← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فَظَاهره: أَن ﴿السّنة أَعلَى من الْفَضِيلَة﴾ . وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن من الشَّافِعِيَّة وَالْبَغوِيّ، والخوارزمي: (السّنة: مَا واظب عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ -، وَالْمُسْتَحب: مَا فعله مرّة أَو مرَّتَيْنِ. - وَألْحق بذلك بَعضهم: مَا أَمر بِهِ، وَلم ينْقل أَنه فعله والتطوع: مَا لم يرد فِيهِ بِخُصُوصِهِ نقل) . ورده أَبُو الطّيب فِي " منهاجه ": (بِأَن النَّبِي ﷺ َ - حج مرّة وَفِي أَفعاله فِيهِ مَا هُوَ سنة، وَكَذَا لم يصل الاسْتِسْقَاء ويخطب إِلَّا

стр. 982

مرّة، وهما سنة) . وَقَالَ الْحَلِيمِيّ: (السّنة مَا اسْتحبَّ فعله، وَكره تَركه، وَالْمُسْتَحب: مَا لم يكره تَركه) . وَقيل: (النَّفْل والتطوع وَاحِد، وَهُوَ مَا سوى الْفَرْض وَالسّنة، وَالْمُسْتَحب: من أنواعهما) . وَقيل: (السّنة: مَا فعله النَّبِي ﷺ َ -، وَالْمُسْتَحب: مَا أَمر بِهِ، سَوَاء فعله، أَو لَا، أَو فعله وَلم يداوم عَلَيْهِ) . وَقيل: (السّنة: مَا ترتبت، كالراتبة مَعَ الْفَرِيضَة، وَالنَّفْل وَالنَّدْب: مَا زَاد على ذَلِك) . وَقَالَت الْمَالِكِيَّة: (مَا أَمر الشَّرْع بِهِ وَبَالغ فِيهِ سنة، وَأول الْمَرَاتِب تطوع ونافلة ، وَبَينهمَا فَضِيلَة ومرغب فِيهِ) .

стр. 983

فَائِدَة: قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: (أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو تَمام بِمَكَّة: أَنه سَأَلَ الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق بِبَغْدَاد عَن قَول الْفُقَهَاء: سنة وفضيلة وَنفل وهيئة، فَقَالَ: [هَذِه عامية] فِي الْفِقْه، وَلَا يُقَال إِلَّا فرض وَسنة لَا غير. - قَالَ -: وَأما أَنا فَسَأَلت أَبَا الْعَبَّاس الْجِرْجَانِيّ بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: هَذِه ألقاب لَا أصل لَهَا، وَلَا نعرفها فِي الشَّرْع) . وَالله أعلم.

стр. 984

قَوْله: ﴿وَهُوَ مَأْمُور بِهِ حَقِيقَة عِنْد أَحْمد، وَالشَّافِعِيّ، وَأكْثر أصحابهما﴾ . وَحَكَاهُ ابْن عقيل عَن عُلَمَاء الْأُصُول وَالْفُقَهَاء. وَحكى ابْن الصّباغ فِي الْعدة: أَنه مَأْمُور حَقِيقَة عِنْد أَكثر أَصْحَابهم أَبُو الطّيب عَن نَص الشَّافِعِي. ﴿وَعند أبي الْخطاب، والحلواني، وَالْحَنَفِيَّة، وَبَعض الشَّافِعِيَّة﴾

стр. 985

- مِنْهُم: أَبُو حَامِد وَغَيره -: أَنه ﴿مجَاز﴾ . ﴿ [وَذكر] الشَّيْخ﴾ تَقِيّ الدّين: (أَن المرغب فِيهِ من غير أَمر، هَل يُسمى طَاعَة وأمراً حَقِيقَة؟﴾ فِيهِ أَقْوَال لنا، ﴿ثَالِثهَا: طَاعَة﴾ [لَا] مَأْمُورا بِهِ) انْتهى. دَلِيل القَوْل الأول: دُخُوله فِي حد الْأَمر، وانقسام الْأَمر إِلَيْهِمَا، وَهُوَ مستدعى ومطلوب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ [النَّحْل: ٩٠] ، وَإِطْلَاق الْأَمر عَلَيْهِ فِي الْكتاب وَالسّنة، وَالْأَصْل الْحَقِيقَة، وَلِأَنَّهُ طَاعَة لامتثال الْأَمر.

стр. 986

قَالَ ابْن عقيل: (لَا يجوز غَيره عِنْد أهل اللُّغَة) . رد: بِالْمَنْعِ. ثمَّ: للثَّواب عَلَيْهِ. رد: فَيكون مَأْمُورا بِهِ للثَّواب، كالواجب. رد: بِأَنَّهُ يَعْصِي بِتَرْكِهِ. رد: نعقل الْأَمر وَمُقْتَضَاهُ، وَإِن لم يتَضَمَّن ثَوابًا وعقاباً، وَبِأَن الثَّوَاب بعضه. دَلِيل القَوْل الثَّانِي: قَوْله ﷺ َ -: " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة " مُتَّفق عَلَيْهِ، ولعصى بِتَرْكِهِ. رد: المُرَاد بهَا أَمر الْإِيجَاب، وَلِهَذَا قَيده بالمشقة، وَكَذَا خبر بَرِيرَة الْآتِي فِي أَن الْأَمر للْوُجُوب .

стр. 987

ثمَّ يُسمى عَاصِيا. قَالَ ابْن عقيل: (هَذَا قِيَاس الْمَذْهَب، لقَوْل أَحْمد فِي تَارِك الْوتر: (رجل سوء) ، وَهُوَ مُقْتَضى اللُّغَة، لِأَن كل مَا أطَاع بِفِعْلِهِ عصى بِتَرْكِهِ) . وَقَالَ: (يُقَال: خَالف أَمر الله: إِذا أهمله، أَو دوَام عَلَيْهِ) . وَلِأَنَّهُ يَصح نفي الْأَمر عَنهُ. رد: بِالْمَنْعِ. وَقَالَ ابْن عقيل: (لابد من تَقْيِيد فِي نَفْيه، فَيُقَال: خَالف أَمر الله فِي النَّفْل، كإثباته، فَيُقَال: أَمر ندب) ، وَلِأَن الْأَمر حَقِيقَة للْإِيجَاب. رد: بِأَن النّدب بعض الْوُجُوب، فَهُوَ كاستعمال الْعَام فِي بعضه، قَالَه فِي " الْعدة "، و " التَّمْهِيد "، وَغَيرهمَا. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد حِكَايَة الْخلاف -: (التَّحْقِيق فِي مَسْأَلَة النّدب مَعَ قَوْلنَا: الْأَمر الْمُطلق يُفِيد الْإِيجَاب أَن يُقَال: الْأَمر الْمُطلق لَا يكون إِلَّا إِيجَابا، وَأما الْمَنْدُوب إِلَيْهِ فَهُوَ مَأْمُور بِهِ أمرا مُقَيّدا لَا مُطلقًا، فَيدْخل فِي مُطلق الْأَمر لَا فِي الْأَمر الْمُطلق. يبْقى أَن يُقَال: فَهَل يكون حَقِيقَة أَو مجَازًا؟

