← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قَالَ: (وإطلاقه الْمَكْرُوه شَامِل للمكروه تَحْرِيمًا وتنزيها، لِأَن النَّهْي اقْتضى تَركه) . فَجعل الْبرمَاوِيّ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة - فِيمَا يظْهر -، وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن الْحَاجِب، وَنحن جعلناهما مَسْأَلَتَيْنِ، تبعا لِابْنِ مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَكَذَلِكَ التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع ". لَكِن قَالَ الكوراني - شَارِحه، لما قَالَ فِيهِ: (مُطلق الْأَمر لَا يتَنَاوَل الْمَكْرُوه خلافًا للحنفية) -: (التَّعْبِير عَن هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا عبر بِهِ الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب هُوَ اللَّائِق، إِذْ قَالَ: (الْمَكْرُوه مَنْهِيّ عَنهُ، غير مُكَلّف بِهِ) . وَإِنَّمَا كَانَ لائقا إِذا الْمنْهِي عَنهُ كَيفَ يكون مَأْمُورا بِهِ؟ إِذْ الْمَكْرُوه يمدح تَاركه، فَلَا يتَصَوَّر الْأَمر بِهِ شرعا. وَعبارَة المُصَنّف قَاصِرَة عَن هَذَا المرام، إِذْ عدم التَّنَاوُل يشْعر بصلاح الْمحل وَلَكِن لم يَقع فِي الْخَارِج، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل عدم التَّنَاوُل لعدم قابلية الْمحل بعد تعلق الْكَرَاهَة بِهِ. وَقَوله: (خلافًا للحنفية) ، صَرِيح فِي أَن الْحَنَفِيَّة قَائِلُونَ بِأَن الْأَمر يتَنَاوَل الْمَكْرُوه، وَهَذَا أَمر لَا يعقل، لِأَن الْمُبَاح عِنْدهم غير مَأْمُور

стр. 1017

بِهِ، مَعَ [كَون] طَرفَيْهِ على حد الْجَوَاز، فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون الْمَكْرُوه من جزئيات الْمَأْمُور بِهِ فِي شَيْء من الصُّور، وكتبهم أصولا وفروعا مصرحة بِأَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة فَاسِدَة، حَتَّى الَّتِي لَهَا سَبَب، مُطلقًا) انْتهى.

стр. 1018

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿الْمُبَاح لُغَة: الْمُعْلن والمأذون﴾ . وَالْإِبَاحَة مَأْخُوذَة من مَادَّة (الاتساع) ، وَمِنْه: باحة الدَّار، أَي: ساحتها. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (الْمُبَاح لُغَة: المعن والمأذون، أخذا من الْإِبَاحَة، وَهِي الْإِظْهَار والإعلان، وَمِنْه: باح بسره) انْتهى. وَمِنْه: أبحت لَهُ الشَّيْء، أَي: [أطلقهُ] لَهُ. وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (هُوَ مُشْتَقّ من الْإِبَاحَة، وَهِي: الْإِظْهَار، وَقيل: من باحة الدَّار، وَهِي: ساحتها، وَفِيه معنى السعَة وَانْتِفَاء العائق) انْتهى.

стр. 1019

وَفِي " الْقَامُوس ": (أبحتك الشَّيْء: أحللته لَك، وباح: ظهر بسره، كأباحه) انْتهى. وَقَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (باح الشَّيْء بوحا - من بَاب قَالَ -: ظهر، وَيَتَعَدَّى بالحرف فَيُقَال: باح بِهِ صَاحبه، وبالهمزة - أَيْضا - فَيُقَال: أَبَاحَهُ، وأباح الرجل مَاله: أذن فِي الْأَخْذ وَالتّرْك، وَجعله مُطلق الطَّرفَيْنِ، واستباحه النَّاس: أقدموا عَلَيْهِ) انْتهى. قَوْله: ﴿وَشرعا: مَا خلا من مدح [وذم] لذاته﴾ . فقولنا: (مَا خلا من مدح وذم) ، أخرج بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَالْحرَام وَالْمَكْرُوه، وخروجها بذلك وَاضح، لِأَن كلا من الْأَرْبَعَة لَا يَخْلُو من مدح أَو ذمّ، إِمَّا فِي الْفِعْل، وَإِمَّا فِي التّرْك. وَلَا يبطل طرد [خِصَال] الْكَفَّارَة، وَلَا الصَّلَاة أول الْوَقْت، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء من الْخِصَال على التَّعْيِين، وَلَا من الْأَوْقَات وَاجِبا. لَكِن لَا بُد فِيهِ من الْإِذْن، لِأَنَّهُ مُتَعَلق الْإِبَاحَة، فَيخرج حكم الْأَشْيَاء قبل وجود الشَّرْع، وَفعل غير الْمُكَلف، وَلذَلِك قُلْنَا: ﴿ [وَلَيْسَ مِنْهُ فعل غير الْمُكَلف، قَالَه القَاضِي وَغَيره] ﴾ ، فَإِنَّهُ

стр. 1020

قَالَ: (الْمُبَاح هُوَ كل فعل مَأْذُون فِيهِ لفَاعِله، لَا ثَوَاب لَهُ على فعله، وَلَا عِقَاب فِي تَركه) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (فِيهِ احْتِرَاز من فعل الصّبيان والمجانين والبهائم) . وَسَيَأْتِي كَلَام جده. نعم؛ المُرَاد بِكَوْنِهِ لَا مدح فِيهِ وَلَا ذمّ: الَّذِي شَأْنه ذَلِك، أَو يُقَال: لذاته، كَمَا قُلْنَا فِي الْمَتْن، ليخرج مَا ترك بِهِ حَرَامًا؛ فَإِنَّهُ يُثَاب عَلَيْهِ من تِلْكَ الْجِهَة، وَيكون وَاجِبا على رَأْي الكعبي وَأَتْبَاعه كَمَا يَأْتِي، فَإِن ذَلِك لَا يخْتَص بالمباح، وَمَا لَو ترك بِهِ وَاجِبا، فَإِنَّهُ - أَيْضا - يذم من تِلْكَ الْجِهَة. وَالْمرَاد بالمدح والذم: أَن يرد مَا يدل على ذَلِك بطرِيق من الطّرق، كمدح الْفَاعِل أَو ذمه، أَو وعده أَو وعيده، أَو غير ذَلِك.

стр. 1021

قَوْله: ﴿وَيُسمى: طلقا وحلالا﴾ . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَمن أَسْمَائِهِ: الْمُطلق والحلال) . قَالَ الْبرمَاوِيّ فِي نظمه وَشَرحه: (يُسمى: مُطلقًا وحلالا) انْتهى. وَالَّذِي رَأَيْته فِي " الْمُنْتَخب " للرازي، وَغَيره: (أَنه يُسمى حَلَالا وطلقا) ، بِلَا مِيم فِي طلقا. وَفِي بعض نسخ " الْمُنْتَخب ": (حَلَالا طلقا) بِلَا وَاو. وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الطلق: الْحَلَال) . وَقَالَ فِي " الْمِصْبَاح الْمُنِير ": (وَشَيْء طلق - وزان حمل - أَي: حَلَال، وَافْعل هَذَا طلقا لَك، أَي: حَلَالا، وَيُقَال: الطلق: الْمُطلق الَّذِي يتَمَكَّن صَاحبه [فِيهِ] من جَمِيع التَّصَرُّفَات، فَيكون " فعل " بِمَعْنى: مفعول، مثل: الذّبْح، بِمَعْنى: الْمَذْبُوح، وأعطيته من طلق مَالِي، أَي: من حلّه، أَو من مطلقه) انْتهى.

