَلَيْهِم بقوله (وَاتِّبَاع غير سبيلهم اتِّبَاع خلاف مَا قَالُوهُ) مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من الْمُغَايرَة (لَا مَا لم يقولوه) كَمَا نَحن فِيهِ، ثمَّ أَن الْمُحدث لَهُ لم يتْرك دَلِيل الْأَوَّلين وَلَا تأويلهم وَإِنَّمَا ضم دَلِيلا وتأويلا إِلَى دليلهم وتأويلهم كَذَا ذكره الشَّارِح، وَلَا يخفى أَنه لَا يَسْتَقِيم إِلَّا إِذا كَانَ مَا أحدثه مستلزما لبُطْلَان مَا قَالُوهُ. (قَالُوا) أَي مانعو جَوَازه قَالَ الله تَعَالَى - ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ - أَي بِكُل مَعْرُوف للاستغراق (فَلَو كَانَ) الدَّلِيل أَو التَّأْوِيل (مَعْرُوفا أمروا) أَي الْأَولونَ (بِهِ) أَي بذلك الدَّلِيل أَو التَّأْوِيل لَكِن لم يأمروا بِهِ فَلم يكن مَعْرُوفا فَلم يجز الْمصير إِلَيْهِ (عورض) الدَّلِيل الْمَذْكُور بِأَنَّهُ (لَو كَانَ) الدَّلِيل أَو التَّأْوِيل (مُنْكرا لنهوا عَنهُ) لقَوْله تَعَالَى - ﴿وتنهون عَن الْمُنكر﴾ - مسئلة (لَا إِجْمَاع إِلَّا عَن مُسْتَند) أَي لدَلِيل قَطْعِيّ أَو ظَنِّي إِذْ رُتْبَة الِاسْتِدْلَال بِإِثْبَات الْأَحْكَام لَيست للبشر كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ على تَقْدِير إِجْمَاعهم على حكم يصير ذَلِك حَقًا بالأدلة

стр. 954

الدَّالَّة على نفي ضَلَالَة الْأمة فَلَا يلْزم الِاسْتِدْلَال فَافْهَم (وَإِلَّا) لَو تحقق الْإِجْمَاع صَوَابا لَا عَن مُسْتَند (انقلبت الأباطيل) وَهُوَ مَجْمُوع أَقْوَال أهل الْإِجْمَاع (صَوَابا أَو أجمع على خطأ) إِن لم يكن صَوَابا، ثمَّ بَين وَجه الانقلاب بقوله (لِأَنَّهُ) أَي مَا أجمع عَلَيْهِ بِلَا مُسْتَند (قَول كل) أَي قَول كل الْأمة (وَقَول كل) فَرد مِنْهُم (بِلَا دَلِيل محرم) فَثَبت بِهَذِهِ الْمُقدمَة كَون مَجْمُوع الْأَقْوَال أباطيل، وبالمقدمة الأولى انقلابها صَوَابا لعدم اجْتِمَاعهم على الضَّلَالَة، وَقد يُقَال لَا نسلم امْتنَاع انقلاب الأباطيل صَوَابا. أَلا ترى أَن صَاحب التَّرْتِيب إِذا فَاتَتْهُ صَلَاة وَلم يقضها وَصلى بعْدهَا خمس صلوَات وقتية حكمنَا بِفساد الْكل. ثمَّ إِذا ضم السَّادِسَة إِلَيْهَا انقلبت صَحِيحَة، وَله نَظَائِر غير هَذَا فَتَأمل (وَاسْتدلَّ) لهَذَا القَوْل الْمُخْتَار بِأَنَّهُ (يَسْتَحِيل) الْإِجْمَاع (عَادَة من الْكل لَا لداع) يَدْعُو إِلَى الحكم من دَلِيل أَو أَمارَة (كالاجتماع) أَي كاستحالة اجْتِمَاعهم (على اشتهاء طَعَام) وَاحِد. (وَيدْفَع) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَنَّهُ) أَي الِاجْتِمَاع لَا يلْزم أَن يكون بِسَبَب دَلِيل. بل يجوز أَن يكون (بِخلق) الْعلم (الضَّرُورِيّ) بِكَوْن ذَلِك حكم الله تَعَالَى فِي قُلُوبهم جَمِيعًا (وَيصْلح) هَذَا الدّفع أَن يكون (جَوَاب) الدَّلِيل (الأول) وَهُوَ لُزُوم انقلاب الأباطيل صَوَابا (أَيْضا إِذْ) الْعلم (الضَّرُورِيّ حق) فَلَا يصدق على قَول وَاحِد مِنْهُم أَنه محرم إِذْ حرمته على تَقْدِير عدم الدَّلِيل وَعدم الْعلم الضَّرُورِيّ فَلَيْسَ الْجَواب أَن الدَّلِيل الثَّانِي أَن انْتَفَى. فَالْأول كَاف فِي إِثْبَات الْمَطْلُوب (بل الْجَواب أَنه) أَي احْتِمَال خلق الضَّرُورِيّ (فرض غير وَاقع) بِإِضَافَة فرض إِلَى غير وَاقع أَو بتوصيفه بِهِ، وَالْمرَاد بِهِ مَفْرُوض غير مُحْتَمل للوقوع، وَإِلَّا فمجرد عدم الْوُقُوع لَا يُفِيد عدم جَوَاز الْإِجْمَاع بِلَا مُسْتَند إِلَّا أَن يكون الْمطلب عدم الْوُقُوع لَا عدم الْجَوَاز (لِأَن كَونه تَعَالَى خَاطب بِكَذَا) لَا بُد مِنْهُ فِي الحكم الشَّرْعِيّ بل هُوَ هُوَ لِأَنَّهُ خطاب الله الْمُتَعَلّق بِفعل العَبْد وَهُوَ (لَا يثبت) شرعا (ضَرُورَة عقلية) أَي ثبوتا بطرِيق البداهة من غير مَأْخَذ سَمْعِي (بل) يثبت (بِالسَّمْعِ) أَي بِالدَّلِيلِ السمعي وَالْفَرْض انتفاؤه، لَا يُقَال هَذَا أول الْبَحْث، لِأَن مَأْخَذ الْأَحْكَام مضبوطة محصورة إِجْمَاعًا والضرورة لَيست مِنْهَا وَالْكَلَام فِي ثُبُوته عِنْد كل وَاحِد من المجمعين قبل انْعِقَاد الْإِجْمَاع (وَلَو ألْقى فِي الروع) بِضَم الرَّاء الْقلب (فالهام) فِي الْقَامُوس ألهمه لله خيرا لقنه الله إِيَّاه، وَلَا يظْهر الْفرق بَين هَذَا الْإِلْقَاء وَبَين ذَلِك الْعلم الضَّرُورِيّ الْحَاصِل بِغَيْر سَبَب من الْأَسْبَاب، وَهل هُوَ إِلَّا إِلْقَاء من الله فِي الْقلب دون الإلهام بطرِيق الْفَيْض بِخِلَاف ذَلِك غير ظَاهر، والإلهام (لَيْسَ بِحجَّة إِلَّا عَن نَبِي. قَالُوا) أَي المجوزون (لَو كَانَ) الْإِجْمَاع عَن سَنَد (لم يفد الْإِجْمَاع) للاستغناء بالسند عَنهُ (أُجِيب بِأَن فَائِدَته) أَي الْإِجْمَاع حِينَئِذٍ (التَّحَوُّل) من الْأَحْكَام الظنية

стр. 955

(إِلَى الْأَحْكَام القطعية) وَهَذَا إِذا كَانَ السَّنَد ظنيا، وَأما إِذا كَانَ قَطْعِيا فالفائدة تَأْكِيد الْقطع وَإِثْبَات الحكم بِكُل مِنْهُمَا وَسُقُوط الْبَحْث عَن ذَلِك الدَّلِيل وَكَيْفِيَّة دلَالَته، وسنشير إِلَى بَعْضهَا (على أَنه) أَي نفي فَائِدَة لإِجْمَاع على دَلِيل (يسْتَلْزم لُزُوم نفي الْمُسْتَند) لإيجابه كَونه عَن غير دَلِيل، وَلَا قَائِل بِهِ لأَنهم يَقُولُونَ لَا يجب الْمُسْتَند، لَا أَنه يجب عَدمه (ثمَّ يجوز كَونه) أَي الْمُسْتَند (قِيَاسا خلافًا للظاهرية) وَابْن جرير الطَّبَرِيّ، أما الظَّاهِرِيَّة فَلَا يستغرب مِنْهُم لأَنهم لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ، وَأما ابْن جرير فَهُوَ قَائِل بِالْقِيَاسِ (وَبَعْضهمْ) أَي الْأُصُولِيِّينَ (يجوزه) أَي كَونه عَن قِيَاس عقلا (و) يَقُول (لم يَقع لنا لَا مَانع يقدر) أَي لَا يُوجد شَيْء يفْرض مَانِعا عَن كَون الْقيَاس سَنَد الاجماع (الا الظنية) أَي كَونه دَلِيلا ظنياً بِأَن يُقَال كَيفَ يكون الظني سَبَب انْعِقَاد قَطْعِيّ (وَلَيْسَت) الظنية (مَانِعَة) عَن ذَلِك (كالآحاد) فَإِنَّهُ ظَنِّي، فِي البديع لَا خلاف فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن خبر الْآحَاد (وَوَقع قِيَاس الْإِمَامَة) الْكُبْرَى للصديق (على إِمَامَة الصَّلَاة) مُسْتَند إِجْمَاع الصَّحَابَة عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ ﷺ عين أَبَا بكر ﵁ لإمامة الصَّلَاة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: لما قبض النَّبِي ﷺ قَالَت الْأَنْصَار منا أَمِير ومنكم أَمِير فَأَتَاهُم عمر فَقَالَ: ألستم تعلمُونَ أَن رَسُول الله ﷺ أَمر أَبَا بكر أَن يصلى بِالنَّاسِ فَأَيكُمْ تطيب نَفسه أَن يتَقَدَّم أَبَا بكر، فَقَالُوا نَعُوذ بِاللَّه أَن نتقدم أَبَا بكر حَدِيث حسن أخرجه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ عَن النزال بن سُبْرَة، وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قيل لَهُ حَدثنَا عَن أبي بكر قَالَ: ذَاك رجل سَمَّاهُ الله تَعَالَى الصّديق على لِسَان جِبْرِيل خَليفَة رَسُول الله ﷺ على الصَّلَاة رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا (وَفِيه) أَي كَون مُسْتَند هَذَا الْإِجْمَاع الْقيَاس (نظر لأَنهم) أَي الصَّحَابَة (أثبتوه) أَي كَونه خَليفَة (بِأولى وَهِي) أَي طَريقَة إفادته (الدّلَالَة) فِي اصْطِلَاح الْحَنَفِيَّة (وَمَفْهُوم الْمُوَافقَة) فِي اصْطِلَاح الشَّافِعِيَّة، وَقد مر تَفْسِيره غير مرّة، ومرجعه النَّص لَا الْقيَاس (لَكِن مَأْخَذ وُقُوع الْإِجْمَاع مُسْتَندا إِلَى الْقيَاس (حد الشّرْب) للخمر فَإِنَّهُ ثَمَانُون بِإِجْمَاع الصَّحَابَة قِيَاسا (على) حد (الْقَذْف) وأصل هَذَا الْقيَاس (لعَلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) فِي الْمُوَطَّأ وَغَيره أَن عمر اسْتَشَارَ فِي الْخمر يشْربهَا الرجل، فَقَالَ لَهُ عَليّ بن أبي طَالب: نرى أَن يجلد ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ إِذا شرب سكر وَإِذا سكر هذى وَإِذا هذى افترى وعَلى المفتري ثَمَانُون انْتهى، فالجامع بَينهمَا الافتراء (ويمنعه) أَي ثُبُوت الْحَد بِالْقِيَاسِ (بعض الْحَنَفِيَّة) بِنَاء على أَنه لَا يثبت الْحَد عِنْدهم بِخَبَر الْوَاحِد، وَإِذا منع هَذَا (فالشيرج النَّجس على السّمن فِي الإراقة) أَي الْإِجْمَاع على إِرَاقَة الشيرج النَّجس الْمَائِع الْمُسْتَفَاد مِمَّا فِي سنَن أبي دَاوُد وصحيح ابْن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 956

عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن فَقَالَ إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا وكلوه، وَإِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه وَقد أعل بتفرد معمر عَن الزُّهْرِيّ، وبالاضطراب فِي إِسْنَاده وَمَتنه على أَنه مَتْرُوك الظَّاهِر عِنْد عَامَّة السّلف لتجويزهم الاستصباح بِهِ، وَكثير مِنْهُم يجوز بَيْعه. وَقَوله فالشيرج خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَعنِي أولى بِالْمَنْعِ: أَي فمثاله، وَيحْتَمل أَن يكون مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف: أَعنِي أولى بِالْمَنْعِ، لِأَن أصل الْقيَاس مطعون وَالْإِجْمَاع غير ثَابت، إِذْ لَو ثَبت لما جوز السّلف وَالْخلف مَا ذكر (وَصرح مُتَأَخّر من الْحَنَفِيَّة أَيْضا بِنَفْي قَطْعِيَّة الْمُسْتَند) للْإِجْمَاع (فِي الشرعيات، بل الْإِجْمَاع يفيدها) أَي القطعية (كَأَنَّهُ) أَي التَّصْرِيح بِمَا ذكر (لنفي الْفَائِدَة) للْإِجْمَاع على تَقْدِير كَون الْمُسْتَند قَطْعِيا لثُبُوت الْقطع بالحكم بِنَفس الْمُسْتَند، وَقد عرفت مَا فِيهِ، ولعامة الْعلمَاء أَن الدَّلَائِل الْمُوجبَة لكَون الْإِجْمَاع حجَّة لَا تفصل بَينهمَا (وَإِذا قيل) الْإِجْمَاع الْمُسْتَند إِلَى قَطْعِيّ (يفيدها) أَي القطعية (بِأولى) أَي بطرِيق أولى لما فِيهِ من زِيَادَة التَّأْكِيد واطمئنان الْقلب (انْتَفَى) مَا ذكر من نفي الْفَائِدَة، ثمَّ (هَذَا) بِنَاء (على عدم تفَاوت الْقطعِي قُوَّة كَمَا أسلفناه) وَأما على تفاوته فَالْأَمْر ظَاهر. وَفِي التَّلْوِيح: وَاعْلَم أَنه لَا معنى للنزاع فِي كَون السَّنَد قَطْعِيا لِأَنَّهُ إِن أُرِيد بِهِ أَنه لَا يَقع اتِّفَاق مجتهدي عصر على حكم ثَابت بِدَلِيل قَطْعِيّ فَظَاهر الْبطلَان، وَكَذَا إِن أُرِيد بِهِ أَنه لَا يُسمى إِجْمَاعًا، لِأَن الْحَد صَادِق عَلَيْهِ، وَإِن أُرِيد أَنه لَا يثبت الحكم فَلَا يتَصَوَّر النزاع فِيهِ لِأَن إِثْبَات الثَّابِت محَال انْتهى. وَمُوجب هَذَا أَن لَا يصلح قَوْلنَا هَذَا الحكم ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة فَلْيتَأَمَّل. مسئلة (لَا يجوز أَن يعلمُوا) أَي مجتهدو عصر (دَلِيلا راجحا) أَي سالما عَن الْمعَارض المكافئ لَهُ، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَلَا يخفى أَن هَذَا تَفْسِير باللازم وَمَفْهُوم الرجحان بَين، والمحتاج إِلَى الْبَيَان تعْيين الْمَدْلُول: وَهُوَ خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم: كَمَا يفِيدهُ قَوْله (عمِلُوا بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف مُوجبه. تَوْضِيحه أَنه لَا يُمكن أَن يكون لخلاف مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ دَلِيل رَاجِح على دَلِيل مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وهم لَا يعلمُونَ ذَلِك الدَّلِيل (وَاخْتلفُوا فِيمَا) أَي فِي عدم الْعلم بِدَلِيل رَاجِح (عمِلُوا على وَفقه) بِأَن يكون عَمَلهم مَبْنِيا على دَلِيل مَرْجُوح لعدم علمهمْ بالمرجح فهم حِينَئِذٍ مصيبون فِي الحكم مخطئون فِي الدَّلِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (مصيبين) أَي فِي الحكم لَكِن بِدَلِيل مَرْجُوح (فَقيل كَذَلِك) أَي لَا يجوز (لِأَن الرَّاجِح سبيلهم) أَي الْمُؤمنِينَ (وَعمِلُوا بِغَيْرِهِ) حَيْثُ بنوا مَذْهَبهم

стр. 957

على الْمَرْجُوح (والمجوز) لعدم علمهمْ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِح الَّذِي عمِلُوا على وَفقه يَقُول: (لَيْسَ) عدم الْعلم بالراجح (بِإِجْمَاع على عَدمه) أَي الرَّاجِح (ليَكُون خطأ) واجتماعا على الضَّلَالَة كَمَا إِذا لم يحكموا بِحكم هُوَ صَوَاب لَا يكون ذَلِك قولا بِعَدَمِهِ (وسبيلهم) أَي الْمُؤمنِينَ (مَا عمِلُوا بِهِ، لَا مَا لم يخْطر لَهُم) بالبال (بل هُوَ) أَي الَّذِي لم يخْطر لَهُم (حِينَئِذٍ) أَي حِين لم يخْطر لَهُم (من شَأْنه) أَن يكون سبيلهم، لَا أَنه سبيلهم بِالْفِعْلِ. مسئلة (الْمُخْتَار امْتنَاع ارتداد أمة عصر سمعا وَإِن جَازَ) ارتدادهم (عقلا) إِذْ لَا مَانع مِنْهُ (وَقيل يجوز) شرعا كَمَا يجوز عقلا (لنا أَنه) أَي ارتدادهم (إِجْمَاع على الضَّلَالَة والسمعية) من الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة على حجية الْإِجْمَاع (تنفيه) أَي الْإِجْمَاع على الضَّلَالَة (وَاعْترض بِأَن الرِّدَّة تخرجهم) أَي الَّذين كَانُوا أمة قبل الرِّدَّة (عَن تنَاولهَا) أَي الْأَدِلَّة: أَي السمعية إيَّاهُم حَال الرِّدَّة (إِذْ لَيْسُوا أمته) حِينَئِذٍ (وَالْجَوَاب يصدق) إِذا ارْتَدُّوا أَنه (ارْتَدَّت أمته قطعا) أَو رد عَلَيْهِ أَن صدقه بطرِيق الْحَقِيقَة غير مُسلم، وَإِنَّمَا هُوَ مجَاز بِاعْتِبَار مَا كَانَ وَأجِيب بِأَن ذَلِك إِذا أطلق بعد وُقُوع الرِّدَّة، أما فِي حَالهَا فَالظَّاهِر أَنه حَقِيقَة. قَالَ السُّبْكِيّ الارتداد عِلّة الْخُرُوج فَإِن كَانَت الْعلَّة سَابِقَة فَهِيَ حَقِيقَة، وَإِلَّا فَلَا انْتهى. مسئلة (ظن أَن قَول الشَّافِعِي: دِيَة الْيَهُودِيّ الثُّلُث) من دِيَة الْمُسلم (يتَمَسَّك فِيهِ بِالْإِجْمَاع لقَوْل الْكل بِالثُّلثِ، إِذْ قيل بِهِ) أَي بِالثُّلثِ (وبالنصف و) ب (الْكل، وَلَيْسَ) كَذَلِك (لِأَن نفي الزَّائِد) على الثُّلُث (جُزْء قَوْله) أَي الشَّافِعِي لِأَنَّهُ يَقُول بِوُجُوب الثُّلُث فَقَط (وَلم يجمع عَلَيْهِ) أَي على نفي الزَّائِد، وَقد يُقَال أحد الجزءين وَهُوَ وجوب الثُّلُث ثَابت بِالْإِجْمَاع، وَوُجُوب مَا زَاد عَلَيْهِ مَشْكُوك فِيهِ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ فَلَا يثبت مَعَ وجود الشَّك، وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة، وَهَذَا معنى التَّمَسُّك فِيهِ بِالْإِجْمَاع فَتَأمل. مسئلة (إِنْكَار حكم الْإِجْمَاع الْقطعِي يكفر) متعاطيه وَيجوز أَن يكون بِصِيغَة الْمَعْلُوم بِأَن يَجْعَل سَبَب التَّكْفِير مكفرا (عِنْد الْحَنَفِيَّة وَطَائِفَة) لما ذكر من أَن إِجْمَاع مثل هَذَا الْجمع الْعَظِيم لَا يكون إِلَّا بِسَنَد قَاطع، فإنكاره إِنْكَار لذَلِك الْقَاطِع، وإنكاره كفر لاستلزامه تَكْذِيب الرَّسُول

