Полный текст (4 267 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الرَّابِع: السَّبَبِيَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ، وَلم يذكر فِي " التسهيل " " بَاء " الِاسْتِعَانَة، وأدرجها فِي " بَاء " السَّبَبِيَّة.
وَقَالَ فِي " شَرحه ": (النُّحَاة يعبرون عَن هَذِه بالاستعانة، وآثرت التَّعْبِير بالسببية، من أجل الْأَفْعَال المنسوبة إِلَى الله تَعَالَى، فَإِن اسْتِعْمَال السَّبَب فِيهَا يجوز، وَاسْتِعْمَال الِاسْتِعَانَة فِيهَا لَا يجوز) انْتهى.
الْخَامِس: التعليلية، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فبظلم من الَّذين هادوا﴾ [النِّسَاء: ١٦٠] .
وَالْفرق بَينهمَا: أَن الْعلَّة مُوجبَة لمعلولها، بِخِلَاف السَّبَب لمسببه، فَهُوَ كالأمارة عَلَيْهَا.
السَّادِس: المصاحبة، وَهُوَ الَّذِي يصلح فِي موضعهَا " مَعَ "، أَو يُغني عَنْهَا وَعَن مصحوبها الْحَال، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿قد جَاءَكُم الرَّسُول بِالْحَقِّ﴾ ، أَي: مَعَ الْحق، أَو: محقاً.
السَّابِع: الظَّرْفِيَّة، بِمَعْنى " فِي "، للزمان، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم لتمرون عَلَيْهِم مصبحين وباليل﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ، وللمكان، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَقَد نصركم الله ببدر﴾ [آل عمرَان: ١٢٣] .
وَرُبمَا كَانَت الظَّرْفِيَّة مجازية، نَحْو: بكلامك بهجة.
стр. 667
الثَّامِن: الْبَدَل، بِأَن يَجِيء موضعهَا بدل، كَقَوْلِه فِي الحَدِيث: " مَا يسرني بهَا حمر النعم "، أَي: بدلهَا.
التَّاسِع: الْمُقَابلَة، وَهِي الدَّاخِلَة على الْأَثْمَان والأعواض، نَحْو: اشْتريت الْفرس بِأَلف، ودخولها غَالِبا / على الثّمن، وَرُبمَا دخلت على الْمُثمن كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ [الْبَقَرَة: ٤١، والمائدة: ٤٤] ، وَلم يقل: وَلَا تشتروا آياتي بِثمن قَلِيل.
قلت: قَالَ فِي " التَّلْخِيص " و " الرِّعَايَة " والآدمي: (يتَمَيَّز الثّمن عَن
стр. 668
الْمُثمن بِدُخُول " بَاء " الْبَدَلِيَّة "، وَقيل: إِن كَانَ فِيهَا أحد النَّقْدَيْنِ فَهُوَ الثّمن، وَإِلَّا مَا دَخلته " الْبَاء ") .
الْعَاشِر: الْمُجَاوزَة، بِمَعْنى " عَن "، وَيكثر بعد السُّؤَال: ﴿فَسئلَ بِهِ خَبِيرا﴾ [الْفرْقَان: ٥٩] ، وَنقل بعد غَيره، نَحْو: ﴿وَيَوْم تشقق السَّمَاء بالغمام﴾ [الْفرْقَان: ٢٥] ، وَهُوَ مَذْهَب كُوفِي، وتأوله الشلوبين على أَنَّهَا " بَاء " السَّبَبِيَّة، أَي: فاسأل بِسَبَبِهِ، أَو تضمين " اسْأَل " معنى اطلب، لِأَن السُّؤَال طلب فِي الْمَعْنى.
الْحَادِي عشر: الاستعلاء، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار﴾ [آل عمرَان: ٧٥] أَي: على دِينَار، وَحَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي " الْبُرْهَان " عَن الشَّافِعِي.
الثَّانِي عشر: الْقسم، وَهِي أصل حُرُوفه، نَحْو: بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ.
الثَّالِث عشر: الْغَايَة، نَحْو: ﴿وَقد أحسن بِي﴾ [يُوسُف: ١٠٠] ، أَي: إِلَيّ.
الرَّابِع عشر: التوكيد، وَهِي الزَّائِد، إِمَّا مَعَ الْفِعْل، نَحْو: أحسن بزيد، على قَول الْبَصرِيين: إِنَّه فَاعل، أَو [مَعَ] الْمَفْعُول، نَحْو:
стр. 669
﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة﴾ [مَرْيَم: ٢٥] ، أَو مَعَ الْمُبْتَدَأ، نَحْو: بحسبك دِرْهَم، أَو الْخَبَر، نَحْو: ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ [الزمر: ٣٦] .
الْخَامِس عشر: التَّبْعِيض، قَالَ بِهِ الْكُوفِيُّونَ، والأصمعي، والفارسي، وَابْن مَالك، نَحْو: ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله﴾ [الْإِنْسَان: ٦] ، أَي: مِنْهَا، وَخرج قَوْله تَعَالَى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [الْمَائِدَة: ٦] ، والمثبتون قصروها على وُرُودهَا مَعَ الْفِعْل الْمُتَعَدِّي، وَأنْكرهُ ابْن جني، وَابْن برهَان فَقَالَ: (من قَالَ: إِن " الْبَاء " للتَّبْعِيض فقد أَتَى أهل اللُّغَة بِمَا لَا يعرفونه) ، نَقله عَنهُ فِي " الْكَافِي ".
وَأولُوا مَا اسْتدلَّ بِهِ على التَّضْمِين، أَو أَن التَّبْعِيض إِنَّمَا اسْتُفِيدَ من الْقَرَائِن.
стр. 670
قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين فِي " الْكَافِي ": (فَهُوَ كَقَوْلِه: ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ﴾ و " الْبَاء " زَائِدَة) .
ورد الرَّازِيّ قَول ابْن جني: (بِأَنَّهَا شَهَادَة نفي فَلَا تقبل) .
وَأجَاب عَنهُ ابْن دَقِيق الْعِيد: (بِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَهَادَة نفي، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن ظن غَالب، يسْتَند إِلَى الاستقراء مِمَّن هُوَ أهل لذَلِك مطلع على لِسَان الْعَرَب، كَمَا فِي سَائِر الاستقراءات، لَا يُقَال فِيهَا، شَهَادَة نفي، وَحِينَئِذٍ فَيتَوَقَّف مُقَابِله على ثُبُوت ذَلِك من كَلَامهم) .
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: (إِنَّمَا يُفِيد فَائِدَة غير التَّبْعِيض، وَهُوَ الدّلَالَة على مَمْسُوح بِهِ. - قَالَ -: وَالْأَصْل فِيهِ، امسحوا برؤوسكم المَاء، فَيكون من بَاب الْقلب، وَالْأَصْل رؤوسكم بِالْمَاءِ) .
стр. 671
قَوْله: ﴿وَإِذا لمفاجأة حرفا، وَقَالَ جمع: ظرف مَكَان، وَجمع: ظرف زمَان، ولمستقبل ظرفا متضمنة معنى الشَّرْط غَالِبا، وَمنع الْأَكْثَر مجيئها لماض وَحَال﴾ .