стр. 1022

فيتبين بِهَذَا أَن قَول من قَالَ: مُطلقًا، تَصْحِيف. أما مَا قَالَه ابْن قَاضِي الْجَبَل، فَيمكن أَن يكون من الْكَاتِب، وَهُوَ الظَّاهِر، وَيحْتَمل أَن يكون تصحف عَلَيْهِ. وَأما مَا قَالَه الْبرمَاوِيّ فَلَا يحْتَمل إِلَّا الِاشْتِبَاه عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي " منظومته ": (وَذُو الْإِبَاحَة مُبَاح جَائِز ... موسع وَمُطلق وَجَائِز) فَلَا يُمكن هُنَا التَّصْحِيف من الْكَاتِب؛ لِأَن النّظم لَا يَسْتَقِيم إِلَّا بإتيان الْمِيم، فَعلمنَا أَنه قصد ذَلِك، وَصرح بذلك فِي شَرحه، وَالله أعلم. وَأما قَوْلهم: يُقَال للطلق مُطلق، فإطلاق مِنْهُم الْمُطلق على الطلق، لَا أَنهم سموا الْمُبَاح مُطلقًا، إِلَّا إِذا ارتكبوا الْمجَاز بدرجتين، وَمَا الَّذِي اضْطر إِلَى ذَلِك، خُصُوصا للمصنفين، ولعلهم أَرَادوا: الْمُطلق من كل قيد، فَتخرج الْأَحْكَام الْأَرْبَعَة وَيبقى الْمُبَاح، وَهُوَ بعيد، وَالْأولَى اتِّبَاع اللُّغَة فِي ذَلِك. قَوْله: ﴿وَيُطلق هُوَ والحلال على [غير] الْحَرَام﴾ . ﴿ [فَيعم] ﴾ الْأَحْكَام ﴿ [الْأَرْبَعَة] ﴾ ، وَهِي: الْوَاجِب، وَالْمَنْدُوب، وَالْمَكْرُوه، والمباح، لَكِن الْمُبَاح يُطلق على الثَّلَاثَة، والحلال على الْأَرْبَعَة.

стр. 1023

فَيُقَال للْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه: مُبَاح. وَيُقَال لهَذِهِ الثَّلَاثَة وللمباح: حَلَال. لَكِن إِطْلَاق الْمُبَاح على مَا اسْتَوَى طرفاه هُوَ الأَصْل، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا﴾ [يُونُس: ٥٩] . قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وسلك بعض الْعلمَاء ذَلِك فِي تَقْسِيم الحكم، فَقَالَ: الحكم قِسْمَانِ: تَحْرِيم، وَإِبَاحَة. وَفِي " تَعْلِيقه " الشَّيْخ أبي حَامِد فِي كتاب النِّكَاح: (إِنَّهَا ثَلَاثَة: إِيجَاب، وحظر، وَإِبَاحَة) انْتهى، وَيَأْتِي حكم الْجَائِز. قَوْله: ﴿وَلَيْسَ جِنْسا للْوَاجِب - فِي الْأَصَح - بل هما نَوْعَانِ للْحكم﴾ . اخْتلفُوا فِي الْمُبَاح: هَل هُوَ جنس للْوَاجِب، أم نَوْعَانِ للْحكم؟ فَذهب طَائِفَة إِلَى الأول، وَذهب طَائِفَة أُخْرَى إِلَى الثَّانِي، وَهُوَ الصَّحِيح. فَالْوَاجِب والمباح نَوْعَانِ مندرجان تَحت جنس، وَهُوَ فعل الْمُكَلف الَّذِي تعلق بِهِ الحكم الشَّرْعِيّ، وتسميته بالحكم مجَازًا.

стр. 1024

وَدَلِيله: أَنه لَو كَانَ الْمُبَاح جِنْسا للْوَاجِب؛ لاستلزام النَّوْع - أَعنِي: الْوَاجِب - التَّخْيِير بَين فعله وَتَركه، والتالي ظَاهر الْفساد، فالمقدم مثله. بَيَان الْمُلَازمَة: أَن الْمُبَاح مُسْتَلْزم للتَّخْيِير، وَإِذا كَانَ الْجِنْس مستلزما للتَّخْيِير، فَيكون الْوَاجِب - وَهُوَ نَوعه - مستلزما للتَّخْيِير. الْقَائِلُونَ بِكَوْن الْمُبَاح جِنْسا للْوَاجِب قَالُوا: الْمُبَاح وَالْوَاجِب مَأْذُون فيهمَا، واختص بفصل: الْمَنْع من التّرْك، والمأذون الَّذِي هُوَ حَقِيقَة الْمُبَاح مُشْتَرك بَين الْوَاجِب وَغَيره، فَيكون جِنْسا لَهُ. أُجِيب: بأنكم تركْتُم فصل الْمُبَاح، لِأَن الْمُبَاح لَيْسَ هُوَ الْمَأْذُون فَقَط، بل الْمَأْذُون مَعَ عدم الْمَنْع من التّرْك، والمأذون بِهَذَا الْقَيْد، لَا يكون مُشْتَركا بَين الْوَاجِب وَغَيره، بل يكون مباينا للْوَاجِب. قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمُخْتَصر ": (وَالْحق أَن النزاع لَفْظِي؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِن أُرِيد بالمباح الْمَأْذُون فَقَط، فَلَا شكّ أَنه مُشْتَرك بَين الْوَاجِب وَغَيره، فَيكون جِنْسا، وَإِن أُرِيد بالمباح الْمَأْذُون مَعَ عدم الْمَنْع من التّرْك، فَلَا شكّ أَنه يكون نوعا مباينا للْوَاجِب، فَلم يكن جِنْسا) انْتهى. وَأَخذه من كَلَام الْآمِدِيّ، فَإِنَّهُ اخْتَار: (أَن الْمُبَاح لَيْسَ دَاخِلا فِي مُسَمّى الْوَاجِب، وَأَنَّهَا لفظية، فَإِن أُرِيد مَا أذن فِيهِ مُطلقًا فجنس للْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَإِن أُرِيد مَا أذن فِيهِ وَلَا ذمّ فَلَيْسَ بِجِنْس) انْتهى. وَظَاهر كَلَام كثير من الْعلمَاء: أَن الْخلاف معنوي.

