← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

خيران، وَابْن أبي هُرَيْرَة، وَبَعض الْحَنَفِيَّة، وَهُوَ الصَّحِيح عَن مَالك، وَاخْتَارَهُ ابْن السَّمْعَانِيّ، وَقَالَ: (هُوَ أشبه بِمذهب الشَّافِعِي) ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ فِي " المعالم ". ﴿ [وَعَن الإِمَام أَحْمد رِوَايَة: أَنه مَنْدُوب] ، وَاخْتَارَهُ التَّمِيمِي، وَالْقَاضِي﴾ أَيْضا فِي مُقَدّمَة " الْمُجَرّد "، وَحَكَاهُ السَّرخسِيّ عَن

стр. 1472

الْحَنَفِيَّة، وَالْفَخْر إِسْمَاعِيل من أَصْحَابنَا، والظاهرية، والمعتزلة، والصيرفي، والقفال الْكَبِير، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَأَبُو شامة، وَحكي عَن الشَّافِعِي، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب. قَالَ الْمجد ابْن تَيْمِية: (نقل هَذِه الرِّوَايَة عَن أَحْمد: إِسْحَاق بن

стр. 1473

إِبْرَاهِيم، والأثرم، وَجَمَاعَة، بِأَلْفَاظ صَرِيحَة) . ﴿وَقيل﴾ : إِنَّه ﴿مُبَاح، اخْتَارَهُ الْفَخر﴾ إِسْمَاعِيل ﴿فِي جدله، والجصاص، [وَالْفَخْر الرَّازِيّ] ﴾ وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " الْبُرْهَان "، ﴿وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ مَذْهَب مَالك] ﴾ ، وَاسْتشْكل الْإِبَاحَة فِيمَا يقْصد بِهِ الْقرْبَة. ﴿وَعَن﴾ الإِمَام ﴿أَحْمد﴾ رِوَايَة - أَيْضا - ﴿ [بِالْوَقْفِ] ﴾ حَتَّى يقوم

стр. 1474

دَلِيل على حكمه ﴿ [اخْتَارَهَا] أَبُو الْخطاب، وَحكي عَن التَّمِيمِي﴾ ، وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين، ﴿والأشعرية، و [غَيرهم] ﴾ وَصَححهُ القَاضِي أَبُو الطّيب، وَحكي عَن جُمْهُور الْمُحَقِّقين: كالصيرفي، وَالْغَزالِيّ، وأتباعهما، وَقَالَهُ الْكَرْخِي الْحَنَفِيّ. فَقيل: الْوَقْف بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة. وَقيل: بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب فَقَط. قَوْله: ﴿ [وَمَا لم يقْصد بِهِ الْقرْبَة] ﴾ .

стр. 1475

هَذَا هُوَ النَّوْع الثَّانِي [مِمَّا لم] تعلم صفته، وَهُوَ مَا لم يقْصد بِهِ الْقرْبَة، وَفِيه أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه ﴿ [مُبَاح] ﴾ ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَر، مِنْهُم أَصْحَابنَا، وَحكي عَن مَالك، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب. قَالَ الْمجد فِي " المسودة ": (فعل النَّبِي ﷺ َ - يُفِيد الْإِبَاحَة، إِذا لم يكن فِيهِ معنى الْقرْبَة، فِي قَول الْجُمْهُور) . ﴿ [وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه] وَاجِب﴾ ، اخْتَارَهُ جمَاعَة، وَحكي عَن ابْن سُرَيج، والإصطخري، وَابْن خيران، وَابْن السَّمْعَانِيّ، وَغَيرهم، كَمَا تقدم. قَالَ ابْن مُفْلِح وَغَيره: (وَلَا وَجه لَهُ) على مَا يَأْتِي. ﴿ [وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه] مَنْدُوب﴾ ، اخْتَارَهُ جمَاعَة - أَيْضا - وَحكي

стр. 1476

عَن الشَّافِعِي كَمَا تقدم، فَإِن كثيرا من الْعلمَاء حكى الْخلاف فِيمَا لم تعلم صفته، وأطلقوا الْخلاف، سَوَاء قصد بِهِ الْقرْبَة أَو لَا، وَجعلُوا بعض الْأَقْوَال مفصلة بَين مَا يقْصد بِهِ الْقرْبَة وَبَين مَا لم يقْصد بِهِ الْقرْبَة. ﴿و﴾ اخْتَار ﴿الْآمِدِيّ﴾ : أَنه ﴿مُشْتَرك [بَين الْوُجُوب وَالنَّدْب] : فِيمَا قصد فِيهِ الْقرْبَة، [وَمَا لم يقْصد فِيهِ الْقرْبَة مُشْتَرك بَين الثَّلَاثَة] ﴾ ، أَعنِي: الْوُجُوب، وَالنَّدْب، وَالْإِبَاحَة، ﴿وَمَا اخْتصَّ بِهِ أَحدهمَا [مَشْكُوك] فِيهِ﴾ ، نَقله عَنهُ ابْن مُفْلِح، وَغَيره. تَنْبِيه: كثير من المصنفين يجمع بَين نَوْعي مَا لم تعلم صفته، مِمَّا قصد بِهِ الْقرْبَة، وَمِمَّا لم يقْصد بِهِ الْقرْبَة، ويحكي الْخلاف مُطلقًا ثمَّ يفصل فِي القَوْل الثَّالِث وَالرَّابِع، وَبَعْضهمْ يفصل بَينهمَا فيذكر كل وَاحِد على حِدة، ويحكي الْخلاف فِيهِ كَمَا حكيناه فِي الْمَتْن. قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " - لما حكى الْخلاف عَن أَحْمد وَأَصْحَابه

