Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
يعرف الله تَعَالَى، أَو لَا يعرفهُ، وَإِمَّا أَن يرد الْوَدِيعَة، أَو لَا يردهَا، بِخِلَاف نَحْو الصَّلَاة، وَالصَّوْم، وَالْبيع، وَالْإِجَارَة، وَنَحْوهَا، فَإِن صورته تقع على وَجْهَيْن:
مَا اجْتمعت فِيهِ الشُّرُوط، وانتفت عَنهُ الْمَوَانِع يكون صَحِيحا. وَمَا اخْتَلَّ فِيهِ شَيْء من ذَلِك يكون فَاسِدا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: صورته كَذَلِك؛ لِأَن الْإِطْلَاق الشَّرْعِيّ على المختل بِرُكْن أَو شَرط منفي بِالْحَقِيقَةِ، لِأَن الْمركب يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه، وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ َ - للمسيء فِي صلَاته: " ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل ".)
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَهُوَ أحسن مَا حمل عَلَيْهِ نَحْو: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ "،
стр. 1087
و " لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب "، أَي: لَا عمل شَرْعِيًّا، وَلَا صَلَاة شَرْعِيَّة، [فنفيه] نفي حَقِيقِيّ، حَيْثُ كَانَ خَالِيا مِمَّا ذكر، حَتَّى لَا يحْتَاج لتقدير مَحْذُوف) انْتهى.
وَقد حكى الْأَصْفَهَانِي فِي تنَاول الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة الْفَاسِد من صَلَاة وَبيع وَنِكَاح وَغَيرهَا، ثَلَاثَة أَقْوَال: (ثَالِثهَا: تَشْمَل مَا كَانَ من أَسمَاء الْأَفْعَال والأعيان من غسل وَوَطْء، وَلَا تَشْمَل مَا كَانَ من أَسمَاء الْأَحْكَام: كتسمية الْغسْل طَهَارَة) انْتهى.
стр. 1088
ولأصحابنا قَولَانِ فِي الْأَيْمَان وَغَيرهَا فِي الْعُقُود، أصَحهمَا: اخْتِصَاصه بِالصَّحِيحِ مِنْهَا، وَلِهَذَا لَو حلف لَا يَبِيع، وَنَحْوه، لَا يَحْنَث بالفاسد مِنْهَا على الْأَصَح بِخِلَاف الْعِبَادَات فَلَا يَشْمَل إِلَّا الصَّحِيح فَقَط، قولا وَاحِدًا، واستثنوا من ذَلِك الْحَج فَيحنث بِالْحَجِّ الْفَاسِد.
ورد الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " تَعْرِيفه فِي " جمع الْجَوَامِع "، وَغَيره، وَقَالَ: (رد الْوَدِيعَة مِنْهَا صَحِيح، وَمِنْهَا فَاسد: كَمَا لَو ردهَا إِلَى صَاحبهَا بعد جُنُونه، وَكَذَلِكَ الْمعرفَة بِاللَّه؛ لِأَن الْمعرفَة - أَيْضا - إِن لم تكن على الْوَجْه الْمُوَافق للشَّرْع، تكون معرفَة بَاطِلَة؛ لانْتِفَاء مُوجب صِحَّتهَا، وَهُوَ مُطَابقَة الْوَاقِع، وَلَا يضرنا كَونهَا جهلا، إِذْ لَا تنَافِي بَين كَونه جهلا، وَمَعْرِفَة بَاطِلَة.
وَيدل على مَا قُلْنَا: مَا قَالَه عضد الْملَّة وَالدّين، والعلامة التَّفْتَازَانِيّ فِي كِتَابَيْهِمَا المواقف، والمقاصد، فِي بحث النّظر فِي معرفَة الله تَعَالَى ردا على الْمُعْتَزلَة، حَيْثُ استدلوا: بِأَن النّظر فِي معرفَة الله تَعَالَى وَاجِب عقلا، إِذْ الَّذِي حصل الْمعرفَة أحسن حَالا من غَيره.
قُلْنَا: نعم إِذا حصل الْمعرفَة على وَجههَا، والعرفان على وَجه الصَّوَاب، فَإِن التَّقْيِيد بِالْوَجْهِ صَرِيح فِيمَا ذكرنَا) انْتهى.
стр. 1089
وَقَالَ: (لَو قيل: الصِّحَّة مُطلقًا: عبارَة عَن ترَتّب الْأَثر الْمَطْلُوب من الْفِعْل عَلَيْهِ، ليشْمل الْعِبَادَات من غير تَطْوِيل، [لَكَانَ] أولى.
غَايَته: أَن ذَلِك الْأَثر عِنْد الْمُتَكَلِّمين: مُوَافقَة الشَّرْع، وَعند الْفُقَهَاء إِسْقَاط الْقَضَاء.
وعَلى هَذَا يكون الْخلاف رَاجعا إِلَى تعْيين الْأَثر الْمَطْلُوب، لَا إِلَى تَفْسِير الصِّحَّة) انْتهى.
وَلذَلِك تابعناه على هَذَا الْحَد، وَالله أعلم.
وَقد قَالَ القطب الشِّيرَازِيّ: (لَو قيل: الْمُعَامَلَات ترَتّب ثَمَرَة الْمَطْلُوب مِنْهُ عَلَيْهِ شرعا، اطرد.
وَلَو قيل: الْعِبَادَة صَحِيحَة بِهَذَا التَّفْسِير، فَلَا حرج) انْتهى.
قَوْله: ﴿فبصحة العقد [ترَتّب] أَثَره من ملك وَغَيره﴾ .
آثَار الْعُقُود: هُوَ التَّمَكُّن من التَّصَرُّف فِيمَا هُوَ لَهُ: كَالْبيع إِذا صَحَّ العقد ترَتّب أَثَره من ملك وَجَوَاز التَّصَرُّف فِيهِ، من هبة، ووقف، وَأكل، وَلبس، وانتفاع، وَغير ذَلِك، وَكَذَلِكَ إِذا صَحَّ عقد النِّكَاح، وَالْإِجَارَة، وَالْوَقْف، وَغَيرهَا من الْعُقُود، ترَتّب عَلَيْهَا أَثَرهَا مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّارِع لَهُ بِهِ، فينشأ ذَلِك عَن العقد.
стр. 1090
تَنْبِيه: يرد على قَوْلنَا: (فبصحة العقد ترَتّب أَثَره) ، الْكِتَابَة الْفَاسِدَة، وَنَحْوهَا، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهَا أَثَرهَا من الْعتْق مَعَ أَنَّهَا غير صَحِيحَة.
وَيُجَاب عَنهُ: بِأَن ترَتّب الْأَثر فِيهَا لَيْسَ من جِهَة العقد، بل للتعليق، وَهُوَ صَحِيح لَا خلل فِيهِ.
وَنَظِير ذَلِك: الْمُضَاربَة وَالْوكَالَة الفاسدتان، يَصح فيهمَا التَّصَرُّف لوُجُود الْإِذْن، وَإِن لم يَصح العقد.
قَوْله: ﴿وبصحة الْعِبَادَة يَتَرَتَّب إجزاؤها﴾ .
[أَي] إِجْزَاء الْعِبَادَة ينشأ عَن صِحَّتهَا، فَيُقَال: صحت الْعِبَادَة وأجزأت.
﴿و﴾ قد قيل فِي معنى الْإِجْزَاء ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 1091
فَقيل: ﴿هُوَ الْكِفَايَة فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد، [وَهُوَ الْأَظْهر] ﴾ ، فَإِذا صحت الْعِبَادَة ترَتّب الْإِجْزَاء، وَهُوَ إِسْقَاط التَّعَبُّد، وينقل عَن الْمُتَكَلِّمين.
