Полный текст (439 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
(الْقَاعِدَة الأولى (الْمَادَّة / ٢))
(" الْأُمُور بمقاصدها ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الْأُمُور جمع أَمر، وَهُوَ: لفظ عَام للأفعال والأقوال كلهَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله﴾ ، ﴿قل إِن الْأَمر كُله لله﴾ ، ﴿وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد﴾ ، أَي مَا هُوَ عَلَيْهِ من قَول أَو فعل. (ر: مُفْرَدَات الرَّاغِب) .
ثمَّ إِن الْكَلَام على تَقْدِير مُقْتَضى، أَي: أَحْكَام الْأُمُور بمقاصدها، لِأَن علم الْفِقْه إِنَّمَا يبْحَث عَن أَحْكَام الْأَشْيَاء لَا عَن ذواتها، وَلذَا فسرت الْمجلة الْقَاعِدَة بقولِهَا: " يَعْنِي أَن الحكم الَّذِي يَتَرَتَّب على أَمر يكون على مُقْتَضى مَا هُوَ الْمَقْصُود من ذَلِك الْأَمر ".
أصل هَذِه الْقَاعِدَة فِيمَا يظْهر قَوْله ﷺ : " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ".
(ثَانِيًا _ التطبيق)
إِن هَذِه الْقَاعِدَة تجْرِي فِي كثير من الْأَبْوَاب الْفِقْهِيَّة مثل: (١) الْمُعَاوَضَات والتمليكات الْمَالِيَّة. (٢) وَالْإِبْرَاء. (٣) وتجري فِي الوكالات. (٤) وإحراز الْمُبَاحَات. (٥) والضمانات والأمانات. (٦) والعقوبات.
١ - أما الْمُعَاوَضَات والتمليكات الْمَالِيَّة: فكالبيع وَالشِّرَاء وَالْإِجَارَة وَالصُّلْح وَالْهِبَة، فَإِنَّهَا كلهَا عِنْد إِطْلَاقهَا _ أَي إِذا لم يقْتَرن بهَا مَا يقْصد بِهِ إخْرَاجهَا عَن إِفَادَة مَا وضعت لَهُ _ تفِيد حكمهَا، وَهُوَ الْأَثر الْمُتَرَتب عَلَيْهَا من التَّمْلِيك والتملك
стр. 2
لَكِن إِذا اقْترن بهَا مَا يُخرجهَا عَن إِفَادَة هَذَا الحكم، وَذَلِكَ كإرادة النِّكَاح بهَا وكالهزل والاستهزاء والمواضعة والتلجئة، فَإِنَّهُ يسلبها إِفَادَة حكمهَا الْمَذْكُور، فَإِنَّهُ إِذا أُرِيد بهَا النِّكَاح كَانَت نِكَاحا.
وَلَكِن يشْتَرط فِي الْإِجَارَة وَالصُّلْح أَن تكون الْمَرْأَة بَدَلا ليَكُون نِكَاحا، فَلَو كَانَت فِي الْإِجَارَة معقوداً عَلَيْهَا لَا تكون نِكَاحا، وَفِي الصُّلْح لَو كَانَت مصالحاً عَنْهَا بِأَن ادّعى عَلَيْهَا النِّكَاح فأنكرت ثمَّ صالحت الْمُدَّعِي على مَال دَفعته لَهُ ليكف صَحَّ وَكَانَ خلعاً. (ر: الدُّرَر وحاشيته، من كتاب النِّكَاح وَمن كتاب الصُّلْح) .
وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ إِنْسَان أَو شرى وَهُوَ هازل، فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّب على عقده تمْلِيك وَلَا تملك.
٢ - وَأما الْإِبْرَاء: فَكَمَا لَو قَالَ الطَّالِب للْكَفِيل، أَو قَالَ الْمحَال للمحتال عَلَيْهِ: بَرِئت من المَال الَّذِي كفلت بِهِ، أَو المَال الَّذِي أحلّت بِهِ عَلَيْك، أَو قَالَ: بَرِئت إِلَيّ مِنْهُ، وَكَانَ الطّلب أَو الْمحَال حَاضرا، فَإِنَّهُ يرجع إِلَيْهِ فِي الْبَيَان لما قَصده من هَذَا اللَّفْظ، فَإِن كَانَ قصد بَرَاءَة الْقَبْض والاستيفاء مِنْهُ كَانَ للْكَفِيل أَن يرجع على الْمَكْفُول عَنهُ لَو الْكفَالَة بِالْأَمر، وَكَانَ للمحال عَلَيْهِ أَن يرجع على الْمُحِيل لَو لم يكن للْمُحِيل دين عَلَيْهِ. وَإِن كَانَ قصد من ذَلِك بَرَاءَة الْإِسْقَاط فَلَا رُجُوع لوَاحِد مِنْهُمَا.
أما إِذا كَانَ الطَّالِب أَو الْمحَال غير حَاضر فَفِي (بَرِئت إِلَيّ) لَا نزاع فِي أَنه يحمل على بَرَاءَة الِاسْتِيفَاء، وَكَذَلِكَ فِي بَرِئت، عِنْد أبي يُوسُف فَإِنَّهُ جعله كَالْأولِ، وَهُوَ الْمُرَجح، (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْكفَالَة، بحث كَفَالَة المَال) .
٣ - وَأما الوكالات، فَمِنْهَا: مَا لَو وكل إِنْسَان غَيره بشرَاء فرس معِين أَو نَحوه فَاشْترى الْوَكِيل فرسا فَفِيهِ تَفْصِيل: إِن كَانَ نوى شِرَاءَهُ للْمُوكل أَو أضَاف العقد إِلَى دَرَاهِم الْمُوكل يَقع الشِّرَاء للْمُوكل، وَإِن نوى الشِّرَاء لنَفسِهِ أَو أضَاف العقد إِلَى دَرَاهِم نَفسه يَقع الشِّرَاء لنَفسِهِ. وَكَذَا لَو أضَاف العقد إِلَى
стр. 3
دَرَاهِم مُطلقَة فَإِنَّهُ إِذا نوى بهَا دَرَاهِم الْمُوكل يَقع الشِّرَاء للْمُوكل وَإِن نوى بهَا دَرَاهِم نَفسه يَقع لنَفسِهِ، وَإِن تكاذبا فِي النِّيَّة يحكم النَّقْد فَيحكم بالفرس لمن وَقع نقد الثّمن من مَاله، لِأَن فِي النَّقْد من أحد الْمَالَيْنِ دلَالَة ظَاهِرَة على أَنه أُرِيد الشِّرَاء لصَاحبه (وَالْمَسْأَلَة مبسوطة فِي فصل الْوكَالَة بِالشِّرَاءِ من الْهِدَايَة) .
٤ - وَأما الإحرازات، وَهِي: استملاك الْأَشْيَاء الْمُبَاحَة، فَإِن النِّيَّة وَالْقَصْد شَرط فِي إفادتها الْملك، فَلَو وضع إِنْسَان وعَاء فِي مَكَان فَاجْتمع فِيهِ مَاء الْمَطَر ينظر: فَإِن كَانَ وَضعه خصيصاً لجمع المَاء يكون مَا اجْتمع فِيهِ ملكه، وَإِن وَضعه بِغَيْر هَذَا الْقَصْد فَمَا اجْتمع فِيهِ لَا يكون ملكه، وَلغيره حينئذٍ أَن يَتَمَلَّكهُ بِالْأَخْذِ، لِأَن الحكم لَا يُضَاف إِلَى السَّبَب الصَّالح إِلَّا بِالْقَصْدِ. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْبيُوع، متفرقات، عِنْد قَول الْمَتْن: وَلَو فرخ طير أَو باض _ نقلا عَن الْبَحْر) .
وَكَذَلِكَ الصَّيْد، فَلَو وَقع الصَّيْد فِي شبكة إِنْسَان أَو حُفْرَة من أرضه ينظر: فَإِن كَانَ نشر الشبكة أَو حفر الحفرة لأجل الِاصْطِيَاد بهما فَإِن الصَّيْد ملكه وَلَيْسَ لأحد أَن يَأْخُذهُ، وَإِن كَانَ نشر الشبكة لتجفيفها مثلا أَو حفر الحفرة لَا لأجل الِاصْطِيَاد فَإِنَّهُ لَا يملكهُ، وَلغيره أَن يستملكه بِالْأَخْذِ. (ر: الْمجلة، مَادَّة / ١٣٠٣) .
٥ - وَأما الضمانات والأمانات فمسائلها كَثِيرَة: (أ) مِنْهَا اللّقطَة، فَإِن التقطها ملتقط بنية حفظهَا لمَالِكهَا كَانَت أَمَانَة لَا تضمن إِلَّا بِالتَّعَدِّي، وَإِن التقطها بنية أَخذهَا لنَفسِهِ كَانَ فِي حكم الْغَاصِب فَيضمن إِذا تلفت فِي يَده بِأَيّ صُورَة كَانَ تلفهَا، وَالْقَوْل للملتقط بِيَمِينِهِ فِي النِّيَّة لَو اخْتلفَا فِيهَا.
وَكَذَا لَو التقطها ثمَّ ردهَا لمكانها، فَإِن كَانَ التقطها للتعريف لم يضمن بردهَا لمكانها سَوَاء ردهَا قبل أَن يذهب بهَا أَو بعده وَسَوَاء خَافَ بإعادتها هلاكها أَولا، وَإِن كَانَ التقطها لنَفسِهِ لَا يبرأ بإعادتها لمكانها مَا لم يردهَا لمَالِكهَا. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، أَوَائِل كتاب اللّقطَة، نقلا عَن كَافِي الْحَاكِم وَعَن نور الْعين عَن الْخَانِية) .
стр. 4
(ب) وَمِنْهَا الْوَدِيعَة، فَإِن الْمُودع إِذا استعملها ثمَّ تَركهَا بنية الْعود إِلَى اسْتِعْمَالهَا لَا يبرأ عَن ضَمَانهَا لِأَن تعديه باقٍ، وَإِن كَانَ تَركهَا بنية عدم الْعود إِلَى اسْتِعْمَالهَا يبرأ وَلَكِن لَا يصدق فِي ذَلِك إِلَّا بِبَيِّنَة، لِأَنَّهُ أقرّ بِمُوجب الضَّمَان ثمَّ ادّعى الْبَرَاءَة. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٤٤) .
وَهَذَا إِذا كَانَ تعديه عَلَيْهَا بِغَيْر الحجز أَو الْمَنْع عَن الْمَالِك، فَإِن كَانَ بِأحد هذَيْن فَإِنَّهُ لَا يبرأ عَن الضَّمَان إِلَّا بِالرَّدِّ على الْمَالِك وَإِن أَزَال تعديه بالاعتراف بهَا. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، بحث مَا يصدق فِيهِ الْمُودع، صفحة / ١٤٥) .
وَكَذَلِكَ كل أَمِين من قبل الْمَالِك إِذا تعدى ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي بنيته أَنه لَا يعود إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يبرأ عَن الضَّمَان، فَلَو لم يكن مسلطاً من قبل الْمَالِك أصلا، كَمَا فِي مَسْأَلَة الْمُلْتَقط الْآتِيَة عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ بحثا، أَو كَانَ مسلطاً فِي مُدَّة مُؤَقَّتَة وانتهت ثمَّ تعدى ثمَّ أَزَال تعديه وَعَاد إِلَى الْحِفْظ لَا يبرأ. قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو كَانَ مَأْمُورا بِحِفْظ شهر فَمضى شهر ثمَّ اسْتعْمل الْوَدِيعَة ثمَّ ترك الِاسْتِعْمَال وَعَاد إِلَى الْحِفْظ لَا يبرأ، إِذْ عَاد وَأمر الْحِفْظ غير قَائِم. (ر: الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ، بحث ضَمَان الْمُودع بِالدفع، صفحة / ١٤٥) . (ج) وَمن قبيل فرع الْوَدِيعَة الْمَذْكُور مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَكيل بِالْبيعِ لَو خَالف بِأَن اسْتَعْملهُ أَو دفع الثَّوْب إِلَى قصار لقصره حَتَّى صَار ضَامِنا، فَلَو عَاد إِلَى الْوِفَاق يبرأ كمودع، وَالْوكَالَة بَاقِيَة فِي بَيْعه. (ر: الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ، بحث ضَمَان الْمَأْمُور والدلال، صفحة / ١٤٢ - ١٤٥ /، وَمثله فِي معِين الْحُكَّام، الْبَاب السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ، فصل التَّسَبُّب وَالدّلَالَة) .
واستثنوا من الْأُمَنَاء: (١) الْمُسْتَعِير لأجل الِانْتِفَاع، (٢) وَالْمُسْتَأْجر، (٣) وَمثلهمَا الْأَجِير، لَو خَالف ثمَّ عَاد إِلَى الْوِفَاق لَا يبرأ. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، بحث إجَازَة الدَّوَابّ، صفحة / ١٦٤) . فَإِنَّهُمَا إِذا تَعَديا على الْعين المستعارة أَو الْمُسْتَأْجرَة ثمَّ تركا التَّعَدِّي بنية عدم الْعود إِلَيْهِ
стр. 5
لَا يبرآن عَن الضَّمَان إِلَّا بِالرَّدِّ على الْمَالِك. (٤) وَيُزَاد رَابِع لَهَا (ذكره صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ بحثا فِي الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ _ بعد أَن رمز لفتاوى القَاضِي ظهير وللواقعات _) : أَخذ لقطَة ثمَّ ضَاعَت مِنْهُ فَوَجَدَهَا فِي يَد آخر فَلَا خُصُومَة بَينهمَا، بِخِلَاف الْوَدِيعَة، وَالْفرق بَينهمَا أَن للثَّانِي ولَايَة أَخذ اللّقطَة كَالْأولِ بِخِلَاف الْوَدِيعَة. ثمَّ قَالَ عقبه: " أَقُول: دلّ هَذَا على أَنه لَو تعدى ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي ثمَّ هَلَكت يضمن، لِأَن يَده لَيست بيد مَالك لما مر من عدم الْخُصُومَة، فبتعديه ظهر أَنه غَاصِب فَلَا يبرأ إِلَّا بِمَا يبرأ بِهِ الْغَاصِب ".
وَلَكِن لم يظْهر لي مَا بَحثه من أَن الْمُلْتَقط يضمن إِذا هَلَكت بعد أَن تعدى ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي، بل ظهر لي خِلَافه وَذَلِكَ أَن الِالْتِقَاط بِقصد الرَّد على الْمَالِك مَنْدُوب إِلَيْهِ عِنْد عدم الْخَوْف على اللّقطَة، وواجب عِنْد الْخَوْف عَلَيْهَا، وَمَا ذَلِك إِلَّا للْإِذْن بِهِ من الْمَالِك دلَالَة، وَالْإِذْن من الْمَالِك دلَالَة، كالإذن الصَّرِيح، يَنْفِي الضَّمَان كَمَا قَالُوا فِيمَا لَو ذبح الرَّاعِي الْبَعِير فِي المرعى بعد أَن مرض مَرضا لَا ترجى مَعَه حَيَاته فَإِنَّهُ لَا يضمن، لِأَن الْإِذْن من الْمَالِك يذبحه وَالْحَالة هَذِه حَاصِل عَادَة.
فَإِذا كَانَ الِالْتِقَاط للْمَالِك كَانَ الْإِذْن للملتقط بِوَضْع يَده حَاصِلا من الْمَالِك دلَالَة، وَلذَا كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ وواجباً شرعا، فَتكون يَده يدا مَأْذُونا فِيهَا، وَإِذا كَانَت مَأْذُونا فِيهَا فَهِيَ يَد نائبة عَن يَد الْمَالِك، فَإِذا تعدى ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي لَا يبْقى غَاصبا بل تعود يَد النِّيَابَة عَن الْمَالِك فَإِذا هَلَكت بعد ذَلِك لَا يضمن.
وَمَا نَقله عَن فَتَاوَى القَاضِي ظهير الدّين والواقعات من نفس الْخُصُومَة بَين الْمُلْتَقط الأول وَالثَّانِي لَيْسَ مُعَللا بِأَن يَد الأول لَيست يَد الْمَالِك، كَمَا قَالَ، حَتَّى ينْتج الْمَطْلُوب، بل هُوَ مُعَلل كَمَا ترى بِأَن للثَّانِي ولَايَة الْأَخْذ كَالْأولِ إِذْ إِن أَخذ الثَّانِي، كأخذ الأول، مَأْذُون فِيهِ دلَالَة، فَتكون يَده يَد نِيَابَة كَذَلِك فَلَا يتَرَجَّح الأول عَلَيْهِ، على أَنه نقل فِي الدّرّ الْمُخْتَار فِي كتاب اللّقطَة، عَن السراج، أَن الصَّحِيح أَن الْمُلْتَقط الأول لَهُ أَن يُخَاصم الْمُلْتَقط الثَّانِي فِي اللّقطَة ويأخذها مِنْهُ
стр. 6
وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَن ذَلِك عَام فِي كل أَمِين كَانَت يَده لَيست يَد استحفاظ من الْمَالِك، كوارث الْمُودع وَمن أَلْقَت الرّيح ثوبا فِي دَاره وَنَحْوهمَا.
