Полный текст (4 267 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَمنعه كثير من الْعلمَاء، وَعَلِيهِ أَبُو حنيفَة، وَأَصْحَابه.
قَالَ فِي " شرح الْمَقَاصِد ": (وَعَلِيهِ الْأَكْثَر؛ لِأَن التَّصْدِيق أَمر مَعْلُوم لَا يتَرَدَّد فِيهِ عِنْد تحَققه، وَمن تردد فِي تحَققه لم يكن مُؤمنا قطعا، وَإِذا لم يكن الشَّك والتردد فَالْأولى أَن يتْرك، بل يَقُول: أَنا مُؤمن حقاًدفعا للإيهام. قَالَ ابْن حمدَان: (وَلَا يكفر من قَالَ: أَنا مُؤمن حَقًا، نَص عَلَيْهِ أَحْمد) .
وَقيل: يكره قَوْله ذَلِك.
وللقائلين بِالْأولِ وُجُوه.
الأول: أَنه للتبرك / بِذكر الله تَعَالَى، والتأدب بإحالة الْأُمُور إِلَى مَشِيئَة الله تَعَالَى، والتبري من تَزْكِيَة النَّفس والإعجاب بِحَالِهَا، والتردد فِي الْعَاقِبَة والمآل، وَهَذَا يُفِيد مُجَرّد الصِّحَّة، لَا إِيثَار قَوْلهم: أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله على أَنا مُؤمن حَقًا، وَلَا يدْفع مَا ذكر من دفع الْإِيهَام، وَلَا يبين وَجه اخْتِصَاص التأدب والتبرك بِالْإِيمَان دون غَيره من الطَّاعَات.
الْوَجْه الثَّانِي: أَن التَّصْدِيق الإيماني المنوط بِهِ النجَاة أَمر قلبِي خَفِي، لَهُ معارضات خُفْيَة كَثِيرَة من الْهوى والشيطان والخذلان، فالمرء وَإِن كَانَ
стр. 527
جَازِمًا بحصوله، لَكِن لَا يُؤمن أَن يشوبه شَيْء من منافيات النجَاة، وَلَا سِيمَا عِنْد تفاصيل الْأَوَامِر والنواهي الصعبة، الْمُخَالفَة للهوى والمستلذات، من غير علم لَهُ بذلك، فَلذَلِك يُفَوض حُصُوله إِلَى مَشِيئَة الله.
وَهَذَا قريب، لَوْلَا مُخَالفَته لما يَدعِيهِ الْقَوْم من الْإِجْمَاع، قَالَه فِي " شرح الْمَقَاصِد ".
الْوَجْه الثَّالِث: - مَا قَالَه إِمَام الْحَرَمَيْنِ -: (أَن الْإِيمَان ثَابت فِي الْحَال قطعا من غير شكّ فِيهِ، لَكِن الْإِيمَان الَّذِي هُوَ علم الْفَوْز وَآيَة النجَاة: إِيمَان الموافاة، فاعتنى السّلف بِهِ وقرنوه بِالْمَشِيئَةِ، وَلم يقصدوا الشَّك فِي الْإِيمَان الناجز) .
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: (النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أَقْوَال، طرفان ووسط: مِنْهُم من يُوجِبهُ، وَمِنْهُم من يحرمه، وَمِنْهُم من يُجِيزهُ بِاعْتِبَار ويمنعه بِاعْتِبَار، وَهَذَا أصح الْأَقْوَال.
أما من يُوجِبهُ فَلهم مأخذان:
أَحدهمَا: أَن الْإِيمَان هُوَ مَا مَاتَ عَلَيْهِ الْإِنْسَان، وَالْإِنْسَان إِنَّمَا يكون عِنْد الله مُؤمنا أَو كَافِرًا بِاعْتِبَار الموافاة، وَمَا سبق فِي علم الله أَن يكون عَلَيْهِ، وَمَا قبل ذَلِك لَا عِبْرَة بِهِ، وَالْإِيمَان الَّذِي يتعقبه الْكفْر فَيَمُوت صَاحبه كَافِرًا لَيْسَ بِالْإِيمَان، كَالصَّلَاةِ الَّتِي أفسدها صَاحبهَا قبل الْكَمَال، وَالصِّيَام الَّذِي يفْطر صَاحبه قبل الْغُرُوب، وَهَذَا مَأْخَذ كثير من الْكلابِيَّة وَغَيرهم، وَعند
стр. 528
هَؤُلَاءِ أَن الله يحب فِي الْأَزَل من كَانَ كَافِرًا إِذا علم مِنْهُ أَن يَمُوت مُؤمنا، فالصحابة / مازالوا محبوبين قبل إسْلَامهمْ، وإبليس وَمن ارْتَدَّ عَن دينه مَا زَالَ الله يبغضه وَإِن كَانَ لم يكفر بعد.
[ورد] ذَلِك: بِأَن هَذَا لَيْسَ مُرَاد السّلف فِي الِاسْتِثْنَاء.
ثمَّ صَار إِلَى هَذَا طَائِفَة غلوا فِيهِ، حَتَّى صَار الرجل مِنْهُم يَسْتَثْنِي فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة يَقُول: صليت إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَنَحْوه، يَعْنِي: الْقبُول، ثمَّ صَار كثير يستثنون فِي كل شَيْء، فَيَقُول أحدهم: هَذَا ثوب إِن شَاءَ الله تَعَالَى، هَذَا حَبل إِن شَاءَ الله، فَإِذا قيل لَهُم: هَذَا لَا شكّ فِيهِ، يَقُولُونَ: نعم، لَكِن إِذا شَاءَ الله أَن يُغَيِّرهُ غَيره.
المأخذ الثَّانِي: أَن الْإِيمَان الْمُطلق يتَضَمَّن فعل مَا أَمر الله بِهِ عَبده كُله، وَترك مَا نَهَاهُ عَنهُ كُله، فَإِذا قَالَ الرجل: أَنا مُؤمن بِهَذَا الإعتبار فقد شهد لنَفسِهِ أَنه من الْأَبْرَار الْمُتَّقِينَ، القائمين بِجَمِيعِ مَا أَمر بِهِ وَترك مَا نهى الله عَنهُ، فَيكون من أَوْلِيَاء الله المقربين، وَهَذَا من تَزْكِيَة الْإِنْسَان لنَفسِهِ وَلَو كَانَت هَذِه الشَّهَادَة صَحِيحَة؛ لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يشْهد لنَفسِهِ بِالْجنَّةِ إِن مَاتَ على هَذَا الْحَال، وَهَذَا مَأْخَذ عَامَّة السّلف الَّذين كَانُوا يستثنون، وَإِن جوزوا ترك الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى آخر.
ويحتجون أَيْضا -: بِجَوَاز الِاسْتِثْنَاء فِيمَا لَا شكّ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله﴾ [الْفَتْح: ٢٧] ، وَقَالَ ﷺ َ - حِين وقف على الْمَقَابِر: " وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ".
стр. 529
وَأما من يحرمه فَكل من جعل الْإِيمَان شَيْئا وَاحِدًا، فَيَقُول: أَنا أعلم أَنِّي مُؤمن، كَمَا أعلم أَنِّي تَكَلَّمت بِالشَّهَادَتَيْنِ، [فَقولِي: أَنا مُؤمن] [كَقَوْلي] : أَنا مُسلم، فَمن اسْتثْنى فِي إيمَانه فَهُوَ شَاك، فِيهِ، وَسموا الذيت يستثنون فِي إِيمَانهم: الشكاكة.