стр. 1477

وَغَيرهم، وعمم ذَلِك -: (وَمُرَاد أَحْمد وَالْأَصْحَاب: مَا فِيهِ قصد قربَة، وَإِلَّا فَلَا وَجه للْوُجُوب فِي غَيره، وَالنَّدْب فِيهِ مُحْتَمل) . قَالَ: (وَكَذَا ذكر بعض أَصْحَابنَا - يَعْنِي بِهِ الْمجد فِي " المسودة " - الْخلاف لنا وَلِلنَّاسِ مَعَ قصد الْقرْبَة، وَإِلَّا فالإباحة، وَأَنه قَول الْجُمْهُور، وَأَن قوما قَالُوا بِالْوُجُوب، وَذكره بَعضهم عَن ابْن سُرَيج. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: (قدره أجل من هَذَا) . وَقَالَ جمَاعَة بالندب هُنَا احْتِيَاطًا، [وَذكر] أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ عَن أَحْمد: الْوُجُوب، وَالنَّدْب. وَذكر الْآمِدِيّ عَن أَصْحَابنَا وَغَيرهم: الْوُجُوب، قَالَ: (غير أَن الْوُجُوب وَالنَّدْب فِيهِ أبعد) . انْتهى كَلَام الْمجد. وَقَالَ أَيْضا: (فَأَما مَا لم يظْهر فِيهِ معنى الْقرْبَة، فيستبان فِيهِ ارْتِفَاع الْحَرج عَن الْأمة لَا غير، وَهَذَا قَول الْجُمْهُور، وَاخْتَارَهُ الْجُوَيْنِيّ والمحققون من الْقَائِلين بِالْوُجُوب أَو النّدب فِيمَا إِذا قصد الْقرْبَة) .

стр. 1478

(فصل) دَلِيل الْقَائِل بِالْوُجُوب: قَوْله تَعَالَى: ﴿واتبعوه﴾ [الْأَعْرَاف: ١٥٨] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ [النُّور: ٦٣] ، وَالْفِعْل أَمر كَمَا يَأْتِي، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ [الْحَشْر: ٧] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ [الْأَحْزَاب: ٢١] ، أَي: تأسوا بِهِ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني﴾ [آل عمرَان: ٣١] ومحبته وَاجِبَة، فَيجب لازمها وَهُوَ اتِّبَاعه، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا﴾ [الْأَحْزَاب: ٣٧] فلولا الْوُجُوب لما رفع تَزْوِيجه الْحَرج عَن الْمُؤمنِينَ فِي أَزوَاج أدعيائهم.

стр. 1479

وَلما خلع ﷺ َ - نَعله فِي الصَّلَاة خلعوا نعَالهمْ، رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سعيد، وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان، وَالْحَاكِم، وَرُوِيَ مُرْسلا. وَلما أَمرهم بالتحلل فِي صلح الْحُدَيْبِيَة - رَوَاهُ البُخَارِيّ - تمسكوا. وَسَأَلَهُ ﷺ َ - رجل عَن الْغسْل بِلَا إِنْزَال، فَأجَاب بِفِعْلِهِ، رَوَاهُ مُسلم. وَلِأَنَّهُ أحوط، كنسيان تعْيين الصَّلَاة، ومطلقة.

стр. 1480

وَلِأَن فعله كَقَوْلِه، فِي بَيَان مُجمل وَتَخْصِيص وَتَقْيِيد، فَكَانَ مطلقه [للْوُجُوب] . وَلِأَن فِي مُخَالفَته تنفيرا وتركا للحق، لِأَن فعله حق. ورد الأول: بِأَنَّهُ كالتأسي، وَهُوَ غير مَعْلُوم، قَالَه أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " [وَغَيره] . وَقَالَ الْآمِدِيّ: (فِي أَقْوَاله، للْإِجْمَاع: أَن الْمُتَابَعَة فِي الْفِعْل إِنَّمَا تجب بِوُجُوبِهِ، وَمُطلق الْفِعْل غير مَعْلُوم) . ورد الثَّانِي: بِأَن المُرَاد: أَمر الله، ثمَّ المُرَاد بِهِ: القَوْل؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَة فِيهِ، وَلذكر الدُّعَاء قبله، التحذير من مُخَالفَة فعله يَسْتَدْعِي وُجُوبه، فَلَو اسْتُفِيدَ وُجُوبه من التحذير كَانَ دورا.

стр. 1481

وَكَذَلِكَ جَوَاب الثَّالِث: لَا يجب الْأَخْذ حَتَّى يجب الْفِعْل، فَلَو وَجب من الْآيَة دَار، ثمَّ المُرَاد: مَا أَمركُم، لمقابلة: ﴿وَمَا نهاكم﴾ . وَجَوَاب الرَّابِع وَالْخَامِس: مَا سبق فِي التأسي والاتباع. وَفِي السَّادِس: مُسَاوَاة حكمنَا بِحكمِهِ، وَلَا يلْزم وصف أَفعاله كلهَا بِالْوُجُوب ليجب فعلهَا. وَلَيْسَ فِي الْخلْع وجوب. ثمَّ لدَلِيل: إِمَّا: " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "، أَو غَيره. والتحلل وَجب بِالْأَمر، لَكِن رجوا نسخه، فَلَمَّا تحلل أيسوا، وَبِقَوْلِهِ: " خُذُوا عني مَنَاسِككُم "، رَوَاهُ مُسلم. وَالْغسْل بِلَا إِنْزَال إِنَّمَا وَجب بالْقَوْل، فَفِي مُسلم عَن أبي مُوسَى: أَنهم ذكرُوا مَا يُوجب الْغسْل؟ فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَائِشَة: مَا يُوجب الْغسْل؟ فَقَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع وَمَسّ الْخِتَان الْخِتَان، فقد وَجب الْغسْل "، أَو بِفعل هُوَ بَيَان لقَوْله: ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا﴾ [الْمَائِدَة: ٦] .

стр. 1482

وَالِاحْتِيَاط فِيمَا ثَبت وُجُوبه: كَصَلَاة فَائِتَة من يَوْم وَلَيْلَة، أَو الأَصْل ثُبُوته: كالثلاثين من رَمَضَان. فَأَما مَا احْتمل الْوُجُوب وَغَيره فَلَا. وَيمْنَع التنفير. ولحصول الْمُفَارقَة فِي أَشْيَاء. وَلَا يلْزم من كَونه حَقًا وُجُوبه. فَإِن قيل: فعله كتركه. رد: لَا يجب ترك مَا ترك الْأَمر بِهِ، وَيجب بِالْأَمر. وَقَالَ ابْن عقيل: (إِن فعل وَترك، مغايرا بَين شَخْصَيْنِ، أَو مكانين، أَو زمانين، وَجب التّرْك، وَإِلَّا فَلَا. على أَن بَيَانه عِلّة تَركه [أكل] الضَّب، وَفسخ الْحَج، يُعْطي: أَن تَركه يجب الِاقْتِدَاء بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُفَسر وَلَا يخص، وَلم يَجعله الْقَائِل بالندب ندبا) . قَالَ ابْن مُفْلِح: (كَذَا قَالَ) . الْقَائِل بالندب: لِأَنَّهُ الْيَقِين، وغالب فعله. رد: بِالْمَنْعِ، [وَبِمَا] سبق.