أما لَو كَانَ الْمُسْتَعِير غير مستعير لينْتَفع بل ليرهن الْعين المعارة، وَهُوَ الْمُسَمّى بالمستعير للرَّهْن، فَإِن حكمه كَسَائِر الْأُمَنَاء، فَإِذا تعدى على الْعين المعارة وَهِي فِي يَده، أَي قبل أَن يرهنها أَو بَعْدَمَا افتكها، ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي يبرأ عَن الضَّمَان.
وَالْفرق بَين الْمُسْتَعِير لعمل نَفسه وَالْمُسْتَأْجر وَبَين الْمُودع وَمن بِمَعْنَاهُ كالمستعير للرَّهْن، أَن الْمُسْتَعِير الْمَذْكُور أَو الْمُسْتَأْجر عَامل لنَفسِهِ فَكَانَت يَده على الْعين يَد نَفسه لَا يَد مَالِكهَا، فَبعد إِزَالَة التَّعَدِّي وَالْعود إِلَى الْوِفَاق تبقى يَده فَلَا يُمكن أَن يعْتَبر ردا على الْمَالِك لَا حَقِيقَة وَلَا حكما، بِخِلَاف الْمُودع وَمن بِمَعْنَاهُ فَإِن يَده على الْعين كيد مَالِكهَا فبالعود إِلَى الْوِفَاق تظهر يَد الْمَالِك فَيصير راداً عَلَيْهِ حكما فَيبرأ عَن الضَّمَان. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْوَدِيعَة، وَكتاب الرَّهْن بَاب التَّصَرُّف فِي الرَّهْن وَالْجِنَايَة عَلَيْهِ) .
تَنْبِيه: أطلق فِي بعض الْكتب ضَمَان الْمُسْتَعِير وَالْمُسْتَأْجر فِيمَا إِذا تَعَديا ثمَّ أزالا التَّعَدِّي، وَلم يفصل بَين مَا إِذا كَانَت انْتَهَت الْإِعَارَة وَالْإِجَارَة أَو لم تكن انْتَهَت، وَنقل فِي الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ من نور الْعين عَن الْهِدَايَة تَرْجِيحه بعلامة الْأَصَح.
وَبَعْضهمْ فصل بَين مَا إِذا كَانَت انْتَهَت الْإِعَارَة وَالْإِجَارَة فَلَا يبرأ إِلَّا بِالرَّدِّ على الْمَالِك، وَبَين مَا إِذا كَانَت لم تَنْتَهِ فَيبرأ بِالْعودِ، وَنقل أَيْضا فِي نور الْعين عَن الْكَافِي تَرْجِيحه بعلامة الْأَصَح.
لكنه نقل فِي الْمحل الْمَذْكُور. قبل ذَلِك بأسطر، أَن القَوْل بضمانها مُطلقًا من غير تَفْصِيل عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَكَذَلِكَ حكى فِي الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ من جَامع الْفُصُولَيْنِ، من بحث رد الْعَارِية وَمَا يتَعَلَّق بِهِ، أَن الْفَتْوَى على أَنه لَا يبرأ بِالْعودِ إِلَى الْوِفَاق.
٦ - وَأما الْعُقُوبَات: فكالقصاص: فَإِنَّهُ يتَوَقَّف على أَن يقْصد الْقَاتِل
стр. 7
الْقَتْل، لَكِن الْآلَة المفرقة للأجزاء تُقَام مقَام قصد الْقَتْل، لِأَن هَذَا الْقَصْد مِمَّا لَا يُوقف عَلَيْهِ، وَدَلِيل الشَّيْء فِي الْأُمُور الْبَاطِنَة يُقَام مقَامه، ويتوقف على أَن يقْصد قتل نفس الْمَقْتُول لَا غَيره. فَلَو لم يقْصد الْقَتْل أصلا، أَو قصد الْقَتْل وَلَكِن أَرَادَ غير الْمَقْتُول فَأصَاب الْمَقْتُول، فَإِنَّهُ لَا يقْتَصّ مِنْهُ فِي شَيْء من ذَلِك بل تجب الدِّيَة، سَوَاء كَانَ مَا قَصده مُبَاحا، كَمَا لَو أَرَادَ قتل صيد أَو إِنْسَان مُبَاح الدَّم فَأصَاب آخر مُحْتَرم الدَّم، أَو كَانَ مَا قَصده مَحْظُورًا، كَمَا لَو أَرَادَ قتل شخص مُحْتَرم الدَّم فَأصَاب آخر مثله.
(ثَالِثا: الْمُسْتَثْنى)
(تَنْبِيه)
: إِن هَذِه الْقَاعِدَة لَا تجْرِي بَين أَمريْن مباحين لَا تخْتَلف بِالْقَصْدِ صفتهما، كَمَا لَو وَقع الْخلاف فِي كَون البيع صدر هزلا أَو مواضعة مثلا، لِأَن اخْتِلَاف الْقَصْد بَين الْهزْل والمواضعة لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ثَمَرَة، إِذْ كل مِنْهُمَا لَا يُفِيد تَمْلِيكًا وَلَا تملكاً.
بل تجْرِي بَين مباحين تخْتَلف صفتهما بِالْقَصْدِ، كَمَا لَو دَار الْأَمر بَين البيع المُرَاد حكمه وَبَين بيع الْمُوَاضَعَة وَنَحْوه كَمَا تقدم.
وتجري بَين مُبَاح ومحظور، كَمَا فِي فرع اللّقطَة الْمُتَقَدّم فَإِن التقاطها بنية حفظهَا لمَالِكهَا مُبَاح، وبنية أَخذهَا لنَفسِهِ مَحْظُور، كَمَا فِي مَسْأَلَة الْمُودع إِذا لبس ثوب الْوَدِيعَة ثمَّ نَزعه فَإِن عدم الْعود إِلَى لبسه مَطْلُوب وَالْعود إِلَيْهِ مَحْظُور.
وَبِذَلِك يَتَّضِح أَن مَا قَالَه بعض شرَّاح الْمجلة من أَن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة لَا تجْرِي إِلَّا فِي الْمُبَاحَات غير ظَاهر.
стр. 8
(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة (الْمَادَّة / ٣))
(" الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني، لَا للألفاظ والمباني ")
(أَولا _ الشَّرْح)
[" الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني لَا للألفاظ والمباني "] كَمَا فِي الْبَاب الموفي أَرْبَعِينَ من معِين الْحُكَّام، لَكِن بِلَفْظ فِي التَّصَرُّفَات بدل الْعُقُود، وَهُوَ أَعم من التَّعْبِير بِالْعُقُودِ، فَيشْمَل الدَّعَاوَى كَمَا سَيَأْتِي عَن أصُول الْكَرْخِي: " وَلذَا يجْرِي حكم الرَّهْن فِي بيع الْوَفَاء ".
هَذِه الْقَاعِدَة بِالنِّسْبَةِ للَّتِي قبلهَا كالجزئي من الْكُلِّي، فَتلك عَامَّة وَهَذِه خَاصَّة فتصلح أَن تكون فرعا مِنْهَا.
وَالْمرَاد بالمقاصد والمعاني: مَا يَشْمَل الْمَقَاصِد الَّتِي تعينها الْقَرَائِن اللفظية الَّتِي تُوجد فِي عقد فتكسبه حكم عقد آخر كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا فِي انْعِقَاد الْكفَالَة بِلَفْظ الْحِوَالَة، وانعقاد الْحِوَالَة بِلَفْظ الْكفَالَة، إِذا اشْترط فِيهَا بَرَاءَة الْمَدْيُون عَن الْمُطَالبَة، أَو عدم بَرَاءَته.
وَمَا يَشْمَل الْمَقَاصِد الْعُرْفِيَّة المرادة للنَّاس فِي اصْطِلَاح تخاطبهم، فَإِنَّهَا مُعْتَبرَة فِي تعْيين جِهَة الْعُقُود، فقد صرح الْفُقَهَاء بِأَنَّهُ يحمل كَلَام كل إِنْسَان على لغته وعرفه وَإِن خَالَفت لُغَة الشَّرْع وعرفه: (ر: رد الْمُحْتَار، من الْوَقْف عِنْد الْكَلَام على قَوْلهم: وَشرط الْوَاقِف كنص الشَّارِع) .
وَمن هَذَا الْقسم مَا ذَكرُوهُ من انْعِقَاد بعض الْعُقُود بِأَلْفَاظ غير الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة لَهَا مِمَّا يُفِيد معنى تِلْكَ الْعُقُود فِي الْعرف، كانعقاد البيع وَالشِّرَاء بِلَفْظ
стр. 9
الْأَخْذ والإعطاء. (ر: مَادَّة / ١٦٩ و ١٧٢ / من الْمجلة) ، وَكَذَا انْعِقَاد شِرَاء الثِّمَار على الْأَشْجَار بِلَفْظ " الضَّمَان " فِي عرفنَا الْحَاضِر.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
١ - إِن جَرَيَان حكم الرَّهْن فِي بيع الْوَفَاء لَيْسَ فِي جَمِيع الْأَحْكَام بل فِي بَعْضهَا، وَبَيَان ذَلِك أَنه اخْتلف فِي بيع الْوَفَاء فَقيل هُوَ بيع صَحِيح، وَقيل بيع فَاسد، وَقيل هُوَ رهن. والمفتى بِهِ هُوَ القَوْل الْجَامِع، وَعَلِيهِ جرت الْمجلة فِي الْمَادَّة / ١١٨ / وَهُوَ أَن بيع الْوَفَاء لَهُ شبه بِالْبيعِ الصَّحِيح، وَشبه بالفاسد، وَشبه بِالرَّهْنِ، وَله من كل شبه بعض أَحْكَام الْمُشبه بِهِ.
وَلَا مَانع من أَن يكون للْعقد الْوَاحِد أَكثر من حكم وَاحِد بِاعْتِبَار الْمَقْصُود مِنْهُ، كَالْهِبَةِ بِشَرْط الْعِوَض كَمَا سَيَأْتِي.
وكقرض القيمي، فَإِنَّهُ قرض من وَجه بِحَيْثُ يملكهُ الْمُسْتَقْرض بِالْقَبْضِ، وعارية من وَجه حَيْثُ إِنَّه يجب رد عينه على الْمقْرض كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام على هَذِه الْمَادَّة نقلا عَن رد الْمُحْتَار أول فصل الْقَرْض.
وكالمضاربة، فَإِن المَال عِنْد الْمضَارب أَمَانَة، فَإِذا تصرف فَهُوَ وَكيل، فَإِذا ربح فَهُوَ شريك، فَإِذا فَسدتْ فَهُوَ أجِير إِجَارَة فَاسِدَة، فَإِذا خَالف فَهُوَ غَاصِب. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّلَاثِينَ، صفحة / ٦١) .
وكالاستصناع، فَإِن لَهُ شبها بِالْبيعِ، وشبهاً بِالْإِجَارَة، فَإِنَّهُ إِذا وَقع على مَا جرى فِيهِ تعامل وَلم يُؤَجل أَو أجل دون أجل السّلم على وَجه الاستعجال كَانَ لَهُ شبهان، شبه بِالْبيعِ بِخِيَار للمتبايعين حَتَّى إِن لكل مِنْهُمَا فَسخه، وَشبه بِالْإِجَارَة حَتَّى إِنَّه يبطل بِمَوْت الصَّانِع.
وَثُبُوت الْخِيَار لَهما قبل الْعَمَل لَا خلاف فِيهِ عندنَا، وَأما بعد الْعَمَل فثبوته لَهما هُوَ الصَّحِيح فِي الْمَذْهَب، وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف لُزُومه بِلَا خِيَار لأحد الْمُتَعَاقدين. (ر: الْبَدَائِع، كتاب الاستصناع، والدر الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، أَوَاخِر بَاب السّلم) .
стр. 10
وعَلى هَذَا فَمَا جرت عَلَيْهِ الْمجلة فِي الْمَادَّة / ٣٩٢ / من أَن الاستصناع ينْعَقد لَازِما لَيْسَ مذهبا لأحد من أَئِمَّتنَا، وَمَا ذكرته فِي الْمقَالة الأولى من الْمُقدمَة من أَنَّهَا جرت فِيهَا على قَول أبي يُوسُف لَيْسَ بِصَحِيح، لما سَمِعت من أَنه لَا خلاف لأحد من أَئِمَّتنَا فِي ثُبُوت الْخِيَار لكل مِنْهُمَا قبل الْعَمَل، إِنَّمَا الْخلاف بعد الْعَمَل.
كَمَا إِنَّهَا جرت أَيْضا قبل ذَلِك فِي الْمَادَّة / ٣٨٩ / على مَا ظَاهره بفيد صِحَة الاستصناع فِيمَا لَا تعامل فِيهِ، وَلم أره قولا لأحد فِي الْمَذْهَب، بل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْمُتُون أَنه لَا يَصح استصناعاً وَلَكِن إِذا استوفى شَرَائِط السّلم يكون سلما.
فَأَما شبه بيع الْوَفَاء بِالْبيعِ الصَّحِيح: (أ) فَمن جِهَة أَنه لَو كَانَ بِالدّينِ كَفِيل فشرى الطَّالِب بِهِ عقار الْمَدْيُون وَفَاء بطلت الْكفَالَة ثمَّ لَا تعود لَو تفاسخا بيع الْوَفَاء. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر، صفحة / ٢٤٧) .
(ب) وَمن جِهَة أَن المُشْتَرِي لَهُ أَن ينْتَفع بِالْبيعِ وَفَاء وَيملك من زوائده مَا قَابل مُدَّة بَقَائِهِ فِي يَده بِحكم البيع، وَلَا يضمنهَا بإتلافها، حَتَّى لَو بَاعَ إِنْسَان بستاناً مثلا وَفَاء ثمَّ فسخ البيع بعد مُضِيّ بعض السّنة تقسم الْغلَّة بِالْحِصَّةِ على اثْنَي عشر شهرا، فَيَأْخُذ المُشْتَرِي حِصَّة مَا مضى سَوَاء كَانَت ظَهرت فِيهِ الْغلَّة أَو لَا، وَلَو لم يخرج الثَّمر أصلا فَلَيْسَ للْمُشْتَرِي أَن يَأْخُذ من البَائِع شَيْئا، وَلَو أدْركْت الْغلَّة وَأَخذهَا المُشْتَرِي فَلَيْسَ لَهُ نقض البيع وَطلب الثّمن حَتَّى تتمّ السّنة من وَقت البيع، إِلَّا إِذا أَرَادَ أَن يَأْخُذ من الْغلَّة نصيب مَا مضى وَيتْرك عَلَيْهِ نصيب مَا بَقِي فَلهُ ذَلِك. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر) .
(ج) وَمن جِهَة أَنه يجوز إِجَارَته للْبَائِع بعد الْقَبْض وَتلْزَمهُ الْأُجْرَة، أما لَو آجر قبل قَبضه فقد نقل فِي الْفَصْل الثَّامِن عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ، عَن شيخ الْإِسْلَام برهَان الدّين وَعَن فَوَائِد بعض الْمُتَأَخِّرين وَعَن أبي الْفضل الْكرْمَانِي، أَنه يجوز، وَنقل عَن مُحِيط الديناري أَن الْأَصَح عدم الْجَوَاز وَأَنه بِهِ يُفْتى، وأدلة كل من الْقَوْلَيْنِ مبسوطة هُنَاكَ.
غير أَن الْعرف جارٍ الْيَوْم على إِجَارَته من البَائِع قبل قَبضه، فَلَو أفتى مفتٍ
стр. 11
بِالْجَوَازِ بِنَاء على القَوْل بِهِ كَانَ حسنا، لِأَن هَذَا القَوْل لَيْسَ بضعيف لِأَنَّهُ مُقَابل للأصح فَيكون صَحِيحا، على أَن الْعرف يصلح أَن يكون مُخَصّصا شرعا فِي مثل هَذَا، كَمَا يُسْتَفَاد مِمَّا سَيَأْتِي فِي كلامنا على الْمَادَّة / ٣٦ /.
وَأما شبهه بِالْبيعِ الْفَاسِد: فَمن جِهَة أَن كلا من الْمُتَبَايعين يملك فَسخه واسترداد مَا دَفعه وَإِن لم يرض الآخر.
وَأما شبهه بِالرَّهْنِ: (أ) فَمن جِهَة أَنه لَيْسَ للْبَائِع وَلَا للْمُشْتَرِي بيع مَبِيع الْوَفَاء للْغَيْر إِلَّا بِإِذن الآخر.
(ب) وَأَن الْعقار الْمَبِيع بِالْوَفَاءِ لَا يُؤْخَذ بِالشُّفْعَة.
(ج) وَأَنه لَو بيع عقار بجانبه فَالشُّفْعَة فِيهِ للْمَالِك وَهُوَ البَائِع، لَا للْمُشْتَرِي. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر) .
(د) وَأَنه لَو مَاتَ البَائِع وَفَاء فَلَيْسَ لسَائِر الْغُرَمَاء التَّعَرُّض مَا لم يسْتَوْف المُشْتَرِي دينه.
