← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وَمِنْه: جَوَاز الْمُضَاربَة، وَالْمُسَاقَاة، وَالْإِجَارَة، وَنَحْوهَا؛ لِأَنَّهَا عُقُود على مَعْدُوم لقَوْل النَّبِي ﷺ َ -: " لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك "، وفيهَا غرر، وَقد نهي عَنهُ. تَنْبِيه: فهم [مِمَّا] تقدم: أَن الرُّخْصَة لَا تكون مُحرمَة وَلَا مَكْرُوهَة، وَهُوَ ظَاهر قَوْله ﷺ َ -: " إِن الله يحب أَن تُؤْتى رخصه ".

стр. 1122

وَظَاهر كَلَام الشَّافِعِيَّة: أَن الرُّخْصَة تَأتي فِي الْحَرَام وَالْمَكْرُوه، ومثلوا الأول بالاستنجاء بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَالثَّانِي بِالْقصرِ فِي أقل من ثَلَاث مراحل، وَكَذَا اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز، وَأَجَابُوا عَن ذَلِك. قلت: صرح صَاحب " النِّهَايَة " من أَصْحَابنَا: (أَنه لَا يجوز الِاسْتِجْمَار بِالذَّهَب وَالْفِضَّة) .

стр. 1123

قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (وَلَعَلَّه مُرَاد غَيره لتَحْرِيم اسْتِعْمَاله) ، وَحكى أَن الشَّافِعِي منع من ذَلِك. فَائِدَة: مَا لم يُخَالف دَلِيلا - كاستباحة الْمُبَاحَات، وَعدم وجوب صَوْم شَوَّال - لَا يُسمى رخصَة، وَمَا خفف عَنَّا من التَّغْلِيظ على الْأُمَم قبلنَا، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا رخصَة مجَازًا، بِمَعْنى: أَنه سهل علينا مَا شدد عَلَيْهِم، رفقا من الله تَعَالَى بِنَا، مَعَ جَوَاز إِيجَابه علينا كَمَا أوجبه عَلَيْهِم، لَا على معنى أَنا استحبنا شَيْئا من الْمُحرمَات عَلَيْهِم مَعَ قيام الْمحرم فِي حَقنا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حرم عَلَيْهِم لَا علينا، فَهَذَا وَجه التَّجَوُّز، وَعدم كَون الأول لَيْسَ بِرُخْصَة؛ لِأَنَّهُ لم يثبت على الْمَنْع من ذَلِك دَلِيل، فالتيمم لمَرض وَنَحْوه، وَزِيَادَة ثمن المَاء: رخصَة، وَمَعَ عدم المَاء وعجزه عَنهُ: لَيْسَ بِرُخْصَة. قَوْله: ﴿وهما﴾ - أَي: الْعَزِيمَة والرخصة - ﴿وصفان للْحكم الوضعي، وَقيل: التكليفي، [وَقَالَ] الرَّازِيّ وَغَيره: للْفِعْل﴾ . اخْتلف الْعلمَاء فِي الرُّخْصَة والعزيمة، هَل هما وصفان للْحكم، أَو وصفان للْفِعْل على قَوْلَيْنِ، وَإِذا قُلْنَا: هما وصفان للْحكم، فَهَل هُوَ الحكم

стр. 1124

الوضعي أَو الحكم التكليفي؟ على قَوْلَيْنِ أَيْضا. فتلخص فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال، وَالصَّحِيح: أَنَّهُمَا وصفان للْحكم، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْغَزالِيّ، وَصَاحب " الْحَاصِل "، والبيضاوي، والقرافي، وَغَيرهم. فَتكون الرُّخْصَة: بِمَعْنى الترخيص، والعزيمة: بِمَعْنى التَّأْكِيد فِي طلب الشَّيْء وَمِنْه: " فاقبلوا رخصَة الله " وَقَول أم عَطِيَّة: " نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز وَلم يعزم علينا ".

стр. 1125

ثمَّ اخْتلف الْقَائِل بِأَنَّهُمَا وصفان للْحكم، فَقَالَ جمع: هما وصفان للْحكم الوضعي، مِنْهُم الْآمِدِيّ، نَقله عَنهُ الْبرمَاوِيّ، وَقطع بِهِ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ". وَقَالَ جمع: وصف للْحكم التكليفي لما فِيهَا من معنى الِاقْتِضَاء، وَلذَلِك قسموها إِلَى وَاجِبَة ومندوبة وَنَحْوهمَا، وَلَكِن ذَلِك لأمر خارجي عَن أصل الترخيص. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمُخْتَصر " - بعد أَن تكلم على الرُّخْصَة -: (لَيست من أَقسَام خطاب الْوَضع، بل رَاجِعَة إِلَى الِاقْتِضَاء والتخيير؛ لكَونهَا وَاجِبَة ومندوبة ومباحة) انْتهى. وَقيل: هما وصفان للْفِعْل المرخص فِيهِ، أَو المعزوم عَلَيْهِ، وَلَو كَانَ تركا، أَي: الْمَطْلُوب بالعزم والتأكيد، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ، وَابْن الْحَاجِب، نَقله الْبرمَاوِيّ.

стр. 1126

وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ فِي " شرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ ": (جعل المُصَنّف وَصَاحب الْحَاصِل الرُّخْصَة والعزيمة قسمَيْنِ للْحكم، وَكَذَا الْقَرَافِيّ، وجعلهما غَيرهم من أَقسَام الْفِعْل: كالآمدي، وَابْن الْحَاجِب، وَالْإِمَام) انْتهى. وَأما كَلَام أَصْحَابنَا فِي ذَلِك، فَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " - لما تكلم على الرُّخْصَة والعزيمة -: (ظَاهر ذَلِك: أَن الرُّخْصَة والعزيمة لَيست من خطاب الْوَضع، خلافًا لبَعض أَصْحَابنَا) . وَقَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ": (الْقسم السَّادِس: فِي خطاب الْوَضع، وَفِيه خَمْسَة فُصُول، ثمَّ قَالَ: الْفَصْل الْخَامِس: الْعَزِيمَة والرخصة) . فَظَاهره: أَنَّهُمَا من خطاب الْوَضع. تَنْبِيه: قد تقدم خطاب الْوَضع وَحكمه، وَقد اخْتلفُوا فِي مِقْدَاره. فَقيل: هُوَ: السَّبَب، وَالشّرط، وَالْمَانِع، وَالصِّحَّة وَالْفساد، والعزيمة والرخصة، وَجرى على ذَلِك الْآمِدِيّ، وَتَبعهُ جمَاعَة كَثِيرَة. وَزَاد الْمُوفق، والطوفي فِي " مُخْتَصره " و " شَرحه "، وَغَيرهمَا: الْعلَّة، فَقَالُوا: هِيَ من خطاب الْوَضع.

