Полный текст (4 267 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
صفة الْفِعْل قديمَة أَو حَادِثَة؟ فَقَالَ جمَاعَة من السّلف مِنْهُم أَبُو حنيفَة: هِيَ قديمَة. - قلت: وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَأَصْحَابه وَأكْثر السّلف، كَمَا نَقله ابْن مُفْلِح.
قَالَ -: وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم: ابْن كلاب، والأشعري: هِيَ حَادِثَة لِئَلَّا يكون الْمَخْلُوق قَدِيما.
وَأجَاب الأول: بِأَنَّهُ يُوجد فِي الْأَزَل صفة الْخلق وَلَا مَخْلُوق.
فَأجَاب الْأَشْعَرِيّ: بِأَنَّهُ لَا يكون خلق وَلَا مَخْلُوق، كَمَا لَا يكون ضَارب وَلَا مَضْرُوب.
فألزموه بحدوث صِفَاته، فَيلْزم حُلُول الحوداث بِاللَّه.
فَأجَاب: بِأَن هَذِه الصِّفَات لَا تحدث فِي الذَّات شَيْئا جَدِيدا.
فتعقب: بِأَنَّهُ يلْزم أَن لَا يُسمى فِي الْأَزَل خَالِقًا وَلَا رازقاً، وَكَلَام الله قديم، وَقد ثَبت فِيهِ أَنه الْخَالِق الرازق.
стр. 562
فانفصل بعض الأشعرية: بِأَن إِطْلَاق ذَلِك إِنَّمَا هُوَ بطرِيق الْمجَاز، وَلَيْسَ المُرَاد بِعَدَمِ التَّسْمِيَة عدمهَا بطرِيق الْحَقِيقَة.
وَلم يرتضه بَعضهم بل قَالَ وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الْأَشْعَرِيّ نَفسه -: إِن الْأَسَامِي جَارِيَة مجْرى الْأَعْلَام، وَالْعلم لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلَا مجَاز فِي اللُّغَة، وَأما فِي الشَّرْع؛ فَلفظ الْخَالِق والرازق صَادِق عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّة، والبحث إِنَّمَا هُوَ فِيهَا، لَا فِي الْحَقِيقَة / اللُّغَوِيَّة، فألزموه بتجويز إِطْلَاق اسْم الْفَاعِل على من لم يقم بِهِ الْفِعْل.
فَأجَاب: بِأَن الْإِطْلَاق هُنَا شَرْعِي لَا لغَوِيّ) انْتهى كَلَام الْحَافِظ.
وَقَالَ: (تصرف البُخَارِيّ فِي هَذَا الْموضع يَقْتَضِي مُوَافقَة القَوْل الأول، والصائر إِلَيْهِ يسلم من الْوُقُوع فِي مَسْأَلَة حوداث لَا أول لَهَا) .
وَأما الْمُعْتَزلَة فَقَالُوا: صِفَات الله الذاتية والفعلية حَادِثَة، وَلم يثبتوا لَهُ تَعَالَى صفة من الصِّفَات، بل أولُوا كل مَا ورد، فَقَالُوا: هَذِه الصِّفَات إِمَّا أَن تكون حَادِثَة، فَيلْزم قيام الْحَوَادِث بِذَاتِهِ، وخلوه فِي الْأَزَل عَن الْعلم وَالْقُدْرَة والحياة وَغَيرهَا من الكمالات، وصدورها عَنهُ بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَار، أَو بشرائط حَادِثَة لَا بداية لَهَا، وَالْكل بَاطِل بالِاتِّفَاقِ.
وَإِمَّا أَن تكون قديمَة، فَيلْزم تعدد القدماء، وَهُوَ كفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين، وَقد كفرت النَّصَارَى بِزِيَادَة قديمين، فَكيف بِالْأَكْثَرِ؟
стр. 563
هَذَا كَلَامهم؛ وَأجِيب عَن ذَلِك: بِأَنا لَا نسلم تغاير الذَّات مَعَ الصِّفَات، وَلَا الصِّفَات بَعْضهَا مَعَ الْبَعْض ليثبت التَّعَدُّد، فَإِن الغيرين هما اللَّذَان يُمكن انفكاك أَحدهمَا عَن الآخر بمَكَان أَو زمَان، أَو بِوُجُود وَعدم، أَو هما ذاتان لَيست إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى، وتفسيرهما بالشيئين أَو الْمَوْجُودين أَو الِاثْنَيْنِ فَاسد؛ لِأَن الْغَيْر من الْأَسْمَاء الإضافية، وَلَا إِشْعَار فِي هَذَا التَّفْسِير بذلك، قَالَه فِي " شرح الْمَقَاصِد ".
وَسَيَأْتِي بذلك إِلْمَام فِي شرح قَوْلنَا: (شَرط الْمُشْتَقّ صدق أَصله) .
قَوْله: ﴿وَحَال وجود الصّفة حَقِيقَة إِجْمَاعًا﴾ .
كَقَوْلِنَا: لمن يضْرب فِي تِلْكَ الْحَال: ضَارب، فَهَذَا حَقِيقَة إِجْمَاعًا، وَسَيَأْتِي مَتى تكون حَقِيقَة فِي الْكَلَام على المصادر السيالة.
لَكِن قَالَ أَبُو الْحسن البعلي الْحَنْبَلِيّ فِي كِتَابه فِي " الْأُصُول " وَهُوَ من الْمُتَأَخِّرين -: (وَالْمرَاد حَال التَّلَبُّس، لَا حَال النُّطْق، قَالَه القَاضِي أَبُو يعلى، وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب، / وَغَيرهمَا) .
стр. 564
قلت: وَفِيه نظر؛ لِأَن مَحل الْإِجْمَاع فِي كَونه حَقِيقَة حَال وجود الصّفة، وَهُوَ الضَّرْب مثلا، فَقَوله: المُرَاد حَال التَّلَبُّس لَا النُّطْق، غير سديد؛ لِأَن [حَال] النُّطْق غير دَاخل فِي الْمَسْأَلَة حَتَّى يبين المُرَاد، بل وَلَا يُوجد صفة لمُجَرّد النُّطْق، فَالصَّوَاب حذف ذَلِك، وَلِهَذَا لم أذكرهُ فِي الْمَتْن، وَلَا رَأَيْت من ذكره غَيره، وَالَّذِي يظْهر أَنه تَابع التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع " فَإِنَّهُ قَالَ: (وَمن ثمَّ كَانَ اسْم الْفَاعِل حَقِيقَة فِي الْحَال، أَي حَال التَّلَبُّس لَا النُّطْق خلافًا للقرافي) .
وَسَيَأْتِي الْكَلَام على مَسْأَلَة الْقَرَافِيّ وَالرَّدّ عَلَيْهِ قَرِيبا.
وَقد قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (مُقْتَضى عبارَة المُصَنّف: أَن الْقَرَافِيّ اعْتبر حَال النُّطْق، وَلَيْسَ ذَلِك وافياً بقوله) ، وَذكر كَلَام الْقَرَافِيّ.
قَوْله: ﴿وَبعد انْقِضَائِهَا [مجَاز عِنْد القَاضِي وَابْن عقيل وَالْحَنَفِيَّة والرازي وَأَتْبَاعه، وَعند ابْن حمدَان وَغَيره، وَحكي عَن الْأَكْثَر: حَقِيقَة: وَاخْتَارَهُ أَبُو الطّيب عقب الْفِعْل] ، وَقَالَ [القَاضِي] أَيْضا - وَأَبُو الْخطاب [وَجمع] : إِن لم يكن بَقَاء الْمَعْنى كالمصادر السيالة كَالْكَلَامِ وَنَحْوه
стр. 565
فحقيقة، وَإِلَّا فمجاز، كالقيام وَنَحْوه﴾ .
