← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عَلَى التَّصْدِيقِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ تُتَصَوَّرُ النِّسْبَةُ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، ثمَّ يُطْلَبُ تَعْيِينُ أَحَدِهِما، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ النِّسْبَةِ حُصُولُهَا، وَإِلَّا لَزِمَ النَّقِيضَانِ. وَ مَادَّةُ الْمُرَكَّبِ: مُفْرَدَاتُه، وَصُورَتُهُ: هَيْئَتُهُ الْخَاصَّةُ. كمن يرى أشخاصًا كثيرة فيهم زيد، ولا يعرفه بعينه، فيسأل (١) عنه من يعرفه، فيضع يده على أحدهم قائلًا: زيد هو هذا، أو يعرِّفه بعلامة علّمها [الزيد] (٢) دون غيره مِمَّن عَدَاهُ. "وأورد ذلك على التصديق" [أيضًا] (٣)؛ فقيل: لا مطلوب منه؛ لأنَّهُ إما حاصل، أو غير مشعور به؛ كما تقدم. الشرح: "وأجيب: بأنه يُتصوّر النِّسْبة (٤) بنفي أو إثبات، ثم يُطلب تعيين أحدهما"، وذلك أن العلم بالنِّسبة من جهة تصورها (٥) غير العلم بحصولها، وإلَّا لزم من تصورها العلمُ بحصولها، فإذا تصوّرنا النَّفي والإثبات، لزم اجتماعهما، فيجتمع النقضيان، وإلى هذا أشار بقوله: "ولا يلزم من تصوّر النسبة حصولها، وإلا لزم النَّقيضان". الشرح: واعلم: أن أجزاء (٦) المركب (٧)، إما أن يكون معه بالقُوَّة، وهو المادَّة؛ كالخشب للسَّرير، أو بالفعل، وهو الصُّورة؛ كهيئة السَّرير، "ومادة المركب: [مفرداته" التي يحصل هو من التئامها؛ كالخشب] (٨)، "وصورته: هيئته الخاصَّة" الحاصلة من الْتِئَامِهَا (٩). ثم إن ذلك قد يكون زائدًا على مجموع المفردات؛ كالمزاج الحاصل لأجزاء المَعْجُونِ

стр. 282

تَقْسِيمُ الحَدِّ (١) وَالْحَدُّ حَقِيقِيٌّ، وَرَسْمِيٌّ، وَلَفْظِيٌّ: فَالْحَقِيقِيُّ: مَا أَنْبَأَ عَنْ ذَاتيَّاتِهِ الْكُلِّيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ. الذي به تظهر آثاره؛ ويشبِّهه (٢) الفقيه باجتماع (٣) الجماعة على قَتْلِ الواحد، إذا كان كلّ منهم لو انفرد لم يزهق، وقد لا يكون؛ كَهَيْئَةِ العشرة لآحادها؛ فإن العشرة - وإن كانت غير كلّ واحد - فليست إلا مجموعَ الآحاد، ولم يحصل لها بعد الالتئام كيفية زائدةٌ؛ اللَّهم إِلَّا أن يكون بحسب التعقُّل، وأشبه منهم بالعشرة الثابتة في ذمَّة [زيد] (٤)، إذا ضمنها عمرو؛ فإنها واحدة، وإن ثبتت في ذمّتين، وليست عشرتين؛ خلافًا لمن زعم ذلك من الفقهاء. الشرح: "والحَدّ" وهو ما يميز الشيء عن غيره: "حقيقي، ورسمي، ولفظي: فالحقيقي: ما أنبأ عن ذاتِيَّاتِهِ"؛ أي: ذاتِيَّات المحدود" [الكلية] (٥) المركّبة"؛ وقد خرج بقولنا: ذاتياته - العرضياتُ، وبـ"الكُلِّيَّة" - المشخّصات، وبـ"المُركَّبةِ" - الذاتِيَّات التي [لم] (٦) يعتبر تركيبها؛ على وَجْهٍ يحصل لها صورة وجدانية مطابقة للمحدود؛ فإنَّها لا تسمى حدًّا حقيقيًّا. ومثَّل أكثرهم الحقيقي؛ بقولنا في تعريف الإنسان: الحيوان [النَّاطق] (٧)، والمراد بالنَّاطق بالقوة، وهو صحيح. ورأيت الأستاذ أبا منصور في "معيار الجدل" عَزَاهُ إلى الفلاسفة؛ ورده فقال: إن أرادوا بالنطق: الكلام الصحيح المسموع، لزمهم ألّا يكون الأخرس إنسانًا، وأن يكون الببغاء إنسانًا؛ إذا تعلّمت النطق، وإن أرادوا التمييز، لزمهم أن يكون كلّ حيوان مميِّز إنسانًا. قلت: وقد عرفتَ مرادهم؛ فاندفع إيراده. ثم قال: وقال أهل الحق: إن الإنسان هو الجسد المخصوص بهذه الصورة المخصوصة، قال: فإذا سئلوا عن هذا القول؛ عن جبريل ﵇ حين جاء في صورة دِحْيَةَ الكَلْبِيّ - أجابوا: أن الظاهر منه كان على صورة ظاهر الإنسان، ولم يكن باطنه جسدًا (٨) كباطن الإنسان؛ فلم يكن إنسانًا.

стр. 283

وَالرَّسْمِيُّ: مَا أَنْبَأَ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمٍ لَهُ؛ مِثْلُ: الْخَمْرُ: مَائِعٌ، يَقْذِفُ بِالزَّبَدِ. وَاللَّفْظِيُّ: مَا أَنْبَأَ عَنْهُ بِلَفْظٍ أَظْهَرَ مُرَادِفٍ؛ مِثْلُ: الْعُقَارُ: الْخَمْرُ. وَشَرْطُ الْجَمِيعِ الاطِّرَادُ وَالانْعِكَاس، أَيْ: إِذَا وُجِدَ، وُجِدَ، وَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى. "والرسمي: ما أنبأ عن الشيء بلازم له" (١)؛ أي: مختصٍّ به دون غيره؛ "مثل: الخَمْر مائع، يقذف بالزَّبَدِ"؛ فإن ذلك لازم عارض بعد تمام حقيقته. "واللَّفظي: ما أنبأ بلفظ أظهر مرادف؛ مثل: العُقَار خَمْرٌ. وشرط الجميع: الاطّراد والانعكاس، إي: إذا وجد" الحَدّ، "وجد" المحدود؛ وذلك هو الاطِّرَاد؛ فلا يدخل فيه شيء ليس من أفراد المحدود؛ فيكون (٢) مانعًا، "وإذا انتفى" الحَدّ، "انتفى" المحدود؛ وذلك هو الانْعِكَاسُ؛ أي: كلما (٣) وجد المحدود، وجد الحَدّ؛ ويلزمه كلّما

стр. 284

وَالذَّاتِيُّ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ فَهْمُ الذَّاتِ قَبْلَ فَهْمِهِ؛ كَاللَّوْنِيَّةِ لِلسَّوَادِ، وَالْجِسْمِيَّةِ لِلإنْسَانِ؛ انتفى الحَدَّ، انتفى المحدود؛ فلا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود؛ فيكون جامعًا؛ فإذن شرط الحد: أن يكون مطردًا منعكسًا، وإن شئت قُلْ: جامعًا مانعًا. وكان بعض مشايخ "خراسان" يقول: الحد: ما منع الوالج من الخروج، والخارج من الولوج. قال القاضي أبو الطيب: وهذا أبرد من الثُّلُوج. الشرح: "والذَّاتي: ما لا يتصوَّر"؛ أي: يمتنع "فهم الذات قبل فهمه"، فلو قدَّر عدمه في العَقْلِ، لارتفعت الذات؛ "كاللَّوْنِيَّةِ للسَّوَاد" في ذاتي العرض، "والجسميةِ للإنسان" (١) في ذاتي

