Полный текст (4 267 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ترك، وَالْوَاجِب لَا يتْرك، كَمَا سبق نَظِيره فِي خِصَال الْكَفَّارَة.
وَيُجَاب عَن هَذَا كَمَا هُنَاكَ -: أَن كل فَرد من الْمُخَير وكل جُزْء من الْوَقْت لَهُ جِهَة عُمُوم، وَهِي كَونه أحد أَشْيَاء، وجهة خُصُوص، وَهُوَ الشَّخْص الَّذِي يتَمَيَّز بِهِ عَن غَيره، ومتعلق الْوُجُوب: جِهَة الْعُمُوم، وَلَا تَخْيِير فِيهِ، وَلَا يجوز تَركه، أَي: بِأَن يخلي جَمِيع الْوَقْت مِنْهُ، أَو يتْرك جَمِيع الْخِصَال، وَمحل التَّخْيِير: جِهَة الْخُصُوص، وبتركه لَا يكون تَارِكًا للْوَاجِب.
الْقَائِل بالعزم: كخصال الْكَفَّارَة.
رد: بِأَنَّهُ ممتثل، لِأَنَّهُ مصل، لَا لأحد الْأَمريْنِ، وَبِأَنَّهُ يلْزم سُقُوط الْمُبدل إِذا أَتَى بِالْبَدَلِ كَسَائِر الأبدال، وَأَن يعم الْعَزْم جَمِيع الْوَقْت كمبدله، وَبِأَن فِي وُجُوبه فِي جُزْء ثَان يَقْتَضِي تعدده، والمبدل وَاحِد، وَبِأَن وجوب الْعَزْم لَا يدل على التَّخْيِير لوُجُوبه فِي كل أَمر ديني إِجْمَاعًا، وَبِأَنَّهُ يجب قبل دُخُول وَقت الْمُبدل.
وَبَعْضهمْ منع هَذَا، وَبَعْضهمْ أوجب الْعِبَادَة قبل وَقتهَا.
وَقَول الشَّيْخ فِي " الرَّوْضَة ": لَا يتْرك الْعَزْم على الْفِعْل إِلَّا عَازِمًا على التّرْك مُطلقًا) ، مَمْنُوع، فَلهَذَا أثمه بالتردد مَبْنِيّ على وجوب الْعَزْم، وَإِنَّمَا لم يعْص بِتَأْخِيرِهِ أول الْوَقْت لِأَنَّهُ كقضاء رَمَضَان وخصال الْكَفَّارَة.
فَائِدَة: قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (الْخطاب الموسع والمخير وَفرض الْكِفَايَة جَمِيعًا مُتَعَلق بِالْقدرِ الْمُشْتَرك، فَيجب تَحْصِيله وَيحرم تعطيله.
стр. 912
فالمشترك فِي الموسع: مَفْهُوم الزَّمَان ومطلقه من الْوَقْت الْمُقدر الْمَحْدُود شرعا، بِمَعْنى: أَن الْوَاجِب إِيقَاعه [فِيمَا] يصدق عَلَيْهِ اسْم زمن من أزمنة الْوَقْت الشَّرْعِيّ، فَمَتَى أوقعهَا فِي هَذَا الزَّمَان الْمُطلق كَانَ آتِيَا بالمشترك فَيخرج عَن عُهْدَة الْوَاجِب [إداء] .
والمشترك فِي الْمُخَير: هُوَ مَفْهُوم أحد الْخِصَال، فَهُوَ مُتَعَلق الْوُجُوب، وَأما مُتَعَلق التَّخْيِير، فَهُوَ خصوصيات الْخِصَال من إطْعَام أَو كسْوَة أَو عتق كَمَا تقدم، فَالْوَاجِب الْإِتْيَان بِإِحْدَى الْخِصَال وَهُوَ الْمُشْتَرك بَين جَمِيعهَا، وَلَا يتْرك الْجَمِيع لِئَلَّا يتعطل الْمُشْتَرك، لِأَن الْجَمِيع أَعم من الْمُشْتَرك، وتارك الْأَعَمّ تَارِك الْأَخَص ومعطل لَهُ، وَله الْخِيَار بَين خصوصيات الْخِصَال، فَالْوَاجِب وَهُوَ الْمُشْتَرك لَا تَخْيِير فِيهِ، إِذْ لَا قَائِل: بِأَنَّهُ إِن شَاءَ فعل إِحْدَى الْخِصَال، وَإِن شَاءَ ترك، والمخير فِيهِ وَهُوَ خصوصيات الْخِصَال لَا وجوب فِيهِ، إِذْ لَا قَائِل بِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ جَمِيع الْخِصَال على الْجمع.
والمشترك فِي فرض الْكِفَايَة: مَفْهُوم أَي طوائف الْمُكَلّفين كَانَ، كإحدى الْخِصَال.
وَالْفرق بَين الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة: أَن الْمُشْتَرك فِي فرض الْكِفَايَة: هُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُكَلف، وَفِي الْمُخَير: هُوَ الْوَاجِب نَفسه، وَهُوَ إِحْدَى الْخِصَال، وَفِي الموسع هُوَ الْوَاجِب فِيهِ، وَهُوَ الزَّمَان) انْتهى مُلَخصا.
стр. 913
قَوْله: ﴿فَائِدَة: يسْتَقرّ الْوُجُوب عندنَا بِأول الْوَقْت، وَعنهُ: بِإِمْكَان الْأَدَاء [كَقَوْل الشَّافِعِي] ، وَقَالَ مَالك وَالشَّيْخ: بضيقه﴾ .
الصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَن الْوُجُوب يسْتَقرّ بِأول الْوَقْت، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، وَقَالَهُ بعض الشَّافِعِيَّة.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (وَإِن دخل الْوَقْت بِقدر تَكْبِيرَة وَأطْلقهُ أَحْمد، فَلهَذَا قيل: بِجُزْء) انْتهى.
لِأَن دُخُول الْوَقْت سَبَب للْوُجُوب فترتب عَلَيْهِ حكمه عِنْد وجوده؛ لِأَنَّهَا صَلَاة وَجَبت عَلَيْهِ فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا إِذا فَاتَتْهُ كَالَّتِي أمكن أَدَاؤُهَا.
وَعنهُ " لَا يسْتَقرّ الْوُجُوب إِلَّا بِإِمْكَان الْأَدَاء من الْوَقْت، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأكْثر أَصْحَابه، وَاخْتَارَهُ جمَاعَة من أَصْحَابنَا مِنْهُم: ابْن بطة، وَابْن أبي مُوسَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يدْرك من الْوَقْت مَا يُمكنهُ الصَّلَاة فِيهِ، أشبه مَا لَو لم يدْرك شَيْئا.
ورد الْقيَاس، لِأَن قِيَاس الْوَاجِب على مَا لم يجب لَا يَصح.
стр. 914
وَعند الشَّافِعِيَّة وَجه آخر: أَنه لَا يسْتَقرّ حَتَّى يدْرك مَعَ الْوَقْت أَدَاء جُزْء، وَهُوَ قَول لِابْنِ سُرَيج، قَالَ: (وَإِلَّا لما جَازَ أَن يقصرها إِذا سَافر آخر وَقتهَا لاستقرار فَرضهَا) .
ورد: بِأَن الْقصر من صِفَات الْأَدَاء.
وَقَالَ الإِمَام مَالك وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين: لَا يسْتَقرّ الْوُجُوب إِلَّا بِضيق الْوَقْت، نَقله ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ".
