← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 634

الحلل في شرح أبيات الجمل

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (79 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما. الحمد لله الذي علمنا ما لم نكن نعلم، وفضلنا على كثيرٍ من خلقه وقدم، وجعلنا ممن بقتدى به ويؤتم، وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وسلم. قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي ﵀: لما فرغت من الكلام في إصلاح الخلل الواقع في كتاب الجمل، أردت أن أتبع ذلك الكلام في إعراب أبياته ومعانيها، وما يحضرني من أسماء قائليها. وغرضى أن أصل بكل بيت منها ما يتصل به ليكون أبين لغرض قائله ومذهبه. ولم يمنعني من الكلام في إعرابها ومعانيها ما تقدمني من كلام غيري فيها، فربما كان لكلام غيري مزية على ماسواه، وزيادة فضلٍ لمن وقف عليه ورواه. وأنا أسأل الله عوناً على ما أبديه، إنه ولي الفضل ومسديه، لا رب سواه، ولا معبود حاشاه. أنشد أبو القاسم ﵀ في باب النعت: لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذين هُمُ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وآفةُ الْجُزْرِ النَّازِلينَ بِكُلِ مُعْتَرَكٍ ... والطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ اْلأَزرِ هذا الشعر لخرنق بنت هفان القيسمية، وهي أخت طرفة ابن العبد المالكي لأمه، من شعر رثت به زوجها بشر، ابن عمرو، بن مرثد، ومن قتل معه من بنيه وقومه، وكان غزا بني أسد بن خزيمة، هو وعمرو، بن عبد الله، بن الأشل، وكانا متساندين: بشر على بني مالك، وبني عتاب بن ضبيعة، وعمرو على بني رهم. ومعنى التساند والمساندة: أن يخرج كل رجلٍ منهم على حدته، ليس لهم أمير يجمعهم، فأغارا على بني أسد، فتقدمتهم بنو أسد إلى عقبة يقال لها: قلاب، فقتل بشر بن عمرو وبنوه، وفر عمرو بن عبد الله بن الأشل فسمى ذلك اليوم: يوم قلاب. وخرنق: من الأسماء المنقولة من الأنواع إلى العلمية؛ لأن الخرنق في اللغة ولد الأرنب، وهو للذكر والأنثى، والخرنق أيضاً: مصنعة الماء وهو نحو الصهريج. وأما هفان: فاسم مرتجل غير منقول، وهو مشتق من الهفيف، وهو السرعة والخفة، ويقال له: هفان بفتح الهاء وكسرها ومعنى لا يبعدن: لا يهلكن، وهو دعاء خرج بلفظ النهى، وإن كان ليس بنهى، كما يخرج الدعاء بلفظ الأمر، وليس بأمر، إذا قلت: اللهم اغفر لزيد. وبطل إعراب الفعل لدخول النون الخفيفة فيه، لأنها ترد المستقبل مبنياً على السكون، من حيث أنها تمنعه من دخول العوامل عليه، ويجرى بالفتح للواحد المذكر، وبالكسر للواحدة المؤنثة، وبالضم لجماعة المذكرين، وحركته لالتقاء الساكنين على مذهب سيبويه. يقال: بعد الرجل يبعد، على مثال: علم يعلم، إذا هلك، قال الله تعالى: " ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود ". فإذا أردت البعد الذي هو ضد القرب قلت: بعد يبعد، على مثال: ظرف يظرف. والمصدر الذي يراد به الهلاك: بعداً بفتح الباء والعين، والمصدر الذي يراد به ضد القرب: بعداً، على مثال ضده، الذي هو قرب، وربما استعملوا البعد في الهلاك، لتداخل معنييهما. فإن قال قائل: كيف دعت لقومها بأن لا يهلكوا، وهم قد هلكوا؟! فالجواب: أن العرب قد جرت على عادتها باستعمال