стр. 988

أجَاب أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ: بِأَنَّهُ مشكك، كالوجود وَالْبَيَاض. وَأجَاب القَاضِي: بِأَن النّدب بعض الْوُجُوب، فَهُوَ كدلالة الْعَام على بعضه، وَهُوَ عِنْده لَيْسَ بمجاز، إِنَّمَا الْمجَاز دلَالَته على غَيره) . وَهَذَا مِنْهُ يَقْتَضِي: أَن الْأَمر إِذا أُرِيد بِهِ الْإِبَاحَة يكون مجَازًا، وَهُوَ خلاف مَا نقل عَنهُ، فَيكون لَهُ قَولَانِ [ثابتان] . قَوْله: ﴿فعلى الأول يكون للفور، قَالَه القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب﴾ . قَالَا: قِيَاسا على الْوَاجِب، لَكِن لَو لم يَفْعَله على الْفَوْر، مَاذَا يكون؟ يحْتَمل: مَا أَتَى بِهِ على وَجهه. ﴿ [و] قَالَ ابْن عقيل: تكراره [كالواجب] ﴾ . يَعْنِي: كالأمر المُرَاد الْوُجُوب، فَعِنْدَ ابْن عقيل: أَن أَمر النّدب هَل يتَكَرَّر؟ قَالَ: حكمه حكم الْأَمر الَّذِي أُرِيد بِهِ الْوُجُوب، على مَا يَأْتِي فِي مسَائِل الْأَمر، وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضا: أَن أَمر النّدب كالإيجاب عِنْد القَاضِي وَغَيره، وَيَأْتِي الْخلاف فِيهِ.

стр. 989

قَوْله: ﴿وَهُوَ تَكْلِيف﴾ . يَعْنِي: أَن الْمَنْدُوب تَكْلِيف، ﴿قَالَه الْأُسْتَاذ﴾ أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ، ﴿و﴾ القَاضِي أَبُو بكر ابْن ﴿الباقلاني، وَابْن عقيل، والموفق﴾ ابْن قدامَة، ﴿والطوفي﴾ ، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، وَغَيرهم. إِذْ مَعْنَاهُ: طلب مَا فِيهِ كلفة، وَقد يكون أشق من الْوَاجِب، وَلَيْسَت الْمَشَقَّة منحصرة فِي الْمَمْنُوع عَن نقيضه حَتَّى يلْزم أَن يكون مِنْهُ. ﴿وَمنعه ابْن حمدَان﴾ من أَصْحَابنَا ﴿ [وَأكْثر الْعلمَاء] ﴾ ، قَالَه ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " وَغَيره، فَلَيْسَ بتكليف، وَلَا يُكَلف بِهِ، فَإِن التَّكْلِيف يشْعر بتطويق الْمُخَاطب الكلفة من غير خيرة، وَالنَّدْب فِيهِ تَخْيِير.

стр. 990

قَوْله: ﴿وَهِي لفظية﴾ . يَعْنِي: أَن الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لَفْظِي، وَذَلِكَ مَبْنِيّ على تَفْسِير لفظ التَّكْلِيف، فَإِن أُرِيد بالتكليف: مَا يتَرَجَّح فعله على تَركه، فالمندوب تَكْلِيف، وَإِن أُرِيد بِهِ: أَنه مَطْلُوب طلبا يمْنَع النقيض، فَهُوَ لَيْسَ بتكليف. قَوْله: ﴿وَلَا يلْزم غير حج وَعمرَة بِالشُّرُوعِ، خلافًا لأبي حنيفَة، [و] مَالك﴾ . ذهب أَكثر الْعلمَاء: أَن غير الْحَج وَالْعمْرَة من التطوعات لَا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهِ، بل هُوَ مُخَيّر فِيهِ بَين إِتْمَامه وقطعه، وَالْأَفْضَل إِتْمَامه بِلَا نزاع، لِلْخُرُوجِ من الْخلاف. وَذَلِكَ " لِأَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يَنْوِي صَوْم التَّطَوُّع ثمَّ يفْطر "، رَوَاهُ مُسلم وَغَيره .

стр. 991

وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ [مُحَمَّد: ٣٣] ، فَيحمل على التَّنْزِيه جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ، هَذَا إِن لم يُفَسر بُطْلَانهَا بِالرّدَّةِ، بِدَلِيل الْآيَة الَّتِي قبلهَا، أَو أَن المُرَاد: فَلَا تبطلوها بالرياء، نَقله ابْن عبد الْبر عَن أهل السّنة، وَنقل عَن الْمُعْتَزلَة تَفْسِيرهَا بِمَعْنى: لَا تبطلوها بالكبائر، لَكِن الظَّاهِر تَفْسِيرهَا بِمَا تقدم. وَاحْتج الْمُخَالف: بِحَدِيث الْأَعرَابِي: هَل عَليّ غَيرهمَا؟ قَالَ: " لَا إِلَّا أَن تطوع "، أَي: فيلزمك التَّطَوُّع إِن تَطَوَّعت، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فِي أَصله. وَعِنْدنَا: أَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع، بِدَلِيل أَن النَّبِي ﷺ َ - قد أبطل تطوعه كَمَا سبق .