وَقيل: الْإِجْزَاء: هُوَ الْكِفَايَة فِي إِسْقَاط الْقَضَاء، وينقل عَن الْفُقَهَاء على مَا سبق تَقْرِير فِي الْغَايَة فِي الصِّحَّة، لِأَنَّهُ قريب من معنى الصِّحَّة، وَلَكِن الْفرق بَينهمَا من وَجْهَيْن.
أَحدهمَا: أَن مَحل الصِّحَّة أَعم من مَحل الْإِجْزَاء، فَإِن الصِّحَّة موردها الْعِبَادَة وَغَيرهَا، ومورد الْإِجْزَاء الْعِبَادَة فَقَط، بل زعم بَعضهم: اخْتِصَاصه بِالْوَاجِبِ، على مَا يَأْتِي قَرِيبا بَيَانه.
الثَّانِي: أَن معنى الْإِجْزَاء عدمي، وَمعنى الصِّحَّة وجودي، وَذَلِكَ لِأَن الْعِبَادَة المأتي بهَا على وَجه الشَّرْع لازمها وصفان: وجودي: وَهُوَ مُوَافقَة الشَّرْع، وَهَذَا هُوَ الصِّحَّة.
стр. 1092
[وَالْآخر عدمي] : وَهُوَ سُقُوط التَّعَبُّد بِهِ، أَو سُقُوط الْقَضَاء - على الْخلاف فِيهِ - وَهَذَا هُوَ الْإِجْزَاء.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (قلت: وَفرق ثَالِث: أَن الْإِجْزَاء مُرَتّب على الصِّحَّة.
فالإجزاء - حِينَئِذٍ - كَون الْفِعْل على وَجه يسْقط التَّعَبُّد، لَا نفس السُّقُوط، وَلَا الْإِسْقَاط، كَمَا وَقع لبَعض الْأُصُولِيِّينَ) .
قَوْله: ﴿ [فَفعل الْمَأْمُور بِهِ] بِشُرُوطِهِ يستلزمه إِجْمَاعًا﴾ .
أَي: يسْتَلْزم الْإِجْزَاء، إِذا فسرنا الْإِجْزَاء بِإِسْقَاط التَّعَبُّد، فالامتثال مُحَصل للإجزاء بِلَا خلاف، وَلذَلِك أَتَيْنَا بِالْفَاءِ، فَإِنَّهُ مُرَتّب على قَوْلنَا: (وَهُوَ الْكِفَايَة فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد) .
قَالَ ابْن مُفْلِح: (الْإِجْزَاء: امْتِثَال الْأَمر.
فَفعل الْمَأْمُور بِهِ بِشُرُوطِهِ يحققه إِجْمَاعًا) .
قَوْله: ﴿وَقيل: فِي إِسْقَاط الْقَضَاء﴾ .
стр. 1093
تقدم أَن الْإِجْزَاء: هُوَ الْكِفَايَة فِي إِسْقَاط التَّعَبُّد، وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا تقدم.
وَقيل: هُوَ الْكِفَايَة فِي إِسْقَاط الْقَضَاء، فعلى هَذَا القَوْل يسْتَلْزم الْإِتْيَان بالمأمور الْإِجْزَاء - أَيْضا - عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر.
قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَكَذَا إِن فسر الْإِجْزَاء بِسُقُوط الْقَضَاء، عندنَا وَعند عَامَّة الْفُقَهَاء والمتكلمين) .
وَإِلَّا لَكَانَ الْأَمر بعد الِامْتِثَال مقتضيا، إِمَّا لما فعل، وَهُوَ تَحْصِيل الْحَاصِل، وَإِمَّا لغيره، فالمجموع مَأْمُور بِهِ، فَلم يفعل إِلَّا بعضه، وَالْفَرْض خِلَافه.
والمخالف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: أَبُو هَاشم، وَعبد الْجَبَّار، فَإِنَّهُمَا قَالَا: لَا يسْتَلْزم الْإِتْيَان بالمأمور بِهِ الْإِجْزَاء، كَمَا لَا يسْتَلْزم النَّهْي الْفساد، وَنَقله ابْن مُفْلِح عَن ابْن الباقلاني.
стр. 1094
وَتَقْرِير الْجَامِع بَين الْأَمر وَالنَّهْي: أَن كلا مِنْهُمَا طلب جازم لَا إِشْعَار لَهُ بذلك، وَأَيْضًا: الْأَمر ضد النَّهْي، وَالنَّهْي لَا يدل على الْفساد، فَلَا يدل الْأَمر على الْإِجْزَاء، لِأَن الشَّيْء يحمل على ضِدّه، كَمَا يحمل على مثله، وَالْفرق: أَن الْأَمر هُوَ: اقْتِضَاء الْفِعْل، فَإِذا أُدي مرّة فقد انْتهى الِاقْتِضَاء، وَأما النَّهْي فمدلوله الْمَنْع من الْفِعْل، فَإِن خَالف وأتى بِهِ، فَلَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يَقْتَضِي التَّعَرُّض لحكمه، وَلَا مُنَافَاة بَين النَّهْي عَنهُ، وَبَين أَن يَقُول: فَإِن أتيت بِهِ جعلته سَببا لحكم آخر، مَعَ كَونه مَمْنُوعًا مِنْهُ، قَالَ ذَلِك جمع.
قَالَ ابْن مُفْلِح وَغَيره: (وَجه الأول: لَو لم يسْتَلْزم لم يعلم امْتِثَال.
رد: بِصَلَاة من عدم مَاء وترابا، امتثل مَعَ بَقَاء التَّكْلِيف، كَذَا قيل.
وَلِأَن الْقَضَاء اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ من الْأَدَاء، وَقد أَتَى بِجَمِيعِ الْمَأْمُور بِهِ، فَيكون تحصيلا للحاصل.
ورد: بِأَن الْأَدَاء الْمُسْتَدْرك بِالْقضَاءِ، غير الْأَدَاء الْحَاصِل، كَذَا قيل.
وَلِأَنَّهُ لَو لم يسْقط بِالْأَمر قيل فِي الْقَضَاء مثله، لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ، فَلَا يتَصَوَّر إِجْزَاء بِفعل مَأْمُور بِهِ.
وَاحْتج ابْن عقيل وَغَيره: (بِأَن الذِّمَّة إِنَّمَا اشتغلت بِهِ وبالنهي) .
стр. 1095
وَاحْتج أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": (بِأَنَّهُ لَا يجوز قَوْله لعَبْدِهِ: افْعَل كَذَا، فَإِذا فعلته كَمَا أَمرتك لم يجزئك، وَعَلَيْك الْقَضَاء، للتناقض) .
قَالُوا: لَو استلزم، لزم أَن لَا يُعِيد، أَو يَأْثَم إِذا علم الْحَدث بَعْدَمَا صلى بِظَنّ الطَّهَارَة، لِأَنَّهُ إِمَّا مَأْمُور بِالصَّلَاةِ بِظَنّ الطَّهَارَة، أَو بيقينها.
قَالَ الْآمِدِيّ: (لَا نسلم وجوب الْقَضَاء على قَول لنا) ، كَذَا قَالَ.
وَتَبعهُ ابْن الْحَاجِب فِي ذكر الْخلاف - كَمَا تقدم عَنهُ - وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع، لَكِن لَيْسَ قَضَاء لما أَتَى بِهِ، بل لما أَمر بِهِ أَولا من الصَّلَاة بشرطها.
