Полный текст (2 330 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ونبدأ بطبقة "أهل الحكم":
كان الحكام أغرابًا عن البلاد وأهلها، فلم تربطهم بأبناء مصر والشام رابطة الأصل أو الدم أو الجنس، مما جعل المماليك لا يشعرون في كثير من الأحيان بروح العطف والتجاوب، لذلك فقد نظروا إلى الرعية على أنهم أقل درجة، وأجدر ألَّا يشاركوا في الحياة العسكرية، أو النيابة الحكومية.
ولما كان السلطان في الأصل مملوكًا، فقد نظر إلى بقية المماليك على أنهم إخوانه، فاهتم بهم، وحرص على تربيتهم تربية خاصة، تقوم على إعدادهم بدنيًا، وفكريًّا، فإذا اشترى السلطان عددًا منهم خصص لهم أماكن يعيشون فيها، ويتردد عليهم فقهاء يعلمونهم الدِّين الإسلامي وعلومه، فإذا شب المملوك عن الطوق، وبلغ سن البلوغ بدأ تعليمه فنون الحرب والفروسية، فإذا ما انتهت مرحلة التعليم خرج إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة الخدمة السلطانية، ثم هكذا رتبة بعد أخرى حتى يصبح أميرًا أو "سلطانًا مختصرًا" على قول القلقشندي (١).
ولما كان المماليك ينظرون إلى غيرهم نظرة دونية، فلم يحدث أن تزوجوا من سكان مصر والشام، واختاروا زوجاتهم وجواريهم من بنات جنسهم اللَّائي جلبن عن طريق التجار، بل حذرت حكومة المماليك من انتقال مملوك من المماليك عن طريق البيع إلى "كاتب أو عامي" أي إلى أحد من غير طبقة المماليك، ومن خالف ذلك التحذير تعرض للأذى والعقوبة (٢).
ومع كل هذه العزلة، فقد رأينا بعض سلاطين المماليك يستعين ببعض المصريين، فجعل منهم أمراء مقدمين، بدلًا من المماليك، وكان ذلك في فترة حكم السلطان الناصر حسن بن محمد، واعتذر عن ذلك بقوله: "إن هؤلاء مأمونو العاقبة، وهم في طي علمي، وحيث وجهتهم إليه اتجهوا، ومتى أحببت عزلهم أمكنني ذلك بسهولة، وفيهم رفق بالرعية، ومعرفة بالأحكام" (٣).
_________
(١) د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ٣٢٢، نقلًا عن القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٦٠.
(٢) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٩/ ٩٢.
(٣) المصدر السابق ١٠/ ٣٠٩ - ٣١٠.
стр. 37
ولكن سرعان ما ثار عليه بقية الأمراء المماليك فقتلوه، ولم يسمحوا لأحد بعد ذلك من المصريين بأن يتولى مناصب في الجيش.
وخلاصة الأمر أن المماليك قد وجدوا الرعاية والرفاهية من سلاطينهم، بإغداق الأموال والأرزاق، وتخصيص أشهى الأطعمة، وأفخر الملابس. إلا أن أمراء المماليك لم يقفوا موقف المتفرجين، فكانوا يدسون أنوفهم في أمر السلطنة، حتى تخلوا - في نهاية المطاف - عن كثير من صفاتهم الحربية، وانغمسوا في الفتن والمفاسد، وتمادوا في الاعتداء على الناس.
وبالجملة فقد عاش المماليك - على اختلاف طبقاتهم - عيش الرغد والنعيم، وفي قصور تجمع كل أسباب الترف، يزخرفون سقوفها بالذهب، ويهتمون بنظامها، وحسن إدارتها، على العكس من الطبقات اللاحقة التي عاش معظمها عيش الذل والهوان.
قال تاج الدِّين السبكيّ: "ومن قبائحهم ما يذهبونه من الذهب في الأطرزة العريضة والمناطق وغيرها من أنواع الزراكش التي حرمها اللّه وزخرفة البيوت سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول الله ﷺ من ضيق سكة المسلمين، وأنت إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة تجده قناطير مقنطرة لا يحصيها إلا الله تعالى" (١).
الطَّبقةُ الثَّانيةُ: أهْلُ العِلْمِ أوِ "المُعَمَّمُونَ":
كانَ لعلماءِ ذلكَ العَصْر هَيْبَةٌ عظيمةٌ، ومكانةٌ جليلةٌ، عند المماليك، ولِمَ لا، وهم أربابُ العِلْم وحُفَّاظُه، وبِهمْ عَرَفَ المماليكُ دينَ الإسْلام، وفي بَرَكتهم عَاشُوا (٢)؛ ولذلكَ فقد احترم المماليكُ هذه الطَّبقة مِنَ النَّاس، ومِنْ جهةٍ أخرى، فقد رأينا للعلماء وقَفَاتٍ حاسمة تجاهَ سلاطين المماليكِ، حتَّى وجدنا السلطاد النَّاصرَ محمَّد بْنَ قلاوونَ يقول: "إنِّي لا أخافُ أحدًا إلا شَمْسَ الدِّينِ الحريريَّ قاضِي قضاة الحنفيَّة" (٣).
عَلَى أنَّ هذِه الطَّبقة - كَانَتْ محبوبةً لدَى عامَّة الشَّعْب، فَكَانُوا يَلْجَئُون إليهم لقَضَاء
_________
(١) ينظر: التاج السبكي: معيد النعم ومبيد النقم ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) المقريزي: السلوك، نقلًا عن د. سعيد عاشور، العصر المماليكي ص ٣٢٣.
(٣) رحلة ابن بطوطة ٢/ ٨٨.
стр. 38
حوائجهِمْ لدى الجهات الحاكِمة، بلْ كانَ النَّاس - لإجْلالِهِمْ لَهُم - يقدِّمُونَهم في زحام الأسْواق على أنْفُسِهم في البَيْع والشِّراء.
وقد كَانَتْ هذهِ الطَّبقةُ عَلَى طائِفَتَيْن:
طائِفَةٌ قَوِيَّةٌ لا تميلُ إلى السَّلاطين والحُكَّام، وتجاهِرُ بالحقِّ ولا تخشى في اللّه لومةَ لائِمٍ، وأخرى ترْكنُ إلى حياةِ الدَّعَةِ والمناصِبِ، والجَرْي وراءَ الثَّرَواتِ والأمْوال الطَّائلة. إلَّا أن هذا التبْجِيل والاحْتِرام لأهْل العِلْم أو "المُعَمَّمِينَ" لم يكن من كلِّ الطْبقات، بل وجدنا أمراءَ من المماليكِ يَحْقِدُون على العُلَماء، ويتعرَّضون لهم بالنَّقْد والتَّهكُّم، حتَّى بَلَغَ بِهمُ الحالُ إلى استصْدار مرْسُومٍ من السلاطين بالمُناداة في طُرُقات القاهِرَة ألا يركب مُتَعمِّمٌ فَرَسًا!!
ثمَّ مَا لَبِثَ الأمْرُ أنِ أنْجَلَى، واستَرَدَّ العُلماءُ مكانَتَهم، وَرَكِبُوا خُيُولهم (١).
الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ: عامَّة طوائِفِ الشَّعْب (تُجَّار - فَلَّاحُون - أصْحابُ حِرَف - عوامُّ):
- التُّجَّارُ:
وقد كانت هذه الفئة على يسار ورغد من العيش بسبب الثروات الهائلة التي حصلوها، لذلك فقد كان السلاطين المماليك يتقربون إليهم ليمدوهم بالأموال اللازمة في وقت الشدة والحرج.
"على أن كثرة الثروة في أيدي التجار جعلتهم دائمًا مطمع سلاطين المماليك، فأكثروا من مصادرتهم بين حين وآخر، فضلًا عن إثقالهم بالرسوم الباهظة، لذلك لم يطمئن التجار في عصر المماليك على أموالهم وتجارتهم بل كانوا يدعون على أنفسهم أحيانًا: أن يغرقهم الله حتى يستريحوا مما هم فيه من الغرامات والخسارات وتحكم الظلمة فيهم" (٢).
- الفَلَّاحُونَ:
وكانت هذه الفئة مستضعفة في الأرض، تعيش عيشة الخسف والذلّ، ويثقل كاهلها المغارم والضرائب، من عرق جبينه، وتعبه المتواصل في زراعة الأرض وفلاحتها، وقد
_________
(١) ينظر: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٢٨ وما بعدها.
(٢) المقريزي: السلوك ٤/ ٤٤٤ نقلًا عن د. سعيد عاشور، العصر المماليكي ص ٣٢٤.
стр. 39
نعى التاج السبكي على السلطة في قسوتها مع الفلاحين، فقال: "ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، والفلاح حر لا يد لآدمي عليه، وهو أمير نفسه. وقد جرت عادة الشام بأن من نزح من دون ثلاث سنين يلزم ويعاد إلى القرية قهرًا، ويلزم بشد الفلاحة، والحال في غير الشام أشد منه فيها، وكل ذلك لا يحل اعتماده، والبلاد تعمر بدون ذلك، إنما تخرب بذلك؛ لأنهم يضيقون على الناس فيضيق الله عليهم".
ولم يقف الأمر عند ذلك، فقد تعرض الفلاحون لأذى العربان (١) وبطشهم، وفي كل مرة يغير العربان فيها على الفلاحين، تذهب محاصيلهم ومواشيهم وتضيع عليهم.
- أصْحَابُ الحِرَفِ:
عجَّ المجتمع في ذلك العصر - وخاصة المدن الكبرى - بجمهور عريض من أرباب الحرف والصناعات من الصناع والتجار والعمال والباعة، والسقائين والمكاريين، والمعدمين، أو أشباه المعدمين، وهؤلاء كانوا يعيشون حياة قاسية من العنت وشظف العيش.
- العَوَامُّ:
وهم سواد الناس الأعظم، وهذه الفئة ليست أحسن حالًا من سابقتها، فقد كانوا يعيشون على النقيض من عيشة المماليك ونعيمهم.
وقد لاحظ بعض الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر في عصر المماليك أن القاهرة
_________
(١) وجدت في مصر في العصور الوسطى قبائل عديدة من العربان، وهؤلاء انتشروا في أجزاء مختلفة من البلاد، وبخاصة الشرقية والبحيرة والمنوفية والفيوم والمنيا وأسيوط، وكان هؤلاء العربان دائمًا أبدًا مصدر فتن ومتاعب للحكام والمحكومين سواء، فارتبط تاريخهم في عصر المماليك بالثوراث وحوادث النهب والسلب والاعتداء على الآمنين من أهالي القرى والمدن، حتى إن المراجع المعاصرة لا تشير إليهم دائمًا إلا تحت عنوان "فساد العربان" ينظر: د. سعيد عاشور: "العصر المماليكي ص ٣٢٦".
وهناك "عربان الطاعة"، وهي طائفة من عربان الممالك الشامية، ولهم عادة بمكاتبة جليلة كآل مهنا، وآل فضل وآل مرة ونحوهم.
القلقشندي: صبح الأعشى ٧/ ٢٢٥، ومحمد قنديل البقلي: التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص ٢٤٣.
стр. 40
وحدها بها عدد يتراوح بين خمسين ألف ومائة ألف بلا مأوى سوى الطرقات، وبلا ملابس سوى أسمال بالية، كذلك دهش البعض الآخر من كثرة الشحاذين بالقاهرة في ذلك العصر، وقال: إنهم أحاطوا به من كل جانب طالبين منه الإحسان.
ومع هذا القحط وشظف العيش إلا أن العوام كانوا يجدون بعض العطف من السلاطين المماليك وأمرائهم، ولكن لكثرة عددهم دفعهم الحال إلى احتراف السلب والنهب، وخاصة في أوقات الفتن والاضطرابات (١).
الطَّبقةُ الرَّابِعَةُ: أهْلُ الذمَّة والأقليات الأجنبية:
أما أهل الذمة فهم أهل الكتاب ومن في حكمهم - من الأقليات الأجنبية - ممن يعيشون بين ظهراني المسلمين، حيث دخلوا في ذمتهم، وخضعوا لسلطان دولتهم، وقبلوا جريان أحكام الإسلام عليهم، واكتسبوا بذلك التبعية لدار الإسلام، أو ما يشبه الجنسية بلغة عصرنا.
وقد وجد في المجتمع المملوكي كثير من الجنسيات الأخرى مثل: الجركس، والمغول، والصين، والإسبان، والألمان، وغير ذلك من الجنسيات الأخرى.
وكان أهل الذمَّة يعيشون في طبقة خاصَّة مستقلة، وقد قدر عددهم في مدينة القاهرة وحدها - وقتذاك - بعشرين ألفًا، نصفهم من الأقباط، والآخر من اليهود (٢).
وكانوا على احتفاظ بجميع طقوسهم وطرق حياتهم، إلا أنهم ما كانوا يجدون متنفسًا في ظل دولة المماليك، مما كان يحنقهم، ويجعلهم يقومون بأعمال انتقامية. قال علي مبارك: "وفيها - سنة ثمان وتسعين وستمائة - أمر اليهود بلبس العمائم الصفر، والنصارى بلبس العمائم الزرق، والسامرية بلبس العمائم الحمر تمييزًا لهم عن المسلمين" (٣).