لإذا معَان:
أَحدهَا: أَن تكون للمفاجأة، وَهِي الَّتِي يَقع بعْدهَا الْمُبْتَدَأ، فرقا بَينهَا وَبَين الشّرطِيَّة، فَإِن الْوَاقِع بعْدهَا الْفِعْل، وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض إِذا أَنْتُم تخرجُونَ﴾ [الرّوم: ٢٥] ، وَتقول فِي الْمِثَال الأول: خرجت فَإِذا الْأسد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى﴾ [طه: ٢٠] ، وَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَمَعْنَاهَا الْحَال.
قَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَمعنى المفاجأة: حُضُور الشَّيْء مَعَك فِي وصف من أوصافك الفعلية.
وتصويره فِي هَذَا الْمِثَال: حُضُور الْأسد مَعَك فِي زمن وصفك بِالْخرُوجِ، أَو فِي مَكَان خُرُوجك، [وحضوره مَعَك فِي مَكَان خُرُوجك، ألصق بك من
стр. 672
حُضُوره فِي زمن خُرُوجك، لِأَن ذَلِك الْمَكَان يخصك دون من أشبهك، وَذَلِكَ الزَّمَان لَا [يخصك] دون من أشبهك، وَكلما كَانَ ألصق، كَانَت المفاجأة فِيهِ أقوى.
وَاخْتلف فِيهَا على ثَلَاثَة مَذَاهِب.
أَحدهَا: - وَهُوَ أَصَحهَا أَنَّهَا حرف، وَبِه قَالَ الْأَخْفَش، وَابْن مَالك.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا ظرف مَكَان، وَبِه قَالَ الْمبرد، وَابْن عُصْفُور.
стр. 673
وَالثَّالِث: ظرف زمَان، وَبِه قَالَ الزّجاج، والزمخشري.
وَنسب الْقَوْلَانِ / الأخيران لسيبويه؟
وَتظهر فَائِدَة الْخلاف: فِي أَنه لَا يَصح إعرابها خَبرا فِي قَوْلك: خرجت فَإِذا الْأسد، لَا على الحرفية، وَلَا على ظرفية الزَّمَان؛ لِأَن الزَّمَان لَا يخبر بِهِ عَن الجثة، وَيصِح على ظرفية الْمَكَان، أَي: فبالحضرة الْأسد.
الْمَعْنى الثَّانِي: أَن تكون ظرفا للمستقبل متضمنة معنى الشَّرْط غَالِبا، وَلذَلِك تجاب بِمَا تجاب بِهِ أدوات الشَّرْط، نَحْو: إِذا جَاءَ زيد فَقُمْ إِلَيْهِ، فَهِيَ بَاقِيَة على ظرفيتها إِلَّا أَنَّهَا ضمنت معنى الشَّرْط، وَلذَلِك لم تثبت لَهَا سَائِر أَحْكَام الشَّرْط، فَلم يجْزم بهَا الْمُضَارع، وَلَا تكون إِلَّا فِي الْمُحَقق، وَمِنْه: ﴿وَإِذا مسكم الضّر فِي الْبَحْر﴾ [الْإِسْرَاء: ٦٧] ؛ لِأَن مس الضّر فِي الْبَحْر مُحَقّق، وَلما لم يُقيد بالبحر أَتَى ب " إِن " الَّتِي تسْتَعْمل فِي الْمَشْكُوك فِيهِ، نَحْو: ﴿وَإِذا مَسّه الشَّرّ فذو دُعَاء عريض﴾ ، وتختص بِالدُّخُولِ على الْجُمْلَة الفعلية.
الْمَعْنى الثَّالِث: أَن تكون ظرفا للماضي، مثل " إِذْ "، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك﴾ [التَّوْبَة: ٩٢] ، ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ [الْجُمُعَة: ١١] ،
стр. 674
قَالَه ابْن مَالك، وَأنْكرهُ الْجُمْهُور، وتأولوا مَا أوهم ذَلِك.
الْمَعْنى الرَّابِع: أَن تكون ظرفا للْحَال، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ [اللَّيْل: ١] ، ﴿والنجم إِذا هوى﴾ [النَّجْم: ١] ، قَالَه ابْن الْحَاجِب، وَقَالَ غَيره: كَمَا جردت هُنَا عَن الشَّرْط جردت عَن الظّرْف، وَهِي هُنَا لمُجَرّد الْوَقْت من غير أَن يكون ظرفا، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي هذَيْن الْمَعْنيين: (وَمنع الْأَكْثَر مجيئها للماضي وَالْحَال) .
قَوْله: ﴿و " إِذْ " اسْم لماض ظرفا، [ومفعولاً] بِهِ، بَدَلا من مفعول، ومضافاً إِلَيْهَا اسْم زمَان، ولمستقبل، وَمنعه الْأَكْثَر، ولتعليل حرفا، وَقيل: ظرفا، ولمفاجأة﴾ .
" إِذا " اسْم بِالْإِجْمَاع، لتنوينها فِي نَحْو: ﴿يَوْمئِذٍ﴾ ، وَالْإِضَافَة فِي نَحْو: ﴿بعد إِذْ هديتنا﴾ [آل عمرَان: ٨] وَلها معَان:
أَحدهَا وَهُوَ الْأَغْلَب -: أَن تكون ظرفا للزمان الْمَاضِي، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا﴾ [التَّوْبَة: ٤٠] .
стр. 675
الْمَعْنى الثَّانِي: أَن تكون مَفْعُولا، نَحْو: ﴿واذْكُرُوا إِذْ كُنْتُم قَلِيلا فكثركم﴾ [الْأَعْرَاف: ٨٦] .
الْمَعْنى الثَّالِث: أَن تكون بَدَلا من الْمَفْعُول، نَحْو: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت﴾ [مَرْيَم: ١٦] ، ف " إِذْ " بدل اشْتِمَال من مَرْيَم.
الْمَعْنى الرَّابِع: أَن يُضَاف إِلَيْهَا اسْم زمَان، سَوَاء صلح الِاسْتِغْنَاء عَنهُ، نَحْو " يَوْمئِذٍ " أَو لَا، نَحْو: ﴿بعد إِذْ هديتنا﴾ [آل عمرَان: ٨] .
الْمَعْنى الْخَامِس: أَن تكون ظرفا للزمان الْمُسْتَقْبل، مثل " إِذا "، صَححهُ ابْن مَالك وَطَائِفَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَسَوف يعلمُونَ إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم﴾ [غَافِر: ٧٠ - ٧١] ، وَمنع الْأَكْثَر، وَأَجَابُوا عَن الْآيَة وَنَحْوهَا: بِأَن ذَلِك نزل منزلَة الْمَاضِي لتحَقّق وُقُوعه، مثل: ﴿أَتَى أَمر الله﴾ [النَّحْل: ١] .
