Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
﴿ [لَكِن اخْتَار] [ابْن الْحَاجِب و] ابْن قَاضِي الْجَبَل [وَغَيرهمَا] ﴾ . [الْعَمَل] ﴾ هُنَا ﴿بالْقَوْل﴾ .
وَاسْتدلَّ لهَذَا القَوْل بِوُجُوه.
أَحدهَا: أَن القَوْل أقوى دلَالَة من الْفِعْل؛ لِأَن القَوْل دلَالَته على الْوُجُوب وَغَيره بِلَا وَاسِطَة، لِأَن القَوْل وضع لذَلِك، بِخِلَاف الْفِعْل، فَإِنَّهُ لم يوضع لذَلِك.
الثَّانِي: أَن الْفِعْل مَخْصُوص بالمحسوس؛ لِأَنَّهُ لَا [ينبيء] عَن الْمَعْقُول، وَالْقَوْل يدل على الْمَعْقُول والمحسوس، فَيكون أَعم فَائِدَة، فَهُوَ أولى.
الثَّالِث: أَن القَوْل لم يخْتَلف فِي كَونه دَالا، وَالْفِعْل اخْتلف فِيهِ، والمتفق عَلَيْهِ أولى من الْمُخْتَلف فِيهِ.
الرَّابِع: أَن الْعَمَل بِالْفِعْلِ يبطل القَوْل بِالْكُلِّيَّةِ، أما فِي حَقه ﵇: فلعدم تنَاول القَوْل لَهُ، وَأما فِي حق الْأمة: فلوجوب الْعَمَل بِالْفِعْلِ
стр. 1507
حِينَئِذٍ، وَالْعَمَل بالْقَوْل لَا يبطل الْفِعْل بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّهُ يَنْفِي الْعَمَل بِالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُول ﷺ َ - فَلَو [عَملنَا] بالْقَوْل أمكن الْجمع بَينهمَا من وَجه، وَلَو [عَملنَا] بِالْفِعْلِ لم يُمكن، وَالْجمع بَين الدَّلِيلَيْنِ وَلَو بِوَجْه أولى.
وَاسْتدلَّ لوُجُوب الْعَمَل بِالْفِعْلِ: أَن الْفِعْل أقوى دلَالَة من القَوْل؛ لِأَن الْفِعْل يتَبَيَّن بِهِ القَوْل، لِأَن مثل قَوْله ﷺ َ -: " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "، و " خُذُوا عني مَنَاسِككُم "، يدل على أَن فعله فِي الصَّلَاة ومناسك الْحَج مُبين لقَوْله: " صلوا "، و " خُذُوا ".
وَكَذَا خطوط الهندسة، تدل على أَن الْفِعْل مُبين لِلْقَوْلِ، فَيكون الْفِعْل أولى، وَلِهَذَا من بَالغ فِي تفهيم، أكد قَوْله بِإِشَارَة وَنَحْوهَا.
أُجِيب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ فِي الْفِعْل بَيَان، لَكِن الْبَيَان بالْقَوْل أَكثر، فَهُوَ أولى.
وَإِن سلم تساويهما فِي الْبَيَان، رجح جَانب القَوْل بِمَا ذكر من الْوُجُوه الْأَرْبَعَة.
﴿و﴾ قَالَ ﴿ [أَبُو الْخطاب] [فِي التَّمْهِيد] : ( [إِذا تعَارض قَوْله
стр. 1508
وَفعله﴾ من كل وَجه، فالمتأخر نَاسخ [فِيهِ وَفينَا] ، فَإِن جهل عمل بالْقَوْل﴾ ) . انْتهى.
فَإِن قيل: لم لَا يُصَار إِلَى الْوَقْف هُنَا، كَمَا فِي حَقه ﷺ َ - كَمَا سبق؟
قيل: لِأَن القَوْل بالتوقف ضَعِيف هُنَا، لأَنا متعبدون بِالْعَمَلِ، والتوقف فِيهِ إبِْطَال الْعَمَل، وَنفي للتعبد بِهِ، بِخِلَاف الَّذِي قبله، وَهُوَ التَّوَقُّف فِي حق الرَّسُول، لعدم تعبدنا بِهِ.
قَوْله: ﴿وَإِن عَم القَوْل، فالمتأخر نَاسخ [فِي حَقه وحقنا] ﴾ ، لوُجُوب تكْرَار الْفِعْل فِي حَقه، ولوجوب التأسي فِي حَقنا، قَالَه الْأَصْفَهَانِي وَغَيره.
وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (وَالْمرَاد: إِن اقْتضى القَوْل التّكْرَار، فالفعل نَاسخ للتكرار، إِلَّا فَلَا مُعَارضَة، وَذكره بَعضهم) انْتهى.
وَنحن أبرزنا المُرَاد.
стр. 1509
وَإِن تَأَخّر الْفِعْل، فاشتغل بِهِ قبل التَّمَكُّن من الْإِتْيَان بِمُقْتَضى القَوْل، نسخ [الْفِعْل القَوْل] عندنَا، إِلَّا أَن يتَنَاوَل القَوْل لَهُ ظَاهرا، فالفعل حِينَئِذٍ [مُخَصص] لِلْقَوْلِ.
وَعند الْمُعْتَزلَة: لَا يتَصَوَّر هَذَا الْفِعْل إِلَّا على سَبِيل الْمعْصِيَة، كَمَا تقدم عَنْهُم.
وَإِن اشْتغل بِالْفِعْلِ [بعد] التَّمَكُّن من الْإِتْيَان، فَإِن لم يقتض القَوْل التّكْرَار، فَلَا مُعَارضَة، لَا فِي حَقه، وَلَا فِي حَقنا، وَإِن اقْتضى القَوْل التّكْرَار، فالفعل نَاسخ للتكرار، قَالَه الْأَصْفَهَانِي، وَلم نذكرهُ فِي الْمَتْن، وتابعنا فِي ذَلِك ابْن مُفْلِح، وَهُوَ تَابع ابْن الْحَاجِب، وَلم يفصل، وَحكم بِأَن الْمُتَأَخر نَاسخ للمتقدم مُطلقًا، ولعلهم اكتفوا بِمَا تقدم فِي أول الْمَسْأَلَة.