стр. 285

وَمِنْ ثَمَّة لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ حَدَّانِ ذَاتِيَّانِ. وَقَدْ يُعْرَفُ؛ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّل، وَبِالتَّرْتيبِ الْعَقْلِيِّ. وَتَمَامُ الْمَاهِيَّةِ: هُوَ الْمَقُولُ فِي جَوَابِ: مَا هُوَ، وَجُزْؤهَا ............ الجوهر، "ومن ثَمَّ"؛ أي: من أجل أن فهم الذات لا يتصوّر قبل فهم الذاتي، "لم يكن لشيء" واحد "حَدَّان ذاتيان"؛ وذلك لأن الحد الحقيقي (١) بتعقُّل جميع الذاتيات؛ وذلك لا يتصور فيه التعدد، اللهم إلَّا من جهة العبارة؛ بأن يذكر بعض الذاتيات بالمطابقة تارةً، وبالتضمن أخرى. الشرح: "وقد يعرف" الذاتي؛ "بأنه غير معلَّل"؛ أي: أنه الذي لا يثبت للذات بعلة. فالسواد (٢) للأسود ليس بعلَّة، وكذا اللونيَّة؛ لتقدمها عليه؛ بخلاف الزوجية للأربعة؛ فإن الزوجية معللة بها. "وبالترتيب العَقْلِيّ"؛ أي: وقد يعرف الذاتي أيضًا بالترتيب (٣) العَقْلي؛ أي هو الذي يتقدم على الذات في التعقُّل. الشرح: "وتمام الماهية: هو المَقُول (٤) في جواب: مَا هُو؟ "؛ فإن السؤال بـ "ما هو؟ " إنما يكون عَنْ تمام الماهية؛ كـ "الحيوان الناطق"؛ في جواب السؤال بـ "ما هو؟ " (٥) عن الإنسان (٦).

стр. 286

الْمُشْتَرَكُ: الْجِنْسُ، وَالْمُمَيِّزُ: الْفَصْلُ، وَالْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا: النَّوْعُ. وَالْجِنْسُ: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُخْتَلِفٍ بِالْحَقِيقَةِ، وَكُلٌّ مِنَ المُخْتَلِفِ: النَّوعُ، وَيُطْلَقُ النَّوْعُ عَلَى ذِي آحَادٍ مُتَّفِقَةِ الْحَقِيقَةِ، فَالْجِنْسُ الْوَسَط، نوْعٌ بِالأَوَّلِ لَا الثانِي، وَالْبَسَائِطُ بِالْعَكْسِ. "وجزؤها (١)، أي: تمام (٢) جزئها "المشتركِ: الجنسُ"، كالحيوان للإنسان؛ فإنه تمام المشترك بين الإنسان وغيره من الحيوانات. وتمام الجزء "المميز" لها: الفَصْل؛ كالناطق للإنسان. "والمجموع" المركب "منهما"؛ أي: من الجنس والفصل - هو "النوع" الإضافي. "والجنس: ما اشتمل" أي: المقول في جواب ما هو؟ المشتمل "على مختلف بالحقيقة"؛ فخرج بـ "المقول في جواب: ما هو؟ " - الفَصْل، والخاصَّة، والعَرَضُ العامُّ؛ لأنَّهُ ليس شيء منها مقولًا في جواب: ما هو؟ و"بالحقيقة" - النوعُ؛ لأنَّهُ مقول في جواب (٣) ما هو؟ مشتمل على مختلف بالعَدَدِ، لا بالحقيقة. "وكلٌّ من المختلف" الذي يقال عليه وعلى غيره: الجنسُ؛ في جواب: ما هو؟ - "النوع" [الإضافي. "ويطلق النوع] (٤) على ذي آحادٍ متفقة الحقيقة" - باعتبار كونها آحادًا له، ويسمى [نوعًا] (٥) حقيقيًّا "فالجنس الوسط"؛ كالجِسْمِ النَّامي (٦) "نوع بالأول"؛ أي: بالمعنى الأول؛ [لأن فوقه جنسًا يقال عليه وعلى غيره في جواب: ما هو؟ "لا" بالمعنى "الثاني"؛ ضرورةَ كونه

стр. 287

وَالْعَرَضِيُّ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ لَازِمٌ، وَعَارِضٌ؛ فَاللَّازِمُ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ ................ مقولًا في جواب: ما] (١) هو؟ على مختلفين بالحقيقة، وهي الأنواع المندرجة تحته. "والبَسَائط"، أعني: الماهيات (٢) التي لا جُزْءَ لها؛ كالوحدة، والنقطة، "بالعكس" يكون نوعًا؛ بالمعنى الثَّاني؛ ضرورةَ كونها مقولةً في جواب: ما هو؟ على المتفقة بالحقيقة التي هي أفرادها، دون المعنى الأول؛ ضرورة عدم اندراجها تحت جنس، وإلا لم تكن بسائط. الشرح: "والعرضي بخلافه"؛ أي: بخلاف الذاتي؛ فهو مايتصور فهم الذات قبل فهمه، (٣) المُعلّل (٤)، أو ما لا يتقدمه عقلًا (٥). "وهو "قسمان: " [لازم، وعارض] (٦)؛ فاللَّازم؛ ما لا يتصوّر مفارقته"؛ أي: لا يمكن،

стр. 288

مُفَارَقَتُهُ؛ وَهُوَ لَازِمٌ لِلْمَاهِيَّةِ بَعْدَ فَهْمِهَا؛ كَالْفَرْدِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ، وَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ، وَلَازِمٌ لِلْوُجُودِ خَاصَّةً؛ كَالْحُدُوثِ لِلْجِسْمِ، وَالظِّلِّ لَه، وَالْعَارِضُ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ لَا يَزُولُ؛ كَسَوَادِ الْغُرَابِ، وَالزِّنْجِيِّ، وَقَدْ يَزُولُ؛ كَصُفْرَةِ الذَّهَبِ. وَ صُورَةُ الْحَدِّ: الْجِنْسُ الْأَقْرَب، ثُمَّ الْفَصْلُ، وَخَلَلُ ذلِكَ نَقْصٌ. = " وهو" ضربان: "لازم للماهية (١) بعد فهمها" (٢)؛ بخلاف الذَّاتي؛ فإنه لازم، لا بعد فهمها، سواء أفرض وجودها (٣) أم لا؟ "كالفردية للثلاثة، والزوجية للأربعة، ولازمٌ للوجود خاصة" (٤)، دون الماهية؛ "كالحدوث للجسم" كله، "والظل له"؛ أي: كونِه (٥) ذا [ظلّ] (٦) في الشَّمس لبعضه؛ وذلك لا يلزم (٧) ماهية الجسم. "والعارض بخلافه"؛ أي: بخلاف اللَّازم، وهو ما يمكن مفارقته، "وقد لا يزول؛ كَسَوادِ الغُرَاب، والزِّنْجِيّ، وقد يزول؛ كَصُفْرَةِ الذَّهب". الشرح: "وصورة الحَدِّ" الحقيقيِّ: "الجنسُ لأقرب، ثم الفصل، وخَلَلُ ذلك"؛ أي: الصورةِ - "نقص" في الحد؛ كإسقاط الجنس الأقرب، والاقتصار على الأبعد؛ لدلالة الفَصْل

стр. 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالالتزام عليه؛ نحو: الإنسان جسم ناطق، [أو إسقاطِ الجنس رأسًا؛ كـ "الإنسانُ ناطقٌ] (١)؛ وكتقديم الفصل؛ نحو: العِشْقُ: فَرْطُ المحبة؛ لإخلال ذلك بالصورة (٢).