الْمَعْنى السَّادِس: أَن تكون للتَّعْلِيل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلنْ ينفعكم الْيَوْم إِذْ ظلمتم﴾ [الزخرف: ٣٩] ، ﴿وَإِذ لم يهتدوا بِهِ فسيقولون﴾ [الْأَحْقَاف: ١١] .
ثمَّ اخْتلف فِي أَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون حرفا بِمَنْزِلَة " لَام " الْعلَّة، وَنسب لسيبويه، وَصرح بِهِ ابْن مَالك فِي بعض نسخ " التسهيل "، أَو ظرفا وَالتَّعْلِيل مُسْتَفَاد من قُوَّة الْكَلَام لَا من اللَّفْظ.
السَّابِع: أَن تكون للمفاجأة الْوَاقِعَة بعد [" بَينا "] و " بَيْنَمَا "، نَحْو
стр. 676
قَوْلك: بَينا أَنا كَذَا إِذْ جَاءَ زيد، نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ، وَيعود هُنَا الْخلاف - أَيْضا فِي أَنَّهَا حِينَئِذٍ حرف، أَو بَاقِيَة على ظرفيتها الزمانية. وَهنا قَول ثَالِث: أَنَّهَا ظرف مَكَان، كَمَا قيل بِهِ فِي " إِذا " الفجائية، وَالله أعلم.
قَوْله: ﴿و " لَو " حرف شَرط فِي الْأَصَح لماض، فتصرف الْمُضَارع إِلَيْهِ عكس " إِن "﴾ .
" لَو " حرف شَرط فِي الْمَاضِي، وَإِن دخلت على الْمُضَارع صرفته للمضي، عكس " إِن " الشّرطِيَّة، فَإِنَّهَا تصرف الْمَاضِي إِلَى الِاسْتِقْبَال، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَابْن مَالك، وَغَيرهمَا.
وَأنكر قوم كَونهَا حرف شَرط؛ لِأَن الشَّرْط فِي الِاسْتِقْبَال، و " لَو " للتعليق فِي الْمَاضِي.
стр. 677
وَقَالَ بَعضهم: النزاع لَفْظِي، فَإِن أُرِيد بِالشّرطِ: الرَّبْط الْمَعْنَوِيّ الْحكمِي، فَهُوَ شَرط، وَإِن أُرِيد بِهِ مَا يعْمل فِي الجزئين فَلَا.
قَوْله: ﴿وَتَأْتِي لمستقبل فِي الْأَصَح قَلِيلا فتصرف الْمَاضِي إِلَيْهِ﴾ .
قد ترد " لَو " للمستقبل، مثل " إِن "، فتصرف الْمَاضِي إِلَى الِاسْتِقْبَال، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين﴾ [يُوسُف: ١٧] ، قَالَه جمَاعَة، وخطأهم ابْن الْحَاج: بأنك لَا تَقول: لَو يقوم زيد فعمرو منطلق، كَمَا تَقول إِلَّا يقم [زيد] فعمرو منطلق.
وَكَذَا قَالَ بدر الدّين ابْن مَالك: (عِنْدِي أَنَّهَا لَا تكون لغير الشَّرْط فِي الْمَاضِي، وَلَا حجَّة فِيمَا تمسكوا بِهِ لصِحَّة حمله على الْمُضِيّ) .
قَوْله: ﴿وَأما مَعْنَاهَا، فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: حرف لما كَانَ سيقع لوُقُوع غَيره، وَقَالَ الْأَكْثَر: حرف امْتنَاع لِامْتِنَاع، [والشلوبين] لمُجَرّد الرَّبْط، وَفِي " التسهيل " وَغَيره: امْتنَاع مَا يَلِيهِ واستلزامه لتاليه، [قلت: فِي الْمَاضِي] ،
стр. 678
فَيَنْتَفِي الْجَواب إِن ناسب وَلم يخلف الأول غَيره، وَإِن ناسب وَخَلفه غَيره ثَبت الْجَواب، كَمَا لَو لم يُنَاسب بِالْأولَى، أَو [المساويٍ] ، أَو الأدون﴾ .
اخْتلف فِي معنى " لَو " على أَقْوَال:
أَحدهَا وَبِه قَالَ سِيبَوَيْهٍ -: (إِنَّهَا حرف لما كَانَ سيقع لوُقُوع غَيره) ، أَي: أَنَّهَا تَقْتَضِي فعلا مَاضِيا كَانَ يتَوَقَّع ثُبُوته لثُبُوت غَيره، والمتوقع غير وَاقع، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حرف يَقْتَضِي فعلا امْتنع لِامْتِنَاع مَا كَانَ [يثبت] لثُبُوته.
الثَّانِي وَبِه قَالَ الْأَكْثَر -: أَنَّهَا حرف امْتنَاع لِامْتِنَاع، أَي: يدل على امْتنَاع الثَّانِي لِامْتِنَاع الأول، فقولك: لَو جئتني لأكرمتك، دَال على انْتِفَاء الْمَجِيء وَالْإِكْرَام.
وَاعْترض عَلَيْهِ: بِأَن جوابها قد لَا يكون مُمْتَنعا بل يثبت، كَقَوْلِك لطائر: لَو كَانَ هَذَا إنْسَانا لَكَانَ حَيَوَانا، فإنسانيته منتفية وحيوانيته ثَابِتَة، وكما قَول عمر فِي صُهَيْب ﵄: " لَو لم يخف الله لم
стр. 679
يَعْصِهِ "، فَعدم الْمعْصِيَة مَحْكُوم بِثُبُوتِهِ، لِأَنَّهُ إِذا ثَبت مَعَ عدم الْخَوْف فثبوته مَعَ الْخَوْف أولى.
وَأَصَح مِنْهُ مَا روى عَن سَالم مولى أبي حُذَيْفَة.
قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (لَا أعلم لكَلَام عمر لِصُهَيْب إِسْنَادًا، ويغني عَنهُ مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي " الْحِلْية ": أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ فِي سَالم مولى أبي
стр. 680
حُذَيْفَة: " إِنَّه شَدِيد الْحبّ لله، لَو كَانَ لَا يخَاف الله مَا عَصَاهُ "، أَي: أَن لانْتِفَاء الْمعْصِيَة شَيْئَيْنِ: الْمحبَّة وَالْخَوْف، فَلَو انْتَفَى الْخَوْف لم تُوجد الْمعْصِيَة، لوُجُود الآخر وَهُوَ الْمحبَّة.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (قَالَ بعض الْحفاظ: كثيرا مَا نسْأَل عَنهُ، وَلم نجد لَهُ أصلا) .
الثَّالِث وَبِه قَالَ الشلوبين -: أَنَّهَا لمُجَرّد الرَّبْط؛ أَي: إِنَّمَا تدل على التَّعْلِيق فِي الْمَاضِي، كَمَا تدل " إِن " على التَّعْلِيق فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَا تدل على امْتنَاع شَرط وَلَا جَوَاب.
وَضعف: بِأَنَّهُ جحد للضروريات، إِذْ كل من سمع: " لَو فعل "، فهم عدم وُقُوع الْفِعْل، وَلِهَذَا جَازَ استدراكه، فَتَقول: لَو جَاءَ زيد لأكرمته لكنه لم يجِئ.