قَوْله: ﴿ [فَإِن] جهل فالثلاثة﴾ .
أَي: إِن جهل التَّارِيخ، فَفِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة، وَهِي: الْوَقْف، أَو الْعَمَل بالْقَوْل، أَو الْفِعْل، وَقد علم الْمُرَجح من ذَلِك فِيمَا تقدم.
стр. 1510
قَوْله: ﴿وَإِن دلّ﴾ أَي: الدَّلِيل ﴿على [تكرره فِي حَقه] ، لَا [على التأسي بِهِ فِيهِ] ﴾ ، وَهَذَا الْقسم الثَّالِث.
﴿ [فَإِن كَانَ القَوْل خَاصّا بِنَا، فَلَا مُعَارضَة] ﴾ أصلا، لَا فِي حَقه، وَلَا فِي حق الْأمة، سَوَاء تقدم الْفِعْل، أَو القَوْل، لعدم تواردهما على مَحل وَاحِد، كَمَا تقدم نَظِيره.
قَوْله: ﴿أَو بِهِ، أَو عَم﴾ .
أَعنِي: إِذا اخْتصَّ القَوْل بِهِ فَقَط، أَو [عَم] ، فشمله وَشَمل الْأمة، ﴿فَلَا [مُعَارضَة] [فِينَا] ﴾ - أَي: فِي الْأمة - تقدم الْفِعْل، أَو تَأَخّر، لعدم تنَاول الْفِعْل لَهُم.
﴿و﴾ أما ﴿ [فِي حَقه] ﴾ ﷺ َ - ﴿ [فالمتأخر] نَاسخ﴾ ، إِن علم التَّارِيخ.
قَوْله: ﴿فَإِن جهل﴾ .
أَي: التَّارِيخ، فِي حَقه ﴿ [فَفِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة] ﴾ الْمُتَقَدّمَة .
стр. 1511
قَوْله: ﴿وَإِن دلّ على [عَكسه] ﴾ .
أَي: دلّ الدَّلِيل على التأسي بِهِ، لَا على تكَرر الْفِعْل ﴿ [فِي حَقه] ﴾ ، وَهَذَا هُوَ الْقسم الرَّابِع.
﴿ [فَإِن كَانَ القَوْل خَاصّا بِهِ] ، وَتَأَخر﴾ عَن الْفِعْل ﴿فَلَا [مُعَارضَة] ﴾ .
أما فِي حَقه: فلعدم وجوب تكَرر الْفِعْل.
وَأما فِي حق الْأمة: فلعدم توارد القَوْل وَالْفِعْل على مَحل وَاحِد.
قَوْله: ﴿وَإِن تقدم﴾ .
أَي: القَوْل على الْفِعْل، ﴿فالفعل نَاسخ فِي حَقه﴾ ، قَالَه ابْن مُفْلِح، وَابْن الْحَاجِب.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي: (وَإِن تقدم القَوْل على الْفِعْل، فالفعل نَاسخ لِلْقَوْلِ قبل التَّمَكُّن من الْإِتْيَان بِمُقْتَضى القَوْل، وَفِيه الْخلاف الْمَذْكُور) انْتهى.
قَوْله: ﴿فَإِن جهل، فالثلاثة﴾ .
стр. 1512
أَي: إِن جهل التَّارِيخ، فَفِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّمَة، وَالْمُخْتَار لِابْنِ الْحَاجِب وَغَيره: الْوَقْف.
قَوْله: ﴿وَإِن اخْتصَّ﴾ القَوْل ﴿بِنَا، [فَلَا تعَارض] [فِي حَقه] ﴾ ، تقدم القَوْل، أَو تَأَخّر، لعدم [تواردهما] على مَحل وَاحِد.
﴿ [وَأما فِي حق الْأمة] ، فالمتأخر نَاسخ﴾ ، سَوَاء كَانَ قولا، أَو فعلا.
﴿فَإِن جهل [التَّارِيخ، فَفِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة] ﴾ الْمُتَقَدّمَة، وَالْمُخْتَار: الْعَمَل بالْقَوْل عِنْد ابْن الْحَاجِب، وَمن تَابعه: كَابْن قَاضِي الْجَبَل.
قَوْله: ﴿وَإِن عَم، وَتقدم الْفِعْل، فَلَا [مُعَارضَة] [فِي حَقه] ﴾ ﷺ َ - لعدم وجوب تكَرر الْفِعْل.
﴿ [وَأما فِي حق الْأمة، فَالْقَوْل الْمُتَأَخر] نَاسخ﴾ للْفِعْل [قبل]
стр. 1513
وُقُوع التأسي بِهِ، وَبعده نَاسخ للتكرار فِي حَقهم، إِن دلّ دَلِيل على وجوب التّكْرَار فِي حَقهم، قَالَه الْأَصْفَهَانِي.
قَوْله: ﴿ [وَإِن] تقدم القَوْل، فالفعل نَاسخ﴾ لِلْقَوْلِ فِي حَقه قبل التَّمَكُّن من الْإِتْيَان بِمُقْتَضى القَوْل، إِلَّا أَن يتَنَاوَل الْعُمُوم لَهُ ظَاهرا، فَإِنَّهُ يكون الْفِعْل تَخْصِيصًا لِلْقَوْلِ.
وَفِي حق الْأمة: إِن كَانَ الدَّلِيل على وجوب التأسي مَخْصُوصًا بذلك الْفِعْل فنسخ، وَإِلَّا فتخصيص.
قَوْله: ﴿وَبعد التَّمَكُّن من الْعَمَل [بِمُقْتَضى القَوْل، لَا مُعَارضَة] ، [لَا فِي حَقه، وَلَا فِي حق الْأمة] ، إِلَّا أَن يَقْتَضِي القَوْل التّكْرَار، فالفعل نَاسخ [لَهُ] ﴾ ، وَهِي من تَتِمَّة الَّتِي قبلهَا.
﴿فَإِن جهل، [فَفِيهِ الْمذَاهب الثَّلَاثَة] ﴾ الْمُتَقَدّمَة.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي: (وَاعْلَم أَن فِي بعض الْأَقْسَام تَفْصِيلًا، وتختلف فِيهِ الْأَحْكَام، وَابْن الْحَاجِب أهمله.