стр. 958

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ الشَّارِح: أَن نسبته إِلَى الْحَنَفِيَّة لَيْسَ على الْعُمُوم، إِذْ فِي الْمِيزَان فَأَما إِنْكَار مَا هُوَ ثَابت قطعا من الشرعيات بِأَن علم بِالْإِجْمَاع وَالْخَبَر الْمَشْهُور فَالصَّحِيح من الْمَذْهَب أَنه لَا يكفر انْتهى، وَفِي التَّقْوِيم نفي تَكْفِير الروافض والخوارج فِي إنكارهم إِمَامَة أبي بكر وَعمر لكَونه عَن شُبْهَة وَإِن كَانَت فَاسِدَة. (و) قَالَت (طَائِفَة لَا) يكفر وَهُوَ معزو إِلَى بعض الْمُتَكَلِّمين بِنَاء على أَن الْإِجْمَاع حجَّة ظنية لِأَن دَلِيل حجيته لَيْسَ بقطعي، وَقد عرفت قطعيته فِي أول الْبَاب (وَيُعْطِي) أَي يُفِيد (الْأَحْكَام) للآمدي (وَغَيره) كمختصر ابْن الْحَاجِب أَن فِي هَذِه المسئلة (ثَلَاثَة) من الْأَقْوَال (هذَيْن وَالتَّفْصِيل) وَهُوَ (مَا) كَانَ (من ضروريات الدّين) أَي دين الْإِسْلَام: وَهُوَ مَا يعرفهُ الْخَواص والعوام من غير قبُول للتشكيك كالتوحيد والرسالة وَوُجُوب الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج (يكفر) منكره (وَإِلَّا فَلَا) يكفر (وَهُوَ) أَي هَذَا الَّذِي أَفَادَهُ الْأَحْكَام من كَون الْأَقْوَال ثَلَاثَة (غير وَاقع) لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ عدم إكفار مُنكر نَحْو الصَّلَاة عِنْد الْبَعْض، وَهَذَا لَا يتَصَوَّر (إِذْ لَا مُسلم يَنْفِي كفر مُنكر نَحْو الصَّلَاة) فَلَيْسَ فِي الْوَاقِع إِلَّا قَولَانِ: أَحدهمَا التَّكْفِير مُطلقًا، وَهُوَ الَّذِي مَشى عَلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ لَكِن قَالَ: فَشَا فِي لِسَان الْفُقَهَاء أَن خارق الْإِجْمَاع يكفر، وَهُوَ بَاطِل قطعا، فَإِن من يُنكر أصل الْإِجْمَاع لَا يكفر، نعم من اعْترف بِالْإِجْمَاع وَأقر بِصدق المجمعين فِي النَّقْل، ثمَّ أنكر مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ كَانَ تَكْذِيبًا للشارع وَهُوَ كفر، وَثَانِيهمَا التَّفْصِيل الْمَذْكُور، وَقد يُقَال: إِن مُرَاد الْآمِدِيّ أَن مِنْهُم من قَالَ إِنْكَار حكم الْإِجْمَاع الْقطعِي كفر مُطلقًا، وَمِنْهُم من قَالَ لَيْسَ بِكفْر مُطلقًا بِمَعْنى أَنه لَيْسَ بِكفْر من حَيْثُ أَنه مُنكر للْإِجْمَاع، غَايَة الْأَمر أَنه يلْزم عَلَيْهِ عدم تَكْفِير مُنكر الصَّلَاة من حَيْثُ الْإِجْمَاع، وَهَذَا لَا يُنَافِي تكفيره من حَيْثُ الضَّرُورَة الدِّينِيَّة، وَصَاحب القَوْل الثَّالِث يَجْعَل الضَّرُورَة رَاجِعَة إِلَى الْإِجْمَاع فَتَأمل (وَإِذا حمل حكم الْإِجْمَاع) المبحوث عَن تَكْفِير منكره الْمَذْكُور فِي الْأَحْكَام (على الْخُصُوص) وَهُوَ مَا لَيْسَ من ضروريات الدّين دفعا للإيراد الْمَذْكُور لَا يَصح أَيْضا إِذْ (لم يتَنَاوَلهُ) أَي الْإِجْمَاع على مَا هُوَ من ضروريات الدّين بل يباينه، هَكَذَا فسر الشَّارِح هَذَا الْمحل ولارتباط قَول المُصَنّف (لِأَن حكمه حِينَئِذٍ مَا لَيْسَ إِلَّا عَنهُ) قدر قبل التَّعْلِيل قَوْله وَلَيْسَ كَون الشَّيْء ملزما بِالضَّرُورَةِ عَن الدّين حكم الْإِجْمَاع، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، وَالْأَوْجه أَن يُقَال أَن حكم الشَّيْء أَثَره الْمُتَرَتب عَلَيْهِ، وَإِذا حمل حكم الْإِجْمَاع على مَا يَتَرَتَّب على خُصُوص كَونه إِجْمَاعًا: أَي على حكم الْإِجْمَاع من حَيْثُ هُوَ إِجْمَاع لَا بِالنّظرِ إِلَى الْمجمع لم يتَنَاوَل الحكم بِهَذَا الْمَعْنى حكم الْإِجْمَاع وَلَا يخفى مَا فِيهِ، وَالْأَوْجه أَن يُقَال أَن حكم الشَّيْء أَثَره الْمُتَرَتب عَلَيْهِ بِهَذَا الْمَعْنى حكم الْإِجْمَاع المنضم إِلَيْهِ الضَّرُورَة الدِّينِيَّة، فنحو تَكْفِير مُنكر الصَّلَاة أثر يَتَرَتَّب على خُصُوصِيَّة الْمجمع عَلَيْهِ

стр. 959

بِاعْتِبَار كَونه من ضروريات الدّين، وَمعنى قَوْله لِأَن حكمه الخ: أَي حكم الْإِجْمَاع حِينَئِذٍ: أَي حِين حمل الحكم على الْخُصُوص بِالْمَعْنَى الَّذِي عَرفته: أَي حكم لَيْسَ إِلَّا ناشئا عَن الْإِجْمَاع من حَيْثُ هُوَ إِجْمَاع وَالله تَعَالَى أعلم، وَإِنَّمَا قيد الْإِجْمَاع بالقطعي لِأَن الظني لَا يكفر جاحده وفَاقا (و) قيد (فَخر الْإِسْلَام) الْإِجْمَاع الَّذِي يكفر جاحده (بالقطعي) الَّذِي (من إِجْمَاع الصَّحَابَة نصا) أَي إِجْمَاعًا على سَبِيل التَّنْصِيص من الْبَعْض (كعلي) أَي كالإجماع على (خلَافَة أبي بكر و) كالإجماع على (قتال مانعي الزَّكَاة وَمَعَ سكُوت بَعضهم) أَي الصَّحَابَة. قَالَ الشَّارِح بعد مَا نقل من كَلَام فَخر الْإِسْلَام مَا يدل على أَن الْإِجْمَاع بِاعْتِبَار الْعلَّة أَصله كالكتاب وَالسّنة المتواترة فيكفر جاحده، وَأَن التَّقْيِيد بِالْأَصْلِ لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يُوجب لعَارض كَمَا إِذا ثَبت بِنَصّ بعض وسكوت آخَرين إِلَى غير ذَلِك، فَظهر أَن كَون فَخر الْإِسْلَام قَائِلا بإكفار مُنكر الْإِجْمَاع السكوتي من الصَّحَابَة غير ظَاهر انْتهى. وَالْمُصَنّف لَو لم يثبت عِنْده مَا نَقله عَنهُ مَا كَانَ يَنْقُلهُ فَكَأَنَّهُ يفرق بَين سكُوت الصَّحَابَة وسكوت غَيرهم (وَأما) مُنكر إِجْمَاع (من بعدهمْ) أَي الصَّحَابَة (بِلَا سبق خلاف فيضلل) ويخطأ من غير اكفار (كالخبر الْمَشْهُور) أَي كمكره (و) الْإِجْمَاع (الْمَسْبُوق بِهِ) أَي بِخِلَاف مُسْتَقر (ظَنِّي مقدم على الْقيَاس كالمنقول) أَي كالإجماع الْمَنْقُول (آحادا) بِأَن روى ثِقَة أَن الصَّحَابَة أَجمعُوا على كَذَا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة السّنة المنقولة بالآحاد فَيُوجب الْعَمَل لَا الْعلم عِنْد الْعلمَاء. (وَوجه التَّرْتِيب) فِي هَذِه الاجماعات (قَطْعِيَّة) إِجْمَاع (الصَّحَابِيّ) (إِذْ لم يعْتَبر خلاف منكره) أَي إِجْمَاعهم (وَضعف الْخلاف) أَي خلاف مُنكر الْإِجْمَاع (فِيمَن سواهُم فَنزل) إِجْمَاع من سواهُم (عَن القطعية إِلَى قربهَا) أَي القطعية (من الطُّمَأْنِينَة، وَمثله) أَي مثل إِجْمَاع من سواهُم فِي النُّزُول إِلَى الطُّمَأْنِينَة (يجب) أَن يتَحَقَّق (فِي) الْإِجْمَاع (السكوتي على) الراي (الْأَوْجه فضلل) مُنكر حكمه (وقوى) الْخلاف (فِي) الْإِجْمَاع (الْمَسْبُوق) بِخِلَاف مُسْتَقر (و) الْإِجْمَاع (الْمَنْقُول آحادا) أَي حَال كَون ناقله آحادا (فحجة ظنية تقدم على الْقيَاس فَيجوز فيهمَا) أَي فِي حكمي الْمَسْبُوق وَالْمَنْقُول آحادا (الِاجْتِهَاد) لمجتهد من غير المجمعين، كَذَا قَيده الشَّارِح، وَلَا يظْهر وَجه التَّقْيِيد فِي الْمَسْبُوق فَإِنَّهُ يجوز أَن يجْتَهد بَعضهم أَيْضا (بِخِلَافِهِ) بعد اتفاقه مَعَهم عِنْد الِانْعِقَاد، ويسوغ لَهُ الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده مُخَالفا لرأيه الأول، وأو فِي الْمَنْقُول فَلَا يتَصَوَّر مثل هَذَا إِلَّا إِذا أخبر بعض المجمعين بِاتِّفَاق من سواهُ من أهل عصره بأخبار الْآحَاد فَتَأمل، وَيدل على مَا قُلْنَاهُ قَوْله (فرجوع بَعضهم) أَي المجمعين عَنهُ إِلَى غَيره اجْتِهَادًا يجوز بطرِيق (أولى) إِذْ فِي مُخَالفَة غَيرهم الْإِجْمَاع مَوْجُود عِنْد من يشْتَرط انْقِرَاض عصر المجمعين، وَعند غَيره رُجُوع الْبَعْض فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْعَدِم

стр. 960

(ثمَّ لَيْسَ) هَذَا الْإِجْمَاع (نسخا) للْأولِ هَكَذَا فسر الشَّارِح ضمير لَيْسَ بِتَأْوِيل أَن قَوْله فَيجوز فيهمَا الِاجْتِهَاد بِاعْتِبَار إِطْلَاقه مُفِيد جَوَاز أَن يَنْتَهِي تضافر الاجتهادات فِي جَانب الْخلاف إِلَى دَرَجَة الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فَيصير مجمعا عَلَيْهِ، بِخِلَاف مَا أجمع عَلَيْهِ، وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا تكلّف مُسْتَغْنى عَنهُ، إِذْ الظَّاهِر أَن يرجع الضَّمِير إِلَى الْمَذْكُور من جَوَاز الِاجْتِهَاد بِخِلَاف مَا أجمع أَو جَوَاز رُجُوع الْبَعْض فَإِنَّهُ يُوهم نسخ الْإِجْمَاع السَّابِق، وَمَعَ عدم منسوخيته لَا مجَال للْخلاف (بل) الِاجْتِهَاد بِخِلَافِهِ (معَارض) لذَلِك الْإِجْمَاع الظني لجَوَاز التَّعَارُض بَين ظنيين (رجح) الِاجْتِهَاد بِخِلَافِهِ على ذَلِك الْإِجْمَاع بمرجح من المرجحات بِحَسب مَا ظهر لأَجله، وَإِذا كَانَ كَذَلِك (فَلَا يقطع بخطأ الأول وَلَا صَوَابه) فِي الْوَاقِع (بل هُوَ) أَي قَول كل بخطأ مخالفه وإصابة نَفسه بِنَاء (على ظن الْمُجْتَهد) ذَلِك، وَهُوَ قد يكون مطابقا للْوَاقِع، وَقد لَا (فدليل القطعية) للْإِجْمَاع الْمُسْتَفَاد (من إِجْمَاع الصَّحَابَة على تَقْدِيمه) أَي الْإِجْمَاع (على الْقَاطِع) إِنَّمَا يتم (فِي) حق (إِجْمَاعهم) لما أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله فِي أَوَائِل الْبَاب من أَن قطع مثلهم عَادَة لَا يكون إِلَّا عَن سَمْعِي قَاطع فِي ذَلِك (وَمنع الْغَزالِيّ وَبَعض الْحَنَفِيَّة حجية الآحادي) أَي الْإِجْمَاع الَّذِي نقل إِلَيْنَا بأخبار الْآحَاد (إِذْ لَيْسَ) الْآحَاد (نصا) وَهُوَ ظَاهر (وَلَا إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ) أَي الْإِجْمَاع دَلِيل (قَطْعِيّ) والآحادي لَيْسَ بقطعي (وحجية غير الْقَاطِع) إِنَّمَا تثبت (بقاطع كَخَبَر الْوَاحِد) أَي كَمَا تثبت حجية خبر الْوَاحِد بقطعي على مَا مر (وَلَا قَاطع فِيهِ) أَي فِي الآحادي (وَالْجَوَاب بل فِيهِ) أَي كَون الآحادي حجَّة قَاطع (وَهُوَ) أَي الْقَاطِع فِيهِ (أولويته) أَي الْإِجْمَاع الآحادي (بهَا) أَي بالحجية (من خبر الْوَاحِد الظني الدّلَالَة، لِأَن الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِهِ) أَي بِخَبَر الْوَاحِد الظني الدّلَالَة الَّذِي تخللت الْوَاسِطَة بَين الرَّسُول ﷺ وَبَين من بلغه (إِجْمَاع عَلَيْهِ) أَي على وجوب الْعَمَل (فِي) الْإِجْمَاع (الْقطعِي الْمَنْقُول آحادا) إِذْ كل مِنْهُمَا يُفِيد الْقطع بِاعْتِبَار أَصله، وَنقل إِلَيْنَا بِوَاسِطَة الْآحَاد فاستويا من حَيْثُ الشُّبْهَة الناشئة عَن الْوَاسِطَة، وترجح الْإِجْمَاع الآحادي بِاعْتِبَار قَطْعِيَّة دلَالَته، بِخِلَاف الْخَبَر الْمَذْكُور (وَقد فرق) بَين خبر الْوَاحِد وَالْإِجْمَاع الآحادي (بإفادة نقل الْوَاحِد الظَّن فِي الْخَبَر دون الْإِجْمَاع لبعد انْفِرَاده) أَي الْوَاحِد (بالاطلاع) على إِجْمَاع أهل عصر، وَعدم بعد انْفِرَاده بالاطلاع على الْخَبَر (وَيدْفَع) هَذَا (الاستبعاد بعدالة النَّاقِل) إِذْ صُدُور الْكَذِب من الْعدْل فِي أصل ديني أبعد من الِانْفِرَاد، خُصُوصا إِذا كَانَ خبر الْآحَاد متحققا فِي جمع كثير فَإِن عدد المخبرين إِذا كَانَ دون عدد التَّوَاتُر يُقَال لَهُ خبر الْوَاحِد (وَلَا يسْتَلْزم) نقل الْوَاحِد (الِانْفِرَاد) فِي الْعلم بتحقق ذَلِك الْإِجْمَاع فِي نفس الْأَمر (بل) يسْتَلْزم (مُجَرّد علمه أَي النَّاقِل مَعَ تَجْوِيز أَن يكون لَهُ شَرِيكا فِي الْعلم بِهِ (فَجَاز علم من لم يَنْقُلهُ أَيْضا، مِثَاله) أَي الْإِجْمَاع

стр. 961

الآحادي (قَول عُبَيْدَة) السَّلمَانِي (مَا اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ على شَيْء كاجتماعهم على مُحَافظَة الْأَرْبَع قبل الظّهْر، والأسفار بِالْفَجْرِ، وَتَحْرِيم نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت). قَالَ الشَّارِح: كَذَا توارده الْمَشَايِخ رَحِمهم الله تَعَالَى وَالله أعلم بِهِ. أخرجه ابْن أبي شيبَة عَن معمر ابْن مَيْمُون قَالَ: لم يكن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يتركون أَربع رَكْعَات قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر على حَال. وَعَن إِبْرَاهِيم قَالَ: مَا أجمع أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ على شَيْء مَا أَجمعُوا على التَّنْوِير بِالْفَجْرِ. هَذَا وَفِي التَّقْوِيم حكى مَشَايِخنَا عَن مُحَمَّد بن الْحسن نصا أَن إِجْمَاع كل عصر حجَّة إِلَّا أَنه على مَرَاتِب أَرْبَعَة، فالأقوى إِجْمَاع الصَّحَابَة نصا لِأَنَّهُ لَا خلاف فِيهِ بَين الْأمة، لِأَن الْعشْرَة وَأهل الْمَدِينَة يكونُونَ فيهم، ثمَّ الَّذِي ثَبت بِنَصّ الْبَعْض وسكوت البَاقِينَ، ثمَّ إِجْمَاع من بعد الصَّحَابَة على حكم لم يظْهر فِيهِ قَول من سبقهمْ. قَالَ ﷺ " خير النَّاس رهطي الَّذِي أَنا فيهم، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ يفشو الْكَذِب "، ثمَّ إِجْمَاعهم على حكم سبقهمْ فِيهِ مُخَالف لِأَن هَذَا فصل اخْتلف الْفُقَهَاء فِيهِ انْتهى فَإِن قلت كَيفَ يَصح قَوْله لَا خلاف فِيهِ بَين الْأمة، وَقد سبق خلاف النظام وَبَعض المبتدعة قلت خلافهم فِي أصل انْعِقَاده لَا فِي حجيته بعد الِانْعِقَاد مستجمعا للشروط، على أَنه لَو فرض خلاف فِيهِ لَا يعْتد بِهِ. مسئلة (يحْتَج بِهِ) أَي بِالْإِجْمَاع (فِيمَا لَا يتَوَقَّف حجيته) أَي الْإِجْمَاع (عَلَيْهِ من الْأُمُور الدِّينِيَّة) بَيَان للموصول سَوَاء كَانَ ذَلِك (عقليا كالرؤية) أَي رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي دَار الْآخِرَة. رزقنا الله تَعَالَى إِيَّاهَا (لَا فِي جِهَة) أَي حَال كَون المرئي لَيْسَ فِي جِهَة من الْجِهَات السِّت لتعاليه عَن ذَلِك (وَنفي الشَّرِيك) لَهُ تَعَالَى. (ولبعض الْحَنَفِيَّة) وَهُوَ صدر الشَّرِيعَة (فِي الْعقلِيّ) أَي فِي الِاحْتِجَاج بِالْإِجْمَاع فِيمَا يدْرك بِالْعقلِ خلاف بقول (مفيده) أَي مُفِيد مَا يدْرك بِالْعقلِ (الْعقل لَا الْإِجْمَاع) لاستقلال الْعقل بإفادة الْيَقِين فِيهِ، وَمَشى عَلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي برهانه، وَلَا أثر للْإِجْمَاع فِي العقليات فَإِن الْمُمْتَنع فِيهَا الْأَدِلَّة القاطعة، فَإِذا انتصبت لم يعارضها شقَاق وَلم يعضدها وفَاق (أَولا) أَي أَو غير عَقْلِي (كالعبادات) أَي كوجوبها من الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج (وَفِي الدُّنْيَوِيَّة كترتيب أُمُور الرّعية والعمارات) لمصَالح الْمُسلمين (وتدبير الجيوش قَولَانِ لعبد الْجَبَّار) أَحدهَا، وَعَلِيهِ جمَاعَة أَنه لَيْسَ بِحجَّة فِي القواطع هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ من قَول الرَّسُول، وَقد ثَبت أَن قَوْله إِنَّمَا هُوَ حجَّة فِي أَحْكَام الشَّرْع دون مصَالح الدُّنْيَا. قَالَ ﷺ " أَنْتُم أعلم بِأُمُور دنياكم وَأَنا أعلم بِأُمُور دينكُمْ ". وَكَانَ إِذا رأى رَأيا فِي الْحَرْب يُرَاجِعهُ