اخْتلف الْعلمَاء فِي إِطْلَاق الِاسْم الْمُشْتَقّ بعد انْقِضَاء الصّفة، هَل هُوَ حَقِيقَة أم لَا؟
فَذهب القَاضِي أَبُو يعلى من أَئِمَّة أَصْحَابنَا وَابْن عقيل، وَالْحَنَفِيَّة، والرازي، وَأَتْبَاعه: أَنه مجَاز بِاعْتِبَار مَا كَانَ، ويعبر عَنهُ بِاشْتِرَاط بَقَاء الْمُشْتَقّ مِنْهُ فِي صدق الْمُشْتَقّ حَقِيقَة، سَوَاء كَانَ الْمُشْتَقّ مِمَّا يُمكن حُصُوله بِتَمَامِهِ وَقت الْإِطْلَاق، كالقيام وَالْقعُود وَنَحْوهمَا، فَيُقَال: قَائِم وقاعد، أَو لَا يُمكن، كَمَا لَو كَانَ فِي الْأَعْرَاض السيالة كَالْكَلَامِ والتحرك، فَيُقَال: مُتَكَلم ومتحرك، مِمَّا لَا يكون وَيُوجد دفْعَة وَاحِدَة، وَإِنَّمَا يَأْتِي شَيْئا فَشَيْئًا.
فَذهب هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة إِلَى أَن إِطْلَاقه / عَلَيْهِ على سَبِيل الْمجَاز مُطلقًا،
стр. 566
وَذكره ابْن عقيل إِجْمَاعًا بَينه وَبَين الْمُعْتَزلَة، فِي أَنه لَا يعْتَبر لِلْأَمْرِ إِرَادَة.
وَذهب ابْن حمدَان وَغَيره من أَصْحَابنَا وَغَيرهم، وَحَكَاهُ بعض أَصْحَابنَا عَن أَكثر الْعلمَاء: إِلَى أَنه حَقِيقَة، وَاخْتَارَهُ القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ لَكِن عقب الْفِعْل، نَقله عَنهُ القَاضِي أَبُو يعلى، فَلَو تَأَخّر كثيرا لم يكن حَقِيقَة.
وَقَالَ أَبُو الْخطاب فِي مَسْأَلَة خيال الْمجْلس وَغَيره: إِن لم يُمكن بَقَاء الْمَعْنى كالمصادر السيالة كَالْكَلَامِ والتحرك وَنَحْوهمَا فحقيقة، لوُجُود الْفِعْل وَتعذر بَقَائِهِ، وَإِلَّا فمجاز كالضرب وَالْقِيَام وَالْقعُود وَنَحْوهَا.
قَالَ أَبُو الْخطاب: (الْفرق بَين مَا يعْدم عقب وجود مُسَمَّاهُ كَالْبيع وَالنِّكَاح والاغتسال والتوضئ فحقيقة، وَمَا يَدُوم بعد وجود الْمُسَمّى كالقيام وَالْقعُود، فَإِذا عدما فمجاز) انْتهى.
وَكَذَا قَالَ القَاضِي وَغَيره فِي التبايع: إِنَّه حَقِيقَة بعده وَإِلَّا فَلَا، فَأَما حَال التبايع فمجاز عِنْدهم.
وَقَالَهُ أَبُو الطّيب خلافًا للحنفية لعدم وجود الْفِعْل، نَقله ابْن مُفْلِح.
стр. 567
تَنْبِيه: هَذَا نقل ابْن مُفْلِح وَغَيره فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " وَغَيره: (فِيهَا ثَلَاثَة مَذَاهِب:
أَحدهَا: أَنه مجَاز وَإِنَّمَا يكون حَقِيقَة إِذا أطلق مَعَ قيام الْمُشْتَقّ مِنْهُ، ثمَّ إِن أمكن حُصُوله دفْعَة وَاحِدَة كالقيام وَالْقعُود فَلَا إِشْكَال فِيهِ، وَإِن لم يُمكن كالأعراض السيالة الَّتِي لَا يُمكن اجْتِمَاع أَجْزَائِهَا دفْعَة وَاحِدَة كَالْكَلَامِ وَنَحْوه، اكْتفي فِي كَون الْإِطْلَاق حَقِيقِيًّا بِأَن يقْتَرن ذَلِك بآخر جُزْء، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُور) انْتهى.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (الْمُشْتَقّ تَارَة مِمَّا يُمكن حُصُوله بِتَمَامِهِ وَقت الْإِطْلَاق كالقيام وَالْقعُود، وَتارَة لَا يُمكن كَمَا لَو كَانَ من الْأَعْرَاض السيالة كَالْكَلَامِ، وَإِنَّمَا الْإِطْلَاق الْحَقِيقِيّ فِي هَذَا وَنَحْوه أَن يكون / عِنْد آخر جُزْء، فَلَا يُطلق على من قَالَ: زيد قَائِم، أَنه مُتَكَلم أَو مخبر أَو مُحدث إِلَّا عِنْد نطقه بِالْمِيم من (قَائِم) ؛ لِأَن الْكَلَام اسْم لمجموع الْحُرُوف، ويستحيل اجْتِمَاع تِلْكَ الْحُرُوف فِي وَقت وَاحِد، لِأَنَّهَا أَعْرَاض سيالة، لَا يُوجد مِنْهَا حرف إِلَّا بعد انْفِصَال الآخر.
стр. 568
هَذَا مَا بَحثه فِي " الْمَحْصُول "، وَهُوَ حسن، ينزل عَلَيْهِ إِطْلَاق الْجُمْهُور، وَإِن كَانَ ظَاهر كَلَام الْهِنْدِيّ، وَوَافَقَهُ فِي " جمع الْجَوَامِع " أَن الْجُمْهُور صَرَّحُوا بذلك، وَلَيْسَ كَذَلِك) انْتهى.
قَالَ الكوراني: (قَوْلهم: الْجُمْهُور على اشْتِرَاط بَقَاء الْمُشْتَقّ مِنْهُ فِي كَون الْمُشْتَقّ حَقِيقَة، وَإِلَّا فآخر جُزْء، يشْعر بِأَن هَذَا مَذْهَب رَابِع [غير الثَّلَاثَة] ، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ بل هُوَ مَذْهَب من يشْتَرط بَقَاء الْمَعْنى) انْتهى.
وَحَاصِل ذَلِك: أَنهم حرروا مَتى يحكم بِأَنَّهُ حَقِيقَة مَعَ وجود الصّفة، وَأما بعد انْقِضَائِهَا فالأقوال الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّمَة.
احْتج الْقَائِل بالمجاز بِأَنَّهُ يَصح نَفْيه، فَيصدق: لَيْسَ بضارب فِي الْحَال، وَالسَّلب الْمُطلق جُزْء الْمُقَيد.
رد: إِن أُرِيد سلب أخص لم يصدق: لَيْسَ بضارب مُطلقًا؛ لِأَن الضَّارِب فِي الْحَال أخص مِنْهُ، وَنفي الْأَخَص لَا يسْتَلْزم نفي الْأَعَمّ؛ لِأَن نقيضه أَعم من نقيضه.
قَالُوا: لَا يُقَال: كَافِر، لكفر سبق.
رد: لمَنعه شرعا تَعْظِيمًا للصحابة وللمسلم بعدهمْ.
стр. 569
وَاحْتج الْآمِدِيّ: بِأَنَّهُ يلْزم أَن يُطلق على الْقَائِم قَاعد وَبِالْعَكْسِ، وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع.
وَلقَائِل أَن يُجيب بِالْمَنْعِ. وَاحْتج الْقَائِل بِالْحَقِيقَةِ: أَنه يَصح الْإِطْلَاق، وَالْأَصْل الْحَقِيقَة. رد: بالمستقبل فَإِنَّهُ مجَاز اتِّفَاقًا كَمَا تقدم.
ورد: إِذا كَانَ الْقَائِل من ثَبت لَهُ التَّعَلُّق لم يلْزم.
قَالُوا: صَحَّ مُؤمن وَنَحْوه لنائم وميت.
أُجِيب: مجَاز.