(هـ) وَأَن الْمَبِيع وَفَاء إِذا هلك فِي يَد المُشْتَرِي من غير تعد مِنْهُ ضمنه ضَمَان الرَّهْن، فَإِن كَانَت قِيمَته مُسَاوِيَة للدّين سقط الدّين بمقابلته، وَإِن كَانَت نَاقِصَة عَن الدّين سقط من الدّين بِقدر قِيمَته واسترد المُشْتَرِي الْبَاقِي من البَائِع، وَإِن كَانَت قِيمَته زَائِدَة على الدّين سقط مِنْهَا مِقْدَار الدّين، وَمَا زَاد من قِيمَته عَن مِقْدَار الدّين يعْتَبر أَمَانَة فِي يَد المُشْتَرِي. فَإِن كَانَ هَلَاك الْمَبِيع بتعد من المُشْتَرِي كَانَ مَا زَاد من الْقيمَة مَضْمُونا عَلَيْهِ أَيْضا. (ر: الْموَاد / ١١٨ و ٣٩٦ و ٣٩٧ و ٣٩٩ و ٤٠٣) .
وَلم أر حكم مَا لَو انْتقض بعض الْبناء أَو يبس بعض الْأَشْجَار فِي بيع الْوَفَاء، لمن يكون النَّقْض أَو الْحَطب، وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا للْمَالِك، لِأَنَّهُ عين الْمَبِيع أَو وصف فِيهِ وَأَنه مَمْلُوك لَهُ بأجزائه وأوصافه وَلَيْسَ مَنْفَعَة من مَنَافِعه، وَيكون
стр. 12
للْمُشْتَرِي حق حَبسه إِلَى اسْتِيفَاء الثّمن، لِأَنَّهُ شَبيه بِالرَّهْنِ من جِهَة حق الْحَبْس عِنْد المُشْتَرِي وَحقّ الِاسْتِرْدَاد للْبَائِع عِنْد أَدَاء الثّمن.
ويفترق بيع الْوَفَاء عَن الرَّهْن فِي أُمُور: (أ) مِنْهَا أَن بيع الْوَفَاء يَصح فِي الْمشَاع وَلَو كَانَ يحْتَمل الْقِسْمَة.
(ب) وَأَن البَائِع وَفَاء إِذا رد للْمُشْتَرِي نصف الثّمن الَّذِي قَبضه يَنْفَسِخ البيع فِي نصف الْمَبِيع فيتمكن حِينَئِذٍ من بيع النّصْف للْغَيْر بِلَا إجَازَة المُشْتَرِي. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، بيع الْوَفَاء) . وَوَضعه الْمَسْأَلَة فِي النّصْف غير احترازي كَمَا هُوَ ظَاهر.
(ج) وَأَن الْمَبِيع وَفَاء تصح إِجَارَته من البَائِع وَمن غَيره كَمَا تقدم، بِخِلَاف الرَّهْن فَإِن إِجَارَته من الرَّاهِن لَا تصح بل تكون إِعَارَة وللمرتهن اسْتِرْدَاده مِنْهُ وحبسه بِالدّينِ، وَأما إِجَارَته من غير الرَّاهِن فَإِذا بَاشَرَهَا أَحدهمَا من رَاهن أَو مُرْتَهن بِإِذن الآخر خرج بهَا عَن الرَّهْن ثمَّ لَا يعود إِلَّا بِعقد رهن جَدِيد: (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، بَاب التَّصَرُّف فِي الرَّهْن وَالْجِنَايَة عَلَيْهِ) . وَإِذ خرج عَن الرَّهْن لَا يكون بدل الْإِجَارَة رهنا بدله، لِأَن الْأُجْرَة بدل الْمَنْفَعَة لَا الْعين، بِخِلَاف مَا إِذا بَاعه أَحدهمَا من رَاهن أَو مُرْتَهن بِإِذن الآخر حَيْثُ يخرج من الرَّهْن وَيكون الثّمن رهنا بدله، لِأَنَّهُ بدل الْعين. (ر: الدُّرَر، والدر الْمُخْتَار، بَاب التَّصَرُّف فِي الرَّهْن وَالْجِنَايَة عَلَيْهِ) .
وَالْفرق بَين إِجَارَة الْمُرْتَهن الرَّهْن للرَّاهِن وَبَين إِجَارَة أَحدهمَا من أَجْنَبِي بِإِذن الآخر _ حَيْثُ تكون الْإِجَارَة فِي الأولى عَارِية أَو وَدِيعَة لَا يخرج بهَا عَن الرَّهْن، بل يستعيده مِنْهُ ويحبسه بِالدّينِ، وَفِي الثَّانِيَة يخرج عَن الرَّهْن ثمَّ لَا يعود إِلَّا بِعقد جَدِيد _ هُوَ أَن الْإِجَارَة من الْعُقُود اللَّازِمَة، والعقود إِنَّمَا ترَاد وتقصد لأحكامها، وَحكم الْإِجَارَة ملك الْمُسْتَأْجر للِانْتِفَاع بالمأجور وَاسْتِحْقَاق الْمَالِك للأجرة، وكل من الْحكمَيْنِ مُتَوَقف على نَزعه من يَد الْمُرْتَهن وتسليمه للْمُسْتَأْجر، إِذْ بِدُونِ ذَلِك لَا يتَمَكَّن من الِانْتِفَاع وَإِذا لم يتَمَكَّن من الِانْتِفَاع لَا تجب الْأُجْرَة عَلَيْهِ.
стр. 13
فَحَيْثُ بَاشر الْمُرْتَهن هَذَا العقد إِلَى ثَالِث بِإِذن الْمَالِك، وَهُوَ الرَّاهِن، أَو أذن بِهِ للرَّاهِن فَفعله اسْتحق الْمُسْتَأْجر عَلَيْهِ نَزعه من يَده وَوضع يَده عَلَيْهِ بِحكم هَذَا العقد اللَّازِم، وَسقط حَقه فِي حَبسه بِالدّينِ، وَإِذا سقط لَا يعود إِلَّا بِعقد رهن جَدِيد، هَكَذَا ظهر لي فِي وَجه الْفرق، ثمَّ رَأَيْته بِهَذَا الْمَعْنى فِي مَبْسُوط السَّرخسِيّ. (ر: الْمَبْسُوط، كتاب الرَّهْن، بَاب رهن الْحَيَوَان، ج / ٢١ / صفحة / ١٠٨ وَغَيرهَا من الْبَاب الْمَذْكُور) .
بِخِلَاف إِجَارَته من الرَّاهِن، فَإِنَّهُم صَرَّحُوا ببطلانها، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون عين الرَّهْن ملكا لَهُ، وَالْإِنْسَان لَا يُمكن أَن يسْتَأْجر مَا هُوَ ملكه، وَإِذا بطلت كَانَ وجودهَا كَالْعدمِ فَلم يبْق إِلَّا مُجَرّد تَسْلِيم الْمُرْتَهن الرَّهْن للرَّاهِن بِوَجْه غير مُسْتَحقّ عَلَيْهِ وَلَا وَاجِب، وَهَذَا لَا يُوجب سُقُوط حَقه فِي حبس الرَّهْن فَلِذَا كَانَ لَهُ اسْتِرْدَاده مِنْهُ وإعادته إِلَى يَده بِحكم الرَّهْن. إِن هَذِه الْقَاعِدَة تجْرِي فِي كثير من الْعُقُود، غير (١) بيع الْوَفَاء، فتجري: (٢، ٣) بَين الْكفَالَة وَالْحوالَة، (٤) وَبَين البيع وَالْهِبَة، (٥) وَبَين الْهِبَة وَالْإِجَارَة، [ (٦) وَبَين الْهِبَة وَالْإِقَالَة] ، (٧) وَبَين الْهِبَة وَالْقِسْمَة، (٨) وَبَين الْمُضَاربَة وَالْقَرْض والبضاعة، (٩) وَبَين الصُّلْح وَغَيره من الْعُقُود، (١٠) وَبَين الْوِصَايَة وَالْوكَالَة، (١١) وَبَين الْعَارِية وَالْقَرْض، (١٢) وَبَين الْعَارِية وَالْإِجَارَة، (١٣) وَبَين الْإِقَالَة وَالْبيع فِي حق غير الْمُتَبَايعين، (١٤) وَبَين الشُّفْعَة وَالْبيع، (١٥) وَبَين الْإِقْرَار وَالْبيع، وَكثير غَيرهَا.
٢ - أما الْكفَالَة فَهِيَ ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي الْمُطَالبَة، فَإِذا اشْترط فِيهَا بَرَاءَة الْمَدْيُون عَن الْمُطَالبَة تعْتَبر حِوَالَة فَيشْتَرط حِينَئِذٍ فِيهَا مَا يشْتَرط فِي الْحِوَالَة، وَلَا يُطَالب الدَّائِن إِلَّا الْكَفِيل فَقَط، وَلَا يرجع على الْمَكْفُول عَنهُ إِلَّا إِذا توي المَال، أَي هلك، عِنْد الْكَفِيل، وَذَلِكَ بِأَن يجْحَد الْكفَالَة مَعَ عجز الدَّائِن عَن إِثْبَاتهَا وَيحلف عِنْد تَكْلِيف الْحَاكِم لَهُ الْيَمين، أَو يَمُوت الْكَفِيل مُفلسًا، أَو يفلسه الْحَاكِم فَحِينَئِذٍ يرجع الدَّائِن على الْمَدْيُون الْمَكْفُول.
٣ - وَكَذَلِكَ الْحِوَالَة، وَهِي نقل الدّين من ذمَّة الْمُحِيل إِلَى ذمَّة الْمحَال
стр. 14
عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا إِذا اشْترط فِيهَا عدم بَرَاءَة الْمُحِيل عَن الْمُطَالبَة تعْتَبر كَفَالَة، فَيشْتَرط فِيهَا مَا يشْتَرط فِي الْكفَالَة، وَيُطَالب الْمحَال كلا من الْمُحِيل والمحال عَلَيْهِ. (ر: الْمَادَّة / ١٤٨ و ١٤٩ من الْمجلة) . وَكَذَا لَو ادّعى كَفَالَة وَأقَام شَاهِدين شهد أَحدهمَا بِالْكَفَالَةِ وَشهد الآخر بالحوالة تقبل وَتثبت الْكفَالَة، لِأَنَّهَا أقل، وَهَذَانِ اللفظان جعلا كلفظة وَاحِدَة. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، آخر الْفَصْل الْحَادِي عشر) .
٤ - وَأما الْهِبَة فَإِنَّهَا إِذا شَرط فِيهَا تعويض الْوَاهِب تصح وَتعْتَبر هبة ابْتِدَاء وبيعاً انْتِهَاء، فبالنظر لكَونهَا هبة يشْتَرط لصحتها شُرُوط الْهِبَة، فَلَا تصح من الصَّغِير وَلَو كَانَ الْعِوَض كثيرا. (ر: تأسيس النّظر للدبوسي) ، وَكَذَا لَا تصح من وليه وَلَو بعوض مَا. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْهِبَة) ، وَيجب فِيهَا التَّقَابُض فِي الْعِوَضَيْنِ، وَلَا تصح فِي مشاعٍ يحْتَمل الْقِسْمَة وَلَا فِيمَا هُوَ مُتَّصِل بِغَيْرِهِ اتِّصَال الْأَجْزَاء أَو مَشْغُول بِغَيْرِهِ، كَمَا لَو وهب الزَّرْع دون الأَرْض أَو الأَرْض دون الزَّرْع أَو الثَّمر دون الشّجر أَو الشّجر دون الثَّمر، لِأَن ذَلِك فِي معنى الْمشَاع، إِلَى غير ذَلِك من شَرَائِط الْهِبَة.
وبالنظر لكَونهَا بيعا لَا يَصح الرُّجُوع فِيهَا، وَيجْرِي فِيهَا الرَّد بِالْعَيْبِ وَخيَار الرُّؤْيَة، وَتُؤْخَذ بِالشُّفْعَة. أما اشْتِرَاط كَون الْعِوَض مَعْلُوما فَفِيهِ خلاف، وَظَاهر مِثَال الْمَادَّة / ٨٥٥ / من الْمجلة اشْتِرَاط علمه.
وَهَذَا التَّفْصِيل فِيمَا إِذا قَالَ الْوَاهِب: وَهبتك بِشَرْط أَن تعوض كَذَا، أما لَو قَالَ: وَهبتك بِكَذَا دَرَاهِم مثلا كَانَت بيعا ابْتِدَاء وانتهاءً. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْهِبَة) .
٥ - وكما تكون هبة الْعين بِشَرْط الْعِوَض بيعا، على الْوَجْه المشروح، تكون هبة الْمَنْفَعَة بِشَرْط الْعِوَض إِجَارَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم، كتاب الْبيُوع) .
٦ - وَقد تعْتَبر الْهِبَة إِقَالَة، كَمَا لَو وهب المُشْتَرِي الْمَبِيع الْمَنْقُول من البَائِع قبل قَبضه مِنْهُ كَانَ إِقَالَة إِذا قبل البَائِع الْهِبَة، وَيسْتَرد المُشْتَرِي مِنْهُ حِينَئِذٍ الثّمن،
стр. 15
لِأَن تصرف المُشْتَرِي فِي الْمَنْقُول قبل قَبضه من البَائِع لَا يجوز، فَلَا يُمكن تَصْحِيح الْهِبَة، بل تعْتَبر مجَازًا عَن الْإِقَالَة. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْبيُوع، أَوَائِل بَاب التَّصَرُّف فِي الْمَبِيع وَالثمن. وَمن بَاب الْإِقَالَة فِي رد الْمُحْتَار) . وكما لَو وهب رب السّلم الْمُسلم فِيهِ من الْمُسلم إِلَيْهِ وَقبل الْهِبَة كَانَت الْهِبَة إِقَالَة. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من بَاب السّلم) لِأَن تصرف رب السّلم فِي الْمُسلم فِيهِ قبل قَبضه لَا يَصح فَكَانَ مجَازًا عَن الْإِقَالَة.
وكما تكون الْهِبَة فِي معنى البيع وَالشِّرَاء قد يكون الشِّرَاء هبة، فقد قَالَ فِي الدّرّ الْمُخْتَار (فِي الْفُرُوع آخر متفرقات الْبيُوع، عَن الْمُلْتَقط) : شرت لطفلها على أَن لَا ترجع عَلَيْهِ بِالثّمن جَازَ، وَهُوَ كَالْهِبَةِ اسْتِحْسَانًا، وَقَالَ فِي حَاشِيَته، نقلا عَن الْخَانِية: تكون الْأُم مشترية لنَفسهَا ثمَّ يصير هبة مِنْهَا لولدها الصَّغِير وصلَة، وَلَيْسَ لَهَا أَن تمنع المشري عَن وَلَدهَا الصَّغِير.
٧ - وَأما جريانها بَين الْقِسْمَة وَالْهِبَة فَكَمَا لَو أَمر أَوْلَاده أَن يقتسموا أرضه الْفُلَانِيَّة بَينهم وَأَرَادَ بِهِ التَّمْلِيك، فاقتسموها وتراضوا على هَذِه الْقِسْمَة تثبت لَهُم الْملك، وَلَا حَاجَة أَن يَقُول لَهُم جملَة: ملكتكم هَذِه الْأَرَاضِي، وَلَا أَن يَقُول لكل وَاحِد مِنْهُم، مَلكتك هَذَا النَّصِيب المفرز. (ر: رد الْمُحْتَار، عَن التَّتارْخَانِيَّة، قبيل الرُّجُوع فِي الْهِبَة، موضحاً) ، وكما لَو اقتسم الْوَرَثَة التَّرِكَة ذُكُورا وإناثاً على السوية صَحَّ بطرِيق الْهِبَة لَا الْإِرْث. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن وَالْعِشْرين، صفحة / ٣٩) .
٨ - وَأما الْمُضَاربَة، فَإِنَّهَا إِذا شَرط فِيهَا أَن يكون كل الرِّبْح للْمُضَارب تعْتَبر قرضا، فَإِذا تلف المَال فِي يَد الْمضَارب يكون مَضْمُونا عَلَيْهِ. وَإِذا شَرط فِيهَا أَن يكون كل الرِّبْح لرب المَال تعْتَبر بضَاعَة _ وَهِي: أَن يكون المَال وَربحه لوَاحِد وَالْعَمَل من الآخر _ وَيكون المَال حِينَئِذٍ فِي يَد الْقَابِض أَمَانَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، كتاب الْبيُوع) .
٩ - وَأما الصُّلْح فَإِنَّهُ يعْتَبر بأقرب الْعُقُود إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يكون الْمُدعى عَلَيْهِ مقرا للْمُدَّعِي بالمدعى بِهِ أَو مُنْكرا
стр. 16
فَفِي حَالَة إِقْرَاره إِن وَقع الصُّلْح عَن مَال بِمَال يَدْفَعهُ الْمُدعى عَلَيْهِ يعْتَبر بيعا، فَيجْرِي فِي الْمُدعى بِهِ الرَّد بِالْعَيْبِ، وَيُؤْخَذ بِالشُّفْعَة إِن كَانَ عقارا. وَإِن وَقع عَن مَال بِمَنْفَعَة يعْتَبر إِجَارَة. وَإِن كَانَ الصُّلْح عَن دَعْوَى النِّكَاح يعْتَبر خلعاً فتجري فِيهِ أَحْكَام الْخلْع.