وَأَجَابُوا عَن الِاسْتِثْنَاء الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ [الْفَتْح: ٢٧] ، بِأَنَّهُ يعود إِلَى الْأَمْن وَالْخَوْف، فَأَما الدُّخُول فَلَا شكّ فِيهِ، وَقيل: لتدخلن جميعكم أَو بَعْضكُم؛ لِأَنَّهُ علم أَنه يَمُوت بَعضهم.
وَفِي الْجَواب نظر: فَإِنَّهُم وَقَعُوا فِيمَا فروا مِنْهُ، فَأَما الْأَمْن وَالْخَوْف فقد أخبر أَنهم يدْخلُونَ آمِنين، مَعَ علمه بذلك، فَلَا شكّ فِي الدُّخُول، وَلَا فِي الْأَمْن، وَلَا فِي دُخُول الْجَمِيع أَو الْبَعْض، فَإِن الله تَعَالَى قد علم من يدْخل، فَلَا شكّ فِيهِ أَيْضا، فَكَانَ قَول (إِن شَاءَ الله) هُنَا / تَحْقِيقا للدخول، كَمَا
стр. 530
يَقُول الرجل فِيمَا عزم على أَن يَفْعَله لَا محَالة: وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِن شَاءَ الله، لَا يَقُولهَا لشك فِي إِرَادَته وعزمه.
وَأجِيب بِجَوَاب آخر لَا بَأْس بِهِ وَهُوَ: أَنه قَالَ ذَلِك تَعْلِيما لنا كَيفَ نستثني إِذا أخبرنَا عَن مُسْتَقْبل، وَكَون هَذَا مرَادا من النَّص فِيهِ نظر.
وَأما من يجوز الِاسْتِثْنَاء وَتَركه باعتبارين، فَهُوَ أسعد بِالدَّلِيلِ من الْفَرِيقَيْنِ.
فَإِنَّهُ يَقُول: إِن أَرَادَ المستثني الشَّك فِي أصل إيمَانه منع من الِاسْتِثْنَاء، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَإِن أَرَادَ أَنه مُؤمن من الْمُؤمنِينَ الَّذين وَصفهم الله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ [الْأَنْفَال: ٢ - ٤] ، وَفِي قَوْله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥] ، فالاستثناء حِينَئِذٍ جَائِز، وَكَذَلِكَ من اسْتثْنى وَأَرَادَ عدم علمه بالعاقبة، وَكَذَلِكَ من اسْتثْنى تَعْلِيقا لِلْأَمْرِ بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، لَا شكا فِي إيمَانه) انْتهى.
قَالَ: وَهَذَا غَايَة مَا يكون من التَّحْقِيق.
تَنْبِيه: لَا يجوز الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِسْلَام، فَيَقُول: أَنا مُسلم إِن شَاءَ الله
стр. 531
تَعَالَى، بل يجْزم بِهِ؛ قَالَه ابْن حمدَان فِي " نِهَايَة الْمُبْتَدِئ ".
قَالَ: (وَقيل: يجوز إِن شرطنا فِيهِ الْعَمَل) انْتهى.
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة: الْإِيمَان هَل هُوَ مرادف لِلْإِسْلَامِ، أَو مباين لَهُ، أَو بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه؟
فِيهِ خلاف مَشْهُور، وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر السّلف وَغَيرهم أَن بَينهمَا فرقا، وليسا بمتحدين، على مَا يَأْتِي بَيَانه، وَيَأْتِي جمع ابْن رَجَب لذَلِك.
فَقَالَت الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم: هما مُتَرَادِفَانِ، وَقد تقدم أَنهم قَالُوا: الْإِيمَان: فعل الْوَاجِبَات، لِأَنَّهَا الدّين، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ [الْبَيِّنَة: ٥] ، وَالدّين: الْإِسْلَام، لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ [آل عمرَان: ١٩] ، وَالْإِسْلَام: الْإِيمَان، لقبُول الْإِيمَان من مبتغيه، وَإِلَّا لم يقبل، لقَوْله الله تَعَالَى: (وَمن يبتغ غير
стр. 532
الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ [آل عمرَان: ٨٥] ، ولصحة اسْتثِْنَاء الْمُسلم من الْمُؤمن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] .
وَأجِيب عَن ذَلِك: بالمعارضة بسلب الْإِيمَان وَإِثْبَات الْإِسْلَام، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ [الحجرات: ١٤] ، وَقيل: كَانُوا منافقين، وَالْإِسْلَام وَالدّين: الانقياد وَالْعَمَل الظَّاهِر، وَالْإِيمَان شرعا: تَصْدِيق خَاص، وَبِأَن ذَلِك دين الْقيمَة لَا يعود إِلَى مَا سبق، لِأَنَّهُ مُذَكّر وَمَا سبق كثير مؤنث، وَالَّذِي ذَكرُوهُ فِي التَّفْسِير: وَذَلِكَ الَّذِي أمروا بِهِ، أَو الدّين، وَبِأَنَّهُ لَا يلْزم من صدق الْمُؤمن على الْمُسلم أَن الْإِسْلَام الْإِيمَان، وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء؛ لِأَن الْبَيْت وَهُوَ لوط وابنتاه كَانُوا مُؤمنين مُسلمين.
قَالَت الْمُعْتَزلَة: من دخل النَّار مخزى، لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ [آل عمرَان: ١٩٢] ، وَالْمُؤمن لَا يخزى لقَوْل الله تَعَالَى: ﴿يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ [التَّحْرِيم: ٨] .
رد: الخزي: [للمخلد] ، ثمَّ عَدمه للصحابة، أَو مُسْتَأْنف.
وَمن الدَّلِيل على أَن الْإِسْلَام غير الْإِيمَان سُؤال جِبْرِيل النَّبِي ﷺ َ - عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان، وَتَفْسِير كل وَاحِد بِغَيْر مَا فسر بِهِ الآخر .
стр. 533
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " اللَّهُمَّ لَك أسلمت وَبِك آمَنت ".
وَقد قَالُوا فِيمَا تقدم: إِن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ، ثمَّ قَالُوا: الْإِيمَان وَالْإِسْلَام شَيْء وَاحِد، فَيكون الْإِسْلَام هُوَ التَّصْدِيق، وَهَذَا لم يقلهُ أحد من أهل اللُّغَة، وَإِنَّمَا هُوَ الانقياد وَالطَّاعَة، وَفسّر الْإِسْلَام بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَة، وَالْإِيمَان بالأصول الْخَمْسَة، فَلَيْسَ لنا إِذا جَمعنَا بَينهمَا أَن نجيب بِغَيْر مَا أجَاب بِهِ النَّبِي ﷺ َ -، وَأما إِذا أفرد الْإِيمَان فَإِنَّهُ يتَضَمَّن الْإِسْلَام، وَإِذا أفرد الْإِسْلَام فَيكون مَعَ الْإِسْلَام مُؤمنا بِلَا نزاع، وَهل يكون مُسلما وَلَا يُقَال لَهُ مُؤمن؟ فِيهِ خلاف.
قَالَ فِي: " نِهَايَة الْمُبْتَدِئ ": (كل مُؤمن مُسلم، وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا) .
قَالَ الإِمَام أَحْمد: (الْإِيمَان غير الْإِسْلَام) .
стр. 534
وَقَالَ ابْن حَامِد: (عِنْدِي أَيْضا أَن الْإِسْلَام شَرط القَوْل وَالْعَمَل وَالنِّيَّة، وَلَا يكون بالْقَوْل دون الْعَمَل مُسلما) .
فَيكون كل مُسلم مُؤمنا عِنْده، وَأَقل الْعَمَل كَونه مُصَليا. انْتهى.