стр. 1025

وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (هِيَ لفظية، لِأَن من قَالَ: الْمُبَاح مَا خير فِيهِ بَين فعله وَتَركه من غير تَرْجِيح، قَالَ: لَيْسَ جِنْسا وَإِلَّا لاستلزم النَّوْع لاستلزام الْخَاص الْعَام، وَهُوَ منَاف للْوُجُوب. وَمن قَالَ: الْمُبَاح: مَا أذن فِيهِ، قَالَ: هُوَ جنس للْوَاجِب لاشْتِرَاكهمَا وَغَيرهمَا كالمندوب وَالْمَكْرُوه فِي الْمَعْنى، واختصاص الْوَاجِب بامتناع التّرْك، وَالْمَنْدُوب بمرجوحيته، وَالْمَكْرُوه برجحانه) انْتهى. قَوْله: ﴿وَلَا مَأْمُورا بِهِ عِنْد الْأَرْبَعَة [وَغَيرهم] ، وَخَالف الكعبي وَأَصْحَابه﴾ . وَنقل الباقلاني وَالْغَزالِيّ عَنهُ: (أَنه مَأْمُور بِهِ دون الْمَنْدُوب، كمرتبة الْمَنْدُوب إِلَى الْوَاجِب) . دَلِيل الأول - وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة -: الْأَمر يسْتَلْزم تَرْجِيح الْفِعْل،

стр. 1026

وَلَا تَرْجِيح فِي الْمُبَاح، وَلِأَن فِي الشَّرِيعَة مُبَاحا غير مَأْمُور بِهِ إِجْمَاعًا. قَالَ الكعبي: كل مُبَاح ترك حرَام، وَترك الْحَرَام وَاجِب، وَلَا يتم إِلَّا بِأحد أضداده، وَمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَاجِب. وَتَأَول الْإِجْمَاع بِالنّظرِ إِلَى ذَات الْفِعْل دون تعلق الْأَمر بِهِ، بِسَبَب توقف ترك الْحَرَام عَلَيْهِ، جمعا بَين الْأَدِلَّة. ورد: بِأَن الْمُبَاح لَيْسَ ترك الْحَرَام، بل شَيْء يتْرك بِهِ الْحَرَام مَعَ إِمْكَان تَركه بِغَيْرِهِ، فَلَا يجب. ورد: بِأَن فِيهِ تَسْلِيم وجوب أحد مَا يتْرك بِهِ الْحَرَام، غَايَته أَنه غير معِين، وَيتَعَيَّن بِفِعْلِهِ. وألزم الكعبي - أَيْضا - بِوُجُوب الْمحرم، إِذا ترك بِهِ محرم، وَتَحْرِيم الْوَاجِب إِذا ترك بِهِ وَاجِب. فَأجَاب: لَا مَانع من اتصاف الْفِعْل بهما: كَالصَّلَاةِ فِي الْغَضَب. وَلنَا: مَنعه على أصلنَا. وَذكر ابْن عقيل الْمَسْأَلَة فِي النّسخ، وَأجَاب: (بِأَن الْعَمَل الشاغل لأذوات الْمُكَلف وأبعاضه يمْتَنع مَعَه فعل آخر للتضاد والتنافي، فَلَا يُسمى متروكا وَلَا تَارِكًا حَقِيقَة، وَلَا قَادِرًا عَلَيْهِ، فَمن هُنَا دهي الكعبي، لم يفصل بَين التّرْك وتعدد الْفِعْل للتنافي) . وَذكر الْآمِدِيّ أَن قَوْله غَايَة الغوص والإشكال، وَأَنه لَا ملخص إِلَّا بِمَنْع وجوب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ.

стр. 1027

وجنح - أَيْضا - إِلَى هَذَا ابْن برهَان. قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (وَمن الْعجب مَا حَكَاهُ عَنهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَابْن برهَان، والآمدي من إِنْكَار الْمُبَاح فِي الشَّرِيعَة، وَأَنه [لَا] وجود لَهُ أصلا، وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع) . قَوْله: ﴿وَالْخلف فيهمَا لَفْظِي﴾ . أَي: فِي كَونه لَيْسَ جِنْسا الْخلف فِيهِ لَفْظِي، كَمَا تقدم فِي كَلَام الْأَصْفَهَانِي، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، وَكَذَلِكَ الْآمِدِيّ. وَفِي كَونه مَأْمُورا بِهِ أم لَا، الْخلف فِيهِ لَفْظِي، نَص عَلَيْهِ التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع ". قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ فِي " شَرحه ": (لما نفى المُصَنّف أَنه مَأْمُور بِهِ قيد ذَلِك بقوله: من حَيْثُ هُوَ، أَي: بِالنّظرِ إِلَى ذَاته، أَي: أما بِالنّظرِ إِلَى غَيره، وَهُوَ أَنه يحصل بِهِ ترك الْحَرَام كَمَا يحصل [بِغَيْرِهِ] فَهُوَ مَأْمُور بِهِ أَو بِغَيْرِهِ، فَمن الْوَاجِب الْمُخَير، وَلذَلِك قَالَ: إِن الْخلاف فِي ذَلِك لَفْظِي) انْتهى.

стр. 1028

قَوْله: ﴿وعَلى الأول، إِن أُرِيد بِالْأَمر الْإِبَاحَة، فمجاز عِنْد الْأَرْبَعَة وَغَيرهم﴾ . وَاخْتَارَهُ أَكثر أَصْحَابنَا، لِأَن الْحَقِيقَة تَرْجِيح، وَلَا تَرْجِيح فِي الْمُبَاح، [والعلاقة] المشابهة المعنوية، لِأَن كلا مِنْهُمَا مَأْذُون فِيهِ. ﴿وَقَالَ أَبُو الْفرج﴾ الْمَقْدِسِي - من أَئِمَّة أَصْحَابنَا - ﴿وَبَعض الشَّافِعِيَّة: حَقِيقَة، وللقاضي [قَولَانِ] ﴾ . أَعنِي: أَنه قَالَ مرّة: إِنَّه مجَاز، وَمرَّة قَالَ: حَقِيقَة. قَوْله: ﴿ [وَالْإِبَاحَة] شَرْعِيَّة إِن أُرِيد بهَا خطاب الشَّرْع،

стр. 1029

وَإِلَّا عقلية﴾ . لتحققها قبل الشَّرْع، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء. وَخَالف بعض الْمُعْتَزلَة فَقَالُوا: الْمُبَاح: مَا انْتَفَى الْحَرج فِي فعله وَتَركه، وَذَلِكَ ثَابت قبل الشَّرْع وَبعده. وَنحن ننكر أَن ذَلِك إِبَاحَة شَرْعِيَّة، بل الْإِبَاحَة خطاب الشَّرْع بذلك فَافْتَرقَا. وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (اخْتلف فِي أَن الْإِبَاحَة حكم شَرْعِي أَو لَا؟ فَقَالَ بعض الْمُعْتَزلَة بِالثَّانِي، لتفسيره بِنَفْي الْحَرج، وَالْخلاف إِذن لَفْظِي) انْتهى. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي: (وَالْحق أَن النزاع فِيهِ لَفْظِي، فَإِن أُرِيد بِالْإِبَاحَةِ: عدم الْحَرج عَن الْفِعْل فَلَيْسَ حكما شَرْعِيًّا، لِأَنَّهُ قبل الشَّرْع مُتَحَقق، وَلَا حكم قبل، وَإِن أُرِيد بهَا الْخطاب الْوَارِد من الشَّرْع بِانْتِفَاء [الْحَرج] من الطَّرفَيْنِ، فَهِيَ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة) انْتهى.