وَفِي حَالَة إِنْكَار الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا تصالحا على بدل يَدْفَعهُ الْمُدَّعِي يكون ذَلِك فِي حَقه صلحا مَحْضا لقطع الْمُنَازعَة، فَلَا يُمكنهُ بعد عقد الصُّلْح أَن يرد الْمُدعى بِهِ، أَي الْمصَالح عَنهُ، بِالْعَيْبِ، وَلَا يُؤْخَذ بِالشُّفْعَة لَو كَانَ عقارا. أما فِي حق الْمُدعى عَلَيْهِ الْمُنكر، وَهُوَ الَّذِي قبض بدل الصُّلْح، فَإِن رَجَعَ عَن إِنْكَاره وَصدق الْمُدَّعِي أَو لم يرجع وَلَكِن برهن الْمُدَّعِي على دَعْوَاهُ كَانَ فِي حَقه أَيْضا بيعا فتترتب عَلَيْهِ أَحْكَام البيع من الرَّد بِخِيَار الرُّؤْيَة وَالْعَيْب وَالْأَخْذ بِالشُّفْعَة لَو كَانَ الْبَدَل عقارا. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّلَاثِينَ، صفحة / ٦٧) . وَهَذَا لَا يظْهر إِلَّا فِيمَا إِذا كَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ صلحا مَحْضا كَمَا هُوَ ظَاهر. (ر: التَّنْبِيه الأول وَالثَّانِي الْآيَتَيْنِ فِي الْكَلَام على هَذِه الْقَاعِدَة) .
١٠ - وَأما الْوِصَايَة وَالْوكَالَة فَكَمَا لَو أوصى الْإِنْسَان غَيره بِبيع شَيْء من مَاله فَإِن ذَلِك يكون وكَالَة، وَلَو وَكله بتنفيذ وَصيته بعد مَوته يكون ذَلِك وصاية. (ر: الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّة) .
١١ - وَكَذَلِكَ الْعَارِية وَالْقَرْض، فَإِن إِعَارَة مَا يجوز قرضه، كالنقود والمثليات، تعْتَبر قرضا. (ر: الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة) . وَكَذَا قرض مَا لَا يجوز قرضه، كالقيمي، يعْتَبر عَارِية، لَكِن من جِهَة أَنه يجب رد عينه لَا من جَمِيع الْوُجُوه، لِأَنَّهُ فِي هَذِه الصُّورَة يملك بِالْقَبْضِ وَيكون مَضْمُونا كالقرض الْمَحْض. (ر: رد الْمُحْتَار، أول الْقَرْض) . ١٢ - وَأما جريانها بَين الْعَارِية وَالْإِجَارَة فَكَمَا لَو قَالَ رجل لآخر: أعرتك دَاري هَذِه مثلا شهرا بِكَذَا كَانَ إِجَارَة. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه، أَوَائِل كتاب الْإِجَارَة) .
١٣ - وَأما جريانها بَين الْإِقَالَة وَالْبيع فَكَمَا لَو بَاعَ الْمَوْهُوب لَهُ الْعين
стр. 17
الْمَوْهُوبَة من آخر ثمَّ تقايل مَعَه البيع وعادت الْعين الْمَوْهُوبَة إِلَى يَده فَلَيْسَ للْوَاهِب الرُّجُوع فِي الْهِبَة، لِأَن تقايل الْمَوْهُوب لَهُ البيع مَعَ المُشْتَرِي مِنْهُ بِمَنْزِلَة بيع جَدِيد فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ من مُشْتَرِيه. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه، من الْإِقَالَة) . وَهُنَاكَ فروع كَثِيرَة تُؤْخَذ من الْمحل الْمَذْكُور.
١٤ - وَأما جريانها بَين الشُّفْعَة وَالْبيع فَكَمَا سَيَأْتِي فِي التَّنْبِيه آخر الْقَاعِدَة / ٧١ / القائلة: " لَا عِبْرَة بِالظَّنِّ الْبَين خَطؤُهُ " فِي الْمَسْأَلَة الْخَارِجَة عَنْهَا.
١٥ - وَأما جريانها بَين الْإِقْرَار وَالْبيع فَلَمَّا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل الموفي عشْرين: " الْإِقْرَار المقرون بِالْعِوَضِ تمْلِيك مُبْتَدأ، فَإِن من قَالَ لآخر: أقرّ لي بِهَذَا، لشَيْء فِي يَده، حَتَّى أُعْطِيك مائَة مثلا كَانَ بيعا، حَتَّى لَو قَالَ: إِلَى الْحَصاد لم يجز ". أَي يفْسد لتأجيل الثّمن إِلَى أجل مَجْهُول.
(تَنْبِيهَات)
التَّنْبِيه الأول: إِن ذكر لفظ الْعُقُود فِي هَذِه الْقَاعِدَة لَيْسَ لإِفَادَة أَن اعْتِبَار الْمَقَاصِد والمعاني لَا يجْرِي إِلَّا فِي الْعُقُود بل جَريا على الْغَالِب، وَإِلَّا فَإِن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة تجْرِي فِي غير الْعُقُود، كالدعاوى.
قَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن الْكَرْخِي فِي رِسَالَة الْأُصُول: " الأَصْل أَنه يعْتَبر فِي الدَّعَاوَى مَقْصُود الْخَصْمَيْنِ فِي الْمُنَازعَة دون الظَّاهِر ". وَقَالَ الإِمَام أَبُو حَفْص النَّسَفِيّ فِي شَرحه للرسالة: " من مسَائِل هَذَا الأَصْل: (أ) أَن الْمُودع إِذا طُولِبَ برد الْوَدِيعَة فَقَالَ: رَددتهَا عَلَيْك، فَقَالَ الْمُودع: لم تردها، فَالْقَوْل قَول قَابل الْوَدِيعَة مَعَ أَنه يَدعِي خلاف الظَّاهِر بقوله رددت، وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الضَّمَان وَهُوَ مُنكر لَهُ فَكَانَ القَوْل قَوْله ".
(ب) وَمثله مَا فِي الرسَالَة الْمَذْكُورَة أَيْضا، من أَن الْمُودع الْمَأْمُور بِدفع الْوَدِيعَة لفُلَان إِذا قَالَ: دفعتها لَهُ، وَقَالَ فلَان: مَا دَفعهَا إِلَيّ، فَالْقَوْل قَول الْمُودع فِي بَرَاءَة نَفسه لَا فِي إِيجَاب الضَّمَان على فلَان بِالْقَبْضِ.
стр. 18
(ج) وَمِنْهَا مَا لَو ادّعى رجلَانِ نِكَاح امْرَأَة ميتَة وَأقَام كل مِنْهُمَا الْبَيِّنَة وَلم يؤرخا، أَو أرخا تَارِيخا متحداً، فَإِنَّهُ يقْضى بِالنِّكَاحِ بَينهمَا، وعَلى كل مِنْهُمَا نصف الْمهْر، ويرثان مِنْهَا مِيرَاث زوج وَاحِد. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الدَّعْوَى، دَعْوَى الرجلَيْن) لَان الْمَقْصُود من دَعْوَى النِّكَاح بعد مَوتهَا الْإِرْث فَكَانَت الدَّعْوَى دَعْوَى مَال وَلَا مَانع من اشتراكهما فِي المَال.
أما لَو كَانَت حَيَّة وَأقَام كل مِنْهُمَا الْبَيِّنَة وَلَا مُرَجّح لإحدى الْبَيِّنَتَيْنِ بسبق تَارِيخ أَو دُخُوله بِالْمَرْأَةِ أَو غَيره من المرجحات الْمَذْكُورَة هُنَاكَ فَإِنَّهُ لَا يقْضى لأحد مِنْهُمَا، لِأَن الْمَقْصُود حِينَئِذٍ نفس النِّكَاح وَالشَّرِكَة فِيهِ لَا تكون. (ر: مَا سَيَأْتِي تَحت الْمَادَّة / ١٣ / من الْمجلة) .
(د) وَمِنْهَا مَا لَو ادّعى اثْنَان عينا، كل يَدعِي أَن كلهَا رهن عِنْده من فلَان بِدِينِهِ، وَفُلَان ميت، وبرهنا، فَإِنَّهُ يقْضى لكل مِنْهُمَا بِنِصْفِهَا رهنا عِنْده سَوَاء كَانَت فِي أَيْدِيهِمَا أَو يَد غَيرهمَا، لِأَن دعواهما الرَّهْن _ والراهن ميت _ يكون الْمَقْصُود مِنْهَا الِاسْتِيفَاء من ثمن الْعين بِالْبيعِ، والشائع يقبله، بِخِلَاف مَا إِن كَانَ الرَّاهِن حَيا فَإِن الْمَقْصُود حِينَئِذٍ حكم الرَّهْن، وَهُوَ حبس الْعين، والشائع لَا يقبله. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، والدرر، من بَاب مَا يَصح رَهنه وَمَا لَا يَصح) .
(هـ) وَمن مسَائِل الدَّعَاوَى أَيْضا فِي هَذَا الأَصْل: مَا لَو ادّعى الْمُتَوَلِي دفع الْغلَّة للمستحقين من ذُرِّيَّة الْوَاقِف، وهم يُنكرُونَ، فَالْقَوْل للمتولي مَعَ أَنه يَدي خلاف الظَّاهِر، لِأَنَّهُ يَدعِي بَرَاءَة ذمَّته وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة.
(و) وَمِنْهَا مَا سَيَأْتِي، فِي مستثنيات الْمَادَّة / ١١ /، من انه لَو قَالَ الْوَكِيل بِالْبيعِ بعد علمه بِالْعَزْلِ، وَالْمَبِيع مستهلك، بِعْت وسلمت قبل الْعَزْل، وَقَالَ الْمُوكل: بعد الْعَزْل، فَالْقَوْل للْوَكِيل مَعَ أَنه يَدعِي خلاف الظَّاهِر بِإِضَافَة الْحَادِث إِلَى أبعد أوقاته، لِأَن الْمَقْصُود من الدَّعْوَى بعد هَلَاك الْعين تَضْمِينه، وَهُوَ يُنكر سَبَب الضَّمَان. وَكَذَلِكَ بَقِيَّة مستثنيات الْمَادَّة / ١١ / الْمَذْكُورَة، فَإِنَّهَا من فروع هَذَا الأَصْل، لاعْتِبَار الْمَقْصُود من الدَّعْوَى فِيهَا.
стр. 19
(التَّنْبِيه الثَّانِي)
: يذكرُونَ أَن الصُّلْح يعْتَبر بأقرب الْعُقُود إِلَيْهِ، كَمَا ذكرنَا فِي البند ٩ من تطبيقات هَذِه الْقَاعِدَة، بِمَعْنى أَنه إِن كَانَ فِيهِ معنى البيع بِأَن وَقع عَن مَال بِمَال يعْتَبر بيعا، وَإِن كَانَ فِيهِ معنى الْإِجَارَة بِأَن وَقع عَن مَال بِمَنْفَعَة يعْتَبر إِجَارَة، وَهَكَذَا. وَأما إِذا لم يكن تطبيقه على عقد من الْعُقُود الْمَعْرُوفَة فَإِنَّهُ يبْقى صلحا مَحْضا لقطع الْمُنَازعَة.
وَلَكِن قد يَقع الصُّلْح على صُورَة تكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى أحد المتصالحين فِي معني البيع مثلا، وبالنسبة إِلَى الآخر صلحا مَحْضا لِأَنَّهَا لَيست مُبَادلَة فِي زَعمه ودعواه، كَمَا لَو تصالحا، وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ مُنكر، على أَن يدْفع الْمُدَّعِي إِلَى الْمُدعى عَلَيْهِ مَالا معينا وَيَأْخُذ مِنْهُ الْعين الْمُدعى بهَا فَهَذَا فِي زعم الْمُدَّعِي صلح مَحْض وَلَيْسَ مُبَادلَة، لِأَنَّهُ اسْتردَّ عين مَاله الَّذِي يَدعِيهِ، وَفِي زعم الْمُدعى عَلَيْهِ الْمُنكر لدعوى الْمُدَّعِي هُوَ بيع.
فَفِي أَمْثَال هَذِه الْحَالة هَل يعْتَبر عقد الصُّلْح على حسب زعم الْمُدَّعِي، فَإِن كَانَ فِي زَعمه مُبَادلَة مَالِيَّة اعْتبر بيعا وَإِجَارَة وأجريت فِيهِ أَحْكَام البيع وَالْإِجَارَة، وَإِن كَانَ صلحا مَحْضا اعتبرناه صلحا؟ أَو هَل نعتبره على حسب زعم الْمُدعى عَلَيْهِ؟ أَو هَل نعتبر زعم كل وَاحِد على حِدة بِحَيْثُ لَو كَانَ الصُّلْح فِي زعم أحد المتصالحين مُعَاوضَة وَفِي زعم الآخر صلحا مَحْضا أَخذنَا كلا بِزَعْمِهِ واعتبرناه فِي حَقه على خلاف مَا نعتبره فِي حق رَفِيقه؟
هَذَا مَا توقفنا فِيهِ، وَلم نر للفقهاء تَصْرِيحًا شافياً فِيهِ. وَالَّذِي ظهر لنا بعد طول الْبَحْث، استنباطاً من بعض تصريحاتهم وانطبقت عَلَيْهِ الْفُرُوع المنقولة وتوجيهاتها: أَنه فِيمَا بَين المتصالحين أَنفسهمَا يعْتَبر عقد الصُّلْح على الصّفة الَّتِي يقتضيها زعم الْمُدَّعِي دون زعم الْمُدعى عَلَيْهِ، وَأما فِيمَا بَين كل وَاحِد مِنْهُمَا وثالث خَارج، كالشفيع، فيؤاخذ كل وَاحِد من المتصالحين بِزَعْمِهِ على حِدة، سَوَاء أَكَانَ فِي عقد الصُّلْح مُدعيًا أَو مدعى عَلَيْهِ.
يُوضح ذَلِك مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل السَّادِس عشر مِنْهُ
стр. 20
نقلا عَن فَتَاوَى رشيد الدّين، مَا نَصه: " لَو صَالح عَن الدَّار المدعاة فَاسْتحقَّ الدَّار فالمدعى عَلَيْهِ يَأْخُذ من الْمُدَّعِي مَا دفع إِلَيْهِ، أما لَو كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مقرا فَظَاهر، لِأَنَّهُ يصير مُشْتَريا فَيرجع إِذا اسْتحق، وَأما لَو كَانَ مُنْكرا فَيرجع أَيْضا، إِذْ الصُّلْح جَوَازه على زعم الْمُدَّعِي، وزعمه بِأَنَّهُ بَاعه، فَإِذا اسْتحق يرجع، وَأما لَو دفع الْمُدَّعِي شَيْئا إِلَى ذِي الْيَد وَأخذ الدَّار مِنْهُ فَاسْتحقَّ الدَّار لَا يرجع الدَّافِع بِمَا دفع، إِذْ الْمُدَّعِي يزْعم: إِنِّي آخذ حَقي وَإِنَّمَا أدفَع المَال لقطع خُصُومَة، فَلَا يصير الْمُدَّعِي مُشْتَريا فَلَا يرجع ". فقد اعْتبر زعم الْمُدَّعِي فَقَط فِيمَا بَينه وَبَين الْمُدعى عَلَيْهِ وأهمل زعم الْمُدعى عَلَيْهِ، مَعَ أَنه فِي صُورَة مَا إِذا كَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الْمُدَّعِي، وَكَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مُنْكرا، يكون الصُّلْح بيعا فِي زعم الْمُدعى عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهر وَمَعَ ذَلِك لم يثبتوا للْمُدَّعِي حق الرُّجُوع عَلَيْهِ ومؤاخذته بِزَعْمِهِ.
وَجَاء فِي شرح النقاية للقهستاني، فِي كتاب الصُّلْح مِنْهُ، فِيمَا إِذا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ غير مقرّ وَكَانَ هُوَ دَافع بدل الصُّلْح مَا لَفظه: " فَلَا شُفْعَة للشَّرِيك وَغَيره على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي صلح عَن دَار، لِأَنَّهُ زاعم أَنه على أصل حَقه، وَلَا يلْزم زعم الْمُدَّعِي، لِأَن الْمَرْء لَا يُؤَاخذ إِلَّا بِزَعْمِهِ ". فقد اعْتبر هُنَا زعم الْمُدعى عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الْأَجْنَبِيّ الْخَارِج، وَهُوَ الشَّفِيع، فَلم يثبتوا لَهُ حق الشُّفْعَة، لِأَن هَذَا الصُّلْح فِي زعم الْمُدعى عَلَيْهِ لَيْسَ مُعَاوضَة مَالِيَّة، لِأَنَّهُ لما كَانَ مُنْكرا لدعوى الْمُدَّعِي لم بكن اعْتِبَاره بِدفع الْبَدَل مُشْتَريا، بل قَاطعا للنزاع ومستبقيا لملكه، وَلَو كَانَ زعم الْمُدَّعِي مُعْتَبرا، وَالْحَالة هَذِه، دون زعم الْمُدعى عَلَيْهِ لَوَجَبَتْ الشُّفْعَة للشَّفِيع على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الدَّار الْمصَالح عَنْهَا، لِأَن هَذَا الصُّلْح فِي زعم الْمُدَّعِي الْقَابِض للبدل بيع.