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن - من أَصْحَابنَا -: (لَو صلى بِظَنّ الطَّهَارَة وَمَات عَقبهَا، سقط الْقَضَاء، وَلَا إِجْزَاء) .
وأبطله الْآمِدِيّ: (بِأَن الْأَجْزَاء لَيْسَ بِسُقُوط الْقَضَاء مُطلقًا، بل فِي حق من يتَصَوَّر فِي حَقه قَضَاء) .
قَالَ: وَقيل: الْإِجْزَاء: مَا كفى لسُقُوط التَّعَبُّد بِهِ، لِأَن سُقُوط الْقَضَاء يُعلل بالأجزاء، وَالْعلَّة غير الْمَعْلُول.
стр. 1096
وَلِأَن الْقَضَاء لم يجب لانْتِفَاء مُوجبه، فَكيف سقط؟
قَالُوا: يُؤمر من أفسد حجه بِالْأَدَاءِ، وَلَا إِجْزَاء.
رد: أَمر بِحَجّ صَحِيح، وَلم يَأْتِ بِهِ، وَهَذَا غَيره، وَهُوَ مجز فِي إِسْقَاط الْأَمر بِهِ) انْتهى.
قَوْله: ﴿فالإجزاء [مُخْتَصّ] بِالْعبَادَة﴾ مُطلقًا.
يَعْنِي: سَوَاء كَانَت الْعِبَادَة وَاجِبَة، أَو مُسْتَحبَّة، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَنَقله السُّبْكِيّ عَن الْفُقَهَاء، وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (هَذَا الْمَشْهُور) .
فَيُقَال: قِرَاءَة الْفَاتِحَة فَقَط تجزيء فِي النَّافِلَة، كَمَا يُقَال ذَلِك فِي الْوَاجِب.
وَلَا يُقَال لغير الْعِبَادَة، فَلَا يُقَال فِي الْمُعَامَلَات تجزيء، بل موردها الْعِبَادَة فَقَط، بِخِلَاف الصِّحَّة كَمَا تقدم.
وَقَالَ الْقَرَافِيّ والأصفهاني فِي شرحيهما ل " الْمَحْصُول "، و " شرح التَّنْقِيح " للقرافي وَغَيرهمَا: (يخْتَص الْإِجْزَاء بِالْوَاجِبِ من الْعِبَادَة
стр. 1097
فَقَط، فَلَا يجْرِي فِي كل مَطْلُوب، حَتَّى أَن من أوجب الْأُضْحِية اسْتدلَّ بِحَدِيث: " أَرْبَعَة لَا تجزيء فِي الْأَضَاحِي "، فَلَو لم تكن وَاجِبَة لما عبر بالإجزاء.
وَكَذَا قَوْله ﷺ َ - لأبي بردة: " وَلنْ تجزيء عَن أحد بعْدك " على أحد الْوَجْهَيْنِ فِي ضَبطه، وَهُوَ ضم التَّاء والهمزة، لَا على فتح التَّاء بِلَا همزَة، بِمَعْنى: تقضي وتغني.
لَكِن نَحن نمْنَع ذَلِك، ونقول: بِأَن الدَّلِيل دلّ على أَنَّهَا سنة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على اسْتِعْمَال الْإِجْزَاء فِي السّنة، وَنقل عَن الْفُقَهَاء.
стр. 1098
وَاعْترض: بِأَن أَصْحَاب الشَّافِعِي استدلوا على وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة بِرِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: " لَا تجزيء صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن "، وَاسْتدلَّ على وجوب الِاسْتِنْجَاء بِحَدِيث: " إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه بِثَلَاثَة أَحْجَار، فَإِنَّهَا تجزيء عَنهُ "، والإجزاء لَا يُقَال إِلَّا
стр. 1099
على الْوَاجِب.
وَقد يُجَاب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُم إِنَّمَا أوردوه ردا على مخالفهم، لاعْتِقَاده أَن الْإِجْزَاء لَا يُقَال إِلَّا فِي الْوَاجِب، وَالرَّدّ يَقع بِمَا يَعْتَقِدهُ الْخصم، وَإِن لم يَعْتَقِدهُ الرَّاد.
وَفِي هَذَا الْجَواب نظر.
قَوْله: ﴿وَالْقَبُول كالصحة [مُطلقًا] ، وَقيل [الْقبُول أخص] ، [فتوجد] صِحَة بِلَا قبُول﴾ .
стр. 1100
وَحَاصِل ذَلِك: أَن الْقبُول هَل هُوَ مثل الصِّحَّة، أَو تُوجد صِحَة بِلَا قبُول، فَتكون الصِّحَّة أَعم، فَكلما وجد الْقبُول وجدت الصِّحَّة وَلَا عكس؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء.
أَحدهمَا: أَن الصِّحَّة وَالْقَبُول متلازمان، فَإِذا نفي أَحدهمَا انْتَفَى الآخر، وَإِذا وجد أَحدهمَا وجد الآخر، وَهُوَ قَوْلنَا: (مُطلقًا) ، أَي: فِي الْإِثْبَات وَالنَّفْي، وَهَذَا الَّذِي قدمْنَاهُ فِي الْمَتْن، وَهُوَ الَّذِي رَجحه ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " - على مَا يَأْتِي - وَغَيره.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الصِّحَّة تنفك عَن الْقبُول؛ لِأَن الْقبُول أخص من الصِّحَّة، إِذْ كل مَقْبُول صَحِيح، وَلَيْسَ كل صَحِيح مَقْبُولًا.
وَاسْتدلَّ لذَلِك بقول النَّبِي ﷺ َ -: " من أَتَى عرافا لم تقبل لَهُ صَلَاة ".
стр. 1101
" إِذا أبق العَبْد لم تقبل لَهُ صَلَاة حَتَّى يرجع إِلَى موَالِيه "، و " من شرب الْخمر لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا "، وَنَحْو ذَلِك.
فَيكون الْقبُول هُوَ الَّذِي يحصل بِهِ الثَّوَاب وَنَحْوه، وَالصِّحَّة قد تُوجد فِي الْفِعْل وَلَا ثَوَاب فِيهِ: كَالصَّلَاةِ فِي مَوضِع مَغْصُوب عِنْد الْقَائِل بِالصِّحَّةِ، كَمَا تقدم فِي الصَّلَاة فِي مَوضِع مَغْصُوب، فَلَا يلْزم - حِينَئِذٍ - من نفي الْقبُول نفي الصِّحَّة، لَكِن قد أَتَى نفي الْقبُول فِي الشَّرْع تَارَة بِمَعْنى نفي الصِّحَّة، كَمَا فِي حَدِيث: " لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول "،
стр. 1102
و " لَا تقبل صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار "، و " لَا تقبل صَلَاة أحدكُم إِذا أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ "، وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَلَنْ يقبل من أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا وَلَو افتدى بِهِ﴾ [آل عمرَان: ٩١] ، ﴿أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم﴾ [التَّوْبَة: ٥٤] . وَتارَة تَأتي بِنَفْي الْقبُول مَعَ وجود الصِّحَّة، كَمَا فِي الْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي الْآبِق، وشارب الْخمر، و " من أَتَى عرافا ".
وَقد حُكيَ الْقَوْلَيْنِ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح "، وَرجح أَن الصَّحِيح لَا يكون إِلَّا مَقْبُولًا، وَلَا يكون مردودا إِلَّا وَهُوَ بَاطِل.
وَيرد عَلَيْهِ مَجِيء الْأَمريْنِ من الشَّاعِر كَمَا تقدم.