стр. 1030

قَوْله: ﴿وَتسَمى شَرْعِيَّة، بِمَعْنى: [التَّقْرِير] ﴾ . قَالَ ابْن مُفْلِح: (تسمى شَرْعِيَّة، بِمَعْنى: التَّقْرِير. ﴿و﴾ الْإِبَاحَة - ﴿بِمَعْنى الْإِذْن﴾ - شَرْعِيَّة ﴿إِلَّا أَن نقُول: الْعقل [يُبِيح] ﴾ ) . ﴿و﴾ قَالَ الْمُوفق ﴿فِي " الرَّوْضَة "﴾ - لما قسم الْأَفْعَال -: ﴿وَقسم لم يتَعَرَّض الشَّرْع لَهُ بِدَلِيل من أَدِلَّة السّمع، فَيحْتَمل أَن يُقَال: قد دلّ السّمع على أَن مَا لم يردهُ [فِيهِ] طلب فعل وَلَا ترك فالمكلف [فِيهِ] مُخَيّر، وَيحْتَمل أَن يُقَال: لَا حكم لَهُ﴾ . انْتهى. قَوْله: ﴿وَلَيْسَت بتكليف عِنْد الْأَرْبَعَة [وَغَيرهم] ، وَخَالف الْأُسْتَاذ﴾ أَبُو إِسْحَاق ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1031

الأسفراييني. قَالَ الطوفي فِي " شَرحه " وَغَيره: (وَالْخلاف لَفْظِي، إِذْ من قَالَ: لَيست تكليفا، [نظر] إِلَى أَنه لَيْسَ فِيهَا مشقة جازمة، كمشقة الْوَاجِب والمحظور، وَلَا غير جازمة كَمَا بَينا فِي مشقة الْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه، وَهِي مشقة فَوَات الْفَضِيلَة، إِذْ لَا فَضِيلَة فِي الْمُبَاح لذاته يشق على الْمُكَلف [فَوَاتهَا] بِتَرْكِهِ. وَمن قَالَ: هِيَ تَكْلِيف، أَرَادَ أَنه يجب اعْتِقَاد كَونه مُبَاحا، وَهَذَا لَا يمنعهُ الأول، والأستاذ لَا يمْنَع أَن لَا مشقة فِي الْمُبَاح، فَتبين أَن النزاع لَفْظِي لعدم وُرُوده على مَحل وَاحِد، إِذْ الأول يَقُول: الْإِبَاحَة لَا مشقة [فِيهَا] ، والأستاذ يَقُول: يجب اعْتِقَاد أَن الْمُبَاح لَيْسَ وَاجِبا وَلَا مَحْظُورًا وَلَا مَنْدُوبًا وَلَا مَكْرُوها) . انْتهى. ﴿و﴾ ذكر الْمُوفق ﴿فِي " الرَّوْضَة " كَالْأولِ﴾ .

стр. 1032

يَعْنِي: أَنَّهَا لَيست بتكليف، ﴿وعدها﴾ - أَيْضا - ﴿ [من] أَحْكَام التَّكْلِيف﴾ ، وَقَالَ: (من قَالَ: التَّكْلِيف مَا كلف اعْتِقَاد كَونه من الشَّرْع، فَهِيَ تَكْلِيف) ، وَضَعفه بِلُزُوم جَمِيع الْأَحْكَام. ﴿وَقَالَ الْمجد﴾ فِي " المسودة ": ﴿ (وَالتَّحْقِيق فِي ذَلِك عِنْدِي: أَن الْمُبَاح من أَحْكَام التَّكْلِيف، بِمَعْنى: أَنه يخْتَص بالمكلفين﴾ ، أَي: أَن الْإِبَاحَة والتخيير لَا يَصح إِلَّا لمن يَصح إِلْزَامه الْفِعْل أَو التّرْك، فَأَما النَّاسِي والنائم وَالْمَجْنُون، فَلَا إِبَاحَة فِي حَقهم كَمَا لَا حظر وَلَا إِيجَاب، فَهَذَا معنى جعلهَا من أَحْكَام التَّكْلِيف، لَا بِمَعْنى: أَن الْمُبَاح مُكَلّف بِهِ) . قَوْله: ﴿فَائِدَتَانِ: الأولى: الْجَائِز لُغَة العابر﴾ . قَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الْجَائِز: الْمَار) .

стр. 1033

وَقَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (جَازَ الْمَكَان يجوزه جوزا وجوازا: سَار فِيهِ، وَأَجَازَهُ - بِالْألف -: قطعه، وَأَجَازَهُ: أنفذه، [قَالَه] ابْن فَارس، وَجَاز العقد وَغَيره: نفذ وَمضى على الصِّحَّة، وأجزت العقد: أمضيته، وَجَعَلته جَائِزا نَافِذا) . انْتهى. قَوْله: ﴿وَاصْطِلَاحا﴾ : مَا وَافق الشَّرِيعَة، قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين. قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " وَغَيره: ( ﴿يُطلق﴾ الْجَائِز اصْطِلَاحا ﴿على الْمُبَاح، وعَلى مَا لَا يمْتَنع شرعا، [وَمَا لَا يمْتَنع] عقلا - فَيعم الْوَاجِب [والممكن الْخَاص - وعَلى مَا لَا يمْتَنع وجوده وَعَدَمه - وَهُوَ مُمكن خَاص، أخص مِمَّا قبله - شرعا وعقلا على مَا يشك أَنه لَا يمْتَنع، وعَلى مَا يشك أَنه اسْتَوَى وجوده وَعَدَمه] ﴾ ) . انْتهى. قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (هَذِه الْمسَائِل تتَعَلَّق بالمباح، وَمن أَسْمَائِهِ

стр. 1034

الْجَائِز، وَأَنه [كَمَا] يُطلق على الْمُبَاح، يُطلق على مَا لَا يمْتَنع شرعا، مُبَاحا كَانَ أَو وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا أَو مَكْرُوها، وعَلى مَا لَا يمْتَنع عقلا، وَاجِبا كَانَ، أَو راجحا، أَو [متساوي] الطَّرفَيْنِ، أَو مرجوحا، وعَلى مَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ، سَوَاء اسْتَويَا شرعا كالمباح، أَو عقلا [كَفعل] الصَّبِي، وعَلى الْمَشْكُوك فِيهِ فِي الشَّرْع أَو الْعقل [بالاعتبارين [وهما] : اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ، وَعدم الِامْتِنَاع. يَعْنِي: أَنه كَمَا يُقَال الْمَشْكُوك فِيهِ لما يستوى طرفاه فِي النَّفس، يُقَال لما لَا يمْتَنع فِي النَّفس، أَي: لَا يجْزم بِعَدَمِهِ، كَمَا يُقَال فِي] النقليات وَإِن غلبت على الظَّن بعد فِيهِ شكّ، أَي: احْتِمَال، وَلَا يُرَاد بِهِ تَسَاوِي الطَّرفَيْنِ، كَذَلِك يُقَال: هُوَ جَائِز، وَالْمرَاد أَحدهمَا) انْتهى. وتابعناه على ذَلِك فِي الأَصْل. وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (يُطلق الْجَائِز على الْمُبَاح، وعَلى مَا لَا يمْتَنع شرعا أَو عقلا، أَي: على مَا لَا يحرم، وَيدخل فِيهِ غير الْحَرَام من الْأَحْكَام،

стр. 1035

وَيُطلق فِي عرف المنطقيين: على مَا لَا يمْتَنع عقلا، وَهُوَ الْمُسَمّى بالممكن الْعَام. قلت: وَهَذَا اصْطِلَاح بَاطِل، عقلا، وَشرعا. وَيدخل فِيهِ الْوَاجِب والممكن الْخَاص، وَقد يحد بِحَدّ الْمُمكن الْعَام، وَهُوَ: (سلب مَا فِيهِ الضَّرُورَة من الْجَانِب الْمُخَالف للْحكم) ، وعَلى مَا اسْتَوَى فِي الْأَمْرَانِ، أَي: وجوده وَعَدَمه عقلا، وَهُوَ الْمُسَمّى بالممكن الْخَاص فِي عرفهم، وَيُطلق على مَا اسْتَوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ، وعَلى الْمَشْكُوك فِيهِ شرعا أَو عقلا. وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الْخَمْسَة لَهَا نَظَائِر من الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة. فنظير الْوَاجِب الشَّرْعِيّ: ضَرُورِيّ الْوُجُود، وَهُوَ الْوَاجِب عقلا. وَنَظِير الْمحرم: الْمُمْتَنع. وَنَظِير الْمَنْدُوب: الْمُمكن الأكثري. وَنَظِير الْمَكْرُوه: الْمُمكن الأقلي. وَنَظِير الْمُبَاح: الْمُمكن المتساوي الطَّرفَيْنِ) . انْتهى.