стр. 992

وَمِمَّا اسْتشْكل على أبي حنيفَة: تجويزه للمتنفل بعد أَن يشرع فِي الصَّلَاة قَائِما، الصَّلَاة قَاعِدا، فَلذَلِك حالفه صَاحِبَاه، فمنعا الْقعُود طرداً للقاعدة. مَعَ أَنه نقل أَبُو نصر الْعِرَاقِيّ عَن أبي حنيفَة فِي كتاب الصَدَاق: (أَن لَهُ الْخُرُوج من صَوْم التَّطَوُّع، إِلَّا أَنه يجب الْقَضَاء) . وَأما الْحَج وَالْعمْرَة فَيلْزم إِتْمَامهمَا فِي التَّطَوُّع لمن شرع فيهمَا. وَفرق بَينهمَا وَبَين سَائِر التطوعات بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن نفلهما مسَاوٍ لفرضهما، نِيَّة، وَكَفَّارَة، وَغَيرهمَا، فَوَجَبَ أَن يتساويا فِي الْإِتْمَام واللزوم. وَالثَّانِي: - وَهُوَ أَجود، وَبِه أجَاب الإِمَام الشَّافِعِي فِي " الْأُم " أَنه

стр. 993

يجب الْمُضِيّ فِي فَاسد التَّطَوُّع مِنْهُمَا كواجبه، فإتمام صَحِيح التَّطَوُّع أولى، قَالَه الْبرمَاوِيّ. قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (لِأَن نفل [الْحَج] كفرضه فِي الْكَفَّارَة، وَتَقْرِير الْمهْر بالخلوة مَعَه، بِخِلَاف الصَّوْم) . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: (لانعقاد الْإِحْرَام لَازِما) . وَقَالَ فِي " الْمُغنِي " و " الشَّرْح ": (لتأكد إحرامهما، وَلَا يخرج مِنْهُمَا بإفسادهما) . قَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": (على أَن هَذَا السُّؤَال قد أفسد من أَصله، بِأَن الْحَج لَا يُمكن وُقُوعه تَطَوّعا، [فَإِنَّهُ إِقَامَة شعار الْبَيْت، وَمن فروض] الكفايات، وَهِي تلْزم بِالشُّرُوعِ على الْأَصَح) انْتهى. وَتبع فِي ذَلِك الزَّرْكَشِيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع ". قلت: وَفِيه نظر، وَذَلِكَ أَنه لَو حج حجَّة الْإِسْلَام مَعَ من حج حجَّة ثَانِيَة: هَل يُقَال: إِن الَّذِي حج ثَانِيًا مَعَ الَّذِي وَجب عَلَيْهِ حجَّة الْإِسْلَام، يكون حجَّة من فروض الكفايات وَالْحَالة هَذِه؟ فِيهِ نظر ظَاهر.

стр. 994

وَقد قَالَ أَصْحَابنَا: (إِن الْحَج فرض كِفَايَة فِي كل عَام) ، ومرادهم - وَالله أعلم -: إِذا خلا عَام من أَن يُوجد من وَجب عَلَيْهِ حجَّة الْإِسْلَام، فَإِنَّهُ يلْزم الْحَج وَيكون فرض كِفَايَة، لَا أَن كل من حج ثَانِيًا يكون حجَّة ذَلِك من فروض الْكِفَايَة، هَذَا مَا ظهر. وينتفض أَيْضا بِحَجّ الْمُرَاهق، فَإِن حجه نفل، لِأَنَّهُ غير مُخَاطب، إِذْ الْخطاب لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ. وَعَن أَحْمد رِوَايَة بِوُجُوب إتْمَام الصَّوْم، وَلُزُوم الْقَضَاء إِن أفطر، وفَاقا لأبي حنيفَة، وَمَالك، كَمَا تقدم. وَعَن أَحْمد تلْزم صَلَاة التَّطَوُّع بِخِلَاف الصَّوْم، وَمَال إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق الْجوزجَاني، وَقَالَ: (الصَّلَاة ذَات إِحْرَام وإحلال كَالْحَجِّ) .

стр. 995

قَالَ الْمجد: (وَرِوَايَة إتْمَام الصَّوْم عكس هَذِه الرِّوَايَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عبَادَة تجب بإفسادها الْكَفَّارَة الْعُظْمَى كَالْحَجِّ) . وَالْمذهب التَّسْوِيَة، وَقيل: الِاعْتِكَاف كَالصَّوْمِ. وَذكر القَاضِي وَجَمَاعَة من الْأَصْحَاب: (أَن الطّواف كَالصَّلَاةِ فِي الْأَحْكَام، إِلَّا مَا خصّه الدَّلِيل) ، فَظَاهره: أَنه كَالصَّلَاةِ هُنَا، وفَاقا لمَالِك. وَلَا تلْزم الصَّدَقَة، وَالْقِرَاءَة، والأذكار، بِالشُّرُوعِ، وفَاقا للأئمة الْأَرْبَعَة. قَوْله: ﴿فرع: الزَّائِد على قدر [الْوَاجِب] فِي قيام وَنَحْوه﴾ - كركوع وَسُجُود ﴿نفل عِنْد الْأَرْبَعَة، وَغَيرهم﴾ .

стр. 996

مِنْهُم: أَكثر أَصْحَابنَا، لجَوَاز تَركه مُطلقًا، وَهَذَا شَأْن النَّفْل. قَالَ ابْن برهَان: (على هَذَا أجمع الْفُقَهَاء والمتكلمون) ، وَلم يحك فِيهِ خلافًا إِلَّا عَن الْكَرْخِي. ﴿وواجب عِنْد بعض الشَّافِعِيَّة، والكرخي﴾ ، لتناول الْأَمر مِنْهُمَا. قَالَ القَاضِي: (وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَحْمد) ، وَأَخذه من نَصه على أَن الإِمَام إِذا أَطَالَ الرُّكُوع فأدركه فِيهِ مَسْبُوق أدْرك الرَّكْعَة، وَلَو لم يكن الْكل وَاجِبا لما صَحَّ لَهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ يكون اقْتِدَاء مفترض بمنتفل. ورده ابْن عقيل وَأَبُو الْخطاب بِمَا يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي بعد هَذِه.

стр. 997

﴿ [وللقاضي من أَصْحَابنَا كالقول الأول وَالثَّانِي] ﴾ . قَوْله: ﴿ [وَعند الثَّلَاثَة: إِن أدْرك الرُّكُوع أدْركهَا] ﴾ . أَي: ذهبت الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة: أَبُو حنيفَة، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد: أَنه لَو أدْرك الإِمَام رَاكِعا و [لَو] بعد الطُّمَأْنِينَة مِنْهُ أدْرك الرَّكْعَة. قَالُوا: لِأَن الِاتِّبَاع يسْقط الْوَاجِب: كمسبوق، وَصَلَاة امْرَأَة الْجُمُعَة، وَيُوجب الِاتِّبَاع مَا كَانَ غير وَاجِب: كمسافر ائتم بمقيم، فَيلْزمهُ إتْمَام الصَّلَاة. قَالَ ابْن عقيل: (نَص أَحْمد، - يَعْنِي: [الَّذِي] تقدم فِي الَّتِي قبلهَا لَا يدل عِنْدِي على هَذَا الْمَذْهَب، بل يُعْطي أحد أَمريْن: إِمَّا جَوَاز ائتمام المفترض بالمتنفل، وَيحْتَمل أَن يجرى مجْرى الْوَاجِب فِي بَاب الِاتِّبَاع خَاصَّة، إِذا الِاتِّبَاع قد يسْقط الْوَاجِب، كَمَا فِي الْمَسْبُوق، ومصلي الْجُمُعَة من امْرَأَة، وَعبد، ومسافر، وَقد يُوجب مَا لَيْسَ بِوَاجِب: كالمسافر الْمُؤْتَم بمقيم.