стр. 1103
وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (ظهر لي فِي الْأَحَادِيث الَّتِي نفي فِيهَا الْقبُول، وَلم تنتف مَعَه الصِّحَّة - كَصَلَاة شَارِب الْخمر وَنَحْوه - أَنا نَنْظُر فِيمَا نفي فِيهِ الْقبُول، فَإِن قارنت ذَلِك الْفِعْل مَعْصِيّة - كَحَدِيث شَارِب الْخمر وَنَحْوه - أَجْزَأَ، فانتفاء الْقبُول، أَي: الثَّوَاب؛ لِأَن إِثْم الْمعْصِيَة أحبطه، وَإِن لم يقارنه مَعْصِيّة - كَحَدِيث " لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور " وَنَحْوه - فانتفاء الْقبُول سَببه انْتِفَاء الشَّرْط، وَهُوَ الطَّهَارَة وَنَحْوهَا، وَيلْزم من عدم الشَّرْط عدم الْمَشْرُوط) انْتهى.
قَوْله: ﴿فأثر الْقبُول: الثَّوَاب، وَأثر الصِّحَّة: عدم الْقَضَاء﴾ .
هَذَا مَبْنِيّ على القَوْل الثَّانِي، وَهُوَ أَن الْقبُول أخص من الصِّحَّة، فَيكون الْقبُول لَازمه الثَّوَاب، فَلَا يُوجد قبُول إِلَّا بِثَوَاب، وَالثَّوَاب لَا يلْزم الصِّحَّة، فقد تُوجد صِحَة بِلَا ثَوَاب، كَمَا قُلْنَا فِي الْمُصَلِّي فِي مَغْصُوب إِذا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، فَإِنَّهَا لَا ثَوَاب فِيهَا على الصَّحِيح كَمَا تقدم ذَلِك محررا.
وَقد تُوجد صِحَة بِثَوَاب إِذا كَانَ مَقْبُولًا.
وَأما إِذا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ الَّتِي لَا ثَوَاب فِيهَا، فَإِن الْقَضَاء يَنْتَفِي بهَا، ففائدة الصِّحَّة الَّتِي لَا ثَوَاب فِيهَا عدم الْقَضَاء قطعا.
وَأما حُصُول ثَوَاب مَعَ الصِّحَّة، فَإِن قارنها قبُول حصل، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْله: ﴿ [وَنفي الْإِجْزَاء كنفي الْقبُول] ، وَقيل: [نفي الْإِجْزَاء] أولى بِالْفَسَادِ﴾ .
стр. 1104
وَمعنى ذَلِك: أَن نفي الْإِجْزَاء كنفي الْقبُول فِيمَا ذكر، فَيُقَال: لَا يجزيء، كَمَا يُقَال: لَا يقبل، كَقَوْلِه ﷺ َ -: " لَا تجزيء صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَوله ﷺ َ -: " أَربع لَا تجزيء فِي الضَّحَايَا " وَنَحْوه، وَاخْتلف فِي كَيْفيَّة الْخلاف على طَرِيقين:
أَحدهمَا: الْقطع بِأَن نفي الْإِجْزَاء كنفي الْقبُول، فَكلما لَا يقبل يُقَال فِيهِ: لَا يجزيء، وَكلما يُقَال فِيهِ: يقبل، يُقَال فِيهِ: يجزيء.
وَالطَّرِيق الثَّانِيَة: أَن فِيهِ الْخلاف السَّابِق فِي نفي الْقبُول، وَأولى باقتضائه الْفساد، لِأَن الصِّحَّة قد تُوجد حَيْثُ لَا قبُول، بِخِلَاف الْإِجْزَاء مَعَ الصِّحَّة، وَسبق الْفرق بَين الصِّحَّة والإجزاء بِمَا يخدش مَا ذكرنَا هُنَا.
قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (أما نفي الْإِجْزَاء فَالْمَشْهُور أَنه كنفي الصِّحَّة، فَيَعُود فِيهِ مَا سبق.
وَالثَّانِي: أَنه أولى بِالْفَسَادِ، فَيَعُود فِيهِ الْخلاف بالترتيب؛ لِأَن الصِّحَّة قد تُوجد حَيْثُ لَا قبُول، بِخِلَاف الْإِجْزَاء مَعَ الصِّحَّة) انْتهى.
قَوْله: ﴿فَائِدَتَانِ: [إِحْدَاهمَا] : الصِّحَّة عقلية: كإمكان الشَّيْء وجودا وعدما، وعادية: كالمشي وَنَحْوه، وشرعية: [كالمذكورة] هُنَا﴾ .
стр. 1105
للصِّحَّة [ثَلَاثَة] معَان:
أَحدهَا: كَونهَا عقلية، وَهِي إِمْكَان الشَّيْء، وقبوله للوجود والعدم.
وَالثَّانِي: كَونهَا عَادِية: كالمشي يَمِينا، وَشمَالًا، وأماما، وخلفا، دون الصعُود فِي الْهَوَاء.
الثَّالِث: كَونهَا شَرْعِيَّة، وَهِي الْإِذْن الشَّرْعِيّ فِي جَوَاز الْإِقْدَام على الْفِعْل، وَهُوَ يَشْمَل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَّا التَّحْرِيم فَلَا إِذن فِيهِ، وَالْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة فِيهَا الْإِذْن فِي جَوَاز الْإِقْدَام، وَقد اتّفق النَّاس على أَنه لَيْسَ فِي الشَّرِيعَة مَنْهِيّ عَنهُ، وَلَا مَأْمُور بِهِ، وَلَا مَشْرُوع على الْإِطْلَاق، إِلَّا وَفِيه الصِّحَّة العادية، وَلذَلِك حصل الِاتِّفَاق - أَيْضا - على أَن اللُّغَة لم يَقع فِيهَا طلب وجود وَلَا عدم إِلَّا فِيمَا يَصح عَادَة، وَإِن جَوَّزنَا تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فَذَلِك بِحَسب مَا يجوز على الله، لَا بِحَسب مَا يجوز فِي اللُّغَات، فاللغات مَوضِع إِجْمَاع.
قَوْله: ﴿الثَّانِيَة: النّفُوذ: تصرف لَا يقدر فَاعله على رَفعه، وَقيل: كالصحة﴾ .
لم أعلم الْآن من أَيْن نقلت هَذِه الْمَسْأَلَة.
وَقَوْلنَا: (تصرف لَا يقدر فَاعله على رَفعه) ، هُوَ كالعقود اللَّازِمَة من البيع وَالْإِجَارَة وَالْوَقْف وَالنِّكَاح وَنَحْوهَا، إِذا اجْتمعت شُرُوطهَا، وانتفت موانعها، وَكَذَلِكَ الْعتْق وَالطَّلَاق وَالْفَسْخ وَنَحْوهَا.
стр. 1106
قَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (نفذ السهْم نفوذا - كقعد - ونفاذا خرق الرَّمية وَخرج مِنْهَا، وأنفذته بِالْألف، وَنفذ فِي الْأَمر ينفذ نفاذا: مهر فِيهِ، وَنفذ - قولا - نفوذا: قبل وَمضى، وَنفذ الْعتْق، كَأَنَّهُ مستعار من نُفُوذ السهْم، فَإِنَّهُ لَا مرد لَهُ، وَنفذ الْمنزل إِلَى الطَّرِيق: اتَّصل بِهِ، وَنفذ الطَّرِيق: عَم مسلكه لكل أحد، فَهُوَ نَافِذ، أَي: عَام، والمنفذ - مثل مَسْجِد -: مَوضِع النّفُوذ، وَالْجمع منافذ) انْتهى.