стр. 1127

وَزَاد الْقَرَافِيّ نَوْعَيْنِ آخَرين وهما: التقديرات الشَّرْعِيَّة، وَالْحجاج. فَالْأول: إِعْطَاء الْمَوْجُود حكم الْمَعْدُوم: كَالْمَاءِ الَّذِي يخَاف الْمَرِيض من اسْتِعْمَاله فَوَات عُضْو وَنَحْوه، فيتمم مَعَ وجوده حسا، وَإِعْطَاء الْمَعْدُوم حكم الْمَوْجُود - عكس الَّذِي قبله -: كالمقتول تورث عَنهُ الدِّيَة، وَإِنَّمَا تجب بِمَوْتِهِ، وَلَا تورث عَنهُ إِلَّا إِذا دخلت فِي ملكه، فَيقدر دُخُولهَا قبل مَوته. وَالثَّانِي: - وَهُوَ الْحجَّاج - مَا تستند إِلَيْهِ الْقُضَاة فِي الْأَحْكَام من بَيِّنَة وَإِقْرَار، وَنَحْو ذَلِك من الْحجَج. قَالَ: وَهِي فِي الْحَقِيقَة رَاجِعَة إِلَى السَّبَب، فَلَيْسَتْ أقساما أُخْرَى) انْتهى. وَقَالَ صَلَاح الدّين العلائي: (أَنْوَاع خطاب الْوَضع الْمَشْهُورَة: السَّبَب، وَالشّرط، وَالْمَانِع) ، وَاقْتصر عَلَيْهَا.

стр. 1128

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿التَّكْلِيف لُغَة: إِلْزَام مَا فِيهِ مشقة﴾ . مَا تقدم من الْأَحْكَام هُوَ الْمَحْكُوم بِهِ، وَمَا يذكر هُنَا هُوَ الْمَحْكُوم فِيهِ، وَهِي الْأَفْعَال. فالتكليف لَهُ مَعْنيانِ: معنى فِي اللُّغَة، وَمعنى فِي اصْطِلَاح عُلَمَاء الشَّرِيعَة. فَمَعْنَاه فِي اللُّغَة: إِلْزَام مَا فِيهِ مشقة، فإلزام الشَّيْء، والإلزام بِهِ هُوَ: تصييره لَازِما لغيره، لَا يَنْفَكّ عَنهُ مُطلقًا، أَو وقتا مَا. قَالَ الْجَوْهَرِي: (والكلفة: مَا يتَكَلَّف من نَائِبه أَو حق، وكلفه تكليفا: إِذا أمره بِمَا يشق، وَالْمَشَقَّة: لُحُوق مَا يستصعب على النَّفس، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لم تَكُونُوا بالغيه إِلَّا بشق الْأَنْفس﴾ [النَّحْل: ٧] ) .

стр. 1129

قَالَ فِي " الْقَامُوس ": (والتكليف: الْأَمر بِمَا يشق، وتكلفه: تجشمه) . وَقَالَ - أَيْضا -: (ألزمهُ إِيَّاه فَالْتَزمهُ: إِذا لزم شَيْئا لَا يُفَارِقهُ) . ﴿ [وَمَعْنَاهُ فِي اصْطِلَاح عُلَمَاء الشَّرِيعَة] : إِلْزَام مُقْتَضى خطاب الشَّرْع﴾ . فَيتَنَاوَل الْأَحْكَام الْخَمْسَة: الْوُجُوب، وَالنَّدْب، الحاصلين عَن الْأَمر؛ والحظر، وَالْكَرَاهَة، الحاصلين عَن النَّهْي؛ وَالْإِبَاحَة، الْحَاصِلَة عَن التَّخْيِير، إِذا قُلْنَا: إِنَّهَا من خطاب الشَّرْع، وَيكون مَعْنَاهُ فِي الْمُبَاح: وجوب اعْتِقَاد كَونه مُبَاحا، أَو اخْتِصَاص اتصاف فعل الْمُكَلف بهَا، دون فعل الصَّبِي وَالْمَجْنُون. قَوْله: ﴿والمحكوم فِيهِ: الْأَفْعَال، شَرطهَا: الْإِمْكَان﴾ . أَي: فِي الْجُمْلَة. وَقبل الْكَلَام على ذَلِك نذْكر شَيْئا مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ، لَا بَأْس بالإحاطة بِهِ قبل الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (اخْتلف النَّاس فِي تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق) .

стр. 1130

٥ - للمسألة تعلق بالأصلين. أما أصُول الدّين: فَلِأَن الْمُحَقِّقين إِذا حققوا وجوب إِسْنَاد جَمِيع الممكنات إِلَى الله تَعَالَى خلقا وتدبيرا، لَزِمَهُم التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق. أما أصُول الْفِقْه: فَلِأَن الْبَحْث فِي الحكم الشَّرْعِيّ يتَعَلَّق بِالنّظرِ فِي الْحَاكِم - وَهُوَ الله تَعَالَى - والمحكوم عَلَيْهِ -[وَهُوَ] العَبْد - وَالنَّظَر فِي الْمَحْكُوم بِهِ - وَهُوَ الْفِعْل وَالتّرْك - وَشَرطه: أَن يكون فعلا مُمكنا، ويستدعي ذَلِك: أَن الْفِعْل الْغَيْر مَقْدُور عَلَيْهِ هَل يَصح التَّكْلِيف بِهِ أم لَا؟ وَيُسمى أَيْضا: التَّكْلِيف بالمحال. وَهُوَ أَقسَام: أَحدهَا: أَن يكون مُمْتَنعا لذاته: كجمع الضدين، وإيجاد الْقَدِيم وإعدامه، وَنَحْوه مِمَّا يمْتَنع تصَوره، فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّق بِهِ قدرَة مُطلقًا. الثَّانِي: مَا يكون مَقْدُورًا لله تَعَالَى فَقَط: كخلق الْأَجْسَام وَبَعض الْأَعْرَاض. الثَّالِث: مَا لم تجر عَادَة بِخلق الْقُدْرَة على مثله للْعَبد مَعَ جَوَازه: كالمشي على المَاء، والطيران فِي الْهَوَاء. الرَّابِع: [مَا لَا قدرَة] للْعَبد عَلَيْهِ بِحَال توجه الْأَمر، وَله قدرَة عَلَيْهِ عِنْد الِامْتِثَال: كبعض الحركات والسكنات.