стр. 1483

الْقَائِل بِالْإِبَاحَةِ: لِأَنَّهَا متيقنة. رد: بِمَا سبق. الْقَائِل بِالْوَقْفِ: لاحْتِمَاله الْجَمِيع، وَلَا صِيغَة لَهُ، وَلَا تَرْجِيح. رد: بِمَا سبق، وَبِأَن الْغَالِب [لَا اخْتِصَاص] ، وَلَا عمل بالنادر. وَقَالَ ابْن عقيل: (المتبع لَا يجوز إِمْسَاكه عَن بَيَان مَا يَخُصُّهُ، لَا سِيمَا إِن ضرّ غَيره، لِأَنَّهُ غرور، وَلَو فِي طَرِيق أَو أكل أَو شرب، إِن علم أَنه قد يتبع، فَكيف [بِعِلْمِهِ] باتباعه) . وَقَول التَّمِيمِي وَغَيره: بتجويز سَهْو أَو غَيره - حَتَّى قيل: يتَوَقَّف فِيهِ فِي دلَالَته على حكم حَقه - ضَعِيف، لما سبق، وَلِأَنَّهُ لَا يقر عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿فَائِدَتَانِ. الأولى: التأسي: فعلك كَمَا فعل ﷺ َ - لأجل أَنه فعل، وَكَذَا التّرْك﴾ ،

стр. 1484

فالتأسي فِيهِ: تَركك لَهُ كَمَا ترك لأجل أَنه تَركه. هَذَا فِي الْفِعْل وَتَركه، ﴿و﴾ أما ﴿فِي القَوْل: [فالامتثال] على الْوَجْه الَّذِي اقْتَضَاهُ﴾ . ﴿ [وَإِن لم يكن كَذَلِك فِي الْكل، فَهُوَ مُوَافقَة] لَا مُتَابعَة﴾ ، إِذْ الْمُوَافقَة: الْمُشَاركَة فِي الْأَمر وَإِن لم يكن لأَجله، فالموافقة أَعم من التأسي، فَكل تأس مُوَافقَة، وَلَيْسَ كل مُوَافقَة تأس، فقد يُوَافق وَلَا يتأسى، فَلَا بُد من اجْتِمَاعهمَا لحُصُول الْمَقْصُود، وَهُوَ الْمُتَابَعَة. قَوْله: ﴿الثَّانِيَة: لَا يفعل ﷺ َ - الْمَكْرُوه ليبين بِهِ الْجَوَاز، بل فعله يَنْفِي

стр. 1485

الْكَرَاهَة، قَالَه القَاضِي وَغَيره﴾ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم. قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (وَقد قَالَ القَاضِي: لَا يفعل الْمَكْرُوه ليبين بِهِ الْجَوَاز، لِأَنَّهُ يحصل فِيهِ التأسي. قَالَ: ﴿ [وَمرَاده] : وَلَا معَارض لَهُ، وَإِلَّا فقد يفعل﴾ غَالِبا ﴿شَيْئا ثمَّ يفعل خِلَافه لبَيَان الْجَوَاز، وَهُوَ كثير عندنَا﴾ وَعند أَرْبَاب الْمذَاهب ﴿ [كَقَوْلِهِم فِي ترك] الْوضُوء مَعَ [الْجَنَابَة] لنوم [أَو أكل أَو معاودة] وَطْء﴾ : تَركه لبَيَان الْجَوَاز، وَفعله غَالِبا للفضيلة ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1486

فارغة

стр. 1487

﴿وتشبيكه [فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فِي الْمَسْجِد] ، لَا يَنْفِي الْكَرَاهَة لِأَنَّهُ نَادِر، و [قد] حمل الْحَنَفِيَّة وضوءه بسؤر الهر [لبَيَان] الْجَوَاز مَعَ الْكَرَاهَة﴾ . ثمَّ التأسي وَالْوُجُوب بِالسَّمْعِ لَا بِالْعقلِ، خلافًا لبَعض الْأُصُولِيِّينَ) .

стр. 1488

وَقَالَ الْبرمَاوِيّ وَغَيره: (لَا يَقع الْمَكْرُوه من الْأَنْبِيَاء ﵈؛ لِأَن التأسي بهم مَطْلُوب، فَيلْزم أَن يتأسى بهم فِيهِ، فَيكون جَائِزا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُم أكمل الْخلق، وَلَهُم أَعلَى الدَّرَجَات، فَلَا يلائم أَن يَقع مِنْهُم مَا نهى الله عَنهُ، وَلَو نهي تَنْزِيه، فَإِن الشَّيْء الحقير من الْكَبِير أَمر عَظِيم. ويقرر ذَلِك بِأَمْر آخر، وَهُوَ: أَنه لَا يتَصَوَّر أَنه يَقع مِنْهُم ذَلِك مَعَ كَونه مَكْرُوها. قَالَ ابْن الرّفْعَة: (الشَّيْء قد يكون مَكْرُوها، ويفعله النَّبِي ﷺ َ - لبَيَان الْجَوَاز، وَيكون أفضل فِي حَقه) . وَخلاف الأولى كالمكروه، وَإِن لم يتَعَرَّضُوا لَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي وضوء النَّبِي ﷺ َ - مرّة ومرتين: (قَالَ الْعلمَاء: إِن

