Полный текст (439 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المرادة أَو المبروء عَنْهَا، فَلَا تشغل ذمَّة عَمْرو بِمُجَرَّد الشَّك، بعد التيقن بفراغها. وَلِأَن الْمُوجب والمسقط إِذا اجْتمعَا يعْتَبر الْمسْقط مُتَأَخِّرًا. (ر: تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، كتاب الدَّعْوَى) . إِذْ السُّقُوط بعد الْوُجُوب. (ر: الْفَتَاوَى الْعمادِيَّة، صفحة / ٢٧ / من الطبعة الكستلية، وَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْكَلَام على الْقَاعِدَة / ٤٦ / من الْمجلة) .
(د) وَمِمَّا فرع عَلَيْهَا من هَذَا الْقَبِيل أَيْضا مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو أقرّ أَنه لَا حق لَهُ فِيمَا بيد فلَان، ثمَّ برهن على شَيْء فِي يَد فلَان أَنه غصبه مِنْهُ، لم يقبل حَتَّى يشْهد بغصبه بعد إِقْرَاره. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ، من بحث أَحْكَام الصّبيان، صفحة / ٢٠٦) . لِأَن الْإِبْرَاء يعْمل فِيمَا قبله لَا فِيمَا بعده. وَلَا يعْمل فِيمَا بعده إِلَّا فِي مَسْأَلَة، وَهِي: مَا لَو شَرط البَائِع فِي البيع الْبَرَاءَة من كل عيب فِي الْمَبِيع دخل الْعَيْب الْقَدِيم والحادث بعد البيع قبل الْقَبْض. (ر: الدُّرَر وَغَيره، كتاب الْبيُوع، خِيَار الْعَيْب) .
(هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى أحد شَيْئا ثمَّ ادّعى أَن بِهِ عَيْبا وَأَرَادَ رده، وَاخْتلف التُّجَّار أهل الْخِبْرَة فَقَالَ بَعضهم هُوَ عيب وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ بِعَيْب، فَلَيْسَ للْمُشْتَرِي الرَّد، لِأَن السَّلامَة هِيَ الأَصْل الْمُتَيَقن فَلَا يثبت الْعَيْب بِالشَّكِّ. (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل خِيَار الْعَيْب، نقلا عَن الْخَانِية) فَكَذَا لَو وجد الْعَيْب عِنْد البَائِع ثمَّ عِنْد المُشْتَرِي وَلَكِن اشْتبهَ فَلم يدر أَنه عين الأول أَو غَيره، فَإِنَّهُ لَا يرد. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس وَالْعِشْرين، صفحة / ٣٤٦) .
(و) وَمِنْهَا: مَا لَو رد الْغَاصِب الْعين الْمَغْصُوبَة على من فِي عِيَال الْمَالِك، فَإِنَّهُ لَا يبرأ، لِأَن الرَّد على من فِي عِيَاله رد من وَجه دون وَجه، وَالضَّمان كَانَ وَاجِبا بِيَقِين فَلَا يبرأ بشك. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، بحث مَا يصدق فِيهِ الْمُودع، صفحة / ١٥٠) .
(ز) وَمِنْهَا: مَا لَو طلق الرجل زَوجته، وَكَانَت ذَات لبن، وَتَزَوَّجت بآخر بعد عدتهَا فَحملت مِنْهُ وأرضعت طفْلا فِي مُدَّة الْحمل، فَإِن لَبنهَا لم يزل مُعْتَبرا من الزَّوْج الأول، فَتثبت بِهِ حُرْمَة الرَّضَاع بِالنِّسْبَةِ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ متيقناً أَن اللَّبن
стр. 37
مِنْهُ، فَلَا نحكم بِأَنَّهُ من الثَّانِي بِمُجَرَّد الشَّك الْحَاصِل بِسَبَب حبلها من الزَّوْج الثَّانِي، فَإِذا ولدت يحكم حينئذٍ بِأَن اللَّبن بعد الْولادَة من الثَّانِي. (ر: الدّرّ وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الرَّضَاع) .
(تَنْبِيه:)
إِن الشَّك، وَإِن كَانَ لَا يقوى على رفع مَا ثَبت حُصُوله يَقِينا فِيمَا مضى، فَإِنَّهُ قد يمْنَع وجوده حُصُول مَا يُزِيلهُ بعد وجوده، يدل لذَلِك مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: برهن الْمُدعى عَلَيْهِ بعد الحكم، أَن الْمُدَّعِي أقرّ قبل الدَّعْوَى أَنه لَا حق لَهُ فِي الْعين الْمُدعى بهَا فَإِنَّهُ لَا يبطل الحكم، لجَوَاز التَّوْفِيق بِأَن يكون لَا حق لَهُ قبل الدَّعْوَى ثمَّ حدث لَهُ حق فَادّعى، فَلَا يبطل الحكم الْجَائِز: بشكٍ، وَلَو برهن على ذَلِك قبل الحكم تقبل وَلَا يحكم، إِذْ الشَّك يمْنَع الحكم وَلَا يرفعهُ. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَاخِر الْفَصْل الْعَاشِر، ج ١ / ١٦٥، برمز " مش " لمنهاج الشَّرِيعَة - بِبَعْض توضيح) . وَنقل عَن صَاحب التَّنْقِيح أَنه قَالَ عَقبهَا: لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا مَبْنِيا على القَوْل بِأَن إِمْكَان التَّوْفِيق كَاف.
وَلَكِن لم يظْهر لي صِحَة مَا ادَّعَاهُ من الْبناء الْمَذْكُور أصلا، وَالَّذِي حمله على القَوْل بِهَذَا قَول صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ بِجَوَاز التَّوْفِيق بِأَن يكون ... الخ. فَإِنَّهُ اعْتَبرهُ بَيَانا لما هُوَ مُمكن من التَّوْفِيق، وَلَيْسَ بِظَاهِر بل هُوَ تَوْجِيه وتعليل لعدم بطلَان الحكم، بعد وُقُوعه مُسْتَوْفيا طَرِيقه الشَّرْعِيّ، بِهَذَا الدّفع الْمَشْكُوك فِي إِبْطَاله لَهُ، بِخِلَاف مَا قبل وُقُوعه فَإِنَّهُ دفع لَهُ عَن الْوُقُوع، وَالدَّفْع أسهل من الرّفْع. وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ لما اخْتلف حكم الْإِتْيَان بِالدفع الْمَذْكُور قبل الحكم
стр. 38
عَمَّا بعده. وَيُقَال كَمَا أَنه إِذا أُتِي بِهِ بعد الحكم لَا يبطل الحكم لِإِمْكَان التَّوْفِيق، كَذَلِك إِذا أُتِي بِهِ قبل الحكم لَا يمْنَع الحكم لِإِمْكَان التَّوْفِيق. وَالْوَاقِع خِلَافه، فَإِن الحكم كَمَا ترى مُخْتَلف. فَلْيتَأَمَّل.
هَذَا وَلَا تنَافِي بَين مَا نَقَلْنَاهُ آنِفا، عَن أَوَاخِر الْفَصْل الْعَاشِر من جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَبَين مَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْخَانِية، من بحث تَكْذِيب الشُّهُود من كتاب الشَّهَادَات وَلَفظه: " فِي الْمُنْتَقى: رجل ادّعى فِي يَد رجل مَتَاعا أَو دَارا أَنَّهَا لَهُ، وَأقَام الْبَيِّنَة وَقضى القَاضِي لَهُ، فَلم يقبضهُ حَتَّى أَقَامَ الَّذِي فِي يَده الْبَيِّنَة أَن الْمُدَّعِي أقرّ عِنْد غير القَاضِي أَنه لَا حق لَهُ فِيهِ، قَالَ: إِن شهدُوا أَنه أقرّ بذلك قبل الْقَضَاء بَطل الْقَضَاء، وَإِن شهدُوا أَنه أقرّ بِهِ بعد الْقَضَاء لَا يبطل الْقَضَاء، لِأَن الثَّابِت بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ عيَانًا، وَلَو عاين القَاضِي إِقْرَاره بذلك كَانَ الحكم على هَذَا الْوَجْه " انْتهى، وَنَقله عَن الْفَتَاوَى الْخَانِية فِي رد الْمُحْتَار، أَوَائِل بَاب الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة.
وَبَيَان عدم التَّنَافِي أَن قَول الْفَتَاوَى الْخَانِية: " إِن شهدُوا أَنه أقرّ بذلك قبل الْقَضَاء " مَعْنَاهُ أَنه قَالَه قبل الْقَضَاء بعد الدَّعْوَى لم يبْق إِمْكَان لما ذكره فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من جَوَاز التَّوْفِيق بِأَنَّهُ لم يكن لَهُ حق ثمَّ حدث حق فَادّعى فَيبْطل الْقَضَاء لَا محَالة، وَعدم بطلَان الْقَضَاء بِهِ فِيمَا إِذا شهدُوا أَنه قَالَه بعد الْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ لكَون قَوْله: " لَا حق لي فِيهِ " يتَنَاوَل الْحَال فَقَط، وَلَيْسَ من ضَرُورَة انْتِفَاء الْحق فِي الْحَال انتفاؤه فِي الْمَاضِي، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ بعد الْقَضَاء: " لم يكن لي فِيهِ حق " فَإِنَّهُ يبطل الْقَضَاء، لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الْمَاضِي. (ر: الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، كتاب الْقَضَاء، الْبَاب الْعَاشِر) .
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة:
مَا لَو ادّعى المُشْتَرِي عَيْبا فِي الْمَبِيع مُوجبا لرده على البَائِع، بعد قَبضه الْمَبِيع، فَإِنَّهُ لَا يجْبر على دفع الثّمن للْبَائِع حَتَّى تَنْتَهِي الْخُصُومَة فِي الْعَيْب، فَإِن ثَبت قدم الْعَيْب عِنْد البَائِع يفْسخ القَاضِي البيع، فَإِن عجز المُشْتَرِي عَن الْإِثْبَات يجْبر على دفع الثّمن حينئذٍ. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَغَيره، من خِيَار
стр. 39
الْعَيْب) . فقد زَالَ الْيَقِين هَا هُنَا، وَهُوَ وجوب دفع الثّمن الْمُتَيَقن بِهِ للْحَال بِمُجَرَّد الشَّك، وَهُوَ قدم الْعَيْب الْمُحْتَمل الثُّبُوت وَعَدَمه
стр. 40
(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة (الْمَادَّة / ٥))
(" الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه " لِأَن الأَصْل إِذا اعْترض عَلَيْهِ دَلِيل خِلَافه بَطل. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الدَّعْوَى، آخر دَعْوَى الرجلَيْن، نقلا عَن الزَّيْلَعِيّ) .
الأَصْل فِي اللُّغَة: أَسْفَل الشَّيْء، وَفِي الِاصْطِلَاح يُطلق على معَان كَثِيرَة، مِنْهَا أَنه يسْتَعْمل بِمَعْنى القانون وَالْقَاعِدَة المنطبقة على جزئياتها. (ر: كليات أبي الْبَقَاء) ، وَهُوَ المُرَاد هُنَا.
وَمعنى هَذِه الْقَاعِدَة أَنه إِذا جهل فِي وَقت الْخُصُومَة حَال الشَّيْء وَلَيْسَ هُنَاكَ دَلِيل يحكم بِمُقْتَضَاهُ، وَكَانَ لذَلِك الشَّيْء حَال سَابِقَة معهودة، فَإِن الأَصْل فِي ذَلِك أَن يحكم بِبَقَائِهِ واستمراره على تِلْكَ الْحَال الْمَعْهُودَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خلاف ذَلِك فيصار حِينَئِذٍ إِلَيْهِ.
وَذَلِكَ الدَّلِيل أحد أَرْبَعَة أَشْيَاء: الْبَيِّنَة، وَالْإِقْرَار، والنكول، والأمارة الظَّاهِرَة؛ على أَن النّكُول يرجع إِلَى مُجَرّد الْقَرِينَة الظَّاهِرَة: (ر: مَا سَيَأْتِي عَن معِين الْحُكَّام أثْنَاء الْكَلَام على الْقَاعِدَة الثَّامِنَة: " الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة ") . فَأَما الْبَيِّنَة وَالْإِقْرَار والنكول فأمثلتها وَاضِحَة مَعْلُومَة، وَأما الأمارة الظَّاهِرَة فكتحكيم الْحَال الْآتِي قَرِيبا فِي الْكَلَام على النَّوْع الثَّانِي من نَوْعي الِاسْتِصْحَاب.
إِن هَذِه الْقَاعِدَة لَيست من الْقَوَاعِد الْكُلية الَّتِي لَيست دَاخِلَة تَحت غَيرهَا،
стр. 41
بل هِيَ _ وَمَا بعْدهَا من الْقَوَاعِد الْآتِيَة حَتَّى الْمَادَّة / ١٣ / _ من فروع الْمَادَّة الرَّابِعَة الْمُتَقَدّمَة وَهِي " الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ " وداخلات تحتهَا.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل كَثِيرَة: (أ) مِنْهَا: مَا لَو ادَّعَت الزَّوْجَة على زَوجهَا عدم وُصُول النَّفَقَة الْمقدرَة إِلَيْهَا، وَادّعى الزَّوْج الإيصال، فَالْقَوْل قَوْلهَا بِيَمِينِهَا، لِأَن الأَصْل بَقَاؤُهَا بعد أَن كَانَت ثَابِتَة فِي ذمَّته حَتَّى يقوم على خِلَافه دَلِيل من بَينه أَو نُكُول.