وَقد جَاءَت الْمَادَّة / ١٥٥٠ / من الْمجلة على نَحْو مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَشرح النقاية للقهستاني، وَشرح التَّنْوِير، منطبقة على مَا ذكرنَا ومؤيدة لَهُ.
وَإِنَّمَا لم يعْتَبر فِيمَا بَين المتصالحين أَنفسهمَا زعم كل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَن زعميهما متنافيان إِيجَابا وسلباً، فَمَا يَقْتَضِيهِ زعم أَحدهمَا يَنْفِيه زعم الآخر، فَوَجَبَ الِاقْتِصَار على أحد الزعيمين فِي مصير عقد الصُّلْح.
стр. 21
وَإِنَّمَا كَانَ الْمُعْتَبر زَعمه هُوَ الْمُدَّعِي، دون الْمُدعى عَلَيْهِ، لِأَن الْمُدعى عَلَيْهِ مُنكر متمسك بِالْأَصْلِ، وَهُوَ عدم مَا يَدعِيهِ الْمُدَّعِي، وَالْمُنكر فِي غنى عَن بَيَان الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة وَغير مُكَلّف بهَا لتأييده إِنْكَاره، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ منشئاً للخصومة وَإِذا ترك لم يتْرك بل فِي موقف الدّفع، وَالْإِنْكَار لَا يتَضَمَّن إِثْبَات حق لأحد وَلذَا يقوم السُّكُوت بِلَا عذر مقَامه ويغني عَن الإفصاح بِهِ، فَكَمَا أَن السُّكُوت لَا يثبت حَقًا لأحد فَكَذَا مَا قَامَ مقَامه، فَإِذا ادّعى بعد ذَلِك خلاف مَا يَقْتَضِيهِ إِنْكَاره لَا يعد متناقضاً شرعا، لِأَن التَّنَاقُض لَا يمْنَع سَماع الدَّعْوَى إِلَّا إِذا كَانَ أول الْكَلَامَيْنِ فِيهِ مثبتاً حَقًا لمُعين. (ر: رد الْمُحْتَار، أول بحث التَّنَاقُض من بَاب الِاسْتِحْقَاق) معنى هَذَا لَا يمْنَع الْمُدعى عَلَيْهِ أَن يَدعِي بعد الصُّلْح مَا يُخَالف مُقْتَضى إِنْكَاره السَّابِق.
بِخِلَاف الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ هُوَ المنشئ للخصومة والآتي بِأول الْكَلَامَيْنِ، وَلذَا لَو ترك ترك، وَهُوَ فِي موقف التهجم على الْمُدعى عَلَيْهِ والانتزاع من يَده، والنزع لَا بُد فِيهِ من كَون مَا يزعمه من السَّبَب مطابقاً لوجه شَرْعِي يسْتَحق بِهِ النزع، كَمَا يَقُول أَبُو يُوسُف، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي كتاب الْخراج: " لَا ينْزع شَيْء من يَد أحد إِلَّا بِحَق ثَابت مَعْرُوف ".
فَإِذا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مُنْكرا وَكَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الْمُدَّعِي لم يكن فِي معنى الْمُضْطَر، لِأَنَّهُ لَو ترك ترك، فَكَانَ ذَلِك العقد فِيمَا زَعمه صلحا مَحْضا لَيْسَ فِيهِ معنى الْمُعَاوضَة، لِأَنَّهُ بِدفع الْبَدَل قد استخلص فِي زَعمه ملكه، فَإِذا اسْتحق من يَده يقْتَصر الِاسْتِحْقَاق عَلَيْهِ وَلَا يُمكن اعْتِبَاره فِي حكم من تلقى الْملك من غَيره، كَمَا هُوَ صَرِيح من كَلَام رشيد الدّين الْمُتَقَدّم، أَلا ترى أَن المُشْتَرِي إِذا أنكر دَعْوَى الْمُسْتَحق الْملك وَادّعى أَن الْمُدعى ملكه وَلم يذكر تلقي الْملك من بَائِعه فَلَا يرجع عَلَيْهِ بِالثّمن. (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل الِاسْتِحْقَاق) فَهَذَا أولى.
وَإِذا كَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ الْمُنكر كَانَ فِي معنى الْمُضْطَر، لِأَنَّهُ لَو ترك لم يتْرك، فَإِذا اسْتحق الْمُدعى من يَده لم يكن هُنَاكَ مَا يمْنَع من اعْتِبَاره فِي حكم من تلقى الْملك من غَيره فَلَا يمْتَنع رُجُوعه بِالْبَدَلِ، إِذا لم يُوجد مِنْهُ سوى إِنْكَار كَون الْمُدعى بِهِ ملك الْمُدَّعِي، وعَلى تَسْلِيم صدقه فِي إِنْكَاره هَذَا فَإِنَّهُ
стр. 22
لَا يمْنَع من الرُّجُوع على البَائِع عِنْد الِاسْتِحْقَاق (ر: تنوير الْأَبْصَار، كتاب الدَّعْوَى، بَاب الِاسْتِحْقَاق) وَعدم ذكره فِي خُصُومَة الْمُسْتَحق تلقي الْملك من الْمُدَّعِي الأول الْقَابِض لبدل الصُّلْح لَا يمْنَع من اعْتِبَاره مقضياً عَلَيْهِ ورجوعه بِالْبَدَلِ عِنْد الِاسْتِحْقَاق، لِأَن هَذَا التلقي الْمُعْتَبر بيعا إِنَّمَا اعْتبر بيعا فِي ضمن عقد الصُّلْح، وَالشَّيْء إِذا ثَبت فِي ضمن غَيره لَا يجب أَن تتوفر شُرُوطه، بل يَكْتَفِي بتوفر شُرُوط المتضمن لَهُ فَقَط (ر: مَا جَاءَ من ذَلِك فِي الخاتمة الَّتِي كتبناها آخر الْمَادَّة / ٥٢ / فَإِن فِيهَا مقنعا) .
ثمَّ لينْظر مَا لَو أنكر ملك الْمُدعى وَزعم أَن الْمَبِيع ملكه بِأَن قَالَ: لَيْسَ هُوَ ملكه بل هُوَ ملكي، وَيُمكن أَن يُقَال: لَا يمْنَع ذَلِك دَعْوَاهُ الرُّجُوع بِالْبَدَلِ، لِأَن دَعْوَاهُ الْملك أَمر زَائِد على الْجَواب الْكَافِي، وَهُوَ إِنْكَاره، وَلَا دخل لَهُ فِيهِ وَلَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَّته، فَكَانَ وجودهَا كَالْعدمِ فَلَا يتَعَلَّق بهَا حكم، أَلا ترى أَنه لَو وجد فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي أَو فِي شَهَادَة الشُّهُود زِيَادَة لَا تتَوَقَّف عَلَيْهَا صِحَة الدَّعْوَى أَو الشَّهَادَة، كَمَا لَو بَين الْمُدَّعِي ذرعاً من الثَّوْب الْمُدعى أَو لون الدَّابَّة أَو سنّهَا أَو كَونهَا مشقوقة الْأذن، ثمَّ ظهر أَن الْأَمر على خلاف مَا وصف، فقد حكى فِي الْفَصْل السَّادِس من جَامع الْفُصُولَيْنِ خلافًا فِي سَماع الدَّعْوَى وَقبُول الشَّهَادَة، وجنح إِلَى عدم سَماع الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة (ر: مَا جَاءَ فِي التَّنْبِيه تَحت الْمَادَّة / ٦٥ /) مَعَ أَنه ظهر فِي ذَلِك كذب الْمُدَّعِي وشهوده، فَمَا بالك بِمَا كَانَ زَائِدا فِي كَلَام الْمُدعى عَلَيْهِ؟ فَلِأَن لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم بِلَا خلاف بِالْأولَى، خُصُوصا وَقد ارْتَفع زَعمه الْملك بتكذيب الْحَاكِم لَهُ فِيهِ بِالْقضَاءِ بِالْملكِ للْمُسْتَحقّ (ر: الْمَادَّة / ١٦٥٤ / من الْمجلة) ، هَذَا مَا ظهر لفهمي وَالله أعلم.
هَذَا وَقد اسْتشْكل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ مَا نَقله عَن رشيد الدّين من قَوْله الْمُتَقَدّم: " أما لَو دفع الْمُدَّعِي شَيْئا إِلَى ذِي الْيَد وَأخذ الدَّار مِنْهُ فَاسْتحقَّ
стр. 23
الدَّار لَا يرجع الدَّافِع بِمَا دفع، إِذْ الْمُدَّعِي يزْعم: إِنِّي آخذ حَقي "، وَاسْتظْهر أَن يكون زعم الْمُدعى عَلَيْهِ مُعْتَبرا أَيْضا فَيكون للْمُدَّعِي حق الرُّجُوع عَلَيْهِ فِي هَذِه الصُّورَة.
وَمَا استظهر يُنَافِيهِ الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول: أما الْمَعْقُول: فَلِأَن مَوْضُوع كَلَام رشيد الدّين فِيمَا بَين أحد المتصالحين وَالْآخر، لَا فِيمَا بَينه وَبَين الْأَجْنَبِيّ، فَلَا يُمكن اعْتِبَار زعم كل من المتصالحين، لتنافيهما.
وَأما الْمَنْقُول: فَلِأَن مَا جَاءَ فِي فَتَاوَى رشيد الدّين مُوَافق لما جَاءَ فِي معتبرات كتب الْمَذْهَب، وَقد نقل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ نَفسه، فِي الْفَصْل الْعشْرين، عَن الْهِدَايَة مَا ينطبق على مَا فِي فَتَاوَى رشيد الدّين، وَلَفظه: " ادّعى نِكَاحهَا، وَهِي تنكر فصالحته على مَال ليترك دَعْوَاهُ جَازَ خلعاً فِي جَانِبه، بِنَاء على زَعمه، وبذلاً لِلْمَالِ لدفع الْخُصُومَة فِي جَانبهَا. وَلَو ادَّعَت هِيَ عَلَيْهِ نِكَاحهَا فصالحها على مَال يَدْفَعهُ هُوَ إِلَيْهَا لم يجز ". فقد اعْتبر صَاحب الْهِدَايَة، فِيمَا بَين المتصالحين، زعم الْمُدَّعِي، فحين كَانَ الزَّوْج هُوَ الْمُدَّعِي وَكَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الزَّوْجَة صَحَّ الصُّلْح على أَنه خلع، وَحين كَانَت هِيَ المدعية وَكَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الزَّوْج لم يَصح الصُّلْح اعْتِبَارا لزعمها، لِأَنَّهَا لَيست صَاحِبَة حق النِّكَاح حَتَّى يجوز أَخذهَا الْبَدَل اعتياضاً عَنهُ فِي زعمها، فَإِن الْحل وَالْحُرْمَة فِي النِّكَاح عائدان للزَّوْج شرعا، وَلذَا لَو اعْترفت الزَّوْجَة بِطَلَاق، وَلَو ثَلَاثًا، أَو برضاع لَا يلْتَفت إِلَيْهَا (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الرَّضَاع) وَلم ينظر فِي هَذِه الصُّورَة الْأَخِيرَة إِلَى زعم الزَّوْج الْمُقْتَضِي لتصحيح الصُّلْح، بِاعْتِبَار أَنه دفع الْبَدَل لقطع خُصُومَة المدعية وَرفع النزاع، وَذَلِكَ لِأَن الزَّوْج مدعى عَلَيْهِ وزعمه غير مُعْتَبر، وَهَذَا يشْهد بانطباق مَا فِي فَتَاوَى رشيد الدّين على مَا فِي كتب الْمَذْهَب، فَانْدفع بِهَذَا إِشْكَال صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ الْمُتَقَدّم.
وَقد أجَاب الرَّمْلِيّ، فِي حَاشِيَته على جَامع الْفُصُولَيْنِ، عَن استشكال صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ الْمُتَقَدّم بِجَوَاب منقوض غير صَحِيح، حَيْثُ ذكر أَن الْمُدَّعِي فِي تِلْكَ الصُّورَة إِذا دفع بدل الصُّلْح وَأخذ الدَّار لَا يكون هَذَا الصُّلْح فِي
стр. 24
زَعمه مُبَادلَة، فَإِذا اسْتحقَّت الدَّار مِنْهُ لَا يسوغ لَهُ أَن يرجع بِمَا دَفعه، لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الْمُطَالبَة بِمَا يُخَالف زَعمه.
وينقض هَذَا الْجَواب مَا ذكره رشيد الدّين، فِي صدر الْعبارَة، من أَنه لَو كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مُنْكرا، وَكَانَ هُوَ دَافع الْبَدَل، ثمَّ اسْتحقَّت الدَّار من يَده يرجع على الْمُدَّعِي بِمَا دَفعه إِلَيْهِ، مَعَ أَن هَذَا الصُّلْح لَيْسَ مُبَادلَة فِي زَعمه، بل هُوَ مُبَادلَة فِي زعم الْمُدَّعِي فَقَط، فقد تمكن الْمُدعى عَلَيْهِ من الْمُطَالبَة بِمَا يُخَالف زَعمه. وَالْجَوَاب الْحَاكِم مَا قدمْنَاهُ، وبالمعقول وَالْمَنْقُول أيدناه، وَالله أعلم.
(التَّنْبِيه الثَّالِث)
قد يعْتَبر الْمَقْصد وَالْمعْنَى فِي بعض الْعُقُود، فَيحصل من اعتبارهما فِيهِ فَائِدَة من غير أَن يكْتَسب العقد صفة عقد آخر، كَمَا إِذا أعْطى الْغَاصِب الْمَغْصُوب مِنْهُ رهنا بِعَين الْمَغْصُوب، ثمَّ تلفت الْعين الْمَغْصُوبَة فِي يَد الْغَاصِب، فَإِن الرَّهْن يكون حينئذٍ ببدلها من مثل أَو قيمَة، وكما إِذا أعْطى الْمُسلم إِلَيْهِ لرب السّلم رهنا بِعَين الْمُسلم فِيهِ، ثمَّ انْفَسَخ عقد السّلم بِوَجْه مَا، فَإِن الرَّهْن يصير رهنا بِرَأْس المَال الَّذِي قَبضه الْمُسلم إِلَيْهِ (ر: الدُّرَر، وَغَيره، من بَاب مَا يَصح رَهنه وَمَا لَا يَصح) وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن الْمَقْصد من هَذَا الرَّهْن توثق الْمَغْصُوب مِنْهُ وَرب السّلم لِسَلَامَةِ حَقه وأمنه مِمَّا يلْحقهُ من الضَّرَر بِهَذَا الْغَصْب وَعقد السّلم.
(التَّنْبِيه الرَّابِع)
اخْتلف فِي جَوَاز بيع الْوَفَاء فِي الْمَنْقُول إِذا لم يكن الْمَنْقُول من تَوَابِع الْعقار. وَلم أجد فِي ذَلِك تَرْجِيحا، وَلم تتعرض الْمجلة لَهُ أَيْضا. وَمُقْتَضى مَا ذَكرُوهُ من أَن تَجْوِيز بيع الْوَفَاء بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة الْمَعْرُوفَة إِنَّمَا كَانَ لضَرُورَة النَّاس وتعارفهم، أَنه إِذا لم يتعارف النَّاس إجراءه فِي المنقولات، التعارف الْمُعْتَبر، لَا يجوز كَمَا هُوَ الْوَاقِع فِي زَمَاننَا.
стр. 25
وَاخْتلف أَيْضا فِي ملك المُشْتَرِي للِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وَفَاء وَملكه لزوائده، فَقيل لَا يملك ذَلِك إِلَّا بِالشّرطِ، وَقيل يملكهُ بِلَا شَرط، وَنقل فِي رد الْمُحْتَار، فِي بيع الْوَفَاء قبيل الْكفَالَة، أَن هَذَا القَوْل، أَعنِي ملكه لذَلِك بِدُونِ شَرط، عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَبَين أَن ملكه لذَلِك مَبْنِيّ أَيْضا على القَوْل الْجَامِع الَّذِي قدمنَا أَنه الْمُفْتى بِهِ وَأَن عَلَيْهِ الْمجلة.
