← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

هَذَا تَقْسِيم للْحكم، وكونهم جعلُوا مورد الْقِسْمَة الْخطاب لِأَنَّهُ مَعْنَاهُ، وَقد تقدم فِي أول الحكم الشَّرْعِيّ تَحْرِير ذَلِك. إِذا علم ذَلِك؛ فتقرير ذَلِك: أَن خطاب الشَّرْع إِمَّا أَن يرد باقتضاء الْفِعْل، أَو باقتضاء التّرْك، أَو بالتخيير بَين الْفِعْل وَالتّرْك. فَإِن ورد باقتضاء الْفِعْل فَهُوَ إِمَّا مَعَ الْجَزْم، أَو لَا، فَإِن كَانَ اقتضاؤه الْفِعْل مَعَ الْجَزْم، وَهُوَ الْقطع الْمُقْتَضِي للوعيد على التّرْك، فَهُوَ الْإِيجَاب، نَحْو: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وءاتوا الزَّكَاة﴾ [الْبَقَرَة: ٤٣، والمزمل: ٢٠] . وَإِن لم يكن اقْتِضَاء الْفِعْل مَعَ الْجَزْم فَهُوَ النّدب، نَحْو ﴿وَأشْهدُوا إِذا تبايعتم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٢] ، ﴿فَإِن ءانستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ إِلَى قَوْله ﴿فأشهدوا عَلَيْهِم﴾ [النِّسَاء: ٦] ، فالإشهاد عَلَيْهِم مَنْدُوب، وَقَول النَّبِي ﷺ َ -: " استاكوا ".

стр. 807

وَإِن وجد الْخطاب باقتضاء التّرْك، فَهُوَ إِمَّا مَعَ الْجَزْم الْمُقْتَضِي للوعيد على الْفِعْل، فَهُوَ التَّحْرِيم، نَحْو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمرَان: ١٣٠] ، ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَى﴾ [الْإِسْرَاء: ٣٢] ، أَو لَا مَعَ الْجَزْم فَهُوَ الْكَرَاهَة، كَقَوْلِه ﷺ َ -: " إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فَأحْسن وضوءه، ثمَّ خرج عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يشبك بَين أَصَابِعه فَإِنَّهُ فِي / صَلَاة " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَابْن

стр. 808

مَاجَه، وَقَوله ﷺ َ -: " لَا يمسك ذكره وَهُوَ يَبُول ". وَإِن ورد الْخطاب بالتخيير فَهُوَ الْإِبَاحَة، كَقَوْلِه ﷺ َ - حِين سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم: " إِن شِئْت فَتَوَضَّأ وَإِن شِئْت فَلَا تتوضأ ".

стр. 809

فَائِدَة: أَدِلَّة الْأَحْكَام لَا تتقيد استفادتها من صَرِيح الْأَمر وَالنَّهْي، بل تكون بِنَصّ، أَو إِجْمَاع، أَو قِيَاس. وَالنَّص إِمَّا أَن يكون أمرا، أَو نهيا، أَو إِذْنا، أَو خَبرا بمعناها، أَو إِخْبَارًا بالحكم، نَحْو: ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٣] ، ﴿وَإِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ [النِّسَاء: ٥٨] " إِ ن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ "، ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ [الْمَائِدَة: ٩٦] ، أَو بِذكر خَاصَّة لأَحَدهمَا، كوعيد على فعل شَيْء أَو تَركه، أَو وعد على فعل شَيْء أَو تَركه، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: ﴿وَإِلَّا فوضعي﴾ . يَعْنِي: إِذا لم يرد الْخطاب مثل هَذِه الصِّيَغ الْمُتَقَدّمَة فِي الْأَحْكَام الْخَمْسَة، يكون وضعياً، أَي: من خطاب الْوَضع الْآتِي أَحْكَامه، لَا من خطاب التَّكْلِيف، كالصحة، وَالْفساد، وَنصب الشَّيْء سَببا، أَو مَانِعا، أَو شرطا، وَكَون الْفِعْل أَدَاء أَو قَضَاء، ورخصة أَو عَزِيمَة، وَهُوَ وَاضح. فَائِدَة: قد يجْتَمع خطاب الشَّرْع وخطاب الْوَضع فِي شَيْء وَاحِد: كَالزِّنَا فَإِنَّهُ حرَام وَسبب للحد، وَقد ينْفَرد خطاب الْوَضع: كأوقات

стр. 810

الصَّلَوَات، وطلوع الْهلَال، سَبَب وجوب الصَّلَاة، وَوُجُوب صَوْم رَمَضَان وَصَلَاة الْعِيد والنسك، وَالْحيض مَانع من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَنَحْوهمَا، وَالْبُلُوغ شَرط لوجوبهما، وحولان الْحول شَرط لوُجُوب الزَّكَاة، وَقد ينْفَرد خطاب التَّكْلِيف كَصَلَاة الظّهْر مثلا. قَالَ الْقَرَافِيّ فِي " الفروق ": (وَهُوَ كأداء الْوَاجِبَات وَاجْتنَاب الْمُحرمَات، وَإِن كَانَ صَاحب الشَّرْع جعلهَا سَببا لبراءة الذِّمَّة وترتيب الثَّوَاب ودرء الْعقَاب) . وَقَالَ فِي " شرح التَّنْقِيح ": (لَا يتَصَوَّر انْفِرَاد خطاب التَّكْلِيف عَن خطاب الْوَضع، إِذْ لَا تَكْلِيف إِلَّا لَهُ سَبَب أَو شَرط أَو مَانع) . قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ) . وَهُوَ كَمَا قَالَ. قَوْله: ﴿فَائِدَة: الْمَشْكُوك، [قيل] : لَيْسَ بِحكم ... . . إِلَى آخِره﴾ . لما ذكر ابْن عقيل تَفْصِيل الْخطاب وأقسامه زَاد على ذَلِك فَقَالَ: (الْمَشْكُوك، قيل: لَيْسَ بِحكم، وَهُوَ الصَّحِيح، والشاك لَا مَذْهَب لَهُ؛

стр. 811

وَقيل: حكم، كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي رِوَايَة فِي الْحمار. ﴿وَالْوَقْف﴾ قيل: ﴿مَذْهَب﴾ ، وَهُوَ أصح؛ لِأَنَّهُ يُفْتِي بِهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ. قلت: وَهَذَا الْمَعْمُول بِهِ عِنْد الْعلمَاء. ﴿وَقيل: لَا) ﴾ .