وَقَالَهُ القَاضِي فِي مَسْأَلَة الْإِجْمَاع.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَغَيره: (هَذَا غلط؛ لِأَن الْإِيمَان لَا يُفَارِقهُ بِالْمَوْتِ، بل هُوَ مُؤمن بعد مَوته، وَهَذِه فِي مَسْأَلَة (النُّبُوَّة لَا تَزُول بِالْمَوْتِ) ، وبسببها جرت المحنة على الأشعرية فِي زمن / ملك خُرَاسَان مَحْمُود ابْن سبكتكين، وَالْقَاضِي وَسَائِر أهل السّنة أَنْكَرُوا هَذَا عَلَيْهِم، حَتَّى صنف
стр. 570
الْبَيْهَقِيّ " حَيَاة الانبياء فِي قُبُورهم "، وَلِأَن الْآيَة دلّت على وجوب اتِّبَاع الماضين فَلَا تردد، فَإِن الْعَصْر الثَّانِي محجوجون بالعصر الأول وَإِن كَانُوا قد مَاتُوا) انْتهى.
وَمن فروع الْمَسْأَلَة: لَو قَالَ: أَنا مقرّ، فَإِن زَاد: بدعواك، وَنَحْوهَا، كَانَ إِقْرَارا، وَإِن لم يزدْ، فَفِي كَونه إِقْرَارا وَجْهَيْن لأَصْحَاب الإِمَام أَحْمد وَالصَّحِيح أَنه إِقْرَار، وَالله تَعَالَى أعلم.
﴿تَنْبِيه: يسْتَثْنى من [مَحل الْخلاف] ﴾ ثَلَاث مسَائِل: الأولى: ﴿لَو طَرَأَ على الْمحل وصف وجودي يُنَاقض الأول، فمجاز إِجْمَاعًا﴾ .
مِثَاله: تَسْمِيَة الْيَقظَان نَائِما، بِاعْتِبَار النّوم السَّابِق، فَهُوَ مجَاز قطعا، وَكَذَا تَسْمِيَة الْقَائِم قَاعِدا، وَعَكسه، بِاعْتِبَار الْقعُود وَالْقِيَام السَّابِقين،
стр. 571
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ من بَاب إِطْلَاق أحد الضدين على الآخر، هَذَا مُقْتَضى كَلَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه، وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ إِجْمَاع الْمُسلمين وَأهل اللِّسَان.
الثَّانِيَة: ﴿ [لَو] منع مَانع من [خَارج] من إِطْلَاقه، فَلَا حَقِيقَة وَلَا مجَاز﴾ .
مِثَاله: إِطْلَاق الْكَافِر على من أسلم لتضاد الوصفين، فَلَا يكون حَقِيقَة، وَلما فِيهِ من إهانة الْمُسلم والإخلال بتعظيمه، وَلذَلِك يُسمى مُؤمنا فِي حَال نَومه وَنَحْوه، إطلاقاً مُتَعَيّنا شَائِعا، وَلَا مجَاز، بل لَو قيل: إِنَّه حَقِيقَة شَرْعِيَّة، أَو مُسْتَثْنى من الْقَوَاعِد اللُّغَوِيَّة لذَلِك، لم يكن بَعيدا، وَحِينَئِذٍ فإسناد منع ذَلِك إِلَى الْمَانِع، أولى من القَوْل بِإِسْنَادِهِ إِلَى عدم الْمُقْتَضِي، لكَون الأَصْل عدم الْمُقْتَضِي وَعدم الْمَانِع، لأَنا نقُول: إِنَّمَا ذَلِك عِنْد الِاحْتِمَال، وَهنا قد تحقق وجود مَانع، وَيَأْتِي فِي الْقيَاس لنا خلاف فِي أَن الْمَانِع يَسْتَدْعِي وجود الْمُقْتَضى أَو لَا؟
стр. 572
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: قَالَ الْقَرَافِيّ: (مَحل الْخلاف إِذا كَانَ الْمُشْتَقّ مَحْكُومًا بِهِ كزيد مُشْرك أَو زَان أَو سَارِق، أما إِذا كَانَ مُتَعَلق الحكم وَهُوَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ ك ﴿اقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ [التَّوْبَة: ٥] ، ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا﴾ [النُّور: ٢] ، ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا﴾ [الْمَائِدَة: ٣٨] ، فَهُوَ حَقِيقَة مُطلقًا فِيمَن اتّصف بِهِ / فِي الْمَاضِي وَالْحَال والإستقبال، إِذْ لَو كَانَ مجَازًا لَكَانَ من أشرك أَو زنا أَو سرق بعد زمَان نزُول الْآيَة وَالْخطاب بهَا يكون مجَازًا فَلَا يدْخل فِيهَا، لِأَن الأَصْل عدم الْمجَاز، وَلَا قَائِل بذلك، أَي: وَإِذا قُلْنَا: بِاعْتِبَار الِانْقِضَاء فِي الْمَاضِي فيقيد بذلك أَيْضا وَلَا مخلص من الْإِشْكَال إِلَّا بِمَا قَرَّرْنَاهُ، لِأَن الله تَعَالَى لم يحكم فِي تِلْكَ الْآيَات بشرك أحد وَلَا بزناه وَلَا بسرقته، وَإِنَّمَا حكم بِالْقَتْلِ وَالْجَلد وَالْقطع على الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات؛ نعم هُوَ مُتَعَلق هَذِه الْأَحْكَام) انْتهى.
стр. 573
وَقد خُولِفَ فِي زَمَانه، واضطربوا فِي جَوَابه، وَإِن كَانَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمَحْصُول " قد ذكر نَحوه.
فَأجَاب بَعضهم عَن ذَلِك: بِأَن الْمجَاز وَإِن كَانَ الأَصْل عَدمه، إِلَّا أَن الْإِجْمَاع انْعَقَد على أَن المتصفين بِهَذِهِ الصِّفَات بعد وُرُود النُّصُوص يتناولهم وَتثبت تِلْكَ الْأَحْكَام فيهم.
وَلَكِن الْجَواب الصَّحِيح: أَن هُنَا شَيْئَيْنِ: إِطْلَاق اللَّفْظ وَإِرَادَة الْمَعْنى من غير تعرض لزمان، كَقَوْلِنَا: الْخمر حرَام، فَإِنَّهُ صَادِق، سَوَاء كَانَت الخمرية مَوْجُودَة أَو لَا، فإطلاق الْخمر فِي هَذِه الْحَالة حَقِيقَة، لِأَن المُرَاد بِالْحَال حَال التَّلَبُّس لَا التَّلَفُّظ، وَكَذَلِكَ نَحْو: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ [التَّوْبَة: ٥] ، و ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ [النُّور: ٢] ، ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ [الْمَائِدَة: ٣٨] ، لم يقْصد إِلَّا من اتّصف بالشرك وبالزنا، وبالسرقة وَقت تلبسه، وَذَلِكَ حَقِيقَة، وَمثله: إِطْلَاق ذَلِك بعد الِانْقِضَاء، فَإِنَّهُ لم يخرج عَن ذَلِك الَّذِي أطلق حَقِيقَة وَاسْتمرّ، وَإِنَّمَا يَقع التَّجَوُّز، عِنْد إِرَادَة الْمُتَكَلّم إِطْلَاق الْوَصْف بِاعْتِبَار مَا كَانَ عَلَيْهِ، أَو مَا يؤول إِلَيْهِ.
стр. 574
قَالَ السُّبْكِيّ: (وَإِنَّمَا سرى الْوَهم للقرافي من اعْتِقَاده أَن الْمَاضِي وَالْحَال والمستقبل بِحَسب زمَان إِطْلَاق اللَّفْظ، وَالْقَاعِدَة صَحِيحَة فِي نَفسهَا، وَلَكِن لم يفهمها حق فهمها، فالمدار على حَال التَّلَبُّس لَا حَال النُّطْق.
على أَنه قد نُوقِشَ الْقَرَافِيّ فِي مَوَاضِع مِنْهَا:
قَوْله: إِن مُتَعَلق الحكم لَيْسَ مرَادا.