стр. 962

الصَّحَابَة فِي ذَلِك، وَرُبمَا ترك رَأْيه برأيهم كَمَا وَقع فِي حَرْب بدر وَالْخَنْدَق، ثَانِيهمَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الإِمَام الرَّازِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب مَا أَفَادَهُ المُصَنّف بقوله. (وَالْمُخْتَار) أَنه (حجَّة إِن كَانَ اتِّفَاق أهل الِاجْتِهَاد وَالْعَدَالَة) لِأَن الْأَدِلَّة السمعية على حجيته لَا تفصل. وَقَول النَّبِي ﷺ فِي أَمر الْحَرْب وَغَيره إِن كَانَ عَن وَحي فَهُوَ الصَّوَاب، وَإِن كَانَ عَن رَأْي وَكَانَ خطأ فَهُوَ لَا يقر عَلَيْهِ. وَفِي الْمِيزَان ثمَّ على قَول من جعله إِجْمَاعًا هَل يجب الْعَمَل بِهِ فِي الْعَصْر الثَّانِي كَمَا فِي الْإِجْمَاع فِي أُمُور الدّين أم لَا؟ إِن لم يتَغَيَّر الْحَال يجب وَإِن تغير لَا يجب (بِخِلَافِهِ) أَي الْإِجْمَاع (على المستقبلات من أَشْرَاط السَّاعَة) وقيدها الشَّارِح بالحسيات (وَأُمُور الْآخِرَة لَا يعْتَبر إِجْمَاعهم عَلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ إِجْمَاع) لأَنهم لَا يعلمُونَ الْغَيْب (بل) يعْتَبر (من حَيْثُ هُوَ مَنْقُول) عَمَّن أعلم بِالْغَيْبِ (كَذَا للحنفية). وَفِي التَّلْوِيح أَن الِاسْتِقْبَال قد لَا يكون مِمَّا لم يُصَرح بِهِ الْمخبر الصَّادِق، بل استنبطه الْمُجْتَهد من نصوصه فَيُفِيد الْإِجْمَاع قطعيته، وَدفع بِأَن الْحسي الاستقبالي لَا مدْخل للِاجْتِهَاد فِيهِ. فَإِن ورد بِهِ نَص فَهُوَ ثَابت بِهِ وَلَا اجتياج إِلَى الاجماع، وَإِن لم يرد فَلَا مساغ للِاجْتِهَاد فِيهِ: هَذَا وَلَا يتَمَسَّك بِالْإِجْمَاع فِيمَا تتَوَقَّف صِحَة الْإِجْمَاع عَلَيْهِ كوجود البارئ تَعَالَى، وَصِحَّة الرسَالَة، وَدلَالَة المعجزة على صدق الرَّسُول للُزُوم الدّور، لِأَن صِحَة الْإِجْمَاع متوقفة على النَّص الدَّال على عصمَة الْأمة عَن الْخَطَأ الْمَوْقُوف على ثُبُوت صدق الرَّسُول الْمَوْقُوف على دلَالَة المعجزة على صدقه الْمَوْقُوف على وجود البارئ وإرساله، فَلَو توقفت صِحَة هَذِه الْأَشْيَاء على صِحَة الْإِجْمَاع لزم الدّور وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. الْبَاب الْخَامِس من الْأَبْوَاب الْخَمْسَة من الْمقَالة الثَّانِيَة فِي أَحْوَال الْمَوْضُوع (الْقيَاس) خبر لمبتدأ مَحْذُوف الْمُضَاف: أَي أَحْوَال الْقيَاس من قبيل حمل الْمَدْلُول على الدَّال مجَازًا، فَإِن الْبَاب عبارَة عَن جُزْء من الْكتاب (قيل هُوَ) أَي الْقيَاس (لُغَة التَّقْدِير) وَهُوَ أَن يقْصد معرفَة قدر أحد الْأَمريْنِ بِالْآخرِ كَمَا يُقَال قسمت الثَّوْب بالذراع: أَي قدرته بِهِ (والمساواة) يُقَال فلَان لَا يُقَاس بفلان: أَي لَا يساوى بِهِ (وَالْمَجْمُوع) أَي مَجْمُوع التَّقْدِير والمساواة فَلهُ ثَلَاثَة معَان، التَّقْدِير، والمساواة فَقَط، وَالْمَجْمُوع، وَفَسرهُ بقوله (أَي يُقَال: إِذا قصدت الدّلَالَة على مَجْمُوع ثُبُوت الْمُسَاوَاة عقيب التَّقْدِير قست النَّعْل بالنعل) أَي قدرته بِهِ فساواه (وَلم يزدْ الْأَكْثَر) أَي أَكثر الْأُصُولِيِّينَ كفخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ والنسفي

стр. 963

(على التَّقْدِير، واستعلام الْقدر) أَي طلب معرفَة مِقْدَار الشَّيْء نَحْو (قست الثَّوْب بالذراع والتسوية) بَين أَمريْن (فِي مِقْدَار) سَوَاء كَانَت حسية نَحْو (قست النَّعْل بالنعل) أَو معنوية، وَإِلَى هَذَا التَّعْمِيم أَشَارَ بقوله وَلَو معنويا (وَلَو) كَانَت أمرا (معنويا) آتى بلو الوصلية إِشَارَة إِلَى أَن إِطْلَاق التَّسْوِيَة على الحسية أولى، ثمَّ لما ذكر الْمَعْنَوِيّ أَرَادَ أَن يعرفهُ تعريفا بالمثال، فَقَالَ (أَي) يُقَال (فلَان لَا يُقَاس بفلان) بِمَعْنى (لَا يقدر) بفلان (أَي لَا يساوى) لما ذكر أَن الْأَكْثَر لم يزِيدُوا فِي تَفْسِير الْقيَاس لُغَة على مُجَرّد التَّقْدِير أَرَادَ إدراج الْمعَانِي الَّتِي تفهم من موارد اسْتِعْمَال لفظ الْقيَاس فِي اللُّغَة الْمشَار إِلَيْهَا بالتقدير والمساواة وَالْمَجْمُوع فِيمَا سبق تَحت مَفْهُومه الْكُلِّي، ففسر الْقيَاس فِي الْمِثَال بالتقدير، ثمَّ فسر التَّقْدِير بالمساواة تَنْبِيها على الِاتِّحَاد بَينهمَا وَلم يُفَسر بِمثلِهِ فِي الْمِثَال الَّذِي قبله للظهور، ثمَّ زَاد فِي التَّصْرِيح بقوله (فَردا مَفْهُومه) أَي مَفْهُوم التَّقْدِير خبر للمبتدأ، أَعنِي قَوْله استعلام الْقدر وَمَا عطف عَلَيْهِ وَهُوَ التَّسْوِيَة (فَهُوَ) أَي الْقيَاس إِذن (مُشْتَرك معنوي) فِي اللُّغَة، يَعْنِي مَوْضُوع بِإِزَاءِ معنى كلي يعم كل وَاحِد من تِلْكَ الْمعَانِي الْمَذْكُورَة، وَهُوَ الَّذِي عبر عَنهُ بالتقدير. وَمُلَخَّصه مُلَاحظَة الْمُسَاوَاة بَين شَيْئَيْنِ سَوَاء كَانَ بطرِيق الاستعلام أَو لَا (لَا) مُشْتَرك (لَفْظِي) فيهمَا فَقَط أَو فِي الْمَجْمُوع أَيْضا (وَلَا) حَقِيقَة فِي التَّقْدِير (مجَاز فِي الْمُسَاوَاة كَمَا قيل) فِي البديع التَّقْدِير يَسْتَدْعِي شَيْئَيْنِ يُضَاف أَحدهمَا إِلَى الآخر بالمساواة فيستلزمهما، وَاسْتِعْمَال لفظ الْمَلْزُوم فِي لَازمه شَائِع: لِأَن التواطؤ مقدم على الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ وَالْمجَاز إِذا أمكن وَالْحَاصِل أَن الْمَفْهُوم فِي الشَّرْح العضدي اشْترك بَين الْمعَانِي الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة، ومختار المُصَنّف أَنه مُشْتَرك معنوي بَينهمَا كَمَا يدل عَلَيْهِ كَلَام بَعضهم. (وَفِي الِاصْطِلَاح) على قَول الْجُمْهُور (مُسَاوَاة مَحل) من محَال الحكم (لآخر) أَي لمحل آخر (فِي عِلّة حكم لَهُ) أَي لذَلِك الْمحل الآخر (شَرْعِي) صفة لحكم، احْتِرَاز عَمَّا لَيْسَ بشرعي كالعلة الْعَقْلِيَّة (لَا تدْرك) تِلْكَ الْعلَّة (من نَصه) أَي ذَلِك الْمحل الآخر (بِمُجَرَّد فهم اللُّغَة) بِأَن تفهم تِلْكَ الْعلَّة من النَّص كل من يفهم مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ بل يحْتَاج فهمها إِلَى تَأمل واجتهاد (فَلَا يُقَاس فِي اللُّغَة) كَأَن يعدى اسْم الْخمر إِلَى النَّبِيذ بِأَن يخال كَون المخامرة الْمُشْتَركَة بَينهمَا عِلّة فِي تَسْمِيَتهَا (وَإِطْلَاق حكمه) أَي الأَصْل بِأَن لَا يُقيد بِقَيْد شَرْعِي (يدْخلهُ) أَي الْقيَاس فِي اللُّغَة كَمَا يدْخل الْقيَاس فِي الْعقلِيّ الصّرْف لصدق مَا عداهُ من أَجزَاء التَّعْرِيف عَلَيْهِ والاقتصار على مُسَاوَاة فرع لأصل فِي عِلّة حكمه) أَي الأَصْل كَمَا فِي مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب والبديع (يفْسد طرده) أَي مانعية التَّعْرِيف لانتقاضه (بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة) كدلالة النَّهْي عَن التأفيف على النَّهْي عَن الضَّرْب، لِأَن فِيهِ مُسَاوَاة فرع هُوَ الضَّرْب لأصل هُوَ التأفيف فِي عِلّة حكم التأفيف، وَهُوَ الْحُرْمَة المعللة بالأذى (وَاسم الْقيَاس) أَي إِطْلَاقه (من

стр. 964

بَعضهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (عَلَيْهِ) أَي على مَفْهُوم الْمُوَافقَة (مجَاز للُزُوم التَّقْيِيد بالجلي) أَي التزموا فِي إِطْلَاق الْقيَاس عَلَيْهِ أَن يقيدوه بالجلي فيقولوا الْقيَاس الْجَلِيّ وَهَذَا التَّقْيِيد على سَبِيل اللُّزُوم عَلامَة الْمجَاز على مَا عرف (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مجَازًا (فعلي) تَقْدِير إِطْلَاقه على مَا نَحن فِيهِ وعَلى مَفْهُوم الْمُوَافقَة على سَبِيل (النواطؤ) بِأَن يكون للْقِيَاس فِي الِاصْطِلَاح مَفْهُوم عَام يشملهما (بَطل اشتراطهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (عدم كَون دَلِيل حكم الأَصْل شَامِلًا لحكم الْفَرْع) لِأَنَّهُ على تَقْدِير التواطؤ ينْدَرج فِي الْقيَاس، وَدَلِيل حكم الأَصْل فِيهِ شَامِل لحكم الْفَرْع وَلَا شكّ أَن اشْتِرَاط مَا يخرج من بعض أَفْرَاد الْمُعَرّف فِي التَّعْرِيف بَاطِل (و) بَطل (إطباقهم على تَقْسِيم دلَالَة اللَّفْظ إِلَى مَنْطُوق وَمَفْهُوم) أَي اتَّفقُوا على أَن مَدْلُول اللَّفْظ يَنْقَسِم اليهما وَلم يَخْتَلِفُوا فِي مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وغن اخْتلفُوا فِي مَفْهُوم الْمُخَالفَة، وَكَون مَفْهُوم الْمُوَافقَة من مَدْلُول اللَّفْظ منَاف لكَونه من الْقيَاس لِأَنَّهُ مُقَابل للْكتاب وَالسّنة والاجماع الَّتِي مَدْلُول اللَّفْظ شرعا عبارَة عَن مدلولها (وَلَو) كَانَ لفظ الْقيَاس مُشْتَركا (لفظيا) بَين مَا هُوَ قِيَاس اتِّفَاقًا، وَبَين مَفْهُوم الْمُوَافقَة (فالتعريف) الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ (لخُصُوص أحد المفهومين) يَعْنِي مَا يُقَابل الْمَفْهُوم وَكلمَة لَو إِشَارَة إِلَى أَن اشتراكه لَيْسَ بِمُسلم (وَأورد عَلَيْهِ) أَي على هَذَا التَّعْرِيف (الدّور) أَي استلزامه الدّور (فَإِن تعقل الأَصْل وَالْفرع فرع تعقله) أَي الْقيَاس، فَيكون تعقلهما مَوْقُوفا على تعقله، وَذَلِكَ لِأَن الأَصْل هُوَ الْمَقِيس عَلَيْهِ، وَالْفرع هُوَ الْمَقِيس، وَإِذا كَانَا جزءين من تَعْرِيفه لزم أَن يتَوَقَّف تعقله على تعقلهما فَيلْزم الدّور (وَأجِيب بِأَن المُرَاد) بِالْأَصْلِ وَالْفرع (مَا صدق عَلَيْهِ) مفهومهما الْكُلِّي من أَفْرَاده. وَفِي بعض النّسخ مَا صدقا عَلَيْهِ وحاصلهما وَاحِد (وَهُوَ) أَي مَا صدق مفهومهما عَلَيْهِ (مَحل) مَنْصُوص على حكمه، وَمحل غير مَنْصُوص على حكمه، وَإِنَّمَا فسر مَا صدق عَلَيْهِ بقوله مَحل لِئَلَّا يرد أَن تَفْسِير الأَصْل بِمَا صدق عَلَيْهِ الأَصْل، وَالْفرع بِمَا صدق عَلَيْهِ الْفَرْع لَا يدْفع الدّور، لِأَن تعقل فَرد الشَّيْء من حَيْثُ هُوَ فَرده مُسْتَلْزم لتعقله، وَأما تعقله لَا من حَيْثُ أَنه فَرده، بل يعنون آخر كالمحلية مثلا لَا يستلزمه (وَهُوَ) أَي هَذَا المُرَاد (خلاف) مُقْتَضى (اللَّفْظ) لِأَن الْمُتَبَادر من إِطْلَاق الْوَصْف إِرَادَة الذَّات من حَيْثُ أَنَّهَا متصفة بِهِ، فإرادتها مُجَرّدَة عَنهُ ملحوظة بعنوان آخر خلاف مُقْتَضَاهُ (وَقُلْنَا) فِي الْجَواب عَن الدّور إِن كل وَاحِد من الأَصْل وَالْفرع (ركن) فِي الْقيَاس وركن الشَّيْء يذكر فِي تَعْرِيفه، وَلَا يتَوَقَّف تعقل الرُّكْن على تعقله، بل الْأَمر بِالْعَكْسِ. وَلَا نسلم أَن يُلَاحظ الأَصْل وَالْفرع فِي التَّعْرِيف بعنوان الْمَقِيس عَلَيْهِ والمقيس وَإِن كَانَا فِي نفس الْأَمر مصداقين لَهما. وَفِي بعض النّسخ فليذكره بعد قَوْله ركن: أَي فليذكر صَاحب التَّعْرِيف الرُّكْن

стр. 965

ويكفيه أَن يُلَاحظ الأَصْل بِاعْتِبَار أصالته من حَيْثُ ثُبُوت الحكم نصا، وَالْفرع بِاعْتِبَار كَونه مُلْحقًا بذلك الأَصْل من حَيْثُ الحكم (ويستغنى) بِمَا قُلْنَا (عَن الدُّف) الْمَذْكُور (المنظور) فِيهِ بِمَا ذكر من خلاف اللَّفْظ (ثمَّ إِن عمم) التَّعْرِيف تعميما يحققه (فِي) الْقيَاس (الْفَاسِد) كتحققه فِي الصَّحِيح (زيد) لتَحْصِيل هَذَا التَّعْمِيم (فِي نظر الْمُجْتَهد) الْجَار وَالْمَجْرُور فِي مَحل الرّفْع بقوله زيد: أَي زيد هَذَا اللَّفْظ (لتبادر) الْمُسَاوَاة (الثَّابِتَة فِي نفس الْأَمر من) لفظ (الْمُسَاوَاة) إِن لم يزدْ، لِأَن الْمُتَبَادر من النّسَب إِذا أطلقت أَن تكون بِحَسب نفس الْأَمر وَكَونهَا بِحَسب نظر الْعقل خلاف الْمُتَبَادر (وَعنهُ) أَي عَن تبادرها عِنْد الْإِطْلَاق (لزم المصوبة) أَي الْقَائِلين بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب (زيادتها) أَي زِيَادَة الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة أُرِيد بالمضاف الْمَعْنى المصدري، وبالمضاف إِلَيْهِ معنى الْمَفْعُول (لِأَنَّهَا) أَي الْمُسَاوَاة عِنْدهم (لما لم تكن إِلَّا) الْمُسَاوَاة (فِي نظره) أَي الْمُجْتَهد، إِذْ كل مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فَهُوَ عين حكم الله تَعَالَى عِنْدهم وَلَيْسَ لله تَعَالَى فِي كل حَادِثَة حكم معِين فِي نفس الْأَمر تَارَة يُوَافقهُ مَا فِي نظر الْمُجْتَهد، وَتارَة لَا يُوَافقهُ (كَانَ الْإِطْلَاق) للمساواة عَن الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة (كقيد مخرج للأفراد) أَي أَفْرَاد الْمُعَرّف كلهَا (إِذْ يُفِيد) الْإِطْلَاق (التَّقْيِيد) أَي تَقْيِيد الْمُسَاوَاة (بِنَفس الْأَمر وَافق نظره) أَي نظر الْمُجْتَهد (أَولا) يُوَافق وَلَا شَيْء من أَفْرَاد الْقيَاس بِحَيْثُ يصدق عَلَيْهِ أَنه مُسَاوَاة فِي نفس الْأَمر مَعَ قطع النّظر عَن نظر الْمُجْتَهد لما عرفت، وَإِنَّمَا قَالَ كقيد لِأَنَّهُ فِي نفس الْأَمر لَيْسَ بمخرج بل يتَوَهَّم أَن يكون مخرجا لِأَن نفس الْأَمر فِي الْمسَائِل الاجتهادية عِنْدهم عبارَة عَمَّا هُوَ فِي نظر الْمُجْتَهد فَيصدق على كل فَرد أَنه فِي نفس الْأَمر مُسَاوَاة (وَمن نفي كَونه) أَي الْقيَاس (فعل مُجْتَهد بِاخْتِيَار الْمُسَاوَاة) فِي تَعْرِيفه فَإِنَّهَا صفة إضافية قَائِمَة بالمنتسبين الْفَرْع وَالْأَصْل (فَأبْطل التَّعْرِيف ببذل الْجهد الخ) مُتَعَلق بأبطل: أَي فِي اسْتِخْرَاج الْحق على مَا نقل عَن بَعضهم (بِأَنَّهُ) أَي بذل الْمُجْتَهد (حَال القائس) لَا الْقيَاس (مَعَ أعميته) فَإِنَّهُ مُتَحَقق فِي استنباط كل حكم من الْأَحْكَام سَوَاء كَانَ بطرِيق الْقيَاس أَو بِدلَالَة النُّصُوص إِلَى غير ذَلِك، والتعريف بالأعم لَا يُفِيد الْعلم بالمعرف. (ثمَّ اخْتَار فِي) مقَام (قصد التَّعْمِيم) فِي التَّعْرِيف على وَجه يعم الصَّحِيح وَالْفَاسِد قَوْله (تَشْبِيه) فرع بِأَصْل بدل الْمُسَاوَاة، فَقَالَ هُوَ تَشْبِيه فرع بِالْأَصْلِ فِي عِلّة حكمه، لِأَنَّهُ قد يكون مطابقا لحُصُول الشّبَه، وَقد لَا يكون لعدمه، وَقد يكون الْمُشبه يرى ذَلِك وَقد لَا يرَاهُ على مَا ذكر فِي الشَّرْح العضدي (نَاقض) نَفسه، فَإِن التَّشْبِيه أَيْضا فعل الْمُجْتَهد كَمَا أَن بذل الْمُجْتَهد فعله (وَدفعه) أَي التَّنَاقُض (بِأَن المُرَاد تَشْبِيه الشَّارِع) لَا تَشْبِيه الْمُجْتَهد حَتَّى يكون فعله وَهُوَ ببذل جهده لمعْرِفَة تَشْبِيه الشَّارِع فَإِن وَافق أصَاب وَإِلَّا أَخطَأ (قد يدْفع) هَذَا