стр. 1489

ذَلِك كَانَ أفضل فِي حَقه من التَّثْلِيث لبَيَان التشريع) . قلت: وَمَا قَرّرته أولى من هَذَا، لِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن بَيَان الْجَوَاز فِي الْفِعْل، فَفِي القَوْل مَا يُغني عَنهُ، وَفِي الْتِزَام أَن يكون للْفِعْل جهتان، من جِهَة التشريع يكون فَاضلا، وَمن جِهَة أَنه مَنْهِيّ عَنهُ يكون مَكْرُوها، وَهَذَا أَجود من قَول بَعضهم: إِن الْمَكْرُوه لَا يَقع مِنْهُم لندرته، لِأَن وُقُوعه من آحَاد النَّاس نَادِر، فَكيف من خَواص الْخلق، فَفِيهِ الْتِزَام أَنه يَقع) انْتهى. وَمرَاده بالْكلَام الْأَخير من قَول بَعضهم: التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع " وَجَمَاعَة. تَنْبِيه: تلخص مِمَّا تقدم: أَن أَفعاله ﷺ َ - محصورة فِي الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب، وَأما الْمحرم فَلَا يَفْعَله الْبَتَّةَ، وَاخْتلف فِي الْمَكْرُوه، وَالصَّحِيح: أَنه لَا يَفْعَله كَمَا قَالَه من أَصْحَابنَا القَاضِي وَغَيره، أَو يَفْعَله لبَيَان الْجَوَاز للمعارض، كَمَا قَالَه ابْن مُفْلِح وَغَيره، أَو يَفْعَله نَادرا كَمَا قَالَ جمَاعَة، كَمَا تقدم ذَلِك كُله .

стр. 1490

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿إِذا سكت ﷺ َ - عَن إِنْكَار [فعل أَو قَول] ، بِحَضْرَتِهِ، أَو زَمَنه [عَالما بِهِ] ، دلّ على جَوَازه [حَتَّى لغيره فِي الْأَصَح] ، وَإِن سبق تَحْرِيمه فنسخ﴾ ؛ لِئَلَّا يكون سُكُوته محرما، وَلِأَن فِيهِ تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة، لإيهام الْجَوَاز والنسخ، ولاسيما إِن استبشر بِهِ. وَلذَلِك احْتج الإِمَام أَحْمد وَالْإِمَام الشَّافِعِي فِي إِثْبَات النّسَب بالقيافة بِحَدِيث عَائِشَة: " أَن مجزز المدلجي رأى زيد بن

стр. 1491

حَارِثَة وَابْنه أُسَامَة، فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض، فسُر النَّبِي ﷺ َ - بذلك وَأَعْجَبهُ "، مُتَّفق عَلَيْهِ. وَضعف ابْن الباقلاني، وَأَبُو الْمَعَالِي هَذِه الْحجَّة، لِأَن ترك إِنْكَاره لموافقته الْحق، وسُر لإلزام من طعن فِي نسب أُسَامَة، لما يلْزم على اعْتِقَاده فِي إِثْبَات النّسَب بالقافة. ورد: بِأَن مُوَافقَة الْحق لَا تجوز ترك إِنْكَار طَرِيق مُنكر ، لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه حق، وَلَا يرْتَفع إِلْزَامه بالإنكار، لِأَنَّهُ ألزم باعتقاده وَإِن أنكرهُ ملزمه. تَنْبِيه: لم يُقيد الْمَسْأَلَة بِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ، كَمَا ذكره ابْن

стр. 1492

الْحَاجِب وَغَيره، إِذْ لَا حَاجَة إِلَيْهِ؛ لِأَن من خَصَائِصه ﷺ َ - أَن وجوب إِنْكَاره الْمُنكر لَا يسْقط عَنهُ بالخوف على نَفسه، وَإِن كَانَ ذَلِك إِنَّمَا هُوَ لعدم تحقق خَوفه، بعد إِخْبَار الله تَعَالَى عَنهُ بعصمته من النَّاس. وَقَوْلنَا: (حَتَّى لغيره فِي الْأَصَح) . أَعنِي: أَن الْجَوَاز لَا يخْتَص بالفاعل الَّذِي سكت عَنهُ، بل يتَعَدَّى إِلَى غَيره من النَّاس عِنْد الْمُعظم؛ لِأَن الأَصْل: اسْتِوَاء الْمُكَلّفين فِي الْأَحْكَام. وَخَالف فِي ذَلِك أَبُو بكر الباقلاني، فَقَالَ: (لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيره، فَإِن التَّقْرِير لَا صِيغَة لَهُ) انْتهى. وَمحل هَذِه الْأَحْكَام فِي غير الْكَافِر، وَلذَلِك قُلْنَا: (إِلَّا من كَافِر فِيمَا يَعْتَقِدهُ) : كذهابه إِلَى كَنِيسَة وَنَحْوهَا، فَإِنَّهُ لَا أثر لَهُ اتِّفَاقًا، حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره.

стр. 1493

وَقيل: (لَا يدل السُّكُوت على الْجَوَاز، فِي حق من يغريه الْإِنْكَار على الْفِعْل، وَلَا يجب الْإِنْكَار عَلَيْهِ) ، وَحَكَاهُ ابْن السَّمْعَانِيّ عَن الْمُعْتَزلَة، وَالأَصَح: وجوب الْإِنْكَار، ليزول توهم الْإِبَاحَة. وَقيل: (لَا يدل السُّكُوت على الْجَوَاز فِي حق الْمُنَافِق) ، قَالَه أَبُو الْمَعَالِي.

стр. 1494

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿فعلاه ﷺ َ - [وَلَو اخْتلفَا] ، وَأمكن اجْتِمَاعهمَا كَصَوْم وَصَلَاة، أَو لَا، لَكِن لَا [يتناقض] حكماهما، فَلَا تعَارض، وَكَذَا إِن تنَاقض، كصومه فِي وَقت وَأكله فِي مثله، لَكِن: إِن دلّ دَلِيل على وجوب تكَرر [الأول لَهُ، أَو لأمته] ، أَو أقرّ من أكل فِي مثله، فنسخ﴾ . الصَّادِر مِنْهُ ﷺ َ - إِمَّا قَول، أَو فعل، أَو هما. فَإِذا انْفَرد أَحدهمَا فَلَا كَلَام. وَرُبمَا تعَارض دليلان من ذَلِك؛ إِمَّا قَولَانِ، أَو فعلان، أَو قَول وَفعل.