стр. 1131

الْخَامِس: مَا فِي امتثاله مشقة عَظِيمَة: كالتوبة بقتل النَّفس. - ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك -: مَا لَا يُطَاق قد يكون عاديا فَقَط: كالطيران، أَو عقليا فَقَط: كَإِيمَانِ الْكَافِر الَّذِي علم الله تَعَالَى أَنه لَا يُؤمن، أَو عاديا وعقليا: كالجمع بَين الضدين) انْتهى. وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَغَيره: (تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، وَهُوَ المستحيل، وَيُقَال على مَا تعلق الْعلم وَالْخَبَر والمشيئة بِأَنَّهُ لَا يكون، وعَلى فعل العَبْد لِأَنَّهُ مَخْلُوق لله تَعَالَى، مَوْقُوف على مَشِيئَته، وعَلى مَا يشق فعله وَلَا يتَعَذَّر، وَهُوَ وَاقع إِجْمَاعًا) . قَوْله: ﴿فَيصح التَّكْلِيف بالمحال لغيره إِجْمَاعًا، وَهُوَ خلاف الْمَعْلُوم أَو وَفقه لَا يُطَاق؟ ثَالِثهَا: الْفرق﴾ . الْمحَال لغيره يُكَلف بِهِ الْإِنْسَان إِجْمَاعًا: كَإِيمَانِ من علم الله تَعَالَى [أَنه] لَا يُؤمن؛ وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى أنزل الْكتاب، وَبعث الرُّسُل، بِطَلَب الْإِيمَان وَالْإِسْلَام من كل أحد، وكلفهم بذلك، وَعلم أَن بَعضهم لَا يُؤمن. وَقَالَ الْمجد فِي " المسودة " - كَمَا نَقله ابْن مُفْلِح -: (مَا لَا يُطَاق مَا تعلق الْعلم وَالْخَبَر والمشيئة بِأَنَّهُ لَا يكون، وَجَمِيع [أَفعَال] الْعباد؛ لِأَنَّهَا

стр. 1132

مخلوقة لله تَعَالَى، وموقوفة على الْمَشِيئَة، وَمَا يتعسر فعله. فَهَذِهِ الثَّلَاثَة وَاقعَة جَائِزَة بِلَا شكّ، لَكِن هَل يُطلق على خلاف الْمَعْلُوم أَو [وَفقه] أَنه لَا يُطَاق؟ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال. أَحدهَا: يُطلق عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِي: لَا يُطلق عَلَيْهِمَا، وَالثَّالِث: الْفرق. فَالْخِلَاف عِنْد التَّحْقِيق فِي الْجَوَاز الْعقلِيّ وَالِاسْم اللّغَوِيّ، وَأما الشَّرْع فَلَا خلاف فِيهِ الْبَتَّةَ، وَمن هُنَا ظهر التَّخْلِيط) انْتهى. تَنْبِيه: قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (أما تَكْلِيف أبي لَهب وَغَيره بِالْإِيمَان فَهُوَ حق، لَكِن لما أنزل الله: ﴿سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ [المسد: ٣] ، لم يسلم لَهُم أَن الله تَعَالَى أَمر نبيه بإسماع هَذَا الْخطاب لأبي لَهب، وَأمر أَبَا لَهب بتصديقه، نعم، بل لَا يقدر أحد أَن ينْقل أَن النَّبِي ﷺ َ - أَمر أَبَا لَهب أَن يصدق بنزول هَذِه السُّورَة. فَقَوله: إِنَّه أَمر أَن يصدق بِأَن لَا يُؤمن، قَول بَاطِل لم يَنْقُلهُ أحد من عُلَمَاء الْمُسلمين، فنقله عَن الرَّسُول قَول بِلَا علم، بل كذب عَلَيْهِ. فَإِن قيل: فقد كَانَ الْإِيمَان وَاجِبا على أبي لَهب، وَمن الْإِيمَان أَن يُؤمن بِهَذَا .

стр. 1133

قيل: لَا نسلم أَنه بعد نزُول هَذِه الْآيَة وَجب على الرَّسُول أَن يبلغهُ إِيَّاهَا وَلَا غَيرهَا، بل حقت عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب، كَمَا حقت على قوم نوح إِذْ قيل لَهُ: ﴿أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ [هود: ٣٦] ، وَبعد ذَلِك لَا يبْقى الرَّسُول مَأْمُورا بتبليغهم الرسَالَة، فَإِنَّهُ قد بَلغهُمْ فَكَفرُوا حَتَّى حقت عَلَيْهِم كلمة الْعَذَاب بأعيانهم) ، وَالْحَال فِي ذَلِك. قَوْله: ﴿وَأما الْمحَال لذاته: كجمع [بَين] ضدين﴾ - وَهُوَ المستحيل الْعقلِيّ - ﴿أَو عَادَة: كالطيران﴾ وصعود السَّمَاء وَنَحْوهمَا، ﴿فالأكثر على مَنعه﴾ مُطلقًا، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب، والأصفهاني وَأكْثر الْمُعْتَزلَة، وَحكي عَن نَص الشَّافِعِي، وَأبي حَامِد، وَأبي الْمَعَالِي، وَابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين ".