هذه اللفظة في الدعاء للميت، ولهم في ذلك غرضان: أحدهما: أنهم يريدون بذلك استعظام موت الرجل الجليل، وكأنهم لا يصدقون بموته، وقد بين هذا المعنى زهير بن أبي سلمى بقوله: يقولون: حِصْن ثم تأْبى نفوسهم ... وكيف بِحِصْن والجبالُ جُنوحُ! ولم تلفظ الموتى القبورُ ولم تَزَلْ ... نجومُ السَّماءِ والأديمُ صحيحُ! أراد أنهم يقولون: مات حصن، ثم يستعظمون أن ينطقوا بذلك، ويقولون: كيف يجوز أن يموت والجبال لم تنسف، والنجوم لم تنكدر، والقبور لم تخرج موتاها، وجرم العالم صحيح، لم يحدث فيه حادث؟!! فهذا أحد الغرضين. والغرض الثاني: أنهم يريدون الدعاء له بأن يبقى ذكره، ولا يذهب؛ لأن بقاء ذكر الإنسان بعد موته بمنزلة حياته؛ ألا ترى إلى قول الشاعر: فأثنوا علينا لا أَبا لأَبيكم ... بأفعالنا إِنَّ الثناء هو الخلدُ وقال آخر وهو التميمي يرثي يزيد بن يزيد الشيباني: فإنْ تَكُ أفْنَتْهُ اللَّيالي فأوْشَكَتْ ... فإنّ له ذكراً سَيُفْنِي اللَّيَاليَا! وقال أبو الطيب المتنبي، في هذا المعنى فأحسن كل الإحسان:

стр. 2

ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّاني وَحاجَتُه ... ما فَاتَهُ، وفُضُولُ العيشِ أَشْغَالُ وقد بين مالك بن الريب ما في هذا المعنى من المحال حين قال: يقولُونَ: لاَتَبْعَدْ وهم يَدفِنُونَنِي ... وأينَ مكانُ البعدِ إلاّ مَكانيا وقولها: سم العداة وآفة الجزر: أرادت أنهم كانوا في حياتهم سما لأعدائهم؛ لأنهم كانوا يهلكونهم، وآفة لإبلهم؛ لأنهم كانوا ينحرونها لأضيافهم. والجزر جمع جزور، وهي الناقة التي تتخذ للنحر. ويقال: سم وسم بضم السين وفتحها، وزعم الطوسي أنه يقال: سم بكسر السين. فإن قيل: فكيف قالت: الذين هم، وإنما يتأتى هذا لمن هو موجود؟ وإنما كان ينبغي أن تقول كما قال الآخر: كانوا على الأعداء ناراً محرقاً ... ولقومهم حِرْماً من الأحرام؟ فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن العرب قد تضمر كان اتكالا على فهم السامع، إذا كان في اللفظ دليل عليها، كقوله تعالى: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان "، قال الكسائي: أراد ما كانت تتلوا. وقال الراعي: أزمانَ قَوْمي والجماعة كالَّذي ... مَنَعَ الرِّحالَةَ أنْ تميل مَمِيلاً أراد: كان أزمان قومي. والوجه الثاني: أنها لما دعت لهم ببقاء الذكر، بعد موتهم، صاروا كالموجودين، وكانوا موصوفين بما كانوا يفعلونه. وقد يجوز أن تكون دعت بقولها لا يبعدن لمن بقي من قومها، أي: لا أبعد الله من بقي من قومي كبعد من مضى منهم، ويقوى هذا قولها بعد هذا البيت: قومٌ إذا ركبوا سمعتَ لهم ... لَغَطاً من التَّأْيِيه والزَّجْرِ إن يشْربوا يَهبوا، وإن يَذَروا ... يتواعظوا عن منْطق الهُجْرِ والخالطين نَحِيتَهم بنُضَارهمْ ... وذَوى الغَني منهم بِذي الفقْرِ هذا ثنائي ما بَقيتُ لَهُمْ ... فإذا هَلكْتُ أَجنَّني قَبْرِي ويقوى قول من قال: إنها دعت لمن مات منهم بقولها في هذا الشعر: لاَقُوا غَدَاةَ قُلابَ حَتْفَهُمُ ... سَوْقَ العَتِير يُساق لِلْعَتْرِ والعداة: حمع عادٍ، وهو العدو بعينه، ولا يجوز أن يكون جمع عدو؛ لأن فعولا لا يجمع على فعلة، وقد حكى أبو زيد: لا أشمت الله عاديك أي عدوك. والنزول في الحرب: على ضربين: أحدهما: أول