← Каваид фикха

Каваид фикха · id 6330

شرح القواعد الفقهية

أحمد الزرقا

Полный текст (439 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يشْهد لَهُ الأَصْل، بِخِلَاف مَا لَو اخْتلف المتعاقدان فِي صِحَة البيع وبطلانه فَإِن القَوْل قَول من يتَمَسَّك بِالْبُطْلَانِ، لِأَن الْبَاطِل غير مُنْعَقد فَهُوَ يُنكر وجود العقد وَالْأَصْل عَدمه. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، من قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم، وَمن كتاب الْبيُوع) . (ثَانِيًا _ التطبيق) يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل كَثِيرَة: مِنْهَا: مِثَال الْمَادَّة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ مَا لَو اخْتلف الْمضَارب وَرب المَال فِي حُصُول الرِّبْح وَعَدَمه، فَالْقَوْل للْمُضَارب، وَالْبَيِّنَة على رب المَال لإِثْبَات الرِّبْح لِأَن الأَصْل عَدمه. وَمِنْهَا: مَا لَو قَالَ الْوَصِيّ: لم أتجر فِي مَال الْيَتِيم، أَو اتجرت فَلم أربح أصلا، أَو مَا ربحت إِلَّا كَذَا، فَالْقَوْل قَوْله. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر وحاشيته، من قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم) . وَمِنْهَا: مَا لَو أدخلت الْمَرْأَة حلمة ثديها فِي فَم الرَّضِيع وَلم يعلم هَل دخل اللَّبن فِي حلقه أَو لَا، فَإِن النِّكَاح لَا يحرم، لِأَن الأَصْل عدم الْمَانِع الَّذِي هُوَ دُخُول اللَّبن. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، من الْمحل الْمَذْكُور) . وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي قبض الْمَبِيع أَو الثّمن، أَو اخْتلف الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر فِي قبض الْمَأْجُور أَو بدل الْإِجَارَة فَالْقَوْل لمنكر الْقَبْض فِي جَمِيع ذَلِك، لِأَن الأَصْل عَدمه. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، وَغَيره) . وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي شَرط الْخِيَار، فَالْقَوْل لمنكره.

стр. 72

(ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْبيُوع، أَوَاخِر خِيَار الشَّرْط) لِأَنَّهُ صفة عارضة. وَمِنْهَا: مَا لَو دفع إِنْسَان لآخر شَيْئا ثمَّ أَرَادَ اسْتِرْدَاده مُدعيًا أَنه دَفعه لَهُ عَارِية، وَقَالَ الْقَابِض: إِنَّك كنت بعتني إِيَّاه أَو وهبتني إِيَّاه، فَالْقَوْل للدافع فِي كَونه عَارِية. (ر: الْمَادَّة / ١٧٦٣ / من الْمجلة) ، لِأَن الأَصْل عدم البيع وَالْهِبَة. وَمِنْهَا: مَا لَو قَالَ رجل لامْرَأَته: إِن لم أدفَع لَك نَفَقَتك الْيَوْم فَأَنت طَالِق، ثمَّ مضى الْيَوْم، فاختلفا فَقَالَ: دفعتها لَك، وَقَالَت: لم تدفعها لي، فَالْقَوْل قَوْلهَا، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ وُقُوع الطَّلَاق. بِخِلَاف مَا لَو قَالَ لَهَا: إِن لم أَدخل الدَّار الْيَوْم مثلا فَأَنت طَالِق ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ دخلت وَقَالَت لم تدخل فَإِن القَوْل قَوْله، وَإِن كَانَ الأَصْل عدم الدُّخُول. وَذَلِكَ لِأَن الشَّرْط الْمُعَلق عَلَيْهِ إِذا كَانَ مِمَّا يَصح التَّنَازُع فِيهِ لذاته بِقطع النّظر عَن التَّعْلِيق، كوصول النَّفَقَة وَعَدَمه، فحينئذٍ ينظر إِلَى صُورَة التَّنَازُع، فَيكون القَوْل قَول منكره، وَهُوَ هُنَا الزَّوْجَة، لِأَن الأَصْل عدم وُصُول النَّفَقَة إِلَيْهَا. وَأما إِذا كَانَ الشَّرْط مِمَّا لَا يَصح التَّنَازُع فِيهِ لذاته، كدخول الدَّار وَعَدَمه، فَإِنَّهُ لَا ينظر فِيهِ إِلَى صُورَة التَّنَازُع، لِأَنَّهُ غير مُمكن، بل ينظر فِيهِ إِلَى الْمَقْصُود مِنْهُ، وَهُوَ وُقُوع الطَّلَاق أَو عَدمه، وَلما كَانَ مَقْصُود الزَّوْج بِدَعْوَاهُ الدُّخُول إِنْكَار وُقُوع الطَّلَاق كَانَ القَوْل قَوْله، لِأَن الأَصْل عدم الْوُقُوع. (ر: ذخيرة الْفَتْوَى، كتاب الْكفَالَة، الْبَاب السَّابِع فِي تَعْلِيق الْكفَالَة بِالشّرطِ) . إِلَى غير ذَلِك من الْفُرُوع الْكَثِيرَة. هَذَا، وَلَكِن إِذا قَامَ دَلِيل على خلاف ذَلِك الأَصْل، بِأَن كَانَ الظَّاهِر مُعَارضا لَهُ، فَإِن الأَصْل يتْرك ويترجح جِهَة الظَّاهِر، كَمَا قَالُوا فِي زَوْجَة الْعنين من أَنَّهَا لَو ادَّعَت عَلَيْهِ عدم وُصُوله إِلَيْهَا وَادّعى هُوَ الْوُصُول، وَكَانَت بكرا حِين العقد، فَإِن الْحَاكِم يريها حِين الْخُصُومَة للنِّسَاء، فَإِن قُلْنَ إِنَّهَا بكر فَالْقَوْل قَوْلهَا وَإِن قُلْنَ إِنَّهَا ثيب فَالْقَوْل قَوْله فِي الْوُصُول إِلَيْهَا، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْوُصُول، لِأَن ظُهُور ثيوبتها مؤيد لدعواه فَترك بِهِ الأَصْل.

стр. 73

(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى) يسْتَثْنى من هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: مِنْهَا: مَا لَو تصرف الزَّوْج فِي غلات زَوجته ثمَّ مَاتَت فَادّعى أَن تصرفه كَانَ بِإِذْنِهَا وَأنكر الْوَرَثَة، فَإِن القَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْإِذْن. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، من كتاب الْغَصْب) . وَمِنْهَا: مَا لَو أَرَادَ الْوَاهِب الرُّجُوع فِي هِبته، فَادّعى الْمَوْهُوب لَهُ هَلَاك الْمَوْهُوب، فَالْقَوْل قَوْله وَلَا يَمِين عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حكى أمرا يملك استئنافه. وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف الزَّوْجَانِ فِي هبة الْمهْر فَقَالَت الزَّوْجَة: وهبته لَك بِشَرْط أَن لَا تُطَلِّقنِي، وَقَالَ الزَّوْج: بِغَيْر شَرط، فَالْقَوْل قَوْلهَا، مَعَ أَن الشَّرْط من الْعَوَارِض وَالْأَصْل عَدمه. وَمِنْهَا: مَا لَو جَاءَ الْمضَارب بمبلغ وَقَالَ: هُوَ أصل وَربح، وَقَالَ رب المَال: كُله أصل، فَالْقَوْل قَول الْمضَارب، مَعَ أَن الأَصْل عدم الرِّبْح. وَمِنْهَا: مَا لَو طلبت الْمَرْأَة نَفَقَة أَوْلَادهَا الصغار بعد أَن فَرضهَا القَاضِي لَهُم، فَادّعى الْأَب أَنه أنْفق عَلَيْهِم فَالْقَوْل قَوْله مَعَ الْيَمين، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْإِنْفَاق. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر وحاشية الْحَمَوِيّ عَلَيْهِ، فِي قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم _ لكل هَذِه الْفُرُوع المستثناة) .

стр. 74

(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة (الْمَادَّة / ١٠)) (" مَا ثَبت بِزَمَان يحكم بِبَقَائِهِ مَا لم يقم الدَّلِيل على خِلَافه ") (أَولا _ الشَّرْح) " مَا ثَبت بِزَمَان يحكم بِبَقَائِهِ مَا لم يقم الدَّلِيل على خِلَافه " لِأَنَّهُ إِذا اعْترض على الأَصْل دَلِيل خِلَافه بَطل. (ر: مَا قدمْنَاهُ فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة) . وَلذَلِك كَانَت الشَّهَادَة بِالْملكِ المنقضي، أَي الْمَاضِي، وَالْإِقْرَار بِهِ أَيْضا مقبولين، فَإِذا ثَبت فِي زمَان ملك شَيْء لأحد يحكم بِبَقَاء الْملك مَا لم يُوجد مَا يُزِيلهُ، سَوَاء كَانَ ثُبُوت الْملك الْمَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَو بِإِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ. هَذِه الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أوجه: الأول _ أَن يَدعِي ملكا خَالِيا عَن الْإِسْنَاد إِلَى الْمَاضِي، بِأَن يَقُول: إِن الْعين الَّتِي بيد الْمُدعى عَلَيْهِ هِيَ ملكي (سَوَاء بَين سَببا للْملك أَو لَا) وَيشْهد الشُّهُود لَهُ بِالْملكِ فِي الْمَاضِي فيقولوا: إِنَّهَا كَانَت ملكه، أَي فِي صُورَة مَا إِذا أطلق الْمُدَّعِي الْملك، أَو يَقُولُوا: إِنَّهَا كَانَت ملكه بِالسَّبَبِ الَّذِي ادَّعَاهُ، أَي فِي صُورَة مَا إِذا بَين الْمُدَّعِي سَببا للْملك. الثَّانِي _ أَن يَدعِي ملكا مَاضِيا فَيَقُول: إِنَّهَا كَانَت ملكي، وَيشْهد الشُّهُود بِالْملكِ الْمُطلق كَذَلِك، وَهُوَ عكس الأول. الثَّالِث _ أَن يَدعِي ملكا مَاضِيا، وَيشْهد الشُّهُود بالماضي أَيْضا. فَفِي الصُّورَة الأولى تصح الدَّعْوَى من الْمُدَّعِي وَتقبل من الشُّهُود، فَيحكم

стр. 75

للْمُدَّعِي بِالْملكِ، لِأَنَّهُ لما ثَبت ملكه فِي الزَّمن الْمَاضِي فَالْأَصْل أَن يحكم بِبَقَائِهِ، حَيْثُ لم يقم دَلِيل على خِلَافه إِلَى أَن يُوجد مَا يُزِيلهُ، كَأَن يُقيم الْمُدعى عَلَيْهِ بَيِّنَة على الشِّرَاء مِنْهُ مثلا. وَأما فِي الصُّورَتَيْنِ، الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة، فَإِن دَعْوَى الْمُدَّعِي غير صَحِيحَة، وَشَهَادَة الشُّهُود المترتبة عَلَيْهَا غير مَقْبُولَة أَيْضا، لِأَن إِسْنَاد الْمُدَّعِي ملكه إِلَى الْمَاضِي يدل على نفي الْملك فِي الْحَال، إِذْ لَا فَائِدَة للْمُدَّعِي فِي إِسْنَاده مَعَ قيام ملكه فِي الْحَال، بِخِلَاف الشَّاهِدين لَو أسْند ملكه إِلَى الْمَاضِي، لِأَن إسنادهما لَا يدل على النَّفْي فِي الْحَال لِأَنَّهُمَا قد لَا يعرفان بَقَاءَهُ إِلَّا بالاستصحاب. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الشَّهَادَات، بَاب الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة، وجامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْحَادِي عشر) . هَذَا، وَفِي الصُّورَة الأولى المقبولة لَو سَأَلَ القَاضِي الشَّاهِدين: هَل تعلمان ملكه للْحَال؟ لَا يجبران على الْجَواب، لَكِن لَو أجاباه بقولهمَا: لَا نعلم قيام الْملك للْحَال ترد شَهَادَتهمَا، لِأَنَّهُمَا لما صرحا بجهلهما قيام الْملك للْحَال لم يبْق إِمْكَان للْحَمْل على أَنَّهُمَا يعرفان بَقَاء الْملك بالاستصحاب فَلم تعد شَهَادَتهمَا صَالِحَة لِأَن يحكم بهَا فِي ذَلِك. (ر: الْمَادَّة / ١٦٩٥ / من الْمجلة) . وَمثل الشَّهَادَة بِملك الْعين، فِي جَمِيع الصُّور الْمُتَقَدّمَة، الشَّهَادَة بِالدّينِ، فَلَو ادّعى إِنْسَان دينا فِي ذمَّة حَيّ أَو ميت وَأقَام بَيِّنَة شهِدت لَهُ أَنه كَانَ لَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمبلغ الْمُدعى بِهِ تقبل الشَّهَادَة وَيحكم بِهِ. (ر: الْمَادَّة / ١٦٩٤ / من الْمجلة) . تَنْبِيه: إِن قبُول الْحَاكِم الْبَيِّنَة وإلزام الْخصم بِمَا قَامَت عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ _ أَعنِي فِيمَا إِذا شهِدت الشُّهُود أَن الْعين كَانَت ملك الْمُدَّعِي، أَو شهِدت انه كَانَ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا _ إِنَّمَا هُوَ عمل بالاستصحاب، وَهُوَ عمل بِالظَّاهِرِ، وَالظَّاهِر يصلح حجَّة للدَّفْع لَا للاستحقاق، كَمَا تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَادَّة الْخَامِسَة: " الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ "، وَالْحكم بِهَذِهِ الشَّهَادَة حكم بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا بِالدفع فَيَنْبَغِي أَن لَا تقبل.