стр. 812

قَوْله: ﴿ [فصل] ﴾ ﴿الْوَاجِب ... إِلَى آخر) ﴾ . لما انْتهى الْكَلَام فِي تَعْرِيف الحكم وتقسيمه إِلَى خَمْسَة، أَخذنَا نبين تَعْرِيف كل وَاحِد مِنْهَا، وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْمسَائِل وَالْأَحْكَام.

стр. 813

ونشير قبل ذَلِك إِلَى حُدُودهَا المستفادة من طَرِيق تقسيمها؛ فَنَقُول: الْفِعْل الْوَاجِب: مَا اقْتضى الشَّرْع فعله اقْتِضَاء جَازِمًا. وَالْمَنْدُوب: مَا اقْتضى فعله اقْتِضَاء غير جازم. وَالْحرَام: مَا اقْتضى الشَّرْع تَركه اقْتِضَاء جَازِمًا. وَالْمَكْرُوه: مَا اقْتضى تَركه اقْتِضَاء غير جازم. والمباح: مَا اقْتضى الشَّرْع التَّخْيِير فِيهِ. وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ محَال الْأَحْكَام ومتعلقاتها، وَأما الْأَحْكَام نَفسهَا فَهِيَ: الْإِيجَاب، وَالتَّحْرِيم، وَالنَّدْب، وَالْكَرَاهَة، وَالْإِبَاحَة، وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك. قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (الْوُجُوب فِي الِاصْطِلَاح: خطاب بِطَلَب فعل ... . إِلَى آخِره، وَالْوَاجِب: هُوَ الْفِعْل الْمُتَعَلّق للْوُجُوب، فَهُوَ فعل يتَعَلَّق بِهِ خطاب بِطَلَب) . إِذا علم ذَلِك؛ فَلهم فِي حد الْوَاجِب حُدُود كَثِيرَة، قل أَن تسلم من خدش، اقتصرنا على أولاها فِيمَا ظهر لنا، فَنَذْكُر غَيره أَولا تكميلاً للفائدة، ثمَّ نذْكر ذَلِك.

стр. 814

أَحدهَا: أَن الْوَاجِب ﴿مَا يُعَاقب تَاركه﴾ . ورد ذَلِك: بِجَوَاز الْعَفو. وَجه الرَّد: هُوَ أَن قَوْلهم: الْوَاجِب مَا يُعَاقب تَاركه، يَقْتَضِي [أَن] كل وَاجِب فَإِن تَاركه يُعَاقب، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك؛ لجَوَاز أَن يعْفُو الله تَعَالَى عَنهُ، أَو أَو يسْقط الْعقَاب بتوبة أَو اسْتِغْفَار أَو دُعَاء دَاع، وَبِالْجُمْلَةِ فَترك الْوَاجِب وَفعل الْمَحْظُور سَبَب للعقاب، غير أَن الحكم يجوز تخلفه عَن سَببه لمَانع، أَو انْتِفَاء شَرط، أَو معَارض مقاوم، أَو رَاجِح، وَإِذا جَازَ الْعَفو عَن ترك الْوَاجِب، اقْتضى الْحَد الْمَذْكُور أَن لَا يكون هَذَا الْوَاجِب الْمَتْرُوك وَاجِبا، لِأَن تَاركه لم يُعَاقب، فَانْتقضَ الْحَد. مِثَاله: لَو ترك الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة، ثمَّ تخلف الْعقَاب عَنهُ لسَبَب، لزم بِمُقْتَضى الْحَد أَن لَا تكون الْمَكْتُوبَة وَاجِبَة، وَهُوَ بَاطِل، وَهَذَا النَّقْض من حَيْثُ الْعَكْس، وَهُوَ قَوْلنَا: كل مَا لم يُعَاقب على تَركه فَلَيْسَ بِوَاجِب، فَيبْطل بِمَا ذكرنَا.

стр. 815

وَيرد عَلَيْهِ من حَيْثُ الطَّرْد ضرب ابْن عشر على ترك الصَّلَاة، [إِذْ] الصَّلَاة فعل عُوقِبَ تَاركه، وَلَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهِ على الْمَذْهَب، وَكَذَلِكَ كل مَا أدب الصَّغِير على تَركه هُوَ معاقب عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهِ. ﴿ [الثَّانِي] ﴾ : أَن الْوَاجِب ﴿مَا توعد على تَركه بالعقاب﴾ . وَهُوَ أَعم من الَّذِي قبله، لِأَن كل معاقب على تَركه متوعد عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كل متوعد عَلَيْهِ بالعقاب معاقباً [عَلَيْهِ] لجَوَاز الْعَفو بعد الْوَعيد. وَنقض عَكسه: بِصدق إيعاد الله تَعَالَى. وَمَعْنَاهُ: أَن الْوَعيد من الله تَعَالَى يسْتَلْزم الْعقَاب، لِأَن الْوَعيد خبر، وَخبر الله تَعَالَى صَادِق لابد من وُقُوع مخبره، وَإِذا لزم وُقُوع مُقْتَضى الْوَعيد صَار هَذَا التَّعْرِيف كَالَّذي قبله.

стр. 816

لَكِن لَيْسَ هَذَا وارداً على أصل أهل السّنة، لأَنهم يَقُولُونَ: يجوز الْعَفو عَن أهل الْكَبَائِر من هَذِه الْأمة وَإِن لم يتب مِنْهَا لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: لجَوَاز إِيقَاع الْوَعيد بِالْمَشِيئَةِ، مثل أَن يَقُول: صل فَإِن تركت الصَّلَاة عاقبتك إِن شِئْت، فَإِذا تَركهَا بَقِي فِي مَشِيئَة الله، إِن شَاءَ عاقبه بِمُقْتَضى الْوَعيد، وَإِن شَاءَ عفى عَنهُ بِمُقْتَضى الرَّحْمَة والجود وَالْكَرم، دلّ على ذَلِك الْكتاب، وَالسّنة، وَإِذا جَازَ إِيقَاع الْوَعيد بِالْمَشِيئَةِ، لم يلْزم من صدق الإيعاد وُقُوع مُقْتَضَاهُ من الْعقَاب. الثَّانِي: أَن إخلاف الْوَعيد من الْكَرم شَاهدا، أَي: فِيمَا يُشَاهد من أَحْوَال الْعُقَلَاء، فَلَا يقبح غَائِبا، أَي: فِي حق الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ غَائِب عَن الْأَبْصَار، وَإِن كَانَ شَاهدا لخلقه. أما أَن إخلاف الْوَعيد من الْكَرم فِي الشَّاهِد فلإجماع الْعُقَلَاء على حسن الْعَفو، وَبِالْجُمْلَةِ، فَترك الْوَعيد إِلَى الْعَفو حسن مجمع عَلَيْهِ فِي عرف النَّاس.