стр. 290

وَخَلَلُ الْمَادَّةِ خَطَأٌ وَنَقْصٌ؛ فَالْخَطَأُ كَجَعْلِ الْمَوْجُودِ وَالْوَاحِدِ جِنْسًا؛ وَكَجَعْلِ الْعَرَضِيِّ الْخَاصِّ بِنَوْعٍ فَصْلًا؛ فَلَا يَنْعَكِسُ؛ وَكَتَرْكِ بَعْضِ الفُصوُلِ؛ فَلَا يَطَّرِدُ؛ وَكَتَعْرِيفِهِ بِنَفْسِهِ؛ مِثْلُ: الْحَرَكَةُ: عَرَضٌ نُقْلَةٌ، وَالإِنْسَانُ: حَيَوَانٌ بَشَرٌ؛ وَكَجَعْلِ النَّوع وَالْجُزْءِ جِنْسًا؛ مِثْلُ: الشَّرُّ ظُلْمُ النَّاسِ، وَالْعَشَرَةُ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ، وَيَخْتَصُّ الرَّسْمِيُّ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ، لَا بِخَفِيٍّ مِثْلِهِ، وَلَا أَخْفَى، وَلَا بِمَا تَتَوَقَّفُ عَقْلِيَّتُهُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ: الزَّوْجُ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلى الْفَرْدِ بِوَاحِدٍ، وَبِالْعَكْسِ؛ فَإنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ؛ وَمِثْلُ: النَّارُ جِسْمٌ؛ كَالنَّفْسِ؛ فَإِنَّ الشرح: "وخلل المادة" قسمان: "خطأ"؛ وهو ما كان من جهة المعنى، "ونقص"؛ وهو من جهة اللَّفظ؛ "فالخطأ كَجَعْلِ الوجود (١) والواحد جنسًا" للإنسان مثلًا، وليسا ذاتيين له؛ إذ تفهم حفيقته دونهما؛ "وكجعل العرضي الخاص بنوع ما فصلًا له؛ فلا ينعكس"؛ كالضَّاحك بالفعل؛ للإنسان؛ ومثل: "ترك بعض الفصول؛ فلا يطرد"، والحَدّ لا بد فيه من الاطِّرَاد، والانعكاس؛ كما عرفت، "وكتعريفه بنفسه" وأكثرُ ما يكون تعريف الشيء بنفسه، إذا ذكر بلفظ مرادف؛ "مثل: الحركة عرض نقلة، والإنسان حيوان بشر"؛ فإن النقلة ترادف الحركة، والبشر يرادف الإنسان. والفرق بين المِثَالَيْنِ أن المحدود في الأول عرض، وفي الثَّاني جوهر؛ "وكَجَعْلِ النَّوع والجزء جنسًا"؛ فالنوع" [مثل] الشَّر (٢) ظلم الناس" والظلم نوع من الشَّر؛ إذ الشر وغيره ينحصر فيه؛ والجزء مثل: "العشرة خمسة وخمسة"؛ فإن الخمسة جزء العشرة، وهي غير محمولةٍ على العشرة، لا وحدها، ولا بانضمام (٣) خمسة أخرى إليها، بل المحمول مجموع الخمستين، وهذا كلّه في الحد مطلقًا. "ويختص" الحد "الرسمي" من بين الحدود "بِاللَّازِمِ الظَّاهر"؛ فإذن "لا" يجوز أن يرسم الشيء "بخفي مثله، ولا أخفى" منه؛ بطريق أولى، "ولا بما تتوقَّف (٤) عقليته عليه"؛ أي: يتوقف تعقله على تعقله؛ للزوم الدور؛ فتعريف الشيء بما يساويه، "مثل: الزوج عدد يزيد على الفرد بواحد، وبالعكس" (٥)؛ كـ "الفردُ" عددٌ يزيد على الزَّوج بواحد "فإنَّهما"؛ أي: الزوج والفرد

стр. 291

النَّفْسَ أَخْفَى؛ وَمِثْلُ: الشَّمْسُ كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ، فَإِنَّ النَّهَارَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّمْسِ - وَالنَّقْصُ كَاسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَجَازِيَّةِ. وَلَا يَحْصُلُ الْحَدُّ بِبُرْهَانٍ؛ لأَنَّهُ وَسَطٌ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ عَلَى ...................... "متساويان"؛ في الجلاء والخَفَاء، فكيف يعرَّف أحدهما بالآخر؛ "و" تعريفه بالأخفى، "مثل: النَّار جسم؛ كالنفْس (١)؛ فإن النفس أخفى" من النَّارِ؛ عند العَقْلِ؛ فكيف تُعَرَّفُ (٢) النار بها؟؛ "و" تعريفه بما يتوقّف تعقله عليه "مثل: الشمس كوكب نَهَارِيٌّ؛ فإنَّ" تعقل "النهار يتوقف على" عقلية "الشَّمس"؛ لأن النهار وقت طلوع الشَّمس؛ فهذه الثلاثة هي الجليَّة (٣) في الرَّسم خاصَّة. "والنَّقص" في المادة: "كاستعمال الألفاظ الغريبة (٤) والمشتركة" بلا قرينة، " [والمجازية" بلا (٥) قرينة] (٦) أيضًا. الشرح: "ولا يحصل الحَدّ ببرهان" (٧)؛ أي: لا يمكن إقامة البرهان على ثبوت الحَدّ للمحدود؛ "لأنَّهُ؛ أي: البرهان"وسط يستلزم حكمًا على المحكوم عليه"؛ أي: البرهان عبارة عن

стр. 292

الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَلَوْ قُدِّرَ فِي الْحَدِّ، لَكَانَ مُسْتَلْزِمًا عَيْنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ؛ وَلأنَّ الدَّلِيلَ يَسْتَلْزِمُ تَعَقُلَ مَا يُسْتَدَكُ عَلَيْهِ، فَلَوْ دَلَّ عَلَيْهِ، لَزِمَ الدَّوْرُ. فَإنْ قِيلَ: فَمِثْلُهُ فِي التَّصْدِيقِ؛ قُلْنَا: دَلِيل التَّصْدِيقِ عَلَى حُصُولِ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا، لَا عَلَى تَعَقُّلِهَا؛ ..................................................... وسط يستلزم حصول أمر في المحكوم عليه؛ فإنا إذا قلنا (١): العالَمُ حادثٌ؛ لأنَّهُ متغيّر، فالتغير (٢) وسط استلزم (٣) حكما (٤) على العالَم، مغايرًا له، وهو المراد بالبرهان، "فلو قدِّر في الحد" وسط، "لكان مستلزِمًا عين المحكوم عليه"؛ أي: مستلزمًا لثبوت عين (٥) المحدود لنفسه؛ فإن الحَدّ هو المحدود. ولقائل أن يقول: هذا إنما يتمّ لو قيل بترادف الحدّ والمحدود، وسيصحِّح المصنِّف خلافه. قال: "ولأنَّ الدَّليل يستلزم تعقل ما يُستدلّ (٦) عليه" قبل إقامة الدَّليل عليه، "فلو دَلَّ عليه" الحَدّ، "لزم الدور"؛ لأنه بدلالته عليه يكون متأخرًا، وهو متقدّم، ضرورةَ تقدمِ تعقله. الشرح: "فإن قيل: فمثله" جار "في التصديق"؛ فيقال: لا يستدل على التصديق كما لا يستدل على الحد؛ لأن الدليل على التصديق يتوقف على تعقّل التصديق، فلو استفيد التَّصديق من الدليل؛ لزم الدور. "قلنا": لا نسلّم مجيء الدَّوْر؛ فإن "دليلٌ التصديق على حصول ثبوت النسبة، أو نفيها"، أعني: الحُكم الإيجابي والسلبي (٧)، "لا على تعقلّها"؛ أي: تعقُّلِ النِّسبة الإيجابية، أو السلبية؛