غير أَن شرَّاح الْمجلة جروا، فِي شرح الْمَادَّة / ٣٩٨ / مِنْهَا، على أَن المُشْتَرِي لَا يملك الِانْتِفَاع إِلَّا بِالشّرطِ، مَعَ أَن الْمَادَّة الْمَذْكُورَة لَا صَرَاحَة فِيهَا بِأَن المُشْتَرِي لَا يملك الِانْتِفَاع إِلَّا بِالشّرطِ، بل ذكرت أَنه إِذا شَرط فِي بيع الْوَفَاء أَن يكون قدر، من مَنَافِع الْمَبِيع للْمُشْتَرِي، كَأَن تكون غلَّة الْكَرم الْمَبِيع مثلا بَينهمَا مُنَاصَفَة، صَحَّ ذَلِك، وَهَذَا ظَاهر لَا كَلَام فِيهِ، وَأما الحكم عِنْد عدم الِاشْتِرَاط فَهُوَ مسكوت عَنهُ فِيهَا لم تتعرض لَهُ أصلا.
وَيرى النَّاظر فِي مَادَّة / ١١٨ / مِنْهَا أَنَّهَا تفِيد ملك المُشْتَرِي للِانْتِفَاع بِلَا شَرط، حَيْثُ صرحت بِأَن بيع الْوَفَاء فِي حكم البيع الْجَائِز بِالنّظرِ إِلَى انْتِفَاع المُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ ... . إِلَخ، فَلَو كَانَ المُرَاد أَن الِانْتِفَاع إِنَّمَا يكون بِالشّرطِ لما صَحَّ، تشبيهه فِي هَذِه الْجِهَة بِالْبيعِ الْجَائِز اللَّازِم، بل كَانَ الصَّوَاب أَن يشبه فِي هَذِه الْجِهَة بِالرَّهْنِ، لِأَن الْمُرْتَهن يملك الِانْتِفَاع بِالرَّهْنِ بِالشّرطِ.
وَبِذَلِك يظْهر أَنه يجب حمل الْمَادَّة / ٣٩٨ / على مَا يفهم من الْمَادَّة / ١١٨ / فَيكون معنى تِلْكَ أَنه إِذا اشْترط فِي بيع الْوَفَاء أَن تكون غلَّة الْمَبِيع مُشْتَركَة بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي مُنَاصَفَة أَو مرابعة مثلا يَصح ذَلِك. أما عِنْد عدم هَذَا الِاشْتِرَاط فَتكون الْغلَّة كلهَا للْمُشْتَرِي.
على أَنه فِي زَمَاننَا الْيَوْم يجب الحكم بِملك المُشْتَرِي الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وَفَاء على كل حَال وَإِن لم يشْتَرط ذَلِك صَرِيحًا، لِأَن النَّاس متعارفة على ذَلِك، وَلَا يُمكن أَن يقدم أحد على الشِّرَاء وَفَاء إِلَّا وَيعلم هُوَ وَالْبَائِع، بِحكم الْعرف وَالْعَادَة، أَن المُشْتَرِي ينْتَفع بِالْمَبِيعِ بإجارته من البَائِع أَو من غَيره، وَيملك إنزاله وإغلاله، فَيكون حينئذٍ ملك المُشْتَرِي للِانْتِفَاع مَشْرُوطًا، لِأَن الْمَعْرُوف عرفا كالمشروط (ر:
стр. 26
مَادَّة / ٤٣ / من الْمجلة) فَلذَلِك جرينا فِي شرح هَذِه الْقَاعِدَة على ملك المُشْتَرِي للمنافع وللزوائد بِلَا شَرط. وَمَا يُوجد فِي بعض شُرُوح الْمجلة من النقول الَّتِي تفِيد خلاف مَا جرينا عَلَيْهِ فَهِيَ مفرعة على القَوْل بالاشتراط، وَهُوَ خلاف الْمُفْتى بِهِ كَمَا علمت.
(التَّنْبِيه الْخَامِس)
إِن اعْتِبَار الْمَقَاصِد والمعاني فِي الْعُقُود مُقَيّد بِمَا إِذا لم يُعَارضهُ مَانع شَرْعِي يمْنَع اعْتِبَار الْمَقْصد وَالْمعْنَى ويصرفه إِلَى جِهَة أُخْرَى، فَلَو عَارضه تعْتَبر تِلْكَ الْجِهَة وَإِن قصد غَيرهَا، لما ذكر فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل الثَّلَاثِينَ مِنْهُ: " إِن المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا لَو رد الْمَبِيع على بَائِعه انْفَسَخ البيع السَّابِق على أَي وَجه كَانَ رده، سَوَاء كَانَ بِبيع جَدِيد أَو بِهِبَة أَو صَدَقَة أَو عَارِية أَو وَدِيعَة، لِأَن فسخ البيع الْفَاسِد ورد الْمَبِيع وَاجِب شرعا، فعلى أَي وَجه رده يَقع عَن الْوَاجِب وَيبرأ عَن ضَمَانه "، فقد ألغى الْقَصْد فِي هَذِه التَّصَرُّفَات، وَاعْتبر تَسْلِيم الْمَبِيع للْبَائِع ردا بِحكم الْفَسْخ للْعقد الْفَاسِد السَّابِق.
وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا ذكره فِي الدُّرَر وَغَيره، من بَاب الْمهْر، من أَنه لَو كَانَ الْمهْر دينا فِي ذمَّة الزَّوْج، كالدراهم وَالدَّنَانِير، فَوَهَبته الزَّوْجَة كُله أَو نصفه قبل أَن تقبضه مِنْهُ، أَو كَانَ الْمهْر عرضا معينا، فَوَهَبته مِنْهُ، وَلَو بعد قبضهَا لَهُ، ثمَّ طَلقهَا الزَّوْج قبل الدُّخُول فَإِنَّهُ لَا يرجع عَلَيْهَا بِشَيْء، وَيجْعَل مَا وصل إِلَيْهِ بِالْهبةِ واصلاً إِلَيْهِ بِحكم اسْتِحْقَاق نصف الْمهْر بِالطَّلَاق قبل الدُّخُول، وَغَايَة الْأَمر أَنه اخْتلف سَبَب وُصُوله إِلَيْهِ، وَلَا يبالى باخْتلَاف الْأَسْبَاب بعد سَلامَة الْمَقْصُود (انْتهى موضحاً) .
وَمِنْه مَا جَاءَ فِي رد الْمُحْتَار (من كتاب الْإِجَارَة ج / ٥ / صفحة / ٦ / عِنْد قَول الْمَتْن: وَاعْلَم أَن الْأجر لَا يلْزم بِالْعقدِ فَلَا يجب تَسْلِيمه بِهِ بل تَعْجِيله ... .) ، حَيْثُ قَالَ: " إِذا عجل الْأُجْرَة لَا يملك الِاسْتِرْدَاد، وَلَو كَانَت الْأُجْرَة عينا فأعارها أَو أودعها رب الدَّار فَهُوَ كالتعجيل ". (ر: مثله فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، كتاب الْإِجَارَة، الْبَاب الثَّانِي مِنْهُ) .
стр. 27
وأصل ذَلِك مَا ذكره الإِمَام الدبوسي، فِي كِتَابه تأسيس النّظر، حَيْثُ قَالَ: " الأَصْل عندنَا أَن كل فعل اسْتحق فعله على جِهَة بِعَينهَا فعلى أَي وَجه حصل كَانَ عَن الْوَجْه الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، كرد الْوَدِيعَة وَالْمَغْصُوب ". ثمَّ فرع عَلَيْهِ فروعاً كَثِيرَة فانظرها فِيهِ.
لَكِن مَا كَانَ مُسْتَحقّا بِجِهَة إِذا وصل إِلَى الْمُسْتَحق بِجِهَة أُخْرَى فَإِنَّمَا يعْتَبر واصلاً عَن الْجِهَة الْمُسْتَحقَّة إِذا وصل إِلَيْهِ من جِهَة الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، أما إِذا وصل إِلَيْهِ من جِهَة غَيره فَلَا، حَتَّى إِن المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا إِذا وهب الْمَبِيع من غير بَائِعه أَو بَاعه فوهبه ذَلِك الرجل من البَائِع الأول وَسلمهُ إِلَيْهِ لَا يبرأ المُشْتَرِي عَن قِيمَته، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ الْمهْر عينا فَوَهَبته الْمَرْأَة من غير زَوجهَا وَهُوَ وهبه من زَوجهَا ثمَّ طَلقهَا قبل الدُّخُول فلزوجها عَلَيْهَا نصف قيمَة الْعين (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّلَاثِينَ، صفحة / ٥٢ / نقلا عَن الأَصْل للْإِمَام مُحَمَّد، رَحْمَة الله عَلَيْهِ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وصل إِلَى الْمُسْتَحق، وَهُوَ البَائِع وَالزَّوْج، من غير جِهَة الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، وَهُوَ المُشْتَرِي وَالْمَرْأَة.
وَنقل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ قبل ذَلِك، عَن الزِّيَادَات للْإِمَام مُحَمَّد أَيْضا " أَنه لَو اشْترى عينا من غير ذِي الْيَد وَسلم الثّمن إِلَيْهِ ثمَّ خَاصم المُشْتَرِي ذَا الْيَد فَأَخذهَا مِنْهُ بِهِبَة أَو صَدَقَة أَو شِرَاء أَو وَدِيعَة أَو غصب أَو نَحوه فَلَيْسَ لَهُ على الثّمن سَبِيل، لزعمه أَن الثّمن مُسْتَحقّ بِجِهَة الشِّرَاء فَوَقع عَنْهَا، إِذْ الْمُسْتَحق بِجِهَة، وَهُوَ الْمَبِيع، يَقع عَن الْجِهَة الْمُسْتَحقَّة وَلَو أوقعه الْموقع بِجِهَة أُخْرَى ". والجهة الْأُخْرَى هِيَ جِهَة الْهِبَة وَمَا عطف عَلَيْهَا. ثمَّ قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ عقبه: " أورد أَي مُحَمَّد، هَذِه الْمَسْأَلَة ليبين أَن المُشْتَرِي إِذا وصل إِلَى مُشْتَرِيه يعْتَبر وُصُوله بِجِهَة الشِّرَاء، وصل إِلَيْهِ من جِهَة البَائِع أَو من جِهَة غَيره، وَهَذَا بِخِلَاف مَا ذكر، أَي مُحَمَّد، فِي الأَصْل " - وسَاق عبارَة الأَصْل الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ - وَسكت عَمَّا ذكره من الْمُخَالفَة وَلم يجب عَنهُ وَلم يوفق بَين الْكَلَامَيْنِ، وَسكت عَنهُ محشيه الرَّمْلِيّ، وَكَذَلِكَ لم يتَعَرَّض لَهُ فِي نور الْعين.
مَعَ أَنه لَا تخَالف بَين كَلَامي الإِمَام مُحَمَّد، رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَن الْمُسْتَحق، وَهُوَ الْمَبِيع فِي فرع الزِّيَادَات، لم يصل إِلَى الْمُسْتَحق، وَهُوَ المُشْتَرِي،
стр. 28
من غير جِهَة الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، وَهُوَ البَائِع، لِأَن إقدام المُشْتَرِي على الشِّرَاء من البَائِع اعْتِرَاف لَهُ بِالْملكِ (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الدَّعْوَى، بحث الِاسْتِحْقَاق، عِنْد قَول الْمَتْن: فَلَو بِإِقْرَار المُشْتَرِي فَلَا رُجُوع، نقلا عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ نَفسه) فَتكون يَد ذِي الْيَد فِي زَعمه لَيست يَد ملك، وَإِذا لم تكن يَد ملك فَبِأَي كَيْفيَّة وصل إِلَيْهِ مِنْهَا يكون واصلاً إِلَيْهِ عَن الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، وَهُوَ البَائِع، عين الْمَبِيع الْمُسْتَحق، وَمَا تِلْكَ الْعُقُود الَّتِي عَددهَا فِي الزِّيَادَات، من الْهِبَة وَمَا عطف عَلَيْهَا وَالْغَصْب، إِلَّا وَسَائِل غير مُرَاد للْمُشْتَرِي حقائقها وَلَا أَحْكَامهَا مستخلص بهَا عَن الْمُسْتَحق لَهُ، وإقدامه على الشِّرَاء ثَانِيًا من ذِي الْيَد وَإِن كَانَ يتَضَمَّن أَيْضا نَظِير مَا تضمنه إقدامه على الشِّرَاء الأول من الْإِقْرَار لَهُ بِالْملكِ فَإِنَّهُ لَا يبطل بِهِ إِقْرَاره الأول، إِذْ الْإِقْرَار لَا يبطل بِإِقْرَار يَأْتِي بعده مُخَالفا لَهُ، بل يصير بِالثَّانِي متناقضاً فَلَا يسمع مِنْهُ مَا لم يصر فِي الأول مُكَذبا شرعا (ر: مَا يَأْتِي فِي الْكَلَام على الْقَاعِدَة / ٧٩ / القائلة لَا حجَّة مَعَ التَّنَاقُض) .
بِخِلَاف فرعي " الأَصْل " فَإِن الْمَبِيع فَاسِدا وَالْمهْر الْعين فيهمَا خرجا بِالْهبةِ عَن ملك المُشْتَرِي وَالزَّوْجَة ودخلا فِي ملك الْمَوْهُوب لَهُ، وبخروجهما عَن ملكهمَا انْقَطع حق البَائِع من اسْتِرْدَاد عين الْمَبِيع بِالْفَسْخِ، بِحكم الْفساد، وَحقّ الزَّوْج من اسْتِرْدَاد نصف عين الْمهْر، بِالطَّلَاق قبل الدُّخُول، وَتعلق حَقّهمَا بِالْقيمَةِ شرعا، كَمَا يعلم ذَلِك بمراجعة أَحْكَام البيع الْفَاسِد وَأَحْكَام الْمهْر بِكُل سهولة.
وَإِذا صَحَّ التَّمْلِيك والتملك بَين الْوَاهِب، وَهُوَ المُشْتَرِي وَالزَّوْجَة، وَبَين الْمَوْهُوب لَهُ، وَانْقطع حق الْمَالِك الْأَصْلِيّ عَن الْعين وَصَارَ الْمُسْتَحق لَهُ هُوَ الْقيمَة يكون بوصول الْعين إِلَيْهِ من الْمَوْهُوب لَهُ قد وصل إِلَيْهِ غير مَا يسْتَحقّهُ، وَهُوَ الْقيمَة، بِخِلَاف فرع الزِّيَادَات فَإِن الْوَاصِل فِيهِ إِلَى الْمُسْتَحق عين مَا يسْتَحقّهُ بِزَعْمِهِ فَلَا تخَالف بَين الْكَلَامَيْنِ.
وعَلى هَذَا فَقَوْل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ: أورد مُحَمَّد هَذِه الْمَسْأَلَة ليبين أَن المُشْتَرِي إِذا وصل ... إِلَخ، لَيْسَ بِظَاهِر، لِأَن الْمَبِيع فِي فرع الزِّيَادَات لم يصل للْمُشْتَرِي من جِهَة غير البَائِع كَمَا بَينا، هَذَا مَا ظهر لي وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
стр. 29
(ثَالِثا: الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من هَذِه مسَائِل: مِنْهَا: أَن البيع بِلَا ثمن يبطل، وَلَا ينْعَقد هبة، وَلم أر فِيهِ خلافًا. وَكَذَا الْإِجَارَة بِلَا بدل لَا تَنْعَقِد عَارِية إِلَّا على قَول (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل الْإِجَارَة) .
وَوجه عدم الِانْعِقَاد فِي الفرعين ظَاهر، وَذَلِكَ أَنه دَار الْأَمر فيهمَا بَين عقد مَحْظُور، وَهُوَ البيع بِلَا ثمن وَالْإِجَارَة بِلَا بدل وَكِلَاهُمَا فَاسد وَهُوَ مَحْظُور، وَبَين عقد مُبَاح، وَهُوَ الْهِبَة وَالْعَارِية، فغلب الحاظر، بِخِلَاف بَقِيَّة مَا فرع على الْقَاعِدَة فَإِنَّهُ قد دَار الْأَمر فِي جَمِيعهَا بَين أَمريْن مباحين فَاعْتبر فيهمَا الْمَقْصد وَالْمعْنَى. هَذَا مَا ظهر لي وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
(خَاتِمَة)
هَذِه فروع مُتَعَلقَة بِبيع الْوَفَاء، مقتطفة من جَامع الْفُصُولَيْنِ، من الْفَصْل الثَّامِن عشر مِنْهُ، تذكر فِي هَذِه الْمَادَّة زِيَادَة للفائدة وَتجْعَل خَاتِمَة لَهَا.
(أ) لَا يدْخل الزَّرْع وَالثَّمَر وقوائم الْخلاف فِي بيع الْوَفَاء. وَلَو شَرط دُخُولهَا فِي البيع كَانَ البيع بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا نَافِذا باتاً، وَلها حِصَّة من الثّمن، حَتَّى لَو تفاسخا بيع الْوَفَاء بعد ذَلِك، وَكَانَ المُشْتَرِي قد أَخذ الزَّرْع وَالثَّمَر والقوائم، فَللْبَائِع أَن يقتطع على المُشْتَرِي من الثّمن الَّذِي قَبضه قدر قيمتهَا (كَمَا يُسْتَفَاد ذَلِك من أَوَاخِر صفحة / ٢٤٠ / وأوائل صفحة / ٢٤١ / مِنْهُ) .