стр. 817

وَرَأَيْت كثيرا من الشَّافِعِيَّة كالغزالي وَغَيره يَقُولُونَ: خلف الْوَعيد من الله تَعَالَى محَال، وَعند الْمُعْتَزلَة: أَن الْعَفو عَن فَاعل الْكَبِيرَة مَا لم يتب محَال، وَأَنه مخلد فِي النَّار. ﴿ [الثَّالِث] ﴾ من الْحُدُود: ﴿مَا يذم تَاركه شرعا﴾ ، قَالَه ابْن الباقلاني، وَبَعض أَصْحَابنَا، وَغَيرهم، ﴿وَزَاد [ابْن] الباقلاني: (بِوَجْه مَا) ، ليدْخل الموسع وَفرض الْكِفَايَة.

стр. 818

وَنقض [طرده] ﴾ بالنائم، وَالنَّاسِي، وَالْمُسَافر، فَإِنَّهُ يذم بِتَقْدِير ترك الْجَمِيع. قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (المُرَاد بالذم شرعا: نَص الشَّارِع بِهِ أَو بدليله، وَذَلِكَ أَنه لَا وجوب إِلَّا بِالشَّرْعِ. وَقَالَ: (بِوَجْه مَا) ، ليدْخل من الْوَاجِبَات مَا لَا يذم تَاركه كَيْفَمَا تَركه، بل يذم تَاركه بِوَجْه دون وَجه، وَهُوَ الموسع، فَإِنَّهُ يذم تَاركه إِذا تَركه فِي جَمِيع وقته، وَلَو تَركه فِي بعض وَفعله فِي بعض لم يذم، وَكَذَا فرض الْكِفَايَة، فَإِنَّهُ يذم تَاركه إِذا لم يقم بِهِ غَيره فِي ظَنّه. وَبِهَذَا الْقَيْد حَافظ على عَكسه، فَلم يخرج عَن الْحَد مَا هُوَ من الْمَحْدُود، أَعنِي: الموسع والكفاية، لكنه أخل بطرده، فَدخل فِيهِ مَا لَيْسَ من الْمَحْدُود، وَهُوَ صَلَاة النَّائِم وَالنَّاسِي وَصَوْم الْمُسَافِر، فَإِنَّهُ يذم تَاركه بِتَقْدِير انْتِفَاء الْعذر. فَإِن قَالَ: لَا نسلم أَن هَذِه غير وَاجِبَة، وَسقط الْوُجُوب فِيهَا بالعذر. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ فِي الْكِفَايَة، [يُقَال] : يذم بِتَرْكِهِ شرعا، أَي: يجب الذَّم، لكنه يسْقط وجوب الذَّم بِفعل الْبَعْض الآخر، وَإِذا اعتددت بِالْوُجُوب السَّاقِط فِي الْفِعْل، فَلم تَعْتَد بِالْوُجُوب السَّاقِط فِي الذَّم، فَلَا يكون إِلَى قَوْله: (بِوَجْه مَا) ، حَاجَة، وَكَذَلِكَ الموسع) انْتهى.

стр. 819

﴿الرَّابِع﴾ من الْحُدُود ﴿مَا يخَاف الْعقَاب بِتَرْكِهِ﴾ . وَهُوَ مَرْدُود بِمَا يشك فِي وُجُوبه وَلَا يكون وَاجِبا فِي نَفسه، فَإِنَّهُ يخَاف الْعقَاب على تَركه، فَيبْطل تَركه. ﴿الْخَامِس﴾ : - وَهُوَ الَّذِي قُلْنَا: إِنَّه أولى الْحُدُود ﴿ [مَا ذمّ شرعا تَاركه] قصدا مُطلقًا﴾ ، وَهُوَ [للبيضاوي] ، وَنَقله فِي " الْمَحْصُول " عَن الباقلاني، وَقَالَ فِي " الْمُنْتَخب ": (إِنَّه الصَّحِيح من الرسوم، لَكِن فِيهِ نقص تَعْبِير، وَتَبعهُ الطوفي فِي " مُخْتَصره " ﴿وَلم يقل: قصدا﴾ . قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " بعد حد ابْن الباقلاني -: (فَلَو قيل: مَا ذمّ تَاركه شرعا قصدا مُطلقًا، صَحَّ) . فقولنا: (مَا ذمّ) ، هُوَ خير من قَوْلنَا: (مَا يُعَاقب تَاركه) ، لجَوَاز الْعَفو،

стр. 820

وَمن قَوْلنَا: (مَا يتوعد بالعقاب على تَركه) ، لما فِيهِ كَمَا تقدم، وَمن قَوْلنَا: (مَا يخَاف الْعقَاب على تَركه) ، لأجل الْمَشْكُوك فِي وُجُوبه كَمَا تقدم. واحترزنا بِهِ عَن الْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه والمباح، لِأَنَّهُ لَا ذمّ فِيهَا. وَالْمرَاد بذم تَاركه: أَن يرد فِي كَلَام الله تَعَالَى، [أَو سنة] رَسُوله، أَو إِجْمَاع الْأمة، مَا يدل على الذَّم. وَقَوله: (شرعا) ، لِأَن الذَّم لَا يثبت إِلَّا بِالشَّرْعِ، خلاف مَا قالته الْمُعْتَزلَة. وَقَوله: (تَاركه) ، احْتَرز بِهِ عَن الْحَرَام، فَإِنَّهُ يذم شرعا فَاعله. وَقَوله " (قصدا) ، فِيهِ تقريران موقوفان على مُقَدّمَة، [وَهِي] : أَن هَذَا التَّعْرِيف إِنَّمَا هُوَ بالحيثية، أَي: الَّذِي بِحَيْثُ لَو ترك لذم تَاركه، إِذْ لَو لم يكن بالحيثية، لاقتضى أَن كل وَاجِب لابد من حُصُول الذَّم على