وَتظهر فَائِدَة الْمَسْأَلَة: إِذا طَرَأَ جُنُون أَو حيض، هَل تقضي أم لَا؟ على الْخلاف الْمُتَقَدّم.
стр. 915
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿من أخر الْوَاجِب الموسع مَعَ ظن مَانع، موت أَو غَيره، أَثم إِجْمَاعًا﴾ . لتضيقه عَلَيْهِ بظنه.
وَقَوله: (أَو غَيره) ، مِثْلَمَا إِذا ظنت حيضا فِي أثْنَاء الْوَقْت وَكَانَ لَهَا عَادَة بذلك، أَو أعير ستْرَة أول الْوَقْت فَقَط، أَو متوضئ عدم المَاء فِي السّفر وطهارته لَا تبقى إِلَى آخر الْوَقْت، وَلَا يَرْجُو وجوده، ومستحاضة لَهَا عَادَة بِانْقِطَاع دَمهَا فِي وَقت [يَتَّسِع] لفعلها.
قَالَ الْأَصْحَاب: (فَيتَعَيَّن فعل الصَّلَاة فِي ذَلِك الْوَقْت فِي هَذِه الصُّور، وَلَا يجوز لَهُ التَّأْخِير) .
стр. 916
﴿ [قَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه "] : يَأْثَم مَعَ عدم ظن الْبَقَاء إِجْمَاعًا﴾ .
وَهَذِه الطَّرِيقَة فِي حِكَايَة الْإِجْمَاع أَعم من الَّتِي قبلهَا، فَإِنَّهُ يدْخل فِي هَذَا الْإِجْمَاع: مَا إِذا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ، وَمَا إِذا ظن الْمَوْت، وَهُوَ ضَعِيف فِي الْمَسْأَلَة الأولى، فَفِي حِكَايَة الْإِجْمَاع على هَذِه الصّفة نظر فِيمَا يظْهر.
وَقَالَ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة "، والطوفي: (لَا يُؤَخر إِلَّا إِلَى وَقت يظنّ بَقَاءَهُ إِلَيْهِ) .
قَوْله: ﴿ثمَّ إِن بَقِي فَفعله فِي وقته فأداء﴾ .
هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء، مِنْهُم: الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وأتباعهم، وَغَيرهم، لبَقَاء الْوَقْت، وَلَا عِبْرَة بِالظَّنِّ الْبَين خَطؤُهُ.
стр. 917
٥
- ﴿وَخَالف [القَاضِي أَبُو بكر ابْن الباقلاني، وَالْقَاضِي الْحُسَيْن الشَّافِعِي] ﴾ ، وَقَالا: (يكون قَضَاء لضيق وقته بظنه) .
وألزمهما بَعضهم: (أَن يوجبا نِيَّة الْقَضَاء، وَأَن يَأْثَم بِالتَّأْخِيرِ من اعْتقد قبل الْوَقْت انقضاؤه) .
قَالَ الطوفي: (لَهُ الْتِزَامه، وَمنع وَقت الْأَدَاء فِي الأول، وعصيانه فِي الثَّانِي، لعدوله عَن منَاط التَّعَبُّد وَهُوَ مَا ظَنّه حَقًا) .
قَالَ ابْن مُفْلِح: (كَذَا قَالَ) .
وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: (لَا يعرف هَذَا القَوْل عَن القَاضِي الْحُسَيْن، إِلَّا أَن يكون أَخذ ذَلِك من إِفْسَاد الصَّلَاة ثمَّ فعلهَا فِي الْقُوت، فَإِنَّهُ من الْقَائِلين بِأَنَّهَا قَضَاء، على مَا يَأْتِي) .
قَوْله: ﴿وَمن لَهُ [تَأْخِيرهَا] وَمَات، لم يعْص فِي الْأَصَح [كالأربعة] ﴾ وَغَيرهم.
стр. 918
وَحَكَاهُ بعض أَصْحَابنَا إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ فعل مَا لَهُ فعله، وَاعْتِبَار سَلامَة الْعَاقِبَة مَمْنُوع، لِأَنَّهُ غيب فَلَيْسَ [إِلَيْنَا] .
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (وَمن لَهُ التَّأْخِير فَمَاتَ قبل الْفِعْل لم يَأْثَم فِي الْأَصَح، وفَاقا للأئمة الْأَرْبَعَة، [وَلنَا وَجه: يَأْثَم، كَقَوْل بعض الشَّافِعِيَّة] .
قَالَ القَاضِي من أَصْحَابنَا وَغَيره بعد أَن ذكر مَا تقدم -: وعَلى أَنه [لَا يمْتَنع أَنه لَا يَأْثَم] ، وَالْحق فِي الذِّمَّة، كَدين مُعسر لَا يسْقط بِمَوْتِهِ، وَلَا يَأْثَم بِالتَّأْخِيرِ، لدُخُول النِّيَابَة، لجَوَاز الْإِبْرَاء، وَقَضَاء الْغَيْر عَنهُ.
وَقيل للْقَاضِي: لَو وَجَبت الزَّكَاة لطولب بهَا فِي الْآخِرَة، ولحقه المأثم كَمَا لَو أمكنه؟ فَقَالَ: هَذَا لَا يمْنَع من ثيوت الْحق فِي الذِّمَّة، بِدَلِيل الْمُؤَجّر والمعسر بِالدّينِ) انْتهى.
وَلابْن عقيل معنى ذَلِك فِي " الْفُنُون ".
قَوْله: ﴿ [وَيسْقط] بِمَوْتِهِ عِنْدهم﴾ .
أَي: عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة.
стр. 919
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه " كَمَا تقدم -: (وَمن لَهُ التَّأْخِير فَمَاتَ قبل الْفِعْل لم يَأْثَم فِي الْأَصَح وفَاقا، وَيسْقط إِذن بِمَوْتِهِ وفَاقا.
قَالَ القَاضِي وَغَيره: لِأَنَّهَا لَا تدْخلهَا النِّيَابَة، فَلَا فَائِدَة فِي بَقَائِهَا فِي الذِّمَّة، بِخِلَاف الزَّكَاة وَالْحج) انْتهى.
قَوْله: ﴿ [وَيَأْثَم بِالْحَجِّ] ﴾ .
أَي: بِتَأْخِير إِلَى الْمَوْت، ﴿فِي الْأَصَح للشَّافِعِيَّة﴾ .
﴿ [وَقَالَ] الْغَزالِيّ [وَحكي عَن الشَّافِعِي]-: [يَعْصِي الشَّيْخ] ﴾ دون غَيره.
للشَّافِعِيَّة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَبهم -: يَأْثَم لتأخيره عَن وقته وَهُوَ الْعُمر فَيَمُوت عَاصِيا، لِأَنَّهُ [لما لم] يعلم الآخر، كَانَ جَوَاز التَّأْخِير لَهُ مَشْرُوط بسلامة الْعَاقِبَة، بِخِلَاف الموسع، وَهُوَ الْمَعْلُوم الطَّرفَيْنِ.
стр. 920
وَحكى ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " التأثيم فِي الْحَج عَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة.
وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: (لَا يَأْثَم بِمَوْتِهِ، لِئَلَّا تبطل رخصَة التَّأْخِير) ، ثمَّ ألزم بالموسع.
وَحكى بَعضهم عَن الشَّافِعِي: (أَن الشَّيْخ يَأْثَم وَلَا يَأْثَم الشَّاب الصَّحِيح) ، وَاخْتَارَهُ الْغَزالِيّ.