стр. 1036

قَوْله: ﴿الثَّانِيَة: الْمُمكن: مَا جَازَ وُقُوعه حسا، أَو وهما، أَو شرعا﴾ . إِذا قلت: هَذَا مُمكن، صَحَّ حَيْثُ أمكن وُقُوعه فِي الْحس، أَو الْوَهم، أَو فِي الشَّرْع، فَمَتَى أمكن وُقُوعه فِي الْوُجُود قيل لَهُ: مُمكن.

стр. 1037

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿لَو نسخ الْوُجُوب بَقِي الْجَوَاز، [فالمجد، و] الْأَكْثَر، وَحكي عَن الْأَصْحَاب: [مُشْتَرك بَين النّدب وَالْإِبَاحَة، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، وَابْن عقيل، وَابْن حمدَان: النّدب] ، وَمنع فِي " الرَّوْضَة ": أَن الْوُجُوب ندب وَزِيَادَة، وَقيل: الْإِبَاحَة، وَعنهُ: يعود إِلَى مَا كَانَ، [كأكثر الْحَنَفِيَّة، والتميمي، وَالْغَزالِيّ] ﴾ . الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر: أَن الْوُجُوب إِذا نسخ بَقِي الْجَوَاز فِي الْجُمْلَة.

стр. 1038

قَالَ الْفَخر ابْن تَيْمِية فِي " التَّلْخِيص " فِي بَاب الْحِوَالَة: (الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا بَقَاؤُهُ) . وَذهب أَكثر الْحَنَفِيَّة، والتميمي من أَصْحَابنَا، وَالْغَزالِيّ، وَهُوَ رِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد: أَن الْأَمر يعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة، أَو الْإِبَاحَة، أَو التَّحْرِيم، فَكَأَن الْوُجُوب بعد نسخه لم يكن، وَحَكَاهُ الزَّرْكَشِيّ - شَارِح " جمع الْجَوَامِع " - عَن أَكثر الشَّافِعِيَّة الأقدمين. فعلى القَوْل الأول - الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر - اخْتلفُوا: مَا المُرَاد بِالْجَوَازِ؟ فَقيل: هُوَ الْجَوَاز الْمُشْتَرك بَين الْإِبَاحَة وَالنَّدْب، فَيبقى الْفِعْل، إِمَّا مُبَاحا أَو مَنْدُوبًا؛ لِأَن الْمَاهِيّة الْحَاصِلَة بعد النّسخ مركبة من قيدين: أَحدهمَا: زَوَال الْحَرج عَن الْفِعْل، وَهُوَ مُسْتَفَاد من الْأَمر. وَالثَّانِي: زَوَال الْحَرج عَن التّرْك، وَهُوَ مُسْتَفَاد من النَّاسِخ، وَهَذِه الْمَاهِيّة صَادِقَة على الْمَنْدُوب والمباح، فَلَا يتَعَيَّن أَحدهمَا بِخُصُوصِهِ. وَهَذَا القَوْل اخْتَارَهُ الْأَكْثَر، مِنْهُم: الْمجد وَغَيره، وَرجحه

стр. 1039

الرَّازِيّ، وَأَتْبَاعه، والمتأخرون، وَحكي عَن الْأَكْثَر. وَقَالَ القَاضِي فِي " الْعدة "، وَأَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد "، وَابْن عقيل فِي " الْوَاضِح "، وَابْن حمدَان فِي " الْمقنع ": (يبْقى النّدب) ؛ لِأَن النّدب عِنْدهم بعض الْوُجُوب، فَإِذا زَالَ الْوُجُوب، بَقِي النّدب، لِأَن الْمُرْتَفع التحتم بِالطَّلَبِ، فَإِذا زَالَ التحتم بَقِي أصل الطّلب، وَهُوَ النّدب، فَيبقى الْفِعْل مَنْدُوبًا. قَالَ أَبُو الْخطاب، وَغَيره من أَصْحَابنَا: (هِيَ من فَوَائِد الْأَمر هَل هُوَ حَقِيقَة فِي النّدب؟) ، فَيُؤْخَذ مِنْهُ بَقَاء النّدب لَا الْإِبَاحَة، على مَا سبق، لِأَن الصُّورَة: أَنه رفع الْوُجُوب وَحده، بِأَن يَقُول الشَّارِع: نسخت الْوُجُوب، أَو حُرْمَة التّرْك، أَو رفعت الْوُجُوب، كَانَ مركبا من

стр. 1040

جزئين: أَحدهمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: جَوَاز الْفِعْل، فَإِذا رفع أَحدهمَا بَقِي الآخر. انْتهى. وَمنع الشَّيْخ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة " - فِي مَسْأَلَة الْأَمر الْمُطلق للْوُجُوب - أَن الْوُجُوب ندب وَزِيَادَة، لدُخُول جَوَاز التّرْك فِي حد النّدب. وَقَالَهُ الْغَزالِيّ - قبله - فَإِنَّهُ قَالَ: (هَذَا بِمَنْزِلَة قَول الْقَائِل: كل وَاجِب فَهُوَ مَنْدُوب وَزِيَادَة، فَإِذا نسخ الْوُجُوب بَقِي النّدب، وَلَا قَائِل بِهِ) انْتهى. وَقَالَهُ - أَيْضا - ابْن الْقشيرِي. وَقيل: تبقى الْإِبَاحَة فَقَط. قَالَ الْبرمَاوِيّ: (قيل المُرَاد بِالْجَوَازِ: التَّخْيِير بَين الْأَمريْنِ. وَصرح بِهِ الْغَزالِيّ، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه، [لِأَنَّهُ] بِهَذَا الْمَعْنى وَإِن لم يكن جِنْسا للْوَاجِب، لَكِن يخلف عِنْد النّسخ قيد الْمَنْع من

стр. 1041

التّرْك - الَّذِي هُوَ فصل الْإِيجَاب - فصل رفع الْحَرج عَن التّرْك، فَيكون كالجنس الَّذِي هُوَ قدر مُشْتَرك بَين الْإِيجَاب وَالْإِبَاحَة، وَلَو سلما أَنه لَا بُد من فصل يتقوم بِهِ وَلَا يتقوم بِنَفسِهِ) . قَالَ الْبرمَاوِيّ - أَيْضا -: (وَقيل: هُوَ رفع الْحَرج عَن الْفِعْل، لَا الْإِبَاحَة الَّتِي هِيَ رفع الْحَرج عَن الْفِعْل وَعَن التّرْك مَعًا، لِأَن هَذِه لَيست هِيَ جنس الْوُجُوب، إِنَّمَا جنسه الْجَوَاز [بِمَعْنى] رفع الْحَرج عَن الْفِعْل) انْتهى. وَلَعَلَّه يَعْنِي بِهَذِهِ الْمقَالة: أَنه يبْقى النّدب كَمَا تقدم عَن جمَاعَة. تَنْبِيهَات: الأول: ذهب طَائِفَة إِلَى أَن الْخلاف الْمَذْكُور لَفْظِي، مِنْهُم: ابْن التلمساني، والهندي، لأَنا إِن فسرنا الْجَوَاز بِنَفْي الْحَرج فَلَا شكّ أَنه جنس للْوَاجِب، وَإِذا رفع الْوُجُوب وَحده فَلَا يلْزم ارتفاعه، وَإِن فسرناه بِالْإِبَاحَةِ، أَو بالأعم، أَو بالندب، [فخاصيتها تنَافِي خاصية] الْوُجُوب، فَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا جِنْسا للْوُجُوب، فَإِذا رفع الْوُجُوب لَا تُوجد إِلَّا بِدَلِيل يَخُصهَا، فَلَا نزاع؛ لِأَن الْأَقْوَال لم تتوارد على مَحل وَاحِد.