الرَّابِع: أَنَّهَا تَقْتَضِي امْتنَاع مَا يَلِيهِ واستلزامه لتاليه، أَي: تَقْتَضِي أَمريْن: أَحدهمَا: امْتنَاع مَا يَلِيهِ، وَهُوَ شَرطه.
وَالثَّانِي: كَون مَا يَلِيهِ مستلزماً لتاليه، وَهُوَ جَوَابه، وَلَا يدل على امْتنَاع الْجَواب فِي نفس الْأَمر وَلَا ثُبُوته.
فَإِذا قلت: لَو قَامَ زيد لقام عَمْرو، فقيام زيد مَحْكُوم بانتفائه فِيمَا مضى، وَيكون ثُبُوته مستلزماً لثُبُوت قيام عَمْرو.
وَهل لعَمْرو قيام أَولا؟ لَيْسَ فِي الْكَلَام تعرض لَهُ.
стр. 681
وَصحح هَذِه الْعبارَة السُّبْكِيّ، وَولده التَّاج، وَهِي فِي بعض نسخ " التسهيل ".
قَالَ الْمرَادِي فِي " شرح الألفية ": (قَالَ ابْن مَالك فِي " شرح الكافية ": " الْعبارَة الجيدة فِي " لَو " أَن يُقَال: حرف يدل على امْتنَاع [تال] يلْزم لثُبُوته ثُبُوت تاليه، فقيام زيد، من قَوْلك: لَو قَامَ زيد لقام [عَمْرو] ، مَحْكُوم بانتفائه فِيمَا مضى وَكَونه مستلزماً ثُبُوته لثُبُوت قيام عَمْرو، وَهل [لعَمْرو] قيام آخر غير اللَّازِم عَن قيام زيد أَو لَيْسَ لَهُ؟ لَا تعرض لذَلِك، بل الْأَكْثَر كَون الأول وَالثَّانِي غير واقعين) .
وَقَالَ فِي " التسهيل ": " لَو: حرف شَرط يَقْتَضِي امْتنَاع مَا يَلِيهِ واستلزامه لتاليه "، وَفِي بعض النّسخ: " لَو: حرف يَقْتَضِي نفي مَا يلْزم لثُبُوته ثُبُوت غَيره ".) .
стр. 682
قَالَ الْمرَادِي: [عباراته الثَّلَاث] بِمَعْنى وَاحِد.
لَكِن قَالَ ابْن هِشَام فِي " الْمُغنِي ": (فِي عبارَة ابْن مَالك نقص، فَإِنَّهَا لَا تفِيد أَن اقتضاءها للامتناع فِي الْمَاضِي، فَإِذا قيل: " لَو " حرف يَقْتَضِي فِي الْمَاضِي امْتنَاع مَا يَلِيهِ واستلزامه لتاليه كَانَ ذَلِك أَجود الْعبارَات) انْتهى. فَلذَلِك ألحقتها فِي الْمَتْن.
ثمَّ قسم صَاحب هَذِه الْمقَالة الْجَواب وَهُوَ مُرَاده بالتالي _ إِلَى أَقسَام: أَحدهَا: أَن يكون منتفياً، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا كَانَ التَّرْتِيب بَينه وَبَين الأول مناسباُ، وَلم يخلف الأول غَيره، نَحْو: ﴿لَو كَانَ فيهمَا ألهة إِلَّا الله لفسدتا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] .
الثَّانِي: أَن يكون مَعَ مناسبته خَلفه غَيره، كَقَوْلِك: الطَّائِر لَو كَانَ إنْسَانا لَكَانَ حَيَوَانا، فَإِنَّهُ خلف الإنسانية شَيْء آخر يدل على الحيوانية فثبتت.
الثَّالِث: أَن لَا يكون التَّرْتِيب بَين الأول وَالثَّانِي مناسباً، فَيثبت التَّالِي.
ثمَّ قسم ثُبُوته إِلَى أَقسَام:
أَحدهَا: أَن يكون أولى بالثبوت من الأول، نَحْو: " لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ ".
стр. 683
الثَّانِي: أَن يكون مُسَاوِيا، كَقَوْلِه ﷺ َ - فِي بنت أم سَلمَة: " لَو لم تكن ربيبتي فِي حجري مَا حلت لي، إِنَّهَا لابنَة أخي من الرضَاعَة "، فَإِن لتحريمها سببين: كَونهَا ربيبته، وَكَونهَا ابْنة أَخِيه من الرضَاعَة.
الثَّالِث: أَن يكون أدون مِنْهُ، وَلَكِن يلْحق بِهِ لمشاركته فِي الْمَعْنى، كَقَوْلِك فِي أُخْت النّسَب وَالرّضَاع: لَو انْتَفَت أخوة النّسَب لما كَانَت حَلَالا، لِأَنَّهَا أُخْت من الرضَاعَة، فتحريم أُخْت الرَّضَاع دون تَحْرِيم أُخْت النّسَب، لكنه مُسْتَقل بِالتَّعْلِيلِ لصلاحيته لَهُ.
стр. 684
قلت: رد الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " هَذِه الْمقَالة من أَرْبَعَة أوجه، وَبَينهَا وحررها، وَقَالَ: (إِن " لَو " حرف مَوْضُوع لتعليق حُصُول أَمر فِي الْمَاضِي بِحُصُول أَمر آخر مُقَدّر فِيهِ، هَذَا أصل وَضعه، ثمَّ حُصُول الْمُقدر فِي الْمَاضِي مَقْطُوع بِعَدَمِهِ، فَيَنْتَفِي الْحُصُول الْمُعَلق عَلَيْهِ لانْتِفَاء الشَّرْط.
فَمن عرف بِأَن " لَو " لانْتِفَاء الثَّانِي لانْتِفَاء الأول، أَي: انْتِفَاء الْجَزَاء مُعَلل بِانْتِفَاء الشَّرْط، وَقَالَ مَعْنَاهُ: امْتنَاع الْجَزَاء لِامْتِنَاع الشَّرْط، كَمَا قَالَه صَاحب " الْمِفْتَاح "، أَخذ بالحاصل، وَعبر عَنهُ معنى اللَّفْظ بلازمه) انْتهى.
وَذكر اعْتِرَاض ابْن الْحَاجِب وتنقيحه للرضي، وَجَوَابه لَهُ، وَغَيره، فليعاوده من أَرَادَهُ فَإِنَّهُ أَطَالَ فِيهِ.
стр. 685
قَوْله: ﴿وَتَأْتِي لتمن، وَعرض، [وتحضيض، وتقليل] ، ومصدري﴾ . ل " لَو " معَان أخر غير مَا تقدم:
أَحدهَا: التَّمَنِّي، نَحْو: ﴿فَلَو أَن لنا كرة﴾ [الشُّعَرَاء " ١٠٢] ، أَي: فليت لنا كرة، وَلِهَذَا نصب ﴿فنكون﴾ فِي جوابها.
