Полный текст (1 287 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الْمَذْكُور (إِذْ هُوَ) أَي الْحَرج (فِي لُزُوم المَال لَا فِي ترك لفظ) يَعْنِي الْهِبَة قصدا (إِلَى) لفظ (آخر) لَا على سَبِيل التَّعْيِين (بِالنِّسْبَةِ إِلَى أقدر الْخلق على التَّعْبِير) عَن مُرَاده لِأَنَّهُ أفْصح الْعَرَب والعجم فَإِن لم يُوسع عَلَيْهِ بتجويز لفظ الْهِبَة فِي تزَوجه فَعنده وسعة من الْأَلْفَاظ الْأُخَر فَلَا يلْزم حرج عَلَيْهِ (وَمِنْه) وَمن الحكم الْمُخْتَص بمحله الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِمَا يمْنَع عَن تَعْلِيله (مَا عقل مَعْنَاهُ) حَال كَونه وَاقعا (على خلاف مُقْتَضى) على صِيغَة الْمَفْعُول (مُقْتَض شَرْعِي كبقاء صَوْم) الصَّائِم (النَّاسِي) الْآكِل أَو الشَّارِب (مَعَ عدم الرُّكْن) وَهُوَ الْكَفّ عَن المفطرات، إِذْ بَقَاؤُهُ مَعَ عدم رُكْنه (معدول) أَي مَصْرُوف (عَن مُقْتَضى عدم الرُّكْن) إِذْ مُقْتَضَاهُ بطلَان الصَّوْم لِأَن الشَّيْء لَا يبْقى مَعَ عدم رُكْنه كَمَا أَن من نسي فَترك ركنا من الصَّلَاة تفْسد صلَاته كَمَا لَو تَركه عَامِدًا غير أَن النَّص سلم بِبَقَائِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وسيشير إِلَى وَجه معقولية مَعْنَاهُ وَأَنه لَا يجوز تَعْلِيله بِسَبَب ذَلِك الْمُقْتَضى. (فَإِن قيل لما علل دَلِيل التَّخْصِيص) أَي لما جَازَ تَعْلِيل النَّص الدَّال على تَخْصِيص عُمُوم انْتِفَاء الشَّيْء بِانْتِفَاء رُكْنه وَهُوَ قَوْله ﷺ " تمّ على صومك فَإِنَّمَا أطعمك الله " الحَدِيث بِمَا عدا صُورَة النسْيَان بِنَاء على رَأْي من يجوز تَعْلِيل دَلِيل التَّخْصِيص (لزم مجيزي تَخْصِيص الْعلَّة من الْحَنَفِيَّة تَعْلِيله) أَي تَعْلِيل دَلِيل التَّخْصِيص الْمَذْكُور (لإلحاق الْمُخطئ) كمن تمضمض فسبقه المَاء إِلَى جَوْفه (وَالْمكْره والمصبوب فِي حلقه) المَاء وَهُوَ صَائِم بِعَدَمِ قصد الْجِنَايَة صلَة التَّعْلِيل، قد اخْتلف فِي جَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة فَمن جوزه من الْحَنَفِيَّة لزمَه تَعْلِيل النَّص الْمَذْكُور، وَمِنْهُم من جوزه فالمجوز إِن علل النَّص الْمَذْكُور (ب) عِلّة (عدم قصد الْجِنَايَة) فَإِنَّهُ لَا يلْزمه الْمَحْذُور بِأَن يُقَال هَذِه الْعلَّة منقوضة بِكَذَا وَكَذَا كَتَرْكِ ركن الصَّلَاة نَاسِيا لِأَنَّهُ يخصصها على وَجه لَا ينْتَقض بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَزِمَهُم لأَنهم مِمَّن يجوز تَعْلِيل دَلِيل التَّخْصِيص والضرورة وَهِي إِلْحَاق مَا ذكر دعت إِلَى التَّعْلِيل بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة، وَالْمَانِع وَهُوَ النَّقْض مَدْفُوع بتخصيص الْعلَّة، وَعند وجود الْمُقْتَضى وَدفع الْمَانِع يلْزم أَن يعْمل بالمقتضى وَالله أعلم (كالشافعي) مُتَعَلق بقوله تَعْلِيله أَي تعليلا كتعليله (لكِنهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (اتَّفقُوا على نَفْيه) أَي التَّعْلِيل الْمَذْكُور للإلحاق (فَالْجَوَاب أَن ظنهم) أَي الْحَنَفِيَّة (أَنه) أَي التَّخْصِيص للناسي ثَابت (بعلة منصوصة هِيَ قطع نِسْبَة الْفِعْل) الْمُفطر (عَن الْمُكَلف) صلَة الْقطع (مَعَ النسْيَان وَعدم الْمُذكر) لَهُ بِالصَّوْمِ إِذْ لَا هَيْئَة لَهُ مُخَالفَة للهيئة القادمة وَقَوله مَعَ النسْيَان إِلَى آخِره حَال من الْفِعْل مشْعر بِمَا يُنَاسب الْمَقْصُود من الْقطع عَنهُ (إِلَيْهِ تَعَالَى بقوله) ﷺ مُتَعَلق بمنصوصه (تمّ على صومك فَإِنَّمَا أطعمك الله وسقاك) هَذَا لفظ الْهِدَايَة، وَفِي صَحِيح ابْن حبَان وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ " أتم صومك فَإِن الله أطعمك وسقاك " وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ " وَلَا قَضَاء عَلَيْك " (لِأَنَّهُ) أَي قطع نِسْبَة الْفِعْل
стр. 982
إِلَيْهِ تَعَالَى (فَائِدَته) أَي قَوْله تَعْلِيل لكَونه نصا فِيمَا ذكر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْقطع الْمَذْكُور مَقْصُودا بِهِ (فمعلوم أَنه الْمطعم) ﷺ فَهُوَ (مُطلقًا) أَي فَلَا يبْقى للْكَلَام فَائِدَة لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنه الْمطعم فِي كل أكل سَهوا كَانَ أَو عمدا (وقطعه) أَي الشَّارِع نِسْبَة للْفِعْل (مَعَه) أَي النسْيَان الْمَذْكُور (وَهُوَ) أَي النسْيَان (جبلي لَا يُسْتَطَاع الاحتراس عَنهُ بِلَا مُذَكّر) الْجَار مُتَعَلق بقوله لَا يُسْتَطَاع، وَهُوَ صفة قَوْله جبلي، وَالْجُمْلَة الاسمية حَال عَن ضمير النسْيَان فِي مَعَه وَقَوله بِلَا مُذَكّر يُشِير إِلَى أَنه تَعَالَى الْمُذكر فَإِن قلت الْأَمر الْجبلي لَا يَدْفَعهُ شَيْء قلت لَيْسَ كَونه جبليا بِمَعْنى أَن الطبيعة تَقْتَضِيه ضَرُورَة بل كَونه بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْإِنْسَان أَن يحترس عَنهُ بِلَا مُذَكّر، وَمَعَ الْمُذكر وُقُوعه نَادِر فَهُوَ عِنْد ذَلِك ينْسب إِلَى التَّقْصِير فَلَا يستأصل لِأَن قطع نِسْبَة الْفِعْل عَنهُ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَخبر قَوْله وقطعه قَوْله (لَا يستلزمه) أَي الْقطع عَنهُ إِلَيْهِ تَعَالَى (فِيمَا هُوَ دونه) أَي فِيمَا دون جبلي لَا يُسْتَطَاع الاحتراس عَنهُ بِلَا مُذَكّر، وَإِنَّمَا وصف النسْيَان الْمَذْكُور بذلك إشعارا بِمَا هُوَ مُوجب لقطع النِّسْبَة عَن الْمُكَلف إِلَيْهِ تَعَالَى ليَكُون كالدليل على عدم الاستلزام الْمَذْكُور. ثمَّ لما بَين أَن عِلّة الْقطع مَجْمُوع الْأَوْصَاف الجبلية وَعدم إِمْكَان الاحتراس وَعدم الْمُذكر لزم أَن ينتفى الْمَعْلُول بِانْتِفَاء كل وَاحِد مِنْهَا فَأخذ بَين ذَلِك وَبَدَأَ بِانْتِفَاء الْأَخير. فَقَالَ (مَعَ مُذَكّر) حَال عَن الْمَوْصُول أَي لم يقطع مَا دونه حَال كَونه مَعَ مُذَكّر من حَيْثُ النِّسْبَة، مِثَال الْمُذكر (كَالصَّلَاةِ) أَي كَهَيئَةِ الصَّلَاة (ففسدت) الصَّلَاة (فعله مُفسد) فَلَعَلَّهُ الْمُصَلِّي (سَاهِيا) ثمَّ بَين مَا انْتَفَى فِيهِ الثَّانِي بقوله (وَمَا يُمكن الاحتراس) عَنهُ، مِثَاله (كالخطأ، وَلذَا) أَي كَون الْخَطَأ مِمَّا يُمكن الاحتراس عَنهُ (ثَبت عدم اعْتِبَاره) فِي الشَّرْع مسْقطًا للمجازاة بِالْكُلِّيَّةِ (فِي خطأ الْقَتْل فَأوجب) الشَّارِع بِهِ (الدِّيَة) بدل الْمحل (حَقًا للْعَبد) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن مُوجب تَعْلِيل الشَّافِعِي بَقَاء الصَّوْم بعلة قصد الْجِنَايَة بطلَان حق العَبْد فِي قتل الْخَطَأ لعدم قصد الْجِنَايَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (مَعَ تحقق مَا عينه) الشَّافِعِي فِي مقَام التَّعْلِيل فِيمَا نَحن (فِيهِ) أَي فِي الْقَتْل الْخَطَأ طرف الْحجَّة لتحَقّق مَا عينه فَلَزِمَ الدِّيَة إِجْمَاعًا فِي الْقَتْل الْخَطَأ يرد عَلَيْهِ فِي تعْيين مَا عينه (و) أوجب (الْكَفَّارَة) تأهبا (لتَقْصِيره) أَي الْقَاتِل خطأ فِي التحفظ فِيمَا يُسْتَطَاع الاحتراس عَنهُ فَلم يسْقط فِيهِ إِلَّا الْإِثْم بِمُوجب " رفع عَن أمتِي " الحَدِيث ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا يَنْفِي الأول بقوله (وَالْمكْره أمكنه الالتجاء) إِلَى من يخلصه من الْمُكْره (والهرب) مِنْهُ (وَلَو عجز) عَن الالتجاء والهرب (وانقطعت النِّسْبَة) أَي نِسْبَة الْفِعْل عَنهُ بِسَبَب الْعَجز (صَارَت) النِّسْبَة (إِلَى غَيره تَعَالَى أَعنِي الْمُكْره كَفعل الصب) أَي كانقطاع نِسْبَة فعل الصب عَن المصبوب فِي عِلّة (نسب) فعل الصب (إِلَى العَبْد لَا إِلَيْهِ تَعَالَى حَتَّى أثمه) أَي أَثم الله
стр. 983
تَعَالَى الصاب أَو أَثم الصاب إِلَيْهِ (فانتفت الْعلَّة) الْمُعَلل بهَا دَلِيل التَّخْصِيص وَهُوَ قطع نِسْبَة الْفِعْل عَن الْمُكَلف مَعَ النسْيَان وَعدم الْمُذكر إِلَيْهِ تَعَالَى فِي الصُّور الْمَذْكُورَة فَلَا يحوز إلحاقها بالناسي فِي بَقَاء الصَّوْم (وَمِنْه) أَي وَمن الحكم الْمُخْتَص بمحله الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِمَا يمْنَع من التَّعْلِيل (تقوم الْمَنَافِع فِي الْإِجَارَة) ثَبت بِالنَّصِّ واختص بمحله لما سَيَأْتِي (يمنعهُ) أَي تقومها فِي الْإِجَارَة (الْقيَاس على الْحَشِيش وَالصَّيْد) وَصُورَة الْقيَاس (هَكَذَا لم تحرز) للمنافع كَمَا أَنه لم يحرز الْحَشِيش وَالصَّيْد (فَلَا مَالِيَّة) لَهَا لِأَن الْمَالِيَّة بالإحراز وَالدُّخُول تَحت الْيَد (فَلَا تقوم) إِذْ لَا قيمَة إِلَّا لِلْمَالِ (كالصيد قبل) الِاصْطِيَاد، والحشيش قبل الاحتشاش فِي عدم (الْإِحْرَاز) والمالية والتقوم (أما الأول) أَي أَنَّهَا لم تحرز (فَلِأَنَّهَا) أَي الْمَنَافِع (أَعْرَاض متصرمة) أَي متلاشية مضمحلة بِمُجَرَّد الْوُجُود (فَلَو قُلْنَا بِبَقَاء شخص الْعرض) فِي الْجُمْلَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ غير الْأَشْعَرِيّ فِيمَا نَحن فِيهِ (لم يكن مِنْهُ) أَي مِمَّا نقُول بِبَقَائِهِ، بل مِمَّا لَا بَقَاء لَهُ بِإِجْمَاع الْعُقَلَاء (ثمَّ الْمَالِيَّة بالإحراز والتقوم بالمالية فَلَا يلْحق بِهِ) أَي بتقويم الْمَنَافِع فِي الْإِجَارَة (غصبهَا) أَي غصب الْمَنَافِع بإتلافها وتعطيلها (إِذْ لَا جَامع مُعْتَبر) بَينهمَا فِي ذَلِك شرعا (لتَفَاوت الْحَاجة) الَّتِي كَانَت الْمَنَافِع بِسَبَبِهَا مُتَقَومَة (وَعدم ضبط مرتبَة) مُعينَة مِنْهَا يناط التَّقْوِيم بهَا (كمشقة السّفر) فَإِنَّهُ لما لم تكن الْمَشَقَّة فِيهِ منضبطة للتفاوت بَين مراتبها نيط حكم الْقصر بِمَشَقَّة السّفر، وَكَانَ مشقة السّفر أَيْضا غير منضبطة نيط بِأَصْل السّفر (فنيط) تقوم الْمَنَافِع (بِعقد الْإِجَارَة) لِأَنَّهُ مظنتها كالسفر. وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن عدم تقوم مَنَافِع الْغَصْب فتح لباب الْعدوان أَشَارَ إِلَى دَفعه بقوله (وَالْحَاجة لدفع الْعدوان تدفع بالتعزيز) على ارْتِكَاب الْمحرم، وَهُوَ الْغَصْب (وإحرازها) أَي الْمَنَافِع (بِالْمحل) وَهُوَ الْمَغْصُوب إِحْرَاز (ضمني) ثَبت بتبعية إِحْرَاز الْمحل والضمني (غير مضمن كالحشيش النَّابِت فِي أرضه) فَإِنَّهُ مُحرز تبعا لإحراز الأَرْض، وَلَا ضَمَان على متلفه اتِّفَاقًا (وَلَو سلم) أَن الْإِحْرَاز المضمني كالقصدي فِي التَّضْمِين (ففحش تفَاوت الْمَالِيَّة) بَين الْمَنَافِع الَّتِي هِيَ الْأَعْرَاض وَبَين الْأَعْيَان الَّتِي تلْزم الْغَاصِب عِنْد إِتْلَاف الْمَنَافِع على تَقْدِير التقوم والتضمين (يمْنَع) أَي فحش التَّفَاوُت (ضَمَان الْعدوان الْمَبْنِيّ) صفة الضَّمَان (على) اشْتِرَاط (الْمُمَاثلَة) بَين قطعه بِالتَّعَدِّي، وَمَا وَجب عَلَيْهِ فِي مُقَابلَته مجازاة بقوله - ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ - ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ - ومدار الْمُمَاثلَة على الْمُسَاوَاة فِي الْمَالِيَّة، وَقد عرفت انتفاءها بَين الْمَنَافِع والأعيان (بِخِلَاف الْفَاكِهَة مَعَ النَّقْد) جَوَاب سُؤال وَهُوَ أَنكُمْ ضمنتم متْلف الْفَاكِهَة بِالنَّقْدِ مَعَ عدم الْمُمَاثلَة لكَون الْفَاكِهَة مِمَّا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد بِخِلَاف النَّقْد، وَالْمعْنَى أَن اشْتِرَاط الْمُمَاثلَة يمْنَع ضَمَان الْعدوان بِخِلَافِهَا فَإِنَّهُ لَا يمْنَع
стр. 984
الضَّمَان فيهمَا لوُجُود الْمُمَاثلَة بَينهمَا فِي الْجُمْلَة (لاتصافهما) أَي الْفَاكِهَة والنقد (بالاستقلال بالوجود والبقاء) فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُوجد مُسْتقِلّا من غير أَن يكون تَابعا لوُجُود شَيْء آخر كتبعية الْمَنَافِع للمحال، وَلذَلِك يسْتَقلّ بِالْبَقَاءِ وَإِن اخْتلفَا فِي زمَان الْبَقَاء بِخِلَاف الْمَنَافِع فَإِنَّهُ لَا اسْتِقْلَال لَهَا بالوجود وَلَا بَقَاء لَهَا أصلا (والتفاوت) بَينهمَا (فِي قدره) أَي فِي مِقْدَار زمَان الْبَقَاء (لَا يعْتَبر) لِأَن قدره غير مضبوط فأدير الحكم على نفس الْبَقَاء دفعا للْحَرج (وسره) أَي سر عدم اعْتِبَار الْمُسَاوَاة فِي الْبَقَاء (أَن اعْتِبَار الْمُسَاوَاة لَا يُجَاب الْبَدَل إِنَّمَا هُوَ حَال الْوُجُوب) أَي وجوب الْبَدَل (لِأَنَّهُ) أَي حَال الْوُجُوب (حَال إِقَامَة أَحدهمَا مقَام الآخر والتساوي) بَين الْبَدَلَيْنِ الْفَاكِهَة والنقد (فِيهِ) أَي فِي الِاسْتِقْلَال بالوجود والبقاء (إِذْ ذَاك) أَي حَال الْوُجُوب (ثَابت) فَلَا يضر التَّفَاوُت فِي الْبَقَاء بعد ذَلِك. (وَمِنْه) أَي من الحكم الْمُخْتَص بمحله الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِمَا يمْنَع من التَّعْلِيل (حل مَتْرُوك التَّسْمِيَة) تركا (نَاسِيا) أَي ذَا نِسْيَان لقَوْله ﷺ " فَإِن نسي أَن يُسَمِّي حِين يذبح فليسم وليذكر الله ثمَّ ليَأْكُل " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَى غير ذَلِك (على خلاف الْقيَاس) مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ حَال من ضمير الْمُبْتَدَأ أَعنِي حل المستكن فِي الظّرْف (على ترك شَرط الصَّلَاة) قَوْله على صلَة الْقيَاس وَذَلِكَ أَنه إِذا ترك شَرط الصَّلَاة من الطَّهَارَة أَو غَيرهَا (نَاسِيا لَا تصح) الصَّلَاة عِنْد ذَلِك (حَتَّى وَجَبت) إِعَادَتهَا (إِذا ذكر) مَا تَركه، وَكَانَ مُقْتَضى هَذَا أَن لَا يحل مَتْرُوك التَّسْمِيَة نَاسِيا لفَوَات شَرط حلّه، وَهُوَ التَّسْمِيَة. قَالَ الله تَعَالَى - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ - وَإِذا كَانَ على خلاف الْقيَاس (فَلَا يلْحق بِهِ) أَي بمتروك التَّسْمِيَة نَاسِيا (الْعمد) أَي مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا، سمي بالعمد مُبَالغَة، أَو الْمَعْنى لَا يلْحق بِالنِّسْيَانِ الْعمد على الْمُسَامحَة لِأَن خلاف الْقيَاس مقتصر على مورد النَّص، وَلَيْسَ الْعمد فِي مَعْنَاهُ لَو فرض كَونه مَعْقُول الْمَعْنى (لعدم) الْجَامِع (الْمُشْتَرك) بَينهمَا لِأَن النَّاسِي مَعْذُور غير معرض عَن ذكر الله تَعَالَى، والعامد جَان معرض عَنهُ (وَلِأَنَّهُ) لَو ألحق الْعَامِد بِهِ (لم يبْق تَحت الْعَام شَيْء) من أَفْرَاده يَعْنِي قَوْله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ لِأَن مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ لَا يَخْلُو من أحد الْأَمريْنِ إِمَّا مَتْرُوك التَّسْمِيَة نِسْيَانا وَإِمَّا متروكها عمدا (فَينْسَخ) الْكتاب (بِالْقِيَاسِ) أَي بِقِيَاس الْعمد على النسْيَان وَهُوَ غير جَائِز (وَفِيه) أَي فِي هَذَا الدَّلِيل (نظر يَأْتِي) فِي الْكَلَام فِي فَسَاد الِاعْتِبَار. (وَمِنْهَا) أَي الشُّرُوط لحكم الأَصْل (أَن يكون) حكم الأَصْل حكما (شَرْعِيًّا فَلَا قِيَاس فِي اللُّغَة) بِأَن يُقَاس معنى على معنى فِي التَّسْمِيَة باسم لِكَوْنِهِمَا مشتركين فِيمَا يُنبئ عَنهُ الِاسْم (وَتقدم) هَذَا الشَّرْط فِي المبادئ اللُّغَوِيَّة (وَلَا فِي العقليات) كقياس الْغَائِب على الشَّاهِد كَمَا يُقَال العالمية فِي
стр. 985
