← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الحمد للّه رب العالمين، وصلاةً وسلامًا على سيد الخلق وحبيب الحق محمد ﷺ . مقدمة الناشر أما بعدُ: نحن في عصر الفضاء والذرة، ولا يقف العلم ولا الإنسان على طرف سنان، وإنما هو كالبرق الخلب والريح القلب، وكل يوم ينتقل من طور إلى طور ومن حسن إلى أحسن. ويساير هذا التقدم العلمي التقدم الطباعي أيضًا وقد أخذنا بأسبابه، وركبنا رحابه واجتهدنا في الأخذ بأحدث معداته وأدواته، لنشر التراث الإسلامي المجيد، ونفض الغبار عن مجده التليد. وها نحن اليوم ذا نتقدم لجماهير وعلماء وطلاب العلم في بقاع الأرض قاطبة بنشر هذه المفخرة من مفاخر التراث وهي "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب" وهو كتابٌ عظيم النفع، جليل القدر، قد تلقفته الأيادي في القدم وقد جهد طلاب العلم بحثًا وتنقيبًا عنه، فهنيئًا لهم نشر الكتاب منزهًا عن التحريف والخراب، كامل التصحيح والتحقيق ورتب الصواب فنسأل الله أن يتقبل منا، وأن يعفو عنا، وأن يمدنا بعونه وفضله لنشر غيره. "إنه نعم المولى ونعم النصير"

стр. 2

كتب ابن قاضي الجبل تقريظًا لهذا المصنف (١): [الطويلُ] لِيَهْنَكَ يَا تَاجَ المَعَالِي مُصَنَّفٌ … يُشَوِّفُ أَسْمَاعًا لَنَا وَيُشَنِّفُ هُوَ الْبَحْرُ إِلَّا أَنَّهُ فَاقَ جَوْهَرًا … هُوَ الرَّوْضُ إِلَّا أَنَّهُ مِنْهُ أَلْطَفُ فَمَا السَّيْفُ فِي أَحْكَامِهِ مِثْلَ حُكْمِهِ … بُحُوثُكَ فَخْرَ الدِّينِ فِيهِ تُزَيِّفُ وَلا الْقُطْبُ فِي شَرْحٍ لَهُ مِثْلُ قُطْبِهِ … فَأَضْحَتْ فُهُومُ الْقَوْمِ فِيهِ تُوَظَّفُ أُصُولٌ غَدَتْ أَصْلَ الأُصُول لِفَاهِمٍ … وَمَنْقُولُهَا حَقٌّ صَحِيحٌ مُعَرَّفُ فَلَوْ أُغْرِقُوا فِي الْبَحْثِ طُولَ حَيَاتِهِمْ … فَذِهْنُكَ أَدْرَى بِالْعُلُومِ وَأَعْرَفُ وَرِثْتَ لِشَيْخِ الْعِلْمِ أَوْحَدَ عَصْرِهِ … هنيئًا لَكَ الْعِلْمُ الَّذِي بِكَ يُعْرَفُ وَلَوْ عَلِمُوا حَقَّ العُلُومِ لَبَادَرُوا … وَأَضْحَوْا تَلامِيذًا لَدَيْكَ وَأَنْصَفُوا لَقَدْ فُقْتَ بِالتَّهْذِيبِ كُلَّ مُهَذَّبٍ … وَأَقْلامُ أَهْلِ الْعَصْرِ بِالْمَدْحِ تَرْعُفُ وَسُدْتَ فَظَهْرُ السُّدَّةِ اليَوْمَ مُزْهِرٌ … وَأَسْكَرَنَا مِنْ لَقْطِكَ اليَوْمَ مُرْقِفُ وَشَيَّدْتَ أَحْكَامًا وَفُقْتَ بَلاغَةً … كَمَا أَنْتَ بِالطُّلَّابِ أَدْرَى وَأَرْأَفُ _________ (١) هذا النظم يوجد على اللوحة الأولى من المخطوط المرموز له بالرمز (أ).

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ الكَائِنَاتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، وَأَبْدَعَ الخَلْقَ لِحِكَمٍ بَالِغَةٍ فَعَجَزَتِ العُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِهَا، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَرَفَعَ بِقُدْرَتِهِ مَنْزِلَةَ الإِنْسَانِ، وَميَّزَهُ بِالْعَقْل عَلَى سَائِرِ المَخْلُوقَاتِ، وَمَنَحَهُ التَّفْكِيرَ وَالتَّمْيِيزَ والتَّدْبِيرَ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - مَعَ هذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لَمْ يَتْرُكِ البَشَرَ سُدًى وَلا هَمَلًا؛ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ عَلَى غَيْرِ هُدًى وَبَصِيرَةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ يَسِيرُونَ فِي دُرُوب الحَيَاةِ خَبْطَ عَشْوَاءَ، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ الْكِرَامَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَخَتَمَ كَوْكَبَةَ رُسُلِهِ بِخَيْرِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَأَوْلاهُ شَرِيعَتَهُ الغَرَّاءَ الَّتِي لا يُعَادِلُهَا نِظَامٌ، وَلَهُ الشُّكْرُ - سُبْحَانَهُ - حَيْثُ جَعَلَنَا مِمَّنْ يَسِيرُ فِي رَكْبِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ، وَوَفَّقَنَا لأِنْ نُحَصِّلَ وَنَتَشَرَّبَ مَجْمُوعَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَسَلَكْنَا سَبِيلَ العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ، وَأَعْرَضْنَا صَفْحًا عَنْ طَرْقِ أَبْوَابِ المُبْتَدِعِينَ اللِّئَامِ. وَبَعْد، فَإِنَّ أَعْظَمَ مَا تُرِكَ لأِجْلِهِ لَذَائِذُ الطَّعَامِ، وَأُعْرِضَ مِنْ أَجْلِهِ عَن طِيبِ المَنَامِ، هُوَ الاِشْتِغَالُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ، وتَجشُّمُ الصِّعَابِ في التَّرَقِّي فِي دَرَجِ الفُهُومِ. وَلَقَدْ كَانَ عِلْمُ الأُصُولِ مِن بَيْنِ تِلْكَ العُلُومِ أَسَاسًا لِلشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِن أَجَلِّهَا قَدْرًا، وَأَعْظَمِهَا نَفْعًا وَفَائِدَةً؛ إِذْ هُوَ العِلْمُ الكَفِيلُ بالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وإِجْمَاعٍ وَقِياسٍ مِن حَيْثُ تُؤخَذُ مِنْهَا التَّكَالِيفُ وَتُسْتَنْبَطُ الأَحْكَامُ. وَعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ هُوَ العَاصِمُ لِلذِّهْنِ عَنِ الخَطَإِ عِنْدَ اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُو

стр. 4

المُعْتَمَدُ لأِصْحَاب الخِلافِ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِن مُنَاظَرَاتٍ وَمُسَاجَلاتٍ؛ كَيْ يُصَحِّحَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَذْهَبَه، وَيُثَبِّتَ بِنَاءَهُ عَلَى دَعَائِمَ صَحِيحَةٍ، وَأُصُولٍ قَوِيمَةٍ، وَهُوَ المُعْتَمَدُ أَيْضًا لأِصْحَابِ التَّخْرِيجِ الَّذِين عُنُوا بِتَفْرِيعِ الأَحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ، وَتَخْرِيجِ الحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الوَقْتيَّةِ عَلَى أصُولٍ تَنْبَنِي عَلَيْهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْهَا. وَبَعْد، فَهذِهِ مُقَدِّمَةٌ لِتَحْقِيقِ كِتَابِنَا "رَفْعِ الحَاجِبِ عَنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ الحَاجِبِ" للإمام الهمام العلَّامة ابن السبكي ﵀ تَشْتَمِلُ عَلَى المَبَاحِثِ التَّالِية: - نَبْذة عن عَصْر ابن الحاجب. - ابنُ الحاجب بَيْن يدَيْ أصحاب التَّرَاجِم. - نشأة ابن الحاجِب. - شُيُوخ ابْنِ الحاجِب. - تلاميذ ابنِ الحاجِب. - ثناءُ العلماءِ عليه. - بَيْن ابْنِ الحاجِبِ والعِزّ بن عبْدِ السَّلام. - مصنَّفَاتُهُ. - وفاةُ ابْنِ الحاجب. - إضاءَةٌ على القَرْن الثَّامِنِ الهجْريّ. - الحالةُ السياسيَّة في عَصْر سلاطين المماليك. - الحالة الاجتماعيَّة في عَصْر سلاطين المماليك. - الحالةُ الاقتصاديَّةُ في عَصْر سلاطين المماليك. - الحالة الثقافيَّة في عَصْر سلاطين المماليك. - تاجُ الدِّين السُّبْكِيُّ بين يدَيْ أصحاب الطبقات. • نسبه. • مولده. • نشأته. • الكلام على آل السُّبْكِيِّ. • شيوخه.

стр. 5

• تلاميذه. • ثناء العلماء عليه. • محنة التاج السبكي. • آثاره ومصنفاته. • وفاته. - تعريف أصول الفقه. - موضوع أصول الفقه. - نشأة علْم أُصُول الفِقْه. - اختلافُ العلماءِ حَوْل واضِعِ عِلْم الأُصُول: • الإمام محمد الباقر. • الإمام "أبو جنيفة". • محمَّد بنُ الحَسَن. • أبو يُوسُف. • الرسالةُ والشَّافعيُّ. • خُلاصَة رسالةِ الشَّافعيِّ. - مناهجُ العلماءِ في الدراساتِ الأُصوليَّة. أوَّلًا: الاتجاه النظريُّ. ثانيًا: الاتِّجاه المذهبيُّ المتأثِّر بالفروع: • الحنفية. • المالكية. • الحنابلة. • الشافعية. ثالثًا: الاتِّجاهُ الجامعُ بَيْنَ المذهَبَيْن. رابعًا: حول قضية التجديد في أُصُول الفقه. • النسبة بين أصول الفقه والعُلُوم الأخرى. • اسْتِمْدَاده.

стр. 6

• فائِدَتُه. • الكِتَابُ. • السنَّة. • إنْكارُ حُجِّيَّة السُّنَّة موجِبٌ للرِّدَّة. • العلاقةُ بيَن الكتابِ والسُّنَّة. • الإجماعُ. • القياس. • النَّسْخ.

стр. 7

ابْنُ الحَاجِبِ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابَ التَّرَاجِمِ نَسَبُهُ: هو: أَبُو عمرٍو عُثْمانُ بْنُ عمرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكُرْدِيُّ الدَّوِينِيُّ (١) الأصْلِ، الإسنائيُّ (٢) المولدِ المالكيُّ، ويلقب بـ "جمالِ الدِّينِ". قال أبو العبَّاس ابنُ خَلِّكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ: "أبو عمرو … الدَّوَنِيُّ ثم المصريُّ الفقيهُ المالكيُّ .. " (٣). وقال الحافظُ الذهبيُّ المتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ: "الشَّيخُ الإمامُ العلَّامة المُقَرئُ الأُصوليُّ الفقيه النحويُّ جمال الأئمة والملَّة والدينِ أَبو عَمْرٍو … صاحبُ التصانيفِ .. " (٤). وقال ابن فَرْحُون المالكِيُّ المتوفَّى سنة ٧٩٩ هـ، نقلًا عن "الوفيات" لابن خَلِّكان: "عُثمانُ بْنُ عمرَ بْنِ أَبِي بكْرِ. بنِ يُونُسَ الرَّوِينِيُّ، ثمَّ المصريُّ الدمشقيُّ ثم الإسكندريُ يكنى أبا عمرٍو المعروف بـ "ابن الحاجب"، الملقَّب بـ "جمال الدِّين"، الإمامُ العلَّامة، الفقيهُ _________ (١) نسبة إلى "دَوِين" - بفتح أوله وكسر ثانيه - وياء مثناة من تحت ساكنة، وآخره نون - بلدة في آخر "أذْرَبيجَان" من جهة "أران"، وبلاد "الكرك"، معجم البلدان ٢/ ٥٥٨. (٢) "إسْنَا" بالكَسْر، ثم السُّكُون، ونون وألف مقصورةٌ: مدينة بأقصى الصعيد، ليس وراءها إلا أدفو وأسوان، ثم بلاد النوبة، وهي على شاطئ النبيل من الجانب الغربيِّ، وهي طَيِّبة كثيرةُ النخل والبساتين. مراصد الاطلاع ١/ ٧٦، ٧٧، وهي الآن تابعة لمحافظة قنا. (٣) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٨. (٤) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥.

стр. 8

المالكيُّ … " (١). ويظهر الفرْق واضحًا بَيْن ما نقله ابن فَرْحُون، وما هو في "الوفيات". وقال ابن الجزريِّ المتوفَّى سنة ٨٣٣ هـ: "عثمانُ بنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونسُ أَبُو عَمْرِو بْن الحَاجِبِ الكرديُّ الأصلِ الدَّونِيُّ الإسنائيُّ المولدِ … " (٢). وقال السُّيُوطيُّ المتوفَّى سنة ٩١١ هـ: "ابن الحاجبِ العلَّامةُ جمالُ الدينِ أَبُو عمْرٍو عثمانُ بنُ أَبِي بَكْرٍ الكرديُّ الإسنائيُّ ثم المصريُّ المالكيُّ … " (٣). وقال حاجي خليفة المتوفَّى سنة ١٠٦٧ هـ: "عثمانُ بنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكُرديُّ الإسنائيُّ ثمَّ المصريُّ جمالُ الدِّينِ أَبُو عَمْرٍو المالكيُّ النَّحويُّ المعروفُ بـ "ابنِ الحاجبِ" .. " (٤). وقال ابن العماد الحنبليُّ المتوفَّى سنة ١٠٨٩ هـ: "العلَّامة أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر الكردي الأسنائي - وأسْنَا - بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف بليدة صغيبرة - من أعمال القُوصيَّة بالصعيد الأعلى من مصر … " (٥). وقال كَحَالَة: "عثمانُ بن عمرَ بْن أبي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكرديّ، الدَّوينِيُّ الأصْلِ، الإسْنائيّ، المالكيّ، المعروف بـ "ابن الحاجِبِ" "أبُو عَمْرو، جَمالُ الدِّين" … " (٦). وقال خَيْرُ الدِّينِ الزِّركلِيُّ: "عثمانُ بنُ عُمر بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ يُونس، أَبُو عمرو جَمَالُ الدِّينِ بْنُ الحَاجِبِ .. " (٧). مَوْلِدُهُ: ولد ابن الحاجبِ في أواخر سنة ٥٧٠ هـ أو ٥٧١ على الشَّكِّ منه. كذا ذكره الذهبيُّ وابن الجزريِّ. _________ (١) الديباج المذهب ٢/ ٨٦، وقد تحرفت فيه كلمة "الدويني" إلى "الرويني". (٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٨. (٣) حسن المحاضرة ١/ ٤٥٦ (٤) هدية العارفين ١/ ٦٥٤. (٥) شذرات الذهب ٥/ ٢٣٤، وضبطه لـ"أسنا" وتعريفه لها نقله بنصه عن ابن خلكان. (٦) معجم المؤلفين ٦/ ٢٦٥. (٧) الأَعلام ٤/ ٢١١، وقد اشتهر بـ"ابن الحاجب" لأن أباه كان حاجبًا للأمير عز الدين موسك الصلاحي، وقد تحرفت في "الفتح المبين" "موسلو "إلى "يوسف"، وتحرفت كلمة "الصلاحي" في "غايه النهاية" إلى "السلاحي".

