← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ مَسْأَلَةٌ: "الشَّرْعِيَّةُ وَاقِعَةٌ؛ خِلَافًا لِلْقَاضِي (١)، وَأثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الدِّينِيَّةَ أَيْضًا. "مسألة" الشرح: الألفاظ "الشرعية"؛ وهي المستفادة من جهة الشرع، وضعها للمعنى جائز؛ قال في (المنتهى): ضرورة. وقال الإمام فخر الدّين الرَّازي، والآمدي، والهِنْدِي (٢): إنه لا خلاف في ذلك، وليس بجيد، ونقل على أبو الحسن؛ أن بعضهم منع من إمكانها (٣). والمصنف هنا أهمل ذكر الجواز" لكونه توهّمه متَّفَقًا عليه؛ كما عرفته؛ ولشذوذ الخلاف فيه؛ وقال: "واقعة؛ خلافًا للقاضي" (٣)؛ حيث صمَّم على إنكارها، وتابعه أبو نصر القُشَيْرِيّ. والجمهور على الوقوع؛ ومنهم الفُقَهَاء، والمُعتزلة، والخَوَارج؛ ثم اختلفوا في أنها هل هي حقائق مبتكرة، ولم يُقْصَدْ فيها التفرُّعُ عن اللغوية، بل أريد وضع مبتكر أو مأخوذة من الحقائق اللُّغوية؛ إما بمعنى أنها أقرب على مدلولها، وزِيدَ فيها، وإما بأن يكون استعير لفظها للمدلولِ الشَّرعيِّ لعلاقة؟ فذهبت المُعْتزلة إلى الأول، قالوا: وتارةً يصادف ذلك الوضعَ علاقةٌ بين المعنى اللغوي والشرعي؛ فيكون اتفاقًا غير منظورٍ إليه، وتارة لا يصادف. وذهب غيرهم إلى الثاني؛ قالوا: وهي مَجَازَاتٌ لغوية، حقائقُ شرعية؛ فعلى الأول: لا يتكلّف في إثبات المعنى الشَّرْعي إلى علاقة، ولا يستدلّ على أن اللّفظة غير منقولةٍ بعدم العلاقة؛ بخلاف الثاني. قوله: "وأثبتت المعتزلة الدينية أيضًا".

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اعلم أن المثبتين للأشياء الشرعية اختلفوا، هل وقع النقل في الأسماء الشرعية مطلقًا، سواء تعلَّقت بالأصول الشرعية؛ كالإيمان (١)، أو بفروعها؛ كالصلاة (٢)، أو وقع في فروعها؛ كالصلاة والزكاة (٣)؟

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فذهبت المعتزلة؛ إلى الأول؛ غير أنهم أرادوا التفرقة بينهما، فخصوا الألفاظ المتعلّقة بفروع الشريعة؛ باسم الشَّرْعية، والمتعلّقة بالأصول؛ بالدينية. وفي كلام الرَّازي وغيره؛ أنهم خصوا أسماء الأفعال؛ كـ (الصلاة)، و (الزَّكاة)؛ بالشرعية، وأسماءَ الفاعلين؛ كالمؤمن والفاسق؛ بالدّينية؛ وهو يقتضي أن جمل ما كان من أسماء الأفعال، يكون داخلًا عندهم في الشَّرعية؛ فيدخل الإيمان والكُفْر والفِسْق مثلًا في الشرعية، ويخرج عن الدينية، ويقتضي أن أسماء الفاعلين كلَّها دينية؛ فيدخل المصلّي والمزكّي تابعين للصَّلاة والزكاة، فهما شرعيّان، والإيمان والكُفْر أصل للمؤمن والكافر؛ وهما من الدِّينية. فالحق (١) [أن] (٢) المتعلِّق بفروع الدِّين شرعي، وبأصوله ديني؛ وإلَّا لزم تسمية اللَّفظ باسم، وتسمية أصله المشتقِّ منه؛ بغير اسمه. وذهب غيرهم؛ إلى أن النقل إنما وقع في فروع الشريعة فقط، وهو رأي أبي إسحاق الشِّيرازي، وأكثرِ أصحابنا، واختاره المصنِّف. ثم من أصحابنا من اقتضى كلامه أن محلَّ الخلاف، إنما هو الشرعية، وأن الدينية لم يثبتها أحدٌ؛ إلَّا ممن خَرَقَ الإجماع. وهو قضية إيراد ابن السَّمْعاني، قال: وصورة الخلاف في الزَّكاة، والصَّلاة، والحج (٣)،

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والعمرة، وما أشبه ذلك (١). ونقل الإمام محمد بن نَصْرِ المَرْوَزِيّ (٢)، في [كتاب] (٣) (الصَّلاة)؛ عن أبي عُبَيْدٍ (٤)؛ أنه استدل على أن الشارع نقل الإيمان؛ فإنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى مَعَانٍ أخر. قال: فما بال الإيمان؟ وهذا يدل على تخصيص الخلاف بالإيمان، وهو صحيح؛ فإن الخلاف بيننا وبين المعتزلة إنما هو في الدينية؛ كالإيمان، وأما الشرعية، فنحن وهم سواء في

стр. 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إثباتها، وخلافنا فيها ليس معهم، بل مع القاضي. وحصلنا من هذا، على أن من الناس: من نفى النقلَ مطلقًا؛ كـ (القاضي)، ومن أثبته مطلقًا؛ كـ (المعتزلة)، ومن فرَّق بين الدينية والشرعية فأثبت الشرعية؛ ونفى الدينية، وهو المختار، ولم يقلْ أحد بعكسه. وهنا فوائد: إحْدَاهَا: أن قوله: (وأثبت المعتزلة الدينية أيضًا)، يفهم أنهم أثبتوا الشرعية؛ لاقتضاء (أيضًا) ذلك. وقد غلط بعض الشارحين؛ فزعم أن المعتزلة لا يثبتون الشرعية؛ وسبب وهمه (١) أن المصنِّف نصب الدليل من جِهَتِهِمْ في الدينية فقط، والمصنّف إنما فعل ذلك؛ لأنه يوافقهم في الشرعية، دون الدينية؛ فإن سكوته عن اختيار هذا القول، مع جزمه بإثبات الشَّرعية قرينةٌ في أنه لا يرى إثبات الدينية، وسيصرِّح به في الاستدلال. الثانية: ليس في كلامه نقلٌ عن القاضي في الدِّينية، ومذهبه إنكارها؛ ولعلَّ المصنّف إنما فعل ذلك؛ لأنه إذا أنكر الشرعية، أنكر الدِّينية؛ بطريق أولى؛ لأن كل من أثبت الدِّينية، أثبت الشرعية، من غير عكس. الثالثة: قوله: (الشرعية، والدِّينية)، لا شك أنهما صفتان لموصوفٍ محذوفٍ، وليس هو بالحقيقة؛ كما توهمه الشارحون، بل الأسماء والألفاظ؛ كما شرحناه؛ لقوله في (المنتهى): (الأسماء الشرعية)؛ ليشمل كلامه كلًّا من الحقائق الشرعية، والمجازات الشرعية؛ لأنهما سواء وفاقًا وخلافًا. الرابعة: الشرعي، يطلق (٢) في اصطلاح الفقيه والأصولي، على أنواع: الأول: ما لم يستفدِ اسمه إلَّا من الشرع؛ وهو المراد هنا. الثاني: الواجب والمندوب فقط، وذكر إمام الحرمين في (الأساليب)؛ أنه الذي يعنيه الفقيه بالشرعي؛ ويشهد له قول الأصحاب: الجماعة في النَّفل المطلق غير مشروعة، يعنون: غيرَ مندوبة، وإلا فهي مُبَاحةٌ.

стр. 391

لَنَا: الْقَطْعُ بِالاسْتِقْرَاءِ؛ أَنَّ الصَّلَاةَ لِلرَّكَعَاتِ، وَالزَّكَاة، وَالصَّوْم، وَالْحَجُّ كَذلِكَ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، وَالنَّمَاءُ، وَالْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا، وَالْقَصْدُ مُطْلَقًا. وفي (الروضة) في صلاة الجماعة (١) - من زيادة النووي - معنى قولهم: لا تشرع: لا تستحب (٢). الثالث: المباح. الشرح: "لنا: القَطْع" الحاصل "بالاستقراء؛ أن الصلاة للركعات، والزكاة والصيام (٣) والحج كذلك"، أي: الأفعال المخصوصة المفهومة من الشَّرع، "وهي في اللغة" لغير ذلك؛ فإن الصلاة، والزكاة، والحج لغة: حقيقة في "الدُّعاء، والنَّمَاء، والإِمْسَاك مطلقًا"، سواء كان إمساكَ صومٍ أم غيرِهِ، "والقصد مطلقًا"، سواء كان لـ"مكة" لحج أم (٤) غير ذلك. وإنما قال: الزكاة والصوم والحج كذلك، ولم يقل لنا القطع بأن الصَّلاة، والزكاة، والصوم، والحج للمعاني الشرعية؛ لأن قطعه (٥) إنما هو بالنسبة إلى الصلاة فقط. وقوله: "الزكاة … " إلى آخره - جملة مستأنفة. وقوله: "والزكاة" مرفوع بالابتداء.

