← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

جُزْئِيٌّ، وَالْكُلِّيُّ ذَاتيٌّ وَعَرَضِيٌّ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّانِي؛ مِنَ الْأَرْبَعَةِ: مُقَابِلُهُ؛ مُتبَايِنَةٌ. الثَّالِثُ: المتواطئ (١)، أو داخلًا؛ فهو المشترك، فأين المشكَّك (٢)؟. قلت: لا نسلم أنه إذا لم يكن داخلًا، يكون متواطئًا؛ لأن المتواطئ هو ما لا تختلف (٣) مَحَالُّه بما هو من جنس مسماه؛ بخلاف المُشَكَّك (٤)؛ فاشتركا في أن كلًّا منهما موضوعٌ لمعنى واحد بالحقيقة، وافترقا في اختلاف المحالِّ، وفارقا المشتَرَك؛ إذ هو موضوع لكلّ واحد من مختلفي الحقيقة. "وإن لم يشترك" في مفهومه كثيرون، "فجزئيٌّ" حقيقيٌّ؛ وهو ما يكون نفسُ تصوّره مانعًا من وقوع الشركة فيه؛ كالعلم، "ويقال للنوع أيضًا جزئي" إضافيٌّ، أي: بالإضافة إلى جنسه؛ فإذن: لفظُ الجزء يطلق على الحقيقي والإضافي (٥). "والكُلِّي ذاتي" (٦)؛ وهو: ما يكون متقدِّمًا في التصوُّر على ما هو ذاتي له، "وعرضي" (٧)؛ وهو: ما لا يكون كذلك؛ "كما تقدَّم" في المَنْطِقِ. "الثاني: [من] (٨) "الأقسام "الأربعة مُقابِلهُ"، أي: مقابلُ الأول، وهو متكثِّر اللَّفظ والمعنى؛ كالإنسان والفرس، ويقال لها "مُتَبَاينةٌ.

стр. 352

إنْ كَانَ حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ، فَمُشْتَرَكٌ، وَإلَّا فَحَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ. الرَّابِعُ: مُتَرَادِفَةٌ. وَكُلُّهَا مُشْقٌّ وَغَيْرُ مُشْتَقٍّ، صِفَةٌ وَغَيْرُ صِفَةٍ. الْخِلَافُ فِي وُقُوعِ الْمُشْتَرَكِ مَسْأَلَةٌ: الْمُشْتَرَكُ وَاقِعٌ؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛ الثالث": مُتَّحدُ اللفظ، متكثِّر المعنى؛ وحنيئذٍ (١) "إن كان حقيقةً للمتعدِّد"؛ كالعَيْنِ؛ للباصرة (٢)، والجارية - "فمشترك، وإلا فحقيقة" في الموضوعِ له أَوَّلًا، "ومجازٌ، في الآخر؛ كـ"الأسد" الموضوع أوَّلًا؛ للحيوان المفترس، وثانيًا؛ للشجاع. "الرَّابع": متكثِّر اللَّفظِ، متَّحدُ المعنى، ويقال له (٣): ألفاظٌ "مترادفةٌ"؛ كـ"الإنسان، والبشر"؛ فهذه الأقسام، "وكلها مشتقٌّ وغيرُ مشتقٍّ، صفةٌ وغيرُ صفةٍ". "مسألة" الشرح: "المشترك واقعٌ؛ على الأصح"؛ خلافًا لمن أحاله. كـ"ثعلب"، وأبي زيد [البلخي، والأبهري] (٤)، وزعموا أن ما يُظَنُّ مشتركًا، فهو إما حقيقةٌ ومجازٌ، أو متواطئٌ.

стр. 353

لَنَا أَنَّ القُرْءَ لِلطُّهْرِ. "لنا" على وقوعه: "أن القرء (١) للطُّهر" بخصوصه،

стр. 354

وَالْحَيْضِ مَعًا عَلَى الْبَدَلِ؛ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ. "والحَيْض" (١) بخصوصه "معًا على البدل؛ من غير ترجيح" لأحدهما على الآخر؛ فكان حقيقةً فيهما؛ فيكون مُشْتَركًا (٢).

стр. 355

وَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْمُسَمَّيَاتِ؛ لأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ؛ وَأُجِيبَ بِمَنْع ذلِكَ فِي الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ، وَلَا يُفِيدُ فِي غَيْرِهَا، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالْمُتَعَقَّلُ مُتَنَاهٍ، وَإنْ سُلِّمَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الْمُتَنَاهِي مُتَنَاهٍ؛ وَأسْتُدِلَّ بِأَسْمَاءِ الْعَدَدِ، وَإِنْ سُلِّمَ، مُنِعَتِ الثَّانِيَة، وَيَكُونُ كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ. الشرح: "واستدلّ" (١) على الوقوع؛ بدليل، والمصنِّف لا يرتضيه، فلذلك عبر عنه بلفظ: (استدل)، وذلك دَيْدَنُهُ إلا نادرًا. وتقريره: "لو لم يكن" المشترك واقعًا، "لخلت أكثر المسمَّيات" عن أسماء؛ "لأنها غيرُ متناهيةٍ"؛ والحاجةُ ماسَّةٌ إلى معرفتها، والتَّعبيرِ عنها، والألفاظُ متناهيةٌ؛ لأنَّها مركَّبة من الحروف المتناهية، والمركّب من المتناهي متناهٍ، فلو لم يوجد وضْعُ لفظ واحد لِمَعَانٍ كثيرة؛ لزم خلوّ ما زاد على عدد الألفاظ من المعاني عن الأسماء. "وأجيب بمنع ذلك"، أي: بمنع (٢) عدم التناهي" [في "المعاني "المختلفة والمتضادَّة، ولا يفيد" عدم التناهي] (٣) "في غيرها"، وهي المتماثلة (٤) هنا، فجزئيَّات الحيوان لا تنحصرُ (٥) مع أن لفظه موضوعٌ لها. "[ولو سُلِّم" عدم تناهي المعاني، فيُمْنعُ كونُها متعقَّلَة؛ إذ الذهن لا يستحضرُ ما لا يتناهي] (٦)؛ "فالمتعقَّل" منها وحده "متناهٍ"، والوضع (٧) إنما يكون للمتعقَّل، "وإن سُلِّم" أن التعقّل غير متناهٍ، "فلا نسلِّم" تناهي الألفاظ؛ إذ يمنع "أن المركَّب من المُتَنَاهي مُتَنَاهٍ. واستدل (٨) بأسماء العدد"؛ فإنها غير متناهية، مع تركيبها من الحروف المُتَنَاهية. "وإن سلم" أن الألفاظ متناهيةٌ، "مُنِعَتِ" المقدّمة "الثانية"، وهي الاستثنائية، أي: قولنا:

стр. 356

وَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ الْمَوْجُودُ فِي (الْقَدِيمَ) وَ (الْحَادِثِ) مُتَوَاطِئًا؛ لأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ؛ فَلأَنَّ الْمَوْجُودَ إِنْ كَانَ الذَّاتَ، فَلَا اشْتِرَاكَ، وَإنْ كَانَ الصِّفَةَ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَدِيمِ؛ فَلَا اشْتِرَاكَ؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالْإِمْكَانَ لَا يَمْنعُ التَّوَاطُؤَ؛ كَالْعَالِمِ وَالْمُتكَلِّمِ؛ قَالُوا: لَوْ وُضِعَتْ، لَاخْتَلَّ الْمَقْصُودُ مِنَ الْوَضْع؛ قُلْنَا: يُعْرَفُ لَخَلَتْ أكثر المسمَّيات، "ويكون" (١) كأنواع الرَّوائح"؛ في كونها لم توضع لها أسماء، فلم يُستحلَّ خلوُّ بعض المعاني عن الأسماء. الشرح: "واستدلَّ" أيضًا على وقوع المشترك؛ بأنه "لو لم يكن" واقعًا، "لكان الموجودُ في القديمِ والحادثِ متواطئًا"؛ واللازمُ باطلٌ، والملازمة واضحة؛ "لأنه حقيقة فيهما"، فلو لم يكن باعتبار وَضْعِهِ لخصوصهما، لكان [بالتَّوَاطئ، أي] (٢): باعتبار وضعه (٣) لأمر عامٍّ - مشتركٌ بينهما عند من يجعل صدْقَ التواطؤ في أفراده بالحقيقة، "وأما الثانية"، أي (٤): المقدّمة الاستثنائية؛ "فلأن" الذي يُسمَّى "الموجودَ (٥)، إن كان الذاتَ"؛ كما يقول الأَشْعَرِيّ، "فلا اشتراك"؛ لِمُخَالفة ذات واجب (٦) الوجود سائِرَ الذوات، "وإن كان صفة" زائدة على الذات، "فهي وَاجِبَةٌ في القديم"، ممكنةٌ في الحادث؛ وحينئذٍ؛ "فلا اشتراك"، فأين المتواطؤ؟. "وأجيب بأن الوجوب والإمكان لا يمنع" واحدٌ منهما "التَّوَاطُؤَ"؛ لكونه من الصفات العارضة للمعنى المشترك؛ "كالعَالِمِ والمتكلِّم"؛ فإنهما في القديم واجبان، وفي الحادث ممكنان، مع اشتراكهما في المعنى. فإن قلت: إطلاق العالم والمتكلِّم على القديم والحادث ليس بالتواطؤ، [بل] (٧) بالتشكيك (٨)؛ إذ هو من القديم أوْلَى وأحْرَى. قلت: كأنه تَوَسَّع هنا، فجعل المُتَواطِئَ أَعَمَّ؛ إذ غرضُهُ هنا دفع الاشتراك اللَّفظي، وهو حاصل بكل من التواطؤ والتشكيك (٩).