الشَّاهِد: أَي الْمَخْلُوق معللة بِالْعلمِ، فَكَذَا فِي الْغَائِب عَن الْحس: أَي الْخَالِق (خلافًا لأكْثر الْمُتَكَلِّمين) فَإِنَّهُم جوزوه فِيهَا إِذا تحقق جَامع عَقْلِي كالعلة، أَو الْحَد، أَو الشَّرْط، أَو الدَّلِيل، وَإِنَّمَا لَا يكون الْقيَاس فِي العقليات (لعدم إِمْكَان إِثْبَات المناط) أَي منَاط الحكم فِي الأَصْل (فَلَو أثبت حرارة حُلْو قِيَاسا) مفعول لَهُ للإثبات (على الْعَسَل لَا تثبت عَلَيْهِ الْحَلَاوَة) للحرارة (إِلَّا أَن استقرئ) أَي بِأَن استقرئ: أَي تتبع كل حُلْو فَوجدَ حارا، وَيحْتَمل أَن تكسر الْهمزَة بِمَعْنى إِذا (فَتثبت) حِينَئِذٍ عَلَيْهِ الْحَلَاوَة للحرارة (فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الحلو (بِهِ) أَي بالاستقراء كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالصَّوَاب فَتثبت حِينَئِذٍ الْحَرَارَة فِي ذَلِك الحلو بالاستقراء لِأَن الثَّابِت بِالْقِيَاسِ حكم الْفَرْع، لَا علية الْعلَّة وَهُوَ ظَاهر (لَا بِالْقِيَاسِ فَلَا أصل وَلَا فرع) لِأَنَّهُمَا فرع الْقيَاس، وَهُوَ مَعْدُوم حِينَئِذٍ فَإِن قلت لَا نسلم أَن الْعلية فِيهَا لَا تثبت إِلَّا بالاستقراء قلت: لَو ثَبت عليتها بِدَلِيل آخر صَحَّ أَيْضا قَوْلنَا فَتثبت بِهِ لَا بِالْقِيَاسِ من غير تفَاوت، لِأَن مَدْلُول ذَلِك الدَّلِيل علية الْحَلَاوَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَرَارَة مَعَ قطع النّظر عَن محلهَا الْمَخْصُوص كالعسل، بِخِلَاف الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فَإِن النَّص أَو الاستنباط يُفِيد عليتها بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحكم الْمُضَاف إِلَى الْمحل الْخَاص وَهُوَ الأَصْل ابْتِدَاء، ثمَّ يجرد الحكم عَن خُصُوصِيَّة الْمحل فَيجْعَل الْمَعْلُوم نفس الحكم وَيقطع النّظر عَن خُصُوصِيَّة الْمحل (وَعنهُ) أَي عَن لُزُوم حكم الْفَرْع بِالْقِيَاسِ (اشْترط عدم شُمُول دَلِيل حكم الأَصْل الْفَرْع) خلافًا لمشايخ سَمَرْقَنْد، إِذْ لَو شَمله ابْتِدَاء كَانَ نِسْبَة ذَلِك الدَّلِيل إِلَى حكم الْفَرْع كنسبته إِلَى حكم الأَصْل فَلَا يبْقى لأصالته وَجه (وَبِهَذَا) أَي مَا اشْترط من عدم الشُّمُول (بَطل قياسهم) أَي الْمُتَكَلِّمين (الْغَائِب على الشَّاهِد فِي أَنه) أَي الشَّاهِد (عَالم بِعلم) هُوَ صفة زَائِدَة على الذَّات ردا على الْمُعْتَزلَة حَيْثُ زَعَمُوا أَن علمه تَعَالَى عين ذَاته كَسَائِر صِفَاته (مَعَ فحش الْعبارَة) حَيْثُ أطْلقُوا عَلَيْهِ الْغَائِب وَإِن أَرَادوا الْغَيْبَة عَن الْحس، فَإِن الْفَاحِش من الْكَلَام مَا يستهجن ذكره، ﴿وَالله لَا يعزب عَنهُ شَيْء - وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ - وَإِنَّمَا بَطل قياسهم (لِأَن ثُبُوته) أَي الْعلم (فيهمَا) أَي الْخَالِق والمخلوق (بِاللَّفْظِ لُغَة) أَي بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر اللَّفْظ من حَيْثُ اللُّغَة (وَهُوَ) أَي مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ لُغَة (أَن الْعَالم من قَامَ بِهِ) الْعلم فِي لُغَة الْعَرَب، وَإِثْبَات صِفَات الْحق بِمَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ من حَيْثُ الْوَضع مَعَ أَن الْمجَاز فِي الْكتاب وَالسّنة أَكثر من أَن يُحْصى رجم بِالْغَيْبِ (وثمرته) أَي كَون حكم الأَصْل شَرْعِيًّا تظهر (فِي قِيَاس النَّفْي) وَهُوَ قِيَاس يكون حكم الأَصْل فِيهِ نفيا سَوَاء كَانَ حكم الْفَرْع فِيهِ أَيْضا نفيا أَو وجود مَا (لَو كَانَ) النَّفْي (أَصْلِيًّا) بِأَن لَا يكون حَادِثا (فِي الأَصْل امْتنع) الْقيَاس عَلَيْهِ (لعدم مناطه) أَي النَّفْي الْأَصْلِيّ، لِأَن المناط وصف اعْتَبرهُ الشَّارِع وَجعله إجَازَة لحكم شَرْعِي، والعدم الْأَصْلِيّ لَيْسَ بِحكم شَرْعِي لِأَنَّهُ
стр. 986
لَا يصلح لِأَن يكون مَطْلُوبا من العَبْد لِاسْتِحَالَة طلب حُصُول الْحَاصِل (بِخِلَافِهِ) أَي النَّفْي إِذا كَانَ (شَرْعِيًّا) بِأَن لَا يكون أَصْلِيًّا بل عدما حَادِثا مَطْلُوبا من العَبْد كَعَدم الْإِتْيَان بالمحرم بِمَعْنى كف النَّفس عَنهُ، وكالعدم الطَّارِئ على الْوُجُود (يَصح) الْقيَاس عَلَيْهِ (بِوُجُودِهِ) أَي بِسَبَب وجود مناطه فِيهِ (وَهُوَ) أَي المناط (عَلامَة شَرْعِيَّة) نصبها الشَّارِع على حكم شَرْعِي وَالنَّفْي إِذا كَانَ حكما شَرْعِيًّا يصلح لِأَن ينصب لَهُ، فَلَا يُقَال: إِن الْعَدَم الْأَصْلِيّ أَيْضا لَهُ عِلّة لِأَنَّهُ إِن كَانَ عدما مُطلقًا فعلته عدم عِلّة الْوُجُود الْمُطلق، وَإِن كَانَ عدما مُضَافا فعلته عدم عِلّة وجود مَا أضيف إِلَيْهِ، لِأَن الْكَلَام فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة المنصوبة على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة كَمَا عرفت لَا فِي الْعِلَل الْحكمِيَّة، وَسَيَأْتِي لَك بَيَان لهَذَا الْمَعْنى. (وَمِنْهَا) أَي شُرُوط حكم الأَصْل (أَن لَا يكون) حكم الأَصْل (مَنْسُوخا للْعلم بِعَدَمِ اعْتِبَار) الْوَصْف (الْجَامِع) فِيهِ للشارع لزوَال الحكم مَعَ ثُبُوت الْوَصْف فِيهِ فَلَا يتَعَدَّى الحكم بِهِ إِذا لم يبْق الاستلزام الَّذِي كَانَ دَلِيلا للثبوت. (وَمِنْهَا) أَي أَي من شُرُوط حكم الأَصْل (أَن لَا يثبت) حكم الأَصْل (بِالْقِيَاسِ بل بِنَصّ أَو إِجْمَاع) كَمَا هُوَ معزو إِلَى الْكَرْخِي وَجُمْهُور الشَّافِعِيَّة، وَفِي البديع هُوَ الْمُخْتَار (وَهَذَا) معنى (مَا يُقَال أَن لَا يكون) حكم الأَصْل (فرعا) أَي حكم فرع (لاستلزامه) أَي كَون حكم الأَصْل فرعا تحقق (قياسين) أَحدهمَا مقدم وَهُوَ الَّذِي فَرعه صَار أصلا فِي الْقيَاس الثَّانِي (فالجامع إِن اتَّحد فيهمَا كالذرة) أَي كقياس الذّرة (على السمسم بعلة الْكَيْل، ثمَّ هُوَ) أَي السمسم بل قِيَاسه (على الْبر) بعلة الْكَيْل (فَلَا فَائِدَة فِي الْوسط) الَّذِي هُوَ السمسم (لَا مَكَانَهُ) أَي قِيَاس الذّرة (على الْبر، وَإِنَّمَا هِيَ) أَي هَذِه المناقشة (مشاحة لفظية) لِأَن الْمُعْتَرض معترف بِصِحَّة قِيَاس الذّرة على السمسم، غير أَنه يَقُول: تَطْوِيل للمسافة بِغَيْر فَائِدَة وَقد يُجَاب عَن التَّطْوِيل بِأَنَّهُ قد ينسى أصل الْقيَاس الأول ويتذكر أصل الْقيَاس التَّالِي، والتطويل إِنَّمَا يتَحَقَّق عِنْد تذكرهما مَعًا (أَو اخْتلف) مَعْطُوف على اتَّحد أَي أَو اخْتلف الْجَامِع فيهمَا (كقياس الجذام على الرتق) وَهُوَ التحام مَحل الْجِمَاع بِاللَّحْمِ (فِي أَنه) أَي الرتق (يفْسخ بِهِ النِّكَاح) بِأَن يُقَال يفْسخ النِّكَاح بالجذام كَمَا يفْسخ بالرتق (بِجَامِع أَنه) أَي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا (عيب يفْسخ فِيهِ البيع) وَإِذا اشْتَركَا فِي الْجَامِع الْمَذْكُور فَكَمَا أَنه يفْسخ بالرتق النِّكَاح كَذَلِك يفْسخ بالجذام (فَيمْنَع) الْخصم (فسخ النِّكَاح بالرتق) الَّذِي هُوَ الأَصْل الْمَقِيس عَلَيْهِ (فيعلله) أَي الْمُسْتَدلّ فسخ النِّكَاح بالرتق (بِأَنَّهُ) أَي الرتق (مفوت للاستمتاع) الَّذِي شرع النِّكَاح لَهُ (كالجب) أَي كَمَا أَن الْجب قطع الذّكر مفوت للاستمتاع الْمَذْكُور وَقد ثَبت فسخ النِّكَاح بالجب مَنْصُوصا عَلَيْهِ فَيلْحق بِهِ الرتق لاشْتِرَاكهمَا فِي الْجَامِع الْمَذْكُور: أَعنِي تَفْوِيت الِاسْتِمْتَاع
стр. 987
(وَهَذِه) الْعلَّة بِمَعْنى تَفْوِيت الِاسْتِمْتَاع (لَيست) مَوْجُودَة (فِي الْفَرْع الْمَقْصُود بالإثبات) أَي الَّذِي قصد إِثْبَات فسخ النِّكَاح فِيهِ، يَعْنِي الجذام لِأَنَّهُ غير مفوت للاستمتاع. (وَمَا نقل عَن الْحَنَابِلَة وَأبي عبد الله الْبَصْرِيّ من تجويزه) أَي تَجْوِيز الْقيَاس على فرع قِيَاس آخر مَعَ اخْتِلَاف الْجَامِع (لتجويز أَن يثبت) الحكم (فِي الْفَرْع بِمَا لم يثبت فِي الأَصْل) أَي بعلة وَوصف لم يثبت بِهِ الحكم فِي الأَصْل (كالنص وَالْإِجْمَاع) يَعْنِي كَمَا أَنه يثبت الحكم فِي الأَصْل بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع وَالْفرع بِغَيْرِهِمَا، وَهُوَ الْقيَاس كَذَلِك يثبت فِي الأَصْل بعلة وَفِي الْفَرْع بِأُخْرَى فَقَوله كالنص وَالْإِجْمَاع لَيْسَ تمثيلا للموصول فِي قَوْله بِمَا لم يثبت فِي الأَصْل، إِذْ لَا معنى لَهُ بل لتشبيه مَا لم يثبت بِهِ فِي الأَصْل بهما فِي الِاخْتِصَاص بِأحد الْحكمَيْنِ وَعدم التحقق فِي الآخر (يبعد صدوره) أَي صُدُور مَا نقل عَنْهُم (مِمَّن عقل الْقيَاس) وَفهم مَعْنَاهُ (فَإِن ذَاك) أَي ثُبُوت حكم الأَصْل بِدَلِيل غير مَا ثَبت بِهِ حكم الْفَرْع (فِي أصل لَيْسَ فرع قِيَاس) وَلَا مَحْذُور فِي ذَلِك، لِأَن حَاصله يرجع إِلَى أَن الشَّارِع نصب لحكم الأَصْل دَلِيلا ظَاهرا، وَهُوَ النَّص أَو الْإِجْمَاع وأمارة خُفْيَة، وَهُوَ الْعلَّة المثيرة لَهُ وَلم ينصب لحكم الْفَرْع إِلَّا أَمارَة خُفْيَة هِيَ بِعَينهَا تِلْكَ الْعلَّة المثيرة وَحَاصِل الْقيَاس إِظْهَار مُسَاوَاة الْحكمَيْنِ فِي الأمارة الْمَذْكُورَة، فَلَا بُد فِي الْقيَاس من الْمُسَاوَاة بَينهمَا بعلة وَاحِدَة مثيرة للْحكم فيهمَا، وَإِذا فرض كَون مثير حكم الأَصْل الَّذِي هُوَ فرع فِي الْقيَاس الْمُقدم غير مثير حكم الْفَرْع فِي الثَّانِي لزم عدم تحقق معنى الْقيَاس، وَهُوَ ظَاهر فَإِن قلت: مدَار الْجَواب وجود تِلْكَ الأمارة وَعدمهَا، لَا نفي الفرعية ووجودها قلت: الفرعية المعللة بِوَصْف لَا يُوجد فِي الْفَرْع الثَّانِي يسْتَلْزم عدم وجودهَا، فنفي الفرعية كِنَايَة عَن عدم مَا يسْتَلْزم ذَلِك، مَعَ أَن وجودهَا فِيمَا اسْتشْهدُوا بِهِ ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى الذّكر (هَذَا) الْمَذْكُور (إِذا كَانَ الأَصْل) فِي الْقيَاس الْمُتَأَخر (فرعا يُوَافقهُ الْمُسْتَدلّ) لكَون حكمه على وفْق مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (لَا الْمُعْتَرض) لكَونه على خلاف ذَلِك (فَلَو) كَانَ الأَصْل (قلبه) أَي عكس مَا ذكر بِأَن كَانَ فرعا لَا يُوَافقهُ الْمُسْتَدلّ وَيُوَافِقهُ الْمُعْتَرض (فَلَا يعلم فِيهِ) أَي فِي قلبه قَول (الإعدام الْجَوَاز) مِثَاله (كشافعي) أَي كَقَوْلِه (فِي نفي قتل الْمُسلم بالذمي) أَي بقتْله الذِّمِّيّ قصاصا قتل الْمُسلم لَهُ قتل (تمكنت فِيهِ شُبْهَة) وَهِي عدم التكافؤ فِي الشّرف المنشئ عَنهُ الْقصاص (فَلَا يقتل) الْمُسلم (بِهِ) أَي بالذمي (كَمَا) لَا يقتل الْقَاتِل (بالمثقل) لتمكن شُبْهَة العمدية والشبهة دارئة للحد، وَإِنَّمَا لم يجز (لاعْتِرَافه) أَي الْمُسْتَدلّ (بِبُطْلَان دَلِيله بِبُطْلَان مقدمته) أَي مُقَدّمَة ضَرُورَة بطلَان الْكل بِبُطْلَان الْجُزْء، لِأَن الْمُسْتَدلّ يثبت الْقصاص عِنْده بالمثقل (وَلَو) كَانَ هَذَا (فِي مناظرة) لم يقْصد بهَا الْمُسْتَدلّ إِثْبَات الْمطلب (فَأَرَادَ) بهَا (الْإِلْزَام) للمعترض الْحَنَفِيّ
стр. 988
مثلا (لم يلْزم) تَسْلِيمه الْمُعْتَرض (لجَوَاز قَوْله) أَي الْمُعْتَرض (هِيَ) أَي الْعلَّة فِي الأَصْل وَهُوَ الْقَتْل بالمثقل (عِنْدِي غير مَا ذكرت) من تمكن شُبْهَة العمدية وَلَا يجب عَليّ بَيَانهَا فِي عرف المناظرة وَفِيه مَا فِيهِ (أَو اعْترف بخطئي فِي الأَصْل) وَهُوَ الْقَتْل بالمثقل فَلَا يضرني ذَلِك الْفَرْع الَّذِي قسته عَلَيْهِ، وَهُوَ قتل الْمُسلم بالذمي. (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط حكم الأَصْل (فِي كتب الشَّافِعِيَّة) مُعْتَرضَة: أَي ذكر فِيهَا، وَقَوله (أَن لَا يكون) حكم الأَصْل (ذَا قِيَاس مركب) مُبْتَدأ خَبره الظّرْف الْمُقدم، وَمعنى كَونه ذَا قِيَاس مركب ثُبُوته (وَهُوَ) أَن الْقيَاس الْمركب (أَي يسْتَغْنى) الْمُسْتَدلّ (عَن إِثْبَات حكم الأَصْل) للْأَصْل بِالدَّلِيلِ (بموافقة الْخصم) مَعَه (عَلَيْهِ) أَي على ثُبُوته للْأَصْل من غير أَن يكون مَنْصُوصا أَو مجمعا عَلَيْهِ. ثمَّ الْقيَاس الْمركب قِسْمَانِ: أَحدهمَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (مَانِعا علية وصف الْمُسْتَدلّ) حَال من الْخصم لكَونه فَاعِلا للموافقة بِحَسب الْمَعْنى، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْخصم أَيْضا يُعلل حكم الأَصْل لَكِن بِوَصْف آخر كَمَا صرح بِهِ بقوله (معينا) عِلّة (أُخْرَى على أَنَّهَا) أَي الْعلَّة الَّتِي عينهَا (إِن لم تصح منع) أَي الْخصم (حكم الأَصْل) يَعْنِي تَعْيِينه الْعلَّة الْأُخْرَى وَاقع على هَذَا الْوَجْه، وَهُوَ أَنه إِن لم تصح عَلَيْهِ مَا عينه منع حكم الأَصْل، وَلَا يسلم ثُبُوته فِي الأَصْل، فَقَوله على أَنَّهَا حَال عَن الْعلَّة الْأُخْرَى أَي كائنة على أَنَّهَا الخ، أَو عَن ضمير معينا أَي عَازِمًا على أَنَّهَا الخ. وَلما كَانَ محصول هَذَا الْقيَاس إِلْحَاق فرع بِأَصْل حكمه مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسْتَدلّ وخصمه، والخصم يمْنَع كَون ذَلِك الحكم مُعَللا بعلة الْمُسْتَدلّ إِمَّا بِمَنْعه لعليتها أَو لوجودها فِي الأَصْل انقسم إِلَى قسمَيْنِ، فعين المُصَنّف الْقسم الأول بقوله (وَهَذَا) الَّذِي منع فِيهِ الْعلية (مركب الأَصْل لِأَن الْخلاف فِي عِلّة حكم الأَصْل يُوجب اجْتِمَاع قياسيهما) الْمُسْتَدلّ وخصمه (فِيهِ) أَي فِي الأَصْل، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت حكمه بِقِيَاس آخر، وَذَلِكَ لِأَن حكمه لم يثبت بِنَصّ أَو إِجْمَاع كَمَا سَيَأْتِي بل ثَبت بِالْقِيَاسِ، وَعند اخْتِلَافهمَا فِي تعْيين الْعلَّة لزم اخْتِلَاف الْقيَاس فَلَزِمَ اجْتِمَاع قياسهما فِي الأَصْل (فَكَانَ) الْقيَاس بِاعْتِبَار المتخاصمين (مركبا وَهُوَ) أَي اجْتِمَاع القياسين فِي الأَصْل (بِنَاء) أَي مَبْنِيّ (على لُزُوم فرعية الأَصْل) وَقد بَيناهُ آنِفا، (وَلذَا) أَي وَلأَجل لُزُوم فرعيته (صَحَّ مَنعه) أَي الْخصم (حكم الأَصْل بِتَقْدِير عدم صِحَّتهَا) أَي علته على مَا مر (فَلَو) كَانَ حكم الأَصْل ثَابتا (بِنَصّ أَو إِجْمَاع عِنْده) أَي الْخصم (انْتَفَى) مَنعه حكم الأَصْل على تَقْدِير عدم صِحَة مَا ادَّعَاهُ وَصفا مَنُوطًا بِهِ الحكم الْمَذْكُور وَأَشَارَ إِلَى الْقسم الثَّانِي بقوله (أَو) حَال كَون الْخصم مَانِعا (وجودهَا) أَي الْعلَّة نَفسهَا فِي الأَصْل معينا عِلّة أُخْرَى (وَهُوَ) أَو وجودهَا (وصفهَا فمركب الْوَصْف) وبأدنى تَمْيِيز يفرق
стр. 989
بَينهمَا بِاعْتِبَار الْأَصَالَة والوصفية بالتأويل الْمَذْكُور (أَو بِأَدْنَى تَمْيِيز) بَينهمَا، وَفِيه مَا فِيهِ (فَإِن قلت كَيفَ يَصح قَوْله) أَي الْخصم (إِن لم تصح) الْعلَّة الَّتِي عينهَا (منعت حكم الأَصْل وَظُهُور عدم الصِّحَّة) لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة (فرع الشُّرُوع فِي الْإِثْبَات) أَشَارَ إِلَى أَن كل وَاحِد من وَجْهي التَّسْمِيَة مَوْجُود فِي كل من الْقسمَيْنِ، إِذْ اجْتِمَاع القياسين فِي الأَصْل على تَقْدِير منع وجودهَا فِيهِ أَيْضا حَاصِل: كَمَا أَن مورد الْمَنْع فِي الأول أَيْضا وصف: أَعنِي عَلَيْهِ الْعلَّة غير أَن مُلَاحظَة عليتها يكون قبل مُلَاحظَة وجودهَا، فَبِهَذَا الِاعْتِبَار يحسن اعْتِبَار الْأَصَالَة فِي الأول، وَالْوَصْف فِي الثَّانِي، وَهُوَ التَّمْيِيز الْأَدْنَى، وَفِيه مَا فِيهِ (بِدُونِ الْمُطَالبَة بِهِ) أَي الْإِثْبَات (فيعجز) الْمُعْتَرض عَنهُ (وَفِيه) أَي فِي تَصْحِيح هَذَا (قلب الْوَضع) لِأَنَّهُ يَنْقَلِب الْمُسْتَدلّ مُعْتَرضًا، والمعترض مستدلا. أما الأول فَلِأَن الْمُعْتَرض لم يقل إِن لم تصح علتي الخ إِلَّا بعد طعن الْمُسْتَدلّ فِيهَا والاعتراض عَلَيْهَا بِإِظْهَار عدم صِحَّتهَا. وَأما الثَّانِي فَلِأَن قَوْله إِن لم تصح منعت استدلالي. حَاصله أَن أحد الْأَمريْنِ لَازم: إِمَّا صِحَة علته المستلزمة ثُبُوت مدعاه، وَأما منع حكم الأَصْل الْمُوجب لهدم مدعي الْمُسْتَدلّ فَإِن قلت سلمنَا أَن ظُهُور عدم الصِّحَّة فرع الشُّرُوع إِلَى آخِره، لَكِن قَوْله إِن لم تصح إِلَى آخِره لَا يَسْتَدْعِي ظُهُوره، بل يَكْفِيهِ فَرْضه إِجْمَالا قلت إِذا كَانَ الْمَنْع مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الصِّحَّة بِحَسب نفس الْأَمر وَإِن لم يعلم بِعَيْنِه، وَذَلِكَ غير مَعْلُوم يلْزم عدم الْعلم بِوُجُود الْمَنْع، وَقد يُقَال أَن مُرَاده أَن أحد الْأَمريْنِ لَازم بِحَسب نفس الْأَمر وَإِن لم يعلم بِعَيْنِه (قلت) يَصح قَوْله الْمَذْكُور (لِأَن الصُّورَة الْمَذْكُورَة للْقِيَاس الْمركب) فِي الْقسمَيْنِ (من صور الْمُعَارضَة فِي حكم الأَصْل) لِأَن كل وَاحِد من المتخاصمين يدعى كَون حكم الأَصْل مُعَللا بعلة خلاف عِلّة الآخر، وَيُقِيم الدَّلِيل على مَا ادَّعَاهُ بِخِلَاف الصُّورَة الْأُخْرَى من الْقيَاس الْمركب، وَهُوَ الْقسم الثَّانِي فَإِنَّهَا لَيست من صور الْمُعَارضَة فِي حكم الأَصْل لِأَنَّهُ لم يدع كل مِنْهُمَا فِيهَا كَون حكم الأَصْل مُعَللا بعلة أُخْرَى، بل الْمُسْتَدلّ يلْحق فرعا بِأَصْل فِي حكم زعم وجوده فِي الأَصْل لعِلَّة زعم اشتراكهما فِيهَا وَحَاصِل اعْتِرَاض الْمُعْتَرض أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا منع وجود تِلْكَ الْعلَّة، وَإِمَّا منع وجود ذَلِك الحكم فِي الأَصْل (وَفِيه) أَي وَفِيمَا ذكر يَعْنِي صور الْمُعَارضَة يكون (ذَلِك) الانقلاب (فَإِن جوابها) أَي الْمُعَارضَة (منع الْمُسْتَدلّ لما عينه) الْمعَارض من الْعلَّة الَّتِي بهَا يثبت الحكم الَّذِي يَدعِيهِ (فَلَزِمَهُ) أَي الْمعَارض (الْإِثْبَات) لعلية مَا عينه (وَإِذا صَار) الْمعَارض (مَانع) أَي منع مَا عينه الْمُسْتَدلّ من الْعلَّة (لزم الْمُسْتَدلّ إِثْبَاتهَا) أَي إِثْبَات عِلّة مَا عينه (ووجودها) أَي وجود تِلْكَ الْعلَّة وكما أَنه يلْزم الْمُسْتَدلّ إِثْبَات الْعلية والوجود كَذَلِك يلْزم الْمعَارض غير أَنه اكْتفى بالتفصيل هَهُنَا وَالْحَاصِل أَن كلا من المتخاصمين فِي الْمُعَارضَة مستدل بِالنّظرِ إِلَى مَا يَدعِيهِ، ومانع بِالنّظرِ إِلَى مَا يَدعِيهِ خَصمه (وينتهض)
стр. 990