стр. 293

وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يُمْنَعِ الْحَدُّ، وَلكِنْ يُعَارَضُ ................................... فيكون المتوقِّف على الدليل الحكمَ من نفي أو إثبات، لا تعقُّلَهُ؛ فلا يلزم الدَّوْر. "ومن ثَمَّ"؛ أي: من جهة امتناع (١) قيام البُرْهَان على الحَدّ، "لم يُمنع الحد". وذهب بعض المتأخرين إلى تسويغ منعه؛ تمسُّكًا بأن الحد دعوى؛ فجاز أن تصادم (٢) بالمنع؛ كغيرها من الدَّعاوَى. وليس بشيء؛ فإن مرجع المنع طلب البُرْهَان، وقد بيَّنا أنه لا يمكن، "ولكن يعارض". قال إسماعيل البغدادي في "جُنة المُناظِر": مثل أن تقول: الغَصْب (٣) إثبات اليد على مال

стр. 294

وَيُبْطَلُ بِخَلَلِهِ. أَمَّا إِذَا قِيلَ: الإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَقُصِدَ مَدْلُولُهُ لُغَةً، أَوْ شَرْعًا، فَدَلِيلُهُ النَّقْلُ؛ بِخِلَافِ تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ. مَبْحَثُ التَّصْدِيقَاتِ (١) وَيُسَمَّى كُلُّ تَصْدِيقٍ قَضِيَّةً، وَتُسَمَّى فِي الْبُرْهَانِ مُقَدِّمَاتٍ، ......................... الغير؛ فيعارَضُ بأَنَّه إثبات اليد على مال الغَيْرِ، مع إزالة اليد المحِقَّة. ومنع بعضهم معارضة الحد؛ إذ المعارضة تشعر بصحَّة المعارِض؛ فيلزم ثبوت حَدّين متباينين لمحدود واحد؛ وهو مُحَالٌ. "ويبطل بخلله"؛ أي: ويجوز إبطال الحد أيضًا بِوِجْدَانِ الخلل فيه؛ مِنْ عدم الاطِّراد، أو الانعكاس، أو غيرِ ذلك، فإذا قال: العلم تمييز لا يحتمل النقيض، قُلْ: صفة توجب التمييز؛ إذ التمييز لا يصلح جنسًا، ويبين ذلك بوجهه؛ هذا كله، إذا قصد إفادة الماهية فقط. الشرح: "أما إذا قيل: الإنسان حيوان ناطق، وقصد مدلوله" المحكوم به "لغةً، أو شرعًا"؛ لا تعريفه - "فدليله النقل" عن أهله؛ لأنَّهُ خرج عن كونه حدًّا، وصار حكمًا يُمنع، ويُطلب عليه الدليل؛ "بخلاف تعريف الماهية". الشرح: "ويسمى كلّ تصديق" (٢)، أعني: المركَّب المحتمِلَ للتّصديق والتكذيب؛

стр. 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "قضية"، وقولًا (١) جازمًا، وخبرًا؛ "وتسمى" (٢) القضايا (٣) التي هي [أجزاء] (٤) البرهان "في

стр. 296

وَالمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِيهَا: إِمَّا جُزْئيٌّ مُعَيَّنٌ أَوْ لَا؛ وَالثَّانِي: إِمَّا مُبَيَّنٌ جُزْئِيَّتُه، أَوْ كُلِّيَّتُهُ أَوْ لَا؛ صَارَتْ أَرْبَعَةً: شَخْصِيَّةٌ، ........................ البرهان"، أي: القياسي (١): "مقدمات"، فالمقدمة: قضية جعلت جزء قياس. "والمحكوم عليه فيها" كذا بخطّ المصنّف، وفي نسخ الشَّارحين: "والجزء الأولُ منها"، أي: من القضية الحملية - "إمَّا جزء معين"؛ كذا بخطه؛ وفي النسخ "جزئي"، أي: شخصي، ويحترز به عن الكُلّي، والجزئي الإضافي، أو لا. والثَّاني: إما مبيَّن (٢) جزئيته"، أي: كون الحكم فيه على بعض أفراده، "أو كليته"، أي: كون الحكم على كل أفراده، "أو لا"، أي: لا يكون مبيَّنًا (٣) فيه جزئيته، ولا كليته؛ "صارت" الأقسام "أربعة. شخصيا"؛ وهي ما (٤) موضوعها جزئي معيَّن؛ مثل: هذا البيع (٥) صحيح.

стр. 297

وَجُزْئِيَّةٌ محْصُورَةٌ، وَكُلِّيَّةٌ، ........ "وجزئية محصورة" وهي ما ليس موضوعها جزئيًّا معيَّنًا ولا مبيَّنًا (١) جزئيته؛ نحو: بعض الإنسان عالم. "وكلية" محصورة؛ وهي ما ليس موضوعها جزئيًّا معينًا، وقد ثبت (٢) كليتها؛ نحو: كلُّ جوهر متحيز.

стр. 298

وَمُهْمَلَةٌ؛ كُلٌّ مِنْهَا مُوجَبةٌ، وَسَالِبةٌ، وَالْمُتَحَقِّقُ فِي الْمُهْمَلَةِ - الْجُزْئِيَّةُ فَأُهْمِلَتْ. "ومهملة"؛ وهي ما ليس موضوعها جزئيًّا معيَّنًا، ولم يبيَّن فيه كلّيته ولا جزئيته؛ نحو] (١): الإنسان في خسر. ثم "كل منها" (٢)، أي: من القضايا الأربعة "موجبة"، أي (٣): حُكِمَ فيها بثبوت أحد الطرفين للآخر، "وسالبة"، أي: حكم برفع هذا الثبوت؛ فتصير (٤) ثماني قضايا. "والمتحقِّق في المهملةِ - الجزئيَّةُ"؛ [لأنها متحقِّقة، سواء كانت (٥) جزئية، أم كلّية؛ إذ الجزئية لا يُعْتبر (٦) فيها عدم الكلّية؛ من عدم التعرّض لها؛ "فأهملت" لذلك] (٧). ولم يَذكر البعضَ فيها؛ لأن ذكره يقع مُستغنىً عنه؛ وينبغي أن يفهم أن من محاسن المصنّف: قوله: لمتحقِّق (٨) في المهملةِ - الجزئيةُ؛ فإنه أشار به إلى أنا لا ندعي أن المهملة جزئية؛ بل [إن] (٩) القدر (١٠) المتحقِّق (١١) منها ذلك؛ كما قررناه، ولم يقل أحد من القوم: إنها جزئية (١٢)، ولو أرادوا ذلك، لخالفوا ما قرره غيرهم؛ من أنها مشتملة على صيغة العموم؛ كقولك: الإنسان حيوان، بل يريدون أنّ صلاحيتها للجزئية، والكلية؛ على حدّ واحد، وقد صرَّح بذلك ابن سينا (١٣) في "الإشارات"، وقرره الإمام فخر الدِّين، وغيره.

стр. 299

وَمُقدِّمَاتُ الْبُرْهَانِ قَطْعِيَّةٌ؛ لِتُنْتِجَ قَطْعِيًّا؛ لِأَنَّ لازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ، وَتَنْتَهِي إِلَى ضَرُورِيَّةٍ؛ وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ. الشرح: "ومقدمات البرهان قطعية" (١)؛ وحينئذٍ "تنتج قطعيًّا (٢)؛ لأن لازم الحق حق"، والنتيجة لازم (٣) المقدمات؛ حقّ؛ ولا بد أن "تنتهي "المقدمات" إلى ضرورية؛ وإلا لزم التسلسل"، أو الدور؛ لأنه حينئذ تكون تلك المقدّمات مكتسبةً من مقدّمات أخر، وهكذا؛ فيتسلسل (٤). ولما كان الدور أيضًا تسلسلًا؛ إلا أنه في الأمور المُتَنَاهية - استغنى المصنِّف بذكر التسلسل (٥) عن ذكره.