стр. 357

بِالْقَرَائِنِ، وَإِنْ سُلِّمَ، فَالتَّعْرِيفُ الْإِجْمَالِيُّ مَقْصُودٌ؛ كَالْأَجْنَاسِ. والمَانِعُونَ من وقوع الألفاظ المُشْتَركَة "قالوا: لو وضعت، لَاختلَّ المقصود من الوضع"؛ واللازم باطل، وبيان الملازمة: أن الفَهْمَ لا يحصل مع الاشتراكِ من حيثُ هو مشترك. "قلنا: يعرفُ" مرادُ المتكلِّم "بالقرائن". فإن قلت: فإذن يحتاج إلى انضمام قرينة، والقرائن [في] (١) الغالب خفيةٌ، ثم هَبْ أنها واضحة، فما الدَّاعي (٢) إلى لفظ يحتاج فهْمُ المراد منه إلى قرائن. فاعلم أن هذا لا يدفع الوقوعَ. "وإن سُلِّم"؛ أنه لا يحصل بالمشترك فَهْمُ المراد بالتفصيل - "فالتعريف الإجمالي مقصود؛ كالأجناس"؛ فهي تفيد الماهية من غير تفصيل لما تَحْتَهَا. ولقائل أن يقول: الأجناس تفيد قدرًا مشتَرَكًا بين ما تحتها أجْمَعَ، فامكن الامتثال (٣) فهي أولى من المشترك، إذ لا يتأتى فيه هذا، ولهذا لم يمنع أحدٌ الوضْعَ للأجناس، فلو حذف المصنِّف الاستشهاد لهذا، لكان أحسن. والتعريف الإجمالي حاصل بالمشترك، وإن لم يكن كالأجناس؛ فإن سامع المشترك يعرف أن المراد به بعض مدلولاته، فيستفيد ذلك، ثم يستعدُّ للامتثال (٤).

стр. 358

مَسْأَلَةٌ: وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛ كَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، و ﴿عَسْعَسَ﴾ لِـ (أقبَلَ)، وَ (أَدْبَرَ). قَالُوا: إِنْ وَقَعَ مُبَيَّنًا، طَالَ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَغَيْرَ مُبَيَّنٍ - غَيْرُ مُفِيدٍ، وَأجِيبَ: فَائِدَتُهُ مِثْلُهَا فِي الْأَجْنَاسِ، وَفِي الْأَحْكَامِ الاسْتِعْدَادُ لِلامْتِثَالِ، إِذَا بُيِّنَ. وهذا عند من لا يحمل المشترك على معانيه، وأما من يحمله، فلا يخفى حصول الفائدة بالمشتَرَكِ عنده. "مسألة" الشرح: "ووقع" المشترك "في القرآن؛ على الأصح؛ كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ " [سورة البقرة: الآية، ٢٢٨]؛ فإن لفظ القُرْء (١) بالاشتراك اللفظي للطُّهر والحَيْض، "و ﴿عَسْعَسَ﴾ "؛ في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، [سورة التكوير: الآية، ١٧]؛ فإنَّها لفظة موضوعة "لِـ (أقْبَلَ)، وَ (أَدْبَرَ) (٢) "، والقرآن لا يتأتى الاستشهاد به إلّا على الأصح. أما على ما ذهب إليه بعضهم - وهو وجه في مذهبنا - من أنه حقيقة في الطُّهر، مَجَاز في الحيض - فلا يتأتى. وإنما أتى المصنِّف بهذين المِثَالَيْنِ؛ لأن الأول من الأسماء، والثاني من الأفعال، وأحدهما مفرد، والآخر جمع؛ ليفهم بذلك أن القرآن مَشْحُون بالمشترك على اختلاف (٣) أنواعه. الشرح: "قالوا: إن وقع" المشترك "مبيَّنًا" فيه مرادُ المتكلّم - "طال" الكلام "بغير فائدة، وغيرَ مبيَّن غيرُ مفيد" - فيقبح الخطاب به. "وأجيب": بأنا نختار وقوعه غير مبيَّن. [قولكم] (٤): غير مفيد: قلنا: ممنوع؛ و"فائدته" إجمالية "مثلُها في الأجناس"؛ فإن الفائدة في الأجناس أيضًا إجمالية، "و "هذه الفائدة الإجمالية حاصلة في المشترك، سواء أورد "في الأحكام" أم غيرها؛

стр. 359

الْمُتَرَادِفُ مَسْأَلَةٌ: المُتَرَادِفُ وَاقِعٌ؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛ على خلاف ما فهم الشَّارحون، والإجمالية في الأحكام أفاد به أصل التشريع (١). وفائدته في الأحكام، أي: يخص الأحكامَ فائدةٌ أخرى؛ وهي "الاستعداد للامتثال (٢) [إذا بين] (٣) " المراد. "مسألة" الشرح: "المترادفُ واقعٌ؛ على الأصحِّ" (٤).

стр. 360

كَأَسَدٍ وَسَبُعٍ؛ وَجُلُوسٍ وَقُعُودٍ. خلافًا لأبي العباس ثعلب، وأبي الحسين أحمد بن فارس (١)؛ حيث أنكرا (٢) المترادف (٣)؛ زاعمَيْن أن كلّ ما يظن مترادفًا، فهو من المتباينات بالصفات؛ كما في الإنسان والبشر؛ فإن الأول باعتبار النِّسْيان، أو باعتبار أنه يؤنس؛ والثاني باعتبار أنه بادي البَشَرة. وسبيل الرد عليهما صُوَر لا محيص عنها؛ "كأسدٍ وسبع"، في الأعيان؛ "وجلوس وقعود"؛ في المعاني. وأوضحُ من ذلك التمثيلُ بالبُرّ والحِنْطَةِ؛ وإلّا فقد يقولان: موضوع السَّبعُ أعم من الأسد؛ وعليه حديث: "نُهِيَ عَنْ أَكلِ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ" (٤)، والجلوس: الاستقرار عن قيام، والقعود: الاستقرار عن اضطجاع، وقيل: عكسه. وذلك الردُّ عليهما أيضًا [بما] (٥) في "سنن أبي داود" (٦)

стр. 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والترمذي (١) وابن ماجه (٢) من حديث العباس بن عبد المطَّلب - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ بالبَطْحَاء، فمرت سحابة، فقال ﷺ : "أَتَدْرُونَ، مَا هذَا؟ " فقلنا: السحاب، قال: "وَالمُزْن؟ "، قلنا: والمزن، قال: "وَالعَنَان؟ " … (٣) الحديث.

стр. 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 363

قَالُوا: لَوْ وَقَعَ، لَعَرِيَ عَنِ الْفَائِدَةِ؛ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ التَّوْسِعَة، وَتَيْسِيرُ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ لِلرَّوِيِّ أَوِ الْوَزْنِ، وَتَيْسِيرُ التَّجْنِيسِ وَالْمُطَابَقَةِ. الشرح: ومنكرو الترادف "قالوا: لو وقع، لعري" اللفظ "عن الفائدة"؛ لحصولها باللَّفظ الآخر؛ "قلنا: فائدته: التوسعة" في العبارة، "وتيسير النَّظْم والنثر وللرَّوِيِّ" (١)، وهو الحرف الذي تبنى (٢) عليه القصيدة، سواءٌ أكان (٣) آخر حرف في البيت أم لا، "أو الوزن"؛ بسبب موافقة أحد اللفظين رويًّا، أو استقامةٍ للوزن دون [الآخر] (٤)، "أو تيسيرُ التجنيسِ والمُطَابقة"؛ فلا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [سورة الروم: الآية، ٥٥]- أبلغُ من قولنا: ما لبثوا غير لحظة، وقولَهُ: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [سورة الكهف: الآية، ١٠٤]- أوقعُ من قولنا: وهم يتوهَّمون أنهم يحسنون، وأقسامُ الجناس كثيرةٌ معروفةٌ في البديع، وتيسيرُ المُطَابقة (٥)؛ وهي الجمع بين المُتَضَادَّين، مع مُرَاعاة التَّقَابل فيه - نحو: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [سورة التوبة: الآية، ٨٢].