ومما دفع أهل الذمة - تحت السلطة المملوكية - إلى القيام بالثورات والفتن، ومناوءة حكم السلاطين - ما لاقاه الصليبيون في الشام من هزائم وطرد عن ديار المسلمين، فكان
_________
(١) ينظر فيما سبق: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٣٨.
(٢) ينظر: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٣٧ وما بعدها.
(٣) الخطط التوفيقية ١/ ٩١.
стр. 41
ذلك دافعًا للتعاطف مع أبناء دينهم والقيام بنصرتهم.
على أن المماليك لم يقبلوا هذا التحدي السافر من المسيحيين، فقرروا طردهم من كل الوظائف التي يعملون بها، وطهروا تلك الوظائف منهم، وصدر مرسوم بذلك عام ٧٥٥ هـ. وسرعان ما تخمد هذه الفتن وتندحر، ويعود الأمر إلى ما كان عليه (١).
وأما الأقليات الأجنبية فقد كانوا جاليات مستقلة حسب جنسياتهم، وكانوا يقيمون في فنادق تغلق مساء كل يوم ووقت صلاة الجمعة، كما ضيق المماليك عليهم في اللباس وركوب الخيل (٢).
المجتمع الشامي في عصر: سلطان المماليك:
ما كان المجتمع الشامي يختلف عن نظيره المصري في ذلك العصر، فقد كانوا مستضعفين يخضعون لنظام طبقي لا يرى أفضلية لغيره في قيادة مقاليد الأمور.
فقد كان المجتمع الشامي على طبقتين رئيسين هما: الطبقة الحاكمة، المسيطرة صاحبة النفوذ، وهم المماليك. والطبقة المحكومة، الخاضعة للسلطان، المغلوبة على أمرها، وهم أصحاب البلاد الأصليين من أهل الشام.
وأما أهل الشام الأصليون فقد انقسموا - بدورهم - إلى حضر يقطنون المدن الشامية، وبدو يرتحلون في عشائر تنتشر في بادية الشام، وكان على رأسهم "آل فضل" وهم من ربيعة، وقد امتدت منازلهم من حمص (٣) إلى قلعة جعبر (٤) إلى الرحبة، ويعني ذلك أنهم كانوا منتشرين على جانبي نهر الفرات بين العراق والشام (٥).
وقد حدث بينهم وبين المماليك خصومات بسبب مناصرة زعيمهم عيسى بن مهنا
_________
(١) د. علي إبراهيم حسن: دراسات في تاريخ المماليك البحرية ص ٣٤٢.
(٢) يراجع في ذلك المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٥٤.
(٣) حمص: بالكسر، ثم السكون، والصاد المهملة: بلد مشهور كبير، في طرفه القبلي قلعة حصينة على تل عال كبير بين دمشق وحلب. مراصد الاطلاع ١/ ٤٢٥.
(٤) قلعة جَعْبَر: على الفرات بين بالس والرَّقة، قرب صفين، مراصد الاطلاع ١/ ٣٣٥.
(٥) القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٢٠٤.
стр. 42
للتتار أحيانًا، وأدى الأمر إلى أن طردهم السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ثم عاد فعفا عنهم.
وقد كان هناك قبائل أكثر ولاءً لسلطان المماليك، منهم آل مرة في حوران، وآل علي في المرج والغوطة حول دمشق.
وقد حاول سلاطين المماليك استقطاب هذه العشائر البدوية، وضمها إلى النظام الإقطاعي، فأضفوا على زعمائهم ألقاب الإمارة، وأعطوهم إقطاعات في بلادهم، ثم ألزموهم بأمور يقومون بها منها: الولاء للدولة، وحراسة الطرق، والدروب الصحراوية وتقديم الرجال وقت الحرب (١).
لقد كان الشام بوتقة كبيرة، ضمت عناصر كثيرة مختلفة، فقد وجد إضافة إلى الشراذم العديدة من: الأكراد والأرمن والتركمان - عصبيات أخرى عديدة، بعضها مذهبي، والآخر ديني، وكان لها دور مؤثر في الأحداث التي شهدتها بلاد الشام.
وأهم هذه العصبيات:
١ - الكسروانيون وهم من أهل جبال كسروان: وكانوا من النصيرية والعلويين والمتأولّة (٢)، وقد كان هؤلاء على عداء مع المماليك، ويحكى أن هؤلاء ناصروا الصليبيين بالشام أثناء حصار السلطان المنصور قلاوون لمدينة طرابلس سنة ١٢٧٩ م. مما أغضب قلاوون، فزحف المماليك عليهم فأدبوهم وكسروا شوكتهم. وتوالت النزاعات تباعًا بين هؤلاء الكسروانيين وسلاطين المماليك، حتى أدى ذلك إلى هلاكهم، فقد روى المقريزي أن الناصر قلاوون أقطع "جبال كسروان بعد فتحها" لبعض أمراء المماليك، فذهبوا إليها، "فزرعها لهم الجبلية، ورفعت أيدي الرافضة عنها" (٣).
٢ - التنوخيون: وهم بطون كثيرة قد اعتنقت مذهب "الدرزية"، وقد تفرقوا في بهات متفرقة من لبنان، وهم كالكسروانيين تأرجح ولاؤهم بين المسلمين والصليبيين، ومن أشهر عشائرهم جماعة "البحتريين" الذين غضب عليهم بيبرس، فحبس بعض زعمائهم زمانًا ثم أطلقهم.
_________
(١) ينظر: د. سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٢١٥.
(٢) محمد كرد علي: خطط الشام ٢/ ١٢٦.
(٣) المقريزي: السلوك ٢/ ١٦٠.
стр. 43
وما زال بيبرس يتحسس أخبارهم حتى أرسل إليهم حملة قوية اجتاحت بلادهم، ثم ما زال معهم السلطان الناصر قلاوون يعاقبهم ويضطهدهم إلى أن عاد ولاؤهم إلى المماليك.
وقد كان هناك فريق آخر من التنوخيين، وهم الأرسلانيون، وكانوا بالقرب من بيروت، وكانوا على ولاء لدولة المماليك.
٣ - بنو معن: وكان ظهورهم في القرن الثاني عشر الميلادي، حين ندبهم أمراء السلاجقة لقتال الصليبيين على الساحل السوري، وقد أعطوا إقليم الشوف، وقد تحالفوا مع الشهابيين والتنوخيين.
٤ - الشهابيون الدروز: وكانوا يقيمون بوادي "التيم"، وشاركوا في قتال الصليبيين والتتار.
٥ - المتأولة: من غلاة الشيعة، وكانوا يقطنون شمال لبنان، وتنافسوا هم والشهابيون الدروز حول الزعامة على لبنان. أما موقفهم من المماليك، فقد تعرضوا لاضطهاد بسبب شذوذهم المذهبي.
٦ - النصيرية أو العلويون: وقد عاشوا في شبه عزلة في الشمال من جبل لبنان.
٧ - الإسماعيلية: وهم الباطنية أيضًا، وكان لهم قلاع عديدة، وقد قاموا بدور مشهور في تاريخ بلاد الشام، وقت عصر الحروب الصليبية، فلم يتورعوا عن اغتيال كثير من الشخصيات الإسلامية والصليبية على حد سواء. وموقفهم من المماليك ظاهر العداء، فلم يرض المماليك عن هذه الفرقة بسبب شذوذهم المذهبي من ناحية. لذلك فرض السلطان الظاهر بيبرس ضرائب باهظة على الهدايا التي اعتاد أن يبعث بها الصليبيون إلى شيخ الباطنية .. ثم بدأ بيبرس في استقطاع قلاع الإسماعيلية قلعة بعد أخرى حتى استولى عليها جميعًا، وعندئذ انتهى أمرهم ببلاد الشام، وأقطعهم السلطان بدلًا من قلاعهم الشامية بعض الجهات في مصر ليعيشوا فيها (١).
كان هذا وصفًا للحالة الاجتماعية لعصر السلاطين المماليك، في مصر والشام، واتضح مما تقدم مدى الاضطرابات والمعاناة التي كان المجتمع يقاسيها، في حين رأينا ما كان يعيشه السلاطين في قصورهم وأبراجهم العاجية المذهَّبة.
_________
(١) انظر فيما سبق: د. سعيد عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٢١٣ وما بعدها.
стр. 44
الْحَالَةُ الاقْتِصَادِيَّةُ فِي عَصْرِ سَلاطِينِ المَمَالِيكِ
مِمَّا سَبَقَ يَتَّضِحُ للعَيَانِ أنَّ الحالَة الاقْتِصادِيَّة فِي ذلك العَصْر لن تكون أسْعَد حالًا مِنْ سَابقَتَيْها، بَلْ إنَّ النشاط الاقتصاديَّ ليتأثر تأثرًا واضحًا بما يَحْدُثُ مِنِ اضطراباتٍ سياسيَّةٍ وتقلُّباتٍ داخليَّةٍ.
لقد كان عامَّة الشعبَيْن المصريِّ والشاميِّ يعيشُون فَقْرًا وشَظَفًا من العَيْش، ولقد تسبَّب في ذلكَ عدَّة عوامِلَ منها:
١ - طبقيَّة المُجْتَمَعِ:
فقد عَلِمْنا آنِفًا أنَّ المجتمع انْقَسَم إلى شرائحَ عدَّةٍ، فطبقَةُ السَّلاطين والأمراء المماليكِ تَنْعَمُ بالرفاهِيةِ، وبقيَّة الشعْبِ ينال الفُتَاتَ الَّتي لا تَكْفِيه، ولا تسد رمَقَه.
٢ - انْتِشَارُ المَجَاعَاتِ والأَمْرَاضِ الفَتَّاكَة:
فقد انتشرتْ مجاعاتٌ وجَدْبٌ شديدانِ، وسَبَبُ ذلك انحباسُ الأمطار عَنْ أرض الشام، وذهابُ مياه نَهْر النيل، ثم ما كان يَحْدُثُ من سَلْبٍ ونَهْبٍ تسَّببَ عن كثرة أعدادِ المُعْدمِين وأشْبَاههم كما قدَّمنا.
وقد تَتَابَعَتْ نوباتُ القَحْطِ والمجاعاتِ في مصْرَ والشَّام، وأرض الجزيرة، روى المقريزيُّ في أحداث سنة ٦٩٥ هـ أن مجماعةً شديدةً أكَلَ النَّاسُ بسببها المَيْتَة منَ المَوَاشِي والكِلاب، وكَثُرَ مَوْت النَّاس، وصاروا يَدْفِنُون المَوْتَى دُون غُسْلٍ ولا كَفَنٍ، قال: ولم يقتصر الأمْرُ على مصْرَ، بلْ شمِلَ الشَّام أيْضًا؛ إذ دخل الشتاء، ولم يقع المطَر، فأجدبتِ
стр. 45
الأرض، وجفَّ العُشْب، وارتفعت الأثمان، كما شملتْ هذه المجاعةُ بلادَ الحِجَازِ أيضًا (١).
بل يحكي ابنُ كَثيرٍ عن مجاعة عام ٧١٨ هـ، أن النَّاسَ باعُوا أولادَهُمْ وأهْلِيهِمْ (٢). وفي سنة ٧٤٩ هـ حصَل طاعونٌ عامٌّ وفناءٌ عظيمٌ عمَّ ديار مصْر وغَيْرها، وقيل: "إنه لم يَسْبقْ مثلُه، فخرَّب أكثر البلادِ ومصْر والقاهرة، وتعطَّل الزَّرْع بسَبَب مَوْت الفلَّاحِين، ولم يَكُن المَوْتُ قاصرًا عَلى الآدَميين، بل شمل الطَّاعُونُ أيضًا الجِمَال والخيْلَ والحَمِيرَ والوُحُوشَ والطُّيور، وحصَلَ الغلاءُ … " (٣).
٣ - الزَّلازِلُ:
قال علي باشا مبارَك: "ومِنْ أهمِّ ما وقع بها زلْزَلَةٌ هائلةٌ، ابتدأتْ في شهر ذي الحجَّة سنة اثنتين وسبعمائة، وأقامَتْ تعاود النَّاسَ مدَّة عشرين يومًا، فهدمتْ بالإسكندرية المَنارَ، وكثيرًا من الأبْراجِ والأسْوَارِ، وفاضَ ماءُ البَحْرِ حَتَّى غرَّقَ البساتينَ، وهُدِمَتْ بالقاهرةِ عدَّةُ مدارسَ وجوامعَ ومساجِدَ، وتشقَّق الجبل المقطَّم، وسقطتِ الدُّورُ على النَّاسِ، ومات كثيرٌ من أهْلها تَحْت الرَّدْم، وخافَ النَّاس، وخَرَجُوا إلى الصَّحراء، واتَّصلَتْ هذه الزلزلةُ بأغْلَب بلادِ الشَّام" (٤).