وَمثله: كل مَدين، فَلَو ادّعى الْمُسْتَقْرض دفع الدّين إِلَى الْمقْرض، أَو ادّعى المُشْتَرِي دفع الثّمن إِلَى البَائِع، أَو ادّعى الْمُسْتَأْجر دفع بدل الْإِجَارَة إِلَى الْمُؤَجّر، وَأنكر الْمقْرض وَالْبَائِع والمؤجر الْقَبْض فَالْقَوْل قَوْلهم، لِأَن الأَصْل بَقَاء مبلغ الْقَرْض وَالثمن وَالْأُجْرَة بعد ثُبُوتهَا فِي الذِّمَّة.
(ب) وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي مُضِيّ مُدَّة خِيَار الشَّرْط، أَو فِي مُضِيّ مُدَّة أجل الثّمن، فَالْقَوْل لمنكر الْمُضِيّ، لِأَنَّهُمَا تَصَادقا على ثُبُوت الْخِيَار وَالْأَجَل ثمَّ ادّعى أَحدهمَا السُّقُوط، وَالْأَصْل بقاؤهما بعد الثُّبُوت. (ر: الدُّرَر وحاشيته، أَوَاخِر خِيَار الشَّرْط من كتاب الْبيُوع) .
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو بَاعَ إِنْسَان شَيْئَيْنِ صَفْقَة وَاحِدَة فَهَلَك أَحدهمَا عِنْد المُشْتَرِي وَجَاء بِالْآخرِ ليَرُدهُ بِعَيْب فِيهِ على البَائِع بِحِصَّتِهِ من الثّمن، فاختلفا فِي قيمَة الْهَالِك، فَالْقَوْل للْبَائِع. (ر: رد الْمُحْتَار، من البيع الْفَاسِد، عِنْد قَول المُصَنّف: وَفَسَد بيع زَيْت على أَن يزنه فِي ظرفه ويطرح عَن الظّرْف كَذَا رطلا) لِأَن الثّمن جَمِيعه ثَابت فِي ذمَّة المُشْتَرِي فَالْأَصْل بَقَاء الْقدر الْمُخْتَلف فِيهِ فِي ذمَّته حَتَّى يبرهن على دَعْوَاهُ.
(د) وَمِنْهَا: مَا لَو ادَّعَت امتداد الطُّهْر وَعدم انْقِضَاء الْعدة، صدقت بِيَمِينِهَا، وَلها نَفَقَة الْعدة، لِأَن الأَصْل بَقَاء الْعدة بعد وجودهَا
стр. 42
يطلقون على هَذَا الأَصْل الْمَذْكُور، أَعنِي قَاعِدَة بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، لَفْظَة (الِاسْتِصْحَاب) ، وَهُوَ عبارَة عَن الحكم على أَمر ثَابت فِي وقتٍ بِثُبُوتِهِ فِي وَقت آخر.
وَهُوَ نَوْعَانِ: الأول _ جعل الْأَمر الثَّابِت فِي الْمَاضِي مستصحباً للْحَال، وَمن هَذَا النَّوْع هَذِه الْقَاعِدَة وَمَا تفرع عَلَيْهَا.
الثَّانِي _ جعل الْأَمر الثَّابِت فِي الْحَال مستصحباً ومنسحباً للماضي، وَهُوَ الْمُسَمّى بالاستصحاب المعكوس، وبتحكيم الْحَال، وأمثلته كَثِيرَة: مِنْهَا: مَا لَو كَانَ للِابْن الْغَائِب مَال عِنْد أَبِيه، فأنفق الْأَب مِنْهُ على نَفسه، ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ الابْن للْأَب: إِنَّك أنفقت على نَفسك مِنْهُ وَأَنت مُوسر، وَقَالَ الْأَب: أنفقت وَأَنا مُعسر، وَلَا بَيِّنَة لأَحَدهمَا، فَإِنَّهُ يحكم الْحَال؛ فَلَو كَانَ حَال الْخُصُومَة مُعسرا فَالْقَوْل لَهُ، وَلَو مُوسِرًا فَالْقَوْل لِابْنِهِ، وَلَو برهن كل من الْأَب وَالِابْن على دعواهما تقدم بَيِّنَة الابْن. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، أَوَاخِر النَّفَقَة) ، فقد جعل الْيَسَار أَو الْإِعْسَار الْقَائِم فِي الْحَاضِر منسجماً مَعَ الْمَاضِي. وَإِنَّمَا لم يَجْعَل القَوْل قَول مدعي الْإِعْسَار مُطلقًا على أَنه الصّفة الْأَصْلِيَّة فِي الْإِنْسَان، وَالْأَصْل اعْتِبَار بَقَائِهِ، لِأَن اعْتِبَار بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ إِنَّمَا هُوَ عِنْد قيام دَلِيل على خِلَافه. (ر: مَا أسلفناه فِي أول الْكَلَام على هَذِه الْقَاعِدَة) ، وَلما كَانَ قيام صفة الْيَسَار حِين الْخُصُومَة أَمارَة ظَاهِرَة فِي تأييد كَلَام مدعيه طرح ذَلِك الأَصْل لقِيَام الدَّلِيل على خِلَافه وَاعْتبر القَوْل لمُدعِي الْيَسَار.
стр. 43
وَمِنْهَا: مَا لَو ادّعى الْمُسْتَأْجر سُقُوط الْأُجْرَة بزعم أَن الْمَأْجُور غصب مِنْهُ ففات الِانْتِفَاع بِهِ وَأنكر الْمُؤَجّر ذَلِك فَإِنَّهُ يحكم الْحَال وَينظر: إِن كَانَ الْمَأْجُور فِي يَد الْغَاصِب حِين الْخُصُومَة فَالْقَوْل للْمُسْتَأْجر، وَإِن لم يكن فِي يَد غَاصِب فَالْقَوْل للمؤجر. (ر: الذَّخِيرَة، من كتاب الْإِجَارَة، الْبَاب الثَّانِي وَالْعِشْرين) . وَالْحَالة الثَّانِيَة وَهِي عدم كَونه فِي يَد غَاصِب، تَشْمَل صُورَتَيْنِ، إِحْدَاهمَا: أَن يكون فِي يَد الْمُسْتَأْجر، وَالثَّانيَِة: أَن لَا يكون فِي يَد أحد.
وَمِنْهَا: مَا لَو بَاعَ الْأَب مَال طِفْله ثمَّ بلغ، فَادّعى _ بعد بُلُوغه _ على المُشْتَرِي أَن البيع كَانَ بِغَبن فَاحش وَالْمُشْتَرِي يُنكر ذَلِك، فَإِنَّهُ يحكم الْحَال لَو لم تكن الْمدَّة قدر مَا يتبدل بِهِ السّعر. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل السَّابِع وَالْعِشْرين، صفحة / ٢٨) .
وَمِنْهَا: مَسْأَلَة اخْتِلَاف مؤجر الطاحون ومستأجرها فِي أصل انْقِطَاع مَائِهَا الْمَذْكُورَة فِي الْمَادَّة / ١٧٧٦ / من الْمجلة. وَمَسْأَلَة الِاخْتِلَاف فِي حُدُوث طَرِيق المَاء الَّذِي يجْرِي إِلَى دَار إِنْسَان وَقدمه الْمَذْكُورَة فِي الْمَادَّة / ١٧٧٧ / مِنْهَا.
وَقد اخْتلف فِي حجية الِاسْتِصْحَاب بنوعيه، وَالْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب أَنه يصلح حجَّة للدَّفْع لَا للاستحقاق. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، وجامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَائِل الْفَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ) .
وَذَلِكَ: كَمَا لَو تنَازع اثْنَان فِي جِدَار، وَكَانَ لأَحَدهمَا عَلَيْهِ جُذُوع وَللْآخر اتِّصَال تربيع، فذو التربيع أولى، إِذْ الِاسْتِعْمَال بالتربيع _ وَهُوَ تدَاخل أَطْرَاف اللبنات حِين بنائِهِ _ سَابق على الِاسْتِعْمَال بالجذوع، إِلَّا أَنه لَا ترفع جُذُوع الآخر لِأَن اتِّصَال التربيع من قبيل الظَّاهِر، وَالْملك الثَّابِت بِهِ ثَابت بِنَوْع ظَاهر، وَالظَّاهِر يصلح للدَّفْع لَا للاستحقاق.
بِخِلَاف مَا لَو برهن ذُو التربيع أَن الْحَائِط لَهُ، فَإِن جُذُوع الآخر ترفع، إِذْ الْبَيِّنَة حجَّة تصلح للدَّفْع والاستحقاق على الْغَيْر. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ٢٧٨، موضحاً) ثمَّ أعَاد الْمَسْأَلَة ثَانِيًا، فِي صفحة / ٢٨٠ /، وَحكى الْإِجْمَاع على أَن جُذُوع الآخر ترفع لَو برهن
стр. 44
وَلَا يخفى أَن مَا ذكره من أَن جُذُوع الآخر ترفع عِنْد الْإِثْبَات بِالْبَيِّنَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذا لم يثبت قدم وَضعهَا، أما إِذا ثَبت أَنَّهَا مَوْضُوعَة من الْقَدِيم فَإِنَّهَا لَا ترفع، إِذا ظهر أَنَّهَا مَوْضُوعَة بِحَق، فَإِن الْقَدِيم يتْرك على قدمه. (ر: مَا سَيَأْتِي فِي الْقَاعِدَة التالية لهَذِهِ) .
وكما فِي مَسْأَلَة الْمَفْقُود _ وَهُوَ الْغَائِب غيبَة مُنْقَطِعَة بِحَيْثُ لَا يعرف مَوته أَو حَيَاته _ فَإِنَّهُ يعْتَبر حَيا فِي حق نَفسه، أَي فِي دفع اسْتِحْقَاق الْغَيْر مِنْهُ، إِلَى أَن يثبت مَوته حَقِيقَة بِالْبَيِّنَةِ أَو حكما بِأَن يقْضِي القَاضِي بِمَوْتِهِ بعد موت جَمِيع أقرانه، فَلَا يقسم، قبل ذَلِك، مَاله بَين ورثته وَلَا تفسخ إِجَارَته. وَلَو كَانَ لَهُ وَدِيعَة عِنْد أحد يجب على الْمُسْتَوْدع حفظهَا، وَلَيْسَ لأحد من وَارِث أَو قَاض أَن يَأْخُذهَا مِنْهُ إِذا كَانَ مَأْمُونا عَلَيْهَا. (ر: مَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة الرَّابِعَة) .
وَيعْتَبر كالميت فِي جَانب الِاسْتِحْقَاق من غَيره، لِأَن اسْتِصْحَاب حَيَاته السَّابِقَة لَا يَكْفِي حجَّة للاستحقاق، فَلَا يَرث من غَيره بل يُوقف نصِيبه من الْمُورث، فَإِن ظهر حَيا أَخذه، وَإِن ثَبت مَوته حَقِيقَة أَو حكما أُعِيد النَّصِيب إِلَى وَرَثَة ذَلِك الْمُورث (ر: الدُّرَر وحاشيته، كتاب الْمَفْقُود) .
وكما لَو مَاتَ نَصْرَانِيّ مثلا فَجَاءَت امْرَأَته مسلمة وَقَالَت: أسلمت بعد مَوته فلي الْمِيرَاث، وَقَالَ الْوَرَثَة: أسلمت قبل مَوته فَلَا مِيرَاث لَك، فَالْقَوْل للْوَرَثَة لَا للْمَرْأَة، فَهُنَا كل من الطَّرفَيْنِ متمسك بِنَوْع من الِاسْتِصْحَاب، فالمرأة تُرِيدُ اسْتِحْقَاق الْإِرْث تمسكاً بالاستصحاب الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ استمرارها إِلَى مَا بعد موت زَوجهَا على دينه الَّذِي كَانَت تدين بِهِ، والاستصحاب لَا يَكْفِي حجَّة للاستحقاق، وَالْوَرَثَة يدفعونها عَن اسْتِحْقَاق الْإِرْث تمسكاً بالاستصحاب المعكوس، وَهُوَ انسحاب مَانع الْإِرْث الْقَائِم بِالْمَرْأَةِ حِين الْخُصُومَة، أَعنِي إسْلَامهَا، إِلَى مَا قبل موت الزَّوْج، والاستصحاب يَكْفِي حجَّة للدَّفْع، فَكَانَ القَوْل لَهُم.
أما لَو مَاتَ الْمُسلم وَله امْرَأَة نَصْرَانِيَّة مثلا، فَجَاءَت بعد مَوته مسلمة وَقَالَت: أسلمت قبل مَوته فلي الْمِيرَاث، وَقَالَ الْوَرَثَة: أسلمت بعد مَوته، فَإِنَّهُ
стр. 45
لَا يكون القَوْل قَوْلهَا حكما لَهَا بالاستصحاب المعكوس الْمُتَقَدّم، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُرِيدُ بِهِ اسْتِحْقَاق الْإِرْث، وَهُوَ لَا يصلح حجَّة للاستحقاق بل يكون القَوْل للْوَرَثَة أَيْضا حكما بالاستصحاب الْحَقِيقِيّ وَهُوَ بَقَاؤُهَا على دينهَا إِلَى مَا بعد الْمَوْت، لِأَن الْوَرَثَة يدفعونها بذلك عَن الِاسْتِحْقَاق (ر: الْأَشْبَاه والنظائر) وَيشْهد لَهُم ظَاهر الْحُدُوث أَيْضا حَيْثُ يضيفون إسْلَامهَا الْحَادِث لأَقْرَب أوقاته (ر: مَا سَيَأْتِي فِي مستثنيات الْمَادَّة / ١١) .