يرد / عَلَيْهِ: قَوْلك: الْقَاتِل يقتل، أَو الْكَافِر يقتل، تُرِيدُ بِهِ معهوداً حَاضرا، فَإِنَّهُ لَا يكون حَقِيقَة حَتَّى يكون الْقَتْل قَائِما بِهِ من حَيْثُ الْخطاب، وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ [التَّوْبَة: ٥] ، ينْحل إِلَى الَّذين هم مشركون فهم مَحْكُوم عَلَيْهِم.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا فرق بَين أَن يكون الْمُشْتَقّ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، أَو مُتَعَلق الحكم، أَو غير ذَلِك، فالمدار على مَا قَرَّرْنَاهُ) انْتهى.
стр. 575
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿شَرط الْمُشْتَقّ صدق أَصله، خلافًا للجبائية، لإطلاقهم الْعَالم على الله، وإنكار حُصُول الْعلم لَهُ﴾ .
اعْلَم أَن شَرط الْمُشْتَقّ سَوَاء كَانَ اسْما أَو فعلا صدق أَصله، وَهُوَ الْمُشْتَقّ مِنْهُ، فَلَا يصدق ضَارب مثلا على ذَات إِلَّا إِذا صدق الضَّرْب على تِلْكَ الذَّات، وَسَوَاء كَانَ الصدْق فِي الْمَاضِي أَو فِي الْحَال أَو فِي الِاسْتِقْبَال، كَقَوْلِه تَعَالَى فِي الِاسْتِقْبَال: ﴿إِنَّك ميت﴾ [الزمر: ٣٠] ، لكنه هَل يكون حَقِيقَة أَو مجَاز؟ فِيهِ تَفْصِيل تقدم.
ولصدق شُمُول الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة قُلْنَا: صدق أَصله.
وَهَذِه المسالة ذكرهَا الأصوليون ليردوا على الْمُعْتَزلَة، فَإِنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى مَسْأَلَة خَالَفت هَذِه الْقَاعِدَة، فَإِن أَبَا عَليّ الجبائي وَابْنه أَبَا
стр. 576
هَاشم ذَهَبُوا إِلَى نفي الْعلم عَنهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الصِّفَات [الَّتِي] أثبتها أَئِمَّة الْإِسْلَام، أَي: بِكَوْنِهِ عَالما، والعالم مُشْتَقّ من الْعلم، فأطلقوا الْعَالم وَغَيره من المشتقات على الله تَعَالَى، وَمَعَ ذَلِك قَالُوا بعالمية الله تَعَالَى وأنكروا حُصُول الْمُشْتَقّ مِنْهُ، فَقَالُوا: الله عَالم بِلَا علم قَائِم بِهِ، بل بِالذَّاتِ، حَيّ بِلَا حَيَاة، قَادر بِلَا قدرَة، مُرِيد بِلَا إِرَادَة، سميع بِلَا سمع، بَصِير بِلَا بصر، مُتَكَلم بِلَا كَلَام، بَاقٍ بِلَا بَقَاء، فيثبتون العالمية والمريدية وَغَيرهمَا بِدُونِ الْعلم والإرادة.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (نعم تَحْرِير النَّقْل عَن أبي عَليّ وَابْنه كَمَا صرحا بِهِ فِي كتبهما الْأُصُولِيَّة، أَنَّهُمَا يَقُولَانِ: إِن العالمية بِعلم لَكِن علم الله عين ذَاته، لَا أَنه عَالم بِدُونِ علم كَمَا اشْتهر فِي النَّقْل عَنْهُمَا فِي كَلَام الرَّازِيّ /
стр. 577
والبيضاوي وَغَيرهمَا، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي بَقِيَّة الصِّفَات.
وَأما أهل السّنة فيعللون الْعَالم بِوُجُود علم قديم قَائِم بِذَاتِهِ، وَكَذَا فِي الْبَاقِي.
[وشبهة] الْمُعْتَزلَة: أَن هَذِه الصِّفَات إِن كَانَت حَادِثَة لزم قيام الْحَوَادِث بالقديم، أَو قديمَة لزم تعدد الْقَدِيم، وَالنَّصَارَى كفرُوا بالتثليث، فَكيف بادعاء تَسْمِيَة الذَّات وثمان صِفَات؟
وَأجَاب الرَّازِيّ وَغَيره: أَن النَّصَارَى عددوا ذَوَات قديمَة لذاتها، وَنحن نقُول: الْقَدِيم وَاحِد وَهَذِه صِفَاته، هِيَ مُمكنَة فِي نَفسهَا، وَلَكِن وَجَبت للذات لَا بِالذَّاتِ، فَلَا تعدد فِي قديم لذاته، فَلَا قديم لذاته إِلَّا الذَّات الشَّرِيفَة) انْتهى، وَتقدم هَذَا الْجَواب فِي قَوْلنَا: (وَأما صِفَات الله تَعَالَى فقديمة) .
قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (وَالْقَصْد الرَّد على الْمُعْتَزلَة فِي أَنهم لم يثبتوا للباري الصِّفَات، مَعَ اعترافهم بِثُبُوت الْأَسْمَاء لَهُ، فاشتقوا الِاسْم لمن لم يقم بِهِ
стр. 578
الْوَصْف، وهم لم يطردوا هَذَا فِي جَمِيع الْأُمُور، فغايته: أَن هَذَا لَازم لمذهبهم، وَالصَّحِيح: أَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب) انْتهى.
قَوْله: ﴿وكل اسْم معنى قَائِم بِمحل، يجب أَن يشتق لمحله مِنْهُ اسْم فَاعل، خلافًا للمعتزلة، فسموا الله تَعَالَى متكلماً بِكَلَام خلقه فِي جسم، وَلم يسموا الْجِسْم متكلماً﴾ .
وَعبارَة ابْن مُفْلِح: (الِاسْم يشتق لمحله مِنْهُ اسْم فَاعل، لَا لغيره مِنْهُ، خلافًا للمعتزلة) .
وَفرض جمَاعَة الْمَسْأَلَة: (لَا يشتق اسْم فَاعل لشَيْء، وَالْفِعْل قَائِم بِغَيْرِهِ) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي مَسْأَلَة لَهُ فِي الْكَلَام: (الْقُرْآن صفة لله تَعَالَى، كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَالرَّحْمَة وَالْغَضَب والإرادة وَالْبَصَر والسمع وَنَحْو ذَلِك، وَذَلِكَ لَا يقوم إِلَّا بموصوف، وكل معنى لَهُ اسْم وَهُوَ قَائِم بِمحل وَجب أَن
стр. 579
يشتق لمحله مِنْهُ اسْم، وَأَن لَا يشتق لغير مَحَله مِنْهُ اسْم، فَكَمَا أَن الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة إِذا قَامَ بموصوف وَجب أَن يشتق لَهُ مِنْهُ اسْم الْحَيّ والعالم والقادر، وَلَا يشتق الْحَيّ والعالم والقادر لغير من قَامَ بِهِ الْعلم وَالْقُدْرَة والحياة، فَكَذَلِك القَوْل وَالْكَلَام وَالْحب والبغض والرضى وَالرَّحْمَة / وَالْغَضَب والإرادة والمشيئة [إِذا] قَامَ بِمحل وَجب أَن يشتق لذَلِك الْمَوْصُوف مِنْهُ الِاسْم وَالْفِعْل، فَيُقَال: هُوَ الصَّادِق والشهيد [والحكيم] والودود والرحيم والآمر، وَلَا يشتق لغيره مِنْهُ اسْم) انْتهى.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: (وَهَذِه الْحجَّة من أصُول حجج السّلف وَالْأَئِمَّة فَإِنَّهُ من الْمَعْلُوم فِي فطر الْخلق: أَن الصّفة إِذا قَامَت بِمحل اتّصف بهَا ذَلِك الْمحل لَا غَيره، فَإِذا قَامَ الْعلم بِمحل كَانَ هُوَ الْعَالم بِهِ لَا غَيره، وَكَذَلِكَ إِذا قَامَت الْقُدْرَة أَو الْحَرَكَة أَو الْحَيَاة أَو غير ذَلِك من الصِّفَات كَانَ لذَلِك الْمحل، كالقدير والحي والمتحرك والمتكلم والمريد وَسَائِر الصِّفَات، وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل السّنة، وَخَالف فِي ذَلِك الْمُعْتَزلَة فسموا الله تَعَالَى متكلماً بِكَلَام خلقه فِي جسم، وَلم يسموا ذَلِك الِاسْم متكلماً) .