стр. 966

الدّفع (بِأَن شَرعه تَعَالَى) الحكم (فِي كل الْمحَال) وَاقع (ابْتِدَاء) فَيلْزم أَن يكون دفْعَة وَاحِدَة، وَإِلَّا لم يكن الِابْتِدَاء فِي الْكل فَلم يبْق احْتِمَال تقدم الأَصْل على الْفَرْع ثمَّ إِلْحَاقه بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا بِنَاء على التَّشْبِيه) بِأَن أثبت الحكم فِي مَحل ابْتِدَاء ثمَّ أثبت فِي مَحل آخر لشبهه بِالْأولِ فِي المناط (وَإِن وَقع) التشريع الدفعي فِي حق الْمحل الأول مَقْرُونا (بذلك الشّبَه) فِي نفس الْأَمر لكنه لَا مدْخل لَهُ فِي تشريع الحكم فِي الْفَرْع، لِأَن الْكل ابتدائي (وَأكْثر عباراتهم تفِيد) كَون الْقيَاس (فعله) أَي فعل الْمُجْتَهد (فَمَا أمكن رده) من تِلْكَ الْعبارَات بِضَرْب من التَّأْوِيل (إِلَى فعله) تَعَالَى على وَجه يسوغ مثله فِي الاستعمالات (فَهُوَ) أَي فَذَلِك الرَّد (مخلص) لذَلِك التَّعْرِيف من عدم الصِّحَّة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُمكن الرَّد إِلَى فعله تَعَالَى كَمَا فِي بعض تِلْكَ الْعبارَات (لم يَصح) ذَلِك التَّعْرِيف الَّذِي لم يُمكن فِيهِ الرَّد الْمَذْكُور (لِأَنَّهُ) أَي الْقيَاس (دَلِيل نَصبه الشَّارِع نظر فِيهِ مُجْتَهد أَولا كالنص) أَي كَمَا أَن النَّص من الْكتاب وَالسّنة دَلِيل نَصبه الشَّارِع نظر فِيهِ مُجْتَهد أَولا لَا، وَمَا كَانَ وجوده أمرا مفروغا عَنهُ بِنصب الشَّارِع بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِيهِ وجود الْمُجْتَهد وَعَدَمه لم يكن فعلا للمجتهد وَهُوَ ظَاهر. فقد استبان لَك مِمَّا ذكرنَا أَن مَا قيل من أَنه لَا يلْزم من مُجَرّد هَذَا أَن لَا يكون فعلا للمجتهد وَهُوَ ظَاهر بِدَلِيل أَن الْإِجْمَاع دَلِيل نَصبه الشَّارِع مَعَ أَنه فعل الْمُجْتَهدين لجَوَاز أَن يَجْعَل الشَّارِع فعل الْمُكَلف مناطا لحكم شَرْعِي كَلَام سَاقِط، على أَن كَون الْإِجْمَاع فعل الْمُجْتَهدين غير مُسلم، إِذْ الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ حجَّة إِنَّمَا هُوَ تِلْكَ الْهَيْئَة الاجتماعية الْحَاصِلَة من آرائهم، وَكَون كل وَاحِد من تِلْكَ الآراء فعل الْمُكَلف مَحل بحث لكَونه من مقولة الكيف، وَإِن كَانَ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ وَهُوَ الِاجْتِهَاد فعله كَمَا سَيَأْتِي فضلا عَن تِلْكَ الْهَيْئَة اللَّازِمَة لِاجْتِمَاعِهِمْ على وَجه الِاسْتِيعَاب (فَمن الثَّانِي) أَي مِمَّا لَا يُمكن رده إِلَى كَونه فعل الله تَعَالَى (تَعديَة الحكم من الأَصْل الخ) أَي إِلَى الْفَرْع بعلة متحدة لَا تدْرك بِمُجَرَّد اللُّغَة (لصدر الشَّرِيعَة) فَإِنَّهُ لَا يُوصف بِكَوْنِهِ معديا حكم أصل إِلَى فرع فَإِن قلت لم لَا يجوز أَن يكون عبارَة عَن جعله تَعَالَى حكم الأَصْل مَقْرُونا بعلة تصلح لِأَن تكون سَببا تقدمه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهد قُلْنَا يأباه مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله. (ثمَّ فَسرهَا) أَي صدر الشَّرِيعَة مَعْطُوف على مُقَدّر تَقْدِيره عرفه بهَا. ثمَّ فَسرهَا (بِإِثْبَات حكم مثل) حكم (الأَصْل) فِي الْفَرْع فَإِنَّهُ تَصْرِيح بحدوث حكم الْفَرْع بعد حكم الأَصْل بطرِيق التَّعْدِيَة والإلحاق، (وَأورد) على هَذَا التَّعْرِيف (مَا سَنذكرُهُ) قَرِيبا فِي حكم الْقيَاس (فَأفَاد أَنَّهَا) أَي التَّعْدِيَة (فعل مُجْتَهد وَلَيْسَت) التَّعْدِيَة (بِهِ) أَي بِفعل الْمُجْتَهد، وَهَذِه الْعبارَة تدل على وجود التَّعْدِيَة غير أَنَّهَا لَيست بِفِعْلِهِ بل هِيَ فعل الشَّارِع إِذْ لَا ثَالِث يكون فعلا لَهُ، وَقد عرفت شرع الحكم فِي كل الْمحَال ابْتِدَاء. فاحتيج إِلَى تَأْوِيل، وَمَا ذكرنَا

стр. 967

آنِفا يصلح لِأَن يكون تَأْوِيله، وسيشير إِلَى تَأْوِيل، ثمَّ بَين عدم كَونهَا فعل الْمُجْتَهد بقوله (إِذْ لَا فعل لَهُ) أَي للمجتهد فِي ذَلِك (سوى النّظر فِي دَلِيل الْعلَّة) بِعَدَمِ مُلَاحظَة كَون الأَصْل مُعَللا (و) سوى النّظر فِي (وجودهَا) أَي الْعلَّة فِي الْفَرْع (ثمَّ يلْزمه) أَي النّظر فِي دَلِيل الْعلَّة ووجودها فِي الْفَرْع إِذا أدّى إِلَيْهَا وَإِلَى وجودهَا (ظن حكم الأَصْل فِي الْفَرْع بخلقه تَعَالَى) إِيَّاه مُتَعَلق باللزوم (عَادَة) أَي لُزُوما عاديا لَا عقليا بِحَيْثُ يَسْتَحِيل عدم حُصُوله (فَلَيْسَتْ التَّعْدِيَة سواهُ) أَي سوى ظن حكم الأَصْل فِي الْفَرْع، وَالظَّن كَيفَ، وَلَيْسَ بِفعل (وَهُوَ) أَي الظَّن الْمَذْكُور (ثَمَرَة الْقيَاس لَا نفس الْقيَاس) وَهَذَا يدل على أَن الْقيَاس هُوَ النّظر الْمَذْكُور، وَقد صرح فِيمَا قبل أَن الْقيَاس دَلِيل نَصبه الشَّارِع نظر فِيهِ مُجْتَهد أَولا، فبينهما تدافع، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى تعْيين الْعلَّة ووجودها فِي الْفَرْع نتيجة نصب الشَّارِع، وَالظَّن الْمَذْكُور نتيجة النّظر الْمَذْكُور ونتيجة نتيجة الشَّيْء نتيجة لذَلِك الشَّيْء فَتَأمل (وَمثله) أَي مثل تَعْرِيف صدر الشَّرِيعَة فِي عدم إِمْكَان الرَّد إِلَى فعله تَعَالَى (قَول القَاضِي أبي بكر: حمل مَعْلُوم على مَعْلُوم فِي إِثْبَات حكم لَهما الخ) أَي أَو نَفْيه عَنْهُمَا بِأَمْر جَامع بَينهمَا من إِثْبَات حكم أَو صفة أَو نفيهما، إِنَّمَا قَالَ مَعْلُوم على مَعْلُوم دون شَيْء على شَيْء ليشْمل الْمَعْدُوم والمستحيل أَيْضا، وعمم الحكم ليتناول الوجودي نَحْو قتل عمد عدوان، فَيجب الْقصاص كَمَا فِي الْمَحْدُود، والعدمي نَحْو قَتِيل تمكن فِيهِ الشُّبْهَة فَلَا يُوجب الْقصاص كالعصا الصَّغِيرَة، وَفصل فِي الْجَامِع ليعم الحكم الشَّرْعِيّ نَحْو العدوانية، وَالْوَصْف الْعقل نَحْو العمدية، ونفيهما كَمَا يُقَال فِي الْخَطَأ لَيْسَ بعمد وَلَا عدوان: فَلَا يجب الْقصاص كَمَا فِي الصَّبِي، (وَفِيه زِيَادَة إِشْعَار بِأَن حكم الأَصْل) أَيْضا (بِالْقِيَاسِ) يَعْنِي شَارك صدر الشَّرِيعَة فِي عدم إِمْكَان الرَّد لِأَن الْحمل الْمَذْكُور هُوَ التَّعْدِيَة الْمَذْكُورَة فِي الْمَآل، وَزَاد عَلَيْهِ بِهَذَا الْإِشْعَار (وَأجِيب بِأَن الْمَعْنى) أَي معنى إِثْبَات حكم لَهما أَنه (كَانَ حكم الأَصْل) قبل الْقيَاس هُوَ (الظَّاهِر فَظهر) أَن الْقيَاس (فيهمَا) أَي فِي الأَصْل وَالْفرع جَمِيعًا وَالْحَاصِل أَن ثُبُوت الحكم فيهمَا بِحَسب نفس الْأَمر مُتَحَقق قبل الْقيَاس، وَأما ظُهُوره عِنْد الْمُكَلّفين فَفِي الأَصْل مُتَحَقق قبل الْقيَاس، أَعنِي النّظر وَالِاجْتِهَاد، وَفِي الْفَرْع يتَحَقَّق بعده، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بِإِظْهَار الْقيَاس إِيَّاه) أَي حكم الأَصْل (فِي الْفَرْع) وَإِضَافَة الْإِظْهَار إِلَى الْقيَاس مجازية من قبيل إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى السَّبَب. (وَمن الأول) أَي مِمَّا يُمكن رده إِلَى فعله تَعَالَى (تَقْدِير الْفَرْع بِالْأَصْلِ فِي الحكم وَالْعلَّة فَإنَّك علمت أَن التَّقْدِير يُقَال) أَي يُطلق لُغَة (على التَّسْوِيَة فَرجع) التَّقْدِير الْمَذْكُور (إِلَى تسويته تَعَالَى محلا بآخر) أَي بِمحل آخر (على مَا ذكر) آنِفا من (أَنَّهُمَا) أَي المحلين (المُرَاد بهما) أَي بالفرع وَالْأَصْل (وَيقرب مِنْهُ) أَي من هَذَا التَّعْرِيف

стр. 968

فِي إِمْكَان الرَّد إِلَى فعله تَعَالَى (قَول أبي مَنْصُور) الماتريدي (إبانة مثل حكم أحد الْمَذْكُورين بِمثل علته فِي الآخر) فَالْمُرَاد بالمذكورين الأَصْل وَالْفرع، ومذكورية الأَصْل ظَاهر لكَونه مَنْصُوصا عَلَيْهِ من حَيْثُ الحكم، وَأما مذكورية الْفَرْع فباعتبار أَن ذكر الأَصْل مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِحكم مُعَلل بعلة مَوْجُودَة فِي الْفَرْع يسْتَلْزم ذكر الْفَرْع ضمنا بِأحد الْمَذْكُورين الأَصْل وَالْآخر الْفَرْع. وَإِنَّمَا قَالَ بِمثل علته لِأَن الْعلَّة الْمَوْجُودَة فِي الْفَرْع لَيست عين الْعلَّة الْمَوْجُودَة فِي الأَصْل لكَون كل مِنْهُمَا عرضا شخصيا قَائِما بمحله الشخصي كَمَا أَن حكم كل وَاحِد مِنْهُمَا كَذَلِك (فتصحيحه) أَي التَّعْرِيف الْمَذْكُور (بإبانة الشَّارِع) أَي بِحمْل الْإِبَانَة على إبانة الشَّارِع لَا على إبانة الْمُجْتَهد، وَهَذَا التَّوْجِيه وَقع (بِخِلَاف قَوْلهم) أَي جمع من الْحَنَفِيَّة (أَنه) أَي اخْتِيَار الْإِبَانَة (لإِفَادَة أَن الْقيَاس مظهر للْحكم لَا مُثبت) لَهُ (بل الْمُثبت هُوَ الله سُبْحَانَهُ) وَتَعَالَى ثمَّ أَشَارَ إِلَى رد مَا قَالُوا بقوله (لِأَن) الْأَدِلَّة (السمعية) من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع (حِينَئِذٍ) أَي حِين لوحظ هَذَا الْمَعْنى (كلهَا كَذَلِك) أَي مظهرة للْحكم فِي الْحَقِيقَة لَا مثبتة لَهُ لأئها (إِنَّمَا تظهر الثَّابِت من حكمه) تَعَالَى (وَهُوَ) أَي حكمه أَو الثَّابِت من حكمه الْخطاب (النَّفْسِيّ) لكَونه مندرجا فِي كَلَامه النَّفْسِيّ. (ثمَّ) يرد (عَلَيْهِ) أَي على تَعْرِيف الماتريدي (أَن إبانته) أَي الْمُجْتَهد على مَا هُوَ الظَّاهِر، أَو الشَّارِع على التَّصْحِيح (الحكم) مفعول إبانته (لَيْسَ نفس الدَّلِيل) الَّذِي هُوَ الْقيَاس، وَلَا بُد من صِحَة الْحمل بَين الْمُعَرّف والمعرف (بل) ذَلِك أَمر (مُرَتّب على النّظر الصَّحِيح فِيهِ) أَي فِي الدَّلِيل عَادَة، وكلامنا إِنَّمَا هُوَ فِي تَعْرِيف نفس الدَّلِيل الَّذِي هُوَ الْقيَاس (وَيجب حذف مثل فِي) قَوْله (مثل حكم) أحد الْمَذْكُورين (لِأَن حكم الْفَرْع هُوَ حكم الأَصْل) فَإِن حكم الْخمر والنبيذ مثلا شَيْء وَاحِد، وَهُوَ الْحُرْمَة، وخصوصية الْمحل غير مَنْظُور فِي كَونهَا حكما (غير أَنه نَص عَلَيْهِ فِي مَحل) وَهُوَ الأَصْل (وَالْقِيَاس يُفِيد أَنه) أَي الحكم ثَابت (فِي غَيره) أَي فِي غير ذَلِك الْمحل وَهُوَ الْفَرْع (أَيْضا) نقل عَن المُصَنّف هَهُنَا، يَعْنِي أَن حكم كل من الأَصْل وَالْفرع وَاحِد لَهُ إضافتان إِلَى الأَصْل بِاعْتِبَار تعلقه بِهِ، وَإِلَى الْفَرْع كَذَلِك فَلَا يَتَعَدَّد فِي ذَاته بِتَعَدُّد الْمحل، بل هُوَ وَاحِد لَهُ تعلق بكثيرين كَمَا أَن الْقُدْرَة شَيْء وَاحِد مُتَعَلق بالمقدورات (وَكَذَا) يجب حذف (مثل فِي بِمثل علته) فَإِن الْعلَّة المثيرة للْحكم فِي الأَصْل بِعَينهَا المثيرة لَهُ فِي الْفَرْع (ومبنى هَذَا الْوَهم) وَهُوَ أَنه لَا بُد من ذكر مثل فِي كلا هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ على كثير (حَتَّى قَالَ مُحَقّق) وَهُوَ القَاضِي شَارِح الْمُخْتَصر (لَا بُد أَن يعلم عِلّة الحكم فِي الأَصْل، وَثُبُوت مثلهَا فِي الْفَرْع، إِذْ ثُبُوت عينهَا) فِي الْفَرْع (لَا يتَصَوَّر لِأَن الْمَعْنى) المتحقق (الشخصي لَا يقوم بمحلين، وَبِذَلِك) أَي بِالْعلمِ بعلة الحكم فِي الأَصْل

стр. 969

وَثُبُوت مثلهَا فِي الْفَرْع (يحصل ظن مثل الحكم فِي الْفَرْع، وَبَيَان وهمهم أَن الحكم وَهُوَ الْخطاب النَّفْسِيّ جزئي حَقِيقِيّ لِأَنَّهُ) أَي الْخطاب النَّفْسِيّ (وصف مُتَحَقق فِي الْخَارِج قَائِم بِهِ تَعَالَى فَهُوَ وَاحِد لَهُ متعلقات كَثِيرَة) شارة إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْحق من أَنه تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام قديم وَاحِد بالشخص قَائِم بِذَاتِهِ لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت هُوَ بِهِ طَالب بِهِ مخبر، فَالْكَلَام النَّفْسِيّ من حَيْثُ إِضَافَته إِلَى فعل العَبْد من حَيْثُ الطّلب اقْتِضَاء، أَو تَخْيِير، وَمن حَيْثُ أَنه حكم بتعلق شَيْء بِشَيْء كالسببية والشرطية إِلَى غير ذَلِك يُسمى خطابا نفسيا، وَهَذِه إِضَافَة على وَجه الْعُمُوم ينْدَرج تَحْتَهُ أَنْوَاع وأصناف وأشخاص من الْإِضَافَة، فالتعلقات الْكَثِيرَة عبارَة عَن تِلْكَ الإضافات (وَمَا ذكر) من أَن الْمَعْنى الشخصي لَا يقوم بمحلين (إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِيقَة قيام الْعرض الشخصي بِالْمحل كالبياض الشخصي الْقَائِم بِالثَّوْبِ الشخصي يمْتَنع أَن يقوم) هَذَا الْبيَاض الشخصي الْمَذْكُور حَال كَونه متلبسا (بِعَيْنِه) أَي بتعينه الشخصي (بِغَيْرِهِ) صلَة للْقِيَام، أَي بِغَيْر ذَلِك الثَّوْب الشخصي الْمَذْكُور، وصفات الله تَعَالَى لَيست من مقولة الْعرض وَلَا يُقَاس بهَا، على أَنه لَو سلم كَونهَا مثل الْأَعْرَاض فِي اسْتِحَالَة قِيَامهَا بمحلين لَا ينفع الواهم الْمَذْكُور، لِأَن الْخطاب الْمَذْكُور لَا يقوم إِلَّا بِذَاتِهِ المقدسة، غَايَة الْأَمر أَن لَهُ تعلقات وإضافات بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيرهَا لَا أَنه قَائِم بِالْغَيْر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والكائن هُنَا) أَي فِي الْخطاب النَّفْسِيّ الْمُتَعَلّق بالمحال المتعددة إِنَّمَا هُوَ (مُجَرّد إضافات مُتعَدِّدَة لوَاحِد شخصي) هُوَ الْخطاب النَّفْسِيّ (وَكَذَلِكَ لَا يمنعهُ الشخصية) أَي مثل هَذَا الْقدر وَهُوَ أَن يكون بِاعْتِبَار الإضافات لَا يمنعهُ شخصية الْمَعْنى الْقَائِم بالشخص (فالتحريم الْمُضَاف إِلَى الْخمر بِعَيْنِه لَهُ إِضَافَة أُخْرَى إِلَى النَّبِيذ وَمثله مِمَّا لَا يُحْصى) من الْمعَانِي الشخصية المتكثرة بِاعْتِبَار التعلقات (كالقدرة الْوَاحِدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى المقدورات لَيست) الْقُدْرَة (قَائِمَة بهَا) أَي بالمقدورات (بل) قَائِمَة (بِهِ تَعَالَى، وَلها إِلَى كل مَقْدُور إِضَافَة يَعْتَبِرهَا الْعقل، وَكَذَا الْوَصْف) الَّذِي هُوَ عِلّة الحكم فِي الأَصْل وَالْفرع وَاحِد وَلَا يلْزم مِنْهُ قيام شخص بمحلين (إِذْ لَيْسَ) الْوَصْف (المنوط بِهِ) الحكم (الْوَصْف الجزئي، بل) هُوَ الْوَصْف (الْكُلِّي، وَهُوَ) أَي ذَلِك الْكُلِّي (بِعَيْنِه ثَابت فِي الْمحَال) الأَصْل وَالْفرع بِاعْتِبَار أَفْرَاد كل مِنْهُمَا، فَإِن الْخمر مثلا مَفْهُوم تحتهَا جزئيات لَا تحصى، وَكَذَا النَّبِيذ (فمناط حُرْمَة الْخمر الْإِسْكَار مُطلقًا لَا إسكار الْخمر، وَلِأَنَّهُ) أَي إسكار الْخمر مَعْطُوف على الْمَعْنى: أَي لما ذكرنَا أَن المنوط بِهِ كلي ثَابت بِعَيْنِه فِي الْمحَال، وَلِأَنَّهُ (قَاصِر عَلَيْهِ) أَي على الأَصْل الَّذِي هُوَ الْخمر (فتمتنع التَّعْدِيَة) لكَونه قاصرا على الأَصْل كَمَا سَيَأْتِي (وَهَذَا) أَي كَون المناط فِي حُرْمَة الْخمر كليا (لِأَنَّهُ) أَي المناط إِنَّمَا هُوَ الْأَمر (الْمُشْتَمل على الْمَفَاسِد واشتماله) عَلَيْهَا (لَيْسَ بِقَيْد كَونه إسكار كَذَا)