стр. 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: "كذلك" أي: مثل الصلاة في النَّفل، لا في القطْع به، هذا تقرير كلامه. ويشهد له كلامُه في (المنتهى)؛ إذ قال: لنا: القطع أن الصَّلاة للركعات، والظاهرُ أن الزكاة والصيام والحج كذلك. فإن قلت: لم كان القطع موجودًا في الصلاة، دون غيرها؟ قلت: قد يقال: العرب كانت تعرف حجَّ البيت، وصومَ يومٍ إلى اللَّيل. وقال داود الظاهري (١): لم يكن لفظ الزكاة معروفًا. عندهم ألبتة، ونحن نقطع (٢) بأنهم لم يكونوا عارفين بهذه الصَّلاة المخصوصة (٣). وقوله: إن الصلاة: الدعاء - جزم منه بذلك. وفي (المنتهى) قال: الدعاء أو الاتباع، وقد أشار إليه هنا من بَعْد؛ حيث يقول: ورُدَّ بأنه في الصَّلاة، وهو غير داعٍ ولا مُتَّبعٍ. والمشهور: أن الصلاة في اللّغة: الدعاء الخَاصُّ؛ وهو الدعاء بخير. وهل هي مشتركة بين الدعاء، والرحمة، أو حقيقة في الدعاء، مَجَازٌ في الرحمة؟. ظاهر مذهب الشَّافعي الأول؛ إذ استدل على إعمال المشترك في معنييه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية، ٥٦]. وذهب الزَّمَخشريُّ إلى أنها مجاز في الدعاء (٤)؛ ذكره عند الكلام على قوله تعالى في (البقرة) ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣]؛ حيث قال: وقيل للداعي: حصل؛ تشبيهًا في تخشّعه بالراكع والساجد. انتهى، وجعل حقيقة المصلِّي تحرُّك الصَّلَوَيْنِ. ولقائل أن يقول: قوله: "الصلاة للركعات" يقتضي أن كل صلاة ذاتُ ركعات، والركعات صلاة شرعية إجماعًا، وكذلك الركعة الواحدة عندنا. ولا يقال: فلم تجب (٥) ركعتان [على] (٦) من نَذَرَ أن يصلي؛ في أصح القولين؛ لأن

стр. 393

قَوْلُهُمْ: (بَاقِيَةٌ، وَالزِّيَادَاتُ شُرُوطٌ)؛ رُدَّ بِأنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ غَيْرُ دَاعٍ وَلَا مُتَّبَعٍ. المأخذ في إيجاب ركعتين ليس أن الركعة ليستْ صلاةً، بل (١) إيجاب الآدمي على نفسه فرعٌ لإيجاب الله تعالى، وأقلُّ ما أوجب الله - تعالى - ركعتان، ويقتضي أيضًا أن ما لَا رَكعَةَ فيه ليس بصلاة؛ فتَرِدُ عليه صلاة الجنازة؛ وكذلك سجدتا التِّلاوة، والشكر. قال الشَّيخ أبو حامد: كل منهما بانفراده صلاة شرعية. الشرح: قال: "قولهم"، أي: في الاعتراض على هذا الدليل: لا نسلِّم أن هذه الألفاظ خارجةٌ عن موضوعاتها اللّغوية "باقيةٌ، والزياداتُ" المزيدة عليها "شروطٌ"؛ لصحة وقوع الفعل على الوجه الشرعي - "ردّ بأنه" قد يكون "في الصلاة، وهو غير داعٍ ولا مُتَّبعٍ"؛ مع أن الصلاة الدعاء؛ كما تقدم، والاتباع. ومنه المُصَلِّي في السِّبَاق، وقد قرر كونه غير داعٍ بالمصلِّي حال التلبُّسُ بأركانٍ لا دعاء فيها. ولك أن تقول: لا نسلِّم [أنه] يسمي، والحالة هذه، مصلِّيًا؛ بالحقيقة؛ وبالأخرس، فإنه يسمى مصليًّا، وإن لم [يكن] (٢) داعيًا. ولك منع كون الأخرس ليس بداعٍ؛ إذ الدعاءُ هو الطلب القائمُ بالنفس؛ وذلك يوجد من الأخرس؛ وبأن الدعاء ليس ملازمًا للصلاة. ولك أن تقول: الصلاة على النبي ﷺ عندنا رُكْنٌ في الصَّلاة؛ وذلك دعاء؛ وكذلك (٣) قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ في (الفاتحة)، وإن كان المُصلِّي إنما يقرؤه على أنه قرآن - فليقرَّر بمن لا يوجب الصلاة في الصلاة، ولا الفاتحة؛ كالحنفي، فإن صلاته (٤) قد تَخْلُو عن الأمرين؛ فتخلو عن الدعاء، وقرر كونه [قد يكون] (٥) غير متَّبعٍ (٦) بالإمام والمنفرد، ولك أن تقول: المراد بالاتباع: اتباعُ الشارعِ، وذلك حاصل لهما. فقد لَاحَ لك بهذا؛ أن ما رد به كلامُ القاضي فيه نظرٌ.

стр. 394

قَوْلُهُمْ: مَجَازٌ، إِنْ أُرِيدَ اسْتِعْمَالُ الشَّارعِ لَهَا، فَهُوَ الْمُدَّعَى، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، فَخِلَافُ الظَّاهِرِ؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهَا؛ وَلأَنَّهَا تُفْهَمُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ، الْقَاضِي: الشرح: وأما "قولهم"؛ بأننا سلمنا استعمال الشارع لهما، ولكن ذلك ليس دليلًا على الحقيقة، وإنما هو "مجاز"؛ لما بين الشرعي واللغوي من العَلَاقَةِ: فجوابه من وجهين: أحدهما: أن نقول: "إن أريد" بكونها مجازًا "استعمالُ الشَّارع لها"، أي: أن الشارع استعملها في هذه المَعَاني على سبيل التجوُّز، "فهو المدعَى"؛ إذ الحقيقة الشرعية مَجَازٌ لغويٌّ أشهر. "وإن أريد" استعمالُ "أهل اللغة، فخلاف الظاهر؛ لأنهم لم يعرفُوها"، فكيف يستعملونها، واستعمال اللفظ في المعنَى فرعُ تعقُّله؟. والثاني: المنع فلا نسلم أنها مجاز؛ وإليه أشار بقوله: "ولأنها" لو كانت مجازًا، لتوقَّف فَهْمُهَا على القَرِينَةِ، لكنها "تفهم بغير قَرِينَةٍ"، وتبادرُ الفهمِ دليلُ الحقيقة. ولقائل أن يقول على الأول: قولكم: إن أريد استعمالُ الشَّارع، فهو المدعَى - ماذا تريدون (١) باستعماله؟ إن أردتم مجرد الاستعمال، فليس هو المدعَى، وإن أردتم الاستعمال مع الوَضْع الشرعي، فممنوع (٢)؛ وأيضًا فالنبي ﷺ سيّد أهل اللغة، واستعماله استعمال أهل اللُّغة، ففيم الترديد؟ وقولكم: وإن كان أريد أهلُ اللغة، فخلاف الظَّاهر؛ لأنهم لم يعرفوها - فيه نظر؛ لأنكم جزمتم بأن أهل اللُّغَةِ لم يعرفوها؛ واستدللتم بذلك على أن استعمالهم لها خلاف الظَّاهر، وكيف يكون الدَّليل مجزومًا به، والمدلولُ خلافُ الظاهر؛ ولا بد من تَسَاوِي الدَّليل والمَدْلُولِ في القطع والظَّن. وعلى الثاني: لم قلتم: إن تبادر الفَهْمِ علامةُ الحقيقة، وقد تبادر المجاز الرَّاجح.

стр. 395

لَوْ كَانَتْ كَذلِكَ، لَفَهَّمَهَا الْمُكَلَّفَ، وَلَوْ فَهَّمَهَا، لَنُقِلَ؛ لأَنَّا مُكَلَّفُونَ مِثْلَهُمْ، وَالآحَادُ لَا تُفِيدُ، وَلَا تَوَاتُرَ؛ وَالْجَوَابُ: أَنَّهَا فُهِمَتْ بِالتَّفْهِيمِ بِالْقَرَائِنِ، كَالْأَطْفَالِ. ولا يقال: تبادره، إنما يكون بِسَبْقِ حقيقةٍ عرفية، وهي منتفيةٌ، أو شرعيةٍ، وهي المدعَى؛ لأنه قد يتبادر، لا مع واحد من هذين. واستدلّ "القاضي" على نَفْي الحقيقة الشرعية؛ بأنه "لو كانت كذلك"، أي: موضوعة بالشَّرع، "لفهَّمها" الشَّارع "المكلَّفَ" قبل أن يخاطِبَ بها، وإلا يلزم الخِطَاب بما لا يفهم، وهو تكليف بما لا يُطَاق، "ولو فهَّمها" للمكلَّفين، "لنقل" إلينا؛ "لأننا مكلَّفون مثلَهم"، أي: مثل الموحِّدين في زمن النبي ﷺ . والنقل: إما متواتر أو آحاد، "والآحاد لا تفيد" (١)؛ إذ المسألة علمية. قال القاضي في (التقريب): بل لا يقدر أحدٌ أن يروي حرفًا في ذلك عن الرسول ﷺ . "ولا تواتُرَ" اتفاقًا. "والجواب": سلمنا أنه لا بُدّ من التفهُّم، [ولكن] (٢) لِمَ حصرت التَّفَهُّم في النقل؟ فنقول: "إنها فُهِمت: بالتفهيم بالقرائن؛ كالأطفال"؛ حيث يعرفون مدلول اللَّفْظ من غَيْر نصٍّ عندهم. وهذا الجواب على تقدير تسليم المُلَازمة، وقد منعها أخي الإمام أبو حَامِدٍ - سلّمه الله - في قطعة [وقفت] (٣) عليها من كلامه على الحقيقة الشرعية؛ موجِّهًا بأنه قد كلَّف بالصلاة من لا يفهمُ موضوعها شرعًا، فيقال له: صَلِّ؛ ولا تجزئ صلاتك إلا إذا فعلت كَيْتَ وكَيْتَ. أما دخول تلك الأمور في مسمى الصلاة بالوضعِ الشَّرعي، أو عدمِهِ، فليس من التَّكليف. قال: ولا نعلم أحدًا قال: إن من شرط الصلاة أن يعرف المصلِّي الركْنَ من [الشرط] (٤). ولقائل أن يقول: أما أن ذلك ليس من شرط الصلاة، فلا ريب فيه، بل ولا [تجب] (٥) معرفته على مجموع العاملين. وأما أصل وجوب معرفته، فهو من علوم [الشريعة] (٦) التي يجب حملها، ولا وجه لمنع المُلَازمة، مع ثبوت أصل الوجوب. وقول المصنِّف "بالتفهيم" حشوٌ، ولو قال: فهمت بالقرائن فقط، حصل غرضه، ثم إن

