Полный текст (4 267 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وَهَذَا قَول الْأَشْعَرِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْضَاوِيّ، قَالَ: (لِأَن الحكم عِنْده قديم) ، فتفسير الْوَقْف بِعَدَمِ الحكم، يلْزم مِنْهُ حُدُوث الحكم، وَهُوَ خلاف مذْهبه ,
وَكَذَا فسر فِي " الْمَحْصُول " مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ فِي الْوَقْف بذلك، ورد.
فعلى الأول لَا إِثْم بالتناول: كَفعل الْبَهِيمَة، لَكِن لَا يُفْتى بِهِ فِي الْأَصَح، اخْتَارَهُ ابْن عقيل، وَابْن حمدَان.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (وَفِيه خلاف) ، أَي: بالإفتاء.
قَوْله: ﴿وَفرض ابْن عقيل الْمَسْأَلَة فِي الْأَفْعَال والأقوال قبل السّمع﴾ .
وطرد ابْن عقيل خلاف الْوَقْف فِي كل الْأَشْيَاء حَتَّى فِي التَّثْنِيَة، والتثليث، وَالسُّجُود للصنم، وَصرف الْعِبَادَة وَالشُّكْر إِلَى غير الله تَعَالَى، الْوَاحِد الْقَدِيم الَّذِي قد عرف وحدته وَقدمه.
стр. 772
قَالَ: (وَيجب القَوْل باستصحاب الْحَال الْعقلِيّ، مثل أَن يدل الدَّلِيل الْعقلِيّ على أَن الْأَشْيَاء على الْحَظْر أَو على الْإِبَاحَة، قبل وُرُود الشَّرْع بذلك، فنستصحب هَذَا الأَصْل حَتَّى يدل دَلِيل الشَّرْع على خِلَافه) انْتهى.
وَالصَّحِيح خلاف ذَلِك.
قَالَ القَاضِي فِي مَسْأَلَة الْأَعْيَان قبل الشَّرْع: (إِنَّمَا يتَصَوَّر هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الْأَحْكَام الشرعيات، من تَحْرِيم الْخمر، وَإِبَاحَة لحم الْأَنْعَام، وَمَا أشبه ذَلِك، مِمَّا قد كَانَ يجوز حظره، وَتجوز إِبَاحَته، فَأَما مَا لَا يجوز فِيهِ الْحَظْر بِحَال: كمعرفة الله تَعَالَى، وَمَعْرِفَة وحدانيته، وَمَا لَا تجوز عَلَيْهِ الْإِبَاحَة: كالكفر بِاللَّه، وَجحد التَّوْحِيد، وَغَيره، فَلَا يَقع فِيهِ خلاف، بل هُوَ على صفة وَاحِدَة لَا تَتَغَيَّر وَلَا تنْقَلب، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِيمَا ذكرنَا) انْتهى.
﴿وَعند الْمُعْتَزلَة: يُبَاح مَا يحْتَاج إِلَيْهِ﴾ .
قسمت الْمُعْتَزلَة الْأَفْعَال غير الاضطرارية كالتنفس مثلا، وَالْحَرَكَة فِي الْجِهَات، فَإِنَّهُ غير مَمْنُوع مِنْهُ، مَعَ عدم نطق الشَّرْع بِهِ إِلَى مَا لَا يقْضِي الْعقل فِيهِ بِحسن وَلَا قبح، [لَا ضَرُورَة وَلَا نظرا] ، وَإِلَى مَا يقْضِي فِيهِ بأحدها ضَرُورَة أَو نظرا.
стр. 773
فَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ يُبَاح، ﴿وَمَا حكم الْعقل فِيهِ بِشَيْء﴾ ، وينقسم إِلَى الْأَحْكَام الْخَمْسَة، بِحَسب تَرْجِيح فعله على تَركه، وَعَكسه، وذم فَاعله، وَعَدَمه، واستوائه.
وَمعنى ذَلِك لأبي الْحسن التَّمِيمِي من أَصْحَابنَا.
فَمَا قضى بحسنه إِن لم يتَرَجَّح فعله على تَركه فَهُوَ الْمُبَاح، وَإِن ترجح، فَإِن لحق الذَّم على تَركه فَهُوَ الْوَاجِب، وَإِلَّا فَهُوَ الْمَنْدُوب، وَمَا قضى بقبحه إِن قضى بالذم على فعله [فالحرام] ، وَإِلَّا فالمكروه.
وَمَا لم يحكم الْعقل فِيهِ بِشَيْء فَلهم فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: الْحَظْر، وَالثَّانِي: الْإِبَاحَة، وَالثَّالِث: التَّوَقُّف.
فَيُقَال للحاظر مِنْهُم: لَو كَانَت محظورة، وفرضنا ضدين: كالحركة والسكون، لزم التَّكْلِيف بالمحال، وَأَنْتُم لَا تَقولُونَ بِهِ.
وَيُقَال للمبيح: إِن أردْت لَا حرج فِي هَذَا الْقسم من الْفِعْل، فَمُسلم، وَلَا يجديك نفعا، لِأَن انْتِفَاء الْحَرج، إِنَّمَا يتَصَوَّر بأمرين:
стр. 774
عدم الْحَاكِم بالحرج، وسلب الْحَاكِم الْحَرج عَن الْفِعْل، وَالْأول مُسلم، وَالثَّانِي مَمْنُوع اتِّفَاقًا، أما عندنَا فلعدم الشَّرْع، وَأما عنْدكُمْ: فلعدم حكم الْعقل فِي هَذَا الْقسم.
وَيُقَال للْوَاقِف: إِن توقفت فِي الحكم لعدم السّمع فَهُوَ مَذْهَب كثير منا، وَإِن توقفت لتعارض الْأَدِلَّة فَلَا تعَارض.
فَبَطل حكم الْعقل فِي هَذَا الْمَسْأَلَة وَالله تَعَالَى أعلم.
قَالَ ابْن التلمساني: (والقائلون بالحظر لَا يُرِيدُونَ بِاعْتِبَار صفة فِي الْمحل، بل حظر احتياطي، كَمَا يجب اجْتِنَاب الْمَنْكُوحَة إِذا اخْتلطت بأجنبية، والقائلون بِالْوَقْفِ أَرَادوا وقف حيرة) .
هَكَذَا حرر الْآمِدِيّ، وَابْن الْحَاجِب، مَوضِع الْخلاف، وَأطْلقهُ فِي " الْمَحْصُول ".