قَالَ أهل السّنة: لنا على ذَلِك الاستقراء، أَي: استقراء لُغَة الْعَرَب دلنا على أَن اسْم الْفَاعِل لَا يُطلق على شَيْء إِلَّا وَيكون الْمَعْنى الْمُشْتَقّ مِنْهُ قَائِما بِهِ، وَهُوَ يُفِيد الْقطع بذلك.
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: ثَبت (قَاتل) و (ضَارب) ، وهما أثران قاما بالمفعول.
стр. 580
رد: بِأَنَّهُمَا للتأثير وَهُوَ للْفَاعِل، والتأثر للْمَفْعُول.
قَالُوا: التَّأْثِير الْأَثر، وَإِلَّا فَإِن كَانَ حَادِثا افْتقر إِلَى نِسْبَة أُخْرَى وتسلسل، أَو قَدِيما فَيلْزم قدم الْأَثر وَتقدم النِّسْبَة على المنتسبين.
رد: الْعلم بِأَنَّهُ غَيره ضَرُورِيّ، ثمَّ لَا دَلِيل على وجوب الِانْتِهَاء إِلَى أثر آخر، بل إِلَى مُؤثر أول، ثمَّ يمْنَع التسلسل فِي الثَّانِي، وَتقدم النِّسْبَة فِي محلهَا مُمْتَنع دون الْمَنْسُوب إِلَيْهِ.
وَلما قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَأَصْحَابه كالمعتزلة: الْخلق: الْمَخْلُوق، أجابوا بِأَنَّهُ لَيْسَ فعلا قَائِما بِغَيْرِهِ بل ذَاته، أَو لِأَنَّهُ للتعلق الَّذِي بَين الْمَخْلُوق وَالْقُدْرَة حَال الْإِيجَاب، فَلَمَّا نسب إِلَى الله صَحَّ الِاشْتِقَاق، لقِيَامه بِالْقُدْرَةِ الْقَائِمَة بِهِ.
تَنْبِيه: قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (النزاع مُخْتَصّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة، فَإِن الْإِنْسَان لَا يُسمى أَبيض ببياض قَامَ بِغَيْرِهِ، وَلَا أسود وَلَا متحركاً / وَنَحْوه، بل النزاع مَقْصُور على هَذِه) انْتهى.
وَمِمَّا اخْتلف فِيهِ وَبني على أصل الْمَسْأَلَة: مَا قَالَه بَعضهم: (على أَنهم اتَّفقُوا على أَن إِسْمَاعِيل لَيْسَ بمذبوح، وَاخْتلفُوا فِي أَن إِبْرَاهِيم ﵊ هَل هُوَ ذابح أم لَا؟
فَقَالَ قوم: هُوَ ذابح للْقطع، وَالْولد غير مَذْبُوح للالتئام، وَأنْكرهُ قوم وَقَالُوا: ذابح وَلَا مَذْبُوح محَال) .
стр. 581
وَفِي عبارَة بَعضهم: (الِاتِّفَاق على أَن إِبْرَاهِيم ﵊ ذابح مَعَ أَنه لم يقم بِهِ فعل الذّبْح، فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من ثُبُوت مَذْبُوح تزهق روحه، وَاخْتلفُوا مَعَ ذَلِك فِي أَن إِسْمَاعِيل مَذْبُوح أم لَا) .
قَالَ الزَّرْكَشِيّ الشَّافِعِي: (والعبارة الأولى أولى من الثَّانِيَة) .
تَنْبِيه آخر: لَا يدْخل فِي مَحل النزاع مَا لم يكن لَهُ اسْم، كأنواع الروائح والآلام، بل النزاع إِذا كَانَ لَهُ اسْم، فَأهل السّنة إِنَّمَا ادعوا ذَلِك فِي المشتقات من المصادر الَّتِي هِيَ أَسمَاء الْمعَانِي لَا من الذوات وَأَسْمَاء الْأَعْيَان؛ قَرَّرَهُ الْقَرَافِيّ تبعا للرازي فِي " الْمَحْصُول ".
قَوْله: ﴿والمشتق كأبيض وَنَحْوه يدل على ذَات متصفة بالبياض، لَا على خصوصيتها﴾ .
مَفْهُوم الْأَبْيَض وَنَحْوه من المشتقات كالأسود والضارب والمضروب، يدل كل [مِنْهَا] على ذَات مَا متصفة بِتِلْكَ الصّفة، فَإِن الْأسود مثلا يدل على ذَات مَا متصفة بِالسَّوَادِ، وَلَا يدل على خُصُوص تِلْكَ الذَّات من جسم
стр. 582
وَغَيره، فَإِن علم مِنْهُ شَيْء من ذَلِك فَهُوَ على طَرِيق الِالْتِزَام لَا بِاعْتِبَار كَونه جُزْءا من مُسَمَّاهُ.
وَالَّذِي يدل على ذَلِك: أَن قَوْلنَا: إِن الْأَبْيَض جسم، مُسْتَقِيم، وَلَو دلّ الْأسود على خُصُوص الِاسْم لَكَانَ غير مُسْتَقِيم، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون مَعْنَاهُ: الْجِسْم ذُو السوَاد جسم، وَهُوَ غير مُسْتَقِيم، للُزُوم التّكْرَار بِلَا فَائِدَة.
وَمَا أحسن مَا قَرَّرَهُ بَعضهم بقوله: (الْمُشْتَقّ لَا إِشْعَار لَهُ بخصوصية الذَّات، فالأسود مثلا ذَات / لَهَا سَواد، وَلَا يدل على حَيَوَان وَلَا غَيره، وَالْحَيَوَان ذَات لَهَا حَيَاة، لَا خُصُوص إِنْسَان وَلَا غَيره.
قَالَ الْهِنْدِيّ: (لَا بالمطابقة وَلَا بالتضمن) ، وَمَفْهُومه: أَنه يدل بالالتزام، فَإِن أَرَادَ مُطلق الْجِسْم فَمُسلم، أَو نوعا معينا فَلَا) .
قَوْله: ﴿فَائِدَة: أَكثر أَصْحَابنَا، وَالْقَاضِي أخيراً، وَالْحَنَفِيَّة، وأئمة الشَّافِعِيَّة، [وَالسَّلَف: الْخلق غير الْمَخْلُوق، وَهُوَ فعل الرب تَعَالَى الْقَائِم بِهِ، مُغَاير لصفة الْقُدْرَة [وَالْقَاضِي، وَابْن عقيل، وَابْن الزاغواني، والأشعرية، وَأكْثر الْمُعْتَزلَة] : [هُوَ هُوَ] ﴾ .
стр. 583
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (ذهب هَؤُلَاءِ إِلَى أَن الله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ صفة ذاتية من أَفعاله، وَإِنَّمَا الْخلق هُوَ الْمَخْلُوق، أَو مُجَرّد نِسْبَة وَإِضَافَة، وَعند هَؤُلَاءِ حَال الذَّات الَّتِي تخلق وترزق وَلَا تخلق وَلَا ترزق سَوَاء) انْتهى.
وَقَالَ أَيْضا: (هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِن أَفعَال [الْعباد] هِيَ فعل الله، وَقد تقدم كَلَامهم قبل التَّشْبِيه) .
وَقَالَ أَيْضا: (وَيَقُولُونَ: الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول، وَقد جعلُوا أَفعَال الْعباد فعلا لله، وَالْفِعْل عِنْدهم الْمَفْعُول، فَامْتنعَ مَعَ هَذَا أَن يكون فعلا للْعَبد، لِئَلَّا يكون فعل وَاحِد لَهُ فاعلان) انْتهى.