стр. 364

قَالُوا: تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ؛ قُلنا: عَلَامَةٌ ثَانِيَةٌ. واضحٌ، فقد تحصل المطابقة بأحد اللفظين دون الآخر؛ وكذلك الوزنُ؛ كقول الشاعر: [الطويل] فَلَا الجُودُ يُفْنِي الْمَالَ وَالْجَذُ مُقْبِلٌ … وَلَا الْبُخْلُ يُبْقِي الْمَالَ وَالْجَدُّ مُدْبِرُ (١) وإنما يتصور ذلك، إذا كان أحدهما موضوعًا بالاشتراك لمعنى آخر يحصل باعتباره التقابل (٢)، دون صاحبه. قال القاضي عضُد الدِّين: كما قيل: خَسُّنا (٣) خير من خَسِّكم، وقيل في مقابلته: خَسُّنا خير من خِيَارِكُم، فوقع (٤)، التَّقَابلُ بين الخسّ والخيار؛ بوجه، ووقع بينهما المُشَاكلةُ؛ بوجْه آخر، ولو قال: خير من قِثَّائكُم، لم يحصل التَّقَابُل (٥). الشرح: "قالوا": التَّرادُف: "تعريف المعرَّف"؛ لأن اللَّفظ الثَّاني تعريفٌ لما عرَّفَ الأوَّلُ؛ وذلك محال. "قلنا": بل "علامة ثانية" (٦)، ويجوز أن يكون للشَّيء علاماتٌ؛ وهذا على تقدير أن يكون الوضع من واحد مرتَّبًا، أما إن كان من واضعين أو واحدِ دفعةً واحدةً، فلا يُتخيل تعريف المعرَّف أصلًا.

стр. 365

الْحَدُّ وَالْمَحْدُودُ غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ مَسْأَلَةٌ: الْحَدُّ وَالْمَحْدُود، وَنَحْوُ: "عَطْشَانُ نَطْشَانُ"، غَيرُ مُتَرَادِفَيْنِ؛ على الْأَصَحِّ؛ لأَنَّ الْحَدَّ يَدُلُّ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ، وَ"نَطْشَانُ" لَا يُفْرَدُ. مَسْأَلَةٌ: يَقَعُ كُلٌّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ الآخَرِ؛ لأِنَّهُ بِمَعْنَاه، وَلَا حَجْرَ فِي "مسألة" الشرح: "الحد والمحدود، ونحو: عطشانُ نطشانُ"، أي: الاسم وتابعه: كخَرابٍ يَبابٍ - "غيرُ مترادفين؛ على الأصح"؛ خلافًا لمن توهّم الترادف؛ لما رأى أن كلًّا من الحَدّ والمحدود يستلزم صدقُه صدقَ الآخر، وأن معنى التابع والمتبوعِ واحدٌ. ومذهبه في الحد ضعيف؛ "لأن الحَدّ يدل؛ على المفردات"، أعني: أجزاء المحدود؛ بالتفصيل، والمحدود يدلّ عليها؛ بالإجمال. وأما في التابع، ففي غاية السُّقوط؛ إذ التابع لا يقوم مقام المتبوع؛ بخلاف المترادفين، ولا يستعمل منفردًا عن المتبوع؛ وإليه أشار بقوله: "ونَطْشانُ لا يفرد". وأطلق البيضاوي في "منهاجه" (١) أن التابع لا يفيد. والآمدي (٢) قال: قد لا يفيد معنى أصلًا؛ بإثبات (قد). والإمام قال في "المحصول": شرط كونه مفيدًا تقدُّم الأول عليه. قلت: ويفيد التقوية حينئذٍ؛ هذا هو الحق. "مسألة" الشرح: "يقع كل من المترادفين مكان الآخر" حال التركيب؛ خلافًا للإمام الرَّازي، ومن تبعه؛ "لأنه بمعناه، ولا حَجْر في التركيب" في الألْفَاظ.

стр. 366

التَّرْكِيبِ؛ قَالُوا: لَوْ صَحَّ، لَصَحَّ "خَداي أَكْبَرُ"؛ وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ؛ وَبِالْفَرْقِ بِاخْتِلَاطِ اللُّغَتَيْنِ. "قالوا: لو صَحّ" وقوعه، "لصح" أن يقال: في الصَّلاة: "خداي أكبر"؛ إذ لا فرق في كون اللفظ موضوعًا للمعنى (١)؛ باصطلاح لغة، أو لغتين. "وأجيب بالتزامه" أولًا، فنقول: يصح (خداي أكبر)؛ "وبالفرق" ثانيًا (٢) بين كون المترادف من لغة، أو لغتين؛ "باختلاط (٣) اللُّغتين"؛ وهو رأي ثالث في المسألة مفصَّل ذهب إليه البَيْضَاوي والهِنْدِيّ. والحَقّ في الجواب: أن عدم صِحَّة (خداي أكبر) (٤)؛ إنما هو للتعبُّد في الصَّلاة عند أصحابنا بلفظ (الله أكبر)، والخلاف في هذه المسألة؛ إنما هو حيث لا يقع تعبُّد بسبيكة لفظٍ، فإن وقع، فليس من هذا الباب في شيء، وذلك كلفظ التكبير (٥)، والنِّكَاح، واللِّعَان (٦)، للقادر على العربية، وأمثالِ ذلك.

стр. 367

الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَسْأَلَةٌ: الْحَقِيقَةُ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْع أَوَّلٍ؛ وَهِيَ: لُغَوِيَّةٌ، وَعُرْفِيَّةٌ، وَشَرْعِيَّةٌ؛ كَالْأَسَدِ، وَالدَّابَّةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْمَجَازُ: الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ وَضْع أَوَّلٍ؛ عَلَى وَجْهٍ يَصِحّ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَلَاقَةِ: وَقَدْ تكونُ بِالشَّكْلِ؛ كَالْإِنْسَانِ لِلصُّورَةِ، أَوْ فِي صِفَةٍ «مسألة» الشرح: "الحقيقة: اللَّفظُ المستعمل في وضعٍ أوَّل" (١). والأولية في [كلِّ] (٢) لغة بالنسبة إليها؛ فهي اللغوية، أو الوضعية (٣) من أهل اللسان، والشرعيةُ من أهل الشرع، والعرفيةُ من أهل العرف، وخرج بقولنا: أول - المجازُ؛ فإنه فيما وضع ثانيًا. "وهي: لغوية، وعرفية، وشرعية (٤)؛ كالأسد، والدَّابَّة، والصلاة. والمجازُ": القول "المستعمل في غير وضعٍ أولٍ؛ على وجه يصح". وإنما قلنا: على وجه يصح؛ ليعلم اشتراط العلاقة فيه. "ولا بد" في التجوّز "من العلاقة" بين الحقيقة والمجاز (٥)؛ وإلا لَتُجُوِّزَ (٦) عن كلّ معنى

стр. 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 369

ظَاهِرَةٍ؛ كَالْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ، لَا عَلَى الْأَبْخَرِ؛ لِخَفَائِهَا؛ أَوْ لأِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا؛ كَالْعَبْدِ؛ أَوْ بكل لفظ، ولكان اللّفظ مشتَرَكًا بينهما. "وقد تكون" (١) العلاقة "بالشَّكل؛ كالإنسان"؛ يقال "للصورة" الممثَّلة بالإنسان الحقيقي المنقوشَةِ على الجدار. "أو "لاشتراكهما "في صفة ظاهرة" بينهما؛ "كالأسد على الشُّجاع"؛ لاشتراكهما في الشَّجَاعة الظاهرة في الأسد، "لا" لإطلاق الأسد "على" الرجل "الأبْخَر"؛ إذ لا يجوز، وإن كان البَخَرُ من صفات الأسد؛ "لخفائها" فيه. ولقد صرح أبو إسحاق الشِّيرازيُّ في مُنَاظرة جرت بينه، وبين إمام الحَرَمَيْنِ؛ بأنه لا يقال للبليد: بَغْل، وإن فيل له: حمار؛ لمثل ذلك. "أو لأنّه كان عليها؛ كالعبد" يطلق على المُعْتَقِ؛ باعتبار ما كان عليه؛ ومنه قوله ﵊: "أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ (٢). فَصَاحِبُ المَتَاعِ" (٣)، أطلق عليه صاحب المتاع؛ باعتبار ما كان.