وَقَالَ الشَّيْخ الْعَلامَة ابْن رَجَب كَمَا تقدم عَنهُ لما ذكر التَّفْصِيل وَوجه الْجمع / بَين النُّصُوص الْوَارِدَة فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام، وَأَن السّلف قَالُوا: الْإِيمَان عقد بالجنان ونطق بِاللِّسَانِ وَعمل بالأركان، وَأَن أَحدهَا إِذا أطلق شَمل الآخر، وَإِذا قرن دلّ أَحدهمَا على شَيْء من ذَلِك وَالْآخر على الْبَاقِي كَمَا تقدم قَالَ: (وَبِهَذَا التَّفْصِيل يظْهر تَحْقِيق القَوْل فِي مَسْأَلَة الْإِيمَان وَالْإِسْلَام، هَل هما وَاحِد أَو مُخْتَلِفَانِ؟ فَإِن أهل السّنة والْحَدِيث مُخْتَلفُونَ فِي ذَلِك وصنفوا فِيهِ.
فَمنهمْ من يَدعِي أَن جُمْهُور أهل السّنة على أَنَّهُمَا شَيْء وَاحِد، مِنْهُم مُحَمَّد ابْن نصر الْمروزِي، وَابْن عبد الْبر، وَرُوِيَ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ.
стр. 535
وَمِنْهُم من يَحْكِي عَن أهل السّنة التَّفْرِيق بَينهمَا كَأبي بكر ابْن السَّمْعَانِيّ، وَغَيره.
وَنقل التَّفْرِيق بَينهمَا [عَن] كثير من السّلف مِنْهُم: قَتَادَة، وَدَاوُد بن أبي هِنْد، وَأَبُو جَعْفَر الباقر، وَالزهْرِيّ، وَحَمَّاد بن
стр. 536
زيد، وَابْن مهْدي، وَشريك، وَابْن أبي ذِئْب،
стр. 537
وَأحمد بن حَنْبَل، وَأَبُو خَيْثَمَة، وَيحيى بن معِين، على اخْتِلَاف بَينهم فِي صفة التَّفْرِيق.
قَالَ: وَبِهَذَا التَّفْصِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ يَزُول الِاخْتِلَاف، فَيُقَال: إِذا أفرد كل مِنْهُمَا بِالذكر فَلَا فرق بَينهمَا حِينَئِذٍ، وَإِن قرن بَين الإسمين فرق.
قَالَ: وَالتَّحْقِيق فِي الْفرق بَينهمَا: أَن الْإِيمَان: هُوَ تَصْدِيق الْقلب وَإِقْرَاره ومعرفته، وَالْإِسْلَام: هُوَ استسلام العَبْد لله وخضوعه وانقياده لَهُ، وَذَلِكَ يكون بِالْعَمَلِ، وَهُوَ الدّين كَمَا سمى ذَلِك فِي كِتَابه " الْإِسْلَام دينا "، وَفِي حَدِيث جِبْرِيل سمى الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان دينا، وَهَذَا أَيْضا مِمَّا يدل على أَن الاسمين إِذا أفرد [أَحدهمَا] دخل فِيهِ الآخر، وَإِنَّمَا
стр. 538
يفرق بَينهمَا حَيْثُ قرن أَحدهمَا بِالْآخرِ.
فَيكون حِينَئِذٍ المُرَاد بِالْإِيمَان: جنس تَصْدِيق الْقلب، وَبِالْإِسْلَامِ: جنس الْعَمَل، وَمن هُنَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: كل مُؤمن مُسلم، فَإِن من حقق الْإِيمَان ورسخ فِي قلبه قَامَ بأعمال الْإِسْلَام، كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " [أَلا وَإِن] فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله، وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقلب "، فَلَا يتَحَقَّق الْقلب / بِالْإِيمَان إِلَّا وسعت الْجَوَارِح فِي أَعمال الْإِسْلَام، وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا، فَإِنَّهُ قد يكون الْإِيمَان ضَعِيفا فَلَا يتَحَقَّق الْقلب بِهِ تحققاً تَاما مَعَ عمل جوارحه بأعمال الْإِسْلَام، فَيكون مُسلما، وَلَيْسَ بِمُؤْمِن الْإِيمَان التَّام، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْأَعْرَاب.
وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ َ - لسعد بن أبي وَقاص لما قَالَ لَهُ: لم تعط فلَانا وَهُوَ مُؤمن، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أَو مُسلم ". انْتهى كَلَام ابْن رَجَب، وَقد أَجَاد وأشفى الغصة، وَقد أطلنا الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي أهل لذَلِك .
стр. 539
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿الِاشْتِقَاق﴾
قَالَ أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن: (الِاشْتِقَاق من أشرف عُلُوم الْعَرَبيَّة، وأدقها وأنفعها، وأكثرها ردا إِلَى أَبْوَابهَا، أَلا ترى أَن مدَار علم التصريف فِي معرفَة الزَّائِد من الْأَصْلِيّ عَلَيْهِ) .
قَالَ السراج: (لَو [جمدت] المصادر وارتفع الِاشْتِقَاق من كل
стр. 540
كَلَام، لم تُوجد صفة لموصوف وَلَا فعل لفاعل.
قَالَ: وَجَمِيع النُّحَاة إِذا أَرَادوا أَن يعلمُوا الزَّائِد من الْأَصْلِيّ فِي الْكَلَام، نظرُوا فِي الِاشْتِقَاق) انْتهى.
وَهُوَ مَأْخُوذ من الشق، وَهُوَ الْقطع، وَهُوَ افتعال من قَوْلك: اشتققت كَذَا من كَذَا، أَي: اقتطعته مِنْهُ، وَمِنْه قَول الفرزدق:
(مُشْتَقَّة من رَسُول الله نبعته ... )
وَحكى ابْن الخشاب من أَصْحَابنَا وَغَيره فِي جَوَاز الِاشْتِقَاق فِي اللُّغَة ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن اللَّفْظ يَنْقَسِم إِلَى جامد ومشتق، وَهَذَا الصَّحِيح، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر مِنْهُم: الْخَلِيل، وسيبويه،
стр. 541
والأصمعي، وَأَبُو عبيد، وقطرب، وَغَيرهم، وَالْعَمَل عَلَيْهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْأَلْفَاظ كلهَا جامدة، وَلَيْسَ [شَيْء] مِنْهَا مشتقاً من شَيْء، بل كلهَا مَوْضُوعَات، وَبِه قَالَ نفطويه، واسْمه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم.
стр. 542
لِأَنَّهُ كَانَ ظاهرياً من أَصْحَاب دَاوُد، فَلذَلِك جنح إِلَيْهِ وَاخْتَارَهُ، وَأَبُو بكر بن مقسم، نَقله عَنهُ ابْن قَاضِي الْجَبَل، لكَون فِيهِ زَعَمُوا عُمُوما، فيشتق مَا يجوز اشتقاقه ويتجاوز إِلَى أَشْيَاء يبعد اشتقاقها أَو يَسْتَحِيل، فعلى هَذَا / التَّعْلِيل كَأَنَّهُمْ إِنَّمَا [منعُوا] من ذَلِك لِئَلَّا يتَجَاوَز الْحَد، حسماً للمادة، مَعَ جَوَازه وَعدم امْتِنَاعه.