وَهل هِيَ الامتناعية أشربت معنى التَّمَنِّي؟ أَو قسم بِرَأْسِهِ؟ أَو هِيَ المصدرية أغنت عَن التَّمَنِّي؟ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال.
الثَّانِي: الْعرض، نَحْو: لَو تنزل عندنَا فتصيب خيرا.
الثَّالِث: التحضيض، نَحْو [لَو] فعلت كَذَا، أَي: افْعَل كَذَا، وَالْفرق بَينهمَا: أَن الْعرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث.
الرَّابِع: التقليل، كَقَوْلِه ﷺ َ -: " ردوا السَّائِل وَلَو بظلف محرق "، و " التمس وَلَو خَاتمًا من حَدِيد "، " اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة "، أثْبته ابْن
стр. 686
هِشَام الخضراوي، وَابْن السَّمْعَانِيّ فِي " القواطع ". قَالَ ابْن هِشَام: (وَفِيه نظر) .
قَالَ الزَّرْكَشِيّ شَارِح " جمع الْجَوَامِع " -: (وَالْحق أَنه مُسْتَفَاد مِمَّا بعْدهَا، لَا من الصِّيغَة) . قلت: قَالَ الزَّرْكَشِيّ من أَصْحَابنَا فِي " شرح الْخرقِيّ ": فِي قَول
стр. 687
النَّبِي ﷺ َ - لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف لما قَالَ: تزوجت: " أولم وَلَو بِشَاة ": (المُرَاد بِالشَّاة هُنَا وَالله أعلم للتقليل، أَي: وَلَو بِشَيْء قَلِيل كشاة) انْتهى.
قلت: فِيهِ شَيْء، لدلَالَة الْحَال، فَإِن عبد الرَّحْمَن ﵁ لما قدم الْمَدِينَة وَتزَوج هَذِه الْأَنْصَارِيَّة، كَانَ فَقِيرا جدا، بِحَيْثُ أَنه كَانَ لَا يملك شَيْئا، إِلَّا أَنه حصل شَيْئا بالمبايعة فَتزَوج بِهِ.
الْخَامِس: المصدري، أثبتها الْفراء، والفارسي، والتبريزي،
стр. 688
وَأَبُو الْبَقَاء، وَابْن مَالك، وَغَيرهم.
وعلامتها: أَن يصلح فِي موضعهَا " أَن "، وَأكْثر وُقُوعهَا، بعد مَا يدل على تمن، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يود أحدهم لَو يعمر ألف سنة﴾ [الْبَقَرَة: ٩٦] .
وأنكرها الْأَكْثَر، وَقَالُوا: الْآيَة وَنَحْوهَا على حذف مفعول " يود " وَجَوَاب " لَو "، أَي: يود أحدهم طول الْعُمر، لَو يعمر ألف سنة لسر بذلك.
قَوْله: ﴿و " لَوْلَا " حرف يَقْتَضِي فِي [الْجُمْلَة الاسمية] امْتنَاع جَوَابه لوُجُود شَرطه، وَفِي [المضارعة] التحضيض، وَفِي [الْمَاضِيَة] التوبيخ وَالْعرض، وَقيل: [ولنفي] ﴾ .
ل " لَوْلَا " معَان وأحوال:
أَحدهَا: أَن يدْخل على الْجُمْلَة الاسمية فَيكون مَعْنَاهُ: امْتنَاع جَوَابه
стр. 689
لوُجُود شَرطه، نَحْو: لَوْلَا زيد لأكرمتك، أَي: لَوْلَا زيد مَوْجُود، فامتناع الْإِكْرَام لوُجُود زيد.
الثَّانِي: أَن يدْخل على جملَة فعلية مصدرة بِفعل مضارع، نَحْو: ﴿لَوْلَا تستغفرون الله﴾ [النَّمْل: ٤٦] ، فَهِيَ للتحضيض، وَهُوَ طلب بحث كَمَا تقدم.
وَفِي مَعْنَاهُ: الْعرض، لَكِن تكون مصدرة بماض، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب﴾ [المُنَافِقُونَ: ١٠] ، وَتقدم الْفرق بَينهمَا.
وَتَأْتِي أَيْضا مصدرة بماض للتوبيخ، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا جاءو عَلَيْهِ بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ [النُّور: ١٣] .
وَذكر الْهَرَوِيّ أَنَّهَا ترد للنَّفْي، مثل " لم "، وَجعل مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا كَانَت قَرْيَة أمنت﴾ [يُونُس: ٩٨] .
وَقَالَ الْأَكْثَر: هِيَ أَيْضا هُنَا للتوبيخ، أَي: فَهَلا كَانَت قَرْيَة من الْقرى الْمهْلكَة آمَنت قبل حُلُول الْعَذَاب فنفعها ذَلِك.
تَنْبِيه: ذكرنَا فِي الْمَتْن من الْحُرُوف وَإِن كَانَ فِيهَا أَسمَاء سَبْعَة عشر، وَذكرنَا مَعَانِيهَا، محررة، وَللَّه الْحَمد.
والمصنفون فِي الْأُصُول مِنْهُم المكثر مِنْهَا، كالتاج السُّبْكِيّ فِي " جمع
стр. 690
الْجَوَامِع "، فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ سِتَّة وَعشْرين حرفا، وَمِنْهُم الْمقل كالرازي وَابْن الْحَاجِب وَجمع، وَمِنْهُم الْمُتَوَسّط كالبرماوي وَنحن هُنَا.
وَالَّذِي يَنْبَغِي ذكره فِي الْأُصُول: مَا لَهَا تعلق بالفقه وتذكر فِيهِ، فَمِنْهَا: حُرُوف الشَّرْط السِّتَّة، فَإِن لَهَا تَعْلِيقا فِيهِ، وَهِي: " إِن "، و " إِذا "، و " مَتى "، و " من "، و " أَي "، و " كلما "، وَمن الْمَذْكُور فِي الْأُصُول: " لَو "، و " من "، و " إِلَى "، و " حَتَّى "، و " بل "، و " لَكِن "، فَإِن لَهَا أحكاماً كَثِيرَة فِي الطَّلَاق والأقارير وَالْوَقْف وَغَيرهَا، وَكَذَلِكَ " الْوَاو "، و " الْفَاء "، و " ثمَّ "، و " الْبَاء "، و " فِي "، وَغَيرهَا. وَيَأْتِي فِي الْمَتْن أدوات الِاسْتِثْنَاء، وَفِي الْعَام أَسمَاء الشَّرْط، والاستفهام، والموصول، و " كل "، وَجَمِيع، وَغَيرهَا، وَفِي الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم " إِنَّمَا " بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح.
стр. 691
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿لَا مُنَاسبَة ذاتية بَين اللَّفْظ ومدلوله، وَخَالف عباد المعتزلي﴾ .