стр. 76

لَكِن نقل فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي أَوَائِل الْفَصْل الْحَادِي عشر، هَذَا الْإِشْكَال عَن صَاحب الْقنية وَأَنه أجَاب عَنهُ بِأَن فِي رد مثل هَذِه الْبَينَات حرجاً فَتقبل دفعا للْحَرج. انْتهى موضحاً. وَقد نقل فِي معِين الْحُكَّام، فِي الْبَاب الثَّامِن عشر مِنْهُ فِي الْقَضَاء بِغَلَبَة الظَّن، عَن الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي مَا لَفظه: " اعْلَم أَن قَول الْعلمَاء إِن الشَّهَادَة لَا تجوز إِلَّا بِالْعلمِ لَيْسَ على ظَاهره، فَإِن ظَاهره يَقْتَضِي أَنه لَا يجوز أَن يُؤَدِّي الشَّاهِد إِلَّا مَا هُوَ قَاطع بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل حَالَة الْأَدَاء دَائِما عِنْد الشَّاهِد الظَّن الضَّعِيف فِي كثير من الصُّور، بل المُرَاد بذلك أَن يكون أصل الْمدْرك علما فَقَط، فَلَو شهد بِقَبض الدّين جَازَ أَن يكون الَّذِي عَلَيْهِ الدّين قد دَفعه فَتجوز الشَّهَادَة عَلَيْهِ بالاستصحاب الَّذِي لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن الضَّعِيف، وَكَذَلِكَ الثّمن فِي البيع يشْهد بِهِ مَعَ احْتِمَال دَفعه، وَيشْهد فِي الْملك الْمَوْرُوث لوَارِثه مَعَ جَوَاز بَيْعه بعد أَن وَرثهُ، وَيشْهد بِالْإِجَارَة وَلُزُوم الْأُجْرَة مَعَ جَوَاز الْإِقَالَة بعد ذَلِك بِنَاء على الِاسْتِصْحَاب. والمحقق فِي هَذِه الصُّور كلهَا وَشبههَا إِنَّمَا هُوَ الظَّن الضَّعِيف، وَلَا يكَاد يُوجد مَا يبْقى فِيهِ الْعلم إِلَّا الْقَلِيل من الصُّور، مِنْهَا: النّسَب وَالْوَلَاء فَإِنَّهُ لَا يقبل النَّقْل فَيبقى الْعلم على حَاله، وَمِنْهَا: الْوَقْف إِذا حكم بِهِ حَاكم، أما إِذا لم يحكم بِهِ حَاكم فَإِن الشَّهَادَة إِنَّمَا فِيهَا الظَّن فَقَط، فَإِذا شهد بِأَن هَذِه الدَّار وقف احْتمل أَن يكون حَاكم حَنَفِيّ حكم بنقضه ". انْتهى. وَهُوَ كَلَام وجيه جدا مؤيد لجواب صَاحب الْقنية. (تَنْبِيه:) الشَّهَادَة بِالْيَدِ المنقضية لَا تقبل، وعَلى الْملك المنقضي تقبل، فَلَو ادّعى أحد على آخر بِأَن الْعين الَّتِي فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ كَانَت فِي يَد الْمُدَّعِي حَتَّى أَخذهَا ذَلِك مِنْهُ بِلَا حق فيطلب إِعَادَتهَا إِلَيْهِ، وَأقَام بَيِّنَة شهِدت بِأَنَّهَا كَانَت فِي يَده، لَا تقبل حَتَّى يشهدَا أَن الْمُدعى عَلَيْهِ أَخذهَا مِنْهُ بِلَا حق فَحِينَئِذٍ يقْضى بإعادتها إِلَيْهِ فَقَط، لَا بِالْملكِ، وَهَذَا يُسمى: قَضَاء ترك. وَإِنَّمَا لم تقبل الشَّهَادَة بِالْيَدِ المنقضية كَمَا قبلت على الْملك المنقضي لِأَنَّهَا

стр. 77

شَهَادَة بِمَجْهُول، وَالشَّهَادَة بِالْمَجْهُولِ لَا تقبل، وَذَلِكَ لِأَن أَنْوَاع وضع الْيَد كَثِيرَة، فقد تكون الْيَد يَد ملك أَو وَدِيعَة أَو إِجَارَة، وَيحْتَمل أَيْضا أَن الْعين كَانَت للْمُدَّعِي فاشتراها الْمُدعى عَلَيْهِ مِنْهُ، بِخِلَاف الْملك فَإِنَّهُ غير متنوع فَلذَلِك كَانَ الأَصْل أَن الشَّهَادَة بِالْملكِ المنقضي مَقْبُولَة لَا بِالْيَدِ المنقضية، حَتَّى لَو ثبتَتْ بِالْيَدِ المنقضية بِإِقْرَار الْخصم أَنَّهَا كَانَت فِي يَد الْمُدَّعِي أَو بِالْبَيِّنَةِ على الْإِقْرَار فَإِنَّهَا تعْتَبر وَيُؤمر الْمُدعى عَلَيْهِ بدفعها للْمُدَّعِي على الْوَجْه الْمُتَقَدّم، لِأَن الْإِقْرَار لَا تضره الْجَهَالَة. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، قبيل بَاب الشَّهَادَة على الشَّهَادَة، والمادة / ١٥٧٩ / من الْمجلة) . هَذَا كُله فِيمَا إِذا كَانَت الشَّهَادَة بِالْيَدِ المنقضية لشخص حَيّ، أما إِذا شَهدا بيد شخص ميت فَإِنَّهَا تقبل مُطلقًا وَإِن كَانَت غير منقضية، لِأَنَّهَا إِن كَانَت فِي الْوَاقِع يَد ملك فَالْأَمْر ظَاهر، وَإِن كَانَت يَد غير ملك فبموت من هِيَ فِي يَده مجهلاً، أَي من غير أَن يبين أَنَّهَا لَيست لَهُ، يملكهَا وَتَكون مَضْمُونَة لصَاحِبهَا فِي التَّرِكَة. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من الْمحل الْمَذْكُور) .

стр. 78

(الْقَاعِدَة الْعَاشِرَة (الْمَادَّة / ١١)) (" الأَصْل إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته ") (أَولا _ الشَّرْح) يَعْنِي أَنه إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي زمن حُدُوث أَمر فَحِينَئِذٍ ينْسب إِلَى أقرب الْأَوْقَات إِلَى الْحَال، مَا لم تثبت نسبته إِلَى زمن بعيد فَإِذا ثبتَتْ نسبته إِلَى الزَّمن الْبعيد يحكم بذلك، وَهَذَا إِذا كَانَ الْحُدُوث مُتَّفقا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي تَارِيخ حُدُوثه، كَمَا يفِيدهُ قَوْلهم فِي الْمَادَّة الْمَذْكُورَة: " يَعْنِي أَنه إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي زمن حُدُوث أَمر "، أما إِذا كَانَ الْحُدُوث غير مُتَّفق عَلَيْهِ بِأَن كَانَ الِاخْتِلَاف فِي أصل حُدُوث الشَّيْء وَقدمه، كَمَا لَو كَانَ فِي ملك أحدٍ مسيل لآخر وَوَقع بَينهمَا اخْتِلَاف فِي الْحُدُوث والقدم، فَادّعى صَاحب الدَّار حُدُوثه وَطلب رَفعه وَادّعى صَاحب المسيل قدمه، فَإِن القَوْل لمُدعِي الْقدَم، وَالْبَيِّنَة لمُدعِي الْحُدُوث، حَتَّى إِذا أَقَامَ كل مِنْهُمَا بَينته رجحت بَيِّنَة مدعي الْحُدُوث وَهُوَ صَاحب الدَّار. (ر: الْمَادَّة / ١٧٦٨ / من الْمجلة، ومرآة الْمجلة، نقلا عَن الْقنية) وَذَلِكَ لِأَن بَينته تثبت ولَايَة النَّقْض فَكَانَت أولى، أما مدعي الْقدَم فَهُوَ مُنكر متمسك بِالْأَصْلِ. (ر: تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية) . ثمَّ إِن الْوَجْه فِي كَون الأَصْل إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته هُوَ أَن الْخَصْمَيْنِ لما اتفقَا على حُدُوثه، وَادّعى أَحدهمَا حُدُوثه فِي وَقت وَادّعى الآخر حُدُوثه قبل ذَلِك الْوَقْت، فقد اتفقَا على أَنه كَانَ مَوْجُودا فِي الْوَقْت الْأَقْرَب، وَانْفَرَدَ أَحدهمَا بِدَعْوَى أَنه كَانَ مَوْجُودا قبل ذَلِك، وَالْآخر يُنكر دَعْوَاهُ، وَالْقَوْل للْمُنكر.

стр. 79

إِن اعْتِبَار هَذِه الْقَاعِدَة مُقَيّد بِأَن لَا يُؤَدِّي إِلَى نقض مَا هُوَ ثَابت مُقَرر، فقد نقل عَليّ حيدر أَفَنْدِي فِي شَرحه عَن الْفَتَاوَى الْوَلوالجِيَّة، فِي كتاب الدَّعْوَى مَا نَصه: " الأَصْل فِي الْحَوَادِث أَن يحكم بحدوثها لأَقْرَب مَا ظهر إِذا لم يتَضَمَّن الحكم بحدوثها للْحَال نقض مَا هُوَ ثَابت، لِأَن الحكم بحدوثها لأَقْرَب مَا ظهر ثَابت باستصحاب الْحَال لَا بِدَلِيل أوجب الْحُدُوث للْحَال، وَالثَّابِت باستصحاب الْحَال لَا يصلح لنقض مَا هُوَ ثَابت " وَنَظِير هَذَا مَا نَقله فِي رد الْمُحْتَار من بَاب الْمهْر، عَن الرحمتي عَن قاضيخان، عِنْد قَول الْمَتْن " وَهَذَا إِذا لم تسلم نَفسهَا ": إِن الظَّاهِر لَا يصلح حجَّة لإبطال مَا كَانَ ثَابتا. وستتضح فَائِدَة هَذَا الْقَيْد من مستثنيات هَذِه الْقَاعِدَة الَّتِي سنذكرها، لِأَن مُعظم تِلْكَ المستثنيات إِنَّمَا خرجت عَن هَذِه الْقَاعِدَة لِأَن تطبيقها عَلَيْهَا يسْتَلْزم نقض مَا هُوَ ثَابت متقرر. (ر: مَا سَيَأْتِي تَحت الْمَادَّة / ١٢ فِي التَّنْبِيه) . (ثَانِيًا _ التطبيق) يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة كثير من مسَائِل الطَّلَاق، وَالْمِيرَاث، وَالْإِقْرَار، وَالْهِبَة، وَالْبيع وفسخه، وَالْحجر، وَالْوكَالَة وَغَيرهَا. (أ) فَمن ذَلِك: مَا إِذا طلق رجل زَوجته طَلَاقا بَائِنا ثمَّ مَاتَ قبل أَن تَنْقَضِي عدتهَا، فادعت الزَّوْجَة أَنه أَبَانهَا وَهُوَ فِي مَرضه فَصَارَ بذلك فَارًّا فترث هِيَ مِنْهُ، وَقَالَ الْوَرَثَة: إِنَّه أَبَانهَا وَهُوَ فِي صِحَّته فَلم يكن فَارًّا فَلَا تَرث، فَإِن القَوْل فِي ذَلِك قَول الزَّوْجَة، وَالْبَيِّنَة على الْوَرَثَة، لِأَن الزَّوْجَة تضيف الْحَادِث، وَهُوَ الطَّلَاق، إِلَى أقرب الْأَوْقَات من الْحَال وَهُوَ زمن الْمَرَض. (ب) وَمِنْه مَا لَو مَاتَ رجل مُسلم وَله امْرَأَة نَصْرَانِيَّة فَجَاءَت امْرَأَته بعد مَوته مسلمة وَقَالَت: أسلمت قبل مَوته فَأَنا وارثة مِنْهُ، وَقَالَ الْوَرَثَة: إِنَّك أسلمت بعد مَوته فَلَا ترثين مِنْهُ لاخْتِلَاف دينيكما عِنْد مَوته، فَالْقَوْل للْوَرَثَة وَالْبَيِّنَة على الزَّوْجَة. (ر: مَا تقدم فِي بحث الِاسْتِصْحَاب من شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة) . (ج) وَمِنْه: مَا لَو أقرّ إِنْسَان لأحد ورثته بِعَين أَو دين ثمَّ مَاتَ فَاخْتلف