دَلِيل الْمُسْتَدلّ على الْمعَارض بِإِثْبَات الْوُجُود كَمَا أَنه ينتهض دَلِيل الْمعَارض على الْمُسْتَدلّ بِهِ (إِذْ لَيْسَ ثُبُوته) أَي ثُبُوت حكم الأَصْل (إِلَّا بهَا) أَي بِالْعِلَّةِ (للفرعية) أَي للُزُوم فرعية الأَصْل فِيمَا نَحن فِيهِ (بِخِلَاف مَا إِذا أثبت) الْمُسْتَدلّ (الْوُجُود) أَي وجود الْعلَّة (فِي مركب الْوَصْف) إِذْ لَا ينْتَقض دَلِيله حِينَئِذٍ بِإِثْبَات الْوُجُود (فَإِنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (مَعَه) أَي مَعَ إِثْبَات الْمُسْتَدلّ الْوُجُود فِيهِ (يمْنَع حكم الأَصْل، وَهُوَ) أَي مَنعه حكم الأَصْل (دَلِيل أَنه) أَي الْمُعْتَرض (مَانع صِحَة مَا عينه الْمُسْتَدلّ فيهمَا) أَي مركبي الأَصْل وَالْوَصْف (وَإِذن) أَي وَإِذا كَانَ وجود الْعلَّة فِي الأَصْل تَارَة يجْتَمع مَعَ منع الحكم فِيهِ (فَقَوْلهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (للمستدل) فِي مركب الْوَصْف (أَن يثبت وجودهَا) أَي الْعلَّة فِي الأَصْل (بدليله) أَي بِدَلِيل الثُّبُوت (من حس أَو عقل أَو شرع أَو لُغَة) بِأَن يكون وجودهَا فِيهِ محسوسا أَو ثَابتا بِدَلِيل عَقْلِي أَو شَرْعِي أَو بِمُقْتَضى اللُّغَة (فينتهض) جَوَاب الشَّرْط: أَي يقوم الدَّلِيل (عَلَيْهِ) أَي على الْمُعْتَرض (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (معترف بِصِحَّة الْمُوجب) بِكَسْر الْجِيم، وَهُوَ عَلَيْهِ عِلّة الحكم (ووجوده) أَي الْمُوجب فِي الأَصْل (إِذْ قد ثَبت بِالدَّلِيلِ) فَلَزِمَهُ القَوْل بِمُقْتَضَاهُ (فِيهِ نظر) هَذِه الْجُمْلَة خبر للمبتدأ أَعنِي قَوْلهم، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى مَنْظُور فِيهِ على أَن يكون الظّرْف لَغوا قدم لكَون الْمصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول، أَو توسعة فِي الظروف (بل) ينتهض (إِذا أثبتهما) أَي صِحَة مَا عينه الْمُسْتَدلّ ووجوده فِي الأَصْل (كَالْأولِ) أَي مركب الأَصْل حَاصِل الْكَلَام أَن قَوْلهم الْمَذْكُور يُفِيد أَنه يَكْفِي الْمُسْتَدلّ فِي مركب الْوَصْف إِثْبَات الْوُجُود، وَإِذ قد عرفت أَن منع حكم الأَصْل منع لصِحَّة مَا عينه الْمُسْتَدلّ علمت أَنه لَا بُد فِيهِ أَيْضا من إِثْبَات الْأَمريْنِ غير أَنه يتَّجه على عِبَارَته مَا قصرت الطَّاقَة عَن تَوْجِيهه بِحَيْثُ ترْتَفع الْعبارَة وَالله تَعَالَى أعلم. (فَالْأول) أَي مِثَال الأول: يَعْنِي مركب الأَصْل (قَول الشَّافِعِي) فِي أَن الْحر لَا يقتل بِعَبْد قَتله الْمَقْتُول (عبد فَلَا يقتل بِهِ الْحر كَالْمكَاتبِ الْمَقْتُول) ذَاهِبًا (عَمَّا بَقِي) من المَال (بكتابته) أَي ببدلها (و) عَن (وَارِث غير سَيّده) لَا يقتل قَاتله الْحر بِهِ، وَإِن اجْتمع السَّيِّد وَالْوَارِث على طلب الْقصاص فَيلْحق العَبْد بِهِ بِجَامِع الرّقّ (والحنفي يُوَافقهُ) أَي الشَّافِعِي (فِيهِ) أَي فِي فِي حكم الأَصْل، وَهُوَ عدم قتل الْحر بالمكاتب الْمَذْكُور وَيُخَالِفهُ فِي الْعلَّة (فَيَقُول الْعلَّة جَهَالَة الْمُسْتَحق) للْقصَاص (من السَّيِّد وَالْوَرَثَة لاخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي عبديته) نظرا إِلَى عدم أَدَائِهِ بدل الْكِتَابَة (وحريته) نظرا إِلَى مَا ينزل منزلَة الْأَدَاء. أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الشّعبِيّ كَانَ زيد بن ثَابت يَقُول الْمكَاتب عبد مَا بقى عَلَيْهِ دِرْهَم لَا يَرث وَلَا يُورث، وَكَانَ عَليّ ﵁ يَقُول إِذا مَاتَ الْمكَاتب وَترك مَالا قسم مَا ترك على مَا أدّى وعَلى مَا بقى، فَمَا أصَاب مَا أدّى فللورثة وَمَا أصَاب مَا بَقِي فللمسلمين، وَكَانَ عبد الله يَقُول
стр. 991
يُؤَدِّي إِلَى موَالِيه مَا بَقِي من مُكَاتبَته ولورثته مَا بَقِي، وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ مثل هَذَا، وَاخْتِلَافهمْ يُوجب اشْتِبَاه الْوَلِيّ، وَالْقصاص يَنْتَفِي بِالشُّبْهَةِ (فَإِن صحت) علتي (بَطل إلحاقك) العَبْد بالمكاتب (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تصح علتي بل صحت علتك، وَهِي العبدية (منعت حكم الأَصْل فَيقْتل الْحر بِهِ) أَي بالمكاتب فَلم يَنْفَكّ الْحَنَفِيّ عَن عدم الْعلَّة فِي الْفَرْع على تَقْدِير كَونهَا الْجَهَالَة، أَو منع الحكم على تَقْدِير أَنَّهَا الرّقّ فَلَا يتم الْقيَاس على التَّقْدِيرَيْنِ (وَلَا يَتَأَتَّى) أَي لَا يَصح منع حكم الأَصْل فِي الصُّورَتَيْنِ (إِلَّا من مُجْتَهد) إِذْ لَيْسَ للمقلد مُخَالفَة إِمَامه (أَو من علم عَنهُ) أَي الْمُجْتَهد (مساواتها) أَي الْعلَّة الَّتِي أبداها فِي مقَام الِاعْتِرَاض لحكم الأَصْل فينتفى الحكم بانتفائها وَالْمرَاد مساواتها بِحَسب التحقق، وَذَلِكَ لِأَن منع حكم الأَصْل من الْمعَارض عِنْد عدم صِحَة علته مَبْنِيّ على علمه بالتلازم بَينهمَا، وَالْعلم بِهِ إِمَّا بِالِاجْتِهَادِ أَو بالتقليد للمجتهد (وَالثَّانِي) أَي مِثَال مركب الْوَصْف قَول شَافِعِيّ فِي عدم صِحَة تَعْلِيق الطَّلَاق قبل النِّكَاح بِمَا هُوَ سَبَب الْملك (فِي أَن تزوجت زَيْنَب) وَفِي بعض النّسخ فُلَانَة (فطالق) هَذَا (تَعْلِيق للطَّلَاق قبل النِّكَاح فَلَا يَصح كَقَوْلِه) أَي الْقَائِل فُلَانَة (الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق) حَيْثُ لَا يَصح حَتَّى إِذا تزَوجهَا لَا تطلق (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ (كَونه) القَوْل الْمَذْكُور (تَعْلِيقا مُنْتَفٍ فِي الأَصْل) أَي فُلَانَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا (بل تنجيزا) للطَّلَاق (فَإِن صَحَّ) كَونه تنجيزا (بَطل إلحاقك) الْفَرْع الْمَذْكُور بِالْأَصْلِ الْمَذْكُور (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَصح كَونه تنجيزا بل كَانَ تَعْلِيقا (منعت حكم الأَصْل) وَهُوَ عدم وُقُوع الطَّلَاق (فَتطلق) فُلَانَة فِي قَوْله فُلَانَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق إِذا تزَوجهَا فَلَا يتم الْقيَاس على التَّقْدِيرَيْنِ، فقد علم بذلك أَن الصُّورَتَيْنِ اشتركتا فِي أَن الأَصْل فيهمَا فرع، وَفِي أَن كل وَاحِد من المتخاصمين يعين عِلّة أُخْرَى لحكم الأَصْل، وَفِي أَن الْخصم فِي كل مِنْهُمَا يمْنَع أَولا عِلّة الْمُسْتَدلّ ويعين عِلّة أُخْرَى، ثمَّ يَقُول إِن لم تصح علتي منعت حكم الأَصْل غير أَنه يمْنَع فِي الصُّورَة الأولى علية الْمُسْتَدلّ، وَفِي الثَّانِيَة وجودهَا، ومنشأ اخْتِلَافهمَا فِي كَيْفيَّة الْمَنْع أَن الْمَذْكُور للتَّعْلِيل فِي الثَّانِيَة ذُو وَجْهَيْن بِاعْتِبَار أَحدهمَا يصلح للعلية عِنْد الْخصم كتعليق الطَّلَاق قبل النِّكَاح إِن كَانَ بِدُونِ الْإِضَافَة إِلَى الْملك يَقْتَضِي عدم وُقُوعه، وَإِن كَانَ مَعَه يَقْتَضِي وُقُوعه فيحمله الْخصم أَولا على الْوَجْه الأول وَيمْنَع وجوده فِي فُلَانَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق لِأَنَّهُ تَنْجِيز كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ، ثمَّ نقُول وَإِن لم ترض بذلك أَيهَا الْمُسْتَدلّ وَتقول أَنه تَعْلِيق أمنع الحكم فِي الأَصْل وَأَقُول تطلق لِأَنَّهُ مَعَ الْإِضَافَة وَلَيْسَ مثل هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فِي الصُّورَة الأولى فَافْتَرقَا، وَالله تَعَالَى أعلم (وَهَذَا) القَوْل الْمَذْكُور فِي الْجَواب عَن الْقيَاس الْمَذْكُور حَاصِل (مَا ذكرنَا من مَنعه) أَي الْمُعْتَرض (الْأَمريْنِ): وجود الْعلَّة فِي الأَصْل، وَحكمه (وَلَو كَانَ اخْتِلَافهمَا)
стр. 992
أَي الْمُسْتَدلّ والمعترض (ظَاهرا من الأول) أَي قبل الشُّرُوع فِي الِاسْتِدْلَال (فِيهِ) أَي فِي حكم الأَصْل (وَلَيْسَ) حكم الأَصْل (مجمعا) عَلَيْهِ مُطلقًا وَلِأَنَّهُمَا تَأْكِيد للْكَلَام السَّابِق (فحاول) الْمُسْتَدلّ (إثْبَاته) أَي حكم الأَصْل بِنَصّ (ثمَّ) إِثْبَات (علته) أَي عِلّة ذَلِك الحكم بمسلك من مسالك الْعلَّة (قيل لَا يقبل) هَذَا الأسلوب لِئَلَّا يلْزم الِانْتِقَال من مَطْلُوب إِلَى آخر، وانتشار كَلَام يُوجب تسلسل الْبَحْث الْمَانِع من حُصُول الْمَقْصُود (وَالأَصَح يقبل) أَي قَوْله (لِأَن إِثْبَات حكم الأَصْل) حِينَئِذٍ مُقَدّمَة (من مُقَدمَات دَلِيله) أَي القائس (على إِثْبَات حكم الْفَرْع) لِأَن ثُبُوت الحكم للفرع فرع ثُبُوته للْأَصْل (فَلَو لم يقبل) إِثْبَات حكم الأَصْل وَهُوَ من مُقَدمَات دَلِيله (لم يقبل) مَنعه أَي أَن يُؤْخَذ فِي الِاسْتِدْلَال (مُقَدّمَة تقبل الْمَنْع) مُطلقًا لِأَن أَخذهَا فِيهِ يسْتَلْزم إِثْبَاتهَا فَلَزِمَ الْمَحْذُور الْمَذْكُور، وَجه الاستلزام أَنَّهَا تمنع فَيجب على الْمُسْتَدلّ إِثْبَاتهَا (وَكَونه) أَي حكم الأَصْل (يَسْتَدْعِي) من الْأَدِلَّة والشرائط (كالآخر) أَي حكم الْفَرْع لكَونه حكما شَرْعِيًّا مثله فيكثر الْجِدَال، بِخِلَاف مُقَدمَات تقبل الْمَنْع فِي المناظرة فِي إِثْبَات حكم وَاحِد (لَا أثر لَهُ) أَي للكون الْمَذْكُور فِي الْفرق بعد مَا تبين أَن حكم الأَصْل صَار من مُقَدمَات دَلِيل القائس على حكم الْفَرْع، إِذْ قد تكْثر مُقَدمَات دَلِيل الْمُدَّعِي أَكثر من ذَلِك، وَفِيه تَعْرِيض لما فِي الشَّرْح العضدي (وَمَا قيل) من أَن (هَذِه اصْطِلَاحَات لَا يشاح فِيهَا) يَعْنِي أَن أَمْثَال عدم قبُول المجادلة لإِثْبَات حكم الأَصْل فِي أثْنَاء إِثْبَات حكم الْفَرْع أُمُور قد اصْطلحَ عَلَيْهَا الأصوليون فِي آدَاب المناظرة، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح على مَا ذكر فِي الشَّرْح الْمَذْكُور (غير لَازم) خبر الْمَوْصُول إِذْ لَا يلْزم اتِّبَاع مُوجبه (لمن لم يلتزمه) أَي الِاصْطِلَاح الْمَذْكُور فَلهُ أَن يعْمل بِخِلَاف ذَلِك الِاصْطِلَاح فِي مناظرته (وَلم يذكر الْحَنَفِيَّة هَذَا) الشَّرْط، وَهُوَ أَن لَا يكون حكم الأَصْل ذَا قِيَاس مركب (لبُطْلَان كَونه شرطا لحكم الأَصْل، بل) انتفاؤه شَرط (للانتهاض) وَقيام الْحجَّة للمناظرة (على المناظر) فِي المناظرة (بِهَذَا الطَّرِيق من الجدل) يَعْنِي لَيْسَ بِشَرْط فِي إِثْبَات حكم الأَصْل، بل فِي إِلْزَام الْخصم فِي إِلْحَاق الْفَرْع الْمَذْكُور فَإِن قلت فِيهِ تنَاقض لِأَن المناظرة بِهَذَا الطَّرِيق تستدعي تحقق الْقيَاس الْمركب، وَشرط الانتهاض على المناظر بِهِ يَسْتَدْعِي انتفاءه قُلْنَا المُرَاد الَّذِي هُوَ من شَأْنه أَن يناظر بِهِ، فَإِنَّهُ إِذا انْتَفَى لزم عدم قابلية الْمحل للمعارضة بِهَذَا الطَّرِيق فيعجز الَّذِي من شَأْنه عَنْهَا فَتدبر فَهِيَ مسئلة جدلية لَا أصولية (وأفادوه) أَي الْحَنَفِيَّة اشْتِرَاطه (بِاخْتِصَار) فَقَالُوا (لَا يُعلل بِوَصْف مُخْتَلف) فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا (كَقَوْل شَافِعِيّ فِي إبِْطَال الْكِتَابَة الْحَالة) كَقَوْلِك كاتبتك على ألف من غير ذكر أجل (عقد) مقول القَوْل خبر مَحْذُوف (يَصح مَعَه التَّكْفِير بِهِ) أَي بالمكاتب بِهَذَا العقد، وَالْجُمْلَة صفة عقد، وَلَو كَانَ هَذَا العقد صَحِيحا لما جَازَ أَن يكفر بِهِ عَن ظِهَار أَو غَيره مِمَّا يُوجب الْكَفَّارَة
стр. 993
لِأَنَّهُ لَا يجوز التَّكْفِير إِلَّا بِمَا هُوَ عقد حَقِيقِيّ وَالْمكَاتب لَيْسَ كَعبد يدا وَإِن كَانَ عبدا رَقَبَة (فَكَانَ بَاطِلا كالكتابة على الْخمر) إِذا كَانَ الْمكَاتب وَالْمكَاتب مُسلمين أَو أَحدهمَا مُسلما (فَحكم الأَصْل) وَهُوَ بطلَان الْكِتَابَة على الْخمر (مُتَّفق) عَلَيْهِ (لَكِن علته عِنْد الْحَنَفِيَّة كَون المَال) الَّذِي جعل بدل لكتابة وَهُوَ الْخمر (غير مُتَقَوّم، لَا مَا ذكر من صِحَة التَّكْفِير بِهِ) أَي الْمكَاتب (وَله) أَي للمستدل (إثْبَاته) أَي إِثْبَات الْوَصْف الْمُخْتَلف فِيهِ من حَيْثُ أَنه عِلّة (على مَا تقدم) من جَوَاز إِثْبَات مُقَدمَات الدَّلِيل، أَن كل مُقَدّمَة تقبل الْمَنْع مِنْهَا فإثباتها مَقْبُول. (ولبعضهم) وَهُوَ صدر الشَّرِيعَة أَنه (لَا يجوز التَّعْلِيل بعلة اخْتلف فِي وجودهَا فِي الْفَرْع أَو) فِي (الأَصْل كَقَوْل شَافِعِيّ فِي الْأَخ) هُوَ (شخص يَصح التَّكْفِير بإعتاقه فَلَا يعْتق إِذا ملكه كَابْن الْعم فَإِن أَرَادَ) الشَّافِعِي بإعتاقه (عتقه) أَي الْأَخ (إِذا ملكه) بشرَاء قصد بِهِ الْكَفَّارَة. فِي الْهِدَايَة أَن اشْترى أَبَاهُ أَو ابْنه يَنْوِي بِالشِّرَاءِ الْكَفَّارَة جَازَ عَنْهَا، فِي شرح المُصَنّف عَلَيْهَا الْحَاصِل أَنه إِذا دخل فِي ملكه بضع مِنْهُ أَن نوى عِنْد صنعه أَن يكون عتقه عَن الْكَفَّارَة أَجزَأَهُ انْتهى، فقد علم أَنه يتَحَقَّق الْملك ويعقبه الْعتْق، وَالنِّيَّة السَّابِقَة تُؤثر فِي وُقُوع الْعتْق عَن الْكَفَّارَة فقد تحقق هَاهُنَا عتق بِمُوجب الْقَرَابَة من غير إِعْتَاق بعد الْملك، فَإِن كَانَ مُرَاده هَذَا الْعتْق (فَغير مَوْجُود فِي ابْن الْعم) فَلم يتَحَقَّق بِالْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ صِحَة التَّكْفِير بِالْإِعْتَاقِ فِي الأَصْل فَإِنَّهُ إِذا اشْتَرَاهُ بنية الْكَفَّارَة لَا يجوز عَنْهَا اتِّفَاقًا (أَو) أَرَادَ (إِعْتَاقه بعده) بِأَن يصير ملكه ثمَّ يعتقهُ قصدا (فَمَمْنُوع فِي الْأَخ) أَي لَا نسلم وجود هَذَا الْوَصْف فِيهِ، إِذْ هُوَ يعْتق بِمُجَرَّد الْملك (وَذكر) الْبَعْض الْمَذْكُور (الصُّورَتَيْنِ) المذكورتين: أَن تزوجت فُلَانَة، وَعبد فَلَا يقتل بِهِ الْحر إِلَى آخرهما (ثمَّ على مَا ذكرنَا) من أَن الْأَصَح قبُول إِثْبَات حكم الأَصْل مِمَّن هُوَ بصدد إِثْبَات حكم الْفَرْع (لَهُ) أَي للمستدل هُنَا (إِثْبَاتهَا) أَي الْعلَّة الَّتِي اخْتلف فِي وجودهَا فِي الْفَرْع أَو الأَصْل، لِأَن إِثْبَاتهَا من مُقَدمَات دَلِيله على حكم الْفَرْع (وَلَيْسَ من الشُّرُوط) لحكم الأَصْل (كَونه) أَي كَون حكم الأَصْل (قَطْعِيا بل يَكْفِي ظَنّه فِيمَا) أَي فِي قِيَاس (يقْصد بِهِ) أَي بذلك الْقيَاس (الْعَمَل) فَإِن مَا يقْصد بِهِ الِاعْتِقَاد لَا يَكْفِي فِيهِ الظَّن، وَفِيه نظر لأَنهم ذكرُوا فِي العقائد مَا لَا مطمع فِيهِ للْقطع فَتدبر (وَكَون الظَّن يضعف بِكَثْرَة الْمُقدمَات) الظنية، فَإِن كل مُقَدّمَة مُشْتَمِلَة على احْتِمَال خلاف الْمُدَّعِي (لَا يسْتَلْزم الاضمحلال) أَي بطلَان الظَّن رَأْسا فَلَا يبْقى للْقِيَاس فَائِدَة غَايَة الْأَمر لُزُوم ضعفه (بل هُوَ) أَي اجْتِمَاع الظنون (انضمام مُوجب) أَي أَمر يُفِيد الظَّن بِثُبُوت الحكم (إِلَى مُوجب فِي الشَّرْع) إِشَارَة إِلَى أَن الْمُوجب الْعقلِيّ لَا يُفَارق الْمُوجب، وانضمام الْمُوجب إِلَى الْمُوجب يُوجب قُوَّة فِي الْمُوجب. (وَالْخلاف فِي كَونه) أَي حكم الأَصْل (ثَابتا بِالْعِلَّةِ عِنْد
стр. 994
الشَّافِعِيَّة) وَالْحَنَفِيَّة السمرقنديين (وبالنص عِنْد الْحَنَفِيَّة) الْعِرَاقِيّين والدبوسي والبزدوي والسرخسي وَغَيرهم (لَفْظِي) عِنْد تَحْقِيق مُرَادهم يرجع إِلَى أَمر يُوهِمهُ ظَاهر لَفظهمْ، وَلَا نزاع بَينهم بِحَسب الْمَعْنى والحقيقة (فمراد الشَّافِعِيَّة) من علية الْوَصْف (أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (الباعثة عَلَيْهِ) أَي على شرع الحكم فِي الأَصْل، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون عِلّة غائية فَيلْزم استكمال الشَّارِع بهَا بل هِيَ الْحِكْمَة الْمُقْتَضِيَة للتشريع (و) مُرَاد (الْحَنَفِيَّة) من ثُبُوت الحكم بِالنَّصِّ (أَنه) أَي النَّص إِنَّمَا هُوَ (الْمُعَرّف) لِلْعِلَّةِ الباعثة لِأَنَّهَا تستنبط مِنْهُ (وَلَا يتَأَكَّد فِي ذَلِك) أَي مرادي الْفَرِيقَيْنِ (وَكَيف) يَصح إِرَادَة أَنَّهَا تثبت الحكم (وَقد تكون) الْعلَّة (ظنية) بِاعْتِبَار عليتها لَهُ لعدم مَا يُفِيد الْقطع بهَا، أَو بِاعْتِبَار وجودهَا فِيهِ (وَحكم الأَصْل قَطْعِيّ) لثُبُوته بِنَصّ أَو إِجْمَاع قَطْعِيّ، والظني لَا يُوجب الْقطع، وَعَن السُّبْكِيّ إِنْكَار تَفْسِير الْعلَّة بالباعث، وتفسيرها بالمعرف بِمَعْنى كَونهَا أَمارَة مَنْصُوبَة يسْتَدلّ بهَا الْمُجْتَهد على وجود الحكم إِذا لم يكن عَارِفًا بِهِ، وَيجوز أَن يتَخَلَّف فِي حق الْعَارِف كالغيم الرطب أَمارَة للمطر وَقد يتَخَلَّف، الاسكار مثلا عِلّة للتَّحْرِيم فَهُوَ حَيْثُ وجده قضى بِالتَّحْرِيمِ مَعَ أَنه يعرف تَحْرِيمهَا بِالنَّصِّ، كَذَا ذكره الشَّارِح فِي إطناب غير منقح، وَكَانَ مُرَاد السُّبْكِيّ أَن تَحْرِيم الْخمر على وَجه الْإِطْلَاق يعرفهُ بِالنَّصِّ، ووجوده فِي الخصوصات يعرفهُ بالإسكار، فَعلمه بِأَن تَحْرِيم الْخمر بِسَبَب الْإِسْكَار وَقد يعرفهُ فِي بعض الخصوصات بِدُونِ الْإِسْكَار لاطلاعه على النَّص الدَّال على تَحْرِيم الْخمر وَعلمه بِأَنَّهَا خمر، فالتخلف هَاهُنَا من جَانب الأمارة على عكس الْغَيْم الرطب، فَإِن التَّخَلُّف فِيهِ من جَانب ذِي الأمارة وَبِالْجُمْلَةِ لم يعْتَبر فِي الْمُعَرّف الطَّرْد وَالْعَكْس كَمَا قَالَ بعض المنطقيين من أَنه يجوز التَّعْرِيف بالأعم والأخص.