стр. 396

قَالُوا: لَوْ كَانَتْ، لَكَانَتْ غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ؛ لأِنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوهَا، وَأَمَّا الصُّغْرَى؛ فَلأِنَّهُ يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عَرَبِيَّةٌ؛ بِوَضْعِ الشَّارعِ لَهَا مَجَازًا، ............. القاضي ومتابعيه ذكروا دليلًا آخر؛ وهو في كتاب (التقريب) مقدَّم في الذِّكر على الاحتجاج السَّابق. الشرح: "قالوا: لو كانت" حقائقَ شرعيةً، "لكانت غير عَرَبِيَّة؛ لأنهم"؛ أي: العرب، "لم يضعوها، والتالي (١) باطل، فكذا المقدَّم. أما الشرطية؛ فلأن العربي هو اللّفظ الموضوع لما خصَّصته به العرب، وليست هذه الألفاظُ كذلك. "وأما الصغرى"؛ كذا بخط المصنّف، وفي بعض النسخ (الثانيةُ)، والمراد: بطلان التالي - "فإنه يلزم ألا يكون [القرآن] (٢) عربيًّا"؛ لاشتماله عليها؛ لكنه عربي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة يوسف: الآية، ٢]. قال القاضي: ولإطباق الأمة على أنا لم نخاطَب إِلَّا باللِّسان العربي. "وأجيب" بمنع الشَّرْطية؛ فليس من شرط العربي أن يضعه العرب لذلك المعنى؛ بل اللفظُ الذي تضعه العرب لمعنى مناسبٍ للمعنى الموضوع تجوُّزًا (٣): يسمى عربيًّا؛ وهو معنى قوله: "بأنها عربية؛ بوضع الشَّارع لها مجازًا". والضمير في قوله: (لها) - عائدٌ على المَعَاني الشرعية؛ وقَوَّاه بـ (اللام)؛ لأن المصدر يقوى بـ (اللام)؛ لضعف عمله عن عمل الفعل. والحاصل: أن المجاز عربيٌّ، والحقائق الشرعية مَجَازاتٌ. فإن قلت: إنما يكون من اللُّغة المَجَازُ الذي تكلَّمت به العرب. قلت: تقدم أنه لا يشترط النقل في الآحاد، وأن استعمال العرب لأصل العلاقة كافٍ في نسبة المجاز لها. ومن هذا يعلم أن قوله: (مجازًا) يتعلق بوضع الشارع، لا بقوله (بأنها عربية)؛ ولك منع الملازمة بِوَجْهٍ آخر؛ وهو أن الشرعية عربيةٌ بوضعِ أفصحِ مَنْ نطق بالضاد ﷺ ؛ وهو سيّد العرب العرباء.

стр. 397

أَوْ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ ضَمِيرُ السُّورَةِ، وَيَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا؛ كَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ، بِخِلَافِ نَحْوِ: الْمِائَةِ، وَالرَّغِيفِ، ....................................................... فإن قلت: فلتكن لغويةً. قلت: اللغويُّ لم يلاحِظْ فيه الوضعَ الأصْلي. "أو" يمنع بطلان التالي، ونقول: " ﴿أنزلناه﴾ (١) ضميرٌ للسورة"؛ أي: الضمير في (أنزلناه) للسورة، لا للقرآن، "ويصح إطلاق اسم القرآن عليها؛ كالماء، والعَسَل"؛ إذ يطلق كل منهما على قليله، وكثيره؛ "بخلاف نحو: المائة، والرغيف"؛ إذ لا يطلق على البَعْضِ. وحاصله: أن القرآن اسمُ جنسٍ صادقٌ على القليل منه، والكثير؛ ولذلك (٢) [فـ]ــإنَّ الحالف؛ لا يقرأ القرآن - يحنث بقراءة البعض. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن القرآن اسمُ جنسٍ (٣) -، وإنما هو علمٌ على الكتاب العزيز، وهذا ما ذكره البَيْضَاوي في (مِرْصَاده)؛ بحثًا، ونقله أخي الإمام أبو حامد ﵀ عن أبي علي الفارسي (٤)، وهو الذي يصح عن الشَّافعي، ﵁. وقاله إسماعيل بن قُسْطَنْطِين (٥) الذي قرأ عليه الشَّافعي. والإمام الرَّازي قال: إنه اسم للمجموع، وقولهم: الحالف لا يقرأ القرآن يحنثُ بالبعض -

стр. 398

وَلَوْ سُلِّمَ؛ فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا غَالِبُهُ عَرَبِيٌّ؛ كَشِعْرٍ فِيهِ فَارِسِيَّةٌ وَعَرَبِيَّةٌ. ممنوع؛ فقد نصّ الشَّافعي على أنه لا يحنث، وهو ما ذكره (١) الشيخ أبو حامد، والمحاملي (٢) ولا نعرف (٣) فيه خلافًا، وقضية هذا الحكم أن يكون علمًا أو اسمًا للمجموع. ومن عجائب الإمام الرازيِّ قوله: إن القرآن اسم للمجموعِ، مع قوله: إنه يحنث بالبعض؛ وذلك لا يلتئم. وأعجب منه استدلالُهُ على أنه اسم للمجموع؛ بالإجماع على أن الله لم ينزل [إلا] (٤) قرآنًا واحدًا. قال: ولو كان صادقًا على كل جزء (٥)، لما كان واحدًا، وهو عجيبٌ؛ لأن المطلق لا يدلّ على وحدةٍ. ولا (٦) تعدّد. وأعجب منه قول آخرين: لو لم يكن اسمًا للمجموع، لما حَرُمَ على الجنب قراءةُ البعض؛ أفخفي عليهم أن ذلك لقوله ﵇: "لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ" (٧). قال: "ولو سلَّم" أن الضمير في ﴿أنزلناه﴾ للقرآن، فلا يخرج عن كونه عربيًّا بوقوع هذه الألفاظ فيه؛ "فيصح إطلاق" اسم "العربي على ما غالبه عربي؛ كَشِعْرٍ فيه فارسية وعربية"؛ فإنه

стр. 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يصدق على الأول أنه عربي، وعلى الثاني فارسيٌّ مجازًا. فإن قلت: المجاز خلافُ الأصل. قلت: هذا لا يضر؛ لأن المستدِلَّ، إذا ذكر دليلًا، فلا يسعه الذَّهاب إلى ما فيه مخالفة الأصل؛ من مجاز، أو غيره، إلا مع ذكر المُحْوج لذلك، مع الاستدلال عليه في ذلك المحلِّ، أما إذا ذَكَرَ دليلًا سالمًا عن المعارِضِ، فعورضَ بما هو ظاهر في المُعَارضة، مع احتمال عدمها؛ [كالمعارضة بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة يوسف: الآية، ٢]. فقال المستدِلُّ: هذا أريد به خلافُ ظاهره؛ عن مجاز] (١) أو غيره، فدعواه ممنوعة؛ لأن الدليل المنصوب [أولًا] (٢) لا يعارضه إلا دليلٌ سالمٌ عن الاحتمال، فكما منعْنا المستدِلَّ (٣) من الذَّهاب إلى المجاز، منعْنا خصْمَه من الاستدلال بما فيه احتمال المجاز. واعلم أن المصنِّف أطلق الصحة في قوله: ويصح إطلاقُ اسم القرآن عليها، وأراد الصحة [الحقيقية، وهنا أراد المجازية؛ كما أطلقَ الرَّافعي] (٤) الصّحة في كلامه على قول (الوجيز): "والكثيرُ لا يَنْجُسُ إلا إذا تغيَّر"، وأراد الصَّحَّة الحقيقية. وفي مواضع أخر، وأراد المجازية. "فائدة" لعلَّك تقول: الإمام الرَّازي والمصنِّف متوافقان على مذهب واحد في هذه المسألة، وقد تخالفا في هذا الدَّليل؛ إذ استدلّ به الإمامُ على أن القرآن عربي، واختار ذلك، وجعله المصنِّف دليلًا للخصم، واختار اشتماله على ما ليس بعربي تنزيلًا - فنقول: لنا هنا خصمان: المعتزلة، والقاضي؛ فحيث استدل الإمام بكونه عربيًّا، فمراده الرد على المعتزلة في قولهم بالوضْعِ المبتَكَر، ونخص مذهب القاضي بردٍّ آخر، ويكون الاحتجاج بكونه عربيًّا - دليلًا لنا، وللقاضي عليهم. والمصنِّف نصبه شُبْهَةً من القاضي، وذكر جوابين: أحدهما: يدفع ما تعلّق به القاضي؛ وهو قوله: (وأجيب بأنها (٥) عربية)، ورشَّحه بما يمنع

стр. 400

الْمُعْتَزِلَةُ: الإيمَانُ التَّصْدِيق، وَفِي الْشَّرْع الْعِبَادَاتُ؛ لأِنَّهَا الدِّينُ الْمعْتَبَرُ، وَالدِّينُ الإِسْلَامُ؛ وَالإِسْلَامُ الْإِيْمَانُ؛ بدَلِيلِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [سورة آل عمران: الآية، ٨٥]؛ فَثَبَتَ أَن الْإِيْمَانَ الْعِبَادَات، وَقَالَ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ المعتزلةَ من التمسُّك فيه، وهو قوله: مجازًا، ولولا هذا التَّرْشيح، لقالت المعتزلت بذلك الَقَوْل. والثاني: يدفع مذهب القاضي، ويمنع استدلالَ الإمام. فقد جمع المصنِّف الكلام من الطَّرفين، وتوسَّط بين الطريقين (١)، والحاصل أن الإمام يجعل الآية دليلًا لمذهبه على المعتزلة، والقاضي يجعلها دليلًا لمذهبه علينا، والمصنِّف يقول: لا تدل (٢) لواحد من المذهبين؛ نبّه عليه أخي ﵀. الشرح: واسْتدلّت "المعتزلة" على ما انفردوا به عنا من القول بالأسماء الدينية؛ بأن "الإيمان" لغة "التصديقُ"، وهذا لا نزاع فيه. "وفي الشرع: العباداتُ"، فكان حقيقة شرعية فيها؛ "لأنها"؛ أي: العبادات "الدّين المعتبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البية: الآية، ٥] وأشار بذلك إلى ما سبق من العبادات، "فالدين: الإسلام"؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: الآية، ١٩]. "والإسلامِ: الإيمان"، وإلا لم يُقْبلْ من فاعله؛ "بدليل": قوله تعالى: " ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية، ٨٥] والإيمان مقبول؛ فكان هو الإسلام؛ "فثبت أن الإيمان العباداتُ". هذا تقرير شُبْهتهم، فاعتمدْهُ، وهي مبنيةٌ على ما يدَّعوه من أن الإيمان: العبادات، وعندنا: التصديق. وهل النطق بالشهادتين شرطٌ في الاعتداد به، أو ركنٌ؟ لأصحابنا فيه تردد. ولك أن تعترض الشبهة بان ذلك لا يعود إلى جميع ما تقدَّم؛ فإن اسم الإشارة مفرد؛ فلا بد من عوده إلى شيء واحد، وذلك للبعيد، والبعيد هنا هو الإخلاص؛ فإذن الآية لنا عليهم؛ إذ مُدَّعانا أن الإيمان: الإخلاص؛ فاعتمدْ هذا الاعتراضَ بهذا التقرير. واعترضَتْ بشيئين آخرين: أحدهما: أن القياس فيها من الشكل الأول، وشرطه كليةُ كبراه، وهي فيه مهملة، والمهملةُ