стр. 543
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْكل مُشْتَقّ، وتكلفوا للجامد اشتقاقاً، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن درسْتوَيْه والزجاج، وصنف كتاب ذكر فِيهِ اشتقاق جَمِيع الْأَشْيَاء، حَتَّى قَالَ ابْن جني: (الِاشْتِقَاق يَقع فِي الْحُرُوف، فَإِن نعم حرف جَوَاب، وَنعم وَالنَّعِيم والنعماء وَنَحْوهَا مُشْتَقَّة مِنْهُ) .
إِذا علم ذَلِك؛ فالاشتقاق ثَلَاثَة أَنْوَاع: أَصْغَر، وأوسط، وأكبر، وسمى القَاضِي عضد الدّين الِاشْتِقَاق الْأَوْسَط مِنْهَا بالصغير، وَسَماهُ الكوراني بالكبير، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح، وَيَأْتِي تفصيلها وأحكامها قَرِيبا.
قَوْله: ﴿رد فرع إِلَى أصل لِمَعْنى جَمعهمَا خَاص فِي أصل الْوَضع بِالْأَصْلِ، قَالَه ابْن الخشاب، وَأولى مِنْهُ: رد لفظ إِلَى آخر لموافقته لَهُ [فِي] الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، ومناسبته فِي الْمَعْنى﴾ .
стр. 544
اخْتلفت عباراتهم فِي حد الِاشْتِقَاق الْأَصْغَر فَإِنَّهُ هُوَ الْمَحْدُود على مَا يَأْتِي.
فَقَالَ ابْن الخشاب من أَصْحَابنَا: (هُوَ رد فرع إِلَى أصل لِمَعْنى جَمعهمَا، هُوَ خَاص فِي أصل الْوَضع بِالْأَصْلِ) .
وَقَالَ الرماني: (هُوَ اقتطاع فرع من أصل يَدُور مَعَه فِي تصاريفه) .
وَقَالَ الميداني: (هُوَ أَن تَجِد بَين اللَّفْظَيْنِ تنَاسبا فِي الْمَعْنى والتركيب، فَترد أَحدهمَا إِلَى الآخر) ، وَنَقله الرَّازِيّ، وَأَتْبَاعه، وارتضوه.
стр. 545
وَلَا شكّ أَن معنى الثَّلَاثَة [مُتَقَارب] ، لَكِن حد الميداني أولى لما سَنذكرُهُ، وَقد نقحه الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره، وَهُوَ الَّذِي ارتضيناه بعد تنقيحه.
قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (الِاشْتِقَاق يحد تَارَة بِاعْتِبَار الْعلم كَحَد الميداني، وَتارَة بِاعْتِبَار الْعَمَل، بِأَن نَأْخُذ من اللَّفْظ مَا يُنَاسِبه فِي التَّرْكِيب فنجعله دَالا على معنى يُنَاسب مَعْنَاهُ) انْتهى.
فَإِن قيل: إِطْلَاق اللَّفْظ يدْخل فِيهِ الْحَرْف، وَلَيْسَ بمشتق وَلَا مُشْتَقّ مِنْهُ.
قيل: لم يرد كل لفظ بل مُطلق لفظين، فَيحمل على الْمُمكن، فَهُوَ مُطلق لَا عَام، وَفِيه نظر؛ فَإِن مقَام الشَّرْح والتعريف يُنَافِي الْإِبْهَام.
وَالْمرَاد بالتناسب فِي التَّرْكِيب: الْمُوَافقَة فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، احْتِرَاز من الزَّوَائِد، فَإِن التخالف فِيهَا لَا / يضر كنصر وناصر، وَخرج بِهَذَا الْقَيْد: اللفظان المترادفان، فَإِن أَحدهمَا وَإِن وَافق الآخر فِي الْمَعْنى، لكنه لم يُوَافقهُ فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، كالبر والقمح، وَسَوَاء كَانَت الْأُصُول مَوْجُودَة لفظا أَو تَقْديرا، ليدْخل نَحْو: خف، من الْخَوْف، وكل، من الْأكل.
стр. 546
فقولنا: (رد لفظ إِلَى آخر) ، دخل فِيهِ الِاسْم وَالْفِعْل على كل مَذْهَب، فَإِن النُّحَاة اخْتلفُوا فِي الأَصْل، هَل هُوَ الْمصدر، أَو الْفِعْل، أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا أصل بِنَفسِهِ؟
فَذهب البصريون: إِلَى أَن الْفِعْل وَالْوَصْف مُشْتَقّ من الْمصدر.
وَذهب الْكُوفِيُّونَ: إِلَى أَن الْمصدر وَالْوَصْف مُشْتَقّ من الْفِعْل.
وَذهب [ابْن] طَلْحَة: إِلَى أَن كلا من الْمصدر وَالْفِعْل أصل بِنَفسِهِ.
وَقيل غير ذَلِك، فقولنا: (رد لفظ إِلَى آخر) يَشْمَل كل مَذْهَب.
وَقَوْلنَا: (ومناسبته فِي الْمَعْنى) ، احْتِرَاز عَن مثل: اللَّحْم وَالْملح والحلم، فَإِن كلا [مِنْهَا] يُوَافق الآخر فِي حُرُوفه الْأَصْلِيَّة، وَمَعَ ذَلِك فَلَا اشتقاق [بَينهَا] ، لانْتِفَاء الْمُنَاسبَة فِي الْمَعْنى لقياس مدلولاتها.
وَأورد على هَذَا الْحَد أموراً:
стр. 547
أَحدهَا: المعدول والمصغر ليسَا مشتقين من المعدول عَنهُ والمكبر مَعَ صدق التَّعْرِيف عَلَيْهِمَا، فَلَا يكون الْحَد مَانِعا.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَنقض بتصغير المصادر وتثنيتها) انْتهى.
وَيرد هَذَا أَيْضا على الحدين الآخرين.
وَجَوَابه: أَن التناسب فِي الْمَعْنى يَقْتَضِي أَن مَعْنَاهُمَا لَيْسَ متحداً من كل وَجه، وَهَذَانِ متحدان فِي الْمَعْنى من كل وَجه.
الثَّانِي: أَن الْحَد يَقْتَضِي أَن الِاشْتِقَاق فعل الْمُتَكَلّم، لِأَنَّهُ قَالَ: رد أَحدهمَا إِلَى الآخر، وَلَكِن هَذَا إِنَّمَا هُوَ لواضع اللُّغَة، وَنحن إِنَّمَا نستدل بأمارات استقرائية على وُقُوع ذَلِك مِنْهُ.
وَيرد - أَيْضا ذَلِك على الحَدِيث.
وَجَوَابه يُؤْخَذ مِمَّا يَأْتِي فِي جَوَاب الَّذِي يعده.
الثَّالِث: أَن قَول الميداني: (أَن تَجِد) ، يَقْتَضِي أَن الِاشْتِقَاق هُوَ الوجدان، وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا الِاشْتِقَاق الرَّد عِنْد الوجدان، لَا نفس الوجدان، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار فحد الآخرين أولى لسلامتهما من ذَلِك. /
وَجَوَابه مُتَوَقف على معرفَة المُرَاد بِالرَّدِّ فِي قَوْله: (فَيرد) ، فَإِن أَرَادَ: اقتطاع لفظ من لفظ، فَالثَّانِي هُوَ الْمَرْدُود إِلَيْهِ، وَالْمعْنَى: أَنه حول من الأول إِلَى الثَّانِي حَتَّى صَار كَذَلِك، فالرد حِينَئِذٍ عَمَلي، وَحِينَئِذٍ فالإيراد مُتَوَجّه.