قَالَ الْقَرَافِيّ: (إِطْلَاقه الْخلاف يُنَافِي قواعدهم، إِذْ الْحَظْر يَقْتَضِي تَحْرِيم إنقاذ الغريق، وَالْإِبَاحَة تَقْتَضِي إِبَاحَة الْقَتْل، أما مَا لَا يطلع الْعقل على مفسدته أَو مصْلحَته فَيمكن أَن يَجِيء فِيهِ الْخلاف، وَحكى أَبُو الْحُسَيْن فِي " الْمُعْتَمد " عَنْهُم الْخلاف من غير تَقْيِيد، وَهُوَ أعلم بمذهبهم، فَرَجَعت إِلَى طَريقَة الرَّازِيّ) .
стр. 775
قَوْله: ﴿تَنْبِيهَات: الأول: قَالَ الخرزي، وَجمع: لَا فَائِدَة لَهَا [- أَي: لهَذِهِ الْمَسْأَلَة -] لِأَنَّهُ لم يخل وَقت من شرع.
قَالَ القَاضِي: وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَحْمد﴾ .
لِأَنَّهُ أول مَا خلق آدم، قَالَ لَهُ: ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة [فكلا] من حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ ، أَمرهمَا ونهاهما عقب خلقهما، فَكَذَلِك كل زمَان.
قَالَ الخرزي: (لم تخل الْأُمَم من حجَّة) ، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ [الْقِيَامَة: ٣٦] والسدى: الَّذِي لَا يُؤمر وَلَا ينْهَى، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا﴾ [النَّحْل: ٣٦] ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ [فاطر: ٢٤] .
стр. 776
قَالَ القَاضِي: (هَذَا ظَاهر رِوَايَة عبد الله فِيمَا خرجه فِي محبسه: " الْحَمد الله الَّذِي جعل فِي [كل] زمَان فَتْرَة من الرُّسُل بقايا من أهل الْعلم "، فَأخْبر أَن كل زمَان فِيهِ قوم من أهل الْعلم) .
﴿قَالَ [القَاضِي] : وتتصور [فائدتها] فِيمَن خلق ببرية [و] لم يعرف شرعا، وَعِنْده فواكه [وأطعمة، وَكَذَا قَالَ] . .
стр. 777
أَبُو الْخطاب.
وَقَالَ أَيْضا [أَبُو الْخطاب] : لَو قَدرنَا خلو شرع عَن [حكمهَا] ، مَا حكمهَا؟﴾ .
[قَالَ القَاضِي] : (وتفيد فِي الْفِقْه أَن من حرم شَيْئا أَبُو أَو أَبَا [حه، فَقَالَ] : بقيت على حكم الْعقل، هَل يَصح ذَلِك؟ وَهل يلْزم خَصمه احتجاجه بذلك؟ وَهَذَا [مِمَّا يحْتَاج] إِلَيْهِ الْفَقِيه) .
стр. 778
وَكَذَا قَالَ فِي " التَّمْهِيد " و " الرَّوْضَة ": [إِن من] حرم شَيْئا أَو أَبَاحَهُ بَقِي] على حكم الأَصْل) .
وَكَذَا قَالَ ابْن عقيل: (من شَرط الْمُفْتى: معرفَة الأَصْل [الَّذِي يَنْبَنِي] عَلَيْهِ اسْتِصْحَاب الْحَال، ليتمسك بِهِ عِنْد عدم الْأَدِلَّة) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد كَلَام ابْن عقيل عَن كَلَام أَحْمد وَالْقَاضِي -: (فقد جعل ابْن عقيل مورد الْخلاف [الَّذِي ذكره القَاضِي فِيمَا سكت عَنهُ] السّمع بعد مَجِيئه، فَصَارَ فِي فائدتها ثَلَاثَة أَقْوَال: [أَحدهَا: عِنْد عدم السّمع، وَالثَّانِي] : بعد مَجِيء [السّمع، وَالثَّالِث] : يعمهما جَمِيعًا) . ذكره فِي [المسودة] .
وَقَالَ [ابْن مُفْلِح فِي] " أُصُوله ": (وَذكر [بعض أَصْحَابنَا]
стр. 779
فِي فائدتها أقوالا:
أَحدهَا: [قبل] السّمع، [وَبعده يُقَاس الْمَسْكُوت] على الْمَنْصُوص، قَالَه الخرزي وَغَيره.
وَالثَّانِي: بعده، قَالَه ابْن عقيل، [على عدم التحسين.
وَالثَّالِث] : يعمهما، قَالَه القَاضِي، وَغَيره) انْتهى. [وَالَّذِي صرح بِهِ الْبرمَاوِيّ عَن أَصْحَابهم] : (أَن مَحل الْأَقْوَال الثَّلَاثَة بعد [وُرُود الشَّرْع، فِي صُورَة لَا يُوجد فِيهَا حكم فِي الشَّرْع] .
أصلا) .
قَوْله: ﴿الثَّانِي: قَالَ [الْحلْوانِي وَغَيره] : عرفنَا [الْإِبَاحَة والحظر بالإلهام] ، وَهُوَ مَا يُحَرك الْقلب بِعلم، ويطمئن بِهِ، [وَيَدْعُو إِلَى]
стр. 780
الْعَمَل بِهِ﴾ .
بعض [الْعلمَاء قَالَ بِأَن] الْأَعْيَان المنتفع بهَا قبل الشَّرْع على الْحَظْر أَو الْإِبَاحَة، مَعَ القَوْل بِأَن الْعقل لَا يُوجب وَلَا يحرم وَلَا يحسن وَلَا يقبح، فِيمَا إِذا حكمنَا عَلَيْهَا بالحظر أَو الْإِبَاحَة [ ... ] مِمَّا قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل فِي " أُصُوله ": قَالَ بعض [الْعلمَاء: من لم يُوَافق الْمُعْتَزلَة فِي] التحسين والتقبيح، وَقَالَ بِالْإِبَاحَةِ أَو [الْحَظْر فقد نَاقض] .
وَقَالَ [غَيره: دلّت] الدَّلَائِل على حظره [فِيمَا سلف ... ] غَيره [.] .
﴿وَحكى القَاضِي [أَبُو يعلى] [فِي الإلهام: هَل هُوَ] .
стр. 781
[طَرِيق شَرْعِي] ؟ [على قَوْلَيْنِ] ﴾ .