стр. 970

أَي الْخمر مثلا (بل) بِاعْتِبَار أَنه (إسكار) مُطلق (وَهُوَ) أَي الْإِسْكَار الْمُطلق (بِعَيْنِه ثَابت فِي الْمحَال) كلهَا (وعَلى هَذَا كَلَام النَّاس) فِيهِ تَعْرِيض بِأَن مَا ابتدعه هَؤُلَاءِ خلاف كَلَام النَّاس (وَإِنَّمَا يحصل من العلمين) أَي الْعلم بعلة الحكم فِي الأَصْل وَالْعلم بثبوتها فِي الْفَرْع (ظن) للْحكم فِي الْفَرْع لَا قطع (لجَوَاز كَون خُصُوص الأَصْل شرطا) للْحكم فِيهِ (و) كَون خُصُوص (الْفَرْع مَانِعا) مِنْهُ، وَلَا يخفى أَن هذَيْن الِاحْتِمَالَيْنِ لَا يُنَافِي وَاحِد مِنْهُمَا الْعلم بعلية الْوَصْف، إِذْ لَيْسَ المُرَاد من الْعلم بعليته الْقطع بِكَوْنِهِ عِلّة تَامَّة بِحَيْثُ لَا يحْتَاج فِي إِثْبَات الحكم إِلَى شَرط. وَدفع مَانع، على أَن الظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْعلمِ مُطلق التَّصْدِيق فَيشْمَل الظَّن (وَأورد على عكس التَّعْرِيف) الْمَذْكُور وَهُوَ مُسَاوَاة مَحل لآخر فِي عِلّة حكم شَرْعِي إِلَى آخِره (أَمْرَانِ: الأول قِيَاس الْعَكْس) وَهُوَ إِثْبَات نقيض حكم الشَّيْء فِي شَيْء آخر بنقيض علته فَإِنَّهُ قِيَاس، وَلَا يصدق عَلَيْهِ التَّعْرِيف لعدم الْمُسَاوَاة فِيهِ بَين الأَصْل وَالْفرع فِي الحكم وَالْعلَّة وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِنَّهُ) أَي قِيَاس الْعَكْس (مُثبت لنقيض حكم الأَصْل فِي الْفَرْع كَقَوْل حَنَفِيّ) لإِثْبَات وجوب الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف الْوَاجِب كَمَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة، أَو فِي مطلقه كَمَا فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة (لما وَجب الصَّوْم شرطا للاعتكاف بنذره) أَي الصَّوْم مَعَ الِاعْتِكَاف بِأَن يَقُول مثلا: نذرت الِاعْتِكَاف صَائِما (وَجب) الصَّوْم للاعتكاف (بِلَا) شَرط (نذر) للصَّوْم مَعَ الِاعْتِكَاف بِأَن يَقُول نذرت الِاعْتِكَاف من غير ذكر الصَّوْم إِن كَانَ الْمُدعى إِثْبَات وجوب الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف الْوَاجِب، أَو بِأَن يعْتَكف من غير نذر إِن كَانَ الْمُدعى إِثْبَات وجوب الصَّوْم فِي مطلقه (كَالصَّلَاةِ لما لم تجب شرطا لَهُ) أَي الِاعْتِكَاف (بِالنذرِ) أَي بِنذر الصَّلَاة مَعَ الِاعْتِكَاف بِأَن يَقُول نذرت الِاعْتِكَاف مُصَليا من غير ذكر الصَّلَاة أَو يعْتَكف من غير نذر (لم تجب بِغَيْر نذر) للصَّلَاة مَعَ الِاعْتِكَاف بِأَن يَقُول نذرت الِاعْتِكَاف، ثمَّ أَرَادَ أَن يبين الأَصْل وَالْفرع وَالْعلَّة وَالْحكم فِي الْقيَاس الْمَذْكُور، فَقَالَ (ومضمون الشَّرْط) يَعْنِي وجوب الصَّوْم شرطا للاعتكاف بنذره على مَا سبق وَعدم وجوب الصَّلَاة شرطا للاعتكاف بِالنذرِ (فِي الأَصْل الصَّلَاة) عطف بَيَان للْأَصْل (وَالْفرع) عطف على الأَصْل: أَي ومضمون الشَّرْط فِي الْفَرْع (الصَّوْم) عطف بَيَان وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مَضْمُون الشَّرْط عبارَة عَن المضمونين المتخالفين مُتَحَقق فِي كل من الأَصْل وَالْفرع وَاحِد مِنْهُمَا (عِلّة) خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي مَضْمُون الشَّرْط (لمضمون الْجَزَاء) يَعْنِي وجوب الصَّوْم بِلَا نذر، وَعدم وجوب الصَّلَاة بِغَيْر نذر والتوزيع هَهُنَا كالتوزيع فِي مَضْمُون الشَّرْط (فيهمَا) أَي فِي الأَصْل وَالْفرع، فقد عرفت أَن حكم الأَصْل يُخَالف حكم الْفَرْع وَأَن عِلّة الحكم فِي الأَصْل تخَالف عِلّة الحكم فِي الْفَرْع، وَعرفت أَن قَول المُصَنّف مُثبت لنقيض حكم

стр. 971

الأَصْل فِيهِ مُسَامَحَة لِأَن وجوب الصَّوْم بِلَا نذر لَيْسَ بنقيض عدم وجوب الصَّلَاة بِلَا نذر لعدم اتِّحَاد النِّسْبَة (أُجِيب بِأَن الِاسْم) أَي اسْم الْقيَاس (فِيهِ) أَي فِي قِيَاس الْعَكْس (مجَاز وَلذَا) أَي ولكونه مجَازًا (لزم تَقْيِيده) أَي تَقْيِيد الِاسْم الْمَذْكُور عِنْد إِطْلَاق علته بِقَيْد الْعَكْس: فَيُقَال قِيَاس الْعَكْس، وَلَا يُطلق الْقيَاس وَيُرَاد بِهِ، وَهَذَا عَلامَة كَونه مجَازًا فِيهِ (أَو) الِاسْم فِيهِ (حَقِيقَة و) لَا نسلم عدم صدق التَّعْرِيف عَلَيْهِ لانْتِفَاء (الْمُسَاوَاة) بل الْمُسَاوَاة فِيهِ (حَاصِلَة ضمنا) وَبَيَان ذَلِك من وَجْهَيْن. أَحدهمَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لِأَن المُرَاد) فِي الْمِثَال الْمَذْكُور مثلا (مُسَاوَاة الِاعْتِكَاف بِلَا نذر الصَّوْم) وَهُوَ الْفَرْع (لَهُ) أَي للاعتكاف المتلبس (بنذره) أَي الصَّوْم وَهُوَ فِي الأَصْل (فِي حكم هُوَ) أَي فِي ذَلِك الحكم (اشْتِرَاط الصَّوْم) فعلى هَذَا التَّقْدِير الْفَرْع وَالْأَصْل وَالْحكم وَالْعلَّة غير مَا ذكر أَولا من أَن الْفَرْع هُوَ الصَّوْم، وَالْأَصْل هُوَ الصَّلَاة، وَالشّرط وَالْعلَّة هُوَ مَضْمُون الشَّرْط، وَالْحكم مَضْمُون الْجَزَاء، وَسَيَجِيءُ أَن الْعلَّة فِي هَذَا التَّقْدِير الِاعْتِكَاف (بِمَعْنى) أَنه (لَا فَارق) بَين الاعتكافين فرقا يَقْتَضِي اخْتِلَافهمَا فِي حكم اشْتِرَاط الصَّوْم الْجَارِي فِي قَوْله بِمَعْنى إِمَّا مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ صفة لمصدر مَنْصُوب بِلَفْظ المُرَاد أَي إِرَادَة متلبسة بِهَذَا الْمَعْنى أَو بمساواة، وَالْبَاء للسَّبَبِيَّة فَإِنَّهُ سَبَب للْحكم بعلية الِاعْتِكَاف الْمُوجبَة للمساواة وَحَاصِله إِلْغَاء الْفَارِق وَهُوَ النّذر لِاسْتِوَاء وجوده وَعَدَمه كَمَا فِي الصَّلَاة فَمَا يبْقى مَا يصلح للعلية فِي الأَصْل سوى الِاعْتِكَاف، وَهَذَا يُسمى تَنْقِيح المناط كَمَا سَيَأْتِي (أَو بالسبر) بِالْمُوَحَّدَةِ عطف على قَوْله بِمَعْنى، وَهُوَ على مَا سَيَأْتِي حصر الْأَوْصَاف ثمَّ حذف بَعْضهَا فَيتَعَيَّن الْبَاقِي، وَيَكْفِي عِنْد مَنعه بحثت فَلم أجد غَيرهَا، وَالْأَصْل الْعَدَم (عِنْد قَائِله) أَي الَّذِي يقبل إِثْبَات الْعلَّة بمسلك السبر ظرف للإرادة الْمَذْكُورَة بِاعْتِبَار تلبسها بالسبر أَو للمساواة (مِنْهُم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (أَي) تَفْسِير للسبر فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (هِيَ) أَي الْعلَّة لوُجُوب الصَّوْم هِيَ صُورَة النّذر، و (أما الِاعْتِكَاف، أَو هُوَ) أَي الِاعْتِكَاف (بِنذر الصَّوْم أَو غَيرهمَا) أَي غير الِاعْتِكَاف الْمُجَرّد والمقترن بِالنذرِ (وَالْأَصْل عَدمه) أَي عدم غَيرهمَا، وَلَا يعدل عَن الأَصْل بِغَيْر مُوجب (وَالنّذر ملغي) من حَيْثُ كَونه (فارقا) بَين الاعتكافين فِي وجوب الصَّوْم وَعَدَمه (أَو وَصفا للسبر) مَعْطُوف على قَوْله فارقا لما ذكر فِي إِثْبَات وجوب الصَّوْم بعلة الِاعْتِكَاف مسلكين: أَحدهمَا تَحْقِيق المناط الْمشَار إِلَيْهِ بقوله لَا فَارق، وَالثَّانِي السبر الْمُفَسّر بِمَا ذكرُوا احْتَاجَ فِي كل مِنْهُمَا إِلَى إِلْغَاء خُصُوصِيَّة النّذر ذكر على سَبِيل اللف والنشر والالغاء من حَيْثُ كَونه وَصفا للسبر، وَمعنى إِلْغَاء النّذر وَصفا للسبر أَنه لَا يصلح لِأَن يكون وَصفا مؤثرا فِي علته مَا يبْقى من أَوْصَاف السبر بعد حذف مَا سواهُ (بِالصَّلَاةِ) مُتَعَلق بملغي: أَي بِسَبَب عدم

стр. 972

وجوب الصَّلَاة بنذرها مَعَ الِاعْتِكَاف فَلَو كَانَ للنذر تَأْثِير فِي وجوب مَا اقْترن بالاعتكاف عِنْد انْعِقَاده لَوَجَبَتْ الصَّلَاة المقترنة بالاعتكاف مُصَليا (فَهِيَ) أَي الْعلَّة (الِاعْتِكَاف) فَقَط، فَعلم أَن الصَّلَاة لم تذكر للْقِيَاس عَلَيْهَا بل لبَيَان إِلْغَاء مَا يتَوَهَّم كَونه فارقا وَالْوَجْه الثَّانِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو الصَّوْم) بالْخبر عطفا على الِاعْتِكَاف فِي قَوْله مُسَاوَاة الِاعْتِكَاف: أَي وَلِأَن المُرَاد مُسَاوَاة الصَّوْم (مَعَ نَذره) أَي مَعَ نذر الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف فَهُوَ الْفَرْع (بِالصَّلَاةِ) المتلبسة أَو (بِالنذرِ) فِي الِاعْتِكَاف، فَهِيَ الأَصْل (فِي حكم هُوَ عدم إِيجَاب النّذر) قرن بالاعتكاف من الصَّوْم أَو الصَّلَاة فَإِنَّهُمَا متساويان فِي عدم إِيجَاب النّذر إِيَّاه وَإِن اخْتلفَا فِي الْوُجُوب وَعَدَمه، وَلم يذكر الْعلَّة لعدم إِيجَابه فِي الصَّلَاة ولعلها كَونهَا عبَادَة مَقْصُودَة لذاتها فَلَا تجب شرطا لما هُوَ مثلهَا بل دونهَا (وَهُوَ) أَي الحكم المفاد للْقِيَاس على هَذَا التَّقْدِير (ملزوم الْمَطْلُوب) لَا عينه (وَهُوَ) أَي الْمَطْلُوب (أَن وُجُوبه) أَي الصَّوْم (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر النّذر وَغَيره مِمَّا يصلح عِلّة لوُجُوب الصَّوْم منحصر فِي الِاعْتِكَاف لما عرفت وَالِاعْتِكَاف مَوْجُود فِي اعْتِكَاف لم ينذر فِيهِ الصَّوْم فَيجب الصَّوْم فِيهِ لوُجُود الْعلَّة، فقد علم بذلك أَن الْقيَاس تَارَة لَا ينْتج غير الْمَطْلُوب بل ملزوم لملزوم الْمَطْلُوب فَتدبر (وَالْأَوْجه كَونه) أَي قِيَاس الْعَكْس (مُلَازمَة وَقِيَاسًا) لبيانها أَي حَقِيقَة مركبة من شَرْطِيَّة وَقِيَاس مَذْكُور لبيانها، فالشرطية نَحْو (لَو لم يشرط الصَّوْم للاعتكاف) الْمُطلق (لم يشرط) الصَّوْم لَهُ (بِالنذرِ) وَالْقِيَاس مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (كَالصَّلَاةِ) يَعْنِي أَن الصَّوْم كَالصَّلَاةِ فِي كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا بِحَيْثُ يتَفَرَّع على عدم اشْتِرَاطه للاعتكاف الْمُطلق عدم اشْتِرَاطه للاعتكاف الْمُقَيد بِالنذرِ، وَهَذِه قَضِيَّة حملية إِحْدَى مقدمتي الْقيَاس الْمَذْكُور لبَيَان الْمُلَازمَة. وَالْأُخْرَى مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله (لم تشرط فَلم تشرط بِهِ) أَي حَيْثُ لم تشْتَرط الصَّلَاة للاعتكاف الْمُطلق لم تشْتَرط للاعتكاف الْمُقَيد بِالنذرِ، وَهَذِه قَضِيَّة حملية إِحْدَى مقدمتي الْقيَاس الْمَذْكُور الْمُطلق أَمر مُقَرر فَألْحق بهَا الصَّوْم فِي هَذَا الْمَعْنى لِاسْتِوَائِهِمَا فِي معنى الْقرْبَة الْمُوجبَة للاعتكاف زِيَادَة الثَّوَاب من غير فَارق، لَكِن يبْقى هَهُنَا مناقشة وَهُوَ أَن انْتِفَاء الاشتراطين فِي الصَّلَاة مُسلم لَكِن تفرع أَحدهمَا على الآخر غير مُسلم، وَالِاسْتِدْلَال مَبْنِيّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا التَّوْجِيه أوجه (لعمومه) أَي هَذَا التَّوْجِيه مَا ذكر من قَول الْحَنَفِيّ وَغَيره فَيعم (قَول شَافِعِيّ فِي تَزْوِيجهَا) أَي الْحرَّة الْعَاقِلَة الْبَالِغَة (نَفسهَا يثبت الِاعْتِرَاض) للأولياء (عَلَيْهَا) فَادّعى أَولا عدم لُزُوم صِحَة تَزْوِيج الْمَرْأَة نَفسهَا لثُبُوت اعْتِرَاض الْوَلِيّ عَلَيْهَا. ثمَّ بَين الْمُلَازمَة بقوله كَالرّجلِ إِلَى آخِره، وتلخيص الْبَيَان نَحن وجدنَا صِحَة تَزْوِيج النَّفس فِي الرجل مَعَ عدم ثُبُوت

стр. 973

الِاعْتِرَاض فَعرفنَا أَن الصِّحَّة لَا تفارق عدم ثُبُوته، فَحَيْثُ انْتَفَى عدم ثُبُوته حكمنَا بِعَدَمِ الصِّحَّة. وَلَا يخفى ضعفه، لِأَن اجْتِمَاع الصِّحَّة مَعَ عدم ثُبُوت الِاعْتِرَاض لَا يُفْضِي أَن لَا تُفَارِقهُ الصِّحَّة لجَوَاز أَن يجْتَمع مَعَ نقيضه أَيْضا (فَلَا يَصح مِنْهَا كَالرّجلِ لما صَحَّ مِنْهُ) تَزْوِيج نَفسه (لم يثبت) الِاعْتِرَاض لَهُم (عَلَيْهِ فمضمون الْجَزَاء) وَهُوَ عدم ثُبُوت الِاعْتِرَاض (فِي الأَصْل وَهُوَ) فِي الأَصْل (الرجل عِلّة للْحكم مَضْمُون الشَّرْط) بِالْجَرِّ على الْبَدَل من الحكم، أَو عطف بَيَان وَهُوَ صِحَة تَزْوِيج النَّفس حَال كَون مَضْمُون الشَّرْط (قلب الأَصْل) أَي عكس مَا هُوَ الأَصْل فِي بَيَان الْمُلَازمَة (وَالْوَجْه) الْوَجِيه (قلبه) أَي قلب الْقلب بِأَن يُقَال لما لم يثبت الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ صَحَّ مِنْهُ، فَيُقَال حِينَئِذٍ فمضمون الشَّرْط فِي الأَصْل عَلَيْهِ لمضمون الْجَزَاء على طبق مَا مر أَولا فِي تَقْرِيره، وَلما كَانَ الْمَقْصُود من هَذِه التوجيهات تَحْصِيل الْمُسَاوَاة بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِي عِلّة الحكم، وَكَانَ الْفَرْع وَالْأَصْل فِي الصُّورَة الأولى الِاعْتِكَاف بِلَا نذر الصَّوْم وَالِاعْتِكَاف بنذره وهما متساويان فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ الِاعْتِكَاف. وَفِي الثَّانِيَة الْمَرْأَة وَالرجل، وَالْعلَّة فِي الأَصْل عدم ثُبُوت الِاعْتِرَاض، وَهُوَ غير مُتَحَقق فِي الْفَرْع أَرَادَ أَن يبين وَجه مساواتهما، فَقَالَ (والمساواة فِي هَذَا) الْقلب من قِيَاس الْعَكْس حَاصِلَة (على تَقْدِير مَضْمُون الْجَزَاء) يَعْنِي عدم ثُبُوت الِاعْتِرَاض (الْمَقِيس عَلَيْهِ) صفة لمضمون الْجَزَاء على سَبِيل التَّجَوُّز لِأَن الْمَقِيس عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ الرجل غير انه ملحوظ ومعتبر فِي جَانِبه كَأَنَّهُ متمم لَهُ وَتَقْدِيره عبارَة عَن وُقُوعه جَزَاء لشرط مَفْرُوض كَمَا يُشِير إِلَيْهِ بقوله (وَتَقْدِيره) أَي مَضْمُون الْجَزَاء (فِي الْمِثَال) الْمَذْكُور (لَو صَحَّ) مِنْهَا تَزْوِيج النَّفس (لما ثَبت الِاعْتِرَاض) عَلَيْهَا كَالرّجلِ لما لم يثبت الِاعْتِرَاض صَحَّ مِنْهُ تَزْوِيج النَّفس (فَعدم الِاعْتِرَاض تساوى) الْمَرْأَة الَّتِي هِيَ الْفَرْع (بِهِ) أَي بِسَبَب عدم الِاعْتِرَاض (الرجل) بِالنّصب على أَنه مفعول تساوى بِنَاء (على التَّقْدِير) وَالْفَرْض لصِحَّة نِكَاحهَا فَعدم الِاعْتِرَاض ملحوظ فِي جَانب الْفَرْع، أَعنِي الْمَرْأَة، وَفِي جَانب الأَصْل وَهُوَ الرجل، وَإِن كَانَ فِي الأول بِحَسب الْفَرْض، وَفِي الثَّانِي بِحَسب نفس الْأَمر فَصَارَ عدم الِاعْتِرَاض عِلّة لصِحَّة التَّزْوِيج وَعدم صِحَّته فِي الأَصْل وَالْفرع وجودا وعدما (والمساواة) الْمَذْكُورَة (فِي التَّعْرِيف وَإِن تبادر مِنْهُ) أَي من إِطْلَاقهَا (مَا) أَي الْمُسَاوَاة الكائنة (فِي نفس الْأَمر كَمَا تقدم) آنِفا، لَكِن بِحَسب أصل الْوَضع (هِيَ) أَي الْمُسَاوَاة (أَعم مِمَّا) أَي من الْمُسَاوَاة الكائنة بِنَاء (على التَّقْدِير) وَالْفَرْض، وَمِمَّا فِي نفس الْأَمر فليحمل مَا فِي التَّعْرِيف على مَا يَقْتَضِيهِ أصل الْوَضع، وَالْمَقْصُود من هَذَا الإطناب إِدْخَال قِيَاس الْعَكْس فِي تَعْرِيف الْقيَاس الْمُطلق وَلَو بِضَرْب من التَّكْلِيف، لَا تَصْحِيح قِيَاس الْعَكْس، فَلَا نطول الْكَلَام بِبَيَان وُجُوه ضعفه، وَجَوَاب الْحَنَفِيَّة