стр. 80

الْمقر لَهُ مَعَ الْوَرَثَة فَقَالَ الْمقر لَهُ: أقرّ لي فِي صِحَّته فالإقرار نَافِذ، وَقَالَ الْوَرَثَة: أقرّ لَك فِي مَرضه فالإقرار غير نَافِذ، فَإِن القَوْل للْوَرَثَة وَالْبَيِّنَة على الْمقر لَهُ. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر وحاشية الْحَمَوِيّ _ لكل مَا سبق) . وَكَذَا الحكم فِيمَا لَو وهب إِنْسَان شَيْئا لأحد ورثته ثمَّ مَاتَ فَاخْتلف الْمَوْهُوب لَهُ وَبَقِيَّة الْوَرَثَة على الْكَيْفِيَّة الْمَذْكُورَة (ر: الْمَادَّة / ١٧٦٦ / من الْمجلة) . (د) وَمِنْه: مَا لَو اشْترى إِنْسَان شَيْئا بِالْخِيَارِ ثمَّ بعد مُضِيّ مُدَّة الْخِيَار جَاءَ المُشْتَرِي ليَرُدهُ على البَائِع قَائِلا: إِنَّه فسخ قبل مُضِيّ مُدَّة الْخِيَار، وَقَالَ البَائِع: فسخت بعد مُضِيّ الْمدَّة فَلَا يَصح فسخك، فَإِن القَوْل قَول البَائِع، لإضافة الْفَسْخ إِلَى أقرب أوقاته من الْحَال (ر: دُرَر الْحُكَّام لعَلي حيدر أَفَنْدِي) . (هـ) وَمِنْه مَا لَو بَاعَ الْأَب مَال ابْنه بِحكم الْولَايَة ثمَّ اخْتلف المُشْتَرِي وَالِابْن فَقَالَ المُشْتَرِي: كَانَ ذَلِك قبل بلوغك وَالْبيع نَافِذ، وَقَالَ الابْن: كَانَ بعد بلوغي فَالْبيع غير نَافِذ، فَإِن القَوْل للِابْن على الْأَصَح (ر: جَامع أَحْكَام الصغار، من الْحَضَانَة، وتنقيح الْفَتَاوَى الحامدية من الحامدية) . وَكَذَا لَو قَالَ الْمَحْجُور: بِعْت وتصرفت بعد الْحجر عَليّ فتصرفي غير صَحِيح، وَقَالَ الْخصم: قبل الْحجر، فَالْقَوْل للمحجور وَالْبَيِّنَة على الْخصم. وَلَو أطلق من حجره فَاخْتلف مَعَ المُشْتَرِي فَقَالَ الْمَحْجُور: بِعْت مِنْك قبل فك الْحجر، وَقَالَ المُشْتَرِي: بعده، فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي. (ر: الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، من الْبَاب الثَّانِي من الْحجر نقلا عَن الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة) . (و) وَمِنْه: مَا لَو قَالَ الْوَكِيل بِالْبيعِ بعد عَزله: بِعْت وسلمت قبل الْعَزْل، وَقَالَ مُوكله: إِنَّك بِعْت وسلمت بعد الْعَزْل، وَكَانَ الْمَبِيع قَائِما غير مستهلك فَإِن القَوْل للْمُوكل الَّذِي يضيف الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته. وَأما إِذا كَانَ الْمَبِيع مُسْتَهْلكا فَإِن القَوْل للْوَكِيل. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر) وَتَكون الْمَسْأَلَة حِينَئِذٍ من جملَة المستثنيات. وَالْفرق بَين الْحَالَتَيْنِ أَنه فِي حَالَة هَلَاك الْمَبِيع يكون مَقْصُود الْمُوكل إِيجَاب

стр. 81

الضَّمَان فِي ذمَّة الْوَكِيل، وَالْوَكِيل يُنكر الضَّمَان فَالْقَوْل قَوْله، لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة. أما فِي حَالَة قيام الْمَبِيع فَإِن إِرَادَة التَّضْمِين غير مُمكنَة، وَإِنَّمَا يَدعِي الْوَكِيل حِينَئِذٍ انْتِقَال الْعين من ملك الْمُوكل إِلَى ملك الآخر المُشْتَرِي، وَالْمُوكل يُنكر الِانْتِقَال فَالْقَوْل قَوْله، لِأَن الِانْتِقَال من الْأُمُور الْعَارِضَة فَالْأَصْل عدمهَا. (ز) وَمِنْه: مَا لَو اشْترى إِنْسَان شَيْئا ثمَّ جَاءَ ليَرُدهُ بِعَيْب فِيهِ مُدعيًا أَنه كَانَ مَوْجُودا فِيهِ عِنْد البَائِع، وَقَالَ البَائِع: لَا بل حدث الْعَيْب عنْدك بعد الْقَبْض، وَكَانَ الْعَيْب مِمَّا يحدث مثله، فَإِن القَوْل قَول البَائِع وَالْبَيِّنَة على المُشْتَرِي. أما لَو كَانَ الْعَيْب مِمَّا لَا يحدث مثله كالإصبع الزَّائِدَة فِي العَبْد، وكالخيف فِي الْفرس - وَهُوَ أَن تكون إِحْدَى عَيْنَيْهِ سَوْدَاء وَالْأُخْرَى زرقاء - فَإِن البَائِع يلْزم بِهِ. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْبيُوع، بَاب خِيَار الْعَيْب) . (ثَالِثا: الْمُسْتَثْنى) خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: (أ) مِنْهَا: مَا لَو ادّعى الْأَجِير على الْحِفْظ أَن الْعين هَلَكت بعد تَمام الْمدَّة الْمَعْقُود عَلَيْهَا فَيسْتَحق كل الْأُجْرَة، وَقَالَ الْمُسْتَأْجر: هَلَكت قبل تَمام الْمدَّة بِكَذَا أَيَّامًا، فَالْقَوْل للْمُسْتَأْجر بِيَمِينِهِ (ر: حَاشِيَة الْحَمَوِيّ على الْأَشْبَاه والنظائر) وَذَلِكَ لِأَن من الْمُقَرّر الثَّابِت فرَاغ ذمَّة الْمُسْتَأْجر على الْحِفْظ من الْأُجْرَة، وَإِنَّمَا تثبت الْأُجْرَة فِي ذمَّته بِمِقْدَار الْمدَّة الَّتِي يُوجد فِيهَا الْحِفْظ من الْأَجِير فعلا، فَلَو جعل القَوْل للْأَجِير فِي حُدُوث هَلَاك الْعين بعد تَمام الْمدَّة بِنَاء على إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته يلْزم مِنْهُ نقض الْأَمر الثَّابِت المتقرر، وَهُوَ فرَاغ ذمَّة الْمُسْتَأْجر، لِأَنَّهُ لم يثبت بالمقدار الزَّائِد الَّذِي يَدعِيهِ الْأَجِير، وَإِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته إِنَّمَا تعْتَبر إِذا لم يؤد اعْتِبَارهَا إِلَى نقض مَا هُوَ ثَابت، كَمَا قدمْنَاهُ عَن الْفَتَاوَى الْوَلوالجِيَّة، فَكَانَ القَوْل قَول الْمُسْتَأْجر. وَلِأَن إِضَافَة الْحَادِث، وَهُوَ الْهَلَاك هُنَا، إِلَى أقرب الْأَوْقَات من قبيل الظَّاهِر، وَالظَّاهِر لَا يَكْفِي حجَّة للاستحقاق (ر: حَاشِيَة الْحَمَوِيّ على الْأَشْبَاه والنظائر، من الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة، نقلا عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ) .

стр. 82

(ب) وَمِنْهَا: الْفَرْع الْمُتَقَدّم آنِفا فِيمَا إِذا اخْتلف الْوَكِيل بِالْبيعِ مَعَ الْمُوكل فِي بيع الْوَكِيل الْعين قبل عَزله أَو بعده، وَكَانَت الْعين الْمَبِيعَة مستهلكة (ر: الْفَقْرَة / و / من تطبيقات هَذِه الْمَادَّة) . (ج) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى إِنْسَان شَيْئا ثمَّ جَاءَ ليَرُدهُ على البَائِع بِعَيْب فِيهِ بعد أَن كَانَ اسْتَعْملهُ اسْتِعْمَالا يُفِيد الرِّضَا بِهِ معيبا، فَقَالَ البَائِع لَهُ: إِنَّك استعملته بعد اطلاعك على الْعَيْب فَسقط حَقك فِي الرَّد، وَقَالَ المُشْتَرِي: إِنَّمَا استعملته قبل الِاطِّلَاع على الْعَيْب، فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ. فقد قَالَ فِي رد الْمُحْتَار، فِي كتاب الْبيُوع، فِي بَاب خِيَار الْعَيْب، قبيل قَول الْمَتْن " اسْتحق بعض الْمَبِيع " - نقلا عَن الْبَحْر الرَّائِق -: " لَو أَرَادَ المُشْتَرِي الرَّد وَلم يدع البَائِع عَلَيْهِ مسْقطًا للرَّدّ لم يحلف المُشْتَرِي " فقد أَفَادَ أَنه لَو ادّعى عَلَيْهِ البَائِع مسْقطًا فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ. وَوجه كَون القَوْل للْمُشْتَرِي فِي أَن اسْتِعْمَاله للْمَبِيع كَانَ قبل الِاطِّلَاع على الْعَيْب لَا بعده أَن خِيَار الْعَيْب فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة قد ثَبت للْمُشْتَرِي حِين الشِّرَاء لَا محَالة، فيتقرر بَقَاؤُهُ إِلَى أَن يُوجد الْمسْقط يَقِينا، لِأَن مَا ثَبت بِزَمَان فَالْأَصْل بَقَاؤُهُ حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه كَمَا تقدم فِي الْقَاعِدَة السَّابِقَة، فدعوى البَائِع سُقُوط الْخِيَار الثَّابِت للْمُشْتَرِي تكون على خلاف الأَصْل المتقرر، فَلَو حكمنَا بِأَن القَوْل قَوْله بِنَاء على إِضَافَة الْحَادِث لأَقْرَب أوقاته يلْزم مِنْهُ نقض ذَلِك الْأَمر الثَّابِت الَّذِي لم نتيقن بإزالته، فَلذَلِك كَانَ القَوْل للْمُشْتَرِي فِي بَقَاء خِيَاره. هَذَا، وَلَا يغْفل هُنَا عَن قَول أبي يُوسُف الْمُفْتِي بِهِ من أَنه لَا يقْضى لَهُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ إِلَّا بعد أَن يحلفهُ الْحَاكِم أَنه لم يرض بِالْعَيْبِ قولا أَو دلَالَة، وَإِن لم يدع عَلَيْهِ البَائِع أَنه رَضِي بِهِ وَلم يطْلب تَحْلِيفه، وَعَلِيهِ جرت الْمجلة فِي الْمَادَّة / ١٧٤٦ /. وَيظْهر من هَذِه الْفُرُوع أَن قَاعِدَة " إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته " إِذا تَعَارَضَت مَعَ قَاعِدَة " الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة " أَو " الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ ".

стр. 83

تتْرك " إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته " وَيعْمل بِهَاتَيْنِ القاعدتين دونهَا، لِأَنَّهُمَا أقوى. (د) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى إِنْسَان شَيْئا ثمَّ جَاءَ ليَرُدهُ على البَائِع بِخِيَار الرُّؤْيَة، فَقَالَ البَائِع لَهُ: إِنَّك رضيت بِالْمَبِيعِ بَعْدَمَا رَأَيْته فَسقط خيارك، وَقَالَ المُشْتَرِي: رضيت بِهِ قبل أَن أرَاهُ فَلم يسْقط خياري فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْبيُوع، من آخر خِيَار الرُّؤْيَة - عَن الْبَحْر الرَّائِق - عِنْد قَول الْمَتْن " كَمَا لَو اخْتلفَا فِي أصل الرُّؤْيَة ") . (هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو مَاتَ ذمِّي فَجَاءَت امْرَأَته مسلمة وَقَالَت: إِنَّنِي أسلمت بعد مَوته فأرث، وَقَالَ الْوَرَثَة: إِنَّك أسلمت قبل مَوته فَلَا إِرْث لَك، فَالْقَوْل لَهُم، مَعَ أَن إِسْلَام الزَّوْجَة أَمر حَادث، وَهِي تضيفه إِلَى أقرب أوقاته وَهُوَ مَا بعد موت الزَّوْج، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا اعْترفت بِسَبَب الحرمان من الْإِرْث، وَهُوَ اخْتِلَاف الدينَيْنِ، وتمسكت بِالظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ إِضَافَته إِلَى أقرب الْأَوْقَات لكَي تسْتَحقّ الْإِرْث بذلك، وَالظَّاهِر لَا يَكْفِي حجَّة للاستحقاق (ر: الْأَشْبَاه والنظائر - مَعَ زِيَادَة إِيضَاح) . وَلَا يرد على هَذَا مَا تقدم تفريعه على هَذِه الْقَاعِدَة، من أَن امْرَأَة الْمَيِّت إِذا ادَّعَت أَنه أَبَانهَا فِي مرض مَوته، وَقَالَ الْوَرَثَة: فِي صِحَّته، فَالْقَوْل قَول الزَّوْجَة وتستحق الْإِرْث، فَلَا يُقَال: كَيفَ اسْتحقَّت الْإِرْث هُنَا بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ إضافتها الْبَيْنُونَة الْحَادِثَة إِلَى أقرب الْأَوْقَات الَّذِي هُوَ زمن الْمَرَض؟ فَإِن بَينهمَا فرقا، وَذَلِكَ أَن امْرَأَة الذِّمِّيّ اعْترفت باخْتلَاف الدينَيْنِ، وَاخْتِلَاف الدينَيْنِ مَانع من الْإِرْث، وَلَا يجْتَمع مَعَه فِي حَال بِيَقِين، فتمسكها بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ إِضَافَته إِلَى مَا بعد الْمَوْت، يلْزم مِنْهُ نقض ذَلِك الْيَقِين الثَّابِت. وَأما مَسْأَلَة المبانة فعلى الْعَكْس، لِأَن إرثها بِسَبَب الزَّوْجِيَّة ثَابت بِيَقِين، والبينونة لَا تجانب الْإِرْث فِي جَمِيع الْأَحْوَال بل تَجْتَمِع مَعَه فِي حَال دون حَال، فَإِن إبانة الزَّوْج زَوجته فِي مرض مَوته لَا يمْنَع الزَّوْجَة من الْإِرْث، وَهِي إِنَّمَا اعْترفت بِوُجُود الْبَيْنُونَة الَّتِي لَا تمنع من الْإِرْث لحصولها فِي الْمَرَض، وَأما احْتِمَال كَون