هَذَا، وَإِنَّمَا كَانَ الِاسْتِصْحَاب غير حجَّة فِي الِاسْتِحْقَاق لِأَنَّهُ من قبيل الظَّاهِر، وَمُجَرَّد الظَّاهِر لَا ينتهض حجَّة فِي إِلْزَام الْغَيْر، وَلما كَانَ الِاسْتِحْقَاق على الْغَيْر إلزاماً لَهُ لم يكتف فِيهِ بِالظَّاهِرِ. قَالَ الإِمَام الْكَرْخِي فِي أُصُوله: " الأَصْل أَن الظَّاهِر يدْفع الِاسْتِحْقَاق وَلَا يُوجب الِاسْتِحْقَاق "، وَقَالَ الإِمَام النَّسَفِيّ فِي شرح ذَلِك: " من مسَائِل هَذَا الأَصْل أَن من كَانَ فِي يَده دَار فجَاء رجل يدعيها فَظَاهر يَده يدْفع اسْتِحْقَاق الْمُدعى، حَتَّى لَا يقْضى لَهُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ. وَلَو بِيعَتْ دَار لجنب هَذِه الدَّار فَأَرَادَ أَخذ الدَّار الْمَبِيعَة بِالشُّفْعَة بِسَبَب الْجوَار لهَذِهِ الدَّار، فَأنْكر الْمُدعى عَلَيْهِ أَن تكون هَذِه الدَّار الَّتِي فِي يَده مَمْلُوكَة لَهُ، فَإِنَّهُ بِظَاهِر يَده لَا يسْتَحق الشُّفْعَة مَا لم يثبت أَن هَذِه الدَّار ملكه.
وَذكر ابْن نجيم فِي الْأَشْبَاه، نقلا عَن التَّحْرِير، أَن الْأَوْجه أَن الِاسْتِصْحَاب لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا لَا فِي الدّفع وَلَا فِي الِاسْتِحْقَاق، وَأَن مَا يدل بِظَاهِرِهِ من الْفُرُوع على أَنه حجَّة فِي الدّفع فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَة احتجاجاً بالاستصحاب، بل باستمرار الْعَدَم الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي الْأَشْيَاء.
هَكَذَا ذكرُوا، وَلم يظْهر لي، لِأَن اسْتِمْرَار الْعَدَم فِي الْمسَائِل العدمية هُوَ عين الِاسْتِصْحَاب الْمَذْكُور، وَلَا فرق بَينهمَا إِلَّا فِي التَّعْبِير. على أَن كثيرا من الْأُمُور الَّتِي حكمُوا فِيهَا بالاستصحاب لَيست من الْأُمُور العدمية حَتَّى يَصح أَن يُقَال فِيهَا إِن الِاحْتِجَاج بهَا من قبيل الِاحْتِجَاج باستمرار الْعَدَم الْأَصْلِيّ، بل هُوَ من الْأُمُور الوجودية الْعَارِضَة، كَمَا فِي مَسْأَلَة اخْتِلَاف الْأَب وَالِابْن فِي الْيَسَار والإعسار الْمُتَقَدّمَة، فقد حكم فِيهَا بيسار الْأَب الْمَاضِي لما كَانَ مُوسِرًا وَقت الْخُصُومَة، فَكيف يُمكن أَن يعْتَبر هَذَا حكما باستمرار الْعَدَم الْأَصْلِيّ؟ ... .
стр. 46
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: مِنْهَا: مَا تقدم فِي الْمَادَّة / ٣ / من أَن الْمُودع إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة أَو هلاكها، وَالْمَالِك يُنكر، فَالْقَوْل للْمُودع، مَعَ أَن الأَصْل بَقَاؤُهَا عِنْده، وَذَلِكَ لِأَن كل أَمِين ادّعى رد الْأَمَانَة إِلَى مستحقها فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ، لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وَعدم التَّعَدِّي وَالتَّقْصِير.
وَمِنْهَا: مَا لَو ادَّعَت الْمَرْأَة مُضِيّ عدتهَا فِي مُدَّة تحْتَمل، صدقت بِيَمِينِهَا (ر: التَّنْوِير، بَاب الْعدة) مَعَ أَن الأَصْل بَقَاء الْعدة بعد وجودهَا، وَذَلِكَ لِأَن مُضِيّ الْعدة من الْأُمُور الَّتِي لَا تعلم إِلَّا مِنْهَا، فَإِذا لم يقبل قَوْلهَا فِي مضيها لَا يُمكن ثُبُوت مضيها أصلا، فَقبل قَوْلهَا فِي ذَلِك ضَرُورَة.
стр. 47
((صفحة فارغة))
стр. 48
(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة (الْمَادَّة / ٦))
(" الْقَدِيم يتْرك على قدمه ")
(أَولا _ الشَّرْح)
[" الْقَدِيم يتْرك على قدمه "] إِلَّا إِذا قَامَ الدَّلِيل على خِلَافه، كَمَا فِي الْمَادَّة / ١٢٢٤ / من الْمجلة.
الْقَدِيم: هُوَ الَّذِي لَا يُوجد من يعرف أَوله. (ر: الْمَادَّة / ١٦٦ / من الْمجلة) .
وَمعنى هَذِه الْقَاعِدَة أَن الْمُتَنَازع فِيهِ إِذا كَانَ قَدِيما تراعى فِيهِ حَالَته الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا من الْقَدِيم، بِلَا زِيَادَة وَلَا نقص وَلَا تَغْيِير وَلَا تَحْويل.
وَإِنَّمَا لم يجز تَغْيِير الْقَدِيم عَن حَاله أَو رَفعه بِدُونِ إِذن صَاحبه لِأَنَّهُ لما كَانَ من الزَّمن الْقَدِيم على هَذِه الْحَالة الْمُشَاهدَة فَالْأَصْل بَقَاؤُهُ على مَا كَانَ عَلَيْهِ، ولغلبة الظَّن بِأَنَّهُ مَا وضع إِلَّا بِوَجْه شَرْعِي (ر: الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة، فصل الْحِيطَان) .
فَلَو كَانَ لأحد جنَاح فِي دَاره مَمْدُود على أَرض الْغَيْر، أَو كَانَ لداره مسيل مَاء أَو أقذار فِي أَرض الْغَيْر، أَو كَانَ لَهُ ممر إِلَى دَاره مثلا فِي أَرض الْغَيْر، وَكَانَ ذَلِك الْجنَاح أَو المسيل أَو الْمَمَر قَدِيما لَا يعرف أحد من الْحَاضِرين مبدأ لحدوثه، فَأَرَادَ صَاحب الأَرْض أَن يمْنَع صَاحب الدَّار من مد الْجنَاح أَو التسييل أَو الْمُرُور فِي أرضه، أَو أَرَادَ أَن يحول المسيل أَو الْمَمَر ويغيره عَن حَاله الْقَدِيم فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بِإِذن صَاحبه (ر: الْموَاد / ١٢٢٤ و ١٢٢٥ و ١٢٢٩ / من الْمجلة) .
стр. 49
وَكَذَا لَيْسَ لصَاحب الْحق نَفسه أَن يحوله من جِهَة إِلَى جِهَة، أَو يصرف الْمَمَر مثلا إِلَى دَار أُخْرَى لَهُ، إِلَّا إِذا أذن لَهُ الآخر، وللآذن ولورثته من بعده الرُّجُوع عَن هَذَا الْإِذْن وتكليف صَاحب الْحق بإعادته إِلَى الْحَالة الأولى، وَوجه جَوَاز الرُّجُوع، كَمَا فِي الْخَانِية، أَن ذَلِك الْإِذْن من قبيل الْإِعَارَة، وَهِي غير لَازِمَة. بِخِلَاف مَا لَو بنى صَاحب الأَرْض بِنَاء فِي الْمَمَر بِإِذن صَاحب حق الْمُرُور فَإِنَّهُ يسْقط حق مروره وَلَا يكون لَهُ بعد ذَلِك حق الْمُخَاصمَة مَعَ صَاحب الأَرْض لاستعادته، لِأَن إِذْنه ذَلِك إِسْقَاط لحقه، إِلَّا إِذا كَانَ صَاحب الْحق مَالِكًا لرقبة الطَّرِيق فَلَا يمْنَع من الْمُخَاصمَة واستعادته بعد إِذْنه بِالْبِنَاءِ، لِأَن الْملك لَا يسْقط بالإسقاط، قَالَ فِي فصل الْأَنْهَار من الْفَتَاوَى الْخَانِية: " وَلَو قَالَ صَاحب المسيل: أبطلت حَقي فِي المسيل، فَإِن كَانَ لَهُ حق إِجْرَاء المَاء دون الرَّقَبَة بَطل حَقه، وَإِن كَانَ لَهُ رَقَبَة المسيل لَا يبطل ذَلِك بالإبطال ".
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ نهر، بَين قوم، يَأْخُذ المَاء من النَّهر الْأَعْظَم، فَمنهمْ من لَهُ فِيهِ كوتان وَمِنْهُم من لَهُ ثَلَاث، فَقَالَ أَصْحَاب الكوى السُّفْلى لأَصْحَاب الْعليا: إِنَّكُم تأخذون من المَاء أَكثر من نصيبكم، لِأَن كَثْرَة المَاء وَرَفعه يكون فِي أَعلَى النَّهر فَيدْخل فِي كواكم شَيْء كثير، وَنحن لَا نرضى بِهَذَا، ونجعل لكم أَيَّامًا مَعْلُومَة ونسد فِي أيامكم كوانا وَلنَا أَيَّامًا مَعْلُومَة وَأَنْتُم تسدون فِيهَا كواكم، فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك، بل يتْرك على حَاله كَمَا كَانَ. وَكَذَا لَو اخْتصم أهل النَّهر فَادّعى بَعضهم زِيَادَة لم يكن ذَلِك إِلَّا بِحجَّة. وَالْأَصْل فِي جنس هَذَا أَن مَا كَانَ قَدِيما يتْرك على حَاله وَلَا يُغير إِلَّا بِحجَّة (ر: الْفَتَاوَى الْخَانِية، فصل الْأَنْهَار) .
لَا يشْتَرط فِي اعْتِبَار التَّصَرُّف الْقَدِيم أَن يكون مَا يتَصَرَّف بِهِ قَائِما فِي يَد الْمُتَصَرف إِلَى حِين الْخُصُومَة، بل يَكْفِي أَن يثبت الْمُدَّعِي وجوده فِي يَده قبل الْخُصُومَة، وَأَن الْمُدعى عَلَيْهِ أحدث يَده عَلَيْهِ وَمنع الْمُدَّعِي مِنْهُ، فَإِنَّهُ يحكم بِهِ للْمُدَّعِي، لِأَن الْيَد الْحَادِثَة لَا عِبْرَة بهَا بل الْعبْرَة لليد الْحَقِيقِيَّة (ر: الْبَحْر الرَّائِق شرح كنز الدقائق، كتاب الدَّعْوَى، أَوَائِل دَعْوَى الرجلَيْن، ج ٧ / ٢٥٦) .
وَقد نصوا أَنه لَو كَانَ لرجل نهر يجْرِي فِي أَرض غَيره لسقي أراضيه، وَهُوَ فِي يَده يكريه ويغرس فِي حافتيه الْأَشْجَار مثلا، فَأَرَادَ صَاحب الأَرْض أَن
стр. 50
لَا يجْرِي النَّهر فِي أرضه فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك، بل يتْرك على حَاله، لِأَن من هُوَ فِي يَده يَسْتَعْمِلهُ بإجراء مَائه وَنَحْوه، فَعِنْدَ الِاخْتِلَاف القَوْل قَوْله، فَلَو لم يكن فِي يَده وَلم يكن جَارِيا وَقت الْخُصُومَة، فَإِن كَانَ يَدعِي رَقَبَة النَّهر فَعَلَيهِ أَن يثبت أَنه لَهُ، وَإِن كَانَ يَدعِي حق الإجراء فِي النَّهر فَعَلَيهِ أَن يثبت أَنه كَانَ يجْرِي من الْقَدِيم لسقي أراضيه، فَيحكم لَهُ حِينَئِذٍ بِملك رَقَبَة النَّهر فِي الصُّورَة الأولى، وبحق الإجراء فِي الثَّانِيَة.
وبمثل ذَلِك يحسم الِاخْتِلَاف إِذا وَقع فِي حق الْمُرُور، أَو حق التسييل فِي أَرض أَو على سطح، أَو فِي دَار، أَو فِي طَرِيق خَاص، أَو بَين علو وسفل (ر: الْهِدَايَة وشروحها والملتقى والتنوير، فصل الشّرْب، والمادة / ١١٧٧ / من الْمجلة) .
هَذَا، ثمَّ إِذا جهل حَال الْمُتَنَازع فِيهِ وَلم يعرف هَل هُوَ قديم أَو حَادث، فَالْأَصْل فِيهِ أَنه إِن كَانَ فِي طَرِيق خَاص يعْتَبر قَدِيما حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه، وَإِن كَانَ فِي طَرِيق الْعَامَّة يعْتَبر حَدِيثا، فللإمام أَن ينْقضه (ر: شرح الْمَادَّة / ٢٢٤ / من مرْآة الْمجلة) .