стр. 1514
- قَالَ -: وَنحن تعرضنا لبَعض مِنْهَا، وأعرضنا عَن الْبَعْض الآخر، اعْتِمَادًا على اسْتِخْرَاج المحصل الفطن أَحْكَامه بِقُوَّة الْبَاقِي) انْتهى.
وَنحن تابعنا على ذَلِك.
قَوْله: ﴿فَائِدَة: فعل [الصَّحَابِيّ] مَذْهَب لَهُ فِي الْأَصَح﴾ .
إِذا فعل الصَّحَابِيّ فعلا، فَهَل يكون ذَلِك الْفِعْل مذهبا لَهُ؟ فِيهِ وَجْهَان.
لهَذِهِ الْمَسْأَلَة تعلق بِمَا قبلهَا من الْأَفْعَال.
قتل بعض أَصْحَابنَا: (فعل الصَّحَابِيّ هَل هُوَ مَذْهَب لَهُ؟
فِيهِ وَجْهَان، وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ نظر، وَاحْتج القَاضِي فِي " الْجَامِع الْكَبِير " فِي قَضَاء الْمغمى عَلَيْهِ للصَّلَاة بِفعل عمار وَغَيره، وَقَالَ: (فعل الصَّحَابَة إِذا خرج مخرج الْقرْبَة يَقْتَضِي الْوُجُوب، كَفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَأتم السَّلَام -) .
стр. 1515
وَقد قَالَ قوم: (لَو تصور اتِّفَاق أهل الْإِجْمَاع على عمل، لَا قَول مِنْهُم فِيهِ، كَانَ كَفعل الرَّسُول ﷺ َ - لثُبُوت الْعِصْمَة) .
وَاخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، خلافًا لِابْنِ الباقلاني.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا: (الأول قَول الْجُمْهُور، حَتَّى أحالوا الْخَطَأ مِنْهُم فِيهِ، إِذا لم يشترطوا انْقِرَاض الْعَصْر) انْتهى.
قلت: تَأتي هَذِه الْمَسْأَلَة قَرِيبا فِي أول الْإِجْمَاع، وَالله أعلم .
стр. 1516
فارغة
стр. 1517
بَاب الْإِجْمَاع
стр. 1518
قَوْله: ﴿بَاب الْإِجْمَاع﴾
﴿لُغَة: الْعَزْم والاتفاق﴾ .
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم﴾ [يُونُس: ٧١] ، أَي: اعزموا.
وَيصِح إِطْلَاقه على الْوَاحِد، يُقَال: أجمع فلَان على كَذَا، أَي: عزم عَلَيْهِ، وَيُقَال: أجمع الْقَوْم على كَذَا، أَي: اتَّفقُوا عَلَيْهِ.
فَكل أَمر من الْأُمُور اتّفقت عَلَيْهِ طَائِفَة فَهُوَ إِجْمَاع لُغَة. وأجمعت الْمسير وَالْأَمر، وأجمعت عَلَيْهِ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وبالحرف: عزمت عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيث: " من لم يجمع الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ "، أَي: من لم يعزم عَلَيْهِ فينويه.
стр. 1519
قَوْله: ﴿وَاصْطِلَاحا﴾ ، أَي: الْإِجْمَاع فِي اصْطِلَاح عُلَمَاء الشَّرِيعَة: ﴿اتِّفَاق مجتهدي الْأمة فِي عصر على أَمر، وَلَو فعلا، بعد النَّبِي ﷺ َ -﴾ .
فَقَوله: ﴿اتِّفَاق﴾ : احْتِرَاز من الِاخْتِلَاف، فَلَا يكون إِجْمَاعًا مَعَ الِاخْتِلَاف وَسَيَأْتِي الْخلاف فِيمَا إِذا خَالف وَاحِد، أَو اثْنَان، أَو أَكثر محرراً مفصلا.
وَالْمرَاد بالِاتِّفَاقِ: اتِّحَاد الِاعْتِقَاد، فَيعم الْأَقْوَال، وَالْأَفْعَال وَالسُّكُوت والتقرير، وَسَيَأْتِي حكم الْإِجْمَاع السكوتي، والفعلي.
وَقَوله: ﴿مجتهدي الْأمة﴾ : احْتِرَاز من غير الْمُجْتَهد فَلَا يعْتَبر فِي الْإِجْمَاع على الصَّحِيح، وَتَأْتِي قَرِيبا أَحْكَام الْعَاميّ، وَمن لم يكمل شُرُوط الِاجْتِهَاد، من أصولي، وفروعي، ونحوي، وَغَيرهم فِي الْأَحْكَام.
وَقَوله: ﴿الْأمة﴾ : احْتِرَاز من غير هَذِه الْأمة، وَفِي غير هَذِه الْأمة من سَائِر الْأُمَم خلاف فِي إِجْمَاعهم، يَأْتِي محرراً إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 1520
وَقَوله: ﴿فِي عصر﴾ : يَشْمَل أَي عصر كَانَ، احْتِرَاز عَن قَول من قَالَ: إِن الْإِجْمَاع مَخْصُوص بالصحابة على مَا يَأْتِي ذكر الْخلاف فِيهِ.
وَقَوله: ﴿على أَمر﴾ : يعم جَمِيع الْأُمُور من الْفِعْل، وَالْأَمر الدنيوي، واللغوي، وَغَيرهمَا، وَيَأْتِي لَك علمه فِي موَاضعه مفصلا.
وَقَوله: ﴿وَلَو فعلا﴾ إِنَّمَا أبرزته وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي قَوْله: ﴿على أَمر﴾ ؛ للإيضاح وَالْبَيَان والتأكيد.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا إِذا اتَّفقُوا على فعل فَعَلُوهُ، أَو فعل الْبَعْض، وَسكت الْبَعْض مَعَ علمهمْ، هَل يكون إِجْمَاعًا أم لَا؟
والأرجح أَن ينْعَقد بِهِ الْإِجْمَاع لعصمة الْأمة، فَيكون كالقول الْمجمع عَلَيْهِ، وكفعل الرَّسُول ﷺ َ -.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب من أَصْحَابنَا، وَقطع بِهِ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَاخْتَارَهُ الْغَزالِيّ فِي " المنخول " وَصرح بِهِ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ فِي " الْمُعْتَمد "، وَتَبعهُ فِي " الْمَحْصُول ".