[وَقَالَ القَاضِي] أَبُو يعلى: (لَا يمْتَنع أَن نقُول قبل وُرُود الشَّرْع: إِن الْعقل يقبح أَو يحسن إِلَى أَن [ورد] الشَّرْع فَمنع ذَلِك؛ إِذْ لَيْسَ قبل وُرُود الشَّرْع مَا يمنعهُ) .
قَالَ: (وَقد قيل: علمناه من طَرِيق شَرْعِي، وَهُوَ إلهام من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ، بحظره وإباحته، كَمَا ألهم أَبَا بكر، وَعمر.
стр. 782
أَشْيَاء ورد الشَّرْع [بموافقتها] .
كَمَا ألهم أَبَا بكر أَن قَالَ: " فِي بطن أم عبد جَارِيَة ") .
وَكَذَلِكَ قَالَ الْحلْوانِي وَغَيره، وضعفها الشَّيْخ تَقِيّ الدّين على هَذَا الأَصْل.
وَحكى فِي " جمع الْجَوَامِع " أَن بعض الصُّوفِيَّة قَالَ بِهِ.
وَقَالَهُ ابْن السَّمْعَانِيّ نقلا عَن أبي زيد الدبوسي فَإِنَّهُ ذكره عقب ذكره إبِْطَال التَّقْلِيد فِي جملَة الِاسْتِدْلَال.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَكَانَ الْحَنَفِيَّة لما توسعوا فِي الِاسْتِحْسَان وحدوه
стр. 783
بِأَنَّهُ: دَلِيل ينقدح فِي نفس الْمُجْتَهد تقصر عَنهُ عِبَارَته، فَهُوَ قريب من معنى الإلهام، فاستطرد إِلَى ذكره.
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو زيد: " الإلهام: مَا حرك الْقلب بِعلم يَدْعُوك إِلَى الْعَمَل بِهِ، من غير اسْتِدْلَال [بِآيَة] وَلَا نظر فِي حجَّة ".) .
وَقَالَ: (الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعلمَاء: أَنه خيال، لَا يجوز الْعَمَل بِهِ إِلَّا عِنْد فقد الْحجَج كلهَا، من بَاب مَا أُبِيح [عمله] بِغَيْر علم.
وَقَالَ بعض [الْجَهْمِية] : هُوَ حجَّة بِمَنْزِلَة الْوَحْي المسموع من رَسُول الله ﷺ َ -، وَاحْتَجُّوا لَهُ بحجج مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشَّمْس: ٧ ٨] ، أَي: عرفهَا بالإيقاع فِي الْقلب، وَقَوله تَعَالَى: (فَمن يرد الله أَن يهديه
стр. 784
يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ [الْأَنْعَام: ١٢٥] ، وَقَول النَّبِي ﷺ َ -: " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله ".
وَقَوله ﷺ َ -: " الْإِثْم مَا حاك فِي الصَّدْر وَإِن أَفْتَاك النَّاس وأفتوك "،
стр. 785
فقد جعل النَّبِي ﷺ َ - شَهَادَة قلبه بِلَا حجَّة أولى من الْفَتْوَى، فَثَبت أَن الإلهام حق، فَإِنَّهُ وَحي بَاطِن، إِلَّا أَن العَبْد إِذا عصى ربه وَعمل بهواه حرم هَذِه الْكَرَامَة.
وَلَا حجَّة فِي شَيْء من ذَلِك، لِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد الْإِيقَاع فِي الْقلب بِلَا دَلِيل، بل الْهِدَايَة إِلَى الْحق بِالدَّلِيلِ، كَمَا قَالَ عَليّ ﵁: " إِلَّا أَن يُؤْتِي الله عبدا فهما فِي كِتَابه ".
وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام البُلْقِينِيّ يَقُول: (الفتوحات الَّتِي يفتح بهَا على الْعلمَاء فِي الاهتداء إِلَى استنباط الْمسَائِل المشكلة من الْأَدِلَّة، أعظم نفعا وَأكْثر فَائِدَة مِمَّا يفتح بِهِ على الْأَوْلِيَاء من الِاطِّلَاع على بعض الغيوب، فَإِن ذَلِك لَا يحصل بِهِ من النَّفْع مثل مَا يحصل بِهَذَا، - وَأَيْضًا هَذَا موثوق بِهِ لرجوعه إِلَى أصل شَرْعِي، وَذَلِكَ قد يضطرب) .
стр. 786
قَالَ الزَّرْكَشِيّ شَارِح " جمع الْجَوَامِع " -: (مِمَّن أثْبته الإِمَام شهَاب الدّين السهروردي، قَالَ فِي " أَمَالِيهِ ": (وَهُوَ علم يحدث فِي النَّفس المطمئنة الزكية "، وَفِي الحَدِيث: " إِن من أمتِي محدثين، وَإِن عمر مِنْهُم " انْتهى.
﴿وَقيل: دلنا الدَّلِيل على حظره فِيمَا سلف﴾ .
اسْتدلَّ لهَذَا القَوْل بقوله تَعَالَى: ﴿يسئلونك مَاذَا أحل﴾ الْآيَة: [الْمَائِدَة: ٤] ، فَدلَّ على أَن التَّحْرِيم كَانَ سَابِقًا.
стр. 787
قَوْله: ﴿الثَّالِث: الْعُقُود وَنَحْوهَا: كالأعيان، بل دخلت فِي كَلَام الْأَكْثَر﴾ .
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل فِي " أُصُوله ": (الْعُقُود والمعاملات قبل الشَّرْع حكمهَا حكم الْأَعْيَان، بل قد دخلت فِي كَلَام الْجُمْهُور) انْتهى.
فَيكون الْخلاف الَّذِي فِي الْأَعْيَان يَأْتِي فِيهَا، وَقد تقدم كَلَام ابْن عقيل أَنه فرض الْمَسْأَلَة فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال، فَدخل ذَلِك فِي كَلَامه، وَتقدم كَلَام القَاضِي بقوله: (إِنَّمَا الْخلاف فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة) ، والعقود والمعاملات من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة.
стр. 788
قَوْله: ﴿فصل الحكم الشَّرْعِيّ﴾
اعْلَم أَن الحكم مصدر قَوْلك: حكم بَينهم يحكم حكما، إِذا قضى، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة: الْمَنْع، وَإِلَيْهِ ترجع تراكيب مَادَّة: ح، ك، م، أَو أَكْثَرهَا.