стр. 1495

أما الْقَوْلَانِ فَسَيَأْتِي حكم تعارضهما فِي التعادل والتراجيح. وَأما تعَارض الْفِعْلَيْنِ، أَو الْفِعْل وَالْقَوْل، فمذكوران هُنَا. فَنَقُول: فعلاه ﷺ َ - إِن تماثلا: كَفعل صَلَاة، ثمَّ فعلهَا مرّة أُخْرَى فِي [وَقت] آخر، أَو اخْتلفَا وَأمكن اجْتِمَاعهمَا: كَفعل صَوْم وَفعل صَلَاة، أَو لَا يُمكن اجْتِمَاعهمَا لَكِن لَا يتناقض حكماهما، فَلَا تعَارض بَينهمَا؛ لِإِمْكَان الْجمع، وَحَيْثُ أمكن الْجمع امْتنع التَّعَارُض، وَكَذَا إِن تنَاقض: كصومه فِي وَقت بِعَيْنِه وَأكله فِي مثله، لِإِمْكَان كَونه وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا أَو مُبَاحا فِي ذَلِك الْوَقْت، وَفِي الْوَقْت الآخر بِخِلَافِهِ، من غير أَن يكون أَحدهمَا رَافعا أَو مُبْطلًا لحكم الآخر، إِذْ لَا عُمُوم للْفِعْل. لَكِن إِن دلّ دَلِيل على وجوب تكَرر صَوْمه عَلَيْهِ، أَو وجوب التأسي بِهِ فِي مثل ذَلِك الْوَقْت، فتلبس بضده: كَالْأَكْلِ مَعَ قدرته على الصَّوْم، دلّ أكله على نسخ دَلِيل تكْرَار الصَّوْم فِي حَقه، لَا نسخ حكم الصَّوْم السَّابِق، لعدم اقتضائه للتكرار، وَرفع [حكم] وجد محَال. أَو أقرّ من أكل فِي مثله من الْأمة، فنسخ لدَلِيل تَعْمِيم الصَّوْم على الْأمة فِي حق ذَلِك الشَّخْص، أَو تَخْصِيصه، وَقد يُطلق النّسخ والتخصيص على الْمَعْنى، بِمَعْنى زَوَال التَّعَبُّد، مجَازًا. قَوْله: ﴿وَقيل فِي فَعَلَيهِ الْمُخْتَلِفين: الثَّانِي نَاسخ، وَإِلَّا تَعَارضا، وَمَال

стр. 1496

إِلَيْهِ الشَّافِعِي، وَقَالَ الباقلاني وَأَبُو الْمَعَالِي [بجوازهما] مَا لم يتَضَمَّن أَحدهمَا حظرا، وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَحْمد فِي مسَائِل، [وآخرهما أفضل] ﴾ . هَذِه طَريقَة ذكرهَا الْمجد فِي " المسودة "، فَقَالَ: (صَار كثير من الْعلمَاء إِلَى الْعَمَل بآخر الْفِعْلَيْنِ كالقولين، وَجعله نَاسِخا بِمَا يَقْتَضِيهِ لَو انْفَرد، وَجعل الأول مَنْسُوخا بِهِ. قَالَ الْجُوَيْنِيّ: وَللشَّافِعِيّ صغو إِلَى ذَلِك، وَأَشَارَ إِلَى أَنه قدم حَدِيث [ابْن خَوات] ، على حَدِيث ابْن عمر فِي الْخَوْف لذَلِك، وَأَنه على هَذَا: مَتى لم يعلم التَّارِيخ تَعَارضا، وَعدل إِلَى الْقيَاس وَغَيره من الترجيحات.

стр. 1497

ثمَّ قَالَ الْجُوَيْنِيّ: (وَذهب الباقلاني: إِلَى أَن تعدد الْفِعْل مَعَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، يُفِيد جَوَاز الْأَمريْنِ، إِذا لم يكن فِي أَحدهمَا مَا يتَضَمَّن حظرا) . وَرجح الْجُوَيْنِيّ ذَلِك، وَهُوَ ظَاهر كَلَام إمامنا فِي مسَائِل كَثِيرَة. نعم؛ يكون آخر [الْفِعْل] أولى فِي الْفَضِيلَة وَالِاخْتِيَار، وعَلى هَذَا يحمل قَوْلهم: كُنَّا نَأْخُذ بالأحدث فالأحدث من فعل رَسُول الله ﷺ َ -، وَلِهَذَا جَاءَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس فِي الصَّوْم فِي السّفر، مَعَ أَنه قد صَحَّ عَنهُ التَّخْيِير فِي الْأَمريْنِ) ، انْتهى كَلَام الْمجد .

стр. 1498

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) إِذا تعَارض قَوْله وَفعله ... إِلَى آخِره. مَا تقدم فَهُوَ فِي تعَارض فَعَلَيهِ، وَمَا ذكر هُنَا فَهُوَ فِي تعَارض قَوْله وَفعله، وَيَأْتِي فِي التَّرْجِيح إِذا تعَارض قولاه. [وَاعْلَم أَنه إِذا] صدر مِنْهُ ﷺ َ - قَول وَفعل كل مِنْهُمَا يَقْتَضِي خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الآخر، فَفِيهِ [اثْنَتَانِ] وَسَبْعُونَ مَسْأَلَة .

стр. 1499

وَوجه الْحصْر فِي ذَلِك: أَنه لَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يدل دَلِيل على التّكْرَار والتأسي، أَو لَا يدل على شَيْء مِنْهُمَا، أَو يدل على الأول - وَهُوَ التكرر - دون الثَّانِي - وَهُوَ التأسي -، أَو بِالْعَكْسِ، فَيدل على التأسي دون التكرر، فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَقسَام، كل [مِنْهَا] يتنوع إِلَى ثَمَانِيَة عشر نوعا، فَيصير الْمَجْمُوع اثْنَيْنِ وَسبعين، لِأَن كل وَاحِد من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة لَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يكون القَوْل [خَاصّا بِهِ، أَو بِنَا، أَو عَاما لَهُ وَلنَا، وعَلى كل تَقْدِير من ذَلِك لَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يكون القَوْل] مقدما على الْفِعْل، أَو مُتَأَخِّرًا عَنهُ، أَو مَجْهُول التَّارِيخ، فَهَذِهِ تِسْعَة أَنْوَاع، من ضرب ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة، وعَلى كل تَقْدِير مِنْهَا لَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يظْهر أَثَره فِي حَقه، أَو حَقنا، صَارَت ثَمَانِيَة عشرَة، مَضْرُوبَة فِي الْأَرْبَعَة الْأَقْسَام، كَمَا تقدم. إِذا عرف ذَلِك؛ فَقَوله: ﴿إِذا تعَارض [قَوْله وَفعله] [وَلم يدل دَلِيل على تكرره فِي حَقه، وَلَا على التأسي] ﴾ ، فَهَذَا هُوَ الْقسم الأول، فَإِن كَانَ القَوْل خَاصّا وَتَأَخر عَن الْفِعْل: كَفِعْلِهِ شَيْئا فِي وَقت، ثمَّ يَقُول بعد