(ب) مَا كَانَ مَوْجُودا وَقت بيع الْوَفَاء، من الزَّرْع وَالثَّمَر والقوائم، لَا يجْبر المُشْتَرِي على الصّرْف مِنْهُ على الْعقار الْمَبِيع، لِأَنَّهُ دخل فِي ملكه بِحِصَّة من الثّمن، حَتَّى لَو صرف مِنْهُ بعد البيع، وَلَو صرف مِنْهُ على الْمَبِيع فَلهُ رَفعه عِنْد الْفَسْخ، وَإِنَّمَا يجْبر على الصّرْف على الْمَبِيع بِقدر مُتَعَارَف من غلَّة حدثت بعد البيع.
стр. 30
(ج) بَاعَ كرماً بيعا بِالْوَفَاءِ، فَمضى بعض الْمدَّة وَخرج الثَّمر ثمَّ بَاعه من مُشْتَرِي الْوَفَاء بيعا باتاً وَلم يذكر الثَّمر، فالثمر للْبَائِع لَا للْمُشْتَرِي. وَالظَّاهِر أَن هَذَا مَبْنِيّ على القَوْل بِأَنَّهُ رهن من كل الْوُجُوه، فَتكون زوائده مَمْلُوكَة للْبَائِع، وَلَا تدخل فِي البيع بِدُونِ تنصيص عَلَيْهَا.
(د) لَو اشْتَرَاهُ وَفَاء ثمَّ أجره ثمَّ البَائِع بَاعه من آخر بيعا باتاً وَأَجَازَ مُشْتَرِي الْوَفَاء هَذَا البيع لَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمضطر فِي هَذِه الْإِجَازَة فَبَقيت الْإِجَارَة، وَحَيْثُ إِنَّهَا بقيت تكون أُجْرَة مَا بَقِي من الْمدَّة بعد الْإِجَازَة للمؤجر، وَهُوَ المُشْتَرِي وَفَاء. أما لَو كَانَ فسخ بيع الْوَفَاء من جِهَة البَائِع ينظر، فَإِن كَانَت مُدَّة الْإِجَارَة متعارفة لم تَنْفَسِخ، وَلَو كَانَت غير متعارفة، كَأَن آجره عشر سِنِين، لَا تبقى الْإِجَارَة، لِئَلَّا يتفاحش الضَّرَر، بِخِلَاف الْمدَّة المتعارفة لقلَّة الضَّرَر فِيهَا، وَلَو طَالب المُشْتَرِي البَائِع بِثمن الْوَفَاء وَقد كَانَ آجر الْمَبِيع فَللْبَائِع أَن يمْتَنع من أَدَاء الثّمن مَا لم تَنْفَسِخ الْإِجَارَة، وَمثل انفساخها انْتِهَاء مدَّتهَا.
(هـ) البيع بِالْوَفَاءِ يَنْفَسِخ بِالتَّخْلِيَةِ بَين المُشْتَرِي وَبَين ثمنه بِلَا قبض. (كل ذَلِك من صفحة / ٢٤١ /) .
(و) لَو بَاعَ عقار غَيره لنَفسِهِ (أَي لأجل نَفسه لَا أَنه بَاعه من نَفسه وَجعل نَفسه مُشْتَريا) بيعا بِالْوَفَاءِ ليصرف ثمنه إِلَى مصلحَة نَفسه، وَكَانَ ذَلِك بِأَمْر مَالِكه صَحَّ وَكَانَ كمستعير (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / ٢٤٢ / بِالْمَعْنَى) وَقَوله: وَكَانَ كمستعير، أَي مستعير الرَّهْن.
(ز) بَاعَ أرضه وَفَاء فزرعها المُشْتَرِي ثمَّ أدّى البَائِع مَال الْوَفَاء للْمُشْتَرِي حَتَّى انْفَسَخ البيع، وَالزَّرْع بقل، فَهَل يجْبر المُشْتَرِي على تَفْرِيغ الأَرْض أَو تتْرك فِي يَده بِأَجْر الْمثل؟ أجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ لَو أدّى البَائِع ثمنه بِطَلَب المُشْتَرِي يجْبر المُشْتَرِي على تفريغها، لَا لَو أَدَّاهُ بِلَا طلبه، بل يتْرك فِي يَده بِأَجْر الْمثل. وَلَو قيل إِنَّه يتْرك فِي يَده بِأَجْر مثله فِي الْوَجْهَيْنِ فَلهُ وَجه (ر: صفحة / ٢٤٤ / مِنْهُ) ثمَّ نقل بعده مَا يُؤَيّد أَنه يبْقى بِأَجْر الْمثل فِي الْوَجْهَيْنِ.
(ح) ادّعى أَنه شراه باتاً ثمَّ ادّعى أَنه شراه وَفَاء لَا تسمع دَعْوَاهُ الثَّانِيَة، لِأَنَّهُ لَا يُمكن توفيقه (ر: صفحة / ٢٤٧) .
стр. 31
(ط) بَاعه جَائِزا (أَي وَفَاء) ثمَّ احْتَاجَ إِلَى الْعِمَارَة فَفعل بِأَمْر القَاضِي على أَن يرجع فَلهُ الرُّجُوع (ر: نور الْعين، الْفَصْل الثَّامِن عشر) .
(ي) بَاعَ كرماً بيعا باتاً أَو وَفَاء فِي أَوَان ورد الثَّمر، قيل يدْخل الثَّمر تبعا، وَهُوَ الصَّوَاب، إِذْ الثَّمر لم يظْهر أَو ظهر وَلَكِن لَا قيمَة لَهُ فَصَارَ كحادث بعد البيع (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٠٠) .
(ك) لَو قبض المُشْتَرِي الْمَبِيع بيعا جَائِزا (أَي بيع وَفَاء) بِحَضْرَة البَائِع قبل نقد الثّمن وَلم يَنْهَهُ لم يجز قَبضه قِيَاسا واستحساناً حَتَّى كَانَ لَهُ أَن يسْتَردّهُ (ر: بَدَائِع الصَّنَائِع، كتاب الْهِبَة، بحث الْقَبْض ج ٦ / ١٢٤) .
(ل) لَو تواضعا على الْوَفَاء قبل البيع ثمَّ عقد بِلَا شَرط الْوَفَاء فَالْعقد جَائِز، وَلَا عِبْرَة بالمواضعة السَّابِقَة إِلَّا إِذا تَصَادقا أَنَّهُمَا تبَايعا على تِلْكَ الْمُوَاضَعَة (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب الْأَرْبَعين) .
(م) الْكفَالَة بِمَال الْوَفَاء تصح مُضَافَة لَا فِي الْحَال، إِذْ المَال يجب على البَائِع بعد الْفَسْخ لَا فِي الْحَال (ر: الْمحل الْمَذْكُور قبلا) .
(ن) بَاعه جَائِزا (أَي بيعا بِالْوَفَاءِ) بوكالة ثمَّ مَاتَ مُوكله لَا يَنْعَزِل بِمَوْتِهِ الْوَكِيل (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر، صفحة / ٢٤٣) . وَالظَّاهِر أَن معنى عدم انعزال الْوَكِيل بِمَوْت الْمُوكل فِي هَذِه الصُّورَة هُوَ بَقَاء الْحُقُوق مُتَعَلقَة بالوكيل، كَمَا فِي البيع البات، فَالْمُرَاد بِهِ دفع توهم أَن الْوَكِيل بِبيع الْوَفَاء يغاير الْوَكِيل بِالْبيعِ البات.
стр. 32
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة " الْمَادَّة / ٤ "
" الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ)
(أَولا: الشَّرْح)
الْيَقِين لُغَة: الْعلم الَّذِي لَا تردد مَعَه، وَهُوَ فِي أصل اللُّغَة: الِاسْتِقْرَار، يُقَال: يقن المَاء فِي الْحَوْض إِذا اسْتَقر. (ر: تعريفات السَّيِّد) . وَلَا يشْتَرط فِي تحقق الْيَقِين الِاعْتِرَاف والتصديق بل يتَصَوَّر مَعَ الْجُحُود، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم﴾ .
وَالْيَقِين فِي اصْطِلَاح عُلَمَاء الْمَعْقُول هُوَ: الِاعْتِقَاد الْجَازِم المطابق للْوَاقِع الثَّابِت. فَخرج بالقيد الأول، أَعنِي الْجَازِم، الظَّن وَغَلَبَة الظَّن، لِأَنَّهُ لَا جزم فيهمَا، وَخرج بالقيد الثَّانِي مَا لَيْسَ مطابقاً للْوَاقِع وَهُوَ الْجَهْل وَإِن كَانَ صَاحبه جَازِمًا. وَخرج بالقيد الثَّالِث اعْتِقَاد الْمُقَلّد فِيمَا كَانَ صَوَابا، لِأَن اعْتِقَاده لما لم يكن عَن دَلِيل كَانَ عرضة للزوال. فَكل ذَلِك لَيْسَ من الْيَقِين فِي شَيْء.
لَكِن الْمُنَاسب هُنَا تَفْسِير الْيَقِين بِالْمَعْنَى الأول اللّغَوِيّ، لِأَن الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة إِنَّمَا تبنى على الظَّاهِر، فكثيراً مَا يكون الْأَمر فِي نظر الشَّرْع يَقِينا لَا يَزُول بِالشَّكِّ فِي حِين أَن الْعقل يُجِيز أَن يكون الْوَاقِع خِلَافه، وَذَلِكَ كالأمر الثَّابِت بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ فِي نظر الشَّرْع يَقِين كَالثَّابِتِ بالعيان، مَعَ أَن شَهَادَة الشُّهُود لَا تخرج عَن كَونهَا خبر آحَاد يُجِيز الْعقل فِيهَا السَّهْو وَالْكذب، وَهَذَا الِاحْتِمَال الضَّعِيف لَا يخرج ذَلِك عَن كَونه يَقِينا لِأَنَّهُ لقُوَّة ضعفه قد طرح أَمَام قُوَّة مُقَابِله وَلم يبْق لَهُ اعْتِبَار فِي نظر النَّاظر. (ر: مَا سَيَأْتِي قَرِيبا) .
стр. 33
وَالشَّكّ: التَّرَدُّد بَين النقيضين بِلَا تَرْجِيح لأَحَدهمَا على الآخر، فَإِن ترجح أَحدهمَا على الآخر بِدَلِيل وَوصل تَرْجِيحه إِلَى دَرَجَة الظُّهُور الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ الْعَاقِل أُمُوره لَكِن لم يطْرَح الِاحْتِمَال الآخر فَهُوَ الظَّن. فَإِن طرح الِاحْتِمَال الآخر، بِمَعْنى أَنه لم يبْق لَهُ اعْتِبَار فِي النّظر لشدَّة ضعفه، فَهُوَ غَالب الظَّن، وَهُوَ مُعْتَبر شرعا بِمَنْزِلَة الْيَقِين فِي بِنَاء الْأَحْكَام عَلَيْهِ فِي أَكثر الْمسَائِل إِذا كَانَ مُسْتَندا إِلَى دَلِيل مُعْتَبر، وَذَلِكَ كَمَا إِذا رأى إِنْسَان عينا فِي يَد آخر يتَصَرَّف بهَا تَصرفا يغلب على ظن من يُشَاهِدهُ أَنَّهَا ملكه، وَكَانَ مثله يملك مثلهَا، وَلم يخبر الرَّائِي عَدْلَانِ بِأَنَّهَا ملك غَيره، فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يشْهد لذِي الْيَد بملكها.
(ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، آخر كتاب الشَّهَادَات) .
وَمن غير الْأَكْثَر بعض مسَائِل لَا تعْتَبر فِيهَا غَلَبَة الظَّن، بل لَا بُد فِيهَا من الْيَقِين: (أ) مِنْهَا: مَا لَو عقد الرجل على أُخْتَيْنِ بعقدين متعاقبين وَنسي الأول فَإِنَّهُ يفرق بَينه وَبَين الثِّنْتَيْنِ وَلَا يجوز تَرْجِيح أولية عقد أَحدهمَا على عقد الْأُخْرَى بِغَلَبَة الظَّن، بل لَا بُد من الْعلم، لِأَن التَّحَرِّي لَا يجْرِي فِي مسَائِل الْفروج. (ر: الدُّرَر، كتاب النِّكَاح، مُحرمَات النِّكَاح) .
(ب) وَمِنْهَا مَا لَو طلق وَاحِدَة مُعينَة من نِسَائِهِ ثمَّ نَسِيَهَا فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ أَن يطَأ وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا بعد الْعلم بالمطلقة، وَلَا يَكْفِي التَّحَرِّي وتغليب الظَّن وَلَا يسع الْحَاكِم أَن يخلي بَينه وَبَين نِسَائِهِ حَتَّى يتَبَيَّن، لِأَن التَّحَرِّي إِنَّمَا يجوز فِيمَا يُبَاح عِنْد الضَّرُورَة، والفروج لَا تحل للضَّرُورَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، الْقَاعِدَة السَّابِقَة مِنْهُ) .
(ج) وَمِنْهَا الْحَبل، فَإِنَّهُم لم يعتبروا ظُهُور علاماته دَلِيلا جَازِمًا على وجود الْحمل وَلم يبنوا عَلَيْهِ الْأَحْكَام الجازمة وَإِن كَانَ يغلب على ظن كل من رأى الْمَرْأَة أَنَّهَا حَامِل. فَلَو أوصى إِنْسَان للْحَمْل بِشَيْء أَو وقف لَا تصح الْوَصِيَّة لَهُ أَو الْوَقْف عَلَيْهِ إِلَّا إِذا ولد لأَقل من سِتَّة أشهر من وَقت الْوَصِيَّة أَو الْوَقْف لكَي يتَيَقَّن بِوُجُودِهِ وقتهما. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، الْقَاعِدَة الرَّابِعَة مِنْهُ) .
стр. 34
وَمثل الْولادَة لأَقل من سِتَّة أشهر، فِيمَا يظْهر، مَا لَو مَاتَ أَبوهُ قبل الْوَصِيَّة لَهُ وَالْوَقْف فَإِنَّهُ تصح الْوَصِيَّة لَهُ وَالْوَقْف، فقد قَالَ فِي جَامع أَحْكَام الصغار، فِي كتاب الشُّفْعَة: " قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي " الأَصْل ": وَالْحمل فِي اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة وَالصَّغِير وَالْكَبِير سَوَاء، فَإِن وضعت لأَقل من سِتَّة أشهر مُنْذُ وَقع الشِّرَاء فَلهُ الشُّفْعَة، وَإِن جَاءَت بِهِ لسِتَّة أشهر فَصَاعِدا مُنْذُ وَقع الشِّرَاء فَإِنَّهُ لَا شُفْعَة لَهُ إِلَّا أَن يكون أَبوهُ قد مَاتَ قبل البيع وَورث الْحمل فحينئذٍ يسْتَحق الشُّفْعَة، وَإِن جَاءَت بِهِ لسِتَّة أشهر فَصَاعِدا ".
نعم جعلُوا ظُهُور عَلَامَات الْحَبل أَمارَة رجحوا بهَا قَول الْمَرْأَة أَنَّهَا ولدت عِنْد إِنْكَار الزَّوْج للولادة ووقفوا بهَا الْمِيرَاث للْحَمْل. ولينظر فِيمَا إِذا علم وجود الْحمل قبل الْوَصِيَّة أَو الْوَقْف بِالْمُشَاهَدَةِ بِوَاسِطَة الأشعة المخترعة حَدِيثا الْمُسَمَّاة " أشعة رونتجن "، وَكَانَت الْمُشَاهدَة بطرِيق مَشْرُوع كالتداوي، ثمَّ وَلدته لأكْثر من سِتَّة أشهر من وَقت الْوَصِيَّة أَو الْوَقْف، فَهَل يعْتَبر ذَلِك مُوجبا لصِحَّة الْوَصِيَّة وَالْوَقْف للتيقن بِوُجُود الْحمل أَو لَا يعْتَبر؟ وَالظَّاهِر عدم اعْتِبَاره، فَلَا بُد من الْولادَة لأَقل من سِتَّة أشهر، لَا شكا فِيمَا أظهرته الأشعة، بل لِأَنَّهَا إِذا ولدت لأكْثر من سِتَّة أشهر لَا يتَيَقَّن حينئذٍ بِأَن الْمَوْلُود هُوَ الْحمل الَّذِي كَانَ شوهد بالأشعة، لجَوَاز أَن الْمشَاهد أسقط ثمَّ حصل بعده حمل جَدِيد.
أما إِذا كَانَت غَلَبَة الظَّن غير مستندة إِلَى دَلِيل فَلَا كَلَام فِي عدم اعْتِبَارهَا مُطلقًا، كَمَا لَو غلب على ظن الْغَاصِب حل الْعين الْمَغْصُوبَة لَهُ بِنَاء على احْتِمَال جعل الْمَالِك إِيَّاه فِي حل مِنْهَا، وكما لَو ظفر إِنْسَان بِمَال الْغَيْر فَأَخذه بِنَاء على احْتِمَال أَن مَالِكه أَبَاحَهُ لمن يَأْخُذهُ، فَإِنَّهُ يكون ضَامِنا وَلَا تعْتَبر غَلَبَة الظَّن هَذِه مهما قويت، لِأَنَّهَا غير مستندة إِلَى دَلِيل، لِأَنَّهُ من مُجَرّد التَّوَهُّم، وَلَا عِبْرَة بالتوهم. (ر: الْمَادَّة / ٧٤ / من الْمجلة) .