стр. 998

وَقِيَاس الزِّيَادَة الْمُنْفَصِلَة، وَهُوَ فعل الْمثل على الزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة) انْتهى. ﴿ [و] ﴾ قَالَ الإِمَام ﴿ [مَالك] ﴾ : لَا يدْرك الرُّكُوع إِلَّا إِن أدْرك ﴿ [مَعَه الطُّمَأْنِينَة] ﴾ . قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (من أدْرك الإِمَام رَاكِعا فَرَكَعَ مَعَه أدْرك الرَّكْعَة، وفَاقا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقيل: إِن أدْرك مَعَه الطُّمَأْنِينَة وفَاقا لمَالِك) انْتهى. قَوْله: ﴿فَائِدَة: أَصْحَابنَا، والمالكية، وَالشَّافِعِيَّة: الْعِبَادَة [الطَّاعَة] ، وَالْحَنَفِيَّة: بِشَرْط النِّيَّة﴾ . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي آخر " المسودة ": (كل مَا كَانَ طَاعَة ومأموراً بِهِ فَهُوَ عبَادَة عِنْد أَصْحَابنَا، والمالكية، وَالشَّافِعِيَّة، وَعند الْحَنَفِيَّة: الْعِبَادَة مَا كَانَ من شَرط النِّيَّة) انْتهى.

стр. 999

فَدخل فِي كَلَام أَصْحَابنَا وَغَيرهم: الْأَفْعَال والتروك: كَتَرْكِ الْمعاصِي، [والنجاسة] ، وَالزِّنَا، والربا، وكل محرم، وَالْأَفْعَال: كَالْوضُوءِ، وَالْغسْل، وَالزَّكَاة، وَقَضَاء الدّين، وَغَيرهَا. وَيدخل فِيهِ: رد الغصوب، والعواري، والودائع، وَالنَّفقَة الْوَاجِبَة، وَالدّين، وَنَحْوهَا، مَعَ الْغَفْلَة عَن النِّيَّة. وَمِنْهَا: الْإِسْلَام على قَول يَأْتِي، وَتقدم. وَلما اشْترطت الْحَنَفِيَّة النِّيَّة، لم يدْخل فِي حَدهمْ التروك كلهَا، وَلَيْسَ الْوضُوء عِنْدهم بِعبَادة، لصِحَّته عِنْدهم بِلَا نِيَّة. قَالَ الْمجد فِي " المسودة " فِي أوائلها: (قَالَ القَاضِي: الْعِبَادَة كل مَا كَانَ طَاعَة لله، أَو قربَة إِلَيْهِ، أَو امتثالاً لأَمره، وَلَا فرق بَين أَن يكون فعلا أَو تركا، فالفعل: كَالْوضُوءِ، وَالْغسْل، وَالزَّكَاة، وَقَضَاء الدّين، وَالتّرْك: كَتَرْكِ الزِّنَا والربا، وَترك أكل الْمُحرمَات وشربها. فَأَما التّرْك؛ فَلَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة بِمَنْزِلَة رد الغصوب، وَإِطْلَاق الْمحرم الصَّيْد، وَغسل الطّيب عَن بدنه وثوبه؛ لِأَن ذَلِك كُله طَريقَة التّرْك، فَإِن الْعِبَادَة فِي تجنبه، فَإِذا أَصَابَهُ، لم يُمكن تَركه إِلَّا بِالْفِعْلِ، كَانَ طَرِيقه التّرْك، فيخالف الْوضُوء، لِأَنَّهُ فعل مُجَرّد لَيْسَ فِيهِ ترك.

стр. 1000

وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة: لَيْسَ بِعبَادة؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَرطهَا النِّيَّة. [وأفسده] وَقَالَ: سُقُوط النِّيَّة فِي صِحَة الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ، لَا يدل على أَنه لَيْسَ بِعبَادة، كَمَا لَا يدل على أَنه لَيْسَ بِطَاعَة وقربة) انْتهى. وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (مَا لم يعلم إِلَّا من الشَّارِع فَهُوَ عبَادَة: كَصَلَاة، وَغَيرهَا. وَهُوَ معنى قَول الْفَخر إِسْمَاعِيل، وَأبي الْبَقَاء، وَغَيرهمَا: (الْعِبَادَة مَا أَمر بِهِ الشَّارِع من غير اطراد عرفي و [لَا اقْتِضَاء] عَقْلِي) . قيل لأبي الْبَقَاء: الْإِسْلَام وَالنِّيَّة عبادتان، وَلَا يفتقران إِلَى النِّيَّة؟ فَقَالَ: (الْإِسْلَام لَيْسَ بِعبَادة لصدوره من الْكَافِر، وَلَيْسَ من أَهلهَا، سلمنَا، لَكِن للضَّرُورَة، لِأَنَّهُ لَا يصدر إِلَّا من كَافِر. وَأما النِّيَّة فلقطع التسلسل) . وَقَالَ القَاضِي فِي " الْخلاف ": (مَا كَانَ طَاعَة لله تَعَالَى فعبادة) ، - وَتقدم -. ثمَّ قَالَ ابْن مُفْلِح: وَذكر بعض أَصْحَابنَا، والمالكية، وَالشَّافِعِيَّة: أَنه لَيْسَ من شَرط الْعِبَادَة النِّيَّة، خلافًا للحنفية، وَنِيَّة الصَّلَاة تَضَمَّنت الستْرَة واستقبال الْقبْلَة لوجودهما فِيهَا حَقِيقَة، وَلِهَذَا يَحْنَث بالاستدامة) انْتهى.