وقد أعْقَبَ هذا الزلزالَ ريحٌ سوداءُ تلْفَح الوُجُوه، وظنَّ النَّاسُ أن السَّاعة قد اقتربَتْ، وأنْشَدَ بَعْضُهم: [السريع]
زُلْزِلَتِ الأَرْض، فَخَافَ الوَرَى … وابْتَهَلُوا إلَى العَزِيزِ الحَكِيمْ
فَلْيَذْكُرُوا مَعْ خَوْفِهِمْ قَوْلَهُ: … زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمْ (٥)
وبَعْد، فقد كانتِ الحالَةُ الاقتصاديَّة مزعزعةً مضطربةً، عانَى النَّاسُ من ويْلاتِ الفَقْر والجوعِ حتَّى قال المقريزيُّ: "وأدركتُ أنا والنَّاسُ من أهل ثغْر الإسكندرية، وهُمْ يجْعلُون في مقابلة الخضرة والبُقُول، ونحو ذلك كِسَر الخُبْزِ لِشراء ما يُرَاد مِنْه، ولم يَزَلْ ذلك إلى نحو السبعين وسبعمائة .. " (٦).
_________
(١) المقريزي: السلوك ١/ ٢/ ٣٠٦.
(٢) البداية والنهاية ١٤/ ٧٦.
(٣) الخطط التوفيقية ١/ ١٠٢.
(٤) السابق ١/ ٩١.
(٥) ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٧.
(٦) المقريزي: إغاثة الأمة ص ٤٧، وما بعدها.
стр. 46
الْحَالَةُ الثَّقَافِيَّةُ فِي عَصْرِ سَلاطِين المَمَالِيكِ
"أُمُّ العَالَمِ، وإيوانُ الإسْلام، ويُنْبُوع العِلْم" كلمةٌ تاريخيَّة قالها العلَّامة المغربيُّ عبد الرحمن بنُ عليٍّ بن خَلْدُونَ في مقدمته الشهيرة (١).
نعم لقد احتلَّتْ مصر مكانةً علميةً بارزةً جعلَتْها منارة الأُمَّة الإسلاميَّة، ومرْكَزَها الثقافيَّ، وذلك بَعْد ضياعِ بُحُور العِلْم، وقتلهم على يد المَغُول في وقعة بغداد الشهيرة سنة ٦٥٦ هـ.
ويحكي ابن الأَثِير، ومنْ بَعْده السُّيُوطيُّ أن التَّتار قضَوْا علَى فقهاء الإسْلام، عند دعوتهم إلى حُضُور عَقْد زَواجِ ابْنةِ هُولاكو، قال: وصار كذلك تخْرُج طائفة بعد طائفة، فتُضْرَب أعناقُهم حتَّى قتل جميع مَنْ هناك من العلماء والأُمَرَاء والحُجَّاب والكِبَار" (٢).
وقد كان من الأسْبَاب الَّيي عَمِلَتْ عَلَى رفْع الحالَة الثقافيَّة في الدِّيارِ المصريَّة، ما عرف من رحلة العُلماء إلَيْها فارِّين من بطْش المغول وتخْرِيبهِم، فقد غدَتْ مصر: "محَلَّ سكَنِ العلماء ومَحَطَّ رِحَالِ الفُضَلاء".
وما كان لهذا النَّشاط الثقافي أن يزدَهِرَ في العَصْر المملوكيَّ، لولا ما وُجدَ منْ تشجيعٍ وترحيبٍ من بَعْض سلاطينِ المماليكِ للعِلْم والعُلَماء، فقد كان الظاهرُ بيبرس: "يميل إلى التاريخِ وأهْلِه مَيْلًا زَائِدًا، ويقول: سَمَاعُ التاريخِ أعْظَمُ من التَّجَارِب" (٣).
_________
(١) ص ٥٤٥.
(٢) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٣٧٧.
(٣) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ١٨٢.
стр. 47
وكان لاِنْتِشَارِ العِلْم في هذا العَصْر وإِقبالِ السَّلاطين ومَنْ دُونَهم عَلَيْه وعَلَى أهْله ملامحُ ومعالم، مِنْهَا:
المَدَارِسُ والمَكْتَباتُ:
إِنَّ أولَ ظُهُورٍ للمدارسِ كانَ في آخِرِ القَرْن الرَّابع الهجريِّ، حيث يتبرع بعض من أوتوا يسارًا وثروة ثم حُبًّا لِلْعِلْم وأهْلِه - ببناء مدْرَسةٍ تدرس فيها أحكامُ الدِّينِ وشرائِعُه، وعُلُوم اللُّغة وغيرها.
وقد حاز تاريخُ بني أيُّوب عَلَى نصيبٍ وافرٍ من إِنشاء المَدَارِس، واشْتُهِر عن صلاح الدِّين أنَّه أكْثَر من إِقامةِ المدارِسِ بِمصْر والشَّام، ووضع لها نظمًا ثابتةً مقرَّرة، وكان يحْضُر بَعْضَ الدُّروس، بل إِنَّه كان يتَّجه إِلى الاسْتِماع إِلى الحَدِيثِ ما اتَّسَع لَهُ الوَقْتُ فِي ذلكَ.
وجاءَ بَعْد ذلكَ المماليك، فسارُوا على سنَّة الأيُّوبيِّين وحبَسُوا الأحباسَ عَلَيْها، وأظلُّوها برعايتهم (١).
وقد كان لكلِّ عِلْمٍ أحيانًا مدرسةٌ، فمدرسةٌ للحديثِ وأخْرى للفِقْه، وهكذا.
ومِنْ أهم المدارس الَّتِي أُنْشِئَتْ في زَمَنِ المماليك:
١ - المدرسَةُ الظَّاهِرِيَّةُ:
وتُنْسَب إِلى مَنْ وَضَعَ أساسَها وبنَاها، وهو الظاهرُ بيبرس البندقداريُّ، وقد ابتدأ فيها سنة ٦٦٠ هـ، وتم بناؤُها في سنة ٦٦٢ هـ، وجعَل بيبرسُ لا يَسْتَعْمِل فيها أحدًا بغير أُجْرَة، ولا يَنْقُص من أجرته شيئًا، وضمَّ إِليها خزانةً تشتمل على أمهات الكتب في سائر العُلُوم، وبنى بجانبها مَكْتَبًا لتَعْلِيم أيْتَامِ المُسْلِمِين، وأجْرَى لهم الجراياتِ والكُسْوَةَ (٢).
وقد رتَّب فيها لتدريس الشَّافعيَّة: تقيَّ بن رزينٍ الحمويَّ، وهو قاضي القضاة محمد بن الحسين بن رزين، العامريُّ، الحمويُّ، ولد بحماة سنة ٦٠٣ هـ، وكان عالمًا بارعًا في التَّفْسِير والفِقْهِ، مشاركًا في عُلُومِ كثيرةٍ، رحَل إِلى مصْر، فدرَسَ بالظاهرية،
_________
(١) أبو زهرة: "ابن تيمية" ص ١٥٨.
(٢) خطط المقريزي ٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢، الخطط التوفيقية ٦/ ٢٢، النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٢٦٣.
стр. 48
وتولَّى القضاءَ، وكان عالم الشَّافعية آنذاك، تُوُفِّيَ بـ "مصر" سنة ٦٨٠ هـ ودفن بالقرافة (١).
كما رتب لتدريس مذْهَب الأحْنَاف: مجْدَ الدِّينِ عبْد الرحْمنِ بْنَ الكمالِ عمَرَ بْنِ العديمِ الجعليَّ، ولد بالشام سنة ٦١٣ هـ، وعلا كعْبُه في مذهب الأحناف، وكان عارفًا بالأدب، ولي قضاء الشام، وقد انتهت إِلَيْه رئاسةُ الحنفيَّة بـ "مصر" والشَّام. وتُوفِّيَ بظاهر دمشق سنة ٦٧٧ هـ (٢)
وأقام لتدريس الحَدِيثِ: الحافِظَ شَرَفَ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيَّ: وهو الإِمامُ العلَّامة الحافظ المتقن، عَلَمُ الحديث في عَصْرِه: شرَفُ الدِّين أبُو محمَّد عبدُ المُؤْمِنِ بْنُ خلَفِ الشَّافعيّ، ولد سنة ٦١٣ هـ، طلب العِلْم، وتفقَّه، وبَرَع في الحديث، قال المِزِّيُّ: ما رأيت في الحديث أحْفَظَ منه، وكانَ بَارِعًا في الفِقْه. مات فجأة سنة ٧٠٥ هـ (٣).
٢ - المَدْرَسَةُ النَّاصِرِيَّة:
وقد أنشأها المَلكُ العادل، ولما عاد الملكُ النَّاصرُ محمَّد بنُ قلاوُونَ إِلى السَّلْطنة سنة ٦٩٨ هـ أمر بإِتمامها، فعرفت به (٤).
٣ - مدرسةُ السُّلْطانِ النَّاصرِ حَسَنِ بْنِ النَّاصرِ محمَّدِ بْنِ قلاوُونَ:
وقد شرع في بنائها سنة ٧٥٨ هـ، وقد حكى عَنْها المقريزيُّ أنه: لا يُعْرَفُ ببلادِ الإِسْلامِ مَعْبَدٌ من معابدِ المُسْلِمِين يَحْكِي هذه المدرسة في كِبَرِ قَالبِها وحُسْنِ هنْدامِها، وضخامة شَكْلِها" (٥). وقد قامَتِ العمارةُ فيها ثلاثَ سِنِين لا تتوقَّف يومًا. وقد عُرِفَتْ بجامعِ النَّاصِرِ حَسَنٍ، ويقال: إِنَّه أكبر من إِيوانِ كسْرَى بخَمْسَة أذْرُع، وبها أربع مدَارِسَ للمذاهِب الأرْبَعَة (٦).
_________
(١) السيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٤١٧ - ٤١٨، وابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ٣٥٣.
(٢) حسن المحاضرة ١/ ٤٦٦، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٣) حسن المحاضرة ١/ ٣٥٧، النجوم الزاهرة ٨/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٤) علي باشا مبارك: الخطط التوفيقية ٦/ ٤٢.
(٥) المقريزي: الخطط ٣/ ٢٣١، وما بعدها.
(٦) حسن المحاضرة ٢/ ٢٦٩، والنجوم الزاهرة ٩/ ١٢٣، وبدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦١.
стр. 49
وقد كانَ هناك مدارسُ أخْرى انتشرتْ في أنحاء البلادِ، حتَّى قال القلقشنديُّ: "ابتنى أكابرُ الأمراءِ وغيرهم من المدارِسِ ما ملأ الأخطاط وشحَنَها" (١)، منها المدرسةُ البرقوقيَّة، ومدرسةُ سرياقُوس، والمدرسةُ المحمُودية، وهذه الأخيرةُ قال عنها المقريزيُّ: "مِنْ أحْسَنِ مدارِس مصْرَ" (٢).
وأختم بالحديثِ عن المدْرَسَة الحجَازيَّة: وقد أنشأتْها الستُّ خوندتتر الحجازية بنْت المَلِك النَّاصرِ محمَّدِ بنِ قلاوُون، وزَوْجَة بكتمر الحجازيِّ، وإِلَيْه نُسِبَتْ. وكان إِنشاؤها سنة إِحدى وستِّين وسبعمائة (٣).
وقد ذكر المقريزيُّ: "أن صاحبتها جعلَتْ بها درسًا للشافعيَّة والمالكيَّة، ومنبرًا لخطبة الجمعة والعيدين، وإِمامًا للصَّلواتِ الخَمْس، وخزانة كتبٍ، وجعلَتْ بها مكتبًا فوق السبِيلِ فيه عدَّة من الأَيْتَام، ورَتَّبَتْ لهم مؤدِّبًا يعلِّمهم القرآن الكَرِيمَ .. " (٤). وقد أجرتْ عليهم أرزاقَهُم من كلِّ يوم، وكان لا يلي نَظَر هذه المدرسة إِلا الأُمَرَاء، ثم وليها الخُدَّام وغيرهم … ومع ذلك، فهِيَ من أبْهَج مدارس القاهِرة (٥). وقد رتَّبَتْ فيها شَيْخَ الإِسْلام البلقينيَّ مدرِّسًا بها للفقه الشافعيِّ: وهو سراج الدِّين أبو حفص عمرُ بنُ رسلانَ بْنِ نصرِ بْنِ صالح الكنانيُّ، العسْقلانيُّ الأصلِ، ثمَّ البُلْقِينيُّ المصريُّ الشافعيُّ: مجتهدٌ حافظٌ للحديثِ، ولدَ في بُلْقِينَة بمحافظة الغَرْبية سنة ٧٢٤ هـ، وطلب العلم حتَّى بَلَغ فِيهِ الغايَة، ثمَّ ولِيَ قضاء الشَّام سنة ٧٦٩ هـ، وقد صنَّف المصنَّفاتِ المُفِيدَة، في الفِقْه كـ"التَّدريب" في فِقْه الشَّافعيَّة، و"محاسِنِ الاصْطِلاح" في الحديث، وغير ذلك، تُوُفِّيَ سنة ٨٠٥ هـ (٦).