стр. 821

تَركه وَهُوَ بَاطِل. إِذا علم ذَلِك؛ فأحد التقريرين: أَنه إِنَّمَا أَتَى بِالْقَصْدِ لِأَنَّهُ شَرط لصِحَّة هَذِه الْحَيْثِيَّة، إِذْ التارك لَا على سَبِيل الْقَصْد لَا يذم. الثَّانِي: أَنه احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا مضى من الْوَقْت قدر فعل الصَّلَاة ثمَّ تَركهَا بنوم أَو نِسْيَان، وَقد تمكن، وَمَعَ ذَلِك لم يذم شرعا تاركها لِأَنَّهُ مَا تَركهَا قصدا، فَأتى بِهَذَا الْقَيْد لإدخال هَذَا الْوَاجِب فِي الْحَد، وَيصير بِهِ جَامعا. وَلم يذكر فِي " الْمَحْصُول "، و " الْمُنْتَخب "، و " التَّحْصِيل "، و " الْحَاصِل "، والطوفي، هَذَا الْقَيْد. وَقَوله: مُطلقًا، فِيهِ تقريران أَيْضا موقوفان على مُقَدّمَة، وَهِي: أَن الْإِيجَاب بِاعْتِبَار الْفَاعِل قد يكون على الْكِفَايَة، وعَلى الْعين. وَبِاعْتِبَار الْمَفْعُول قد يكون مُخَيّرا، كخصال الْكَفَّارَة، وَقد يكون [محتماً: كَالصَّلَاةِ. وَبِاعْتِبَار الْوَقْت الْمَفْعُول فِيهِ قد يكون موسعاً: كَالصَّلَاةِ، وَقد يكون] مضيقاً: كَالصَّوْمِ.

стр. 822

فَإِذا ترك الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا صدق أَنه ترك وَاجِبا، إِذْ الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت، وَمَعَ ذَلِك لَا يذم عَلَيْهَا إِذا أَتَى بهَا فِي أثْنَاء الْوَقْت، ويذم إِذا أخرجهَا عَن جَمِيعه. وَإِذا ترك [إِحْدَى] خِصَال الْكَفَّارَة، [فقد] ترك مَا يصدق عَلَيْهِ [أَنه وَاجِب، مَعَ] أَنه لَا ذمّ فِيهِ إِذا أَتَى بِغَيْرِهِ. وَإِذا ترك صَلَاة جَنَازَة فقد ترك مَا صدق عَلَيْهِ أَنه وَاجِب عَلَيْهِ وَلَا يذم عَلَيْهِ إِذا فعله غَيره. إِذا علم ذَلِك؛ فأحد التقريرين: أَن قَوْله: (مُطلقًا) ، عَائِد إِلَى الذَّم، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد تلخص أَن الذَّم على الْوَاجِب الموسع والمخير وعَلى الْكِفَايَة من وَجه دون وَجه، والذم على الْوَاجِب الْمضيق والمحتم وَالْوَاجِب على الْعين من كل وَجه، فَلذَلِك قَالَ: (مُطلقًا) ، ليشْمل ذَلِك كُله بِشَرْط، وَلَو لم يذكر ذَلِك لورد عَلَيْهِ من ترك شَيْئا من ذَلِك. والتقرير الثَّانِي: أَن (مُطلقًا) عَائِد إِلَى التّرْك، وَالتَّقْدِير: تركا مُطلقًا، ليدْخل الْمُخَير والموسع وَفرض الْكِفَايَة، فَإِنَّهُ إِذا ترك فرض الْكِفَايَة لَا يَأْثَم، وَإِن صدق أَنه ترك وَاجِبا، وَكَذَلِكَ الْآتِي بِهِ آتٍ بِالْوَاجِبِ، مَعَ أَنه لَو تَركه لم يَأْثَم، وَإِنَّمَا يَأْثَم إِذا حصل التّرْك الْمُطلق مِنْهُ وَمن غَيره، وَهَكَذَا فِي الْوَاجِب الْمُخَير والموسع، وَدخل فِيهِ أَيْضا الْوَاجِب المحتم والمضيق وَفرض الْعين، لِأَن كل مَا ذمّ الشَّخْص عَلَيْهِ إِذا تَركه وَحده، ذمّ عَلَيْهِ أَيْضا إِذا تَركه هُوَ وَغَيره.

стр. 823

فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحَد أجمع وَأَمْنَع من غَيره كَمَا ترى قُلْنَا: هُوَ أولى من غَيره. ﴿ [السَّادِس: لِابْنِ عقيل] ﴾ ، فَإِنَّهُ حَده بِأَنَّهُ: ﴿إِلْزَام الشَّرْع﴾ ، وَقَالَ: (الثَّوَاب وَالْعِقَاب أَحْكَامه ومتعلقاته، فحده بِهِ يأباه الْمُحَقِّقُونَ) ، وَهُوَ حسن. قَوْله: ﴿ [فَائِدَة: من الْوَاجِب] مَا لَا يُثَاب على فعله، كَنَفَقَة وَاجِبَة، ورد وَدِيعَة وغصب [وعارية وَدين] إِذا فعله مَعَ غَفلَة، وَمن الْمحرم مَا لَا يُثَاب على تَركه: [كمحرم يخرج من عهدته بِمُجَرَّد التّرْك] ، قَالَه الْقَرَافِيّ، وَابْن حمدَان، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، [وَهُوَ من كَلَام أَصْحَابنَا] ﴾ .