стр. 9

قال الذهبيُّ: ولد سنة سبعين وخَمْسِمائةٍ، أو سنة إحدى - وهو يشك - بـ "إسْنا" من بلادِ الصَّعيد .. " (١). وقال ابن الجزريِّ: "وُلدَ سنة سبعين أو إحدى وسبعين وخَمْسِمائة - الشكُّ منه - بـ "إسْنا" من صعيد مصر .. " (٢). وقد تحرَّفْت سنةُ موْلِدهِ عنْد ابن فرْحُون، فقال: " .... وكان مولده بـ "إسْنا" بالصعيد الأعلى سنة تسعين وخمسمائة" (٣). _________ (١) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٥. (٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٨. (٣) الديباج المذهب ٢/ ٨٩.

стр. 10

نبذة عن عَصْر ابْنِ الحَاجِبِ (١) مَا أَصْدَقَ قَوْلَةَ ابْنِ خَلْدُونَ فِي مقدِّمته "أن الإنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْع"، وهذا يَعْنِي أَنَّ الإنْسَان لا يَسْتَطِيع أَنْ يَعِيشَ مُنْعَزِلًا عَن المُجْتَمع، بَلْ لا بُدَّ لَهُ من تأثيرٍ وتأثُّرٍ، وأخذ وإعطاء، فهذه سُنَّةُ اللّه الَّتي فَطر النَّاس عَلَيْهَا. ولا شكَّ أَنَّ كلَّ بيئةٍ لها تأثيرُهَا الخاصُّ عَلَى تكوين أفْرَادِهَا، فَهِي تصبغه بصبغتها، فيَسْتَوِي عُودُه على ما قَدْ رَشَفَه مِنْ مجتَمَعِه الَّذِي يُحِيط به، إِنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فَشَرٌّ. وغايةُ الأَمْرِ أَنَّك، إِذَا أردت أن تستَجْلِي هذا الصَّرْحَ الشَّامِخَ - ابْنَ الحاجِب - فلا بُدَّ من إِلقاء بَصِيصٍ مِنَ الضَّوْء على العَصْر الَّذي عاشَ فيه: قَامَتْ دولَةُ بَنِي أَيُّوبَ في مصْرَ بعْد ضعف الخلافةِ العبَّاسيَّة، وانْقِسام الطَّوائِف الطَّامعةِ في الخلافَةِ بأماكنَ تخصُّها، فالعالَمُ الإسلاميُّ يعاني من وَيْلات الانقسامِ والفُرْقَةِ، مِنْ سلاجقةٍ بالعراق، وفاطميِّين في الغَرْب، ثُمَّ مِصْر والشَّام، وبُوَيْهِيِّين بالعراقِ وفارِس قَبْل أنْ يَسْتَولي السَّلاجِقَةُ بَعْد ذلِكَ عَلَى الخِلافَة بـ "بَغْدَاد". ولقَدْ دَخَلَ السَّلاجقةُ فِي حُرُوبٍ وويلانٍ ليوطِّدوا مُلكَهم، وكانَتْ علاقتهم بالعباسييِّن علاقةً طيِّبة لا يُعكَّر صفْوُها إلا إذا تدَخَّل أحدُهم في شؤون الخليفة العباسيِّ. وقد استقلَّ عماد الدِّين زنكي عن السَّلاجقة، وأَنْشَأَ الدَّوْلَة الزنكيَّة، الَّتي دخَلَتْ فِي _________ (١) صاحب المَتْنِ الَّذي قام بشَرْحه العلَّامةُ ابنُ السُّبكيِّ.

стр. 11

حُرُوب مع السَّلاجِقَة، وقدْ ساعد نجْمُ الدِّين أَيُّوبُ والدُ صلاح الدين - عماد الدين، فأحسن استقباله ووفادته، ولذلك توطدت العلاقة بين البيت الزنكي والأيوبي، وتسير الأُمُور حتَّى يسيطر السلاجقةُ بزعامة نُور الدِّين زنْكِي عَلَى مصْر بمساعدة صلاح الدِّين وأسدِ الدِّين شيركوه، حتَّى إذا تُوُفِّيَ نور الدِّين، يخلفه صلاح الدين، فَيَبْسُط سلطان الأيُّوبِيِّين على البلاد الممتدَّة من مصْرّ إلى الفُرات. وتزْحَف الحملاتُ الصليبيَّةُ عَلَى العَالَمِ الإسْلاميِّ، فيتصدَّى لها السُّلطان صلاحُ الدِّين الأيُّوبيُّ حتَّى تَنكَسِرَ وتتحطم، فيحمد له التاريخُ ذلك. وقال فيه أحد الشعراء قصيدة مطلعها: [الطويل] أَرَى النَّصْرَ مَعْقُودًا بِرَايَتِكَ الصَّفْرَا … فَسِرْ وَافْتَحِ الدُّنْيَا فَأَنْتَ بِهَا أَحْرَى وَبِتَوَلِّي صلاح الدِّين الأمْرَ في مصْر، كان بدايةُ ظهور الدَّوْلَة الأيُّوبيَّة عَلَى مَسْرح الأحداث، وامتلأَتْ أيَّام حُكْم صلاحِ الدِّين بالحُرُوب والفُتُوحِ، وأعظمها فتْحُ بيت المقدس، وبلادِ الشَّامِ، إلَّا أَنَّ الصليبيين يُعَاوِدُونَ هُجُومَهُم، فيعقد معهم هدْنةً، وفي خلالِ ذلك يُفَجَّع المُسْلِمُونَ بمَوْت صَلاحِ الدِّين في سنة ٥٨٩ هـ. ويتوالَى سلاطينُ الأيوبيِّين واحدًا بعد الآخَرِ إلى أنْ تضعف دوْلَتُهم، بعد تدخُّل المماليك في شؤون البلاد، حتَّى تسْقُط الدوْلَة بمقتل توران شاه ابن الملك الصَّالِح نَجْم الدِّين أيُّوب، وذلك سنة ٦٤٨ هـ. وقد ظهر في خلال تِلْك الفتْرة نهضةٌ علميةٌ، ظهرتْ من خلالِ علماء جهابِذَةٍ وُجدُوا في أقطارِ العالم الإسْلاميِّ آنذاك، فمنهم: حجَّة الإسلامِ أبو حامد الغزاليُّ المتوفَّى سنة ٥٠٥ هـ، وعبد اللّه البَطْلَيوسِيُّ الفقيهُ المحدِّث الأصوليُّ المالكيُّ المتوفَّى سنة ٥٢١ هـ، وأبو الحَسَن بنُ الزاغُونِيِّ، الفقيهُ الحنبليُّ المتوفَّى سنة ٥٢٧ هـ، والقاضي أَبُو بَكْر بْنُ العربيِّ الفقيهُ المالكيُّ المشهورُ المتوفَّى سنة ٥٤٣ هـ، والفيلسوفُ ابنُ رشدٍ الحفيدُ المتوفَّى سنة ٥٩٥ هـ، ابن الجوزيِّ الحنبليُّ المتوفَّى سنة ٥٩٧ هـ، وابن قُدامَة الحَنْبَلِيُّ المتوفَّى سنة ٦٢٠ هـ، وسيفُ الدِّينِ الآمديُّ المتوفَّى سنة ٦٣١ هـ، والشيخُ أبو عمرِو بنُ الصَّلاحِ المتوفَّى سنة ٦٤٣ هـ، وغير هؤلاء كثير جدًّا.

стр. 12

كما ظهرت مصنفاتُ هؤلاء الأئمَّة، وانتشرتْ في جميع الأَصْقَاعِ، فتقبَّلها النَّاسُ بالقَبُول التامِّ، واعترفوا لأهْلِها بعُلُوِّ المنزلة. ومن بين هؤلاء الذين شَهِدَ لهم القاصي والداني، بإمامَتهِ وفَضْلِه، وطُول بَاعِه في نَوَاحِي العِلْمِ المختَلِفَة، الشَّيخُ العلَّامةُ الإمام أَبو عَمْرِو بْنُ الحَاجِبِ. وإليك - أيُّها القارئُ الكريمُ - ترجمة هذا الإمام: نَشْأَتُهُ: نشأ ابن الحاجِب في بَيْتِ أبيهِ الَّذِي كان حاجِبًا للأَمير عزِّ الدين موسك الصلاحيِّ، ثم انتقل به والدُه إلى القاهِرة، حَيْثُ اشتغل بالقُرْآن الكريمِ فَحفِظَه، وأخذ بَعْض القراءاتِ عن الشاطبيِّ، وسمع منه "التيسير" و"الشاطبيَّة"، ثم قرأ بالسَّبْع على أبي الجود، وقرأ بطُرُقِ "المبهج" على الشِّهاب الغَزْنَوِيِّ، وتفقَّه على مَذْهَب الإمامِ مالك، وطلب الأُصُول فحصَّلها، وبرع فيها، وفي العربيَّة واشتهر بها، ودخل دمشق فسَمِعَ بها، ولزِمَ الاشتغال حتَّى ضرب به المثل. وما زال يَطْلُب العِلْم حتَّى سَادَ. قال الذهبيُّ: "اشتغل أبو عمرٍو بالقاهِرة، وحفِظ القرْآن، وأخذَ بَعْض القِراءات عن الشاطبيِّ، وسمعَ مِنْه "التَّيْسِير"، وقرأ بطُرُق "المُبْهِج" على الشهابِ الغَزْنويِّ، وتلا بالسبع على أبي الجود، وسمع من أبي القاسمِ البوصيريِّ، وإسماعيل بْنِ ياسين، وبهاء الدِّين بْنِ عساكِرَ، وفاطمة بِنْتِ سعْدِ الْخَيْرِ، وطائِفة، وتفقَّه على أبي المنصور الأبياريِّ وغيره" (١). وَيَسْتَتْبِعُ هذَا الحديث عن شيوخ هذا الإمام؛ شيوخهُ: ١ - الشَّاطبيُّ: وهو القاسمُ بْنُ فِيرُّةَ بْن أَبِي القَاسِم بْنِ خَلَف بْنِ أَحْمَدَ، الإمامُ العلَّامةُ الحُفَظَةُ الضَّرير، أبو محمَّد الرُّعَيْنِيُّ، الأندلسيُّ، الشاطبيُّ، المقرئ الشهيرُ صاحبُ القصيدةِ _________ (١) انظر ترجمته في: ابن قاضي شُهْبة طبقات الشافعية ٢/ ٣٥، وابن خَلِّكان وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، ونفح الطيب ١/ ٣٣٩، ونكت الهميان ٢٢٨، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٢٩٧، ومعجم الأدباء ١٦/ ٢٩٣، وابن تغري بردي النجوم الزاهرة ٦/ ١٣٦.

стр. 13

المَوْسُومةِ بِـ "حرْزِ الأَمَانِي"، وَلَم يُلْحَقْ فِيها ولا سُبِقَ إلى مثلها. ولد بـ "شاطبة" في سنة ٥٣٨ هـ ودخل مصر سنة ٥٧٢ هـ، ذكره النوويُّ في "طبقاته" في الأسماء الزائدة على ما ذكره ابنُ الصَّلاح، وقال: لم يكنْ في زمانه بـ "مصرَ" نظيرُه في تعدُّد فنونه وكثرة محْفوظه، وقال ابن خَلِّكان: كان عالمًا بكتاب اللّه قراءةً وتفسيرًا، وبحديث رسول الله ﷺ مُبَرِّزًا، وكان يُقْرَأُ عَلَيْه "الصَّحيحان" و"الموطَّأ" فيصحِّحون النسخ من حفظه، ويُمْلِي النكت على المواضع المحتاج إلَيْها. وكان إمامًا في عِلْم النَّحْوِ واللُّغة، عارفًا بتعبير المناماتِ، حسَنَ المقَاصِد، مُخْلِصًا فيما يقول ويَفْعَل، ولا يَجْلِس للإقراء إلا على طهارة في هَيْئة حسَنَةٍ وتخشُّع واسْتكانة، وكان يقال: إنه يحفظ وِقْرَ بَعِيرٍ من العُلُومِ. عالمًا بكتاب اللّه تعالى قراءةً وتفسيرًا، وبحديث الرَّسُول ﷺ ، وبالجملة، فمحاسنه كثيرةٌ ﵀، وله من المصنَّفاتِ: اللَّامِيَّة والشَّاطِبيَّة، تُوفي سنة ٥٩٠ هـ (١). والرعينيُّ منسوبٌ إلى ذي رُعَيْنٍ إحدى قبائل اليمن. وفِيرُّة - بفاء مكسورة وياء مثناة من تحت ساكنة وراء مضمومة مشددة - اسم أعجمي معناه بالعربية: حَدِيد. ٢ - الشِّهَابُ الغَزْنَوِيُّ: هو شهاب الدين أبو الفضل أحمدُ بن يوسُفَ بْنِ عليِّ بْنِ محمَّدٍ الغزنويُّ البغداديُّ، الفقيهُ الحنفيّ، وتنسب إليه المدرسة الغزنويَّة، حيث كان مدرِّسًا بها، وكان إمامًا فاضلًا، حسَنَ الطريقةِ متينًا، حدَّث بالقاهرة بكتاب "الجامع" لعبد الرزَّاق بْنِ هَمَّام، فرواه عنه جماعةٌ، وجمع كتابًا في الشيب والعمر. وُلِدَ ببَغْداد سنة ٥٢٢ هـ، وتُوفي بالقاهرة سنة ٥٩٩ هـ. ٣ - القاسِمُ بْنُ عَسَاكِر: هو القاسمُ بنُ عَلِيِّ بْنِ الحسن بْن هِبَةِ الله، الحافِظُ المُسْنِد، بهاءُ الدِّين، أبو محمَّد بنُ الحافِظِ الكبيرِ ثقة الدِّين أبي القاسم بْنِ عَسَاكِر، وُلدَ في جُمَادَى الأولَى سنة _________ (١) انظر ترجمته في: ابن خلِّكان وفيات الأعيان ٤/ ٧١، والذهبي طبقات القراء ٢/ ٤٥٧، والسبكي طبقات الشافعية الكبرى ٤/ ٢٩٦، وابن الجزري: غاية النهاية ٢/ ٢٠.