стр. 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في حكم الجزئية؛ والمعنيُّ بالمُهْمَلَةِ هنا - ما هو أعم من الطبيعية؛ كقولنا: الإنسانُ جنسٌ، وغيرِها؛ كـ: الإنسانُ في خُسْر. والثاني: أنه إنما أنْتَجَ أن العبادات الإيمانُ؛ لأن (١) [الإيمانَ] (٢) العباداتُ الذي هو المطلوبُ؛ وفرقٌ بينهما؛ لأنَّ قولنا: العباداتُ الإيمان، ينعكس إلى قولنا: بعض الإيمان عباداتٌ؛ فلم يثبت بذلك: الإيمانُ العبادات، بل أنَّ بعضَ الإيمانِ العباداتُ. والجواب: أن المنطقيين لم يريدوا بكون المُهْملة في قُوَّة الجزئية - كونَها جزئيَّة أبدًا؛ كما عرفناك (٣) عند قول المصنّف: (والمُحَقَّقُ في المهملة [في قوَّة] (٤) الجزئيَّة). ولو أرادوا ذلك (٥)، لخالفوا ما قرره غيرهم من اشتمالها على صِيغَةِ العموم؛ كقولك: الإنسان حيوان"، والقضايا التي اقتصروا على ذكرها لم يدَّعوا انتفاء الدلالة في غيرها، بل أخذوا المحقَّق المطَّرِد، وأهملوا غيره، وأحالوه في كل مادة على تصرُّف يليق بأهله. والمهملة يتحقَّق (٦) فيها الجزئية، ثم قد يدلّ قطعيٌّ على إرادة العموم من الألف واللام، فتكون المهملةُ كلية قطعًا، فتكون صالحة لكبرى الأول في البراهين القطعية، وقد يدلّ عليه دليلٌ ظنّي؛ فيصلح لكُبْرَاه في الأدلة الظنية؛ فاعرف ذلك، ينفعك في أماكن كثيرةٍ، ويظهر لك به الجواب عن السؤال الثاني، فقولهم بانعكاس الكلية الموجبة إلى جزئية، ليس معناه أنها لا يمكن أن تنعكس كلية. ولو أرادوا ذلك، لخالفوا القاعِدَةَ المجمَع عليها في علمي النَّحْو والبيان؛ من أن خبر المبتدأ تارة يكون مساويًا له، وتارة يكون أعمَّ - ولبَطَلَ الإخبار بأحد المترادفين عن الآخَر، وإنما يريدون أن المحقَّق في الانعكاس هو الجزئية؛ لاحتمال كون الخبر أعم؛: الإنسانُ حيوانٌ، فالانعكاس حيئذ قاصرٌ على الجزئية، وقد يكون الخبر مساويًا؛ فيكون الحكم غير قاصر على الجزئية؛ كـ: الإنسانُ ناطقٌ؛ فإنه ينعكس إلى: بعضُ الناطقِ إنسانٌ، والحكم غير قاصر عليها، بل يصدق كلية؛ لصحة: كلُّ الناطق إنسانٌ.

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا مكان (١) إذا حقَّقته، جمعت بين كلام الأصوليين، والمنطقيين، والنُّحَاة، والبيَانيين، وظهر لك أن الألف واللام ربما كانت سورًا للكلية في بعض الموارد. وحاصله: أن هذين القياسين يرجعان إلى قياس المساواة؛ كأنه قال: العبادات مساوية (٢) للدين المساوي للإسلام المساوي للإيمان؛ فالعبادات مساوية للإيمان. "و" احتجت المعتزلة أيضًا على أن الإسلام هو الإيمانُ؛ بأنه - تعالى - استثنى المسلمين من المؤمنين: "قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … إلى آخرها [سورة الذاريات؛ الآية، ٣٥] "، أعني: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذاريات: الآية، ٣٦] والمستثنَى من جنس المستثنَى منه؛ فالإسلام من جنس الإيمان. ولك أن تقول: غاية ما تدلّ عليه الآيةُ - أن المسلم مؤمنٌ، ولا يلزم من ذلك كونُ الإسلامِ الإيمانَ (٣)؛ لصدقِ: الضاحكُ كاتبٌ، وكذبِ: الضحكُ كتابةٌ.

стр. 403

الْمُؤمِنِينَ … ﴾ [سورة الذاريات: الآية، ٣٥] إِلَى آخِرِهَا؛ وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤمِنُوا، وَلكِنْ قولُوا أَسْلَمْنَا] [سورة الحجرات: الآية ١٤]. قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ مُؤمِنًا، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ؛ لأِنَّهُ مُخْزًى؛ بِدَلِيلِ: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية، ٩٢] وَالْمُؤمِنُ لَا يُخْزَى؛ بِدَلِيلِ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [مَعَهُ]﴾ [سورة التحريم: الآية، ٨]؛ "وعورض" أصلُ دليلٌ المعتزلة، وقيل: الاستدلال بالآية الأخيرة. وقيل: بل بالآيتين؛ "بقوله" تعالى: " (قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُوُلوا: أَسْلَمْنَا﴾ [سورة الحجرات: الآية، ١٧] "؛ سلب عنهم الإيمان، وأثبت الإسلام؛ وذلك نصٌّ في التغاير؛ وكذلك حديث جبريل ﵇ قوله: "مَا الإِيمَانُ؛ وَمَا الإِسْلَامُ؟ " (١) وفسر فيه النَّبِيّ ﷺ الإيمان؛ بخلاف ما فسّر به الإسلام، ولن يَمْتَريَ بعد ذلك في تغايرهما إلا مُبَاهِتٌ. الشرح: ثم استدلَّت المعتزلة أيضًا على أن الإيمان هو العبادات؛ بأن "قالوا: لو لم يكن" ذلك، وكان عبارةً عن التَّصْديق فقط - "لكان قاطع الطريق مؤمنًا"؛ لأنَّهُ مصدِّق؛ "وليس بمؤمن؛ لأنَّهُ مُخْزًى" (٢) بدخول النار؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة: الآية، ٣٣]؛ والعذاب العظيم يشتمل على دخول النَّار، وكل من يدخل النار فهو مُخْزًى؛ "بدليل" قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية، ١٩٢]. والمؤمنُ لا يُخْزَى؛ بدليل" قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [سورة التحريم: الآية، ٨] ". فقاطع الطريق ليس بمؤمن؛ مع تصديقه؛ فإذن: الإيمانُ: العباداتُ. ويمكن أن يقال أيضًا: لو لم يكن، لكان الزَّاني والسَّارق مؤمنَيْن؛ لكنهما ليسا بمؤمنين؛ لقوله ﵇: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤِمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِق، وَهُوَ مُؤِمِنٌ" (٣)، أنهما مصدقان، وهو أخصر؛ وحوالة مشهور.

стр. 404

وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لِلصَّحَابَةِ، أَوْ مُسْتَأَنفٌ. وُقُوعُ الْمَجَازِ مَسْأَلَةٌ: الْمَجَازُ وَاقِعٌ؛ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ؛ بِدَلِيلِ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ، وَشَابَتْ لِمَّةُ اللَّيْلِ، "وأجيب" عن الآية؛ "بأنه"؛ أي: قولهُ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [سورة التحريم: الآية، ٨] ليس عامًّا في كل المؤمنين، لأنَّهُ - تعالى - خصّ المخاطَبين فيه بالمَعِيَّةِ، فكان "للصَّحابة" خاصَّة. "أو "يقال: إنه كلامٌ "مستأنفٌ"، ويكون (الذين) مبتدأ خبره: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سورة التحريم: الآية، ٨] وليس مراده من كونه مستأنفًا؛ أنه غير معطوف؛ بل إنه من عطف الجمل؛ [فإن العَطْفَ موجودٌ على كُلٍّ، سواء أكان مستأنفًا أم لم يكن، ولكن هل هو من عطف الجمل؟] (١) أو المفردات؟ في هذا النظر. "مسألة" الشرح: "المَجَاز واقع؛ خلافًا للأستاذ" أبي إسحاق الإسْفِرايينيِّ، وأبي علي الفارسي؛ "بدليل" إطلاق "الأسدِ للشجاعِ، والحمارِ للبليدِ، وشابتْ لِمَّة الليل"؛ فإنها حقائق في غير هذه الأمور؛ فلا تكون حقائق فيها. قال بعض الشَّارحين: وإلا يلزم الاشتراك؛ وهو خلاف الأصل. وهذا ساقط؛ لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولم يثبت غيرها، فيحال عليها؛ لأن المجاز إلى الآنَ لم يثبت.