إِن هَذِه الْقَاعِدَة من أُمَّهَات الْقَوَاعِد الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة، وَقد قيل إِنَّهَا تدخل فِي جَمِيع أَبْوَاب الْفِقْه، والمسائل المخرجة عَلَيْهَا، من عبادات ومعاملات وَغَيرهَا، يبلغ ثَلَاثَة أَربَاع علم الْفِقْه.
стр. 35
وَمَعْنَاهَا أَن مَا كَانَ ثَابتا متيقناً لَا يرْتَفع بِمُجَرَّد طروء الشَّك عَلَيْهِ، لِأَن الْأَمر اليقيني لَا يعقل أَن يُزِيلهُ مَا هُوَ أَضْعَف مِنْهُ بل مَا كَانَ مثله أَو أقوى.
هَذَا، وَلَا فرق بَين أَن يكون الْيَقِين السَّابِق: (١) مقتضياً للحظر، (٢) أَو مقتضياً للْإِبَاحَة، فَإِن الْعُمْدَة عَلَيْهِ فِي كلتا الْحَالَتَيْنِ، وَلَا يلْتَفت إِلَى الشَّك فِي عرُوض الْمُبِيح على الأول، وعروض الحاظر على الثَّانِي.
فَمن الْقسم الأول: مَا لَو غَابَ إِنْسَان غيبَة مُنْقَطِعَة بِحَيْثُ لَا يعلم مَوته وَلَا حَيَاته، فَإِن الْمُعْتَبر الْيَقِين السَّابِق، وَهُوَ حَيَاته، إِلَى أَن يعلم مَوته بِالْبَيِّنَةِ أَو بِمَوْت جَمِيع أقرانه وَإِن كَانَ احْتِمَال مَوته قَائِما فِي كل لَحْظَة، فَلَا يجوز قبل ذَلِك قسْمَة مَاله بَين الْوَرَثَة، وَلَو كَانَ لَهُ وَدِيعَة عِنْد آخر فَيجب على الْمُسْتَوْدع حفظهَا، فَلَو أَعْطَاهَا للْوَرَثَة يكون ضَامِنا. (ر: الْمَادَّة / ٧٨٥ / من الْمجلة) وَمن الْقسم الثَّانِي: الْفُرُوع الْآتِيَة الذّكر:.
(ثَانِيًا: التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: (أ) مِنْهَا: مَا إِذا كَانَ إِنْسَان يعلم أَن بكرا مديون لعَمْرو بِأَلف مثلا، فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يشْهد على بكر بِالْألف وَإِن خامره الشَّك فِي وفائها أَو فِي إِبْرَاء الدَّائِن لَهُ عَنْهَا، إِذْ لَا عِبْرَة للشَّكّ فِي جَانب الْيَقِين السَّابِق.
(ب) وَمِنْهَا: مَا إِذا كَانَ يعلم أَن الْعين الْفُلَانِيَّة كَانَت ملك بكر ثمَّ نازعه فِيهَا أحد، فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يشْهد لبكر بِأَن الْعين ملكه وَإِن كَانَ يحْتَمل أَنه بَاعهَا لمن ينازعه.
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو ادّعى زيد على عَمْرو ألفا مثلا فَأَقَامَ عَمْرو بَيِّنَة على الْأَدَاء أَو الْإِبْرَاء، فَأَقَامَ زيد أَيْضا بَيِّنَة على أَن لَهُ عَلَيْهِ ألفا، فَإِن بَيِّنَة زيد هَذِه لَا تقبل من غير أَن يبرهن أَن الْألف الْمَشْهُود عَلَيْهَا هِيَ غير تِلْكَ الْألف الَّتِي ادّعى عَمْرو أداءها أَو الْإِبْرَاء عَنْهَا، لِأَن فرَاغ ذمَّة عَمْرو بعد الْبَيِّنَة الَّتِي أَقَامَهَا أصبح يَقِينا، وَالْألف الَّتِي أَقَامَ زيد عَلَيْهَا الْبَيِّنَة مُطلقَة، فَيحْتَمل أَن تكون هِيَ
стр. 36
المرادة أَو المبروء عَنْهَا، فَلَا تشغل ذمَّة عَمْرو بِمُجَرَّد الشَّك، بعد التيقن بفراغها. وَلِأَن الْمُوجب والمسقط إِذا اجْتمعَا يعْتَبر الْمسْقط مُتَأَخِّرًا. (ر: تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، كتاب الدَّعْوَى) . إِذْ السُّقُوط بعد الْوُجُوب. (ر: الْفَتَاوَى الْعمادِيَّة، صفحة / ٢٧ / من الطبعة الكستلية، وَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْكَلَام على الْقَاعِدَة / ٤٦ / من الْمجلة) .
(د) وَمِمَّا فرع عَلَيْهَا من هَذَا الْقَبِيل أَيْضا مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو أقرّ أَنه لَا حق لَهُ فِيمَا بيد فلَان، ثمَّ برهن على شَيْء فِي يَد فلَان أَنه غصبه مِنْهُ، لم يقبل حَتَّى يشْهد بغصبه بعد إِقْرَاره. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ، من بحث أَحْكَام الصّبيان، صفحة / ٢٠٦) . لِأَن الْإِبْرَاء يعْمل فِيمَا قبله لَا فِيمَا بعده. وَلَا يعْمل فِيمَا بعده إِلَّا فِي مَسْأَلَة، وَهِي: مَا لَو شَرط البَائِع فِي البيع الْبَرَاءَة من كل عيب فِي الْمَبِيع دخل الْعَيْب الْقَدِيم والحادث بعد البيع قبل الْقَبْض. (ر: الدُّرَر وَغَيره، كتاب الْبيُوع، خِيَار الْعَيْب) .
(هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى أحد شَيْئا ثمَّ ادّعى أَن بِهِ عَيْبا وَأَرَادَ رده، وَاخْتلف التُّجَّار أهل الْخِبْرَة فَقَالَ بَعضهم هُوَ عيب وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ بِعَيْب، فَلَيْسَ للْمُشْتَرِي الرَّد، لِأَن السَّلامَة هِيَ الأَصْل الْمُتَيَقن فَلَا يثبت الْعَيْب بِالشَّكِّ. (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل خِيَار الْعَيْب، نقلا عَن الْخَانِية) فَكَذَا لَو وجد الْعَيْب عِنْد البَائِع ثمَّ عِنْد المُشْتَرِي وَلَكِن اشْتبهَ فَلم يدر أَنه عين الأول أَو غَيره، فَإِنَّهُ لَا يرد. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس وَالْعِشْرين، صفحة / ٣٤٦) .
(و) وَمِنْهَا: مَا لَو رد الْغَاصِب الْعين الْمَغْصُوبَة على من فِي عِيَال الْمَالِك، فَإِنَّهُ لَا يبرأ، لِأَن الرَّد على من فِي عِيَاله رد من وَجه دون وَجه، وَالضَّمان كَانَ وَاجِبا بِيَقِين فَلَا يبرأ بشك. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، بحث مَا يصدق فِيهِ الْمُودع، صفحة / ١٥٠) .
(ز) وَمِنْهَا: مَا لَو طلق الرجل زَوجته، وَكَانَت ذَات لبن، وَتَزَوَّجت بآخر بعد عدتهَا فَحملت مِنْهُ وأرضعت طفْلا فِي مُدَّة الْحمل، فَإِن لَبنهَا لم يزل مُعْتَبرا من الزَّوْج الأول، فَتثبت بِهِ حُرْمَة الرَّضَاع بِالنِّسْبَةِ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ متيقناً أَن اللَّبن
стр. 37
مِنْهُ، فَلَا نحكم بِأَنَّهُ من الثَّانِي بِمُجَرَّد الشَّك الْحَاصِل بِسَبَب حبلها من الزَّوْج الثَّانِي، فَإِذا ولدت يحكم حينئذٍ بِأَن اللَّبن بعد الْولادَة من الثَّانِي. (ر: الدّرّ وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الرَّضَاع) .
(تَنْبِيه:)
إِن الشَّك، وَإِن كَانَ لَا يقوى على رفع مَا ثَبت حُصُوله يَقِينا فِيمَا مضى، فَإِنَّهُ قد يمْنَع وجوده حُصُول مَا يُزِيلهُ بعد وجوده، يدل لذَلِك مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: برهن الْمُدعى عَلَيْهِ بعد الحكم، أَن الْمُدَّعِي أقرّ قبل الدَّعْوَى أَنه لَا حق لَهُ فِي الْعين الْمُدعى بهَا فَإِنَّهُ لَا يبطل الحكم، لجَوَاز التَّوْفِيق بِأَن يكون لَا حق لَهُ قبل الدَّعْوَى ثمَّ حدث لَهُ حق فَادّعى، فَلَا يبطل الحكم الْجَائِز: بشكٍ، وَلَو برهن على ذَلِك قبل الحكم تقبل وَلَا يحكم، إِذْ الشَّك يمْنَع الحكم وَلَا يرفعهُ. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَاخِر الْفَصْل الْعَاشِر، ج ١ / ١٦٥، برمز " مش " لمنهاج الشَّرِيعَة - بِبَعْض توضيح) . وَنقل عَن صَاحب التَّنْقِيح أَنه قَالَ عَقبهَا: لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا مَبْنِيا على القَوْل بِأَن إِمْكَان التَّوْفِيق كَاف.
وَلَكِن لم يظْهر لي صِحَة مَا ادَّعَاهُ من الْبناء الْمَذْكُور أصلا، وَالَّذِي حمله على القَوْل بِهَذَا قَول صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ بِجَوَاز التَّوْفِيق بِأَن يكون ... الخ. فَإِنَّهُ اعْتَبرهُ بَيَانا لما هُوَ مُمكن من التَّوْفِيق، وَلَيْسَ بِظَاهِر بل هُوَ تَوْجِيه وتعليل لعدم بطلَان الحكم، بعد وُقُوعه مُسْتَوْفيا طَرِيقه الشَّرْعِيّ، بِهَذَا الدّفع الْمَشْكُوك فِي إِبْطَاله لَهُ، بِخِلَاف مَا قبل وُقُوعه فَإِنَّهُ دفع لَهُ عَن الْوُقُوع، وَالدَّفْع أسهل من الرّفْع. وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ لما اخْتلف حكم الْإِتْيَان بِالدفع الْمَذْكُور قبل الحكم
стр. 38
عَمَّا بعده. وَيُقَال كَمَا أَنه إِذا أُتِي بِهِ بعد الحكم لَا يبطل الحكم لِإِمْكَان التَّوْفِيق، كَذَلِك إِذا أُتِي بِهِ قبل الحكم لَا يمْنَع الحكم لِإِمْكَان التَّوْفِيق. وَالْوَاقِع خِلَافه، فَإِن الحكم كَمَا ترى مُخْتَلف. فَلْيتَأَمَّل.
هَذَا وَلَا تنَافِي بَين مَا نَقَلْنَاهُ آنِفا، عَن أَوَاخِر الْفَصْل الْعَاشِر من جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَبَين مَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْخَانِية، من بحث تَكْذِيب الشُّهُود من كتاب الشَّهَادَات وَلَفظه: " فِي الْمُنْتَقى: رجل ادّعى فِي يَد رجل مَتَاعا أَو دَارا أَنَّهَا لَهُ، وَأقَام الْبَيِّنَة وَقضى القَاضِي لَهُ، فَلم يقبضهُ حَتَّى أَقَامَ الَّذِي فِي يَده الْبَيِّنَة أَن الْمُدَّعِي أقرّ عِنْد غير القَاضِي أَنه لَا حق لَهُ فِيهِ، قَالَ: إِن شهدُوا أَنه أقرّ بذلك قبل الْقَضَاء بَطل الْقَضَاء، وَإِن شهدُوا أَنه أقرّ بِهِ بعد الْقَضَاء لَا يبطل الْقَضَاء، لِأَن الثَّابِت بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ عيَانًا، وَلَو عاين القَاضِي إِقْرَاره بذلك كَانَ الحكم على هَذَا الْوَجْه " انْتهى، وَنَقله عَن الْفَتَاوَى الْخَانِية فِي رد الْمُحْتَار، أَوَائِل بَاب الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة.
وَبَيَان عدم التَّنَافِي أَن قَول الْفَتَاوَى الْخَانِية: " إِن شهدُوا أَنه أقرّ بذلك قبل الْقَضَاء " مَعْنَاهُ أَنه قَالَه قبل الْقَضَاء بعد الدَّعْوَى لم يبْق إِمْكَان لما ذكره فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من جَوَاز التَّوْفِيق بِأَنَّهُ لم يكن لَهُ حق ثمَّ حدث حق فَادّعى فَيبْطل الْقَضَاء لَا محَالة، وَعدم بطلَان الْقَضَاء بِهِ فِيمَا إِذا شهدُوا أَنه قَالَه بعد الْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ لكَون قَوْله: " لَا حق لي فِيهِ " يتَنَاوَل الْحَال فَقَط، وَلَيْسَ من ضَرُورَة انْتِفَاء الْحق فِي الْحَال انتفاؤه فِي الْمَاضِي، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ بعد الْقَضَاء: " لم يكن لي فِيهِ حق " فَإِنَّهُ يبطل الْقَضَاء، لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الْمَاضِي. (ر: الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، كتاب الْقَضَاء، الْبَاب الْعَاشِر) .
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة:
مَا لَو ادّعى المُشْتَرِي عَيْبا فِي الْمَبِيع مُوجبا لرده على البَائِع، بعد قَبضه الْمَبِيع، فَإِنَّهُ لَا يجْبر على دفع الثّمن للْبَائِع حَتَّى تَنْتَهِي الْخُصُومَة فِي الْعَيْب، فَإِن ثَبت قدم الْعَيْب عِنْد البَائِع يفْسخ القَاضِي البيع، فَإِن عجز المُشْتَرِي عَن الْإِثْبَات يجْبر على دفع الثّمن حينئذٍ. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَغَيره، من خِيَار
стр. 39
الْعَيْب) . فقد زَالَ الْيَقِين هَا هُنَا، وَهُوَ وجوب دفع الثّمن الْمُتَيَقن بِهِ للْحَال بِمُجَرَّد الشَّك، وَهُوَ قدم الْعَيْب الْمُحْتَمل الثُّبُوت وَعَدَمه
стр. 40
(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة (الْمَادَّة / ٥))
(" الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه " لِأَن الأَصْل إِذا اعْترض عَلَيْهِ دَلِيل خِلَافه بَطل. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الدَّعْوَى، آخر دَعْوَى الرجلَيْن، نقلا عَن الزَّيْلَعِيّ) .
الأَصْل فِي اللُّغَة: أَسْفَل الشَّيْء، وَفِي الِاصْطِلَاح يُطلق على معَان كَثِيرَة، مِنْهَا أَنه يسْتَعْمل بِمَعْنى القانون وَالْقَاعِدَة المنطبقة على جزئياتها. (ر: كليات أبي الْبَقَاء) ، وَهُوَ المُرَاد هُنَا.
وَمعنى هَذِه الْقَاعِدَة أَنه إِذا جهل فِي وَقت الْخُصُومَة حَال الشَّيْء وَلَيْسَ هُنَاكَ دَلِيل يحكم بِمُقْتَضَاهُ، وَكَانَ لذَلِك الشَّيْء حَال سَابِقَة معهودة، فَإِن الأَصْل فِي ذَلِك أَن يحكم بِبَقَائِهِ واستمراره على تِلْكَ الْحَال الْمَعْهُودَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خلاف ذَلِك فيصار حِينَئِذٍ إِلَيْهِ.
وَذَلِكَ الدَّلِيل أحد أَرْبَعَة أَشْيَاء: الْبَيِّنَة، وَالْإِقْرَار، والنكول، والأمارة الظَّاهِرَة؛ على أَن النّكُول يرجع إِلَى مُجَرّد الْقَرِينَة الظَّاهِرَة: (ر: مَا سَيَأْتِي عَن معِين الْحُكَّام أثْنَاء الْكَلَام على الْقَاعِدَة الثَّامِنَة: " الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة ") . فَأَما الْبَيِّنَة وَالْإِقْرَار والنكول فأمثلتها وَاضِحَة مَعْلُومَة، وَأما الأمارة الظَّاهِرَة فكتحكيم الْحَال الْآتِي قَرِيبا فِي الْكَلَام على النَّوْع الثَّانِي من نَوْعي الِاسْتِصْحَاب.
إِن هَذِه الْقَاعِدَة لَيست من الْقَوَاعِد الْكُلية الَّتِي لَيست دَاخِلَة تَحت غَيرهَا،
следующие страницы →