وَفرقُوا أَيْضا على الأول بَينه وَبَين الموسع: بِأَن بِالْمَوْتِ فِي الْحَج خرج وقته، وبالموت فِي أثْنَاء وَقت الصَّلَاة لم يخرج وَقتهَا، وَنَظِير الْحَج: أَن يَمُوت آخر وَقت الصَّلَاة، أَو قبله بِمَا لَا يَسعهَا، فَإِنَّهُ يَعْصِي حِينَئِذٍ.
وَحكى الْجَوْزِيّ وَالظَّاهِر أَنه من الشَّافِعِيَّة تَقْدِير التَّأْخِير المستنكر
стр. 921
بِبُلُوغِهِ نَحوا من خمسين سنة، وَالأَصَح: من استمداد الْعِصْيَان وَإِلَى آخر سني الْإِمْكَان، بِجَوَاز التَّأْخِير إِلَيْهَا، وَقيل: إِلَى أَولهَا لاستقرار الْوُجُوب حِينَئِذٍ.
стр. 922
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿مَا لَا يتم [الْوُجُوب] إِلَّا بِهِ لَيْسَ بِوَاجِب مُطلقًا إِجْمَاعًا﴾ .
سَوَاء قدر عَلَيْهِ الْمُكَلف: كاكتساب المَال لِلْحَجِّ، وَالْكَفَّارَات، وَنَحْوهمَا.
قَالَ ابْن عقيل وَغَيره: (وإرغاب العَبْد سَيّده فِي كِتَابَته بِمَال كثير) .
أَو لم يقدر عَلَيْهِ: كَالْيَدِ فِي الْكِتَابَة، وَحُضُور الإِمَام وَالْعدَد الْمُشْتَرط فِي الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ لَا صنع للمكلف فِيهِ.
قَوْله: ﴿وَمَا لَا يتم الْوَاجِب الْمُطلق إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَقْدُور للمكلف، فَوَاجِب عندنَا، وَعند الشَّافِعِيَّة، وَالْأَكْثَر﴾ .
стр. 923
مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ لَا يَخْلُو، إِمَّا أَن يكون جُزْءا للْوَاجِب، أَو خَارِجا عَنهُ: كالشرط، وَالسَّبَب.
فَإِن كَانَ الأول فَهُوَ وَاجِب اتِّفَاقًا، لِأَن الْأَمر بالماهية المركبة، أَمر بِكُل وَاحِد من أَجْزَائِهَا ضمنا، فَالْأَمْر بِالصَّلَاةِ مثلا، أَمر بِمَا فِيهَا من رُكُوع وَسُجُود وَتشهد وَغير ذَلِك.
وَإِن كَانَ الثَّانِي، فَهُوَ مَحل الْخلاف.
فأقسام مَا لَا يتم الْوَاجِب الْخَارِج إِلَّا بِهِ وَهُوَ الْمُسَمّى بالمقدمة المتوقف عَلَيْهَا سِتَّة، مَحل الْخلاف فِيهَا لَا غير، وَهِي: السَّبَب، وَالشّرط، وكل وَاحِد مِنْهُمَا إِمَّا شَرْعِي، أَو عَقْلِي، أَو عادي، فَهَذِهِ سِتَّة أَقسَام.
مِثَال السَّبَب الشَّرْعِيّ: صِيغَة الْعتْق فِي الْوَاجِب من كَفَّارَة أَو نذر، وَكَذَا صِيغَة الطَّلَاق حَيْثُ وَجب.
وَمِثَال السَّبَب الْعقلِيّ: النّظر الْموصل إِلَى الْعلم.
وَمِثَال السَّبَب العادي: السّفر إِلَى الْحَج.
وَمِثَال الشَّرْط الشَّرْعِيّ: الطَّهَارَة للصَّلَاة وَنَحْوهَا.
وَمِثَال الشَّرْط الْعقلِيّ: ترك أضداد الْمَأْمُور بِهِ.
وَمِثَال الشَّرْط العادي: غسل الزَّائِد على حد الْوَجْه فِي غسل الْوَجْه، ليتَحَقَّق غسل جَمِيعه. فَالشَّرْط الشَّرْعِيّ: مَا جعله الشَّارِع شرطا، وَإِن أمكن وجود الْفِعْل بِدُونِهِ.
стр. 924
وَالشّرط الْعقلِيّ: مَا لَا يُمكن وجود الْفِعْل بِدُونِهِ عقلا.
وَالشّرط العادي: مَا لَا يُمكن عَادَة.
إِذا علم ذَلِك؛ فَالصَّحِيح من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيَّة وَالْأَكْثَر، وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ عَن الْمُعْتَزلَة: أَن مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَاجِب، إِذا كَانَ مَقْدُورًا للمكلف، ثمَّ اخْتلف فِي كَون وجوب الْمُقدمَة متلقى من نفس صِيغَة الْأَمر بِالْأَصْلِ، أَو من دلَالَة الصِّيغَة، قَولَانِ لَهُم، الثَّانِي قَول الْجُمْهُور.
قَالَ ابْن برهَان: (لِأَن المتلقى من الصِّيغَة، مَا كَانَ مسموعاً مِنْهَا) .
وينحل ذَلِك إِلَى أَن الدّلَالَة عَلَيْهِ بالتضمن أَو بالإلتزام، وَصرح بِالْأولِ أَبُو الْمَعَالِي فِي " الْبُرْهَان "، و " التَّلْخِيص ".
وَتَقْرِيره: أَنه إِذا تقرر التَّوَقُّف ثمَّ جَاءَ الْأَمر، كَانَ كَأَنَّهُ مُصَرح بِوُجُوب الْمَجْمُوع بِهِ.
стр. 925
وَاخْتلف أَيْضا فِي الْإِيجَاب، هَل هُوَ شَرْعِي أَو عَقْلِي؟
فِيهِ خلاف، وَلَعَلَّ مأخذه مَا سبق فِي كَونه مأخوذاً من الْأَمر، أَو من دلَالَة الْأَمر، وَهل هُوَ بالتضمن أَو بالالتزام؟
﴿وَقيل: إِن كَانَ سَببا﴾ بأقسامه وَجب، وَإِلَّا فَلَا: كالنار للإحراق فِيمَا إِذا وَجب إحراق شخص، فَإِنَّهُ يتَوَقَّف على وجود النَّار، الَّتِي هِيَ سَبَب للإحراق، بِخِلَاف الشَّرْط فَإِنَّهُ لَا يجب، ويعزى هَذَا القَوْل للشريف المرتضى، وَصَاحب المصادر من الْمُعْتَزلَة.
بِخِلَاف الشَّرْط: كَالْوضُوءِ للصَّلَاة، فَلَا يجب لوُجُوب مشروطه.
стр. 926
وَالْفرق: أَن السَّبَب لاستناد الْمُسَبّب إِلَيْهِ، أَشد ارتباطاً من الشَّرْط بالمشروط.
﴿وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْن برهَان، وَابْن الْحَاجِب، وَابْن حمدَان، والطوفي: أَو شرطا شَرْعِيًّا﴾ .
يَعْنِي: أَن هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة، أوجبوا مَا كَانَ سَببا بأقسامه كالقول الَّذِي قبله وَزَادُوا، فأوجبوا أَيْضا من الشُّرُوط الشَّرْط الشَّرْعِيّ: كالطهارة للصَّلَاة وَنَحْوه، وَلم يوجبوا الشَّرْط الْعقلِيّ وَلَا العادي.