стр. 300

وَأَمَّا الْأَمَارَات، فَظَنِّيَّةٌ، أَو اعْتِقَادِيَّةٌ؛ إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ؛ إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الظَّنِّ وَالاعْتِقَادِ، وَبَيْنَ أَمْرٍ - رَبْطٌ عَقْلِيٌّ؛ لِزَوَالِهِمَا مَعَ قِيَامِ مُوجِبِهِمَا. الشرح: "وأما الأمارات، فظنية"، أي: نتائجها (١) ظنية، "أو اعتقادية"، لا مطلقًا، بل "إن لم يمنع مانع" عن حصول الظّن، أو الاعتقاد؛ "إذ ليس بين الظَّن، والاعتقاد، وبين أمرٍ - ربطٌ

стр. 301

وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ: أَنَّ الصُّغْرَى خُصُوصٌ، والْكُبْرَى ........... عقلي"، أي: علاقة طبيعية تقتضي استلزام الأمارات لنتائجها؛ بحيث يمنع (١) تخلّفه عنهما (٢)؛ "لزوالهما مع قيام موجِبهما"؛ كما قد يكون عند قيام المعارِض، وظهورِ خلاف الظَّنِّ بطريق من الطرق. الشرح: "ووجه الدلالة (٣) في المقدّمتين"؛ وهو (٤) ما لأجله لزمتهما النتيجة؛ "أن الصُّغرى" - باعتبار موضوعها - "خصوص، والكبرى" - باعتبار موضوعها - "عموم (٥) " (٦)؛ وذلك لأن الحكم في الكبرى، على جميع ما صَدَقَ عليه الأوسط، فيتناول الأصغر وغيره، وفي الصغرى مخصوصٌ بالأصغر فقط.

стр. 302

عُمُومٌ؛ فَيَجِبُ الانْدِرَاجُ؛ فَيَلْتَقِي مَوْضُوعُ الصُّغْرَى وَمَحْمُولُ الْكُبْرَى. وإذا كانت الصغرى خصوصًا، والكبرى عمومًا، "فيجب الاندراج"؛ إذ الخصوص مندرجٌ في العموم؛ "فيلتقي (١) موضوع الصُّغرى، ومحمول الكبرى"، نفيًا وإثباتًا؛ وهو النتيجة؛ نحو: الوضوء (٢) عبادة، وكل عبادة بِنِيَّةٍ (٣)؛ فإنّ الوضوء أخصّ من العبادة (٤)؛ فلذلك نقول:

стр. 303

وَقَدْ تُحْذَفُ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِلْعِلْمِ بِهَا. "الوضوء عبادة": حكم مؤلَّف خاصٌّ بالوضوء، و"كل عبادة بِنِيَّةٍ": حكم عام للوضوء وغيره؛ فينتفى (١) الوضوء وغيره. الشرح: "وقد تحذف (٢) إحدى المقدمتين؛ للعلم بها" (٣)؛ فالكبرى مثل: الوضوءُ لا يصح بدون النِّيَّة؛ لأنه عبادة؛ والصغرى مثل: الوضوء يحتاجُ إلى النِّيَّة؛ لأن كلّ عبادة تحتاج (٤) إليها؛ ومنه قوله ﵊ وقد أذَّن زِيَادُ بْنُ الحَارِثِ الصُّدَائي (٥) للفجر، وأراد

стр. 304

وَالضَّرُورِيَّاتُ: مِنْهَا: الْمُشَاهَدَاتُ الْبَاطِنَةُ؛ وَهِيَ مَا لَا يفْتَقِرُ إِلَى عَقْلٍ؛ كَالْجُوعِ وَالأَلَمِ. وَمِنْهَا: الْأَوَّليَّاتُ؛ وَهِيَ: مَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقلِ؛ كَعِلْمِكَ بِوُجُودِكَ؛ وَأَنَّ النَّقِيضَيْنِ يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا. وَمِنْهَا: الْمَحْسُوسَاتُ؛ وَهِيَ: مَا تَحْصُلُ بِالْحِسِّ. وَمِنْهَا: التَّجْرِبِيَّاتُ؛ وَهِيَ: مَا تَحْصُلُ بِالْعَادَةِ؛ كَإِسْهَالِ الْمُسْهِلِ، وَلإِسْكَارِ. بلالٌ (١) أن يقيم: "يُقِيمُ أَخُو صُدَاء؛ فَإِنَّ أَذَّنَ، فَهُوَ يُقِيمُ. الشرح: "والضروريات" (٢) كثيرة، فنذكر الأشهر منها؛ لأنا قد قلنا: إن المقدمات تنتهي إليها، [فنقول] (٣): "منها: المُشَاهدات الباطنة"؛ وتسمى الوِجْدَانِيَّات؛ "وهي: ما لا تفتقر (٤) إلى عَقْلٍ؛ كالجوع والألم"؛ تدركه (٥) البهائم. "ومنها: الأوَّلِيَّات؛ وهي: ما يحصل (٦) بمجرد العَقْلِ"، ولا يشترط إلَّا حضور الطرفين، والالتفات إلى النسبة؛ "كعلمك بوجودك؛ وأن النقيضين يصدق أحدهما"؛ فلا يصدقان معًا، ولا يكذبان. "ومنها: المَحْسُوسَاتُ؛ وهي: ما يحصل بالحِسِّ" الظاهر، أي: المَشَاعر الخمس؛ كالعلم بأن الشمس مضيئة، والنَّار حارة. "ومنها: التَّجْرِيبِيَّات (٧)؛ وهي: ما يَحْصُلُ بالعادة"، أعني تكرر الرتب (٨) من غير علاقة

стр. 305

وَمِنها الْمُتَوَاتِرَاتُ؛ وَهِيَ: مَا تَحْصُلُ بِالْإِخْبَارِ تَوَاتُرًا؛ كَـ "بَغْدَادَ" و"مَكَّةَ". "وَصُورَةُ الْبُرْهَانِ اقْتِرَانِيٌّ وَاسْتِثْنَائِيٌّ: فَالاقْتِرَانِيُّ: مَا لَا يُذْكَرُ اللَّازِمُ وَلا نَقِيضُهُ؛ فِيهِ بِالْفِعْلِ. وَ"الاسْتِثْنَائِيُّ" نَقِيضُهُ. [عقلية] (١)؛ وهو: إما خاص أو عام؛ "كإسهال المسهل"؛ يختص بعلمه الطبيب، "والإسْكَار" يعم الناس. "ومنها: المُتَوَاتراتُ؛ وهي: ما يحصل بالإخبار تواترًا؛ كَـ "بَغْدَادَ" و"مكة""؛ لمن لم يرهما. الشرح: "وصورة البرهان (٢) " (٣)؛ وهو: القول المؤلَّف من قضايا متى سلِّمت؛ لزم عنه لذاته - قول آخر - ضربان: أحدهما: "اقتراني"، "و "الثاني: "استثنائي": "فالاقتراني: ما لا يذكر اللَّازم" عنه، "ولا نقيضه؛ [فيه بالفعل] (٤)، والاستثنائي نقيضه؛ فالأول" قسمان: أحدهما: ما كان بشرط وتقسيم، ويسمى الاقترانيات الشرطية؛ وأهمله صاحب الكتاب؛ لقلة جدواه.