стр. 1042

وَأجِيب عَن ذَلِك: بِأَن الَّذِي يُعِيد الْحَال إِلَى مَا كَانَ قبل الْإِيجَاب من إِبَاحَة أَو تَحْرِيم أَو كَرَاهَة، غير الَّذِي يَأْخُذ من حُدُوث الْإِيجَاب بعد ذَلِك أَن تبقى إِبَاحَة شَرْعِيَّة أَو ندب كَمَا قرر، حَتَّى يسْتَدلّ أَنه مُبَاح أَو مَنْدُوب بذلك الْأَمر الَّذِي نسخت خَاصَّة التحتم [مِنْهُ] ، وَبَقِيَّة مَا تضمنه بَاقِيَة، فَلَا يكون الْخلاف لفظيا، بل معنويا، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ قبل مَجِيء أَمر الْإِيجَاب حَرَامًا، وأعيد الْحَال إِلَى ذَلِك كَانَ حَرَامًا، وَمن يَقُول: يبْقى الْجَوَاز، لَا يكون حَرَامًا. الثَّانِي: إِذا كَانَ أَمر الْإِيجَاب متضمنا لشيئين: أَعم، وأخص، فَإِذا رفع الْأَخَص وَبَقِي الْأَعَمّ، كَيفَ يكون نسخا وَلم يرفع الْكل وَإِنَّمَا خصصه؟ وَجَوَابه: أَن رفع أحد الجزئين من الْمركب لَا يكون تَخْصِيصًا، إِنَّمَا التَّخْصِيص: إِخْرَاج جزئي من كلي. الثَّالِث: اخْتِلَاف أهل الْأُصُول فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، نَظِير اخْتِلَاف الْفُقَهَاء فِي قَوْلهم: إِذا بَطل الْخُصُوص هَل يبْقى الْعُمُوم؟

стр. 1043

وَلنَا مسَائِل كَثِيرَة فروعية من هَذَا الْقَبِيل، ذكرهَا القَاضِي عَلَاء الدّين البعلي فِي قَوَاعِده الْأُصُولِيَّة فِي الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالسِّتِّينَ، فليعاودها من أرادها. لَكِن نذْكر هُنَا مِنْهَا بعض مسَائِل لِئَلَّا يَخْلُو كتَابنَا مِنْهَا. فَمِنْهَا: لَو انْتقل فِي أثْنَاء فرض الصَّلَاة إِلَى فرض صَلَاة أُخْرَى، بطلت الأولى، وانقلبت الثَّانِيَة نفلا فِي الْأَصَح. وَمِنْهَا: أَن كل مَا يفْسد الْفَرْض فَقَط إِذا وجد فِيهِ، كَذَلِك، كَمَا لَو نوى صَلَاة مَفْرُوضَة، وصلاها وَهُوَ قَاعد، قَادِرًا على الْقيام، فَإِن الْفَرِيضَة لَا تصح، تصح نفلا على الْأَصَح. وَكَذَا لَو صلى الْفَرِيضَة فِي الْكَعْبَة، صحت نفلا فِي الْأَصَح. وَكَذَا لَو ائتم بمنتفل أَو بصبي فِي فَرِيضَة، إِن اعْتقد جَوَازه فِيهِنَّ، صَحَّ نفلا على الْمَذْهَب. وَمِنْهَا: لَو أحرم بفائتة فَلم تكن عَلَيْهِ، أَو أحرم بِفَرْض فَبَان أَن الْوَقْت لم يدْخل، انْقَلب نفلا لبَقَاء أصل النِّيَّة، وَهَذَا أصح الرِّوَايَتَيْنِ.

стр. 1044

وَمِنْهَا: لَو ظن رب المَال أَن عَلَيْهِ زَكَاة فأخرجها، ثمَّ بَان أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ، لم يرجع بهَا على الْمَسَاكِين لوقوعها نفلا، قَالَه القَاضِي، وَذكره الْمجد مَحل وفَاق. وَمِنْهَا: حَيْثُ قُلْنَا: تبطل الْجُمُعَة بِخُرُوج الْوَقْت، أَو نُقْصَان الْعدَد وَنَحْوه، فَهَل تنْقَلب ظهرا، أَو يستأنفونها ظهرا؟ فِيهِ وَجْهَان، وَإِذا قُلْنَا: يستأنفونها، فَإِنَّهَا تنْقَلب نفلا، ذكره صَاحب " التَّلْخِيص " فِي المزحوم. قَوْله: ﴿وَلَو صرف النَّهْي عَن التَّحْرِيم [بقيت] الْكَرَاهَة حَقِيقَة، [عِنْد] ابْن عقيل، وَغَيره﴾ . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي " المسودة ": (إِذا قَامَ دَلِيل على أَن النَّهْي لَيْسَ للْفَسَاد، لم يكن مجَازًا؛ لِأَنَّهُ لم ينْتَقل عَن جَمِيع مُوجبه، وَإِنَّمَا انْتقل عَن بعض مُوجبه: كالعموم الَّذِي خرج بعضه، بَقِي حَقِيقَة فِيمَا بَقِي، قَالَه ابْن عقيل.

стр. 1045

قَالَ: وَكَذَا إِذا قَامَت الدّلَالَة على نَقله عَن التَّحْرِيم، فَإِنَّهُ يبْقى نهيا حَقِيقَة على التَّنْزِيه، كَمَا إِذا قَامَت دلَالَة الْأَمر على أَن الْأَمر لَيْسَ على الْوُجُوب. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين - بعد كَلَامه هَذَا - قلت: الأول مَبْنِيّ على أَن الْفساد مَدْلُول عَلَيْهِ بِلَفْظ النَّهْي، وَإِلَّا فَإِن كَانَ مَعْلُوما بِالْعقلِ أَو بِالشَّرْعِ لم يكن انتفاؤه مجَازًا، وَلَا إِخْرَاج [بعض مَدْلُول] اللَّفْظ، وَهَكَذَا كل دلَالَة لزومية، فَإِن [تخلفها] هَل يَجْعَل اللَّفْظ مجَازًا؟ وَهل يكون بِمَنْزِلَة التَّخْصِيص) انْتهى.

стр. 1046

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿خطاب الْوَضع: مَا اسْتُفِيدَ من نصب الشَّارِع علما مُعَرفا لحكمه﴾ . لما فَرغْنَا من أَحْكَام خطاب التَّكْلِيف، ويعبر عَنهُ - أَيْضا - بخطاب الشَّرْع، وبخطاب اللَّفْظ، شرعنا فِي الْكَلَام على أَحْكَام خطاب الْوَضع والإخبار، وحدِّه، وَالْفرق بَينه وَبَين [خطاب التَّكْلِيف] . فحده: مَا اسْتُفِيدَ بِوَاسِطَة نصب الشَّارِع عَلما مُعَرفا لحكمه.