ذهب أهل الْعلم من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم: إِلَى أَنه لَا مُنَاسبَة طبيعية بَين اللَّفْظ ومدلوله، لما تقدم من الْمُشْتَرك للشَّيْء وضده، كالقرء والجون وَنَحْوهمَا، وللشيء ونقيضه، ولاختلاف الِاسْم لاخْتِلَاف الْأُمَم مَعَ اتِّحَاد الْمُسَمّى، وَإِنَّمَا اخْتصَّ كل اسْم بِمَعْنى بِإِرَادَة الْفَاعِل الْمُخْتَار.
وَخَالف فِي ذَلِك عباد بن سُلَيْمَان [الصَّيْمَرِيّ] المعتزلي، أَبُو سهل، من معتزلة الْبَصْرَة، من أَصْحَاب هِشَام بن عَمْرو، وَكَانَ الجبائي يصفه
стр. 692
بالحذق فِي الْكَلَام.
و [صيمرة] : كورة من كور الْجبَال الْمُسَمّى بعراق الْعَجم، وَالنِّسْبَة " صيمري " بِفَتْح الصَّاد وَالْمِيم.
قَالَ المطرزي: (وَضم الْمِيم خطأ) .
[وصميرة] أَيْضا بلد صَغِير من تِلْكَ الْبِلَاد.
وَوَافَقَ عباداً أَرْبَاب علم الْكسر وَهُوَ الرياضي، وَاتَّفَقُوا على أَن وضع
стр. 693
الْأَعْلَام يَكْتَفِي فِيهِ بالإرادة، قَالَه ابْن قَاضِي الْجَبَل فِي " أُصُوله ".
وَاخْتلف النَّقْل عَن عباد حَيْثُ أثبتها.
﴿فَقيل: أَرَادَ: أَن الْمُنَاسبَة حاملة للوضع﴾ ، وَهُوَ مُقْتَضى نقل الْآمِدِيّ عَنهُ.
﴿وَقيل: أَرَادَ: أَنَّهَا كَافِيَة فِي دلَالَة اللَّفْظ على الْمَعْنى﴾ من غير وضع، وَهُوَ مُقْتَضى نقل الرَّازِيّ عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الْأَصْفَهَانِي، وَالْأول أقرب مِنْهُ، وَحَكَاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَن الْمُحَقِّقين، نَقله عَن الزَّرْكَشِيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع ".
стр. 694
قلت: وَإِلَيْهِ ميل الشَّيْخ شمس الدّين ابْن الْقيم الجوزية فِي كتبه كالهدي، وَغَيره.
وَاحْتج لعباد: بِأَن الْمُنَاسبَة لَو لم تعْتَبر لَكَانَ اخْتِصَاص اللَّفْظ بذلك الْمَعْنى تَرْجِيحا من غير مُرَجّح.
جَوَابه على نقل الرَّازِيّ -: أَنه ترجح بِإِرَادَة الْوَاضِع، وَلَو كَانَت ذاتية لما اخْتلفت باخْتلَاف النواحي، ولاهتدى كل أحد إِلَى معرفَة كل اللُّغَة، ولكان الْوَضع للضدين إِذا قُلْنَا: يجوز الِاشْتِرَاك، محالاً.
وعَلى نقل الْآمِدِيّ: يكون الْمُرَجح لَيْسَ الْبَاعِث الْعقلِيّ، وَإِلَّا لما اخْتلف الْعَرَب والعجم فِيهِ، لَكِن إِرَادَة الْوَاضِع، أَو إلهام الله تَعَالَى إِيَّاه، إِن قُلْنَا: الْوَاضِع الْبشر، أَو حُضُوره ببالهم.
قَوْله: ﴿فَائِدَة: يجب حمل اللَّفْظ على حَقِيقَته دون مجازه ... إِلَى آخِره﴾ .
يَأْتِي أَلْفَاظ لَهَا مَعْنيانِ أَو أَكثر، وَلَكِن الأَصْل فِيهَا معنى، وَالْمعْنَى
стр. 695
الآخر طَار، فَيقدم مَا كَانَ هُوَ الأَصْل عِنْد احْتِمَال التَّعَارُض، فَإِن احتفت قَرَائِن بِإِرَادَة غير ذَلِك اتبع، وَقد ذكر ذَلِك الْعلمَاء من أهل الْأُصُول وَغَيرهم، وَلكنه مفرقاً، كل مَسْأَلَة فِي محلهَا، وَرَأَيْت الْقَرَافِيّ تبعه ابْن قَاضِي الْجَبَل جمعهَا فِي مَوضِع وَاحِد، فتبعتهما، وزدت بعض مسَائِل.
فَمن ذَلِك: إِذا دَار اللَّفْظ بَين كَونه حَقِيقَة أَو مجَازًا مَعَ الِاحْتِمَال، كالأسد مثلا للحيوان المفترس حَقِيقَة، وللرجل الشجاع مجَاز، فَإِذا أطلق وَلَا قرينَة كَانَ للحيوان المفترس، لِأَن الأَصْل الْحَقِيقَة، وَالْمجَاز خلاف الأَصْل.
فَإِن أُرِيد بِالْأَصْلِ الْغَالِب، فالمخالف فِيهِ ابْن جني كَمَا تقدم، وَإِن أُرِيد بِهِ الدَّلِيل، فَالْمُرَاد: أَن الْمجَاز على خلاف الدَّلِيل، وَتقدم حكم الْمجَاز الرَّاجِح والحقيقة المرجوحة وَالْخلاف فِي ذَلِك.
وَكَذَلِكَ إِذا دَار الْأَمر فِي اللَّفْظ بَين جَرَيَانه على عُمُومه أَو تَخْصِيصه، فَالْأَصْل بَقَاء الْعُمُوم، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣] ، يدْخل فِي عُمُومه: الحرتين، والأمتين، وَإِذا كَانَت إِحْدَاهمَا أمة وَالْأُخْرَى حرَّة، فَيحمل على عُمُومه وَلَا يخصص بالحرتين.
وَكَذَلِكَ الْمسَائِل الْبَاقِيَة تحمل على مَا قُلْنَا، وَيعرف ذَلِك بِأَدْنَى تَأمل لمن عِنْده أدنى تَمْيِيز.
وَقد مثل الْقَرَافِيّ لكل مَسْأَلَة مِثَالا فِي " شرح التَّنْقِيح ".
стр. 696
قَوْله: ﴿وَيحمل اللَّفْظ على عرف الْمُتَكَلّم مُطلقًا، وَتَأْتِي تتمته﴾ .
وَقد تقدم فِي الْمَسْأَلَة: إِذا احْتمل اللَّفْظ مَعْنيين فَأكْثر وَلَا قرينَة حمل على الأَصْل، فَإِن وجد قرينَة وَدَلِيل رَاجِح ترك الأَصْل وَعمل بذلك فِي الْجُمْلَة، فَإِذا كَانَ للمتكلم بذلك عرف رَجَعَ فِي ذَلِك إِلَى عرفه، كالفقيه مثلا يرجع إِلَى عرفه فِي كَلَامه ومصطلحاته، وَكَذَلِكَ الأصولي، والمحدث، والمفسر، واللغوي، وَنَحْوهم من أَرْبَاب الْعُلُوم، وَكَذَلِكَ إِذا سمع من الشَّارِع شَيْئا، حمله على عرفه من مَدْلُول اللَّفْظ.