стр. 306

وَالْأَوَلُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَلَا تَقْسِيمٍ، وَيُسَمَّى "الْمُبْتَدَأُ" فِيهِ مَوْضُوعًا، وَ"الْخَبَرُ" مَحْمُولًا، وَهِيَ الْحُدُود، وَالْوَسَطُ الْحَدُّ الْمُتكَرِّر، وَمَوْضوعُهُ الْأَصْغَر، وَمَحْمُولُهُ الْأَكْبَر، وَذَاتُ الْأَصْغَرِ الضُغْرَى، وَذَاتُ الْأَكْبَرِ الكُبْرَى. وَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ قَدْ يَقُومُ عَلَى إِبْطَالِ النَّقِيضِ، وَالْمَطْلُوبُ نَقِيضُه، وَقَدْ يَقُومُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْمَطْلُوبُ عَكْسُهُ - احْتِيجَ إِلَى تَعْرِيفِهِمَا؛ فَالنَّقِيضَانِ كُلُّ. . . . . . . . . . . . . والثاني: ما كان "بغير شرط ولا تقسيم"؛ وهو الاقتراني الحملي، "ويسمى المبتدأُ فيه"، وهو المحكوم عليه "موضوعًا، والخبر"، أي: المحكوم به - "محمولًا". وتسميتهما (١) بالموضوع والمحمول؛ اصطلاحٌ للمنطقيين، وبالمبتدأ (٢) والخبر؛ للنُّحَاة، وبالمحكوم عليه وبه؛ للفُقَهَاء، وبالذات والصفة؛ للمتكلِّمِين، وبالمُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه؛ للبَيَانِيِّينَ. "وهي" أي: أجزاء (٣) المقدمات تسمى (٤) "الحدود، فالوسط: الحد المتكرِّر (٥)، موضوعه الأصغر، ومحموله الأكبر، وذات الأصغر"، أي: المقدمة التي فيها الأصغر: "الصغرى، وذات الأكبر الكبرى". مثاله: العالَم متغيِّر، وكل متغير حادثٌ؛ ينتج: العالَم حادث؛ فالمتغير الأوسط، والعالَم الأصغر، و"العالَم حادث" (٦) الصغرى، و"حادث" الأكبر، و"كل متغير حادث" الكبرى. الشرح: "ولما كان الدَّليل قد يقوم على إبطال النَّقيض، والمطلوبُ نقيضه"، ولكنَّ الدليل لم يتأت قيامه على صدق المطلوب ابتداءً، ويلزم من إبطال نقيضه صدقه، "وقد يقوم على الشَّيء، والمطلوبُ (٧) عكسه"؛ فيلزم صدقه - "احتيج إلى تعريفهما"، أي: تعريف النقيض،

стр. 307

قضِيَّتَيْنِ، إِذَا صَدَقَتْ إِحْدَاهُمَا، كَذَبَتِ الْأُخْرَى، وَبِالْعَكْسِ؛ فَإِنْ كَانَتْ شَخصِيَّةً، فَشَرْطُهَا أَلَّا يَكُونَ بَينَهُمَا اختِلافٌ فِي الْمَعْنَى إِلَّا النَّفْىَ وَالإِثْبَاتَ؛ فَيَتَّحِدُ الجُزْآنِ بالذَّاتِ وَالإضَافَةِ، والعكس؛ "فالنقيضان (١): كل قضيتين، إذا صدقت إحداهما، كذبت الأخرى، وبالعكس"؛ إذا كذبت، صدقت (٢)؛ "فإن كانت" القضية "شخصية، فشرطها ألا يكون بينهما"، أي: بينها، وبين نقيضها: " [اختلاف] (٣) في المعنى"؛ تغاير، "إلَّا النفي والإثبات"، أي: تبديل كل من النفي

стр. 308

وَالْجُزْءِ أَوِ الْكلِّ، وَالْقُوَّةِ أَوِ الْفِعْلِ،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والإثبات بالآخر، "فيتحد الجزآن": الموضوع والمحمول، لا باللفظ فقط، بل "بالذَّات والإضافة"؛ مثل: زيد أب (١)، زيد ليس بأب، ولو زدت في أحدهما: لِبَكْرٍ، وفي الآخر: لِعَمْرِو، لم يتنافيا، "والجزءِ والكل"؛ مثل: الزنجي أسود، الزنجي ليس بأسود، ولو زدت (٢) في أحدهما "جُزْؤُهُ"، وفي الآخر: "كلُّه"، لم يتنافيا، "والقوةِ والفعل"؛ مثل: الخَمْر (٣) في الدَّنِّ

стр. 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 311

وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالشَّرْطِ؛ وإلَّا لَزِمَ اخْتِلَافُ الْمَوْضُوعِ؛ لِأَنَّهُ إنِ اتَّحَدَا، جَازَ أَنْ يَكْذِبَا فِي الْكُلِّيَّةِ؛ مِثْلُ: كُلُّ إِنْسَانٍ كَاتِبٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِعَرَضِيٍّ خَاصٌّ بِنوْعٍ، وَأَنْ يَصْدُقَا فِي الْجُزْئيَّةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ. فنَقِيضُ الْكُلِّيَّةِ الْمُثْبَتَةِ جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ، وَنَقِيضُ الْجُزْئِيَّةِ الْمُثْبَتَةِ كُلِّيَّةٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسكر (١)، ليس بمسكر. "والزمان" مثل: الشمس حارّة، والشمس ليست بحارة. "[والمكان] " زيد جالس، زيد ليس بجالس] (٢). "والشرط" الكاتب متحرك الأصابع؛ الكاتب ليس متحرك الأصابع. هذا إذا كانت القضية شخصية. "وإلا"، أي: وإن لم تكن شخصية، "لزم"، [مع ما ذكرنا] (٣) - "اختلاف الموضوع" بالكلية (٤)، والجزئية؛ مع الاختلاف بالنفي والإثبات. والمراد أنه لو كانت إحداهما كلّية، وجب كون الأخرى جزئية؛ ليتحقّق التَّنَاقُضُ بينهما؛ "لأنه [إن] (٥) اتَّحد" الموضوع فيهما (٦) بالكَمِّ، "جاز أن يكذبا في الكلية؛ مثل: كلُّ إنسانٍ كاتبٌ" بالفعل، ولا شيء من الإنسان بكاتب بالفعل؛ وإنما كذبتا؛ "لأن الحُكْمَ" بـ"الكاتب بالفعل" على الإنسان - حكمٌ "بعرضيٍّ خاصٌّ بنوع" غير شامل لجميع أفراده؛ فلا يصدق ثبوته لكل أفراد الإنسان، ولا سلبُه (٧) عن كلها؛ فتكذب (٨) الكليتان حينئذٍ (٩)، "و "جاز" أن يصدقا في الجزئية"؛ كما في المثال المذكور؛ "لأنه"، أي: الموضوع في الجزئية - "غير متعيَّن" فجاز أن يكون البَعْضُ المحكوم عليه بالإثبات - غير البعض المحكوم عليه بالنَّفْي؛ فيصدقا. الشرح: وإذا عرفت هذا "فنقيض الكُلّية المثبتة جزئيةٌ سالبة (١٠)، ونقيض الجزئية المثبتة