فَقَوله: (نفذ الْعتْق، كَأَنَّهُ مستعار من نُفُوذ السهْم) ، هُوَ مَسْأَلَتنَا، فَكَأَن الْعُقُود اللَّازِمَة الْمُتَقَدّمَة مستعار لَهَا النّفُوذ من نُفُوذ السهْم كَمَا قَالَ.
وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (النَّفاذ: جَوَاز الشَّيْء عَن الشَّيْء والخلوص، كالنفوذ، [ومخالطة] السهْم جَوف الرَّمية، وَخُرُوج طرفه من الشق الآخر، وسائره فِيهِ، كالنفذ، وأنفذ الْأَمر: قَضَاهُ) انْتهى.
قَوْله: (وَقيل: كالصحة) .
يَعْنِي - على هَذَا القَوْل - أَنه إِذا قيل: نفذ البيع وَنَحْوه، أَي: صَحَّ، لَكِن على هَذَا يكون أَعم من القَوْل الْمُقدم، فَإِنَّهُ على هَذَا يُقَال على الْعُقُود الْجَائِزَة، إِذا اجْتمعت شُرُوطًا، وانتفعت موانعها: نفذ العقد، أَي: صَحَّ،
стр. 1107
فَيُقَال فِي صَحِيح الشّركَة وَغَيرهَا: نفذ، أَي: صَحَّ، بِخِلَاف القَوْل الأول، فَإِنَّهُ لَا يُقَال إِلَّا فِي الْعُقُود اللَّازِمَة كَمَا مثلنَا أَولا، وَالله أعلم.
قَالَ ابْن الفركاح فِي " شرح الورقات ": (نُفُوذ العقد أَصله من نُفُوذ السهْم، وَهُوَ بُلُوغ الْمَقْصُود من الرَّمْي، وَكَذَلِكَ العقد إِذا أَفَادَ الْمَقْصُود الْمَطْلُوب مِنْهُ سمي بذلك نفوذا، فَإِذا ترَتّب على العقد مَا يقْصد مِنْهُ - مثل البيع إِذا أَفَادَ الْملك وَنَحْوه - قيل لَهُ: صَحِيح، ويعتد بِهِ، فالاعتداد بِالْعقدِ هُوَ المُرَاد بوصفه [بِالصِّحَّةِ] وبكونه نَافِذا) ، فَجعل الصِّحَّة والنفوذ وَاحِدًا.
وَقَالَ فِي " الورقات ": (وَالصَّحِيح مَا يتَعَلَّق بِهِ النّفُوذ) .
قَوْله: ﴿والبطلان وَالْفساد مُتَرَادِفَانِ، يقابلان الصِّحَّة﴾ على الْقَوْلَيْنِ فِيهَا.
وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد، وَالشَّافِعِيّ، وأصحابهما، وَغَيرهم، سَوَاء كَانَ فِي الْعِبَادَات أَو فِي الْمُعَامَلَات، فَهُوَ فِي الْعِبَادَة: عبارَة عَن عدم ترَتّب الْأَثر عَلَيْهَا، أَو عدم سُقُوط الْقَضَاء، أَو عدم مُوَافقَة الْأَمر.
стр. 1108
وَفِي الْمُعَامَلَات: عبارَة عَن عدم ترَتّب الْأَثر عَلَيْهَا.
وَفرق أَبُو حنيفَة بَينهمَا.
وتحرير مذْهبه فِي ذَلِك: أَن الْعِوَضَيْنِ إِن كَانَا غير قابلين للْبيع كالملاقيح بِالدَّمِ، فَهُوَ بَاطِل قطعا؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يقبل البيع الْبَتَّةَ، وَإِن كَانَا بأصلهما قابلين للْبيع، وَلَكِن اشتملا على وصف يَقْتَضِي عدم الصِّحَّة: كالربا فِي الْمُعَامَلَات، فَإِن الدَّرَاهِم بأصلها قَابِلَة للْبيع، وَإِنَّمَا جَاءَ الْبطلَان من الزِّيَادَة فِي أَحدهمَا، أَو النَّسِيئَة، ففاسد قطعا.
وَمثله فِي الْعِبَادَة: صَوْم يَوْم الْعِيد، فَإِن الْيَوْم بِأَصْلِهِ قَابل للصَّوْم الصَّحِيح فِيهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْبطلَان من الصّفة، وَهِي الْعِيد.
وَإِن كَانَ الْمَبِيع غير قَابل للْبيع دون الثّمن: كَبيع الملاقيح بِالدَّرَاهِمِ، أَو بِالْعَكْسِ: كَبيع ثوب مثلا بِدَم أَو خِنْزِير، فَفِي كل مِنْهُمَا خلاف، وَالصَّحِيح عِنْدهم: إِلْحَاق الأول بِالْأولِ، وَالثَّانِي بِالثَّانِي.
стр. 1109
وَفَائِدَة التَّفْصِيل عِنْدهم: أَن الْفَاسِد يُفِيد الْملك إِذا اتَّصل بِهِ الْقَبْض، دون الْبَاطِل، وَالله أعلم.
وَالأَصَح - دَلِيلا -: أَن الْبطلَان يرادف الْفساد، وهما يقابلان الصِّحَّة، كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا وَمذهب الشَّافِعِي.
حَتَّى قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (لم يَقع فِي الْكتاب وَالسّنة إِلَّا لفظ الْبَاطِل فِي مُقَابلَة الْحق، وَأما لفظ الصِّحَّة وَالْفساد فَمن اصْطِلَاح الْفُقَهَاء) .
واستدرك بَعضهم عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] ، أَي: لاختل نظامهما.
قَوْله: ﴿مَعَ تفريقهما فِي الْفِقْه بَينهمَا فِي مسَائِل﴾ كَثِيرَة.
قد فرق أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل فِي مسَائِل كَثِيرَة.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا: (قد ذكر أَصْحَابنَا مسَائِل فرقوا فِيهَا بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل، ظن بعض الْمُتَأَخِّرين أَنَّهَا مُخَالفَة للقاعدة.
وَالَّذِي يظْهر - وَالله أعلم - أَن ذَلِك لَيْسَ بمخالف للقاعدة.
وَبَيَانه: أَن الْأَصْحَاب إِنَّمَا قَالُوا: الْبطلَان وَالْفساد مُتَرَادِفَانِ، فِي مُقَابلَة
стр. 1110
قَول أبي حنيفَة، حَيْثُ قَالَ: مَا لم يشرع بِالْكُلِّيَّةِ هُوَ الْبَاطِل، وَمَا شرع أَصله وَامْتنع لاشْتِمَاله على وصف محرم هُوَ الْفَاسِد، فعندنا كل مَا كَانَ مَنْهِيّا إِمَّا لعَينه أَو لوصفه ففاسد وباطل، وَلم يفرق الْأَصْحَاب فِي صُورَة من الصُّور بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل فِي الْمنْهِي عَنهُ، وَإِنَّمَا فرقوا بَينهمَا فِي مسَائِل لدَلِيل) انْتهى.
قلت: غَالب الْمسَائِل الَّتِي حكمُوا عَلَيْهَا بِالْفَسَادِ، إِذا كَانَت مُخْتَلفا فِيهَا بَين الْعلمَاء، وَالَّتِي حكمُوا عَلَيْهَا بِالْبُطْلَانِ إِذا كَانَت مجمعا عَلَيْهَا، أَو الْخلاف فِيهَا شَاذ.
ثمَّ وجدت بعض أَصْحَابنَا قَالَ: (الْفَاسِد من النِّكَاح: مَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد، وَالْبَاطِل: مَا كَانَ مجمعا على بُطْلَانه.