стр. 1134

﴿و [قَالَ] أَكثر الأشعرية والطوفي﴾ - من أَصْحَابنَا - ﴿ [بِالْجَوَازِ] ﴾ . قَالَ الْآمِدِيّ: (وَهُوَ لَازم أصل الْأَشْعَرِيّ فِي وجوب مُقَارنَة الْقُدْرَة للمقدور بهَا، وَأَنه مَخْلُوق لله تَعَالَى) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَأما جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق عقلا فَأكْثر الْأمة نفت جَوَازه مُطلقًا، وَجوزهُ عقلا طَائِفَة من المثبتة للقدر من أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ، وَأَصْحَاب مَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد، كَابْن عقيل، وَابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهمَا) . ﴿و﴾ قَالَ ﴿الْآمِدِيّ وَجمع﴾ من الْعلمَاء بِالْجَوَازِ ﴿فِي الْمحَال عَادَة:﴾ كالطيران وَنَحْوه، دون الْمحَال لذاته، مِنْهُم معتزلة يغداذ، وَصرح بِهِ

стр. 1135

٥ - الْغَزالِيّ فِي " الْمُسْتَصْفى "، وَاخْتَارَهُ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي " شرح العنوان ". قَالَ ابْن حَامِد: (ذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى إِطْلَاق الِاسْم فِي جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فِي زمِن وأعمى وَغَيرهمَا، وَهُوَ مَذْهَب جهم و [برغوث] ) . وَلنَا خلاف، هَل الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل أَو قبله؟ بِمَعْنى: سَلامَة الْآلَات، كَقَوْل الْمُعْتَزلَة. قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ وَغَيره: (من قَالَ لَا تكون إِلَّا مَعَه، كلف كل أحد مَا لَا يطيقه) .

стр. 1136

وَقَالَ ابْن شهَاب وَأَبُو الْخطاب: (إِذا قيل: مَا شَيْء فعله محرم، وَتَركه محرم؟ فَصَلَاة السَّكْرَان) . فَكل هَذَا يدل على تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَكثير من النظار: لَا يكون العَبْد قَادِرًا إِلَّا حِين الْفِعْل، فعلى قَوْلهم، كل مُكَلّف فَهُوَ حِين التَّكْلِيف قد كلف مَا لَا يطيقه حِينَئِذٍ، وَإِن كَانَ قد يطيقه حِين الْفِعْل، [بقدرة] يخلقها الله تَعَالَى لَهُ وَقت الْفِعْل، وَلَكِن هَذَا لَا يطيقه لاشتغاله بضده وَعدم الْقُدْرَة الْمُقَارنَة للْفِعْل، لَا لكَونه عَاجِزا عَنهُ. وَأما الْعَاجِز عَن الْفِعْل كالزّمِن وَالْأَعْمَى وَنَحْوهمَا فَهَؤُلَاءِ لم يكلفوا بِمَا يعجزون عَنهُ، [وَمثل] هَذَا التَّكْلِيف لَيْسَ وَاقعا فِي الشَّرِيعَة بِاتِّفَاق طوائف الْمُسلمين، إِلَّا شرذمة قَليلَة من الْمُتَأَخِّرين، ادعوا وُقُوع مثل هَذَا التَّكْلِيف فِي الشَّرِيعَة، ونقلوا ذَلِك عَن الْأَشْعَرِيّ وَأكْثر أَصْحَابه، وَهُوَ خطأ عَلَيْهِم) . وَجه الْمَذْهَب الأول - وَهُوَ الْمَنْع -: قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٦] ، وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه لما نزل: ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ﴾ الْآيَة [الْبَقَرَة: ٢٨٤] ، اشْتَدَّ ذَلِك على الصَّحَابَة وَقَالُوا: (لَا نطيقها) ، وَفِيه: أَن الله تَعَالَى

стр. 1137

نسخهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ إِلَى آخر السُّورَة، وَفِيه: عقب كل دَعْوَة، قَالَ: " نعم "، وَفِي رِوَايَة: " قَالَ: قد فعلت ". قَالَ بعض أَصْحَابنَا: (قيل المُرَاد بِهِ: مَا يثقل ويشق، كَقَوْلِه ﷺ َ - فِي الْمَمْلُوك: " لَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق " رَوَاهُ مُسلم، وَكَقَوْلِه:

стр. 1138

" لَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ، فَإِن كلفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ " مُتَّفق عَلَيْهِ) . واحتجب الأشعرية: بسؤال رَفعه، على جَوَاز التَّكْلِيف بالمستحيل لغيره. وَاحْتج بعض أَصْحَابنَا، والآمدي، وَغَيرهمَا: (بِأَنَّهُ لَو صَحَّ التَّكْلِيف بالمستحيل لَكَانَ مَطْلُوب الْحُصُول، لِأَنَّهُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ محَال، لعدم تصور وُقُوعه، لِأَنَّهُ يلْزم تصور الشَّيْء على خلاف ماهيته، واستدعاء حُصُوله فرع تصور وُقُوعه. فَإِن قيل: لَو لم يتَصَوَّر لم يحكم بِكَوْنِهِ محالا، لِأَن الحكم بِصفة الشَّيْء فرع تصَوره. قيل: الْجمع المتصور الْمَحْكُوم بنفيه عَن الضدين هُوَ جمع المختلفات الَّتِي لَيست بمتضادة، وَلَا يلْزم من تصَوره منفيا عَن الضدين تصَوره ثَابتا لَهما، لاستلزامه التَّصَوُّر على خلاف الْمَاهِيّة) . وَاعْترض على الدَّلِيل: بِمَا علم الله أَنه لَا يَقع، فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر وُقُوعه. وعَلى الْجَواب: بِمَا سبق فِي تَقْسِيم الْعلم: أَن تصور النَّفْي فرع تصور

стр. 1139

الْإِيجَاب، لِأَن النَّفْي الْمُطلق غير مَعْقُول، لهَذَا قيل: الْإِيجَاب أبسط مِنْهُ. قَالُوا: لَو لم يَصح لم يَقع، ثمَّ ذكرُوا مَا سبق من تعلق الْعلم وَالْخَبَر والمشيئة بِمَا لَا يكون، وَفعل العَبْد، وَقدرته. ورد: بِأَن الْخلاف فِي الْمُمْتَنع لذاته، وَهَذَا لغيره، وَهُوَ لَا يمْنَع تصور الْوُقُوع مِنْهُ، لجَوَاز إمكانها بِالذَّاتِ. وَبِأَن ذَلِك يسْتَلْزم: أَن التكاليف كلهَا تكاليف بالمحال، وَهُوَ بَاطِل إِجْمَاعًا. ورد الطوفي الأول: (وانتساخ الْإِمْكَان الذاتي بالاستحالة بِالْغَيْر العرضية، وبالتزام الثَّانِي، وَالْمَسْأَلَة علمية وَالْإِجْمَاع لَا يَصح دَلِيلا فِيهَا) . قَالَ ابْن مُفْلِح: (كَذَا قَالَ) . قَالُوا: ﴿أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ [هود: ٣٦] ، وكلفوا بتصديقه مُطلقًا، وَمِنْه: تكليفهم تَصْدِيقه فِي عدم تصديقهم.