стр. 927
﴿و﴾ حُكيَ ﴿عَن الْمُعْتَزلَة: [أَنه] لَيْسَ بِوَاجِب﴾ ، سَوَاء كَانَ سَببا بأقسامه، أَو شرطا بأقسامه.
﴿قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: ( [لَا يجب] إمْسَاك جُزْء من اللَّيْل﴾ فِي الصَّوْم، ﴿فِي [أصح الْوَجْهَيْنِ] ) ﴾ .
لَكِن كَلَامه مَا يَشْمَل إِلَّا عدم اشْتِرَاط الشَّرْط العادي، وَقد يكون قَائِلا بِوُجُوب الشَّرْط الشَّرْعِيّ.
قلت: قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه ": (لَا يجب إمْسَاك جُزْء من اللَّيْل فِي أَوله وَآخره، فِي ظَاهر كَلَام جمَاعَة، وَصرح بِهِ كثير، وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ أَنه أصح الْوَجْهَيْنِ، خلافًا لمَالِك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ، وَقطع جمَاعَة بِوُجُوبِهِ فِي أصُول الْفِقْه وفروعه، وَأَنه مِمَّا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ، وَذكره فِي " الْفُنُون "، وَأَبُو يعلى " الصَّغِير "، وفَاقا فِي صَوْم يَوْم لَيْلَة الْغَيْم، وَهُوَ
стр. 928
يُنَاقض مَا ذَكرُوهُ هُنَا، وَذكره القَاضِي فِي الْخلاف فِي النِّيَّة من اللَّيْل ظَاهر كَلَام أَحْمد، وَأَنه مَذْهَبنَا؛ لِئَلَّا يفوت بعض النَّهَار عَن النِّيَّة، وَالصَّوْم يدْخل فِيهِ بِغَيْر فعله فَلَا يُمكنهُ مُقَارنَة النِّيَّة حَال الدُّخُول، بِخِلَاف الصَّلَاة، [كَذَا قَالَ] ، وَسبق فِي النِّيَّة من اللَّيْل) انْتهى.
وَحكى ابْن الْحَاجِب: أَنه لَا خلاف فِي السَّبَب بأقسامه.
وَحكى شَيْخه الأبياري: أَنه لَا خلاف فِي الشَّرْط الشَّرْعِيّ.
ويردهما حِكَايَة الْخلاف.
стр. 929
اسْتدلَّ للْمَذْهَب الأول وَهُوَ الصَّحِيح بِمَا اعْتمد عَلَيْهِ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد "، وَغَيره: أَن الْأَمر بالشَّيْء مُطلقًا، يسْتَلْزم وُجُوبه فِي كل أَحْوَاله الممكنة، فَيَقْتَضِي وجوب لَازمه، وَإِلَّا كَانَ وَاجِبا حَال عَدمه، وَهُوَ محَال.
وتقييده بِوَقْت وجود لَازمه خلاف ظَاهر الْأَمر، لِأَنَّهُ مُطلق، وَاللَّازِم لَا يَنْفِيه اللَّفْظ، لعدم دلَالَته عَلَيْهِ، فَلَا مُخَالفَة لظاهره.
وَقَالَ ابْن عقيل: مَا عرف من اطراد الْعَادة كالملفوظ، وَلِأَنَّهُ لَو لم يجب الشَّرْط لم يكن شرطا لجَوَاز [تَركه] .
وَاسْتدلَّ أَيْضا -: لَو لم يجب صَحَّ الْفِعْل دونه، وَإِلَّا لزمَه تَكْلِيف الْمحَال بِتَقْدِير عَدمه، وَلما وَجب التَّوَصُّل إِلَى الْوَاجِب.
ورد: إِن أُرِيد بِالصِّحَّةِ وَالْوُجُوب: مَا لَا بُد مِنْهُ، فَمُسلم، [وَلَا] يلْزم أَنه مَأْمُور بِهِ، وَإِن أُرِيد، مَأْمُور بِهِ، فَأَيْنَ دَلِيله؟ وَإِن سلم أَن التَّوَصُّل وَاجِب فَفِي الْأَسْبَاب المستلزمة لمسبباتها، لَا لنَفس الْأَمر بِالْفِعْلِ.
قَالُوا: ﴿لَو وَجب لزم تعقل] الْمُوجب لَهُ، وَلم يكن تعلق الْوُجُوب لنَفسِهِ لتوقف تعلقه على تعلقه بملزومه، والطلب لَا يتَعَلَّق بِغَيْر الْمَطْلُوب، ولامتنع التَّصْرِيح بِغَيْر وُجُوبه، ولأثم بِتَرْكِهِ، ولانتفى الْمُبَاح، ولوجبت نِيَّته.
رد الأول: إِنَّمَا يلْزم لَو وَجب أصلا لَا تبعا، ثمَّ ينْتَقض بِالشُّرُوطِ.
ورد الثَّانِي: بِأَنَّهُ أَرَادَ التَّعَلُّق بِالْأَصَالَةِ مَعَ انْتِفَاء التَّالِي، فَإِن تعلق
стр. 930
الْوُجُوب باللازم فرع تعلقه بملزومه، وَإِلَّا فَتعلق الْوُجُوب النَّاشِئ من وجوب الأول يتَعَلَّق باللازم لذاته، ثمَّ ينْتَقض بِالشّرطِ.
ورد الثَّالِث: بِمَنْع الْمُلَازمَة فِي الْقَادِر على غسل الْوَجْه دون غسل جُزْء من الرَّأْس، وَنفي التَّالِي فِي الْعَاجِز.
وَبِه يُجَاب عَن الرَّابِع.
ثمَّ تَركه يُوجب ترك الْوَاجِب أصلا، ثمَّ ينْتَقض بِالشّرطِ.
ورد الْخَامِس: بِأَنَّهُ يلْزم نفي الْمُبَاح لَو تعين ترك الْحَرَام بِهِ.
ورد السَّادِس: يلْزم لَو وَجب أصلا لَا تبعا، وَتسقط الْوَسِيلَة تبعا.
تَنْبِيه: هَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ الْمعبر عَنْهَا فِي الْأُصُول: بِمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَاجِب، وَرُبمَا قيل: مَا لَا يتم الْمَأْمُور إِلَّا بِهِ يكون مَأْمُورا بِهِ، وَهُوَ أَجود وأشمل من حَيْثُ إِن الْأَمر قد يكون للنَّدْب، فَتكون مقدمته مَنْدُوبَة، وَرُبمَا كَانَت وَاجِبَة: كالشروط فِي صَلَاة التَّطَوُّع، إِلَّا أَنه لما وَجب الْكَفّ عَن فَاسد الصَّلَاة عِنْد إِرَادَة التَّلَبُّس بِالصَّلَاةِ مثلا وَجب مَا لَا يتم الْكَفّ مَعَ التَّلَبُّس إِلَّا بِهِ، فَلم يخرج عَمَّا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب.
وَإِذا اتَّضَح الْأَمر فِي مُقَدّمَة الْوَاجِب عدي إِلَى الْمَنْدُوب بِمَا يَلِيق بِهِ من الْأَمريْنِ.