وَأَنت خَبِير بِأَن مَا ذكره المُصَنّف أقرب إِلَى التَّحْقِيق (وَمن شُرُوط الْفَرْع) أَي من شُرُوط الْقيَاس الْمُعْتَبر وجودهَا فِي جَانب الْفَرْع الْمُعَرّف (لبَعض الْمُحَقِّقين) كَابْن الْحَاجِب (أَن يُسَاوِي) الْفَرْع (الأَصْل فِيمَا علل بِهِ حكمه) أَي الأَصْل (من عين) بَيَان للموصول: أَي يُسَاوِي الْفَرْع الأَصْل فِي عين الْعلَّة بِأَن تُوجد بِعَينهَا فِي الْفَرْع كَمَا وجدت فِي الأَصْل (كالنبيذ) أَي كمساواة النَّبِيذ (للخمر فِي الشدَّة المطربة) اللَّازِمَة للإسكار، وَلذَا يُفَسر بهَا (وَهِي) أَي الشدَّة المطربة (بِعَينهَا مَوْجُودَة فِي النَّبِيذ، أَو جنس) لِلْعِلَّةِ مَعْطُوف على عين وَعند ذَلِك مَا يقْصد مُسَاوَاة الْفَرْع للْأَصْل فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الْجِنْس كَمَا أَنه الْعين فِي الأول (كالأطراف) وَهِي الْفَرْع (على الْقَتْل) وَهُوَ الأَصْل (فِي الْقصاص بِالْجِنَايَةِ) وَالْمرَاد إِتْلَاف الْأَطْرَاف قِيَاسا (على إِتْلَاف النَّفس) بِجَامِع الْجِنَايَة الْمُشْتَركَة بَينهمَا فَإِنَّهَا جنس للجناية المحققة فِي إِتْلَاف النَّفس والأطراف، وهما مُخْتَلِفَانِ بِالْحَقِيقَةِ (وَفِيمَا يقْصد) مَعْطُوف على الْمَوْصُول: أَي وَمن شُرُوط الْفَرْع أَن يُسَاوِي الأَصْل فِيمَا يقْصد الْمُسَاوَاة
стр. 995
بَين الْفَرْع وَالْأَصْل (من عين الحكم) بَيَان لما يقْصد (كَالْقَتْلِ بالمثقل) الْمَقِيس (عَلَيْهِ) أَي على الْقَتْل بالمحدد فِي الْقصاص فَإِن الْقَتْل الْكَائِن فِي الْفَرْع بِعَيْنِه هُوَ الْكَائِن فِي الأَصْل، وَفِي إِطْلَاق عين الحكم على الْقصاص مُسَامَحَة، لِأَن الحكم فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ وجوب الْقصاص (أَو جنسه) أَي جنس الحكم (كالولاية) أَي كثبوت الْولَايَة (على الصَّغِيرَة فِي انكاحها) مُتَعَلق بِالْولَايَةِ المقيسة (على) ثُبُوت الْولَايَة عَلَيْهَا فِي (مَالهَا) فَإِن ولَايَة الانكاح من جنس ولَايَة المَال لَا عينهَا، كَذَا قَالُوا. (و) قَالَ المُصَنّف (لَا معنى للتقسيم) فِي كل من هذَيْن الشَّرْطَيْنِ (أما فِي الْعلَّة فَلَا نعني بِالْعينِ) أَي بِعَين الْعلَّة (إِلَّا مَا علل بِهِ) فِي الْقيَاس (حكم الأَصْل) وَلَا شكّ أَنما علل بِهِ نفس الْجِنْس لَا نَوعه، وَإِلَّا فَلَا يَصح الْقيَاس، لِأَنَّهُ لَا بُد من مُشَاركَة الْفَرْع وَالْأَصْل فِي عين الْعلَّة (وَكَونه) أَي كَون مَا علل بِهِ (جِنْسا لشَيْء) مُتَحَقق فِي الأَصْل، وَشَيْء آخر مُتَحَقق فِي الْفَرْع (لَا يُوجب أَن الْعلَّة جنس الْوَصْف) لِأَن الْوَصْف وَالْعلَّة شَيْء وَاحِد لَا مُغَايرَة بَينهمَا (فالجناية على الذَّات) احْتِرَاز عَن الْجِنَايَة على المَال والذات تعم الْكل والجزء (عين مَا علل بِهِ) حكم الأَصْل (لَا جنس مَا علل بِهِ) كَمَا عرفت (وَإِن كَانَ هُوَ) أَي الْجِنَايَة الْمَذْكُورَة، ذكر الضَّمِير بِاعْتِبَار الْخَبَر (جنس جِنَايَة الْقَتْل. وَأما الحكم فَلَيْسَ المعدى قطّ) من الأَصْل إِلَى الْفَرْع، وَهُوَ (جنس حكم الأَصْل بل عينه) وَقد سبق مَا يُغْنِيك عَن زِيَادَة الْبَيَان (فَالْمَال الأَصْل، وَالنَّفس الْفَرْع، وَحكم الأَصْل ثيوت الْولَايَة) الْمُطلقَة عَن قيد النَّفس وَالْمَال (فيعدى) أَي ثُبُوت الْولَايَة بِعَيْنيهِ من المَال (إِلَى النَّفس، وَقَوله) أَي بعض الْمُحَقِّقين هَا هُنَا (وَهِي بِعَينهَا الخ) حَال كَونه (يُنَاقض مَا قدمه) فِي أول بحث الْقيَاس (من الْمثل) أَي الثَّابِت فِي الْفَرْع مثل عِلّة الأَصْل لَا عينهَا لِأَن الْمَعْنى الشخصي لَا يقوم بمحلين (رَجَعَ إِلَى الصَّوَاب) خبر المتبدأ، فِيهِ تَعْرِيض بِأَن قَوْله رَجَعَ إِلَى الصَّوَاب لَا نَفسه، هَذَا، وَلَا يخفى عَلَيْك سَعَة ميدان التَّوْجِيه إِن حصلت الْعِنَايَة (وَأَن لَا يتَغَيَّر فِيهِ) أَي وَمن شُرُوط الْفَرْع أَن لَا يتَغَيَّر فِي الْفَرْع، وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله أَن يُسَاوِي (حكم نَص أَو إِجْمَاع على حكم الأَصْل) الْجَار مُتَعَلق من حَيْثُ الْمَعْنى بِالْإِجْمَاع وَالنَّص على سَبِيل التَّنَازُع أعمل الثَّانِي، وَقدر فِي الأول: أَي نَص دَال على حكم الأَصْل، يَعْنِي إِذا كَانَ هُنَاكَ نَص دَال أَو إِجْمَاع على حكم الأَصْل على وَجه وَكَيْفِيَّة من الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَغير ذَلِك، وَقد تحقق فِي الأَصْل فَلَا بُد أَن يتَحَقَّق ذَلِك فِي الْفَرْع على ذَلِك الْوَجْه أَيْضا (كظهار الذِّمِّيّ) الْمَقِيس (على) ظِهَار (الْمُسلم فِي الْحُرْمَة) على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الْفِقْه (فَإِن المعدى) من الأَصْل وَهُوَ ظِهَار الْمُسلم إِلَى الْفَرْع وَهُوَ ظِهَار الذِّمِّيّ (غير حكم الأَصْل وَهِي) أَي حكم الأَصْل، أنثه بِاعْتِبَار الْخَبَر (الْحُرْمَة المتناهية بِالْكَفَّارَةِ) المتضمنة لِلْعِبَادَةِ (إِذْ لَا عبَادَة) تصح (مِنْهُ) أَي الذِّمِّيّ لعدم الْإِيمَان، تَعْلِيل للتغير الْمَذْكُور
стр. 996
(فالحرمة فِي الْفَرْع مُؤَبّدَة) لعدم انتهائها بِالْكَفَّارَةِ لما ذكر فَإِن قيل فَلَا يُقَاس ظِهَار العَبْد على ظِهَار الْحر أَيْضا، لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْإِعْتَاق وَالْإِطْعَام كَمَا فِي الْحر فقد تغير فِي الْفَرْع حكم النَّص الدَّال على حكم الأَصْل لما فِيهِ من تَرْتِيب خِصَال الْكَفَّارَة فَالْجَوَاب مَا أَفَادَهُ المُصَنّف بقوله (بِخِلَاف العَبْد) فَإِنَّهُ (أهل) لِلْكَفَّارَةِ إِلَّا أَنه (عَاجز) عَن التَّكْفِير بِالْمَالِ لانْتِفَاء الْملك (كالفقير) أَي الْحر الْعَاجِز عَن ذَلِك، فَكَمَا صَحَّ ظِهَار الْفَقِير صَحَّ ظِهَار العَبْد الْمُسلم حَتَّى لَو عتق وَأصَاب مَالا كَانَت كَفَّارَته بِالْمَالِ فَإِن قلت فَكَذَلِك الذِّمِّيّ أَن أسلم صَار أَهلا وَالْحَاصِل أَنكُمْ إِن اعتبرتم الْأَهْلِيَّة بِالْفِعْلِ فَقَط فَهِيَ مفقودة فيهمَا مَعًا، وَإِن عممتم فَلَا فرق بَينهمَا أَيْضا قلت بل بَينهمَا فرق، لِأَن الذِّمِّيّ لَا أَهْلِيَّة لَهُ لِلْكَفَّارَةِ مُطلقًا، بِخِلَاف العَبْد فَإِن لَهُ أَهْلِيَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض أَنْوَاعهَا، على أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على عدم الْفرق بَين الْمُسلم الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِي صِحَة الظِّهَار بِخِلَاف الذِّمِّيّ (أَو على غَيره) عطف على حكم الأَصْل: أَي وَأَن لَا يتَغَيَّر فِي الْفَرْع حكم نَص أَو إِجْمَاع على غير حكم الأَصْل لِئَلَّا يلْزم إبِْطَال النَّص أَو الْإِجْمَاع بِالْقِيَاسِ (فَبَطل قِيَاس تمْلِيك الطَّعَام على) تمْلِيك (الْكسْوَة) فِي وُجُوبه عينا (فِي الْكَفَّارَة) لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يتَغَيَّر فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ تمْلِيك الطَّعَام حكم النَّص الَّذِي يدل على حكم هُوَ وجوب الطَّعَام مَعَ عدم التَّعْيِين، وَلَا شكّ أَنه غير حكم الأَصْل (فَإِنَّهُ فِي الْفَرْع) أَي فَإِن حكم النَّص فِي الْإِطْعَام (أَعم من الْإِبَاحَة وَالتَّمْلِيك) لِأَن الْإِطْعَام الْمَنْصُوص أَعم مِنْهُمَا بِحَسب اللُّغَة إِذْ هُوَ جعل الْغَيْر طاعما، لِأَنَّهُ فعل مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ، لَازمه ومطاوعه طعم، وَذَلِكَ يحصل بالتمكين من الطَّعَام على أَي وَجه كَانَ، فالتغيير بِغَيْر (وَالسّلم الْحَال) أَي وَبَطل قِيَاس السّلم الْغَيْر الْمُؤَجل فِي الْحَال (بالمؤجل) أَي عَلَيْهِ (لِأَن حكم الأَصْل، وَهُوَ السّلم الْمُؤَجل اشْتَمَل على جعل الْأَجَل خلفا عَن ملك الْمُسلم فِيهِ) للْمُسلمِ إِلَيْهِ (وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ) أَي الْمُسلم فِيهِ لِأَن من شُرُوط جَوَاز البيع كَون الْمَبِيع مَوْجُودا مَمْلُوكا للْبَائِع أَو مُوكله، فَلَمَّا رخص الشَّارِع فِي السّلم بِصِيغَة الْأَجَل الْمَعْلُوم علمنَا أَنه أَقَامَ الْأَجَل الَّذِي هُوَ سَبَب الْقُدْرَة الْحَقِيقِيَّة عَلَيْهِ مقَامهَا، وفوات الشَّيْء إِلَى خلف كلا فَوَات (وَإِن) كَانَ الْمُسلم فِيهِ (عِنْده) أَي الْمُسلم إِلَيْهِ (بِنَاء على كَونه) أَي الْمُسلم فِيهِ (مُسْتَحقّا لحَاجَة أُخْرَى) فَيكون بِمَنْزِلَة الْعَدَم كَالْمَاءِ الْمُسْتَحق للشُّرْب فِي جَوَاز التَّيَمُّم (والإقدام) على الْإِسْلَام (دَلِيله) أَي كَونه مُسْتَحقّا لَهَا، وَإِلَّا لباعه فِي الْحَال بأوفر ثمن (بِدَلِيل النَّص على الْأَجَل) وَهُوَ قَوْله ﷺ إِلَى أجل مَعْلُوم الْجَار مُتَعَلق بقوله اشْتَمَل، كَأَنَّهُ قيل من أَيْن لكم أَن حكم الأَصْل مُشْتَمل على جعل الْأَجَل خلفا عَن الْملك وَالْقُدْرَة، فَأجَاب بِهِ فَإِن قلت: النَّص دلّ على اعْتِبَار الْأَجَل لَا مَا ذكرت من الخلفية قلت: لما كَانَ اشْترط الْملك وَالْقُدْرَة أَمر مقررا فِي البيع مُطلقًا وَوجدنَا
стр. 997
فِي النَّص مَا يصلح لِأَن يكون بَدَلا عَنْهُمَا عرفنَا أَن الْمَقْصُود من اشْتِرَاطه ذَلِك (وَهُوَ) أَي جعل الْأَجَل خلفا الخ (مُنْتَفٍ من) السّلم (الْحَال) قيل: يلْزم من هَذَا تَغْيِير حكم الأَصْل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْفَرْع، لَا تَغْيِير حكم نَص على غير حكم الأَصْل وَأجِيب بِأَنَّهُ فِيهِ تَغْيِير حكم نَص آخر أَيْضا، وَهُوَ نَهْيه ﷺ عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان فَهُوَ يصلح مِثَالا لكل من الْقسمَيْنِ (وَلَا يخفى أَنه) أَي الشَّرْط الْمَذْكُور (بِالذَّاتِ شَرط التَّعْلِيل، لَا) شَرط (حكم الْفَرْع، ويستلزم) انتفاؤه (التَّغَيُّر فِي الْفَرْع) فَإِن قيل جوزتم دفع قيمَة الْوَاجِب فِي الزَّكَاة قِيَاسا على الْعين، وَصرف الزَّكَاة إِلَى صنف وَاحِد قِيَاسا على صرفهَا إِلَى الْكل بعلة دفع الْحَاجة، وَفِيه تَغْيِير لحكم النَّص الدَّال على وجوب عين الشَّاة، وَالدَّال على كَونهَا جَمِيع الْأَصْنَاف قُلْنَا: تَغْيِير النصين مَمْنُوع كَمَا سبق فِي أَوَاخِر التَّقْسِيم الثَّانِي للمفرد بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَتقدم دفع النَّقْض بِدفع الْقيم) وَكَذَا تقدم دَفعه فِي جَوَاز دفع الزَّكَاة لصنف وَأورد أَيْضا بِأَنَّهُ ثَبت وجوب اسْتِعْمَال المَاء فِي تَطْهِير الثَّوْب من النَّجَاسَة بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقد جوزتم إِزَالَتهَا بِكُل مَائِع طَاهِر قالع سوى المَاء فَفِيهِ تَغْيِير النَّص، فَأجَاب بقوله (وإلحاق غير المَاء بِهِ) أَي بِالْمَاءِ فِي إِزَالَة النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة إِنَّمَا هُوَ (للْعلم بِأَن الْمَقْصُود) للشارع من الْأَمر بِغسْل الثَّوْب (الْإِزَالَة) للنَّجَاسَة (لَا الِاسْتِعْمَال) للْمَاء من حَيْثُ هُوَ (وَإِن نَص على المَاء فِي قَوْله: واغسليه بِالْمَاءِ للاكتفاء بِقطع محلهَا (أَي النَّجَاسَة تَعْلِيل للْعلم بِالْمَقْصُودِ: أَي للْإِجْمَاع على الِاكْتِفَاء عَن اسْتِعْمَال المَاء بِقطع محلهَا فِي إِسْقَاط الْوَاجِب، وَلَو كَانَ اسْتِعْمَاله وَاجِبا لعَينه لم يسْقط بذلك (فيتعدى) هَذَا الحكم وَهُوَ طَهَارَة الثَّوْب (إِلَى كل مزيل) الخ، وَإِنَّمَا نَص على المَاء، لِأَنَّهُ الْغَالِب فِي الِاسْتِعْمَال مَعَ مَا فِيهِ من الْيُسْر (بِخِلَاف) إِزَالَة (الْحَدث) بالمائع الْمَذْكُور، وَجَوَاب سُؤال، وَهُوَ أَنه: جوزتم إِزَالَة النَّجَاسَة عَن الثَّوْب بالمائع الْمَذْكُور لكَون مَقْصُود الشَّارِع إِزَالَة النَّجَاسَة وَهِي حَاصِلَة بِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يجوز إِزَالَة الْحَدث بِهِ أَيْضا، لِأَن مَقْصُوده إِزَالَة تِلْكَ النَّجَاسَة الْحكمِيَّة. فَأجَاب بِمَا حَاصله أَن إِزَالَة الْحَدث غير مَعْقُول الْمَعْنى كإزالة النَّجَاسَة عَن الثَّوْب إِذْ (لَيْسَ) الْحَدث (أمرا محققا) مَوْجُودا فِي الْخَارِج مَعَ قطع النّظر عَن اعْتِبَار الشَّرْع (يزَال) بِالْمَاءِ كالنجاسة على الثَّوْب وَالْبدن (بل) هُوَ (اعْتِبَار) شَرْعِي اعْتَبرهُ قَائِما بالأعضاء ثمَّ (وضع المَاء لقطعه) فَهُوَ أَمر تعبدي، وَإِلَّا فالماء إِنَّمَا يزِيل الأجرام الحسية لَا الْأُمُور المعنوية (فاقتصر حكمه) أَي حكم الْقطع الْمَذْكُور (على مَا علم قطع الشَّارِع اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار الْحَدث (عِنْده) وَهُوَ اسْتِعْمَال المَاء، وَلَا يُقَاس الْمَائِع الآخر عَلَيْهِ فِي هَذَا، فَإِن الطَّهَارَة على خلاف الْقيَاس لما ذكر، وَقيل الْقيَاس أَن يَتَنَجَّس المَاء بِمُجَرَّد ملاقاة النَّجَاسَة فَتخلف النَّجَاسَة البلة النَّجِسَة، وَكَذَا فِي الْمرة الثَّانِيَة وهلم جرا. وَأجِيب بِأَن الشَّارِع أسقط
стр. 998
هَذَا لتتحقق إِزَالَة النَّجَاسَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِذ سقط التنجس بالملاقاة فِيهِ) أَي فِي المَاء (لتحَقّق الْإِزَالَة سقط) التنجس بالملاقاة (فِي غَيره) أَي غير المَاء من الْمَائِعَات (لذَلِك) أَي لتحَقّق الْإِزَالَة، والاشتراك فِي الْعلَّة يُوجب الِاشْتِرَاك فِي الحكم. (وَمَا يُقَال) من أَن (فِي المَاء) سقط مُقْتَضى الْقيَاس الْمَذْكُور وَهُوَ التنجس بالملاقاة (للضَّرُورَة) بِخِلَاف غَيره لعدم الضَّرُورَة (أَن أُرِيد ضَرُورَة الْإِزَالَة فَكَذَا فِي غَيره) سقط مُقْتَضَاهُ فِي غَيره من سَائِر الْمَائِعَات لتِلْك الضَّرُورَة، وَفِيه أَن حَقِيقَة الضَّرُورَة اسْتِحَالَة الْإِزَالَة عِنْد عدم السُّقُوط، وَهِي لَا تُوجد فِي غير المَاء لاندفاع الضَّرُورَة بِهِ فَتدبر (أَو) أُرِيد (أَنه لَا يزِيل سواهُ) أَي المَاء حسا (فَلَيْسَ) هَذَا المُرَاد (وَاقعا) وَهُوَ ظَاهر (أَو لَا يزِيل) النَّجَاسَة غَيره: أَي غير المَاء (شرعا فَمحل النزاع) فَعلم أَنه لَا وَجه لما يُقَال، وَقد يُقَال أَن الْخصم إِن كَانَ مستدلا فَجعله الشَّارِع فِيهِ عِلّة الحكم غير صَحِيح، وَأما إِذا كَانَ مَانِعا فَيجوز أَن يَجْعَل سندا لمنع وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع، وَحَاصِله لم لَا يجوز أَن تكون الْعلَّة هَكَذَا وَلَا يضرّهُ عدم تَسْلِيم الْخصم إِيَّاه (وَأَن لَا يتَقَدَّم) حكم الْفَرْع بالشرعية (على حكم الأَصْل) أَي وَمن شُرُوط الْفَرْع هَذَا (كَالْوضُوءِ) إِذا قيس (فِي وجوب النِّيَّة) فِيهِ (على التَّيَمُّم) بِجَامِع أَن كلا مِنْهُمَا تَطْهِير حكمي، لِأَن شَرْعِيَّة الْوضُوء قبل شَرْعِيَّة التَّيَمُّم، إِذْ شرع الْوضُوء قبل الْهِجْرَة، وَالتَّيَمُّم بعْدهَا (لثُبُوته) أَي حكم الْفَرْع: أَي الْوضُوء من (قبل علته) أَي قبل ثُبُوت علته لِأَنَّهَا مستنبطة من حكم الأَصْل الْمُتَأَخر (إِلَّا) أَن يكون (إلزاما بِمَعْنى لَا فَارق) الِاسْتِثْنَاء إِمَّا مُنْقَطع، وَالْمعْنَى قِيَاس الْوضُوء على التَّيَمُّم لَا يَصح لما ذكر لَكِن إِن لم يكن الِاسْتِدْلَال بطرِيق الْإِلْزَام على الْخصم يَصح، تَقْرِيره أَن النِّيَّة فِي التَّيَمُّم وَاجِبَة إِجْمَاعًا، وَقد اعترفتم بِعَدَمِ الْفرق بَين الْوضُوء وَالتَّيَمُّم كل مِنْهُمَا طَهَارَة حكمِيَّة وَلم يخْتَص كل شَيْء مِنْهُمَا بخصوصية لَا تُوجد فِي الآخر، فَلَزِمَ عَلَيْكُم الِاعْتِرَاف بِوُجُوب النِّيَّة فِي الْوضُوء أَيْضا وَإِلَّا لاختص التَّيَمُّم بخصوصية لم تُوجد فِي الْوضُوء، وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض، وَإِمَّا مُتَّصِل، وَالْمعْنَى لَا يسْتَدلّ بِوُجُوب النِّيَّة فِي التَّيَمُّم على وُجُوبهَا فِي الْوضُوء بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَّا بطرِيق الْإِلْزَام (وأبدل متأخرو الْحَنَفِيَّة هَذَا) الشَّرْط (بِأَن يكون) الْفَرْع (نَظِيره) أَي مثل الأَصْل فِي الْوَصْف الَّذِي تعلق بِهِ الحكم فِي الأَصْل بِأَن يُوجد مثل ذَلِك فِي الْفَرْع من غير تفَاوت (وَلَيْسَ الْوضُوء نَظِيره) أَي التَّيَمُّم (لِأَنَّهُ) أَي الْوضُوء (مطهر فِي نَفسه: أَي منظف) فسره لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد من الطَّهَارَة الْمَعْنى الْمُتَنَازع، فتلزم المصادرة على الْمَطْلُوب، بل المُرَاد التَّنْظِيف من الأخباث والأوساخ (وَالتَّيَمُّم ملوث، اعْتبر مطهرا شرعا عِنْد قصد أَدَاء الصَّلَاة، وَهُوَ) أَي قصد أَدَائِهَا (النِّيَّة) الْوَاجِبَة فِيهِ (فَلَا يلْزم فِيمَا هُوَ مطهر فِي نَفسه منظف قصر طَهَارَته شرعا على
стр. 999
ذَلِك الْقَصْد) أَي قصد أَدَاء الصَّلَاة حَتَّى لَا تستباح بِهِ إِلَّا مَعهَا (وَحَاصِله) أَي حَاصِل هَذَا الْمَنْع (فرق) بَين الْمَقِيس والمقيس عَلَيْهِ (من جِهَة الْآلَة الَّتِي يُقَام بهَا الفعلان) الْوضُوء وَالتَّيَمُّم وَهِي المَاء، الْمُطلق والصعيد الطَّاهِر (وَتجوز بِالْوضُوءِ فِي المَاء) وبالتيمم فِي التُّرَاب، يَعْنِي ذكر الْوضُوء فِي قَوْلهم الْوضُوء مطهر وَالتَّيَمُّم ملوث (كَمَا يفِيدهُ التَّعْلِيل) فَإِنَّهُ صرح فِيهِ بقوله من جِهَة الْآلَة إِلَى آخِره، بعد ذكر التَّنْظِيف والتلويث. وَلما نفى الْمُعْتَرض كَون الْوضُوء نَظِير التَّيَمُّم فِيمَا علل بِهِ وجوب النِّيَّة فِيهِ. وَهُوَ كَونه ملوثا فَإِنَّهُ منظف فِي نَفسه أجَاب المُصَنّف عَن الْمُسْتَدلّ بِبَيَان عدم كَونه ملوثا فِي وُجُوبهَا لكَونه فِي ذَلِك اعْتِبَارا شَرْعِيًّا يَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تنظيف الْآلَة وتلويثها فَقَالَ (وَأَنت تعلم أَن التَّعْدِيَة) هُنَا (لحكم شَرْعِي هُوَ اشْتِرَاط النِّيَّة لثُبُوت التَّطْهِير بِالتُّرَابِ). ثمَّ فسر التَّطْهِير بقوله (أَي رفع المانعية الشَّرْعِيَّة) من قرْبَان الصَّلَاة وَنَحْوهَا الْقَائِمَة بالأعضاء (لَا) أَن التَّعْدِيَة (لوصف طبيعي) للمقيس عَلَيْهِ: أَي لَا لثُبُوت وصف طبعي المَاء وَالتُّرَاب من حَيْثُ الْإِفْضَاء إِلَى ذَلِك الثُّبُوت (وَالْمَاء كالتراب فِي ذَلِك) أَي فِي رفع المانعية الشَّرْعِيَّة فَكَمَا أَن الرّفْع الْمَذْكُور بِسَبَب اسْتِعْمَال التُّرَاب لَيْسَ مَعْقُول الْمَعْنى، فَكَذَلِك سَبَب اسْتِعْمَال المَاء لَيْسَ مَعْقُول الْمَعْنى (وَقد شَرط الشَّرْع فِي ذَلِك) أَي الرّفْع الْمَذْكُور (النِّيَّة) فِي اسْتِعْمَال التُّرَاب (فَكَذَا المَاء، وَكَونه) أَي المَاء (لَهُ وصف اخْتصَّ بِهِ طبيعي هُوَ إِزَالَة القذر والتنظيف لَا دخل لَهُ فِي الحكم) الْمَذْكُور: أَي اشْتِرَاط النِّيَّة لرفع المانعية (وَلَا الْجَامِع) بَين الْمَقِيس والمقيس عَلَيْهِ: وَهُوَ الطَّهَارَة الْحكمِيَّة مَعْطُوف على الحكم (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (عِنْد قصد الصَّلَاة تجوز) بِالصَّلَاةِ (عَن قربَة مَقْصُودَة لذاتها) أَي مَشْرُوعَة ابْتِدَاء يعقل فِيهَا معنى الْعِبَادَة (لَا تصح إِلَّا بِالطَّهَارَةِ) فَدخل التَّيَمُّم لسجدة التِّلَاوَة كَمَا هُوَ الصَّحِيح، وَخرج التَّيَمُّم لمس الْمُصحف لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعبَادة مَقْصُودَة لذاتها، وَالتَّيَمُّم لِلْإِسْلَامِ وَالسَّلَام، لِأَن كلا مِنْهُمَا وَإِن كَانَ عبَادَة مَقْصُودَة لذاتها لكنه يَصح بِدُونِ الطَّهَارَة (وَيُمكن دَفعه) أَي دفع هَذَا الْبَحْث الْمَذْكُور بقوله: وَأَنت تعلم إِلَى آخِره (بِمَنْع المثلية) بَين المَاء وَالتُّرَاب: بِأَن يُقَال (بل جعل) المَاء (مزيلا بِنَفسِهِ) أَي بطبعه (شرعا) للمانعية (كالخبث) أَي كإزالته الحسية للخبث عملا (باطلاق - ليطهركم بِهِ) سَوَاء قرن تَطْهِيره بِالنِّيَّةِ أَولا، بِخِلَاف التُّرَاب فَإِنَّهُ لم يَجعله رَافعا لتِلْك المانعية شرعا إِلَّا بِالْقَصْدِ، إِذْ طبعه ملوث ومغير فَلَا مثلية (وَإِذن يبطل) قَول الْخصم (لَا فَارق) بَين التَّيَمُّم وَالْوُضُوء للْفرق بَينهمَا بِاعْتِبَار الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد (وَأَن لَا ينص على حكمه مُوَافقا) أَي وَمن شُرُوط الْفَرْع أَن لَا يكون حكمه مَنْصُوصا عَلَيْهِ حَال كَون ذَلِك الحكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ مُوَافقا لما يَقْتَضِيهِ الْقيَاس (إِذْ لَا حَاجَة) حِينَئِذٍ إِلَى الْقيَاس لثُبُوت حكم الْفَرْع مِمَّا هُوَ أقوى: نقل هَذَا الشَّرْط عَامَّة أَصْحَابنَا
стр. 1000
كالجصاص وَأبي زيد وفخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة، وَبِه قَالَ الْغَزالِيّ والآمدي (وَاعْترض على هَذَا الشَّرْط (بِأَن وجوده) أَي النَّص الْمَذْكُور (لَا يُنَافِي صِحَّته) أَي صِحَة الْقيَاس (وَلذَا) أَي لعدم الْمُنَافَاة (لم يشرطه) أَي الشَّرْط الْمَذْكُور (مَشَايِخ سَمَرْقَنْد) بل شرطُوا أَن لَا يثبت الْقيَاس زِيَادَة على النَّص، وَقيل هَذَا القَوْل أشبه فَإِن فِيهِ تَأْكِيد النَّص، وَلَا مَانع شرعا وعقلا من تعاضد الْأَدِلَّة وتأكيد بَعْضهَا بِبَعْض (وَكثير) بل نَقله الرَّازِيّ عَن الْأَكْثَرين. وَنقل عَن الشَّافِعِي جَوَازه سَوَاء لم يثبت زِيَادَة لم يتَعَرَّض لَهَا النَّص أَو أثبت لاحْتِمَال النَّص الْبَيَان، ورد بِأَن إِثْبَات زِيَادَة كَذَا بِمَنْزِلَة النّسخ، فَإِن مُوجب النَّص أَن الْعَمَل بِمُجَرَّد مَا تنَاوله النَّص كَاف فِي بَرَاءَة الذِّمَّة سَوَاء كَانَ مَقْرُونا مَعَ تِلْكَ الزِّيَادَة أَولا، وَالْقِيَاس يبطل إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ، وَإِمَّا أَنه لَا ينص على حكم الْفَرْع مُخَالفا فَهُوَ إجماعي، وَمن شُرُوط حكم الْفَرْع أَيْضا مَا أَفَادَهُ بقوله (وَعدم الْمعَارض الرَّاجِح أَو المساوى فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع يُوجب غير ذَلِك الحكم، فِيهِ ظرف للوجود الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعَدَم، وَيجوز أَن يكون ظرفا للعدم (لعِلَّة الأَصْل) مُتَعَلق بالمعارض فَهِيَ الْمعَارض بزنة اسْم الْمَفْعُول. ثمَّ بَين الْمُعَارضَة بقوله (بِثُبُوت وصف فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع (يُوجب غير ذَلِك الحكم فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع (إِلْحَاقًا بِأَصْل آخر، وَإِلَّا) وَإِن لم يشْتَرط ذَلِك (ثَبت حكم الْمَرْجُوح فِي مُقَابلَة الرَّاجِح) فِيمَا إِذا كَانَ فِي الْفَرْع معَارض رَاجِح (أَو) ثَبت (التحكم فِيمَا إِذا كَانَ فِيهِ معَارض مسَاوٍ (وَحَقِيقَته) أَي هَذَا الشَّرْط (أَنه شَرط إِثْبَات الحكم بِالْعِلَّةِ، لَا شَرط تحققها عِلّة لِأَن وجوده) أَي الْمعَارض (لَا يبطل شهادتها) أَي الْعلَّة، إِذْ الْمُنَاسبَة لَا تَزُول بالمعارضة كَالشَّهَادَةِ إِذا عورضت بِأُخْرَى، فَإِنَّهُ لَا يبطل إِحْدَاهمَا حَتَّى إِذا ترجحت بمرجح لم يحْتَج إِلَى الْإِعَادَة. (وَمِنْهَا) مَا عزى (لأبي هَاشم كَون حكمه) أَي الْفَرْع (ثَابتا بِالنَّصِّ جملَة وَالْقِيَاس) احْتِيجَ إِلَيْهِ (لتفصيله) أَي ذَلِك الْمُجْمل (كثبوت حد الْخمر) من غير تَقْدِير بِعَدَد معِين عَن الشَّارِع كَمَا يفِيدهُ الصحيحان وَغَيرهمَا (فَيتَعَيَّن عدده) ثَمَانِينَ (بِالْقِيَاسِ على حد الْقَذْف) كَمَا تقدم تَخْرِيجه عَن عَليّ وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵄ فِي مسئلة: لَا إِجْمَاع إِلَّا عَن مُسْتَند، وَيَأْتِي الْجَواب عَنهُ كَمَا فِي مسئلة الْحَنَفِيَّة لَا يثبت بِهِ الْحُدُود (ورد) اشْتِرَاط هَذَا (بِأَنَّهُم قاسوا) قَوْله لزوجته (أَنْت عَليّ حرَام تَارَة على الطَّلَاق فَيَقَع، وَتارَة على الظِّهَار فالكفارة) أَي فَحكمه الْكَفَّارَة حِينَئِذٍ (وعَلى الْيَمين فإيلاء) أَي فَالْقَوْل الْمَذْكُورَة إِيلَاء وعَلى هَذَا التَّقْدِير (فَيثبت حكمه) أَي الْإِيلَاء (وَلَا نَص فِي الْفَرْع أصلا) لَا جملَة وَلَا تَفْصِيلًا، ذكر ابْن الْحَاجِب فِي الْمُخْتَصر الْكَبِير أَن المُرَاد بالقائسين الْأَئِمَّة، وَالزَّرْكَشِيّ أَنهم الصَّحَابَة، وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه يَمِين، وَعَن ابْن الْمُنْذر قَالَت طَائِفَة أَنه طَلَاق ثَابت، مِنْهُم عَليّ وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر، وَبِه قَالَ الْحسن وَالْحكم وَمَالك وَابْن
стр. 1001
فِي الْمُسْتَقْبل بِالتَّحْرِيمِ (لَيْسَ نسخا) لِأَن النّسخ رفع لحكم شَرْعِي وَالْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيست إِيَّاه على الْمُخْتَار وَقد مر.