стр. 1140

وكلف أَبُو لَهب بِتَصْدِيق النَّبِي ﷺ َ - فِي أخباره، وَمِنْه: أَن لَا يصدقهُ، فقد كلف بتصديقه بِعَدَمِ تَصْدِيقه. ورد: كلفوا بتصديقه، وعِلم الله بِعَدَمِهِ، وإخباره بِهِ، لَا يمْنَع الْإِمْكَان الذاتي كَمَا سبق، لَكِن لَو كلفوا بتصديقه بعد علمهمْ بِعَدَمِهِ، لَكَانَ من بَاب مَا علم الْمُكَلف امْتنَاع وُقُوعه، وَمثله غير وَاقع لانْتِفَاء فَائِدَة التَّكْلِيف - وَهِي الِابْتِلَاء - لَا لِأَنَّهُ محَال، وَالله أعلم. قَوْله: ﴿فعلى الْجَوَاز لم يَقع، وَحكي عَن الْأَكْثَر. قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ، وَالْمجد: الْمحَال لذاته مُمْتَنع سمعا إِجْمَاعًا. [وَقَالَ أَبُو بكر، وَابْن شاقلا، وَجمع: بلَى] . [وَقيل: الْمُمْتَنع عَادَة] ﴾ . إِذا قُلْنَا: يجوز التَّكْلِيف بالمحال لذاته، فَهَل وَقع أم لَا؟ فِيهِ أَقْوَال. أَحدهَا: أَنه لم يَقع، وَهُوَ الصَّحِيح. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: صَار الْأَكْثَر إِلَى امْتِنَاعه.

стр. 1141

وَاخْتَارَهُ الْغَزالِيّ، والآمدي، وَأكْثر الْمُعْتَزلَة. قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ وَالْمجد ابْن تَيْمِية: (الْمحَال لذاته مُمْتَنع سمعا إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْجَوَاز الْعقلِيّ وَالِاسْم اللّغَوِيّ) كَمَا تقدم عَنهُ. وَالْقَوْل الثَّانِي: وَقع ذَلِك مُطلقًا. قَالَ أَبُو بكر عبد الْعَزِيز - من أَصْحَابنَا -: (الله يتعبد خلقه بِمَا يُطِيقُونَ وَبِمَا لَا يُطِيقُونَ) ؛ وَأطلق. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق ابْن شاقلا - من أَصْحَابنَا أَيْضا -: (إِن الله تَعَالَى أَرَادَ تَكْلِيف عباده بِمَا لَيْسَ فِي طاقتهم وَلَا قدرتهم، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الْقَلَم: ٤٢] ) . وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل الْفَخر الرَّازِيّ، وَغَيره، وَزعم الرَّازِيّ: (أَن جَمِيع التكاليف مِمَّا لَا يُطَاق، قَالَ: لِأَنَّهَا إِمَّا مَعْلُومَة الْوُقُوع، فَتكون وَاجِبَة الْوُقُوع، أَو وَاجِبَة الْعَدَم، فَتكون ممتنعة الْوُقُوع، والتكليف بِالْوَاجِبِ الْوُقُوع، أَو الْمُمْتَنع الْوُقُوع، تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق) .

стр. 1142

قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَهَذَا إِنَّمَا يَقْتَضِي تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق عقلا، لَا عَادَة، لِأَن امْتنَاع خلاف الْعلم إِنَّمَا هُوَ عقلا، والنزاع لَيْسَ فِيهِ، بل فِي الْمحَال العادي، فَلَا يحصل مَطْلُوبه) انْتهى. وَمن قَالَ: إِن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل - وَمن جُمْلَتهمْ: ابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين " - قَالَ: بِأَن الْمحَال وَاقع قطعا. لَكِن قَالَ ابْن شاقلا: (الِاسْتِطَاعَة تكون مَعَ الْفِعْل أَو قبله) ، وَقد قَالَ بِوُقُوع الْمحَال مُطلقًا. وَقَالَ التَّمِيمِي: (قد يُسمى الْإِنْسَان مستطيعا إِذا كَانَ سليما من الْآفَات) . وَالْقُدْرَة هِيَ: التَّمَكُّن من التَّصَرُّف، وَقيل: سَلامَة البنية. وَالْقَوْل الثَّالِث: وَقع فِي الْمُمْتَنع عَادَة دون غَيره. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَصَارَ الْغَزالِيّ، وَالشَّيْخ، والآمدي، إِلَى جَوَاز الْمُمْتَنع لغيره فِي ذَاته، وَنصر الْغَزالِيّ إِمْكَان الْمُمْتَنع الذاتي دون وُقُوعه) . قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ: (وَالْحق وُقُوع الْمُمْتَنع بِالْغَيْر لَا بِالذَّاتِ) .

стр. 1143

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿الْكفَّار مخاطبون بالفروع، عِنْد أَحْمد وَالشَّافِعِيّ، وَأكْثر أصحابهما، والأشعرية، وَأبي بكر الرَّازِيّ، والكرخي﴾ .

стр. 1144

قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب وَأَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ: (هُوَ ظَاهر مَذْهَب مَالك) . وَذَلِكَ [لوُرُود] الْآيَات الشاملة لَهُم، مثل: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم﴾ [الْبَقَرَة: ٢١] ، ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم﴾ [النِّسَاء: ١، وَالْحج: ١، ولقمان: ٣٣] ، ﴿يَا عباد فاتقون﴾ [الزمر: ١٦] ، ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ ، ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ [الْبَقَرَة:

стр. 1145

١٨٣ -] ، ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ [آل عمرَان: ٩٧] ، ﴿يَا بني آدم﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٦، ٢٧، ٣١، ٣٥، وَيس: ٦٠] ﴿يَا أولي الْأَبْصَار﴾ [الْحَشْر: ٢] ، ﴿يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٩، ١٩٧، والمائدة: ١٠٠، وَالطَّلَاق: ١٠] وَغير ذَلِك مِمَّا [لَا] يحصر، وَالْكفْر غير مَانع لِإِمْكَان إِزَالَته، كالأمر بِالْكِتَابَةِ والقلم حَاضر يُمكنهُ تنَاوله. وَأَيْضًا فقد ورد الْوَعيد على ذَلِك، أَو يتضمنه نَحْو: ﴿مَا سلككم فِي سقر﴾ [المدثر: ٤٢] الْآيَة، وذم قوم شُعَيْب بِنَقص الْمِكْيَال، وَقوم لوط بإتيان الذُّكُور، وَقوم هود لشدَّة الْبَطْش، مَعَ ذمّ الْكل بالْكفْر.