стр. 1047

وَإِنَّمَا قيل ذَلِك، لتعذر معرفَة خطابه فِي كل حَال، وَفِي كل وَاقعَة، بعد انْقِطَاع الْوَحْي، حذارا من تَعْطِيل أَكثر الوقائع عَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. سمي بذلك؛ لِأَنَّهُ شَيْء وَضعه فِي شرائعه، أَي: جعله دَلِيلا، وسببا، وشرطا، لَا أَنه أَمر بِهِ عباده، وَلَا أناطه بأفعالهم، من حَيْثُ هُوَ خطاب وضع، وَلذَلِك لَا يشْتَرط فِيهِ الْعلم وَالْقُدْرَة، فِي أَكثر خطاب الْوَضع كالتوريث وَنَحْوه، على مَا يَأْتِي قَرِيبا. قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (وَيُسمى هَذَا النَّوْع: خطاب الْوَضع والإخبار. أما معنى الْوَضع فَهُوَ: أَن الشَّرْع وضع - أَي: شرع - أمورا سميت أسبابا وشروطا وموانع تعرف عِنْد وجودهَا أَحْكَام الشَّرْع من إِثْبَات أَو نفي، فالأحكام تُوجد بِوُجُود الْأَسْبَاب والشروط، وتنتفي لوُجُود الْمَانِع وَانْتِفَاء الْأَسْبَاب والشروط. وَأما معنى الْإِخْبَار فَهُوَ: أَن الشَّرْع بِوَضْع هَذِه الْأُمُور أخبرنَا بِوُجُود أَحْكَامه [أَو انتفائها] ، عِنْد وجود تِلْكَ الْأُمُور أَو انتفائها، كَأَنَّهُ قَالَ مثلا: إِذا وجد النّصاب الَّذِي هُوَ سَبَب وجوب الزَّكَاة، والحول الَّذِي هُوَ شَرطه، فاعلموا أَنِّي قد أوجب عَلَيْكُم أَدَاء الزَّكَاة، وَإِن وجد الدّين الَّذِي هُوَ مَانع من وُجُوبهَا، أَو انْتَفَى السّوم الَّذِي هُوَ شَرط لوُجُوبهَا فِي السَّائِمَة، فاعلموا أَنِّي لم أوجب عَلَيْكُم الزَّكَاة. وَكَذَا الْكَلَام فِي الْقصاص، وَالسَّرِقَة، وَالزِّنَا، وَغَيرهَا، بِالنّظرِ إِلَى

стр. 1048

وجود أَسبَابهَا وشروطها، وَانْتِفَاء موانعها، وَعَكسه) انْتهى. وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ وَغَيره: (وَالْفرق بَين خطاب الْوَضع وخطاب التَّكْلِيف من حَيْثُ الْحَقِيقَة: أَن الحكم فِي خطاب الْوَضع هُوَ قَضَاء الشَّرْع على الْوَصْف بِكَوْنِهِ سَببا أَو شرطا أَو مَانِعا، وخطاب التَّكْلِيف لطلب أَدَاء مَا تقرر بالأسباب والشروط والموانع) انْتهى. قَالَ الطوفي: (خطاب الْوَضع يسْتَلْزم خطاب التَّكْلِيف، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعلم بِهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ [الْمَائِدَة: ٣٨] ، و ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا﴾ [النُّور: ٢] ، وَقَوله ﷺ َ -: " من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ "، وَنَحْو ذَلِك من الْأَلْفَاظ المفيدة للْأَحْكَام الوضعية، بِخِلَاف خطاب التَّكْلِيف؛ فَإِنَّهُ لَا يسْتَلْزم خطاب الْوَضع، كَمَا لَو قَالَ الشَّارِع: توضؤوا لَا عَن حدث، فَإِن هَذَا خطاب تكليفي بِفعل مُجَرّد عَن سَبَب مَوْضُوع أَو غَيره) انْتهى .

стр. 1049

وَقَالَ - أَيْضا -: (الصَّوَاب فِي الْقِسْمَة أَن يُقَال: خطاب الشَّرْع إِمَّا لَفْظِي أَو وضعي، أَي: إِمَّا ثَابت بالألفاظ نَحْو: ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ [الْأَنْعَام: ٧٢] ، أَو عِنْد الْأَسْبَاب وَنَحْوهَا، كَقَوْلِه: إِذا زَالَت الشَّمْس وَجَبت عَلَيْكُم الظّهْر، فاللفظ أثبت وجوب الصَّلَاة، والوضع عين وَقت وُجُوبهَا) . قلت: تقدّمت هَذِه الْمَسْأَلَة وَالْخلاف فِيهَا، فِي أول خطاب التَّكْلِيف - بعد قَوْلنَا: (ثمَّ الْخطاب إِمَّا أَن يرد) ، بعد قَوْله: (وَإِلَّا فوضعي) - وَذكرنَا كَلَام الْقَرَافِيّ هُنَاكَ محررا فليعاود. قَوْله: ﴿ [وَهُوَ] خبر﴾ . تقدم أَن خطاب التَّكْلِيف إنْشَاء، وخطاب الْوَضع خبر، وَقدمنَا قَرِيبا [أَن] الْفرق بَين خطاب الْوَضع وخطاب التَّكْلِيف من حَيْثُ الْحَد والحقيقة، وَالْفرق بَينهمَا الْآن من حَيْثُ الحكم: أَن خطاب الشَّرْع يشْتَرط

стр. 1050

فِيهِ: علم الْمُكَلف، وَقدرته على الْفِعْل، وَكَونه من كَسبه: كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْم، وَالْحج، وَنَحْوهَا، على مَا سبق فِي شُرُوط التَّكْلِيف. وَأما خطاب الْوَضع فَلَا يشْتَرط فِيهِ شَيْء من ذَلِك إِلَّا مَا اسْتثْنِي. أما عدم اشْتِرَاط الْعلم: فكالنائم يتْلف شَيْئا حَال نَومه، والرامي إِلَى صيد فِي ظلمَة، أَو من وَرَاء حَائِل، فَيقْتل إنْسَانا، فَإِنَّهُمَا يضمنَانِ وَإِن لم يعلمَا، وكالمرأة تحل بِعقد وَليهَا عَلَيْهَا، وَتحرم بِطَلَاق زَوجهَا، وَإِن كَانَت غَائِبَة لَا تعلم ذَلِك. وَأما عدم اشْتِرَاط الْقُدْرَة وَالْكَسْب: فكالدابة تتْلف شَيْئا، وَالصَّبِيّ أَو الْبَالِغ يقتل خطأ، فَيضمن صَاحب الدَّابَّة، والعاقلة، وَإِن