стр. 824

قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه "، فِي بَاب الْوضُوء: (قَالَ القَاضِي فِي الْخلاف: مَا كَانَ طَاعَة لله فعبادة، قيل لَهُ: فقضاء الدّين ورد الْوَدِيعَة عبَادَة؟ فَقَالَ: كَذَا نقُول، قيل لَهُ: الْعِبَادَة مَا كَانَ من شَرطه النِّيَّة؟ فَقَالَ: إِذا لم يجز أَن يُقَال فِي الطَّاعَة لله والمأمور [بِهِ] هُوَ الَّذِي من شَرطه النِّيَّة، كَذَا لَا يجوز فِي الْعِبَادَة. وَكَذَا قَالَ غَيره، يَعْنِي من الْأَصْحَاب) انْتهى كَلَامه فِي الْفُرُوع. ورد الطوفي فِي " شَرحه " مَا قَالَه الْقَرَافِيّ وَقَالَ: (التَّحْقِيق أَن يُقَال: الْوَاجِب هُوَ الْمَأْمُور بِهِ جزما، [وَشرط] تَرْتِيب الثَّوَاب [عَلَيْهِ] نِيَّة التَّقَرُّب بِفِعْلِهِ، وَالْحرَام الْمنْهِي جزما، وَشرط تَرْتِيب الثَّوَاب على تَركه نِيَّة التَّقَرُّب، فترتيب الثَّوَاب وَعَدَمه فِي فعل الْوَاجِب وَترك الْمحرم وعدمهما رَاجع إِلَى وجود شَرط الثَّوَاب وَعَدَمه وَهُوَ النِّيَّة، لَا إِلَى انقسام الْوَاجِب وَالْحرَام فِي نفسهما) انْتهى. وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (الشَّرِيعَة مَأْمُور، ومنهي، ومباح، فالمنهي والمباح لَا يفتقران إِلَى نِيَّة، لِخُرُوجِهِ من الْعهْدَة بِمُجَرَّد التّرْك وَإِن لم يشْعر، لَكِن يحصل لَهُ ثَوَاب بِقصد الْقرْبَة بِتَرْكِهِ، وَلَا عُهْدَة فِي مُبَاح فَلَا يفْتَقر إِلَى نِيَّة.

стр. 825

[وَدفع الدُّيُون، ورد الغصوب، ونفقات الزَّوْجَات والأقارب، ورد الودائع، وَنَحْوه، وجود الْفِعْل فِيهِ كَاف فِي تَحْصِيل الْمصلحَة، فَإِذا وَقع بِغَيْر نِيَّة لَا يُقَال لَهُ: أعد الدّفع، لحُصُول الْمصلحَة بِمَا وَقع. - قَالَ -: وَمن ذَلِك: النِّيَّة، فَإِنَّهَا مَأْمُور بهَا، ومقصودها التَّمْيِيز، وَهُوَ حَاصِل لذاتها، لَا يفْتَقر إِلَى نِيَّة] أُخْرَى تصيرها متميزة، لِاسْتِحَالَة وُقُوعهَا غير متميزة، وَلم تفْتَقر إِلَى النِّيَّة. وَمن ذَلِك: النّظر الأول وَاجِب، مَعَ أَنه لَا يُمكن إِيقَاعه طَاعَة مَعَ أَن فَاعله لَا يعرف وُجُوبه عَلَيْهِ إِلَّا بعد إِتْيَانه بِهِ، وَالْعِبَادَة الْمَحْضَة مقصودها تَعْظِيم الله تَعَالَى، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون مَعَ الْقَصْد، فَلَا جرم لم تحصل مصالحها بِغَيْر نِيَّة. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك -: تَنْبِيه: التَّصَرُّفَات ثَلَاثَة أَقسَام: مِنْهَا: مَا لَا يُمكن إِلَّا أَن يقْصد بِهِ التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى، كالعبادة الْمَحْضَة. وَمِنْهَا: مَا لَا يُمكن التَّقَرُّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَهُوَ النّظر الأول المفضي إِلَى إِثْبَات الْعلم بالصانع. وَمِنْهَا: مَا يُمكن التَّقَرُّب بِهِ، كرد الْوَدِيعَة وَنَحْوهَا، وَكَذَا الْمُبَاحَات، كَقَوْل معَاذ: " أحتسب نومتي كَمَا أحتسب قومتي ") انْتهى.

стр. 826

وَهُوَ كَلَام حسن. وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (قيل لأبي الْبَقَاء: الْإِسْلَام وَالنِّيَّة عبادتان وَلَا تفتقران إِلَى نِيَّة؟ فَقَالَ: الْإِسْلَام لَيْسَ بِعبَادة لصدوره من الْكَافِر وَلَيْسَ من أَهلهَا، سلمنَا، لَكِن للضَّرُورَة لِأَنَّهُ لَا يصدر إِلَّا من كَافِر، وَأما النِّيَّة فلقطع التسلسل) انْتهى. قلت: يحْتَمل أَن يُقَال فِي إِسْلَام الْكَافِر: إِنَّه عبَادَة قطعا، لِأَنَّهُ بِقَصْدِهِ الْإِسْلَام قبل التَّلَفُّظ بِهِ قد بَقِي كَالْمُسلمِ، فَمَا حصل الْإِسْلَام إِلَّا وَهُوَ فِي حكم الْمُسلم، وَلِهَذَا وَالله أعلم لَو عزم الْكَافِر على الْإِسْلَام وصمم على التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَمنع من ذَلِك [قدر] أَنه مُسلم من أهل الْجنَّة، وَكَذَلِكَ - مثلا لَو كَانَ قد اعتقل لِسَانه عِنْد الْمَوْت وَنَحْوه، وَهَذَا وَاضح فِيمَا يظْهر.

стр. 827

قَوْله: ﴿ [فصل] ﴾ ﴿الْوَاجِب لُغَة: السَّاقِط وَالثَّابِت] ﴾ . قَالَ الْجَوْهَرِي: (وَجب الشَّيْء: لزم، يجب وجوبا وأوجبه الله تَعَالَى، واستوجبه أَي: اسْتَحَقَّه. والوجبة: السقطة مَعَ الهدة. وَوَجَب الْمَيِّت: إِذا سقط وَمَات) . وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (وَجب يجب وجبة: سقط، وَالشَّمْس وجباً ووجوباً: غَابَتْ، والوجبة: السقطة مَعَ الهدة، أَو صَوت السَّاقِط، والأكلة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة، أَو أَكلَة فِي الْيَوْم إِلَى مثلهَا من الْغَد) . وَقَالَ فِي " الْمِصْبَاح ": (وَجب البيع وَالْحق يجب وجوبا [وجبة] : لزم وَثَبت، وَوَجَبَت الشَّمْس وجوبا: غربت، وَوَجَب الْحَائِط وَنَحْوه: سقط، وَوَجَب الْقلب وجباً ووجيباً: رجف، واستوجبه: اسْتَحَقَّه، [وَأوجب البيع بِالْألف يُوجب] ، وأوجبت السّرقَة الْقطع) انْتهى.