стр. 1001

فَهَذَا الَّذِي ذكره عَن بعض الْأَصْحَاب، هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْمَتْن، وَهُوَ الَّذِي ذكره الْمجد وحفيده. لَكِن يبْقى نِسْبَة ذَلِك إِلَى بَقِيَّة الْمذَاهب، يَنْبَغِي أَن يجْرِي من أَرْبَابهَا، وَالله أعلم. قَوْله: ﴿وَالطَّاعَة: مُوَافقَة الْأَمر، وَالْمَعْصِيَة: مُخَالفَته، عِنْد الْفُقَهَاء، وَعند الْمُعْتَزلَة: مُخَالفَة الْإِرَادَة﴾ . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي آخر " المسودة ": (الطَّاعَة: مُوَافقَة الْأَمر عندنَا، وَبِه قَالَ الْفُقَهَاء، والأشعرية، وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: [هِيَ] مُوَافقَة الْإِرَادَة) . وَقَالَ فِي أول " المسودة ": (فصل: قَالَ القَاضِي فِي الْحُدُود، وَفِي مَسْأَلَة الْمَأْمُور بِهِ أَمر ندب: [إِن كل طَاعَة فَهُوَ مَأْمُور

стр. 1002

بِهِ] ، الطَّاعَة: مُوَافقَة الْأَمر، وَالْمَعْصِيَة: مُخَالفَة الْأَمر. وَقَالَ على ظهر الْجُزْء: حد الْأَمر: مَا كَانَ الْمَأْمُور بِفِعْلِهِ ممتثلاً، وَلَيْسَ حَده: مَا كَانَ طَاعَة، لِأَن الْفِعْل يكون طَاعَة بالترغيب فِي الْفِعْل وَإِن لم يَأْمر بِهِ، كَقَوْلِه: من صلى غفرت لَهُ، وَمن صَامَ فقد أَطَاعَنِي، وَلَا يكون ذَلِك أمرا) انْتهى. وَقَالَ فِي " الْوَاضِح ": (الطَّاعَة: الْمُوَافقَة لِلْأَمْرِ على مَذْهَب أهل السّنة، والموافقة للإرادة على مَذْهَب الْمُعْتَزلَة) .

стр. 1003

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿الْمَكْرُوه: ضد الْمَنْدُوب﴾ . الْمَكْرُوه لُغَة: من الكريهة والشدة فِي الكرب، وأصل الْكَرَاهَة لُغَة: خلاف الْإِرَادَة. فَمَعْنَى كَرَاهَة الشَّرْع لشَيْء: إِمَّا عدم إِرَادَته، أَو إِرَادَة ضِدّه، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٤٦] . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (الْمَكْرُوه لُغَة: ضد المحبوب، أخذا من الْكَرَاهَة، وَقيل: من الكريهة وَهِي الشدَّة فِي الْحَرْب) انْتهى وكرهته أكرهه من بَاب تَعب كرها، ضد أحببته، فَهُوَ مَكْرُوه. والكره، بِالْفَتْح، الْمَشَقَّة، وبالضم: الْقَهْر. وَقيل: بِالْفَتْح: الْإِكْرَاه، وبالضم: الْمَشَقَّة.

стр. 1004

وأكرهته على الْأَمر: حَملته عَلَيْهِ قهرا، يُقَال: فعلته كرها، أَي: إِكْرَاها، وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿طَوْعًا أَو كرها﴾ [التَّوْبَة: ٥٣، وفصلت: ١١] ، فقابل بَين الضدين. قَالَ الزّجاج: (كل مَا فِي الْقُرْآن من الكره - بِالضَّمِّ - فالفتح فِيهِ جَائِز، إِلَّا قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة: ﴿كتب عَلَيْكُم الْقِتَال وَهُوَ كره لكم﴾ [الْبَقَرَة: ٢١٦] . والكريهة: الشدَّة فِي الْحَرْب) ، ذكر ذَلِك فِي " الْبَدْر الْمُنِير ". قَوْله: ﴿وَهُوَ: مَا مدح تَاركه، وَلم يذم فَاعله﴾ . فَخرج ب (مَا مدح) : الْمُبَاح؛ فَإِنَّهُ لَا مدح فِيهِ وَلَا ذمّ. وَخرج بقوله: (تَاركه) : الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب؛ فَإِن فاعلهما يمدح، لَا تاركهما. وَخرج بقوله: (وَلم يذم فَاعله) : الْحَرَام، فَإِنَّهُ يذم فَاعله، لِأَنَّهُ وَإِن شَارك الْمَكْرُوه فِي الْمَدْح بِالتّرْكِ، فَإِنَّهُ يُفَارِقهُ فِي ذمّ فَاعله. قَوْله: ﴿وَهل يُثَاب بِفِعْلِهِ؟ ثَالِثهَا: لَا؛ إِن كره لذاته﴾ . فِي هَذِه الْمَسْأَلَة؛ أَعنِي: فِي حُصُول الثَّوَاب بِفعل الْمَكْرُوه، وَعدم ثَوَابه أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه لَا يُثَاب عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهر كَلَام كثير من الْعلمَاء.

стр. 1005

قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (قَالُوا فِي الْأُصُول: الْمَكْرُوه لَا ثَوَاب فِي فعله، قَالَ: وَقد يكون المُرَاد مِنْهُم: مَا كره بِالذَّاتِ لَا بِالْعرضِ، قَالَ: وَقد يحمل قَوْلهم على ظَاهره، وَلِهَذَا لما احْتج من كره صَلَاة الْجِنَازَة فِي الْمَسْجِد بالْخبر الضَّعِيف الَّذِي رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره: " من صلى على جَنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَيْسَ لَهُ من الْأجر شَيْء "، لم يقل أحد بِالْأَجْرِ مَعَ الْكَرَاهَة، لَا اعتقادا وَلَا بحثا. - وَقَالَ أَيْضا -: وَقد يتَوَجَّه من صِحَة نفل من صلى فِي غصب إثابته

стр. 1006

عَلَيْهِ، فيثاب على فَرْضه من الْوَجْه الَّذِي صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَة فِي صِحَة نفله، وَلَا ثَوَاب لبراءة ذمَّته، وَيلْزم مِنْهُ: يُثَاب على كل عبَادَة كرهت) انْتهى. وَهَذِه الْأَقْوَال الَّتِي ذكرتها فِي الأَصْل، أَخَذتهَا من كَلَام ابْن مُفْلِح فِي " فروعه " فِي بَاب ستر الْعَوْرَة، وَلم أرها فِي غَيره. وَمحل ذَلِك إِذا قُلْنَا: إِنَّه لَا يُثَاب على فعل عبَادَة على وَجه محرم كَمَا تقدم، وَأما إِذا قُلْنَا: إِنَّه يُثَاب عَلَيْهَا، فيثاب هُنَا قطعا. قَوْله: ﴿وَفِي كَونه مَنْهِيّا عَنهُ حَقِيقَة، وتكليفا، كالمندوب﴾ . إِن قُلْنَا: الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ حَقِيقَة - وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا تقدم - فالمكروه مَنْهِيّ عَنهُ حَقِيقَة على الصَّحِيح، وَإِن قُلْنَا: الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ مجَازًا، فالمكروه مَنْهِيّ مجَازًا. وَإِن قُلْنَا: الْمَنْدُوب تَكْلِيف - وَهُوَ الْأَصَح دَلِيلا كَمَا تقدم - فالمكروه تَكْلِيف على الْأَصَح، وَإِن قُلْنَا: الْمَنْدُوب غير تَكْلِيف - وَعَلِيهِ الْأَكْثَر كَمَا تقدم - فالمكروه غير تَكْلِيف. فَهُوَ على وزانه سَوَاء، لِأَنَّهُ مُقَابِله، ذكره الْعلمَاء. قَوْله: ﴿وَيُطلق على الْحَرَام﴾ .