وَإِن أَرَادَ بِالرَّدِّ: الِاعْتِبَار وَالْعلم، فَيكون الثَّانِي مردوداً للْأولِ، بِمَعْنى اعْتِبَار أَنه قد أَخذ مِنْهُ، فالرد حِينَئِذٍ علمي لَا عَمَلي، وَلَا إِيرَاد حِينَئِذٍ عَلَيْهِ لَا بِهَذَا وَلَا بِالَّذِي قبله فِي الْإِيرَاد الثَّانِي، فَإِن وجدان التناسب الْمَذْكُور
стр. 548
وَهُوَ الِاشْتِقَاق، أَي: معرفَة أَن الثَّانِي مَأْخُوذ من الأول، لمعْرِفَة مَا بَينهمَا من التناسب المشروح.
وَيرد على حد ابْن الخشاب: كَون فِيهِ إِبْهَام فِي قَوْله: (رد فرع إِلَى أصل) ، وَكَذَا حد الرماني، لَكِن فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْمَقْصُود فِي قَوْله: (فِي تصاريفه) ، وحد الميداني سَالم من ذَلِك من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
إِذا علم ذَلِك؛ فللاشتقاق أَرْبَعَة أَرْكَان: الأول: الْمُشْتَقّ، وَالثَّانِي: الْمُشْتَقّ مِنْهُ، وَالثَّالِث: الْمُوَافقَة فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، وَتقدم الِاحْتِرَاز بِهِ، وَالرَّابِع: يُؤْخَذ من التناسب وَمن الْمُشْتَقّ مِنْهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (قَوْله: ومناسبة الْمَعْنى، هُوَ من تَتِمَّة الرُّكْن الرَّابِع) .
وَقَالَ التَّاج السُّبْكِيّ: (يُؤْخَذ الرُّكْن الرَّابِع من الرُّكْن الثَّانِي وَهُوَ الْمُشْتَقّ مِنْهُ وَهُوَ " التَّغْيِير "، لِأَنَّهُ لَو انْتَفَى التَّغْيِير بَينهمَا لم يصدق أَنه لفظ آخر بل هُوَ هُوَ، فعدوا الْأَركان: الْمُشْتَقّ، والمشتق مِنْهُ، والموافقة فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، والمناسبة فِي الْمَعْنى، والتغيير) انْتهى.
لَكِن ذكر التَّغْيِير بعد تَمام الْحَد يدل على أَنه لَيْسَ مِنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ
стр. 549
الْعَضُد: (وَلذَلِك لم يَجعله من ذكره قيدا فِي الْحَد بل قَالَ بعد تَمَامه: وَلَا بُد من تَغْيِير) انْتهى.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا وَأَظنهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين -: (إِذا قيل: هَذَا مُشْتَقّ من هَذَا، فَلهُ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: أَن بَينهمَا تنَاسبا لفظا وَمعنى، تكلم أهل اللُّغَة بِهَذَا بعد هَذَا وَقَبله فَكل / مِنْهُمَا مُشْتَقّ من الآخر، وَالْفِعْل مُشْتَقّ من الْمصدر وَعَكسه.
وَالْمعْنَى الثَّانِي: كَون أَحدهمَا أصلا للْآخر.
فَإِن عني بِهِ التَّكَلُّم بِأَحَدِهِمَا قبل الآخر، لم يقم على هَذَا دَلِيل فِي أَكثر الْمَوَاضِع، وَإِن عني بِهِ سبق أَحدهمَا عقلا لكَونه مُفردا وَهَذَا مركبا فالفعل مُشْتَقّ من الْمصدر) انْتهى.
قَوْله: ﴿وَلَا بُد من تَغْيِير﴾ .
هَذَا هُوَ الرُّكْن الرَّابِع على مَا قيل كَمَا تقدم، والتغيير خَمْسَة عشر نوعا، وَذَلِكَ إِمَّا بِزِيَادَة حرف، أَو حَرَكَة، أَو هما مَعًا، أَو نُقْصَان حرف،
стр. 550
أَو حَرَكَة، أَو هما مَعًا، أَو زِيَادَة حرف ونقصانه، أَو زِيَادَة حَرَكَة ونقصانها، أَو زِيَادَة حرف ونقصان حَرَكَة، أَو زِيَادَة حَرَكَة ونقصان حرف، عكس الَّذِي قبله، أَو زِيَادَة حرف مَعَ زِيَادَة حَرَكَة ونقصانها، أَو زِيَادَة حَرَكَة مَعَ زِيَادَة حرف ونقصانه، عكس الَّذِي قبله، أَو نُقْصَان حرف مَعَ زِيَادَة حَرَكَة ونقصانها، أَو نُقْصَان حَرَكَة مَعَ زِيَادَة حرف ونقصانه، أَو زِيَادَة حرف ونقصانه وَزِيَادَة حَرَكَة ونقصانها.
لِأَن التَّغْيِير؛ إِمَّا تَغْيِير وَاحِد، أَو تغييران، أَو ثَلَاثَة، أَو أَرْبَعَة.
فالتغيير الْوَاحِد فِي أَرْبَعَة أَمَاكِن:
فَالْأول: زِيَادَة حرف، نَحْو: كَاذِب، من الْكَذِب، زيدت الْألف بعد الْكَاف.
وَالثَّانِي: زِيَادَة حَرَكَة، نَحْو: نصر، مَاض من النَّصْر.
وَالثَّالِث: نُقْصَان حرف، كصهل من الصهيل، نقصت الْيَاء.
الرَّابِع: نُقْصَان الْحَرَكَة، كسفر بِسُكُون الْفَاء، جمع سَافر اسْم فَاعل من سفر.
وَفَسرهُ بَعضهم بِضَرْب مصدر.
قلت: يبْقى كالثاني بِاعْتِبَار.
وَأما التغييران فستة أَنْوَاع:
الأول: زِيَادَة حرف ونقصانه، كصاهل من الصهيل، زيدت الْألف وَنقص الْيَاء.
стр. 551
الثَّانِي: زِيَادَة الْحَرَكَة والحرف، كضارب من الضَّرْب، زيدت الْألف وحركة الرَّاء.
الثَّالِث: نُقْصَان الْحَرَكَة والحرف، كغلى من الغليان، نقصت الْألف وَالنُّون، ونقصت فَتْحة الْيَاء / وَفِي الِاعْتِدَاد بِسُكُون الْيَاء نظر، ومثلوه - أَيْضا بصب، من الصبابة.
الرَّابِع: زِيَادَة الْحَرَكَة ونقصانها، نَحْو: حذر، اسْم فَاعل من الحذر - بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة حذفت فَتْحة الذَّال وزيدت كسرتها.
الْخَامِس: زِيَادَة الْحَرْف ونقصان الْحَرَكَة، كعاد بتَشْديد الدَّال اسْم فَاعل من الْعدَد، زيدت الْألف، ونقصت حَرَكَة الدَّال.
السَّادِس: زِيَادَة حَرَكَة ونقصان حرف، كثبت من الثَّبَات، نقصت الْألف، وزيدت حَرَكَة وَهِي الْفَتْح على [التَّاء] ، وَلَا يَسْتَقِيم إِلَّا إِذا جعل الْبناء الطَّارِئ من سُكُون أَو حَرَكَة كزيادة على مَا كَانَ من الْمصدر، وَالْأولَى التَّمْثِيل برجع من الرَّجْعِيّ.
وَأما التغييرات [الثَّلَاثَة] فَفِي أَرْبَعَة أَنْوَاع:
стр. 552
الأول: زِيَادَة الْحَرْف مَعَ زِيَادَة الْحَرَكَة ونقصانها، كموعد من الْوَعْد زيدت الْمِيم وكسرة الْعين، وَنقص مِنْهُ فَتْحة الْوَاو.