стр. 405

الْمُخَالِفُ: يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ؛ وَهُوَ اسْتِبْعَادٌ. قال ابن المطهَّر (١): وإلَّا يلزم الاشتراك، والمجازُ خيرٌ منه (٢). وهو وَاهٍ أيضًا؛ لأن المجاز إلى الآن لم يثبت؛ فكيف يُفْزَعُ إليه؟ وقال بعضهم: وإلا يلزم تبَادرهما (٣) إلى الذِّهْنِ (٤). وهذا لا يتأتى إلا على القَوْلِ بأنَّ عدم التبادُرِ علامة المجاز. وقال بعضهم بصحَّة النفْي فيها (٥). وهو أيضًا يتوقف على ثبوت أن صحّة النفي علامةٌ. وقد اعترض الشِّيرازي هذا؛ بأنه فرع ثبوتِ المَجَازِ (٦). وليس بجيّد؛ فإنا لم نستدلّ على كونه مجازًا بصحّة النَّفي؛ بل على كونه غيرَ حقيقة، والحقيقة لا تنفي. واحتج "المُخَالف"؛ بأنه يُخلُّ بالتَّفَاهم"؛ لتبادر الحَقِيقَةِ عند الإطلاق؛ "وهو استبعاد" لوجوده، ولا يلزم منه عَدَمُ وجوده. "فائدة" الأستاذُ لا ينكر استعمال الأسدِ للشجاعِ وأمثالِهِ؛ بل يشترطُ في ذلك القرينة، ويسمِّيه حينئذٍ حقيقةً، وانظره كيف (٧) علل باختلال الفهْمِ، ومع القرينة لا اختلال، وإيّاك والاغترارَ بقول

стр. 406

مَسْأَلَةٌ: وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ؛ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّة؛ بِدَلِيلِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية، ١١]، بعضهم: قد يحصل الاختلال مع القَرِينَةِ أيضًا؛ وذلك عند عدم فهم السَّامع إياها، فهو (١) ساقط؛ إذ عدم الفَهْمِ حينئذٍ لِخَلَلٍ قائم بالسَّامع؛ وقائلُ هذا يحيل أن الأستاذ ينكر المجازَ مع القرينة؛ وليس كذلك؛ وإنما ينكر تسميته مجازًا؛ كما عرفتَ، والخلاف لفظي؛ كما صرح (٢) [به] (٣) إلْكِيَّا الهراسي. "مسألة" الشرح: "وهو"؛ أي: المجازُ - واقع "في القرآن"؛ وكذا الحديثُ؛ على ما نقله جماعة. "خلافًا للظاهرية" فيهما، وليسوا مُطْبِقِينَ (٤) على ذلك، وإنما قال ذلك منهم أبو بكرِ بنُ داود، وطائفةٌ، وإليه ذهب أبو العبَّاس بنُ القاصِّ، وجماعةٌ من قدماء أصحابنا (٥). وذهب ابن حَزْمٍ (٦) من الظاهرية؛ إلى أنه لا يجوز استعمال مجاز إلا إن ورد في كتاب أو سُنَّة (٧). وظاهرُ النَّقْل عمن أنكره من الظاهرية؛ أنهم ينكرون مجاز الاستعارة، كما صرح به ابن داود في كتابه (الوصول)؛ قال: "بدليل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية، ١١] "؛ وهو مجاز زيادة (٨).

стр. 407

﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية، ٨٢]، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [سورة الكهف: الآية، ٧٧]، ولك أن تقول: سبق أن مجاز الزيادة ليس في محلِّ الخلاف، وقد قررت الزيادة بأن الكاف زائدة، وإلا يكونُ التقدير: مِثْلَ مِثْلِهِ؛ فإنَّها بمعنى (مثل)، فيكون له - تعالى - مِثْلٌ؛ وهو مُحَال، والغرض من الكلام نفيه أيضًا. والحقّ أن الكاف غيرُ زائدة، لا سيّما، وشيخنا أبو الحسن الأشعريُّ ينكر أن يكون في القرآن زيادة، والكلام محمول على حقيقته من نفْي مِثْل الْمِثْل، ويلزم [من] (١) نَفْي مثل المثل [نَفْيُ المثل؛ ضرورةَ أن مثل (٢) المثل] (٣) مثل؛ إذ المماثلة لا تتحقَّق إلا من الجانبين، فمتى كان زيدٌ مِثْلًا لعمرو، كان عمرو مِثْلًا له؛ وقد نُفِيَ المثل. فإن قلت: إذا قرَّرتم أن المنفيَّ مثلُ المثل، [فالذَّات من جملة مِثْلِ المثل؛ فيلزم كونها منفية؟! قلت: المرتضَى عندنا في جواب هذا: ما كان أبي - رضي الله تعالى عنه - يقرِّره؛ قال: هذا لا يراد بناءُ قائله على ظاهر الكلام؛ أن المنفيَّ مثلُ المثل] (٤)؛ من غير تأمّل لتمام المعنى، وهو أن المَنْفِيّ مثلُ المثل عن شيء؛ فإن سياق الآية: اسم ليس (مثل) و (كمثله) الخبر، والمدلولُ نفْيُ الخبر عن الاسم، والذَّاتُ [يصح] (٥) أن ينفي عنها أنها مِثْلُ مثلها؛ لأنَّهُ لا مثل لها، والشيءُ - الذي هو موضوعٌ - قد نفي عنه المِثْلُ - الذي هو مَحْمُول -، وهو منفيٌّ عنه، لا منفيٌّ؛ فيكون ثابتًا؛ فلا يلزم نفيُ الذَّات، وإنما المنفيُّ مثلُ مثلها، ولازمه نفيُ مثلها، وكلاهما (٦) منفيُّ عنها. قال: " ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيةَ﴾ [سورة يوسف: الآية، ٨٢] "؛ على رأي من يقول: إنه عبر بالقرية عن أهلها؛ إطلاقًا لاسم المحلِّ على الحالِّ. ولا ينبغي لك أن تقرِّره على أن التقدير: أهْل القَرية، وإن كان هو المذكور في (المنتهى)؛

стр. 408

﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [سورة البقرة: الآية، ١٩٤]، ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية، ٤٠]؛ وَهُوَ كَثيرٌ. قَالُوا: الْمَجَازُ كَذِبٌ؛ لأِنَّهُ يَنْتَفِي، فَيَصْدُقُ؛ قُلْنَا: إِنَّمَا يَكْذِب، إِذَا كَانَا مَعًا لِلْحَقِيقَةِ. إذ يصير مَجَازَ حَذْفٍ، وابنُ داود لا ينكره؛ كما عرفت. قال: " ﴿[جِدَارًا﴾ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [سورة الكهف: الآية، ٧٧] "؛ أي: ولا إرادة للجدار. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [سورة البقرة: الآية، ١٩٤] "؛ في مجاز المُقَابلة. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية، ٤٠] " كذلك؛ "وهو كثير". وقيل: إن القِصَاصَ يسمى اعتداءً حقيقةً، يقال: عَدَا عليه، إذا أوقع به الفعل المُؤْلِمَ، والسَّيئة ما تَسُوءُ (١) مَنْ نَزَلَتْ به. وعلى هذا لم يَسْلَمْ للمصنِّف من الآيات إلا (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)؛ وهو نصّ في مجاز الاستعارة الذي فيه الخلافُ بلا رَيْبٍ؛ وعليها اعتمد المحقِّقون. قال ابن القُشَيْرِيِّ: ومن زعم الجدار يريد حقيقة، فقد عَانَدَ (٢). الشرح: "قالوا: المجاز كَذب؛ لأنَّهُ ينتفي، فيصدقُ"؛ كقولنا: البليد ليس بحمار، وإذا كان انتفاؤه صدقًا، كان إثباته كذبًا؛ والقرآن منزَّه عن الكذب. "قلنا: إنما يكذب" المجاز؛ باعتبار الإيجاب، والنفي، "إذا كانا معًا للحقيقة"، أو للمجاز. أما [إذا] (٣) نُفِيَ المعنى الحقيقي، وأثبت المَجَازِيّ، [أو بالعكس] (٤) - فلا؛ لعدم التوارد على مَحَلّ واحد.

стр. 409

قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُون الْبَارِي - تَعَالَن - مُتَجَوِّزًا؛ قُلْنَا: مِثْلهُ يَتَوَقفُ عَلَى الْإِذْنِ. الْمُعَرَّبُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مَسْأَلَةٌ: فِي الْقُرْآنِ مُعَرَّبٌ؛ وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَة - رَضِيَ اللهُ ........................... الشرح: "قالوا: يلزم"من وقوعه في القرآن؛ "أن يكون الباري - تعالى - متجوِّزًا"؛ لأن وجود اسم المعنَى يستدعي الاشتقاق. "قلنا: مثله" - مما يُوهِمُ نقصًا - "يتوقَّف على الإذْنِ"؛ ولذلك لا يقال: خالق الخِنْزِيرِ، ولولا ورودُ المانع، والضارِّ، والقابضِ، لَمَا أطلقنا ذلك. قال ابن الصَّبَّاغ: متجوِّزٌ يستعمل لمن في كلامه قُبْحٌ، أو يتوقف؛ بناءً على أن أسماء الله تَوْفِيقِيّةٌ، وهو رأي شيخنا أبي الحَسَنِ. والتقرير الأول أحسنُ؛ لأنَّ الظاهرية قد ينازعون في كون الأسماء توقيفيةً. "مسألة" الشرح: قال المصنِّف: "في القرآنِ المعرَّبُ"، وهو: اللفظ المستعْمَلُ عند العرب في معنًى وضع له في غير لُغَتِهِمْ، "وهو عن ابن عباس (١) وعِكْرِمة (٢) ﵃.

стр. 410

عَنْهُمْ - وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ؛ .............................................................. ونفاه الأكثرون"؛ وزعيمهم إمامنا الشافعيُّ ﵁ (١). قال أبو نصر بن القُشَيريّ (٢): وليس هذا الخلافُ في الأسماء الشرعية، بل هو في آخَرَ.