فَمن ذَلِك: حكمت الرجل تحكيماً، إِذا منعته مِمَّا أَرَادَ.
وحكمت السَّفِيه بِالتَّخْفِيفِ -، وأحكمت، إِذا أخذت على يَده.
قَالَ الشَّاعِر:
стр. 789
( [أبني] حنيفَة أحكموا [صِبْيَانكُمْ] ... إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم أَن أغضبا)
وَسمي القَاضِي: حَاكما؛ لمَنعه الْخُصُوم من التظالم.
وَسميت هَذِه الْمعَانِي نَحْو: الْوُجُوب، والحظر، وَغَيرهمَا: أحكاماً؛ لِأَن معنى الْمَنْع مَوْجُود فِيهَا.
إِذا تقرر ذَلِك؛ فقد قَالَ الإِمَام أَحْمد: (الحكم الشَّرْعِيّ: خطاب الشَّرْع وَقَوله) انْتهى.
وَمرَاده: مَا وَقع بِهِ الْخطاب، أَي: مَدْلُوله وَهُوَ الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم والإحلال، وَهُوَ صفة الْحَاكِم.
فَهُوَ عِنْد الإِمَام أَحْمد: مَدْلُول خطاب [الشَّرْع] ، فَشَمَلَ الْأَحْكَام [الْخَمْسَة] وَغَيرهَا، [وَالظَّاهِر أَن] الإِمَام أَحْمد أَرَادَ بِزِيَادَة: (وَقَوله) ،
стр. 790
على خطاب الشَّرْع، التَّأْكِيد، من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص؛ [لِأَن] كل خطاب قَول، وَلَيْسَ كل قَول خطاب.
فَائِدَة: الحكم، نفس خطاب الله تَعَالَى، فالإيجاب مثلا: هُوَ نفس قَول الله تَعَالَى: ﴿أقِم الصَّلَاة﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٨] ، وَلَيْسَ الْفِعْل صفة من القَوْل، إِذْ القَوْل مُتَعَلق بالمعدوم، وَهُوَ فعل الصَّلَاة فِي الْمِثَال الْمَذْكُور، وَإِذا كَانَ الْفِعْل مَعْدُوما فصفته الْمُتَأَخِّرَة عَنهُ أولى بِالْعدمِ، - فَالْحكم وَهُوَ الْإِيجَاب مثلا لَهُ تعلق بِفعل الْمُكَلف وَإِن كَانَ مَعْدُوما.
فبالنظر إِلَى نَفسه الَّتِي هِيَ صفة الله يُسمى إِيجَابا، وبالنظر إِلَى مَا تعلق بِهِ وَهُوَ فعل الْمُكَلف يُسمى وجوبا، فهما متحدان بِالذَّاتِ، مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ، وَلِهَذَا ترى الْمُحَقِّقين تَارَة يعْرفُونَ الْإِيجَاب، وَتارَة يعْرفُونَ الْوُجُوب، نظرا إِلَى الاعتبارين.
هَذَا حَاصِل كَلَام القَاضِي عضد الدّين، مَعَ توضيح فِيهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَه إِنَّمَا هُوَ كالجواب عَن الِاعْتِرَاض بقَوْلهمْ: الْمَقْصُود فِي تَعْرِيف الحكم؛ تَعْرِيف المصطلح بَين الْفُقَهَاء، لِأَنَّهُ الْمَأْخُوذ من تَعْرِيف الْفِقْه، وَهُوَ لَيْسَ نفس الْخطاب، بل مَا ثَبت بِالْخِطَابِ، كالوجوب، وَالْحُرْمَة، أَعنِي: صفة فعل الْمُكَلف.
وَأجَاب غَيره عَن ذَلِك: (بِأَنَّهُ كَمَا أُرِيد بالحكم مَا حكم بِهِ، أُرِيد بِالْخِطَابِ مَا خُوطِبَ بِهِ، لظُهُور أَن صفة فعل الْمُكَلف، لَيْسَ [نفس]
стр. 791
الْخطاب الَّذِي هُوَ الْكَلَام الأزلي.
وَأجِيب أَيْضا: (بِأَن التَّعْرِيف إِنَّمَا هُوَ للْحكم حَقِيقَة، وَإِطْلَاق الحكم على الْوُجُوب وَالْحُرْمَة تسَامح) .
وأسدها كَلَام الْعَضُد.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ وَغَيره: (لما كَانَ كثير من الْعلمَاء يتسامحون بِإِطْلَاق اسْم نوع الحكم على مُتَعَلّقه من الْفِعْل وَعَكسه، فَيَقُولُونَ: الحكم: إِمَّا وَاجِب، أَو مَنْدُوب إِلَى آخِره، وَيَقُولُونَ فِي الْفِعْل: إِنَّه إِيجَاب، أَو ندب ... إِلَى آخِره، تعرضت للْفرق بَينهمَا بِحَسب الْحَقِيقَة، وَأَن
стр. 792
الْوَاجِب: مَا تعلق بِهِ الْإِيجَاب، وَالْمَنْدُوب: مَا تعلق بِهِ النّدب ... إِلَى آخِره، فيصاغ لكل فعل من الحكم الَّذِي تعلق بِهِ، [اسْم] يحصل بِهِ الْإِعْلَام والتمييز عَن بَقِيَّة الْأَفْعَال، فَيُقَال للْفِعْل الَّذِي تعلق بِهِ الْإِيجَاب: مُوجب، اسْم مفعول، وواجب لِأَنَّهُ [مُطَاوع] لأوجب، وَكَذَلِكَ يُقَال فِي الْبَقِيَّة) .
قَوْله: ﴿وَقيل: خطابه الْمُتَعَلّق بِفعل [الْمُكَلف] ﴾ .
[قَالَه] كثير من الْعلمَاء، وَهُوَ قريب من قَول الإِمَام أَحْمد؛ [إِلَّا] أَن هَذَا أصرح وأخص.
فَقَوله: (خطابه) ، أَي: خطاب الشَّرْع، فَدخل فِيهِ خطاب الله تَعَالَى،
стр. 793
وخطاب مَلَائكَته، وخطاب الرَّسُول ﷺ َ -، لَكِن خطاب الْمَلَائِكَة، وخطاب الرَّسُول دلّت على خطاب الله تَعَالَى.