الثَّانِي: زِيَادَة الْحَرَكَة مَعَ زِيَادَة الْحَرْف ونقصانه، كمكمل اسْم فَاعل أَو مفعول من الْكَمَال، زيدت فِيهِ الْمِيم [وضمتها] ونقصت الْألف.
الثَّالِث: نُقْصَان حرف مَعَ زِيَادَة حَرَكَة ونقصانها، كقنط اسْم فَاعل من الْقنُوط.
الرَّابِع: نُقْصَان الْحَرَكَة مَعَ زِيَادَة الْحَرْف ونقصانه، ك (كال) بتَشْديد اللَّام اسْم فَاعل من الكلال، نقصت حَرَكَة اللَّام الأولى للإدغام، ونقصت الْألف الَّتِي بَين اللامين، وزيدت الْألف قبل يَوْمَيْنِ.
وَأما التغييرات [الْأَرْبَعَة] فَفِي مَوضِع وَاحِد، وَهُوَ زِيَادَة الْحَرْف وَالْحَرَكَة مَعًا، [ونقصانهما] مَعًا، ككامل من الْكَمَال، ومثلوه أَيْضا بارم، أَمر من الرَّمْي وَالله أعلم.
стр. 553
قَوْله: ﴿وَلَو تَقْديرا﴾ .
التَّغْيِير تَارَة يكون ظَاهرا، وَتارَة يكون مُقَدرا لَا يظْهر، فَالظَّاهِر / تقدّمت أمثلته، والمقدر كفلك وجنب، مُفردا وجمعاً، فَإِذا أُرِيد الْجمع فِي الْفلك يؤنث، وَفِي الْوَاحِد يذكر.
فالواحد كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِذْ أبق إِلَى الْفلك المشحون﴾ [الصافات: ١٤٠] ، وَالْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم﴾ [يُونُس: ٢٢] ، ﴿والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٤] ، وَطلب طلبا، وهرب هرباً، وجلب جلباً، وَنَحْوهَا، فالتغيير حَاصِل، وَلكنه تَقْديرا، فَيقدر حذف الفتحة الَّتِي فِي آخر الْمصدر والإتيان بفتحة أُخْرَى فِي آخر الْفِعْل، والفتحة غير الفتحة، وَيدل على التغاير: أَن أَحدهمَا لعامل، وَالْأُخْرَى لغير عَامل.
وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ ذَلِك فِي جنب، فَإِنَّهُ قدر زَوَال النُّون الَّتِي هِيَ حَال إِطْلَاقه على الْمُفْرد، كَقَوْلِك: رجل جنب، والإتيان بغَيْرهَا حَال [إِطْلَاقه] على الْجمع، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا﴾ [الْمَائِدَة: ٦] ، وَأَن ضمة النُّون فِي الْمُفْرد، غير ضمة النُّون فِي الْجمع تَقْديرا.
стр. 554
قَوْله: ﴿ [و] الْمُشْتَقّ: فرع وَافق أصلا بِحُرُوفِهِ الْأُصُول وَمَعْنَاهُ﴾ .
حد جمَاعَة الْمُشْتَقّ فَقَط، وَهُوَ يدل على الِاشْتِقَاق، وحد جمَاعَة الِاشْتِقَاق، وَهُوَ الأَصْل، وَيدل على الْمُشْتَقّ والمشتق مِنْهُ، وَحدهمَا جمَاعَة مِنْهُم: ابْن قَاضِي الْجَبَل، والبرماوي، وَغَيرهمَا، وتبعتهم؛ لِأَن الِاشْتِقَاق غير الْمُشْتَقّ والمشتق مِنْهُ؛ لِأَن الِاشْتِقَاق فعل يُوجد من فَاعله، والمشتق اسْم مفعول فَلَا بُد لَهُ من فَاعل، لكنه يدل عَلَيْهِ وجمعهما أوضح.
فالمشتق: هُوَ الْمُوَافق لكلمة أُخْرَى بحروف الأَصْل وَالْمعْنَى.
وَقَوْلنَا: (بِحُرُوفِهِ الْأُصُول) ، لتخرج الْكَلِمَات الَّتِي توَافق أصلا بِمَعْنَاهُ لَا بِحُرُوفِهِ الْأُصُول، كالحبس وَالْمَنْع.
وَقَوْلنَا: (وَمَعْنَاهُ) ، ليحترز بِهِ عَن مثل (الذَّهَب) فَإِنَّهُ يُوَافق أصلا وَهُوَ الذّهاب فِي حُرُوفه الْأُصُول، وَلَكِن غير مُوَافق فِي مَعْنَاهُ، وَتقدم ذَلِك فِي قيود الِاشْتِقَاق، وَتقدم أَيْضا أَن اشْتِرَاط اتِّحَاد الْمَعْنى يخرج نَحْو: لحم وملح وحلم، فَلَيْسَ بَعْضهَا مشتقاً من بعض أصلا.
قَوْله: ﴿والأصغر مِنْهُ: اتِّفَاق / اللَّفْظَيْنِ فِي الْحُرُوف وَالتَّرْتِيب، كنصر من النَّصْر [مَعَ وجود الْمَعْنى كَمَا تقدم] وَهُوَ الْمَحْدُود﴾ .
стр. 555
وَهَذَا المُرَاد حَيْثُ أطْلقُوا الِاشْتِقَاق فِي الْغَالِب، وَإِذا أَرَادوا غَيره قيدوه بالأوسط أَو غَيره على قدر مَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ.
قَوْله: ﴿والأوسط: فِي الْحُرُوف فَقَط [مَعَ وجود الْمَعْنى] كجبذ من الجذب﴾ .
وَسَماهُ القَاضِي عضد الدّين: الصَّغِير، وَسَماهُ الكوراني: الْكَبِير.
وَهُوَ: اتِّفَاق اللَّفْظَيْنِ فِي الْحُرُوف فَقَط، أَعنِي: دون ترتيبها كَمَا مثلنَا فَإِن حُرُوف (جبذ) و (جذب) متفقة الْحُرُوف وَالْمعْنَى، لَكِنَّهَا غير مرتبَة لتقديم الْبَاء على الذَّال فِي الأول، وَتَقْدِيم الذَّال على الْبَاء فِي الثَّانِي.
وَقَالَ الْعَضُد وَغَيره: (يعْتَبر فِي الْأَصْغَر مُوَافَقَته فِي الْمَعْنى، وَفِي الآخرين مناسبته) .
قَوْله: ﴿والأكبر: فِي [الْمخْرج] كحروف الْحلق والشفة، [كنعق] وثلم، من النهيق والثلب، وَلم يُثبتهُ الْأَكْثَر﴾ .
الِاشْتِقَاق الْأَكْبَر علامته: اتِّفَاق اللَّفْظَيْنِ فِي الْمخْرج، لَا فِي التَّرْتِيب بل فِي النَّوْع، كاتفاقهما فِي حُرُوف الْحلق أَو حُرُوف الشّفة، كنهق من النعيق،
стр. 556
أَو عَكسه، وثلم وثلب، فَإِن الْهَاء وَالْعين من حُرُوف الْحلق، وَالْمِيم وَالْبَاء من حُرُوف الشّفة.
وَبَعْضهمْ يَقُول: (اتِّفَاق اللَّفْظَيْنِ فِي بعض الْحُرُوف) .
وَبَعْضهمْ يَقُول: (الْمُسَاوَاة فِي أَكثر الْأُصُول) .