قَوْله: (وَتَأْتِي تتمته) .
يَأْتِي اللَّفْظ اللّغَوِيّ والشرعي فِي آخر الْمُجْمل، فِيمَا إِذا كَانَ للفظ حَقِيقَة لغوية وَحَقِيقَة شَرْعِيَّة أَو عرفية، كَالصَّلَاةِ مثلا وَالدَّابَّة، هَل هُوَ الشَّرْعِيّ، أَو غَيره، أَو مُجمل؟
стр. 697
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿مبدأ اللُّغَات تَوْقِيف من الله تَعَالَى، بإلهام، أَو وَحي، أَو كَلَام، عِنْد أبي الْفرج، والموفق والطوفي، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، والظاهرية، والأشعرية، قَالَ فِي " الْمقنع ": (وَهُوَ الظَّاهِر عندنَا) .
أَبُو هَاشم وَجمع: اصطلاحية، وَضعهَا وَاحِد أَو جمَاعَة، وَعرف الْبَاقُونَ بِإِشَارَة وتكرار.
الْأُسْتَاذ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ توقيفي، وَغَيره [مُحْتَمل أَو اصْطِلَاح] .
стр. 698
وَقيل: عَكسه.
ابْن عقيل [وَجمع] : بَعْضهَا تَوْقِيف، وَبَعضهَا اصْطِلَاح، وَعِنْده: الِاصْطِلَاح بعد خطابه تَعَالَى.
القَاضِي، وأبوالخطاب، والباقلاني، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْن برهَان، وَجمع: الْكل مُمكن. ووقف قوم﴾ .
هَذَا نقل الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
فَأَبُو هَاشم وَجَمَاعَة قَالُوا: هِيَ اصطلاحية، وَضعهَا وَاحِد أَو جمَاعَة / وَعرف الْبَاقُونَ بِإِشَارَة وتكرار، كالطفل، والأخرس، والجارح للاصطياد.
وَمَا قدمْنَاهُ عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الأسفراييني هُوَ الَّذِي حَكَاهُ عَنهُ ابْن برهَان، والآمدي، وَغَيرهمَا، وَهُوَ الصَّحِيح فِي النَّقْل عَنهُ، الْمَوْجُود فِي كِتَابه.
стр. 699
وَنقل ابْن الْقشيرِي والرازي والبيضاوي عَنهُ: أَن مَا لم يحْتَج إِلَيْهِ اصْطِلَاح، وَفِي الْمَسْأَلَة قَول عكس قَول الْأُسْتَاذ، وَهُوَ: أَن يكون الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ مُحْتملا أَو مصطلحاً، على الرأيين، وَالْبَاقِي توقيفاً، وَرُبمَا عبر عَن هذَيْن الْقَوْلَيْنِ: بِأَن مبدأ اللُّغَة توقيفي وَالْبَاقِي مصطلح، وَبِالْعَكْسِ.
وَتقدم قَول ابْن عقيل: وَغَيره وَحَكَاهُ عَن الْمُحَقِّقين، وَعِنْده: الِاصْطِلَاح بعد خطابه تَعَالَى، وأبطل القَوْل بسبقه لَهُ.
وَتقدم قَول الباقلاني وَمن مَعَه: أَن الْكل مُمكن، فمذهب هَؤُلَاءِ لَا يقْضى فِيهَا بتوقيف وَلَا اصْطِلَاح، لَا فِي الْكل وَلَا فِي الْبَعْض، لتعارض الْأَدِلَّة، فَلم يرجحوا شَيْئا.
وَذهب ابْن الْحَاجِب، وَابْن دَقِيق الْعِيد، والتاج السُّبْكِيّ: إِلَى الْوَقْف عَن الْقطع بِوَاحِد من الِاحْتِمَالَات، وَلَكِن التَّوْقِيف مُطلقًا هُوَ الْأَغْلَب على الظَّن.
стр. 700
وَفِي كَلَام أبي الْخطاب: (أَيْضا لَا يجوز أَن يكون شَيْء مِنْهَا توقيفاً) ، وَحكي عَن الْمُعْتَزلَة، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا أَظُنهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، أَو جده الْمجد -: (قطع قوم بِأحد مَا ذكرنَا عينا، وظنه قوم، وَتوقف الْأَكْثَر) .
فَائِدَة: اخْتلف: هَل لهَذَا الْخلاف فَائِدَة أم لَا؟
ذهب كثير إِلَى أَنه لَا فَائِدَة لَهُ.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا وضعت لتكميل الْعلم بِهَذِهِ الصِّنَاعَة، أَو جَوَاز قلب مَا لَا يُطلق لَهُ بِالشَّرْعِ، كتسمية الْفرس ثوراً، وَعَكسه.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّهَا جرت فِي الْأُصُول مجْرى الرياضيات: كمسائل الْجَبْر، والمقابلة.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: (فَائِدَة الْخلاف، وَمن قَالَ بالتوقيف جعل التَّكْلِيف مُقَارنًا لكَمَال الْعقل، وَمن جعله اصْطِلَاحا جعله مُتَأَخِّرًا مُدَّة الِاصْطِلَاح) .
وَزعم بعض الْحَنَفِيَّة أَنهم يَقُولُونَ بالتوقيف، وَعزا الِاصْطِلَاح للشَّافِعِيَّة.
стр. 701
ثمَّ قَالَ: (وَفَائِدَة الْخلاف: أَنه يجوز التَّعَلُّق باللغة عِنْد الْحَنَفِيَّة لإِثْبَات حكم الشَّرْع من غير رُجُوع إِلَى الشَّرْع) .
اسْتدلَّ الْقَائِل بالتوقيف بقوله تَعَالَى: ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٣١] .
قَالُوا: ألهمه، أَو علمه بَعْضهَا، أَو اصْطِلَاحا سَابِقًا، أَو حَقِيقَة الشَّيْء وَصفته، لقَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة﴾ [الْبَقَرَة: ٣١] .
رد: الأَصْل اتِّحَاد الْعلم، وَعدم اصْطِلَاح سَابق، وَحَقِيقَة اللَّفْظ، وَقد أكده ب (كلهَا) ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " فِي حَدِيث الشَّفَاعَة: " وعلمك أَسمَاء كل شَيْء "، وَفِي الرَّابِع: إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه فِي قَوْله: ﴿بأسماء هَؤُلَاءِ﴾ ، فالتعليم للأسماء، وَضمير ﴿عرضهمْ﴾ للمسميات، ولظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتب من شَيْء﴾ [الْأَنْعَام: ٣٨] ، وَلقَوْله تَعَالَى: ﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ [العلق: ٥] ، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم﴾ [الرّوم: ٢٢] ، وَحمله على اللُّغَة أبلغ من الْجَارِحَة، وعَلى اخْتِلَاف اللُّغَات أولى من الإقدار عَلَيْهَا، لقلَّة الْإِضْمَار.