قَالَ بعض أَصْحَابنَا: هُوَ قَول الْجُمْهُور ، ... ... ... ... ... ... .
стр. 1521
حَتَّى أحالوا الْخَطَأ مِنْهُم إِذا لم يشترطوا انْقِرَاض الْعَصْر.
وَقيل: لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع بِهِ، وَنَقله أَبُو الْمَعَالِي عَن ابْن الباقلاني، بل كَون ذَلِك فِي وَقت وَاحِد رُبمَا لَا يتَصَوَّر.
وَيتَفَرَّع على الْمَسْأَلَة إِذا فعلوا فعلا قربَة، وَلَكِن لَا يعلم هَل فَعَلُوهُ وَاجِبا، أَو مَنْدُوبًا؟
فَمُقْتَضى الْقيَاس أَنه كَفعل الرَّسُول ﷺ َ -؛ لأَنا أمرنَا باتبَاعهمْ كم أمرنَا باتباعه ﷺ َ -.
وَقَالَ القَاضِي فِي " الْعدة "، وَأَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": الْإِجْمَاع اتِّفَاق عُلَمَاء الْعَصْر على حكم حَادِثَة.
وَقَالَ فِي " التَّمْهِيد " فِي مَكَان آخر: على أَمر، فعل أَو ترك.
وَقَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " كَمَا قَالَا إِلَّا أَنه أبدل عُلَمَاء بفقهاء،
стр. 1522
فَقَالَ: هُوَ اتِّفَاق فُقَهَاء الْعَصْر على حكم حَادِثَة.
قَالَ: وَقَالَ قوم: عُلَمَاء، وَذَلِكَ حد بالمشترك؛ لِأَن اتِّفَاق النُّحَاة والمفسرين غير حجَّة، وهم عُلَمَاء، وَلَا يعْتد بهم فِي حَادِثَة.
وَهَذَا فِيهِ خلاف يَأْتِي قَرِيبا.
وَقَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ": اتِّفَاق عُلَمَاء الْعَصْر على حكم شَرْعِي.
وَقَالَ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة "، والطوفي فِي " مختصرها ": على أَمر ديني، فَلَا يَشْمَل الْأَمر الدنيوي، واللغوي وَنَحْوهمَا على مَا يَأْتِي آخر الْإِجْمَاع مفصلا، وَكَذَا قَالَ الْغَزالِيّ.
قَالَ ابْن مُفْلِح: وَهُوَ مُرَاده بقوله: (أمة مُحَمَّد ﷺ َ -) ، فَلَا يرد عَلَيْهِ أَنه لَا يُوجد اتِّفَاقهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَأَنه لَا يطرد بِتَقْدِير عدم مُجْتَهد فِي عصر، اتّفقت عوامه على أَمر ديني، لكنه لَا ينعكس بِتَقْدِير اتِّفَاق الْمُجْتَهدين على أَمر عَقْلِي، أَو عرفي، إِلَّا أَن يكون كَمَا قيل: لَيْسَ إِجْمَاعًا عِنْده. انْتهى.
قَوْله: ﴿وَأنكر النظام وَبَعض الرافضة ثُبُوته﴾ .
стр. 1523
وَرُوِيَ عَن أَحْمد، وَحمل على الْوَرع، أَو على غير عَالم بِالْخِلَافِ، أَو على تعذر معرفَة الْكل، أَو على الْعَام النطقي أَو بعده، أَو غير الصَّحَابَة﴾ .
تنوعت أَقْوَال الْأَصْحَاب وَغَيرهم فِي حمل كَلَام الإِمَام أَحْمد فِي كَونه أنكر الْإِجْمَاع.
وَأما النظام فَلهُ قَولَانِ فِي ثُبُوته، وَالْأَشْهر عَنهُ إِنْكَاره.
وَأما الإِمَام أَحْمد فَقَالَ فِي رِوَايَة عبد الله: من ادّعى الْإِجْمَاع فقد كذب، لَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا. هَذِه دَعْوَى بشر المريسي والأصم.
стр. 1524
وَفِي رِوَايَة الْمَرْوذِيّ: كَيفَ يجوز أَن يَقُول: أَجمعُوا، إِذا سَمِعْتُمْ يَقُولُونَ: أَجمعُوا فَاتَّهمهُمْ، وَإِنَّمَا وضع هَذَا لوضع الْأَخْبَار، وَقَالُوا: الْأَخْبَار لَا تجب بهَا حجَّة، وَقَالُوا: القَوْل بِالْإِجْمَاع، وَإِن ذَلِك قَول ضرار.
وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي الْحَارِث: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَدعِي الْإِجْمَاع، وَأول من قَالَ: أَجمعُوا، ضرار.
هَذَا الْوَارِد عَن الإِمَام أَحْمد فِي ذَلِك.
وَقد اخْتلف الْأَصْحَاب فِي صفة حمل هَذِه الرِّوَايَات:
فَقَالَ القَاضِي: ظَاهره منع صِحَة الْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا هَذَا على الْوَرع، أَو فِيمَن لَيست لَهُ معرفَة بِخِلَاف السّلف لما يَأْتِي.
وَكَذَا أجَاب أَبُو الْخطاب.
стр. 1525
وَحمله ابْن عقيل على الْوَرع، أَو لَا يُحِيط علما بِهِ غَالِبا.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: هَذَا نهي عَن [دَعْوَى] الْإِجْمَاع الْعَام النطقي.
وَقَالَ أَيْضا: الظَّاهِر إِمْكَان وُقُوعه، وَأما إِمْكَان الْعلم بِهِ فَأنكرهُ غَيره وَاحِد من الْأَئِمَّة، كَمَا يُوجد فِي كَلَام أَحْمد وَغَيره.
وَذكر الْآمِدِيّ أَن بَعضهم خَالف فِي تصَوره، وَأَن الْقَائِلين بِهِ خَالف بَعضهم فِي إِمْكَان مَعْرفَته، مِنْهُم: أَحْمد فِي رِوَايَة.