وقد جَرَت العادةُ عِنْدَ الفَراغِ مِنْ إِنْشَاء مدرسةٍ من المدارس في عَصْر المماليك أن يُحْتَفَل بافْتِتَاحِها احتفالًا كبيرًا يحضرُه كبارُ رجالِ الدَّوْلة والفُقَهاءُ والأعيانُ والقُضاة، ويكونُ فيه ألوان الأطعمةِ والفَوَاكِه والحَلْوى.
قال المقريزيُّ في حديثه عن المدرسة الظاهِرِيَّة: " … وبَعْد تمامِها جلَسَ أهْلُ
_________
(١) صبح الأعشى ٣/ ٣٦٤.
(٢) الخطط: ٢/ ٣٩٥.
(٣) الخطط التوفيقية ٦/ ١٢.
(٤) خطط المقريزي ٣/ ٣٤٧ وما بعدها.
(٥) السابق.
(٦) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٩، خطط المقريزي ٣/ ٣٤٧، والزركلي: الأعلام ٥/ ٤٦.
стр. 50
الدروسِ مِنْ كلِّ طائفة في إِيوان، ثمَّ مُدَّتِ الأسمطَة، فأكَلُوا، وأُنْشِدَتْ بَعْضُ قَصَائِدَ، ثمَّ أفيضت عليهم الخِلَع، وكان يومًا مشْهُودًا" (١).
وقد جرتِ العادةُ على تَعْيين مُعِيدٍ أو أكثر لكلِّ مدرِّس يُدرِّس في تِلْك المَدَارِس؛ وذلك ليعيدِ للطلبة ما ألْقَاهُ عليهم المدرِّس ليفهموه ويُحْسِنُوه، كما يَشْرَح لهم ما يحتاج إِلى الشرح (٢).
وقد ينوب المُعيدُون عن المدرِّسين في التدريس إِذا خَلَتِ المدرسةُ من الآخرين، فقد حكَى السُّيوطيُّ - في حديثه عن المدرسة الصَّلاحِيَّة (٣) -: "أنها خلتْ مِنْ مدرِّس ثلاثينَ سنةً، واكتُفِيَ فيها بالمُعِيدِينَ" (٤).
وأمَّا الطَّلبة فقد تمتَّعوا بحرية اختيارِ الموادِّ الَّتِي يدرسُونها بحيث لا يمنع فقيهٌ أو مستفيدٌ من الطلبة ما يختاره من أنواع العلوم الشرعيَّة … فإِذا أتمَّ الطالبُ دراستَه وتأهَّل للفُتيا والتَّدْرِيسِ أجاز له شيخُه ذلك، وكَتَب له إِجازةً يُذْكَر فيها اسْمُ الطالبِ وشَيْخهِ ومَذْهَبه، وتاريخ الإِجازة وغير ذلك، ولا شكَّ في أن قيمة هذه الإِجازة كانَت تتوقَّف على سُمْعَة الشَّيْخِ الَّذي صَدَرَتْ عنه ومكانَتِه العِلْمِيَّةِ (٥).
ومهما يَكُنْ، فقد كان إِنشاءُ المدارسِ سَبَبًا في كثْرة التأْليف، وكَثْرَة التَّحْصيل، واطِّلاع طالب العِلْمِ والشادِي فيه على عدَّةٍ من فُرُوع العِلْم، فقد صار طالبُ العِلْم يجدُ في المدْرَسَة علومَ العَقْل وعلوم النَّقْل، كَعُلُومِ الفِقْه والحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ واللُّغَة، فينهل منها جميعًا، ويتثقَّف بها ثقافةَ عامَّةً، ثم يخصِّصه اتجاهُه ونزعتُه في أحَدِهِما فينظر فيه (٦).
وأما المكتبات، فَلَمْ تَكُن العنايةُ بها أقلَّ من العناية بالمدَارِس والجَوَامِع في عصر المماليك، فَكَانَتْ مُنْتَشِرَةً تَحوى أمهاتِ الكُتُب، مثل ما حدث من إِنشاء خزانة للكُتُب الجليلة القَدْر، وجعلوها في قَلْعة الجبل. وكذلك حرَصَ السُّلْطانُ المَنْصُور قلاوُون عَلَى أن يُزَوِّد مكتبةَ المَدْرَسَة المنصورية بالكثير من "كتب التَّفْسير والحَدِيث والفقْه واللُّغَة والطِّبِّ
_________
(١) خطط المقريزي ٣/ ٣٤٠.
(٢) د. سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٣٤٤.
(٣) انظر أخبارها عند: النعيمي: الدارس في أخبار المدارس ١/ ٢٥٠.
(٤) حسن المحاضرة ٢/ ٢٥٧.
(٥) العصر المماليكي ص ٣٤٤.
(٦) أبو زهرة: ابن تيمية ص ١٥٧.
стр. 51
والأدَبيَّاتِ ودواوين الشعر، وكذلك المدرسة النَّاصِرِيَّة الَّتي أقامَهَا السُّلطانُ النَّاصِر مُحمَّد؛ إِذْ أنشأ بها خزانة كُتُب جليلةٍ" (١).
ولَمْ تَكُن المدارِسُ العلميَّة، ومكتباتُها هِيَ المَظْهَر الوحيدَ لازْدِهَار الحَالَة الثَّقافِيَّة فِي عَصْرِ سَلاطِين المماليكِ، فقد وُجِدَ - إِلى جانب ذلك - المكاتبُ الَّتِي يُعلَّم فيها الناشئة وأيتامُ المسِلِمينَ كتابَ الله تعالى، مع الإِنفاقِ عَلَيْهِم ورعايَتِهِمْ.
ويُضَاف إِلى ما سَبق انتشارُ التصوُّف في عَصْر سلاطين المَمَاليك، ويعلِّل الباحثون هذه الظَّاهرة بِكَثْرة مَنْ وفَدَ عَلَى مصْر فِي ذلكَ العَصْر مِن مشَايخِ الصُّوفيَّةِ المَغارِبَةِ والأندلسيِّين، وقد قامَتْ حياةُ الصوفيَّة في الأصْل على أساسِ التقشُّف في المَلْبَس والمأْكَل، حتَّى بالغ بعضهم في ذلِك فَلَبِسُوا المُرَقَّع من الثِّياب، وصَبروا عَلى الجُوع والعَطَش بضْعَة أيَّام.
وقد استتبع انتشارُ التَّصوُّف وكثرةُ معتنقيه في عصْر المماليك انتشارَ خَلَواتٍ يقيمون بها، أُطْلِقَ عليها خانقاواتٌ وربطٌ وزوايا، وأجرى السلاطينُ عليهم الأرزاقَ الَّتي تسهِّل لهم الحياة، وقد ذكر المقريزيُّ: "أن النَّاصِر رَكِبَ كَعَادته للصَّيْد، وبينما هُوَ في الطريقِ، إِذ انتابَهُ ألمٌ شديدٌ كاد يقْضِي عليه، فنزَل عن فَرَسِه، ولكنَّ الألم تزايَدَ عَلَيْه، فنَذَر إِن عافاه الله أن يَبْنِي في هذا المَوْضِع مكانًا يتعبَّد فيه النَّاس. ولما عاد إِلى قَلْعَة الجَبَل، وقد شفَاه الله مِنْ مرضه سار بِنَفْسِه إِلى الموضع الَّذي انتابه فيه المَرَض، وصَحِبَهُ جماعةٌ من المهندسين، واختَطَّ هذه الخانقاه في سنة ٨٢٣ هـ، وجعل فيها مائة صوفيٍّ، وبنى بجانبها مسجدًا تقام فيه الجمعة، وبنى بها حَمَّامًا ومَطْبَخًا" (٢).
إِلا أن حياة الصوفيَّة لم تلبثْ أن تغيَّرتْ أواخرَ عَصْر المماليك، فتغيَّر وضعهم من الصَّلاح إِلى الفَسَاد، وتخلَّوْا عن النُّظُم والآدابِ الَّتي عُرِفُوا بها بَيْن النَّاسِ ممَّا أثارَ استنكار المُعَاصِرِين (٣).
ونتاجًا لكُلِّ ما تقدَّم، فقد ازدهرتِ الحياةُ الثقافيَّة في عَصْر المماليكِ، ورأينا جمعًا
_________
(١) ينظر: العصر المماليكي ص ٣٤٦،
(٢) أبو زهرة: ابن تيمية ص ٢٠٧.
(٣) ينظر: د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ٣٥٣.
стр. 52
غفيرًا من المجتَهدينَ والفقهاء وأصْحاب اليَد العُلْيا في عُلُوم الشَّرْع الحنيف. أمثال:
عزُّ الدِّين بْنُ عبْدِ السَّلام، ومحيي الدِّين النوويّ، وابنُ دقيق العيدِ، والشَّرفُ الدِّمْياطِيّ، وابنُ مالكٍ، وأبُو حيَّان، وابنُ عقيلٍ النحويون، وابنُ تيميَّة وابنُ القَيِّمِ، وابنُ الرِّفْعَةِ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ سَيِّد النَّاسِ، والذهبِيّ، والمِزِّيّ، والبرزاليُّ، وتقيُّ الدِّين السُّبْكِيُّ وولَدُه، وابن رجَب الحنبليّ، والقموليُّ، والكمالُ ابن قاضي شُهْبَة، وابنُ الزملكانيِّ، والصَّفَدِيُّ، وابن خَلِّكان، والتقيُّ ابنُ الصَّائغ، والتَّاجُ المراكشيّ، وابن الوَرْدِيِّ، وابنُ اللَّبَّان، ومغلطاني، وابنُ جماعة الكنانيّ، والإِسنويُّ، وابنُ نُبَاتَة، والسَّعْدُ التَفْتَازَانِيّ، والبَدْرُ الزركشيّ، والسِّرَاجَانِ: ابنُ الملقَّن والبُلْقِينيّ، والزَّيْنُ العراقيّ، وعن المؤرخين: المقريزيُّ، وابن تَغْرِي بَرْدِي، ومن الحفَّاظ: ابن حجر العَسْقلانيُّ والسَّخاويُّ، وذِكْرُ هؤلاءِ الأئمَّةِ يطول، وتحتاج تراجمهُم إِلى مجلَّدات، فَنُحيل على كُتُب التَّراجم، الَّتي عدَّدتْ مصنَّفاتِهِمْ وآثارَهُمْ في إِثراءَ الحياة الثقافيَّة في ذلك العَصْر.
стр. 53
تاج الدِّين السبكيّ بين يدي أصحاب الطبقات
نَسَبُهُ:
هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سيار بن سوار بن سليم السبكي.
هذا ما أثبته المصنّف في ترجمة أبيه من طبقاته (١).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ: "عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي أبو نصر تاج الدين … " (٢).
وقال أبو المحاسن ابن تغري بردي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ: "قاضي القضاة: تاج الدين عبد الوهاب بن قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الأنصاري السلمي، السبكي الشَّافعي، قاضي قضاة دمشق … " (٣).
وقال الحافظ السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ: "قاضي القضاة تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب .. " (٤).
وقال ابن هداية الله المتوفى سنة ١٠١٤ هـ: "هو قاضي القضاة تاج الدين أبو النصر
_________
(١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ١٣٩.
(٢) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥.
(٣) النجوم الزاهرة ١١/ ١٠٨.
(٤) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.
стр. 54
عبد الوهاب بن علي السبكي … " (١).
وقال حاجي خليفة المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ: "عبد الوهاب بن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي تاج الدين أبو النصر المصري الأديب الشَّافعي … " (٢).
وقال ابن العماد الحنبلي المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ: "قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي الشَّافعي … " (٣).
وقال شمس الدين بن الغزي المتوفى سنة ١١٦٧ هـ. "عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي شيخ الإِسلام العلامة قاضي القضاة تاج الدِّين أبو نصر القاهري، ثم الدمشقي الشَّافعي … " (٤).
وقال الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠: "عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافى بن علي بن تمام السبكي تاج الدين … " (٥).
وقال كحالة في "معجمه": "عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الأنصاري، الشَّافعي، السبكي "أبو نصر، تاج الدين" … " (٦).
وقال الزركلي: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافى السبكى، أبو نصر: قاضي القضاة … " (٧).
وفي "طبقات الأصوليين": عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي الشَّافعي، الملقب بـ "قاضي القضاة" تاج الدين، المكنى بـ "أبي نصر" (٨).
_________
(١) طبقات الشافعية ص ٢٣٤.
(٢) كشف الظنون ٥/ ٦٣٩.
(٣) شذرات الذهب ٦/ ٢٢١.
(٤) ديوان الإِسلام ٣/ ٤٥.
(٥) البدر الطالع ١/ ٤١٠.
(٦) معجم المؤلفين ٦/ ٢٢٥.
(٧) الأعلام ٤/ ١٨٤.
(٨) عبد الله مصطفى المراغي: طبقات الأصوليين ٢/ ١٩١.