стр. 84

الْبَيْنُونَة صدرت من الزَّوْج فِي زمن الصِّحَّة الْأَبْعَد فَلَيْسَ إِلَّا مُجَرّد شكّ، وإرثها بِالزَّوْجِيَّةِ ثَابت بِيَقِين فَلَا يَزُول بِهَذَا الشَّك بل يبْقى إِلَى أَن يقوم دَلِيل أقوى على خِلَافه. (و) وَمِنْهَا: مَا لَو تزوج رجل بِامْرَأَة ثمَّ جَاءَت بِولد وَاخْتلفَا، فَقَالَ الزَّوْج: إِنَّك ولدت قبل أَن يتم لعقد النِّكَاح سِتَّة أشهر فَالْوَلَد لَيْسَ بِثَابِت النّسَب مني، وَقَالَت الزَّوْجَة: ولدت بعد أَن تمّ للْعقد سِتَّة أشهر فَالْوَلَد ثَابت النّسَب مِنْك، فَالْقَوْل قَول الزَّوْجَة بِيَمِينِهَا. وَلَو أَرَادَ الزَّوْج أَن يُقيم بَيِّنَة على دَعْوَاهُ لَا تقبل أَيْضا، لِأَن بَينته تقوم فِي الْمَعْنى على النَّفْي، وَهُوَ عدم تَمام سِتَّة أشهر من حِين العقد إِلَى حِين الْولادَة، وَالْبَيِّنَة على النَّفْي لَا تقبل (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، والدرر وحاشية الشُّرُنْبُلَالِيّ عَلَيْهِ من بَاب ثُبُوت النّسَب، وَمَا سَيَأْتِي تَحت الْمَادَّة / ٧٧ / من المحلات الَّتِي تقبل فِيهَا الْبَيِّنَة على النَّفْي) . (ز) وَمِنْهَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل السَّادِس عشر: شرى دَارا فاستحقت عرصتها وَنقض الْبناء فَادّعى بِقِيمَتِه على بَائِعه، فاختلفا فِيهِ فَقَالَ البَائِع: بعتها مَبْنِيَّة، وَقَالَ المُشْتَرِي: أَنا بنيتها - أَي بعد الشِّرَاء - ولي الرُّجُوع، فَالْقَوْل للْبَائِع. (انْتهى موضحاً) فقد جعل القَوْل قَول البَائِع مَعَ أَنه يضيف الْحَادِث، وَهُوَ الْبناء، إِلَى أبعد الْأَوْقَات، وَهُوَ مَا قبل البيع. (ح) وَمِنْهَا: مَا لَو دفع لآخر ألفا مثلا ليَشْتَرِي لَهُ شَيْئا بِعَيْنِه، فَاشْتَرَاهُ وَهَلَكت الدَّرَاهِم فِي يَده، ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ الْآمِر: هَلَكت قبل الشِّرَاء، أَي وَبَطلَت الْوكَالَة بهلاكها، فَوَقع الشِّرَاء للْوَكِيل، وَقَالَ الْمَأْمُور: هَلَكت بعد الشِّرَاء، أَي فَيكون الشِّرَاء للْآمِر، وَيكون للْمَأْمُور الرُّجُوع عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا، فَالْقَوْل للْآمِر بِيَمِينِهِ (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، أول الْفَصْل السَّابِع عشر، صفحة / ٢٢٨ و ٢٢٩ / موضحاً) .

стр. 85

صفحة فارغة.

стр. 86

(الْقَاعِدَة الْحَادِيَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٢)) (الأَصْل فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة) (أَولا: الشَّرْح) " الأَصْل فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة " وَالْمجَاز فرع فِيهِ وَخلف عَنْهَا، ولكونها أصلا قدمت على الْمجَاز وَكَانَ الْعَمَل بهَا أولى من الْعَمَل بِهِ، مَا لم يُوجد مُرَجّح لَهُ فيصار إِلَيْهِ. الْحَقِيقَة فِي اللُّغَة من حق الشَّيْء إِذا ثَبت، وَهِي فعيلة بِمَعْنى فاعلة. وَهِي فِي الِاصْطِلَاح: الْكَلِمَة المستعملة فِيمَا وضعت لَهُ فِي اصْطِلَاح التخاطب، كاستعمال لَفْظَة الْقَتْل مثلا فِي إزهاق الرّوح، فَإِنَّهُ حَقِيقَة لاستعماله فِي الْمَعْنى الوضعي لَهُ، وكاستعمال لفظ الْوَصِيَّة مثلا عِنْد أهل الشَّرْع فِي التَّمْلِيك الْمُضَاف لما بعد الْمَوْت، فَإِنَّهُ حَقِيقَة أَيْضا بِالنِّسْبَةِ لاصطلاحهم وتخاطبهم. وَالْمجَاز: هُوَ اسْتِعْمَال الْكَلِمَة فِي غير مَا وضعت لَهُ لقَرِينَة (ر: تعريفات السَّيِّد) ، وَذَلِكَ كاستعمال لَفْظَة الْقَتْل الْمَذْكُورَة فِي الإيلام، وَاسْتِعْمَال لَفْظَة الْوَصِيَّة عِنْد أهل الشَّرْع فِي الْعَهْد الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، فَإِن كلا مِنْهُمَا مجَاز، لاستعمال الأول فِي غير مَا وضع لَهُ لُغَة وَاسْتِعْمَال الثَّانِي فِي غير مَا وضع لَهُ اصْطِلَاحا. المُرَاد بِهَذِهِ الْقَاعِدَة أَنه إِذا كَانَ للفظ مَعْنيانِ متساوٍ اسْتِعْمَالهَا، معنى حَقِيقِيّ وَمعنى مجازي، وَورد مُجَردا عَن مُرَجّح يرجح أحد الْمَعْنيين على الآخر

стр. 87

يُرَاد بِهِ حينئذٍ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَا الْمجَازِي، لِأَن الْمجَاز، كَمَا قُلْنَا أَولا، خلف عَن الْحَقِيقَة، فترجح هِيَ عَلَيْهِ فِي نَفسهَا. وَذَلِكَ كلفظة النِّكَاح، فَإِنَّهَا حَقِيقَة فِي الْوَطْء مجَاز فِي العقد، وَقد تساوى استعمالهما فيهمَا، فَإِذا جَاءَ مُجَردا عَن مُرَجّح يرجح أحد الْمَعْنيين على الآخر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء﴾ ترجحت الْحَقِيقَة، لِأَنَّهَا الأَصْل وَلم يُوجد صَارف عَنْهَا إِلَى الْمجَاز فَتكون حُرْمَة مَوْطُوءَة الْأَب ثَابِتَة بِالنَّصِّ، وَأما حُرْمَة من عقد عَلَيْهَا الْأَب عقدا صَحِيحا وَلم يدْخل بهَا فثابتة بِالْإِجْمَاع. وَإِذا قدمت الْحَقِيقَة على الْمجَاز عِنْد تساويهما فِي الِاسْتِعْمَال كَانَ تَقْدِيمهَا حِين تكون هِيَ أَكثر اسْتِعْمَالا بِالْأولَى. أما إِذا وجد مُرَجّح للمجاز فَلَا شكّ فِي تَقْدِيمه على الْحَقِيقَة، كَمَا فِي قَول الْأَعْشَى: (فَلَا تقربن جَارة إِن سرها ... عَلَيْك حرَام فانكحن أَو تأبدا) فَإِن المُرَاد الْمَعْنى الْمجَازِي وَهُوَ العقد، والقرينة فِيهِ صدر الْبَيْت. وَقد تتحتم الْحَقِيقَة لِاسْتِحَالَة الْمَعْنى الْمجَازِي، كَمَا فِي قَول الفرزدق: (إِذا سقى الله قوما صوب غادية ... فَلَا سقى الله أهل الْكُوفَة المطرا) (التاركين على طهر نِسَاءَهُمْ ... والناكحين بشطي دجلة البقرا) وكما يُصَار إِلَى الْمجَاز عِنْد وجود مُرَجّح لَهُ على الْحَقِيقَة يُصَار إِلَيْهِ أَيْضا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، أَو تعسرها، أَو مُعَارضَة الْعرف وَالْعَادَة لَهَا. أما تعذرها فَإِنَّهُ يكون إِمَّا باستحالتها لعدم وجود فَرد لَهَا فِي الْخَارِج، كَمَا لَو وقف على أَوْلَاده وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أحفاد، فَإِنَّهُ يصرف إِلَيْهِم لأَنهم أَوْلَاده مجَازًا. فَإِذا ولد لَهُ ولد صلبي يصرف إِلَيْهِ تَقْدِيمًا للْحَقِيقَة. وَإِمَّا بِكَوْنِهَا غير جَائِزَة شرعا، كَالْوكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ فَإِنَّهَا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ غير جَائِزَة شرعا. لِأَن

стр. 88

مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ هُوَ الْمُنَازعَة، والمنازعة مَنْهِيّ عَنْهَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تنازعوا﴾ فَتحمل على الْمَعْنى الْمجَازِي لَهَا وَهُوَ إِعْطَاء الْجَواب. وَأما تعسرها فَإِنَّهُ يكون بِعَدَمِ حُصُولهَا إِلَّا بِمَشَقَّة. كَمَا سَيَأْتِي تَوْضِيحه فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ٦١ /. وَأما مُخَالفَة الْعرف وَالْعَادَة لَهَا فَسَيَأْتِي فِي الْكَلَام على الْمَادَّة الموفية أَرْبَعِينَ. وَأما إِذا كَانَ الْمَعْنى الْمجَازِي أَكثر اسْتِعْمَالا من الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ فَالْعَمَل بالمجاز على وَجه عَام يَجْعَل الْحَقِيقَة فَردا من أَفْرَاده أولى عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى، تَرْجِيحا بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يريدونه من لَفْظَة (عُمُوم الْمجَاز) . وَعند أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ، وَالْحَالة هَذِه، أولى أَيْضا، لِأَنَّهَا الأَصْل فَمَا دَامَت مستعملة لَا يعدل عَنْهَا وَإِن قل اسْتِعْمَالهَا. وَذَلِكَ كَمَا لَو حلف بِطَلَاق امْرَأَته على أَن لَا يَأْكُل من هَذِه الْحِنْطَة، أَو على أَن لَا يَأْكُل من هَذِه الْغنم، وَكَانَت مقتناة للدر والنسل، فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ الْأكل من عين الْحِنْطَة أَو الْغنم، مُسْتَعْمل، وَلَكِن الْمَعْنى الْمجَازِي، وَهُوَ الْأكل مِمَّا يخرج مِنْهُمَا، أَكثر اسْتِعْمَالا. فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَقع الطَّلَاق على الْحَالِف إِلَّا بِالْأَكْلِ من عينهَا لِأَنَّهُ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، وَعِنْدَهُمَا يَقع عَلَيْهِ بِالْأَكْلِ من عينهما وبالأكل مِمَّا يخرج مِنْهُمَا، وَذَلِكَ بِأَن يُرَاد بِمَا يَقع عَلَيْهِ الْأكل مِنْهُمَا معنى أَعم تكون الْحَقِيقَة فَردا من جملَة أَفْرَاده، كَأَن يُرَاد لَا يُوقع فعل الْأكل على شَيْء حَاصِل من هَذِه الْعين مثلا. (ثَانِيًا _ التطبيق) مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة:

стр. 89

(أ) مَا لَو أوصى أَو وقف على أَوْلَاد أَوْلَاده، دخل أَوْلَاد الْبَنَات على الرَّاجِح، لِأَن ولد بنت الْإِنْسَان ولد وَلَده حَقِيقَة. (ب) وَمِنْه مَا لَو حلف بِطَلَاق زَوجته أَن لَا يفعل الشَّيْء الْفُلَانِيّ، فَوكل غَيره فَفعله الْوَكِيل لَا يَحْنَث إِذا كَانَ فعل ذَلِك الشَّيْء لَا يقبل التَّوْكِيل بِهِ أصلا، أَو كَانَ يقبل التَّوْكِيل وَلكنه كَانَ من الْأَفْعَال الَّتِي لَا يلْزم الْوَكِيل حِين فعله لَهَا أَن يضيفها إِلَى الْمُوكل. وَبَيَان ذَلِك أَن الْأَفْعَال بِالنِّسْبَةِ لقبُول التَّوْكِيل وَعَدَمه على نَوْعَيْنِ: (١) نوع مِنْهَا يقبل التَّوْكِيل، (٢) وَنَوع مِنْهَا لَا يقبله. أَولا _ أما الْأَفْعَال الَّتِي لَا تقبل التَّوْكِيل أصلا فَهِيَ الْأَفْعَال الحسية، كَالْأَكْلِ وَالشرب وَالدُّخُول وَالْخُرُوج وَالنَّوْم وَمَا شاكلها. فَلَو حلف على عدم فعل شَيْء من هَذِه الْأَفْعَال فَأمر غَيره فَفعل لَا يَحْنَث لعدم صِحَة أمره بهَا، وَإِذا لم يَصح أمره بهَا لَا يُمكن أَن يعْتَبر فَاعِلا الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، إِذْ لَا يُمكن أَن يعْتَبر أكل غَيره مثلا أَو دُخُوله أَو خُرُوجه أَو نَحْو ذَلِك من الْأَفْعَال الحسية وَاقعا عَنهُ أصلا، فَلَا يَحْنَث فِي شَيْء مِنْهَا إِلَّا أَن يفعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ بِنَفسِهِ. ثَانِيًا _ وَأما الْأَفْعَال الَّتِي تقبل التَّوْكِيل فَهِيَ على نَوْعَيْنِ أَيْضا: (١) نوع مِنْهَا يجب على الْوَكِيل لأجل وُقُوعه عَن الْمُوكل أَن يضيفه إِلَى مُوكله، (٢) وَنَوع مِنْهَا لَا يجب على الْوَكِيل إِضَافَته إِلَيْهِ، بل يَقع عَنهُ وَينفذ عَلَيْهِ وَإِن لم يضفه إِلَيْهِ. ١ - فَالَّذِي يَقع عَن الْمُوكل وَينفذ عَلَيْهِ من التَّصَرُّفَات بِدُونِ إِضَافَة إِلَيْهِ سَبْعَة، هِيَ: البيع، وَالشِّرَاء، والإيجار، والاستئجار، وَالْقِسْمَة، وَالْخُصُومَة، وَالصُّلْح عَن مَال بِمَال، فَلَو حلف على شَيْء مِنْهَا أَنه لَا يَفْعَله، وَكَانَ مِمَّن يُبَاشر هَذِه التَّصَرُّفَات بِنَفسِهِ، فَأمر أَو وكل غَيره فَفعل عَنهُ لَا يَحْنَث، وَذَلِكَ لِأَن هَذِه الْعُقُود يَسْتَغْنِي الْمَأْمُور فِيهَا عَن إضافتها إِلَى آمره ويضيفها إِلَيّ نَفسه فَيَقُول: بِعْت أَو اشْتريت أَو آجرت ... الخ. وَلَا يلْزمه لأجل أَن تقع عَن الْمُوكل أَن يَقُول: بَاعَ موكلي أَو بِعْت عَن موكلي، أَو اشْترى موكلي أَو اشْتريت عَن موكلي