وَعند أَكثر أَصْحَابنَا، وَالْقَاضِي أخيراً، وَالْحَنَفِيَّة، وأئمة الشَّافِعِيَّة، وَأهل الْأَثر: أَنه غَيره، بل هُوَ قدر زَائِد مَعَ قدمه، مُغَاير لصفة الْقُدْرَة.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (الْخلق فعل الله تَعَالَى الْقَائِم بِهِ، والمخلوق هُوَ الْمَخْلُوقَات الْمُنْفَصِلَة عَنهُ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَن أهل السّنة، وَنَقله
стр. 584
البُخَارِيّ عَن الْعلمَاء مُطلقًا فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاء السّلف: إِن خلق الرب للْعَالم لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوق، بل فعله الْقَائِم بِهِ غير مَخْلُوق) انْتهى.
ذكره فِي كتاب خلق أَفعَال الْعباد، وَهُوَ قَول الكرامية، وَكثير من الْمُعْتَزلَة.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الرَّد على الرافضي فِي الْجُزْء الثَّالِث: (وَأما جُمْهُور أهل السّنة المتبعون للسلف وَالْأَئِمَّة [فَيَقُولُونَ] : إِن فعل العَبْد فعل لَهُ حَقِيقَة، وَلكنه مَخْلُوق ومفعول لله، لَا يَقُولُونَ: هُوَ نفس فعل الله، ويفرقون بَين الْخلق والمخلوق، وَالْفِعْل / وَالْمَفْعُول، وَهَذَا الْفرق حَكَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب " خلق أَفعَال الْعباد " عَن الْعلمَاء قاطبة، وَهُوَ الَّذِي ذكره غَيره من السّلف وَالْأَئِمَّة، وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة، والمالكية، وَالشَّافِعِيَّة، والحنبلية، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَن أهل السّنة قاطبة، وَحَكَاهُ الكلاباذي صَاحب " التعرف لمَذْهَب التصوف " عَن جَمِيع الصُّوفِيَّة، وَهُوَ قَول أَكثر طوائف الْكَلَام من الهشامية، وَكثير من الْمُعْتَزلَة، والكرامية، وَهُوَ قَول
стр. 585
الْكلابِيَّة أَيْضا أَئِمَّة الأشعرية فِيمَا ذكره أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ وَغَيره على قَول الكرامية: (وأثبتوا لله تَعَالَى فعلا قَائِما بِذَاتِهِ غير الْمَفْعُول، كَمَا أثبتوا لَهُ إِرَادَة قديمَة قَائِمَة بِذَاتِهِ) انْتهى.
وَحَكَاهُ فِي مَوْضُوع آخر: (عَن طوائف من المرجئة والشيعة، وسمى من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد: أَبُو بكر عبد الْعَزِيز، وَابْن شاقلا، وَابْن حَامِد، وَالْقَاضِي فِي آخر قوليه) انْتهى.
وَقَالَ أَيْضا: (الرب لَا يُوصف بِمَا هُوَ مَخْلُوق لَهُ، وَإِنَّمَا يُوصف بِمَا هُوَ قَائِم بِهِ) انْتهى.
стр. 586
قَوْله ﴿فصل﴾
﴿أَكثر أَصْحَابنَا، وَابْن سُرَيج، والشيرازي، والرازي، وَغَيرهم: [تثبت اللُّغَة قِيَاسا، فِيمَا وضع لِمَعْنى دَار مَعَه وجودا وعدماً، كخمر لنبيذ وَنَحْوه] ، [والسمعاني: فِي الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة، ونفاه أَبُو الْخطاب، والصيرفي، والباقلاني، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالْغَزالِيّ، والآمدي، وَأكْثر الْحَنَفِيَّة، وَغَيرهم، وللنحاة قَولَانِ: اجْتِهَادًا فَلَا حجَّة، وَقيل: لم يَقع، وَالْإِجْمَاع على مَنعه فِي علم ولقب وَصفَة، قَالَه ابْن عقيل وَغَيره، وَكَذَا مثل: إِنْسَان وَرجل، وَرفع فَاعل﴾ .
стр. 587
اخْتلف الْعلمَاء: هَل تثبت اللُّغَة قِيَاسا، أم لَا، أَو فِيهِ تَفْصِيل؟ على أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنَّهَا تثبت قِيَاسا فِيمَا وضع لمسمى مُسْتَلْزم لِمَعْنى فِي مَحَله وجودا وعدماً، كَالْخمرِ للنبيذ لتخمير الْعقل، وَالسَّارِق للنباش للأخذ خُفْيَة، وَالزَّانِي للائط للْوَطْء الْمحرم.
قَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَلَيْسَ الْخلاف فِي نَحْو: رجل وَرفع الْفَاعِل، أَي: لَا يُسمى مسكون عَنهُ، إِلْحَاقًا بِتَسْمِيَة الْمعِين لِمَعْنى يستلزمه وجودا وعدماً، كَالْخمرِ للنبيذ وَنَحْوه [إِلَّا] بِنَقْل أَو استقراء لتعميم) .
وَذكر فِي " جمع الْجَوَامِع ": أَن لفظ الْقيَاس يُغني عَن ذَلِك، أَي: فَإِن اطراد ذَلِك فِي كل مَا أسْند إِلَيْهِ فعل قد علم بِالنَّصِّ، فَلَا يحْتَاج [فِيهِ] لقياس.
стр. 588
فالسبكي نبه على ذَلِك، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَلهَذَا تركت ذَلِك وأتيت بِالْمَقْصُودِ. إِذا / علم ذَلِك؛ فَالصَّحِيح: أَن اللُّغَة تثبت قِيَاسا وَعَلِيهِ أَكثر أَصْحَابنَا، وَابْن سُرَيج، وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَالْفَخْر الرَّازِيّ، وَغَيرهم، وَنَقله الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور عَن نَص الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الشُّفْعَة: (إِن الشَّرِيك جَار، قِيَاسا على تَسْمِيَة امْرَأَة الرجل جَارة) وَكَذَا قَالَ ابْن فورك: إِنَّه الظَّاهِر من مَذْهَب الشَّافِعِي، إِنَّه
стр. 589
قَالَ: (الشَّرِيك جَار) .
وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا تثبت قِيَاسا مُطلقًا، اخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب، والصيرفي، وَأَبُو بكر الباقلاني فِي " التَّقْرِيب "، وَمَا نَقله ابْن الْحَاجِب عَنهُ من الْجَوَاز مَرْدُود، وَابْن الْقطَّان، وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزالِيّ، والآمدي، وَابْن الْحَاجِب، وَأكْثر الْحَنَفِيَّة،
стр. 590
وَغَيرهم، وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ عَن [مُعظم أَكثر] أَصْحَابهم، وَحَكَاهُ القَاضِي أَبُو يعلى عَن أَكثر الْمُتَكَلِّمين، وللنحاة قَولَانِ: اجْتِهَادًا فَلَا حجَّة، أَي: فَلَا يحسن أَن يُقَال: قَول من أثبت مقدم على من نفى.
قَالَ الْمبرد وَغَيره: (مَا قيس على كَلَامهم فَمن كَلَامهم) .
وَقَالَ الْأَخْفَش وَغَيره: (الْأَسْمَاء تُؤْخَذ توقيفاً) .
стр. 591
وَفِي " الخصائص " لِابْنِ جني: (أَن الْجَوَاز قَول أَكثر عُلَمَاء الْعَرَبيَّة كالمازني، وَأبي عَليّ الْفَارِسِي) .
وَحكى ابْن فَارس فِي فقه الْعَرَبيَّة إِجْمَاع أهل اللُّغَة عَلَيْهِ.
وَاخْتَارَهُ ابْن درسْتوَيْه.