стр. 828

وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (التَّحْقِيق فِي الْوُجُوب لُغَة: أَنه بِمَعْنى الثُّبُوت والاستقرار، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ترجع فروع مادته، فَمَعْنَى: الشَّمْس وَجَبت: ثَبت غُرُوبهَا وَاسْتقر. وَوَجَب الْمَيِّت: ثَبت مَوته وَاسْتقر. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِذا وَجَبت جنوبها﴾ [الْحَج: ٣٦] ، أَي: ثبتَتْ [واستقرت] فِي الأَرْض. وَوَجَب الْمهْر [وَالدّين] : ثَبت فِي مَحَله وَاسْتقر، إِلَى غير ذَلِك) انْتهى. وَمِثَال الثُّبُوت: (أَسأَلك مُوجبَات رحمتك) .

стр. 829

وَتقدم الْخلاف فِي حَده شرعا. وَقَوله: ﴿وَالْفَرْض لُغَة: التَّقْدِير والتأثير، قَالَ ابْن عقيل: [والإنزال] وَالْإِبَاحَة﴾ . فمثال التَّقْدِير: ﴿فَنصف مَا فرضتم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٧] ، أَي قدرتم، وَمِنْه: ﴿لأتخذن من عِبَادك نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ [النِّسَاء: ١١٨] ، أَي: مَعْلُوما، وَمِنْه: ﴿سُورَة أنزلناها وفرضناها﴾ [النُّور: ١] ، أَي: أَوجَبْنَا الْعَمَل بهَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن﴾ [الْقَصَص: ٨٥] ، أَي: أوجب عَلَيْك الْعَمَل بِهِ، فهما فِي الْآيَتَيْنِ بِمَعْنى التَّقْدِير على قَول بعض الْمُفَسّرين.

стр. 830

وَمِثَال التَّأْثِير: فرضة الْقوس والجبل. قَالَ الْجَوْهَرِي: (الْفَرْض: الحز فِي الشَّيْء، وَفرض الْقوس: الحز الَّذِي يَقع فِيهِ الْوتر، والفرائض: السِّهَام الْمَفْرُوضَة، والتفريض: التحزيز) . وَقَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الْفَرْض: التَّوْقِيت، وَمِنْه: ﴿فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٧] ، و [الحز] فِي الشَّيْء كالتفريض، وَمن الْقوس موقع الْوتر) انْتهى. وَقَالَ فِي " الْمِصْبَاح ": (فرضة الْقوس: مَوضِع حزها للوتر، والفرضة [فِي الْحَائِط] وَنَحْوه كالفرجة، وفرضة النَّهر: الثلمة الَّتِي ينحدر مِنْهَا المَاء، وتصعد مِنْهَا السفن، وفرضت الْخَشَبَة فرضا من بَاب ضرب -: حززتها، وَفرض القَاضِي النَّفَقَة فرضا أَي: قدرهَا وَحكم بهَا، وَالْفَرِيضَة: فعيلة بِمَعْنى مفعولة، وَالْجمع: فَرَائض، قيل اشتقاقها من الْفَرْض هُوَ التَّقْدِير؛ لِأَن الْفَرَائِض مقدرات، وَقيل: من فرض الْقوس، وَفرض الله تَعَالَى الْأَحْكَام) انْتهى.

стр. 831

وَمِثَال الْإِنْزَال على قَول ابْن عقيل وَغَيره -: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ [الْقَصَص: ٨٥] ، أَي: أنزل عَلَيْك الْقُرْآن، وَهُوَ قَول أَكثر الْمُفَسّرين، قَالَه الْبَغَوِيّ. وَمِثَال الْإِبَاحَة على قَوْله -: ﴿مَا كَانَ على النَّبِي من حرج فِيمَا فرض الله لَهُ﴾ [الْأَحْزَاب: ٣٨] ، أَي: فِيمَا أَبَاحَ الله لَهُ. وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره " (وَهُوَ بِمَعْنى الْإِحْلَال، أَي: فِيمَا أحل الله لَهُ) ، وَقطع بِهِ الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيره ". قلت: والإحلال يَأْتِي بِمَعْنى الْإِبَاحَة على مَا يَأْتِي.

стр. 832

وَقَالَ ابْن الهائم فِي " شرح منظومته ": (أصل الْفَرْض فِي اللُّغَة: الْقطع والحز، وَمِنْه فرض الْقوس بِفَتْح الْفَاء وفرضتها بضَمهَا للحز الَّذِي يَقع فِيهِ الْوتر، وفرضة النَّهر: ثلمته الَّتِي مِنْهَا يستقى، وَيَجِيء لمعان أخر: التَّقْدِير: ﴿فَنصف مَا فرضتم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٧] ، وَفرض الْحَاكِم النَّفَقَة، والإنزال: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ [الْقَصَص: ٨٥] ، وَالْبَيَان: ﴿سُورَة أنزلناها وفرضناها﴾ [النُّور: ١]- بِالتَّخْفِيفِ -، والإيجاب والإلزام: ﴿فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٧] ، أَي: أوجب على نَفسه فِيهِنَّ الْإِحْرَام، والعطية الموسومة: فرضت لَهُ وافترضت، أَي: أَعْطيته، وفرضت لَهُ فِي الدِّيوَان، قَالَه فِي " الصِّحَاح ". فَيجوز أَن تكون الْفَرِيضَة حَقِيقَة فِي الْمعَانِي السِّتَّة، أَو فِي الْقدر الْمُشْتَرك بَينهَا وَهُوَ التَّقْدِير، فَيكون مقولاً بالاشتراك اللَّفْظِيّ، أَو بالتواطؤ، وَيجوز أَن يكون حَقِيقَة فِي الْقطع مجَازًا فِي غَيره، لتصريح كثير من أهل اللُّغَة بِأَصْلِهِ) انْتهى. وَهُوَ كَلَام جَامع. وَلما قَالَ ابْن عقيل: إِنَّه يَأْتِي بِمَعْنى الْإِنْزَال وَالْإِبَاحَة، ﴿قَالَ هُوَ

стр. 833

وَغَيره: (الْوَاجِب آكِد﴾ لاختصاصه وتأثيره أَيْضا) انْتهى.