стр. 14

٥٢٧ هـ، وكان محدِّثًا حَسَن المعرفَة، شديد الوَرَع، ومع ذلك كان كثير المُزاحِ، صنَّف كتاب "المستقصى في فضائِلِ المَسْجِدِ الأقْصى"، وكتاب "الجهاد"، وتولَّى مشيخة دار الحديث النورية بعْد والده، فلم يتناولْ من معلومها شيئًا، بل كان يرْصُدُه للواردين من الطَّلَبة حتى قيل: لم يَشْرَبْ من مائِها ولا توضَّأ. قال الذهبيُّ: كتب الكثير، وصنَّف وخرَّج وعُنِيَ بالكتابة والمطالعة فبالَغَ إلى الغاية … تُوفِّيَ سنة ٦٠٠ هـ بدمشق" (١). ٤ - أبُو الحَسَنِ الأبْيَارِيُّ: وهو عليُّ بنُ إسماعيل بْنِ عليِّ بن عطيَّة الأبياريُّ، شمسُ الدِّينِ، أبو الحَسَن، وأَبْيَار - بفتح الهمزة وسكون الباء - بلدة بالغربية من محافظات مصر، جمع "بِئْر". وهو أحد أئمَّة الإسْلام المحقِّقين الفقيهُ المالكيُّ الأصوليُّ المحدِّث، رحل النَّاس إليه، وكان ذا دعوةٍ مجابةٍ، بَرَعَ فِي عُلُومٍ شتَّى: الفقه، والأصُّول، والكَلام، وكان بعض الأئمَّة يفضِّله على الإمامِ فخر الدِّين في الأصُولِ، تفقَّه بأبي الطَّاهِرِ بْنِ عَوْفٍ، والقاضي عبد الرحمن بْن سلامة، ودرس بالإسكندرية، وانتفع به الناس. وُلدَ سنة ٥٥٧ هـ، وتُوُفِّي سنة ٦١٨ هـ (٢). ٥ - أَبُو الجُودِ: وهو الحسنُ بنُ عليِّ بْنِ عبْدِ الله أَبُو الجُودِ الأنطاكيُّ يُعْرفُ بـ "ابْنِ الزِّف" مكسورة، وبالفاء، شيخ لأبي عليٍّ الرُّهَاوِيِّ ذُكِرَ أَنَّه قرأَ عليْهِ عن قراءته على أبي بكرٍ محمَّدِ بْنِ هارون التَّمَّارِ صاحبِ رويس، وذكر الحافظُ أبو العلاءِ أنَّه قرأ أيضًا على أبي بكرٍ أحمدَ بْنِ كاملٍ عن التمار، وعلى الحُسَيْنِ بْنِ عليٍّ الملقَبِ بـ "كرداب" صاحِبِ الغرائب عن رويس (٣). وقد تتلْمَذ ابنُ الحاجب على شيوخٍ كثيرينَ مثْل أبي الحُسَيْن بْن جيد، وأبي الحَسَنِ _________ (١) انظر ترجمته في: ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية ٢/ ٣٤، وطبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٤٨؛ والبداية والنهاية ١٣/ ٣٨، وشذرات الذهب ٤/ ٣٤٧، والأعلام ٦/ ١٢. (٢) ينظر ترجمته في: حسن المحاضرة ١/ ٤٥٤، والديباج المذهب ٢/ ١٢١، وشجرة النور الزكية ٢١٣ "والفتح المبين" ٢/ ٥٣. (٣) ينظر ترجمته في: غاية النهاية ١/ ٢٢٤.

стр. 15

الشَّاذليِّ، وأبِي عبْدِ اللَّهِ محمَّدِ بنِ أحمد بْنِ حامِدٍ الأرتاحيّ، وغيرِهِمْ ممَّا لا يتَّسع له المقام، بل سنذكرهم على آخرهم في تحقيقنا على المختصر. تَلامِذَتُهُ: ١ - شِهَابُ الدِّينِ القرافِيُّ: وهو أحمد بن إدريس بْنِ عَبْدِ الرحمنِ بنِ عبْدِ اللهِ بن بكِّين، الصنهاجيُّ البغشيميّ، البهنسيُّ المصريُّ المالكيُّ شهابُ الدِّين، وكنيته "أبو العباس"، أخذ عن الشيخ عزّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ الشَّافعي والفاكهانيِّ والبقوريِّ، وكان وحيدَ دَهْره ومزيدَ عَصْره، حافظًا منوهًا، بارعًا في الأصُول والتفْسِير والحديث والعُلُوم العقْليَّة، وعلم الكلام والنَّحْو. تخرَّج عليه جمْعٌ من الفضلاء، وله مصنَّفات عديدةٌ مشهورةٌ، منها: "نفائس الأصُول"، وقد حقَّقْناه بِحمد اللّه، وكتاب "التَّنْقِيح" وشرحه، و"الذَّخيرة"، وبها اشتُهر، و"الاسْتِغْناء في الاسْتِثْناء"، وغير ذلك. تُوُفِّيَ بمصر القديمة سنة ٦٨٤ هـ (١). ٢ - ابْنُ المُنير: وهو أحمدُ بْنُ محمَّدِ بْنِ مَنْصورِ بْنِ أبِي القَاسِم بْنِ مخْتَارِ بْن أَبِي بَكْر بْنِ عليٍّ، أبُو العبَّاسِ ناصرُ الدِّين، المعروفُ بـ "ابن المنير" الجرويُّ الجزاميُّ الإسكندريُّ، الفقيهُ المالكيُّ الأصوليُّ المتكلِمُ النظارُ المفسِّر، المحدِّثُ الراوية، الأديبُ الشَّاعِرُ الخطيب، ولد سنة ٦٢٠ هـ، وسمع من أبيه ومنْ أبي بكرٍ عبدِ الوهَّاب بنِ رواح بن أسْلم الطوسيِّ، وقرأ على ابن الحاجب الفقْه والأصول، ونقل ابن فرحونَ أن العزَّ بنَ عبْد السلام قال: الدِّيارُ المصريَّة تفتَخِر برجُلَيْن في طرفيها: "ابنُ دَقِيقِ العِيدِ بـ "قُوص"، وابْنُ المنير بـ "الإسْكَنْدَرِيَّة"، ولأبي عمرو بْنِ الحاجِبِ فيه: [الوافر] لَقَدْ سَئِمَتْ حَيَاتِي اليَوْمَ لَوْلا … مَبَاحِثُ سَاكِنِ الإِسْكَنْدَرِيَّهْ _________ (١) ينظر ترجمته في: مقدمة تحقيقنا لكتاب "نَفائِس الأُصُول" للقرافِيِّ، وانظر: حسن المحاضرة ١/ ٣١٦، والديباج ١/ ٢٣٦، والشجرة الزكية ١٨٨ "والفتح المبين" ٢/ ٨٩.

стр. 16

كَأَحْمَدَ سِبْطِ أَحْمَدَ حِينَ يَأْتِي … بِكُل غَرِيبَةٍ كَالْعَبْقَرِيَّهْ تُذَكِّرُنِي مَبَاحِثُهُ زَمَانًا … وإخْوَانًا لَقِيتُهُمُ سَرِيَّه زَمَانًا كَانَ الأَبْيَارِيُّ فِيهِ … مُدَرِّسَنَا وتَغْبِطُنَا الْبَرِيَّهْ مَضَوْا فَكَأَنَّهُمْ إِمَّا مَنَامٌ … وإمَّا صُحْبَةٌ أَضْحَتْ عَشِيَّه له مصنَّفاتٌ عديدةٌ قيِّمة، منْها: تفسير القرآن سماه "البَحْرَ الكَبِيرَ في نخب التَّفْسِير"، ومنها: كتابُ "الانتصاف من الكَشَّاف" وغيرهما. تُوُفِّيَ ﵀ بالإسكندرية سنة ٦٨٣ هـ (١). ٣ - المُنْذِرِيُّ صاحب "الترغيب والترهيب": وهو عبدُ العَظِيم بنُ عَبْدِ القويِّ بْن عبدِ الله بْنِ سلامَة بْنِ سعدِ بْنِ سَعِيدٍ، الحافِظُ زكيُّ الدِّينِ أبُو محمَّدٍ، المنذريُّ، الشاميُّ الأصْل، ثم المصريُّ المولد والوفاة. ولد سنة ٥٨١ هـ، وقرأ القراءات، وبَرَع في العربيَّة والفقْه، وسمِعَ الحديث من جماعة بـ "مَكَّة" ودمشْق وحَرَّان والرُّها والإسْكَنْدرِية، وتخرَّج في الحديثِ بالحافظِ عليِّ بْن المفضَّلِ، وخَرَّج لنَفْسِه معجمًا مفيدًا في ثمانية عشَرَ جُزءًا حديثيَّة، روى عنه الدِّمْياطيُّ وابنُ دقيقِ العيدِ، والشَّريفُ عزُّ الدِّينِ وأبُو الحَسَنِ اليونينيُّ وخلقٌ، ودرس بالجامع الظافريِّ، ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية، وانقَطَعَ بها عشرين سنة يصنِّف ويفيد، ويتخرَّج به العلماء في فُنُونٍ من العلْم، وبه تخرَّجِ الدمياطيُّ وابنُ دقيق العيد وطائفةٌ. وقال الشَّريفُ عزُّ الدين: "كان عديمَ النَّظير في مَعْرِفة عِلْمِ الحَدِيث عَلَى اخْتِلاف فُنُونه، عَالِمًا بِصَحِيحه وسَقيمه، ومَعْلُوله وطرق أسَانِيده، متبحِّرًا في مَعْرِفَةِ أحْكَامِه ومَعَانِيه ومُشْكِلِه، قيِّمًا بِمعْرِفَة غرِيبهِ وإعْرَابه واخْتِلافِ ألْفاظِه، ماهِرًا في مَعْرِفَةِ رواتِه وجرحِهم وتَعْدِيلِهِم ووَفياتِهم، وموالِيدِهِم وأخْبَارِهِم، إمامًا حُجَّةً، ثَبتًا، ورعًا، متحرِّيًا فيما يقولُه، متثبّتًا فيما يَرْوِيهِ". وقال الذهبيُّ: كان صالحًا، زاهدًا، متنسِّكًا، ولم يكنْ في زمانه أحْفَظُ منه. _________ (١) ينظر ترجمته في: "الديباج المذهب" ١/ ٢٤٣، وحسن المحاضرة ١/ ٣١٦، ٣١٧، وشجرة النور الزكية ١/ ١٨٨، وفوات الوفيات ١/ ٧٢.

стр. 17

ومن تصانيفه: "مختصر مسْلِم"، و"مُختصر سنن أبي دَاوُد"، وكتاب "الترغيب والترهيب" وغير ذالك. تُوفِّي سنة ٦٥٦ هـ، ودُفِنَ بسَفح المُقطَم (١). ٤ - الدِّميَاطيُّ: هو عبدُ المؤْمِن بْنُ خلَفِ بْنِ أبي الحَسَن بْنِ شرَفِ بْنِ الخَضِرِ بْنِ مُوسَى، الحافِظُ الكبير، شرفُ الدِّين أبو محمَّدٍ، وأبو أحْمَدَ الدِّمْياطِيُّ. وُلدَ بدمياط سنة ٦١٣ هـ، وتفقه بها، وقرأ بالسَّبع على الكمال الضَّرِير، وسَمِع الكثير ورحَل، ولازَمَ المنذريَّ سنين، وتخرَّج به، ودرَّسَ لطائفة المحدِّثين بالمنْصُوريَّة، وهو أول مَنْ دَرَّسَ بِهَا لَهُم، وبالظاهريَّة، ورحل إلَيْه الطُلَّاب، وحدَّث قديمًا، وسَمِع مِنْه أبو الفَتْح الأبْيورْدِيُّ، رَوَى عنه من تلاميذه الحفَّاظُ: المِزِّيُّ، والبرزاليُّ، والذهبيّ، وابنُ سيِّدِ النَّاسِ، والسُّبْكِيُّ وغيرُهُم. قال المِزِّيُّ: ما رأيْتُ أحْفَظَ مِنْه. وقال البرزاليُّ: وكان آخِرَ مَنْ بَقِيَ من الحفَّاظ وأهْل الحديث أصحاب الرواية العالية، والدرايةِ الوافِرَةِ. وقال الذهبيُّ في معجمه: العلَّامة، الحافظ، الحجَّة، أحدُ الأئِمَّةِ الأَعلام، وبقيَّة نُقَّاد الحديث، اشتغل بـ "دِمْيَاط"، وأتقن الفِقْه، ثم طلب الحديث سنة ٦٣٦ هـ، ورحل وسَمِعَ الكَثيِر، ومعْجمه نحو ألف ومائتين وخمسين شيخًا. وله تصانيفُ في الحديثِ والعوالي، والفِقْهِ واللُّغة وغَيْرِ ذلك، ومحاسِنُه جمَّةٌ. وقد أثنى عَلَيْه غَيْرُ واحِدٍ، وله مصنَّفاتٌ نَفِيسَةٌ منها: "السِّيرة النبويَّة"، وكتابّ في "الصلاةِ الوُسْطى"، وكتابُ "الخيل"، وغير ذلك. تُوُفِّيَ فجأةً سنة ٧٠٥ هـ بالقاهرة (٢). ولابنِ الحاجبِ تلامذةٌ كثيرونَ، نكْتَفِي بِذِكْرِ مَنْ تقدَّم، ولنبسط ذلك عند تحقيقنا على المختصر. _________ (١) ينظر ترجمته في: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١١١، وطبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٠٨، وطبقات الشافعية للإسنوي ص ٣٣٢، والنجوم الزاهرة ٧/ ٦٣. (٢) ينظر ترجمته في: ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية ٢/ ٢٢٠، وابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٢/ ١٧، والسبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٦/ ١٣٣، وابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٨/ ٢١٨، والسيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٢٠٢، وابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ١٢.