стр. 370

آيِلٌ؛ كَالْخَمْرِ؛ أَوْ لِلْمُجَاوَرَةِ، مِثْلُ: جَرَى الْمِيزَابُ. وَلَا يُشْتَرَطُ النَّقْلُ فِي الآحَادِ؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لنَا: لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا، "أو آيلٌ؛ كالخمر"؛ يطلق على العصير، وإن لم يكن متصفًا به في الحال؛ باعتبار ما سيَئُولُ [إليه] (١)؛ ومنه قوله ﵊: "اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس". وقد لا يتحقق أنه آيل، بل يظن، ويسمى مجاز الاستعداد. ولا يكفي مجرّد التجويز والاحتمال؛ كما صرح به إمام الحرمين وغيره في التأويلات البعيدة في الكلام على قوله ﷺ : "لَا نِكَاح إِلَّا بِوَليٍّ" (٢). "أو للمجاورة؛ مثل: جرى المِيزَابُ"؛ وإنما الجاري ماؤه، وقد عددنا في "شرح المنهاج" ستًّا وثلاثين علاقةً. الشرح: "ولا يشترط" في إطلاق الاسم على مسمَّاه المجازيِّ - "النقلُ في الآحاد" عن أهل اللُّغة؛ "على الأصح"؛ بل تكفي العلاقة.

стр. 371

لَتَوَقَّفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُونَ. واعلم أن جنس العلاقة لا بُدّ منه بالإجماع، وقد تقدم في قولنا: ولا بد من العلاقة؛ والتشخُّصُ لا يشترط بالإجماع، فلا يقول أحد: لا أطلق الأسدَ على هذا الشجاع، إلا إذا أطلقته العرب عليه بنفسه، بل يكفي إطلاقها لفظ الأسد على شجاع ما؛ لشجاعته، ثم نطلقه على كل شجاع، سواء أكان (١) من جنس ما أطلقته العرب عليه؛ كالأسد تطلقه (٢) العرب على زيد، فنطلقه نحن على عمرو الشجاعين (٣)، أم من غير جنسه؛ كإطلاقنا الأسدَ على غير إنسان من الشُّجعان؛ بجامع إطلاق العرب له على الإنسان الشجاع، وإلا لم يكن الآن مجازٌ على وجه الأرض؛ إذ (٤) ليس الآن شخص تَجوَّزتْ فيه العرب. والنوع محل الخلاف: فهل تكفي العلاقةُ التي نَظَر العرب إليها؛ فإذا رأيناهم أطلقوا السبب على المسبَّب في مَوْضِعٍ، أطلقناه أبدًا، وأطلقنا من العلاقات ما يُسَاوي في المعنى السببَ على المسبَّب، أي نزيد عليه؛ كالمسبَّب على السبب، أو لا نتعدَّى (٥) علاقة أخرى، وإن ساوتها؛ ما لم تفعل العرب ذلك؟ اختار المصنِّف الأول؛ فهل يجوز مثلًا إطلاق لفظٍ باعتبارِ ما كان، وإن لم تستعمله العرب؛ لاستعمال (٦) ما هو نظيره، أو دونه؛ كإطلاقهم اللَّفظ باعتبار ما سيكون. والمختار عند الإمام وأتباعِهِ الثاني، وهو معنى قول البَيْضَاوِيِّ في "منهاجه": شرط المجاز العلاقة المعتبرُ نوعُها (٧). فقد تحرَّر أن الخلاف إنما هو في الأنواع، لا في الجنس، ولا في جزئيات النَّوْعَ الواحد. واحتجَّ المصنِّف على ما ارتضاه بقوله: "لنا: لو كان" الإطلاق في الآحاد "نقليًّا، لتوقّف

стр. 372

وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا، لَمَا افْتقرَ إِلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّظَرَ لِلْوَاضِعِ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَلِلاطِّلَاعِ عَلَى الْحِكْمَةِ. قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَجَازَ: "نَخْلَةٌ"؛ لِطَوِيلٍ غَيْرِ إِنْسَانٍ، وَ"شَبَكَةٌ"؛ لِلصَّيْدِ، وَ"ابْنٌ"؛ لِلأَبِ؛ وَبِالْعَكْسِ؛ وَأُجِيبَ بِالْمَانِعِ". قَالُوا: لَوْ جَازَ، لَكَانَ قِيَاسًا أَوِ أخْتِرَاعًا، وَأُجِيبَ بِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ أهل العربية" في إطلاقهم؛ "عليه"، لكنهم يستعملون، "ولا يتوقَّفون" على النقل. ولك أن تقول: إنما لا يتوففون على جزئيات النوع الواحد، وليس محلَّ النزاع، أما الأنواع، فلا نسلِّم أنهم لا يتوقفون. الشرح: "واستُدِلَّ" على عدم اشتراط النقل؛ بأنه "لو كان" الإطلاق "نقليًّا، لما افتقر إلى النظر في العلاقة" المصحِّحة، وكان الاستعمال يكفي؛ لكنا نجتهد في استخراج العَلَاقَةِ. "وأجيب بأن النظر" إنما هو "للواضع"، لا لنا، "وإن (١) سلم" أنه لنا؛ "فللاطلاع (٢) على الحكمة" (٣) في الوضع، لا لأجل جواز الإطلاق. الشرح: "قالوا: لو لم يكن، المجاز متوقِّفًا على النَّقْلِ "لجاز (٤): نخلة؛ لطويل غير إنسان" وبالعكس؛ للاشتراك في الطُّول الذي هو سبب التجوُّز في الإنسان، "وشبكةٌ؛ للصيد"؛ للمجاورة، "وابنٌ؛ للأب، وبالعكس"؛ للسببية. "وأجيب بالمانع"، أي: أن هذه الأشياء [إنما] (٥) لم تَجُزْ؛ لقيام المانع فيها؛ لخصوصها؛ لا لعدم الاكتفاء بالعلاقة. ولقائل أن يقول: ما المانع؟! الشرح: "قالوا: لو جاز" الإطلاق بدون نقل، "لكان": إما "قياسًا، أو اختراعًا"؛ لأنه إثباتٌ غيرُ مصرَّح [به] (٦)؛ وذلك إن كان لجامع بينه وبين ما صُرِّح به مستلزمٍ للحكم، فهو القِيَاس، وإلا فالاختراع، واللُّغَةُ لا تثبت قياسًا؛ كما سيأتي، إن شاء الله، ولا اختراعًا.

стр. 373

الْعَلَاقَةَ مُصَحِّحَةٌ؛ كَرَفْع الْفَاعِلِ؛ وَقَالُوا: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِوُجُوهٍ: بِصِحَّةِ النَّفْي؛ كَقَوْلكَ لِلْبَلِيدِ: لَيْسَ بِحِمَارٍ عَكْسَ الْحَقِيقَةِ؛ لإمْتِنَاعِ (لَيْسَ بِإِنْسَانٍ)؛ وَهُوَ دَوْرٌ". "وأجيب": لا نسلِّم أنه إذا لم يكن لجامع، يلزم الاختراع؛ بل ذلك "باستقراء أن العلاقة مصحِّحة" للإطلاق؛ "كرفعِ الفَاعِلِ"، ونَصْبِ المفعول؛ وذلك أمر ثالث، وهو الوضع قطعًا، ولا يجب النَّقْل في كل فرد، بل عُلِمَ علمًا كليًّا بالاستقراء. "فرع" إذا رأيناهم أطلقوا على الشجاع: الأسد؛ للشجاعة، فَلنَا أن نطلق عليه مرادفَ الأسد؛ كاللَّيْثِ قطعًا، وليس من محلّ الخلاف؛ خلافًا لكثير من الشَّارحين. "وقالوا"؛ يعني - والله أعلم -[أهلَ] (١) الفرقة المخالفةِ [له] (٢) القائلةِ: يشترط النقل في الآحاد؛ وكأن سائلًا قال لهم: إذا اشترطتم النقل؛ وهو (٣) عزيز، فما الطريق - إذا فُقِدَ - إلى معرفة كون اللَّفظ مجازًا؟، فقالوا: "يعرف المجاز بوجوه: بصحَّة (٤) النفي"، أي: في نفس الأمر، صرَّح به في (المنتهى)، وسكت عنه هنا؛ لوضوحه، فإذا أُطْلِق اللَّفظ على معنى؛ صح (٥) نفيه عنه - عُلِمِ كونه مجازًا؛ "كقولك للبليد" بعد إطلاقنا الحمار عليه: "ليس بحمار"، ومورد النفي في الحقيقة غيْرُ مورد الإثبات؛ إذ مورد الإثبات المجاز، ومورد النفي الحقيقة، فقولنا للبليد: حمار، معناه: كالحمار، وليس بحمار، أي: ليس بحقيقة الحمار، ولو أردنا: ليس بحمار مجازًا، كان كاذبًا؛ لِصِدْق (٦) نقيضه. قوله: "عَكْسَ الحقيقة"، أي: أن الحقيقةِ لا يصحّ نفيها في نفس الأمر؛ "لامتناع" قوله: "ليس بإنسان" للبليد؛ لمَّا كان إطلاق (إنسان) عليه حقيقة. [و] لا يقال: قد نفيت (٧) الحقيقة في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧]؛ لأن ذلك النفي ليس في نفس (٨) الأمر؛ بل بالتأويل؛ وهذا ما ذكره من ادَّعَى هذه العلاقة.