فخطاب جنس، وَهُوَ مصدر خَاطب، لَكِن المُرَاد بِهِ هُنَا الْمُخَاطب بِهِ، لَا معنى الْمصدر الَّذِي هُوَ تَوْجِيه الْكَلَام لمخاطب، فَهُوَ من إِطْلَاق الْمصدر على اسْم الْمَفْعُول.
وَخرج: خطاب غير الشَّارِع؛ إِذْ لَا حكم إِلَّا للشارع.
وَخرج بقوله: (الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف) ، خَمْسَة أَشْيَاء.
الْخطاب الْمُتَعَلّق بِذَات الله، وَصفته، وَفعله، وبذات الْمُكَلّفين، والجماد.
فَالْأول: مَا تعلق بِذَاتِهِ، نَحْو ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمرَان: ١٨] .
وَالثَّانِي: مَا تعلق بِصفتِهِ، نَحْو: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٥، وَآل عمرَان: ٢] .
الثَّالِث: مَا تعلق بِفِعْلِهِ، نَحْو: ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ [الزمر: ٦٢] .
الرَّابِع: مَا تعلق بِذَات الْمُكَلّفين، نَحْو: ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم﴾ [الْأَعْرَاف: ١١] ، و ﴿خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ [النِّسَاء: ١، والأعراف: ١٨٩، وَالزمر: ٦] .
الْخَامِس: مَا تعلق بالجماد، نَحْو: ﴿وَيَوْم نسير الْجبَال﴾ [الْكَهْف: ٤٧] ، وَنَحْوهَا.
стр. 794
وَالْمرَاد بالمتعلق: الَّذِي من شَأْنه أَن يتَعَلَّق، من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يؤول إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَزِمَ أَنه قبل التَّعَلُّق لَا يكون حكما، إِذْ التَّعَلُّق حَادث عِنْد الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه، فَيكون مجَازًا، وَلَا يضر وُقُوعه فِي التَّعْرِيف، إِذا دلّت عَلَيْهِ الْقَرَائِن عِنْد الْغَزالِيّ، والقرافي، كَمَا تقدم.
وَإِن قيل: التَّعَلُّق قديم، وَاخْتَارَهُ / الرَّازِيّ فِي الْقيَاس، والسبكي، أَو قُلْنَا: لَهُ اعتباران، قبل وجوب التَّكْلِيف وَبعده، كَمَا قَالَه جمع مِنْهُم، فَلَا مجَاز فِي التَّعْرِيف.
وَالْمرَاد بِفعل الْمُكَلف: الْأَعَمّ من القَوْل [والاعتقاد] ، لتدخل عقائد الدّين والنيات فِي الْعِبَادَات، وَالْمَقْصُود: عِنْد اعْتِبَارهَا، وَنَحْو ذَلِك.
وَقُلْنَا: الْمُكَلف بِالْإِفْرَادِ -، ليشْمل مَا تعلق بِفعل الْوَاحِد: كخصائص النَّبِي ﷺ َ -، وكالحكم بِشَهَادَة
стр. 795
خُزَيْمَة، وإجزاء العناق فِي الْأُضْحِية لأبي بردة، وَقد ثَبت ذَلِك لغيره أَيْضا -، كزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ، وَعقبَة بن عَامر.
стр. 796
الْجُهَنِيّ، ذكره فِي " حَيَاة الْحَيَوَان "، والبرماوي.
وَالْمرَاد بالمكلف: الْبَالِغ الْعَاقِل الذاكر غير الملجأ، لَا من تعلق بِهِ التَّكْلِيف، وَإِلَّا لزم الدّور، إِذْ لَا يكون مُكَلّفا حَتَّى يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف، وَلَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف إِلَّا بمكلف. قَوْله: ﴿وَقيل: النَّاس﴾ ، أَي: الْمُتَعَلّق بِفعل النَّاس أَو الْعباد. وَقيل: وَهَذَا أولى؛ ليدْخل إِتْلَاف غير الْمُكَلف.
وَقيل: أُرِيد وليه. قَالَ الكوراني: (اعْترض أَن الْحَد غير منعكس لخُرُوج الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِفعل الصَّبِي.
стр. 797
وَالْجَوَاب: أَن الْأَحْكَام الَّتِي يتَوَهَّم تعلقهَا بِفعل الصَّبِي إِنَّمَا هِيَ مُتَعَلقَة بِفعل الْوَلِيّ، وَهُوَ الْمَأْمُور، وَهُوَ الآثم بِتَرْكِهَا، المثاب على فعلهَا) انْتهى.
قلت: وَكَذَا الْمَجْنُون كالصغير.
قَوْله: ﴿باقتضاء أَو تَخْيِير) ﴾ .
يخرج بهما مَا تعلق بِفعل الْمُكَلف على جِهَة الْإِخْبَار، نَحْو: ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ، وَقَوله ﷺ َ -: " صلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر "؛ فَإِنَّهُ [إِخْبَار بِخلق] الْعَمَل، لَا أنشأ مُتَعَلق بِالْعَمَلِ اقْتِضَاء أَو تخييراً؛ لِأَن الِاقْتِضَاء: هُوَ الطّلب للْفِعْل جزما، أَو غير جزم، أَو التّرْك جزما، أَو غير جزم، بنهي مَقْصُود أَو غَيره، [والتخيير: الْإِبَاحَة] ،
стр. 798
فَتدخل الْأَحْكَام كلهَا، لَكِن كَون الْإِبَاحَة [حكما شَرْعِيًّا] ، فِيهِ خلاف يَأْتِي محرراً إِن شَاءَ الله.
فَإِن قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَلَا حَاجَة إِلَى قَوْلنَا: (أَو تَخْيِير) ، وَإِلَّا فَلَا بُد من الْإِتْيَان بهَا، لِأَنَّهَا حكم شَرْعِي.
وَعبر السُّبْكِيّ " الْكَبِير " عَن هَذَا الْقَيْد بقوله: (على جِهَة الْإِنْشَاء) ، ليتخلص / من وُقُوع " أَو " فِي التَّعْرِيف، لِأَنَّهَا لأحد الشَّيْئَيْنِ، وَذَلِكَ منَاف للْبَيَان.