стр. 974

عَن هَذِه الْمُلَازمَة عدم تَسْلِيم عِلّة ثُبُوت الِاعْتِرَاض لعدم صِحَة تَزْوِيج النَّفس لجَوَاز أَن يكون تَزْوِيجهَا صَحِيحا، وَيكون ثُبُوت الِاعْتِرَاض لدفع ضَرَر الْعَار عَن الْوَلِيّ وَأَيْضًا الشَّافِعِي يَقُول بِعَدَمِ صِحَة تَزْوِيجهَا نَفسهَا مُطلقًا، وَثُبُوت الِاعْتِرَاض لَيْسَ إِلَّا فِي غير الْكُفْء فَلَا تفِيد هَذِه الْعلَّة مدعاه مُطلقًا. (الثَّانِي) من الْأَمريْنِ الموردين على عكس التَّعْرِيف (قِيَاس الدّلَالَة) وَهُوَ (مَا) أَي الْقيَاس الَّذِي (لم تذكر) الْعلَّة (فِيهِ بل) ذكر فِيهِ (مَا يدل عَلَيْهَا) من وصف ملازم لَهَا (كَقَوْل الشَّافِعِي فِي الْمَسْرُوق يجب) على السَّارِق (رده) حَال كَونه (قَائِما) وَإِن انْقَطَعت الْيَد فِيهِ (فَيجب ضَمَانه) عَلَيْهِ حَال كَونه (هَالكا) وَإِن قطعت الْيَد فِيهِ (كالمغصوب) فَإِنَّهُ يجب رده قَائِما وضمانه هَالكا، فَإِن الْعلَّة فِيهِ الْيَد العادية، وَفِي الْحَقِيقَة قصد الشَّارِع حفظ مَال الْغَيْر وَهِي مُشْتَركَة بَينهمَا (وَأجِيب بِأَن الِاسْم فِيهِ) أَي لفظ قِيَاس الدّلَالَة (مجَاز) وَلِهَذَا لم يُطلق عَلَيْهِ إِلَّا مُقَيّدا بِقَيْد الدّلَالَة، وإفادة علاقَة الْمجَاز بقوله (لاستلزام الْمَذْكُور فِيهِ) من الْوَصْف الملازم كَمَا ذكر (الْعلَّة). وَالْمُعْتَبر فِي حَقِيقَة الْقيَاس ذكر الْعلَّة بِعَينهَا (وَمِنْهُم من رده) أَي قِيَاس الدّلَالَة (إِلَى مُسَمَّاهُ) أَي قِيَاس الْعلَّة، وَجعله من أَفْرَاده كردهم قِيَاس الْعَكْس إِلَيْهِ (بِأَنَّهُ) أَي قِيَاس الدّلَالَة (يتَضَمَّن الْمُسَاوَاة فِيهَا) أَي الْعلَّة، وَهَذَا الْقدر كَاف فِي حَقِيقَة الْقيَاس وتضمنه بِاعْتِبَار مَا ذكر فِيهِ مِمَّا يدل على الْعلَّة على وَجه يفهم مِنْهُ مُسَاوَاة الْفَرْع الأَصْل فِي الْعلَّة (فَقِيَاس النَّبِيذ) فِي وجوب الْحَد لشربه (على الْخمر برائحة المشتد) الَّتِي تدل على الْعلَّة: أَي الْإِسْكَار، فَإِن الرَّائِحَة تدل على مشاركتها فِي الاشتداد الَّذِي يلازم الْإِسْكَار (يتَضَمَّن ثُبُوت الْمُسَاوَاة) بَينهمَا (فِي الْإِسْكَار. وَلَا يخفى أَن الْقيَاس حِينَئِذٍ) أَي حِين كَانَت الْعلَّة متضمنة (غير الْمَذْكُور) وَهَذَا إِذا شَرط فِي الْقيَاس أَن تكون الْمُسَاوَاة فِيهِ مدلولا صَرِيحًا. (وأركانه) أَي أَجزَاء الْقيَاس (لِلْجُمْهُورِ) أَي لقَوْل الْجُمْهُور أَرْبَعَة: الأول الْوَصْف (الْجَامِع. و) الثَّانِي (الأَصْل) وَهُوَ إِمَّا (مَحل الحكم الْمُشبه بِهِ) وَعَلِيهِ الْأَكْثَر من الْفُقَهَاء والنظار (أَو حكمه) أَي حكم الْمحل الْمَذْكُور، وَعَلِيهِ طَائِفَة (أَو دَلِيله) أَي دَلِيل حكم الْمحل الْمَذْكُور، وَعَلِيهِ المتكلمون (ومبناه) أَي مبْنى الْخلاف الْمَذْكُور فِي تَفْسِير الأَصْل (على أَن الأَصْل مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره) وكل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة يصلح لهَذَا الْمَعْنى (و) بِنَاء (عَلَيْهِ) أَي على أَن الأَصْل مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره (قيل) وَالْقَائِل: الإِمَام الرَّازِيّ (الْجَامِع فرع حكم الأَصْل) لِأَنَّهُ لَوْلَا حكم الأَصْل لما فتش عَن الْعلَّة المثيرة لَهُ وَتَحْصِيل الْجَامِع بِوَاسِطَة التفتيش والفحص عَنهُ (أصل حكم الْفَرْع) خبر بعد خبر لقَوْله الْجَامِع، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْلَا وجود الْجَامِع فِي الْفَرْع لم يكن لحكم الْفَرْع وجود، فالجامع فرع من وَجه وأصل من وَجه

стр. 975

آخر (إِلَّا أَنه) أَي كَون الْجَامِع بِهَذِهِ الصّفة (يخص) الْعِلَل (المستنبطة) من حكم الأَصْل لَا المنصوصة، لَكِن الْأَغْلَب غير المنصوصة، وَلَا يبعد أَن يُقَال: المنصوصية أَيْضا لَهَا نوع فرعية لِأَنَّهُ لَو لم يكن حكم الأَصْل لما نَص الشَّارِع على عليته. (و) الثَّالِث (حكم الأَصْل). (و) الرَّابِع (الْفَرْع) وَهُوَ (الْمحل الْمُشبه) على القَوْل بِأَن الأَصْل هُوَ الْمُشبه بِهِ (أَو حكمه) أَي حكم الْمُشبه على القَوْل بِأَن الأَصْل هُوَ حكم الْمُشبه بِهِ، ثمَّ أَخذ يبين قَول غير الْجُمْهُور، فَقَالَ (وَظَاهر قَول فَخر الْإِسْلَام: وركنه مَا جعل علما على حكم النَّص) مِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ النَّص (وَجعل الْفَرْع نظيرا لَهُ فِي حكمه بِوُجُودِهِ فِيهِ) إِلَى هُنَا مقول قَوْله وَجعل الْفَرْع، الضَّمِير فِي لَهُ وَحكمه للنَّص، وَفِي بِوُجُودِهِ لما، وَالْبَاء للسَّبَبِيَّة، وَفِي فِيهِ للفرع: يَعْنِي ركن الْقيَاس وَهُوَ الْوَصْف الَّذِي جعل عَلامَة وأمارة على حكم يدل عَلَيْهِ النَّص بِحَيْثُ يَدُور عَلَيْهِ الحكم وجودا وعدما، وَجعل الْفَرْع مماثلا للنَّص الَّذِي هُوَ مَحل الحكم فِي الحكم بِسَبَب وجود ذَلِك الْوَصْف فِي الْفَرْع، وَإِنَّمَا قَالَ علما لِأَن الْمُوجب هُوَ الله تَعَالَى والعلل أَمَارَات، وَوَافَقَهُ القَاضِي أَبُو زيد وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَالْجُمْهُور على أَن الحكم مُضَاف إِلَى الْعلَّة فِي الأَصْل وَالْفرع، ومشايخ الْعرَاق وَأَبُو زيد والسرخسي وفخر الْإِسْلَام على أَنه فِي الْمَنْصُوص مُضَاف إِلَى النَّص. وَفِي الْفَرْع إِلَى الْعلَّة. وَفِي قَوْله مِمَّا اشْتَمَل إِشَارَة إِلَى أَنه يشْتَرط أَن يكون ذَلِك الْوَصْف من الْأَوْصَاف الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا النَّص، (أَنه) أَي ركن الْقيَاس (الْعلَّة الثَّابِتَة فِي المحلين) الأَصْل وَالْفرع، فَقَوله: أَنه إِلَى آخِره خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي ظَاهر قَول فَخر الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا قَالَ ظَاهر قَوْله نظرا إِلَى الْمُتَبَادر من إِضَافَة الرُّكْن إِلَى الضَّمِير للاستغراق مَعَ احْتِمَال أَن لَا يكون ركن سواهُ، وَالْمرَاد بالركن مَا لَيْسَ بِخَارِج عَنهُ لَا الْجُزْء فَلَا يرد أَنه لَا يتَصَوَّر أَن يكون للماهية جُزْء وَاحِد للتنافي بَين العينية والجزئية، وَبِمَا ذكرنَا انْدفع أَن كَلَام فَخر الْإِسْلَام صَرِيح فِي الْمَقْصُود لَا ظَاهر، لَكِن بَقِي شَيْء أَن مَا ذكره أَفَادَ ركنية الأَصْل وَالْفرع وَلم يدل على عدم ركنية حكم الأَصْل، وَقد يُقَال كَمَا أَن طرفِي الْمُسَاوَاة خارجان عَنْهَا كَذَلِك مَا فِيهِ الْمُسَاوَاة خَارج عَنْهَا (وَالْمرَاد ثُبُوتهَا) وَالْمرَاد بِالْعِلَّةِ فِي قَوْله أَنه الْعلَّة الثَّابِتَة ثُبُوتهَا فيهمَا لأنفسهما، إِذْ لَا وَجه لجعل الْقيَاس عبارَة عَن الْوَصْف الْجَامِع إِذْ هُوَ مَعَ قطع النّظر عَن ثُبُوته فِي الأَصْل وَالْفرع لَيْسَ من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة فَإِن قلت الدَّلِيل الشَّرْعِيّ مَا يُمكن التَّوَصُّل بِصَحِيح النّظر فِيهِ إِلَى الحكم، وَالْوَصْف هَكَذَا قلت مَا ذكرت موصل بعيد، وَمَا ذكرنَا موصل قريب، وترجيح الْبعيد على الْقَرِيب لَيْسَ من دأب أهل الْعلم، وَلذَلِك اخْتَار الْمُحَقِّقُونَ الْمُسَاوَاة فِي تَعْرِيف الْقيَاس، وَأَرَادَ المُصَنّف إرجاع كَلَام فَخر الْإِسْلَام إِلَى مَا اختاروه، فَقَالَ (وَهُوَ) أَي ثُبُوتهَا فيهمَا (الْمُسَاوَاة) يَعْنِي الْفَرْع وَالْأَصْل فِي الْعلَّة وَالْحكم على سَبِيل الْمُسَامحَة من قبيل تَفْسِير الْمَلْزُوم

стр. 976

باللازم، إِذْ ثُبُوتهَا فيهمَا يسْتَلْزم (الْجُزْئِيَّة) المحققة فِي خصوصيات الأقيسة (لَا) الْمُسَاوَاة (الْكُلية) الَّتِي تعم الأقيسة كلهَا (لِأَنَّهَا) أَي الْمُسَاوَاة الْكُلية (مَفْهُوم الْقيَاس الْكُلِّي الْمَحْدُود والركن) الَّذِي نَحن بصدد تَعْيِينه هُوَ (جزؤه) أَي الْقيَاس المتحقق فِي حَقِيقَته حِين يدْخل (فِي الْوُجُود) الْخَارِجِي فِي ضمن الْفَرد وَإِذا لم يكن للْقِيَاس ركن غير الْمُسَاوَاة كَانَ جزئيته بِاعْتِبَار حَقِيقَته الخارجية المركبة فِي الْمَاهِيّة والتشخص (وَقد يخال) أَي يظنّ أَن قَول فَخر الْإِسْلَام أوجه فِي تعْيين الرُّكْن من قَول الْجُمْهُور بعد اخْتِيَار الْمُسَاوَاة (لظُهُور أَن الطَّرفَيْنِ) أَي طرفِي كل نِسْبَة (شَرط) تِلْكَ (النِّسْبَة) وَذَلِكَ (كالأصل وَالْفرع) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسَاوَاة الْمَشْرُوطَة بهما (هُنَا) أَي فِيمَا نَحن فِيهِ (لَا أَرْكَانهَا) مَعْطُوف على شَرط، يَعْنِي أَن الطَّرفَيْنِ شَرط النِّسْبَة لَا أَرْكَان النِّسْبَة (فهما) أَي الأَصْل وَالْفرع (خارجان عَن ذَات) هَذِه (النِّسْبَة المتحققة خَارِجا) يَعْنِي الْمُسَاوَاة الْمَذْكُورَة (والركنية بِهَذَا الِاعْتِبَار) أَي ركنية الشَّيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَاهِيّة إِنَّمَا تكون بِاعْتِبَار وجودهَا فِي الْخَارِج فِي ضمن الْفَرد، وَإِذا نَظرنَا إِلَى الْمُسَاوَاة الْجُزْئِيَّة الَّتِي هِيَ فَرد الْمُسَاوَاة الْمُطلقَة وجدنَا الأَصْل وَالْفرع خَارِجين عَنْهَا شرطين لَهَا، نعم إِن نَظرنَا إِلَى مَفْهُوم الْمُسَاوَاة الْمُطلقَة وجدناهما داخلين فِي الْمَفْهُوم من حَيْثُ التَّصَوُّر، لَكِن الركنية لَيست بِهَذَا الِاعْتِبَار (ثمَّ اسْتمرّ تمثيلهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (مَحل الحكم الأَصْل) بِالنّصب عطف بَيَان لمحل الحكم (بِنَحْوِ الْبر وَالْخمر) فِي قِيَاس الذّرة والنبيذ عَلَيْهِمَا فِي حكمهمَا (تساهلا) وتسامحا (تعورف) صفة التساهل: أَي صَار متعارفا بَينهم (وَإِلَّا) وَإِن لم يكن تمثيلهم بنحوهما بطرِيق التساهل وقصدوا الْحَقِيقَة (فَلَيْسَ) مَحَله أَي الحكم (فِي) نفس الْأَمر على (التَّحْقِيق إِلَّا فعل الْمُكَلف لَا الْأَعْيَان) الْمَذْكُورَة (فَفِي نَحْو النَّبِيذ الْخَاص) أَي المشتد الْمُسكر (محرم كَالْخمرِ: الأَصْل شرب الْخمر وَالْفرع شرب النَّبِيذ وَالْحكم الْحُرْمَة) وَفِي قِيَاس الذّرة الأَصْل بيع الْبر ببر أَكثر مِنْهُ، وَالْفرع بيع الذّرة كَذَلِك وَهَكَذَا. (وَحكمه) أَي الْقيَاس (وَهُوَ الْأَثر الثَّابِت بِهِ) أَي (الْقيَاس ظن حكم الأَصْل فِي الْفَرْع أَيْضا) أَي آض ثُبُوت الحكم وَعَاد عودا، فَلَيْسَ قَوْله أَيْضا بِاعْتِبَار الظَّن لِأَنَّهُ قد يكون حكم الأَصْل قَطْعِيا فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الحكم مُطلقًا الظَّن لجَوَاز كَون خُصُوص الأَصْل شرطا فِيهِ وَالْفرع مَانِعا (وَهُوَ) أَي ظن حكم الأَصْل فِي الْفَرْع (معنى التَّعْدِيَة وَالْإِثْبَات وَالْحمل) الْمَذْكُور فِي عِبَارَات الْقَوْم فِي تَعْرِيف الْقيَاس، وَقد سبق نقل التَّعْدِيَة عَن الشَّرِيعَة، ثمَّ تَفْسِيره إِيَّاهَا بِإِثْبَات حكم مثل الأَصْل، وَحمل مَعْلُوم على مَعْلُوم عَن القَاضِي أبي بكر (فتسميته) أَي ظن حكم الأَصْل فِي الْفَرْع (تَعديَة اصْطِلَاح) مِمَّن سموا (فَلَا يُبَالِي بإشعاره) أَي الِاسْم الْمَذْكُور، وَهُوَ لفظ التَّعْدِيَة (لُغَة) أَي من حَيْثُ مَعْنَاهُ

стр. 977

اللّغَوِيّ (بانتفائه) أَي الحكم (من الأَصْل) لِأَن الَّذِي يتَعَدَّى عَن مَحل ينتفى عَنهُ بانتقاله إِلَى مَحل آخر (وَمَا قيل) الْقَائِل صدر الشَّرِيعَة فِي الْجَواب عَن الْأَشْعَار (بل يشْعر بِبَقَائِهِ) أَي الحكم (فِيهِ) أَي فِي الأَصْل (كَقَوْلِنَا) أَي كإشعار قَوْلنَا (للْفِعْل مُتَعَدٍّ إِلَى الْمَفْعُول مَعَ أَنه) أَي الْفِعْل (ثَابت فِي الْفَاعِل) فِي نفس الْأَمر بِبَقَائِهِ فِي الْفَاعِل (إِثْبَات اللُّغَة بالاصطلاح) أَي إِثْبَات معنى فِي اللُّغَة للفظ بِنَاء على أَنه قصد ذَلِك بِهِ فِي الِاصْطِلَاح وَهُوَ غير جَائِز، فَقَوله إِثْبَات اللُّغَة خبر قَوْله مَا قيل (مَعَ أَنه) أَي بَقَاء الْفِعْل فِي الْفَاعِل (مِمَّا لَا يشْعر بِهِ) لفظ التَّعَدِّي فِي القَوْل الْمَذْكُور (بل) إِنَّمَا يشْعر (بانتقاله) أَي انْتِقَال الْفِعْل عَن الْفَاعِل وَلَو كَانَ فِي نفس الْأَمر ثَابتا فِيهِ (إِذْ تعدى الشَّيْء) من مَحل (إِلَى) مَحل (آخر انْتِقَاله) أَي انْتِقَال ذَلِك الشَّيْء (إِلَيْهِ) إِلَى الآخر (برمتِهِ) أَي جملَته بِحَسب اللُّغَة (لَوْلَا الِاصْطِلَاح) فِي التَّعْدِيَة الْمَذْكُورَة فِي الْفِعْل على خلاف مَا تَقْتَضِيه اللُّغَة لَكنا نفهم مِنْهَا الِانْتِقَال لَكِن الْعلم بِالْوَضْعِ الاصطلاحي صرفنَا عَنهُ. (وتقسيم الْمَحْصُول) اسْم كتاب (الْقيَاس إِلَى قَطْعِيّ وظني لَا يُخَالِفهُ) أَي قَوْلنَا حكم الْقيَاس ظن حكم الأَصْل فِي الْفَرْع (إِذْ قطعيته) أَي الْقيَاس (بقطعية الْعلَّة ووجودها) أَي الْعلَّة (فِي الْفَرْع، وَلَا يسْتَلْزم) مَجْمُوع الْأَمريْنِ (قَطْعِيَّة) ثُبُوت (حكمه) أَي الْفَرْع (لما تقدم) من جَوَاز كَون خُصُوص الأَصْل شرطا وخصوص الْفَرْع مَانِعا فَيجوز أَن يكون الْقيَاس قَطْعِيا بِاعْتِبَار قَطْعِيَّة الْعلَّة ووجودها، وَيكون الحكم ظنيا لما ذكر، فَعلم أَن المُرَاد بالعلية الْمَقْطُوع بهَا غير الْعلَّة التَّامَّة، إِذْ لَو كَانَت عِلّة تَامَّة للْحكم لاستحال تخلفه عَنْهَا أَيْنَمَا وجدت، وَكَانَ يلْزم حِينَئِذٍ الْقطع بالحكم فِي الْفَرْع فتمام الْكَلَام مَوْقُوف على عدم تحقق عِلّة كَذَا (غير أَن تمثيله) أَي الْمَحْصُول الْقيَاس الْقطعِي (بِمَا هُوَ مَدْلُول النَّص، أَعنِي الفحوى) أَي فحوى الْخطاب كقياس تَحْرِيم الضَّرْب على تَحْرِيم التأفيف يكون قِيَاسا قَطْعِيا، لأَنا نعلم أَن الْعلَّة هِيَ الْأَذَى ونعلم وجودهَا فِي الضَّرْب (مناقضة) لِأَن الْقيَاس إِلْحَاق مسكوت عَنهُ بملفوظ. فصل فِي الشُّرُوط أَي فِي بَيَان شُرُوط صِحَة الْقيَاس (مِنْهَا لحكم الأَصْل أَن لَا يكون معدولا عَن سنَن الْقيَاس) قَوْله أَن لَا يكون إِلَى آخِره مُبْتَدأ خَبره قَوْله مِنْهَا، وَضمير لَا يكون رَاجع إِلَى حكم الأَصْل: يَعْنِي عدم كَون الحكم معدولا بِهِ عَن طَريقَة الْقيَاس من جملَة الشُّرُوط وَقَوله لحكم الأَصْل مُتَعَلق بِمَحْذُوف: أَي شَرط هَذَا لحكم الأَصْل فَهِيَ مُعْتَرضَة، وَيجوز أَن يكون حَالا من