стр. 1007

يُطلق الْمَكْرُوه وَيُرَاد بِهِ الْحَرَام، وَهُوَ كثير فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد، وَغَيره من الْمُتَقَدِّمين. قَالَ الإِمَام أَحْمد: (أكره الْمُتْعَة) ، (وَالصَّلَاة فِي الْمَقَابِر) ، وهما محرمان. لَكِن لَو ورد عَن الإِمَام أَحْمد الْكَرَاهَة فِي شَيْء، من غير أَن يدل دَلِيل من خَارج على التَّحْرِيم، وَلَا على التَّنْزِيه، فللأصحاب فِيهَا وَجْهَان، هَل المُرَاد التَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه؟ أَحدهمَا: المُرَاد: التَّحْرِيم، اخْتَارَهُ الْخلال، وَصَاحبه أَبُو بكر عبد الْعَزِيز، وَابْن حَامِد، وَغَيرهم، بِدَلِيل مَا تقدم. وَقد قَالَ الْخرقِيّ: (وَيكرهُ أَن يتَوَضَّأ فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة) ، وَهُوَ محرم، لَكِن قَالُوا عَن كَلَامه، إِنَّمَا كَانَ محرما بِدَلِيل، وَهُوَ قَوْله:

стр. 1008

(والمتخذ آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة عَاص، وَعَلِيهِ الزَّكَاة) ، فَهَذِهِ قرينَة تدل على التَّحْرِيم. وَالْوَجْه الثَّانِي: المُرَاد: التَّنْزِيه، اخْتَارَهُ جمَاعَة من الْأَصْحَاب. وَفِيه وَجه ثَالِث: يرجع إِلَى الْقَرَائِن، وَهُوَ أظهر الْأَوْجه. وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد: (أكره النفخ فِي الطَّعَام، وإدمان اللَّحْم، وَالْخبْز الْكِبَار) ، وَمرَاده: كَرَاهَة التَّنْزِيه هُنَا، وَالله أعلم. وَقد ورد الْمَكْرُوه بِمَعْنى الْحَرَام فِي الْقُرْآن، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها﴾ [الْإِسْرَاء: ٣٨] . وَقد قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: (أكره آنِية العاج) ، وَقَالَ فِي السّلم: (أكره اشْتِرَاط الأعجف والمشوي والمطبوخ) . قَوْله: ﴿وعَلى ترك الأولى﴾ . يُطلق الْمَكْرُوه على ترك الأولى، ﴿وَهُوَ: ترك مَا فعله رَاجِح، [أَو: فعل مَا تَركه رَاجِح، وَلَو لم يكن مَنْهِيّا عَنهُ، كَتَرْكِ المندوبات] ﴾ .

стр. 1009

قَالَ الْعَسْقَلَانِي - شَارِح الطوفي - فِي ترك الأولى: (مَا مصْلحَته راجحة، وَإِن لم يكن مَنْهِيّا عَنهُ، كَتَرْكِ المندوبات) . وَمِنْه قَول الْخرقِيّ: (وَمن صلى بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة كرهنا لَهُ ذَلِك، وَلَا يُعِيد) . أَي: الأولى أَن يُصَلِّي بِأَذَان وَإِقَامَة أَو بِأَحَدِهِمَا، وَإِن أخل بهما ترك الأولى. فَترك الأولى مشارك للمكروه فِي حَده، إِلَّا أَنه مَنْهِيّ غير مَقْصُود، وَالْمَنْع من الْمَكْرُوه أقوى من الْمَنْع من خلاف الأولى. قَالَ بَعضهم: (إِنَّمَا يُقَال: ترك الأولى مَكْرُوه، إِذا كَانَ منضبطا، كالضحى وَقيام اللَّيْل، وَمَا لَا تَحْدِيد لَهُ وَلَا ضَابِط من المندوبات لَا يُسمى تَركه مَكْرُوها، وَإِلَّا لَكَانَ الْإِنْسَان فِي كل وَقت ملابسا للمكروهات الْكَثِيرَة، من حَيْثُ أَنه لم يقم ليُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، أَو يعود مَرِيضا، وَنَحْوه) . وَقَالَ بَعضهم: (يُطلق - أَيْضا - الْمَكْرُوه على مَا وَقعت الشُّبْهَة فِي تَحْرِيمه، كلحم السَّبع: ويسير النَّبِيذ، وَنَحْو ذَلِك من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِي تَحْرِيمهَا) ، وَذكره الْغَزالِيّ، والآمدي.

стр. 1010

قَوْله: ﴿وَلنَا وَجه: أَنه حرَام﴾ . ذكره ابْن حمدَان فِي " مقنعه " وَغَيره. ﴿ [وَهُوَ مَذْهَب مُحَمَّد] بن الْحسن﴾ . يَعْنِي: أَنه مرادف لِلْحَرَامِ، فَلَا يُطلق على غَيره إِلَّا بِقَرِينَة فِيمَا يظْهر. ﴿وَعَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف: هُوَ إِلَى الْحَرَام أقرب﴾ . لَا شكّ أَن الْمَكْرُوه وَاسِطَة بَين الْمُبَاح وَالْحرَام، فَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف قَالَا: هُوَ إِلَى الْحَرَام أقرب مِنْهُ إِلَى الْمُبَاح. وَرَأَيْت الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " قَالَ: (النَّقْل عَن مُحَمَّد بن الْحسن: أَن كل مَكْرُوه حرَام، وَعَن صَاحِبيهِ: أَن الْمَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه إِلَى الْحل أقرب) انْتهى. فَهَذَا النَّقْل عَنْهُمَا مُخَالف للْأولِ عَنْهُمَا، وَقد يكون لَهما قَولَانِ، فَليُحرر من أَصْحَابهم. قَوْله: ﴿وَهُوَ فِي عرف الْمُتَأَخِّرين للتنزيه﴾ . يَعْنِي: أَن الْمُتَأَخِّرين اصْطَلحُوا على أَنهم إِذا أطْلقُوا الْكَرَاهَة فمرادهم التَّنْزِيه، لَا التَّحْرِيم، وَإِن كَانَ عِنْدهم لَا يمْتَنع أَن يُطلق على الْحَرَام، لَكِن