وَتبع ابْن حمدَان الْآمِدِيّ، وَقَالَ: مُرَاد أَحْمد تعذر معرفَة كل المجمعين لَا أَكْثَرهم.
وَقَالَ ابْن رَجَب فِي آخر " شرح التِّرْمِذِيّ ": وَأما مَا رُوِيَ من قَول الإِمَام أَحْمد: من ادّعى الْإِجْمَاع فقد كذب فَهُوَ إِنَّمَا قَالَه إنكاراً على فُقَهَاء الْمُعْتَزلَة الَّذين يدعونَ إِجْمَاع النَّاس على مَا يَقُولُونَهُ، وَكَانُوا من أقل النَّاس
стр. 1526
معرفَة بأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ انْتهى.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَحمل ابْن تَيْمِية قَوْله ذَلِك على إِجْمَاع غير الصَّحَابَة؛ لانتشارهم، أما الصَّحَابَة فمعرفون محصورون. انْتهى.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي " المسودة ": قلت: الَّذِي أنكرهُ أَحْمد دَعْوَى إِجْمَاع الْمُخَالفين بعد الصَّحَابَة، أَو بعدهمْ وَبعد التَّابِعين، أَو بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة المحمودة، وَلَا يكَاد يُوجد فِي كَلَامه احتجاج بِإِجْمَاع بعد عصر التَّابِعين، أَو بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة. انْتهى.
قَالُوا: إِن كَانَ عَن دَلِيل قَاطع فَعدم نَقله مُسْتَحِيل عَادَة، والظني يمْتَنع اتِّفَاقهم فِيهِ عَادَة لتباين قرائحهم، ودواعيهم الْمُقْتَضِيَة لاختلافهم.
رد بمنعها للاستغناء عَن نَقله الْقَاطِع بِالْإِجْمَاع، وَكَون الظني جلياً تتفق فِيهِ القرائح.
قَالُوا: تفرقهم فِي أَطْرَاف الأَرْض يمْنَع نقل الحكم إِلَيْهِم عَادَة.
رد بِالْمَنْعِ لجدهم فِي الْأَحْكَام، وبحثهم عَنْهَا.
قَالُوا: الْعَادة تحيل ثُبُوته عَنْهُم لخفاء بَعضهم أَو كذبه، أَو رُجُوعه قبل
стр. 1527
قَول غَيره، ثمَّ لَو جَازَ الْعلم بِثُبُوتِهِ لم يَقع الْعلم بِهِ؛ لِأَن الْعَادة تحيل نَقله لبعد التَّوَاتُر، وَلَا يُفِيد الْآحَاد، وَرُبمَا لَو علم بحصرهم، وَبِأَن تعذره لَا يمْنَع كَونه حجَّة كَقَوْل النَّبِي ﷺ َ -، وَبِأَن الْعلمَاء كالأعلام لَا سِيمَا الصَّحَابَة، وبالقطع بِتَقْدِيم النَّص الْقَاطِع على الظَّن.
ورده بعض أَصْحَابنَا والآمدي: بِاتِّفَاق أهل الْكتاب على بَاطِل، وَلم نَعْرِف مستندهم من قَول مُتبع يقلدونه.
وَنقض بعض أَصْحَابنَا والآمدي وَغَيرهم بِالْإِجْمَاع على أَرْكَان الْإِسْلَام وَطَرِيق علمهَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا، والوقوع دَلِيل التَّصَوُّر وَزِيَادَة.
قَوْله: ﴿وَهُوَ حجَّة قَاطِعَة﴾ ، هَذَا مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وأتباعهم، مِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وأتباعهم، وَغَيرهم من الْمُتَكَلِّمين وَغَيرهم.
стр. 1528
وَخَالف النظام، وَبَعض المرجئة، والشيعة، والخوارج، وَغَيرهم.
وَقَالَ الْآمِدِيّ، والرازي: هُوَ حجَّة ظنية، لَا قَطْعِيَّة، نَقله عَنْهُمَا الْبرمَاوِيّ.
وَقيل: حجَّة ظنية فِي الْإِجْمَاع السكوتي وَنَحْوه.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: فصل الْمُحَقِّقُونَ بَين الْإِجْمَاع الَّذِي لَا خلاف فِي ثُبُوته فَيكون انْعِقَاده قَطْعِيا، وَبَين الَّذِي فِيهِ خلاف، كالإجماع السكوتي، وَمَا لم ينقرض عصره، وَالْإِجْمَاع [بعد] الِاخْتِلَاف، وَمَا ندر الْمُخَالف فِيهِ عِنْد من يرَاهُ، وَنَحْو ذَلِك، فَلَا يكون قَطْعِيا. انْتهى.
اسْتدلَّ لِلْقَوْلِ الأول بقوله تَعَالَى: (وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ
стр. 1529
الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيراً﴾ [النِّسَاء: ١١٥] .
احْتج بهَا الإِمَام الشَّافِعِي، وَغَيره؛ لِأَنَّهُ توعد على مُتَابعَة غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا يجوز لمفسدة مُتَعَلقَة بِهِ وَلَيْسَت من جِهَة المشاقة، وَإِلَّا كَانَت كَافِيَة.
والسبيل: الطَّرِيق، فَلَو خص بِكفْر أَو غَيره كَانَ اللَّفْظ مُبْهما، وَهُوَ خلاف الأَصْل، وَالْمُؤمن حَقِيقَة فِي الْحَيّ المتصف بِهِ.
ثمَّ عُمُومه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يبطل المُرَاد. وَهُوَ الْحَث على مُتَابعَة سبيلهم، وَالْجَاهِل غير مُرَاد.
ثمَّ الْمَخْصُوص حجَّة، والسبيل عَام، والتأويل بمتابعة الرَّسُول ﷺ َ -، أَو بمتابعتهم فِي الْإِيمَان، أَو الِاجْتِهَاد لَا ضَرُورَة إِلَيْهِ، فَلَا يقبل.
وَلَيْسَ تبين الْهدى شرطا للوعيد بالاتباع بل للمشاقة؛ لِأَن إِطْلَاقهَا لمن عرف الْهدى أَولا؛ وَلِأَن تَبْيِين الْأَحْكَام الفروعية لَيْسَ شرطا فِي المشاقة، فَإِن من تبين لَهُ صدق الرَّسُول وَتَركه فقد شاقه وَلَو جهلها.