وَمن هَذَا قَول الْفُقَهَاء: الضَّمَان مُشْتَقّ من الضَّم؛ لِأَنَّهُ ضم ذمَّة إِلَى أُخْرَى، فَلَا يعْتَرض بِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي بعض الْأُصُول؛ لِأَن النُّون لَيست فِي الضَّم، وَالضَّمان لَيْسَ مُتحد الْعين وَاللَّام بِخِلَاف الضَّم، وَهَذَا عَلَيْهِ أَكثر الْأَصْحَاب؛ أَعنِي: أَنه مُشْتَقّ من الضَّم والانضمام.
قَالَ أَبُو حَيَّان: (وَلم يقل بِهِ يَعْنِي: بالاشتقاق الْأَكْبَر من النُّحَاة إِلَّا أَبُو الْفَتْح، وَالصَّحِيح أَنه غير معول عَلَيْهِ لعدم اطراده) انْتهى.
стр. 557
وَلذَلِك قُلْنَا: (وَلم يُثبتهُ الْأَكْثَر) .
قيل: (وَقَالَ بِهِ ابْن فَارس، وَبنى عَلَيْهِ / كِتَابه المقاييس فِي اللُّغَة) .
قلت: الصَّحِيح أَن الضَّمَان مُشْتَقّ من التضمن؛ لِأَن ذمَّة الضَّامِن تَتَضَمَّن الْحق، قَالَه القَاضِي أَبُو يعلى، وَاخْتَارَهُ ابْن أبي الْفَتْح وَغَيره، وَقَالَ ابْن عقيل: (مَأْخُوذ من الضمن، فَتَصِير ذمَّة الضَّامِن فِي ضمن ذمَّة الْمَضْمُون عَنهُ) .
قَوْله: ﴿ويطرد كاسم فَاعل وَنَحْوه، وَقد يخْتَص كالقارورة﴾ .
الْمُشْتَقّ يطرد إِطْلَاقه كثيرا على جَمِيع مدلولاته، كاسم الْفَاعِل، وَاسم الْمَفْعُول، وَالصّفة المشبهة، وأفعل التَّفْضِيل، وَاسم الْمَكَان، وَالزَّمَان، والآلة، فَإِن الضَّارِب يُطلق على كل من ثَبت لَهُ الضَّرْب، وَكَذَلِكَ الْمَضْرُوب، وَالْحسن الْوَجْه، وَغَيرهَا، وَقد لَا يطرد كالقارورة، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّة
стр. 558
بالزجاجة، وَإِن كَانَت مَأْخُوذَة من القر فِي الشَّيْء، وَلم يعدوها إِلَى كل مَا يقر فِيهِ الشَّيْء من خشب أَو خزف أَو غير ذَلِك، وكالدبران منزلَة الْقَمَر، وَإِن كَانَ من الدبور، فَلَا يُطلق على كل مَا هُوَ مَوْصُوف بالدبور، بل يخْتَص بِمَجْمُوع خَمْسَة كواكب من الثور، يُقَال: إِنَّه سنامه، وَهُوَ الْمنزل الرَّابِع من منَازِل الْقَمَر المعاقب للثريا، وَكَذَلِكَ العيوق، والسماك، قَالَه الْعَضُد.
وَكَانَ عدم الاطراد لكَون التَّسْمِيَة لَا بِهَذَا الْمَعْنى فَقَط، بل لمصاحبته لَهُ، وَفرق بَين تَسْمِيَة الْعين لوُجُود الْمُشْتَقّ مِنْهُ فِيهِ وَهُوَ الاطرادي، أَو بِوُجُودِهِ فِيهِ وَهُوَ مَا لَا يطرد.
قَوْله: ﴿وإطلاقه قبل وجود الصّفة الْمُشْتَقّ مِنْهَا مجَاز، وَحكي إِجْمَاعًا إِن أُرِيد الْفِعْل، [وَإِن أُرِيد] الصّفة كسيف قطوع وَنَحْوه فحقيقة، قَالَه القَاضِي وَغَيره، وَقيل: مجَاز﴾ .
стр. 559
إِطْلَاق الْمُشْتَقّ قبل وجود الصّفة الْمُشْتَقّ مِنْهَا مجَاز، وَذكره جمَاعَة إِجْمَاعًا، وَحَكَاهُ ابْن الْحَاجِب وَجَمَاعَة اتِّفَاقًا، لَكِن قَالَ ابْن مُفْلِح فِي أُصُوله: (وَلَعَلَّ المُرَاد: إِذا أُرِيد الْفِعْل، كَقَوْلِنَا مثلا: زيد ضَارب، قبل وجود الضَّرْب مِنْهُ.
فَإِن أُرِيد الصّفة المشبهة باسم الْفَاعِل، كَقَوْلِهِم: سيف قطوع، وخبز مشبع، وَمَاء مرو، وخمر مُسكر، فَقَالَ القَاضِي وَغَيره: هُوَ حَقِيقَة / لعدم صِحَة النَّفْي.
وَقيل: مجَاز) ، كَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهر كَلَام من لم يُقيد الْمَسْأَلَة.
وحكاية الْإِجْمَاع فِي أصل الْمَسْأَلَة قَالَ بَعضهم: (فِيهِ نظر؛ فَإِن أَبَا حنيفَة قَالَ فِي حَدِيث: " المتابعين بِالْخِيَارِ ": إنَّهُمَا المتساومان،
стр. 560
سميا متبايعين لأخذهما فِي مبادئ البيع، وسيصيران متبايعين.
فَرده الشَّافِعِي: بِأَنَّهُ يَصح نَفْيه، وَهُوَ دَلِيل الْمجَاز، فَلَا يحمل الحَدِيث عَلَيْهِ) .
قَوْله: ﴿فَأَما [صِفَات الله تَعَالَى] فقديمة، وَهِي حَقِيقَة عِنْد أَحْمد وَأَصْحَابه وَأكْثر أهل السّنة، وَمذهب الْمُعْتَزلَة [حدوثها] ، والأشعرية حُدُوث صِفَات الْفِعْل﴾ .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ ": (اخْتلفُوا هَل
стр. 561
صفة الْفِعْل قديمَة أَو حَادِثَة؟ فَقَالَ جمَاعَة من السّلف مِنْهُم أَبُو حنيفَة: هِيَ قديمَة. - قلت: وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَأَصْحَابه وَأكْثر السّلف، كَمَا نَقله ابْن مُفْلِح.
قَالَ -: وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم: ابْن كلاب، والأشعري: هِيَ حَادِثَة لِئَلَّا يكون الْمَخْلُوق قَدِيما.
وَأجَاب الأول: بِأَنَّهُ يُوجد فِي الْأَزَل صفة الْخلق وَلَا مَخْلُوق.
فَأجَاب الْأَشْعَرِيّ: بِأَنَّهُ لَا يكون خلق وَلَا مَخْلُوق، كَمَا لَا يكون ضَارب وَلَا مَضْرُوب.
فألزموه بحدوث صِفَاته، فَيلْزم حُلُول الحوداث بِاللَّه.
فَأجَاب: بِأَن هَذِه الصِّفَات لَا تحدث فِي الذَّات شَيْئا جَدِيدا.
فتعقب: بِأَنَّهُ يلْزم أَن لَا يُسمى فِي الْأَزَل خَالِقًا وَلَا رازقاً، وَكَلَام الله قديم، وَقد ثَبت فِيهِ أَنه الْخَالِق الرازق.
стр. 562
فانفصل بعض الأشعرية: بِأَن إِطْلَاق ذَلِك إِنَّمَا هُوَ بطرِيق الْمجَاز، وَلَيْسَ المُرَاد بِعَدَمِ التَّسْمِيَة عدمهَا بطرِيق الْحَقِيقَة.