وَالْقَوْل الثَّالِث: تثبت فِي الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة دون غَيرهَا، اخْتَارَهُ ابْن السَّمْعَانِيّ، فَقَالَ بعد أَن ذكر أَدِلَّة المانعين: (وَهَذِه الْأَدِلَّة قَوِيَّة جدا، وَالْأولَى أَن نقُول: يجوز إِثْبَات الْأَسَامِي شرعا، وَلَا يجوز لُغَة، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن سُرَيج.
وَالدَّلِيل: أَنا نعلم أَن الشَّرِيعَة إِنَّمَا سمت الصَّلَاة صَلَاة لصفة مَتى انْتَفَت عَنْهَا لم تسم صَلَاة، فَنعم أَن مَا شاركها فِي تِلْكَ الصّفة يكون صَلَاة، فَبَان بِهَذَا ثُبُوت الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة بالعلل) انْتهى.
فَابْن السَّمْعَانِيّ نقل ثُبُوتهَا فِي الشَّرْعِيَّة عَن ابْن سُرَيج، وَنقل الْبرمَاوِيّ عَنهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَتْن، فَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ.
стр. 592
وَفِي الْمَسْأَلَة قَول رَابِع: لِأَنَّهُ يجوز ثُبُوتهَا وَلم يَقع، حَكَاهُ ابْن فورك.
وَقَول خَامِس: ثُبُوتهَا فِي الْحَقِيقَة دون الْمجَاز، وَإِنَّمَا لم نذكرهُ هُنَا؛ أَنه قد تقدم: أَن الْمجَاز / لَا يُقَاس عَلَيْهِ [عِنْد] الْأَكْثَر، وَحكي إِجْمَاعًا، وحكينا قولا بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكرُوهُ هُنَا فِيمَا يظْهر، وعللوه: بِأَن الْمجَاز أنقص رُتْبَة من الْحَقِيقَة فتميز عَلَيْهِ.
وَهَذَا مخرج من كَلَام القَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي، لَكِن يبقي ظَاهر الأول: أَن الْمُقدم أَنَّهَا تثبت فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَقد نقلنا هُنَاكَ: (أَن الصَّحِيح: أَنه لَا يُقَاس على الْمجَاز، وَحكي إِجْمَاعًا) .
وَقَول سادس حَكَاهُ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور من إِجْمَاع أَصْحَابهم: أَن أَسمَاء الله لَا يجوز [إِطْلَاق] شَيْء مِنْهَا بِالْقِيَاسِ، وَيَأْتِي حكم هَذِه الْمَسْأَلَة وَهَذَا القَوْل، وَهِي أَن أَسمَاء الله هَل هِيَ توقيفية أَو تثبت بِالْقِيَاسِ؟ قبيل الْأَحْكَام.
стр. 593
احْتج الْمُثبت: أَن الْمُعْتَمد فِي ذَلِك فهم الْجَامِع كالتخمير فِي النَّبِيذ كالشرعي، فَيصح حَيْثُ فهم.
قَالُوا: إِن نصوا على أَن الْجَامِع التخمير فالنبيذ خمر بِالْوَضْعِ، وَإِلَّا فإلحاق مَا لَيْسَ من لغتهم بهَا.
قُلْنَا: لَيْسَ النَّص من شَرط الْجَامِع، بل ثَبت بالاستقراء.
وَاحْتج النَّافِي: بِأَنَّهُ مَا من شَيْء إِلَّا وَله اسْم فِي اللُّغَة وَلَو بطرِيق الشُّمُول لَهُ وَلغيره، فَلَا يثبت لَهُ آخر قِيَاسا كَمَا فِي الْأَحْكَام، لَا يكون للشَّيْء حكم بِالنَّصِّ وَحكم آخر بِالْقِيَاسِ مُخَالف لَهُ.
وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم أَن يكون كل معنى لَهُ لفظ يدل عَلَيْهِ، بل كل معنى مُحْتَاج إِلَى لفظ، وَهَذَا يُوجد بطرِيق الْعُمُوم.
وَاحْتج أَيْضا النَّافِي " بِأَن الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُشْتَقّ حَتَّى يكون مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاق هُوَ الْعلَّة، وَالْعرب قد لَا تطرد الِاشْتِقَاق كَمَا سبق.
أُجِيب: بِأَنَّهُ قد تكون الْعلَّة غير مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاق، بل تناسب الِاسْم كَمَا فِي تَسْمِيَة اللائط زَانيا، فَإِن الْعلَّة لَيست مِمَّا اشتق مِنْهُ لفظ الزَّانِي وَهُوَ الزِّنَا، وَنَحْو ذَلِك.
وَأَيْضًا: التَّجَوُّز إِذا قدر بِأَنَّهُ فِي الْمصدر كاللواط وكالنبش، فَأَيْنَ الِاشْتِقَاق على القَوْل الْمُرَجح: أَن الْمصدر أصل الْفِعْل وَالْوَصْف؟
стр. 594
وَاحْتج النَّافِي أَيْضا كَمَا تقدم: إِن كَانَ وضع كَالْخمرِ لكل / مُسكر فالتعميم باللغة، أَو لعصير الْعِنَب فَقَط فَلَا تَعْمِيم، أَو لم ينْقل فِيهِ شَيْء فَلَا لُغَة بِالِاحْتِمَالِ.
واستدله بقول: ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٣١] .
رد: بَعْضهَا نصا وَبَعضهَا استنباطاً، ثمَّ هُوَ نصا وَنحن قِيَاسا،
وَلَا يمْتَنع ثبوتهما مَعَ اخْتِلَافهمَا للشَّيْء.
قَالُوا: كَونه دَلِيلا أظهر، لدوران [الِاسْم مَعَ الْوَصْف] .
رد: بِأَنَّهُ دَار - أَيْضا - ً مَعَ كَونه من عِنَب، وَمَال حَيّ، وقبلا، ومنقوض بقَوْلهمْ للطويل: نَخْلَة، وللفرس الْأسود: أدهم، وَنَحْوهمَا وَلم يطرد.
رد: بِأَنَّهُم جعلُوا الْعلَّة ذَات وصفين: الْجِنْس وَالصّفة.
رد: بِمثلِهِ فِي كل مَحل.
قَالُوا: ثَبت شرعا للمعنى، فَهَذَا مثله.
رد: للْإِجْمَاع وَلَا إِجْمَاع هُنَا، أَو لدَلِيل شَرْعِي أَو عَقْلِي.
قَالُوا: (فاعتبروا) .
رد: لَيْسَ بعام، وَهُوَ مَحل النزاع، ثمَّ مَحل النزاع غير مُرَاد.
стр. 595
فَائِدَة: تظهر فَائِدَة الْخلاف: أَن الْمُثبت للْقِيَاس فِي اللُّغَة يَسْتَغْنِي عَن الْقيَاس الشَّرْعِيّ، فإيجاب الْحَد على شَارِب النَّبِيذ، وَالْقطع على النباش، بِالنَّصِّ.
وَمن أنكر الْقيَاس فِي اللُّغَة جعل ثُبُوت ذَلِك بِالشَّرْعِ.
قَوْله: (وَالْإِجْمَاع على مَنعه فِي علم ولقب وَصفَة، قَالَه ابْن عقيل وَغَيره) .
لَا شكّ أَن مَحل الْخلاف: إِذا اشْتَمَل الِاسْم على وصف، واعتقدنا أَن التَّسْمِيَة لذَلِك الْوَصْف، فَهَل يجوز تَعديَة الِاسْم إِلَى مَحل آخر مسكوت عَنهُ؟ كَالْخمرِ إِذا اعتقدنا أَن تَسْمِيَتهَا بذلك بِاعْتِبَار تخمير الْعقل، فعديناه إِلَى النَّبِيذ وَنَحْوه.