الحرب، وهو أن ينزلوا عن إبلهم ويركبوا خيلهم. والثاني: في آخرها، وهو أن ينزلوا عن خيلهم، ويقاتلوا على أقدامهم، إذا كان القتال في موضع وعر ضيق، لا مجال فيه للخيل، وربما اعتنق الرجل صاحبه، فسقطا جميعاً إلى الأرض، وهذا هو النزول الذي أراده مهلهل بقوله: لَمْ يُطيقوا أنْ ينْزِلوا وَنزَلْنا ... وأخو الحرْب مَنْ أطاقَ النُّزولا وهو الذي أراد عنترة بقوله: فيهم أخو ثِقَةٍ يُضَاربُ نازلاً ... بالْمَشْرَفيِّ وفارس لم ينْزِل! والمعترك: موضع القتال، ويقال له: معرك أيضاً، وهو مشتق عن عركت الرحى الحب، إذا طحنته، أرادوا: أنه يطحن من فيه كما تطحن الرحى ما جعل فيها، ولذلك سموه: رحى، قال عنترة: دارت على القوم رحى طحون وقد بين ذلك زهير بقوله: فتعرككم عرْك الرَّحى بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتفطم وإذا وصفوا الرجل بطهارة الإزار وطيبة، فهي إشارة وكناية عن عفة الفرج، تريد: أنهم لا يعقدون مآزرهم على فروج زانية! وكذلك طهارة الذيل. وإذا وصفوا بطهارة الكم أو الردن وهو الكم بعينه أرادوا أنه لا يخون ولا يسرق.! فإذا وصفوه بطهارة الجيب: أرادوا: أن قلبه لا ينطوي على غش ولا مكروه.! وقد يكنون عن عفة الفرج بطيب الحجزة، كما قال النابغة: رِقاقُ النِّعال طَيِّبٌ حُجُزَاتُهم ... يُحَيَّونَ بالرَّيْحَانِ يوم السَّباسِبِ والباء في قولها: بكل معترك، بمعنى في، كما يقال: زيد بالبصرة، وفي البصرة. ومعاقد الأزر: منصو. على التشبيه بالمفعول به، والكوفيون يجيزون نصبها على التمييز، لأن التمييز عندهم يكون نكرة ومعرفة، ويجوز الانفصال في المعرفة، ولا يجوز عند البصريين إلا أن يكون نكرة. واللغط واللغط بتسكين الغين وفتحها: اللجبة، والأصوات المختلطة.

стр. 3

والتأييه: الدعاء، يقال: أيهت بالرجل، إذا دعوته، وأيهت رس، وفي الحديث أن ملك الموت سئل: كيف تقبض الأرواح؟ فقال: أأيه بها كما يؤيه بالخيل فتجئ إلي. والهجر: الكلام القبيح، بضم الهاء فإذا فتح فهو الهذيان. والنضار: الخالص النسب، والنحيت: ضده. والعتير: ما يذبح للأصنام، والعتر الذبح للأصنام بفتح العين والعتر بالكسر المذبوح نفسه. وقولها: فإذا هلكت أجنني قبري: كلام لا فائدة فيه على ظاهره، والمعنى: فإذا هلكت قام عذري في تركي الثناء عليهم لهلاكي، فهو مما وضع السبب فيه موضع المسبب، وهو كثير في الكلام. وأنشد أبو القاسم، في باب البدل: وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْن؛ رِجْلٍ صحيحةٍ ... ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فشلَّتِ هذا البيت: لكثير عزة، وهو: كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن عويمر الخزاعي، ويكنى: أبا صخر. وكان رافضياً أحمق، فلما حضرته الوفاة قال: بَرئْتُ إلى الإله منَ ابن أرْوَى ... ومنْ دين الخوارج أجمعينا ومنْ عمر برئْتُ ومنْ عَتيقٍ ... غداةَ دُعِي أميرَ المؤمنينا ثم خرجت نفسه، كأنها حصاة وقعت في ماء.! وابن أروى: هو عثمان بن عفان ﵁. وكثير: تصغير كثير، وهو من الأسماء المنقولة عن الصفات. والكثير يستعمل في كلام العرب على معنيين: أحدهما: يراد به ضد القليل من قلة العدد. والآخر: يراد به العزيز الجليل، يقال: كثرت بك، أي: اعتززت بك، والمرء كثير بأخيه من هذا، وإياء