стр. 90

أَو لموكلي ... الخ. وَكَذَلِكَ وَكيل الْخُصُومَة يقر أَو يُنكر أَو يَأْتِي بِالدفع وَيَقَع ذَلِك عَن مُوكله بِدُونِ أَن يضيفه إِلَيْهِ سَوَاء كَانَ مُدعيًا أَو مدعى عَلَيْهِ. فَإِذا كَانَ الْحَالِف مِمَّن يُبَاشر هَذِه الْعُقُود بِنَفسِهِ لم يكن هُنَاكَ مُرَجّح للمجاز فتصرف الْيَمين إِلَى الْحَقِيقَة، وَهِي فعله بِنَفسِهِ، وَلم يُوجد فَلَا يَحْنَث، لِأَن الْفَاعِل حَقِيقَة غَيره، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْمَعْهُود من حَال الْحَالِف أَن لَا يُبَاشر هَذِه الْأَعْمَال بِنَفسِهِ فَإِن ذَلِك مِنْهُ قرينَة على تَرْجِيح الْمجَاز، وَهُوَ إِرَادَة مَا يَشْمَل فعل نَائِبه، فَيحنث حينئذٍ بِفعل وَكيله كَمَا يَحْنَث بِفعل نَفسه. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لما عدا الصُّلْح من التَّصَرُّفَات السِّتَّة الْمَذْكُورَة جَار على إِطْلَاقه، وَأما فِي الصُّلْح فَإِنَّهُ يشْتَرط أَن يكون فِيهِ معنى أحد عُقُود الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة، كَالْبيع وَالْإِجَارَة، فَإِذا وجد معنى أَحدهمَا فِيهِ كَانَ فِي حكمهَا، إِذْ الصُّلْح يعْتَبر بأقرب الْعُقُود إِلَيْهِ وَحكمهَا _ أَي عُقُود الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة _ كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا حكما للمسائل السِّت، من أَن الْحَالِف إِذا كَانَ مِمَّن يُبَاشر الْعُقُود بِنَفسِهِ لَا يَحْنَث بِفعل وَكيله وَإِلَّا فَيحنث، وَإِن الصُّور الَّتِي يكون الصُّلْح بِمَعْنى أحد عُقُود الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة تعلم مِمَّا كتبناه فِي شَأْن الصُّلْح تَحت الْقَاعِدَة الثَّانِيَة فَليرْجع إِلَيْهِ. ٢ - وَأما الَّذِي لَا يَقع عَن الْمُوكل وَلَا ينفذ عَلَيْهِ من الْأَفْعَال الَّتِي تقبل التَّوْكِيل إِلَّا إِذا أَضَافَهُ الْوَكِيل إِلَيْهِ حِين يَفْعَله فَهِيَ مَا عدا هَذِه السَّبْعَة الْمَذْكُورَة من التَّصَرُّفَات الَّتِي تقبل التَّوْكِيل، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاق وَالْإِبْرَاء وَالصُّلْح عَن دم الْعمد وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة والإيداع والإعارة وَمَا شاكلها. وَحكمهَا أَنه يَحْنَث الْحَالِف فِيهَا بِفِعْلِهِ وَفعل وَكيله، فَلَو حلف بِالطَّلَاق لَا يتَزَوَّج مثلا فَوكل آخر فَزَوجهُ حنث، وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الْمَذْكُورَات، وَذَلِكَ لِأَن الْوَكِيل فِيهَا سفير ومعبر عَن الْمُوكل وناقل لعبارته، وَلذَا لَا تتَعَلَّق حُقُوق هَذِه التَّصَرُّفَات بِهِ بل بالموكل، فَاعْتبر الْمُوكل فَاعِلا لَهَا فَيحنث. وَالْحَاصِل: أَن من حلف لَا يفعل أمرا فَوكل غَيره فَفعله لَا يَحْنَث فِي ثَمَانِيَة محلات، السَّبْعَة الْمَذْكُورَة الَّتِي هِيَ البيع وَمَا عطف عَلَيْهِ، وَالثَّامِن

стр. 91

مَا لَا يقبل التَّوْكِيل من الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة وَنَحْوهَا. وَيحنث فِيمَا عدا هَذِه الثَّمَانِية بِفِعْلِهِ وَفعل وَكيله. وَقد نظم بَعضهم مَا لَا يَحْنَث فِيهِ بِفعل وَكيله فَقَالَ: (بِفعل وَكيل لَيْسَ يَحْنَث حَالف ... بِبيع شِرَاء صلح مَال خُصُومَة) (إِجَارَة اسْتِئْجَار الضَّرْب لِابْنِهِ ... كَذَا قسمه والحنث فِي غَيرهَا اثْبتْ) وَمرَاده بِالضَّرْبِ لِابْنِهِ الْإِشَارَة إِلَى كل مَا لَا يقبل التَّوْكِيل والاستنابة من الْأَفْعَال، وَلذَا قَالُوا إِن مُرَاده بالابن الْوَلَد الْكَبِير فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يَصح أَمر الْأَب بضربه لانْقِطَاع ولَايَته عَنهُ بِالْبُلُوغِ، وَإِذا لم يَصح أمره لَا يَقع فعل الْمَأْمُور عَنهُ فَلَا يَحْنَث (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من بَاب الْيَمين فِي البيع وَالشِّرَاء، وَمن بَاب الْحلف على القَوْل من الدُّرَر وَغَيره من كتب الْمَذْهَب _ لكل هَذِه الْأَحْكَام) لَكِن نقل فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة من الْحَضَانَة عَن الْإِسْبِيجَابِيّ أَن للْأَب أَن يُؤَدب وَلَده الْبَالِغ إِذا وَقع مِنْهُ شَيْء فَلْيتَأَمَّل. وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ يملك تأديبه بِحكم حق الْأُبُوَّة وَوُجُوب الطَّاعَة، لَا يحكم الْولَايَة فَإِنَّهَا مُنْقَطِعَة. (تَنْبِيه:) لَا يخفى أَن كَون الْحَقِيقَة تقدم على الْمجَاز عِنْد التَّسَاوِي فِي الِاسْتِعْمَال لَيْسَ من الْأَدِلَّة القوية الَّتِي يرفع لَهَا مَا كَانَ ثَابتا ومتقرراً، بل هُوَ مسَاوٍ فِي الْقُوَّة للظَّاهِر الَّذِي يسْتَأْنس بِهِ ليترجح أحد الِاحْتِمَالَيْنِ المتساويين على الآخر، (ر: مَا تقدم فِي الْكَلَام على الْمَادَّة الثَّامِنَة) . فَإِذا كَانَ تَقْدِيم الْحَقِيقَة على الْمجَاز يُؤَدِّي إِلَى رفع مَا هُوَ ثَابت ومتقرر يتَرَجَّح الْمجَاز الَّذِي لَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِك حِينَئِذٍ على الْحَقِيقَة، فقد قدمنَا تَحت الْمَادَّة السَّابِقَة عَن الرحمتي عَن قاضيخان مَا لَفظه: " إِن الظَّاهِر لَا يصلح حجَّة لإبطال مَا كَانَ ثَابتا ". وَلِهَذَا شرطت نِيَّة الْهِبَة فِي منحتك ثوبي هَذَا وحملتك على دَابَّتي هَذِه ليَكُون تَمْلِيكًا، وَبِدُون نِيَّة الْهِبَة يكون عَارِية، مَعَ أَن كلا اللَّفْظَيْنِ حَقِيقَة فِي

стр. 92

تمْلِيك الْعين عرفا مجَاز فِي تمْلِيك الْمَنْفَعَة عَارِية (ر: الدُّرَر، من أَوَائِل كتاب الْعَارِية) . وَقَالَ صَاحب الدُّرَر فِي تَعْلِيله _ بعد كَلَام _: " لِأَن الْحَقِيقَة إِنَّمَا ترَاد بِاللَّفْظِ بِلَا قرينَة إِذا لم يعارضها مجَاز مُسْتَعْمل، فَإِن النِّيَّة إِذا انْتَفَت كَانَ الْمَعْنى الْعرفِيّ واللغوي الْمُسْتَعْمل متساويين فِي الْإِرَادَة، فَيجب حمل اللَّفْظ على الْأَدْنَى لِئَلَّا يلْزم الْأَعْلَى بِالشَّكِّ ". وتعليله هَذَا هُوَ بِمَعْنى مَا قدمْنَاهُ من تَرْجِيح الْمجَاز إِذا لزم من تَقْدِيم الْحَقِيقَة رفع أَمر متقرر ثَابت فَإِن الْأَمر الْأَعْلَى الَّذِي احْتَرز عَن لُزُومه بقوله " لِئَلَّا يلْزم الْأَعْلَى بِالشَّكِّ " هُوَ الْأَمر المتقرر الثَّابِت بِعَيْنِه، وَهُوَ ملك صَاحب الثَّوْب وَالدَّابَّة، فَإِن ملكه ثَابت ومتقرر فيهمَا فَلَا يرْتَفع بِدَلِيل فِيهِ شكّ وَاحْتِمَال وَإِن كَانَ مُسْتَعْملا فِي حَقِيقَة، حَيْثُ زاحمها الْمجَاز الْمسَاوِي لَهَا فِي الِاسْتِعْمَال، وَهُوَ احْتِمَال إِرَادَة معنى تمْلِيك الْمَنْفَعَة عَارِية دون الْعين. وعَلى هَذَا يتَخَرَّج مَا ذَكرُوهُ من أَن البيع لَا ينْعَقد بِلَفْظ الْمُضَارع كأبيع إِلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ أَن الْأَصَح أَنه حَقِيقَة فِي الْحَال، وَذَلِكَ لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله فِي الِاسْتِقْبَال (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من أَوَائِل الْبيُوع) فقد قدم فِيهِ الْمَعْنى الْمجَازِي، وَهُوَ الْوَعْد، على الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ تَنْجِيز البيع فِي الْحَال، لِأَن تَقْدِيم الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ فِيهِ يلْزم مِنْهُ رفع الْأَمر الثَّابِت المتقرر، وَهُوَ ملك البَائِع، بِدَلِيل فِيهِ شكّ وَاحْتِمَال، وَهُوَ غير جَائِز وَإِن كَانَ مُسْتَعْملا فِي حَقِيقَة بعد أَن زاحمها الْمَعْنى الْمجَازِي الْمُسْتَعْمل وَلزِمَ من تَقْدِيمهَا رفع الْأَمر الثَّابِت المتقرر الْمَذْكُور. (تَنْبِيه آخر:) الأولى وضع هَذِه الْمَادَّة عقب الْمَادَّة الموفية سِتِّينَ، لتَكون هِيَ والمادة / ٦١ و ٦٢ / بِمَنْزِلَة الْبَيَان وَالتَّفْصِيل لما أجمل فِي تِلْكَ.

стр. 93

((صفحة فارغة))

стр. 94

(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٣)) (" لَا عِبْرَة بِالدّلَالَةِ فِي مُقَابلَة التَّصْرِيح ") (أَولا _ الشَّرْح) " لَا عِبْرَة بِالدّلَالَةِ فِي مُقَابلَة التَّصْرِيح " لِأَنَّهَا دونه فِي الإفادة وَهُوَ فَوْقهَا. وَالدّلَالَة بِفَتْح الدَّال فِي المعقولات، وبكسرها فِي المحسوسات. وَهِي: كَون الشَّيْء بِحَال يُفِيد الْغَيْر علما. وَتَكون لفظية وَغير لفظية، وكل مِنْهُمَا ثَلَاثَة أَقسَام: وضعية، وعقلية، وطبيعية، فاللفظية الوضعية: كدلالة الْأَلْفَاظ على مَا وضعت لَهُ. واللفظية الْعَقْلِيَّة: كدلالة اللَّفْظ على وجود اللافظ. واللفظية الطبيعية: كدلالة (أح) على وجع الصَّدْر و (أَخ) على مُطلق الوجع. وَغير اللفظية الوضعية: كدلالة الدوال الْأَرْبَع على مدلولاتها. وَغير اللفظية الْعَقْلِيَّة: كدلالة المصنوعات على وجود الصَّانِع. وَغير اللفظية الطبيعية: كدلالة الْحمرَة على الخجل والصفرة على الوجل. وَالظَّاهِر أَن الدّلَالَة الوضعية اللفظية وَالدّلَالَة الْعَقْلِيَّة بقسميها اللَّفْظِيّ وَغَيره غير مرادتين فِي الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة، لِأَن اللفظية الوضعية هِيَ التَّصْرِيح الَّذِي تلغى الدّلَالَة بمقابله، وَلِأَن الْعَقْلِيَّة بقسميها إِذا لم نقل إِنَّهَا فَوق التَّصْرِيح فَلَيْسَتْ دونه. فَيبقى المُرَاد حِينَئِذٍ بالقاعدة الْمَذْكُورَة دلالات ثَلَاثًا، وَهِي: اللفظية الطبيعية، وَغير اللفظية الوضعية، وَغير اللفظية الطبيعية.