стр. 55
نسبة التاج السبكي:
نسب التاج السبكي في بعض مصادر ترجمته إِلى "الأنصار"، وكذا إِلى "سبك"، فأما النسبة الأولى، فقد تكلم هو عنها في ترجمته لجده عبد الكافي السبكي، فقال ﵀: "نقلت من خط الجد ﵀ نسبتنا معاشر السبكية إِلى الأنصار ﵃ وقد رأيت الحافظ النسابة شرف الدين الدمياطي (١) ﵀ يكتب بخطه للشيخ الإِمام الوالد ﵀: "الأنصاري الخزرجي … ".
قال: " … وقد كانت الشعراء يمدحونه - يعني والده -، ولا يخلون قصائده من ذكر نسبته إِلى الأنصار، وهو لا ينكر ذلك عليهم، وكان ﵀ أورع وأتقى من أن يسكت على ما يعرفه باطلًا. وقد قرأ عليه شاعر العصر ابن نباتة (٢) - غالب قصائده الَّتي امتدحه بها، وفيها نسبه إِلى الأنصار والشيخ الإِمام يُقِرُّهُ" (٣).
إِلا أنه وضح أن أباه ما كان يوقع بعد اسمه بـ "الأنصاري"، وما ذلك إِلا شدة ورع منه، ووفور عقل، حيث الجزم بهذه النسبة يتطلب متابعتها عبر القرون، وهو ما لا يتوفر هنا لبُعد الشُّقة، واندراس القرون … قال ﵀: " … ولم يكتب الشيخ الإِمام ﵀ بخطه لنفسه: "الأنصاري" قط وإِن كان شيخنا الدمياطي يكتبها له، وإِنما كان يترك الشيخ الإِمام كتابة ذلك لوفور عقله ومزيد ورعه، فلا يطرق نحوه طعن من المنكرين، ولا أن يكتبها مع احتمال عدم الصحة خشية أن يكون قد دعا نفسه إِلى قوم وليس منهم .. " (٤).
وأما نسبته إِلى "سبك" فقد قال السيوطي في "لب اللباب": "بالضم والسكون إِلى سُبْك قرية بـ "مصر" … " (٥).
_________
(١) هو الإِمام الحافظ الحجة، شيخ الإِسلام شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الشَّافعي، ولد سنة ٦١٣ هـ، وتفقه، وبرع في الحديث، وجمع فأوعى، قال عنه المزي: ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وكان بارعًا في الفقه، توفي سنة ٧٠٥ هـ.
(٢) هو محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن صالح بن علي بن نباتة المصري. ولد سنة ٦٨٦ هـ، وهو أديب شاعر مشهور. له من التصانيف: "سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون" و"شعار اللبيب"، "والزهر المنثور"، وغير ذلك. توفي بالقاهرة سنة ٧٦٨ هـ.
(٣) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٩١ - ٩٣.
(٤) المصدر نفسه ١٠/ ٩٣.
(٥) والمصدر نفسه ٢/ ٩، وانظر تاج العروس ٧/ ١٤٠، والبيت السبكي ص ٨٥، وما بعدها.
стр. 56
وذكر الأستاذ محمد الصادق حسين في كتابه "البيت السبكي" فصلًا في تحقيق هذه النسبة وتحديد سببها، ويتلخص منه أن هذه النسبة إِلى بلدة "سبك" وهي من أعمال محافظة المنوفية، وهناك بقعتان تسميان بهذا الاسم:
"سبك الضحاك": وهي الَّتي يطلق عليها الآن: "سبك التلات"؛ لأن سوقها الأسبوعية يوم الثلاثاء، أو لأن بها عائلة التلاتية.
و"سبك العويضات": وهي سبك العبيد، أو سبك "الأحد"، وتعرف عند العامة بـ "سبك الحد".
وقد ذهب - في الختام - إِلى أن السبكية "أهل البيت السبكي" هم من سبك العويضات لا من المعروفة بـ "سبك الضحاك"، واستدلّ على ما ذهب إِليه بأمور:
أولًا: بما ورد في "أعيان العصر" لصلاح الدين الصَّفَدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، فقد ذكر عند ترجمته الشيخ تقي الدين علي بن عبد الكافي - أنه من أهل سبك العبيد؛ لأن الصفدي - وهو خليل بن عز الدين بن أيبك - كان من تلاميذ الشيخ تقي الدين، وكان كذلك على صلة وثيقة بابن الشيخ، وهو تاج الدين، وبعيد الَّا يكون على علم ببلدة شيخه".
ثانيًا: بما أورده الفيروزآبادي - محمد بن يعقوب بن محمد أبو طاهر مجد الدين - المتوفى سنة ٨١٧ هـ، في كتابه "القاموس المحيط"، في مادة "سبك" (١) قال: سبك الضحاك قرية بـ "مصر". وسبك العبيد: قرية أخرى بها. منها شيخنا علي بن عبد الكافي".
وما قيل في كلام "الصفدي" يقال هنا مع الفيروزآبادي.
ثالثًا: بما أورده الزبيدي - ٨٤٣ هـ ذكر في مادة "سبك": سبك الضحاك: من أعمال المنوفية ومعروفة بسبك الثلاثاء. ويذكر أنه دخلها، وبات فيها ليلتين.
وسبك العبيد: قرية أخرى من أعمال المنوفية أيضًا، وقد دخلها أكثر من مرة، وتعرف أيضًا بـ "سبك الأحد"، و"سبك العويضات"، وأن منها "السبكية" أولاد تقي الدين.
ثم جزم الأستاذ محمد الصادق حسين بأن: "السبكية المشهورون في دولة المماليك من سبك العويضات ما في ذلك شك" (٢).
_________
(١) ترتيب القاموس ٢/ ٥١٥.
(٢) البيت السبكي ص ٩١.
стр. 57
مولده:
تكاد تجمع كتب التراجم على أن مولد التاج السبكي كان سنة ٧٢٧ هـ، قال ذلك: ابن حجر، وابن تغري بردي (١)، وحاجي خليفة، وابن العماد الحنبلي، والشوكاني، وكحالة، والزركلي.
وأما الذهبي، فقد ترجم له في المعجم الصغير، وذكر أن مولده كان سنة ٧٢٨ هـ وذهب الزبيدي (٢)، والسيوطي (٣) من بعده إِلى أنه ولد سنة ٧٢٩ هـ.
نشأته:
وقبل أن نتحدث عن نشأة ذلك الجهبذ المجتهد يحسن بنا أن نقدم بالحديث عن البيت الذي نشأ فيه، والذي يعرف بـ "البيت السبكي":
عرف البيت السبكي بالورع والعلم، فقد كان من بيوتات الفضل والصلاح، يعرف ذلك كل من قرأ كتب التاريخ والتراجم، وإِن من يرجع إِلى أصول هذا البيت الشريف، يجد أن الجد الأكبر علي بن تمام كان قاضيًا، وقد ترك فرعين له، هما يحيى بن علي بن تمام المتوفى سنة ٧٢٥ هـ، في السلطنة الثَّالثة للناصر محمد بن قلاوون. وأخوه زين الدين أبو محمد عبد الكافي - جد تاج الدين، وقد كانت ولادته في سنة ٦٥٩ هـ على التقريب أي في سلطنة بيبرس البندقداري.
وقد ذكر القلقشندي (٤)، وابن حجر (٥) أن عمر بن عبد الله بن صالح - قد ولي قضاء المالكية بالديار المصرية سنة ٦٦٣ هـ، وذلك بعد أن استقر الحال في الأيام الظاهرية، حيث إِن بيبرس البندقداري جعل القضاة أربعة بدل قاض واحد من الشَّافعية.
وقد عده الزبيدي في السبكية قال: "ومن عشيرتهم قاضي القضاة شرف الدين عو بن عبد الله بن صالح السبكي المالكي … " (٦).
_________
(١) وقد فهم ذلك من ذكر وفاته سنة ٧٧١ هـ، وقوله بعد ذلك: " … عن أربع وأربعين سنة".
(٢) تاج العروس: ٧/ ١٤١.
(٣) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.
(٤) صبح الأعشى ٤/ ٣٥.
(٥) رفع الإِصر عن قضاة مصر.
(٦) تاج العروس: ٧/ ١٤١.
стр. 58
ونحن نختصر البيت السبكي لتفرعه، ونكتفي بذكر أسرة السبكي فقط الَّتي انحدرت من الجد الأكبر علي بن تمام، ونتبع ذلك برسم توضيحي:
١ - صدر الدين أبو زكريا يحيى قاضي المحلة، ثم اشتغل بالتدريس في القاهرة، وتوفي سنة ٧٢٥ هـ.
٢ - تقي الدين أبو الفتح محمد، ولد عام ٧٠٧ هـ، واشتغل بالتدريس في القاهرة ودمشق، وتوفي سنة ٧٤٤ هـ.
٣ - بهاء الدين أبو البقاء محمد، ولد سنة ٧٠٨ هـ، واشتغل بالتدريس، وكان قاضيًا وحاكمًا بـ "دمشق" والقاهرة، ووكيلًا للسلطان، وخطيب المسجد الأموي بدمشق، وتوفي عام ٧٧٧ هـ.
٤ - وَلِيُّ الدين أبو نصر عبد الله، ولد عام ٧٣٥ هـ، واشتغل بالتدريس، وكان قاضيًا وخطيبًا وقيمًا على الشؤون المالية بدمشق، وتوفي عام ٧٨٥ هـ.
٥ - بدر الدين أبو عبد الله محمد، ولد عام ٧٤١ هـ، اشتغل بالتدريس، وولي الإِفتاء والقضاء بالقاهرة ودمشق، وكان خطيبًا بالمسجد الأموي … توفي سنة ٨٠٢ أو ٨٠٣ هـ.
٦ - شيخ الإِسلام تقي الدين أبو الحسن، ولد عام ٦٨٣ هـ، تلقى العلم بالقاهرة خاصة، واشتغل بالتدريس، وولي الإِفتاء والقضاء بالقاهرة ودمشق، وخطيبًا بالمسجد الأموي، وتوفي عام ٧٥٦ هـ، وله أكثر من مائة وخمسين مصنفًا.
٧ - بهاء الدين أبو حامد أحمد، ولد سنة ٧١٩ هـ، اشتغل بالتدريس، وولي الإِفتاء والقضاء في القاهرة ودمشق وتوفي "بـ "مكة" عام ٧٧٣ هـ.
٨ - جمال الدين أبو الطيب الحسين، ولد عام ٧٢٢ هـ، توفي ٧٥٥ هـ، وقام بالتدريس في القاهرة ودمشق، واشتغل في دمشق أيضًا نائبًا للقاضي.
٩ - تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب، ولد عام ٧٢٧ أو ٢٨، أو ٢٩، وقام بالتدريس، واشتغل أستاذًا وقاضيًا وحاكمًا في دمشق والقاهرة، ثم غدا خطيبًا للمسجد الأموي، وقد حبس ثمانين يومًا تقريبًا … وتوفي بالطاعون سنة ٧٧١ هـ.
١٠ - محمد، وقد وجه إِليه أبوه رسالة "قصيدة" كلها عنف وتعنيف …
стр. 59
آل السبكي
ضياء الدين أبو الحسن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حماد بن يحيى بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم الأنصاري الخزرجي.
|
стр. 60
هذه أسرة تاج الدين السبكي، كما عرضتها دائرة المعارف الإِسلامية، ويفهم من ذلك أن آل السبكي كانوا على فضل وشرف عظيم، فهم قضاة، وخطباء، ومدرسون للعلم. ثم نضيق دائرة الحديث قليلًا، فنلقي أشعة الضوء على أسرة الشيخ تقي الدين علي بن عبد الكافي، والد التاج، عليهما رحمة الله تعالى:
١ - علي بن عبد الكافي: الشيخ تقي الدين:
ولد في سلطنة المنصور سيف الدين قلاوون، في سنة ٦٨٣ هـ، وقد عاصر سبعة عشر سلطانًا من سلاطين المماليك البحرية، وهو إِمام من أئمة الاجتهاد، نعته الذهبي بالقاضي العلامة الفقيه المحدث، الحافظ فخر العلماء، كان صادقًا ثبتًا خيرًا، دينًا متواضعًا، حسن السمت، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقربها، والعربية ويحققها … وقد بقي في زمانه الملحوظ إِليه بالتحقيق والفضل".
وقال ابن حجر: "وقد باشر القضاء بهمة وصرامة وعفة وديانة" (١).
ولي التدريس في عديد من المدارس منها: المنصورية بمصر، وجامع الحاكم، وجامع ابن طولون، كما ولي القضاء، قال ابن العماد الحنبلي: "في سنة ٧٣٩ هـ قدم العلامة شيخ الإِسلام تقي الدين السبكي على قضاء الشَّافعية بالشام وفرح الناس به" (٢).
وقد أعان الشيخ تقي الدين على التبحر في العلم بيئة بيته وعناية أبيه، وهو أول معلم له، فقد "كان يخرج من البيت لصلاة الصبح، فيشتغل على المشايخ إِلى أن يعود قريب الظهر فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجًا، فيأكل ويعود إِلى الاشتغال إِلى المغرب فيأكل شيئًا حلوًا لطيفًا، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك" (٣).