لَكِن " أَو " هُنَا إِنَّمَا هِيَ للتقسيم، فَلَا ترديد فِيهَا، بل يتَرَجَّح التَّعْيِين لإفادته تنوع الحكم، وسلامته من إِبْهَام لفظ " الْإِنْشَاء " لِأَن لَهُ مَعَاني لَا يدرى مَا المُرَاد مِنْهَا؟
وَاعْترض: شَرط الْحَد وجوده فِي كل فَرد من [الْمَحْدُود] ، وَلَا يُوجد فِي التَّقْسِيم، لِأَنَّهُ وضع لمعْرِفَة الكليات بِوَاسِطَة الجزيئات، وَسمي استقراء، والتحديد وضع بِالْعَكْسِ، وَسمي برهاناً، وليسا بَابا وَاحِدًا ,
رد: الترديد فِي أَقسَام الْمَحْدُود لَا فِي الْحَد، فَلَا يضر.
وَأورد: خطابه قديم، وَحكمه حَادث، لوصفه بِهِ.
رد: لَا يلْزم من يَقُول: يتَكَلَّم إِذا شَاءَ، ثمَّ الْحَادِث [التَّعَلُّق] ،
стр. 799
وَالْحكم مُتَعَلق بِفعل العَبْد لَا صفته، كالقول بمعدوم، وَالْفِعْل يعرف الحكم، كالعالم للصانع، وَلِهَذَا سمي عَالما. قَالَه ابْن مُفْلِح وَغَيره.
قَوْله: ﴿وَقَالَ الرَّازِيّ: أَو [الْوَضع] ﴾ .
لما لم يكن الْحَد جَامعا لخُرُوج مَا خرج بخطاب الْوَضع، نَحْو: كَون الشَّيْء دَلِيلا على شَيْء، كزوال الشَّمْس على وجوب الصَّلَاة، أَو سَببا: كَالزِّنَا لوُجُوب الْحَد، أَو شرطا: كَالْوضُوءِ لصِحَّة الصَّلَاة، أَو مَانِعا: كالنجاسة لإفساد الصَّلَاة، أَو البيع لكَونه صَحِيحا أَو فَاسِدا وَنَحْوه، زيد: (أَو الْوَضع) ؛ لكَونه حكما شَرْعِيًّا لِأَنَّهُ لَا يعلم إِلَّا بِوَضْع الشَّرْع، فَكَأَن الشَّارِع أنشأه، وعَلى هَذَا لَا يَسْتَقِيم تَعْرِيف الحكم حَتَّى يُزَاد فِيهِ: (أَو الْوَضع) ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْن الْحَاجِب بقوله: (فزيد " أَو الْوَضع " فاستقام) .
فَرَأى الْفَخر الرَّازِيّ إِدْخَاله فِي خطاب التَّكْلِيف لِأَن معنى كَون الشَّيْء شرطا: حُرْمَة الْمَشْرُوط بِدُونِ شَرط، نَقله ابْن الْعِرَاقِيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " عَنهُ.
стр. 800
قَالَ الكوراني: (أَحْكَام الْوَضع رَاجِعَة إِلَى التَّكْلِيف، فالتكليفي قِسْمَانِ: صَرِيح، وضمني، فأحكام الْوَضع من قبيل الضمني، إِذْ معنى سَبَبِيَّة الدلوك: وجوب / الصَّلَاة عِنْد الدلوك) انْتهى.
وَلذَلِك قيل: (هُوَ دَاخل تَحت الِاقْتِضَاء والتخيير، فَلَا معنى لكَون الدلوك سَببا، إِلَّا وجوب الصَّلَاة، وَلَا لكَون الطَّهَارَة شرطا، إِلَّا إِبَاحَة الْإِقْدَام عِنْد وجودهَا، وَلَا [لصِحَّة] البيع، إِلَّا إِبَاحَة الِانْتِفَاع، وَنَحْو ذَلِك.
فَهُوَ دَاخل بالاستلزام، بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْمَقْصُود مِنْهُ، لَا أَنه مِنْهُمَا حَقِيقَة وَلَيْسَ تَحت هَذَا الِاخْتِلَاف كَبِير فَائِدَة.
وعَلى كل حَال، خطاب الْوَضع يتَعَلَّق بِفعل الْمُكَلف، وَفعل غير الْمُكَلف، وَلِهَذَا تجب الزَّكَاة فِي مَال الصَّغِير وَالْمَجْنُون، وَلَا يكون إِلَّا إِخْبَارًا، وخطاب التَّكْلِيف لَا يتَعَلَّق إِلَّا بِفعل الْمُكَلّفين، وَلَا يكون إِلَّا إنْشَاء) .
﴿وَقَالَ الْآمِدِيّ: خطابه بفائدة شَرْعِيَّة تخْتَص بِهِ، أَي: لَا [تفهم] إِلَّا مِنْهُ﴾ .
لِأَنَّهُ إنْشَاء لَا خَارج لَهُ يفهم مِنْهُ، ليخرج مثل: ﴿غلبت الرّوم﴾ [الرّوم: ٢] ، لجَوَاز فهمه من خَارج، قَالَه ابْن حمدَان، وَهُوَ دور وتعريف بالأخفى.
стр. 801
قَالَ الْعَضُد: (قَالَ الْآمِدِيّ: " الحكم: خطاب الشَّارِع بفائدة شَرْعِيَّة "، فَخرج خطابه بغَيْرهَا، كالإخبار بالمحسوسات والمعقولات.
قَالَ فِي " الْمُنْتَهى ": (إِن فسر أَي: الْفَائِدَة الشَّرْعِيَّة بمتعلق الحكم فدور، وَإِن سلم فَلَا دَلِيل عَلَيْهِ أَي: فِي اللَّفْظ وَإِلَّا ورد على [طرده] الْإِخْبَار بِمَا لَا يُحْصى من المغيبات، فزيد: " تخْتَص بِهِ "، أَي: لَا تحصل إِلَّا بالاطلاع عَلَيْهِ، وَلَا دور، لِأَن حُصُول الشَّيْء غير تصَوره، وَهَذَا حكم إنشائي، إِذْ لَيْسَ لَهُ خارجي) .
وَاعْلَم أَن لَهُ أَن يُفَسِّرهَا بتحصيل مَا حُصُولهَا بِالشَّرْعِ دون مَا هُوَ حَاصِل، ورد الشَّرْع بِهِ أم لَا، لكنه يعلم بِالشَّرْعِ، وَحِينَئِذٍ يكون كَمَا قَالَ) انْتهى. ﴿ [وَقيل] ﴾ : الحكم ﴿تعلق الْخطاب بالأفعال﴾ .