تَنْبِيه آخر: تقدم أَن مَا لَا يتم بِهِ الْوَاجِب تَارَة يكون جُزْءا
стр. 931
للْوَاجِب، وَتارَة يكون خَارِجا عَنهُ كالشرط وَالسَّبَب، وَأَن الأول وَاجِب اتِّفَاقًا؛ لِأَن الْأَمر بالماهية المركبة، أَمر بِكُل وَاحِد من أَجْزَائِهَا ضمنا، لَكِن يشْتَرط أَن يكون مَقْدُورًا لَهُ، قطعا، للْحَدِيث: " إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم "، فَلَو سقط وجوب الْبَعْض المعجوز هَل يبْقى وجوب الْبَاقِي [الْمَقْدُور] عَلَيْهِ؟
قَاعِدَة الْمذَاهب فِي الأَصْل الْبَقَاء، للْحَدِيث الْمُوَافق لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦] ، وَقد ذكر أَصْحَابنَا: أَن من سقط عَنهُ النُّطْق فِي الصَّلَاة لعذر لم يلْزمه تَحْرِيك لِسَانه، خلافًا للْقَاضِي من أَصْحَابنَا، وَأكْثر الشَّافِعِيَّة، لوُجُوبه ضَرُورَة: كجزء من اللَّيْل فِي الصَّوْم، وشروط الصَّلَاة.
стр. 932
قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَيتَوَجَّهُ الْخلاف، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: يسْتَحبّ فِي قَول من اسْتحبَّ غسل مَوضِع الْقطع فِي الطَّهَارَة، وَكَذَا إمرار الموسى فِيمَن لَا شعر لَهُ، ورد.
وَقَالَ ابْن عقيل فِي " عمد الْأَدِلَّة ": (يمر الموسى وَلَا يجب، ذكره شَيخنَا، وَأما كَلَام الإِمَام أَحْمد فخارج مخرج الْأَمر، لكنه حمله شَيخنَا على النّدب) انْتهى.
وَقَالَ القَاضِي فِي " التَّعْلِيق "، وَغَيره - فِي وَطْء الْمظَاهر -: (إِن الْأَمر بِالصَّلَاةِ مُتَضَمّن لِلْأَمْرِ بِالطَّهَارَةِ، وَإِن التَّابِع يسْقط بِفَوَات الْمَتْبُوع: كالطهارة للصَّلَاة) انْتهى.
وَلنَا فروع كَثِيرَة شَبيهَة بذلك: كوجوب الْقيام على من عجز عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود لعِلَّة فِي ظَهره، وواجد بعض مَا يَكْفِيهِ لطهارته من المَاء، وَبَعض صَاع فِي الْفطْرَة.
وَرُبمَا خرج عَن الْقَاعِدَة فروع، الرَّاجِح خلاف ذَلِك، لمدارك فقهية محلهَا الْفِقْه.
تَنْبِيه آخر: قَوْله: (وَمَا لَا يتم الْوَاجِب الْمُطلق) .
قَالَ الْقَرَافِيّ: (فَمَعْنَى قَوْلنَا: " مُطلقًا "، أَي: أطلق الْوُجُوب فِيهِ، فَيصير معنى الْكَلَام: الْوَاجِب الْمُطلق إِيجَابه.
стр. 933
فَفرق بَين قَول السَّيِّد لعَبْدِهِ: اصْعَدْ السَّطْح، وَبَين قَوْله: إِذا نصب السّلم اصْعَدْ السَّطْح، فَالْأول مُطلق فِي إِيجَابه، فَهُوَ مَوضِع الْخلاف، وَالثَّانِي مُقَيّد فِي إِيجَابه، فَلَا يجب تَحْصِيل الشَّرْط فِيهِ إِجْمَاعًا) انْتهى.
وَقَالَ الكوراني: (قد فسر الْوَاجِب الْمُطلق بِمَا يجب فِي كل وَقت وعَلى كل حَال، فَانْتقضَ بِالصَّلَاةِ، فَإِن صَلَاة الظّهْر مثلا [لَا تجب] فِي كل وَقت، فزيد: فِي كل وَقت قدره الشَّارِع، فنقض بِصَلَاة الْحَائِض فزيد: لَا لمَانع، وَهَذَا لَا يَشْمَل غير المؤقتات، وَلَا مثل الْحَج وَالزَّكَاة فِي إِيجَاب مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من الشُّرُوط.
فَالْوَاجِب الْمُطلق: هُوَ الَّذِي لَا يكون بِالنّظرِ إِلَى تِلْكَ الْمُقدمَة الَّتِي [يتَوَقَّف] عَلَيْهَا مُقَيّدا، وَإِن كَانَ مُقَيّدا بقيود أخر فَإِنَّهُ لَا يُخرجهُ عَن الْإِطْلَاق، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٨] ، فَإِن وجوب الصَّلَاة فِي هَذَا النَّص [مُقَيّد] بالدلوك، وَغير مُقَيّد بِالْوضُوءِ والاستقبال) انْتهى.
قَوْله: ﴿وَغير الْمَقْدُور من الْمحَال﴾ .
لِأَنَّهُ فَرد من أَفْرَاده: كالقدرة وَالْيَد فِي الْكِتَابَة، لِأَنَّهُمَا مخلوقتان لله تَعَالَى، فَلَيْسَ ذَلِك فِي وسع الْمُكَلف [وطاقته] .
стр. 934
﴿تَنْبِيه: ظَاهر من أوجبه يُعَاقب بِتَرْكِهِ، وَقَالَهُ القَاضِي، والآمدي، [وَجمع] ﴾ .
صرح بِهِ القَاضِي أَبُو يعلى فِي الْحَج عَن الْمَيِّت من الْمِيقَات؛ لِأَن الْوَاجِب هُوَ الَّذِي يُعَاقب على تَركه كَمَا يُثَاب على فعله.
﴿و﴾ قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين ﴿فِي " الرَّوْضَة ": لَا يُعَاقب، [وَقَالَهُ] الشَّيْخ﴾ تَقِيّ الدّين.
قَالَ: (إِلَّا أَن يُقَال: قد تكون عُقُوبَة من كثرت واجباته أَكثر) .
﴿وَقَالَ أَيْضا -: (وُجُوبه عقلا وَعَادَة لَا يُنكر، [وَالْوُجُوب] العقابي لَا يَقُوله فَقِيه، و [الْوُجُوب] [الطلبي] مَحل النزاع﴾ .
قَالَ ابْن مُفْلِح وَابْن قَاضِي الْجَبَل: ﴿وَفِيه نظر﴾ .
стр. 935
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَيْضا -: (وَإِذا نسخ الْأَمر بالملزوم، أَو تبين عدم وُجُوبه اسْتدلَّ بِهِ على اللوازم، فَعِنْدَ أَصْحَابنَا اللوازم كالأجزاء، وصرحوا بِأَنَّهُ كالعموم إِذا خص مِنْهُ صُورَة، وَأَن الْكَلَام فِي قُوَّة أَمريْن، وَأَن اللَّازِم مَأْمُور بِهِ أمرا مُطلقًا، ويشبهها الْأَمر بهئية أَو صفة [لفعل] يحْتَج بِهِ على وُجُوبه، ذكره أَصْحَابنَا، وَنَصّ أَحْمد عَلَيْهِ لتمسكه لوُجُوب الِاسْتِنْشَاق بِالْأَمر بالمبالغة، وَهُوَ يشبه: نسخ اللَّفْظ نسخ لفحواه.
قَالَ: وَقَول الْمُخَالف مُتَوَجّه، وسرها، هَل هُوَ كأمرين أَو أَمر بفعلين، أَو بِفعل ولوازمه ضَرُورَة؟) انْتهى كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين.
قَوْله: ﴿فَائِدَة: يجوز النَّهْي عَن وَاحِد لَا بِعَيْنِه كملكه أُخْتَيْنِ [و] وطئهما﴾ .