وَعبر طَائِفَة من أَصْحَابنَا بِالْبَاطِلِ عَن النِّكَاح الَّذِي يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد أَيْضا) .
إِذا علم ذَلِك؛ فقد ذكر أَصْحَابنَا مسَائِل الْفَاسِد غير مسَائِل الْبَاطِل فِي أَبْوَاب مِنْهَا: بَاب الْكِتَابَة، وَالنِّكَاح، وَالْحج، وَغَيرهَا، وَقد ذكر القَاضِي عَلَاء الدّين فِي قَوَاعِده لذَلِك قَاعِدَة وَذكر مسَائِل كَثِيرَة فليعاودها من أرادها.
قَوْله: ﴿ [الْعَزِيمَة] لُغَة﴾ : من الْعَزْم، وَهُوَ: ﴿الْقَصْد الْمُؤَكّد﴾ ،
стр. 1111
وَمِنْه: ﴿أولُوا الْعَزْم من الرُّسُل﴾ [الْأَحْقَاف: ٣٥] ، وعزمت عَلَيْك إِلَّا مَا فعلت كَذَا، أَي: عقد الْقلب على إِمْضَاء الْأَمر، أَي: محافظته على مَا أَمر بِهِ، [وعزيمته] على الْقيام بِهِ.
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلم نجد لَهُ عزما﴾ [طه: ١١٥] ، وَقَوله : ﴿فَإِذا عزمت فتوكل على الله﴾ [آل عمرَان: ١٥٩] .
قَالَ الْجَوْهَرِي: (عزمت على كَذَا: إِذا أردْت فعله، وَقطعت عَلَيْهِ) وجزمت بِهِ وصممت عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي " الْمِصْبَاح ": (عزم على الشَّيْء، وعزمه، عزما - من بَاب ضرب -: عقد ضَمِيره على فعله، وعزم، عَزِيمَة، وعزمة: اجْتهد وجد فِي أَمر، وعزيمة الله تَعَالَى: فريضته الَّتِي افترضها، وَالْجمع: عزائم، وعزائم السُّجُود: مَا أَمر بِالسُّجُود فِيهَا) انْتهى.
стр. 1112
وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (عزم على الْأَمر، يعزم، [عَزمَة] ، وَيضم، ومعزما [وعزما]- بِالضَّمِّ - وعزيما، وعزيمة، وعزمة، واعتزمه، وَعَلِيهِ، وتعزم: أَرَادَ فعله، وَقطع عَلَيْهِ، وجد فِي الْأَمر، وعزم الْأَمر نَفسه: عزم عَلَيْهِ: وعَلى الرجل: أقسم، [والراقي فِي العزائم] ، أَي: الرقى، أَو هِيَ آيَات من الْقُرْآن تقْرَأ على ذَوي الْآفَات رَجَاء الْبُرْء، وأولو الْعَزْم من الرُّسُل: الَّذين عزموا على أَمر الله فِيمَا عهد إِلَيْهِم، [وهم] : نوح، وَإِبْرَاهِيم، ومُوسَى [وَعِيسَى] ، وَمُحَمّد [عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام] .
الزَّمَخْشَرِيّ: (أولو الْعَزْم: الْجد والثبات وَالصَّبْر، [وهم] : نوح، وَإِبْرَاهِيم، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، [وَأَيوب] ، وَدَاوُد، وَعِيسَى - صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه أَجْمَعِينَ -) انْتهى.
قلت: الصَّحِيح: أَن أولي الْعَزْم الْخَمْسَة الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي
стр. 1113
الْأَحْزَاب والشورى بقوله: ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى [وَعِيسَى] ابْن مَرْيَم﴾ [الْأَحْزَاب: ٧] ، وَقَوله: ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين﴾ [الشورى: ١٣] ، وَقد نبه عَلَيْهِ الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيره ".
قَوْله: ﴿وَشرعا﴾ .
[أَي] : الْعَزِيمَة فِي الشَّرْع.
﴿قَالَ الْمُوفق والطوفي و [غَيرهمَا] ﴾ وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الْبَيْضَاوِيّ: ﴿الحكم الثَّابِت بِدَلِيل شَرْعِي خَال عَن معَارض، فَيشْمَل الْأَحْكَام الْخَمْسَة﴾ .
فالعزيمة على هَذَا القَوْل وَاقعَة فِي جَمِيع الْأَحْكَام لِأَن كل وَاحِد مِنْهَا حكم ثَابت بِدَلِيل شَرْعِي، فَيكون فِي الْحَرَام وَالْمَكْرُوه على معنى التّرْك، فَيَعُود الْمَعْنى فِي ترك الْحَرَام إِلَى الْوُجُوب.
стр. 1114
وَقَوله: (بِدَلِيل شَرْعِي) ، احْتِرَاز من الثَّابِت بِدَلِيل عَقْلِي، فَإِن ذَلِك لَا يسْتَعْمل فِيهِ الْعَزِيمَة والرخصة.
وَقَوله: (خَال عَن معَارض) ، احْتِرَاز مِمَّا يثبت بِدَلِيل، لَكِن لذَلِك الدَّلِيل معَارض مسَاوٍ أَو أرجح، لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْمعَارض مُسَاوِيا لزم الْوَقْف، وانتفت الْعَزِيمَة، وَوَجَب طلب الْمُرَجح الْخَارِجِي، وَإِن كَانَ راجحا لزم الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ، وانتفت الْعَزِيمَة وَثبتت الرُّخْصَة: كتحريم الْميتَة عِنْد عدم المخمصة، فالتحريم فِيهَا عَزِيمَة، لِأَنَّهُ حكم ثَابت بِدَلِيل شَرْعِي خَال عَن معَارض، فَإِذا وجدت المخمصة، حصل الْمعَارض لدَلِيل التَّحْرِيم، وَهُوَ رَاجِح عَلَيْهِ، حفظا للنَّفس، فَجَاز الْأكل وحصلت الرُّخْصَة.
قَوْله: ﴿وَأسْقط الرَّازِيّ الْحَرَام﴾ .
فَجَعلهَا منقسمة إِلَى مَا عدا الْحَرَام، فَتكون الْعَزِيمَة عِنْده: الْوَاجِب، وَالْمُسْتَحب، والمباح، وَالْمَكْرُوه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جعل مورد التَّقْسِيم الْفِعْل الْجَائِز فَقَالَ: (الْفِعْل الَّذِي يجوز للمكلف الْإِتْيَان بِهِ، إِمَّا أَن يكون عَزِيمَة، أَو رخصَة) ، هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ.
قَوْله: ﴿والقرافي﴾ .
أَي: وَقَالَ الْقَرَافِيّ: هِيَ ﴿طلب فعل لم يشْتَهر فِيهِ منع شَرْعِي، فَيخْتَص الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب﴾ ، فَإِن الطّلب تَارَة يكون بجزم وَهُوَ الْوَاجِب، وَتارَة يكون بِغَيْر جزم وَهُوَ الْمَنْدُوب.
стр. 1115
وَقَوله (طلب) ، يخرج الْمحرم وَالْمَكْرُوه، وَكَذَا - الْمُبَاح أَيْضا - لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَب.
قَالَ الْقَرَافِيّ: (وَلَا يُمكن أَن يكون الْمُبَاح من العزائم، فَإِن الْعَزْم: هُوَ الطّلب الْمُؤَكّد فِيهِ) .
قَوْله: ﴿وَالْغَزالِيّ، والآمدي، [وَابْن حمدَان، وَابْن مُفْلِح] ﴾ .