стр. 411

لنَا: (الْمِشْكَاةُ) هِنْدِيَّةٌ، وَ (إِسْتَبْرَقٌ)، و (سِجِّيلٌ) فَارِسِيَّةٌ، و (قِسْطَاسٌ) رُومِيَّةٌ. قَوْلُهُمْ: (مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ؛ كَالْصَّابُونِ وَالتَّنُّورِ) - بَعِيدٌ، .......................... قلت: ذاك اختلافٌ في الوَضْعِ، وهذا في الاستعمال، وليس هذا أيضًا المجازَ، بلا عكْسَه؛ إذ المعرَّب فيه استعمال المَعْنَى بغير اللفظ الموضوعِ له في تلك اللّغة، والمجازُ اللفظ لغير المعنَى، واعلم أن الأعلام لا خلافَ في وقوعها. قال: "لنا: (المِشْكَاةُ) هندية، و (إسْتَبْرق)، و (سِجِّيل) فَارسية، و (قِسْطَاس) رومية"، وألفاظٌ أخر وردتْ في القرآن؛ جملتها سبع وعشرون لفظًا، يجمعها قولنا: [البسيط] السَّلْسَبِيلُ وَطهَ كُوِّرَتْ بِيَعٌ … رُومٌ وَطُوبَى وَسِجِّيلٌ وَكَافُورُ وَالزَّنْجَبِيلُ وَمِشْكَاةٌ سُرَادِقُ مَعَ … إِسْتَبْرَقٌ صَلَوَاتٌ سُنْدُسٌ طُورُ كَذَا قَرَاطِيسُ رَبَّانِيُّهُمْ وَغَسَّا … قٌ ثُمَّ دِينَارٌ والقِسْطَاسُ مَشْهُورُ كَذاكَ قَسْوَرَةٌ وَاليَمُّ نَاشِئَةٌ … وَيُؤْتَ كِفْلَيْنِ مَذْكُورٌ وَمَنْظُورُ لَهُ مَقَالِيدُ فِرْدَوْسٌ يُعُدَّ كَذَا … فِيمَا حَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ مِنْهُ تَنُّورُ (١) الشرح: "قولهم": هذه الألفاظ، فين كانت في غير لُغَةِ العرب، لا ينافي كونَها من لغة العرب؛ لجواز أن يكون "مما اتفق فيه اللُّغتانِ؛ كالصَّابونِ"؛ وكذا "التَّنُّور" عند غير ابْنِ دُرَيْدٍ - قال المصنِّف: إنه "بعيدٌ"، وهي دعوَى منه. وهذا الشَّافعيُّ الذي تفقَّأتْ عنه بَيْضَةُ بني مُضَرَ، قد اقتضى كلامه ذلك، وكفى به حجَّةً، ولقد أطنب في كتاب (الرسالة) في التَّغليظ على مَنْ يقول بالمعرَّب (٢).

стр. 412

وَإجْمَاعُ الْعَرَبِيَّةِ؛ عَلَى أَن نَحْوَ: (إِبْرَاهِيمَ) مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ - يُوَضِّحُه، الْمُخَالِفُ: بِمَا ذُكِرَ فِي الشَّرعِيَّةِ؛ وَبِقَوْلِهِ: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [سورة فصلت: الآية، ٤٤]؛ فَنَفَى أَنْ يَكُونَ مُتَنَوِّعًا؛ وَأجِيبَ بأَنَّ الْمَعْنِيَّ مِنَ السِّيَاقِ: أَكَلَامٌ أَعْجَمِيٌّ، وَمُخَاطَبٌ عَرَبِيٌّ، لَا يَفْهَمُهُ؟؛ وَهُمْ يَفْهَمُونَهَا، وَلَوْ سُلِّمَ نَفْيُ التَّنْوِيعِ، فالْمَعْنَى: أَعْجَمِيٌّ لَا يفْهَمُهُ. "وإجماع" [أهل] "العربية؛ على أن نحو: (إبراهيم) مُنِعَ من الصرف لِلْعُجْمَةِ، والتعريف - يوضِّحه"؛ أي: يوضح وقوعَ المعرَّب، [وهو] وهم؛ فإن الأعلام لا خلاف فيها؛ كما عرفت. واحتج "المُخَالف؛ بما ذكره في الشرعية"؛ من أنها لو وقعتْ في القرآن، لاشتمل على غير العربي - وقد مَرَّ -؛ وبأنه لو وقع، لانقسم (١) القرآن إلى أعجمي وعربي، "و" الله قد صانه عن ذلك؛ "بقوله: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [سورة فصلت: الآية، ٤]؛ أي: أكلامٌ بعضه أعجميٌّ، وبعضُه عربيٌّ؟ "فنفى (٢) أن يكون متنوِّعًا" (٣). "وأجيب بأن المعنى من السِّياقِ" الواقعِ في الآية هكذا: "أكلامٌ أعجميٌّ، ومخاطبٌ عربيٌّ لا يفهمه؟، وهُمْ" كانوا "يفهمونها". والحاصل: أن المصنِّف منع نفي التَّنويعِ (٤) ثم قال: "ولو سلِّم نفي التنويع" (٥)؛ فليس المراد نفي كلّ تنويع، بل التنويع الواقع بين أعجميٍّ غيرِ مفهومٍ وعربيٍّ، "فالمعنى: أعجميٌّ لا يفهمه". واعلم أن ابن قتيبة (٦) وابن جِنِّي (٧) قالا: الأعجميُّ مَنْ لا يُفصِحُ بالكلام، عَجَميًّا كان، أو

стр. 413

الْمُشْتَقُّ مَسْأَلَةٌ: الْمُشْتَقُّ مَا وَافَقَ أَصْلًا بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ وَمَعْنَاه، وَقَدْ يُزَادُ بِتَغْيِيرٍ ...................... عربيًّا، ولفظه لفظ النسب، فأعجَمُ وأعجمي، كأحْمَرَ وأحمريٍّ، والعجميُّ منسوبٌ إلى لغة العَجَمِ، سواء كان فصيحًا أم لم يكن. وقال أبو زيد، وأبو عليٍّ الفارسيُّ: الأعجميُّ العَجَمِيّ، ولهذا قوبل بالعربيِّ، ويشهد له قراءة من قرأ: (ءَاعْجَمِيٌّ). وإذا عرفت هذا، علمتَ أنه لا وجه للاستدلال بالآية ألبتة على الأول، ولا على الثاني أيضًا؛ لأن المراد بالعجميِّ هنا: الأعجميُّ؛ بدليل صدر الآية؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [سورة فصلت: الآية، ٤٤]. "مسألة" الشرح: "المشتق (١): ما وافق أصلًا بحروفه الأصول ومعناه" (٢)؛ فما لم يوافق أصلًا، أو وافق معنى فقط؛ كالمَنْع الموافق للجنس، أو في حروفه الأصول، لكن لا بمعناه؛ كالضَّربِ

стр. 414

ما، وَقَدْ يَطَّرِدُ؛ كَاسْمِ الْفَاعِلِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يَخْتَصُّ؛ كَالْقَارُورَةِ وَالدَّبَرَانِ. مَسْأَلَةٌ: اشْتِرَاطُ بَقَاءِ الْمَعْنَى فِي كَوْنِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً ؛ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ ...................... للإيلام الخاصِّ الموافقِ للضرْبِ بمعنى الذَّهاب في الأرض - فليست بمشتقَّات. وقد يمنع مانع من بقاء الحروف الأصولِ؛ كـ (خَفْ) من الخَوْفِ؛ فإن التقاء السَّاكنين أوجَبَ حذف حرفٍ، وإن كان موجودًا في الأصل. "وقد يزاد" في الحَدِّ قولٌ: "بتغيير مَّا"؛ ليعلم أنه لا بُدَّ من تغييرٍ، وأن التغيير الاعتباريَّ كافٍ كذلك؛ مفردًا بزنة قُفْل، وجَمْعًا بزنة أُسْد. والتغيير: إما بزيادة، أو نقصان، أو بهما (١)؛ إما في الحرف، أو الحركة، أو فيهما. "وقد يطَّرد" الاشتقاق؛ "كاسم الفاعل، وغيره"؛ كاسْمِ المفعول، والصّفة المشبّهة المشتقَّةِ من الفعل. "وقد يختصُّ" ببعض الأسماء؛ "كالقَارُورَةِ، والدَّبَرَانِ" (٢) المأخوذَيْنِ من الاستقرارِ والدَّبُورِ، مع اختصاص (القَارُورَةِ) بالزُّجَاجة، (والدُّبَرَانِ) بعين الثور. "مسألة" الشرح: "اشتراطُ بقاء المعنى" المشتق منه "في كون المشتقِّ حقيقةً" فيه مذاهب (٣): أحدها: الاشتراط؛ وهو رأي الجمهور؛ قال الإمام الرَّازيُّ: وهو الأقرب (٤). وثانيها: عدمه؛ وهو قول أبي عليٍّ، وابنه، وابن سينا. و"ثالثها: إن كان" البقاءُ "ممكنًا، اشتُرِط" وإلَّا فلا. وهذا ذكره الإمام الرازيُّ بحثًا، وذكر أنه لم يقل به - أحد من الأُمة، والخلاف إنما هو في صِدْقِ الاسْمِ، أي: أنه هل يقال للضارب أمس: ضاربٌ الآن؛ حقيقةً، لا في أن حقيقة الضرب

стр. 415

مُمْكِنًا، اشْتُرِطَ؛ الْمُشْتَرِطُ: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، وَقَدِ انْقَضَى، لَمْ يَصِحَّ نَفْيُهُ؛ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ الْأَخَصُّ؛ فَلَا يَسْتَلْزِمُ نَفْي الْأَعَمِّ؛ قَالُوا: لَوْ صَحَّ بَعْدَه، لَصَحَّ قَبْلَهُ؛ أُجِيبَ إِذَا كَانَ الآن موجودةٌ منه، فذلك لا يقوله عاقلٌ. قال أبي ﵀: وليس هو أيضًا في الصِّفاتِ القارَّة المحسوسة؛ كالسَّوَاد، والبياض؛ فإنا على قطع بأن اللغويَّ لا يُطْلِقُ على الأبيض بعد اسْوِدَادِهِ؛ أنه أبيض. وقد ادَّعى الآمديُّ الإجماع؛ على أنه لا تجوز (١) تسميةُ النَّائم قاعدًا، والقاعد نائمًا (٢)؛ وهذا واضح في اللّغة، وإنما الخلاف في الضرب ونحوه من الأفعال المنقضية؛ فإطلاق المشتق على محلّها من باب الأحكام؛ فلا يبعد إطلاقه حالَ خُلُوِّه عن مفهومه؛ لأنَّهُ أمر حكميٌّ. ومن هنا؛ يتبين وجه انفصال الماضي عن المُسْتقبل؛ حيث كان إطلاقه باعتبار الماضي أولى؛ لأن من حصل منه الضربُ ماضيًا، قد يستصحبُ حبهمه؛ بخلاف مَنْ لم يحصل منه؛ إذ لم يثبت له حكم، فيُسْتَصْحبَ. احتج "المشترِطُ"؛ بأنه "لو كان" صدق الضَّارب مثلًا على مَنْ صدر منه الضَّرْبُ؛ "حقيقةً، وقد انقضَى - لم يصحَّ نفيه"؛ لكنه (٣) يصح نفيه في الحال؛ فإنا نعلم ضرورة؛ أنَّ من انقضى عنه الضرب ليس بضارب الآن، وإذا (٤) صَحَّ نفيه في الحال، صَحَّ مطلقًا؛ إذ صِدْقُ الخاصِّ مستلزم لصدق العامِّ. "وأجيب: بأن المنفيَّ" هو "الأخصُّ"؛ أي: الضربُ (٥) في الحال؛ "فلا يستلزم نفي الأعمِّ"؛ وهو مطلق الضرب؛ فإذن: إن أريد بصحة النفي مطلقًا صِدْق: ليس بضارب في كل وقتٍ - ففاسدٌ، أو صدقَ نفْيِ ضربٍ ما، فحقٌّ؛ ولكن لا يلزم منه النَّفي في الماضي. "قالوا: لو صحَّ" أن يقال لمن ضَرَبَ "بعده؛ أي: بعد انقضاء الضَّرْب: إنه ضارب - "لصحَّ قبله؛ أي: قبل وجود الضرب؛ [بجامع وجود الضَّرْب] (٦) في غير الحال، واللازم باطل؛ بالاتِّفَاق.