стр. 374

وَبِأَنْ يَتبَادَرَ غَيْرُهُ؛ لَوْلَا الْقَرِينَةُ عَكْسَ الْحَقِيقَةِ؛ وَأُورِدَ الْمُشْتَرَك، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ مَجَازًا. قال المصنّف: "وهو دَوْر"؛ لأن إطلاق اللَّفظ على المَعْنَى دليلُ صدقه (١) عليه، وصحة نفيه مَوْقُوفَةٌ على معرفة كون الإطلاق مجازًا، فلو عُرِفَ كون الإطلاق مجازيًّا بصحة النفي، دار. واعترض عضُد الدِّين (٢)؛ بأن الدور إنما يصح إذا أطلق اللَّفظ لمعنى، ولم يدر أحقيقة فيه أم مجاز؟. أما إذا (٣) عُلِم معناه الحقيقي والمجازي، ولم يُعْلَم أيهما المراد، فحينئذٍ يمكن أن يعلم بصحَّة نفي المَعْنَى الحقيقي عن المورد؛ أن المراد هو المعنى المجازيُّ، [أي] (٤): فيعلم أنه مجاز. الشرح: "وبأن يتبادر" إلى الفهم "غيره؛ لولا القرينة عكسَ الحقيقة"؛ فإنها تعرف بألّا يتبادر غيرُها؛ لولا القرينة. "وأورد المشتركُ"؛ ويمكن تقرير إيراده على وجهين: أحدهما: لو كان علامةُ الحقيقة التبادُرَ، لتبادر الفهم في المشترك. والثاني: لو كان علامة المَجَازِ تبادر الغيرِ، لتبادَرَ؛ إذا استعمل المشترك في معناه المجازي. "فإن أجيب" عنهما، "بأن يتبادر" واحد من الحقيقة "غيرُ معيَّن - لزم أن يكون المعيَّنُ" من معانيه "مجازًا"؛ لعدم تبَادره. ولك أن تقول: المدَّعى في الحقيقة ألّا يتبادر غيرها، لا أن يقع التبادُرُ فيها، والمشترك لا يتبادر (٥) فيه غيرُ الحقيقة، وإنما الذهن يتردد في معانيه، والمدَّعى في المجاز تبادرُ الغَيْرِ، وهو حاصل قولكم: إنما يتبادر المبْهَمُ.

стр. 375

وَبِعَدَمِ اطِّرَادِهِ، وَلَا عَكْسَ؛ وَأُورِدَ: السَّخِيُّ، وَالْفَاضِلُ؛ لِغَيْرِ اللهِ، وَالْقَارُورَةُ؛ لِلزُّجَاجَةِ؛ فَإِنْ أُجِيبَ بِالْمَانِعِ، فَدَوْرٌ، وَبِجَمْعِهِ عَلَى خِلَافِ جَمْعِ قلنا: مسلَّم قولكم؛ فيلزم كون المعيَّن (١) مجازًا - ممنوعًا؛ وهذا لأن المتبادر (٢) حينئذٍ واحدٌ مشخَّص في نفس الأمر، وهذا كاف، وإن لم تعرف (٣) عينه. الشرح: "و" يعرف المجاز "بعدم اطّراده"؛ فإنك تقول: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية، ٨٢]، ولا تقول: واسأل البساط، وإن وجد فيه المعنى المقثضى للتجوُّز في: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٢]؛ وهذا يشهد لمن يقول: المجاز يحتاج إلى النقل، وإلا فلم (٤) لا يطرد، والمعنى قائم؛ "ولا عكس" لهذه العلامات، فلا يكون الاطِّرَاد دليل الحقيقة؛ إذ قد يوجد مجازٌ مطَّرد؛ كالأسد للشُّجاع. "وأورد" على هذه العلامة "السّخي، والفاضل" موضوعان للجَوَادِ والعالِمِ، ولا يقالان إلا "لغير اللهِ" تعالى؛ مع أنه - تعالى - جوادٌ وعالِم. "والقارورةُ"؛ فإنها موضوعة "للزجاجة"؛ لاستقرار الشَّيء فيها، ولا يقال لكلِّ ما يستقر فيه الشيءُ؛ كالكُوزِ - مثلًا - قارورةٌ؛ فهذه (٥) حقائق غير مطردة. "فإن أجيب" عن عدم اطِّرادها؛ "بالمانع" الشَّرْعيِّ في الأولَيْن؛ إذ أسماء الله تَوْقِيفِيَّة (٦)،

стр. 376

الْحَقِيقَةِ؛ كَأُمُورٍ جَمْعَ أَمْرٍ؛ لِلْفِعْلِ، وَيَمْتَنِعُ "أَوَامِرُ"، وَلَا عَكْسَ، وَبِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ؛ مِثْلُ: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ وَنَارِ الْحَرْبِ. وَبِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْمُسَمَّى الآخَرِ؛ مِثْلُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، وَاللَّفْظُ قَبْلَ الاسْتِعْمَالِ، لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ، وَفِي اسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةَ خِلَافٌ؛ ولم يَرِدْ هذان، واللغويِّ في الثالث؛ فإن اللغة منعت إطلاق القَارُورَةِ على غير الزُّجَاجة - "فدور"؛ فإن عدم اطراده لا بُدَّ له من سبب، وهو: إما العلم بكونه مجازًا، أو الشرعِ، أو اللغةِ، والأخيران منتفيان بالفرضِ؛ فتعيَّن الأول. ووضح أن عدم الاطِّرَاد إنما يكون دليلًا على المجاز، إذا علم أنه مجاز، فلو علم أنه مجاز؛ بعدم الاطّراد - كان دورًا. ولك أن تقول: السَّخي، لما دار بين كونه لِلْجَوَاد المطلق، أو للجواد ممن شأنه البُخْل، ثم وجدناه لا يطلق على الله - تعالى -، مع أنه ذو الجود الأعظم - علمنا أنّ السخي ليس إلا الجوادَ المقيّد؛ ويوضح هذا أن أحدًا لم يطلق السخيَّ على الله - تعالى -، وإن كان من الذاهبين إلى أن الأسماء توقيفيةٌ؛ وكذا القول في الأخيرين؛ فلم يلزم دَوْرٌ، ولا نَقْضٌ. "و" يعرف المجاز أيضًا "بجَمْعِهِ على خلاف" صيغةِ "جمعِ الحقيقةِ؛ كأمورٍ جمعَ أمر؛ للفعل"، "ويمتنع أوامر" الذي هو جمع للأمر؛ بمعنى الأمر الذي هو حقيقة فيه؛ باتفاق، فنقول: هو في الفعل مَجَاز؛ لمخالفته في الجمع، "ولا عكس"؛ إذ المجاز قد لا يجمع؛ بخلاف جمع الحقيقة؛ كالأسد. "و" يعرف أيضًا "بالتزام تقييده"؛ فلا يستعمل في ذلك المَعْنَى عند الإطلاق؛ "مثلُ: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [سورة الإسراء: الآية، ٢٤] ونَارِ الحَرْب"، وإنما قال: بالتزام تقييده، ولم يقل: بتقييده؛ ليحترز من المشترك؛ فإنه قد يقيد؛ كما يقال: العينُ الجارية، لكن لا لزومًا. الشرح: "وبتوقفه على المسمى الآخر؛ مثلُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] "؛ فإن مكْر الله مَجَاز، وإطلاقه مسبوق بإطلاق المكر منهم. "واللَّفظ قبل الاستعمال، ليس بحقيقة ولا مجاز"؛ إذ الاستعمال أحد قيود الحقيقة والمجاز؛ كما سلف.