وَقَول الإمامية المُرَاد بِهِ من فيهم مَعْصُوم؛ لِأَن سبيلهم حِينَئِذٍ حق
стр. 1530
بِخِلَاف الظَّاهِر، وَتَخْصِيص بِلَا ضَرُورَة، وَلَا دَلِيل لَهُم على الْعِصْمَة.
وَمَا قيل من أَن الْآيَة ظَاهِرَة، وَلَا دَلِيل على أَن الظَّاهِر حجَّة إِلَّا الْإِجْمَاع فَيلْزم الدّور، مَمْنُوع لجَوَاز نَص قَاطع على أَنه حجَّة، أَو اسْتِدْلَال قَطْعِيّ؛ لِأَن الظَّاهِر مظنون، وَهُوَ حجَّة؛ لِئَلَّا يلْزم رفع النقيضين، أَو اجْتِمَاعهمَا، أَو الْعَمَل بالمرجوح وَهُوَ خلاف الْعقل.
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ﴾ [النِّسَاء: ٥٩] والمشروط عدم عِنْد عدم شَرطه، فاتفاقهم كَاف.
وَاعْترض: عدم الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة عِنْد الْإِجْمَاع إِن بني الْإِجْمَاع على أَحدهمَا فَهُوَ كَاف، وَإِلَّا فَفِيهِ تَجْوِيز الْإِجْمَاع بِلَا دَلِيل، ثمَّ لَا نسلم عدم الشَّرْط؛ فَإِن الْكَلَام مَفْرُوض فِي نزاع مجتهدين متأخرين لإِجْمَاع سَابق.
стр. 1531
رد الأول: بِأَن الْإِجْمَاع إِن احْتَاجَ إِلَى مُسْتَند فقد يكون قِيَاسا.
وَالثَّانِي: مُشكل جدا، قَالَه الْآمِدِيّ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخطاب أَن مُرَاد الْآيَة: فِيمَا لَا نعلم أَنه خطأ، وَإِن ظنناه رددناه إِلَى الله وَرَسُوله.
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تفَرقُوا﴾ [آل عمرَان: ١٠٣] وَخلاف الْإِجْمَاع تفرق، وَالنَّهْي عَن التَّفَرُّق لَيْسَ فِي الِاعْتِصَام للتَّأْكِيد وَمُخَالفَة الظَّاهِر، وتخصيصه بهَا قبل الْإِجْمَاع لَا يمْنَع الِاحْتِجَاج بِهِ، وَلَا يخْتَص الْخطاب بالموجودين زَمَنه ﷺ َ -؛ لِأَن التَّكْلِيف لكل من وجد مُكَلّفا كَمَا سبق.
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة ... .﴾ [آل عمرَان: ١١٠] ، فَلَو اجْتَمعُوا على بَاطِل كَانُوا قد اجْتَمعُوا على مُنكر لم ينهوا عَنهُ، ومعروف لم يؤمروا بِهِ، وَهُوَ خلاف مَا وَصفهم الله بهم؛ وَلِأَنَّهُ جعلهم أمة وسطا، أَي: عُدُولًا، وَرَضي بِشَهَادَتِهِم مُطلقًا.
وعَلى ذَلِك اعتراضات وأجوبة يطول الْكتاب بذكرها. وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعا " إِن الله تَعَالَى أجاركم من ثَلَاث
стр. 1532
خلال: أَن لَا يَدْعُو عَلَيْكُم نَبِيكُم فَتَهْلكُوا جَمِيعًا، وَأَن لَا يظْهر أهل الْبَاطِل على أهل الْحق، وَأَن لَا تجتمعوا على ضَلَالَة " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَن ابْن عمر مَرْفُوعا: " لَا تَجْتَمِع هَذِه الْأمة على ضَلَالَة أبدا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ.
وَعَن أنس مَرْفُوعا: " إِن أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة، فَإِذا رَأَيْتُمْ الِاخْتِلَاف فَعَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم الْحق وَأَهله " رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَابْن أبي عَاصِم.
стр. 1533
وَعَن أبي ذَر مَرْفُوعا: " عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة، فَإِن الله تَعَالَى لم يجمع أمتِي إِلَّا على هدى " رَوَاهُ أَحْمد.
وَعَن أبي ذَر مَرْفُوعا: " من فَارق الْجَمَاعَة شبْرًا فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد.
وَلَهُمَا عَن مُعَاوِيَة مَرْفُوعا: " أَن هَذِه الْأمة: سَتَفْتَرِقُ على ثَلَاث وَسبعين - يَعْنِي مِلَّة - ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار وَوَاحِدَة فِي الْجنَّة، وَهِي الْجَمَاعَة ".
стр. 1534
وَعَن ابْن عمر مَرْفُوعا: " إِن الله لَا يجمع أمتِي - أَو قَالَ - أمة مُحَمَّد على ضَلَالَة، وَيَد الله على الْجَمَاعَة، وَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ.
وَعَن أبي بصرة الْغِفَارِيّ مَرْفُوعا: سَأَلت الله أَن لَا يجمع أمتِي على ضَلَالَة فَأَعْطَانِيهَا " رَوَاهُ أَحْمد.
وَعَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: " من رأى من أميره شَيْئا يكرههُ فليصبر؛ فَإِنَّهُ من فَارق الْجَمَاعَة شبْرًا فَمَاتَ فميتته جَاهِلِيَّة ".
وَعَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: " من خرج من الطَّاعَة وَفَارق الْجَمَاعَة فَمَاتَ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة " مُتَّفق عَلَيْهِ.
وَعَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: " ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم: إخلاص الْعَمَل لله، والنصيحة للْمُسلمين، وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ " رَوَاهُ الشَّافِعِي
стр. 1535
وَلأَحْمَد مثله.
وَعَن ثَوْبَان مَرْفُوعا: " لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق، لَا يضرهم من خذلهم حَتَّى يَأْتِي أَمر الله وهم كَذَلِك ".