стр. 1011

قد جرت عَادَتهم وعرفهم أَنهم إِذا أَطْلقُوهُ أَرَادوا التَّنْزِيه، وَهَذَا مصطلح لَا مشاحة فِيهِ. فَائِدَة: اعْلَم أَن فِي إِطْلَاق الْكَرَاهَة على هَذِه الْأَرْبَعَة خلافًا، فِي أَنه حَقِيقَة فِي التَّنْزِيه، مجَاز فِي غَيره، أَو مُشْتَرك فِيهِ، قَولَانِ للْعُلَمَاء. وَفِي " الْمُسْتَصْفى ": إِطْلَاق اشْتِرَاك بَين الْأَرْبَعَة، ونازعه بَعضهم. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَيُطلق فِي الشَّرْع بالاشتراك، على الْحَرَام، وعَلى ترك الأولى، وعَلى كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَقد يُرَاد مَا فِيهِ شُبْهَة وَتردد) انْتهى. قَوْله: ﴿وَيُقَال لفَاعِله: مُخَالف، وَغير ممتثل، ومسيء، نصا﴾ . مَعَ أَنه لَا يذم فَاعله، وَلَا يَأْثَم على الْأَصَح. قَالَ الإِمَام أَحْمد - فِيمَن زَاد على التَّشَهُّد -: (أَسَاءَ) . وَقَالَ ابْن عقيل - فِيمَن أَمر بِحَجّ أَو عمْرَة فِي شهر فَفعله فِي غَيره -: (أَسَاءَ لمُخَالفَته) .

стр. 1012

وَذكر غَيره فِي مَأْمُوم وَافق إِمَامًا فِي أَفعاله -: (أَسَاءَ) . ﴿ [وَظَاهر كَلَام بَعضهم] : ( [تخْتَص الْإِسَاءَة بالحرام] ) ﴾ . فَلَا يُقَال: (أَسَاءَ) ، إِلَّا لفعل محرم. ﴿و [ذكر] القَاضِي، وَابْن عقيل: يَأْثَم بترك السّنَن أَكثر عمره) ﴾ ، لقَوْله ﵇: (من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني) مُتَّفق عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهم أَن يَعْتَقِدهُ غير سنة. ﴿واحتجا بقول أَحْمد - فِيمَن ترك الْوتر -: (رجل سوء) ﴾ ، مَعَ أَنه سنة، وَأخذ بَعضهم من هَذَا وُجُوبه عِنْده. وَقَالَ القَاضِي فِي " الْعدة "، وَأَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": (ذمه، مَعَ قَوْله: الْوتر سنة) .

стр. 1013

وَنقل أَبُو طَالب: (الْوتر سنة، سنه النَّبِي ﷺ َ -، فَمن ترك سنة من سنَنه فَرجل سوء) انْتهى. وَالَّذِي يظْهر: أَن إِطْلَاق الإِمَام أَحْمد أَنه رجل سوء، إِنَّمَا مُرَاده من اعْتقد أَنه غير سنة، وَتَركه لذَلِك، فَيبقى كَأَنَّهُ اعْتقد السّنة الَّتِي سنّهَا الرَّسُول غير سنة، فَهُوَ مُخَالف للرسول، ومعاند لما سنه. أَو أَنه تَركه بِالْكُلِّيَّةِ، وَتَركه لَهُ كَذَلِك، يدل على أَن فِي قلبه مَا لَا يُريدهُ الرَّسُول ﷺ َ -. قَوْله: ﴿فَائِدَة: الْأَرْبَعَة وَغَيرهم: مُطلق الْأَمر لَا يتَنَاوَل الْمَكْرُوه، وَخَالف أَبُو بكر الرَّازِيّ﴾ الْحَنَفِيّ.

стр. 1014

قَالَ أَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِي - من أَصْحَابنَا -: (هُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا) وَنَقله السَّمْعَانِيّ وَغَيره عَن الْحَنَفِيَّة. استدلوا للْأولِ: بِأَن الْمَكْرُوه مَطْلُوب التّرْك، والمأمور مَطْلُوب الْفِعْل، فيتنافيان. وَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال لصِحَّة طواف الْمُحدث بقوله تَعَالَى: ﴿وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ [الْحَج: ٢٩] ، وَلَا لعدم التَّرْتِيب والموالاة بقوله تَعَالَى فِي آيَة الْوضُوء: ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [الْمَائِدَة: ٦] . قَالَ ابْن عقيل: (وَكَذَا وَطْء الزَّوْج الثَّانِي فِي حيض لَا يحلهَا للْأولِ) . (ومرادهم مَا ذَكرُوهُ فِي الْمَسْأَلَة [من] الصّفة الْمَشْرُوطَة) ، قَالَه ابْن مُفْلِح. وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: (تظهر فَائِدَة الْخلاف فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ [الْحَج: ٢٩] ، فعندنا لَا يتَنَاوَل الطّواف بِغَيْر

стр. 1015

طَهَارَة، وَلَا منكوسا، وَعِنْدهم يتَنَاوَلهُ، فَإِنَّهُم وَإِن اعتقدوا كَرَاهَته قَالُوا فِيهِ: يجزيء لدُخُوله تَحت الْأَمر، وَعِنْدنَا لَا يدْخل، لِأَنَّهُ لَا يجوز أصلا، فَلَا طواف بِدُونِ شَرطه، وَهُوَ الطَّهَارَة، ووقوعه على الْهَيْئَة الْمَخْصُوصَة. - قَالَ -: وَحجَّتنَا: أَن الْأَمر للْوُجُوب حَقِيقَة، وللندب وَالْإِبَاحَة مجَازًا، وَلَيْسَ الْمَكْرُوه من الثَّلَاثَة) انْتهى. تَنْبِيه: لم يذكر ابْن الْحَاجِب هَذِه الْمَسْأَلَة، بل ذكر مَسْأَلَة: يَسْتَحِيل كَون الشَّيْء وَاجِبا حَرَامًا من جِهَة وَاحِدَة. وَقَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": (هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الْمَتْن: الْفِعْل إِمَّا مَطْلُوب الإيجاد أَو التّرْك، فَأَما أَن يكون مطلوبهما مَعًا، فَفِيهِ تَفْصِيل. فَإِن كَانَ من جِهَة وَاحِدَة فممتنع؛ لِأَنَّهُ جمع بَين الضدين، فَلذَلِك صدر ابْن الْحَاجِب كَلَامه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله: (يَسْتَحِيل كَون الشَّيْء وَاجِبا حَرَامًا من جِهَة وَاحِدَة، إِلَّا عِنْد من يجوز تَكْلِيف الْمحَال) . وَأما ابْن السَّمْعَانِيّ فَعبر عَن ذَلِك بقوله: (الْأَمر الْمُطلق لَا يتَنَاوَلهُ الْمَكْرُوه، وَذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى أَنه يتَنَاوَلهُ) ، وَذكر مَا تقدم عَنهُ -.