стр. 377

بِخِلَافِ الْعَكْسِ، الْمُلْزِمُ: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ، لَعَرِيَ الْوَضْعُ عَنِ الْفَائِدَةِ، الثَّانِي: لَوِ اسْتَلْزَمَ، لَكَانَ لِنَحْوِ: قَامَتِ الحَرْبُ عَلَى سَاق، وَشَابَتْ لِمَّةُ اللَّيْلِ - حَقِيقَةٌ، وَهُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ لِلُزُومِ الْوَضْعِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْمُفْرَدِ، وَلَا مَجَازَ فِي التَّرْكِيبِ، وَقَوْلُ عَبْدِ الْقَاهِرِ فِي نَحْوِ: أَحْيَانِيَ اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ: (إِنَّ الْمَجَازَ، فِي الإِسْنَادِ) بَعِيدٌ، لاتِّحَادِ جِهَتِهِ. "وفي استلزام المجازِ الحقيقة خلافٌ"؛ فقيل: إن المجاز يستلزم سبق الحقيقة، وقيل: لا؛ فقد يوجد لفظ مجازي لم تسبقه حقيقة، بل وُضِعَ فقط؛ "بخلاف العكس"؛ فإنه لا خلاف فيه، أي: لا خلاف أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، فقد يوجد لفظ حقيقي لم يُتَجَوَّزْ عنه ألبتة. واحتج "المُلْزِمُ"، أعني: القائل أن المجاز يستلزم الحقيقة؛ بأنه: "لو لم يَسْتَلْزِمْ، لعري الوضع" الأول "عن الفائدة"؛ إذ فائدةُ الوضعِ الاستعمالُ؛ فحيث لا استعمال يكون عبثًا. ورُدَّ بجواز كون الفائدةِ الاستعمالَ في الوَضْعِ المجازي، أو تسويغِ أصل الاستعمال. واحتج "النَّافي" للاستلزام؛ بأنه: "لو استَلْزم، لكان لنحو: قامت الحرب على ساقٍ، وشابت لِمَّةُ الليل - حقيقةٌ"، أي: استعمالٌ مع موضوعها الأصلي؛ لكونها مجازًا. "وهو" أي: هذا الاستدلالُ "مشتَرَكُ الإلزامِ"؛ إذ للمُلْزِمِ أن يقول: ما ذكرتَهُ ليس بمجاز، وإلا كان موضوعًا لغير هذا المعنى؛ "للزوم الوضع" الأول للمجاز؛ وذلك لأن النافي لاشتراط الحقيقة في المجاز يشترطُ أصل الوضع، وسبيلُ الانفصال عنهما واحدٌ. الشرح: "والحق" فيه "أن المَجَاز" في هذين المِثَالَيْن، إنما وقع "في المفرد" من القيام والسَّاق، والشَّيب واللِّمَّة، "ولا مجاز في التركيب"، والكلامُ فيهما حالةَ التركيب، وإذا لم يكونا مجازين، فلا يطلب لهما حقيقةٌ. "وقول عبد القَاهِرِ في نحو: أحيانِيَ اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ: إن المجاز في الإسناد"؛ لأن إسناد الإحياء إلى الاكتحال غيرُ حقيقي. قد يقال: إنه يَرِدُ علينا مساواةُ: أحياني اكتحالي بِطَلْعَتِكَ، للمثالين السَّابقين؛ وقد قلنا: إنه لا مَجَازَ في التَّرْكِيب. ولكن نقول: ما قاله عبد القَاهِرِ "بعيدٌ"؛ لأن المجاز إنما يتحقَّق باختلاف جهتيه؛ وذلك غير متحقِّق في إسناد الإحياء إلى الاكتحال؛ "لاتحاد جهته"؛ كذا قال المصنِّف.

стр. 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحق جوازُ المجازِ في الإسناد، ووقوعُه، واستبعاد المصنِّف لا يوجب رفع ذلك؛ وقُصاراه أن يثبت بعده، ولا يلزم من البُعْدِ عدمُ الوقوع. ولنذكر ههنا كلمةً نافعةً في هذا المختصر، فنقول: المصنِّف كثير الاستعمال لردِّ رأي خصمه؛ باستبعاده؛ كما فعل هنا؛ وكما قال: (قولهم ما اتفق فيه اللّغتان؛ كالفُرْنِ والتَّنُّورِ - بعيدٌ)؛ مع رده على من يحكم على أمرٍ بِبُعْده؛ بأنه استبعاد؛ فلا يجديه؛ كما ردَّ قول الأستاذ؛ أن المجاز يُخِلُّ بالفَهْمِ؛ بأنه استبعاد؛ ولعلك تحسِب ذلك منه تناقضًا، وليس دعواك بُعْدَ ما يدعيه خصمُك في مسألة ناشئًا من دعوى خصمك بُعْدَ ما تدعيه في أخرى، ولا ردُّك مُدَّعى الخصْمِ ببُعده - أفْحَمَ من رده دعواك بِبُعْده. والجواب: أن الاستقراءَ حُجَّةٌ؛ لا سيما في اللُّغات، فإذا استقرأ اللُّغويُّ أمرًا، قضى به، ثم بنى عليه ما شاء مما يلائمه، وغايةُ ما له من الاستقراء دليلٌ ظني، ثم من ادعى خروج شيء عن استقرائه، كان مُبعَدًا عنده، فإن حقق دعواه بدليل أقوى من الاستقراء، كما إذا أتى بصورة واقعة، لم ينهض الاستقراء حُجَّة عليه، ولم يصح أن يُرَدَّ مُدَّعاه بِمُجَرَّدِ البعد، وإن لم تتحقَّق دعواه بدليلٍ أقوى من الاستقراء، رُدَّت دعواه، وكان استبعادنا له حُجَّةً، وذلك كالمجاز يدعي مُنْكِرُه أنه يُخِلّ بالفهم، وأن ما يخلّ بالفَهْم لا يقع من العرب؛ فنقول: غايةُ ما ينتجُ لك هذا - دليلٌ ظَنّي على أن المجاز لا يقع؛ وهو معارض بأقوى منه؛ من دليل مثبت المجاز؛ فيُصَار إلى استبعاد وقوع أمر على خلاف استقرائك، واستقراؤك قد بطل بوجدان خلافه، فلم يُجْدِ الاستبعاد شيئًا، والحالة هذه. وأما إذا لم يتحقّق الخصم دعواه؛ بما يبطل الاستقراءَ، فلا يُسْمع، وينتهض البُعد حجةً عليه؛ لاعتضاده بالاستقراء الذي لا مُعَارِضَ له؛ وذلك كقولهم: (مما اتفق فيه اللّغتان)؛ فإن المصنّف استبعده، وهو استبعاد موافق للدليل الذي أقامه من وجود المِشْكَاةِ، والإسْتَبْرَقِ، ونحوِهما، فمنكرُ المجازِ مستبعدٌ لما قام الدليل عليه؛ فكان استبعاده مردودًا، والمصنِّف مستبعِدٌ لما قام الدَّليل على خلافه، فكان استبعاده مقبولًا، وهذا في قوله: (قولهم مما اتفق فيه اللُّغتان)؛ وما شاكله، فقس عليه نظائره، فهي كثيرة في هذا المختصر. وأما دعواه بُعْدَ قول عبد القاهِرِ (١)، فمثْلُ دعوى الإسنادِ بَعْد المجاز؛ فلا تُسْمع؛ لأنه

стр. 379

وَلَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَلْزَمَ، لَكَانَ لِلَفْظِ "الرَّحْمنِ" حَقِيقَةٌ، وَلنَحْوِ: "عَسَى" - لَكَانَ قِوِيًّا. استبعد شيئًا قام الدَّليل على خلافه. فإن قلت: وما الدليل؟ قلت: مواضعُ لن يقع المجاز فيها إلا في الإسناد فقط؛ مثلُ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية، ٢]، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾] سورة إبراهيم: الآية، ٣٦]، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [سورة الزلزلة: الآية، ٢]. الشرح: قال: "ولو قيل: لو استلزم" المجازُ الحقيقة، "لكان لِلَفْظِ: "الرحمن" حقيقةٌ، ولنحو: عسى"، ولا حقيقة لهما - "لكان" استدلالًا "قويًّا". وبيانه: أنه لا حقيقة لهما: أما (عسى) ونحوُها؛ من حَبَّذا وغيرها من الأفعال الجوامد، فلم تستعمل لزمان معين، بل في مجرَّد الحدث؛ مع أن الأفعال موضوعة للحدث والزمان، ولم تستعملْ إلا في الإنشاء؛ مع أن أصلها خبرٌ ماضٍ. وأما (الرحمن) فـ (فَعْلان)، ووزن (فَعْلَان) للمبالغة التي هي الكثرةُ المقابِلة للقلَّة، وصفات الله - تعالى - لا تقبل ذلك؛ باعتبار عدم قَبُولها للتعدُّد، ثم هو مشتقّ من الرحمة التي هي حقيقة الرِّقَّةِ والانعطافِ المستحيلِ على الباري تعالى. ولم يستعمل (الرحمن) إلا في الله تعالى؛ وهذا بناء على [أن] أسماءَ الله - تعالى - صفات لا أعْلام، أما إن جعلناها أعلامًا، فالعَلَمُ لا حقيقة له ولا مجاز. وما يقال: قد قال بنو حنيفة (١) (رَحْمان اليَمَامة)، و (ما زلْت رحْمَانًا) في