стр. 978

الضَّمِير المستكن فِي الْخَبَر، وَيحْتَمل أَن يكون الْعُدُول بِمَعْنى الصّرْف فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير الْبَاء وحذفها: أَي لَا يكون مصروفا عَنهُ، ثمَّ بَين سنَن الْقيَاس بقوله (أَن يعقل مَعْنَاهُ) أَي معنى حكم الأَصْل، وَالْمرَاد بمعقولية مَعْنَاهُ أَن تدْرك علته وحكمته الَّتِي شرع لَهَا (وَيُوجد) مَعْنَاهُ (فِي) مَحل (آخر فَمَا لم يعقل) مَعْنَاهُ من الْأَحْكَام (كأعداد الرَّكْعَات والأطوفة) فَإِن كَون رَكْعَات الْفجْر ثِنْتَيْنِ وَالظّهْر أَرْبعا وَالْمغْرب ثَلَاثًا وَكَون اشْتِرَاط الطّواف سبعا أَحْكَام لَا نَعْرِف علتها (ومقادير الزَّكَاة) من ربع الْعشْر فِي النَّقْدَيْنِ وَنَحْوهمَا وَغَيره على أنحاء مُخْتَلفَة (و) حكم (بعض مَا) أَي مَحل (خص) ذَلِك الْمحل (بِحكمِهِ كالأعرابي) الْمَعْهُود فَإِنَّهُ مَحل خص (بإطعام كَفَّارَته) عَن وُقُوعه على أَهله فِي نَهَار رَمَضَان، وقصته مَشْهُورَة (أَهله) مفعول إطْعَام، وَالْحكم الَّذِي اخْتصَّ بِهِ هُوَ الْإِطْعَام الْمَذْكُور فَإِنَّهُ لَا يُوجد فِي مَحل آخر غَيره (أَو عقل) مَعْنَاهُ (وَلم يَتَعَدَّ) حكمه إِلَى غَيره وَإِن كَانَ غَيره أعلا رُتْبَة مِنْهُ فِي ذَلِك الْمَعْنى (كَشَهَادَة خُزَيْمَة) بن ثَابت، روى أَنه ﷺ اشْترى فرسا من سَوَاء بن الْحَارِث الْمحَاربي فجحده فَشهد لَهُ فَقَالَ مَا حملك على هَذَا وَلم تكن حَاضرا مَعنا، فَقَالَ صدقتك بِمَا جِئْت بِهِ وَعلمت أَنَّك لَا تَقول إِلَّا حَقًا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ " من شهد لَهُ خُزَيْمَة أَو شهد عَلَيْهِ فحسبه " (نَص على الِاكْتِفَاء بهَا) أَي بِشَهَادَتِهِ فَلَا حَاجَة إِلَى شَاهد آخر مَعَه (وَلَيْسَ) النَّص على الِاكْتِفَاء بهَا (مُفِيد الِاخْتِصَاص) أَي اخْتِصَاصه بالخصوصية (بل) مفيده (الْمَجْمُوع) الْمركب (مِنْهُ) أَي النَّص على الِاكْتِفَاء بهَا (وَمن دَلِيل منع تَعْلِيله) أَي النَّص على الِاكْتِفَاء (وَهُوَ) أَي دَلِيل منع تَعْلِيله (تكريمه) أَي خُزَيْمَة (لاختصاصه بفهم جلّ الشَّهَادَة لَهُ ﷺ شَهَادَة ناشئة عَن إخْبَاره لَا عَن مُعَاينَة الْمخبر بِهِ من بَين الْحَاضِرين لإِفَادَة إخْبَاره الْعلم بِمَنْزِلَة العيان (فَلَا يبطل) اخْتِصَاصه (بِالتَّعْلِيلِ) المستلزم وجود الِاكْتِفَاء بِشَهَادَة غَيره عِنْد وجود الْعلَّة فِيهِ (فَقَوْل فَخر الْإِسْلَام) أَن الله شَرط الْعدَد فِي عَامَّة الشَّهَادَات وَثَبت بِالنَّصِّ قبُول شَهَادَة خُزَيْمَة وَحده لكنه (ثَبت كَرَامَة فَلَا يبطل بِالتَّعْلِيلِ فِي غير مَوْضِعه) قَوْله فِي غير مَوْضِعه خبر قَوْله، فَقَوْل فَخر الْإِسْلَام: وَإِنَّمَا اكْتفى بِالنَّقْلِ فِي الْمَنْقُول بِمُجَرَّد قَوْله ثَبت كَرَامَة فَلَا يبطل بِالتَّعْلِيلِ إِشَارَة إِلَى أَن عدم إِفَادَة مَا قبله للمقصود ظَاهر، نقل عَن المُصَنّف فِي بَيَان هَذَا الْمحل أَنه قَالَ: لِأَن التَّعْلِيل لَا يبطل كَونه كَرَامَة حَتَّى يمْتَنع بل تعديها إِلَى غَيره فَإِنَّمَا يبطل اخْتِصَاصه بِهَذِهِ الْكَرَامَة، فَالْوَجْه أَن يُقَال ثَبت كَرَامَة خص بهَا فَلَا يبطل بِالتَّعْلِيلِ، وَدَلِيل اخْتِصَاصه بهَا كَونهَا وَقعت فِي مُقَابلَة اخْتِصَاصه بالفهم فَإِن قلت اشْتِرَاط الْعدَد

стр. 979

فِي عَامَّة الشَّهَادَات من غير اسْتثِْنَاء لما سوى شَهَادَته دَلِيل الِاخْتِصَاص قلت لَا يدل عَلَيْهِ لجَوَاز أَن يكون حكم الْمُسْتَثْنى مُعَللا بعلة تُوجد فِي غَيره، غَايَة الْأَمر أَن غَيره لَا يكون مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الِاسْتِثْنَاء وَهُوَ لَا يسْتَلْزم الِاخْتِصَاص. وسيشير المُصَنّف إِلَى هَذَا الْجَواب (وَالنِّسْبَة) أَي نِسْبَة الِاخْتِصَاص (إِلَى الْمَجْمُوع) من دَلِيل الِاكْتِفَاء، وَدَلِيل منع التَّعْلِيل على مَا ذكر (لِأَنَّهُ) أَي الِاخْتِصَاص (بالإثبات) أَي إِثْبَات الِاكْتِفَاء بِشَهَادَتِهِ (وَهُوَ) أَي إثْبَاته (نَص الِاكْتِفَاء بِهِ) شَاهدا بِحَذْف الْمُضَاف فِي جَانب الْمُبْتَدَأ: أَي دَلِيل الْإِثْبَات، أَو الْخَبَر: أَي مَدْلُول نَص الِاكْتِفَاء (وَالنَّفْي) أَي وبنفي الِاكْتِفَاء (عَن غَيره وَهُوَ) أَي النَّفْي عَن غَيره (بمانع الْإِلْحَاق) لغيره بِهِ، وَهُوَ اخْتِصَاصه بِهَذِهِ الْكَرَامَة لاختصاصه بالفهم الْمَذْكُور (فمجرد خُرُوجه) أَي خُرُوج هَذَا الحكم الْمَخْصُوص بِهِ خُزَيْمَة (عَن قَاعِدَة) عَامَّة هِيَ اشْتِرَاط الْعدَد فِي الشَّهَادَات مُطلقًا (لَا يُوجِبهُ) أَي الِاخْتِصَاص (كَمَا ظن) وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب إِلَّا أَنَّهُمَا جعلاه من قبيل مَا لَا يعقل مَعْنَاهُ، وَقد عرفت أَنه لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا لَا يُوجِبهُ (لجَوَاز الْإِلْحَاق بالمخصص) على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول: يَعْنِي إِذا خصص حكم من عُمُومه حكم كل وَكَانَ ذَلِك الْمُخَصّص مَعْقُول الْمَعْنى مُعَللا بعلة وجدت فِي مَحل آخر جَازَ إِلْحَاق ذَلِك الآخر بذلك الْمُخَصّص وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بِجَوَاز تَعْلِيل دَلِيل التَّخْصِيص) أَي يجوز أَن يُعلل النَّص الَّذِي يدل على خُرُوج الْمُخْتَص عَن الْقَاعِدَة الْعَامَّة وَيتَفَرَّع على جَوَاز الْإِلْحَاق لما مر (وَمثله) أَي مثل الِاكْتِفَاء بِشَهَادَة خُزَيْمَة فِي كَونه عقل وَلم يَتَعَدَّ إِلَى غَيره (قصر الْمُسَافِر) الرّبَاعِيّة من الْمَكْتُوبَة فَإِنَّهُ (امْتنع تَعْلِيله) أَي تَعْلِيل قصره (بِمَا) أَي بِمَعْنى (يعديه) أَي يعدى الْقصر إِلَى غير الْمُسَافِر (لِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة للقصر (فِي الْحَقِيقَة الْمَشَقَّة) لِأَنَّهَا الْمَعْنى الْمُنَاسب للرخصة بِالْقصرِ وَأَمْثَاله (وَامْتنع اعْتِبَارهَا) أَي اعْتِبَار الْمَشَقَّة نَفسهَا (لتفاوتها) أَي الْمَشَقَّة (وَعدم ضبط مرتبَة) مِنْهَا (تعْتَبر) تِلْكَ الْمرتبَة (مناطا) لحكم الْقصر (فتعينت) الْمَشَقَّة أَي مشقة السّفر: أَي تعْيين إِطْلَاقهَا فِي ضمن هَذِه الخصوصية بقوله (مشقة السّفر) مفعول تعيّنت لتَضَمّنه معنى الضَّرُورَة: يَعْنِي لَا بُد أَن يكون المناط وَصفا منضبطا، وَلَا انضباط لمُطلق الْمَشَقَّة للتفاوت الْفَاحِش بَين أفرادها مَعَ الْعلم بِعَدَمِ الِاعْتِدَاد بِبَعْض أفرادها، وَكَانَ هَذَا الْقدر: أَي كَونهَا مشقة السّفر مَعْلُوما فاعتبرت ضَرُورَة وَكَانَ مشقة السّفر أَيْضا غير منضبط (فَجعلت) الْعلَّة (السّفر) لكَونه مظنتها مَعَ الانضباط (فَامْتنعَ) الْقصر (فِي غَيره) أَي السّفر (وَالسّلم) أَي وَمثل الِاكْتِفَاء الْمَذْكُور فِيمَا ذكر السّلم، وَهُوَ (بيع مَا لَيْسَ فِي الْملك) أَي ملك البَائِع الْمَشْرُوع (لمصْلحَة المفاليس) وَلذَا سمي بيع المفاليس (يَنْتَفِعُونَ) أَي البائعون بذلك البيع (بِالثّمن)

стр. 980

عَاجلا ويحصلون الْبَدَل) أَي الْمَبِيع الْمَعْدُوم (آجلا) عِنْد حُلُول الْأَجَل الْمُسَمّى فِي البيع وَالْقَاعِدَة الشَّرْعِيَّة فِي البيع تَقْتَضِي محلا مَمْلُوكا للْبَائِع حَال البيع، وَقد أخرج السّلم عَن عمومها النَّص الدَّال على جَوَازه لعِلَّة أُشير إِلَيْهَا وَهِي مصلحَة المفاليس لما ذكر، وَفِيه إِشَارَة لما أَن الْعلَّة فِيهِ مَا ذكرنَا لَا مَا سَيذكرُهُ الشَّافِعِي (على مَا تشهد بِهِ الْآثَار) مُتَعَلق بِمَحْذُوف، تَقْدِير الْكَلَام شرع للْمصْلحَة الْمَذْكُورَة بِنَاء على مَا تشهد بِهِ الْآثَار فِي مَوْضِعه، وَلَا خلاف فِي جَوَاز السّلم آجلا (غير أَنه اخْتلف فِي جَوَازه حَالا فَلَمَّا كَانَ حَاصله) أَي السّلم (تَخْصِيصًا) لعُمُوم النَّهْي عَن بيع مَا لَيْسَ ملك الْإِنْسَان (عِنْد الشَّافِعِي علله) أَي الشَّافِعِي التَّخْصِيص أَو النَّص الدَّال عَلَيْهِ (بِدفع الْحَرج بإحضار السّلْعَة مَحل البيع وَنَحْوه) أَي نَحْو مَحَله أَو نَحْو إِحْضَار السّلْعَة بِمَا يُوجب الْحَرج لِأَن دَلِيل التَّخْصِيص يُعلل كَمَا ذكر، وَهَذِه الْعلَّة تَشْمَل الْحَال والمؤجل (وَوَقع للحنفية أَنه) أَي هَذَا التَّعْلِيل وَاقع (فِي مُقَابلَة النَّص الْقَائِل: من أسلف فِي شَيْء فليسلف فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم) وَوصف النَّص بالْقَوْل مجَاز، أَو المُرَاد بِهِ اللَّفْظ، وَأَرَادَ بِمن أسلف إِلَى آخِره الْمَعْنى فَلَا يلْزم اتِّحَاد الْقَائِل وَالْمقول فقد (أوجب فِيهِ) أَي فِي السّلم (الْأَجَل فالتعليل لتجويزه) أَي الْحَال (مُبْطل لَهُ) أَي للنَّص الْمُوجب للتأجيل، وَالتَّعْلِيل الْمُبْطل للنَّص بَاطِل، فَقَالَ الْحَنَفِيَّة وَمَالك وَأحمد لَا يجوز حَالا (وَمِنْه) أَي من الحكم الْمُخْتَص بِمحل كَرَامَة بِالنَّصِّ فَلَا يجوز إِبْطَاله بِالتَّعْلِيلِ بِنَاء (على ظن الشَّافِعِيَّة النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة) أَي صِحَة النِّكَاح بلفظها (خص) النَّبِي (بِهِ) أَي بالحكم الْمَذْكُور ﷺ بخالصة لَك) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ﴾) - خَالِصَة مصدر مُؤَكد: أَي خلص إحلالها: أَي إحلال مَا أَحللنَا لَك على الْقُيُود الْمَذْكُورَة خلوصا لَك (فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ) ﷺ (غَيره) فِي انْعِقَاد نِكَاحه بِهِ لما فِيهِ من إبِْطَال الخصوصية الثَّابِتَة لَهُ كَرَامَة (وَالْحَنَفِيَّة) يَقُولُونَ الِاخْتِصَاص للمفهوم من قَوْله تَعَالَى - ﴿خَالِصَة لَك﴾ - (يرجع إِلَى نفي الْمهْر) أَي صِحَة النِّكَاح بِدُونِ الْمهْر خَالِصَة لَك لَيست لغيرك (وَمن تَأمل) فِي قَوْله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة - ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا (أحلننا لَك أَزوَاجك اللَّاتِي آتيت أُجُورهنَّ وَامْرَأَة﴾ مُؤمنَة إِن (وهبت نَفسهَا لَك﴾) أَي للنَّبِي (حَتَّى فهم الطباق) بَين الْقسمَيْنِ، حَتَّى غَايَة للتأمل، والطباق فِي علم البديع عبارَة عَن الْجمع بَين مَعْنيين مُتَقَابلين (فهم) من السِّيَاق، والسياق أَن مَدْلُول الْكَلَام أَنا (أَحللنَا لَك بِمهْر وَبلا مهر) خَالِصَة هَذِه الْخصْلَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ (وتعليل الِاخْتِصَاص بِنَفْي الْحَرج) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿لكيلا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج﴾ - بعد قَوْله خَالِصَة لَك (يُنَادي بِهِ) أَي بِرُجُوعِهِ إِلَى نفي الْمهْر (زِيَادَة) حَال من ضمير يُنَادي: أَي التَّعْلِيل الْمَذْكُور يُنَادي بِمَا ذكره حَال كَونه زَائِدا فِي إِفَادَة المُرَاد على مَا يدل عَلَيْهِ بِالتَّأَمُّلِ

стр. 981

الْمَذْكُور (إِذْ هُوَ) أَي الْحَرج (فِي لُزُوم المَال لَا فِي ترك لفظ) يَعْنِي الْهِبَة قصدا (إِلَى) لفظ (آخر) لَا على سَبِيل التَّعْيِين (بِالنِّسْبَةِ إِلَى أقدر الْخلق على التَّعْبِير) عَن مُرَاده لِأَنَّهُ أفْصح الْعَرَب والعجم فَإِن لم يُوسع عَلَيْهِ بتجويز لفظ الْهِبَة فِي تزَوجه فَعنده وسعة من الْأَلْفَاظ الْأُخَر فَلَا يلْزم حرج عَلَيْهِ (وَمِنْه) وَمن الحكم الْمُخْتَص بمحله الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِمَا يمْنَع عَن تَعْلِيله (مَا عقل مَعْنَاهُ) حَال كَونه وَاقعا (على خلاف مُقْتَضى) على صِيغَة الْمَفْعُول (مُقْتَض شَرْعِي كبقاء صَوْم) الصَّائِم (النَّاسِي) الْآكِل أَو الشَّارِب (مَعَ عدم الرُّكْن) وَهُوَ الْكَفّ عَن المفطرات، إِذْ بَقَاؤُهُ مَعَ عدم رُكْنه (معدول) أَي مَصْرُوف (عَن مُقْتَضى عدم الرُّكْن) إِذْ مُقْتَضَاهُ بطلَان الصَّوْم لِأَن الشَّيْء لَا يبْقى مَعَ عدم رُكْنه كَمَا أَن من نسي فَترك ركنا من الصَّلَاة تفْسد صلَاته كَمَا لَو تَركه عَامِدًا غير أَن النَّص سلم بِبَقَائِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وسيشير إِلَى وَجه معقولية مَعْنَاهُ وَأَنه لَا يجوز تَعْلِيله بِسَبَب ذَلِك الْمُقْتَضى. (فَإِن قيل لما علل دَلِيل التَّخْصِيص) أَي لما جَازَ تَعْلِيل النَّص الدَّال على تَخْصِيص عُمُوم انْتِفَاء الشَّيْء بِانْتِفَاء رُكْنه وَهُوَ قَوْله ﷺ " تمّ على صومك فَإِنَّمَا أطعمك الله " الحَدِيث بِمَا عدا صُورَة النسْيَان بِنَاء على رَأْي من يجوز تَعْلِيل دَلِيل التَّخْصِيص (لزم مجيزي تَخْصِيص الْعلَّة من الْحَنَفِيَّة تَعْلِيله) أَي تَعْلِيل دَلِيل التَّخْصِيص الْمَذْكُور (لإلحاق الْمُخطئ) كمن تمضمض فسبقه المَاء إِلَى جَوْفه (وَالْمكْره والمصبوب فِي حلقه) المَاء وَهُوَ صَائِم بِعَدَمِ قصد الْجِنَايَة صلَة التَّعْلِيل، قد اخْتلف فِي جَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة فَمن جوزه من الْحَنَفِيَّة لزمَه تَعْلِيل النَّص الْمَذْكُور، وَمِنْهُم من جوزه فالمجوز إِن علل النَّص الْمَذْكُور (ب) عِلّة (عدم قصد الْجِنَايَة) فَإِنَّهُ لَا يلْزمه الْمَحْذُور بِأَن يُقَال هَذِه الْعلَّة منقوضة بِكَذَا وَكَذَا كَتَرْكِ ركن الصَّلَاة نَاسِيا لِأَنَّهُ يخصصها على وَجه لَا ينْتَقض بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَزِمَهُم لأَنهم مِمَّن يجوز تَعْلِيل دَلِيل التَّخْصِيص والضرورة وَهِي إِلْحَاق مَا ذكر دعت إِلَى التَّعْلِيل بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة، وَالْمَانِع وَهُوَ النَّقْض مَدْفُوع بتخصيص الْعلَّة، وَعند وجود الْمُقْتَضى وَدفع الْمَانِع يلْزم أَن يعْمل بالمقتضى وَالله أعلم (كالشافعي) مُتَعَلق بقوله تَعْلِيله أَي تعليلا كتعليله (لكِنهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (اتَّفقُوا على نَفْيه) أَي التَّعْلِيل الْمَذْكُور للإلحاق (فَالْجَوَاب أَن ظنهم) أَي الْحَنَفِيَّة (أَنه) أَي التَّخْصِيص للناسي ثَابت (بعلة منصوصة هِيَ قطع نِسْبَة الْفِعْل) الْمُفطر (عَن الْمُكَلف) صلَة الْقطع (مَعَ النسْيَان وَعدم الْمُذكر) لَهُ بِالصَّوْمِ إِذْ لَا هَيْئَة لَهُ مُخَالفَة للهيئة القادمة وَقَوله مَعَ النسْيَان إِلَى آخِره حَال من الْفِعْل مشْعر بِمَا يُنَاسب الْمَقْصُود من الْقطع عَنهُ (إِلَيْهِ تَعَالَى بقوله) ﷺ مُتَعَلق بمنصوصه (تمّ على صومك فَإِنَّمَا أطعمك الله وسقاك) هَذَا لفظ الْهِدَايَة، وَفِي صَحِيح ابْن حبَان وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ " أتم صومك فَإِن الله أطعمك وسقاك " وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ " وَلَا قَضَاء عَلَيْك " (لِأَنَّهُ) أَي قطع نِسْبَة الْفِعْل