قَالَ بعض الْأَصْحَاب: يلْزمه: أَنه عدمي، لِأَن التَّعَلُّق أَمر عدمي.
قَوْله: ﴿وَالْخطاب: قَول يفهم مِنْهُ من سَمعه شَيْئا مُفِيدا﴾ مُطلقًا.
стр. 802
فَالْقَوْل؛ احْتَرز بِهِ عَن الإشارات والحركات المفهمة.
وَخرج بِقَيْد (الْفَهم) : من لَا يفهم كالصغير وَالْمَجْنُون، إِذْ لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ خطاب.
وَقَوله: (من سَمعه) ، ليعم المواجهة بِالْخِطَابِ وَغَيره، وليخرج النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ وَنَحْوهمَا. / وَخرج بقوله: (مُفِيدا) : المهمل.
وَقَوله: (مُطلقًا) ، ليعم حَالَة قصد إفهام السَّامع وَعدمهَا.
﴿وَقيل﴾ : لابد ﴿ [من] قصد إفهامه﴾ ، فَحَيْثُ لم يقْصد إفهامه لَا يُسمى خطابا. ﴿زَاد بَعضهم: من متهيئ للفهم﴾ .
قَالَ الكوراني: (الْخطاب: تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للإفهام، أَو للْغَيْر المتهيء للفهم، عبارتان) .
قَوْله: ﴿وَيخرج [على ذَلِك] : هَل يُسمى الْكَلَام فِي الْأَزَل خطابا؟﴾ .
стр. 803
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " لما حكى الْخلاف الْمُتَقَدّم -: (يخرج على ذَلِك: هَل يُسمى الْكَلَام فِي الْأَزَل خطابا؟
وَلقَائِل أَن يَقُول: إِنَّمَا يَصح هَذَا على قدر الْكَلَام الَّذِي هُوَ القَوْل) انْتهى.
قلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَه يتَوَجَّه.
فَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ ﴿ [الأشعريٍ] ، والقشيري﴾ : أَنه ﴿يُسمى﴾ فِي الْأَزَل طاباً.
﴿و﴾ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر ﴿الباقلاني، والآمدي﴾ : أَنه ﴿لَا﴾ يُسمى خطابا، لعدم الْمُخَاطب حِينَئِذٍ، بِخِلَاف تَسْمِيَته فِي الْأَزَل أمرا ونهياً وَنَحْوهمَا، لِأَن مثله يقوم بِذَات الْمُتَكَلّم بِدُونِ من يتَعَلَّق بِهِ، كَمَا يُقَال فِي الْوَصِيّ: أَمر فِي وَصيته وَنهى، وَلَا يُقَال: خَاطب.
وَهَذَا جَار على رَأْي الأشعرية فِي الْكَلَام على مَا يَأْتِي تحريره.
وعَلى هَذَا التَّعْلِيل يَنْبَغِي التَّعْبِير بالْكلَام لَا بِالْخِطَابِ.
стр. 804
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَذهب عبد الله بن سعيد والقلانسي من أَصْحَابنَا إِلَى أَنه لَا يُسمى فِي الْأَزَل أمرا وَلَا نهيا وَلَا خَبرا حَتَّى يُوجد الْمَأْمُور والمنهي والمخبر) انْتهى.
قَالَ الكوراني فِي أصل الْمَسْأَلَة -: (اخْتلف فِي أَن الْكَلَام فِي الْأَزَل، أَي: الْمَعْنى الْقَدِيم الْقَائِم بِذَاتِهِ، هَل يُسمى خطابا أم لَا؟ وَهَذَا بحث لَفْظِي، إِذْ هُوَ مَبْنِيّ على تَفْسِير الْخطاب، فَمن فسر الْخطاب بتوجيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للإفهام، يُسَمِّيه خطابا، وَمن فسره بالْكلَام الموجه نَحْو المتهيئ للإفهام فَلَا، لِأَن حَاصِل الْمَعْنى الأول: أَنه الَّذِي شَأْنه أَن يفهم فِي الْجُمْلَة، وَحَاصِل الثَّانِي: أَنه الَّذِي أفهم بِالْفِعْلِ، إِذْ اسْم الْفَاعِل حَقِيقَة فِي الْحَال، [فَيلْزم] أَن يكون فِي الْأَزَل مفهماً بِالْفِعْلِ، وَهِي محَال) انْتهى.
قَوْله: ﴿وَعند الْمُعْتَزلَة: الحكم [الشَّرْعِيّ] : صفة للْفِعْل الْمَحْكُوم بِأَنَّهُ حَلَال أَو حرَام أَو وَاجِب﴾ .
وَهُوَ الْوُجُوب وَالْحُرْمَة والحل، الَّذِي هُوَ مُوجب الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم والإحلال وَمُقْتَضَاهُ. /
стр. 805
فَالْحكم صفة ثَابِتَة للْفِعْل، وَالشَّرْع كشفه، كَمَا يَقُولُونَ فِي الحكم الْعقلِيّ: إِن الْعقل كشفه، فَعرف مَا هُوَ حسن فِي نَفسه وقبيح فِي نَفسه.
﴿وَقَالَ الشَّيْخ [تَقِيّ الدّين] : (الحكم الشَّرْعِيّ يتَنَاوَل الْخطاب وَصفَة الْفِعْل. قَالَ: وَهُوَ قَول السّلف [وَالْجُمْهُور] فَيتَنَاوَل [وَصفه] الْمَحْكُوم عَلَيْهِ، وَهُوَ الْفِعْل، و [يتَنَاوَل] العَبْد، والأعيان الَّتِي أَمر بتعظيمها أَو إهانتها﴾ .
فوصف الْأَعْيَان بِأَنَّهَا رِجْس، وَإِن كَانَ فِيهَا وصف قبح قبل التَّحْرِيم، فَالَّذِي اتّصف بِهِ بِالتَّحْرِيمِ لم يكن ثَابتا قبل ذَلِك) انْتهى. وَالله أعلم.
﴿و﴾ قَالَ ابْن حمدَان ﴿فِي " الْمقنع ": ( [و] اسْتِصْحَاب بَرَاءَة الذِّمَّة [حكم شَرْعِي بِلَا خطاب] ، و [كَذَا] الْعرف وَالْعَادَة) ﴾ انْتهى.