وَفِي حَدِيث جَابر: " إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
وَفِي حَدِيث جَابر بن سَمُرَة: " حَتَّى تقوم السَّاعَة " رَوَاهُ مُسلم.
وَعَن ابْن عمر مَرْفُوعا: " عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة، وَإِيَّاكُم والفرقة، فَإِن الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد، وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ أبعد، من أَرَادَ بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة ".
стр. 1536
رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَأحمد، وَعبد بن حميد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَغَيرهم.
وَعَن ابْن مَسْعُود: " مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن، وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْد الله سيئ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ.
قَالَ الْآمِدِيّ وَغَيره: السّنة أقرب الطّرق إِلَى كَون الْإِجْمَاع حجَّة قَاطِعَة.
فَإِن قيل: آحَاد، سلمنَا التَّوَاتُر، لَكِن يحْتَمل أَنه أَرَادَ عصمتهم عَن الْكفْر بِلَا تَأْوِيل وشبهة، أَو عَن الْخَطَأ فِي الشَّهَادَة فِي الْآخِرَة، أَو فِيمَا يُوَافق الْمُتَوَاتر.
وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ كل الْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ لم يلْزم أَنه حجَّة على الْمُجْتَهدين، لَا سِيمَا إِن قيل: كل مُجْتَهد مُصِيب.
رد بِالْقطعِ بمجموعها: إِن النَّبِي ﷺ َ - قصد تَعْظِيم أمته، وَبَيَان عصمتها من الْخَطَأ، كالقطع بجود حَاتِم الطَّائِي، فَهُوَ متواترة معنى .
стр. 1537
وَفِي كَلَام القَاضِي، وَهُوَ معنى كَلَام الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة ": لَا بُد لكثرتها من صِحَة بعض لَفظهَا؛ وَلِأَن الْأمة تلقتها بِالْقبُولِ، وَالظَّن يُفِيد فِي مَسْأَلَة علمية لوُجُوب الْعَمَل بِهِ، وَلَو وجد مُنكر لاشتهر عَادَة، والاحتجاج فِي الْأُصُول بِمَا لَا صِحَة لَهُ مُسْتَحِيل عَادَة.
وَأجَاب القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، وَابْن عقيل أَيْضا: بِأَن الْإِجْمَاع مَسْأَلَة شَرْعِيَّة، طَرِيقه طَرِيق مسَائِل الْفُرُوع.
وَقَالَ الْحلْوانِي من أَصْحَابنَا: مَا ذكره ابْن عقيل وَغَيره: يثبت مسَائِل
стр. 1538
أصُول الْفِقْه بِالظَّنِّ، وَلَا يفسق الْمُخَالف، وَبِه قَالَ أَكثر الْفُقَهَاء والمتكلمين.
وَخَالف بعض الأشعرية وَهُوَ ابْن اللبان فِي الأولى كبعض الْمُتَكَلِّمين فِي الثَّانِيَة، وَيَأْتِي هَذَا آخر الْإِجْمَاع.
وَاسْتدلَّ أَيْضا: أَجمعُوا على الْقطع بتخطئة الْمُخَالف، وَالْعَادَة تحيل إِجْمَاع عدد كثير من الْمُحَقِّقين على قطع فِي شَرْعِي من غير قَاطع، فَوَجَبَ تَقْدِير نَص فِيهِ.
وَأَجْمعُوا - أَيْضا - على تَقْدِيمه على الدَّلِيل الْقَاطِع، فَكَانَ قَاطعا وَإِلَّا تعَارض الإجماعان لتقديم الْقَاطِع على غَيره إِجْمَاعًا، وَهَذَانِ الإجماعان لَا يلْزم أَن عددهما عدد التَّوَاتُر وَإِن لزم فيهمَا فَلَا يلْزم فِي كل إِجْمَاع.
ورد الْآمِدِيّ، وَبَعضه فِي كَلَام غَيره: بِأَن من قَالَ ذَلِك اعْتبر فِي الْإِجْمَاع عدد التَّوَاتُر، وَأَنه يلْزمه أَن لَا يخْتَص الْإِجْمَاع بِأَهْل الْحل وَالْعقد من
стр. 1539
الْمُسلمين، بل عَام فِي كل من بلغ [عَددهمْ] عدد التَّوَاتُر وَإِن لم يَكُونُوا مُسلمين فضلا عَن أهل الْحل وَالْعقد.
وَذكر بعض أَصْحَابنَا: أَن أَجود الْأَدِلَّة الْإِجْمَاع الثَّانِي.
وَاسْتدلَّ: يمْتَنع عَادَة إِجْمَاعهم على مظنون، فَدلَّ على قَاطع.
رد: بِمَنْعه فِي قِيَاس جلي، وأخبار آحَاد بعد علمهمْ بِوُجُوب الْعَمَل بمظنون.
قَالُوا: ﴿تبياناً لكل شَيْء﴾ [النَّحْل: ٨٩] ، ﴿فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ [النِّسَاء: ٥٩] ، ﴿فَحكمه إِلَى الله﴾ [الشورى: ١٠] ،) وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٣٣] .
رد: لَا يلْزم أَن لَا يكون الْإِجْمَاع تبياناً وَلَا حجَّة عِنْد التوافق.
ثمَّ يلْزم عَلَيْهِ السّنة، ثمَّ إِنَّمَا ثَبت حجَّة بِالْكتاب وَالسّنة وَالظَّن لَا يُعَارض الْقطع.
стр. 1540
قَالُوا: فِي " الصِّحَاح ": " لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا "، وَقَوله: " حَتَّى إِذا لم يبْق عَالما اتخذ النَّاس رؤساً جُهَّالًا ".
رد: المُرَاد بعض الْأمة، والعصمة إِنَّمَا تثبت للمجموع.
ثمَّ الْجَوَاز عَقْلِي لَا يلْزم مِنْهُ الْوُقُوع، وَيَأْتِي خلو الْعَصْر عَن مُجْتَهد.