стр. 312

سَالِبةٌ، وَعَكْسُ كُلِّ قَضِيَّةٍ تَحْوِيلُ مُفْرَدَيْهَا عَلَى وَجْهٍ يَصْدُقُ؛ فَعَكْسُ الْكُلِّيَّةِ الْمُوجَبَةِ جُزْئيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَعَكْسُ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبةِ مِثْلُهَا،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كلية سالبة"؛ وهو واضح. "وعكس كل قضية تحويل مفرديها" (١)؛ بأن يجعل الموضوع محمولًا (٢)، والمحمول موضوعًا، والتالي (٣) مقدَّمًا، والمقدَّم تاليًا؛ "على وجه يصدق"، أي: على تقدير صدق الأصل، لا في نفس الأمر؛ إذ قد يكذب هو وأصله؛ مثل: كل إنسان حجر، عكسه: بعض الحجر إنسان، وهما كاذبان، لكن لو صدق الأصل، لصدق. وعلى هذا "فعكس الكلية الموجبة" (٤)، سواء كانت (٥) حمليَّة، أو شرطية متصلة - "جزئية موجبة"؛ لأن الموضوع والمحمول قد التقيا في ذاتٍ صدقا عليها، فيصدق الموضوع على بعض ما صدق عليه المحمول؛ لكنَّ المحمول والتالي (٦) قد يكونان أعم من الموضوع والمقدَّم؛ فيثبتان حيث لا ثبوت للموضوع والمقدَّم (٧)، فلا يلزم الكُلّية، وهذا مثال: كل (٨) إنسان حيوان (٩)، وكلما كان الشيء إنسانًا، فهو حيوان؛ فلا يكون عكسهما كليًّا، بل يكون جزئيًّا؛ لأنه إذا صدق: كل إنسان حيوان، وجب أن يصدق: بعض الحيوان إنسان، وألَّا يصدق: لا شيْءَ من

стр. 313

وَعَكْسُ الْجُزْئِيَّةِ الْمُوجَبةِ مِثْلُهَا، وَلَا عَكْسَ لِلْجُزْئِيَّةِ السَّالِبةِ. عَكْسُ النَّقِيضِ (١) وَإِذَا عُكِسَتِ الْكُلِّيَّةُ المُوجَبَةُ بِنَقِيضِ مُفْرَدَيْهَا،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحيوان بإنسان؛ لأنه نقيضه؛ فتجعله كبرى للأصل، وهو: كل إنسان حيوان؛ [فيصير هكذا: كل إنسان حيوان] (٢)، ولا شيء من الحيوان بإنسان؛ ينتج: لا شيء من الإنسان بإنسان؛ فيلزم سلب الشيء عن نفسه؛ وهو مُحَالٌ؛ وكذا تقول (٣) في الكلى المتصل. "وعكس الكلية السالبة مثلها"، لأن الطرفين لا يلتقيان في شيء من الأفراد، فإذا صدق: لا شيء من الحَجَر بِفَرَسٍ، صدق: لا شيء من الفرس بِحَجَرٍ؛ وإلا لصدق نقيضه؛ وهو: بعض الحجر فرس، فتجعله (٤) صغرى للأصل؛ هكذا: بعض الحجر فرس، ولا شيء من الفرس بحجر؛ ينتج: بعض الحجر ليس بِحَجَرٍ؛ فيلزم سلب الشيء عن نفسه؛ وكذا تقول في السَّلب الكُلّي المتصل. "وعكس الجزئية الموجبة مثلها"؛ كما عرفت، "ولا عكس للجزئية السَّالبة"، سواء كانت حملية أم متصلة؛ لجواز سلب الخاصّ عن بعض أفراد العامِّ، وامتناعِ العَكْس؛ مثل: بعض الحيوان ليس بإنسان مع امتناع عكسه، وهذا تمام القول في العكس المستوِي. الشرح: ولهم نوع آخر من العَكْسِ؛ يسمى "عكْسَ النقيضِ"؛ وهو: تبديلُ كلّ من الطرفين بنقيض (٥) الآخر على وجه يصدق؛ وإليه أشار بقوله: "وإذا عكست الكلية الموجبة (بنقيض مفرديها) " (٦) صدقت"؛ مثل: كل إنسان حيوان، (يعكس بالنقيض) (٧): كل ما ليس

стр. 314

صَدَقَتْ، وَمِنْ ثَمَّةَ انْعَكَسَتِ السَّالِبَةُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً. الأَشْكَالُ وَلِلْمُقَدِّمَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْوَسَطِ أَرْبَعَةُ أَشْكَالٍ، فَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ ............ بحيوان ليس بإنسان؛ فيصدق؛ لأنه إذا صدق: كل إنسان حيوان، صدق: كل ما ليس بحيوان ليس بإنسان؛ وإلا لصدق نقيضه؛ وهو: ليس كلّ ما ليس [بحيوان ليس] (١) بإنسان؛ ويلزمه: بعض ما ليس بحيوان إنسان؛ فتجعله صغرى؛ فتقول: بعض ما ليس بحيوان إنسان، وكل إنسان حيوان؛ ينتج: بعض ما ليس بحيوان حيوان؛ وهو مُحَال؛ "ومن ثَمَّ" (٢)، أي: ومن أجل أن الموجبة الكلية تنعكس عكس النقيض إلى الموجبة الكلية، "انعكست السَّالبة" كلية أو جزئية، بعكس النَّقيض "سالبة جزئية"؛ أما الجزئية؛ فلأن الجزئيتين السَّالبتين نقيضا (٣) الكُلّيتين الموجبتين (٤)؛ والتلازمُ بين الشَّيئين يستلزم التَّلازم بين نقيضيهما (٥)؛ وأمَّا الكلّية؛ فلأنها مستلزِمةٌ للجزئية المستلزِمة لِعَكسِهَا، وهي بعينها عكس الكُلّية. الشرح: "وللمقدمتين (٦) باعتبار" وضع "الوسط" (٧)؛ وهو التعيين (٨) مثلًا بين الحَدّين الآخرين، وهما: العالَم، والحادث مثلًا في قولنا: العالَم متغير، وكل متغير حادث - "أربعة

стр. 315

لِمَوْضُوعِ النَّتِيجَةِ، مَوْضُوعٌ لِمَحْمُولِهَا، وَالثَّانِي: مَحْمُولٌ لَهُمَا، وَالثَّالِثُ: مَوْضُوعٌ لَهُمَا، وَالرَّابِعُ: عَكْسُ الْأَوَّلِ. فَإِذَا رُكِّبَ كُلُّ شَكْلٍ؛ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئيَّةِ وَالْمُوجَبةِ وَالسَّالِبَةِ، كَانَتْ مُقَدَّرَاتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ ضَرْبًا. الشَّكْلُ الْأَوَّلُ أَبْيَنُهَا؛ وَلذلِكَ يَتَوَقَّفُ غَيْرُهُ عَلَى رُجُوعِهِ إِلَيْهِ،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أشكال (١)؛ فالأوَّل (٢): محمول لموضوع النتيجة، موضوع لمحمولها. والثاني: محمول لهما. والثالث: موضوع لهما. والرابع: عكس الأول. فإذا ركب كل شكل (٣)؛ باعتبار" مقدمتيه في "الكُلّية والجزئية، والموجبة والسالبة، كانت مُقدَّراته العقليّة ستة عشر ضَرْبًا"؛ لأنَّ الصُّغْرى إحدى الأربع، والكبرى إحداها، وتُضْرَب (٤) الأربعُ في الأربع؛ فتكون ستة عشر؛ لكن منها ما لا يكون بالحقيقة قياسًا؛ فيكون غير منتجٍ (٥)؛ كما ستعرف، إن شاء الله تعالى. الشرح: "الشكل الأول: أبْيَنُها (٦)؛ ولذلك يتوقف غيره" من الأشكال في النِّتاجِ (٧) "على

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رجوعه إليه"؛ لما تقدَّم من أن حقيقة البرهان وسطٌ مستلزِمٌ (١) المطلوبَ، حاصل للمحكوم عليه، وأن جهة الدلالة؛ أن موضوع الصغرى بعض موضوع الكبرى، فالحكم عليه حكم عليه؛ وهو صورة الشكل الأول، والعقل لا يحكم بالنتاج إلا بملاحظة ذلك؛ سواءٌ صرح (٢) به أم لا، وليس من شرط (٣) ما يلاحظه (٤) العقل التمكُّنُ من تفسيره، والبَوْحُ به بصريح (٥) العبارة، فما تحقَّقَ