стр. 834

وَذَلِكَ وَالله أعلم أَن الْفَرْض لما أَتَى عِنْده بِمَنْزِلَة الْإِنْزَال وَالْإِبَاحَة انحط عَن دَرَجَة وَالْوَاجِب، فَكَانَ الْوَاجِب آكِد لِأَنَّهُ الثَّابِت اللَّازِم، وَلم تأت لَهُ هَذِه الْمعَانِي. قَوْله: ﴿الْمُوفق، [وَابْن حمدَان وَغَيرهمَا] : [الْفَرْض آكِد] ﴾ . قلت: وَهَذَا الصَّحِيح، وَلذَلِك لنا ولغيرنا خلاف شرعا، فِي أَن الْفَرْض مَا ثَبت بِالْكتاب، وَالْوَاجِب مَا ثَبت بِالسنةِ، أَو الْفَرْض مَا ثَبت بمقطوع بِهِ، وَالْوَاجِب مَا ثَبت بمظنون، وَلم يقل أحد بِالْعَكْسِ، بل قَالَت الْحَنَفِيَّة وَغَيرهَا: إِن الْفَرْض أخص من الْوَاجِب، فَدلَّ ذَلِك على أَن الْفَرْض آكِد فِي الْجُمْلَة. وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك فِي الشَّرْع تبعا للغة، لِأَن تَعْلِيلهم فِي تَأْكِيد الْفَرْض شرعا لأجل اللُّغَة. قَوْله: ﴿وهما مُتَرَادِفَانِ شرعا﴾ . الْفَرْض وَالْوَاجِب لفظان مُتَرَادِفَانِ، أَي: متحدان مفهوماً، إِذْ الِاتِّحَاد - مفهوماً هُوَ معنى الترادف، لَا المتحدان ذاتاً كالإنسان والناطق فَإِنَّهُمَا

стр. 835

متحدان ذاتاً، فبينهما عُمُوم وخصوص مُطلق، فَكل متحدين مفهوماً متحدان ذاتاً وَلَا عكس لغوياً. إِذا علم ذَلِك؛ فَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا، وَالشَّافِعِيَّة، وَالْأَكْثَر: أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٧] ، أَي: أوجبه، وَالْأَصْل تنَاوله حَقِيقَة وَعدم غَيره، نفيا للمجاز والاشتراك. فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: مَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِمثل أَدَاء مَا افترضت عَلَيْهِ ".

стр. 836

وَإِطْلَاق الْأمة الْفَرْض على الْوَاجِب، وَأَيْضًا دخولهما تَحت الْحَد لِأَن كلا مِنْهُمَا يذم تَاركه، وَلِأَن التزايد لَا يتَحَقَّق فِي الْوَاجِب، لِأَن الاستدعاء لَا يقبل التزايد كجائز، ولازم، وصادق، وكاذب، فَلَا يُقَال: أصدق، وأكذب، وَأعلم، لِأَنَّهُ انتظمه حد وَاحِد وَهُوَ حَقِيقَة وَاحِدَة. فَإِن قيل: اشتقاق الْفَرْض من التَّقْدِير، وَالْوُجُوب من السُّقُوط، فَاقْتضى تَأْكِيد الْفَرْض شرعا ليُوَافق مُقْتَضَاهُ لُغَة. قيل: إِن روعي هَذَا ترجح الْوُجُوب، إِذْ السُّقُوط آكِد من التَّقْدِير، لَكِن نمْنَع أَن تفَاوت الطَّرِيق لُغَة يُوجب التَّأْكِيد شرعا. ﴿ [وَعَن أَحْمد] : الْفَرْض آكِد، [و] [اخْتَارَهَا من أَصْحَابنَا] ابْن شاقلا، والحلواني، [وَحَكَاهُ ابْن عقيل عَن أَصْحَابنَا، وَهُوَ

стр. 837

مَذْهَب الْحَنَفِيَّة [و [ابْن] الباقلاني. وللقاضي [من أَصْحَابنَا] : الْقَوْلَانِ﴾ . قَالَ أَصْحَاب هَذَا القَوْل: الْوُجُوب لُغَة: السُّقُوط، وَالْفَرْض: التَّأْثِير، والتأثير أخص من السُّقُوط كَمَا تقدم، فَوَجَبَ اخْتِصَاصه

стр. 838

- لقُوته حكما كَمَا اخْتصَّ لُغَة، حملا للمسميات الشَّرْعِيَّة على مقتضياتها اللُّغَوِيَّة، إِذا الأَصْل عدم التَّغْيِير. قَالُوا: وَلِأَن مَا دَلِيله قَطْعِيّ يُنَاسِبه الْفَرْض، لِأَن التَّقْدِير قد علم أَن الشَّارِع قدره فيناسبه، والمظنون يُنَاسِبه الْوُجُوب لِأَنَّهُ السُّقُوط فَكَأَنَّهُ سَاقِط علينا، وَلم نعلم أَن الله تَعَالَى قدره علينا أم لَا؟ وَالْجَوَاب: أَن الْفَرْض الْمُقدر أَعم أَن يكون علما، وَالْوَاجِب السَّاقِط أَعم مِنْهُمَا، فَلم تظهر مناسبته. بل قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: (لَو عكسوا الِاصْطِلَاح لَكَانَ أولى، لِأَن الْوُجُوب لَا يحْتَمل غَيره بِخِلَاف الْفَرْض) ، وَيُوَافِقهُ كَلَام ابْن عقيل الْمُتَقَدّم. قَالَ الْآمِدِيّ وَمن تبعه: (وَالْمَسْأَلَة لفظية) ، وَهُوَ ظَاهر كَلَامه فِي " الرَّوْضَة "، وَأخذ مَعْنَاهُ الطوفي فَقَالَ: (النزاع لَفْظِي، إِذْ لَا نزاع فِي

стр. 839

انقسام الْوَاجِب إِلَى ظَنِّي وقطعي، فليسموا هم الْقطعِي مَا شاؤوا، إِذْ لَا حجر فِي الِاصْطِلَاح بعد فهم الْمَعْنى) . قَوْله: ﴿ [فعلى الثَّانِي] ﴾ اخْتلفُوا. أَي: على القَوْل بِأَن الْفَرْض آكِد. فَروِيَ عَن أَحْمد وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة: أَن ﴿الْفَرْض مَا ثَبت بِدَلِيل قَطْعِيّ﴾ ، وَالْوَاجِب مَا ثَبت بِدَلِيل ظَنِّي. والانقسام إِلَى مَقْطُوع ومظنون لَا يقبل خلافًا، وَلِهَذَا قَالَ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة ": (لَا خلاف فِيهِ) . ومثلت الْحَنَفِيَّة الْمَقْطُوع: كالصلوات الْخمس، وَصَوْم رَمَضَان، والمظنون: كالوتر، وَزَكَاة الْفطر. ﴿وَقيل﴾ الْفَرْض: ﴿مَا لَا يسْقط فِي عمد وَلَا سَهْو﴾ كأركان الصَّلَاة،