وَالْمرَاد بِالطَّرِيقِ الْخَاص فِي قَوْلهم: " فَالْأَصْل فِيهِ أَنه إِن كَانَ فِي طَرِيق خَاص يعْتَبر قَدِيما " هُوَ مَا كَانَ مَمْلُوكا رَقَبَة لقوم وَلَيْسَ للعامة فِيهِ حق أصلا، كَمَا إِذا كَانَت أَرض مُشْتَركَة بَين قوم بنوا فِيهَا مسَاكِن وَجعلُوا بَينهم مِنْهَا طَرِيقا حَتَّى كَانَ مَمْلُوكا لَهُم على الْخُصُوص، فَأَما إِذا كَانَت السِّكَّة مختطة من الأَصْل فَحكمهَا حكم طَرِيق الْعَامَّة وَلَو غير نَافِذَة إِذْ هِيَ ملك الْعَامَّة، أَلا يرى أَن لَهُم أَن يدخلوها عِنْد الزحام. وَهَذَا التَّفْسِير يَأْتِي فِي جَمِيع الْأَحْكَام الَّتِي تذكر فِي غير النافذة (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ٢٦٣ / نقلا عَن خُوَاهَر زَاده) .
اخْتلف الْإِفْتَاء فِي اعْتِبَار التَّصَرُّف الْقَدِيم فِي الْحُقُوق، فَأفْتى المرحوم خير الدّين الرَّمْلِيّ، فِي سُؤال رفع إِلَيْهِ، بِمَا يُفِيد عدم اعْتِبَاره، وَأَنه لَا بُد من إِقَامَة الْبَيِّنَة على الْحق الْمُدعى بِهِ بِخُصُوصِهِ، وَتمسك بمسائل نصوا عَلَيْهَا، وَهِي أَن من
стр. 51
ادّعى حق الْمُرُور أَو رَقَبَة الطَّرِيق، وَأقَام بَيِّنَة شهِدت لَهُ بِأَنَّهُ كَانَ يمر فِي هَذِه لَا يسْتَحق بذلك شَيْئا، وَأَن الشَّاهِد إِذا فسر للْقَاضِي أَنه يشْهد بِالْملكِ بِنَاء على مُعَاينَة الْيَد لَا تقبل شَهَادَته.
وَاسْتشْهدَ لَهُ المرحوم ابْن عابدين، فِي تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، بِمَا نصوا عَلَيْهِ من أَن الْوَقْف إِذا كَانَ على الْقَرَابَة، وَادّعى رجل أَنه من الْقَرَابَة وَأقَام بَيِّنَة شهِدت أَن الْوَاقِف كَانَ يُعْطِيهِ كل سنة مَعَ الْقَرَابَة لَا يسْتَحق بِهَذِهِ الشَّهَادَة شَيْئا، وَكَذَا لَو شهدُوا بِإِعْطَاء القَاضِي لَهُ مَعَ الْقَرَابَة كل سنة لَا يكون إِعْطَاء القَاضِي حجَّة. انْتهى.
وكل هَذِه الْفُرُوع لَا تصلح للتمسك، لِأَن الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة فِيهَا لَيست من قبيل دَعْوَى التَّصَرُّف الْقَدِيم الْمُفَسّر بِمَا تقدم، وَلَا من قبيل الشَّهَادَة بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهر. كَيفَ وَكتب الْمَذْهَب والفتاوى ناطقة بِلُزُوم اعْتِبَاره، وَقد أفتى بِاعْتِبَارِهِ حَامِد أَفَنْدِي الْعِمَادِيّ، فِي محلات عديدة من فَتَاوِيهِ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهَا نفس المرحوم ابْن عابدين، وَنقل عَن الشَّيْخ إِسْمَاعِيل الحائك أَنه أفتى بِاعْتِبَارِهِ أَيْضا، وكل ذَلِك بِنَاء على مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كتب الْمَذْهَب من اعْتِبَاره. وصرحوا أَيْضا بِأَن اعْتِبَاره هُوَ الِاسْتِحْسَان، وَأَن عَلَيْهِ الْفَتْوَى.
لَو ادّعى أحد الْخَصْمَيْنِ الْحُدُوث، وَادّعى الآخر الْقدَم، فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الْقدَم، وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة من يَدعِي الْحُدُوث (ر: تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، والمادة / ١٧٦٨ / من الْمجلة) .
بَقِي هَا هُنَا شَيْء يكثر وُقُوعه، وَلم أر من تعرض لَهُ وَهُوَ مَا لَو ادّعى أَحدهمَا الْحُدُوث وَادّعى الآخر مُرُور الزَّمن، فَهَل يُكَلف مدعي الْحُدُوث الْبَيِّنَة أَو يُكَلف الْبَيِّنَة مدعي مُرُور الزَّمن؟ لقَائِل أَن يَقُول بِالْأولِ، وَأَنه إِذا ثَبت الْحُدُوث لَا تسمع دَعْوَى مُرُور الزَّمن، وَذَلِكَ لِأَن مدعي الْقدَم يَدعِي مُضِيّ مُدَّة على الْأَمر الْمُتَنَازع فِيهِ هِيَ أَضْعَاف مُدَّة مُرُور الزَّمن، لِأَن الْقَدِيم، كَمَا تقدم، مَا لَا يُوجد من يعرف أَوله، وَهَذَا لَا يكون غَالِبا إِلَّا بعد أَن يمْضِي عَلَيْهِ أَكثر من ثَمَانِينَ أَو تسعين سنة، وَقد
стр. 52
تقدم، فِي الْكَلَام على الْقَاعِدَة الثَّانِيَة، أَن كَون الْعبْرَة للمعاني يجْرِي فِي الدَّعَاوَى والخصومات أَيْضا، فَكَأَنَّهُ بِدَعْوَى الْقدَم يَدعِي مُرُور الزَّمن مضاعفاً، وَلم يجْعَلُوا لَهُ، وَالْحَالة هَذِه، غير كَون القَوْل قَوْله فَقَط، وَلم يجْعَلُوا الْبَيِّنَة بَينته بل جعلُوا الْبَيِّنَة بَيِّنَة مدعي الْحُدُوث بِلَا اسْتثِْنَاء.
وَلَو قُلْنَا بِتَقْدِيم بَيِّنَة مُرُور الزَّمن لم يبْق من فَائِدَة لتدوين مَا بني على اعْتِبَار الْقدَم والحدوث من الْأَحْكَام، ولأصبح كثير من مواد الْمجلة الَّتِي تَدور عَلَيْهَا سدى ومعطلاً عَن الْعَمَل بِهِ، كهذه الْمَادَّة وَالَّتِي بعْدهَا، ومادة / ١٢٢٤ و ١٢٢٨ و ١٢٢٩ و ١٢٣٠ و ١٢٣٢ /، وَلَيْسَ ادِّعَاء ذَلِك والإقدام عَلَيْهِ بِالْأَمر السهل! .
وَلقَائِل أَن يَقُول بِتَقْدِيم بَيِّنَة مدعي مُرُور الزَّمن وَذَلِكَ لِأَن مدعيه يَدعِي عدم صَلَاحِية الْحَاكِم لرؤية الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة يُنَازع الْحَاكِم فِي ذَلِك قبل الدُّخُول فِي الدَّعْوَى، فَإِذا ثَبت مُرُور الزَّمن تبين أَن الْحَاكِم لَيْسَ بحاكم فِي هَذِه الدَّعْوَى، بِخِلَاف مَا إِذا ادّعى الْقدَم دون مُرُور الزَّمن فَإِنَّهُ يكون حِينَئِذٍ قد اخْتَار جِهَة الدُّخُول فِي الدَّعْوَى، وَأجَاب خَصمه عَنْهَا، وَذَلِكَ مِنْهُ تَسْلِيم لصلاحية الْحَاكِم لسَمَاع الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَحَيْثُ كَانَ خَصمه يَدعِي الْحُدُوث فَالْبَيِّنَة بَينته، وَهَذَا بِلَا شكّ أوجه وأمتن. وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
стр. 53
((صفحة فارغة))
стр. 54
(الْقَاعِدَة السَّادِسَة (الْمَادَّة / ٧))
(" الضَّرَر لَا يكون قَدِيما ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الْمَعْنى أَن الضَّرَر قديمه كحديثه فِي الحكم، فَلَا يُرَاعى قدمه وَلَا يعْتَبر، بل يزَال. وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لَا يتَصَوَّر تقادم عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُوجد من يعرف أَوله.
إِن هَذِه الْقَاعِدَة بِمَنْزِلَة الْقَيْد للَّتِي قبلهَا، فَوضعت عَقبهَا لإِفَادَة أَن الْقَاعِدَة السَّابِقَة لَيست على إِطْلَاقهَا، بل هِيَ مُقَيّدَة بِأَن لَا يكون الْقَدِيم ضَرَرا، فَلَو كَانَ ضَرَرا فَإِنَّهُ يزَال وَلَا عِبْرَة بقدمه، على مَا سَيَأْتِي تَفْصِيله، كَمَا صرحت بِهِ الْمَادَّة بقولِهَا: أَي إِذا كَانَ الْقَدِيم ... الخ. وَذَلِكَ لِأَن الْقَدِيم إِنَّمَا اعْتبر لغَلَبَة الظَّن بِأَنَّهُ مَا وضع إِلَّا بِوَجْه شَرْعِي (ر: مَا قدمْنَاهُ فِي الْقَاعِدَة السَّابِقَة عَن الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة) فَإِذا كَانَ مضراً يكون ضَرَره دَلِيلا على أَنه لم يوضع بِوَجْه شَرْعِي، إِذْ لَا وَجه شَرْعِيًّا يجوز الْإِضْرَار بِالْغَيْر (ر: الْمَادَّة / ١٩ / من الْمجلة) .
(ثَانِيًا: التطبيق وتتمة الشَّرْح)
ثمَّ إِن المُرَاد بِالضَّرَرِ الَّذِي يزَال وَلَا يُرَاعى قدمه مَا كَانَ ضَرَرا بَينا، أَي فَاحِشا.
وَبَيَان ذَلِك أَن الضَّرَر قِسْمَانِ: (١) عَام، (٢) وخاص.
١ - أما الْعَام فَإِنَّهُ يزَال مُطلقًا بِلَا تَفْصِيل فِيهِ بَين الْفَاحِش وَغير الْفَاحِش، لِأَن كَونه عَاما يَكْفِي لاعتباره فَاحِشا، كَمَا لَو كَانَ لدار مسيل مَاء
стр. 55
أَو أقذار فِي الطَّرِيق الْعَام يضر بالمارين، أَو غرفَة بارزة وطيئة تمنع النَّاس من الْمُرُور تحتهَا لتسفلها، فَإِن كل ذَلِك يزَال مهما كَانَ قَدِيما (ر: الْمَادَّة / ١٢١٤ و ١٢٢٤ / من الْمجلة) .
٢ - وَأما الْخَاص فَهُوَ نَوْعَانِ: فَاحش، وَغير فَاحش.
(أ) فالفاحش يزَال كَمَا يزَال الضَّرَر الْعَام، وَلَا عِبْرَة لقدمه، وَذَلِكَ كَمَا لَو كَانَ لرجل مسيل مَاء أَو أقذار يجْرِي فِي دَار آخر من الْقَدِيم، وَكَانَ يوهن بِنَاء الدَّار أَو ينجس مَاء بِئْرهَا، فَإِن لصَاحب الدَّار أَن يُكَلف ذَلِك الرجل بِإِزَالَة هَذَا الضَّرَر بِصُورَة تحفظ الْبناء من التوهين وَالْمَاء من التَّنْجِيس بِأَيّ وَجه كَانَ.
وَمثله مَا ذكره فِي الْفَتَاوَى الْخَانِية، فِي فصل الْأَنْهَار، بقوله: بالوعة قديمَة لرجل على شفة نهر يدْخل فِي سكَّة غير نَافِذَة، قَالَ أَبُو بكر الْبَلْخِي رَحمَه الله تَعَالَى: لَا عِبْرَة للقديم والْحَدِيث فِي هَذَانِ وَيُؤمر بِرَفْعِهِ فَإِن لم يرفعهُ يرفع الْأَمر إِلَى صَاحب الْحِسْبَة ليأمره بِالرَّفْع. انْتهى.
وَكَذَا لَو كَانَ داران قديمتان ولإحداهما مطل أَو شباك من الْقَدِيم على مقرّ النِّسَاء فِي الدَّار الْأُخْرَى، فَإِن صَاحب المطل أَو الشباك يجْبر على إِزَالَة هَذَا الضَّرَر، بِمَنْع النّظر بِوَجْه من الْوُجُوه، فَلَو كَانَت الدَّار الَّتِي فِيهَا المطل أَو الشباك هِيَ قديمَة فجَاء آخر فأحدث بجانبها دَارا بِحَيْثُ صَار المطل أَو الشباك مشرفاً على مقرّ النِّسَاء فِيهَا، فَإِن صَاحب الدَّار الحديثة هُوَ الَّذِي يُكَلف حِينَئِذٍ بِإِزَالَة هَذَا الضَّرَر عَن نَفسه لِأَنَّهُ هُوَ محدثه والمتعرض لَهُ (ر: الْمَادَّة / ١٢٠٧ / من الْمجلة) .
(ب) وَأما الضَّرَر الْخَاص غير الْفَاحِش، كَمَا لَو كَانَ لدار رجلٍ حق إِلْقَاء القمامات والثلوج أَو حق التسييل فِي أَرض الْغَيْر أَو فِي طَرِيق خَاص، فَإِن كل ذَلِك فِيهِ نوع ضَرَر وَلكنه دون الضَّرَر السَّابِق الْفَاحِش. فَإِذا كَانَ من الْقَدِيم يعْتَبر قدمه ويراعى وَلَا يجوز تَغْيِيره أَو تبديله بِغَيْر رضَا صَاحب الْحق، كَمَا تقدم مفصلا فِي شرح الْقَاعِدَة السَّابِقَة، لِأَنَّهُ يُمكن حِينَئِذٍ أَن يكون مُسْتَحقّا بِوَجْه من الْوُجُوه الشَّرْعِيَّة.