стр. 18

ثنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيهِ: قال ابنُ خَلِّكَانَ: " … وبرَعَ في عُلُومه وأتْقَنَها غاية … وجَاءَني مرارًا بسبب آراء وشهادات، وسألته عن مواضع في العربيَّة مُشكلةً، فأجاب أبلغ إجابة بسُكُونٍ كثير وتثبُّتٍ تامِّ … (١). قال: ومِنْ جملةِ ما سألته عن مسألة اعتراضِ الشَّرْط علَى الشَّرْط في قولهم: "إنْ أَكَلْتِ إِنْ شرَبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ" ثُمَّ تعيُّن تقديمِ الشُّرْبِ على الأكْلِ يُسَبِّبُ وقوعَ الطَّلاقِ حتَّى لَوْ أكلَتْ ثمَّ شربَتْ لا تُطلَّق؟. وسألته عن بيتِ أبي الطيِّب المتنبي، وهو قوله: [البسيط] "لَقَدْ تَصبَّرْتُ حَتى لاتَ مُصْطَبرِ … فَالآنَ أُقحَمُ حَتَّى لاتَ مُقْتَحَمِ" مَا السَّبَبُ الموجِبُ لِخَفْضِ. "مُصْطَبَرٍ" و"مُقْتَحَمِ"، و"لاتَ" لَيْسَتْ من أدوات الجر؟ فأطال الكلام فيهما، وأحسن الجَوابَ عَنْهما، ولولا التطويلُ لذكرت ما قاله .. " (٢). وقال الذهبيُّ: "وكان من أذكياء العَالَم، رأْسًا في العربيَّة وعِلْم النظر، درَّس بجامع دمشْق، وبالنورية المالكيَّة، وتخرَّج به الأصحاب، وسارَتْ بمصنَّفاته الركبان، وخالَفَ النُّحاة في مسائِلَ دقيقةٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهم إشكالات مفْحِمةً .. " (٣). وقال الأدفويُّ: "وكان صحيحَ الذِّهْن، قويَّ الفَهْم، حادَّ القريحة. قال الشيخ الإمامُ أبو الفتح محمَّدُ بْنُ عليّ القُشَيْرِيُّ عنه: هذا الرَّجُلُ تيسَّرَتْ له البلاغة، فتقيأ ظلَّها الظليل، وتفجَّرتْ ينابيعُ الحِكْمَةِ، فكان خاطِرُه ببَطْن المَسِيل، قرب المرمى، فخفف الحمل الثقيل، وقامَ بوظيفةِ الإيجاز، فنَادَاهُ لسانُ الإنْصَاف، ما على المُحْسِنِين مِنْ سبيل، وكان ﵀ مِنَ المُحْسِنِينَ الصَّالِحِينَ المُتَّقِينَ" (٤). وقال ابنُ فَرْحُونَ: "قال والدي - عليُّ بْنُ فَرْحُونَ ﵀: قال لي الإمامُ العالِمُ _________ (١) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٩، ٢٥٠. (٢) السابق نفسه ٣/ ٢٥٠. (٣) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٥. (٤) الطالع السعيد ١٨٨، ونقل هذا الكلام ابن فرحون في ديباجه، وعزاه لابن مهدي في معجمه. ينظر الديباج المذهب ٢/ ٨٧.

стр. 19

الفَاضِلُ العَلَّامَةُ القاضي فخرُ الدِّينِ المصريُّ: كان شيخُنا كمالُ الدِّين الزملكانيُّ يقول: "لَيْسَ للشَّافعيةِ مثْل مُختَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ للمالكيَّة" وكفى بهذه الشَّهَادة (١). وقال ابن الجَزَرِيِّ. "الإمامُ العلَّامة الفقيهُ المالكيّ، الأصوليُّ النَّحويُّ المقرئُ … قال أبو الفَتْح عمر بن الحاجِبِ الأمينيُّ هو فقيهٌ فاضلٌ مُفتٍ مناظرّ مُبَرِّزٌ في عدَّة عُلُومٍ متبحِّرٌ مع ثقةٍ ودينٍ وورعٍ وتواضعٍ واحتمال تكلُّفٍ … " (٢). وقال السُّيُوطِي. "وكانَ رُكْنًا مِنْ أَرْكانِ الدِّينِ في العِلم والعَمَلِ … " (٣). بَيْنَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ: تذْكُر المصادِرُ التاريخيَّةُ أنَّ ابن الحاجِبِ كانَ عَلَى علاقَةٍ شديدةٍ بسُلْطان العلماءِ العزِّ بْنِ عبدِ السَّلامِ، فكان يحِبه حبًّا شديدًا، ويتعلَّقُ به، ويدافِعُ عنه. قال ابنُ العِمَادِ: "قال اليافعيُّ: وبَلَغَنِي أنَّه كان محبًّا للشَّيْخِ عزِّ الدِّين بْنِ عَبْدِ السَّلامِ وأن ابنَ عَبْد السلامِ حين حُبِسَ بِسَبَبِ إنْكاره عَلَى السُّلطان دَخَل مَعَهُ الحَبْسَ موافقةً ومراعاةً، ولَعلَّ انتقَالَه إلى مصر كان بسَبَبِ انتقال الشَّيخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلام وفيهما أنَّهما اجتمعا في الإنكار … " (٤). ولكن ابنَ الجَزَرِيِّ يرَى - من قبلُ - أن السُّلْطان أخرجهما معًا من الدِّيَار الشاميَّة، قال: "ودخَلَ دمشق، فسَمِعَ من القاسم بْنِ عساكِرَ وغيره، ولزم الاشتغال حتَّى ضُرِبَ به المَثَل، وتكرَّر دخولُه دمشْقَ، وآخر ما دخلها سنة سَبع عَشْرَة وستمائة، فَاشْتَغَل ودرَّسَ بالجامعِ الأمويِّ بزاوية المالكيَّة منْه، وهي شماليّ محرابِ الحنابلة الذي يلي صَحْنَ الجامع، فأكب الفضلاءُ عَلَيْه، وانْتَفعُوا بهِ كَثِيرًا، فَلمَّا وَقَعَ بَينَهُ وَبَينَ صَاحِب دِمشْقَ الصَّالِح بْنِ أَبِي الجيش مَا وَقَع مع الشَّيْخِ عَزِّ الدِّينِ أَبِي محمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ؛ حَيْثُ أنْكَرَا عَلَيْهِ سُوءَ سِيرَتِهِ أمَرَهُمَا بأن يخرجا مِنْ بَلَده، فخَرَجَا مِنْهَا سَنَة ثَمان وثلاثين وستمائة، فدخلا القاهِرَة، وجَلَسَ الشَّيْخ أبو عمرٍو بالفاضليَّة موْضع الشاطبيِّ وقصده الطلبة … " (٥). _________ (١) الديباج المذهب ٢/ ٨٧، ٨٨. (٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٩. (٣) حسن المحاضرة ١/ ٤٥٦. (٤) شذرات الذهب ٥/ ٢٣٤. (٥) غاية النهاية ١/ ٥٠٨ - ٥٠٩. وينظر أيضًا: ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/ ١٥٥، والمقريزي ١/ ٣٠٤.

стр. 20

آثَارُهُ: وقد تفنَّن ابن الحاجب في تصْنِيفاتهِ فَقَدْ أقَرَّ بفضْلِهِ وعُلُوِّ قَدْرهِ كَثِيرٌ من أهْلِ العِلْم، وامْتَدَحُوا مُصنَّفاته، وأعلوْا ذِكْرَهَا، وقَدْ نَالَتْ - لأَهميتها - عناية كثير من العُلَماءِ الَّذِين جاءُوا مِنْ بَعْدِهِ، فَتَنَاوَلُوهَا بالشُّروح والتَّعالِيقِ. قالَ ابنُ خَلِّكَانَ: "وكلُّ تصانيفه في نهاية الحُسْنِ والإفَادَة .. " (١). ونَقَلَ ابْنُ فَرْحُونَ ثناءَ تقيِّ الدِّين بْنِ دقيقِ العيدِ على أحدِ مصنَّفاتِ ابْنِ الحَاجِب فقالَ: " … ومِمَّا ذَكَرَهُ في مَدْحِ الكِتابِ أنْ قَالَ: هذَا كِتابٌ أَتَى بِعَجَبِ العُجَاب، ودَعَا قَصِيَّ الإجادَةِ، فَكَانَ المُجَاب، وراضَ عَصِيَّ المرادِ، فَأزَالَ شماسَتَه وانْجابَ، وَأبْدَى مَا حَقَّه أنْ يُبَالَغَ في اسْتِحْسَانه … " (٢). وقالَ ابْنُ الجَزَرِيِّ: "قُلْتُ: ومُؤَلَّفاتُهُ تنبِئُ عَنْ فَضْله كمخْتَصَرَي الأُصُولِ والفِقْهِ، ومُقَدِّمَتَي النَّحْوِ والتَّصْرِيفِ وَلا سِيَّما "أماليه" الَّتي يَظْهَرُ مِنْهَا ما آتاه اللهُ مِنْ عِظَمِ الذِّهْن، وحسن التَّصوُّرِ، إِلَّا أَنَّه أعضل فيما ذَكَره في مخْتَصَر الأصُولِ حِينَ تَعَرَّض لِلْقِراءَات، وأتى بِما لَم يَتَقَدَّم فِيهِ غيره … " (٣). وبالجُمْلة فقد قال الحافظُ الذَّهبيُّ: " … وسارَتْ بمصنَّفاته الرُّكْبان … " (٤). وَأَمَّا مصنَّفاته فنذكُرُها مرتَّبةً مِن حيْثُ المادَّة العلميَّة: (أ) مُصنَّفاتُهُ في الأُصُول: ١ - منتهى السُّولِ والأَمَلِ، فِي عِلْمَي الأُصُولِ والجَدَل. ٢ - مختصر المنتهى. (ب) مُصنَّفاتُهُ في الفِقْهِ: ١ - الجامع بين الأمهات. ٢ - مختصر ابن الحاجب الفرعي. (ج) مُصنَّفاتُهُ في التَّارِيخ: ١ - ذيل على تاريخ دِمَشْق لابْنِ عَسَاكِر. _________ (١) وفيات الأعيان ٣/ ٢٥٠. (٢) الديباج المذهب ٢/ ٨٧. (٣) غاية النهاية ١/ ٥٠٩. (٤) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٥.

стр. 21

٢ - معجم الشيوخ. (د) مُصَنَّفاتُهُ في النَّحْو: ١ - إعراب بعض آيات القرآن العظيم. ٢ - الأمالي النحوية. ٣ - الإيضاح في شرح المفصَّل. ٤ - رسالة في العشر. ٥ - شرحُ الكافية. ٦ - شرحُ كتاب سيبوَيْه. ٧ - شرح المقدِّمة الجُزُوليَّةِ. ٨ - شرح الوافية، نظْم الكَافِيَة. ٩ - القصيدةُ الموشَّحة بالأسماء المؤنَثَّة السماعيَّة. ١٠ - الكافية. ١١ - المسائلُ الدِّمَشْقيَّة. ١٢ - المكتفي للمبتدي شرح الإيضاح لأبي عليٍّ الفارسي. ١٣ - الواقية في نَظمَ الكافِيَة. (هـ) مصنَّفاتُهُ في التَّصرْيف: ١ - الشافية في التَّصْرِيف. ٢ - شرح الشَّافِيةِ. (و) مصنَّفاتُهُ في العَرُوض: ١ - المَقْصِدُ الجَلِيل، في عِلْم الخَلِيلِ. (ز) مصنَّفاتُهُ في الأَدَبِ: ١ - جمالُ العَرَبِ في عِلْمِ الأَدَبِ. (ح) مصنَّفاتُهُ فِي العَقِيدَةِ: ١ - عقيدةُ ابْنِ الحَاجِبِ.

стр. 22

وَفَاتُهُ: قال ابن خَلِّكان: " … ثم انُتْقَلَ إلَى الإسْكَندريَّة لِلإقَامَةِ بِهَا، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّته هناك، وتُوُفيَ بِهَا ضاحِي نَهَارِ الخميس السَّادس والعشرين من شوَّال سنة ست وأربعين وستمائة، ودُفِنَ خارج باب البَحْر (١) بتُرْبة الشَّيْخ الصَّالحِ ابْن أبي شامَةَ .. رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى" (١). _________ (١) وفيات الأعيان ٣/ ٢٥٠.