стр. 416

الضَّارِبُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الضَّرْب، لَمْ يَلْزَم. النَّافِي: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ: (ضَارِبٌ أَمْسِ)؛ وَأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ؛ أُجِيبَ: مَجَازٌ؛ كَمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ بِاتِّفَاقٍ، قَالُوا: صَحَّ: (مُؤْمِنٌ وَعَالِمٌ)؛ لِلنَّائِم؛ أُجِيبَ: مَجَازٌ لامْتِنَاعِ (كَافِرٌ) لِكُفْرٍ تَقَدَّمَ. "أجيب" بالفَرْقِ (١) بأنه "إذا كان الضَّارب من ثَبَتَ له الضربُ"، [وهو كذلك - "لم يلزم" من صحة إطلاقه باعتبار الماضي - إطلاقُهُ باعتبار المستقبل؛ وللخصم منع أن الضاربَ لغةً مَنْ ثبت له الضَّرب] (٢)، وادعاءُ أنه مَنْ له الضرب، وهو أعمُّ من المستقبل. الشرح: واحتج "النَّافِي" للاشتراط؛ بأنه قد "أجمع أهل العربية على صِحَّة: ضاربٌ أمس؛ فإنه اسم فاعل"، مع انقضاء الضرب. "أجيب" بأنه "مجازٌ، كما في المستقبل؛ [باتفاف] "، وليس من لازم الصحَّة أن يكون حقيقةً. "قالوا: صح (٣) عالم، ومؤمن؛ للنائم"، وليس العلم والإيمان حاصلَيْن حالة النوم. "أجيب: مجاز؛ لامتناع" إطلاق "كافر" على مسلم الآن؛ "لكفر تقدَّم" منه. لا يقال: الشرع مَنَعَ من هذا الإطلاق؛ فلا دليلَ من الشَّرْع عليه، ثم كلامنا في أمر لغويٍّ،

стр. 417

"قَالُوا: يَتَعَذَّرُ فِي مِثْلِ: مُتَكَلِّمٍ، وَمُخْبِرٍ؛ أُجِيبَ: بِأَن اللُّغَةَ لَمْ تُبْنَ عَلَى الْمُشَاحَّةِ فِي مِثْلِهِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْحَالِ؛ وَأَيْضًا: فَإنَّهُ يَجبُ أَلَّا يَكُونَ كَذلِكَ". الاشْتِقَاقُ مِنِ اسْمِ الْفَاعِلِ مَسْأَلَةٌ: "لَا يُشْتَقُّ اسْمُ الْفَاعِلِ لِشَيْءَ، وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ؛ خِلَافًا ............................. = ولقائل أن يقول: الإيمان الطارئُ يُضادُّ الكُفْرَ؛ فلذلك امتنع إطلاق كافر على المؤمن، وكان كإطلاقِ أسودَ على الأبيضِ؛ باعتبار سوادٍ تقدَّم، وليس محلَّ الخلاف. الشرح: "قالوا: يتعذّر" بقاء المعنى المشتقِّ منه في المشتقِّ، في مثل: متكلِّم، ومخبِرٍ"، وسائرِ ما لا يوجد من الأفعال في زمانٍ مع إطلاق متكلِّم ومخبرٍ بالحقيقة عليه، فلو كان بقاء المعنَى شرطًا، لم يكن الأمر كذلك. "أجيب: بأن اللغة لم تُبْن على المشاحَّة في مثله"؛ فإن أمكن وجود الفعل بتمامه، اشتُرِط، وإلا اكتُفِيَ بآخرِ جزءٍ؛ "بدليل صحة الحال"، ولو وقعت [مُشَاحَّةٌ] (١)، لم يتحقق الحال، وكان يتمُّ قول أبي حَفْص الأشعريِّ: لا معنى للحال، إنما هو للماضي والمستقبل. سلمنا تعذُّر ذلك في مثل متكلِّم ومخبرٍ؛ لكن لا يلزم من عدم اشتراط البقاء فيما تعذَّر (٢) - عدمُ الاشتراطِ مطلقًا، وإليه أشار بقوله: "وأيضًا: فإنه يجب ألَّا يكون كذلك"؛ أي: لا يكون المشتقُّ الذي فيه الكلامُ ممَّا لا يمكن بقاؤه حتَّى يشُترَطَ فيه البقاء. ولك أن تقول: هذا رجوعٌ إلى القول الفَصْل (٣) بِتَخْصِيص الدعوَى. "فرعان" في وقوع طلاق القاضي المعزولِ، إذا قال: امرأة القاضي طالقٌّ - وجهان، حلف لا يدخل مسكن فلانٍ، فدخل مِلْكًا له لم يكن ساكنه، فأوجه: ثالثها: إن كان سَكَنَهُ في الماضي ساعةً ما، حَنِث، وإلَّا فلا، وفي (شرح المنهاج) فروعٌ أخر. "مسألة" الشرح: "لا يشتق اسم الفاعل لشيء، والفعلُ"؛ وهو: ما منه الاشتقاق - "قائم بغيره.

стр. 418

لِلْمُعْتَزِلَةِ، لنَا: الاسْتِقْرَاءُ". قَالُوا: ثَبَتَ قَاتِلٌ وَضَارِبٌ، وَالْقَتْلُ لِلْمَفْعُولِ؛ قُلْنَا: الْقَتْل التَّأثِير، وَهُوَ لِلْفَاعِلِ. "قَالُوا: أُطْلِقَ الْخَالِقُ عَلَى اللهِ؛ بِاعْتِبَارِ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ الْأَثَر، لأِن الْخَلْقَ الْمَخْلُوق، وَإِلَّا، لَزِمَ قِدَمُ الْعَالَمِ، أَوِ التَّسَلْسُل، أُجِيبَ: أَوَّلًا؛ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ قَائِمٍ بِغَيْرِهِ؛ ....... خلافًا للمعتزلة"؛ حيث قالوا: الباري - تعالى - متكلِّم يخلقه، [أي: الكلام] في جسم (١). "لنا: الاستقراء" (٢). الشرح: "قالوا: "قد" ثبت قاتل وضارب" للفاعل، "والقتل" والضرب إنما هما "للمفعول. قلنا": ليس "القتل" التأثُّرَ الحاصلَ في ذات المفعول، بل [التأثيرَ] (٣)؛ "وهو "حاصل "للفاعل". الشرح: "قالوا: أُطْلِقَ الخالقُ على الله - تعالى -؛ باعتبار المخلوق، وهو الأثر"، وليس المخلوق صفةً قائمةً بذاته - تعالى -؛ "لأن الخلق" هو "المخلوق"؛ ومنه قوله تعالى: ﴿هذَا خَلْقُ اللهِ﴾ [سورة لقمان: الآية، ١١]؛ أي: مخلوقه، "وإلا لزم (٤) قِدَمُ العالَمِ"، إن كان الخلق قديمًا، "أو التسلسلُ"، إن كان حادثًا. و"أجيب: أولًا؛ بأنه" غير محل النزاع؛ إذ محلّ النزاع فعلٌ قائمٌ بالغير، وما ذكرتموه من الخالقيّة "ليس بفعل قائم بغيره"، بل هو ذات الغير.

стр. 419

وَثَانِيًا: أَنَّهُ لِلتَّعَلُّقِ الْحَاصِلِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْقُدْرَةِ حَالَ الإِيجَادِ، فَلَمَّا نُسِبَ إِلَى الْبَارِي، صَحَّ الاشْتِقَاقُ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. دِلالةُ الْمُشْتَقِّ إِذا أُطْلِقَ مَسْأَلَةٌ: الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمُشْتَق يَدُلُ عَلَى ذَاتِ مُتَّصِفَةٍ بِسَوَادِ، لَا عَلَى ........... "وثانيا: أَنَّهُ"، أي: الخلقَ - إنما يقال "للتعلُّق الحاصل"؛ أي الواقع "بين المخلوق والقدرة؛ حال الإيجاد، فلما نُسِب" هذا التعلّق "إلى الباري" تعالى "صحَّ الاشتقاق". والحاصل: أنَّ للقدرة تعلُّقًا حادثًا به الحدوثُ ضرورةً، وهذا التعلُّق، إذا نسب إلى العالَم، فهو صدوره عن الخالق، أو القدرةِ، فهو إيجادها له، أو ذي القدرةِ، فهو خلقه؛ فالخلقُ تعفق قدرة الذات، وهذه النسبة قائمةٌ بالخالق، وباعتبارها اشتق له؛ فيصح ما ذكرنا من الدَّليل على وجوب القيام؛ لأنا لا نعني بها كونها صفة حقيقية، بل سائرُ الإضافاتِ قائمةٌ بمحالِّها، والحملُ على هذا واجبٌ؛ "جمعًا بين الأدلَّة"، وهي الاستقراء من جهتنا، وأن الخَلْقَ ليس الصفة الموجودة من جهتكم. "فرع" لو حلف؛ لا يبيع، أو لا يحلق رأسه، فأمر غيره، فالأصحُّ أنه لا يحنث؛ إذ ليس ببائعٍ، ولا حالقٍ. وقيل: يحنث. وقيل: في الحلَّاق فقط، للعادة. "مسألة" الشرح: إذا أطلق "الأسود ونحوه من المشتق"، فإنما "يدل" بالحقيقة "على ذات متَّصفةٍ" بذلك الشيء (١)، ففي الأسود مثلًا: على ذات متّصفة "بسواد"، و"لا" يدلّ "على خصوص" لتلك

стр. 420

خُصُوصٍ مِنْ جِسْمِ وَغَيْرِهِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ: (الْأَسْوَدُ جِسْمٌ). ثُبُوتُ اللُّغةِ مَسْألَةٌ لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ قِيَاسًا؛ ......................................................... الذات؛ "من جسم أو غيره؛ بدليل صحة: الأسودُ جسمٌ" فلو دلَّ على خصوصه، [كان] (١) بِمَثَابَةِ قولنا: الجسمُ الأسودُ جسمٌ، وليس كذلك؛ إذ في الأول فائدةٌ دون الثاني. "مسألة" الشرح: "لا تثبت اللُّغَةُ قياسًا، عند إمام الحرمَيْن، والغَزَالِيّ، وابن القُشَيْري، والآمدي، وطائفةٍ من أصحابنا، ومن الحنفية، وابن خويز مِنْداد (٢) من المالكية (٣).