стр. 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسيلمة (١)؛ فجوابه عندي: أنهم لم يستعملوا (الرحمن) المعرَّف بالألف واللام، وإنما استعملوه معرَّفًا بالإضافة في (رحمان اليمامة)، ومنكَّرًا في (لا زلت رَحْمانًا)؛ ودعوانا إنما هي في المعرَّف بالألف واللام. وهذا الجواب أشدُّ من جواب الزمخشري (٢) في (كَشَّافه)؛ أدق ذلك من تَعَنُّتهم في كفرهم؛ فإنه لا يعدُّ جوابًا؛ إذ التعنُّت لا يدفعُ وقوعَ إطلاقهم. وغايته: أنه ذكر السبب الحاملَ لهم على الإطلاق. وعند هذا أقول: مذهبي أن المجاز يَستلزمُ استعمالَ اللَّفظ المشتقِّ منه؛ بطريق الحقيقة، سواءٌ استعمل مع ذلك بالحقيقة فيما استعمل بالمجاز أم لا. فأقول مثلًا: إنما يستعمل (رحمن)؛ إذا استعملت العرب الرحمة؛ كان لنا أن نتصرف فيما يُشتقُّ منها؛ من فَعْلان، وفَاعِل، ومَفْعُولٍ، وغيرِ ذلك، وإن لم تنطقْ به العرب ألبتة، ولا اشتراط أن تكون العربُ استعملت (رحمان) الذي هو (فَعْلَان)؛ بالحقيقة. ولقائل أن يقول: على المصنَّف ما ذكرتَهُ أيضًا مشترَكَ الإلزامِ في الوضْع؛ بعين ما ذكرتَهُ آنفًا، ولا مخلَّص له، إنما اخترناهُ مذهبًا.

стр. 381

دَوَرَانُ اللَّفْظِ بَيْنَ الاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ مَسْأَلَةٌ: إِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالاشْتِرَاكِ، فَالْمَجَازُ أَقْرَبُ؛ لأَنَّ الاشتِرَاكَ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ، وَيُؤَدِّي إِلَى مُسْتَبْعَدٍ؛ مِنْ ضِدٍّ، أَوْ نَقِيضٍ، وَيَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَتَيْنِ؛ وَلأِنَّ الْمَجَازَ أَغْلَب، وَيَكونُ أَبْلَغَ، وَأَوْجَزَ، وَأَوْفَقَ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى السَّجْعِ، وَالْمُقَابَلَةِ، وَالمُطَابَقَةِ، وَالْمُجَانَسَةِ، وَالرَّوِيِّ. "مسألة" الشرح: "إذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك، فالمجازُ أقرب"؛ عند المحقِّقين؛ "لأن الاشتراك يخلّ بالتفاهم"؛ عند عدم القرينة؛ بخلاف المجاز (١). ولك أن تقول: إنما يخلّ بالتفاهم، إذا قيل بأنه لا يُحْمَلُ على معنييه عند الإطلاق؛ أو يُحْمل، ولكن احتياطًا، أما إن قيل بأنه يحمل عمومًا، فلا إخلال. "ويؤدّي إلى مستبعد؛ من ضد، أو نقيض"، إلا إذا كان موضوعًا للضدَّيْن، أو النقيضَيْن؛ إن قلنا بجواز الوضع [للضدَّيْن و] للنقيضين - وهو المُخْتار -؛ خلافًا للإمام الرَّازيِّ؛ فقد يفهم السَّامعُ ضدَّ مراد المتكلّم، أو نقيضَه. ولقائل أن يقول: والمجاز بعلاقة المضادَّة يؤدِّي إلى ذلك أيضًا، وليس له أن يقول: حَمْلُ كلِّ لفظ على خلاف المراد منه يؤدِّي إلى مستبعد؛ لأن خلاف المراد إذا لم يكن ضدَّ المراد، ولا نقيضًا - لا يستبعده العقل؛ بخلاف الضد والنَّقيض؛ فإن العَقْل يستبعدهما، والحالة هذه. "ويَحْتاج إلى قرينتين"؛ بحسب معنييه؛ بخلاف المَجَاز؛ فإنه يكفي فيه قرينة المجاز؛ "ولأن المجاز أغلب" من الاشتراك؛ بالاستقراء، والحملُ على الأغلب أولَى. "ويكون" أيضًا "أبلغَ" من المشترك؛ فقولك: - (زيد أسد) - أبلغ من: (شجاع)، "وأوجز وأوفق"؛ إما للطبع؛ بسبب نَقْل الحضقة، أو عذوبةِ الحديث، وإما للمقامِ؛ لزيادة بيان، أو غير ذلك؛ مما يقتضيه الحال؛ ولذلك يجعله علماء البيان الأصْلَ؛ لأن مبنى علمهم على الاستعارة والمبالغة. "ويتوصل به إلى" أنواع البديع من "السجع، والمُقَابلة، والمُطَابقة، والمُجَانسة، والرَّويِّ" وغيرِ ذلك.

стр. 382

وَعُورِضَ؛ بِتَرْجِيحِ الاشْتِرَاكِ؛ بِاطِّرَادِهِ؛ فَلَا يَضْطَرِبُ، وبِالاشْتِقَاقِ، فتَتَّسِعُ؛ وَبِصِحَّةِ الْمَجَازِ فِيهِمَا؛ فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ؛ وَبِاسْتِغْنَائِهِ عَنِ الْعَلَاقَةِ، وَعَنِ الْحَقِيقَةِ، وَعَنْ مُخَالَفَةِ ظَاهِرٍ، وَعَنِ الْغَلَطِ؛ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ. الشرح: "وعورض" ما ذكرناه من أدلة المجاز؛ "بترجيح الاشتراك؛ باطِّراده؛ فلا يضطربُ"؛ بخلاف المجاز؛ فإنه لا يطرد. "وبالاشتقاق" الحاصلِ من معنييه؛ "فتتسعُ" الفائدة؛ بخلاف المجاز؛ فإنه لا يُشتقُّ منه؛ وفاقًا للقاضي، والغَزَّاليِّ، وإلْكِيَّا (١)؛ حيث منعوا الاشتقاق من المجاز؛ واستدلوا على أن (الأمر) حقيقة في (القول)؛ بأنه اشتق منه بهذا المعنى فاعلٌ ومفعولٌ، ولم يشتق ذلك منه، إذا كان بمعنى (الفعل). ولكن رُدَّ هذا المذهبُ؛ بأنه يئول إلى قصر المَجَازَاتِ كلِّها على المَصَادر؛ لأنك إذا اشتققت من المعنى الحقيقي، لم يصح؛ لانتفاء العَلَاقَةِ. مثاله: (ضارب)؛ بمعنى: متسبِّب في الضرب، إذا اشتققت من الضرب الحقيقي؛ فإنه لا علاقة بينهما، والاشتقاق من المجاز متعذِّر؛ على هذا. قلت: وأنا أجوِّز أن هؤلاء لا يطلقون منع الاشتقاقِ من المجاز، لكن يقولون: إنما يشتقُّ منه بحسب الحقيقة، فإذا اشتق منها فاعل فقط، لم يشتقَّ من مجازها إلا فاعلٌ فقط، لا مفعولٌ، ولا صفةٌ مُشَبَّهةٌ مثلًا؛ فيتوقف استعمال (ضارب) بمعنى: متسبَّب؛ على استعمال (ضارب) بالحقيقة، ولا يكفي استعمل (مضروب)؛ بالحقيقة، إلا إن تجوزنا باسم المفعول، وهذا قريبٌ، وإنما مَنْعُ الاشتقاقِ من المجاز رأيٌ ساقط؛ فليقرَّر كلام المصنِّف على أنه لا يشتق منه إلا بحَسَب الحقيقة. "وبصحة المجاز فيهما"، أي: في معنيي المشترك؛ "فتكثر الفائدة"؛ بخلاف المَجَازِ؛ "وباستغنائه عن العَلَاقَةِ"، "وعن" سَبْقِ "الحقيقةِ، وعن مُخَالَفَةِ ظاهر"، والمجازُ ارْتِكَابٌ لخلاف الظاهر؛ إذ الظاهرُ الحقيقةُ. "وعن الغلطِ؛ عند عدم القرينة؛ فإن السامع، إن وجد قرينة، عَلِمَ المرادَ، وإلَّا، توقف

стр. 383

وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ أَبْلَغ، فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُقابِلُ الْأَغْلَبَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ. عند عدم القرينة - إلى الحقيقة، مع جواز إرادة المجاز. الشرح: "وما ذكر" في ترجيح المجاز؛ "من أنه أبلغ" وأوجز … إلى آخرها - "فمشترك بينهما"؛ إذ يتحقق في المشترك؛ كما هو في المجاز؛ فلا يترجَّح به المجاز. "والحق أنه لا يُقابِلُ الأغلَبَ شيءٌ مما ذُكِرَ" في تَرْجِيحِ المشترك؛ لأن ذلك كله إنما يعتبر؛ لأنه مَظِنَّةُ الغَلَبَةِ، ولا عِبْرَةَ بالمَظِنَّة، مع تحقُّق أن المجاز أغلبُ؛ فكان المجاز أولى. ولمُضَايقٍ في العبارة أن يقول: سلَّمنا أنَّهُ لا يعارِضُهُ شيءٌ مما ذُكِرَ، لِمَ قلتم: إن مجموعها لا يعارِضُ؟. وقد يجاب؛ بأن المجموع من جملة ما ذُكِرَ كلّ فرد ذكر له، يدخل تحت قوله: (شيءٌ ممَّا ذُكِرَ)؛ والمعنى: لا المجموع، ولا كلُّ فردٍ، ولكن إذا لم يعارض المجموع، لم يعارض بعضُه؛ بطريق أولى، فلو قال: لا يُعارِضُ الأغلبَ ما ذُكِرَ، كان أخصر وأولَى. "فرع" موطوءة الأب بالزِّنا، يحل للابن نكاحُها، لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: الآية، ٣]. فإن عورض؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: الآية، ٢٢]، وحقيقةُ النكاح الوطءُ (١).