أَي: قَالُوا: الْعَزِيمَة ﴿مَا لزم﴾ - أَي: الْعباد - ﴿بإلزام الله تَعَالَى من غير مُخَالفَة دَلِيل شَرْعِي، فَيخْتَص الْوَاجِب﴾ .
وَقَالَهُ ابْن الْحَاجِب فِي " الْمُخْتَصر الْكَبِير "، وَهُوَ ظَاهر، وَكَأَنَّهُم احترزوا بِإِيجَاب الله تَعَالَى عَن النّدب، فَإِنَّهُ لَا يُسمى عَزِيمَة.
قَوْله: ﴿والرخصة لُغَة: السهولة﴾ والتيسير، أَي: خلاف التَّشْدِيد، وَمِنْه: رخص السّعر: إِذا سهل، الرُّخص: الناعم، وَهُوَ رَاجع إِلَى معنى الْيُسْر والسهولة.
قَالَ فِي " الْمِصْبَاح ": (يُقَال: رخص الشَّارِع لنا فِي كَذَا ترخيصا، وأرخص إرخاصا: إِذا يسره وسهله، وَفُلَان يترخص فِي الْأَمر: إِذا لم يستقص، وقضيب رخص، أَي: طري لين، وَرخّص الْبدن - بِالضَّمِّ -
стр. 1116
رخاصة ورخوصة: إِذا نعم ولان ملمسه فَهُوَ رخيص) انْتهى.
وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الرُّخص - بِالضَّمِّ -: ضد الغلاء، وَقد رخص ككرم، و - الْفَتْح -: الشَّيْء الناعم، والرخصة - بضمة وبضمتين -: [ترخيص الله للْعَبد] فِيمَا يخففه عَلَيْهِ، والتسهيل) .
قَوْله: ﴿وَشرعا: مَا ثَبت على خلاف دَلِيل شَرْعِي لمعارض رَاجِح﴾ .
وَهُوَ للطوفي فِي " مُخْتَصره ".
فَقَوله: (مَا ثَبت على خلاف دَلِيل شَرْعِي) ، احْتِرَاز مِمَّا ثَبت على وفْق الدَّلِيل، فَإِنَّهُ لَا يكون رخصَة، بل عَزِيمَة: كَالصَّوْمِ فِي الْحَضَر.
وَقَوله: (لمعارض رَاجِح) ، احْتِرَاز مِمَّا كَانَ لمعارض غير رَاجِح، بل إِمَّا مسَاوٍ فَيلْزم الْوَقْف على حُصُول الرَّاجِح، أَو قَاصِر عَن مُسَاوَاة الدَّلِيل الشَّرْعِيّ، فَلَا يُؤثر وَتبقى الْعَزِيمَة بِحَالِهَا.
﴿ [وَقيل] ﴾ : هِيَ ﴿اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور مَعَ قيام [السَّبَب] الحاظر﴾ ، وَهَذَا للشَّيْخ موفق الدّين فِي " الرَّوْضَة "، وَهُوَ قريب من الأول، غير أَن الاستباحة قد يكون مستندها الشَّرْع، فَيلْزم أَن يكون لمعارضة دَلِيل رَاجِح: كَأَكْل الْميتَة فِي المخمصة، فَإِنَّهُ اسْتِبَاحَة للميتة الْمُحرمَة شرعا، مَعَ قيام السَّبَب
стр. 1117
الْمحرم، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ [الْمَائِدَة: ٣] ، لدَلِيل شَرْعِي رَاجِح على هَذَا السَّبَب، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ [الْمَائِدَة: ٣] ، فَإِن هَذَا خَاص، وَسبب التَّحْرِيم عَام، وَالْخَاص مقدم، هَذَا مَعَ النُّصُوص وَالْإِجْمَاع الحاض على حفظ النُّفُوس واستبقائها.
وَقد لَا تكون الاستباحة مستندة إِلَى الشَّرْع، فَيكون ذَلِك مَعْصِيّة مَحْضَة لَا رخصَة.
قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (فَلَو قيل: اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور شرعا مَعَ قيام السَّبَب الحاظر صَحَّ، وساوى الأول) .
وَقَالَ الْعَسْقَلَانِي فِي " شرح مُخْتَصر الطوفي ": (أَجود مَا يُقَال فِي الرُّخْصَة: ثُبُوت حكم لحالة تَقْتَضِيه مُخَالفَة مُقْتَضى دَلِيل يعمها) .
وَهُوَ لِابْنِ حمدَان فِي " الْمقنع "، وفيهَا حُدُود كَثِيرَة مَعَانِيهَا مُتَقَارِبَة يكْتَفى بأحدها.
قَوْله: ﴿فَمِنْهَا: وَاجِب: كَأَكْل مُضْطَر ميتَة﴾ .
قد يكون فعل الرُّخْصَة وَاجِبا، وَقد يكون مُسْتَحبا، وَقد يكون مُبَاحا، بِاعْتِبَار الْحَال.
стр. 1118
فَالَّذِي فعله وَاجِب: أكل الْميتَة للْمُضْطَر، فَإِنَّهُ وَاجِب على الصَّحِيح من كَلَام الْعلمَاء، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، لِأَنَّهُ سَبَب لإحياء النَّفس، وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ وَاجِب، وَذَلِكَ لِأَن النُّفُوس حق لله تَعَالَى، وَهِي أَمَانَة عِنْد الْمُكَلّفين، فَيجب حفظهَا ليستوفي الله حَقه مِنْهَا بالعبادات والتكاليف، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ [النِّسَاء: ٢٩] .
وَقيل: أكلهَا جَائِز - أَي: مُبَاح - لَا وَاجِب لِأَن إِبَاحَة الْأكل رخصَة فَلَا يجب عَلَيْهِ كَسَائِر الرُّخص، وَلِأَن لَهُ غَرضا فِي اجْتِنَاب النَّجَاسَة وَالْأَخْذ بالعزيمة، وَرُبمَا لم تطب نَفسه بتناول الْميتَة، وَفَارق الْحَلَال فِي الأَصْل من هَذِه الْوُجُوه، ذكره أَصْحَابنَا.
وَقيل: الْأكل مُسْتَحبّ لَا وَاجِب.
وَقيل: أكلهَا عَزِيمَة لَا رخصَة.
قَالَ إِلْكيَا الطَّبَرِيّ: (هَذَا هُوَ الصَّحِيح عندنَا) .
وَقَالَ الطوفي فِي " مُخْتَصره ": (وَيجوز أَن يُقَال: التَّيَمُّم وَأكل الْميتَة كل مِنْهُمَا رخصَة عَزِيمَة بِاعْتِبَار الْجِهَتَيْنِ) انْتهى.
وَقَالَ السُّبْكِيّ: (هِيَ رخصَة عَزِيمَة باعتبارين) .
стр. 1119
وَلَعَلَّه أَخذه من كَلَام الطوفي.
تَنْبِيه: الْحَاصِل من تَقْرِير مجامعة الرُّخْصَة للْوُجُوب وَنَحْوه على القَوْل الْمُقدم: أَن الرُّخْصَة - فِي الْحَقِيقَة -: إحلال الشَّيْء، لِأَنَّهَا التَّيْسِير والتسهيل، ثمَّ قد يعرض لَهُ وصف آخر من الْأَحْكَام غير الْحل لدَلِيل، كحل أكل الْميتَة، نَشأ وُجُوبه من وجوب حفظ النَّفس، فَلذَلِك انقسمت الرُّخْصَة إِلَى هَذِه الْأَقْسَام، وَالصَّحِيح: أَن حكمهَا وَاجِب، فَتغير حكمهَا من صعوبة التَّحْرِيم إِلَى سهولة الْوُجُوب، لموافقته لغَرَض النَّفس، لعذر الِاضْطِرَار، مَعَ قيام سَبَب التَّحْرِيم حَال الْحل، وَهُوَ الْخبث.