وبلغ من عناية والده به أنه زوجه بابنة عمه، وشرط ألَّا تسأله شيئًا من أمر الدنيا، قال ولده تاج الدين: "ثم زوجه والده بابنة عمه، وعمره خمس عشرة سنة، وألزمها ألَّا تحدثه في شيء من أمر نفسها، وكذلك ألزمها والدها، وهو عمه الشيخ صدر الدين، فاستمرت معه، ووالده ووالدها يقومان بأمرهما، وهو لا يراها إِلا وقت النوم، وصحبته مدة، ثم إِن والدها بلغه أنها طالبته بشيء من أمر الدنيا، فطلبه وحلف عليه بالطلاق ليطلقها، فطلقها،
_________
(١) الدرر الكامنة ٣/ ٦٤.
(٢) شذرات الذهب ٦/ ١٢٠.
(٣) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ١٤٤.
стр. 61
فانظر إِلى اعتناء والده وعمه بأمره، وكان ذلك خوفًا منهما أن يشتغل باله بشيء غير العلم" (١).
وقد صنف المصنفات الكثيرة، قال السيوطي: "وصنف نحو مائه وخمسين كتابًا مطولًا ومختصرًا، والمختصر منها لا بد وأن يشتمل على ما لا يوجد في غيره، من تحقيق وتحرير لقاعدة، واستنباط وتدقيق" (٢). ونراه لم يهدأ في أوأخر أيامه، ولم ينزل عن قضاء الشام بحكم الشيخوخة، حتى ولى ابنه تاج الدين قضاء الشام بعده. وبعد أن اطمأن على تاج الدين في منصب قاضي القضاة بالشام رجع إِلى مصر ضعيفًا، وأقام ببيته على النيل في جزيرة الفيل، ولم يعش بعد ذلك إِلا قليلًا، وتوفي ﵀ في سنة ٧٥٦ هـ (٣).
٢ - أحمد بن علي بن عبد الكافي: بهاء الدين أبو حامد:
ولد سنة ٧١٩ هـ، في السلطنة الثَّالثة للناصر محمد بن قلاوون، وقد عاصر اثنا عشر سلطانًا من سلاطين المماليك، وقد تلقى العلم عن أبيه وغيره من مشايخ مصر والشام، وشهد له بالعلم والفضل، قال الذهبي: "الإِمام العلامة المدرس له فضائل وعلم جيد، وفيه أدب وتقوى، وساد وهو ابن عشرين سنة، وأسرع إِليه الشيب، وكان أديبًا فاضلًا، متعبدًا، كثير الصدقة والحج والمجاورة، سريع الدمعة، وكانت له اليد الطولى في علوم اللسان العربي والمعاني والبيان" (٤).
وقد سعى له أبوه في تدريس الفقه والميعاد بجامع ابن طولون، وغيره، وذلك بعد أن تولى الشيخ تقي الدين قضاء الشام. وكان مولعًا بتولي الوظائف والمناصب، حتى كان يسعى إِليها بماله الذي كان كثيرًا، وتولى منصب "إِفتاء دار العدل" سنة ٧٥٢ هـ، ومن مصنفاته: "عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح".
_________
(١) المصدر السابق ١٠/ ١٤٥.
(٢) بغية الوعاة ٢/ ١٧٧.
(٣) ينظر ترجمته مفصلة في: طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ١٣٩، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٨، طبقات الإِسنوي ترجمة رقم (٦٦٦)، الدرر الكامنة ٣/ ٦٣، وبغية الوعاة ترجمة رقم ١٧٣٣، شذرات الذهب ٦/ ١٨٠.
(٤) الدرر الكامنة: ١/ ٢١١.
стр. 62
ومن تلامذته: الدميري صاحب "حياة الحيوان". وقد توفي بمكة سنة ٧٧٣ هـ. أي بعد أخيه التاج بسنتين (١).
٣ - الحسين بن علي بن عبد الكافي: جمال الدين أبو الطيب:
ولد سنة ٧٢٢ هـ في السلطنة الثَّالثة للناصر محمد بن قلاوون، وعاصر عشرة من السلاطين المماليك، تلقى العلم عن أبيه ومشايخ عصره، وقد اعتنى عناية خاصة بدراسة العروض، وذهب إِلى الشام لما عين أبوه قاضي قضاتها، وأتم دراستة وطلبه على مشايخها، ثم عاد إِلى مصر، ودرّس بالكهارية، واشتغل معيدًا بدرس القلعة عند القاضي شهاب الدين بن عقيل، ثم عاد إِلى الشام ودرس بالشامية البرانية وغيرها.
وكان مثل بقية أفراد بيته يمتاز بالذكاء وقوة الحافظة، قال الصفدي: "كان ذهنه ثاقبًا وفهمه لإِدراك المعاني مراقبًا … وكان يعرف العروض جيدًا، وينظم الشعر بل الدر، ويأتي في معانيه بالزهر، عفيف اليد في أحكامه لم يقبل رشوة من أحد أبدًا، ولم يسمع بذلك في أيامه" (٢)، توفي سنة ٧٥٥ هـ.
٤ - سارة بنت علي بن عبد الكافي:
ولدت سنة ٧٣٤ هـ في السلطنة الثَّالثة للناصر محمد بن قلاوون، وعاصرت أربعة عشر سلطانًا من المماليك البحرية، واثنين من السلاطين البرجية.
وقد سمعت وهي صغيرة على أبيها، وعلى زينب بنت الكمال، والشهاب الجزري، وأجاز لها كثير من شيوخ الشام والقاهرة، وتزوجت بقريبها محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام، وهو بهاء الدين أبو البقاء من كبار أفراد البيت السبكي.
وعاشت في مصر والشام، وكانت وفاتها بالقاهرة بعد مرض طويل. ذكرها ابن حجر العسقلاني في معجمه، وقال: قرأت عليها. وقد روى عنها سواه من الشيوخ. وهي في عقود المقريزي (٣).
_________
(١) ينظر ترجمته: في الدرر الكامنة ١/ ٢١٠، وشذرات الذهب ٦/ ٢٢٦، والبدر الطالع ١/ ٨١.
(٢) البيت السبكي ص ٦٤ نقلًا عن الطبقات ٦/ ٨٨.
(٣) السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ٥٢.
стр. 63
٥ - محمد بن علي بن عبد الكافي: أبو بكر:
وهو أكبر أولاد الشيخ علي، لكنه مات قبل أن يكون له شأن، لم ندر من أخباره شيئًا، سوى ما جاء في الطبقات الكبرى عرضًا في ترجمة علي بن عبد الكافى من أن محمدًا هذا كان أكبر أبناء أبيه، وأن أباه خاطبه بقصيدة فيها نصح وإرشاد إِلى ما يجب عليه من العناية بالدراسة العلمية والصوفية (١).
٦ - محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي: تقي الدين أبو حاتم:
ولد سنة ٧٤٥ هـ في سلطنة الملك الصالح عماد الدين إِسماعيل، وعاصر ثمانية من سلاطين المماليك البحرية، وكان كما نعته تاج الدين السبكي، حبيب الشيخ الإِمام - يعني جده تقي الدين - وريحانته وأنيسه. ولد بالقاهرة، وسمع الحديث من جده وغيره، وربيَ في حجر جده بـ "دمشق"، ولما أحس الشيخ الإِمام بالضعف سفره إِمامه إِلى القاهرة، ولكن قبل أن يسفره أراد الشيخ تقي الدين أن يراه في درس يلقيه بالمدرسة العادلية الكبرى، اجتمع فيه الإِمام فمن دونه، وابتهج به الشيخ.
واستمر أبو حاتم في القاهرة، وجد في الطلب، ودرس بالسيفية والكهارية وغيرهما، ولكنه أخذ في شبابه بداء الطاعون، وذلك سنة ٧٦٤ هـ (٢).
٧ - محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي: تقي الدين أبو حاتم:
وكانت وفاته في سلطنة عبد العزيز بن برقوق، أو فرج بن برقوق من المماليك البرجية، وذلك سنة ٨٠٨ هـ، ولا يعرف تاريخ ولادته ولا عمره على التَّحقيق، وقد ولي نيابة الحكم من سنة ٧٩٠ هـ إِلى أن مات (٣).
٨ - ستيتة بنت علي بن عبد الكافي:
ولا نعرف من أخبارها إِلا أنها ماتت هي وابنا أخيها أحمد، وابن أخيها عبد الوهاب في سنة واحدة، وكانت وفاتهم بالطاعون (٤).
_________
(١) البيت السبكي ص ٦٦.
(٢) ترجمته في طبقات الشَّافعية الكبرى للتاج السبكي ٩/ ١٢٤.
(٣) ترجمته في الضوء اللامع للسخاوي ٩/ ٢٧.
(٤) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ٢٤٢.
стр. 64
٩ - صالحة بنت أحمد بن علي بن عبد الكافي:
أجاز لها ابن أميلة وطبقته، وأجاز لها جماعة من أصحاب أبي الفضل بن عساكر (١).
١٠ - صالحة بنت عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي:
أجاز لها العز بن جماعة، وكذا أجاز لها ابن أميلة، ولقيها الزين رضوان، فاستجازها، وقال: أظن أنني قرأت عليها شيئًا (٢).
١١ - علي بن عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي.
١٢ - وعبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الكافي.
١٣ - وعبد العزيز بن أحمد بن علي بن عبد الكافي:
وثلاثتهم ماتوا مع عمتهم ستيتة في سنة واحدة (٣).
١٤ - فاطمة بنت محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي:
زوج علي نور الدين من فرع عبد الملك بن علي بن تمام الجد الأكبر (٤).
وبعد فهذا نسب التاج السبكي، وهذه أسرته، وليس لدينا عن نسبه من جهة الأم سوى إِشارة إِلى أن أمه كانت من بيت علم، وذلك أن جده من قبل أمه هو: الخضر بن الحسن بن علي الوزير قاضي القضاة برهان الدين السنجاري (٥).
إِذًا فأسرة التاج السبكي أسرة علم، وعليه فقد نبت برعم التاج، واشتد عوده في طلب العلم، فبدأ بالقرآن فحفظه، وتعلم العربية والخط والحديث والفقه والأصول والتفسير والعروض، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة أي في سنة ٧٣٩ ولي أبوه قضاء قضاة الشام، فذهب معه إِلى دمشق، وهناك رشف من رحيق علماء الشام أمثال المزي والذهبي على ما سيأتي في تفصيل "شيوخه".
قال ابن حجر العسقلاني: "وأمعن في طلب الحديث وكتب الأجزاء والطباق مع
_________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ٧٠.
(٢) السابق نفسه.
(٣) شذرات الذهب ٦/ ٢٤٢.
(٤) ينظر فيما سبق: "البيت السبكي" ص ٥٠ وما بعدها.
(٥) البيت السبكي ص ١٥ نقلًا عن الطبقات الكبرى.
стр. 65
ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية حتى مهر وهو شاب" (١).
وقال السيوطي: "ولازم الاشتغال بالفنون على أبيه وغيره حتى مهر وهو شاب" (٢).
وقال ابن العماد: "واشتغل على والده وغيره، وقرأ على الحافظ المزي، ولازم الذهبي، وتخرج به، وطلب بنفسه … " (٣).
ومن عناية والده به أنه كان يرسل به ليسمع الحديث من المحدثين وهو حدث صغير، ومثال ذلك ما ذكره عن نفسه في الطبقات قال: " … وأخبرناه صالح بن مختار بن صالح بن أبي الفوارس الأُشْنَوِيُّ قراءة عليه وأنا أسمع في الخامسة بقبة الشَّافعي ﵁ … " (٤).
وقال في موضع آخر: " … وأخبرنا أحمد بن علي الجزري بقراءتي عليه مرة، وقراءة عليه وأنا أسمع أخرى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إِسماعيل بن أحمد خطيب مَرْدا حضورًا في الخامسة … " (٥).
وفي موضع ثالث: "أخبرنا أبو الحسن علي بن الإِمام أبي الظَّاهر إِسماعيل بن إِبراهيم بن عبد الرحمن بن قريش المخزومي، قراءة عليه وأنا حاضر أسمع في الرابعة … " (٦).
وكما دفع الشيخ تقي الدين ابنه في طلب العلم في هذه السن المبكرة، إِلا أنه - إِضافة إِلى هذا - اختار له مشايخه، ودعاه لملازمتهم والأخذ منهم:
وفي ترجمة الحافظ المزي قال التاج: "وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي، أمضي إِليه في كل يوم مرتين، بكرة والعصر، وأما المزي فما كنت أمضي إِليه غير مرتين في الأسبوع، وكان سبب ذلك أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي والمحبة فيّ، بحيث يعرف من عرف حالي معه أنه لم يكن يحب أحدًا كمحبته في، وكنت أنا شابًا، فيقع ذلك مني موقعًا عظيمًا، وأما المزي فكان رجلًا عبوسًا مهيبًا.
_________
(١) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥.
(٢) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.
(٣) شذرات الذهب ٦/ ٢٢١.
(٤) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ١٠٦.
(٥) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ١٤٨.
(٦) المصدر نفسه ١/ ١٥٢.