стр. 982

إِلَيْهِ تَعَالَى (فَائِدَته) أَي قَوْله تَعْلِيل لكَونه نصا فِيمَا ذكر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْقطع الْمَذْكُور مَقْصُودا بِهِ (فمعلوم أَنه الْمطعم) ﷺ فَهُوَ (مُطلقًا) أَي فَلَا يبْقى للْكَلَام فَائِدَة لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنه الْمطعم فِي كل أكل سَهوا كَانَ أَو عمدا (وقطعه) أَي الشَّارِع نِسْبَة للْفِعْل (مَعَه) أَي النسْيَان الْمَذْكُور (وَهُوَ) أَي النسْيَان (جبلي لَا يُسْتَطَاع الاحتراس عَنهُ بِلَا مُذَكّر) الْجَار مُتَعَلق بقوله لَا يُسْتَطَاع، وَهُوَ صفة قَوْله جبلي، وَالْجُمْلَة الاسمية حَال عَن ضمير النسْيَان فِي مَعَه وَقَوله بِلَا مُذَكّر يُشِير إِلَى أَنه تَعَالَى الْمُذكر فَإِن قلت الْأَمر الْجبلي لَا يَدْفَعهُ شَيْء قلت لَيْسَ كَونه جبليا بِمَعْنى أَن الطبيعة تَقْتَضِيه ضَرُورَة بل كَونه بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْإِنْسَان أَن يحترس عَنهُ بِلَا مُذَكّر، وَمَعَ الْمُذكر وُقُوعه نَادِر فَهُوَ عِنْد ذَلِك ينْسب إِلَى التَّقْصِير فَلَا يستأصل لِأَن قطع نِسْبَة الْفِعْل عَنهُ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَخبر قَوْله وقطعه قَوْله (لَا يستلزمه) أَي الْقطع عَنهُ إِلَيْهِ تَعَالَى (فِيمَا هُوَ دونه) أَي فِيمَا دون جبلي لَا يُسْتَطَاع الاحتراس عَنهُ بِلَا مُذَكّر، وَإِنَّمَا وصف النسْيَان الْمَذْكُور بذلك إشعارا بِمَا هُوَ مُوجب لقطع النِّسْبَة عَن الْمُكَلف إِلَيْهِ تَعَالَى ليَكُون كالدليل على عدم الاستلزام الْمَذْكُور. ثمَّ لما بَين أَن عِلّة الْقطع مَجْمُوع الْأَوْصَاف الجبلية وَعدم إِمْكَان الاحتراس وَعدم الْمُذكر لزم أَن ينتفى الْمَعْلُول بِانْتِفَاء كل وَاحِد مِنْهَا فَأخذ بَين ذَلِك وَبَدَأَ بِانْتِفَاء الْأَخير. فَقَالَ (مَعَ مُذَكّر) حَال عَن الْمَوْصُول أَي لم يقطع مَا دونه حَال كَونه مَعَ مُذَكّر من حَيْثُ النِّسْبَة، مِثَال الْمُذكر (كَالصَّلَاةِ) أَي كَهَيئَةِ الصَّلَاة (ففسدت) الصَّلَاة (فعله مُفسد) فَلَعَلَّهُ الْمُصَلِّي (سَاهِيا) ثمَّ بَين مَا انْتَفَى فِيهِ الثَّانِي بقوله (وَمَا يُمكن الاحتراس) عَنهُ، مِثَاله (كالخطأ، وَلذَا) أَي كَون الْخَطَأ مِمَّا يُمكن الاحتراس عَنهُ (ثَبت عدم اعْتِبَاره) فِي الشَّرْع مسْقطًا للمجازاة بِالْكُلِّيَّةِ (فِي خطأ الْقَتْل فَأوجب) الشَّارِع بِهِ (الدِّيَة) بدل الْمحل (حَقًا للْعَبد) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن مُوجب تَعْلِيل الشَّافِعِي بَقَاء الصَّوْم بعلة قصد الْجِنَايَة بطلَان حق العَبْد فِي قتل الْخَطَأ لعدم قصد الْجِنَايَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (مَعَ تحقق مَا عينه) الشَّافِعِي فِي مقَام التَّعْلِيل فِيمَا نَحن (فِيهِ) أَي فِي الْقَتْل الْخَطَأ طرف الْحجَّة لتحَقّق مَا عينه فَلَزِمَ الدِّيَة إِجْمَاعًا فِي الْقَتْل الْخَطَأ يرد عَلَيْهِ فِي تعْيين مَا عينه (و) أوجب (الْكَفَّارَة) تأهبا (لتَقْصِيره) أَي الْقَاتِل خطأ فِي التحفظ فِيمَا يُسْتَطَاع الاحتراس عَنهُ فَلم يسْقط فِيهِ إِلَّا الْإِثْم بِمُوجب " رفع عَن أمتِي " الحَدِيث ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا يَنْفِي الأول بقوله (وَالْمكْره أمكنه الالتجاء) إِلَى من يخلصه من الْمُكْره (والهرب) مِنْهُ (وَلَو عجز) عَن الالتجاء والهرب (وانقطعت النِّسْبَة) أَي نِسْبَة الْفِعْل عَنهُ بِسَبَب الْعَجز (صَارَت) النِّسْبَة (إِلَى غَيره تَعَالَى أَعنِي الْمُكْره كَفعل الصب) أَي كانقطاع نِسْبَة فعل الصب عَن المصبوب فِي عِلّة (نسب) فعل الصب (إِلَى العَبْد لَا إِلَيْهِ تَعَالَى حَتَّى أثمه) أَي أَثم الله

стр. 983

تَعَالَى الصاب أَو أَثم الصاب إِلَيْهِ (فانتفت الْعلَّة) الْمُعَلل بهَا دَلِيل التَّخْصِيص وَهُوَ قطع نِسْبَة الْفِعْل عَن الْمُكَلف مَعَ النسْيَان وَعدم الْمُذكر إِلَيْهِ تَعَالَى فِي الصُّور الْمَذْكُورَة فَلَا يحوز إلحاقها بالناسي فِي بَقَاء الصَّوْم (وَمِنْه) أَي وَمن الحكم الْمُخْتَص بمحله الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِمَا يمْنَع من التَّعْلِيل (تقوم الْمَنَافِع فِي الْإِجَارَة) ثَبت بِالنَّصِّ واختص بمحله لما سَيَأْتِي (يمنعهُ) أَي تقومها فِي الْإِجَارَة (الْقيَاس على الْحَشِيش وَالصَّيْد) وَصُورَة الْقيَاس (هَكَذَا لم تحرز) للمنافع كَمَا أَنه لم يحرز الْحَشِيش وَالصَّيْد (فَلَا مَالِيَّة) لَهَا لِأَن الْمَالِيَّة بالإحراز وَالدُّخُول تَحت الْيَد (فَلَا تقوم) إِذْ لَا قيمَة إِلَّا لِلْمَالِ (كالصيد قبل) الِاصْطِيَاد، والحشيش قبل الاحتشاش فِي عدم (الْإِحْرَاز) والمالية والتقوم (أما الأول) أَي أَنَّهَا لم تحرز (فَلِأَنَّهَا) أَي الْمَنَافِع (أَعْرَاض متصرمة) أَي متلاشية مضمحلة بِمُجَرَّد الْوُجُود (فَلَو قُلْنَا بِبَقَاء شخص الْعرض) فِي الْجُمْلَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ غير الْأَشْعَرِيّ فِيمَا نَحن فِيهِ (لم يكن مِنْهُ) أَي مِمَّا نقُول بِبَقَائِهِ، بل مِمَّا لَا بَقَاء لَهُ بِإِجْمَاع الْعُقَلَاء (ثمَّ الْمَالِيَّة بالإحراز والتقوم بالمالية فَلَا يلْحق بِهِ) أَي بتقويم الْمَنَافِع فِي الْإِجَارَة (غصبهَا) أَي غصب الْمَنَافِع بإتلافها وتعطيلها (إِذْ لَا جَامع مُعْتَبر) بَينهمَا فِي ذَلِك شرعا (لتَفَاوت الْحَاجة) الَّتِي كَانَت الْمَنَافِع بِسَبَبِهَا مُتَقَومَة (وَعدم ضبط مرتبَة) مُعينَة مِنْهَا يناط التَّقْوِيم بهَا (كمشقة السّفر) فَإِنَّهُ لما لم تكن الْمَشَقَّة فِيهِ منضبطة للتفاوت بَين مراتبها نيط حكم الْقصر بِمَشَقَّة السّفر، وَكَانَ مشقة السّفر أَيْضا غير منضبطة نيط بِأَصْل السّفر (فنيط) تقوم الْمَنَافِع (بِعقد الْإِجَارَة) لِأَنَّهُ مظنتها كالسفر. وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن عدم تقوم مَنَافِع الْغَصْب فتح لباب الْعدوان أَشَارَ إِلَى دَفعه بقوله (وَالْحَاجة لدفع الْعدوان تدفع بالتعزيز) على ارْتِكَاب الْمحرم، وَهُوَ الْغَصْب (وإحرازها) أَي الْمَنَافِع (بِالْمحل) وَهُوَ الْمَغْصُوب إِحْرَاز (ضمني) ثَبت بتبعية إِحْرَاز الْمحل والضمني (غير مضمن كالحشيش النَّابِت فِي أرضه) فَإِنَّهُ مُحرز تبعا لإحراز الأَرْض، وَلَا ضَمَان على متلفه اتِّفَاقًا (وَلَو سلم) أَن الْإِحْرَاز المضمني كالقصدي فِي التَّضْمِين (ففحش تفَاوت الْمَالِيَّة) بَين الْمَنَافِع الَّتِي هِيَ الْأَعْرَاض وَبَين الْأَعْيَان الَّتِي تلْزم الْغَاصِب عِنْد إِتْلَاف الْمَنَافِع على تَقْدِير التقوم والتضمين (يمْنَع) أَي فحش التَّفَاوُت (ضَمَان الْعدوان الْمَبْنِيّ) صفة الضَّمَان (على) اشْتِرَاط (الْمُمَاثلَة) بَين قطعه بِالتَّعَدِّي، وَمَا وَجب عَلَيْهِ فِي مُقَابلَته مجازاة بقوله - ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ - ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ - ومدار الْمُمَاثلَة على الْمُسَاوَاة فِي الْمَالِيَّة، وَقد عرفت انتفاءها بَين الْمَنَافِع والأعيان (بِخِلَاف الْفَاكِهَة مَعَ النَّقْد) جَوَاب سُؤال وَهُوَ أَنكُمْ ضمنتم متْلف الْفَاكِهَة بِالنَّقْدِ مَعَ عدم الْمُمَاثلَة لكَون الْفَاكِهَة مِمَّا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد بِخِلَاف النَّقْد، وَالْمعْنَى أَن اشْتِرَاط الْمُمَاثلَة يمْنَع ضَمَان الْعدوان بِخِلَافِهَا فَإِنَّهُ لَا يمْنَع

стр. 984

الضَّمَان فيهمَا لوُجُود الْمُمَاثلَة بَينهمَا فِي الْجُمْلَة (لاتصافهما) أَي الْفَاكِهَة والنقد (بالاستقلال بالوجود والبقاء) فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُوجد مُسْتقِلّا من غير أَن يكون تَابعا لوُجُود شَيْء آخر كتبعية الْمَنَافِع للمحال، وَلذَلِك يسْتَقلّ بِالْبَقَاءِ وَإِن اخْتلفَا فِي زمَان الْبَقَاء بِخِلَاف الْمَنَافِع فَإِنَّهُ لَا اسْتِقْلَال لَهَا بالوجود وَلَا بَقَاء لَهَا أصلا (والتفاوت) بَينهمَا (فِي قدره) أَي فِي مِقْدَار زمَان الْبَقَاء (لَا يعْتَبر) لِأَن قدره غير مضبوط فأدير الحكم على نفس الْبَقَاء دفعا للْحَرج (وسره) أَي سر عدم اعْتِبَار الْمُسَاوَاة فِي الْبَقَاء (أَن اعْتِبَار الْمُسَاوَاة لَا يُجَاب الْبَدَل إِنَّمَا هُوَ حَال الْوُجُوب) أَي وجوب الْبَدَل (لِأَنَّهُ) أَي حَال الْوُجُوب (حَال إِقَامَة أَحدهمَا مقَام الآخر والتساوي) بَين الْبَدَلَيْنِ الْفَاكِهَة والنقد (فِيهِ) أَي فِي الِاسْتِقْلَال بالوجود والبقاء (إِذْ ذَاك) أَي حَال الْوُجُوب (ثَابت) فَلَا يضر التَّفَاوُت فِي الْبَقَاء بعد ذَلِك. (وَمِنْه) أَي من الحكم الْمُخْتَص بمحله الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِمَا يمْنَع من التَّعْلِيل (حل مَتْرُوك التَّسْمِيَة) تركا (نَاسِيا) أَي ذَا نِسْيَان لقَوْله ﷺ " فَإِن نسي أَن يُسَمِّي حِين يذبح فليسم وليذكر الله ثمَّ ليَأْكُل " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَى غير ذَلِك (على خلاف الْقيَاس) مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ حَال من ضمير الْمُبْتَدَأ أَعنِي حل المستكن فِي الظّرْف (على ترك شَرط الصَّلَاة) قَوْله على صلَة الْقيَاس وَذَلِكَ أَنه إِذا ترك شَرط الصَّلَاة من الطَّهَارَة أَو غَيرهَا (نَاسِيا لَا تصح) الصَّلَاة عِنْد ذَلِك (حَتَّى وَجَبت) إِعَادَتهَا (إِذا ذكر) مَا تَركه، وَكَانَ مُقْتَضى هَذَا أَن لَا يحل مَتْرُوك التَّسْمِيَة نَاسِيا لفَوَات شَرط حلّه، وَهُوَ التَّسْمِيَة. قَالَ الله تَعَالَى - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ - وَإِذا كَانَ على خلاف الْقيَاس (فَلَا يلْحق بِهِ) أَي بمتروك التَّسْمِيَة نَاسِيا (الْعمد) أَي مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا، سمي بالعمد مُبَالغَة، أَو الْمَعْنى لَا يلْحق بِالنِّسْيَانِ الْعمد على الْمُسَامحَة لِأَن خلاف الْقيَاس مقتصر على مورد النَّص، وَلَيْسَ الْعمد فِي مَعْنَاهُ لَو فرض كَونه مَعْقُول الْمَعْنى (لعدم) الْجَامِع (الْمُشْتَرك) بَينهمَا لِأَن النَّاسِي مَعْذُور غير معرض عَن ذكر الله تَعَالَى، والعامد جَان معرض عَنهُ (وَلِأَنَّهُ) لَو ألحق الْعَامِد بِهِ (لم يبْق تَحت الْعَام شَيْء) من أَفْرَاده يَعْنِي قَوْله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ لِأَن مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ لَا يَخْلُو من أحد الْأَمريْنِ إِمَّا مَتْرُوك التَّسْمِيَة نِسْيَانا وَإِمَّا متروكها عمدا (فَينْسَخ) الْكتاب (بِالْقِيَاسِ) أَي بِقِيَاس الْعمد على النسْيَان وَهُوَ غير جَائِز (وَفِيه) أَي فِي هَذَا الدَّلِيل (نظر يَأْتِي) فِي الْكَلَام فِي فَسَاد الِاعْتِبَار. (وَمِنْهَا) أَي الشُّرُوط لحكم الأَصْل (أَن يكون) حكم الأَصْل حكما (شَرْعِيًّا فَلَا قِيَاس فِي اللُّغَة) بِأَن يُقَاس معنى على معنى فِي التَّسْمِيَة باسم لِكَوْنِهِمَا مشتركين فِيمَا يُنبئ عَنهُ الِاسْم (وَتقدم) هَذَا الشَّرْط فِي المبادئ اللُّغَوِيَّة (وَلَا فِي العقليات) كقياس الْغَائِب على الشَّاهِد كَمَا يُقَال العالمية فِي

стр. 985

الشَّاهِد: أَي الْمَخْلُوق معللة بِالْعلمِ، فَكَذَا فِي الْغَائِب عَن الْحس: أَي الْخَالِق (خلافًا لأكْثر الْمُتَكَلِّمين) فَإِنَّهُم جوزوه فِيهَا إِذا تحقق جَامع عَقْلِي كالعلة، أَو الْحَد، أَو الشَّرْط، أَو الدَّلِيل، وَإِنَّمَا لَا يكون الْقيَاس فِي العقليات (لعدم إِمْكَان إِثْبَات المناط) أَي منَاط الحكم فِي الأَصْل (فَلَو أثبت حرارة حُلْو قِيَاسا) مفعول لَهُ للإثبات (على الْعَسَل لَا تثبت عَلَيْهِ الْحَلَاوَة) للحرارة (إِلَّا أَن استقرئ) أَي بِأَن استقرئ: أَي تتبع كل حُلْو فَوجدَ حارا، وَيحْتَمل أَن تكسر الْهمزَة بِمَعْنى إِذا (فَتثبت) حِينَئِذٍ عَلَيْهِ الْحَلَاوَة للحرارة (فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الحلو (بِهِ) أَي بالاستقراء كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالصَّوَاب فَتثبت حِينَئِذٍ الْحَرَارَة فِي ذَلِك الحلو بالاستقراء لِأَن الثَّابِت بِالْقِيَاسِ حكم الْفَرْع، لَا علية الْعلَّة وَهُوَ ظَاهر (لَا بِالْقِيَاسِ فَلَا أصل وَلَا فرع) لِأَنَّهُمَا فرع الْقيَاس، وَهُوَ مَعْدُوم حِينَئِذٍ فَإِن قلت لَا نسلم أَن الْعلية فِيهَا لَا تثبت إِلَّا بالاستقراء قلت: لَو ثَبت عليتها بِدَلِيل آخر صَحَّ أَيْضا قَوْلنَا فَتثبت بِهِ لَا بِالْقِيَاسِ من غير تفَاوت، لِأَن مَدْلُول ذَلِك الدَّلِيل علية الْحَلَاوَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَرَارَة مَعَ قطع النّظر عَن محلهَا الْمَخْصُوص كالعسل، بِخِلَاف الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فَإِن النَّص أَو الاستنباط يُفِيد عليتها بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحكم الْمُضَاف إِلَى الْمحل الْخَاص وَهُوَ الأَصْل ابْتِدَاء، ثمَّ يجرد الحكم عَن خُصُوصِيَّة الْمحل فَيجْعَل الْمَعْلُوم نفس الحكم وَيقطع النّظر عَن خُصُوصِيَّة الْمحل (وَعنهُ) أَي عَن لُزُوم حكم الْفَرْع بِالْقِيَاسِ (اشْترط عدم شُمُول دَلِيل حكم الأَصْل الْفَرْع) خلافًا لمشايخ سَمَرْقَنْد، إِذْ لَو شَمله ابْتِدَاء كَانَ نِسْبَة ذَلِك الدَّلِيل إِلَى حكم الْفَرْع كنسبته إِلَى حكم الأَصْل فَلَا يبْقى لأصالته وَجه (وَبِهَذَا) أَي مَا اشْترط من عدم الشُّمُول (بَطل قياسهم) أَي الْمُتَكَلِّمين (الْغَائِب على الشَّاهِد فِي أَنه) أَي الشَّاهِد (عَالم بِعلم) هُوَ صفة زَائِدَة على الذَّات ردا على الْمُعْتَزلَة حَيْثُ زَعَمُوا أَن علمه تَعَالَى عين ذَاته كَسَائِر صِفَاته (مَعَ فحش الْعبارَة) حَيْثُ أطْلقُوا عَلَيْهِ الْغَائِب وَإِن أَرَادوا الْغَيْبَة عَن الْحس، فَإِن الْفَاحِش من الْكَلَام مَا يستهجن ذكره، ﴿وَالله لَا يعزب عَنهُ شَيْء - وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ - وَإِنَّمَا بَطل قياسهم (لِأَن ثُبُوته) أَي الْعلم (فيهمَا) أَي الْخَالِق والمخلوق (بِاللَّفْظِ لُغَة) أَي بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر اللَّفْظ من حَيْثُ اللُّغَة (وَهُوَ) أَي مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ لُغَة (أَن الْعَالم من قَامَ بِهِ) الْعلم فِي لُغَة الْعَرَب، وَإِثْبَات صِفَات الْحق بِمَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ من حَيْثُ الْوَضع مَعَ أَن الْمجَاز فِي الْكتاب وَالسّنة أَكثر من أَن يُحْصى رجم بِالْغَيْبِ (وثمرته) أَي كَون حكم الأَصْل شَرْعِيًّا تظهر (فِي قِيَاس النَّفْي) وَهُوَ قِيَاس يكون حكم الأَصْل فِيهِ نفيا سَوَاء كَانَ حكم الْفَرْع فِيهِ أَيْضا نفيا أَو وجود مَا (لَو كَانَ) النَّفْي (أَصْلِيًّا) بِأَن لَا يكون حَادِثا (فِي الأَصْل امْتنع) الْقيَاس عَلَيْهِ (لعدم مناطه) أَي النَّفْي الْأَصْلِيّ، لِأَن المناط وصف اعْتَبرهُ الشَّارِع وَجعله إجَازَة لحكم شَرْعِي، والعدم الْأَصْلِيّ لَيْسَ بِحكم شَرْعِي لِأَنَّهُ
следующие страницы →