وَأما الْأَعْلَام فَلَا يجْرِي فِيهَا الْقيَاس اتِّفَاقًا، لِأَنَّهَا غير معقولة الْمَعْنى؛ وَالْقِيَاس فرع الْمَعْنى، وَكَذَلِكَ الصِّفَات كاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَنَحْوهمَا، لِأَنَّهُ لابد للْقِيَاس من أصل، وَهُوَ غير مُتَحَقق فِيهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ جعل الْبَعْض فرعا بِأولى من الْعَكْس، واضطرادها فِي محالها مُسْتَفَاد من الْوَضع، لوضعهم الْقَائِم - مثلا - ً لكل من قَامَ.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (الْإِجْمَاع على مَنعه فِي الْأَعْلَام والألقاب، وَذكره جمَاعَة مِنْهُم ابْن عقيل، لوضعهما لغير معنى جَامع،
стр. 596
وَالْقِيَاس فَرعه، وَمثل هَذَا: (سِيبَوَيْهٍ زَمَانه) ، مجَاز عَن حَافظ كِتَابه، وَالْإِجْمَاع على مَنعه / فِي الصِّفَات، لِأَن الْعَالم من قَامَ بِهِ الْعلم، فَيجب طرده، فإطلاقه بِوَضْع اللُّغَة، وَكَذَا مثل: (إِنْسَان) ، و (رجل) و (رفع الْفَاعِل) فَلَا وَجه لجعله دَلِيلا من أَصْحَابنَا وَغَيرهم) انْتهى، وَتقدم كَلَام ابْن الْحَاجِب.
стр. 597
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿الْحُرُوف﴾ .
قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (قد قَالَ النُّحَاة: إِن الْحَرْف لَا يسْتَقلّ بِالْمَعْنَى، وَعَلِيهِ إِشْكَال، فنقرر المُرَاد أَولا، وَالْإِشَارَة إِلَى الْإِشْكَال ثَانِيًا، وحله ثَالِثا.
أما تَقْرِيره: فَهُوَ أَن نَحْو: " من " و " إِلَى "، مَشْرُوط فِي وَضعهَا دَالَّة على مَعْنَاهَا الإفرادي، وَهُوَ الِابْتِدَاء والانتهاء ذكر متعلقها من دَار أَو سوق أَو غَيرهمَا مِمَّا يدْخل عَلَيْهِ الْحَرْف وَمِنْه الِابْتِدَاء وَإِلَيْهِ الإنتهاء، وَالِاسْم نَحْو: الِابْتِدَاء والانتهاء، وَالْفِعْل نَحْو: ابْتَدَأَ وانْتهى، غير مَشْرُوط فِيهِ ذَلِك.
وَأما الْإِشْكَال: فَهُوَ أَن نَحْو: " ذُو " و " أولو " و " أولات " و " قيد " و " [قيس] " و " قاب " و " أَي " و " بعض " و " كل " و " فَوق " و " تَحت " و " أَمَام " و " قُدَّام " و " خلف " و " وَرَاء " مِمَّا لَا يُحْصى، كَذَلِك إِذْ لم يجوز الْوَاضِع اسْتِعْمَالهَا إِلَّا بمتعلقاتها، فَكَانَ يجب كَونهَا حروفاً، وَإِنَّهَا أَسمَاء.
стр. 598
وَأما الْحل: فَهُوَ أَنَّهَا وَإِن لم يتَّفق اسْتِعْمَالهَا إِلَّا كَذَلِك لأمر مَا عرض، فَغير مَشْرُوط فِي وَضعهَا دَالَّة ذَلِك، لما علم أَن " ذُو " بِمَعْنى صَاحب، وَيفهم مِنْهُ عِنْد الْإِفْرَاد ذَلِك، لَكِن وَضعه لَهُ لغَرَض مَا، وَهُوَ التواصل بِهِ إِلَى الْوَصْف بأسماء الْأَجْنَاس فِي نَحْو: زيد ذُو مَال، وَذُو فرس، فَوَضعه ليتوصل بِهِ إِلَى ذَلِك، هُوَ الَّذِي اقْتضى ذكر الْمُضَاف إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَو ذكر دونه لم يدل على مَعْنَاهُ.
نعم لم يحصل الْغَرَض من وَضعه، وَالْفرق بَين عدم فهم الْمَعْنى، وَبَين عدم فَائِدَة الْوَضع مَعَ فهم الْمَعْنى ظَاهر.
وَكَذَلِكَ " فَوق "، وضع لمَكَان لَهُ علو، وَيفهم مِنْهُ عِنْد الِانْفِرَاد ذَلِك، لَكِن وَضعه لَهُ ليتوصل إِلَى علو خَاص اقْتضى ذكر الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ بَاقِي الْأَلْفَاظ.
وَإِذ قد تحقق ذَلِك؛ فَنَقُول: الْحَرْف مَا وضع بِاعْتِبَار معنى عَام، وَهُوَ نوع من النِّسْبَة: كالابتداء والانتهاء، لكل ابْتِدَاء وانتهاء معِين بِخُصُوصِهِ.
وَالنِّسْبَة لَا تتَعَيَّن إِلَّا بالمنسوب إِلَيْهِ، فالابتداء الَّذِي لِلْبَصْرَةِ يتَعَيَّن بِالْبَصْرَةِ، والانتهاء الَّذِي للكوفة يتَعَيَّن بِالْكُوفَةِ، فَمَا لم يذكر مُتَعَلّقه لَا يتَحَصَّل فَرد من ذَلِك النَّوْع [الَّذِي] هُوَ مَدْلُول الْحَرْف لَا فِي الْعقل وَلَا فِي الْخَارِج، وَإِنَّمَا يتَحَصَّل بالمنسوب إِلَيْهِ، فيتعقل بتعقله، بِخِلَاف مَا وضع للنوع بِعَيْنِه: كالابتداء والانتهاء، وَبِخِلَاف مَا وضع لذات مَا بِاعْتِبَار نِسْبَة نَحْو: " ذُو " و " فَوق "، و " على " و " عَن " و " الْكَاف " إِذا أُرِيد بهَا علو وَتجَاوز وَشبه مُطلقًا، فَهُوَ كالابتداء والانتهاء) انْتهى.
стр. 599
تَنْبِيه: المُرَاد بالحروف هُنَا: مَا يحْتَاج الْفَقِيه إِلَى مَعْرفَتهَا، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا قسيم الِاسْم وَالْفِعْل والحرف بِخُصُوصِهِ، لِأَنَّهُ قد ذكر مَعهَا أَسمَاء ك " إِذا " و " إِذْ "، وَأطلق عَلَيْهَا حروفاً تَغْلِيبًا بِاعْتِبَار الْأَكْثَر، وَقَالَ الصفار: (الْحَرْف يُطلقهُ سِيبَوَيْهٍ على الِاسْم وَالْفِعْل) .
قَوْله: ﴿الْوَاو العاطفة لمُطلق الْجمع﴾ .
أَي: للقدر الْمُشْتَرك بَين التَّرْتِيب والمعية، ﴿عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم﴾ ، وَعَلِيهِ أَكثر النُّحَاة، وَذكره الْفَارِسِي، والسيرافي،
стр. 600
والسهيلي، إِجْمَاع نحاة الْبَصْرَة والكوفة.
فَلَا تدل على تَرْتِيب وَلَا معية، وَهِي تَارَة تعطف الشَّيْء على مصاحبه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فأنجيناه وَأَصْحَاب السَّفِينَة﴾ [العنكبوت: ١٥] ، وعَلى سابقه: ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا وَإِبْرَاهِيم﴾ [الْحَدِيد: ٢٦] وعَلى لاحقه: ﴿كَذَلِك يُوحى إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك﴾ [الشورى: ٣] ، وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا من النبين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ [الْأَحْزَاب: ٧] .
وعَلى هَذَا إِذا قيل: قَامَ زيد وَعَمْرو، احْتمل ثَلَاثَة معَان: الْمَعِيَّة، وَالتَّرْتِيب، وَعَدَمه.
قَالَ ابْن مَالك: (وَكَونهَا للمعية رَاجِح، وللترتيب كثير، ولعكسه قَلِيل) .
وَيجوز أَن يكون [بَين] متعاطفيها تفَاوت أَو تراخ، نَحْو: ﴿إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ [الْقَصَص: ٧] .
следующие страницы →