стр. 56
هَذَا وَلم أر من أفْصح عَن ضَابِط كلي يُمَيّز الضَّرَر الْفَاحِش من غير الْفَاحِش، وتطبق عَلَيْهِ الْفُرُوع الْمَذْكُورَة وأمثالها، وَإِنَّمَا بيّنت الْمجلة الضَّرَر الْفَاحِش فِي الْمَادَّة / ١١٩٩ / بِأَنَّهُ كل مَا يمْنَع الْحَوَائِج الْأَصْلِيَّة الْمَقْصُودَة من الْبناء كالسكنى، أَو يضر بِالْبِنَاءِ ويوهنه، لَكِن هَذَا كَمَا ترى غير مُفِيد فِي تَمْيِيز الْفَاحِش من غَيره الْفَائِدَة الْمَطْلُوبَة، لِأَن الْحَوَائِج الْأَصْلِيَّة كلمة مجملة تتنازع فِيهَا الأفهام وتتخالف فِي تحديدها، على أَن مَوْضُوع مَادَّة الْمجلة الْمَذْكُورَة فِي الضَّرَر الَّذِي يُرِيد الْإِنْسَان إحداثه مجدداً بِإِزَاءِ جَاره، لَا فِي تَقْسِيم الضَّرَر الْقَدِيم الَّذِي نتكلم الْآن فِيهِ، وَفرق بَينهمَا.
فَالَّذِي يظْهر من إجالة النّظر فِي الْفُرُوع الْمُتَقَدّمَة وتعاليلها وَالْوُجُوه الَّتِي بهَا اخْتلفت أَحْكَامهَا أَن يُقَال: الضَّابِط لذَلِك هُوَ: " أَن كل مَا يُمكن أَن يسْتَحق على الْغَيْر بِوَجْه من الْوُجُوه الشَّرْعِيَّة فَهُوَ لَيْسَ بِضَرَر فَاحش، فَتجب حِينَئِذٍ مُرَاعَاة قدمه إِذا كَانَ قَدِيما، وَمَا لَا يُمكن أَن يسْتَحق على الْغَيْر بِوَجْه شَرْعِي فَهُوَ ضَرَر فَاحش، وَيرْفَع مهما كَانَ قَدِيما ".
فَمثل توهين بِنَاء الْغَيْر، وتنجيس مَاء بئره، وَالنَّظَر إِلَى مقرّ نِسَائِهِ لَا يُمكن أَن يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان على الْغَيْر بِوَجْه من الْوُجُوه.
وَمثل حق الْمُرُور أَو التسييل فِي أَرض الْغَيْر، وَحقّ وضع الْجذع على جِدَار الْغَيْر، وَمد الْجنَاح أَو الغرفة البارزين الواطئين فِي ملك الْغَيْر وَالطَّرِيق الْخَاص هُوَ مِمَّا يُمكن أَن يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان على الْغَيْر بِوَجْه شَرْعِي، كَمَا لَو كَانَت الداران مشتركتين على الشُّيُوع بَين رجلَيْنِ فاقتسماها واختص كل وَاحِد بِوَاحِدَة على شَرط بَقَاء الْحُقُوق الْمَذْكُورَة، أَو أَن من كَانَتَا فِي ملكه بَاعَ إِحْدَاهمَا وَشرط حِين البيع إبْقَاء الْحُقُوق لَهُ فِي الدَّار الْمَبِيعَة، فَإِن تِلْكَ الْقِسْمَة وَذَلِكَ البيع وَالشّرط صَحِيحَانِ (ر: الْمَادَّة / ١١٦٦ / من الْمجلة، ورد الْمُحْتَار، كتاب الْبيُوع، بَاب الْحُقُوق _ نقلا عَن النَّوَازِل) .
وَيُؤَيّد هَذَا الضَّابِط مَا قدمْنَاهُ، فِي الْقَاعِدَة السَّابِقَة عَن الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة، من أَن عِلّة وجوب إبْقَاء الْقَدِيم على قدمه هِيَ غَلَبَة الظَّن بِأَنَّهُ مَا وضع إِلَّا بِوَجْه
стр. 57
شَرْعِي، فقد أشعر هَذَا التَّعْلِيل بِأَن الْقَدِيم الَّذِي يُرَاعى قدمه هُوَ الَّذِي يُمكن أَن يسْتَحق بِوَجْه شَرْعِي فَيتْرك وَلَا يلْتَفت إِلَى دَعْوَى الْجَار التضرر مِنْهُ، وَأَنه مَا لَا يُمكن أَن يسْتَحق بِوَجْه شَرْعِي يكون ضَرَرا فَاحِشا فيزال وَلَا عِبْرَة لقدمه للجزم بِأَنَّهُ لم يوضع بِحَق.
وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا قَول الْمَادَّة / ١٢٢٤ / من الْمجلة، فِي بَيَان عدم اعْتِبَار الضَّرَر الْقَدِيم، مَا لَفظه: " أما الْقَدِيم الْمُخَالف للشَّرْع فَلَا اعْتِبَار لَهُ، فَإِن الْمُخَالف للشَّرْع هُوَ الَّذِي لَا يُمكن أَن يسْتَحق بِوَجْه شَرْعِي، إِذْ لَو أمكن أَن يسْتَحق على الْغَيْر بِوَجْه شَرْعِي لَا يُمكن أَن يكون مُخَالفا للشَّرْع ".
стр. 58
(الْقَاعِدَة السَّابِعَة (الْمَادَّة / ٨))
(" الأَصْل بَرَاءَة الذمّة ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة " لِأَن الذمم خلقت بريئة غير مَشْغُولَة بِحَق من الْحُقُوق. (ر: مَا ذكره الإِمَام النَّسَفِيّ فِي إِيضَاح قَوَاعِد الْكَرْخِي) .
الذِّمَّة لُغَة: الْعَهْد، وَاصْطِلَاحا: " وصف يصير الشَّخْص بِهِ أَهلا للْإِيجَاب لَهُ أَو عَلَيْهِ ". وَمِنْهُم من جعلهَا ذاتاً فعرفها بِأَنَّهَا: " نفس لَهَا عهد " فَإِن الْإِنْسَان يُولد وَله ذمَّة صَالِحَة للْوُجُوب لَهُ وَعَلِيهِ. (ر: تعريفات السَّيِّد) .
من الْمَعْلُوم أَنه عِنْد تنَازع الْخَصْمَيْنِ تتخالف مزاعمهما نفيا وإثباتاً، فَيحْتَاج فِي فصل الْخُصُومَة إِلَى مُرَجّح يرجح بِهِ، فِي مبدأ الْأَمر، زعم أَحدهمَا على زعم الآخر. ولدى تتبع الْمسَائِل وَالنَّظَر فِي وُجُوه التَّرْجِيح الأولية، وَفِي تَقْدِيم أحد المرجحات على الآخر إِذا تَعَارَضَت، بعد ذَلِك يظْهر أَن التَّرْجِيح، فِي مبدأ الْأَمر، يكون بِأحد شَيْئَيْنِ، هما: الأَصْل، وَالظَّاهِر.
أما الأَصْل _ وَقد تقدم تَفْسِيره فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة _ فأنواعه كَثِيرَة: - مِنْهَا: هَذِه الْقَاعِدَة، وَهِي بَرَاءَة الذِّمَّة.
- وَمِنْهَا: كَون الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ.
- وَكَذَا: الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ.
- وَكَون الأَصْل إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته.
стр. 59
- وَكَون الأَصْل فِيمَا جهل قدمه وحدوثه أَن يعْتَبر قَدِيما إِذا كَانَ فِي ملك خَاص، وحادثاً إِذا كَانَ فِي غَيره. (ر: مَا قدمْنَاهُ عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ، فِي شرح الْمَادَّة السَّادِسَة) .
- وَكَون الأَصْل فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة.
- وَالْأَصْل فِي الصِّفَات والأشياء الْعَارِضَة الْعَدَم، وَالصِّفَات الوجودية الْوُجُود.
- وككون الأَصْل فِي البيع أَن يكون باتاً قَطْعِيا.
- وَكَون الأَصْل فِي الْعُقُود _ غير الْمُزَارعَة بعد وجودهَا _ أَن تكون صَحِيحَة، فَلَو اخْتلف العاقدان فِي صِحَة البيع وفساده فَالْقَوْل لمُدعِي الصِّحَّة. أما الْمُزَارعَة فَالْقَوْل فِيهَا قبل الزِّرَاعَة لمُدعِي الْفساد، وَبعدهَا لرب الْبذر سَوَاء ادّعى صِحَة أَو فَسَادًا، وَالْبَيِّنَة لمُدعِي الصِّحَّة. (ر: نور الْعين تَرْتِيب جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل التَّاسِع وَالْعِشْرين) .
_ وككون الأَصْل فِي الْوكَالَة وَالْعَارِية الْخُصُوص، وَفِي الْمُضَاربَة وَالشَّرِكَة الْعُمُوم. (ر: مَا يَأْتِي تَحت الْمَادَّة / ٧٧) .
- وككون الأَصْل فِيمَا لَا يعلم إِلَّا من جِهَة أحد الْخَصْمَيْنِ، أَو كَانَ أَحدهمَا أدرى من الآخر، أَن يقبل قَوْله فِيهِ بِيَمِينِهِ، وَلذَا قبلوا قَول الْمَرْأَة فِي انْقِضَاء عدتهَا _ والمدة تحْتَمل _ أَو عدم انْقِضَائِهَا بِيَمِينِهَا، لكَون ذَلِك لَا يعلم إِلَّا من جِهَتهَا، وقبلوا قَول المملك فِي بَيَان جِهَة التَّمْلِيك، والدافع فِي بَيَان جِهَة الدّفع، لِأَنَّهُمَا أدرى بهَا مِمَّن تلقى الْملك وَمن الْقَابِض، فَلَو ادّعى المملك
стр. 60
الْقَرْض وَادّعى الآخر الْهِبَة مثلا فَالْقَوْل قَول المملك، وَكَذَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دينان، وبأحدهما رهن أَو كَفِيل، فَدفع لَهُ مبلغا ثمَّ اخْتلفَا فَطلب الدَّافِع رد الرَّهْن إِلَيْهِ بزعم أَن مَا دَفعه عَن دين الرَّاهِن، أَو زعم بَرَاءَة الْكَفِيل وَأَن مَا دَفعه إِنَّمَا دَفعه عَن دين الْكفَالَة، وَزعم الدَّائِن أَنه عَن الدّين الآخر، فَالْقَوْل قَول الدَّافِع بِيَمِينِهِ، لِأَن المملك والدافع أدرى بِجِهَة التَّمْلِيك وَالدَّفْع.
- وككون الأَصْل هُوَ الْجد فِي البيع لَا الِاسْتِهْزَاء. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالْعِشْرين) . فَلَو اخْتلف المتعاقدان فيهمَا فَالْقَوْل لمُدعِي الْجد لِأَنَّهُ الأَصْل.
- وككون الأَصْل فِي مُطلق الشّركَة التنصيف، فَلَو أقرّ بِأَن هَذَا الشَّيْء مُشْتَرك بيني وَبَين فلَان، أَو هُوَ لي وَلفُلَان، أَو هُوَ بيني وَبَينه، فَهُوَ على المناصفة. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْإِقْرَار، إِقْرَار الْمَرِيض، صفحة / ٤٦٥) ، فَيكون القَوْل قَول من يدعيها لِأَنَّهَا الأَصْل. وَمن يَدعِي خلَافهَا فَعَلَيهِ الْبُرْهَان، إِلَّا إِذا بَين الْمقر خلاف المناصفة مَوْصُولا بِإِقْرَارِهِ كَقَوْلِه: هُوَ مُشْتَرك بيني وَبَينه أَثلَاثًا ثُلُثَاهُ لي وَثلثه لَهُ مثلا صدق، كَمَا فِي الْمحل الْمَذْكُور، وَالظَّاهِر أَنه يصدق بِيَمِينِهِ.
إِلَى غير ذَلِك من الْأُصُول الَّتِي يعسر استقصاؤها.
وَلَا يخفى أَن هَذِه الْأُصُول يتداخل بَعْضهَا فِي بعض، لِأَن بَعْضهَا فرع عَن الآخر، كفرعية " بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ " عَن " الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ " وفرعية " بَرَاءَة الذِّمَّة " عَن " الأَصْل فِي الصِّفَات الْعَارِضَة الْعَدَم ".
فَأَي وَاحِد من المتنازعين يشْهد لَهُ أصل من هَذِه الْأُصُول يتَرَجَّح قَوْله حَتَّى يقوم دَلِيل على خِلَافه، لقَولهم: إِن القَوْل قَول من يشْهد لَهُ الأَصْل. وأمثلة كل من هَذِه الْأُصُول تعلم من كلامنا عَلَيْهَا فِيمَا تقدم من الْموَاد وَفِيمَا سَيَأْتِي.
وَأما الظَّاهِر _ وَهُوَ الْحَالة الْقَائِمَة الَّتِي تدل على أَمر من الْأُمُور _ فَهُوَ قِسْمَانِ: (١) الْقسم الأول: هُوَ مَا لم يصل فِي الظُّهُور إِلَى دَرَجَة الْيَقِين. (٢) وَالْقسم الثَّانِي: هُوَ الَّذِي وصل فِيهِ إِلَى دَرَجَة الْيَقِين، وَهُوَ غير مُرَاد هُنَا فِي
стр. 61
هَذَا التَّقْسِيم، لِأَن الْكَلَام الْآن فِي المرجحات الأولية غير اليقينية، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بعد سطور.