مسئلة
(يجوز نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ) عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء والمتكلمين ومحققي الشَّافِعِيَّة (وَأَصَح قولي الشَّافِعِي الْمَنْع) فَإِنَّهُ قَالَ لَا ينْسَخ كتاب الله إِلَّا كتاب الله كَمَا كَانَ الْمُبْتَدِئ بفرضه فَهُوَ المزيل الْمُثبت بِمَا شَاءَ مِنْهُ ﷻ وَلَا يكون ذَلِك لأحد من خلقه، وَهَكَذَا سنة رَسُول الله ﷺ ، وَاخْتلف أَصْحَابه فَقيل المُرَاد نفي الْجَوَاز الْعقلِيّ، وَنسب إِلَى المحاسبي وَعبد الله ابْن سعيد والقلانسي وهم من أكَابِر أهل السّنة، ويروى عَن أَحْمد وَأبي إِسْحَاق الاسفراينى وَأبي الطّيب الصعلوكي وَأبي مَنْصُور، وَقيل لم يمْنَع الْعقل والسمع لكنه لم يقل وَهُوَ قَول ابْن سُرَيج. قَالَ السُّبْكِيّ: وَنَصّ الشَّافِعِي لَا يدل على أَكثر مِنْهُ ثمَّ قَالَ حَيْثُ وَقع نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ فمعها قُرْآن عاضد لَهَا يبين توَافق الْكتاب وَالسّنة أَو نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ فمعه سنة عاضدة لَهُ تبين توافقهما (لنا لَا مَانع) عَقْلِي وَلَا شَرْعِي من ذَلِك (وَوَقع) والوقوع دَلِيل الْجَوَاز (فَإِن التَّوَجُّه إِلَى الْقُدس) أَي بَيت الْمُقَدّس (لَيْسَ فِي الْقُرْآن وَنسخ) التَّوَجُّه إِلَيْهِ (بِهِ) أَي بِالْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى - ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ - (وَكَذَا حُرْمَة الْمُبَاشرَة) بقوله تَعَالَى - ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث﴾ - الْآيَة فَإِن تَحْرِيمهَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن (وتجويز كَونه) أَي نسخ كل مِنْهُمَا (بِغَيْرِهِ) أَي غير الْقُرْآن (من سنة أَو) تَجْوِيز ثُبُوت حكم (الأَصْل) فِيهَا (بِتِلَاوَة) أَي بمتلو من الْقُرْآن (نسخت وَذَلِكَ) التجويز (على) تَقْدِير (الْمُوَافقَة) فِيهِ مَعَ الْخصم (احْتِمَال بِلَا دَلِيل) فَلَا يسمع (ثمَّ لَو صَحَّ) مَا ذكرْتُمْ من التجويز الْمَذْكُور (لم يتَعَيَّن نَاسخ علم تَأَخره مَا لم يقل ﷺ هَذَا نَاسخ) لكذا وَنَحْوه لذَلِك الِاحْتِمَال (وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع قَالُوا أَي المانعون) أَولا قَوْله تَعَالَى - ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ - يقتضى أَن شَأْنه الْبَيَان للْأَحْكَام، والنسخ رفع لَا بَيَان (أُجِيب) بِتَسْلِيم شَأْنه وَمنع أَنه لَيْسَ بِبَيَان بقوله (والنسخ) رفع لَا بَيَان (مِنْهُ) أَي من الْبَيَان لِأَنَّهُ بَيَان انْتِهَاء مُدَّة الحكم (قَالُوا) ثَانِيًا نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ (يُوجب التنفير) للنَّاس عَن النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ يفهم أَن الله تَعَالَى لم يرض بِمَا سنه رَسُول الله ﷺ وَهُوَ منَاف لمقصد الْبعْثَة وَهُوَ التأسي بِهِ والاقتداء (أُجِيب) بِأَنا لَا نسلم حُصُول النفرة على تَقْدِير النّسخ (إِذا آمنا بِأَنَّهُ مبلغ) وسفير يعبر بِهِ عَن الله تَعَالَى لَا غير، وَإِذا كَانَ التَّصَرُّف كُله من الله - ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ -
стр. 1002
الْمَذْكُورَة (وَهَذَا) أَي كَون مَا شرع الحكم عِنْده لحُصُول الْحِكْمَة مَظَنَّة الْحِكْمَة إِلَى آخِره (معنى اشتماله) أَي الْوَصْف (على حِكْمَة مَقْصُودَة للشارع من شرع الحكم) والإ فَنَفْس الْوَصْف غير مُشْتَمل لذَلِك، إِذْ الاسكار الَّذِي هُوَ عِلّة حُرْمَة الْخمر مثلا لَا يشْتَمل على الْحِكْمَة الْمَقْصُودَة وَهِي حفظ الْعُقُول من شرع الحكم الَّذِي هُوَ التَّحْرِيم بل على ذهَاب الْعقل (فحقيقة الْعلَّة) فِي الْعُقُود (الرِّضَا) لِأَنَّهُ مَظَنَّة أَمر هُوَ الْحَاجة، وَتَحْصِيل الْحِكْمَة الَّتِي هِيَ دفع الْحَاجة من شرع الحكم الْخَاص، وَهُوَ ملك الْبَدَل وحله مَعَه وَلكنه خَفِي لِأَنَّهُ أَمر قلبِي لَا اطلَاع للنَّاس عَلَيْهِ (وَإِذ خفى) الرضى (علق الحكم) وَهُوَ ملك الْبَدَل وحله (بالصيغة فَهِيَ) أَي الصِّيغَة (الْعلَّة اصْطِلَاحا وَهِي) أَي الصِّيغَة (دَلِيل مَظَنَّة مَظَنَّة مَا تحصل الْحِكْمَة مَعَه بالحكم) إِذْ هِيَ مَظَنَّة الرضى الَّذِي هُوَ مَظَنَّة الْحَاجة الَّتِي شرع الحكم الَّذِي هُوَ ملك الْبَدَل مِنْهُ لدفع الْحَاجة الَّتِي هِيَ الْمصلحَة (فَظهر أَن الرضى لَيْسَ الْحِكْمَة) فِي التِّجَارَة (كَمَا قيل) قَالَه عضد الدّين، وَهَذَا مِثَال الثَّالِث (وَالْقَتْل الْعمد الْعدوان مَظَنَّة انتشاره) أَي الْعدوان (إِن لم يشرع الْقصاص فَوَجَبَ) الْقصاص (دفعا لَهُ) أَي لانتشار الْعدوان وَهَذَا مِثَال الثَّانِي فاللف والنشر مشوش (وَكَون الْوَصْف كَذَلِك) أَي بِحَيْثُ يكون مَظَنَّة الْحِكْمَة إِلَى آخِره وَجعل الشَّارِح الْإِشَارَة إِلَى كَونه بِحَيْثُ شرع الحكم عِنْده لحُصُول الْحِكْمَة لِأَنَّهَا مظنتها، وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه حِينَئِذٍ لَا يُنَاسب قَوْله (فَهُوَ) (مَا قَالَ أَبُو زيد) الخ لِأَنَّهُ محصول مَا قُلْنَا، وَشرع الحكم عِنْده أَمر زَائِد عَلَيْهِ لَا يسلتزمه، نعم ذكر صدر الشَّرِيعَة أَن أَصْحَابنَا اعتبروا فِي الْمُنَاسبَة اعْتِبَار الشَّارِع عين الْوَصْف أَو جنسه فِي نوع الحكم أَو جنسه لذَلِك، وَقد عرفت تَفْسِيره، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْوَصْف (وَهُوَ) أَي الْوَصْف (مناسبته) خبر الْمُبْتَدَأ (كَذَلِك الْمُنَاسب فَهُوَ) أَي مَا ذكرنَا فِي تَفْسِير الْمُنَاسب بِحُصُول مَا قَالَ أَبُو زيد (مَا لَو عرض على الْعُقُول) كَونه عِلّة الحكم (تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ وَكَون الشَّارِع قضى بالحكم عِنْده) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور (للحكمة اعْتِبَاره) أَي الشَّارِع لذَلِك الْوَصْف أَو الْوَصْف، وَهَذَا أَيْضا يُؤَيّد مَا ذكرنَا فِي تَفْسِير الْمُنَاسبَة (ومعرفته) أَي معرفَة اعْتِبَار الشَّارِع إِيَّاه (مسالك الْعلَّة) وطرقها (وَشَرطهَا) أَي اشْتِرَاط الْعلَّة فِي كل حكم بِحَسب نفس الْأَمر (تفضل) من الله تَعَالَى على الْعباد (لَا وجوب) كَمَا زعمت الْمُعْتَزلَة، تَعَالَى عَن ذَلِك، نعم لَو فسروا الْوُجُوب بِأَنَّهُ أَمر لَا بُد مِنْهُ لَا يتَخَلَّف أَلْبَتَّة فَلَا نزاع، وَلَكِن إِن نفوا قدرته على خلاف ذَلِك فالتنزيه عَنهُ وَاجِب (وَهَذَا) أَي القَوْل بالاشتراط حَاصِل معنى (مَا يُقَال: الْأَحْكَام مَبْنِيَّة على مصَالح الْعباد دنيوية كَمَا ذكر) من الرُّخْصَة للْمُسَافِر وَدفع الْحَاجة وَدفع انتشار الْفساد (وأخروية للعبادات) أَي موعودة للعبادات (وَهُوَ) أَي كَونهَا مَبْنِيَّة على مصالحهم (وفَاق) أَي مَحل اتِّفَاق (بَين النافين للطرد) أَي
стр. 1003
الْقَائِلين بِأَن الْعلَّة لَا تصح إِلَّا بالمناسبة (وَإِن اخْتلف اسْمه) أَي التَّعْبِير عَن هَذَا، إِذْ مِنْهُم من قَالَ أَحْكَام الشَّارِع مَبْنِيَّة على مصَالح الْعباد، وَمِنْهُم من قَالَ أَفعَال البارئ سُبْحَانَهُ معللة بمصالح الْعباد، أَو معللة بالأغراض كالمعتزلة، نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: فَلَو قيل النزاع لَفْظِي جَازَ (وَمنع أَكثر الْمُتَكَلِّمين) الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور مُبْتَدأ (لظنهم لُزُوم استكماله فِي ذَاته كَمَا لَا لم يكن) أَي ظنُّوا لِأَنَّهُ لَو اشْترط لزم أَن يكون الْحق سُبْحَانَهُ طَالبا بِوُقُوع تِلْكَ الْأَفْعَال حُصُول كَمَال فِي ذَاته لم يكن لَهُ قبل ذَلِك، وَهَذَا نقص فِي حَقه سُبْحَانَهُ (ذُهُول) خبر للمبتدأ: يَعْنِي أَنهم ذهلوا عَن أَمر ظَاهر كَانُوا يعلمونه بل صَرَّحُوا بِهِ مرَارًا (بل) إِنَّمَا يلْزم (ذَلِك) الاستكمال (لَو رجعت) الْمصَالح (إِلَيْهِ) تَعَالَى (أما) إِذا رجعت (إِلَى غَيره) من الْعباد (فَمَمْنُوع) لُزُوم ذَلِك. قَالَ الشَّارِح أَنه قَالَ المُصَنّف قَوْله مَمْنُوع يُشِير إِلَى أَنه على تَقْدِير رُجُوعهَا إِلَى الْعباد أَيْضا ألزموا مثل ذَلِك؟ وَهُوَ أَن رُجُوعهَا إِلَى الْعباد يسْتَلْزم كمالا لَهُ فَأجَاب بِمَنْع ذَلِك (بل هُوَ) أَي رُجُوع الْمصَالح إِلَى الْفُقَرَاء (أثر كَمَاله الْقَدِيم) وَهُوَ كَونه فِي الْأَزَل مفيضا معطيا جوادا بِالْإِطْلَاقِ الْعَام فَإِن صدق الْمُطلقَة دائمي فَإِن قلت فرق بَين أَن تكون الْإِفَاضَة فِي عَالم الْإِمْكَان وَبَين أَن تخرج من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل، فَإِن مَا بِالْفِعْلِ لَهُ مزية على مَا بالقوه، وَلِهَذَا يُسَمِّيه الحكم كمالا فَالْجَوَاب مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَلَا يخفى أَن اللَّازِم فِي المتجدد) أَي الْمَحْذُور الَّذِي ادعيتم أَن لُزُومه فِيمَا يَتَجَدَّد وَيحدث من مصَالح الْعباد على تَقْدِير الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور (بتعلق الْأَحْكَام) أَي بِسَبَب تعلقهَا بهم (لَازم فِي فواضله) أَي يلْزم بِعَيْنِه فِي انعاماته (المتجددة) الذوات والاقتضاء المستمرة (فِي ممر الْأَيَّام على الْأَنَام) قَالَ الشَّارِح: أَنه قَالَ المُصَنّف هَذَا إِلْزَام على قَوْلهم يلْزم كَمَال لَهُ لم يكن أَي لَو صَحَّ مَا ذكرْتُمْ لزم مثله فِي الْمصَالح الْوَاصِلَة إِلَى الْعباد ابْتِدَاء لَا بِوَاسِطَة شرع من إِنْزَال الْمَطَر وإنبات الشّجر والأقوات إِلَى غير ذَلِك (فَمَا هُوَ جوابهم) أَي المانعين (فِيهِ) أَي فِي الْإِلْزَام الْمَذْكُور فَهُوَ (جَوَابنَا) عَن كَون الْأَحْكَام مَبْنِيَّة على مصَالح الْعباد (وَلَقَد كثرت لَوَازِم بَاطِلَة لكلامهم) كَمَا عرف فِي فن الْكَلَام فَلَا يعول عَلَيْهَا. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَالْحق أَن تَعْلِيل بعض الْأَفْعَال سِيمَا شَرْعِيَّة الْأَحْكَام بالحكم والمصالح ظَاهر كإيجاب الْحُدُود وَالْكَفَّارَات وَتَحْرِيم المسكرات وَمَا أشبه ذَلِك، والنصوص أَيْضا شاهدة بذلك كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾. من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إِسْرَائِيل. فَلَمَّا قضى زيد - إِلَى قَوْله تَعَالَى - ﴿لكيلا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج﴾ - وَلِهَذَا كَانَ الْقيَاس حجَّة إِلَّا عِنْد شرذمة لَا يعْتد بهم، وَأما تَعْمِيم ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو فعل من أَفعاله من غَرَض فَمحل بحث (وَالْأَقْرَب) إِلَى التَّحْقِيق (أَنه) أَي الْخلاف (لَفْظِي مَبْنِيّ على معنى الْغَرَض) فَمن فسره بِالْمَنْفَعَةِ العائدة إِلَى الْفَاعِل قَالَ لَا تعلل وَلَا يَنْبَغِي أَن
стр. 1004
يُنَازع فِي هَذَا، وَمن فسره بالعائدة إِلَى الْعباد قَالَ تعلل وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَن يُنَازع فِيهِ (أَو) أَنه (غلط) وَقع (من اشْتِبَاه الحكم بِالْفِعْلِ فاذكر مَا قدمْنَاهُ) فِي فصل الحكم (من أَنه) (غير مُخْتَار فِيهِ) أَي فِي الحكم لِأَنَّهُ قديم، وَأثر الْفَاعِل الْمُخْتَار لَا يكون إِلَّا حَادِثا، وَهُوَ فِي حق صِفَاته الْقَدِيمَة فَاعل مُوجب وَفِي حق غَيرهَا مُخْتَار (بِخِلَاف الْفِعْل) فَإِنَّهُ مُخْتَار فِيهِ تَعَالَى فَمن لم يُعلل الْفِعْل اشْتبهَ عَلَيْهِ بالحكم (غير أَن اتصافه) تَعَالَى (بأقصى مَا يُمكن من الكمالات مُوجب لموافقة حكمه للحكمة بِمَعْنى أَنه لَا يَقع إِلَّا كَذَلِك) أَي على الْوَجْه الْمُوَافق للحكمة (وَإِذ لزم فِيهَا الْمُنَاسبَة بطلت الطردية) أَي الْوَصْف الَّذِي لم يتَحَقَّق فِيهِ الْمُنَاسبَة (لِأَن عَلَيْهِ الْوَصْف) أَي الحكم بِأَن هَذَا الْوَصْف عِلّة لهَذَا الحكم (حكم نَظَرِي بتعلق حكمه) تَعَالَى (عِنْده) أَي ذَلِك الْوَصْف الْبَاء صلَة الحكم: يَعْنِي مَضْمُون ذَلِك أَن حكم الله تَعَالَى مُتَعَلق بِهَذَا الْمحل عِنْد هَذَا الْوَصْف، وَقد عرفت كَيْفيَّة التَّعَلُّق (وَهِي) أَي الطردية اباطة الحكم بهَا قَول (بِلَا دَلِيل فبطلت، وَمَا قيل) قَائِله ابْن الْحَاجِب من أَن بطلَان الطردية (للدور لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ) أَي حِين كَونهَا طردية (أَمارَة مُجَرّدَة لَا فَائِدَة لَهَا إِلَّا تَعْرِيف الحكم) للْأَصْل (فتوقف) الحكم عَلَيْهَا (وَكَونهَا مستنبطة مِنْهُ) أَي الحكم (يُوجب توقفها عَلَيْهِ) أَي الحكم (مَدْفُوع) خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي مَا قيل (بِأَن الْمُعَرّف لحكم الأَصْل النَّص، وَهِي) الطردية معرفَة (أَفْرَاد الأَصْل فَيعرف حكمهَا) أَي أَفْرَاد الأَصْل (بِوَاسِطَة ذَلِك) أَي عرفان أَفْرَاد الأَصْل (مثلا معرف حُرْمَة الْخمر النَّص والإسكار يعرف) الجزئي (الْمشَاهد أَنه مِنْهَا) أَي من أَفْرَاد الأَصْل (فتعرف حرمته) أَي الأَصْل (فِيهِ) أَي فِي الْمشَاهد (فَلَا دور، ثمَّ لَيْسَ) تَعْرِيف الْعلَّة لأفراد الأَصْل أمرا (كليا بل) إِنَّمَا هُوَ (فِيمَا) أَي وصف (لَهُ لَازم ظَاهر خَاص كرائحة الْمُسكر إِن لم يشركها) أَي الْخمر (فِيهَا) أَي الرَّائِحَة (غَيرهَا) أَي الْخمر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن لَهُ لَازم كَذَا أَو شاركها غَيرهَا (فتعريف الْإِسْكَار بِنَفسِهِ) أَي معرفَة الْإِسْكَار فِي حد ذَاته لمن يُرِيد الحكم بِحرْمَة الْمشَاهد (لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِشرب) الْفَرد (الْمشَاهد) لعدم اللَّازِم الْمَذْكُور فالشرب طَرِيق مَعْرفَته فتتوقف الحكم بِحرْمَة الْمشَاهد على شربه (وَهُوَ) أَي توقفها عَلَيْهِ (بَاطِل) بِالْإِجْمَاع (وَكَون الْإِسْكَار طردا) إِنَّمَا هُوَ (على) قَول (الْحَنَفِيَّة) لِأَن حُرْمَة الْخمر عِنْدهم لعينها (وعَلى) قَول (غَيرهم هُوَ) أَي الْإِسْكَار (مِثَال) لِلْعِلَّةِ.
(وَالْكَلَام فِي تقسيمها) أَي الْعلَّة (وشروطها وطرق مَعْرفَتهَا) الدَّالَّة على اعْتِبَار الشَّارِع عليتها (فِي مراصد) ثَلَاثَة.
стр. 1005
المرصد الأول: فِي تقسيمها
(تَنْقَسِم) الْعلَّة (بِحَسب الْمَقَاصِد، و) بِحَسب (الْإِفْضَاء إِلَيْهَا) أَي إِلَى الْمَقَاصِد (و) بِحَسب (اعْتِبَار الشَّارِع) لَهَا عِلّة.