стр. 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: بل حقيقته العَقْد، وإذا كان حقيقةً في العقد، لم يكن حقيقة في الوَطْء، وإلا يلزم الاشتراك؛ والمجاز خير منه.

стр. 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 386

الأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ مَسْأَلَةٌ: "الشَّرْعِيَّةُ وَاقِعَةٌ؛ خِلَافًا لِلْقَاضِي (١)، وَأثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الدِّينِيَّةَ أَيْضًا. "مسألة" الشرح: الألفاظ "الشرعية"؛ وهي المستفادة من جهة الشرع، وضعها للمعنى جائز؛ قال في (المنتهى): ضرورة. وقال الإمام فخر الدّين الرَّازي، والآمدي، والهِنْدِي (٢): إنه لا خلاف في ذلك، وليس بجيد، ونقل على أبو الحسن؛ أن بعضهم منع من إمكانها (٣). والمصنف هنا أهمل ذكر الجواز" لكونه توهّمه متَّفَقًا عليه؛ كما عرفته؛ ولشذوذ الخلاف فيه؛ وقال: "واقعة؛ خلافًا للقاضي" (٣)؛ حيث صمَّم على إنكارها، وتابعه أبو نصر القُشَيْرِيّ. والجمهور على الوقوع؛ ومنهم الفُقَهَاء، والمُعتزلة، والخَوَارج؛ ثم اختلفوا في أنها هل هي حقائق مبتكرة، ولم يُقْصَدْ فيها التفرُّعُ عن اللغوية، بل أريد وضع مبتكر أو مأخوذة من الحقائق اللُّغوية؛ إما بمعنى أنها أقرب على مدلولها، وزِيدَ فيها، وإما بأن يكون استعير لفظها للمدلولِ الشَّرعيِّ لعلاقة؟ فذهبت المُعْتزلة إلى الأول، قالوا: وتارةً يصادف ذلك الوضعَ علاقةٌ بين المعنى اللغوي والشرعي؛ فيكون اتفاقًا غير منظورٍ إليه، وتارة لا يصادف. وذهب غيرهم إلى الثاني؛ قالوا: وهي مَجَازَاتٌ لغوية، حقائقُ شرعية؛ فعلى الأول: لا يتكلّف في إثبات المعنى الشَّرْعي إلى علاقة، ولا يستدلّ على أن اللّفظة غير منقولةٍ بعدم العلاقة؛ بخلاف الثاني. قوله: "وأثبتت المعتزلة الدينية أيضًا".

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اعلم أن المثبتين للأشياء الشرعية اختلفوا، هل وقع النقل في الأسماء الشرعية مطلقًا، سواء تعلَّقت بالأصول الشرعية؛ كالإيمان (١)، أو بفروعها؛ كالصلاة (٢)، أو وقع في فروعها؛ كالصلاة والزكاة (٣)؟

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فذهبت المعتزلة؛ إلى الأول؛ غير أنهم أرادوا التفرقة بينهما، فخصوا الألفاظ المتعلّقة بفروع الشريعة؛ باسم الشَّرْعية، والمتعلّقة بالأصول؛ بالدينية. وفي كلام الرَّازي وغيره؛ أنهم خصوا أسماء الأفعال؛ كـ (الصلاة)، و (الزَّكاة)؛ بالشرعية، وأسماءَ الفاعلين؛ كالمؤمن والفاسق؛ بالدّينية؛ وهو يقتضي أن جمل ما كان من أسماء الأفعال، يكون داخلًا عندهم في الشَّرعية؛ فيدخل الإيمان والكُفْر والفِسْق مثلًا في الشرعية، ويخرج عن الدينية، ويقتضي أن أسماء الفاعلين كلَّها دينية؛ فيدخل المصلّي والمزكّي تابعين للصَّلاة والزكاة، فهما شرعيّان، والإيمان والكُفْر أصل للمؤمن والكافر؛ وهما من الدِّينية. فالحق (١) [أن] (٢) المتعلِّق بفروع الدِّين شرعي، وبأصوله ديني؛ وإلَّا لزم تسمية اللَّفظ باسم، وتسمية أصله المشتقِّ منه؛ بغير اسمه. وذهب غيرهم؛ إلى أن النقل إنما وقع في فروع الشريعة فقط، وهو رأي أبي إسحاق الشِّيرازي، وأكثرِ أصحابنا، واختاره المصنِّف. ثم من أصحابنا من اقتضى كلامه أن محلَّ الخلاف، إنما هو الشرعية، وأن الدينية لم يثبتها أحدٌ؛ إلَّا ممن خَرَقَ الإجماع. وهو قضية إيراد ابن السَّمْعاني، قال: وصورة الخلاف في الزَّكاة، والصَّلاة، والحج (٣)،

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والعمرة، وما أشبه ذلك (١). ونقل الإمام محمد بن نَصْرِ المَرْوَزِيّ (٢)، في [كتاب] (٣) (الصَّلاة)؛ عن أبي عُبَيْدٍ (٤)؛ أنه استدل على أن الشارع نقل الإيمان؛ فإنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى مَعَانٍ أخر. قال: فما بال الإيمان؟ وهذا يدل على تخصيص الخلاف بالإيمان، وهو صحيح؛ فإن الخلاف بيننا وبين المعتزلة إنما هو في الدينية؛ كالإيمان، وأما الشرعية، فنحن وهم سواء في

стр. 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إثباتها، وخلافنا فيها ليس معهم، بل مع القاضي. وحصلنا من هذا، على أن من الناس: من نفى النقلَ مطلقًا؛ كـ (القاضي)، ومن أثبته مطلقًا؛ كـ (المعتزلة)، ومن فرَّق بين الدينية والشرعية فأثبت الشرعية؛ ونفى الدينية، وهو المختار، ولم يقلْ أحد بعكسه. وهنا فوائد: إحْدَاهَا: أن قوله: (وأثبت المعتزلة الدينية أيضًا)، يفهم أنهم أثبتوا الشرعية؛ لاقتضاء (أيضًا) ذلك. وقد غلط بعض الشارحين؛ فزعم أن المعتزلة لا يثبتون الشرعية؛ وسبب وهمه (١) أن المصنِّف نصب الدليل من جِهَتِهِمْ في الدينية فقط، والمصنّف إنما فعل ذلك؛ لأنه يوافقهم في الشرعية، دون الدينية؛ فإن سكوته عن اختيار هذا القول، مع جزمه بإثبات الشَّرعية قرينةٌ في أنه لا يرى إثبات الدينية، وسيصرِّح به في الاستدلال. الثانية: ليس في كلامه نقلٌ عن القاضي في الدِّينية، ومذهبه إنكارها؛ ولعلَّ المصنّف إنما فعل ذلك؛ لأنه إذا أنكر الشرعية، أنكر الدِّينية؛ بطريق أولى؛ لأن كل من أثبت الدِّينية، أثبت الشرعية، من غير عكس. الثالثة: قوله: (الشرعية، والدِّينية)، لا شك أنهما صفتان لموصوفٍ محذوفٍ، وليس هو بالحقيقة؛ كما توهمه الشارحون، بل الأسماء والألفاظ؛ كما شرحناه؛ لقوله في (المنتهى): (الأسماء الشرعية)؛ ليشمل كلامه كلًّا من الحقائق الشرعية، والمجازات الشرعية؛ لأنهما سواء وفاقًا وخلافًا. الرابعة: الشرعي، يطلق (٢) في اصطلاح الفقيه والأصولي، على أنواع: الأول: ما لم يستفدِ اسمه إلَّا من الشرع؛ وهو المراد هنا. الثاني: الواجب والمندوب فقط، وذكر إمام الحرمين في (الأساليب)؛ أنه الذي يعنيه الفقيه بالشرعي؛ ويشهد له قول الأصحاب: الجماعة في النَّفل المطلق غير مشروعة، يعنون: غيرَ مندوبة، وإلا فهي مُبَاحةٌ.
следующие страницы →