стр. 1146

وَقَالَ تَعَالَى - بعد ذكر قتل النَّفس والزنى -: ﴿وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما﴾ [الْفرْقَان: ٦٨] ، وَلذَلِك يحد على الزِّنَى من أحكامنا، وَلَا يحد على الْمُبَاح. وأوضح من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله زدناهم عذَابا فَوق الْعَذَاب﴾ [النَّحْل: ٨٨] ، أَي: فَوق عَذَاب الْكفْر، وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ على بَقِيَّة عبادات الشَّرْع. وَاحْتج فِي [الْعدة] و " التَّمْهِيد ": " بِأَنَّهُ مُخَاطب بِالْإِيمَان، وَهُوَ شَرط الْعِبَادَة، وَمن خُوطِبَ بِالشّرطِ كالطهارة، كَانَ مُخَاطبا بِالصَّلَاةِ) . وَكَذَا احْتج ابْن عقيل: (بخطابه بِصدق الرُّسُل، وَهِي مَشْرُوطَة بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى، وَهِي على النّظر. وَإِن هَذَا - لقُوته - مُفسد لكل شُبْهَة للخصم) .

стр. 1147

فَائِدَة: أَكثر من يَقُول بِأَنَّهُم مخاطبون يَقُولُونَ: الْعَاقِبَة بترك الْفِعْل، وَأَبُو الْمَعَالِي يَقُول: بترك التَّوَصُّل إِلَى الْفِعْل، وَهُوَ خلف لَفْظِي، فَإِذا مضى الزَّمَان الأول يَعْصِي عِنْد أبي الْمَعَالِي بالْكفْر، وَعند الْأَكْثَر بِهِ وبالفروع. فَإِذا جرينا على مَا قَالَه أَبُو الْمَعَالِي: أَن الْمُكَلف بِهِ التَّوَصُّل، استقام مَا يتَكَرَّر فِي الْفِقْه: أَن الْكَافِر فِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج لم تجب عَلَيْهِ، فينفع فِي الْجمع بَين قَوْلهم فِي الْأُصُول: إِنَّه مُكَلّف، وَفِي الْفِقْه: إِنَّه غير مُكَلّف. وَهُوَ أحسن من جمع الرَّازِيّ، وَالنَّوَوِيّ، وَغَيرهمَا: بِأَن مُرَاد الْفُقَهَاء عدم الْمُطَالبَة فِي الدُّنْيَا، وَمُرَاد الْأُصُولِيِّينَ الْعقَاب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة، وَقد صرح بذلك خلق كثير من الْعلمَاء مِنْهُم أَصْحَابنَا على مَا يَأْتِي.

стр. 1148

قلت: قَوْله: (إِن جمعه أحسن من جمع الرَّازِيّ وَالنَّوَوِيّ) ، فِيهِ نظر، فَإِن أَكثر الْعلمَاء يَقُول خلاف مَا قَالَه أَبُو الْمَعَالِي، لِأَن الْجمع على قَول الْأَكْثَر، إِلَّا مَا قَالَه هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة. قَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب ": (اتّفق أَصْحَابنَا على أَن الْكَافِر الْأَصْلِيّ لَا تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَغَيرهَا من فروع الْإِسْلَام، وَالصَّحِيح فِي كتب الْأُصُول: أَنه مُخَاطب بالفروع، كَمَا هُوَ مُخَاطب بِأَصْل الْإِيمَان. قَالَ: وَلَيْسَ مُخَالفا لما تقدم؛ لِأَن المُرَاد هُنَاكَ غير المُرَاد هُنَا، فَالْمُرَاد هُنَاكَ: أَنهم لَا يطالبون بهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ كفرهم، وَإِذا أسلم أحدهم لم يلْزمه قَضَاء الْمَاضِي، وَلم يتَعَرَّضُوا لعقاب الْآخِرَة. ومرادهم فِي كتب الْأُصُول: أَنهم يُعَذبُونَ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة زِيَادَة على عَذَاب الْكفْر، فيعذبون عَلَيْهَا وعَلى الْكفْر جَمِيعًا، لَا على الْكفْر وَحده، وَلم يتَعَرَّضُوا للمطالبة فِي الدُّنْيَا، فَذكرُوا فِي الْأُصُول حكم طرف، وَفِي الْفُرُوع حكم الطّرف الآخر) انْتهى كَلَامه. ﴿وَعنهُ﴾ : مخاطبون ﴿بالنواهي﴾ فَقَط، فَلَا يخاطبون بغَيْرهَا،

стр. 1149

﴿اخْتَارَهُ ابْن حَامِد [من أَصْحَابنَا] ، وَالْقَاضِي [أَبُو يعلى] فِي " الْمُجَرّد "، وَبَعض الْحَنَفِيَّة﴾ وَهُوَ الْجِرْجَانِيّ. ﴿قَالَ الْأُسْتَاذ﴾ أَبُو إِسْحَاق الأسفراييني فِي " أُصُوله ": ( ﴿ [لَا خلاف] بَين الْمُسلمين﴾ أَن خطاب الزواجر من الزِّنَى وَالْقَذْف [يتَوَجَّه] عَلَيْهِم كالمسلمين) .

стр. 1150

٥ - وَقواهُ السُّبْكِيّ؛ لِأَن الْكَفّ مُمكن حَالَة الْكفْر، بِخِلَاف فعل الطَّاعَات، - وَأَيْضًا - فَإِنَّهُم يعاقبون على ترك الْإِيمَان بِالْقَتْلِ، والسبي، وَأخذ الْجِزْيَة، وَالْحَد فِي الزِّنَى وَالْقَذْف، وَقطع السّرقَة، وَلَا يُؤمر بِقَضَاء شَيْء من الْعِبَادَات. وَقد نقل صَاحب " اللّبَاب " هَذَا القَوْل عَن أبي حنيفَة، وَعَامة أَصْحَابه، وَحكي عَن بعض الشَّافِعِيَّة. ﴿وَقيل﴾ : مخاطبون ﴿بِغَيْر الْجِهَاد﴾ . صرح بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي " النِّهَايَة "، فَقَالَ: (وَالذِّمِّيّ لَيْسَ مُخَاطبا بِقِتَال