стр. 66
وكان الوالد يحب لو كان أمري على العكس، أعني يحب أن ألازم المزي أكثر من ملازمة الذهبي، لعظمة المزي عنده، وكنت إِذا جئت غالبًا من عند شيخ، يقول: هات ما استفدت، ما قرأت، ما سمعت، فأحكي له مجلسي معه، فكنت إِذا جئت من عند الذهبي، يقول: جئت من عند شيخك، وإِذا جئت من عند الشيخ نجم الدين القحفازي، يقول: جئت من جامع تِنكز؛ لأن الشيخ نجم الدين كان يشغلنا فيه، وإِذا جئت من عند الشيخ شمس الدين بن النقيب، يقول: جئت من الشامية؛ لأني كنت أقرأ عليه فيها، وإِذا جئت من عند الشيخ أبي العباس الأندرشي يقول: جئت من الجامع، لأني كنت أقرأ عليه فيه، وهكذا، وأما إِذا جئت من عند المزي، فيقول: جئت من عند الشيخ، ويفصح بلفظ الشيخ، ويرفع بها صوته، وأنا جازم بأنه إِنما كان يفعل ذلك ليثبت في قلبي عظمته، ويحثني على ملازمته .... (١).
ويستمر التاج السبكي في طلب العلم والتنقل بين أساطينه، حتى مهر وبرع، وعلا صيته، وقد أجازه شمس الدين بن النقيب بالإِفتاء والتدريس، ولما مات ابن النقيب كان عمره ثمان عشرة سنة، وأفتى ودرس، وصنف، وأشغل (٢).
شيوخه:
ممَّا علم بالضرورة من أصول التربية - أن التلميذ يستمد ثقافته من شيوخه، فالشيوخ بالنسبة إِليه - هم القدوة العملية، والصورة الحية لما يتعلمه، بهم يكون تأثره، وعلى أيديهم تتكون شخصيته، وتصنع معارفه، ومنهم يأخذ أخلاقه، وعليهم تتربى ملكاته، يقول ابن خلدون: "إِن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم، وما ينتحلون به من المذاهب والأخلاق تارة علمًا وتعليمًا وإِلقاءً، وتارة محاكاة وتلقينًا بالمباشرة، إِلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكامًا، وأقوى رسوخًا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها" (٣).
وقد تتلمذ شيخنا تاج الدين السبكي على مشايخ عصره، وجهابذة العلم في زمانه،
_________
(١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٢) شذرات الذهب ٦/ ٢٢١.
(٣) ابن خلدون: المقدمة ص ٦٣٤.
стр. 67
ومن طالع كتابه "الطبقات الكبرى" يرى كثيرًا من مشايخه الذين ترجم لهم، وسمع منهم، قال التاج في ترجمة شيخه حافظ الدنيا أبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ: وقد قدمنا في ترجمة الشيخ الإِمام الوالد أني سمعت شيخنا الذهبي يقول: ما رأيت أحفظ منه "المزي"، وأنه بلغني عنه أنه قال: ما رأيت أحفظ من أربعة: ابن دقيق العيد، والدمياطي، وابن تيمية، والمزي، وترتيبهم حسبما قدمناه.
وأنا لم أر من هؤلاء الأربعة غير المزي، ولكن أقول: "ما رأيت أحفظ من ثلاثة: المزي، والذهبي، والوالد، على التفصيل الذي قدمته في ترجمة الوالد. وعاصرت أربعة لا خامس لهم: هؤلاء الثلاثة، والبرزالي، فإِني لم أر البرزالي … " (١).
قلت: وقوله: وأنا لم أر من هؤلاء … ، وذلك أن الشيخ ابن دقيق العيد توفي سنة ٧٠٢ هـ، والشيخ الدمياطي توفي سنة ٧٠٥ هـ، وابن تيمية توفي سنة ميلاد السبكي على قول الذهبي، وهي سنة ٧٢٨ هـ.
ويمكن ترتيب شيوخ التاج كما يلي:
١ - تقي الدين علي بن عبد الكافي:
وهو والد التاج السبكي، وأكثر من تأثر به، وأخذ عنه، وقد كان هذا الوالد - كما سبق التعريف به - إِمامًا من أئمة الفقه في دمشق والقاهرة، وعالمًا من كبار علماء عصره، ولقد وصفه العلماء بأنه شيخ العلم وحامل لواء العلماء، الإِمام المجتهد، العلم المفرد، وكان شيخه أبو محمد الدمياطي شيخه يقول: "هو إِمام المحدثين"، ولم يكن عنده أحد بمنزلته.
وأما الذهبي، فقد نعته بقوله: القاضي الإِمام العلامة الفقيه، المحدث، الحافظ، فخر العلماء … انتهى إِليه الحفظ ومعرفة الأثر بالديار المصرية.
ولما تولى السبكي قضاء دمشق والخطابة في الجامع الأمويِّ، قال الذهبي فيه: [الوافر]
لِيَهْنَ الْمِنْبَرُ الأُمَويُّ لَمَّا … عَلاهُ الْحَاكِمُ الْبَحْرُ التَّقِيُّ
_________
(١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ٣٩٧.
стр. 68
شُيُوخُ الْعَصْرِ أَحْفَظهُمْ جَمِيعًا … وَأَخْطَبُهُمْ وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ (١)
وثناء العلماء عليه أكثر من أن نحصيه هنا، وقد أفاض ابنه في وصفه، ونقل كلام تلامذته، وثناءهم عليه.
وأما التاج فقد ذكر في عدة مواضع أخذه عن والده، وتأثره به، فعقد فصلًا في "ذكر شيء من الرواية عنه"، وقال فيها: أخبرني أبي - تغمده الله برحمته - أخبرنا أقسيان بن محفوظ بقراءتي … " (٢).
وقال: "أخبرنا شيخ الإِسلام الوالد ﵀ قراءة عليه، وأنا أسمع … " (٣).
وفي مواضع كثيرة يقول: سمعت الوالد (٤). وفي أخرى يقول: وكنت أقرأ عليه (٥). وأما تصانيفه فكثيرة سارت بها الركبان، وانتشرت في جميع الأصقاع والأركان.
٢ - ابن سيد الناس:
وهو فتح "الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى ابن سيد الناس الإِمام الحافظ، الشَّافعي الأندلسي الإِشبيلي المصري، ولد سنة ٦٧١ بالقاهرة، وسمع الكثير من الجم الغفير،. وتفقه على مذهب الشَّافعي، وأخذ علم الحديث عن والده، وابن دقيق العيد، وتخرج عليه، وقرأ عليه أصول الفقه، وقرأ النحو على ابن النحاس، وولي دار الحديث بجامع الصالح، وخطب بجامع الخندق، وصنف كتبًا نفيسة منها السيرة الكبرى، سماها "عيون الأثر"، واختصرها، وشرح قطعة من كتاب الترمذي، وغير ذلك كثير. توفي بـ "مصر" سنة ٦٣٤ هـ (٦).
٣ - ابن الصَّابوني:
وهو أمين الدين أبو الفضل عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن الصَّابوني، ولد في سنة ٦٥٧ هـ، وسمع من ابن عزون والمعين الدمشقي والغلاق، وغيرهم بالقاهرة، ومن أبي اليسر وغيره بدمشق. توفي سنة ٧٣٦ هـ (٧).
_________
(١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ١٦٩.
(٢) السابق ١٠/ ١٧١، ١٧٢، ١٧٣.
(٣) السابق ١٠/ ١٧١، ١٧٢، ١٧٣.
(٤) السابق ١٠/ ٢٦٦، وما بعدها.
(٥) السابق ١٠/ ١٩٩.
(٦) ينظر ترجمته في: شذرات الذهب ٦/ ١٠٨.
(٧) ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة ٣/ ٢٥.
стр. 69
٤ - ابن جملة:
هو قاضي القضاة يوسف بن إِبراهيم بن جملة المحَجِّي جمال الدين، ولد سنة ٦٨٦ هـ، وتفقه على الشيخ صدر الدين بن المرحِّل، ولازمه، وبه عرف، وأخذ عن ابن النقيب، وابن الوكيل وابن الزملكانيّ، وناب في الحكم بدمشق عن قاضي القضاة جلال الدين القزويني، ثم ولي قضاء القضاة بعد وفاة القاضي علم الدين الأخنائي، ودرس بالدولعية. توفي سنة ٧٣٨ هـ (١).
٥ - صالح بن مختار:
وهو تقي الدين صالح بن مختار بن صالح بن أبي الفوارس العجمي الأصل، العزازي المصري. ولد سنة ٦٤٢ هـ، وسمع من أحمد بن عبد الدائم، والفخري، وابن أبي عمر، وإِسحاق بن أسد العامري، وأجاز له محمد بن عبد الهادي، ومكي بن عبد الرزاق، حدث بـ "مكة"، وتوفي سنة ٧٣٨ هـ (٢).
٦ - زينب بنت الكمال:
مسندة الشام أم عبد الله زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسية، المرأة الصالحة، العذراء، روت عن محمد بن عبد الهادي، وخطيب مردا، وأبي الفهم البلداني، وسبط ابن الجوزي وجماعة. وتفردت وروت كتبًا كبارًا، وقرأ عليها الكثير من الطلبة، وتوفيت سنة ٧٤٠ هـ (٣).
٧ - أبو الحجاج المزي:
هو الإِمام العلم المفرد أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن علي، القضاعي الدمشقي، حافظ زمانه، وحامل راية السنة والجماعة، إِمام الحفاظ، واحد عصره بالإِجماع، ولد بظاهر حلب سنة ٦٥٤ هـ، سمع من أحمد بن أبي الخير سلامة، والقاسم بن أبي بكر الإِربلي، وإِبراهيم بن إِسماعيل بن الدرجي، وغيرهم، ورحل إِلى مصر، فسمع بها من العز عبد العزيز الحرَّاني، وسمع منه ابن تيمية والبرزالي، والذهبي،
_________
(١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٣٩٢.
(٢) ابن حجر: الدرر الكامنة ٢/ ٢٠٣.
(٣) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ١٢٦.
стр. 70
وابن سيد الناس، والتقي السبكي وولده، وخلق لا يحصون. صنف "تهذيب الكمال"، و"تحفة الأشراف". قال التاج السبكي: وقد قرأت عليه، وسمعت عليه الكثير. وقال عنه ابن السبكي: "كان شيخنا المزي أعجوبة زمانه … ". توفي سنة ٧٤٢ هـ (١).
٨ - ابن النقيب:
هو محمد بن أبي بكر بن إِبراهيم بن عبد الرحمن، شمس الدين بن النقيب، علم من أعلام الشَّافعية، مفسر، قاض، ولي الحكم بـ "حمص" وطرابلس، ثم بـ "حلب"، ولد سنة ٦٦١ هـ، وسمع من الفخر بن البخاري، وابن الصَّابوني، وزينب بنت مكي، ولازم الشيخ النووي، ومن تلامذته: جمال الدين بن جملة، وبرهان الدين البعلي، له "عمدة السالك وعدة الناسك" توفي سنة ٧٤٥ هـ (٢).
٩ - أبو حيان:
وهو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النقريُّ الأندلسي، شيخ النحاة، العلم المفرد، نعته التاج بقوله: سيبويه الزَّمان، والمبرد إِذا حمى الوطيس بتشاجر الأقران، ولد سنة ٦٥٤ هـ، ونشأ بـ "غرناطة"، وقرأ بها القراءات والنحو واللغة، وجال في بلاد المغرب، ثم قدم مصر، وسمع بالمغرب ومصر، ومالقة، ولازم الدمياطي، وأخذ عن ابن خطيب المزة، وأبي الحسن بن علي بن صالح الحسيني، وسمع جمًا غفيرًا، وأخذ عنه كثيرون منهم التقي السبكي، قال التاج السبكي: وأخذ عنه غالب مشايخنا وأقراننا، منهم الشيخ الإِمام الوالد .. وصنف التصانيف السائرة منها: "البحر المحيط" في التفسير، و"ارتشاف الضرب"، وغير ذلك، وتوفي بمنزله بظاهر القاهرة سنة ٧٤٥ هـ (٣)، وينظر ترجمته مفصلة من تحقيقنا على كتابه "البحر المحيط".
١٠ - الذهبي:
هو الحافظ الكبير شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز،
_________
(١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٣٩٥ وما بعدها.
(٢) طبقات الشَّافعية الكبرى ٩/ ٣٠٧ وما بعدها، وابن حجر: الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٨، والزركلي: في الأعلام ٦/ ٥٥.
(٣) تاج الدين السبكي: طبقات الشَّافعية الكبرى ٩/ ٢٧٦.
стр. 71
شيخ الإِسلام، وعلم الأعلام، ولد سنة ٦٧٣ هـ، وطلب العلم والحديث، وله ثماني عشرة سنة، وأجاز له أبو زكريا بن الصيرفي، وابن أبي الخير، والقطب، وابن عصرون، والقاسم بن الإِربلي، وسمع بـ "دمشق"من عمر بن القواس وأحمد بن هبة الله بن عساكر، والغسولي، وبـ "بعلبك" من عبد الخالق بن علوان، وزينب بنت عمر بن كندي وغيرهما، وبـ "مصر" من الأبرقوهي وابن دقيق العيد، والدمياطي، وأبي العباس بن الظاهري. وفي شيوخه كثرة، فلا نطيل بذكرهم.