فَائِدَة: قَالَ الشَّيْخ عبد الْعَزِيز - شَارِح الْبَزْدَوِيّ -: (عَن الْعلمَاء فِي حكم الْميتَة وَنَحْوهَا فِي حَالَة الضَّرُورَة، هَل هِيَ مُبَاحَة، أَو تبقى على حكم التَّحْرِيم ويرتفع الْإِثْم كَمَا فِي الْإِكْرَاه على الْكفْر؟ وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف وَأحد قولي الشَّافِعِي.
قَالَ: وَذهب أَكثر أَصْحَابنَا إِلَى ارْتِفَاع الْحُرْمَة.
وَذكر للْخلاف فائدتين: إِحْدَاهمَا: إِذا جَاع حَتَّى مَاتَ لَا يكون آثِما على الأول، بِخِلَافِهِ على الثَّانِي.
стр. 1120
الْفَائِدَة الثَّانِيَة: إِذا حلف لَا يَأْكُل حَرَامًا، فتناوله فِي حَالَة الضَّرُورَة، حنث على الأول لَا الثَّانِي) .
وَمِمَّا يجب من الرُّخْصَة: إساغة اللُّقْمَة بِالْخمرِ لمن غص بهَا، فَهِيَ كالميتة للْمُضْطَر.
قَالَ ابْن حمدَان: (وَيجب فطر الْمَرِيض فِي رَمَضَان إِذا خَافَ الْمَوْت بِعَدَمِهِ) .
﴿و﴾ من الرُّخْصَة مَا هُوَ ﴿مَنْدُوب: كقصر [الْمُسَافِر] ﴾ الصَّلَاة عِنْد أَصْحَابنَا وإمامنا، إِذا اجْتمعت الشُّرُوط وانتفت الْمَوَانِع، وَكَذَلِكَ عِنْد الشَّافِعِيَّة.
﴿و﴾ مِنْهَا مَا هُوَ ﴿مُبَاح [كالجمع] ﴾ بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي غير عَرَفَة ومزدلفة، وَكَذَا كلمة الْكفْر لمن أكره، وَكَذَلِكَ الْعَرَايَا للْحَدِيث فِي ذَلِك،
стр. 1121
وَمِنْه: جَوَاز الْمُضَاربَة، وَالْمُسَاقَاة، وَالْإِجَارَة، وَنَحْوهَا؛ لِأَنَّهَا عُقُود على مَعْدُوم لقَوْل النَّبِي ﷺ َ -: " لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك "، وفيهَا غرر، وَقد نهي عَنهُ.
تَنْبِيه: فهم [مِمَّا] تقدم: أَن الرُّخْصَة لَا تكون مُحرمَة وَلَا مَكْرُوهَة، وَهُوَ ظَاهر قَوْله ﷺ َ -: " إِن الله يحب أَن تُؤْتى رخصه ".
стр. 1122
وَظَاهر كَلَام الشَّافِعِيَّة: أَن الرُّخْصَة تَأتي فِي الْحَرَام وَالْمَكْرُوه، ومثلوا الأول بالاستنجاء بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَالثَّانِي بِالْقصرِ فِي أقل من ثَلَاث مراحل، وَكَذَا اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز، وَأَجَابُوا عَن ذَلِك.
قلت: صرح صَاحب " النِّهَايَة " من أَصْحَابنَا: (أَنه لَا يجوز الِاسْتِجْمَار بِالذَّهَب وَالْفِضَّة) .
стр. 1123
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (وَلَعَلَّه مُرَاد غَيره لتَحْرِيم اسْتِعْمَاله) ، وَحكى أَن الشَّافِعِي منع من ذَلِك.
فَائِدَة: مَا لم يُخَالف دَلِيلا - كاستباحة الْمُبَاحَات، وَعدم وجوب صَوْم شَوَّال - لَا يُسمى رخصَة، وَمَا خفف عَنَّا من التَّغْلِيظ على الْأُمَم قبلنَا، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا رخصَة مجَازًا، بِمَعْنى: أَنه سهل علينا مَا شدد عَلَيْهِم، رفقا من الله تَعَالَى بِنَا، مَعَ جَوَاز إِيجَابه علينا كَمَا أوجبه عَلَيْهِم، لَا على معنى أَنا استحبنا شَيْئا من الْمُحرمَات عَلَيْهِم مَعَ قيام الْمحرم فِي حَقنا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حرم عَلَيْهِم لَا علينا، فَهَذَا وَجه التَّجَوُّز، وَعدم كَون الأول لَيْسَ بِرُخْصَة؛ لِأَنَّهُ لم يثبت على الْمَنْع من ذَلِك دَلِيل، فالتيمم لمَرض وَنَحْوه، وَزِيَادَة ثمن المَاء: رخصَة، وَمَعَ عدم المَاء وعجزه عَنهُ: لَيْسَ بِرُخْصَة.
قَوْله: ﴿وهما﴾ - أَي: الْعَزِيمَة والرخصة - ﴿وصفان للْحكم الوضعي، وَقيل: التكليفي، [وَقَالَ] الرَّازِيّ وَغَيره: للْفِعْل﴾ .
اخْتلف الْعلمَاء فِي الرُّخْصَة والعزيمة، هَل هما وصفان للْحكم، أَو وصفان للْفِعْل على قَوْلَيْنِ، وَإِذا قُلْنَا: هما وصفان للْحكم، فَهَل هُوَ الحكم
стр. 1124
الوضعي أَو الحكم التكليفي؟ على قَوْلَيْنِ أَيْضا.
فتلخص فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال، وَالصَّحِيح: أَنَّهُمَا وصفان للْحكم، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْغَزالِيّ، وَصَاحب " الْحَاصِل "، والبيضاوي، والقرافي، وَغَيرهم.
فَتكون الرُّخْصَة: بِمَعْنى الترخيص، والعزيمة: بِمَعْنى التَّأْكِيد فِي طلب الشَّيْء وَمِنْه: " فاقبلوا رخصَة الله " وَقَول أم عَطِيَّة: " نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز وَلم يعزم علينا ".
стр. 1125
ثمَّ اخْتلف الْقَائِل بِأَنَّهُمَا وصفان للْحكم، فَقَالَ جمع: هما وصفان للْحكم الوضعي، مِنْهُم الْآمِدِيّ، نَقله عَنهُ الْبرمَاوِيّ، وَقطع بِهِ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ".
وَقَالَ جمع: وصف للْحكم التكليفي لما فِيهَا من معنى الِاقْتِضَاء، وَلذَلِك قسموها إِلَى وَاجِبَة ومندوبة وَنَحْوهمَا، وَلَكِن ذَلِك لأمر خارجي عَن أصل الترخيص.
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمُخْتَصر " - بعد أَن تكلم على الرُّخْصَة -: (لَيست من أَقسَام خطاب الْوَضع، بل رَاجِعَة إِلَى الِاقْتِضَاء والتخيير؛ لكَونهَا وَاجِبَة ومندوبة ومباحة) انْتهى.
وَقيل: هما وصفان للْفِعْل المرخص فِيهِ، أَو المعزوم عَلَيْهِ، وَلَو كَانَ تركا، أَي: الْمَطْلُوب بالعزم والتأكيد، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ، وَابْن الْحَاجِب، نَقله الْبرمَاوِيّ.
следующие страницы →