стр. 1051

لم يكن الْقَتْل والإتلاف مَقْدُورًا وَلَا [مكتسبا] لَهُم، وَطَلَاق الْمُكْره عِنْد من يوقعه، وَهُوَ غير مَقْدُور لَهُ بِمُطلق الْإِكْرَاه، أَو مَعَ الإلجاء. وَأما الْمُسْتَثْنى من عدم اشْتِرَاط الْعلم وَالْقُدْرَة، فقاعدتان: إِحْدَاهمَا: أَسبَاب الْعُقُوبَات: كَالْقصاصِ لَا يجب على مخطيء فِي الْقَتْل، لعدم الْعلم، وحد الزِّنَا لَا يجب على من وطيء أَجْنَبِيَّة يَظُنهَا زَوجته، لعدم الْعلم أَيْضا، وَلَا على من أكره على الزِّنَا، لعدم الْقُدْرَة على الِامْتِنَاع، إِذا الْعُقُوبَات تستدعي وجود الْجِنَايَات الَّتِي تنتهك بهَا حُرْمَة الشَّرْع، زجرا عَنْهَا وردعا، والانتهاك إِنَّمَا يتَحَقَّق مَعَ الْعلم، وَالْقُدْرَة، وَالِاخْتِيَار، و [الْقَادِر] الْمُخْتَار هُوَ: الَّذِي إِن شَاءَ فعل، وَإِن شَاءَ ترك، وَالْجَاهِل وَالْمكْره قد انْتَفَى ذَلِك فِيهِ - وَهُوَ شَرط تحقق الانتهاك - لانْتِفَاء شَرطه، فتنتفي الْعقُوبَة، لانْتِفَاء سَببهَا. الْقَاعِدَة الثَّانِيَة: [الْأَسْبَاب] الناقلة للأملاك: كَالْبيع، وَالْهِبَة، وَالْوَصِيَّة، وَنَحْوهَا يشْتَرط فِيهَا الْعلم وَالْقُدْرَة، فَلَو تلفظ بِلَفْظ ناقل للْملك وَهُوَ لَا يعلم مُقْتَضَاهُ، لكَونه أعجميا بَين الْعَرَب، أَو عَرَبيا بَين الْعَجم، أَو أكره على ذَلِك، لم يلْزمه مُقْتَضَاهُ.

стр. 1052

وَالْحكمَة فِي اسْتثِْنَاء هَاتين القاعدتين: الْتِزَام الشَّرْع قانون الْعدْل فِي الْخلق، والرفق بهم، [وإعفاؤه] عَن تَكْلِيف المشاق، أَو التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق، وَهُوَ [حَكِيم] . قَوْله: ﴿وَهُوَ أَقسَام﴾ . أَي: خطاب الْوَضع أَقسَام. ﴿أَحدهَا﴾ . أَي: أحد الْأَقْسَام. ﴿الْعلَّة﴾ . وَقد اخْتلف فِيهَا، هَل هِيَ من خطاب الْوَضع، أم لَا؟ على مَا يَأْتِي آخر أَحْكَام الْوَضع محررا. فَنحْن تابعنا بذكرها هُنَا: الشَّيْخ فِي " الرَّوْضَة "، والطوفي، وَابْن قَاضِي الْجَبَل. قَوْله: ﴿وَهِي [فِي] الأَصْل: الْعرض الْمُوجب لخُرُوج الْبدن الحيواني عَن الِاعْتِدَال الطبيعي﴾ .

стр. 1053

أَي: الْعلَّة فِي أصل الْوَضع اللّغَوِيّ أَو الاصطلاحي هِيَ: الْعرض الْمُوجب لخُرُوج الْبدن الحيواني عَن الِاعْتِدَال الطبيعي. وَذَلِكَ لِأَن الْعلَّة فِي اللُّغَة: هِيَ الْمَرَض، وَالْمَرَض: هُوَ هَذَا الْعرض الْمَذْكُور، وَهُوَ فِي اللُّغَة: الظَّاهِر بعد أَن لم يكن. قَالَ الْجَوْهَرِي: (عرض لَهُ كَذَا يعرض، أَي: ظهر) . وَفِي اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين: مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ: كالألوان، والطعوم، والحركات، والأصوات. وَهُوَ كَذَلِك عِنْد الْأَطِبَّاء؛ لِأَنَّهُ عِنْدهم: عبارَة عَن حَادث مَا، إِذا قَامَ بِالْبدنِ أخرجه عَن الِاعْتِدَال. وَقَوْلنَا: (الْمُوجب لخُرُوج [الْبدن] ) ، هُوَ إِيجَاب حسي: كإيجاب الْكسر للانكسار، والتسويد للاسوداد، فَكَذَلِك الْأَمْرَاض الْبَدَنِيَّة مُوجبَة لاضطراب الْبدن إِيجَابا محسوسا. قَوْلنَا: (الْبدن الحيواني) ، احْتِرَاز عَن النباتي والجمادي، فَإِن الْأَعْرَاض المخرجة لَهَا عَن حَال [اعْتِدَال] مَا من شَأْنه الِاعْتِدَال مِنْهَا، لَا يُسمى فِي الِاصْطِلَاح [عللا] .

стр. 1054

وَقَوْلنَا: (عَن الِاعْتِدَال الطبيعي) ، هُوَ إِشَارَة إِلَى حَقِيقَة المزاج، وَهُوَ: الْحَال المتوسطة الْحَاصِلَة عَن تفَاعل كيفيات العناصر بَعْضهَا فِي بعض، فَتلك الْحَال هِيَ الِاعْتِدَال الطبيعي، فَإِذا انحرفت عَن التَّوَسُّط [بِغَلَبَة] الْحَرَارَة أَو غَيرهَا، كَانَ ذَلِك هُوَ انحراف المزاج، وَهُوَ الْعلَّة، وَالْمَرَض، والسقم. قَوْله: ﴿ثمَّ استعيرت عقلا لما أوجب الحكم الْعقلِيّ لذاته، كالكسر للانكسار﴾ . استعيرت الْعلَّة من الْوَضع اللّغَوِيّ، فَجعلت فِي التَّصَرُّفَات الْعَقْلِيَّة لما أوجب الحكم الْعقلِيّ لذاته، كالكسر للانكسار، والتسويد الْمُوجب - أَي الْمُؤثر - للسواد. لذاته، أَي: لكَونه كسرا أَو تسويدا، لَا لأمر خَارج من وضعي أَو اصطلاحي.

стр. 1055

وَهَكَذَا الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، هِيَ مُؤثرَة لذواتها، بِهَذَا الْمَعْنى: كالتحرك الْمُوجب للحركة، والتسكين الْمُوجب للسكون. قَوْله: ﴿ثمَّ شرعا﴾ . أَي: ثمَّ استعيرت شرعا، أَي: استعيرت الْعلَّة من التَّصَرُّف الْعقلِيّ إِلَى التَّصَرُّف الشَّرْعِيّ، فَجعلت فِيهِ ﴿لمعان﴾ ثَلَاثَة. ﴿أَحدهَا: مَا أوجب الحكم الشَّرْعِيّ﴾ . أَي: مَا وجد عِنْده ﴿لَا محَالة﴾ ، أَي: يُوجد عِنْده قطعا، ﴿وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من مقتضي الحكم، وَشَرطه، وَمحله، وَأَهله﴾ ، تَشْبِيها بأجزاء الْعلَّة الْعَقْلِيَّة. وَذَلِكَ لِأَن الْمُتَكَلِّمين وَغَيرهم قَالُوا: كل حَادث لَا بُد لَهُ من عِلّة، لَكِن الْعلَّة، إِمَّا مادية: كالفضة للخاتم، والخشب للسرير، أَو صورية: كاستدارة الْخَاتم، وتربيع السرير، أَو فاعلية: كالصائغ، أَو النجار، أَو غائية: كالتحلي بالخاتم، وَالنَّوْم على السرير. فَهَذِهِ أَجزَاء الْعلَّة الْعَقْلِيَّة، مجموعها الْمركب من أَجْزَائِهَا هُوَ الْعلَّة التَّامَّة، فَلذَلِك اسْتعْمل الْفُقَهَاء لَفْظَة (الْعلَّة) بِإِزَاءِ الْمُوجب للْحكم الشَّرْعِيّ، والموجب - لَا محَالة - ومقتضية، وَشَرطه، وَمحله، وَأَهله.
следующие страницы →