قَالُوا: روى أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ: أَن النَّبِي ﷺ َ - لما بعث معَاذًا إِلَى الْيمن قَالَ: " كَيفَ تقضي إِذا عرض لَك قَضَاء؟ " قَالَ: أَقْْضِي بِكِتَاب الله تَعَالَى، قَالَ: " فَإِن لم تَجِد؟ " قَالَ: فبسنة رَسُول الله ﷺ َ -. قَالَ: " فَإِن لم تَجِد؟ "، قَالَ: أجتهد رَأْي وَلَا آلو. فَضرب بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله ﷺ َ - لما يُرْضِي رَسُول الله ".
وَفِي إِسْنَاده مَجْهُول، وَلَيْسَ بِمُتَّصِل .
стр. 1541
وَرَوَاهُ سعيد فِي " سنَنه "، قَالَ: (لما بعث رَسُول الله ﷺ َ - معَاذًا إِلَى الْيمن) ، وَفِيه بعد الْكتاب: (بِمَا يقْضِي بِهِ نبيه) ثمَّ قَالَ: (أَقْْضِي بِمَا قضى الصالحون) ، ثمَّ قَالَ: (أؤم الْحق جهدي) ، فَقَالَ: " الْحَمد لله الَّذِي جعل رَسُول رَسُول الله ﷺ َ - يقْضِي بِمَا يُرْضِي بِهِ رَسُول الله ". مُرْسل جيد.
стр. 1542
رد: بِأَن الْإِجْمَاع لم يكن حجَّة فِي زَمَنه ﷺ َ -.
قَالُوا: كغيرهم من الْأُمَم قبل النّسخ.
ورده أَبُو الْخطاب وَغَيره من أَصْحَابنَا، وَغَيرهم: بِأَنَّهُ لَا دَلِيل عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن عقيل: يحْتَمل أَن نقُوله: وَالْفرق بتطرق النّسخ على الْأُمَم، وتجدد الْأَنْبِيَاء.
وَتَأْتِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَرِيبا.
قَوْله: ﴿بِالشَّرْعِ﴾ ، أَي: دلَالَة كَون الْإِجْمَاع حجَّة قَاطِعَة بِالشَّرْعِ فَقَط، وَذَلِكَ للدلالة الْوَارِدَة من الْكتاب وَالسّنة فِي ذَلِك كَمَا تقدم ذكره، وَبَيَانه فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا.
وَهَذَا عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء، وَقطع بِهِ كثير مِنْهُم.
وَقيل: وَالْعقل أَيْضا، أَعنِي أَن دلَالَة كَون الْإِجْمَاع حجَّة قَاطِعَة تحصل بِالْعقلِ أَيْضا.
стр. 1543
قَالَ الْمجد فِي " المسودة ": دلَالَة كَون الْإِجْمَاع حجَّة هُوَ الشَّرْع، وَقيل: الْعقل أَيْضا.
نثبت حجَّته إِمَّا بِالسَّمْعِ، وَإِمَّا بِالْعقلِ، والسمع إِمَّا الْكتاب وَإِمَّا السّنة، وَتثبت السّنة بالتواتر الْمَعْنَوِيّ، وَثُبُوت بَعْضهَا، وَبِأَن الْعَادة وَالدّين يمنعاه من تَصْدِيق مَا لم يثبت، وَمن مُعَارضَة القواطع بِمَا لَيْسَ بقاطع، وَالْعقل إِمَّا الْعَادة الطبيعية وَإِمَّا دين السّلف الشَّرْعِيّ الْمَانِع من الْقطع بِمَا لَيْسَ بِحَق، انْتهى.
وَيُؤْخَذ هَذَا من كَلَام ابْن الْحَاجِب، وَابْن مُفْلِح، وَغَيرهمَا، حَيْثُ بحثوا أَنه يَسْتَحِيل عَادَة اجْتِمَاع مثل هَذَا الْعدَد الْكثير من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين على قطع فِي حكم شَرْعِي من غير اطلَاع على دَلِيل قَاطع فَوَجَبَ تَقْدِير نَص قَاطع فِيهِ كَمَا تقدم.
قَوْله: ﴿وَلَا يعْتَبر فِيهِ قَول مَعْصُوم﴾ عِنْد أَئِمَّة الْإِسْلَام المقتدى بهم، وَخَالف فِي ذَلِك الرافضة فاشترطوه.
وخلافهم ملغي لَا اعْتِبَار بِهِ، بل الْمَعْصُوم لَا يُوجد فِي غير الْأَنْبِيَاء، فَعَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة أَجْمَعِينَ، وَذَلِكَ بِنَاء مِنْهُم على زعمهم أَن
стр. 1544
لَا يجوز خلو الزَّمَان عَن مَعْصُوم.
وَلَو تنزلنا وَسلمنَا ذَلِك فالحجة إِنَّمَا هِيَ فِي قَول الْمَعْصُوم لَا فِي الْإِجْمَاع فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِجْمَاع مَعَ قَول الْمَعْصُوم.
قَوْله: ﴿لَيْسَ إِجْمَاع الْأُمَم الخالية حجَّة عِنْد الْمجد وَالْأَكْثَر، وَخَالف الْأُسْتَاذ﴾ وَجمع.
﴿وَقَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي: إِن كَانَ سندهم قَطْعِيا، وَإِلَّا الْوَقْف﴾ ، والطوفي: إِن كَانَ سَنَد إجماعنا عقلياً، وَإِلَّا الْوَقْف. ووقف الباقلاني مُطلقًا.
اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة:
стр. 1545
فَذهب الْمجد من أَصْحَابنَا، وَالْأَكْثَر: أَن إِجْمَاع الْأُمَم الْمَاضِيَة لَيْسَ بِحجَّة.
وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَقَالَ: هَذَا قَول الْأَكْثَرين. وَصرح بِهِ الْآمِدِيّ وَغَيره وَخَالف أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم، وَقَالُوا: كَانُوا حجَّة قبل النّسخ.
قَالَ ابْن عقيل: يحْتَمل أَن نقُوله: وَالْفرق لكَون النّسخ يتَطَرَّق على الْأُمَم بتجدد الْأَنْبِيَاء، كَمَا تقدم عَنهُ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِلَى آخِره، قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: إِن كَانَ سندهم قَطْعِيا فحجة، أَو ظنياً فالوقف.
وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِن قطع أهل الْإِجْمَاع من
следующие страницы →