стр. 23

إِضَاءَةٌ عَلَى: "القَرْنِ الثَّامِنِ الهِجْرِيِّ" الذي عاش فيه الشارح (ابنُ السُّبْكِيِّ) دِيبَاجَةٌ: مِمَّا لا شكَّ فِيه عند جميع النَّاس أن الإنْسَانَ خَلَقَهُ الله سُبْحَانَهُ مَدَنيًّا بِطَبْعه، وحبَّب إِلَيْه الأُلْفَة والجماعَةَ، فَلا يُرى أحَدٌ يَنزَوِي عن جماعة النَّاس إلَّا لِعِلَّة شدِيدَة دَفَعَتْهُ إلَى إتيانِ غَيْر مَا جَبَلَ اللهُ عَلَيْه بَنِي آدَم. بَلَ إنَّهُ - سُبْحَانَهُ - جَعَلَ النَّاسَ طبَقَاتٍ متعددةً، وكلُّها لا تَخْلُو عن صفة التأثير والتأثُّر، فهذه سمةُ الحياةِ: "طبيبٌ، ومريضٌ"، "حطَّاب ونجَّار"، "بَائِعٌ ومشترٍ"، إلخ … إن كلَّ حيٍّ في الوجود يتأثَّرُ بالجو الذي يستنشقُ مِنْه هواءه، وبالبيئة الَّتى يَنْمُو بين أحْضَانِهَا، فإن البيئة تؤثِّر في النَّفْسِ الإنسانيَّةِ تأثيرًا بالغًا، دونَهُ تأثيرُ أيِّ مؤثِّر آخَر. وَعَلَيْه، فإنَّ العَصْر الَّذِي يَحْيَى فِيهِ عَالِمٌ من العلماء لا شَكَّ أن لَهُ تأثيرًا فعَّالًا عَلَيْه، إلَّا أن التأثير يختلفُ من شخْصٍ لآخَر. "وهكَذَا، فَإنَّه لَم يخرجْ عن أحكام البيئاتِ الضالَّة - إلَّا الأنبياءُ والرُّسُل - عليهم الصَّلاة والسلام - وكذلك المصلِحُون والمجدِّدون، الذين ثارُوا على ما توارثه عصْرُهم من عاداتٍ وتقاليد لَيْسَتْ من الحقِّ في شيءٍ (١). ثمَّ إنَّ معرفة أخبارِ أهْلِ العِلْمِ، والاطلاع عَلَى أحْوالِ نَشْأتهمْ وظُروفِ بِيئتِهِمْ، اعتبره _________ (١) د. محمد يوسف موسى في كتابه: "ابن تيمية" ص ٧.

стр. 24

كثيرٌ من العلماءِ مِنَ الأُمُورِ المُستَحبَّة؛ لما فيه من المعاني المستخْرَجَة من الأحداثِ الَّتي تمرُّ بهم. قال العلَّامة السخَاويُّ في "الإعْلان بالتَّوْبِيخ": "ويُنْتَفَع به - يَعْنِي التَّاريخ - فِي الاطِّلاع على أخبار العلماءِ والزهَّاد والفُضَلاء والخُلَفاء والمُلُوك والأُمَراء والنُّبَلاء، وسيرهم ومآثِرِهم في حَرْبهم وسِلْمهم، وما أبقى الدَّهْرُ من فضائلهم أو رذائِلِهم، بَعْد أن أبادهم الحَدَثانِ، وأبْلى جديدَهم المَلَوانِ" (١). وَللهِ دَرُّ القَائِلِ: [الطويل] إِذَا عَلِمَ الإنْسَانُ أَخْبَارَ مَنْ مَضَى … تَوَهَّمْتَهُ قَدْ عَاشَ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ وَتَحْسَبُهُ قَدْ عَاشَ آخِرَ عُمْرِهِ … إِذَا كَانَ قَدْ أَبْقَى الجَمِيلَ مِنَ الذِّكْرِ فَقَدْ عَاشَ كُلَّ الدَّهْرِ مَنْ كَانَ عَالِمًا … حَلِيمًا كَرِيمًا فَاغْتَنِمْ أَطْوَلَ العُمْرِ وحيث إنَّنا نتحدَّث عن الإمام تاج الدِّين السُّبْكيِّ، فَلَنْ نفهم تكْوينَه الفكريَّ، ونستجلي مدَاخِلَ شخصيته، ما لم نتعرَّض - بإطْنَابٍ - لدراسة أحوال عصْره الذي نَشَأ فيه. ودراسَتُنا هذه تُوجِبُ عَلَيْنَا أن نُلْقِي الضَّوْء عَلَى: ١ - الحالة السياسيَّة، وما حوته من أحباب جِسَامٍ. ٢ - الحالةُ الاجتماعيَّة، بمختلف مكوناتها. ٣ - الحالةُ الاقتصاديّة، من شتى مظاهرها. ٤ - الحالةُ الثقافيَّة، بكلِّ جَنَبَاتِهَا الفكريَّة والعلميَّة. وقبْل الدُّخول في شيءٍ من وصْف الحالات الأَرْبَع، يحْسُن بنا أنْ نحدِّدَ العصر الذي عاش فيه "تاج الدين السبكيُّ"، والمعلومُ أن التاج قد عاشَ منْ سنة ٧٢٧ - ٧٧١ هـ. ويَعْنِي هذا أن شَيْخَنَا قَدْ وُلدَ وَنَشَأَ ثُمَّ مَاتَ فِي عَصْرِ السَّلاطين المَماليكِ، وإنْ شِئْنَا التحديدَ قلْنا: في عصر المماليكِ البَحْريَّة، والذين امتدَّت مدَّةُ حكمهم من سنةِ ٦٤٨ - ٧٨٤ هـ (٢). _________ (١) ص ٨٥. (٢) ينظر: خطط المقريزي ٣/ ٩٨، الخطط التوفيقية ١/ ٧٩، ١٠٩ - ١١٠.

стр. 25

الحَالَةُ السِّيَاسِيَّةُ فِي عَصْرِ سَلاطِينِ المَمَالِيكِ: تَحْكِي كُتُبُ التَّاريخِ أن سلطان المَماليك قَامَ عَلَى أنقاضِ دَوْلَة بَنِي أيُّوبَ فِي مصْرَ المحْرُوسَةِ، وذلك عقِبَ مقتَلِ السُّلطانِ توران شاه ابن أيوبَ بْنِ محمد بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أيُّوبَ، المَلِكِ المعظَّمِ، سَيْفِ الدِّينِ، أَبِي الفَتْحِ بْنِ الصَّالحِ بْنِ الكَامِلْ بْنِ العَادِلِ. وكان السلطانُ توران شاه قدْ تسلْطَن بـ "دِمَشْق" في يوم السَّبت، مستهلَّ شوال سنة سَبْع وأربعين وستمائة، وجلَس على تخْتِ المُلْكِ بَعْد قدومِهِ - بـ "الْمَنْصُورةِ" قريب ثغر دمياط - لتِسْعٍ بَقينَ مِنْ ذِي القِعْدَةِ من السنة المذكورة. وماتَ قتيلًا في يَوْم الجُمُعة سادِسَ محرَّمٍ سنة ثمانٍ وأربعين وستمائة (١). وبموته انْقَضَتِ الدولةُ الأيُّوبية الكُرْدِيَّةُ. وأيًّا ما يكونُ سبَبُ قتْلهِ، فإنَّ المصادر التاريخيَّة تحْكِي أن أمراء المماليك أجْمَعوا على تولية شَجَرةِ الدُّرِّ أرملة نَجْمِ الدِّينِ أيُّوبَ والدِ توران شاه - مقاليد السَّلْطَنة. ولَمْ تَطُلْ مدَّةُ "شجرة الدُّرِّ" في السلْطنة، فإنَّها خلَعَتْ نفْسَها - بعد ظهور كراهية النَّاس، لأنْ تتولَّاهم امرأةٌ -، فكانتْ مدَّتُها ثمانين يومًا. ثمَّ اعتلى عرش السَّلْطنة بعدها أيبكُ التركمانيّ، الصالحيُّ التركيّ، المَلِكُ المعزُّ: عزُّ الدِّينِ أبُو العزَّ - صاحبُ المعزِّيَّة (٢) بـ "مِصْرَ". وكان أيبكُ أوَّل ذَكَرٍ تَسَلْطَنَ بـ "مِصْرَ" ممَّن مسَّه الرقّ، وهو مملوكُ الملِكِ الصَّالِحِ نَجْمِ الدِّينِ أيُّوبَ. وقد نزلتْ له شجرةُ الدِّرِّ عن المُلْك، وتزوَّج بها، ومات قتيلًا بيَدِها مع جواريها في لَيْلَة الأربعاءِ، رابعَ عشَرَ ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وستمائة (٣)، وكانت مدَّتُه سبْع _________ (١) المقريزي ١/ ٣٥٩، وابن خلكان: وفيات الأعيان ٥/ ٨٩، وفوات الوفيات ١/ ١٨٧، والصفدي: الوافي بالوفيات ١٠/ ٤٤٦. (٢) المدرسة المعزية: عمرها "عز الدين أيبك" - برحبة الحناء بمدينة مصر مما هدمه من قلعة الروضة. ينظر: المقريزي: الخطط ٢/ ١٨٤. (٣) ابن شاهين الملطي: نزهة الأساطين ص ٦٩.

стр. 26

سنين، وقيل: تنْقصُ ثلاثة وثلاثين يومًا (١) (٢). ثمَّ تولَّى بَعْده ابنُه عليٌّ، المَلِكُ المَنْصُور، أبو الفَتْح، تَسَلْطَن بَعْد موت أبيه بيَومٍ، ثمَّ خُلِعَ بَعْد سنتين وثمانيةِ شُهُور وثلاثة أيَّام (٣)، وذلك سنة سبع وخمسين وستمائة. ثم تولَّى أمْرَ السلْطَنَة الملِكُ المُظفَّر، سيْفُ الدِّينِ أبو الفتْحِ، قُطُز، وذلك في ذي القَعْدة من سنة سبع وخمْسِين وستمائة. وهو الَّذي قام بنُصْرَة الإسْلام، لَمَّا جاءَ التَّتَارُ إلى مَمْلَكَة المُسْلِمِين، مع هولاكو مَلكهمْ بجَيْشٍ عظيمٍ، وكان له اليَدُ البيضاءُ في دَحْرِهم ورَد كيدِهِمْ. وخيْرُ مَنْ صوَّر هذا البلاء العظيمَ العلَّامة ابن الأَثيرِ الجَزَرِيُّ في سِفْره الجليلِ المعروفِ بـ "الكامل" حيث قال: "لَقَد بُلِيَ الإسْلامُ والمُسْلِمُون في هذه المدَّة بمصائبَ لَمْ يُبْتَلَ بِهَا أحدٌ من الأمم؛ مِنْها هؤلاء التَّتَرُ، فمنْهم من أقبلوا من الشَّرْق، ففَعَلوا الأفعال التي يستعظمها كلُّ مَنْ سَمِع بها، ومِنْها خروجُ الفرنج - لَعَنَهُم الله - مِن المغْرِبِ إلى الشَّام وقَصْدُهُم ديارَ مصْرَ، وامتلاكُهُم ثغْرَها - أي دمياط - وأشرفَتْ ديار مصر وغَيْرها على أن يَمْلِكُوها - لولا لُطْفُ اللَّهِ - ومِنْها أن السَّيْف بينهم مسلولٌ، والفتنة قائمةٌ". لقد زحَفَ التَّتارُ على كل ما قابلهم من بِلاد الشَّرْق متَّجهِين نحو الغَرْب حَيْث الخلافةُ الإسلاميَّة، وكان ابتداؤهم بتَدمِير بلادِ الدَّوْلة الخُوارَزميَّة، على يد رأْسِهِمُ الأكْبَر جنكيز خان الَّذِي أحل بالبلاد الإسلامية كوارث فادحةً. روى المؤرِّخ ابنُ الأثيرِ حادثةً دالَّةً على مبْلَغِ ما نزل بالنَّاس من الرعْب والانْهيارِ أمام _________ (١) ابن دقماق: الجوهر الثمين ٢/ ٥٦، المقريزي: الخطط ٢/ ٢٣٨. (٢) وأشير هنا إلى أبيك كان قد أشرك معه في الملك الأشرف موسى بن يوسف بن يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب قطعًا لألسنة الناس لكونه من البيت الأيوبي، لكن أيبك خلعه، وسجنه حتى مات بعد ذلك. ينظر في ذلك: المقريزي: الخطط ٢/ ٢٣٧، السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٣٨، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ٥٥. (٣) ينظر: ابن دقماق: الجوهو الثمين ٢/ ٥٨، المقريزي: السلوك ١/ ٤١٧، ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ٣٠٢.