وَلم يرتضه بَعضهم بل قَالَ وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الْأَشْعَرِيّ نَفسه -: إِن الْأَسَامِي جَارِيَة مجْرى الْأَعْلَام، وَالْعلم لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلَا مجَاز فِي اللُّغَة، وَأما فِي الشَّرْع؛ فَلفظ الْخَالِق والرازق صَادِق عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّة، والبحث إِنَّمَا هُوَ فِيهَا، لَا فِي الْحَقِيقَة / اللُّغَوِيَّة، فألزموه بتجويز إِطْلَاق اسْم الْفَاعِل على من لم يقم بِهِ الْفِعْل.
فَأجَاب: بِأَن الْإِطْلَاق هُنَا شَرْعِي لَا لغَوِيّ) انْتهى كَلَام الْحَافِظ.
وَقَالَ: (تصرف البُخَارِيّ فِي هَذَا الْموضع يَقْتَضِي مُوَافقَة القَوْل الأول، والصائر إِلَيْهِ يسلم من الْوُقُوع فِي مَسْأَلَة حوداث لَا أول لَهَا) .
وَأما الْمُعْتَزلَة فَقَالُوا: صِفَات الله الذاتية والفعلية حَادِثَة، وَلم يثبتوا لَهُ تَعَالَى صفة من الصِّفَات، بل أولُوا كل مَا ورد، فَقَالُوا: هَذِه الصِّفَات إِمَّا أَن تكون حَادِثَة، فَيلْزم قيام الْحَوَادِث بِذَاتِهِ، وخلوه فِي الْأَزَل عَن الْعلم وَالْقُدْرَة والحياة وَغَيرهَا من الكمالات، وصدورها عَنهُ بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَار، أَو بشرائط حَادِثَة لَا بداية لَهَا، وَالْكل بَاطِل بالِاتِّفَاقِ.
وَإِمَّا أَن تكون قديمَة، فَيلْزم تعدد القدماء، وَهُوَ كفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين، وَقد كفرت النَّصَارَى بِزِيَادَة قديمين، فَكيف بِالْأَكْثَرِ؟
стр. 563
هَذَا كَلَامهم؛ وَأجِيب عَن ذَلِك: بِأَنا لَا نسلم تغاير الذَّات مَعَ الصِّفَات، وَلَا الصِّفَات بَعْضهَا مَعَ الْبَعْض ليثبت التَّعَدُّد، فَإِن الغيرين هما اللَّذَان يُمكن انفكاك أَحدهمَا عَن الآخر بمَكَان أَو زمَان، أَو بِوُجُود وَعدم، أَو هما ذاتان لَيست إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى، وتفسيرهما بالشيئين أَو الْمَوْجُودين أَو الِاثْنَيْنِ فَاسد؛ لِأَن الْغَيْر من الْأَسْمَاء الإضافية، وَلَا إِشْعَار فِي هَذَا التَّفْسِير بذلك، قَالَه فِي " شرح الْمَقَاصِد ".
وَسَيَأْتِي بذلك إِلْمَام فِي شرح قَوْلنَا: (شَرط الْمُشْتَقّ صدق أَصله) .
قَوْله: ﴿وَحَال وجود الصّفة حَقِيقَة إِجْمَاعًا﴾ .
كَقَوْلِنَا: لمن يضْرب فِي تِلْكَ الْحَال: ضَارب، فَهَذَا حَقِيقَة إِجْمَاعًا، وَسَيَأْتِي مَتى تكون حَقِيقَة فِي الْكَلَام على المصادر السيالة.
لَكِن قَالَ أَبُو الْحسن البعلي الْحَنْبَلِيّ فِي كِتَابه فِي " الْأُصُول " وَهُوَ من الْمُتَأَخِّرين -: (وَالْمرَاد حَال التَّلَبُّس، لَا حَال النُّطْق، قَالَه القَاضِي أَبُو يعلى، وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب، / وَغَيرهمَا) .
стр. 564
قلت: وَفِيه نظر؛ لِأَن مَحل الْإِجْمَاع فِي كَونه حَقِيقَة حَال وجود الصّفة، وَهُوَ الضَّرْب مثلا، فَقَوله: المُرَاد حَال التَّلَبُّس لَا النُّطْق، غير سديد؛ لِأَن [حَال] النُّطْق غير دَاخل فِي الْمَسْأَلَة حَتَّى يبين المُرَاد، بل وَلَا يُوجد صفة لمُجَرّد النُّطْق، فَالصَّوَاب حذف ذَلِك، وَلِهَذَا لم أذكرهُ فِي الْمَتْن، وَلَا رَأَيْت من ذكره غَيره، وَالَّذِي يظْهر أَنه تَابع التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع " فَإِنَّهُ قَالَ: (وَمن ثمَّ كَانَ اسْم الْفَاعِل حَقِيقَة فِي الْحَال، أَي حَال التَّلَبُّس لَا النُّطْق خلافًا للقرافي) .
وَسَيَأْتِي الْكَلَام على مَسْأَلَة الْقَرَافِيّ وَالرَّدّ عَلَيْهِ قَرِيبا.
وَقد قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (مُقْتَضى عبارَة المُصَنّف: أَن الْقَرَافِيّ اعْتبر حَال النُّطْق، وَلَيْسَ ذَلِك وافياً بقوله) ، وَذكر كَلَام الْقَرَافِيّ.
قَوْله: ﴿وَبعد انْقِضَائِهَا [مجَاز عِنْد القَاضِي وَابْن عقيل وَالْحَنَفِيَّة والرازي وَأَتْبَاعه، وَعند ابْن حمدَان وَغَيره، وَحكي عَن الْأَكْثَر: حَقِيقَة: وَاخْتَارَهُ أَبُو الطّيب عقب الْفِعْل] ، وَقَالَ [القَاضِي] أَيْضا - وَأَبُو الْخطاب [وَجمع] : إِن لم يكن بَقَاء الْمَعْنى كالمصادر السيالة كَالْكَلَامِ وَنَحْوه
стр. 565
فحقيقة، وَإِلَّا فمجاز، كالقيام وَنَحْوه﴾ .
اخْتلف الْعلمَاء فِي إِطْلَاق الِاسْم الْمُشْتَقّ بعد انْقِضَاء الصّفة، هَل هُوَ حَقِيقَة أم لَا؟
فَذهب القَاضِي أَبُو يعلى من أَئِمَّة أَصْحَابنَا وَابْن عقيل، وَالْحَنَفِيَّة، والرازي، وَأَتْبَاعه: أَنه مجَاز بِاعْتِبَار مَا كَانَ، ويعبر عَنهُ بِاشْتِرَاط بَقَاء الْمُشْتَقّ مِنْهُ فِي صدق الْمُشْتَقّ حَقِيقَة، سَوَاء كَانَ الْمُشْتَقّ مِمَّا يُمكن حُصُوله بِتَمَامِهِ وَقت الْإِطْلَاق، كالقيام وَالْقعُود وَنَحْوهمَا، فَيُقَال: قَائِم وقاعد، أَو لَا يُمكن، كَمَا لَو كَانَ فِي الْأَعْرَاض السيالة كَالْكَلَامِ والتحرك، فَيُقَال: مُتَكَلم ومتحرك، مِمَّا لَا يكون وَيُوجد دفْعَة وَاحِدَة، وَإِنَّمَا يَأْتِي شَيْئا فَشَيْئًا.
فَذهب هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة إِلَى أَن إِطْلَاقه / عَلَيْهِ على سَبِيل الْمجَاز مُطلقًا،
следующие страницы →