(فَالْأول) أَي انقسامها بِحَسب الْمَقَاصِد (وَهُوَ) أَي هَذَا الانقسام (بِالذَّاتِ للمقاصد ويستتبعه) أَي يستتبع انقسام الْمَقَاصِد انقسام الْعلَّة (وَهِي) أَي الْمَقَاصِد الَّتِي تدل على اعْتِبَار الْوَصْف (ضَرُورِيَّة) وَهِي مَا انْتَهَت الْحَاجة إِلَيْهَا إِلَى حد الضَّرُورَة، وَلِهَذَا (لم تهدر فِي مِلَّة) من الْملَل السالفة، بل روعيت لما يتَوَقَّف عَلَيْهَا نظام الْعَالم وَأَنه لَا يبْقى النَّوْع مُسْتَقِيم الْحَال إِلَّا بهَا وَهِي خَمْسَة (حفظ الدّين بِوُجُوب الْجِهَاد وعقوبة الدَّاعِي إِلَى الْبدع، وَقد يُوَجه للحنفية أَنه) أَي وجوب الْجِهَاد (لكَوْنهم) أَي الْكفَّار (حَربًا علينا لَا) ل (كفرهم وَلذَا) لَا تقتل الْمَرْأَة) لعدم كَونهَا أَهلا للحرب غَالِبا (والرهبان) أَي المعتزلون عَن النَّاس لِلْعِبَادَةِ إِذا لم يزِيدُوا على الْكفْر بسلطنة أَو قتال أَو رَأْي أَو حث عَلَيْهِ بِمَال أَو مُطلقًا فَإِن مثلهم لَا يَتَأَتَّى مِنْهُم الْحَرْب غَالِبا (وَقبلت الْجِزْيَة) مِمَّن هُوَ أهل لَهَا لعدم الْحِرَابَة وتقوى الْمُسلمين بهَا (ولزمت المهادنة) أَي الْمُصَالحَة إِذا احْتِيجَ إِلَيْهَا لانْتِفَاء حربهم مَعَ وجود كفرهم (وَلَا يُنَافِيهِ) أَي وجوب الْجِهَاد لكَوْنهم حَربًا علينا وُجُوبه لحفظ الدّين، فَإِنَّهُ لَا يتم مَعَ خرابتهم فَإِنَّهَا مفضية إِلَى قتل الْمُسلم أَو تفتنه عَن دين الْإِسْلَام، ويؤيدهم الْإِجْمَاع على عدم قتل الذِّمِّيّ والمستأمن وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة إِلَى غير ذَلِك (و) حفظ (النَّفس بِالْقصاصِ، و) حفظ (الْعقل بِكُل من حُرْمَة) السكر (وَحده) أَي الْمُسكر (و) حفظ (النّسَب بِكُل من حُرْمَة الزِّنَا وَحده، و) حفظ (المَال بعقوبة السَّارِق والمحارب) وَزَاد السُّبْكِيّ وَغَيره حفظ الْعرض بِحَدّ الْقَذْف (وَيلْحق بِهِ) أَي بالضروري (مكملة من حُرْمَة قَلِيل الْخمر الْمُسكر وَحده) أَي حد قليلها مَعَ أَنه لَا يزِيل الْعقل (إِذْ كَانَ) قليلها (يَدْعُو إِلَى كثير) مِنْهَا بِمَا يُورث النَّفس من الطَّرب الْمَطْلُوب زِيَادَته، وَالشَّارِح قَرَأَهَا بِالْهَاءِ وَاعْتذر عَن التَّذْكِير بِأَنَّهُ بِتَأْوِيل الْمُسكر، وَفِيه مَا فِيهِ (فيزيل) كثيرها (الْعقل فتحريم كل) فعل (دَاعِيَة) إِلَى محرم (مُقْتَضى) هَذَا (الدَّلِيل) بِمَعْنى تَحْرِيم الْقَلِيل لكَونه يَدْعُو إِلَى التكثير، ثمَّ أَنه (ثَبت الشَّرْع على وَفقه) أَي مُقْتَضَاهُ (فِي الِاعْتِكَاف وَالْحج) فَحرمت دواعي الْجِمَاع فِيهِ كَمَا حرم الْجِمَاع (و) ثَبت (على خِلَافه فِي الصَّوْم) فَلم تحرم دواعي الْجِمَاع فِيهِ كَمَا حرم الْجِمَاع، وَإِنَّمَا يكره إِذا لم يَأْمَن على نَفسه (وَلم يثبت) الشَّرْع على خِلَافه (فِي الظِّهَار فتحريم) الْجِمَاع (الْحَنَفِيَّة إِيَّاهَا) أَي الدَّوَاعِي (فِيهِ) أَي الظِّهَار (على وَفقه وَهَذَا) الْمَقْصُود الضَّرُورِيّ والمكمل لَهُ هُوَ (الْمُنَاسب الْحَقِيقِيّ، ودونها) أَي الضرورية مَقَاصِد
стр. 1006
(حاجية) لم تَنْتَهِ إِلَى حد الضَّرُورَة (شرع) إِلَى دونهَا (لَهَا) أَي للْحَاجة إِلَيْهَا (نَحْو البيع) لملك الْعين بعوض (وَالْإِجَارَة) لملك الْمَنْفَعَة كَذَلِك (والقراض) للمشتركين فِي الرِّبْح بِمَال من وَاحِد وَعمل من الآخر (وَالْمُسَاقَاة) كدفع الشّجر إِلَى من يعْمل فِيهِ بِجُزْء من ثَمَرَة (فَإِنَّهَا) أَي هَذِه المشروعات (لَو لم تشرع لم يلْزم فَوَات شَيْء من الضروريات) الْخمس (إِلَّا قَلِيلا كالاستئجار لإرضاع من لَا مُرْضِعَة لَهُ وتربيته وَشِرَاء المطعوم والملبوس للعجز عَن الِاسْتِقْلَال بالتسبب فِي وجودهَا) أَي الْمَذْكُورَات فاحتيج (إِلَى دفع حَاجته) أَي الْمُحْتَاج إِلَيْهَا (بهَا) أَي إِطْلَاق الحاجي هَذِه الْعُقُود، فَهَذِهِ المستثنيات من قبيل الضَّرُورِيّ لحفظ النَّفس لِأَن الْهَلَاك قد يحصل بِتَرْكِهَا (فالتسمية) أَي إِطْلَاق الحاجي على الْمَذْكُورَات (بِاعْتِبَار الْأَغْلَب) فَإِن أَكثر الشراآت والإجارات مُحْتَاج إِلَيْهِ، لَا ضَرُورِيّ (ومكملها) أَي مكمل الحاجية أَيْضا دون الضرورية بل هُوَ أولى بذلك (كوجوب رِعَايَة الْكَفَاءَة وَمهر الْمثل على الْوَلِيّ فِي) تَزْوِيج (الصَّغِيرَة) فَإِن أصل الْمَقْصُود من شرع النِّكَاح وَإِن كَانَ حَاصِلا بِدُونِهَا لَكِنَّهَا إفضاء إِلَى دَوَامه وإتمام مقاصده من الألفة وَغَيرهَا فَوَجَبَ رعايتها احْتِرَازًا عَن الاختلال (إِلَّا لدلَالَة عِنْد أبي حنيفَة وَحده على حُصُول الْمَقْصُود دونهَا) أَي دون رعايتها، اسْتثِْنَاء من وجوب رعايتها على مَذْهَب أبي حنيفَة وَحده من غير مُشَاركَة أَصْحَابه مَعَه: أَي وَجب رعايتها عِنْد الْكل فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا عِنْده إِذا دلّ الدَّلِيل على حُصُول الْمَقْصُود الَّذِي هُوَ مَبْنِيّ وجوب الرِّعَايَة بِدُونِ الرِّعَايَة وسيظهر لَك كَيْفيَّة الدّلَالَة (كتزويج أَبِيهَا) أَي الصَّغِيرَة أوجدها الصَّحِيح أبي أَبِيهَا (من عبد وبأقل) من مهر مثلهَا، وكل مِنْهَا غير مَعْرُوف بِسوء الِاخْتِيَار وَلَا بالمجانة وَالْفِسْق، فَإِن عِنْد ذَلِك لَا تتَحَقَّق الدّلَالَة على حُصُول الْمَقْصُود لعدم كَمَال الرَّأْي ووفورا لشفقة فَإِن الْأَب بِاعْتِبَار كَمَال قربه مَظَنَّة وفور الشَّفَقَة فَلَا يتْرك رعايتها إِلَّا لمصْلحَة تربو عَلَيْهَا. فاتضح كَيْفيَّة الدّلَالَة، بِخِلَاف غَيرهمَا من الْعصبَة لوفور الشَّفَقَة وَالأُم لنُقْصَان الرَّأْي (وَهَذَا) الْقسم الْمُشْتَمل على الحاجي ومكمله (الْمُنَاسب المصلحي، وَغير الحاجي) المصلحي (تحسيني) أَي من قبيل رِعَايَة أحسن المناهج فِي محَاسِن الْعَادَات (كَحُرْمَةِ القاذورات حثا على مَكَارِم الْأَخْلَاق والتزام الْمُرُوءَة) قَالَ تَعَالَى فِي وصف نَبينَا ﷺ ﴿يحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ - وَقَالَ ﷺ " بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق " (وكسلب العَبْد) وَإِن كَانَ ذَا رَأْي يظنّ صدقه (أَهْلِيَّة الْولَايَة من الشَّهَادَة وَالْقَضَاء وَغَيرهمَا) كالإمامة الْكُبْرَى لانحطاط رتبته عَن الْحر لكَونه مستسخرا للْمَالِك مَشْغُولًا بخدمته فَلَا تلِيق بِهِ المناصب الشَّرِيفَة إِجْرَاء للنَّاس على مَا ألفوه من الْعَادَات المستحسنة.
стр. 1007
(الثَّانِي) انقسامها بِحَسب الْإِفْضَاء، وأقسامه (خَمْسَة: لِأَن حُصُول الْمَقْصُود) من شرع الحكم عِنْد الْوَصْف لجلب الْمَنْفَعَة للْعَبد أَو دفع الْمفْسدَة أَو لكليهما فِي الدُّنْيَا أَو الْآخِرَة (إِمَّا) أَن يكون (يَقِينا كَالْبيع للْحلّ) أَي لثُبُوت الْملك فِي الْبَدَلَيْنِ حَلَالا (أَو ظنا كَالْقصاصِ للإنزجار) عَن الْقَتْل الْعمد الْعدوان فَإِن صِيَانة النَّفس تحصل بِهِ ظنا (لأكثرية الممتنعين عَنهُ) أَي عَن الْقَتْل الْعمد الْعدوان بِالنِّسْبَةِ إِلَى المقدمين عَلَيْهِ (والاتفاق) ثَابت (عَلَيْهِمَا) أَي على هذَيْن الْقسمَيْنِ (أَو شكا أَو وهما) وَفِيه خلاف (وَالْمُخْتَار فيهمَا الِاعْتِبَار) ثمَّ مَا تساوى فِيهِ حُصُوله ونفيه لَا مِثَال لَهُ فِي الشَّرْع على التَّحْقِيق بل على التَّقْرِيب (كَحَد الْخمر) فَإِنَّهُ شرع (للزجر) عَن شربهَا لحفظ الْعقل (وَقد ثَبت) حَدهَا (مَعَ الشَّك فِيهِ) أَي الإنزجار عَن شربهَا لِأَن استدعاء الطباع شربهَا يُقَاوم خوف عِقَاب الْحَد، وَلَا يظْهر عَادَة غَلَبَة أَحدهمَا، وَاعْترض بِأَن ذَلِك للمسامحة فِي إِقَامَة الْحُدُود وَالْكَلَام مَبْنِيّ على فرض الْإِقَامَة وَأجِيب بِأَنَّهُ على ذَلِك التَّقْدِير أَيْضا لَا شكّ أَن الانزجار بِحَدّ الشّرْب دون الانزجار بِالْقصاصِ، وَهُنَاكَ ظَنِّي فَيكون هَهُنَا مشكوكا، وَفِيه مَا فِيهِ فَإِن قلت إِن أُرِيد بظنية حُصُول الْحِكْمَة ظن ترتبها على الحكم بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل من خُوطِبَ بِهِ فَهُوَ غير صَحِيح للْقطع بترتبها فِي الْبَعْض وَلعدم ترتبها فِي الآخر، وَإِن أُرِيد بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعْض فَهُوَ حَاصِل فِي جَمِيع الْأَحْكَام قطعا قُلْنَا نَخْتَار الأول وَالظَّن حَاصِل فِي كل شخص إِذا نظر الْفِعْل إِلَى نفس الحكم وَالْحكمَة وَمن خُوطِبَ بِهِ مَعَ قطع النّظر عَن الِاطِّلَاع على حَاله فِي الْخَارِج من حَيْثُ حُصُوله الْحِكْمَة فِي حَقه وَعدمهَا غير أَن ظَاهر قَوْله لأكثرية الممتنعين إِلَى آخِره يَأْبَى عَنهُ، فلك أَن تحمله على التَّنْوِير والتأييد لَا على الِاسْتِدْلَال، وَيُؤَيّد مَا قُلْنَا قَوْلهم لِأَن استدعاء الخ فَإِنَّهُ يُشِير إِلَى أَن استدعاء الطباع الانتقام لَا يُقَاوم خوف الْقصاص، أَلا ترى أَن الممتنعين عَنهُ أَكثر، فقد يخْتَلف فِي بعض الْأَحْكَام حَال أَفْرَاد من خُوطِبَ بِهِ نظرا إِلَى أَحْوَالهم كالملك المرفه وَالْفَقِير الضَّعِيف فِي رخصَة السّفر والمشرقي المتزوج بالمغربية والمصاحب امْرَأَته فِي إِلْحَاق الْوَلَد إِلَى العقد لنفي التُّهْمَة (ورخصة السّفر) شرعت (للْمَشَقَّة وَالنِّكَاح وللنسل) وَقد (ثبتا مَعَ ظن الْعَدَم) أَي عدم الْمَشَقَّة والنسل (فِي) سفر (ملك مرفه) يسير فِي كل يَوْم مِقْدَارًا لَا يتعبه (و) نِكَاح (آيسة، فَعلم أَن الْمُعْتَبر) فِي إفضاء الْوَصْف للْحكم (الْحُصُول فِي جنس الْوَصْف لَا فِي كل جزئي) من جزئياته (وَلَا) فِي (أَكْثَرهَا) أَي الجزئيات (أَو) يكون يَقِين الْعَدَم كإلحاق ولد مغربية بمشرقي) تزوج بهَا وَقد (علم عدم تلاقيهما جعلا للْعقد مَظَنَّة حُصُول النُّطْفَة فِي الرَّحِم وَوُجُوب الِاسْتِبْرَاء) المجعول مَظَنَّة لبراءة الرَّحِم من الْوَلَد (على من اشْتَرَاهَا) أَي أمة (فِي مجْلِس رَبِيعه) إِيَّاهَا لآخر فِيهِ وَلم يغيبا عَنهُ، وَهَذَا مُخْتَلف فِيهِ أَيْضا
стр. 1008
(وَالْجُمْهُور على مَنعه) أَي اعْتِبَار هَذَا الطَّرِيق (لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة بالمظنة) وَمحل ظن وجود الْحِكْمَة (مَعَ الْعلم بِانْتِفَاء المئنة) أَي نفس الْحِكْمَة (وَنسب) فِي بعض شُرُوح البديع (إِلَى الْحَنَفِيَّة اعْتِبَاره) أَي هَذَا الطَّرِيق (وَلَا شكّ فِي الثَّانِي) أَي فِي انْتِفَاء المئنة فِي الْأمة الْمَذْكُورَة للْقطع بِعَدَمِ الْجِمَاع (بِخِلَاف الأول) أَي ولد المغربية الْمَذْكُورَة (لتعذر الْقطع بِعَدَمِ الملاقاة) بَينهمَا لجَوَاز أَن يكون صَاحب كَرَامَة أَو صَاحب جني (ومجيزه) أَي هَذَا الطَّرِيق (أَبُو حنيفَة لَا هما) أَي صَاحِبَاه، وَإِنَّمَا أجَازه (نظرا إِلَى ظَاهر الْعلَّة) يَعْنِي العقد (لَا إِلَى مَا تضمنته) الْعلَّة (من الْحِكْمَة) أَي النّسَب كَمَا قَالَه الْجُمْهُور (أما لَو لم تخل) الْعلَّة (مصلحَة الْوَصْف) أَي مصلحَة يتضمنها الْوَصْف بِأَن كَانَت مَوْجُودَة فِيهَا (لَكِن استلزم شرع الحكم لَهَا) أَي لتِلْك الْمصلحَة (مفْسدَة تساويها) أَي تِلْكَ الْمصلحَة (أَو ترجحها فَقيل لَا تنخرم الْمُنَاسبَة) الْمُعْتَبرَة فِي الْعلَّة (الْمُوجبَة للاعتبار) نعم ينتفى الحكم بِوُجُود الْمَنَافِع، وَهَذَا اخْتِيَار الرَّازِيّ (ومختار الْآمِدِيّ وَأَتْبَاعه الانخرام لِأَنَّهُ لَا مصلحَة مَعَ مُعَارضَة مفْسدَة مثلهَا) فِي الرُّتْبَة، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت حقيرة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمصلحَة فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تمنع اعْتِبَار الحكم (وَمن قَالَ بِعْهُ بِرِبْح مثل مَا تخسر) يَعْنِي بِعْ متاعك بِرِبْح نظرا إِلَى مشتراك وَخذ فِي مُقَابلَته مَتَاعا فِيهَا خسارة مِقْدَار ذَلِك الرِّبْح (عد) هَذَا البيع (خَارِجا عَن تصرف الْعُقَلَاء قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الانخرام (لَا ترجح مصلحَة) صِحَة (الصَّلَاة فِي) الأَرْض (الْمَغْصُوبَة) على مفْسدَة حرمتهَا فِيهَا، بل هِيَ إِمَّا مُسَاوِيَة أَو دونهَا وَقد جَازَت فهيا فَعلم عدم اشْتِرَاط رُجْحَان الْمصلحَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تكن مصلحتها مُسَاوِيَة للمفسدة وَلَا مرجوحة، بل تكون راجحة على الْمفْسدَة (أجمع على الْحل) أَي على حل الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوبَة للاتفاق على عدم اعْتِبَار الْمفْسدَة المرجوحة (أُجِيب) عَن الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور بِأَن كلامنا فِيمَا إِذا نَشأ الْمصلحَة والمفسدة من شَيْء وَاحِد، وَهُوَ الْوَصْف، وَفِي الصَّلَاة الْمَذْكُورَة (لم ينشأ من) شَيْء (وَاحِد كَالصَّلَاةِ) فَإِن الْمفْسدَة لم تنشأ مِنْهَا بل من الْغَصْب، وَلذَا لَو شغلها بِغَيْر الصَّلَاة كَانَت الْحُرْمَة ثَابِتَة والمصلحة من الصَّلَاة وَلَو نشآ مَعًا من الصَّلَاة لما صحت قطعا (وَإِذا لزم) فِي عدم انحزام الْمُنَاسبَة (رُجْحَانهَا) أَي الْمصلحَة على الْمفْسدَة (فَلهُ) أَي للمرجح (فِي تَرْجِيح إِحْدَاهمَا) الْمصلحَة والمفسدة (عِنْد تعارضهما طرق تفصيلية فِي خصوصيات المسالك تنشأ) تِلْكَ الطّرق (مِنْهَا) أَي من تِلْكَ الخصوصيات (و) طَرِيق (إجمالي شَامِل) لجَمِيع الْمسَائِل (يسْتَعْمل فِي مَحل النزاع) وَهُوَ مَا أَفَادَهُ بقوله (لَو لم يقدر رُجْحَانهَا) أَي الْمصلحَة على الْمفْسدَة (هُنَا) أَي فِي مَحل النزاع (لزم التَّعَبُّد الْبَاطِل) أَي ثُبُوت الحكم لَا لمصْلحَة وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا إِنَّمَا هُوَ فِي أَحْكَام لم يقصر الْعقل عَن دَرك حكمهَا والمصالح فِيهَا (بِخِلَاف مَا قصر
стр. 1009
عَن دركه) فَإِن التَّعَبُّد فِيهِ لَيْسَ بباطل، لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال فِيهِ أَن الحكم ثَبت لَا لمصْلحَة لقُصُور عقولنا عَن دركه، ثمَّ بَين السَّبَب فِي أَنهم اتَّفقُوا على اعْتِبَار الْوَصْف عِنْد رُجْحَان الْمصلحَة وَلم يتفقوا على الْغَايَة عِنْد رُجْحَان الْمفْسدَة بقوله: (قيل وَوُقُوع الِاتِّفَاق على الِاعْتِبَار عِنْد رُجْحَان الْمصلحَة دون الإلغاء لرجحان الْمفْسدَة لشدَّة اهتمام الشَّارِع برعاية الْمصَالح وابتناء الْأَحْكَام عَلَيْهَا فَلم تهمل) الْمصلحَة (مرجوحة على الِاتِّفَاق) بل كَانَت على الْخلاف.
(وَأما الثَّالِث) أَي انقسام الْعلَّة بِسَبَب اعْتِبَار الشَّارِع الْوَصْف عِلّة (فَإِذا كَانَ الْقَصْد إصْلَاح المذهبين) للحنفية وَالشَّافِعِيَّة، وَفِي بعض النّسخ اصْطِلَاح المذهبين، وعَلى هَذَا يقدر الْمُضَاف: أَي بَيَان اصطلاحهما وعَلى الأول لَا يلْزم عدم اصطلاحهما فِي حد ذاتيهما قبله: بل بِاعْتِبَار النُّقْصَان فِي بَيَان ناقليهما (فَاخْتلف طرق الشَّافِعِيَّة من الْغَزالِيّ وَشَيْخه) إِمَام الْحَرَمَيْنِ (والرازي والآمدي اقتصرنا على) الطَّرِيق (الشهيرة) يَعْنِي قصدت اسْتِيفَاء مصلحاتهما فَوجدت كَثْرَة الِاخْتِلَاف على وَجه يطول الْكَلَام جدا بِاسْتِيفَاء الْأَقْوَال فاقتصرت على الشهيرة (المثبتة) المتقنة المحكمة وَترك الْأَقْوَال الضعيفة (وَالْمُنَاسِب بذلك) الْمحل (الِاعْتِبَار) أَي اعْتِبَار الشَّارِع ذَلِك الْوَصْف عِلّة أَرْبَعَة (مُؤثر وملائم وغريب ومرسل، فالمؤثر مَا) أَي وصف (اعْتبر عينه فِي عين الحكم بِنَصّ) من كتاب أَو سنة (كالحدث بالمس) أَي بِمَسّ الذّكر، فَإِن عين الْمس اعْتبر فِي عين الْحَدث فِي قَوْله ﷺ " من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ " وَهَذَا الْمِثَال على قَول الشَّافِعِيَّة (وعَلى) قَول (الْحَنَفِيَّة سُقُوط نَجَاسَة الْهِرَّة بالطوف) فَإِن عين الطوف اعْتبر فِي عين السُّقُوط بقوله ﷺ " أَنَّهَا لَيست بنجسة إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات " (فتعدى) بسقوطها (إِلَى الْفَأْرَة) بِعَين الطّواف (والأوضح) فِي التَّمْثِيل (السكر فِي الْحُرْمَة) فَإِن عين السكر اعْتبر فِي عين التَّحْرِيم بقوله ﷺ " كل مُسكر حرَام " وَجه الأوضحية أَن عين الْوَصْف وَعين الحكم منصوصان فِي هَذَا النَّص بِخِلَاف الْأَوَّلين فَإِن الْحَدث نَفسه غير مَنْصُوص وَكَذَا السُّقُوط فِي الْمِثَال الثَّانِي (أَو إِجْمَاع) مَعْطُوف على نَص (كولاية المَال بالصغر) أَو ولَايَة التَّصَرُّف للْوَلِيّ فِي مَال الصَّغِير، فَإِن عين الصغر اعْتبر فِي عين الولايتين بِالْإِجْمَاع (وَقد يُقَال) مَا اعْتبر (نَوعه) فِي نوع الحكم بدل عَنهُ فِي عينه كَمَا قَالَ صدر الشَّرِيعَة (نفيا لتوهم اعْتِبَاره) أَي الْوَصْف (مُضَافا لمحل) كالسكر الْمَخْصُوص بِالْخمرِ وَالْحُرْمَة الْمَخْصُوصَة بهَا فَيكون للخصوصية مدْخل فِي الْعلية وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا سمى بالمؤثر لظُهُور تَأْثِيره فِي الحكم أَو الْإِجْمَاع وَالْمرَاد ثُبُوته بالِاتِّفَاقِ لذكر الْمُرْسل فِي مُقَابِله وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ فَلَا اتِّفَاق إِلَّا فِيهِ وَلم يعْتَبر الثُّبُوت بِالْقِيَاسِ. هَاهُنَا، لِأَن الْقيَاس فِي الْأَسْبَاب غير مُعْتَبر (والملائم مَا) أَي وصف (ثَبت) عينه
стр. 1010
(مَعَه) أَي مَعَ عين الحكم (فِي الأَصْل مَعَ ثُبُوت اعْتِبَار عينه فِي جنس الحكم بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو قلبه) أَي مَا ثَبت مَعَه فِي الأَصْل مَعَ اعْتِبَار جنسه فِي عين الحكم، سمى بِهِ لكَونه مُوَافقا لما اعْتَبرهُ الشَّرْع (أَو جنسه) مَعْطُوف على مَا عطف عَلَيْهِ قلبه (فِي جنسه) أَي الحكم (فَالْأول) أَي الْعين مَعَ الْعين فِي الأَصْل بِمُجَرَّد تَرْتِيب الحكم على وَفقه مَعَ ثُبُوت اعْتِبَار عينه فِي جنس الحكم (كالصغر فِي حمل انكاحها) أَي الصَّغِيرَة (على مَا لَهَا فِي ولَايَة الْأَب) فَإِنَّهُ وصف ملائم لترتيب ثُبُوت ولَايَة الْأَب لانكاحها غليه كَمَا فِي تَرْتِيب ثُبُوتهَا على مَا لَهَا (فَإِن عين الصغر (مُعْتَبر فِي جنس الْولَايَة بِالْإِجْمَاع لاعتباره) أَي الصغر (فِي ولَايَة المَال) بِالْإِجْمَاع. وَلما كَانَ فِي هَذَا الْمِثَال نظر لِأَنَّهُ لم يعْتَبر فِيهِ أَولا عين الْوَصْف مَعَ عين الحكم بل ابْتِدَاء جعل عين الْوَصْف مؤثرا فِي جنس الحكم، قَالَ (وصواب الْمِثَال للحنفية الثّيّب الصَّغِيرَة على الْبكر الصَّغِيرَة فِي ولَايَة الانكاح بالصغر) أَي ثُبُوت إنكاح الْأَب الثّيّب قِيَاسا على ثُبُوت ولَايَة إنكاحه الصَّغِيرَة الْبكر بِجَامِع الصغر (وعينه) أَي الصغر اعْتبر (فِي جِنْسهَا) أَي الْولَايَة (لاعتباره) أَي الصغر (الخ) أَي فِي جنس الْولَايَة بِاعْتِبَارِهِ فِي ولَايَة المَال لثبوتها بِالْإِجْمَاع (لِأَن إِثْبَات اعْتِبَاره) أَي الْوَصْف عِلّة (بِنَصّ أَو إِجْمَاع فِي الْجِنْس) إِنَّمَا هُوَ (بإظهاره) أَي بِاعْتِبَارِهِ (فِي) مَحل (آخر) من جنس الأَصْل (لَا فِي عين حكم الأَصْل لِأَن ذَلِك) أَي الَّذِي اعْتبر فِي عين حكم الأَصْل إِنَّمَا هُوَ (الْمُؤثر) لَا الملائم. (وَالثَّانِي) وَهُوَ قلب الأول اعْتِبَار جنس الْوَصْف فِي عين الحكم (فِي حمل الْحَضَر حَالَة الْمَطَر على السّفر فِي) جَوَاز (الْجمع) بَين المكتوبتين (بِعُذْر الْمَطَر، وجنسه) أَي جنس عذر الْمَطَر (الْحَرج) أَي الضّيق مُؤثر (فِي عين رخصَة الْجمع بِالنَّصِّ على اعْتِبَاره) أَي الْجِنْس الْمَذْكُور (فِي عين الْجمع) فِي السّفر إِذْ الْحَرج جنس يَشْمَل الضّيق الْحَاصِل من خوف الضلال والانقطاع، وَمِنْه الْمَطَر، ونه التأذي بِهِ، عَن أنس أَنه ﷺ كَانَ إِذا عجل بِهِ السّير يُؤَخر الظّهْر إِلَى وَقت الْعَصْر فَيجمع بَينهمَا وَيُؤَخر الْمغرب حَتَّى يجمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء حَتَّى يغيب الشَّفق إِلَى غير ذَلِك فَإِن قلت النَّص إِنَّمَا دلّ على جَوَاز الْجمع فِي السّفر لَا على علية الْحَرج لَهُ قُلْنَا من الْمَعْلُوم كَونه من فروع - ﴿مَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ - (أما حرج لسفر فبالثبوت مَعَه فَقَط) أَي إِنَّمَا اعْتبر عين حرج السّفر فِي الحكم الَّذِي هُوَ الْجمع بِمُجَرَّد ترَتّب الحكم على وَفقه إِذْ لَا نَص وَلَا إِجْمَاع على علية نفس حرج السّفر (وَالْحق أَن الْمُضَاف هُوَ مَحل النَّص) أَي أَن الْمُعْتَبر فِي حكم الأَصْل هُوَ الْمُضَاف إِلَى السّفر، يَعْنِي حرج السّفر (فَلَا يتَعَدَّى) حكم الأَصْل إِلَى غَيره ضَرُورَة أَن الْمحل جُزْء من الْمُعْتَبر فِي حكمه (لَا) أَن مَحل النَّص هُوَ الْحَرج (الْمُطلق) عَن الْإِضَافَة (وَإِلَّا تعدى) حكم
стр. 1011
رخصَة الْجمع (إِلَى ذِي الصِّنَاعَة الشاقة) لوُجُود الْحَرج فِيهِ (وَلم يحْتَج إِلَى الإناطة بِالسَّفرِ) بل كَانَ يُضَاف إِلَى الْحَرج مُطلقًا (إِذْ لَا خَفَاء فِي الْمُطلق) أَي مَا يُطلق عَلَيْهِ الْحَرج عرفا (كالإسكار فِي الْخمر) والإناطة فِي السّفر لَيْسَ إِلَّا لعدم انضباط مَا هُوَ الْعلَّة بِالْحَقِيقَةِ فَإِنَّهَا حرج خَاص بِمَعْرِِفَة الْإِضَافَة، فَلَيْسَ مِثَالا للملائم الَّذِي اعْتبر فِيهِ جنس الْوَصْف فِي عين الحكم (وَأَيْضًا فَذَلِك) أَي دلَالَة ثُبُوت الْجِنْس فِي الْعين على صِحَة اعْتِبَار الْعين إِنَّمَا يكون (بعد ثُبُوت الْعين فِي المحلين) الأَصْل وَالْفرع كالصغر فِي الْمِثَال السَّابِق (وَلَيْسَ الْمَطَر) الَّذِي هُوَ الْعين هَهُنَا (هُوَ الأَصْل) الَّذِي هُوَ السّفر، وَإِنَّمَا هُوَ الْفَرْع فَقَط وَهُوَ الْحَضَر. قَالَ الشَّارِح هَذَا مِثَال تقديري على قَول من جوز الْجمع بَينهمَا بِلَا عذر فِي الْحَضَر بِشَرْط أَن لَا يتَّخذ عَادَة، وَمِمَّنْ نقل عَنهُ ابْن سِيرِين وَرَبِيعَة وَأَشْهَب وَابْن الْمُنْذر خلافًا لعامة الْعلمَاء تمسكا بِمَا عَن ابْن عَبَّاس