أراد العباس بن مرداس في قوله: فإنْ أَكُ في شِراركمُ قليلاً ... فإني في خِياركُم كَثِيرُ ونسب كثير إلى عزة، لشدة وجده بها وكلفه، واشتهاره بمحبتها. وصغر؛ لأنه كان حقيراً، شديد القصر، وكان إذا دخل على عبد الملك بن مروان، يقول له: طأطئ رأسك لئلا يؤذيك السقف! ولذلك قال فيه الحزين يهجوه: لقد علقت رب الذباب كثيرا ... أساود لا يطنينه وأراقم قصيرُ القميصِ فاحِشٌ عِند بيْته ... يعضّ القُرادُ باسْتِهِ وهو قائم وأما تشبيهه نفسه بذي رجلين؛ رجل صحيحه، ورجل شلاء، ففيه لأصحاب المعاني قولان: قيل: أراد أنها عاهدته وواثقته ألا تتحول عليه، فثبت هو على عهده، ولم تثبت.! وقيل: إنما تمنى أن تضيع قلوصه، فيجد سبيلا إلى بقائه عندها، فيكون من بقائه عندها كذي رجل صحيحه، ويكون من ذهاب قلوصه الحاملة له، وانقطاعه من سفره كذي رجل شلاء.! وكلا المعنيين صحيح. أما المعنى الأول فكقول النجاشي: وكنْتُ كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رماها صاحب الحدثان فأما الَّتي صَحَّت فأَزْد شَنوءة ... وأما الَّتي شلَّت فأزد عُمان ويدل عليه أيضاً قول كثير: وكنَّا سلكنا في صَعُود من الهوى ... فلما تَوَافَيْنا ثَبَتُّ وزلَّتِ وأما الذين قالوا: إنه داخل في التّمنِّي؛ فإنما قالوا ذلك؛ لأن قبله: فليتَ قلُوصي عند عزَّة قُيِّدَتْ ... بحَبْلٍ ضعيفٍ عُزَّ منها فَضَلَّتِ وغُودِرِ في الحَيِّ المقيمين رَحْلُها ... وكان لهُ باغٍ سِوَايَ فَبَلَّتِ فتقديره عندهم: فليت قلوصي عند عزة قيدت، وليتني كنت............. وقوله: رمى فيها الزمان: جملة في موضع الصفة لرجل، وأراد: رمى فيها الزمان الداء والشلل، فحذف المفعول. ويروى: رجل صحيحة، ورجل ... بالرفع، وذلك أن تقديره: هما رجل صحيحة ورجل ... فيكون خبر مبتدأ مضمر، وإن شئت كان التقدير: إحداهما رجل صحيحه، والأخرى رجل........ فيكون الكلام جملتين وفي التقدير الأول يكون الكلام جملة واحدة. وإن شئت كان التقدير: منهما رجل صحيحة، ومنهما رجل.... فيكون كل واحد منهما مبتدأ، ويكون الكلام أيضاً جملتين. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: لقدْ كانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُهُ ... تُقَضَّى لُباناتٌ وَيَسْأمُ سائِمُ البيت: لأعشي بكر بن وائل، واسمه: ميمون بن قيس بن جندل، ويكنى: أبا بصير، ويسمى قيس أبوه: قتيل الجوع؛ لأنه دخل غاراً يستظل به من الحر، فوقعت صخرة على فم الغار، فمات فيه جوعا.! ففي ذلك يقول جهنام يهجوه:

стр. 4

أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع وميمون:: اسم منقول من الصفة إلى العلمية. وقيس، وجندل منقولان أيضاً من الأنواع، والقيس: الشدة والقيس: الصنم، والقيس: القياس. وروى قوم: ثويته بضم التاء، والوجه فتحها على الخطاب؛ لأن قبله: هريرةَ ودِّعها، وإنْ لام لائمٌ ... غداةَ غدٍ، أم أنتَ للبَين واجم والثواء: الإقامة، يقال: ثوى الرجل وأثوى. يقول: ودع هريرة، وإن لامك اللائم في مفارقتها، فقد أقمت عندها حولاً، ومن أقام مع محبوبته عاماً فقد شفى غرامه، وسئم مقامه، ولكنك لمفارقتك إياها واجم، على المقام معها عازم.! والواجم: الحزين الكئيب. واللبانات: الحاجات، واحدها: لبانة. والسأم: الملل. وثواء: بدل من