стр. 1016

قَالَ: (وإطلاقه الْمَكْرُوه شَامِل للمكروه تَحْرِيمًا وتنزيها، لِأَن النَّهْي اقْتضى تَركه) . فَجعل الْبرمَاوِيّ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة - فِيمَا يظْهر -، وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن الْحَاجِب، وَنحن جعلناهما مَسْأَلَتَيْنِ، تبعا لِابْنِ مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَكَذَلِكَ التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع ". لَكِن قَالَ الكوراني - شَارِحه، لما قَالَ فِيهِ: (مُطلق الْأَمر لَا يتَنَاوَل الْمَكْرُوه خلافًا للحنفية) -: (التَّعْبِير عَن هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا عبر بِهِ الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب هُوَ اللَّائِق، إِذْ قَالَ: (الْمَكْرُوه مَنْهِيّ عَنهُ، غير مُكَلّف بِهِ) . وَإِنَّمَا كَانَ لائقا إِذا الْمنْهِي عَنهُ كَيفَ يكون مَأْمُورا بِهِ؟ إِذْ الْمَكْرُوه يمدح تَاركه، فَلَا يتَصَوَّر الْأَمر بِهِ شرعا. وَعبارَة المُصَنّف قَاصِرَة عَن هَذَا المرام، إِذْ عدم التَّنَاوُل يشْعر بصلاح الْمحل وَلَكِن لم يَقع فِي الْخَارِج، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل عدم التَّنَاوُل لعدم قابلية الْمحل بعد تعلق الْكَرَاهَة بِهِ. وَقَوله: (خلافًا للحنفية) ، صَرِيح فِي أَن الْحَنَفِيَّة قَائِلُونَ بِأَن الْأَمر يتَنَاوَل الْمَكْرُوه، وَهَذَا أَمر لَا يعقل، لِأَن الْمُبَاح عِنْدهم غير مَأْمُور

стр. 1017

بِهِ، مَعَ [كَون] طَرفَيْهِ على حد الْجَوَاز، فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون الْمَكْرُوه من جزئيات الْمَأْمُور بِهِ فِي شَيْء من الصُّور، وكتبهم أصولا وفروعا مصرحة بِأَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة فَاسِدَة، حَتَّى الَّتِي لَهَا سَبَب، مُطلقًا) انْتهى.

стр. 1018

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿الْمُبَاح لُغَة: الْمُعْلن والمأذون﴾ . وَالْإِبَاحَة مَأْخُوذَة من مَادَّة (الاتساع) ، وَمِنْه: باحة الدَّار، أَي: ساحتها. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (الْمُبَاح لُغَة: المعن والمأذون، أخذا من الْإِبَاحَة، وَهِي الْإِظْهَار والإعلان، وَمِنْه: باح بسره) انْتهى. وَمِنْه: أبحت لَهُ الشَّيْء، أَي: [أطلقهُ] لَهُ. وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (هُوَ مُشْتَقّ من الْإِبَاحَة، وَهِي: الْإِظْهَار، وَقيل: من باحة الدَّار، وَهِي: ساحتها، وَفِيه معنى السعَة وَانْتِفَاء العائق) انْتهى.

стр. 1019

وَفِي " الْقَامُوس ": (أبحتك الشَّيْء: أحللته لَك، وباح: ظهر بسره، كأباحه) انْتهى. وَقَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (باح الشَّيْء بوحا - من بَاب قَالَ -: ظهر، وَيَتَعَدَّى بالحرف فَيُقَال: باح بِهِ صَاحبه، وبالهمزة - أَيْضا - فَيُقَال: أَبَاحَهُ، وأباح الرجل مَاله: أذن فِي الْأَخْذ وَالتّرْك، وَجعله مُطلق الطَّرفَيْنِ، واستباحه النَّاس: أقدموا عَلَيْهِ) انْتهى. قَوْله: ﴿وَشرعا: مَا خلا من مدح [وذم] لذاته﴾ . فقولنا: (مَا خلا من مدح وذم) ، أخرج بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَالْحرَام وَالْمَكْرُوه، وخروجها بذلك وَاضح، لِأَن كلا من الْأَرْبَعَة لَا يَخْلُو من مدح أَو ذمّ، إِمَّا فِي الْفِعْل، وَإِمَّا فِي التّرْك. وَلَا يبطل طرد [خِصَال] الْكَفَّارَة، وَلَا الصَّلَاة أول الْوَقْت، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء من الْخِصَال على التَّعْيِين، وَلَا من الْأَوْقَات وَاجِبا. لَكِن لَا بُد فِيهِ من الْإِذْن، لِأَنَّهُ مُتَعَلق الْإِبَاحَة، فَيخرج حكم الْأَشْيَاء قبل وجود الشَّرْع، وَفعل غير الْمُكَلف، وَلذَلِك قُلْنَا: ﴿ [وَلَيْسَ مِنْهُ فعل غير الْمُكَلف، قَالَه القَاضِي وَغَيره] ﴾ ، فَإِنَّهُ

стр. 1020

قَالَ: (الْمُبَاح هُوَ كل فعل مَأْذُون فِيهِ لفَاعِله، لَا ثَوَاب لَهُ على فعله، وَلَا عِقَاب فِي تَركه) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (فِيهِ احْتِرَاز من فعل الصّبيان والمجانين والبهائم) . وَسَيَأْتِي كَلَام جده. نعم؛ المُرَاد بِكَوْنِهِ لَا مدح فِيهِ وَلَا ذمّ: الَّذِي شَأْنه ذَلِك، أَو يُقَال: لذاته، كَمَا قُلْنَا فِي الْمَتْن، ليخرج مَا ترك بِهِ حَرَامًا؛ فَإِنَّهُ يُثَاب عَلَيْهِ من تِلْكَ الْجِهَة، وَيكون وَاجِبا على رَأْي الكعبي وَأَتْبَاعه كَمَا يَأْتِي، فَإِن ذَلِك لَا يخْتَص بالمباح، وَمَا لَو ترك بِهِ وَاجِبا، فَإِنَّهُ - أَيْضا - يذم من تِلْكَ الْجِهَة. وَالْمرَاد بالمدح والذم: أَن يرد مَا يدل على ذَلِك بطرِيق من الطّرق، كمدح الْفَاعِل أَو ذمه، أَو وعده أَو وعيده، أَو غير ذَلِك.
следующие страницы →