стр. 936
بِمَعْنى: كوطئه وَاحِدَة بعد وَاحِدَة قبل تَحْرِيم الأولى، فَإِنَّهُ يحرم وَطْء إِحْدَاهمَا قبل تَحْرِيم الْأُخْرَى، فَهُوَ مَمْنُوع من [إِحْدَاهمَا] لَا بِعَينهَا.
قَالَ ابْن حمدَان: (وكما لَو أسلم على أَكثر من أَربع نسْوَة، وأسلمن مَعَه، أَو كن كتابيات) .
وَهُوَ صَحِيح؛ فَإِنَّهُ مَمْنُوع من الزَّائِد على الْأَرْبَع لَا بِعَيْنِه.
إِذا علم ذَلِك؛ فقد قَالَ أهل السّنة: يجوز تَحْرِيم وَاحِد لَا بِعَيْنِه، وَيكون النَّهْي عَن وَاحِد على التَّخْيِير.
قَوْله: ﴿وَله فعل أَحدهَا عِنْد [أَصْحَابنَا] وَالْأَكْثَر﴾ .
قَالَ ابْن برهَان: (وَهُوَ قَول الْفُقَهَاء والمتكلمين) ؛ لِأَن هَذِه الْمَسْأَلَة كَمَسْأَلَة الْوَاجِب الْمُخَير، إِلَّا أَن التَّخْيِير هُنَا فِي التّرْك، وَهُنَاكَ فِي الْفِعْل، فَكَمَا أَن للمكلف أَن يَأْتِي بِالْجَمِيعِ، وَأَن يَأْتِي بِالْبَعْضِ وَيتْرك الْبَعْض البقي فِي الْوَاجِب الْمُخَير، لَهُ أَن يتْرك الْجَمِيع، وَأَن يتْرك الْبَعْض دون الْبَعْض هُنَا، عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر، وكما لَا يجوز الْإِخْلَال بجميعها، بل عَلَيْهِ فعل
стр. 937
شَيْء مِنْهَا فِي الْوَاجِب الْمُخَير، لَا يجوز لَهُ الْإِخْلَال بِالتّرْكِ جَمِيعًا هُنَا، بل يجب عَلَيْهِ ترك شَيْء مِنْهَا.
وَلِأَنَّهُ الْيَقِين وَالْأَصْل، وَتقدم التَّخْيِير فِي الْمَأْمُور بِهِ، وَيَأْتِي التَّخْيِير فِي المنهى عَنهُ.
فَأهل السّنة جوزوا النَّهْي عَن وَاحِد لَا بِعَيْنِه، وجوزوا فعل أَحدهمَا على التَّخْيِير، وَمَا دَامَ لم يعين، لَا يجوز لَهُ الْإِقْدَام على شَيْء مِنْهَا.
وبماذا يكون التَّعْيِين؟ يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ.
وعَلى هَذَا يَأْتِي الْخلاف السَّابِق فِي كَون الْمحرم [وَاحِدًا] لَا بِعَيْنِه، أَو الْكل، أَو معينا عِنْد الله تَعَالَى، أَو غير ذَلِك كَمَا تقدم.
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: لَا يُمكن ذَلِك فِي النَّهْي، يل يجب اجْتِنَاب كل وَاحِد، وَبَنوهُ على أصلهم: أَن النَّهْي عَن قَبِيح، فَإِذا نهي عَن أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه ثَبت الْقبْح لكل مِنْهُمَا، فيمتنعان جَمِيعًا، وَلَو ورد ذَلِك بِصِيغَة التَّخْيِير، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم ءاثماً أَو كفوراً﴾ [الْإِنْسَان: ٢٤] .
стр. 938
وَمن أمثلتها: لَو ملك أُخْتَيْنِ ووطئهما حرمت إِحْدَاهمَا لَا بِعَينهَا حَتَّى تخرج الْأُخْرَى عَن ملكه كَمَا تقدم.
وَتقدم تَمْثِيل ابْن حمدَان.
وَمثله بعض الشَّافِعِيَّة: بِتَحْرِيم الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ أَو بَين الْأُم وبنتها فِي النِّكَاح، وَنَحْو ذَلِك، وَلَيْسَ بجيد، لِأَن التَّحْرِيم مُنْتَفٍ حَتَّى ينْكح إِحْدَاهمَا، بِخِلَاف مَا مثلنَا بِهِ، فَإِن التَّحْرِيم وَقع فَتَأَمّله.
﴿ [وَقَالَ الْجِرْجَانِيّ وَأَبُو الْبَقَاء من أَصْحَابنَا -] والقرافي [وَمَال إِلَيْهِ ابْن قَاضِي الْجَبَل] ﴾ كالمعتزلة ﴿ [فَيمْنَع] من الْجَمِيع﴾ لِلْآيَةِ.
стр. 939
وَقَالَ أبوالبقاء فِي " إعرابه " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو كفوراً﴾ -: (" أَو " هُنَا على بَابهَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وتفيد فِي النَّهْي الْمَنْع من الْجَمِيع، لِأَنَّك إِذا قلت فِي الْإِبَاحَة -: جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين، كَانَ التَّقْدِير: جَالس أَحدهمَا فَإِذا نهى فَقَالَ: لَا تكلم زيدا أَو عمرا، فالتقدير: لَا تكلم أَحدهمَا، فَأَيّهمَا كَلمه كَانَ أَحدهمَا، فَيكون مَمْنُوعًا مِنْهُ) انْتهى.
ورد ذَلِك: بِأَن الآثم والكفور يأمران بالمعصية، فَلَا طَاعَة.
قَالُوا: لَا تُطِع زيدا أَو عمرا، للْجَمِيع بِإِجْمَاع أهل اللُّغَة.
رد: بِالْمَنْعِ.
قَالُوا: لتساويهما فِي الْقبْح.
رد: مَبْنِيّ على أصلهم كَمَا تقدم عَنْهُم -، ثمَّ إِنَّمَا خَيره لعلمه بِتَرْكِهِ الْقَبِيح وَفعله الْحسن.
قَالُوا: فِيهِ احْتِيَاط. فألزمهم القَاضِي بِالْوَاجِبِ الْمُخَير.
وَقَالَ ابْن عقيل: ( [إِنَّمَا نمْنَع] من اعْتِقَاد ذَلِك، وَلَا احْتِيَاط فِيهِ) ، ورد.
стр. 940
تَنْبِيه: الْجِرْجَانِيّ وَأَبُو الْبَقَاء والقرافي، وَإِن كَانُوا قد وافقوا الْمُعْتَزلَة على الْمَنْع، لَكِن لَا من حَيْثُ [التقبيح] الْعقلِيّ، بل من حَيْثُ إِن تَحْرِيم أَحدهمَا يلْزم مِنْهُ تَحْرِيم الْكل، كَمَا تقدم عَن أبي الْبَقَاء.
وَفرق الْقَرَافِيّ بَينه وَبَين الْوَاجِب الْمُخَير: (بِأَن الْأَمر بِمَفْهُوم أَحدهمَا قدر مُشْتَرك، وَمحل التَّخْيِير الخصوصيات، فَلَا يلْزم من إِيجَاب الْمُشْتَرك إِيجَاب الخصوصيات، كَمَا فِي إِيجَاب رَقَبَة مُطلقَة فِي الْعتْق، لَا يلْزم مِنْهُ إِيجَاب رَقَبَة مُعينَة) .
قَالَ الْقَرَافِيّ: (أما النَّهْي، فَيلْزم من تَحْرِيم أَحدهمَا الَّذِي هُوَ قدر مُشْتَرك تَحْرِيم الخصوصيات) .