الْقسم الأول: الظَّاهِر، الَّذِي جَعَلْنَاهُ قسيم الأَصْل وَيَقَع بِهِ التَّرْجِيح فِي الِابْتِدَاء، وَتَحْته نَوْعَانِ: النَّوْع الأول _ هُوَ تحكيم الْحَال الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الحكم بِوُجُود أَمر فِي الْمَاضِي، بِأَن يَجْعَل مَا فِي الْحَاضِر منسحباً على الْمَاضِي، وَهُوَ " الِاسْتِصْحَاب المعكوس " الْمُتَقَدّم فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة فَانْظُرْهُ.
وَالنَّوْع الثَّانِي _ هُوَ دلَالَة الْحَال الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سحب مَا فِي الْحَاضِر على الْمَاضِي، بل يسْتَأْنس بهَا ويعتمد عَلَيْهَا فِي تَرْجِيح أحد الزعمين على الآخر. وَذَلِكَ: _ كوضع الْيَد فِيمَا لَو ادّعى شخصان ملك عين وَهِي فِي يَد أَحدهمَا، فَإِن القَوْل قَول ذِي الْيَد.
_ وكالحمولة على الْجِدَار، واتصال التربيع فِيهِ، فَإِنَّهُ يتَرَجَّح بِهِ زعم من يشْهد لَهُ أَحدهمَا من الْخَصْمَيْنِ على الآخر. (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ، وَمثله فِي كثير من الْكتب) .
- وكتأييد مهر الْمثل لقَوْل أحد الزَّوْجَيْنِ فِيمَا لَو اخْتلفَا فِي مِقْدَار الْمهْر الْمُسَمّى، فَادّعى الزَّوْج الْأَقَل وَادعت الزَّوْجَة الْأَكْثَر، فَإِن القَوْل لمن يشْهد لَهُ مهر الْمثل بِيَمِينِهِ، فَإِن كَانَ كَمَا قَالَ أَو أقل فَالْقَوْل قَوْله، وَإِن كَانَ كَمَا قَالَت أَو أَكثر فَالْقَوْل قَوْلهَا فِي الزِّيَادَة. (ر: الدُّرَر وَغَيره، كتاب النِّكَاح، بَاب الْمهْر) .
- وكتأييد نُقْصَان الثّمن الْمُسَمّى عَن ثمن الْمثل فِيمَا لَو تبَايعا عقارا وَلم ينصا على الْبَتَات، ثمَّ اخْتلفَا فَادّعى أَحدهمَا أَن البيع كَانَ باتاً وَالْآخر أَنه كَانَ وَفَاء، فَإِن القَوْل لمُدعِي الْبَتَات، لِأَنَّهُ الأَصْل فِي البيع، إِلَّا إِذا كَانَ الثّمن الْمُسَمّى نَاقِصا عَن ثمن الْمثل فَإِن القَوْل حِينَئِذٍ لمُدعِي الْوَفَاء، لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهُ.
стр. 62
- وكتأييد قَرَائِن الْحَال فِيمَا إِذا كَانَ رجلَانِ فِي سفينة مشحونة بالدقيق، فَادّعى كل وَاحِد السَّفِينَة وَمَا فِيهَا، وَأَحَدهمَا يعرف بِبيع الدَّقِيق وَالْآخر يعرف بِأَنَّهُ ملاح، فَإِنَّهُ يحكم بالدقيق للَّذي يعرف بِبيعِهِ، وبالسفينة لمن يعرف بِأَنَّهُ ملاح، عملا بِالظَّاهِرِ من الْحَال. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الدَّعْوَى، من آخر بَاب التَّحَالُف) .
- وككون أحد المتداعيين متضمناً سَعْيه فِي إِسْقَاط وَاجِب عَن ذمَّته، كَمَا لَو بعث الزَّوْج إِلَى زَوجته شَيْئا ثمَّ اخْتلفَا، فَقَالَت: أَرْسلتهُ هَدِيَّة، وَقَالَ: أَرْسلتهُ من الْمهْر، فَالْقَوْل قَول الزَّوْج بِيَمِينِهِ فِي غير المهيأ للْأَكْل، لِأَن الْهَدِيَّة تبرع وَالْمهْر وَاجِب فِي ذمَّته، فَالظَّاهِر أَنه يسْعَى فِي إِسْقَاط الْوَاجِب عَن ذمَّته. (ر: الدُّرَر وَغَيره، كتاب النِّكَاح، من بَاب الْمهْر) .
وَمُقْتَضى هَذَا التَّعْلِيل جَرَيَان الحكم الْمَذْكُور بَين كل دائن ومدين وَقع بَينهمَا نَظِير هَذَا الِاخْتِلَاف، يُؤَيّد ذَلِك أَن الْمَدْيُون إِذا كَانَ لَهُ كَفِيل وَقد كفله بأَمْره فَدفع لَهُ الدّين، فَإِن كَانَ دَفعه لَهُ على وَجه قَضَاء الدّين ثمَّ أَرَادَ اسْتِرْدَاده مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ ملكه بِالدفع، وَإِن كَانَ دَفعه لَهُ على وَجه الرسَالَة ليدفعه إِلَى الطَّالِب ثمَّ أَرَادَ اسْتِرْدَاده مِنْهُ فَلهُ الِاسْتِرْدَاد، لِأَنَّهُ أَمَانَة فِي يَد الْكَفِيل، وَإِن أطلق الْمَدْيُون عِنْد الدّفع للْكَفِيل وَلم يبين أَنه على وَجه الْقَضَاء أَو الرسَالَة فَإِنَّهُ يَقع عَن الْقَضَاء فَلَا يملك اسْتِرْدَاده. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْكفَالَة، من بحث الْكفَالَة بِالْمَالِ، عِنْد قَول الْمَتْن " لَا يسْتَردّ أصيل مَا دَفعه إِلَى الْكَفِيل ... . نقلا عَن الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَن الْقنية ونقلاً عَن غَيرهَا) ، فقد حمل عِنْد الْإِطْلَاق على جِهَة الْقَضَاء لما عَلَيْهِ من الدّين، لكَون الْقَضَاء فِيهِ تَفْرِيغ الذِّمَّة وَإِسْقَاط الْوَاجِب، والأليق بالمديون أَن يكون ساعياً وَرَاء ذَلِك، وَهَذَا كَمَا ترى مؤيد لما قُلْنَاهُ.
- وكظهور الثيوبة أَو الْبكارَة فِيمَا لَو تزوج الْعنين بكرا ثمَّ طلبت التَّفْرِيق بِدَعْوَى عدم وُصُوله إِلَيْهَا، وَادّعى هُوَ الْوُصُول، فأراها الْحَاكِم للنِّسَاء وقلن إِنَّهَا ثيب أَو بكر، فَإِن القَوْل لمن يشْهد لَهُ الْحَال من الثيوبة والبكارة. (ر: مَا سَيَأْتِي فِي شرح الْمَادَّة التَّاسِعَة) إِلَى غير ذَلِك من مسَائِل الظَّاهِر الْمَذْكُور.
стр. 63
فَهَذِهِ مقتضيات التَّرْجِيح الأولية الَّتِي يتقوى بهَا زعم أحد المتنازعين على الآخر، وَالَّتِي يجمعها كلمتا: الأَصْل وَالظَّاهِر.
ثمَّ إِن هَذَا الأَصْل وَالظَّاهِر إِذا تَعَارضا مَعَ بعضهما تقدم جِهَة الظَّاهِر، لِأَنَّهُ أَمر عَارض على الأَصْل يدل على خِلَافه، وَقدمنَا، فِي أول الْكَلَام على الْمَادَّة الْخَامِسَة على رد الْمُحْتَار عَن الزَّيْلَعِيّ " أَن الأَصْل إِذا اعْترض عَلَيْهِ دَلِيل خِلَافه بَطل ". وَذَلِكَ: كالقضاء بِالنّكُولِ فَإِن اعْتِبَاره فِي الْأَحْكَام لَيْسَ إِلَّا رُجُوعا إِلَى مُجَرّد الْقَرِينَة الظَّاهِرَة، فَقدمت على أصل بَرَاءَة الذِّمَّة. (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب الْحَادِي وَالْخمسين) .
وكما فِي مَسْأَلَة الْعنين إِذا ادّعى الْوُصُول إِلَى زَوجته الَّتِي تزَوجهَا بكرا وَأنْكرت الْوُصُول إِلَيْهَا، وَقَالَ النِّسَاء إِنَّهَا ثيب، فَإِن الْوُصُول إِلَيْهَا من الْأُمُور الْعَارِضَة فَالْأَصْل عَدمه، لَكِن لما عَارضه الظَّاهِر، وَهُوَ الثيوبة، قدم عَلَيْهِ فَكَانَ القَوْل للزَّوْج.
وكما فِي مَسْأَلَة اخْتِلَاف الزَّوْجَيْنِ فِي مِقْدَار الْمهْر الْمُسَمّى، الْمُتَقَدّمَة، إِذا كَانَ مهر الْمثل شَاهدا لقَوْل الزَّوْجَة، فَإِن الأَصْل، وَهُوَ عدم الزِّيَادَة الَّتِي تدعيها الْمَرْأَة، شَاهد للزَّوْج، وَلَكِن لما عَارضه الظَّاهِر، الَّذِي هُوَ شَهَادَة مهر الْمثل المؤيدة لدعوى الْمَرْأَة بِالزِّيَادَةِ، قدم عَلَيْهِ، فَكَانَ القَوْل قَوْلهَا.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَة اخْتِلَاف متبايعي الْعقار فِي كَون البيع باتاً أَو وَفَاء، الْمُتَقَدّمَة، فَإِنَّهُ قدم فِيهَا الظَّاهِر على الأَصْل حينما كَانَ الثّمن دون ثمن الْمثل.
وكما فِي مَسْأَلَة الِاسْتِصْحَاب المعكوس إِذا دلّ تحكيم الْحَال لمن يَدعِي وجود مَا أَصله الْعَدَم فَإِنَّهُ يقدم قَوْله. (ر: مَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة) .
وكما لَو أشهد المُشْتَرِي أَنه يَشْتَرِي هَذَا الشَّيْء لفُلَان، ثمَّ بعد أَن اشْتَرَاهُ ادّعى فلَان أَن شِرَاءَهُ كَانَ بأَمْره وَأَرَادَ أَخذه، وَأنكر المُشْتَرِي كَونه بأَمْره، فَالْقَوْل لفُلَان. (ر: رد الْمُحْتَار، مُلَخصا من أَوَائِل بَاب الْفُضُولِيّ، عَن قَول الشَّارِح: " قيد بِالْبيعِ لِأَنَّهُ لَو اشْترى لغيره نفذ عَلَيْهِ ") . فَإِن الأَصْل عدم الْأَمر من فلَان،
стр. 64
وَلَكِن رجحت دَعْوَاهُ الْأَمر حَيْثُ أيدها الظَّاهِر، وَهُوَ إِشْهَاد المُشْتَرِي على أَنه يَشْتَرِي لَهُ.
وكدفع الْوَكِيل بشرَاء شَيْء غير معِين الثّمن من دَرَاهِم الْمُوكل، أَو إِضَافَة العقد إِلَيْهَا، فَإِن كلا مِنْهُمَا ظَاهر فِي نِيَّة الشِّرَاء للْمُوكل، فَإِذا تكاذبا فِي النِّيَّة يكون القَوْل قَول من يشْهد لَهُ هَذَا الظَّاهِر من بَائِع أَو مُشْتَر. (ر: مَا تقدم فِي الْكَلَام على الْقَاعِدَة الأولى، عَن الْهِدَايَة) .
وكما لَو اشْترى دَابَّة ثمَّ اطلع على عيب قديم فِيهَا فركبها وَجَاء ليردها، فَقَالَ البَائِع: ركبتها لحاجتك، وَقَالَ المُشْتَرِي: بل ركبتها لأردها، فَإِن القَوْل للْمُشْتَرِي. (ر: الدُّرَر وحاشيته، كتاب الْبيُوع، من خِيَار الْعَيْب قبيل قَول الْمَتْن: " اخْتلفَا بعد التَّقَابُض فِي عدد الْمَبِيع ") . وَذَلِكَ لِأَن الظَّاهِر من حَاله لما جَاءَ وابتدأ ردهَا رَاكِبًا أَن يكون ركُوبه لأجل الرَّد.
الْقسم الثَّانِي: وَأما وُجُوه التَّرْجِيح الثانوية فَهِيَ حجج الشَّرْع الثَّلَاثَة: " الْبَيِّنَة، وَالْإِقْرَار، والنكول عَن الْيَمين ". وَكَذَا الْقَرِينَة القاطعة الْمَذْكُورَة فِي الْمَادَّة / ١٧٤١ / من الْمجلة.
стр. 65
فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة إِذا تعَارض أَحدهَا مَعَ أحد المرجحات الأولية، الَّتِي هِيَ الأَصْل وَالظَّاهِر، يتَقَدَّم عَلَيْهَا وَيتْرك الأَصْل وَالظَّاهِر، لِأَن التَّرْجِيح بهما إِنَّمَا كَانَ استئناساً حَتَّى يقوم دَلِيل أقوى على خلافهما، فَإِذا قَامَ عَلَيْهِ أحد الْأَدِلَّة الْأَرْبَعَة القوية الَّتِي هِيَ فِي نظر الشَّرْع تعْتَبر بِمَنْزِلَة الْيَقِين، يتبع وَيحكم بِمُقْتَضَاهُ دون الأَصْل وَالظَّاهِر.