" جمع رَسُول الله ﷺ بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء بِالْمَدِينَةِ من غير خوف وَلَا مطر. قَالَ سعيد بن جُبَير فَقلت لِابْنِ عَبَّاس لم فعل ذَلِك؟ قَالَ أَرَادَ أَن لَا يحرج أمته " رَوَاهُ مُسلم (ولبعض الْحَنَفِيَّة) لصَاحب البديع وَصدر الشَّرِيعَة فِي تَمْثِيل الثَّانِي (كاعتبار جنس الْمَضْمَضَة المومى إِلَيْهَا فِي عدم إفسادها الصَّوْم) فِي حَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَيْثُ قَالَ
" هششت فَقبلت وَأَنا صَائِم فَقلت يَا رَسُول الله صنعت الْيَوْم أمرا عَظِيما فَقبلت وَأَنا صَائِم قَالَ: أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِالْمَاءِ وَأَنت صَائِم؟ قلت لَا بَأْس قَالَ فَمه " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط مُسلم، وَقَالَ الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَمعنى فَمه: أَي فَمَا الْفرق بَينهمَا فَإِن جنس الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْمَضْمَضَة اعْتبر فِي عين الحكم وَهُوَ عدم الْإِفْسَاد (وَهُوَ) أَي جنسه (عدم دُخُول شَيْء إِلَى الْجوف وَلَيْسَ) هَذَا (مِمَّا نَحن فِيهِ، وَهُوَ) أَي مَا نَحن فِيهِ (الْعلَّة بِمَعْنى الْبَاعِث بل الانتفاء) للإفساد (لانْتِفَاء ضد الرُّكْن) للصَّوْم: يَعْنِي دُخُول شَيْء إِلَى الْجوف (مَعَ أَنه من الْعين) أَي اعْتِبَار عين الْوَصْف هُوَ عدم دُخُول شَيْء فِي الْجوف (فِي الْعين) أَي عين الحكم وَهُوَ عدم إِفْسَاد الصَّوْم فَهُوَ من الْمُؤثر. (وَالثَّالِث) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور مَعَ ثُبُوت جنسه فِي جنس الحكم (كَالْقَتْلِ بالمثقل) أَي كقياسه (عَلَيْهِ) أَي على الْقَتْل (بالمحدد) فِي الحكم الَّذِي هُوَ الْقَتْل (بِالْقَتْلِ الْعمد الْعدوان) أَي بِهَذَا الْجَامِع كَمَا عَلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم (وجنسه) أَي الْقَتْل الْعمد الْعدوان (الْجِنَايَة على البنية) للْإنْسَان، وَقد يعْتَبر (فِي جنس الْقصاص وَلَيْسَ) من هَذَا الْقَتِيل (فَإِنَّهُ من الْمُؤثر) لِأَن الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْقَتْل الْعمد الْعدوان فِي حكم الأَصْل الَّذِي هُوَ الْقَتْل بِهِ ثَابت بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع (فَقيل) وقائله التَّفْتَازَانِيّ (لَا نَص وَلَا إِجْمَاع على أَن الْعلَّة) فِي الأَصْل (الْقَتْل وَحده أَو) الْقَتْل (مَعَ قيد كَونه بالمحدد، وَلَو صَحَّ) مَا قيل (لزم انْتِفَاء الْمُؤثر لتأتيه) أَي مثل مَا قَالَ (فِي كل
стр. 1012
وصف مَنْصُوص بِالنِّسْبَةِ إِلَى قيد يفْرض فَإِن قيل إِنَّمَا قُلْنَا) ذَلِك (إِذا قَالَ بالقيد مُجْتَهد وَلَيْسَ) هَذَا (فِي الْكل) أَي كل أَمْثِلَة الْمُؤثر (قُلْنَا إِن سلم) أَن إبداء قيد يفْرض إِنَّمَا يسمع إِذا قَالَ بِهِ مُجْتَهد، وَفِيه إِشَارَة إِلَى منع اعْتِبَار قَول الْمُجْتَهد فِي إبداء قيد يفْرض بل يرد على ذَلِك الْمُجْتَهد فَإِن إبداء قيد مَا لم يقل بِهِ مُجْتَهد فَتَأمل (فمنتف) جَوَاب الشَّرْط: أَي قَول الْمُجْتَهد مُنْتَفٍ (فِي الْمِثَال) الْمَذْكُور (فَإِن أَبَا حنيفَة لم يعْتَبر فِي الْعلَّة سواهُ) أَي غير الْقَتْل الْعمد الْعدوان (غير أَنه يَقُول انْتَفَت الْعلَّة بِانْتِفَاء دَلِيل العمدية) وَهُوَ الْقَتْل بِمَا لَا يثبت لتفريقه الْأَجْزَاء فَإِنَّهَا أَمر مبطن، وَهَذَا يظهرها فأقيم مقَام الْوُقُوف على حَقِيقَة الْقَصْد (ولبعض الْحَنَفِيَّة) كصدر الشَّرِيعَة فِي التَّمْثِيل الثَّالِث (الطوف فِي طَهَارَة سُؤْر الْهِرَّة) اعْتبر جنسه (وجنسه الضَّرُورَة: أَي الْحَرج فِي جنسه) أَي الحكم (التَّخْفِيف وَهُوَ) أَي مَا قَالَه إِنَّمَا يتم (على تَقْدِير عدم النَّص عَلَيْهِ) أَي على عين الْوَصْف: أَي الطوف وَلَيْسَ كَذَلِك فَهُوَ (كَالَّذي قبله) من قبيل الْمُؤثر. (والغريب مَا) أَي وصف (لم يثبت) فِيهِ (سوى) اعْتِبَار (الْعين) أَي عين ذَلِك الْوَصْف (مَعَ الْعين) أَي عين الحكم بترتب الحكم عَلَيْهِ فَقَط (فِي الْمحل كالفعل الْمحرم لغَرَض فَاسد فِي حرمَان الْقَاتِل) الْإِرْث من الْمَقْتُول، فَإِن هَذَا الْوَصْف: أَي الْفِعْل الْمحرم (يثبت) الحرمان (مَعَه فِي الأَصْل) أَي قتل الْوَارِث مُوَرِثه (وَلَا نَص وَلَا إِجْمَاع على اعْتِبَار عينه) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور (فِي جنسه) أَي الحكم (أَو) على اعْتِبَار (جنسه) أَي الْوَصْف (فِي أَحدهمَا) عين الحكم أَو جنسه (ليلحق بِهِ) أَي الْفَاعِل فعلا محرما لغَرَض فَاسد (الفار) من تَوْرِيث زَوجته بِطَلَاقِهَا فِي مرض مَوته إِذا مَاتَ وَهِي فِي الْعدة (وبالثبوت) أَي بِثُبُوت الْوَصْف مَعَ الحكم (بعد مَا قيل إِنَّمَا هُوَ مِثَال لغريب الْمُرْسل) الَّذِي لم يظْهر إلغاؤه وَلَا اعْتِبَاره، كَذَا وجدنَا فِي النّسخ المصححة. وَكَانَ فِي نُسْخَة الشَّارِح قبل قَوْله وبالثبوت زِيَادَة، فَقَالَ الشَّارِح: كَانَ فِي النُّسْخَة مَكَان يثبت مَعَه فِي الأَصْل ثَبت مَعَه فِي الْجُمْلَة فَقَالَ قِيَاسا على ذَلِك (وَقَوْلنَا فِي الْجُمْلَة لِأَنَّهُ) أَي الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْفِعْل الْمحرم (قد ثَبت مَعَ عَدمه) أَي عدم الحكم، وَهُوَ الحرمان (فِيمَا لم يقْصد المَال) أَي أَخذه بذلك الْفِعْل وَهُوَ مَا إِذا كَانَ أَجْنَبِيّا وَلَيْسَ بِزَوْج وَلَا زَوْجَة، فَإِن حرمَان الْإِرْث فرع مَا إِذا كَانَ بِحَيْثُ يَرث مِنْهُ أهـ (وَاعْلَم أَنه يُمكن فِي الأَصْل اعتباران: الْقَتْل) فِي الْوَصْف (والحرمان) فِي الحكم (فَيكون) الْوَصْف مناسبا (مؤثرا) فِي الحكم لاعْتِبَار عين الْوَصْف فِي عين الحكم بِنَصّ، وَهُوَ قَوْله ﷺ " لَا يَرث الْقَاتِل شَيْئا من قَاتله " (أَو) الْفِعْل (الْمحرم) فِي الْوَصْف (ونقيض قَصده) أَي الْفَاعِل فِي الحكم (وَيتَعَيَّن) هَذَا الِاعْتِبَار (فِي الْمِثَال، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر هَكَذَا (اخْتلف الحكم فيهمَا) أَي فِي الأَصْل وَالْفرع (إِذْ هُوَ) أَي الحكم (فِي الأَصْل عدم الْمِيرَاث وَالْفرع الْمِيرَاث
стр. 1013
فَإِن لم يثبت) الْوَصْف مَعَ الحكم (أصلا فالمرسل) أَي فَهُوَ الْمُرْسل. (وينقسم) الْمُرْسل (إِلَى مَا علم إلغاؤه كَصَوْم الْملك عَن كَفَّارَته لمشقته) أَي الصَّوْم (بِخِلَاف إِعْتَاقه) فَإِنَّهُ سهل عَلَيْهِ وَالصِّيَام مَعَ الْقُدْرَة على الْإِعْتَاق مُخَالف للنَّص، فَهَذَا الْقسم مَعْلُوم الإلغاء (وَمَا لم يعلم) إلغاؤه (وَلم يعلم اعْتِبَار جنسه) أَي الْوَصْف (فِي جنسه) أَي الحكم (أَو) لم يعلم اعْتِبَار (عينه) أَي الْوَصْف (فِي جنسه) أَي الحكم (أَو) لم يعلم اعْتِبَار (قلبه) أَي الْجِنْس فِي الْعين (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم الثَّانِي (الْغَرِيب الْمُرْسل وهما) أَي القسمان الْمَذْكُورَان (مردودان اتِّفَاقًا، وَأنكر على يحيى بن يحيى) تلميذ الإِمَام مَالك (إفتاؤه) بعض مُلُوك الغرب فِي كَفَّارَة (بِالْأولِ) أَي بِحكم مَا علم إلغاؤه، وَهُوَ الصَّوْم (بِخِلَاف الْحَنَفِيّ) أَي إِفْتَاء من أفتى من الْحَنَفِيَّة عِيسَى بن ماهان وَإِلَى خُرَاسَان فِي كَفَّارَة يَمِين بِالصَّوْمِ (مُعَللا) تعين الصَّوْم عَلَيْهِ (بفقره لتبعاته) فَإِن مَا عَلَيْهِ من التَّبعَات فَوق مَاله من الْأَمْوَال، فَعَلَيهِ كَفَّارَة من لَا يملك شَيْئا (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّعْلِيل (ثَانِي تعليلي يحيى بن يحيى: حَكَاهُمَا بعض الْمَالِكِيَّة) الْمُتَأَخِّرين، وَهُوَ ابْن عَرَفَة (عَنهُ) أَي عَن يحيى بن يحيى فَإِنَّهُ تَعْلِيل مُتَّجه لَيْسَ من قبيل مَعْلُوم الإلغاء فَلْيَكُن الْمعول عَلَيْهِ، وَالْأول علاوته (وَمَا علم اعْتِبَار أَحدهَا) أَي جنسه فِي جنسه أَو عينه فِي جنسه أَو جنسه فِي عينه (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (الْمُرْسل الملائم. وَعَن الشَّافِعِي وَمَالك قبُوله): وَذكر الْأَبْهَرِيّ أَنه لم يثبت عَنْهُمَا والسبكي أَن الَّذِي صَحَّ عَن مَالك اعْتِبَار جنس الْمصَالح قطعا، وَإِنَّمَا يسوغ الشَّافِعِي تَعْلِيق الْأَحْكَام بالمصالح الشبيه بالمصالح الْمُعْتَبرَة وفَاقا، وبالمصالح المستندة إِلَى أَحْكَام ثَابِتَة الْأُصُول وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ يخْتَار نَحْو ذَلِك (وَشرط الْغَزالِيّ) فِي قبُوله ثَلَاثَة شُرُوط (كَون مصْلحَته ضَرُورِيَّة قَطْعِيَّة: أَي ظنا يقرب مِنْهُ كُلية) كَمَا لَو تترس الْكفَّار بأسرى الْمُسلمين فِي حربهم، وَعلمنَا أَنه لَو لم نرم الترس استأصلوا الْمُسلمين المتترس بهم وَغَيرهم بِالْقَتْلِ وَإِن رميناهم سلم أَكثر الْمُسلمين، فَيجوز رميهم وَإِن قتل فيهم مُسلم بِلَا ذَنْب لحفظ بَاقِي الْأمة لِأَنَّهُ أقرب إِلَى مَقْصُود الشَّارِع، فَعلم الْمصلحَة الْمَقْصُودَة للشارع بِالضَّرُورَةِ بأدلة كَثِيرَة، وَكَونهَا قريبَة من الْقطع لجَوَاز دفعهم عَن الْمُسلمين بِغَيْر رميهم، وَكَونهَا كُلية لتعلقها ببيضة الْإِسْلَام إِلَّا أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِبَعْض مِنْهُم، وَدَلِيل كَون هَذَا من الملائم أَنه لم يُوجد الْمعِين وَثَبت اعْتِبَار الْجِنْس فِي الْجِنْس وَلم يعْتَبر الشَّارِع الْجِنْس الْقَرِيب لهَذَا الْوَصْف فِي الْجِنْس الْقَرِيب لهَذَا الحكم، لَكِن اعْتبر جنسه فِي جنس الحكم كَمَا فِي الرُّخْصَة فِي اسْتِبَاحَة الْمُحرمَات وَاعْترض بِأَن هَذَا فِي جنسه الْأَبْعَد، أَعنِي الْأَعَمّ من ضَرُورَة حفظ النَّفس، وَهُوَ مُطلق الضَّرُورَة، والأبعد غير كَاف فِي الملاءمة، وَفِي التَّلْوِيح: الأولى أَن يُقَال اعْتبر الشَّرْع حُصُول النَّفْع الْكثير فِي تحمل الضَّرَر الْيَسِير، وَتَحْقِيق هَذِه الشُّرُوط فِي غَايَة الندرة
стр. 1014
فَلَا يجوز بِنَاء الحكم عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَدُور على وصف ظَاهر منضبط، وَإِلَى مَا ذكرنَا أَشَارَ بقوله (فَلَا يَرْمِي المتترسون بِالْمُسْلِمين لفتح حصن) لِأَن فَتحه لَيْسَ بضروري (وَلَا) يَرْمِي المتترسون بِالْمُسْلِمين (لظن استئصال الْمُسلمين) ظنا بَعيدا من الْقطع (وَلَا يَرْمِي بعض أهل السَّفِينَة لنجاة بعض) لأَنهم لَيْسُوا كل الْأمة، على أَنه تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (الْمُسَمّى بالمصالح الْمُرْسلَة) لإطلاقها عَمَّا يدل على اعْتِبَارهَا أَو إلغائها (وَالْمُخْتَار) عِنْد أَكثر الْعلمَاء (رده) مُطلقًا (إِذْ لَا دَلِيل على الِاعْتِبَار) أَي اعْتِبَار الشَّرْع (وَهُوَ دَلِيل شَرْعِي) فَلَا يَصح بِدُونِ اعْتِبَار الشَّارِع (فَوَجَبَ رده) لعدم الِاعْتِبَار (قَالُوا فتخلوا وقائع) كَثِيرَة مِمَّا يبتلى بِهِ الْمُكَلف فَيحْتَاج إِلَى معرفَة حكم الله تَعَالَى فِيهَا للْعَمَل (قُلْنَا نمْنَع الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم أَنه يلْزم من عدم اعْتِبَار مَا ذكر أَن تَخْلُو الوقائع من الحكم (لِأَن العمومات) من الْكتاب وَالسّنة (والأقسية شَامِلَة) لجَمِيع الوقائع (وَبِتَقْدِير عَدمه) أَي عدم الشُّمُول (فنفى كل مدرك خَاص حكمه الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة) يَعْنِي إِذا انْتَفَى فِي حَادِثَة وجود مَأْخَذ من الْأَدِلَّة الْأَرْبَعَة فَعمل بِمُوجب أصل كلي مُقَرر فِي الشَّرْع اتِّفَاقًا، وَهِي الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة فَإِنَّهُ الأَصْل فِي الْأَشْيَاء على مَا عرف فِي مَحَله (فَلم تخل عَن حكم الشَّرْع) وَاقعَة (وَهُوَ الْمُبْطل) أَي الْخُلُو عَن الحكم هُوَ الْمُبْطل للرَّدّ الْمَذْكُور (فَظهر اشْتِرَاط لفظ الْغَرِيب والملائم بَين مَا ذكر من الْأَقْسَام الأول للمناسب، والثواني للمرسل، وَسَيذكر أَنه يجب من الْحَنَفِيَّة قبُول الْقسم الْأَخير من الْمُرْسل، فاتفاقهم) إِنَّمَا هُوَ (فِي نفي الْأَوَّلين، وَجعل الْآمِدِيّ الْخَارِجِي) أَي الْمُحَقق فِي الْخَارِج (من الملائم) قسما (وَاحِدًا) وَهُوَ مَا اعْتبر فِيهِ خُصُوص الْوَصْف فِي خُصُوص الحكم وعمومه فِي عُمُومه (قَالَ الْمُنَاسب أَن) كَانَ (مُعْتَبرا بِنَصّ أَو إِجْمَاع فالمؤثر وَإِلَّا فَإِن) كَانَ مُعْتَبرا (بترتيب الحكم على وَفقه فتسعة، لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يعْتَبر خُصُوص الْوَصْف أَو عُمُومه أَو خصوصه وعمومه) مَعًا (فِي عين الحكم) مِمَّا لَا يكون بِنَصّ أَو إِجْمَاع لِأَن ذَلِك من الْمُؤثر، بل اعْتِبَار ناشي مِنْهُ اعْتِبَار عينه فِي جنس الحكم (أَو جنسه أَو عينه) أَي الحكم (وجنسه) فَإِن قلت فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على هَذِه الاعتبارات الثَّلَاثَة قلت فرق بَين أَن يكون للوصف صَلَاحِية اعْتِبَار الْعين فِي الْعين بِسَبَب أَحدهمَا وَبَين أَن يعْتَبر أهل الشَّرْع ذَلِك، فَإِنَّهُ تتأكد تِلْكَ الصلاحية، وَقد يعْتَبر مُجَرّد ثُبُوت الْعين مَعَ الْعين من غير أحد الْأُمُور الثَّلَاثَة: كَذَا فِي الْغَرِيب (ثمَّ غير الْمُعْتَبر) بِأَن لَا يَتَرَتَّب الحكم على وَقفه فِي الأَصْل (إِمَّا أَن يظْهر إلغاؤه أَو لَا) فَهَذِهِ جملَة الْأَقْسَام (وَالْوَاقِع مِنْهَا فِي الشَّرْع لَا يزِيد على خَمْسَة: مَا اعْتبر خُصُوص الْوَصْف فِي خُصُوص الحكم وعمومه) أَي الْوَصْف (فِي عُمُومه) أَي الحكم فِي مَحل آخر (وَيُسمى الملائم كَقَتل المثقل إِلَى الخ) فَإِنَّهُ ظهر تَأْثِير عينه، فِي عين الحكم وَهُوَ وجوب الْقَتْل فِي المحدد لَكِن لم يثبت بِالنَّصِّ
стр. 1015
أَو الْإِجْمَاع عَلَيْهِ مُجَرّد الْقَتْل عُدْوانًا لجَوَاز مدخلية المحدد فِي الْعلية كَيفَ وَإِلَّا لَكَانَ من الْمُؤثر وتأثير جنسه وَهُوَ الْجِنَايَة على الْمحل الْمَعْصُوم بالقود فِي جنس الْقَتْل من حَيْثُ الْقصاص فِي الْأَيْدِي فَهَذَا هُوَ الأول اتّفق القائسون على قبُوله، وَمَا عداهُ فمختلف فِيهِ (وَمَا اعْتبر الْخُصُوص) فِي الْخُصُوص (فَقَط) لَكِن (لَا بِنَصّ أَو إِجْمَاع، وَهُوَ الْمُنَاسب الْغَرِيب كالإسكار فِي تَحْرِيم الْخمر لَو لم ينص) أَي على تَقْدِير عدم النَّص (إِنَّمَا على عينه) أَي الْإِسْكَار (فِي عينه) أَي التَّحْرِيم (إِذْ لم يظْهر اعْتِبَار عينه) أَي الْوَصْف فِي جنس الحكم (وَلَا جنسه) أَي الْإِسْكَار (فِي جنسه) أَي التَّحْرِيم (أَو عينه) أَي التَّحْرِيم (وَمَا اعْتبر جنسه) أَي الْوَصْف (فِي جنسه) أَي أَي الحكم (فَقَط وَلَا نَص وَلَا إِجْمَاع، وَهَذَا من جنس الْمُنَاسب الْغَرِيب إِلَّا أَنه) أَي هَذَا الْقسم (دون مَا سبق) وَكَذَا قَالَ فِي الأول وَهُوَ الْمُنَاسب الْغَرِيب (وَذَلِكَ كاعتبار جنس الْمَشَقَّة الْمُشْتَركَة بَين الْحَائِض وَالْمُسَافر فِي جنس التَّخْفِيف المتناول لإِسْقَاط الصَّلَاة) رَأْسا (و) إِسْقَاط (الرَّكْعَتَيْنِ) من الرّبَاعِيّة فَهَذَا هُوَ الثَّالِث (وَمَا لم يثبت) اعْتِبَاره وَلَا إلغاؤه (كالتترس) كَمَا سبق وَهُوَ الْمُنَاسب الْمُرْسل فَهَذَا هُوَ الرَّابِع (أَو) الْمُنَاسب الَّذِي (ثَبت إلغاؤه) وَلم يثبت اعْتِبَاره كَمَا فِي إِيجَاب الصَّوْم فِي كَفَّارَة الْملك فِي فطر رَمَضَان، فَهَذَا هُوَ الْخَامِس (ثمَّ جنس كل) من الحكم وَالْوَصْف ثَلَاث مَرَّات (قريب) أَو سافل (وبعيد) تَحْتَهُ جنس لَا فَوْقه (ومتوسط) بَينهمَا (فالعالي) من الحكم (الحكم ثمَّ الْوُجُوب وَأحد مقابلاته) من التَّحْرِيم وَالنَّدْب وَالْكَرَاهَة وَالْإِبَاحَة (ثمَّ الْعِبَادَة أَو الْمُعَامَلَة ثمَّ الصَّلَاة أَو البيع ثمَّ الْمَكْتُوبَة أَو النَّافِلَة أَو البيع بِشَرْطِهِ على تساهل لَا يخفى لِأَنَّهَا) أَي الْعِبَادَة وَمَا بعْدهَا (أَفعَال لَا أَحْكَام، وَالْوَصْف) العالي جنسه (كَونه وَصفا يناط بِهِ الْأَحْكَام، ثمَّ الْمُنَاسب، ثمَّ الْمصلحَة الضرورية، ثمَّ حفظ النَّفس، أَو مقابلاته) أَو حفظ الدّين وَحفظ الْعقل وَحفظ المَال، وَهَذَا جنس سافل (وَمثل الْوَصْف أَيْضا بعجز الصَّبِي غير الْعَاقِل وَعجز الْمَجْنُون نَوْعَانِ) من الْعَجز (جنسهما الْعَجز لعدم الْعقل وفوقه الْعَجز لضعف القوى أَعم من الظَّاهِرَة والباطنة على مَا يَشْمَل الْمَرِيض) وفوقه الْجِنْس الَّذِي هُوَ الْعَجز النَّاشِئ عَن الْفَاعِل بِدُونِ اخْتِيَاره على مَا يَشْمَل الْمَحْبُوس وفوقه الْجِنْس الَّذِي هُوَ الْعَجز النَّاشِئ عَن الْفَاعِل وَعَن مَحل الْفِعْل وَعَن الْخَارِج، كَذَا فِي التَّلْوِيح فَهَذَا هُوَ الْجِنْس العالي (وَلَا يشكل أَن الظَّن بِاعْتِبَار الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب أقوى لِكَثْرَة مَا بِهِ الِاشْتِرَاك) فِي الْأَقْرَب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبْعَد، مثلا مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ النَّاس اشْتَمَل عَلَيْهِ الحساس مَعَ زِيَادَة وَهَكَذَا (وَشرط بَعضهم) أَي الشَّافِعِيَّة فِي وجوب الْعَمَل بالملائم (شَهَادَة الْأُصُول) بعد مُطَابقَة الْوَصْف قوانين الشَّرْع، وَالْمرَاد بالأصول مَا يتَعَلَّق بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع بالحكم الْمُعَلل بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي المُرَاد بِشَهَادَة الأَصْل
стр. 1016
أَن يكون للْحكم الْمُعَلل أصل معِين من نَوعه يُوجد فِيهِ جنس الْوَصْف أَو نَوعه (سَلَامَته) أَي الْوَصْف إِمَّا بِالرَّفْع خبر الضَّمِير الرَّاجِح إِلَى شَهَادَة الْأُصُول، وَإِمَّا بِالنّصب عطف بَيَان لَهَا من قبيل التَّفْسِير باللازم (من إِبْطَاله بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو تخلف) للْحكم المنوط بِهِ (عَنهُ) فِي بعض صور وجوده (أَو وجود وصف يَقْتَضِي ضد مُوجبه كلا زَكَاة فِي ذُكُور الْخَيل فَلَا) زَكَاة (فِي إناثها بِشَهَادَة الْأُصُول بالتسوية) بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي سَائِر السوائم فِي الزَّكَاة وجوبا وسقوطا. ثمَّ قيل لَا بُد من الْعرض على كل الْأُصُول لينقطع احْتِمَال النَّقْض والمعارضة، وَقيل أدنى مَا يجب عَلَيْهِ خرق الْعرض أصلان، لِأَن الْعرض على الْكل مُتَعَذر أَو متعسر فَوَجَبَ الِاقْتِصَار على أصلين كَمَا فِي الِاقْتِصَار فِي تَزْكِيَة الشَّاهِد. قَالَ شمس الْأَئِمَّة وَمن شَرط الْعرض على الْوَصْف بالتأثير وَالْعرض ظُهُوره، وَالْعرض على الأَصْل كل لم يجد بدا على الْعَمَل، فَإِنَّهُ يَقُول خَصمه وَرَاء هَذَا أصل آخر معَارض أَو نَاقض. وَقَالَ مَشَايِخنَا إِنَّمَا تثبت عَدَالَة الْوَصْف بالتأثير وَالْفَرْض ظُهُوره، وَالْعرض على الْأُصُول لَا يَقع بِهِ التَّعْدِيل، وَالْأُصُول شُهُود للْحكم (وَاعْلَم أَن الْحَنَفِيَّة) قَائِلُونَ (التَّعْلِيل بِكُل من الْأَرْبَعَة) الْعين فِي الْعين، وَفِي الْجِنْس كالجنس فِي الْجِنْس وَفِي الْعين (مَقْبُول، فَإِن) كَانَ التَّعْلِيل (بِمَا عينه أَو جنسه) مُؤثر (فِي عين الحكم فَقِيَاس إنفاقا للُزُوم أصل الْقيَاس) فِي كل من هذَيْن، وَيُقَال لما تَأْثِير عينه فِي عين الحكم أَنه فِي معنى الأَصْل وَهُوَ الْمَقْطُوع بِهِ الَّذِي رُبمَا يقر بِهِ مُنكر الْقيَاس، إِذْ لَا فرق إِلَّا بتعذر الْمحل (وَإِلَّا) فَإِن كَانَ عينه فِي جنس الحكم أَو جنسه فِي جنسه (فقد) يكون قِيَاسا اتِّفَاقًا (بِأَن يكون) مَا عينه فِي جنس الحكم من قبيل مَا يكون (الْعين فِي الْعين أَيْضا) فيستدعي أصلا مقيسا عَلَيْهِ (فَيكون مركبا) وَكَذَا مَا جنسه فِي جنسه قد يكون مَعَ ذَلِك فِي عينه، فَيكون لَهُ أصل فَيكون قِيَاسا وَقد لَا، وَيجب قبُولهَا للحنفية، إِذْ كل من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة من أَقسَام الْمُؤثر عِنْدهم (وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ قَالَ الْأَصَح عِنْدِي (الْكل قِيَاس دَائِما لِأَن مثله) أَي هَذَا الْوَصْف (لَا بُد لَهُ) فِي الشَّرْع (من أصل قِيَاس) فِي الشَّرْع لَا محَالة (إِلَّا أَنه قد يتْرك لظُهُوره) كَمَا قُلْنَا فِي إِيدَاع الصَّبِي لَا يضمن لِأَنَّهُ سلطه على ذَلِك فَإِنَّهُ بِهَذَا الْوَصْف يكون مقيسا على أصل وَاضح، وَهُوَ أَن من بَاعَ الصَّبِي طَعَاما فتناوله لم يضمن لَهُ لِأَنَّهُ بِالْإِبَاحَةِ مسلط على تنَاوله، وَرُبمَا لَا يَقع الِاسْتِغْنَاء عَنهُ، فيذكر كَمَا قُلْنَا فِي طول الْحرَّة أَنه لَا يمْنَع نِكَاح الْأمة إِن كل نِكَاح يَصح من العَبْد بِإِذن الْمولى هُوَ صَحِيح من الْحر كَنِكَاح الْحرَّة، هَذَا إِشَارَة إِلَى معنى مُؤثر، وَهُوَ أَن الرّقّ ينصف الْحل الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ عقد النِّكَاح وَلَا يبد لَهُ غَيره بِحل آخر، فَيكون الرَّقِيق فِي النّصْف الْبَاقِي بِمَنْزِلَة الْحر فِي الْكل، كَذَا ذكر الشَّارِح الْمَذْكُور.