قلت: بل هُوَ حكم شَرْعِي مَأْخُوذ من خطاب الشَّرْع، إِذْ لَوْلَا خطاب الشَّرْع مَا عرفنَا ذَلِك، وَلَا اهتدينا إِلَيْهِ، وَلَا حكمنَا بِهِ.
قَوْله: ﴿ثمَّ الْخطاب ... إِلَى آخِره﴾ .
стр. 806
هَذَا تَقْسِيم للْحكم، وكونهم جعلُوا مورد الْقِسْمَة الْخطاب لِأَنَّهُ مَعْنَاهُ، وَقد تقدم فِي أول الحكم الشَّرْعِيّ تَحْرِير ذَلِك.
إِذا علم ذَلِك؛ فتقرير ذَلِك: أَن خطاب الشَّرْع إِمَّا أَن يرد باقتضاء الْفِعْل، أَو باقتضاء التّرْك، أَو بالتخيير بَين الْفِعْل وَالتّرْك.
فَإِن ورد باقتضاء الْفِعْل فَهُوَ إِمَّا مَعَ الْجَزْم، أَو لَا، فَإِن كَانَ اقتضاؤه الْفِعْل مَعَ الْجَزْم، وَهُوَ الْقطع الْمُقْتَضِي للوعيد على التّرْك، فَهُوَ الْإِيجَاب، نَحْو: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وءاتوا الزَّكَاة﴾ [الْبَقَرَة: ٤٣، والمزمل: ٢٠] .
وَإِن لم يكن اقْتِضَاء الْفِعْل مَعَ الْجَزْم فَهُوَ النّدب، نَحْو ﴿وَأشْهدُوا إِذا تبايعتم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٢] ، ﴿فَإِن ءانستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ إِلَى قَوْله ﴿فأشهدوا عَلَيْهِم﴾ [النِّسَاء: ٦] ، فالإشهاد عَلَيْهِم مَنْدُوب، وَقَول النَّبِي ﷺ َ -: " استاكوا ".
стр. 807
وَإِن وجد الْخطاب باقتضاء التّرْك، فَهُوَ إِمَّا مَعَ الْجَزْم الْمُقْتَضِي للوعيد على الْفِعْل، فَهُوَ التَّحْرِيم، نَحْو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمرَان: ١٣٠] ، ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَى﴾ [الْإِسْرَاء: ٣٢] ، أَو لَا مَعَ الْجَزْم فَهُوَ الْكَرَاهَة، كَقَوْلِه ﷺ َ -: " إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فَأحْسن وضوءه، ثمَّ خرج عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يشبك بَين أَصَابِعه فَإِنَّهُ فِي / صَلَاة " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَابْن
стр. 808
مَاجَه، وَقَوله ﷺ َ -: " لَا يمسك ذكره وَهُوَ يَبُول ".
وَإِن ورد الْخطاب بالتخيير فَهُوَ الْإِبَاحَة، كَقَوْلِه ﷺ َ - حِين سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم: " إِن شِئْت فَتَوَضَّأ وَإِن شِئْت فَلَا تتوضأ ".
стр. 809
فَائِدَة: أَدِلَّة الْأَحْكَام لَا تتقيد استفادتها من صَرِيح الْأَمر وَالنَّهْي، بل تكون بِنَصّ، أَو إِجْمَاع، أَو قِيَاس.
وَالنَّص إِمَّا أَن يكون أمرا، أَو نهيا، أَو إِذْنا، أَو خَبرا بمعناها، أَو إِخْبَارًا بالحكم، نَحْو: ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٣] ، ﴿وَإِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ [النِّسَاء: ٥٨] " إِ ن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ "، ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ [الْمَائِدَة: ٩٦] ، أَو بِذكر خَاصَّة لأَحَدهمَا، كوعيد على فعل شَيْء أَو تَركه، أَو وعد على فعل شَيْء أَو تَركه، وَنَحْو ذَلِك.
قَوْله: ﴿وَإِلَّا فوضعي﴾ .
يَعْنِي: إِذا لم يرد الْخطاب مثل هَذِه الصِّيَغ الْمُتَقَدّمَة فِي الْأَحْكَام الْخَمْسَة، يكون وضعياً، أَي: من خطاب الْوَضع الْآتِي أَحْكَامه، لَا من خطاب التَّكْلِيف، كالصحة، وَالْفساد، وَنصب الشَّيْء سَببا، أَو مَانِعا، أَو شرطا، وَكَون الْفِعْل أَدَاء أَو قَضَاء، ورخصة أَو عَزِيمَة، وَهُوَ وَاضح.
فَائِدَة: قد يجْتَمع خطاب الشَّرْع وخطاب الْوَضع فِي شَيْء وَاحِد: كَالزِّنَا فَإِنَّهُ حرَام وَسبب للحد، وَقد ينْفَرد خطاب الْوَضع: كأوقات
стр. 810
الصَّلَوَات، وطلوع الْهلَال، سَبَب وجوب الصَّلَاة، وَوُجُوب صَوْم رَمَضَان وَصَلَاة الْعِيد والنسك، وَالْحيض مَانع من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَنَحْوهمَا، وَالْبُلُوغ شَرط لوجوبهما، وحولان الْحول شَرط لوُجُوب الزَّكَاة، وَقد ينْفَرد خطاب التَّكْلِيف كَصَلَاة الظّهْر مثلا.
قَالَ الْقَرَافِيّ فِي " الفروق ": (وَهُوَ كأداء الْوَاجِبَات وَاجْتنَاب الْمُحرمَات، وَإِن كَانَ صَاحب الشَّرْع جعلهَا سَببا لبراءة الذِّمَّة وترتيب الثَّوَاب ودرء الْعقَاب) .
وَقَالَ فِي " شرح التَّنْقِيح ": (لَا يتَصَوَّر انْفِرَاد خطاب التَّكْلِيف عَن خطاب الْوَضع، إِذْ لَا تَكْلِيف إِلَّا لَهُ سَبَب أَو شَرط أَو مَانع) .
قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ) .
وَهُوَ كَمَا قَالَ.
قَوْله: ﴿فَائِدَة: الْمَشْكُوك، [قيل] : لَيْسَ بِحكم ... . . إِلَى آخِره﴾ . لما ذكر ابْن عقيل تَفْصِيل الْخطاب وأقسامه زَاد على ذَلِك فَقَالَ: (الْمَشْكُوك، قيل: لَيْسَ بِحكم، وَهُوَ الصَّحِيح، والشاك لَا مَذْهَب لَهُ؛
следующие страницы →