стр. 1500

ذَلِك الْفِعْل على الْفَوْر، أَو متراخيا: لَا يجوز لي مثل هَذَا الْفِعْل فِي مثل هَذَا الْوَقْت، فَلَا تعَارض بَينهمَا أصلا فِي حَقه، وَلَا فِي حق أمته؛ لِإِمْكَان الْجمع، لعدم تكْرَار الْفِعْل، وَلم يكن رَافعا لحكم فِي الْمَاضِي وَلَا الْمُسْتَقْبل. أما فِي حَقه؛ فَلِأَن القَوْل لم يتَنَاوَل الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ الْفِعْل، وَالْفِعْل - أَيْضا - لم يتَنَاوَل الزَّمَان الَّذِي تعلق بِهِ القَوْل، فَلَا يكون أَحدهمَا رَافعا لحكم الآخر. وَأما فِي حق الْأمة، فَظَاهر؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لوَاحِد من القَوْل وَالْفِعْل تعلق بالأمة. وَقَوله: ﴿وَإِن تقدم﴾ . أَي: ﴿ [القَوْل] على الْفِعْل، كَقَوْلِه: يجب عَليّ كَذَا وَقت كَذَا، ﴿ [ويتلبس] [بضده فِيهِ] ، فالفعل نَاسخ﴾ لحكمه، ﴿ [عِنْد من جوز النّسخ قبل التَّمَكُّن] ﴾ من الْفِعْل، كَمَا هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَبنَا، على مَا يَأْتِي فِي النّسخ.

стр. 1501

وَمن لم يجوزه كالمعتزلة مَنعه، وَقَالَ: لَا يتَصَوَّر صُدُور مثل هَذَا الْفِعْل بعد القَوْل إِلَّا على سَبِيل الْمعْصِيَة، لِأَن النّسخ قبل التَّمَكُّن [غير جَائِز] عِنْدهم، وَيَأْتِي الْخلاف فِي ذَلِك فِي النّسخ. وَإِن كَانَ الْفِعْل بعد التَّمَكُّن من مُقْتَضى القَوْل، لم يكن نَاسِخا لِلْقَوْلِ، إِلَّا أَن يدل دَلِيل على وجوب تكَرر مُقْتَضى القَوْل، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون الْفِعْل نَاسِخا، لتكرر مُقْتَضى القَوْل، ذكره الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمُخْتَصر "، وَلم يذكرهُ ابْن الْحَاجِب، وَلَا ابْن مُفْلِح، وتابعتهما على ذَلِك. قَوْله: ﴿وَإِن جهل، [فكالجهل الْآتِي] ﴾ . أَي: إِذا لم يعلم هَل القَوْل مقدم على الْفِعْل، أَو عَكسه؟ بل جهلنا ذَلِك، فَحكمه حكم الْجَهْل الْآتِي بعد ذَلِك، وَهُوَ قَوْلنَا: (فَإِن جهل فَلَا تعَارض فِي حَقنا، وَفِي حَقه الْخلاف) . قَالَ الْأَصْفَهَانِي: (وَإِن كَانَ القَوْل خَاصّا وَجَهل التَّارِيخ، فَحكمه حكم الْقسم الَّذِي دلّ على وجوب التّكْرَار والتأسي وَالْقَوْل خَاص بِهِ وَجَهل التَّارِيخ) انْتهى. تَنْبِيه: تقدم ثَلَاث مسَائِل فِيمَا إِذا لم يدل دَلِيل على تكرره فِي حَقه،

стр. 1502

وَلَا على التأسي بِهِ، وَالْقَوْل خَاص بِهِ: إِذا تقدم القَوْل على الْفِعْل، وَعَكسه، وَالْجهل. قَوْله: ﴿وَإِن اخْتصَّ القَوْل بِنَا، [فَلَا تعَارض مُطلقًا] ﴾ . أَعنِي: سَوَاء تقدم الْفِعْل، أَو تَأَخّر، لعدم اجْتِمَاع القَوْل وَالْفِعْل فِي مَحل وَاحِد، لِأَن الْفِعْل خَاص بِهِ، إِذْ لَا دَلِيل على وجوب التأسي بِهِ، وَالْقَوْل خَاص بِنَا، فَلم يتحد مَحلهمَا. قَوْله: ﴿ [أَو عَم] ﴾ . أَعنِي: عَم القَوْل لنا وَله، فَتَارَة يتَقَدَّم الْفِعْل، وَتارَة يتَقَدَّم القَوْل، وَتارَة يجهل. فَإِن تقدم فَلَا تعَارض فِي حَقه كَمَا سبق، وَلَا فِي حَقنا، لِأَن فعله لم يتَعَلَّق بِنَا. قَوْله: ﴿وَإِن تقدم القَوْل، [فكالقول] الْخَاص بِهِ﴾ . فَهُوَ فِي حَقه كَمَا سبق فِي القَوْل الْخَاص بِهِ، ﴿وَلَا تعَارض فِي حَقنا﴾ ؛ لِأَنَّهُمَا لم يتواردا علينا. قَوْله: ﴿فَإِن كَانَ الْعَام ظَاهرا فِيهِ، فالفعل تَخْصِيص﴾ ، كَمَا سَيَأْتِي.