هَذَا ثمَّ الْبَيِّنَة إِنَّمَا تترجح على الْقسم الأول من قسمي الظَّاهِر الْمُتَقَدِّمين، أما الْقسم الثَّانِي _ الَّذِي ذكرنَا أَنه وصل فِي الظُّهُور إِلَى دَرَجَة الْيَقِين الْقطعِي _ فَإِنَّهُ يتَرَجَّح على الْبَيِّنَة، حَتَّى لَا تُقَام على خِلَافه.
بِدَلِيل مَا نصوا عَلَيْهِ من أَن الْوَصِيّ إِذا ادّعى أَنه أنْفق على الْيَتِيم أَو على عقاره مبلغا معينا، فَإِن كَانَ مبلغا لَا يكذبهُ فِيهِ الظَّاهِر فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ، وَإِن كَانَ مبلغا يكذبهُ فِيهِ الظَّاهِر فَإِنَّهُ لَا يقبل فِيهِ قَوْله، وَلَو أَرَادَ أَن يُقيم على ذَلِك بَيِّنَة لَا تقبل بَينته أَيْضا، (ذكره ابْن بلبان الْفَارِسِي فِي شرح تَلْخِيص الْجَامِع الْكَبِير للخلاطي، وَنَقله عَنهُ فِي تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، أَوَائِل بَاب الْوَصِيّ) .
وبدليل مَا نصوا عَلَيْهِ، فِي بَاب دَعْوَى الرجلَيْن، من أَنه لَو ادّعى رجل دَابَّة فِي يَد آخر وَذكر أَنَّهَا ملكه ومنتوجه عِنْده وَأقَام بَيِّنَة شهِدت بذلك، وأرخت النِّتَاج بتاريخ تنافيه سنّ الدَّابَّة وَتكَذبه، ترد الشَّهَادَة وتترك الدَّابَّة فِي يَد من هِيَ فِي يَده. وَلَو تنَازع رجلَانِ الدَّابَّة الَّتِي فِي يَد ثَالِث، وكل مِنْهُمَا يَدعِي ملكه لَهَا ونتاجها عِنْده، وَأقَام كل مِنْهُمَا بَيِّنَة شهِدت لَهُ بِالْملكِ والنتاج، وأرخت الْبَيِّنَتَانِ النِّتَاج بتاريخين مُخْتَلفين، وَكَانَت سنّ الدَّابَّة توَافق جحد التاريخين دون الآخر، يحكم بالدابة لمن وَافَقت سنّهَا التَّارِيخ الَّذِي أحد بَينته. (ر: شرح الزَّيْلَعِيّ للكنز، وشروح الْهِدَايَة) . وَإِن رد الشَّهَادَة، حِين مُخَالفَة سنّ الدَّابَّة
стр. 66
لما أرخته الْبَيِّنَة لدَلِيل على أَنه لَو بَين الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ تَارِيخا للنتاج وَظهر مُخَالفَة سنّ الدَّابَّة للتاريخ الَّذِي ذكره ترد دَعْوَاهُ من أَصْلهَا، وَلَا يُكَلف إِقَامَة الْبَيِّنَة. (ر: مَا سَيَأْتِي نَقله عَن الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّة فِي الْمَادَّة الْخَامِسَة وَالسِّتِّينَ: " الْوَصْف فِي الْحَاضِر لَغْو ") .
وبدليل مَا نصوا عَلَيْهِ أَيْضا من أَنه لَو أقرّ إِنْسَان لمن كَانَ مَجْهُول النّسَب بِأَنَّهُ ابْنه، وَكَانَ لَا يُولد مثله لمثل الْمقر، فَإِن الْإِقْرَار يبطل، وَذَلِكَ يُفِيد أَن الْبَيِّنَة أَيْضا لَا تقبل عَلَيْهِ بِالْأولَى، لِأَن الْإِقْرَار قد بَطل، مَعَ أَنهم صَرَّحُوا أَن الْإِقْرَار أقوى من الْبَيِّنَة حَتَّى لَو أقرّ الْخصم بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة فَقضى الْحَاكِم عَلَيْهِ يعْتَبر الْقَضَاء قَضَاء بِإِقْرَارِهِ لَا بِالْبَيِّنَةِ. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الدَّعْوَى، بَاب الِاسْتِحْقَاق) إِلَّا فِي سبع مسَائِل يقْضى فِيهَا بِالْبَيِّنَةِ دون الْإِقْرَار مَذْكُورَة فِي رد الْمُحْتَار، آخر بَاب دَعْوَى النّسَب، سنذكر بَعْضهَا فِي الْكَلَام على الْمَادَّة التَّاسِعَة عشرَة.
فَظهر من ذَلِك أَن قَوْلهم: " إِن الْبَينَات تُقَام لإِثْبَات خلاف الظَّاهِر " إِنَّمَا يُرَاد بِهِ النَّوْع الأول الَّذِي يذكر بِإِزَاءِ قسيم الأَصْل، لَا النَّوْع الثَّانِي الَّذِي وصل فِي الظُّهُور إِلَى دَرَجَة يطْرَح مَعهَا احْتِمَال خِلَافه.
وَالْحَاصِل أَن تَرْجِيح زعم أحد المتخاصمين على زعم الآخر، فِي الِابْتِدَاء، يكون بِشَهَادَة الأَصْل وَالظَّاهِر حَتَّى يقوم دَلِيل من المرجحات الثانوية على خِلَافه، فَإِذا كَانَ الأَصْل شَاهدا لجِهَة وَالظَّاهِر لجِهَة يرجح زعم من يشْهد لَهُ الظَّاهِر. ثمَّ إِذا عَارض الأَصْل أَو الظَّاهِر شَيْء من المرجحات الثانوية يقدم عَلَيْهِمَا، وَهَذَا فِي النَّوْع الأول من الظَّاهِر، أما النَّوْع الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا تُقَام بَيِّنَة على خِلَافه لِأَن احْتِمَال خِلَافه مَعْدُوم.
وَهَذَا الْبَيَان وَالتَّفْصِيل الَّذِي أَتَيْنَا بِهِ يقرب الْمسَائِل من الأذهان ويسهل معرفَة الْوُجُوه والعلل، وتطبيق الْفُرُوع على قواعدها بِصُورَة معقولة.
إِذا علمنَا ذَلِك ظهر أَن القَوْل الرَّاجِح هُوَ قَول من يتَمَسَّك بِبَرَاءَة ذمَّته لِأَنَّهُ يشْهد لَهُ الأَصْل، وَهُوَ عدم شغلها، حَتَّى يقوم دَلِيل على خِلَافه.
стр. 67
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل شَتَّى من أَبْوَاب متنوعة، كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالْعَارِية والوديعة والضمانات وَالْغَصْب وَالْقَرْض وَالْإِقْرَار وَغير ذَلِك.
فَمن ذَلِك: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن بعد هَلَاك الْمَبِيع أَو خُرُوجه عَن ملكه مثلا، أَو اخْتلف الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر فِي مِقْدَار بدل الْإِجَارَة بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة، فَإِن القَوْل قَول المُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجر، وَالْبَيِّنَة على البَائِع والمؤجر لإِثْبَات الزِّيَادَة، أما لَو كَانَ اخْتِلَافهمَا قبل هَلَاك الْمَبِيع أَو خُرُوجه عَن ملكه مثلا فِي البيع، وَقبل اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة فِي الْإِجَارَة، وَلَا بَيِّنَة لأَحَدهمَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ. (ر: الْمَادَّة / ١٧٧٨ و ١٧٧٩ / من الْمجلة) .
وَمِنْهَا: مَا لَو ادّعى الْمُسْتَعِير رد الْعَارِية فَإِن القَوْل قَوْله، إِذْ الأَصْل بَرَاءَة ذمَّته. وَكَذَا لَو ادّعى الْوَدِيع رد الْوَدِيعَة. (ر: مَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة الثَّالِثَة) .
وَمِنْهَا: مَا لَو أتلف إِنْسَان مَال آخر وَاخْتلفَا فِي مِقْدَاره، فَإِن القَوْل للمتلف بِيَمِينِهِ، لِأَنَّهُ يُنكر ثُبُوت الزِّيَادَة فِي ذمَّته، وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة، وَالْبَيِّنَة على صَاحب المَال لإِثْبَات الزِّيَادَة. وَكَذَا لَو غصب إِنْسَان شَيْئا وَهلك فِي يَده ثمَّ اخْتلف الْمَالِك وَالْغَاصِب فِي قيمَة الْمَغْصُوب فَالْقَوْل للْغَاصِب، وعَلى الْمَالِك إِثْبَات الزِّيَادَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر) . وَكَذَلِكَ لَو جَاءَ الْغَاصِب ليرد عين الْمَغْصُوب فَاخْتلف هُوَ وَالْمَالِك فِي مِقْدَاره، فَالْقَوْل للْغَاصِب.
وَمِنْهَا: مَا لَو أقْرض إِنْسَان آخر ثمَّ اخْتلف هُوَ والمستقرض فِي مبلغ الْقَرْض فَالْقَوْل للمستقرض.
وَمِنْهَا: مَا لَو أقرّ إِنْسَان لآخر بِمَجْهُول، بِأَن قَالَ: لفُلَان عَليّ شَيْء أَو حق، فَإِنَّهُ يَصح وَيلْزمهُ تَفْسِيره، أَي بَيَانه، وَيقبل مِنْهُ أَن يُبينهُ بِمَا لَهُ قيمَة، فَلَو بَينه وَادّعى الْمقر لَهُ أَكثر مِمَّا بَينه الْمقر فَإِن القَوْل للْمقر، وعَلى الْمُدَّعِي إِثْبَات الزِّيَادَة. أما لَو بَينه بِمَا لَا قيمه لَهُ فَلَا يقبل بَيَانه، لِأَنَّهُ بقوله: " لَهُ عَليّ " أخبر عَن الْوُجُوب فِي ذمَّته، وَمَا لَا قيمَة لَهُ لَا يجب فِي الذِّمَّة، فَيكون بَيَانه رُجُوعا عَن الْإِقْرَار، وَالرُّجُوع عَنهُ لَا يَصح. (ر: الدُّرَر، كتاب الْإِقْرَار) .
стр. 68
وَمِنْهَا: مَسْأَلَة مَا لَو اخْتلف الْمُوكل مَعَ الْوَكِيل بِالْبيعِ، فِي بَيْعه قبل علمه بِالْعَزْلِ أَو بعده، الْآتِيَة فِي مستثنيات الْمَادَّة الْحَادِيَة عشرَة، إِلَى غير ذَلِك من الْفُرُوع.
стр. 69
((صفحة فارغة))
стр. 70
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة (الْمَادَّة / ٩))
(" الأَصْل فِي الصِّفَات الْعَارِضَة الْعَدَم ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الأَصْل فِي الصِّفَات الْعَارِضَة الْعَدَم، كَمَا أَن الأَصْل فِي الصِّفَات الْأَصْلِيَّة الْوُجُود (ر: الْأَشْبَاه والنظائر) حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه ".
الصِّفَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُجُود والعدم على قسمَيْنِ: الأول: هُوَ الصِّفَات الَّتِي يكون وجودهَا فِي الشَّيْء طارئاً وعارضاً بِمَعْنى أَن الشَّيْء بطبيعته يكون خَالِيا عَنْهَا غَالِبا، وَهَذِه تسمى الصِّفَات الْعَارِضَة، وَالْأَصْل فِيهَا الْعَدَم، وَمثل هَذِه الصِّفَات غَيرهَا من الْأُمُور الَّتِي تُوجد بعد الْعَدَم كَسَائِر الْعُقُود وَالْأَفْعَال، كَمَا سيتضح من الْأَمْثِلَة الْآتِيَة. وَهَذَا الْقسم وَمَا ألحق بِهِ من الْعُقُود وَالْأَفْعَال هُوَ مَوْضُوع هَذِه الْقَاعِدَة.
الثَّانِي: هُوَ الصِّفَات الَّتِي يكون وجودهَا فِي الشَّيْء مُقَارنًا لوُجُوده، فَهُوَ مُشْتَمل عَلَيْهَا بطبيعته غَالِبا، وَهَذِه تسمى الصِّفَات الْأَصْلِيَّة، وَالْأَصْل فِيهَا الْوُجُود، كبكارة الْجَارِيَة وسلامة الْمَبِيع من الْعُيُوب وَالصِّحَّة فِي الْعُقُود بعد انْعِقَادهَا. وَيلْحق بِالصِّفَاتِ الْأَصْلِيَّة الصِّفَات الْعَارِضَة الَّتِي ثَبت وجودهَا فِي وَقت مَا، فَإِن الأَصْل فِيهَا حينئذٍ الْبَقَاء بعد ثُبُوت وجودهَا (ر: مَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة، وَهُوَ أَيْضا معنى الْمَادَّة الْعَاشِرَة الْآتِيَة) .
فَلَو اخْتلف العاقدان فِي سَلامَة الْمَبِيع من الْعُيُوب وَعدم سَلَامَته، أَو فِي صِحَة البيع مثلا وفساده، فَالْقَوْل لمن يتَمَسَّك بسلامة الْمَبِيع وَصِحَّة العقد، لِأَنَّهُ
стр. 71
يشْهد لَهُ الأَصْل، بِخِلَاف مَا لَو اخْتلف المتعاقدان فِي صِحَة البيع وبطلانه فَإِن القَوْل قَول من يتَمَسَّك بِالْبُطْلَانِ، لِأَن الْبَاطِل غير مُنْعَقد فَهُوَ يُنكر وجود العقد وَالْأَصْل عَدمه. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، من قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم، وَمن كتاب الْبيُوع) .