стр. 840

وَالْحج، وَالْوَاجِب: مَا يسْقط بالسهو: كواجبات الصَّلَاة، وواجبات الْحَج تجبر بِدَم. وَأما قَول أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي بَاب الْحَج: (إِن الْوَاجِب مَا جبر بِدَم، والركن مَا لم يجْبر) ، فتفرقه بَين الْوَاجِب والركن، لَا بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب. قَالَه الْبرمَاوِيّ. قلت: فَكَانَ عِنْدهم: أَن الْفَرْض لَا يُسمى ركنا وَلَا عَكسه، وَأما أَصْحَابنَا فَإِنَّهُم سموا مَا لَا يسْقط فِي عمد وَلَا سَهْو فِي الصَّلَاة: ركنا، وَمَا يسْقط سَهوا وَاجِبا، وَفِي الْحَج، مَا يجْبر بِدَم: وَاجِبا، والركن: مَا لَا يَصح الْحَج إِلَّا بِهِ، وَسموا الرُّكْن فرضا أَيْضا. ﴿ [وَعَن أَحْمد: الْفَرْض] : مَا لزم بِالْقُرْآنِ﴾ . فَالْوَاجِب مَا لزم بِالسنةِ. قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْأَثْرَم:.

стр. 841

(لَا أَقُول فرضا إِلَّا مَا كَانَ فِي كتاب الله) . وَفِي رِوَايَة الْأَثْرَم: قيل لَهُ: (هَل يُقَال: بر الْوَالِدين فرض؟) ، فَقَالَ: (لَا، وَلَكِن أَقُول وَاجِب مَا لم يكن مَعْصِيّة) . قلت: وَلِهَذَا اخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، هَل يسميان فرضا أم لَا؟ على الرِّوَايَتَيْنِ عَن الإِمَام أَحْمد، بِنَاء على تنَاول الْقُرْآن لَهَا. وَكَذَا الرِّوَايَتَانِ فِي زَكَاة الْفطر، فَقَالَ فِي رِوَايَة

стр. 842

مهنا: " صَدَقَة الْفطر وَاجِبَة، لِأَن النَّبِي ﷺ َ - فَرضهَا "، فسوى بَينهمَا، وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَرْوذِيّ: (ابْن عمر يَقُول: " فرض رَسُول الله ﷺ َ - صَدَقَة "، وَأَنا لَا أجترئ أَن أَقُول: إِنَّهَا فرض، وَقيس بن سعد يدْفع أَنَّهَا فرض) ، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة فرق بَينهمَا.

стр. 843

قَوْله: ﴿ [وَعَلِيهِ أَيْضا] [- أَي: على القَوْل الثَّانِي أَيْضا -] [يَصح] أَن يُقَال: بعض [الْوَاجِب] آكِد من بعض، ذكره القَاضِي، والحلواني، [وَغَيرهمَا] ﴾ وَهُوَ صَحِيح. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة) ، وَمَا ثمَّ مَانع من ذَلِك؛ وَأَن فَائِدَته: يُثَاب على أَحدهمَا أَكثر، وَأَن طَرِيق أَحدهمَا مَقْطُوع، وَالْآخر مظنون كَمَا تقدم. وَأما على الأول: فَلَيْسَ بَعْضهَا آكِد من بعض، بل سَوَاء، قَالَه ابْن مُفْلِح، وَبَعض الْمُتَكَلِّمين، وَابْن عقيل أَيْضا.

стр. 844

قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَلَعَلَّ ابْن عقيل أَرَادَ بِمَا قَالَ راداً على من قَالَ: التَّفَاضُل فِي الْعقَاب وَالثَّوَاب يُعْطي التَّفَاضُل فِي حَقِيقَة الْإِيجَاب، الَّذِي هُوَ الاستدعاء، لِأَنَّهُ لَو رفع الْعقَاب وَالثَّوَاب رَأْسا، لما ارْتَفع صِحَة قَوْله: " أوجبت "، وَصَحَّ أَن يقوم الاستدعاء بِنَفسِهِ حَقِيقَة معقولة، وَكَذَا لَا يدل التَّفَاضُل على قُوَّة الاستدعاء) . وَقَالَ ابْن عقيل أَيْضا على هَذَا القَوْل وَهُوَ القَوْل الأول يَصح أَن يكون بَعْضهَا آكِد من بعض، وَأَن فَائِدَته: أَنه يُثَاب على أَحدهمَا أَكثر من الآخر، وَأَن طَرِيق أَحدهمَا مَقْطُوع بِهِ، وَطَرِيق الآخر مظنون، كَمَا قُلْنَا على القَوْل الثَّانِي، وأنهما متباينان. [قلت: وَالنَّفس تميل إِلَى هَذَا سَوَاء قُلْنَا بالتباين أَو الترادف -] أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون أَحدهمَا آكِد من الآخر، وَأَنه يُثَاب عَلَيْهِ أَكثر من الآخر. قَوْله: ﴿ (فَائِدَة: صِيغَة الْفَرْض وَالْوُجُوب نَص فِي الْوُجُوب﴾ .

стр. 845

هَذَا الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء] . قَالَ ابْن عقيل: (" أوجبت " صَرِيحَة فِي الْإِيجَاب، بِإِجْمَاع النَّاس) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي " المسودة ": (وَالْأَظْهَر أَن الْفَرْض نَص، وَقَوْلهمْ: فرض القَاضِي النَّفَقَة، وَفرض الصَدَاق، لَا يخرج عَن معنى الْوُجُوب، وَإِن انْضَمَّ إِلَيْهِ التَّقْدِير) انْتهى. وَقَالَ طَائِفَة من الْعلمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم مِنْهُم: القَاضِي أَبُو يعلى: (هِيَ ظَاهِرَة فِيهِ) نَقله ابْن عقيل. وَعَن البوشنجي أَنَّهُمَا كنايتان لَا صَرِيحًا، نَقله الْبرمَاوِيّ. وَقَالَ فِي " المسودة ": (قَالَ القَاضِي فِي " اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ " فِي الْبَحْث مَعَ الواقفية: " وَمَا قَالُوهُ من أَن هَذِه اللَّفْظَة ترد مُشْتَركَة فِي الْوُجُوب
следующие страницы →