стр. 1503

قَوْله: ﴿وَإِن دلّ [عَلَيْهِمَا] ﴾ . أَي: دلّ على التكرر فِي حَقه، وعَلى التأسي بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي من الْأَرْبَعَة الْمُتَقَدّمَة، هُوَ عكس الأول. فَإِذا دلّ الدَّلِيل على التكرر فِي حَقه، وعَلى وجوب تأسي الْأمة بِهِ، ﴿ [فَإِن كَانَ القَوْل خَاصّا] بِهِ [فَلَا تعَارض فِينَا] ، [سَوَاء تقدم القَوْل، أَو الْفِعْل] ﴾ ؛ لِأَن القَوْل لم يتناولهم. ﴿ [وَأما فِي حَقه؛ فالمتأخر نَاسخ] ﴾ ، لَكِن الْفِعْل ينْسَخ القَوْل الْمُتَقَدّم بعد التَّمَكُّن من الِامْتِثَال، وَقَبله فِيهِ الْخلاف، وَمُوجب للْفِعْل علينا. قَوْله: ﴿ [وَإِن] جهل، فَلَا تعَارض [فِي حَقنا] ﴾ ؛ لِأَن القَوْل لم يعمنا. ﴿ [وَأما فِي حَقه، فَاخْتَارَ] [أَبُو الْخطاب] ﴾ فِي " التَّمْهِيد " ﴿ [و]

стр. 1504

ابْن حمدَان﴾ فِي " الْمقنع " ﴿ [وجوب الْعَمَل] بالْقَوْل﴾ ، لِأَن الْفِعْل يحْتَاج إِلَى القَوْل فِي بَيَان وَجه وُقُوعه. قَالَ فِي " التَّمْهِيد ": (وَأما إِن لم يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر، فالتعلق بالْقَوْل) ، وَذكر الْقَوْلَيْنِ الآخرين وردهما. ﴿وَقيل﴾ : يجب الْعَمَل ﴿بِالْفِعْلِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ أقوى فِي الْبَيَان. ﴿ [وَاخْتَارَ ابْن الْحَاجِب] ﴾ وَجَمَاعَة: ﴿الْوَقْف﴾ فِي الْمَسْأَلَة حَتَّى يتَبَيَّن التَّارِيخ؛ لِأَنَّهُ يحْتَمل تقدم الْفِعْل على القَوْل، وَبِالْعَكْسِ، [وَلَا تَرْجِيح لتقدم أَحدهمَا على الآخر، فالقطع بِوُجُوب الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا على التَّعْيِين تحكم بِلَا دَلِيل، وَهُوَ بَاطِل] . [ ﴿و﴾ قَالَ أَبُو الْخطاب - أَيْضا - ﴿فِي التَّمْهِيد﴾ - فِيمَا يرد بِهِ الْخَبَر: ﴿ (إِن ورد] خبر يُخَالف فعله، إِن لم يعمه فَلَا تعَارض، [وَإِن

стр. 1505

عَمه] تَعَارضا، [فتعمل بالتخصيص] ، ثمَّ التَّوَاتُر، ثمَّ التَّرْجِيح، ثمَّ الْوَقْف، [وَالله أعلم] ) ﴾ . قَوْله: ﴿وَإِن اخْتصَّ القَوْل بِنَا، [فَلَا تعَارض] [فِي حَقه]﵇ سَوَاء تقدم القَوْل، أَو تَأَخّر، لعدم تنَاول القَوْل لَهُ. [وَأما فِي حق الْأمة، إِن علم] [الْمُتَأَخر] ﴾ فَهُوَ ﴿نَاسخ﴾ ، سَوَاء كَانَ القَوْل مُتَقَدما وَالْفِعْل مُتَأَخِّرًا، أَو بِالْعَكْسِ، إِلَّا أَن يتَقَدَّم القَوْل على الْفِعْل، وَالْفِعْل بعد التَّمَكُّن من مُقْتَضى القَوْل، وَالْقَوْل لم يقتض التّكْرَار، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا مُعَارضَة فِي حَقنا - أَيْضا -، قَالَه الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمُخْتَصر ". قَوْله: ﴿فَإِن جهل﴾ . أَي: التَّارِيخ من تقدم القَوْل أَو الْفِعْل، ﴿ [فَفِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة] ﴾ الْمُتَقَدّمَة، وَهِي: الْعَمَل بالْقَوْل، أَو بِالْفِعْلِ، أَو الْوَقْف.

стр. 1506

﴿ [لَكِن اخْتَار] [ابْن الْحَاجِب و] ابْن قَاضِي الْجَبَل [وَغَيرهمَا] ﴾ . [الْعَمَل] ﴾ هُنَا ﴿بالْقَوْل﴾ . وَاسْتدلَّ لهَذَا القَوْل بِوُجُوه. أَحدهَا: أَن القَوْل أقوى دلَالَة من الْفِعْل؛ لِأَن القَوْل دلَالَته على الْوُجُوب وَغَيره بِلَا وَاسِطَة، لِأَن القَوْل وضع لذَلِك، بِخِلَاف الْفِعْل، فَإِنَّهُ لم يوضع لذَلِك. الثَّانِي: أَن الْفِعْل مَخْصُوص بالمحسوس؛ لِأَنَّهُ لَا [ينبيء] عَن الْمَعْقُول، وَالْقَوْل يدل على الْمَعْقُول والمحسوس، فَيكون أَعم فَائِدَة، فَهُوَ أولى. الثَّالِث: أَن القَوْل لم يخْتَلف فِي كَونه دَالا، وَالْفِعْل اخْتلف فِيهِ، والمتفق عَلَيْهِ أولى من الْمُخْتَلف فِيهِ. الرَّابِع: أَن الْعَمَل بِالْفِعْلِ يبطل القَوْل بِالْكُلِّيَّةِ، أما فِي حَقه ﵇: فلعدم تنَاول القَوْل لَهُ، وَأما فِي حق الْأمة: فلوجوب الْعَمَل بِالْفِعْلِ