стр. 702
وَاسْتدلَّ الْقَائِل بالاصطلاح بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤] ، فاللغة سَابِقَة لِئَلَّا يلْزم الدّور.
رد: لَا ينْحَصر التَّوْقِيف فِي الرسَالَة، وَيجوز تَعْلِيم آدم قبل بعثته.
قَالُوا: التَّوْقِيف يتَوَقَّف على معرفَة أَن ذَلِك اللَّفْظ لذَلِك الْمَعْنى، وَلَا يعرف إِلَّا بِأَمْر خَارج، فَإِن كَانَ توقيفاً تسلسل، فَتعين الِاصْطِلَاح.
رد: بِقطع التسلسل بِخلق علم ضَرُورِيّ لمن سمع [اللَّفْظ] أَنه لذَلِك الْمَعْنى، وَيلْزم مثله فِي الِاصْطِلَاح؛ لِأَن مَا يتخاطب بِهِ إِن كَانَ باصطلاح تسلسل، فَتعين التَّوْقِيف.
قَوْله: ﴿فَائِدَتَانِ:
إِحْدَاهمَا: يجوز تَسْمِيَة الشَّيْء بِغَيْر التَّوْقِيف، مَا لم يحرمه الله تَعَالَى، فَيبقى لَهُ اسمان: [توقيفي، واصطلاحي] ، ذكره القَاضِي [أَبُو يعلى] ، وَالشَّيْخ [تَقِيّ الدّين] ، [تبعا لِابْنِ الباقلاني] ، [وَصَاحبه] .
стр. 703
وَغَيرهم، وَخَالف [فِي ذَلِك] الظَّاهِرِيَّة وَغَيرهم﴾ .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (ذهب بعض أَصْحَاب التَّوْقِيف إِلَى أَنه لَا يجوز، وَهُوَ قَول دَاوُد وَأَصْحَابه، ذكره ابْن حَامِد) انْتهى.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: يجوز أَن تسمى الْأَشْيَاء بِغَيْر الْأَسْمَاء الَّتِي وَضعهَا الله تَعَالَى علما لَهَا، إِذا لم يَقع حظر) .
قَوْله: ﴿الثَّانِيَة: أَحْمد، وَالْأَكْثَر؛ أَسمَاء الله تَعَالَى توقيفية لَا تثبت بِقِيَاس، وَعنهُ، وَقَالَهُ القَاضِي، وَغَيره، والمعتزلة، والكرامية: بلَى، والباقلاني، وَالْغَزالِيّ، والرازي: فِي الصِّفَات لَا الْأَسْمَاء﴾ .
قَالَ الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ ": (اخْتلف فِي الْأَسْمَاء الْحسنى، هَل هِيَ توقيفية؟ بِمَعْنى: أَنه لَا يجوز لأحد أَن يشتق من الْأَفْعَال الثَّابِتَة لله تَعَالَى أَسمَاء، إِلَّا إِذا ورد نَص فِي الْكتاب أَو السّنة.
فَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ: " الْمَشْهُور عَن أَصْحَابنَا: أَنَّهَا توقيفية.
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة، والكرامية: إِذا دلّ الْعقل على أَن معنى اللَّفْظ ثَابت فِي حق الله تَعَالَى، جَازَ إِطْلَاقه على الله تَعَالَى.
стр. 704
وَقَالَ القَاضِي، وَالْغَزالِيّ: الْأَسْمَاء توقيفية دون الصِّفَات.
قَالَ: وَهَذَا الْمُخْتَار ".
وَاحْتج الْغَزالِيّ: " بالِاتِّفَاقِ على أَنه لَا يجوز أَن يُسَمِّي رَسُول الله ﷺ َ - باسم لم يسمه بِهِ أَبوهُ، وَلَا يُسمى بِهِ نَفسه، وَكَذَا كل كَبِير من الْخلق ".
قَالَ: " فَإِذا امْتنع فِي حق المخلوقين، فامتناعه فِي حق الله تَعَالَى أولى ".
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم وَلَا صفة توهم نقصا، وَلَو ورد ذَلِك نصا، فَلَا يُقَال: ماهد ، وَلَا زارع، وَلَا فالق، وَلَا نَحْو ذَلِك، وَإِن ثَبت فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنعم الماهدون﴾ [الذاريات: ٤٨] ، ﴿أم نَحن الزارعون﴾ [الْوَاقِعَة: ٦٤] ، ﴿فالق الْحبّ والنوى﴾ [الْأَنْعَام: ٩٥] ، وَنَحْوهَا.
وَلَا يُقَال لَهُ: ماكر وَلَا بِنَاء، وَإِن ورد: ﴿ومكر الله﴾ [آل عمرَان: ٥٤] ، ﴿وَالسَّمَاء بنيناها﴾ [الذاريات: ٤٧] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي: " الْأَسْمَاء تُؤْخَذ توقيفاً من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع "، فَكل اسْم ورد فِيهَا وَجب إِطْلَاقه فِي وَصفه، وَمَا لم يرد لَا يجوز وَلَو صَحَّ مَعْنَاهُ.
стр. 705
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج: (لَا يجوز لأحد أَن يَدْعُو الله تَعَالَى بِمَا لم يصف بِهِ نَفسه) .
وَالضَّابِط: أَن كلما أذن الشَّارِع أَن يدعى بِهِ سَوَاء كَانَ مشتقاً أَو غير مُشْتَقّ فَهُوَ من أَسْمَائِهِ، وَكلما جَازَ أَن ينْسب إِلَيْهِ سَوَاء كَانَ مِمَّا يدْخلهُ التَّأْوِيل أَو لَا فَهُوَ من صِفَاته، وَيُطلق عَلَيْهِ اسْما أَيْضا -) انْتهى كَلَام الْحَافِظ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور فِي " التَّحْصِيل ": (أجمع أَصْحَابنَا على أَن أَسمَاء الله توقيفية، وَلَا يجوز إِطْلَاق شَيْء مِنْهَا بِالْقِيَاسِ، وَإِن كَانَ فِي معنى الْمَنْصُوص، وَجوزهُ معتزلة الْبَصْرَة.
وَقَالَ: وَأما أَسمَاء غَيره، فَالصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي: جَوَاز الْقيَاس فِيهَا، وَقَالَ بعض أَصْحَابه مَعَ أَكثر أهل الرَّأْي بامتناع الْقيَاس، وَأَجْمعُوا: أَنه لَو حدث فِي الْعَالم شَيْء بِخِلَاف الحوداث كلهَا جَازَ أَن يوضع لَهُ اسْم) انْتهى.
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى من أَئِمَّة أَصْحَابنَا فِي " الْمُعْتَمد ": (يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى بِكُل اسْم ثَبت لَهُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة، وَدلّ الْعقل والتوقيف عَلَيْهِ، إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك سمع وتوقيف، وَلَا نقف على جَوَاز تَسْمِيَته " دَلِيلا "، وَأَن يدعى بِهِ على مَا بَينه فِيمَا بعد، وَإِن لم يرد بذلك نَص كتاب
следующие страницы →