стр. 421

خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَابْنِ سُرَيْجٍ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي نَحْوِ: (رَجُلٍ)، وَرَفْعِ الْفَاعِلِ، أَيْ: لا لَا يُسَمَّى مَسْكُوتٌ عَنْهُ إِلْحاقًا بِتَسْمِيَةٍ لِمُعَيَّنٍ، لِمَعْنًى يَسْتَلْزِمُهُ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ كَالْخَمْرِ "خلافًا للقاضي، وابن سريج" (١)، وابن أبي هريرة (٢)، وأبي إسحاق الشِّيرَازي، والإمام، وكثيرٍ من أصحابنا، وابن القصَّار (٣)، وابن التَّمَّار من المالكية، وأهل العربية؛ كالفارسي، وابن جِنِّي، والمَازِرِيِّ. وفي النَّقل عن القاضي نظر؛ نقل عنه المَازِرِيُّ وغيره: المنع، وهو الصَّحيح عنه، وبه صرح في كتاب (التقريب). "وليس الخلاف في "ما ثبت تعميمه بالنقل؛ "نحو: رجل"، أو بالاستقراء؛ كنصب المفعول، "ورفع الفَاعل"؛ إنما الخلاف في أن اسم الجنس، إذا كان معناه مقارِنًا لمعنى يستلزمه، صالحًا للغلبة؛ كاسم الخَمْرِ. والمصنِّف من القائين بأنه لا يثبت، "أي: لا يسمَّى مسكوت عنه [إلحاقًا] (٤) بتسميةٍ لمعيَّن؛ لمعنًى يستلزمه"؛ أي: يستلزم ذلك المعنى "وجودًا وعدمًا؛ كالخَمْرِ للنبيذ؛ للتخمير،

стр. 422

لِلنَّبِيذِ؛ لِلتَّخْمِيرِ، وَالسَّارِقِ لِلنَّبَّاشِ، لِلأَخْذِ خُفْيَةً، وَالزَّانِي لِلَّائِطِ؛ لِلإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ؛ إِلَّا بِنَقْلٍ، أَوِ اسْتِقْرَاءِ التَّعَمِيمِ. لَنَا: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْمُحْتَمَلِ. قَالُوا: دَارَ الاسْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ قُلْنَا: وَدَارَ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْعِنَبِ، وَكَوْنِهِ مَالَ الْحَيِّ، وَقُبُلًا. والسَّارق للنباش؛ للأخذ خفية، والزَّاني لِلَّائِطِ؛ لِلإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ"؛ "إلا" أن يثبت شيء من هذه الصور "بنقل، أو استقراء لتعميم"؛ فيخرج عن محل النزاع، ولا يكون من أمثلة ما نحن فيه، وفائدةُ القياس في اللُّغَةُ؛ أنه يدعَى دخولُ النبيذِ، والنَّباش، واللَّائطِ تحت عمومِ لفظ: الخَمْرِ، والسَّارق، والزَّاني؛ لانسحاب الاسم عليه قياسًا، فافهمه (١). الشرح: "لنا": أن القياس في اللُّغَةُ: "إثباتُ اللُّغَةُ بالمحتمَلِ"؛ لأنَّهُ يحتمل التصريحَ بمنعه؛ كما يحتمل باعتباره؛ بدليل منعهم طرد الأدْهَمِ، والقَارُورَة، وما لا ينحصر؛ فيبقى عند السكوت على الاحتمال، ومجردُ احتمالِ وضع اللَّفظ للمعنَى لا يصحِّح الحكمَ بالوضعِ؛ للتحكُّم؛ ولئلا يلزم الحكم بالوضع من غير قياس؛ [كقيام الاحتمال. ولك أن تقول: بل هو إثباتٌ بالظَّاهر؛ فلا تحكُّم، ولا يلزم الوضع من غير قياس] (٢). الشرح: "قالوا: دَارَ الاسم" - كالخمر مثلًا - "معه"؛ أي: مع المعنى؛ كالتَّخْمير؛ "وجودًا" في ماء العنب المسكرِ، "وعدمًا" في غيره؛ والدَّوَرَان دليلٌ أنه متى تحقّق المعنى، تحقّق الاسم. "قلنا: [و] دار" مع ما ذكرتم، ودار أيضًا "مع كونه من العنب" في الخَمْرِ، "وكونهِ مال الحَيِّ" في السرقة، "وقُبُلًا" في الزنا، فإذا كان الدَّوَران علَّةً، وقد دار فيما ذكرتموه، وفيما ذكرناه - كان المعنى الذي ذكرتموه جزء العلة؛ فلا يستلزم. ولك أن تقول: إنما تعلُّقنا بدوران الوصف المُنَاسب، وما ذكرتموه غيرُ مناسب؛ فكان ما ذكرناه علَّة تامَّة؛ لأن التحقيق أن الدَّوَران، إذا كان مع أمور بعضُها مخيلٌ، دون بعض، فالعلَّية للمخيِّل (٣) فقط.

стр. 423

قَالُوا: ثَبَتَ شَرْعًا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ؛ قُلْنَا: لَوْلَا الْإِجْمَاع، لَمَا ثَبَتَ وَقَطْعُ النَّبَّاشِ وَحَدُّ النَّبِيذِ؛ إِمَّا لِثبوتِ التَّعْمِيمِ، أَوْ بِالْقِيَاسِ، لَا لأِنَّهُ سَارِقٌ أَوْ خَمْرٌ؛ بِالْقِيَاسِ. الشرح: "قالوا: ثبت" القياس "شرعًا"؛ أي: الشرعي، "والمعنى واحد"، وهو حمل فرعٍ على أصل بجامعٍ. "قلنا: لولا الإجماع" في الشرعي، "لما ثبت، وقطع النباش" (١)؛ كما هو الصَّحيح من مذهبنا، "وحدُّ" شارب "النبيذ" ليس لثبوت اللُّغَةُ قياسًا. "إمّا لثبوت التعميم"؛ أي: تعميم اسم السَّارق والخمر؛ للنَّباش والنَّبِيذ. قال الشَّعْبي (٢): النباش سارق. وقال النَّبِيّ ﷺ : "كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" (٣)؛ فيكون تسميتها بالنَّقل لا بالقياس اللُّغوي، "وإمَّا

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالقياس" الشرعي على السَّارق والخمر في الحُكْم؛ بجامع المفسدة، "لا لأنَّهُ سارق أو خمر؛ بالقياس" اللغوي، أو لكلٍّ من الأمرين، أو في أحدهما؛ وهو الخمر؛ بالنَّقْل الذي ذكرناه، وفي الآخَرِ: إما بالقياس الشرعي، وإما [بـ] ما في حديث البَراءِ؛ من قوله ﷺ : "وَمَنْ نَبَشَ، قَطَعْنَاهُ" (١). وأنا أختار (٢) التمسك بهذا؛ فإنَّ قَطْع النَّباش، لو كان بالقياس الشرعي، أو بتسميته سارقًا (٣)، لقُطِعَ سارقُ ما عدا الكَفَنَ من الغير، والأصحُّ خلافه؛ فكل هذه طرق للأصحاب، ومن قاس منهم في اللُّغَة، لم يستنكفْ من القياس، وإنما المصنّف اعتذر عمن لم يقس، وليست هذه المسألة مسألة التعليل بالاسم؛ فتلك في أنه، هل يُنَاطُ حكمٌ شرعيٌّ باسم؟ وهذه في أنه، هل يسمى اسم بآخر؛ لغةً؛ بجامع، والقياس الشرعي إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حكمه. "فائدة" الخلاف في ثبوت اللُّغة قياسًا، على الحقيقة والمجاز؛ هذا هو الظَّاهر، وأشار القاضي عبد الوهَّاب المالكي (٤)؛ إلى أنه ممنوع في المَجَازِ؛ بلا خلافٍ؛ وذكر فرقين، ولم يرتضهما المازِريُّ.

стр. 425

الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْحُرُوفُ: مَعْنَى قَوْلهِمُ: الْحَرْفُ: لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَفْهُومِيَّةِ، أَنَّ نَحْوَ (مِنْ) وَ (إِلَى) مَشْرُوطٌ فِي دِلَالَتِهِمَا عَلَى مَعْنَاهُمَا الإِفْرَادِيِّ - ذِكْرُ مُتَعَلَّقِهِمَا، وَنَحْوَ (الابْتِدَاء)، وَ (الانْتِهَاء)، وَ (ابْتَدَأَ)، وَ (انْتَهَى) - غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذلِكَ. الشرح: "الحروف (١): معنى قولهم: الحرفُ لا يستقل بالمفهومية (٢)؛ أن نحو (من)، و (إلى) مشروط في دلالتهما (٣) على معناهما الإفرادي"؛ وهو الابتداء في (من)، والانتهاء في (إلى) - "ذكر متعلِّقهما؛ من دارٍ ونحوها؛ نحو: سرتُ من الدار، وإلى الدارِ؛ فإنَّما يفيد أن البداية والنهاية بِضَمِيمَةٍ أخرى. "ونحوَ: الابتداء، والانتهاء، من الأسماء، "وابتدأ، وانتهى" من الأَفْعَال - "غيرُ مشروطٍ فيها
следующие страницы →