стр. 1507

حِينَئِذٍ، وَالْعَمَل بالْقَوْل لَا يبطل الْفِعْل بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّهُ يَنْفِي الْعَمَل بِالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُول ﷺ َ - فَلَو [عَملنَا] بالْقَوْل أمكن الْجمع بَينهمَا من وَجه، وَلَو [عَملنَا] بِالْفِعْلِ لم يُمكن، وَالْجمع بَين الدَّلِيلَيْنِ وَلَو بِوَجْه أولى. وَاسْتدلَّ لوُجُوب الْعَمَل بِالْفِعْلِ: أَن الْفِعْل أقوى دلَالَة من القَوْل؛ لِأَن الْفِعْل يتَبَيَّن بِهِ القَوْل، لِأَن مثل قَوْله ﷺ َ -: " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "، و " خُذُوا عني مَنَاسِككُم "، يدل على أَن فعله فِي الصَّلَاة ومناسك الْحَج مُبين لقَوْله: " صلوا "، و " خُذُوا ". وَكَذَا خطوط الهندسة، تدل على أَن الْفِعْل مُبين لِلْقَوْلِ، فَيكون الْفِعْل أولى، وَلِهَذَا من بَالغ فِي تفهيم، أكد قَوْله بِإِشَارَة وَنَحْوهَا. أُجِيب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ فِي الْفِعْل بَيَان، لَكِن الْبَيَان بالْقَوْل أَكثر، فَهُوَ أولى. وَإِن سلم تساويهما فِي الْبَيَان، رجح جَانب القَوْل بِمَا ذكر من الْوُجُوه الْأَرْبَعَة. ﴿و﴾ قَالَ ﴿ [أَبُو الْخطاب] [فِي التَّمْهِيد] : ( [إِذا تعَارض قَوْله

стр. 1508

وَفعله﴾ من كل وَجه، فالمتأخر نَاسخ [فِيهِ وَفينَا] ، فَإِن جهل عمل بالْقَوْل﴾ ) . انْتهى. فَإِن قيل: لم لَا يُصَار إِلَى الْوَقْف هُنَا، كَمَا فِي حَقه ﷺ َ - كَمَا سبق؟ قيل: لِأَن القَوْل بالتوقف ضَعِيف هُنَا، لأَنا متعبدون بِالْعَمَلِ، والتوقف فِيهِ إبِْطَال الْعَمَل، وَنفي للتعبد بِهِ، بِخِلَاف الَّذِي قبله، وَهُوَ التَّوَقُّف فِي حق الرَّسُول، لعدم تعبدنا بِهِ. قَوْله: ﴿وَإِن عَم القَوْل، فالمتأخر نَاسخ [فِي حَقه وحقنا] ﴾ ، لوُجُوب تكْرَار الْفِعْل فِي حَقه، ولوجوب التأسي فِي حَقنا، قَالَه الْأَصْفَهَانِي وَغَيره. وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (وَالْمرَاد: إِن اقْتضى القَوْل التّكْرَار، فالفعل نَاسخ للتكرار، إِلَّا فَلَا مُعَارضَة، وَذكره بَعضهم) انْتهى. وَنحن أبرزنا المُرَاد.

стр. 1509

وَإِن تَأَخّر الْفِعْل، فاشتغل بِهِ قبل التَّمَكُّن من الْإِتْيَان بِمُقْتَضى القَوْل، نسخ [الْفِعْل القَوْل] عندنَا، إِلَّا أَن يتَنَاوَل القَوْل لَهُ ظَاهرا، فالفعل حِينَئِذٍ [مُخَصص] لِلْقَوْلِ. وَعند الْمُعْتَزلَة: لَا يتَصَوَّر هَذَا الْفِعْل إِلَّا على سَبِيل الْمعْصِيَة، كَمَا تقدم عَنْهُم. وَإِن اشْتغل بِالْفِعْلِ [بعد] التَّمَكُّن من الْإِتْيَان، فَإِن لم يقتض القَوْل التّكْرَار، فَلَا مُعَارضَة، لَا فِي حَقه، وَلَا فِي حَقنا، وَإِن اقْتضى القَوْل التّكْرَار، فالفعل نَاسخ للتكرار، قَالَه الْأَصْفَهَانِي، وَلم نذكرهُ فِي الْمَتْن، وتابعنا فِي ذَلِك ابْن مُفْلِح، وَهُوَ تَابع ابْن الْحَاجِب، وَلم يفصل، وَحكم بِأَن الْمُتَأَخر نَاسخ للمتقدم مُطلقًا، ولعلهم اكتفوا بِمَا تقدم فِي أول الْمَسْأَلَة. قَوْله: ﴿ [فَإِن] جهل فالثلاثة﴾ . أَي: إِن جهل التَّارِيخ، فَفِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة، وَهِي: الْوَقْف، أَو الْعَمَل بالْقَوْل، أَو الْفِعْل، وَقد علم الْمُرَجح من ذَلِك فِيمَا تقدم.

стр. 1510

قَوْله: ﴿وَإِن دلّ﴾ أَي: الدَّلِيل ﴿على [تكرره فِي حَقه] ، لَا [على التأسي بِهِ فِيهِ] ﴾ ، وَهَذَا الْقسم الثَّالِث. ﴿ [فَإِن كَانَ القَوْل خَاصّا بِنَا، فَلَا مُعَارضَة] ﴾ أصلا، لَا فِي حَقه، وَلَا فِي حق الْأمة، سَوَاء تقدم الْفِعْل، أَو القَوْل، لعدم تواردهما على مَحل وَاحِد، كَمَا تقدم نَظِيره. قَوْله: ﴿أَو بِهِ، أَو عَم﴾ . أَعنِي: إِذا اخْتصَّ القَوْل بِهِ فَقَط، أَو [عَم] ، فشمله وَشَمل الْأمة، ﴿فَلَا [مُعَارضَة] [فِينَا] ﴾ - أَي: فِي الْأمة - تقدم الْفِعْل، أَو تَأَخّر، لعدم تنَاول الْفِعْل لَهُم. ﴿و﴾ أما ﴿ [فِي حَقه] ﴾ ﷺ َ - ﴿ [فالمتأخر] نَاسخ﴾ ، إِن علم التَّارِيخ. قَوْله: ﴿فَإِن جهل﴾ . أَي: التَّارِيخ، فِي حَقه ﴿ [فَفِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة] ﴾ الْمُتَقَدّمَة .
следующие страницы →