стр. 27

الجُيُوش التَّتريَّة، وهي أن المغوليَّ يدخل القرية من القُرى وبها جمع كثير من الناس، فلا يزالُ يقتلُهم واحدًا بعْد واحدٍ، ولا يتجاسرُ أحدٌ أنْ يمدَّ يده إلى ذلك الفَارِسِ (١)، .. "وإنَّ إنسانًا مِنْهم أخَذَ رَجُلًا، ولمْ يكُنْ مع التتريِّ ما يقتله به، فقال له: ضعْ رأْسَكَ عَلَى الأَرْضِ ولا تَبْرَحْ، فوضَع رأْسَه على الأرْض، ومضى التتريُّ فأحْضَرَ سَيْفًا وقَتَله به" (٢). لقد أضْمَرَ هولاكو الدَّمَارَ لِبِلاد الإسْلام، "فعزَمَ على السَّيْر نحو الشَّام، فزحَفَ شمالًا، وأعمل السَّيْف في سكانِ المَوْصلِ وحَرَّانَ والرُّهَا، ثمَّ أرْسَل هولاكو إلى ملوك الأيُّوبيِّين بالشامِ يتوعَّدهم ويهدِّدهم بالفناء التَّامِّ إذَا هُمْ لم يمهِّدوا لزحْفِهِ بالإسْرع إلى طاعتِهِ، وانتشر الذُّعْرُ بالبلاد الشاميَّة والمصريَّة كذلك. وجاء هولاكو، فاسْتَولى على حلب، ثم دمشق وغيرهما من البلاد الشاميَّة الواقعة بينهما، وبعث إلى السُّلْطان قُطُز سفارةً تحْمِل الوعيد والتَّهْدِيد، وتَطْلُب الطَّاعة المُطْلَقَة، وأجابَ قُطُز الخُوَارِزْمِيُ الأصْلِ، إجابةً غَيْرَ منتظرةٍ؛ إذْ قتَلَ السُّفَرَاءَ المغُولَ انتقامًا يائسًا لما أحْدثَه جنكيز خان بالدَّوْلَة الخُوَارِزْمِيَّةِ .. " (٣). وتتوالَى الأحداث، فينادي السُّلطانُ قُطُز بالقتالِ، ويَرْفع راية الجِهَاد في سَبِيل اللّه، فيجيبه خلائق، ثمَّ أرْسَل طلائِعَه من القاهرة بقيادة الأمير بيبرس البندقداريِّ الذي يزْحَف - بِدَوْره - إلى قرْب غَزَّة، فيصدُّ طلائع المَغُول، ثم لَحق قُطُز بطلائعه السابِقَة، وتفاوَضَ مع الصليبيين الذين كانوا قد احْتَلُّوا أماكن منَ الشَّام، وذلِكَ لِيَسْمَحُوا له باختراق الأراضي _________ (١) ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فما يحدث الآن في "البُوسنة والهَرْسَك" ما هو إلا أثَرٌ جِدُّ شبيهٍ بما كان منَ المَغُول والصليبيِّين، فقد تحالف أعداء الأمْسِ، على هدمِ الإسلامِ؛ فالتاريخُ يعيدُ نَفْسَه، وْ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، وقادة الغرب يصيحون: دمِّروا الإسلام، أبيدوا أهله، وقد تحقَّق قوله ﷺ : "تَداعى عليكم الأُممُ كما تداعى الأكلَةُ على قصْعَتِها … الحديث" نعم: أصبحنا في ذيل الأمم، فدم المسلم أنجس من دم بُرْغوث، وعرضُهُ أهونُ من عِرْض الحيوان، فكم من مستغيثةٍ ولا معْتصِم: وآلمني وآلَمَ كُلَّ حُرٍّ … سُؤالُ الدَّهْرِ أينَ المُسْلِمُونا وقد أصبح جليًّا عند كل من له أدنى نظرٍ أن العالم يكيلُ بمكيالين، خاصَّة بعد ظهور ما يسمَّى بـ "النظام العالميِّ الجديد"؟! فهل يَعِي المُسْلِمُون الدرْسَ؟! أم نظل نصرُخُ: واإسلاماه! (٢) الكامل: (١٠/ ٣٩٩). (٣) د. إبراهيم أحمد العدوي: تاريخ العالم الإسلامي ص ٢٢٣، ط. جامعة القاهرة ١٩٨٦.

стр. 28

السَاحِليَّة، حتَّى يَبْغَتَ المَغُول، وقد نَجَحَتْ مفاوضاته برغمْ ميْل بَعْض الصليبيين إلى محالَفَة المَغُول. وقد وَصَل قُطُز إلى "بيسان" (١) في سُهُولة وسُرْعَة. ثمَّ كانَتْ "عَيْنُ جالُوت" (٢)، وذلِكَ في يَوْم الجُمُعة الخامس والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة (٣)، وفيها أعز اللهُ الإسلام، ونَصَرَ المُسْلِمِين بعد أن دارَتْ رحَى الحَرْب، وكان قُطُز يصيح صَيْحَتَه الَّتي كتَبَها لَهُ التَاريخُ: "واإسْلاماه"، ويدْعُو ربَّه: "يأ الله! انصر عَبْدك قُطُز علَى التَّتَار"، فأنَالَهُ اللهُ النَّصْر، وقَطَعَ دابِرَ القَوْم الَّذِين ظلمُوا، والحمدُ للّه رب العالمِينَ. وبذلك انْكَسَرَتْ فلول التَّتَار، واندحَرَتْ هجماتُهم بَعْدَ أن أذاقُوا البِلادَ الإسْلاميَّة الرُّعْبَ والخَوْفَ، فجاءتهم الزلْزَلَة، وهزَمَهم اللهُ بَعْد أن كَانُوا لا يُغْلَبُون. وفي نشْوَةِ هذا النَّصْر العَظِيمِ قُتِلَ السُّلطانُ قُطُز، وأقام بيبرس نَفْسَه مكانه، قال ابن شاهين الملطيُّ (٤): " .. ومات قتيلًا بَعْد عَوْدِه، اغتيل قَبْل دخُوله القاهِرَة" وأما بيبرس البندقداريُّ، الملكُ الظَّاهرُ ركنُ الدِّين، أبو الفَتْح فـ "كان ملكًا شهمًا جليلًا … تَسَلْطَن في يَوْمِ قَتْلِ المظفر قُطُز سنة ثمان وخمسين وستمائة، ومات في يوم الخميس سابعَ عَشَر محرَّم سنة ست وسبعين وستمائة، فكانَتْ مدَّته ثمان عشرة سنةً تزيدُ يَسيرًا" (٥). ولأنَّ الظَّاهر بيبرس كانَ أحَسَّ أن النَّاس حانِقُون عَلَيْه بِسَبَب ما أُشِيع من قَتْلِه المَلِك المظفَّر قُطُز، فقد أراد أن يُزِيلَ عَنْه هذهِ السُّبَّه، فعمد إلى الخلافة العباسية، فأعادَهَا إلى الوُجُود سنة ٦٥٩ هـ، بَعْد أنْ أزاحَها المَغُول بإسْقَاطهم إيَّاها في بَغْداد سنة ٦٥٦ هـ. قال ابن إياس: " … ولو لم يكنْ من أفعاله الحَسَنة سِوَى ردِّ الخِلافة لبَنِي العبَّاس _________ (١) مدينة بالأردن بالغور الشامي. ينظر: مراصد الاطلاع ١/ ٢٤١. (٢) هي بلدة لطيفة بين نابلس وبيسان من أعمال فلسطين، إليها انتهى عسكر المغول، فلقيهم بها البندقداري فكسرهم، وكان ذلك انتهاء فتوحهم. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٩٧٧. (٣) ابن دقماق: الجوهر الثمين ٢/ ٦٠ - ٦٣، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ٧٨ - ٨٠، ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ٣٠٦. (٤) نزهة الأساطين ص ٧٣. (٥) المصدر السابق ٧٦.

стр. 29

وإكْرامِهِ لَهُمْ - بَعْدما كادَتْ أن تنقَطِعَ عَنْهُمُ الخِلافَة، لَكَفَى" (١). وبالرغْم مِمَّا حلَّ بالتَّتارِ مِن هَزِيمةٍ عَلَى يَدِ قُطُز، إلَّا أنَّهُم كَانُوا عَنِيدِينَ، فَقَدْ لَمُّوا شتاتَهُمْ مرَّةً أخرى، وأعادوا غاراتهم على العالم الإسلاميِّ مراتٍ عديدةً، ولكنَّ سلاطينَ المماليكِ كانُوا لَهُم بالمِرْصَاد. هذا، وقَدْ تعرَّض العالمُ الإسلاميُّ - إلى جانب الغَزْوِ التَّتريِّ - إلى خطَرٍ لا يقلُّ ضراوةً عن خطر المغول، وهو ما عُرِف بالحملات الصَّليبيَّة، والَّتي راحَ ضحيَّتها كثيرٌ جدًّا مِن الأَرْواح، حيثُ استمَرَّت قرنَيْن كامِلَيْن من الزَّمانِ من ٤٩٠ - ٦٩٠ هـ، وحَيْثُ إِنَّ الفَتْرة الَّتي عاشَها التَّاجُ السبكيُّ من ٧٧١ هـ - ٨٢٧ هـ هي الَّتي تهمنا هنا، فسنقفز بَعْض الأحْداثِ كي لا يَتَسِعَ الأمْرُ عَلَيْنا، ونضيعَ بَين زوايا كُتُب التَّاريخ: ومِنْ ثَمَّ فإنَّ فتْرَتنا هذه تحتلُّ من التَّاريخِ ما يقابِلُ جزءًا من الفترة الَّتي حَكَم فِيهَا السُّلْطانُ النَّاصر محمَّد بن قلاوُون: ٦٨٤ - ٧٤١ هـ ثم يبنى لدينا ثلاثونَ عامًا أخرى نتحدَّث عن أحداثها السياسية أيضًا. أما النَّاصرُ قلاوونُ فهو: محمَّدُ بْنُ قلاوون الملكُ الناصر، ناصِرُ الدِّينِ، أبُو المعالي بنُ المنصورِ، نَعَته ابن شاهين الملطيُّ بقوله: "صاحبُ العمائِرِ الهائِلَةِ، والآثارِ الطَّائِلَةِ، من ذلِك: القصْرُ الأبلقُ بالقلْعة، والجامعُ بها، والإيوانُ المعظَّم وغير ذلكَ من أبنيةٍ" (٢). وهو السُّلطانُ التَّاسِعُ من ملوك التُّرْك المماليكِ بالدِّيار المصْرِيَّة. ولأن هذا العصر - الَّذي نتحدَّث عنه - كان يموجُ بالاضطراباتِ وكثرةِ الفِتَن، فقد رأينا صراعًا شديدًا على السُّلْطة بين أمراء المماليك. ولا أدلَّ على ما نقولُ إلا ما حَدَثَ من سَلْطَنة النَّاصرِ محمَّدِ بْنِ قَلاوُونَ، فَقَدْ تَوَلَّى السَّلْطَنَة ثلاث مرَّاتٍ، كَانَتْ كالآتي: الأولى: من سنة ٦٩٣ - ٦٩٤ هـ: وقد كان الناصرُ وقتها صغيرَ السِّنِّ، فكان في التَّاسعة من عُمُره، وهذه سنٌّ لا يُسْتَطاعُ فِيها أن تتحَمَّل إدارةُ دولةٍ واسعة الأطراف؛ فَضْلًا عن أن يفضَّ النزاعاتِ والاضْطِراباتِ _________ (١) بدائع الزهور: ١/ ١/ ٣٤١. (٢) نزهة السلاطين ص ٨٤، وينظر: ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٨/ ٤١، بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٧٨.

стр. 30

الثَّائِرة بَيْن مماليكه، لذلك فَقَد خُلِعَ بَعْد سنة من توليته، وأقيم مكانه السُّلْطانُ كتبغا المنصوري التركيّ، الملكُ العَادِلُ. الثَّانيةُ: من سنة ٦٩٨ - ٧٠٨ هـ: فقد خلع العادلُ كتبغا في سنة ستٍّ وتسعين وستمائة ثمَّ تولَّى مكانه المَنْصورُ لاجين، الَّذي نعته ابن شاهين الملطيُّ بِقَوْله: " … الملكُ المنصور، أبو الفَتْح، حسامُ الدِّين صاحبُ تجديدِ جامعِ ابنِ طولونَ، ومرتَب دثوره، فله هذه المنْقَبَة" (١). ثمَّ ما لَبِثَ أن قتل لاجين، وذلِكَ سنة ٦٩٨ هـ بعد أن نفي إلى "الكرك" (٢) مدَّة أربع سنوات أو ما يقرب (٣). ومن هنا كانَتْ عودَةُ النَّاصر قلاوونَ للمرَّة الثَّانية، وكانَ أهمُ ما يميز تِلْك الفَتْرة الَّتي تَسَلْطَن فيها النَّاصرُ للمرَّة الثَّانية ما وقَعَ بَيْنَهُ وبَيْن التَّتارِ مِنْ مناوشاتٍ انْتَهَتْ بِحَرْبٍ دَارَتْ في مكانٍ يُسمى بـ "سَلَمْيَةَ" (٤)، وكانَتْ نهايتها مؤلمةً، فقد احتوى التَّتَار على عسْكَره، وكان ذلك سنة ٦٩٩ هـ. ولكنَّ النَّاصر لم يَسْتَسْلِم لِهَزِيمةِ جَيْشه أمام التَّتار، فلِذلك لَمَّا علِمَ بِزَحْف التَّتار مرَّة أخرى من جهة الشَّام وعلَى رأسهم غازانُ - أعدَّ عُدَّته وزحَف إلى الشام، فاجتمع الجيشانِ المصريُّ والشاميُّ لِقِتالِ التَّتار، ثم وقعَتِ الواقعة، بين الجيشَيْن الإسلاميِّ والتتريِّ في "مرج راهط" (٥)، والَّتي انْتَهَت بِهَزِيمَة التَّتار بعد أن قَتَلَ المُسْلِمونُ نصْفَهم. وبعد انْتِصار النَّاصر قلاوُونَ بَدَأ الجوُّ يَصْفُو له، إلَّا أن الأمر بدأ يتكدَّر بدخول سنة _________ (١) نزهة الأساطين ص ٩١. (٢) وهي قلعة حصينة جدًّا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها، بين أيْلة وبحر القُلْزُم وبيت المقدس، وهي على جبل عال. ينظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١١٥٩. (٣) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٨/ ١١٥، وابن إياس: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠١. (٤) بفتحتين، وميم ساكنة، وياء مثناة من تحت خفيفة، قيل: هي قرب المؤتفكة، وأن أهل المؤتفكة لما نزل بهم العذاب سلم منهم مائة فأسرحوا إلى سَلَمية فسَكَنُوها، فسميت "سَلِمَ مِائةٌ"، ثم خفِّفت، فقيل: سَلَمْيَة، بلدة في ناحية البرِّيَّة، من أعمال حَماة، بينهما مسيرة يومين. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٧٣١. (٥) المَرْج - بالفتح ثم السكون - هي الأرض الواسعة فيها نبت كثير، ومرج راهط: ناحية من نواحي دمشق. ينظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٥٤.