стр. 1151

الْكفَّار) ، وَكَذَلِكَ الرَّافِعِيّ فِي كتاب السّير. قَالَ الْقَرَافِيّ: (وَمر بِي فِي بعض الْكتب الَّتِي لَا أستحضرها الْآن: أَنهم مكلفون بِمَا عدا الْجِهَاد) . ﴿وَقيل﴾ : لَا يُخَاطب إِلَّا ﴿الْمُرْتَد فَقَط﴾ . حَكَاهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي فِي " الملخص "، والطرطوشي فِي " الْعمد "، وَيفهم من كَلَام الْفُقَهَاء فِي بعض مسَائِل الْفِقْه. قلت: الْفرق بَينه وَبَين غَيره وَاضح، وَذَلِكَ لِأَن مؤاخذته بسابق الْتِزَامه حكم الْإِسْلَام، وَلِهَذَا قُلْنَا: يلْزمه قَضَاء مَا فَاتَهُ فِي الرِّدَّة من الْعِبَادَات، على تفاصيل فِي الْفِقْه. ﴿ [وَعَن أَحْمد] لَا﴾ يخاطبون ﴿مُطلقًا، [اخْتَارَهُ أَكثر]

стр. 1152

الْحَنَفِيَّة، و [أَبُو] حَامِد [الإِسْفِرَايِينِيّ] ﴾ ، وَعبد الْجَبَّار من الْمُعْتَزلَة. قَالَ ابْن كج فِي كِتَابه فِي " الْأُصُول ": (إِنَّه ظَاهر كَلَام الشَّافِعِي) . وَقَالَ [الأبياري] : (إِنَّه ظَاهر مَذْهَب مَالك) .

стр. 1153

لِأَنَّهُ لَو كلف بِالْعبَادَة لصحت، ولأمكنه الِامْتِثَال، وَفِي الْكفْر لَا يُمكنهُ، وبإسلامه تسْقط. رد: معنى التَّكْلِيف اسْتِحْقَاق الْعقَاب، وَيصِح بِشَرْطِهِ، وَيسلم ويفعلها كالمحدث. وَلَا مُلَازمَة بَين التَّكْلِيف وَالْقَضَاء، بِدَلِيل الْجُمُعَة، مَعَ أَنه بِأَمْر جَدِيد. وَفِيه تنفير عَن الْإِيمَان. وأبطله فِي " الْوَاضِح " بالمرتد، لَا تصح مِنْهُ وَهُوَ مُخَاطب. فَقيل لَهُ: [لالتزامه] حكم الْإِسْلَام. فَقَالَ: وَهَذَا ألزمهُ الشَّرْع. وَذكر غَيره فِيهِ الْخلاف. قَالُوا: الْمنْهِي عَنهُ يَصح تَركه مَعَ كفره، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكمه وَهُوَ الْحَد وَالتَّعْزِير، وَهُوَ محرم كالكفر. أجَاب ابْن عقيل وَغَيره: وَهُوَ لَا يَصح مِنْهُ إِلَّا على وَجه مكابدة النَّفس لاحترام الناهي، وَالْحَد لالتزامه [حكمنَا] عُقُوبَة، وَلنَا: كَفَّارَة، أَو بلوى، ونمنعه من الْمحرم لَا الْكفْر.

стр. 1154

وَقَالَ بَعضهم: (لَا يَكْفِي مُجَرّد ترك وَفعل) فِيهِ نظر. وَاسْتدلَّ: لَو اشْترط فِي التَّكْلِيف بمشروط وجود شَرطه، لم تجب صَلَاة على مُحدث، وَلَا قبل نِيَّتهَا. ورد: بِأَن الشَّرْط تَابع يجب بِوُجُوب مشروطه. ﴿وَقيل: بِالْوَقْفِ﴾ . هَذَا قَول - أَيْضا - فِي الْمَسْأَلَة، وَذَلِكَ لتعارض الْأَدِلَّة. ﴿وَحكي عَن الْأَشْعَرِيّ، وَبَعض [أَصْحَابه] ﴾ ، حَكَاهُ سليم الرَّازِيّ فِي " التَّقْرِيب " عَن بعض الأشاعرة، وَحَكَاهُ أَبُو حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ عَن الْأَشْعَرِيّ نَفسه. قَوْله: ﴿كالإيمان إِجْمَاعًا﴾ . لَا نزاع أَنهم مخاطبون بِالْإِيمَان، وَالْمرَاد بِهِ العقائد الْأَوَائِل الَّتِي لَا تتَوَقَّف على سبق شَيْء. وَيلْحق بهَا كَمَا قَالَ الباقلاني: (تَصْدِيق الرُّسُل، والكف عَن أذاهم بقتل، أَو قتال، أَو غير ذَلِك، وَإِن كَانَ ذَلِك من الْفُرُوع.

стр. 1155

وَتردد بعض الْمُتَأَخِّرين فِي كلمتي الشَّهَادَة، هَل هِيَ من الْفُرُوع - فَيجْرِي فِيهَا الْخلاف - أَو لَا، بل هم مكلفون بهَا قطعا؟ وَالَّذِي يَنْبَغِي: الْقطع بِالثَّانِي، بل هِيَ من الْإِيمَان على الْمَذْهَب الصَّحِيح، بل أعظمه، فَإِذا المُرَاد بالفروع: مَا سوى ذَلِك، من صَلَاة، وَزَكَاة، وَصَوْم، وَحج، وَنَحْوهَا. قَوْله: ﴿ [وملتزمهم فِي إِتْلَاف] ، وَجِنَايَة، وترتب أثر عقد [كغيرهم، إِجْمَاعًا] ﴾ . إِنَّمَا ذكرنَا هَذِه الْمَسْأَلَة لكَون السُّبْكِيّ قَالَ: (لَا يَشْمَل الْخلاف إتلافا، وَلَا جِنَايَة، وَلَا ترَتّب أثر عقد) ، وَقَالُوا [عَن] كَلَامه إِنَّه تَنْقِيح لمحل الْخلاف، وَهُوَ أَن الْخلاف لَا يَشْمَل ذَلِك، بل هم [مؤاخذون] بالإتلافات، والجنايات، وَمَا يَتَرَتَّب على العقد من الْآثَار من غير نزاع، وَهَذَا وَاضح، وَهُوَ فِي كتب الْفُقَهَاء من أَرْبَاب الْمذَاهب، لَكِن هَذِه