ثمَّ أجَاب عَن الْمِثَال السَّابِق وَنَحْوه: (بِأَن التَّحْرِيم إِنَّمَا يتَعَلَّق بِمَجْمُوع الموطوءتين بعد أَن وطئهما لَا بالمشترك بَينهمَا، [فالمقصود] : أَن لَا يدْخل مَاهِيَّة مَجْمُوع الوطأين فِي الْوُجُود، والماهية المركبة تنعدم بانعدام جزئها) .
стр. 941
قَالَ العلائي: (وَالظَّاهِر أَن هَذَا مُرَاد أهل السّنة بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة، لَا الْمَعْنى الَّذِي رده الْقَرَافِيّ، وَهُوَ الْكُلِّي الْمُشْتَرك، لِأَن من الْمحَال عقلا أَن يُوجد الجزئي وَلَا يُوجد الْكُلِّي فِيهِ لِأَن الكلى ينْدَرج فِي الجزئي بِالضَّرُورَةِ قَالَ: لَكِن يشكل على هَذَا، إلحاقهم الْمَسْأَلَة بِالْأَمر الْمُخَير) انْتهى.
وَلأبي الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كلامان.
فَقَالَ فِي بَاب النَّهْي: (مَسْأَلَة: إِذا نهي عَن شَيْء بِلَفْظ التَّخْيِير مثل أَن يَقُول: لَا تكلم زيدا أَو عمرا، اقْتضى الْمَنْع من كَلَام أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه، خلافًا للمعتزلة فِي قَوْلهم: يَقْتَضِي الْمَنْع من كَلَام الْجَمِيع) ، ثمَّ نصب الْخلاف مَعَهم.
وَقَالَ فِي بَاب الْحُرُوف، فِي حرف " أَو "، - وَذكر لَهَا معَان ثمَّ قَالَ -: (الثَّالِث: يدْخل فِي النَّهْي تَارَة للْجمع، وَتارَة للتَّخْيِير، فالتخيير: لَا تدخل إِلَّا هَذِه الدَّار [أَو هَذِه الدَّار] ، وَأما الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم ءاثماً أَو كفوراً﴾ [الْإِنْسَان: ٢٤] ، مَعْنَاهُ: آثِما وكفوراً) انْتهى.
стр. 942
وَكَذَا لِابْنِ حمدَان فِيهَا كلامان، فَقَالَ فِي بَاب النَّهْي: (الْفَصْل الْخَامِس: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم ءاثماً أَو كفوراً﴾ [الْإِنْسَان: ٢٤] يَقْتَضِي مَنعه من طَاعَة أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه، وَقيل: بل طاعتهما) انْتهى. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: يجوز أَن يكون الْمحرم أحد أَمريْن غير معِين، لَكِن التَّخْيِير بقتضي منع الْجَمِيع) انْتهى. قَوْله: ﴿وَلَو اشْتبهَ محرم بمباح وَجب الْكَفّ، وَلَا يحرم الْمُبَاح﴾ .
وَهُوَ مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه، لِأَن الْمُبَاح لم يحرم، أَكثر مَا فِيهِ: أَنه اشْتبهَ فمنعنا لأجل الِاشْتِبَاه، لَا أَنه محرم، فَإِذا تبين زَالَ ذَلِك، فوجوب الْكَفّ ظَاهرا لَا يدل على شُمُول التَّحْرِيم، وَلِهَذَا لَو أكلهما لم يُعَاقب إِلَّا على أكل ميتَة وَاحِدَة.
﴿وَقَالَ الْمُوفق﴾ فِي " الرَّوْضَة "، ﴿والطوفي﴾ فِي " مُخْتَصره، ﴿ [تبعا للغزالي] ﴾ فِي " الْمُسْتَصْفى "، وَغَيرهم: ﴿ [حرمتا] ﴾ ، إِحْدَاهمَا بِالْأَصَالَةِ، وَالْأُخْرَى بِعَارِض الِاشْتِبَاه.
стр. 943
ثمَّ قَالَ الطوفي: (وَلَعَلَّ الْقَائِل بِعَدَمِ التَّحْرِيم [يَعْنِي] : أَن التَّحْرِيم أَحدهمَا عرضي، وَتَحْرِيم الآخر أُصَلِّي، فَالْخِلَاف إِذن لَفْظِي) ، وَهُوَ وَالله أعلم كَذَلِك، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي التَّسْمِيَة.
قَوْله: ﴿ [وَلَو طلق إِحْدَى امرأتيه مُبْهمَة أَو مُعينَة وأنسيها وَجب الْكَفّ إِلَى الْقرعَة] ﴾ .
نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه.
﴿وَقَالَ الْمُوفق﴾ وَجمع: ﴿حرمتا إِلَى التبين﴾ ، وَهِي كَالَّتِي قبلهَا، وَالَّذِي يظْهر أَن الْخلاف فِي الْعبارَة لَا فِي الْمَعْنى، كَمَا تقدم فِي الَّتِي قبلهَا.
تَنْبِيه: وَجه تَفْرِيع هَذَا الْفَرْع وَالَّذِي قبله على هَذَا الأَصْل السَّابِق: أَن الْكَفّ عَن الْمحرم وَاجِب، وَلَا يحصل الْعلم بِهِ إِلَّا بالكف عَن الْمُبَاح فِي الأَصْل، وَترك مَا لَا يتم ترك الْحَرَام إِلَّا بِتَرْكِهِ وَاجِب، [فهما] من تعلقات الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة.
стр. 944
قَوْله: ﴿فصل﴾
لَو كنى الشَّارِع عَن عبَادَة بِبَعْض مَا فِيهَا، نَحْو: ﴿وَقُرْآن الْفجْر﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٨] ، و ﴿مُحَلِّقِينَ رءوسكم﴾ [الْفَتْح: ٢٧] دلّ على فَرْضه، قطع بِهِ القَاضِي، وَابْن عقيل﴾ .
فَدلَّ قَوْله: ﴿وَقُرْآن الْفجْر﴾ على فَرضِيَّة الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة.
وَدلّ: قَوْله: ﴿مُحَلِّقِينَ رءوسكم﴾ على فَرضِيَّة الْحلق فِي الْحَج، لِأَن الْعَرَب لَا تكني إِلَّا بالأخص بالشَّيْء.
قَالَ الْمجد: (إِذا عبر عَن الْعِبَادَة بمشروع فِيهَا دلّ ذَلِك على وُجُوبه، مثل: تَسْمِيَة الصَّلَاة قُرْآنًا بقوله: ﴿وَقُرْآن الْفجْر﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٨] ، وتسبيحاً بقوله: ﴿وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل الْغُرُوب﴾ [سُورَة ق: ٣٩] ، وكالتعبير عَن الْإِحْرَام والنسك بِأخذ الشّعْر بقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رءوسكم وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الْفَتْح: ٢٧] ، ذكره القَاضِي، وَابْن عقيل وَلم يحك خلافًا) .
стр. 945
قَوْله: ﴿فصل﴾
﴿الْحَرَام: ضد الْوَاجِب﴾ .
إِنَّمَا كَانَ ضِدّه بِاعْتِبَار تَقْسِيم أَحْكَام التَّكْلِيف، وَإِلَّا الْحَرَام فِي الْحَقِيقَة ضد الْحَلَال، إِذْ يُقَال: هَذَا حَلَال، وَهَذَا حرَام، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة يُونُس: ﴿هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام﴾ .