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل كَثِيرَة: مِنْهَا: مِثَال الْمَادَّة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ مَا لَو اخْتلف الْمضَارب وَرب المَال فِي حُصُول الرِّبْح وَعَدَمه، فَالْقَوْل للْمُضَارب، وَالْبَيِّنَة على رب المَال لإِثْبَات الرِّبْح لِأَن الأَصْل عَدمه.
وَمِنْهَا: مَا لَو قَالَ الْوَصِيّ: لم أتجر فِي مَال الْيَتِيم، أَو اتجرت فَلم أربح أصلا، أَو مَا ربحت إِلَّا كَذَا، فَالْقَوْل قَوْله. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر وحاشيته، من قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم) .
وَمِنْهَا: مَا لَو أدخلت الْمَرْأَة حلمة ثديها فِي فَم الرَّضِيع وَلم يعلم هَل دخل اللَّبن فِي حلقه أَو لَا، فَإِن النِّكَاح لَا يحرم، لِأَن الأَصْل عدم الْمَانِع الَّذِي هُوَ دُخُول اللَّبن. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، من الْمحل الْمَذْكُور) .
وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي قبض الْمَبِيع أَو الثّمن، أَو اخْتلف الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر فِي قبض الْمَأْجُور أَو بدل الْإِجَارَة فَالْقَوْل لمنكر الْقَبْض فِي جَمِيع ذَلِك، لِأَن الأَصْل عَدمه. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، وَغَيره) .
وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي شَرط الْخِيَار، فَالْقَوْل لمنكره.
стр. 72
(ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْبيُوع، أَوَاخِر خِيَار الشَّرْط) لِأَنَّهُ صفة عارضة.
وَمِنْهَا: مَا لَو دفع إِنْسَان لآخر شَيْئا ثمَّ أَرَادَ اسْتِرْدَاده مُدعيًا أَنه دَفعه لَهُ عَارِية، وَقَالَ الْقَابِض: إِنَّك كنت بعتني إِيَّاه أَو وهبتني إِيَّاه، فَالْقَوْل للدافع فِي كَونه عَارِية. (ر: الْمَادَّة / ١٧٦٣ / من الْمجلة) ، لِأَن الأَصْل عدم البيع وَالْهِبَة.
وَمِنْهَا: مَا لَو قَالَ رجل لامْرَأَته: إِن لم أدفَع لَك نَفَقَتك الْيَوْم فَأَنت طَالِق، ثمَّ مضى الْيَوْم، فاختلفا فَقَالَ: دفعتها لَك، وَقَالَت: لم تدفعها لي، فَالْقَوْل قَوْلهَا، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ وُقُوع الطَّلَاق. بِخِلَاف مَا لَو قَالَ لَهَا: إِن لم أَدخل الدَّار الْيَوْم مثلا فَأَنت طَالِق ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ دخلت وَقَالَت لم تدخل فَإِن القَوْل قَوْله، وَإِن كَانَ الأَصْل عدم الدُّخُول. وَذَلِكَ لِأَن الشَّرْط الْمُعَلق عَلَيْهِ إِذا كَانَ مِمَّا يَصح التَّنَازُع فِيهِ لذاته بِقطع النّظر عَن التَّعْلِيق، كوصول النَّفَقَة وَعَدَمه، فحينئذٍ ينظر إِلَى صُورَة التَّنَازُع، فَيكون القَوْل قَول منكره، وَهُوَ هُنَا الزَّوْجَة، لِأَن الأَصْل عدم وُصُول النَّفَقَة إِلَيْهَا. وَأما إِذا كَانَ الشَّرْط مِمَّا لَا يَصح التَّنَازُع فِيهِ لذاته، كدخول الدَّار وَعَدَمه، فَإِنَّهُ لَا ينظر فِيهِ إِلَى صُورَة التَّنَازُع، لِأَنَّهُ غير مُمكن، بل ينظر فِيهِ إِلَى الْمَقْصُود مِنْهُ، وَهُوَ وُقُوع الطَّلَاق أَو عَدمه، وَلما كَانَ مَقْصُود الزَّوْج بِدَعْوَاهُ الدُّخُول إِنْكَار وُقُوع الطَّلَاق كَانَ القَوْل قَوْله، لِأَن الأَصْل عدم الْوُقُوع. (ر: ذخيرة الْفَتْوَى، كتاب الْكفَالَة، الْبَاب السَّابِع فِي تَعْلِيق الْكفَالَة بِالشّرطِ) . إِلَى غير ذَلِك من الْفُرُوع الْكَثِيرَة.
هَذَا، وَلَكِن إِذا قَامَ دَلِيل على خلاف ذَلِك الأَصْل، بِأَن كَانَ الظَّاهِر مُعَارضا لَهُ، فَإِن الأَصْل يتْرك ويترجح جِهَة الظَّاهِر، كَمَا قَالُوا فِي زَوْجَة الْعنين من أَنَّهَا لَو ادَّعَت عَلَيْهِ عدم وُصُوله إِلَيْهَا وَادّعى هُوَ الْوُصُول، وَكَانَت بكرا حِين العقد، فَإِن الْحَاكِم يريها حِين الْخُصُومَة للنِّسَاء، فَإِن قُلْنَ إِنَّهَا بكر فَالْقَوْل قَوْلهَا وَإِن قُلْنَ إِنَّهَا ثيب فَالْقَوْل قَوْله فِي الْوُصُول إِلَيْهَا، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْوُصُول، لِأَن ظُهُور ثيوبتها مؤيد لدعواه فَترك بِهِ الأَصْل.
стр. 73
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: مِنْهَا: مَا لَو تصرف الزَّوْج فِي غلات زَوجته ثمَّ مَاتَت فَادّعى أَن تصرفه كَانَ بِإِذْنِهَا وَأنكر الْوَرَثَة، فَإِن القَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْإِذْن. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، من كتاب الْغَصْب) .
وَمِنْهَا: مَا لَو أَرَادَ الْوَاهِب الرُّجُوع فِي هِبته، فَادّعى الْمَوْهُوب لَهُ هَلَاك الْمَوْهُوب، فَالْقَوْل قَوْله وَلَا يَمِين عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حكى أمرا يملك استئنافه.
وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف الزَّوْجَانِ فِي هبة الْمهْر فَقَالَت الزَّوْجَة: وهبته لَك بِشَرْط أَن لَا تُطَلِّقنِي، وَقَالَ الزَّوْج: بِغَيْر شَرط، فَالْقَوْل قَوْلهَا، مَعَ أَن الشَّرْط من الْعَوَارِض وَالْأَصْل عَدمه.
وَمِنْهَا: مَا لَو جَاءَ الْمضَارب بمبلغ وَقَالَ: هُوَ أصل وَربح، وَقَالَ رب المَال: كُله أصل، فَالْقَوْل قَول الْمضَارب، مَعَ أَن الأَصْل عدم الرِّبْح.
وَمِنْهَا: مَا لَو طلبت الْمَرْأَة نَفَقَة أَوْلَادهَا الصغار بعد أَن فَرضهَا القَاضِي لَهُم، فَادّعى الْأَب أَنه أنْفق عَلَيْهِم فَالْقَوْل قَوْله مَعَ الْيَمين، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْإِنْفَاق.
(ر: الْأَشْبَاه والنظائر وحاشية الْحَمَوِيّ عَلَيْهِ، فِي قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم _ لكل هَذِه الْفُرُوع المستثناة) .
стр. 74
(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة (الْمَادَّة / ١٠))
(" مَا ثَبت بِزَمَان يحكم بِبَقَائِهِ مَا لم يقم الدَّلِيل على خِلَافه ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" مَا ثَبت بِزَمَان يحكم بِبَقَائِهِ مَا لم يقم الدَّلِيل على خِلَافه " لِأَنَّهُ إِذا اعْترض على الأَصْل دَلِيل خِلَافه بَطل. (ر: مَا قدمْنَاهُ فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة) .
وَلذَلِك كَانَت الشَّهَادَة بِالْملكِ المنقضي، أَي الْمَاضِي، وَالْإِقْرَار بِهِ أَيْضا مقبولين، فَإِذا ثَبت فِي زمَان ملك شَيْء لأحد يحكم بِبَقَاء الْملك مَا لم يُوجد مَا يُزِيلهُ، سَوَاء كَانَ ثُبُوت الْملك الْمَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَو بِإِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ.
هَذِه الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أوجه: الأول _ أَن يَدعِي ملكا خَالِيا عَن الْإِسْنَاد إِلَى الْمَاضِي، بِأَن يَقُول: إِن الْعين الَّتِي بيد الْمُدعى عَلَيْهِ هِيَ ملكي (سَوَاء بَين سَببا للْملك أَو لَا) وَيشْهد الشُّهُود لَهُ بِالْملكِ فِي الْمَاضِي فيقولوا: إِنَّهَا كَانَت ملكه، أَي فِي صُورَة مَا إِذا أطلق الْمُدَّعِي الْملك، أَو يَقُولُوا: إِنَّهَا كَانَت ملكه بِالسَّبَبِ الَّذِي ادَّعَاهُ، أَي فِي صُورَة مَا إِذا بَين الْمُدَّعِي سَببا للْملك.
الثَّانِي _ أَن يَدعِي ملكا مَاضِيا فَيَقُول: إِنَّهَا كَانَت ملكي، وَيشْهد الشُّهُود بِالْملكِ الْمُطلق كَذَلِك، وَهُوَ عكس الأول.
الثَّالِث _ أَن يَدعِي ملكا مَاضِيا، وَيشْهد الشُّهُود بالماضي أَيْضا.
فَفِي الصُّورَة الأولى تصح الدَّعْوَى من الْمُدَّعِي وَتقبل من الشُّهُود، فَيحكم
стр. 75
للْمُدَّعِي بِالْملكِ، لِأَنَّهُ لما ثَبت ملكه فِي الزَّمن الْمَاضِي فَالْأَصْل أَن يحكم بِبَقَائِهِ، حَيْثُ لم يقم دَلِيل على خِلَافه إِلَى أَن يُوجد مَا يُزِيلهُ، كَأَن يُقيم الْمُدعى عَلَيْهِ بَيِّنَة على الشِّرَاء مِنْهُ مثلا.
وَأما فِي الصُّورَتَيْنِ، الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة، فَإِن دَعْوَى الْمُدَّعِي غير صَحِيحَة، وَشَهَادَة الشُّهُود المترتبة عَلَيْهَا غير مَقْبُولَة أَيْضا، لِأَن إِسْنَاد الْمُدَّعِي ملكه إِلَى الْمَاضِي يدل على نفي الْملك فِي الْحَال، إِذْ لَا فَائِدَة للْمُدَّعِي فِي إِسْنَاده مَعَ قيام ملكه فِي الْحَال، بِخِلَاف الشَّاهِدين لَو أسْند ملكه إِلَى الْمَاضِي، لِأَن إسنادهما لَا يدل على النَّفْي فِي الْحَال لِأَنَّهُمَا قد لَا يعرفان بَقَاءَهُ إِلَّا بالاستصحاب. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الشَّهَادَات، بَاب الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة، وجامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْحَادِي عشر) .
هَذَا، وَفِي الصُّورَة الأولى المقبولة لَو سَأَلَ القَاضِي الشَّاهِدين: هَل تعلمان ملكه للْحَال؟ لَا يجبران على الْجَواب، لَكِن لَو أجاباه بقولهمَا: لَا نعلم قيام الْملك للْحَال ترد شَهَادَتهمَا، لِأَنَّهُمَا لما صرحا بجهلهما قيام الْملك للْحَال لم يبْق إِمْكَان للْحَمْل على أَنَّهُمَا يعرفان بَقَاء الْملك بالاستصحاب فَلم تعد شَهَادَتهمَا صَالِحَة لِأَن يحكم بهَا فِي ذَلِك. (ر: الْمَادَّة / ١٦٩٥ / من الْمجلة) .
وَمثل الشَّهَادَة بِملك الْعين، فِي جَمِيع الصُّور الْمُتَقَدّمَة، الشَّهَادَة بِالدّينِ، فَلَو ادّعى إِنْسَان دينا فِي ذمَّة حَيّ أَو ميت وَأقَام بَيِّنَة شهِدت لَهُ أَنه كَانَ لَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمبلغ الْمُدعى بِهِ تقبل الشَّهَادَة وَيحكم بِهِ. (ر: الْمَادَّة / ١٦٩٤ / من الْمجلة) .
تَنْبِيه: إِن قبُول الْحَاكِم الْبَيِّنَة وإلزام الْخصم بِمَا قَامَت عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ _ أَعنِي فِيمَا إِذا شهِدت الشُّهُود أَن الْعين كَانَت ملك الْمُدَّعِي، أَو شهِدت انه كَانَ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا _ إِنَّمَا هُوَ عمل بالاستصحاب، وَهُوَ عمل بِالظَّاهِرِ، وَالظَّاهِر يصلح حجَّة للدَّفْع لَا للاستحقاق، كَمَا تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَادَّة الْخَامِسَة: " الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ "، وَالْحكم بِهَذِهِ الشَّهَادَة حكم بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا بِالدفع فَيَنْبَغِي أَن لَا تقبل.
следующие страницы →