стр. 317

وَيُنْتِجُ المَطَالِبَ الأَرْبَعَةَ، وَشَرْطُ نِتَاجِهِ إِيجَابُ الصُّغْرَى، أَوْ حُكْمُهُ؛ لِيتَوَافَقَ الْوَسَط، وَكُلِّيَّةُ الْكُبْرَى؛ لِيَنْدَرجَ؛ فَيُنْتِج، فَتَبْقَى أَرْبَعَةٌ: مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ، أَوْ جُزْئِيَّةٌ، وَكُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ، أَوْ سَالِبَةٌ. فيه الرجوعُ إلى الشكل الأول ينتج دون غيره. "وينتج المطالبَ الأربعة" من الموجبتين: الكلية والجزئية، والسالبتين: الكلية والجزئية، وهي المحصوراتُ الأربعة، وغيْرُ الشَّكل الأول لا ينتجها (١) جميعًا، فإذا (٢) الأول أشرف، "وشرطُ نتاجه"؛ كذا بخط المصنِّف، بدون ألف - وهو الصواب - وفي بعضِ النسخ: إنتاجه، بالألف، وهو لحن؛ بحسب كمية المقدمتين، وكيفيتهما - أمران: أحدهما: "إيجاب الصغرى، أو حُكْمُهُ" أن يكون في حكم الإيجاب؛ بأن تكون (٣) سالبة مركبة، وهي التي يجتمع فيها النَّفْي والإثبات؛ كقولنا: لا شيء من الإنسان بضاحكٍ بالفعل لا دائمًا؛ ومعنى قولنا: "لا دائمًا" هو: "كل إنسان ضاحك بالفعل؛ فإنَّ السَّالبة المذكورة في معنى الموجبة؛ لأن [أحد جزءيها] (٤) موجَبٌ، وتوارد النفي والإثبات فيها على موضوعٍ واحدٍ، فيكون في قوة قولنا: كل إنسان ضاحك بالفعل لا دائمًا. وإنما اشترط إيجاب الصغرى، أو كونَهَا في حكم الإيجاب؛ "ليتوافق الوسط" مع الأصغر بمعنى أن الأصغر يندرج تحت الأوسط؛ فيتعدَّى الحكم إلى الأصغر؛ فيحصل أمر مكرَّر جامع؛ وذلك أن الحكم في الكبرى على ما هو أوسط إيجابًا، فلو كان المعلوم ثبوتُه في الأصغرِ هو الأوسط سلْبًا، تعدَّد الأوسط؛ فلم يتلاقيا. "وَ" الثاني: " [كلية] (٥) الكبرى؛ ليندرج" الأوسط فيه؛ "فينتجُ"؛ إذ لو كانت جزئيةً (٦)، جاز كون الأوسط أعم من الأصغر، وكون المحكوم عليه في الكبرى بعضًا منه - غيرُ الأصغر؛ فلا يندرج؛ فلا ينتج. "تبقى" (٧) الأضربُ المُتْتِجَةُ من الشَّكل الأول "أربعة: موجبة كلية، أو جزئية، وكلية؛ موجبة" كانت "أو سالبة"، أي: صغراه في الأضرب الأربعة موجبة، سواءٌ كانت (٨) كلية أم

стр. 318

الْأَولُ: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وكُلُّ عِبَادَةٍ بِنِيَّةٍ. الثَّانِي: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ. الثَّالِثُ: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، وكُلُّ عِبَادَةٍ بِنِيَّةٍ. الرَّابِعُ: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، وكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ. الشَّكْلُ الثَّانِي: شَرْطُهُ؛ اختِلَافُ مُقَدِّمَتَيْهِ فِي الإْيجَابِ وَالسَّلْبِ، وَكُلِّيَّةِ كُبْرَاهُ؛ تَبْقَى أَرْبَعَةً وَلَا يُنْتِجُ إِلَّا سَالِبَةً. جزئية، وكبراه كلية، سواء كانت (١) موجبةً أم سالبةً، وسقط ثمانية أضرب (٢). "الأول": من موجبتين كلّيتين؛ ينتج موجبة كلية: "كل وضوء عبادة، وكل عبادة بِنِيَّةٍ"، فكل وضوء بِنِيَّةٍ. "الثَّاني": من كلّيتين: الصغرى موجبة، والكبرى سالبة؛ ينتج كلية سالبة: "كل وضوء عبادة، وكل عبادة لا تصح بدون النِّيَّة"؛ فلا (٣) وضوء يصح بدون النِّيَّةِ. "الثالث": من موجبتين، والصغرى جزئية؛ ينتج موجبة جزئية: "بعض الوضوء عبادة، وكل عبادة بِنِيَّةٍ"؛ [فبعض الوضوء بِنِيَّةٍ] (٤). "الرَّابع": [من موجبة جزئية صغرى، وسالبة كلية كبرى؛ ينتج سالبة جزئية] (٥): " [بعض الوضوء عبادة] (٦)، وكل عبادة لا تصحّ بدون النِّيَّةِ"؛ فبعض الوضوء لا يصحّ بدون النِّيَّةِ. الشرح: "الشَّكل الثَّاني: (٧) شرطه؛ اختلاف مقدمتيه في الإيجاب والسَّلب، وكليةِ كبراه؛ تبقى" أضربه المنتجة (٨) "أربعةً، ولا تُنْتِج (٩) إلَّا سالبةً (١٠).

стр. 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 320

أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِوُجُوبِ عَكْسِ إِحْدَاهُمَا، وَجَعْلِهَا الْكُبْرَى، فَمُوجَبَتَانِ بَاطِلٌ، وَسَالِبَتَانِ لا تَتَلاقَيَانِ، وَأَمَّا كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى، فَلِأَنَّهَا إِنْ كَانَتِ الَّتِي تَنعَكِس، فَوَاضِحٌ، وَإِنْ عُكِسَتِ أمَّا الأول"؛ وهو وجوب اختلاف مقدمتيه؛ "فلوجوب عكس إحداهما" (١)؛ إذ هو قد خالف الأول في الكبرى؛ ولا بد من رده إليه؛ كما تقدَّم؛ فيجب عكس إحداهما. إما بعكس الكبرى فقط، وجَعْلِها كبرى للشكل الأول، وإما بعكس الصغرى، وجعلها كبرى، والكبرى صغرى؛ فعلى التقديرين يجب عكس إحدى مقدمتيه، "وجَعْلِها" أي: المقدمةِ المعكوسةِ إليها "الكبرى"، فالمركَّب من موجبتين باطلٌ؛ لأنه إذا عكست إحدى مقدمتيه، يكون (٢) جزئيًّا؛ لأن الموجبة لا تنعكس (٣) بالعكس المستوِي إلا جزئيةً (٤)، فلو جعلت كبرى في الشكل الأول، يلزم أن تكون الكبرى في الأولى (٥) جزئية، وسالبتان لا يتلاقيان أصلًا؛ إذ يلزم أن تكون (٦) الصُّغرى في الأول سالبة، وهو يوجب عدم التَّلاقي بين الأوسط والأصغر؛ فلا تحصل النَّتيجة، وإلى هذا أشار بقوله: "فموجبتان باطل، وسالبتان لا تتلاقيان. وأما" اشتراط "كلية الكبرى؛ فلأنها إنْ كانت هي التي تنعكس، فواضح"؛ لأن الجزئية، عكسها جزئية؛ فلا تصلح كبرى للأول، "وإن" كانت غيرها، فهو (٧) حينئذٍ بعكس الصغرى؛ لأن الرَّدَّ إلى الأول: إما بعكس الكبرى، وهو ما عرفْتَ، أو الصغرى، فإذا "عُكِسَت الصغرى"،
следующие страницы →