стр. 1017
فِي التَّلْوِيح من كَلَام شمس الْأَئِمَّة مَا فِي الْمَتْن فَقَط وَلَا يخفى أَن الْمِثَال الثَّانِي حَاصله جَوَاز نِكَاح ذِي الطول الْأمة مُعَللا بِالْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَة الْمَأْخُوذَة، من أَن الرّقّ منصف لما ذكر مبدل، وَهِي على تَقْدِير تَسْلِيمهَا اسْتِدْلَال غير الْقيَاس، وَنِكَاح الْحرَّة لَا يصلح مقيسا عَلَيْهِ للفرع الْمَذْكُور سَوَاء فسرناه بِنِكَاح الْحر الْحرَّة، أَو العَبْد الْحرَّة لعدم كَونه مُعَللا بِالْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَة (وعَلى هَذَا) الَّذِي ذهب إِلَيْهِ شمس الْأَئِمَّة (لَا بُد فِي التَّعْلِيل مُطلقًا من الْعين فِي الْعين أَو الْجِنْس فِيهِ) أَي الْعين (فَإِن أصل الْقيَاس لَا يتَحَقَّق إِلَّا بذلك) أَي بتأثير الْعين فِي الْعين أَو الْجِنْس فِي الْعين (فَلَا يُعلل بِالْجِنْسِ فِي الْجِنْس أَو الْعين فِي الْجِنْس تعليلا بسيطا أصلا وَيحْتَاج إِلَى استقراء يفِيدهُ) أَي هَذَا الْمَطْلُوب (ثمَّ قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بِكُل من الْأَرْبَعَة يَشْمَل الْعين فِي الْعين فَقَط) كَمَا يَشْمَل الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الْأُخَر: جنسه فِي عينه فَقَط، وجنسه فِي جنسه فَقَط (ومرادهم) أَي الْحَنَفِيَّة (إِذا ثَبت) التَّأْثِير الْمَذْكُور (بِنَصّ أَو إِجْمَاع وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يثبت بِأَحَدِهِمَا بل بِالْقِيَاسِ (لزمَه) أَي الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ (التَّرْكِيب) من القياسين وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْبَسِيط (وسمى بَعضهم) أَي صدر الشَّرِيعَة تبعا للرازي (مَا يُوجد) فِيهِ (من أصل الْقيَاس) أَي مَا يكون لحكمه أصل معِين من نَوعه يُوجد فِيهِ جنس الْوَصْف أَو نَوعه سَوَاء اعْتبر الشَّارِع علته أَولا (شَهَادَة الأَصْل فشهادة الاصل أَعم من كل من الاعتبارين) اعْتِبَار النَّوْع فِي النَّوْع وَالْجِنْس فِي النَّوْع (مُطلقًا. أَي يصدق) شَهَادَة الأَصْل (عِنْده) أَي مَا يُوجد من أصل الْقيَاس، لِأَنَّهُ كلما وجد اعْتِبَار نوع الْوَصْف أَو جنسه فِي نوع الحكم فقد وجد للْحكم أصل معِين من نوع يُوجد فِيهِ جنس الْوَصْف أَو نَوعه، لَكِن لَا يلْزم أَنه كلما وجد لَهُ أصل معِين فَوجدَ فِيهِ جنس الْوَصْف أَو نَوعه وجد فِيهِ بِاعْتِبَار نوع الْوَصْف أَو جنسه فِي نوع الحكم لجَوَاز عدم اعْتِبَار الشَّارِع لَهُ مَعَ وجوده (وَمن الآخرين) أَي وَشَهَادَة الأَصْل أَعم من اعْتِبَار الْجِنْس فِي الْجِنْس، واعتباره النَّوْع فِي الْجِنْس (من وَجه) فتوجد شَهَادَة الأَصْل بِدُونِ كل مِنْهُمَا وَيُوجد كل مِنْهُمَا بِدُونِ شَهَادَة الأَصْل، وَقد يوجدان مَعًا، كَذَا ذكره صدر الشَّرِيعَة وَيلْزم مِنْهُ إِثْبَات شَهَادَة بِدُونِ التَّأْثِير، وَتعقبه فِي التَّلْوِيح (وَالْمَشْهُور من معنى شَهَادَة الأَصْل مَا ذكرنَا. ثمَّ لَا يخفى أَن لُزُوم الْقيَاس مِمَّا جنسه) أَي جنس الْوَصْف الثَّابِت اعْتِبَاره فِي الأَصْل بِنَصّ أَو إِجْمَاع (فِي الْعين) أَي عين الحكم فِي الأَصْل (لَيْسَ إِلَّا بِجعْل الْعين) أَي عين الْوَصْف (عِلّة) لذَلِك الحكم (بِاعْتِبَار تضمنها) أَي عين الْوَصْف (الْعلَّة) لذَلِك الحكم (جنسه) بدل من الْعلَّة (فَيرجع إِلَى اعْتِبَار الْعين فِي الْعين) يُرِيد بَيَان كَيْفيَّة لُزُوم الْقيَاس مِمَّا ذكر على وَجه يسْتَلْزم كَون عين الْوَصْف عِلّة للْحكم الْمَطْلُوب فِي الْقيَاس الْمَذْكُور. تلخيصه أَنا إِذا
стр. 1018
وجدنَا أَن الشَّارِع اعْتبر جنس الْوَصْف عِلّة لعين الحكم فِي مَحل، وأردنا أَن نجْعَل عين الْوَصْف عِلّة لَهُ فِي مَحل آخر قُلْنَا: إِن عين بِالْوَصْفِ عِلّة لَهُ فِي ذَلِك الْمحل الآخر، لِأَن عينه يتَضَمَّن لجنسه، وَقد علم اعْتِبَار الشَّارِع علية ذَلِك الْجِنْس لعين هَذَا الحكم فِي الْمحل الأول، فنعتبره عِلّة لَهُ فِي هَذَا الْمحل أَيْضا لوُجُود الْمُنَاسبَة مَعَ الِاعْتِبَار الْمَذْكُور، فَتكون علية الْعين فِي الْحَقِيقَة بِاعْتِبَار جِنْسهَا. نقل عَن المُصَنّف فِي تَمْثِيل هَذَا تَعْلِيل عتق الْأَخ عِنْد شِرَاء أَخِيه إِيَّاه بِأَنَّهُ ملكه أَخُوهُ بِاعْتِبَار الشَّارِع تَأْثِير جنسه، أَعنِي ملك ذِي الرَّحِم الْمحرم فِي عين الحكم وَهُوَ الْعتْق، فالمؤثر فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ إِلَّا ملك ذِي الرَّحِم الْمحرم، فثبوت الْعتْق مَعَ ملك الْأَخ لَيْسَ من حَيْثُ أَنه ملك الْأَخ، بل من حَيْثُ أَنه ملك ذِي الرَّحِم الْمحرم (والبسائط أَربع) حَاصِلَة (من) ضرب (الْعين وَالْجِنْس فِي الْعين وَالْجِنْس) عين الْوَصْف فِي عين الحكم، وجنسه فِي جنسه، وَعين الْوَصْف فِي جنس الحكم، وَقَلبه (هِيَ) أَن هَذِه الْأَرْبَع هِيَ (الْمُؤثر، وَثَلَاثَة ملائم الْمُرْسل) الْمَذْكُورَة (أما الملائم) الَّذِي هُوَ من مُقَابل الْمُرْسل (فَيلْزمهُ التَّرْكِيب لِأَنَّهُ لَا بُد من ثُبُوت عينه) أَي الْوَصْف (فِي عينه) أَي الحكم (بترتب الحكم مَعَه فِي الْمحل، ثمَّ ثُبُوت اعْتِبَار عينه) أَي الْوَصْف (فِي جنس الحكم أَو) ثُبُوت اعْتِبَار (قلبه) أَي جنسه فِي عين الحكم (أَو) ثُبُوت اعْتِبَار (جنسه فِي جنسه، فَأَقل مَا يلْزم فِي الملائم تركيبه من اثْنَيْنِ) وَقد يكون من أَكثر. (والمركب إِمَّا) مركب (من الْأَرْبَعَة قيل) كَمَا فِي التَّلْوِيح (كالسكر) الْمُؤثر عينه (فِي) عين (الْحُرْمَة، وجنسه) أَي السكر هُوَ (إِيقَاع الْعَدَاوَة والبغضاء) مُؤثر (فِيهَا) أَي عين الْحُرْمَة وَهُوَ ثَان، فَإِن الْإِيقَاع الْمَذْكُور كَمَا يكون بالسكر يكون بِغَيْرِهِ (ثمَّ) السكر مُؤثر (فِي وجوب الزاجر أَعم من الأخروي كالحرق والدنيوي كالحد) وَهَذَا جنس الحكم (وجنسه) أَي السكر (الْإِيقَاع) فِي الْعَدَاوَة مُؤثر فِي وجوب الزاجر (فِي الْحَد فِي الْقَذْف) وَهُوَ جنس الحكم (وَلَا يخفى أَن وجوب الحرق) فِي الْآخِرَة (يعد أَنه اعتزال) لجوار عَدمه عِنْد أهل السّنة (غير الحكم الَّذِي نَحن فِيهِ) وَهُوَ التكليفي (وَأَن تَأْثِيره) أَي السكر (فِي وجوب الزاجر لَيْسَ) تَأْثِيرا (فِي جنس حُرْمَة الشّرْب) لكَون من تَأْثِير الْعين فِي الْجِنْس، وَذَلِكَ لِأَن جنس حُرْمَة شرب الْخمر الْحُرْمَة الْمُطلقَة، وَمَا هُوَ أَعم مِنْهُ كَالْحكمِ الْمُطلق، وَمَا هُوَ أخص مِنْهُ كَحُرْمَةِ الشّرْب ونظائره لَا غير، وَلبس وجوب الزاجر مِنْهُ (وَإِنَّمَا يَصح) كَونه مؤثرا فِي جنس حُرْمَة الشّرْب (لتأثير السكر فِي حُرْمَة الْإِيقَاع) فِي الْعَدَاوَة والبغضاء، لِأَنَّهُ عِلّة للإيقاع الْمَذْكُور، وَالْعلَّة مُؤثرَة فِي الْمَعْلُول فقد تحقق بَينهمَا مُنَاسبَة يحسن بهَا مَشْرُوعِيَّة حُرْمَة الْإِيقَاع عِنْد السكر، وَهَذَا من تَأْثِير الْعين فِي الْجِنْس، وَمَا بعده من تَأْثِير الْجِنْس فِي الْجِنْس، وَمَا بعده من تَأْثِير الْجِنْس فِي الْعين
стр. 1019
وَإِنَّمَا لم يذكر الرَّابِع وَهُوَ تَأْثِير الْعين فِي الْعين، أَعنِي السكر فِي حُرْمَة الشّرْب لظُهُوره وشهرته (و) تَأْثِير (الْإِيقَاع فِي حُرْمَة الْقَذْف) فَإِنَّهُ كالعلة الغائية لحُرْمَة الْقَذْف. وَالْقَذْف من نَظَائِر الشّرْب، فَتكون حرمته من جنس حُرْمَة الشّرْب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كَمَا أثر) الْإِيقَاع (فِي الشّرْب) يَعْنِي أثر فِي جنسه كَمَا أثر فِي عينه، وَإِنَّمَا قُلْنَا تَأْثِيره فِي وجوب الزاجر إِلَى آخِره (للتصريح): أَي تَصْرِيح الْأُصُولِيِّينَ (بِأَن المُرَاد بجنسهما) أَي الْوَصْف وَالْحكم (مَا هُوَ أَعم من كل) من الْوَصْف وَالْحكم، وَوُجُوب الزاجر لَيْسَ أَعم من حُرْمَة الشّرْب، بل هُوَ مباين لَهُ مَا كَمَا لَا يخفى، وَالْحُرْمَة الشاملة للشُّرْب وَالْقَذْف أَعم من حُرْمَة الشّرْب (فليزم التصادق) بَين كل من الْوَصْف وَالْحكم وَبَين جنسه، وَقد عرفت تَفْصِيله. (لَا يُقَال مَجِيء مثله) من الْإِيرَاد بِاعْتِبَار عدم التصادق (فِي الْإِيقَاع مَعَ السكر) وَقد جعلت الْإِيقَاع جنس السكر وَالْقَذْف فيحرمهما، وَذَلِكَ بِأَن يُقَال لَا تصادق بَينهمَا (لِأَن المُرَاد بِهِ) أَي الْإِيقَاع (موقع الْعَدَاوَة، وَهُوَ) أَي موقع الْعَدَاوَة، (أَعم من السكر وَالْقَذْف فيحرمهما) أَي يحرم الْإِيقَاع، بل الْموقع السكر والإيقاع وَالْقَذْف (وَإِمَّا) مركب (من ثَلَاثَة فَأَرْبَعَة) أَي فَهُوَ أَرْبَعَة أَقسَام. ثمَّ عين أَمْثِلَة تِلْكَ الْأَرْبَعَة بقوله (فَمَا سوى الْعين فِي الْعين) الخ (التَّيَمُّم عِنْد خوف فَوت صَلَاة الْعِيد، فالجنس) للوصف (الْعَجز بِحَسب الْمحل) عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ شرعا مُؤثر (فِي الْجِنْس) أَي جنس التَّيَمُّم: أَي (سُقُوط مَا يحْتَاج) إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة (و) مُؤثر (فِي الْعين) وَهُوَ (التَّيَمُّم، وَالْعين) للوصف (الْعَجز عَن المَاء) مُؤثر (فِي الْجِنْس) أَي (سُقُوط) وجوب (اسْتِعْمَاله فَإِنَّهُ) أَي اسْتِعْمَاله (أَعم من اسْتِعْمَاله للْحَدَث والخبث لَكِن الْعين) للوصف وَهُوَ (خوف الْفَوْت لم يُؤثر فِي الْعين) للْحكم: أَي (التَّيَمُّم من حَيْثُ هُوَ تيَمّم بِنَصّ أَو إِجْمَاع) فِيهِ أَنكُمْ جعلتم الْعَجز عَن المَاء عين الْوَصْف آنِفا، وَقد اعْتَبرهُ الشَّرْع فِي التَّيَمُّم فَتدبر (فقد جعلت) الْعين للوصف (مرّة خوف الْفَوْت وَمرَّة الْعَجز عَن المَاء لِأَنَّهُمَا) أَي الْخَوْف وَالْعجز (وَاحِد) معنى (لِأَن الْعَجز مخيف فَإِن قلت خوف الْفَوْت هُوَ الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ فِي التَّنَازُع فِيهِ وَهُوَ الْفَرْع) أَي صَلَاة الْعِيد (وَالْمرَاد من الْوَصْف المنظور فِي أَن جنسه أثر فِي جنس الحكم أَو عينه) أَي الحكم (مَا فِي الأَصْل ليدل بِهِ) أَي بتأثير جنسه فِي جنس الحكم أَو عينه (على اعْتِبَاره) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور (عِلّة فِي نظر الشَّارِع قلت ذَلِك) أَي كَون المُرَاد بِالْوَصْفِ مَا فِي الأَصْل إِنَّمَا هُوَ (فِي غير الْمُرْسل وَالتَّعْلِيل بِهِ) أَي بِغَيْر الْمُرْسل (قِيَاس وَلَيْسَ هَذَا الْقسم) أَي الْمركب من ثَلَاثَة لَيْسَ مِنْهَا الْعين فِي الْعين (إِلَّا مُرْسلا فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ قِيَاس وَإِلَّا استدعى أصلا فَلَزِمَهُ) حِينَئِذٍ (الْعين مَعَ الْعين فِي الأَصْل، والمرسل مَأْخُوذ فِيهِ عَدمه) أَي عدم الْعين
стр. 1020
مَعَ الْعين فِي الْعين فِي الْمحل الأَصْل (فالتعليل بالمرسل) تَعْلِيل (بمصالح خَاصَّة ابْتِدَاء اعْتبرت فِي جنس الحكم الَّذِي يُرَاد إثْبَاته أَو جِنْسهَا) أَي الْمصَالح (فِي عينه) أَي الحكم (أَو جنسه لَكِن تشْتَرط الضرورية والكلية) فِيهَا (على مَا تقدم عِنْد قَائِله) وَهُوَ الْغَزالِيّ (فَإِن قلت الْمِثَال حَنَفِيّ وَهُوَ) أَي الْحَنَفِيّ (بِمَنْع الْمُرْسل) فَكيف يتم قَوْله (قُلْنَا سبق أَنه يجب القَوْل بعملهم بِبَعْض مَا يُسمى مُرْسلا عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَيدخل) ذَلِك (فِي الْمُؤثر عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (كَمَا سَيظْهر، والمركب مِمَّا سوى الْجِنْس فِي الْعين الْعَجز عَن غير مَاء الشّرْب) أَي الْعَجز الْحَقِيقِيّ عَمَّا يتَوَضَّأ أَو يغْتَسل بِهِ بِأَن لَا يُوجد عِنْده مَا يَكْفِي لأَحَدهمَا أصلا (فِي التَّيَمُّم) أَي أَي جَوَازه (وَهُوَ الْعين فِي الْعين فِي مَحل النَّص) أَي قَوْله تَعَالَى (فَلم تَجدوا) الْآيَة (وجنسه) أَي عين الْوَصْف الْمَنْصُوص عَلَيْهِ (الْعَجز الْحكمِي) عَن المَاء بِأَن يكون عَجزه عَن غير مَاء الشّرْب فَقَط، فَالَّذِي للشُّرْب لما كَانَ مُسْتَحقّا بِالْحَاجةِ الْأَصْلِيَّة صَار صَاحبه كَأَنَّهُ غير وَاجِد للْمَاء مُطلقًا، وَفِيه مُسَامَحَة، لِأَن الْجِنْس مَا يعم الْحَقِيقِيّ والحكمي، غير أَنه اكْتفى بِذكر مَا يتَحَقَّق بِهِ الأعمية مُؤثر (فِي جنسه) أَي الْحكمِي، يَعْنِي (سُقُوط اسْتِعْمَاله) أَي مَاء الشّرْب، فَإِنَّهُ أَعم من اسْتِعْمَاله فِي الْحَدث والخبث (وعينه) أَي الْوَصْف (عدم وجدانه) أَي المَاء الْكَافِي لوجدانه مُؤثر (فِي جنسه) أَي الحكم الْمَذْكُور: أَي (السُّقُوط دفعا للهلاك) فَإِن قلت: عين الْوَصْف على مَا سبق عدم وجدان مَا يَكْفِي لرفع الْحَدث لَا يسْتَلْزم عدم الْوُجُود مُطلقًا وتأثيره فِي الْجِنْس بِاعْتِبَار عدم وجوب اسْتِعْمَاله لرفع الْخبث دفعا للهلاك فَافْهَم (وَالْجِنْس غير مُؤثر فِيهِ) أَي الْعين (لِأَن الْعَجز الْمَذْكُور) وَهُوَ الْعَجز الْحكمِي مُطلقًا (غير مُؤثر فِي) جَوَاز أَو وجوب (التَّيَمُّم من حَيْثُ هُوَ تيَمّم) بل إِنَّمَا أثر فِي سُقُوط اسْتِعْمَال المَاء مُطلقًا من حدث أَو خبث كَمَا ذكر آنِفا (و) الْمركب (من غير الْعين فِي الْجِنْس كالحيض فِي حُرْمَة القربان) وَهُوَ (الْعين فِي الْعين وجنسه) أَي الْحيض (الْأَذَى) مُؤثر (فِيهِ) أَي فِي تَحْرِيم القربان (أَيْضا و) مُؤثر (فِي الْجِنْس) لحُرْمَة القربان: أَي (حُرْمَة الْجِمَاع مُطلقًا). قَالَ الشَّارِح فَتدخل فِيهِ حُرْمَة اللواطة، وَغير خَافَ أَن هَذَا أولى مِمَّا فِي التَّلْوِيح أَنه وجوب الاعتزال (و) الْمركب (من غير الْجِنْس فِي الْجِنْس كالحيض عِلّة لحُرْمَة الصَّلَاة، وَهُوَ الْعين فِي الْعين وجنسه) أَي عين الحكم مَعْطُوف على حُرْمَة الصَّلَاة، و (حُرْمَة الْقِرَاءَة) عطف بَيَان لجنسه (أَعم مِمَّا فِي الصَّلَاة و) خَارِجهَا على (جنسه) أَي الْحيض (الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ) مُؤثر (فِي حُرْمَة الصَّلَاة لَا الْجِنْس) مَعْطُوف على حُرْمَة الصَّلَاة: أَي غير مُؤثر فِي جنس الحكم (حُرْمَة الْقِرَاءَة مُطلقًا) عطف بَيَان للْجِنْس (والمركب من اثْنَيْنِ الْعين فِي الْعين مَعَ الْجِنْس فِيهِ) أَي الْعين (الطوف) فَإِنَّهُ عِلّة (فِي
следующие страницы →