стр. 1156

الْأَحْكَام من خطاب الْوَضع لَا من خطاب التَّكْلِيف، فَلَا مدْخل لهَذِهِ الْمَسْأَلَة فِيمَا تقدم حَتَّى تخرج، بل هم أولى من الصَّبِي وَالْمَجْنُون فِي الضَّمَان بِالْإِتْلَافِ وَالْجِنَايَة. وَلَا بُد من وجود الشُّرُوط فِي معاملاتهم، وَانْتِفَاء الْمَوَانِع، وَالْحكم بِصِحَّتِهَا وفسادها، وترتب آثَار كل عَلَيْهِ، من بيع وَنِكَاح وَطَلَاق وَغَيرهَا. وَيشْهد لذَلِك: أَن أَبَا حنيفَة قَالَ بِصِحَّة أنكحتهم مَعَ قَوْله بِعَدَمِ تكليفهم بالفروع. وَمحل ذَلِك فِي الْكَافِر الْمُلْتَزم، فَأَما الْحَرْبِيّ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْإِتْلَاف وَالْجِنَايَة وَغَيرهمَا، وَلذَلِك قُلْنَا فِي الْمَتْن: (ملتزمهم) . قَالَ الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " عَن كَلَام السُّبْكِيّ: (هَذَا كَلَام لَا طائل تَحْتَهُ، وَذَلِكَ لِأَن مَحل النزاع: أَن مَاله شَرط شَرْعِي، هَل يجوز التَّكْلِيف بِهِ قبل وجود الشَّرْط أم لَا؟ وَمَا لَا خطاب تَكْلِيف فِيهِ لَا صَرِيحًا وَلَا ضمنا فَهُوَ خَارج عَن الْبَحْث، ثمَّ مَسْأَلَة تَكْلِيف الْكَافِر بالفروع من جزئيات تِلْكَ الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة، [فِيمَا] كَانَ لَهُ شَرط شَرْعِي: كالإيمان، وَالطَّهَارَة، وَستر الْعَوْرَة للصَّلَاة، وَأما مَا لَا شَرط لَهُ شَرْعِي يتَوَقَّف عَلَيْهِ

стр. 1157

كالإتلاف، وَالْجِنَايَة، وترتب آثَار الْعُقُود، فَلَا وَجه للْخلاف فِيهِ، وَالْحَاصِل: أَن مَا ذكره خَارج عَن مَحل النزاع) انْتهى. وَهُوَ كَمَا قَالَ: قَوْله: ﴿تَنْبِيه: [فَائِدَة هَذِه الْمَسْأَلَة] : عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر فِي الْآخِرَة، بِكَثْرَة الْعقَاب﴾ فِي الْآخِرَة. قَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": (حسب) يَعْنِي: لَا غير ذَلِك. وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (هُوَ قَول الْجُمْهُور بِنَاء على كَثْرَة الْعقَاب وَخِفته، فَإِنَّهُ إِذا قيل: يخاطبون، وفعلوا تِلْكَ الْأَفْعَال، قد يكون سَببا لتخفيف الْعقَاب، وَإِن كَانَ مُؤْذِيًا. ثمَّ قَالَ: قلت: ﴿ [ذكر أَبُو بكر غُلَام الْخلال - من أَصْحَابنَا - وَجْهَيْن] ﴾ فِي عمل الْكَافِر، ﴿هَل يجازى [بِهِ] فِي دُنْيَاهُ، أَو يُخَفف عَنهُ فِي عقباه﴾ ) انْتهى.

стр. 1158

وَقَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح ": (إِذا علم أَنه مُكَلّف كَانَ أدعى لَهُ إِلَى الاستجابة، وَينْتَفع بِهِ إِذا آمن) . ﴿وَقَالَ ابْن الصَّيْرَفِي [الْحَرَّانِي] ﴾ - من أَصْحَابنَا -: ﴿ [يتَفَرَّع عَنهُ مسَائِل] ﴾ مِنْهَا: ظِهَار الذِّمِّيّ يَصح عندنَا، لَا عِنْدهم:

стр. 1159

لتعقبه كَفَّارَة لَيْسَ من أَهلهَا. وَمِنْهَا: أَن الْكفَّار لَا يملكُونَ أَمْوَالنَا بِالِاسْتِيلَاءِ فِي صَحِيح الْمَذْهَب، لحُرْمَة التَّنَاوُل، وَعِنْدهم: يملكونها؛ لِأَن حُرْمَة التَّنَاوُل من فروع الْإِسْلَام. وَمِنْهَا: وجوب الصَّلَاة على الْمُرْتَد، يَعْنِي: الْقَضَاء. وَاخْتَارَهُ فِي الْمَسْأَلَة الْوُسْطَى الطوفي. قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَهُوَ مُتَوَجّه، لكنه لَيْسَ بِصَحِيح الْمَذْهَب) . وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَقيل: يظْهر أثر ذَلِك فِي الدُّنْيَا من وُجُوه: أَحدهَا: قد يكون سَببا لإسلامه.

стр. 1160

وَالثَّانِي: وُقُوع الْإِسْلَام فِي صَدره، إِذا علم غفران مَا أوقعه من الْفساد بِإِسْلَامِهِ. وَالثَّالِث: إِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِم، كَمَا هُوَ مَذْهَب أَحْمد، وَالشَّافِعِيّ. وَالرَّابِع: اسْتِحْبَاب قَضَاء الصَّوْم إِذا أسلم فِي أثْنَاء الشَّهْر، مُلَاحظَة لعدم الْخطاب. وَالْخَامِس: اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي الْكَافِر إِذا طلق أَو أعتق، هَل يلْزمه ذَلِك أم لَا؟ وَالسَّادِس: الْوَقْف وَالصَّدَََقَة، إِذا باعوها بعد صُدُور أَسبَابهَا [لَا نمنعهم] من ذَلِك على القَوْل بِعَدَمِ الْخطاب) انْتهى. وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي " شرح التَّنْقِيح ": (من فوائدها: تيسير الْإِسْلَام عَلَيْهِ، وَالتَّرْغِيب فِيهِ، وَالْحكم بتَخْفِيف الْعَذَاب عَنهُ بِفعل الْخَيْر وَترك الشرور، إِذا علم أَنه مُخَاطب بهَا ويفعلها) .
следующие страницы →