стр. 95

فَالْأولى: كَمَا إِذا قبل التهنئة بعد تَزْوِيج الْفُضُولِيّ لَهُ كَانَ ذَلِك إجَازَة مِنْهُ للْعقد طبعا وَلَكِن إِذا كَانَ وَقع رده قبل ذَلِك صَرِيحًا ارْتَدَّ. وَالثَّانيَِة: مثل المحاريب والأعلام والأميال والحفر والأغلاق والستور الَّتِي تتَّخذ وتنصب بِإِزَاءِ ملك الْغَيْر من أَرض أَو بُسْتَان أَو حَانُوت لتدل على الْإِذْن بِالدُّخُولِ أَو على عَدمه، فَإِنَّهَا تعْتَبر ويعتمد عَلَيْهَا وَلَكِن إِذا وجد التَّصْرِيح بِخِلَافِهَا تلغى تِلْكَ الدّلَالَة. وَالثَّالِثَة: مثل دلَالَة ضحك الْبكر بِلَا استهزاء عِنْدَمَا بلغَهَا خبر تَزْوِيج الْوَلِيّ فَإِنَّهُ يعْتَبر إجَازَة لَكِن إِذا وجد قبله أَو مَعَه تَصْرِيح بِالرَّدِّ تلغى تِلْكَ الدّلَالَة. (ثَانِيًا _ التطبيق) يتَفَرَّع على تِلْكَ الْقَاعِدَة مسَائِل كَثِيرَة: (أ) مِنْهَا: أَنه يسْتَدلّ على مصارف الْوَقْف بتعامل القوام السَّابِقين، وَلَكِن إِذا وجد كتاب الْوَاقِف الموثوق بِهِ فَلَا عِبْرَة بتعامل القوام على خِلَافه. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، وتنقيح الْفَتَاوَى الحامدية، من كتاب الْوَقْف) . (ب) وَمِنْهَا: مَا إِذا بَاعَ عقارا بيعا صَحِيحا شَرْعِيًّا، ثمَّ ادّعى أَن البيع كَانَ وَفَاء، وَقَالَ المُشْتَرِي إِنَّه بَات قَطْعِيّ، ينظر: فَإِن كَانَ هُنَاكَ دلَالَة على الْوَفَاء ككون الثّمن دون ثمن الْمثل بِغَبن فَاحش تسمع دَعْوَى الْوَفَاء من البَائِع وَيكون القَوْل قَوْله. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، قبيل الْكفَالَة) . وَلَكِن إِذا وجد التَّصْرِيح بالبتات فَلَا يعْمل بِتِلْكَ الدّلَالَة، وَلَا تسمع دَعْوَى الْوَفَاء حِينَئِذٍ. (ر: الْمَادَّة / ١٦٥٨ / من الْمجلة) . (ج) وَمِنْهَا: مَا إِذا قبض المُشْتَرِي الْمَبِيع قبل نقد الثّمن بمشهد من البَائِع وَلم يَنْهَهُ، صَحَّ الْقَبْض وَسقط حق الْحَبْس بِالثّمن بِدلَالَة السُّكُوت على الْإِذْن، وَلَا يملك

стр. 96

اسْتِرْدَاده بل يُطَالِبهُ بِالثّمن فَقَط. (ر: رد الْمُحْتَار، من فصل مَا يدْخل فِي البيع تبعا، عِنْد قَول الْمَتْن: وَيسلم السّلْعَة) . أما لَو وجد صَرِيح النَّهْي فَلَا يسْقط حق الْحَبْس، وَله أَن يسْتَردّهُ مِنْهُ ويحبسه بِالثّمن، كَمَا يُسْتَفَاد من الْمحل الْمَذْكُور، وَكَذَلِكَ لَو قبض الْمَوْهُوب لَهُ الْهِبَة بِحَضْرَة الْوَاهِب وَلم يَنْهَهُ صَحَّ قَبضه وتمت الْهِبَة، وَلَا يملك الِاسْتِرْدَاد مِنْهُ بِدُونِ قَضَاء أَو رِضَاء. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْهِبَة) ، وَمَفْهُومه أَنه لَو نَهَاهُ صَرِيحًا لم يَصح قَبضه، فَلهُ اسْتِرْدَاده مِنْهُ. (ر: الْمَادَّة / ٥٧ / من الْمجلة) . (د) وَمِنْهَا: مَا لَو زوج الْأَب ابْنه الصَّغِير وَضمن عَنهُ الْمهْر ثمَّ دَفعه عَنهُ، أَو كَانَ دَفعه بِلَا ضَمَان، فَإِنَّهُ لَا يرجع على الصَّغِير إِلَّا إِذا أشهد عِنْد الضَّمَان أَو عِنْد الدّفع أَنه يدْفع ليرْجع. (ر: رد الْمُحْتَار، من الْمهْر، عِنْد قَول الْمَتْن: لَا يُطَالب الْأَب بِمهْر ابْنه الصَّغِير ... الخ.) وعللوه بِأَن عدم الرُّجُوع إِنَّمَا هُوَ لجَرَيَان الْعَادة بِأَن يتَحَمَّل الْأَب مهر ابْنه الصَّغِير بِلَا طمع فِي الرُّجُوع فَيكون مُتَبَرعا دلَالَة، وَلَكِن إِذا شَرط الرُّجُوع صَرِيحًا تَنْتفِي تِلْكَ الدّلَالَة، لِأَن الصَّرِيح يفوقها. (هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى إِنْسَان حمارا مثلا ثمَّ جَاءَ ليَرُدهُ بطرِيق الْإِقَالَة فَصرحَ لَهُ البَائِع بِأَنَّهُ لَا يقيله، وَاسْتعْمل البَائِع ذَلِك الْحمار أَيَّامًا فطالبه المُشْتَرِي برد الثّمن فَامْتنعَ عَن رده وَعَن قبُول الْإِقَالَة، كَانَ لَهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ لما رفض الْإِقَالَة صَرِيحًا بَطل كَلَام المُشْتَرِي فَلَا تتمّ الْإِقَالَة بِاسْتِعْمَالِهِ لَهُ. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، عَن الْفَتَاوَى الْخَانِية، من الْإِقَالَة عِنْد قَول الْمَتْن: ويتوقف على قبُول الآخر فِي الْمجْلس) . فقد لغت دلَالَة اسْتِعْمَال البَائِع للحمار على الْإِقَالَة فِي مُقَابلَة تصريحه برفضها. (و) وَمِنْهَا: مَا فِي الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، عَن الْقنية، أثْنَاء الْكَلَام على بيع التعاطي: لَو وضع الدَّرَاهِم وَأخذ البطاطيخ وَذهب بهَا وَالْبَائِع يَصِيح: لَا أعطيها بِهَذَا الثّمن، وَكَانَ مَعْلُوما أَن مُرَاده تطييب قلب المُشْتَرِي بذلك لَا عدم الرِّضَا، فَإِنَّهُ لَا ينْعَقد البيع.

стр. 97

(ز) وَمِنْهَا: مَا لَو عقد على أُخْتَيْنِ متعاقباً وَنسي الأول، ثمَّ دخل على إِحْدَاهمَا اعْتبر دُخُوله بهَا بَيَانا لكَونهَا هِيَ السَّابِق نِكَاحهَا فَإِذا صرح بعد دُخُوله بهَا أَن تِلْكَ الْأُخْرَى هِيَ السَّابِق نِكَاحهَا يعْتَبر تصريحه بذلك، إِذْ الدّلَالَة لَا تعَارض التَّصْرِيح. (ر: رد الْمُحْتَار، من الْمُحرمَات، عِنْد قَول الْمَتْن: وَإِن تزوجهما مَعًا أَو بعقدين وَنسي الأول) . (ح) وَمِنْهَا: مَا لَو تنَازع شخصان شَيْئا فِي يَد أَحدهمَا وكل مِنْهُمَا يزْعم أَنه ملكه بِالشِّرَاءِ من شخص ثَالِث وَلم يذكرَا تَارِيخ الشِّرَاء أَو ذكره أَحدهمَا فَقَط وَأقَام كل مِنْهُمَا الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ، ترجح بَيِّنَة ذِي الْيَد، لِأَن تمكنه من قَبضه دَلِيل على سبق شِرَائِهِ، لَكِن لَو ادّعى الْخَارِج أَن شِرَاءَهُ قبل شِرَاء ذِي الْيَد وَأقَام بَيِّنَة شهِدت لَهُ بذلك يحكم لَهُ، لِأَن تَصْرِيح الشُّهُود يفوق دلَالَة الْيَد على سبق الشِّرَاء. (ر: الدُّرَر وَغَيره من بَاب دَعْوَى الرجلَيْن) . (ط) وَكَذَلِكَ مِنْهَا: مَا لَو تنَازع رجلَانِ فِي امْرَأَة، فَكل مِنْهُمَا يَدعِي أَنَّهَا زَوجته، وَأَقَامَا بينتين على ذَلِك وَلم يبينا تَارِيخا للنِّكَاح، ينظر: فَإِن لم يكن دخل بهَا أَو نقلهَا إِلَى منزله أَحدهمَا ترد الْبَيِّنَتَانِ، لعدم إِمْكَان الِاشْتِرَاك فِي النِّكَاح، وَيحكم بنكاحها لمن تصدقه هِيَ مِنْهُمَا، وَإِن كَانَت فِي بَيت أَحدهمَا أَو كَانَ دخل بهَا ترجح بَينته وَلَا يلْتَفت إِلَى تصديقها لخصمه الآخر، لِأَن تمكنه من نقلهَا أَو الدُّخُول بهَا هُوَ دلَالَة على سبق عقده، إِلَّا إِذا برهن الآخر على أَنه تزَوجهَا قبله فَيكون حينئذٍ هُوَ أولى بهَا، لِأَن الصَّرِيح يفوق الدّلَالَة. (ر: الدُّرَر، من الْبَاب الْمَذْكُور) . وَإِذا كَانَت الْمُدعى نِكَاحهَا ميتَة يخْتَلف الحكم فِيهَا حينئذٍ، وَقد قدمْنَاهُ فِي البند / ١٢ / من كلامنا على الْمَادَّة الثَّالِثَة: " الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني " فَانْظُرْهُ هُنَاكَ. (تَنْبِيهَات) - إِنَّمَا يعْتَبر الصَّرِيح وَيقدم على الدّلَالَة إِذا لم يجِئ بعد أَن تعْمل الدّلَالَة عَملهَا، أما إِذا جَاءَ بعد أَن عملت الدّلَالَة عَملهَا تعْتَبر الدّلَالَة دون التَّصْرِيح.

стр. 98

(ر: الدُّرَر، أَوَائِل الْبيُوع، عِنْد قَول الْمَتْن: وَيبْطل الْإِيجَاب بِقِيَام أَيهمَا عَن الْمجْلس قبل الْقبُول) ، حَيْثُ قَالَ هُنَاكَ: لِأَن الْقيام دَلِيل الرُّجُوع، وَالدّلَالَة تعْمل عمل الصَّرِيح. اعْترض بِأَنَّهَا إِنَّمَا تعْمل عمله إِذا لم يُوجد صَرِيح يعارضها، وَهَا هُنَا لَو قَالَ بعد الْقيام قبلت وجد الصَّرِيح وَلم يعْتَبر. ورد بِأَن الصَّرِيح إِنَّمَا وجد بعد الدّلَالَة وَلذَا لم يعارضها. - قد تكون الدّلَالَة فِي بعض الْأَوْقَات أقوى من الصَّرِيح، يثبت بهَا مَا لَا يثبت بِهِ، وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة لم أظفر بثانية لَهَا، وَهِي مَا نصوا عَلَيْهِ من أَن الْحَاكِم لَيْسَ لَهُ أَن يَسْتَنِيب آخر عَنهُ إِلَّا إِذا كَانَ مفوضاً لَهُ بالاستنابة صَرِيحًا، كول من شِئْت وَنَحْوه، أَو مفوضاً لَهُ دلَالَة كجعلناك قَاضِي الْقُضَاة، فَإِذا كَانَ التَّفْوِيض لَهُ صَرِيحًا بِمَا ذكر فَإِنَّهُ يملك الِاسْتِنَابَة وَلَا يملك عزل النَّائِب، أما إِذا كَانَ التَّفْوِيض لَهُ دلَالَة فَإِنَّهُ يملك الِاسْتِنَابَة والعزل. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، فصل الْحَبْس، عِنْد قَول الْمَتْن: وَلَا يسْتَخْلف قَاض) . فقد عملت الدّلَالَة هُنَا مَا لَا يعمله الصَّرِيح، وَيثبت بهَا مَا لم يثبت بِهِ. - إِن مَا نقل عَن الدُّرَر من كتاب الْبيُوع يشكل عَلَيْهِ مَا نقل سَابِقًا عَن رد الْمُحْتَار من كتاب النِّكَاح، بَاب الْمُحرمَات، من اعْتِبَار وَطْء الزَّوْج إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ بَيَانا لكَونهَا هِيَ السَّابِق نِكَاحهَا ثمَّ إِذا صرح بِأَن الثَّانِيَة هِيَ ذَات النِّكَاح السَّابِق اعْتبر تصريحه، حَيْثُ إِن التَّصْرِيح فِيهَا جَاءَ مُعْتَبرا بعد أَن عملت الدّلَالَة عَملهَا. وَيُمكن أَن يُجَاب بِأَن تبين ذَات النِّكَاح السَّابِق أَمر تَابع للْوَاقِع وَنَفس الْأَمر، لَا للْبَيَان. فوطء الزَّوْج لإحداهما لَا يَجْعَلهَا هِيَ ذَات النِّكَاح السَّابِق فِي نفس الْأَمر، بل يَجْعَل بَيَانا ضَرُورَة حمل فعله على الصّلاح، فَإِذا صرح بعده بِأَن الْأُخْرَى هِيَ السَّابِق نِكَاحهَا كَانَ تصريحه فَوق الْبَيَان الَّذِي صير إِلَيْهِ ضَرُورَة، وَأقوى فِي الدّلَالَة على الْوَاقِع وَنَفس الْأَمر، فَاعْتبر. (ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى) يسْتَثْنى من هَذِه الْقَاعِدَة:

стр. 99

(أ) مَا لَو اشْترى شَيْئا ثمَّ اطلع على عيب فِيهِ فَاسْتَعْملهُ اسْتِعْمَالا يدل على الرِّضَا بِالْعَيْبِ وَهُوَ يُصَرح بِعَدَمِ الرِّضَا بِهِ فَإِنَّهُ يلْزمه الْمَبِيع وَلَا يقبل مِنْهُ تصريحه بِعَدَمِ الرِّضَا. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من خِيَار الْعَيْب) . (ب) وَيسْتَثْنى أَيْضا مَا لَو بنى الْمُتَوَلِي أَو غرس فِي عقار الْوَقْف وَلم يشْهد أَنه لنَفسِهِ ثمَّ اخْتلف مَعَ الْمُسْتَحقّين فَقَالَ: فعلته لنَفْسي، وَقَالُوا: بل للْوَقْف، فَالْقَوْل قَوْلهم، تَرْجِيحا للدلالة بِكَوْنِهِ مُتَوَلِّيًا، وبناؤه وغرسه لنَفسِهِ غير جَائِز ويعد خِيَانَة مِنْهُ، وَالْأَصْل عَدمه على تصريحه بِأَنَّهُ فعل لنَفسِهِ. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من الْوَقْف) . (ج) وَيسْتَثْنى أَيْضا: مَا لَو اشْترى إِنْسَان حَيَوَانا ثمَّ قَالَ لمن يساومه عَلَيْهِ: اشتره فَلَا عيب بِهِ، وَلم يتَّفق بَينهمَا البيع ثمَّ وجد بِهِ عَيْبا، فَلهُ رده على بَائِعه، وَلَا يمنعهُ إِقْرَاره السَّابِق لمن ساومه بِأَنَّهُ لَا عيب فِيهِ لِأَن كَلَامه ذَلِك مجَاز عَن الترويج، لظُهُور أَنه لَا يَخْلُو عَن عيب، فيتيقن بِأَن ظَاهر إِقْرَاره غير مُرَاد. إِلَّا إِذا كَانَ عين نوع الْعَيْب فَقَالَ: لَا شلل بِهِ أَو لَا عور مثلا، فَإِنَّهُ لَا يردهُ بعد ذَلِك بِهَذَا الْعَيْب الَّذِي نَفَاهُ، لِأَنَّهُ يُحِيط الْعلم بِهِ فَيعْتَبر إِقْرَاره وَيحكم بِأَن هَذَا الْعَيْب حدث عِنْده بعد إِقْرَاره بِعَدَمِهِ. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، فِي بَاب خِيَار الْعَيْب، عِنْد قَول المُصَنّف: اشْترى عبدا فَقَالَ لمن ساومه إِيَّاه اشتره فَلَا عيب بِهِ) .

стр. 100

(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٤)) (لَا مساغ للِاجْتِهَاد فِي مورد النَّص) (أَولا: الشَّرْح) " لَا مساغ للِاجْتِهَاد فِي مورد النَّص " لِأَن الحكم الشَّرْعِيّ حَاصِل بِالنَّصِّ، فَلَا حَاجَة لبذل الوسع فِي تَحْصِيله، وَلِأَن الِاجْتِهَاد ظَنِّي وَالْحكم الْحَاصِل بِهِ حَاصِل بظني، بِخِلَاف الْحَاصِل بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ يقيني، وَلَا يتْرك اليقيني للظني. المُرَاد بِالنَّصِّ الَّذِي لَا مساغ للِاجْتِهَاد مَعَه هُوَ الْمُفَسّر الْمُحكم، وَإِلَّا فغيرهما من الظَّاهِر وَالنَّص لَا يَخْلُو عَن احْتِمَال التَّأْوِيل. وَبَيَان ذَلِك أَن أَقسَام الدَّلِيل اللَّفْظِيّ بِحَسب الْإِفْضَاء إِلَى الْأَحْكَام أَرْبَعَة: - ظَاهر: وَهُوَ مَا ظهر المُرَاد مِنْهُ بصيغته مَعَ احْتِمَال التَّأْوِيل. - وَنَصّ: وَهُوَ مَا ازْدَادَ وضوحاً على الظَّاهِر بِمَعْنى سيق لَهُ الْكَلَام لأَجله، لَا من نفس الصِّيغَة، مَعَ احْتِمَال التَّأْوِيل أَيْضا. - ومفسر: وَهُوَ مَا ازْدَادَ وضوحاً على النَّص على وَجه لَا يبْقى مَعَه احْتِمَال التَّأْوِيل. - ومحكم: وَهُوَ مَا أحكم المُرَاد مِنْهُ من غير احْتِمَال تَأْوِيل وَلَا نسخ. فَحَيْثُ كَانَ الْأَوَّلَانِ لَا يخلوان عَن احْتِمَال التَّأْوِيل يكون مساغ للِاجْتِهَاد مَوْجُود مَعَهُمَا. المُرَاد بِالنَّصِّ هَا هُنَا: الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة وَالْإِجْمَاع، فَلَا يجوز

стр. 101

الِاجْتِهَاد فِي مُقَابلَة الْمُفَسّر والمحكم مِنْهَا، فَبَطل القَوْل بِحل الْمُطلقَة ثَلَاثًا للْأولِ بِمُجَرَّد عقد الثَّانِي عَلَيْهَا بِلَا وَطْء، وَالْقَوْل بِحل نِكَاح الْمُتْعَة، وَالْقَوْل بِسُقُوط الدّين بِمُضِيِّ سِنِين بِلَا مُطَالبَة، وَالْقَوْل بِالْقصاصِ بِتَعْيِين الْوَلِيّ وَاحِدًا من أهل الْمحلة وَحلف أيماناً على أَنه هُوَ الْقَاتِل، وَبَطل القَوْل بِأَن لَا دخل للنِّسَاء فِي الْعَفو عَن دم الْعمد، وَالْقَوْل بِبُطْلَان إِقْرَار الْمَرْأَة، وَبطلَان وصيتها بِغَيْر رِضَاء زَوجهَا، لعدم استنادها إِلَى دَلِيل مُعْتَبر، ولمخالفتها للنصوص الشَّرْعِيَّة الَّتِي لَا تحْتَمل التَّأْوِيل. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْقَضَاء. ومعين الْحُكَّام، من فصل فِيمَا لَا ينْعَقد من أَحْكَام القَاضِي) . وَمثل لفظ الْكتاب وَالسّنة لفظ شَرط الْوَاقِف وَلَفظ الْمُوصي، فَإِنَّهُمَا كنص الشَّارِع فِي الْمَفْهُوم وَالدّلَالَة وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ. (ر: التَّنْقِيح) ، مَا لم يكن فِيهِ تَغْيِير لحكم الشَّرْع، فَلَو كَانَ، كَمَا لَو شَرط أَن الْمُتَوَلِي أَو الْوَصِيّ لَا يُحَاسب، فَإِن شَرطه لَا يُرَاعى. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وَغَيره، من كتاب الْوَقْف) . (تَنْبِيه) قَوْلهم: لَا مساغ للِاجْتِهَاد فِي مورد النَّص " لَا فَائِدَة لوضعه هُنَا فِيمَا يتَبَادَر، لِأَن بَاب الِاجْتِهَاد مسدود الْآن فِي وَجه من يتَصَدَّى لدُخُوله مُطلقًا، سَوَاء كَانَ فِي مورد نَص لَا يسوغ الِاجْتِهَاد فِيهِ أَولا. فَفِي " الْخُلَاصَة " من آخر فصل الْحَبْس: لَيْسَ أحد من أهل الِاجْتِهَاد فِي زَمَاننَا. وَيحْتَمل أَن يكون الْمَقْصُود من وضع هَذِه الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة الْإِيمَاء للمفتين والقضاة بِأَن يقفوا عِنْد حَدهمْ، ويقصروا أنظارهم أَن تتطلع وأعناقهم أَن تمتد إِلَى مُجَاوزَة مَا فوض إِلَيْهِم من الِاجْتِهَاد فِي تَرْجِيح إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ متساويتين أَو أحد قَوْلَيْنِ متعادلين يخْتَلف التَّرْجِيح فيهمَا بِحَسب الْحَوَادِث والأشخاص إِلَى مَا لم يُفَوض إِلَيْهِم. وَذَلِكَ مثل مَا قَالُوا فِي الزَّوْج إِذا أوفى زَوجته معجل مهرهَا فَهَل لَهُ أَن يُسَافر بهَا أَو لَا؟ فَظَاهر الرِّوَايَة أَن لَهُ ذَلِك، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الصفار

стр. 102

وَأَبُو اللَّيْث: لَيْسَ لَهُ ذَلِك لفساد الزَّمَان وَسُوء حَال الْأزْوَاج، وَاخْتَارَ بَعضهم تَفْوِيض ذَلِك للمفتي، فَمَتَى علم من حَاله الْإِضْرَار بهَا أفتاه بِعَدَمِ الْجَوَاز، وَمَتى علم مِنْهُ غير ذَلِك أفتاه بِالْجَوَازِ. وَقد نصوا فِي مثل هَذَا على أَن الْمُفْتِي لَا بُد لَهُ من نوع اجْتِهَاد وَأَنه يُفْتِي بِمَا وَقع عِنْده من الْمصلحَة. وكما قَالُوا فِي حق سُقُوط نَفَقَة الزَّوْجَة بِالطَّلَاق الْبَائِن إِذا كَانَت غير مستدانة بِأَمْر القَاضِي، أَن القَاضِي ينظر فِي حَال الزَّوْج، فَإِن كَانَ طَلقهَا بَائِنا توصلاً لإِسْقَاط النَّفَقَة المتراكمة عَن نَفسه رد قَصده عَلَيْهِ وَحكم عَلَيْهِ بِعَدَمِ سُقُوطهَا عَنهُ، وَإِن كَانَ أَبَانهَا لَا لهَذَا حكم بسقوطها. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من النَّفَقَة) . وكما فوض إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي تَقْدِير حبس الْمَدْيُون مُدَّة يغلب على ظَنّه أَنه لَو كَانَ لَهُ مَال لأظهره. وفوضوا إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي تَقْدِير تَعْزِير المذنب بِحَسب مَا يرَاهُ كَافِيا لزجره من حبس أَو ضرب أَو تعبيس فِي وَجهه. وفوضوا إِلَيْهِ النّظر وَالِاجْتِهَاد فِي بيع الْأَب وَالْوَصِيّ عقار الصَّغِير، فَإِن رأى أَن نقضه أصلح للصَّغِير وأنفع فَلهُ نقضه. (ر: فيض المستفيض فِي مسَائِل التَّفْوِيض للغزي) . وَقد فَوضُوا أَيْضا للْحَاكِم تَحْلِيف الشُّهُود إِذْ رأى ذَلِك، لفساد الزَّمَان، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ٣٩ /: " لَا يُنكر تغير الْأَحْكَام بِتَغَيُّر الْأَزْمَان " نقلا عَن معِين الْحُكَّام. فَيحْتَمل أَنهم أَرَادوا بِوَضْع هَذِه الْقَاعِدَة هُنَا إيقاف اجتهادهم وقصره على مثل هَذَا. وَأما فِيمَا عداهُ مِمَّا لم يُفَوض إِلَيْهِم وَقد وَقع فِيهِ الْخلاف فَلَا مساغ لاجتهادهم فِيهِ، بل التَّرْجِيح فِيهِ تَابع لترجيح المرجحين من عُلَمَاء الْمَذْهَب على حسب مَا هُوَ مَبْسُوط فِي " رسم الْمُفْتِي " فَلَيْسَ للمفتي وَلَا للْقَاضِي مُخَالفَة

стр. 103

مَا رجحوه بِاجْتِهَاد مِنْهُ، وَلَو فعل لَا يقبل مِنْهُ، لِأَنَّهُ اجْتِهَاد فِي مورد النَّص، وَالنَّص لَا مساغ للِاجْتِهَاد فِي مورده. وَإِذا صَحَّ مَا ذَكرْنَاهُ يكون المُرَاد بِالنَّصِّ هَا هُنَا هُوَ الْمَنْقُول فِي كتب الْمَذْهَب. لَا مَا سبق.