إِذا علم ذَلِك؛ لما فَرغْنَا من أَحْكَام الْوَاجِب ومسائله وَمَا يتَعَلَّق بِهِ، شرعنا نتكلم على ضِدّه وَهُوَ الْحَرَام لِأَنَّهُ قد تقدم: أَن الْخطاب إِن ورد بِطَلَب فعل طلبا جَازِمًا فَهُوَ الْوَاجِب، وَإِن ورد بِطَلَب ترك طلبا جَازِمًا فَهُوَ الْحَرَام.
﴿ [وَحده] : مَا ذمّ فَاعله وَلَو قولا وَعمل قلب - شرعا﴾ .
стр. 946
احترزنا بالذم عَن الْمَكْرُوه وَالْمَنْدُوب والمباح، إِذْ لَا ذمّ فِيهَا.
واحترزنا بقولنَا: (فَاعله) عَن الْوَاجِب، فَإِنَّهُ يذم تَاركه لَا فَاعله.
وَالْمرَاد: الَّذِي من شَأْنه أَن يذم فَاعله وَلَو تخلف، كمن وطئ أَجْنَبِيَّة يَظُنهَا زَوجته.
وَقَوْلنَا: (وَلَو قولا) ، أَعنِي: أَن من الْحَرَام مَا يكون قولا: كالغيبة، والنميمة، وَنَحْوهمَا.
وَمن الْحَرَام مَا يكون عملا بِالْقَلْبِ: كالحسد، والحقد، والنفاق وَنَحْوهَا.
وَلَفْظَة (شرعا) مُتَعَلقَة بذم، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الذَّم لَا يكون إِلَّا من الشَّرْع.
وَكثير من الْأُصُولِيِّينَ لم يذكرُوا: (وَلَو قولا) و (عمل الْقلب) اكْتِفَاء بقَوْلهمْ: فَاعله، لِأَن المُرَاد بِالْفِعْلِ: مَا يصدر عَن الْمُكَلف، فَيعم: الْأَقْوَال، وَالْأَفْعَال، وَعمل الْقلب، وَإِنَّمَا أبرزنا ذَلِك للإيضاح.
وَيرد على الْحَد: فعل الْمُبَاح، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ ترك وَاجِب، وَأَنه يذم فَاعله، لَكِن لَا من جِهَة فعله، بل لما لزمَه من ترك الْوَاجِب، وَلَو زيد فِي الْحَد: بِوَجْه مَا، أَو: من حَيْثُ فعله، سلم من الْإِيرَاد.
قَوْله: ﴿وَيُسمى: مَحْظُورًا، وممنوعاً، ومزجوراً، ومعصية، وذنباً وقبيحاً، وسيئة، وفاحشة، وإثماً﴾ .
стр. 947
لِلْحَرَامِ عشرَة أَسمَاء، وَزيد عَلَيْهَا: (زجرا) ، و (محرما) ، لَكِن يشملهما لفظ: (الْحَرَام) و (المزجور) لِأَنَّهُمَا من مادتهما.
وَزيد أَيْضا -: (حرجاً) و (تحريجاً) و (عُقُوبَة) ، وَإِنَّمَا سميت بذلك؛ لِأَنَّهَا تترتب على فعله، [فَبِهَذَا] التَّقْرِير يَصح تَسْمِيَته بذلك.
فَسُمي مَحْظُورًا من الْحَظْر، وَهُوَ الْمَنْع، فَسُمي الْفِعْل بالحكم الْمُتَعَلّق بِهِ. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَالْمَعْصِيَة: فعل مَا نهى الله تَعَالَى عَنهُ، وَعند الْمُعْتَزلَة: فعل مَا كرهه الله، وَهُوَ مَبْنِيّ على خلق الْأَعْمَال، وَإِرَادَة الكائنات) انْتهى.
وَسمي مَعْصِيّة لنَهْيه تَعَالَى عَنهُ، وَسمي ذَنبا لتوقع الْمُؤَاخَذَة عَلَيْهِ.
стр. 948
قَوْله: [فصل فِي الشَّخْص الْوَاحِد ثَوَاب وعقاب﴾ .
كنوع الْآدَمِيّ، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة قاطبة، لِأَنَّهُ يعْمل الْحَسَنَات والسيئات، فتكتب لَهُ الْحَسَنَات، وَأما السَّيِّئَات فَإِن تَابَ مِنْهَا غفرت، وَكَذَا إِن اجْتنبت الْكَبَائِر على الصَّحِيح، على مَا يَأْتِي بَيَانه عَلَيْهِ فِي السّنة، وَإِلَّا فَهُوَ تَحت الْمَشِيئَة لحَدِيث عبَادَة.
стр. 949
وَخَالف الْمُعْتَزلَة فخلدوا أهل الْكَبَائِر فِي النَّار، وَلَو عمِلُوا [حَسَنَات] كَثِيرَة.
وَهُوَ مصادم لِلْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة الْوَارِدَة عَن الْمَعْصُوم الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى فِي الشَّفَاعَة فِي أهل الْكَبَائِر وخروجهم من النَّار ودخولهم الْجنَّة.
وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة جدا تبلغ بهَا حد التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ.
قَوْله: ﴿وَالْفِعْل الْوَاحِد بالنوع؛ مِنْهُ وَاجِب [وَمِنْه حرَام بِاعْتِبَار أشخاصه، كسجوده لله تَعَالَى وللصنم] ﴾ ، لتغايرهما بالشخصية، فَلَا استلزام بَينهمَا، وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَعْلَام من أَرْبَاب الْمذَاهب وَغَيرهم.
стр. 950
فَإِن السُّجُود نوع من الْأَفْعَال ذُو أشخاص كَثِيرَة، فَيجوز أَن يَنْقَسِم إِلَى وَاجِب وَحرَام، فَيكون بعض أفرادها وَاجِبا: كالسجود لله، وَبَعضهَا حَرَامًا: كالسجود للصنم مثلا، وَلَا امْتنَاع من ذَلِك.
قَالَ الْمجد فِي " المسودة ": (السُّجُود بَين يَدي الصَّنَم مَعَ قصد التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى محرم على مَذَاهِب عُلَمَاء الشَّرِيعَة. [وَقيل] عَن أبي هَاشم -: إِنَّه لَا يرى تَحْرِيم السُّجُود، وَيَقُول: إِنَّمَا الْمحرم الْقَصْد) .
قَالَ الْجُوَيْنِيّ: (وَلم أره لَهُ، وَإِنَّمَا مذْهبه: أَن السُّجُود لَا تخْتَلف صفته، وَإِنَّمَا الْمَحْظُور الْقَصْد.
- قَالَ -: وَهَذَا [يجب] أَن لَا يَقع السُّجُود طَاعَة بِحَال، ومساق ذَلِك يخرج الْأَفْعَال الظَّاهِرَة عَن كَونهَا قربات، وَهُوَ خُرُوج عَن دين الْأمة، لَا يمْتَنع أَن يكون الْفِعْل مَأْمُورا بِهِ مَعَ قصد، مَنْهِيّا عَنهُ مَعَ قصد. هَذَا زبدة كَلَامه) انْتهى.
وَقَالَ ابْن مُفْلِح وَغَيره: (خَالف بعض الْمُعْتَزلَة وَمرَاده: أَبُو هَاشم، حَكَاهُ عَنهُ أَبُو الْمَعَالِي، قَالَ: - لِأَن السُّجُود مَأْمُور بِهِ لله تَعَالَى، فَلَو
следующие страницы →