حول، وثويته جملة لها موضع من الإعراب؛ لأنها في مكان الصفة لثواء، وهي صفة جرت على غير من هي له، ولو صيرتها اسماً، لقلت: ثاويه أنت، فانفصل الضمير المتصل؛ وبرز ويجب أن يكون في هذه الجملة ضميران عائدان: إلى الثواء من صفته وعائد إلى الحول من بدله؛ لأن حكم الصفة: أن يعود منها عائد إلى موصوفها، وحكم بدل الاشتمال، وبدل البعض من الكل: أن يكون في كل واحد منهما ضمير، يعود إلى المبدل منه؛ فالهاء في ثويته تعود إلى الثواء، والعائد إلى الحول مقدر كأنه قال: ثواء ثويته فيه. ونظير هذه المسألة من مسائل النحو: نفعني عبد الله علم أفادنيه، أي أفادنيه هو، فالهاء في أفادنيه عائدة إلى علم، وهو المضمر عائد إلى عبد الله. وقد قال بعض من شرح أبيات الجمل من شراح عصرنا: إن الهاء من ثويته يجوز أن تعود إلى الثواء، ويجوز أن تعود على الحول. وذلك خطأ، لأنه إذا أعاد هاء ثويته على الحول، بقى الموصوف لم يعد إليه من الجملة التي هي صفة عائد. وإذا جعلها عائدة على ثواء بقى المبدل منه لم يعد إليه من المبدل عائد، فلا بد من تقدير ضمير آخر كما قلنا. ومن روى: تقضي، وجعله مصدراً مضافاً إلى لبانات جاز أن يكون اسم كان، وخبرها في المجرور، وجاز أن يضمر في كان الأمر والشأن، ويرفع تقضى لبانات بالابتداء، والخبر في المجرور قبله والجملة خبر كان. ويلزم في هذه الرواية: أن تنصب ويسأم، بإضمار أن ليصير مصدراً، وتعطفه على تقضى، كأنه قال: تقضى لبانات، وسآمة سائم، إذ لا يصح عطف فعل على اسم. ونظيره من مسائل النحو قولك: يعجبني ضرب زيدٍ ويغضب، ومثله قول ميسون بنت بجدل: للبس عباءة وتَقَرُّ عيني ... أحبُّ إليّ من لُبس الشُّفُوفِ تقديره: للبس عباءة وقرارة عيني. ووزن تقضي من الفعل: تفعل، كسرت الضاد منه لتصح الياء، كما كسرت النون من التمني، واللام من التسلي. ومن روى: تقضى لبانات، ورفع اللبانات، وجعل تقضى فعلا لما لم يسم فاعله، ومفعوله لبانات، ورفع ويسأم عطفاً عليه، ولزم أن يضمر في كان الأمر والشأن على كل حال. وأنشد أبو القاسم، في باب: أقسام الأفعال في التعدي: أَمرْتُكَ الخَيرَ فافعل ما أُمرت به ... فقد تركتُكَ ذا مال وذا نَشبِ هذا البيت: وقع في كتاب سيبويه منسوباً إلى عمرو بن معديكرب، وذكر الهجري في نوادره: أنه لأعشى طرود. وعمرو اسم منقول من الأنواع إلى العلمية. وللعمر أربعة معان: العمر: البقاء، ومنه قيل: لعمر الله، إنما هو قسم ببقائه . والعمر: ما بين الأسنان من اللحم. والعمر: القرط. والعمر: طرف الكم، وجاء في الحديث: لا بأس أن يسجد الرجل على عمريه. وأما معديكرب: فقال أبو العباس أحمد بن يحيى: معناه: عداه الكرب، أي تجاوزه، حكى ذلك أبو الفتح بن جني، عن أبي علي الفارسي. ويكنى عمرو: أبا ثور، وزعم بعضهم: أنه يكنى: أبا ريحانة، ببنت كانت له، وفيها يقول: أمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع وهذا غلط؛ إنما ريحانة أخته، وهي أم دريد بن الصمة. ويروى: ذا نشب بشين معجمة وكذا رواه أصحاب سيبويه في كتابه، ولم يختلفوا فيه، ورواه الهجري بسين غير معجمة، فمن رواه بسين غير معجمة فله أن يقول: إن قوله: ذا مال قد أغنى عن ذكر النشب. ومن رواه بالشين المعجمة، فله أن يحتج بأشياء، منها: اتفاق رواة كتاب سيبويه فيه على الشين.