стр. 104

(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٥)) (" مَا ثَبت على خلاف الْقيَاس فَغَيره لَا يُقَاس عَلَيْهِ ") (أَولا _ الشَّرْح) " مَا ثَبت " من الْأَحْكَام بِالنَّصِّ الْوَارِد " على خلاف الْقيَاس فَغَيره لَا يُقَاس عَلَيْهِ ". الْقيَاس: جعل الحكم فِي الْمَقِيس مثل الحكم فِي الْمَقِيس عَلَيْهِ بعلة وَاحِدَة فيهمَا، وَهُوَ حجَّة عِنْد الْفُقَهَاء والمتكلمين بقوله : ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ لِأَن الِاعْتِبَار هُوَ النّظر فِي الثَّابِت لأي معنى ثَبت وإلحاق نَظِيره بِهِ، وَهُوَ الْقيَاس بِعَيْنِه. وَشرط الِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ عدم وجود النَّص فِي الْمَقِيس، لِأَن الْقيَاس إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ ضَرُورَة خلو الْفَرْع عَن حكم ثَبت لَهُ بطرِيق التَّنْصِيص، فَإِذا وجد التَّنْصِيص على الحكم فَلَا قِيَاس. وَالِاسْتِدْلَال فِي بعض الْمسَائِل بِالنَّصِّ وَالْقِيَاس مَعًا إِنَّمَا هُوَ لأجل أَن الْخصم إِن طعن فِي النَّص بِأَنَّهُ مَنْسُوخ أَو غير متواتر أَو غير مَشْهُور أَو مؤول يبْقى الْقيَاس سالما لَا مطْعن فِيهِ، لَا لِأَنَّهُ دَلِيل على تَقْدِير سَلامَة النَّص من الطعْن. وَلَيْسَ الْقيَاس عملا بِالظَّنِّ كَمَا يَقُول الْبَعْض، بل هُوَ عمل بغالب الظَّن وأكبر الرَّأْي، وَالْعَمَل بغالب الظَّن وَاجِب وَإِن بَقِي مَعَه ضرب احْتِمَال. والمماثلة بَين الْمَقِيس والمقيس عَلَيْهِ من جَمِيع الْوُجُوه غير وَاجِبَة لصِحَّة الْقيَاس، بل الْوَاجِب الْمُمَاثلَة فِي عِلّة الحكم فَقَط.

стр. 105

(ثَانِيًا _ التطبيق) قد ثَبت على خلاف الْقيَاس أَحْكَام كَثِيرَة تفوق الْحصْر، فَيقْتَصر فِيهَا على مورد النَّص، وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا غَيرهَا. (أ) مِنْهَا: الْحُدُود، فقد ورد للسارق الْقطع فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ النباش مثلا. (ب) وَمِنْهَا: الْإِجَارَة، فَإِنَّهَا بيع الْمَنَافِع وَهِي مَعْدُومَة، وَبيع الْمَعْدُوم بَاطِل، وَلَكِن جوزت للضَّرُورَة، وَهِي الْحَاجة إِلَيْهَا، فَإِن الْمُعْتَمد فِي الْمَذْهَب أَن الْقيَاس يتْرك فِيمَا فِيهِ ضَرُورَة. (ر: الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة فِي كتاب الْوَقْف، فِي أثْنَاء جَوَاب سُؤال رفع إِلَيْهِ فِي استدانة الْمُتَوَلِي، نقلا عَن الْبَحْر وَغَيره) ، فَيقْتَصر فِيهَا على مَوضِع الْحَاجة، وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا مَا لَا حَاجَة فِيهِ، فَلَا يجوز إِيجَار متحدي الْمَنْفَعَة مقايضة، كسكنى دَار أَو حَانُوت بسكنى نَظِيره، لعدم الْحَاجة إِلَيْهَا. (ج) وَمِنْهَا: الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة، فَإِن الْقيَاس عدم جوازهما لِأَنَّهُمَا اسْتِئْجَار للمزارع والمساقي بِبَعْض الْخَارِج من عملهما وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ. ولكنهما جَوَّزنَا لوُرُود الْأَثر فيهمَا، فَلَا يُقَاس عَلَيْهِمَا غَيرهمَا مِمَّا فِيهِ اسْتِئْجَار بِبَعْض الْخَارِج من الْعَمَل، كعصر الزَّيْتُون والسمسم وغزل الْقطن بِجُزْء من زيته أَو شيرجه أَو غزله مثلا. (د) وَمِنْهَا: التَّحَالُف، فَإِنَّهُ ثَبت فِي البيع على خلاف الْقيَاس إِذا كَانَ الْمَبِيع مَقْبُوضا، فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ النِّكَاح مثلا. أما قبل قبض الْمَبِيع فَهُوَ على الْقيَاس. (ر: الدُّرَر شرح الْغرَر، كتاب الدَّعْوَى، التَّحَالُف) . (هـ) وَمِنْهَا: السّلم والاستصناع وَالْوَصِيَّة ... . والتتبع يَنْفِي الْحصْر. (تَنْبِيه:) لَا مُخَالفَة بَين كَون الْحَنَفِيَّة يقدمُونَ الْقيَاس على خبر الْوَاحِد وَبَين قَوْلهم فِي الْوَقْف إِنَّهُم يعْملُونَ بالمرسل ويقدمون خبر الْوَاحِد على الْقيَاس. وَذَلِكَ لِأَن تقديمهم الْقيَاس على خبر الْوَاحِد إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَ الْمَقِيس عَلَيْهِ ثَبت حكمه

стр. 106

بِدَلِيل قَطْعِيّ أَو مَشْهُور، وتقديمهم خبر الْوَاحِد على الْقيَاس إِذا ثَبت حكم الْمَقِيس عَلَيْهِ بآحاد. (تَنْبِيه آخر:) الْقيَاس بعد الأربعمائة مُنْقَطع، فَلَيْسَ لوَاحِد أَن يقيس مَسْأَلَة على مَسْأَلَة. (ر: رد الْمُحْتَار، من الْإِمَامَة) ، وَعَلِيهِ فَلَا يكون هُنَاكَ فَائِدَة لوضعهم هَذِه الْقَاعِدَة فِي الْمجلة، إِذْ الْقيَاس غير سَائِغ الْآن مُطلقًا، لَا فِيمَا ثَبت على الْقيَاس وَلَا فِيمَا ثَبت على خِلَافه. اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون تصديرهم الْمجلة بِهَذِهِ الْقَوَاعِد بِمَثَابَة بَيَان الْأُصُول الَّتِي استنبطت مِنْهَا الْموَاد المفرعة فِيهَا.

стр. 107

((صفحة فارغة))

стр. 108

(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٦)) (" الِاجْتِهَاد لَا ينْقض بِمثلِهِ ") (أَولا _ الشَّرْح) الِاجْتِهَاد لَا ينْقض بِمثلِهِ إِجْمَاعًا أَي فِي الْمسَائِل الَّتِي يسوغ فِيهَا الِاجْتِهَاد، لِأَنَّهُ لَو نقض الأول بِالثَّانِي لجَاز أَن ينْقض الثَّانِي بثالث، لِأَنَّهُ مَا من اجْتِهَاد إِلَّا وَيجوز أَن يتَغَيَّر، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى عدم الِاسْتِقْرَار. وَهَذَا فِي حق الْمَاضِي، فَلَو كَانَ قضى قَاض فِي حَادِثَة بِاجْتِهَادِهِ ثمَّ تبدل اجْتِهَاده فَرفع إِلَيْهِ نظيرها فَقضى فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي لَا ينْقض الأول، كَمَا فِي الْأَشْبَاه والنظائر، لقَوْل عمر، ﵁، حِين قضى فِي حَادِثَة بِخِلَاف مَا قضى فِي نظيرها قبلا: تِلْكَ على مَا قضينا وَهَذِه على مَا نقضي. (ر: شرح السِّرَاجِيَّة للسَّيِّد) . وَكَذَلِكَ لَو كَانَ بَين قاضيين، بِأَن قضى شَافِعِيّ مثلا فِي حَادِثَة مُجْتَهد فِيهَا بمذهبه، ثمَّ رفعت لآخر حَنَفِيّ مثلا يرى فِيهَا غير ذَلِك لَا يجوز لَهُ نقض قَضَاء الأول، بل يجب عَلَيْهِ تنفيذه وَيحكم فِي غَيرهَا بِمَا يرَاهُ. وَهَذَا، أَي عدم جَوَاز مُخَالفَة قَضَاء القَاضِي السَّابِق، فِيمَا هُوَ مَحل النزاع الَّذِي ورد عَلَيْهِ الْقَضَاء، أما فِيمَا هُوَ من توابعه فَلَا يتَقَيَّد بِمذهب الأول، فَلَو قضى شَافِعِيّ بِالْبيعِ فِي عقار فللقاضي الْحَنَفِيّ أَن يقْضِي فِيهِ بِالشُّفْعَة للْجَار، وَإِن كَانَ القَاضِي الأول لَا يَرَاهَا. وَكَذَلِكَ لَو حكم قاضٍ بِصِحَّة الْوَقْف لَا يكون حكما بِالشُّرُوطِ، فَلَو وَقع التَّنَازُع فِي شَيْء من الشُّرُوط عِنْد من يُخَالف فِيهَا، فَلهُ أَن يحكم فِيهَا بمذهبه، لِأَن ذَلِك لَيْسَ مَحل النزاع لَدَى القَاضِي

стр. 109

الأول، كَمَا لَو حكم بِالْوَقْفِ ثمَّ وَقع التَّنَازُع فِي رُجُوع الشَّرْط الْمُتَأَخر للجملة الْمُتَقَدّمَة مثلا كَمَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة، أَو للأخيرة كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ يقْضِي القَاضِي الْحَنَفِيّ بمذهبه. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم) . وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مقلد الْمُجْتَهد فِي عمل فاستفتي فَأفْتى فِيهَا بِمذهب مُجْتَهد آخر يُخَالف اجْتِهَاد الْمُجْتَهد الأول، لَا ينْقض عمله السَّابِق. أما فِي حق الْمُسْتَقْبل فَلَا يتَقَيَّد بِاجْتِهَادِهِ واستفتائه السَّابِق أصلا. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الطَّلَاق، من بَاب تَعْلِيق الطَّلَاق) . (تَنْبِيه:) مَا ذكر هُوَ فِي القَاضِي الْمُجْتَهد، أما الْمُقَلّد الَّذِي تقلد الْقَضَاء مُقَيّدا بِمذهب معِين، فَإِنَّهُ يتَقَيَّد بِهِ، فَلَو حكم بِخِلَافِهِ ينْقض وَإِن وَافق أصلا مُجْتَهدا فِيهِ. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْقَضَاء، من فصل الْحَبْس) . وَلذَا لَو أَخطَأ فِي تطبيق الْحَادِثَة على الحكم الشَّرْعِيّ، ثمَّ ظهر أَن النَّقْل الشَّرْعِيّ بِخِلَافِهِ فَإِن حكمه ينْقض. (ر: الْمَادَّة / ١٨٣٨ / من الْمجلة) . (تَنْبِيه آخر:) القَاضِي إِذا قضى بالجور ثمَّ ظهر الْحق، فَإِن كَانَ قضى خطأ فإمَّا أَن يكون التَّدَارُك مُمكنا أَولا، فَإِن أمكن، كَمَا إِذا قضى بِمَال أَو طَلَاق ثمَّ ظهر أَن الشُّهُود محدودون فِي قذف مثلا، بَطل الْقَضَاء وعادت الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا ورد المَال إِلَى من أَخذ مِنْهُ. وَإِن لم يُمكن التَّدَارُك كَالْقصاصِ إِذا نفذ لَا يقتل الْمقْضِي لَهُ بل تجب الدِّيَة فِي مَاله. هَذَا إِذا ظهر خَطؤُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَو بِإِقْرَار الْمقْضِي لَهُ، فَلَو بِإِقْرَار القَاضِي لَا يظْهر فِي حق الْمقْضِي لَهُ حَتَّى لَا يبطل الْقَضَاء فِي حَقه. كل ذَلِك فِي حق العَبْد، أما فِي حق الْمولى ، كَحَد الزِّنَى وَالسَّرِقَة وَالشرب، إِذا نفذ ثمَّ ظهر خَطؤُهُ فَالضَّمَان فِي بَيت المَال. وَإِن كَانَ قضى بالجور عمدا وَأقر بِهِ، فَالضَّمَان فِي مَاله فِي الْوُجُوه كلهَا، ويعذر ويعزل عَن الْقَضَاء. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْقَضَاء، من فصل الْحَبْس) .

стр. 110

(الْقَاعِدَة السَّادِسَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٧)) (" الْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير) (أَولا _ الشَّرْح) الْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير لِأَن الْحَرج مَدْفُوع بِالنَّصِّ، وَلَكِن جلبها التَّيْسِير مَشْرُوط بِعَدَمِ مصادمتها نصا، فَإِذا صادمت نصا روعي دونهَا. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم) . المُرَاد بالمشقة الجالبة للتيسير: الْمَشَقَّة الَّتِي تنفك عَنْهَا التكليفات الشَّرْعِيَّة. أما الْمَشَقَّة الَّتِي لَا تنفك عَنْهَا التكليفات الشَّرْعِيَّة كمشقة الْجِهَاد وألم الْحُدُود ورجم الزناة وَقتل الْبُغَاة والمفسدين والجناة، فَلَا أثر لَهَا فِي جلب تيسير وَلَا تَخْفيف. (ثَانِيًا _ التطبيق) الْمَشَقَّة الَّتِي تجلب التَّيْسِير تحتهَا سَبْعَة أَنْوَاع: أَولهَا _ السّفر، وتيسيراته كَثِيرَة، مِنْهَا: (أ) جَوَاز تحميل الشَّهَادَة للْغَيْر فِي غير حد وقود. (ب) وَمِنْهَا: جَوَاز بيع الْإِنْسَان مَال رَفِيقه وَحفظ ثمنه لوَرثَته بِدُونِ ولَايَة وَلَا وصاية إِذا مَاتَ فِي السّفر وَلَا قَاضِي ثمَّة. (ج) وَمِنْهَا: جَوَاز فسخ الْإِجَارَة بِعُذْر السّفر.
следующие страницы →