وسمع منه الجمع الكثير. قال تاج الدين السبكي: "وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إِذا نزلت المعضلة، إِمام الوجود حفظًا، وذهب العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كلّ سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد، فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إِخبار من حضرها … "، وله من المصنفات الكثير، منها: "تاريخ الإِسلام"، و"ميزان الاعتدال"، و"تذكرة الحفاظ"، "والعبر"، وغير ذلك. توفي سنة ٧٤٨ هـ (١)، وينظر ترجمته مفصلة من تحقيقنا على كتابه القيم "ميزان الاعتدال".
١١ - ابن جماعة:
قاضي القضاة، بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إِبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي، ولد سنة ٦٣٩ هـ بـ "حياة"، سمع بديار مصر من أصحاب البوصيري، ومن ابن القسطلاني، وأجازه ابن مسلمة وغيره، وقرأ بـ "دمشق" على أصحاب الخشوعي، قال التاج السبكي: شيخنا … وسمعنا الكثير عليه، ونعته بقوله: حاكم الإِقليمين مصرًا وشامًا، وناظم عقد الفخار الذي لا يسامى، متحلّ بالعفاف، متخل إِلا عن مقدار الكفاف، محدث فقيه، ذو عقل لا يقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه. وذكر له من المصنفات كتاب "كشف المعاني" (٢)، توفي سنة ٧٦٧ هـ بـ "مكة" (٣).
تلاميذه:
وقد خلت الكتب أو تكاد تخلو من ذكر تلاميذ له، ولعلَّ السبب في ذلك أن التاج
_________
(١) السابق ٩/ ١٠٥، والدرر الكامنة ٣/ ٤٢٦، وشذرات الذهب ٦/ ١٥٣.
(٢) طبقات الشَّافعية الكبرى ٩/ ١٤٢.
(٣) ابن كثير: البداية والنهاية ١٤/ ٣١٩.
стр. 72
السبكي كان في كنف والده، فطغت شهرة أبيه عليه، ثم لسبب آخر وهو نظام التعليم في ذلك العصر، والذي كان قائمًا على المدارس، والمساجد، وبيوت المشايخ، ولعلَّ الشيخ التاج لم يسعه وقته حيث كان قاضي القضاة بالشام، ليستقبل تلامذته في داره، ولعلَّ هناك سببًا آخر وهو موته صغيرًا، حيث توفي وله من العمر أربعة وأربعون عامًا، وأيّا ما يكن الأمر، فقد ذكر التاج ما يشير إِلى أن الصلاح الصفدي - خليل بن أيبك المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، وهو في الأصل تلميذ أبيه يعني الشيخ تقي الدين السبكي - يشير إِلى أخذه عنه، وسؤاله له، قال في الطبقات عند ترجمته للصلاح الصفدي: "وكانت بيني وبينه صداقة منذ كنت صغيرًا، فإِنه كان يتردد إِلى والدي، فصحبته ولم يزل مصاحبًا لي إِلى أن قضى نحبه، وكنت قد ساعدته آخر عمره … وكانت له همة عالية في التحصيل، فما صنف كتابًا إِلا وسألني فيه عما يحتاج إِليه من فقه وحديث وأصول ونحو، لا سيما "أعيان العصر" فأنا أشرت عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجت مختصري في الأصلين المسمى "جمع الجوامع" كتبه بخطه، وصار يحضر الحلقة، وهو يقرأ عليّ ويلذ له التقرير، وسمعه كله علي، وربما شارك في فهم بعضه رحمه الله تعالى! " (١).
ويمكن عد الصلاح الصفدي من أقران التاج كذلك.
وقد ذكر الشوكاني في ترجمة "أبي المحاسن الحموي" أنه تفقه على التاج السبكي، فقال: يوسف بن الحسن بن محمد الحسن بن مسعود بن علي بن عبد الله الجمال أبو المحاسن الحموي الشَّافعي: المعروف بابن خطيب المنصورية، ولد سنة ٧٣٧ هـ، واشتغل بـ "حماة" وغيرها، فأخذ في الأصلين عن البهاء الإِخميمي، والفقه عن التقي الحصني والتاج السبكي وغيرهما، والنحو واللغة والفرائض والحساب والبيان عن ابن هانئ اللخمي المالكي، واشتغل بالحديث، فسمع وحصل وكان عارفًا بعدة علوم، ودرس وأفتى وصنف.
ومن مصنفاته "الاهتمام في شرح أحاديث الأحكام" … توفي سنة ٨٠٩ هـ (٢).
_________
(١) تاج الدين السبكي: طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٥ - ٦.
(٢) الشوكاني: البدر الطالع ٢/ ٣٥٢.
стр. 73
محنة التاج السبكي:
إِن وظيفة القضاء في الإِسلام عظيمة الشأن جليلة الغاية، ويكفي لرفعة شأنها، وسمو قدرها أنها من وظائف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبها يتحقق مقصد عظيم من مقاصد الشارع، وهو إِزالة الضرر عن الخلق بفض ما يحدث بينهم من النزاع، وإِرجاع الحقوق لأربابها، لذلك حث الدين عليه كثيرًا، ورغب فيه ببيان ما يترتَّب على القيام به بالعدل من المثوبة العظيمة، والدرجة الرفيعة عنده .
وقد قام به المسلمون خير قيام، وكان له عندهم مكانة سامية، وقد رفعوه، وزادوا من شأنه، فضربوا أحسن الأمثال في القضاء العادل، وأظهروا للناس من سعة النظر ورصانة العقل، ونزاهة النفس، وذكاء الفكر، وقد علوا فيه على الأمم، ويمكننا القول: إِنه لم يوجد في أمم الأرض من أقام العدل، ونصب ميزانه كما فعل المسلمون.
قال ابن حجر العسقلاني: "وحصل له بسبب القضاء محنة شديدة مرة بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إِلى منصبه صفح عن كلّ من أساء إِليه" (١).
وقد وجهت الخصومة إِلى تاج الدين السبكي، وعقد له مجلس حكم، حكم فيه ابن قاضي الجبل - وهو أبو العباس أحمد بن الحسن الحنبلي قال فيه ابن حجر: ولي القضاء سنة ٧٦٧ هـ فلم يحمد في ولايته توفي سنة ٧٧١ هـ - وقضي بالحبس على تاج الدين ولكن ما سبب هذه المحنة؟!
والواقع أننا نجهل تفصيل الأسباب الَّتي أحفظت عليه أولي الأمر، والسبب في ذلك: أن المصنّف لم يترجم لنفسه، ولم نجد من يترجم له ترجمة مفصلة كما ترجم هو لأبيه، ويرى وستنفلد (٢) أن السبب إِصرار تاج الدين على أحكام أصدرها لم تعجب أولي الأمر وطلبوا منه العدول عنها، ولكن لم نجد شيئًا من هذا القبيل مسطورًا، وغاية ما هناك ما ذكره ابن حجر في "الدرر" قال: وكان من أقوى الأسباب في عزله المرة الأخيرة أن السلطان لما رسم بأخذ زكوات التجار سنة ٧٦٩ هـ وجد عند الأوصياء جملة مستكثرة صرفت بعلم القاضي بوصولات ليس فيها تعيين اسم القابض، فأريد من ناظر الأيتام أن يعترف أنها
_________
(١) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥.
(٢) wilstenfeld مستشرق ألماني له مؤلفات عدة منها كتابه عن الإِمام الشَّافعي والشافعية.
стр. 74
وصلت للقاضي "تاج الدين" فامتنع. فآل الأمر إِلى عزل القاضي" (١).
وقال في موضع آخر: "لما ولي أمير على نيابة السلطنة بالديار المصرية قرر الشيخ سراج الدين البلقيني في قضاء دمشق وعزل تاج الدين السبكي، وأخرج بهاء الدين (٢) إِلى دمشق ليدعي عليه بما في جهته أيام مباشرة أبيه وأخيه، فعقد لهم مجلس، فحكم ابن خطيب الجبل باعتقال تاج الدين، فاعتقل بقلعة دمشق وهرب أخوه، فاختفى عند التاج الملكي قبل أن يسلم، وكان يومئذ بـ "دمشق " كاتبًا نصرانيًا" (٣).
وهذا سبب ذكره ابن حجر، ولا يعرف باقي أسباب المحنة، إِلا أن ما فهمه ذلك المستشرق ليس بصحيح، فقد عرف عن تاج الدين ترفعه وصلابته وشدته على أولي الأمر، ولا أدل على ذلك ممَّا أودعه كتابه "معيد النعم ومبيد النقم".
ويذكر الشعراني المتوفى سنة ٩٧٣ في محنة التاج: أن ذلك لاتهامه بالزندقة، وما يتبعها. قال في "الأجوبة المرضية عن أئمة الفقهاء والصوفية": "إِن أهل زمانه رموه بالكفر واستحلال شرب الخمر والزنى، وأنه كان يلبس الغيار، ويشد الزنار بالليل، ويخلعهما بالنهار، وتحزبوا عليه، وأتوا به مقيدًا مغلولًا إِلى مصر، وجاء معه خلائق من الشام يشهدون عليه، ثُمَّ تداركه اللطف على يد الشيخ جمال الدين الإِسنوي" (٤).
على أن التاج قد وقعت له أكثر من محنة، فأولاها كان سنة ٧٦٣ هـ، وفي هذه ولي أخوه البهاء السبكي قضاء القضاة مكانه، وولي هو وظائف أخيه في مصر، ومكث البهاء في هذا المنصب ثمانية أشهر (٥).
وليس ما قاسى القاضي تاج الدين في القضاء بمستغرب في دولة السادة الأتراك والشراكسة، فلقد ضج القضاة من تدخل رجال الدولة في عملهم تدخلًا يمنعهم من إِحقاق الحق، ومن هذا القبيل ما لاقاه ابن حجر العسقلاني، وبين ولايتهما سبعون سنة أو ما
_________
(١) الدرر الكامنة ٢/ ص ٤٢٦، وما بعدها.
(٢) هو أخو تاج الدين.
(٣) الدرر ٤/ ٥١.
(٤) مقدمة كتاب "معيد النعم ومبيد النقم" نقلًا عن "جلاء العينين في محاكمة الأحمدية" ص ١٦، وقارن الأعلام ٤/ ١٨٤.
(٥) ابن كثير: البداية والنهاية ١٤/ ٢٩٥، ١٤/ ٣١٥.
стр. 75
يقرب، قال السخاوي: "تزايد ندمه - يعني ابن حجر - على القبول - قبول القضاء - لعدم فرق أرباب الدولة بين العلماء وغيرهم، ومبالغتهم في اللوم لرد إِشاراتهم وإِن لم تكن على وفق الحق، بل يعادون على ذلك واحتياجه لمداراة كبيرهم وصغيرهم بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكلّ ما يرومونه على وجه العدل، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد أمرهم … " (١).
وقد ندم التاج نفسه على قضاء والده، وقال: ليته ما فعل (٢)!! وما كان يتهم والده ﵀ كيف وقد شهد له الأقاصي والأداني بالنزاهة، والعدل، وبراءة الساحة من ذر الظلم.
قال الصلاح الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "لم أر أحدًا من نواب الشام ولا من غيرهم تعرض له "يعني القضاء" فأفلح، بل يقع له إِما عزل وإِما موت. جربنا هذا، وشاع، وذاع حتى قلت له - يعني الشيخ تقي الدين - يومًا: يا سيدي دع أمر هذه القرية - يعني دمشق -، فإِنك قد أتلفت فيها عددًا، وملك الأمراء وغيرهم في ناحية وأنت وحدك في ناحية، وأخشى أن يترتَّب على ذلك شر كثير، فما كان جوابه إِلا أنشد: [الطويل]
وَلَيْتَ الَّذِي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ … وَبَيْني وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ (٣)
على أن التاج السبكي بعد تعرضه لمحن العزل من القضاء - وهذا من ابتلاء الله لعبده - فقد نصره الله على خصومه، ورفع ذكره، وكيف لا ينصر، وهو "أبو نصر" وفي الحديث: "لأنصرنك ولو بعد حين"، وقد بارك له صاحبه الصفدي هذه النصرة، فرد على كتابه له سنة ٧٦٣ هـ، وكان يومها بالقاهرة، والصفدي بالشام، فكتب الأخير: "فالحمد لله على النصرة … وما يغلق باب إِلا ويفتح دونه من الخيرات أبواب، وعلى كلّ حال أبو نصر أبو نصر وعبد الوهاب عبد الوهاب … ".
آثاره:
لم يعش شيخنا تاج الدين السبكي ﵀ إِلا نحو أربعة وأربعين عامًا، لكن
_________
(١) الضوء اللامع ٢/ ٣٨.
(٢) ونص كلام التاج: "يا لها غلطة أف لها وورطة ليته صمم وما فعلها".
(٣) ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة ٣/ ٦٤ - ٦٥.
следующие страницы →