стр. 31

٧٠٧ هـ، فقد حَدثَتْ فتنةٌ عَظيمَةٌ (١) بين الناصر قلاوُون وبيبرس الجاشنكير والنَّائبِ سلار، وانتهت بخَلعْ قلاوون في سنة ثمان وسبعمائة، وتولَّى المظفَر بيبرس الجاشنكير الثَّاني، وذلِك بعد لُجُوء النَّاصرِ قلاوونَ إلى "الكرك" وتنارلهِ عن السَّلطَنَة. الثَّالِثَةُ: من سنة ٧٠٩ - ٧٤١ هـ: ثارَ النَّاسُ على بيبرس الجاشنكير، مُطالِبينَ بالنَّاصر قلاوونَ، فكانَ لَهُم ما أرادُوا، وعادَ النَّاصرُ إلى سَلْطَنَتِه لِلْمَرَّة الثَّالِثة، ثمَّ قُبِضَ على بيبرس، فَحُمِل مُقيدًا إلى المَلِكِ النَّاصِرِ، فَسَجَنَهُ حَتَّى مات. وقد اتَّسَمَتْ هذهِ الفَتْرَةُ الثَّالِثَةُ بِتَعلُّق النَّاس بِقَلاوُون، وتَمَسُّكِهِم به بسبب ما عانَوْه من كثرة الاضْطِرَاباتِ، على أن الملكَ النَّاصر أحْكَم قبضَتَه على زمامِ الأُمُور، وأزالَ الظُّلْم الواقِع، وبَلَغَتِ السلْطنةُ المملوكيَّة أوْجَ قوّتها في عَهْدِهِ، فكانَتْ دِرْع العالَمِ الإسْلاميِّ آنذاك. ولم يَزلِ الملكُ النَّاصر قائِمًا على سرير مُلْكِه إلى أنْ وافته منيَّته، وذلِك سنة إحْدى وأربعين وسبعمائة، وكانَتْ مدَّته الأولى والثَّانية نَحْوًا من ثلاثٍ وأربعين سنة (٢). وبِمَوْت النَّاصِر قلاوُونَ دخَلَتِ الدَّولةُ المملوكيَّة مرحلةً جديدةً على النقيض مما سبق، إذْ إن المدَّة السابقة - ٦٤٨ - ٧٤١ هـ - هي الفترة الذهبية لدولة المماليك، وَأَمَّا فترة أولادِ النَّاصر قلاوُونَ وأحفاده وهي ما بين سنة ٧٤١ - ٧٨٤ هـ فقد كانَتْ مضطرمة بالصراعِ على السُّلْطة، ولذلك فقد تولَّى بعد النَّاصرِ سبعةُ سلاطينَ مِنْ أبنائه، يتولَّى هذا ويُعْزَل هذا، وهكَذَا دَوَالَيْكَ. ولقد رُزِيءَ العالمُ الإسلاميُّ - على كثرة اضطراباته وأحداثه الجسَام - بحدثٍ جللٍ، زاد من همومه وأشجانه، ألا وهو "الحملة الصليبيَّة الكبْرَى" على مدينة "الإسكندرية"، وذلك سنة ٧٦٧ هـ - ١٣٦٥ م، حيث قام بها ملكُ قُبْرس بُطْرُس الأوَّلُ لوزجنان بَعْد أن مهَّد لحملته تِلْك برحلة واسعةٍ يستنهِضُ فيها عزائم الأوروبيين، ويشحنهم ضد الإسلام _________ (١) تنظر تفاصيل هذه الفتنة في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٢٠ - ٤٢١، والنجوم الزاهرة ٨/ ١٧٦ وما بعدها، ود. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام ص ١١٧، وما بعدها. (٢) نزهة الأساطين ص ٨٧.

стр. 32

والمسلمين، وقد نَجَحَتْ دعوتُه في اسْتِقْطاب كثيرٍ من المُساعدات والإمْدادات البَشرية والحَرْبيَّة والمادِّيَّة، ثمَّ اجتمع كلُّ هذا الحَشْد في جزيرة "رُودِسَ" (١) تمهيدًا لاختيار أصْلَحَ نقْطَة يُمْكِنُهم من خلالها تَوْجِيهُ ضَرْبةٍ قاصمةٍ لبلادِ الإسْلام، ووقع اخْتيارُهُمْ على ثغر الإسكندرية، ولمَّا كانَت دَوْلَةُ المماليكِ تعانِي خَللًا واضِحًا، فقد لاءَمَتْ هذهِ الظُّروفُ هوى الصليبيِّين، فَتَمكَنوا من إنْزال قوَّاتهم على شاطئ الإسكندرية، فاحتلُّوها في يوم الجمعة العاشِر من أكتوبر من السَّنة ذاتها، وانسابَتْ قوَّاتُهم في شوارع المدينة يُحرِّقون المَساجدَ ويُخَرِّبُون الخاناتِ، ويُدمِّرُون المنازلَ، ويعتدُون على كل من صادفهم من النِّساءِ والأطْفالِ والشُيوخ، ويَنْهَبُون كل ما وصَلَت إليهِ أيْديهِمْ مِن بَضائِعَ وأمْوَالٍ (٢). وهكذا قَضَى الصَّلِيبيُّون في الإسْكَنْدرية نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أيَّامٍ كانَتْ من أسْود الأيَّام في تاريخِ الثَّغْر، ولم يُغادِروها إلى سُفُنِهم إلَّا بَعْد أن أحَسُّوا بِقُرْب جيوشِ المَماليك الَّتي أسْرَعَتْ من القاهِرَة لإنْقَاذ الإسْكندرية، ويقالُ: إن السُّفُن الصَّليبيَّة حَمَلَت مَعَها عِنْدَ رَحِيلها خَمْسَة آلافِ أسِيرٍ "منهم المُسْلِم والمُسْلِمَةُ واليَهوديُّ واليهوديَّةُ والنصرانيُّ والنصرانيَّةُ … " (٣). وبَعْد، فَمِن خِلالِ هذِه الجَوْلَة تَبيَّن لنا أن الحالة السِّياسِية لِهذهِ الفَتْرة كانَتْ غَيْر مُسْتَقِرَّة، ولَمْ يَكُن الأمْرُ في الشَّام - التبعية - أحْسَنَ حالًا مِمَّا كانَتْ تمرّ بِهِ مِصْر، فَكان لَهُ نَصِيبٌ مِن تِلْكَ الفَوْضى الَّتي عَمَّت بِلادَ الإسْلام. ونَكْتَفِي بِهذا القَدْر مِنْ بَيان حالَةِ العَصْر السِّياسيَّة، والَّتِي صوَّرت الأحداث الَّتي أثَّرت في التَّاج السُّبْكيِّ، وتقلَّب فيها. _________ (١) قال القاضي عياض: هو بضم أوله، وغيره يقول بفتحها، والدال مكسورة باتفاق، وكلهم قالوا بسين مهملة، وفي كتاب أبي داود من طريق الرَّمْليِّ: بالشين المعجمة، وهي جزيرة ببلاد الروم، تقابل الإسكندرية. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٦٤٠. (٢) د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ١٣٨. (٣) المصدر السابق نقلًا عن المقريزي: السلوك.

стр. 33

الحَالَةُ الاجْتِمَاعِيَّةُ فِي عَصْرِ سَلاطِينِ المَمَالِيكِ مِمَّا لا شكَّ فِيهِ أن الحالةَ الاجتماعيَّة لأيِّ عَصْرٍ إنَّما هِيَ انطباعٌ وأثَرٌ للحالة السياسية لذاتِ العَصْر، من اضطِرابٍ واستقرارٍ. وإذا أردْنا أن نصِفَ الوَضْع الاجتماعيَّ لعصْرٍ، فلن نجدَ خَيْرًا مِمَّنْ عاصَرَ أحْدَاث العَصْرِ نفْسِهِ، ومرَّتْ به اضطراباتُه وتقلُّباتُه، وهذا يَعْنِي أن وصف المقريزي (١) أدق من غيره، فهو أخبر بمجْتَمَعِه، وقديمًا قالوا: أهْلُ مكَّة أدْرَى بِشِعَابِهَا. وعَلَيْه، فإنَّ المقريزيَّ قسَّم المجتمع - في ذلك العَصْرِ - إلى سَبعْ طبقاتٍ، إذ يقول في "إغاثة الأُمَّة في كشْفِ الغُمَّةِ": "اعْلَمْ - حَرَسَك الله بعَيْنه الَّتي لا تَنَام - أن النَّاسَ بإقليم مصْرَ في الجُمْلَة على سَبْعَة أقْسَام: القسْمُ الأولُ: أهْلُ الدَّوْلَة. والقسْمُ الثاني: أهْلُ اليَسَارِ منَ التُّجَّار، وأُولي النعْمة من ذوي الرفاهية. والقسْمُ الثَّالثُ: الباعة، وهم متوسِّطو الحالِ من التُّجَّار، ويقالُ لهم: أصْحَابُ البَزِّ، ويُلْحَقُ بهم، أصحابُ المعايش وهُم السُّوقَة. والقسْمُ الرَّابعُ: أهْلُ الفلح، وهم أهل الزِّراعات، والحرث وسُكَّان القرى، والرِّيف. _________ (١) هو أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقى الدين المقريزيُّ: مؤرخ الديار المصرية، أصله من بعلبك، ونسبته إلى حارة المقارزة - من حارات بعلبك في أيامه - ولد ونشأ ومات بالقاهرة، ومولده سنة ٧٦٦ هـ، ومن أشهر كتبه: "الخطط" و"السلوك" وغيرهما مات سنة ٨٤٥ هـ. ينظر في ترجمته: الشوكاني: البدر الطالع ١/ ٧٩، ومعجم المطبوعات ١٧٧٨، والأعلام ١/ ١٧٧.

стр. 34

والقسْمُ الخامسُ: الفُقَرَاء، وهم جُلُّ الفُقَهَاء، وطُلَّاب العِلْم، والكثيرُ من أجْنَاد الحلْقَة ونحوهم. والقسْمُ السَّادسُ: أرْبابُ الصَّنائع، والأُجراء، وأصْحاب المِهَنِ. والقسْم السَّابعُ: ذَوُو الحاجَةِ والمَسْكَنة والسُّؤال، الَّذِين يتكفَّفُون النَّاس، ويعيشُون منهم" (١). وهذا يَعْنِي أن المجتمعَ فِي عَصْر المماليكِ كانَ مُجْتَمعًا طبقيًّا، تَخْتَلِفُ كلُّ طبقةٍ منها عن الأخرى في تركيبها ومميِّزاتها، ويمكن تقسيم هذه الطبقاتِ السَّبعْ إلى أربع طبقات فقَطْ، وهي: الطبقةُ الأولى: أهلُ الحُكْم من المماليك والأُمَراء، ومِنْهُم السَّلاطين. الطبقةُ الثَّانيةُ: أهلُ العِلْم، وهُمْ مَنْ يُطلِقُ عليهمُ المقريزيُّ المُعَمَّمينَ". الطبقةُ الثالثةُ: عامَّة طوائفِ الشَّعْب من: تُجَّار، وفلَّاحين، وأصْحابِ حِرَفٍ، وعَوَامّ. الطبقةُ الرَّابعةُ: أهْلُ الذِّمَّة، ويضافُ إليهم الأقليَّاتُ الأجنبيَّة. الطَّبقةُ الأولى: أهْلُ الحُكْم: وهنا قد تثار مسألة هامَّة جدًّا، وهي كيف ساغ لمملوك أن يرتقي منبر الحكم، مع أنه شرط في الخليفة أن يكون حرًّا؟ ونقول: نعم قد اشترط الأئمَّة فيمن يقوم بأمر الخلافة الحرية؛ لأن الرق نقص ومهانة فالعبد مستحقر في أعين الناس لا يهاب ولا يخشى، فلا يمتثل أمره، ولا يطاع قولُه، مشغولٌ بخدمة سيده وقضاء حوائجه لا يفرغ لهذا الأمر. ولكن: نحن إذا تقصينا النصوص الشرعية، وإجماع الأمَّة علمنا أن الشَّريعة الإسلاميَّة اعتبرت الخلافةَ على شكلين متضادين: أحدهما: أصلي ومطلوب. والثاني: اضطراري. _________ (١) "إغاثة الأمة" ص ٧٢ - ٧٥.

стр. 35

فالشكل الأصلي المطلوب هو انتخاب الأمة خليفتها بحيث تجتمع آحادها وأهل الحل والعقد والرأي والبصيرة منها، فيتباحثون ويتشاورون ثم ينتخبون الخليفة مراعين فيه شروط الخلافة الشرعية ومقاصدها الأساسية غير ناظرين إلى الوجاهة الذاتية والجنسية النسبية بل يرجحون كفاءته من أي بيت منهم كان؛ إذ الشريعة تعتبر في الانتخاب شورى الأمة لا جنسية الخليفة وعشيرته ونسبه، وقد تأسست الخلافة الراشدة على هذا الأساس الجمهوري، فانتخاب الخلفاء الأربعة كان انتخابًا شرعيًا وجمهوريًا، ولم ترع فيه الجنسية والقبيلة والعهد ألبتة، ولو روي فيه شيء من هذا لبقيت الخلافة في بيت الخليفة الأول، ولم تخرج منه إلى آخر الدهر، ولكن لم يكن شيء من ذلك. وأما الشكل الثاني: وهو ما إذا تغلب متغلب بقوته وعصبيته، فهجم على كرسي الخلافة - وهذا عين ما حدث هنا -، ولم يترك مجالًا للانتخاب، فحينئذ ماذا يجب على الأمة إذا كان المتغلب غير أهل لها، مظالمًا وفاقدًا لشروطها؟ هل يجب عليها أن تخرج عليه وتقاتله؟ أم يجب عليها أن تطيعه وتنقاد له، وتؤدي إليه الزكاة، وتقيم وراءه الجمعة والجماعة؟ ولما كانت هذه المسألة من أهم المسائل الحيوية والأساس الاجتماعي لحياة الأمة لم تكن الشريعة لتغفل عن هذا الشكل من الخلافة، وتترك الأمة فيه بلا هداية ولا بصيرة، ولذا نجدها قد اهتمت بها أشد الاهتمام، وبينتها بيانًا وافيًا بعبارات واضحة، ونصوص صريحة. فإذا استولى مسلم بقوته وشوكته وعصبيته على الخلافة، وتمكن فيها وقامت حكومته، وقوي أمره - وجب على الأمة أن تطيعه وتسمع له وتخضع لخلافته مثل لو كان أصابها بحق، ولا يجوز لأحد الخروج عليه، ومن يفعل ذلك يقاتله المسلمون، ويعينوا الخليفة عليه مهما كان الخارج ذا فضل وصلاح وكفاية؛ لأنه مفارق للجماعة، وخارج على السلطان". وهذا الشكل الثاني لتولي الخلافة أو الحكم وهو - "الغلبة" - حدث لدولة المماليك، فقد قفزوا على كرسي الحكم، وذلك على أنقاض دولة بني أيوب بعد ضعفها، وخورها، ومع هذا فقد كان للمماليك مآثر يفخرون بها أمام التاريخ، يكفيهم ذبهم عن بلاد الإسلام، ودجرهم خطر المغول والصليبيين - بغض النظر عن كونهم - المماليك - عبيدًا أو أحرارًا. نعود إلى الحديث عن وصف طبقات المجتمع المملوكي في ذلك العصر:

стр. 36

ونبدأ بطبقة "أهل الحكم": كان الحكام أغرابًا عن البلاد وأهلها، فلم تربطهم بأبناء مصر والشام رابطة الأصل أو الدم أو الجنس، مما جعل المماليك لا يشعرون في كثير من الأحيان بروح العطف والتجاوب، لذلك فقد نظروا إلى الرعية على أنهم أقل درجة، وأجدر ألَّا يشاركوا في الحياة العسكرية، أو النيابة الحكومية. ولما كان السلطان في الأصل مملوكًا، فقد نظر إلى بقية المماليك على أنهم إخوانه، فاهتم بهم، وحرص على تربيتهم تربية خاصة، تقوم على إعدادهم بدنيًا، وفكريًّا، فإذا اشترى السلطان عددًا منهم خصص لهم أماكن يعيشون فيها، ويتردد عليهم فقهاء يعلمونهم الدِّين الإسلامي وعلومه، فإذا شب المملوك عن الطوق، وبلغ سن البلوغ بدأ تعليمه فنون الحرب والفروسية، فإذا ما انتهت مرحلة التعليم خرج إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة الخدمة السلطانية، ثم هكذا رتبة بعد أخرى حتى يصبح أميرًا أو "سلطانًا مختصرًا" على قول القلقشندي (١). ولما كان المماليك ينظرون إلى غيرهم نظرة دونية، فلم يحدث أن تزوجوا من سكان مصر والشام، واختاروا زوجاتهم وجواريهم من بنات جنسهم اللَّائي جلبن عن طريق التجار، بل حذرت حكومة المماليك من انتقال مملوك من المماليك عن طريق البيع إلى "كاتب أو عامي" أي إلى أحد من غير طبقة المماليك، ومن خالف ذلك التحذير تعرض للأذى والعقوبة (٢). ومع كل هذه العزلة، فقد رأينا بعض سلاطين المماليك يستعين ببعض المصريين، فجعل منهم أمراء مقدمين، بدلًا من المماليك، وكان ذلك في فترة حكم السلطان الناصر حسن بن محمد، واعتذر عن ذلك بقوله: "إن هؤلاء مأمونو العاقبة، وهم في طي علمي، وحيث وجهتهم إليه اتجهوا، ومتى أحببت عزلهم أمكنني ذلك بسهولة، وفيهم رفق بالرعية، ومعرفة بالأحكام" (٣). _________ (١) د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ٣٢٢، نقلًا عن القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٦٠. (٢) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٩/ ٩٢. (٣) المصدر السابق ١٠/ ٣٠٩ - ٣١٠.

стр. 37

ولكن سرعان ما ثار عليه بقية الأمراء المماليك فقتلوه، ولم يسمحوا لأحد بعد ذلك من المصريين بأن يتولى مناصب في الجيش. وخلاصة الأمر أن المماليك قد وجدوا الرعاية والرفاهية من سلاطينهم، بإغداق الأموال والأرزاق، وتخصيص أشهى الأطعمة، وأفخر الملابس. إلا أن أمراء المماليك لم يقفوا موقف المتفرجين، فكانوا يدسون أنوفهم في أمر السلطنة، حتى تخلوا - في نهاية المطاف - عن كثير من صفاتهم الحربية، وانغمسوا في الفتن والمفاسد، وتمادوا في الاعتداء على الناس. وبالجملة فقد عاش المماليك - على اختلاف طبقاتهم - عيش الرغد والنعيم، وفي قصور تجمع كل أسباب الترف، يزخرفون سقوفها بالذهب، ويهتمون بنظامها، وحسن إدارتها، على العكس من الطبقات اللاحقة التي عاش معظمها عيش الذل والهوان. قال تاج الدِّين السبكيّ: "ومن قبائحهم ما يذهبونه من الذهب في الأطرزة العريضة والمناطق وغيرها من أنواع الزراكش التي حرمها اللّه وزخرفة البيوت سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول الله ﷺ من ضيق سكة المسلمين، وأنت إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة تجده قناطير مقنطرة لا يحصيها إلا الله تعالى" (١). الطَّبقةُ الثَّانيةُ: أهْلُ العِلْمِ أوِ "المُعَمَّمُونَ": كانَ لعلماءِ ذلكَ العَصْر هَيْبَةٌ عظيمةٌ، ومكانةٌ جليلةٌ، عند المماليك، ولِمَ لا، وهم أربابُ العِلْم وحُفَّاظُه، وبِهمْ عَرَفَ المماليكُ دينَ الإسْلام، وفي بَرَكتهم عَاشُوا (٢)؛ ولذلكَ فقد احترم المماليكُ هذه الطَّبقة مِنَ النَّاس، ومِنْ جهةٍ أخرى، فقد رأينا للعلماء وقَفَاتٍ حاسمة تجاهَ سلاطين المماليكِ، حتَّى وجدنا السلطاد النَّاصرَ محمَّد بْنَ قلاوونَ يقول: "إنِّي لا أخافُ أحدًا إلا شَمْسَ الدِّينِ الحريريَّ قاضِي قضاة الحنفيَّة" (٣). عَلَى أنَّ هذِه الطَّبقة - كَانَتْ محبوبةً لدَى عامَّة الشَّعْب، فَكَانُوا يَلْجَئُون إليهم لقَضَاء _________ (١) ينظر: التاج السبكي: معيد النعم ومبيد النقم ص ٤٩ - ٥٠. (٢) المقريزي: السلوك، نقلًا عن د. سعيد عاشور، العصر المماليكي ص ٣٢٣. (٣) رحلة ابن بطوطة ٢/ ٨٨.

стр. 38

حوائجهِمْ لدى الجهات الحاكِمة، بلْ كانَ النَّاس - لإجْلالِهِمْ لَهُم - يقدِّمُونَهم في زحام الأسْواق على أنْفُسِهم في البَيْع والشِّراء. وقد كَانَتْ هذهِ الطَّبقةُ عَلَى طائِفَتَيْن: طائِفَةٌ قَوِيَّةٌ لا تميلُ إلى السَّلاطين والحُكَّام، وتجاهِرُ بالحقِّ ولا تخشى في اللّه لومةَ لائِمٍ، وأخرى ترْكنُ إلى حياةِ الدَّعَةِ والمناصِبِ، والجَرْي وراءَ الثَّرَواتِ والأمْوال الطَّائلة. إلَّا أن هذا التبْجِيل والاحْتِرام لأهْل العِلْم أو "المُعَمَّمِينَ" لم يكن من كلِّ الطْبقات، بل وجدنا أمراءَ من المماليكِ يَحْقِدُون على العُلَماء، ويتعرَّضون لهم بالنَّقْد والتَّهكُّم، حتَّى بَلَغَ بِهمُ الحالُ إلى استصْدار مرْسُومٍ من السلاطين بالمُناداة في طُرُقات القاهِرَة ألا يركب مُتَعمِّمٌ فَرَسًا!! ثمَّ مَا لَبِثَ الأمْرُ أنِ أنْجَلَى، واستَرَدَّ العُلماءُ مكانَتَهم، وَرَكِبُوا خُيُولهم (١). الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ: عامَّة طوائِفِ الشَّعْب (تُجَّار - فَلَّاحُون - أصْحابُ حِرَف - عوامُّ): - التُّجَّارُ: وقد كانت هذه الفئة على يسار ورغد من العيش بسبب الثروات الهائلة التي حصلوها، لذلك فقد كان السلاطين المماليك يتقربون إليهم ليمدوهم بالأموال اللازمة في وقت الشدة والحرج. "على أن كثرة الثروة في أيدي التجار جعلتهم دائمًا مطمع سلاطين المماليك، فأكثروا من مصادرتهم بين حين وآخر، فضلًا عن إثقالهم بالرسوم الباهظة، لذلك لم يطمئن التجار في عصر المماليك على أموالهم وتجارتهم بل كانوا يدعون على أنفسهم أحيانًا: أن يغرقهم الله حتى يستريحوا مما هم فيه من الغرامات والخسارات وتحكم الظلمة فيهم" (٢). - الفَلَّاحُونَ: وكانت هذه الفئة مستضعفة في الأرض، تعيش عيشة الخسف والذلّ، ويثقل كاهلها المغارم والضرائب، من عرق جبينه، وتعبه المتواصل في زراعة الأرض وفلاحتها، وقد _________ (١) ينظر: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٢٨ وما بعدها. (٢) المقريزي: السلوك ٤/ ٤٤٤ نقلًا عن د. سعيد عاشور، العصر المماليكي ص ٣٢٤.

стр. 39

نعى التاج السبكي على السلطة في قسوتها مع الفلاحين، فقال: "ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، والفلاح حر لا يد لآدمي عليه، وهو أمير نفسه. وقد جرت عادة الشام بأن من نزح من دون ثلاث سنين يلزم ويعاد إلى القرية قهرًا، ويلزم بشد الفلاحة، والحال في غير الشام أشد منه فيها، وكل ذلك لا يحل اعتماده، والبلاد تعمر بدون ذلك، إنما تخرب بذلك؛ لأنهم يضيقون على الناس فيضيق الله عليهم". ولم يقف الأمر عند ذلك، فقد تعرض الفلاحون لأذى العربان (١) وبطشهم، وفي كل مرة يغير العربان فيها على الفلاحين، تذهب محاصيلهم ومواشيهم وتضيع عليهم. - أصْحَابُ الحِرَفِ: عجَّ المجتمع في ذلك العصر - وخاصة المدن الكبرى - بجمهور عريض من أرباب الحرف والصناعات من الصناع والتجار والعمال والباعة، والسقائين والمكاريين، والمعدمين، أو أشباه المعدمين، وهؤلاء كانوا يعيشون حياة قاسية من العنت وشظف العيش. - العَوَامُّ: وهم سواد الناس الأعظم، وهذه الفئة ليست أحسن حالًا من سابقتها، فقد كانوا يعيشون على النقيض من عيشة المماليك ونعيمهم. وقد لاحظ بعض الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر في عصر المماليك أن القاهرة _________ (١) وجدت في مصر في العصور الوسطى قبائل عديدة من العربان، وهؤلاء انتشروا في أجزاء مختلفة من البلاد، وبخاصة الشرقية والبحيرة والمنوفية والفيوم والمنيا وأسيوط، وكان هؤلاء العربان دائمًا أبدًا مصدر فتن ومتاعب للحكام والمحكومين سواء، فارتبط تاريخهم في عصر المماليك بالثوراث وحوادث النهب والسلب والاعتداء على الآمنين من أهالي القرى والمدن، حتى إن المراجع المعاصرة لا تشير إليهم دائمًا إلا تحت عنوان "فساد العربان" ينظر: د. سعيد عاشور: "العصر المماليكي ص ٣٢٦". وهناك "عربان الطاعة"، وهي طائفة من عربان الممالك الشامية، ولهم عادة بمكاتبة جليلة كآل مهنا، وآل فضل وآل مرة ونحوهم. القلقشندي: صبح الأعشى ٧/ ٢٢٥، ومحمد قنديل البقلي: التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص ٢٤٣.

стр. 40

وحدها بها عدد يتراوح بين خمسين ألف ومائة ألف بلا مأوى سوى الطرقات، وبلا ملابس سوى أسمال بالية، كذلك دهش البعض الآخر من كثرة الشحاذين بالقاهرة في ذلك العصر، وقال: إنهم أحاطوا به من كل جانب طالبين منه الإحسان. ومع هذا القحط وشظف العيش إلا أن العوام كانوا يجدون بعض العطف من السلاطين المماليك وأمرائهم، ولكن لكثرة عددهم دفعهم الحال إلى احتراف السلب والنهب، وخاصة في أوقات الفتن والاضطرابات (١). الطَّبقةُ الرَّابِعَةُ: أهْلُ الذمَّة والأقليات الأجنبية: أما أهل الذمة فهم أهل الكتاب ومن في حكمهم - من الأقليات الأجنبية - ممن يعيشون بين ظهراني المسلمين، حيث دخلوا في ذمتهم، وخضعوا لسلطان دولتهم، وقبلوا جريان أحكام الإسلام عليهم، واكتسبوا بذلك التبعية لدار الإسلام، أو ما يشبه الجنسية بلغة عصرنا. وقد وجد في المجتمع المملوكي كثير من الجنسيات الأخرى مثل: الجركس، والمغول، والصين، والإسبان، والألمان، وغير ذلك من الجنسيات الأخرى. وكان أهل الذمَّة يعيشون في طبقة خاصَّة مستقلة، وقد قدر عددهم في مدينة القاهرة وحدها - وقتذاك - بعشرين ألفًا، نصفهم من الأقباط، والآخر من اليهود (٢). وكانوا على احتفاظ بجميع طقوسهم وطرق حياتهم، إلا أنهم ما كانوا يجدون متنفسًا في ظل دولة المماليك، مما كان يحنقهم، ويجعلهم يقومون بأعمال انتقامية. قال علي مبارك: "وفيها - سنة ثمان وتسعين وستمائة - أمر اليهود بلبس العمائم الصفر، والنصارى بلبس العمائم الزرق، والسامرية بلبس العمائم الحمر تمييزًا لهم عن المسلمين" (٣). ومما دفع أهل الذمة - تحت السلطة المملوكية - إلى القيام بالثورات والفتن، ومناوءة حكم السلاطين - ما لاقاه الصليبيون في الشام من هزائم وطرد عن ديار المسلمين، فكان _________ (١) ينظر فيما سبق: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٣٨. (٢) ينظر: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٣٧ وما بعدها. (٣) الخطط التوفيقية ١/ ٩١.
следующие страницы →