стр. 5

ومنها: أن العرب قد تأتي بالإسمين ومعناهما واحد، كقول الشاعر: أَلاَ حَبَّذَا هند، وأرض بها هندٌ ... وهند أَتَى مِنْ دونها النأي والبعدُ والنأي: هو البعد بعينه. ومنها: أن العرب أكثر ما تستعمل النشب في الأشياء الثابتة التي لا براح لها، كالدور والضياع، وأكثر ما يوقعون المال على ما لبس بثابت كالدنانير والدراهم والحيوان، وربما أوقعوا المال على جميع ما يملكه الإنسان، وهو الصحيح، لقوله تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " وهذا لا يخص شيئاً دون شيء. وبعد هذا البيت: فاتْرُكْ خلائقَ قوم لا خَلاَق لهم ... واعمد لأخلاق أهل الفضل والأدب قد نِلتَ مَجْداً فحاذر أنْ تدنِّسهُ ... أبٌ كريم وجدٌّ غيرُ مُؤْتَشب المؤتشب: الذي نسبه غير خالص، يقال: أشب البيت وائتشب إذا اشتبك. وأنشد أبو القاسم، في باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره: أَصْبحتُ لا أَحمِلُ السِّلاَحَ ولاَ ... أَملكُ رَأَسَ البعيرِ إِنْ نَفرَا والذِّئبُ أَخشاهُ إنْ مررْتُ بِهِ ... وَحدِي وأَخشى الرِّياحَ والمطرَا هذان البيتان: للربيع بن ضبع الفزاري من بني فزارة وهو من المعمرين، وهو القائل: إذا عاش الفتى مائتينِ عاماً ... فقد ذهبَ المسرَّة والفتاء والربيع، وضبع وفزارة: من الأسماء المنقولة عن الأجناس والأنواع إلى العلمية. أما الربيع: فيكون الفصل المعروف، من فصول السنة، والربيع: المطر، والربيع العشب النابت عنه، والربيع السافية تكون بين الكلأ. والضبع: صنف من السباع، يقال للأنثى منه: ضبع، وللذكر: ضبعان، والضبع: السنة المجدبة، شبهت بالضبع، وفي الحديث: أن رجلا قال: يا رسول الله، أكلتنا الضبع. وقال العباس بن مرداس: أبَا خُراشةَ أَمَّا أَنتَ ذا نَفرٍ ... فإن قوْمي لَم تأكلهمُ الضبع وأما الفزَارَةَ: فهي الأنثى من النمر، والهدبس: الذكر منها، والفزر: ولدها إن كان ذكراً، والفزرة: الأنثى، قال الشاعر: ولقد رأيتُ فزارةً وهَدَبَّساً ... والفِزْرُ يَتبع فزره كالضَّيون وقوله: لا أحمل السلاح، ولا أملك.... جملتان في موضع نصب على خبر أصبح إن جعلتها ناقصة، أو في موضع الحال إن جعلتها التامة، المستغنية عن الحبر، كأنه قال: أصبحت غير حامل السلاح، ولا مالك رأس البعير أن يفر مني.! ويجوز في الذئب الرفع والنصب؛ فالرفع على الابتداء، والنصب بإضمار فعل؛ كأنه قال: وأخشى الذئب أخشاه، والاختيار النصب؛ لأن البيت الذي قبله مصدر بفعل، فيختار أن يضمر للذئب فعل، ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل، طلباً لتشاكل الألفاظ. ويجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على الجملة الكبرى، وهي: أصبحت لا أحمل ... ويجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على الجملة الصغرى وهي: لا أحمل السلاح. والجملة الكبرى: هي كل جملة لا موضع لها من الإعراب. والجملة الصغرى. هي كل جملة لها موضع من الأعراب. لأن كل جملة يقدر في موضعها المفرد فلها موضع من الإعراب، وكل جملة لا يقدر في محلها المفرد فلا محل لها من الإعراب، والكبرى كقولك: زيد أبوه منطلق، فهذه الجملة كلها تسمى: كبرى، وأما قولك: أبوه منطلق، فتسمى: صغرى؛ لأنها في موضع خبر المبتدأ، وهي جزء من الجملة الكبرى. وقد تكون الجملة صغرى وكبرى، على وجهين مختلفين؛ كقولك: زيد أبوه غلامه منطلق، فهذه الجملة كبرى، وقولك: غلامه منطلق صغرى؛ لأنها خبر عن الأب، وقولك: أبوه غلامه منطلق صغرى بالإضافة إلى زيد، وكبرى بالإضافة إلى الغلام. وقوله: وحدي: في موضع نصب على الحال، كأنه قال: إن مررت به متوحداً. وقوله: إن نفرا، وإن مررت به: شرطان لم يأت بعدهما جواب لهما؛ لأن ما قبلهما من الكلام قد سد مسد الجواب، فهو بمنزلة قولك: أنا أشكرك إن أحسنت إلي. ومعنى الشعر: أنه لشدة كبره قد ضعفت قواه عن حمل السلاح إلى الحرب، وصار في حال لا يقدر على تصريف البعير إذا ركبه، ويخاف الذئب أن يعدو عليه، ويتأذى بالريح إذا هبت، والأمطار إذا نزلت، وهذا نظير قوله في شعر آخر: إذا كانَ الشِّتَاءُ فادفئوني ... فإنَّ الشيخ يَهْدمه الشتاءُ

стр. 6

وأَمَّا حينَ يذهب كلُّ قَرٍّ ... فسِرْ بالٌ رقيق أو رداءُ وهذا نحو قول العرب في أمثالها: قد كنت وما أخشى الذئب، وكنت وما يقاد بي البعير.!! وظاهر قول الربيع مخالف لقول بعض المعمرين: أعَارَ أبو زيد يمنى سلاحَه ... وبَعْضُ سِلاَح الدَّهر للِمرء كالمُ وكنْتُ إذا ما أَنْكر الكلب أهله ... أُخَتَّا، وحين الكلب يقظان نائم لأن الربيع نفى عن نفسه حمل السلاح لكبر سنه، وهذا الثاني يصف أنه كبر، فصار يحمل سلاح أبي زيد! وأراد الربيع: أنه لا يقدر على حمل السلاح إلى الحرب! وأما سلاح أبي زيد الذي وصف هذا أنه يحمله فهو: العصا الذي يتوكأ عليها الشيخ، وأبو زيد: كنية الدهر، ويكنى أيضاً: أبا سعد، ويقال: إن أبا سعد كنية الهرم، وهذا المعنى هو الذي أراده الإصبع العدواني بقوله: أما ترى شكتي: رمح أبي سعد فقد أحمل السلاح معاً وروت الرواة: أن الربيع بن ضبع هذا عاش حتى أدرك الإسلام، وأنه قدم الشام على معاوية بن أبي سفيان، ومعه حفيد له، فدخل حفيده على معاوية، فقال معاوية له: أقعد يا شيخ! فقال: وكيف يقعد من جده بالباب؟! فقال معاوية: لملك من ولد الربيع بن ضبع؟ فقال: أجل، فأمره بالدخول، فلما دخل سأله معاوية عن سنه؟ فقال: أَقفرُ مِنْ مية الجريبُ إلى الزْ ... زُجَّين إلاّ الظباء والبقرَا كأنها دُرَّةٌ مُنَعَّمةٌ ... من نِسْوةٍ كُنَّ قَبْلها دُرَرا أصبح مِنِّي الشبابُ مبتكرا ... إنْ يَنْأ عنِّي فقدْ ثَوىَ عُصُرَا فارقنا قبل أنْ نفارقه ... لمَّا قضى مِنْ جِماعنا وطرا هأنذا أملُّ الحياةَ وقدْ ... أدركَ سنِّي ومَوْلِدي حُجرا أَبَا امْرِئ القيس هل سمعت به ... هيْهات هيهات طال ذا عُمسُر أَصحْبْتُ لا أَحمْلُ السلاحَ وَلا ... أَمْهلكُ رأسَ البَعير إنْ نَفرَا والذِّئْبَ أخشاه إنْ مررتُ به ... وحدي وأخْشى الرِّياح والمطرا مِنْ بعد ما قُوَّةٍ أُسَرُّ بها ... أصْبحتُ شَيْخاً أُعالج الكِبرَا فقرأ معاوية ﵀: " ومن نعمره ننكسه في الخلق " وأنشد أبو القاسم: في باب الحروف التي ترفع الأسم وتنصب الخبر: فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ ... ولكنَّهُ بنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّماً هذا البيت: لعبدة بن الطيب، وهو من بني عبد شمس ابن كعب بن سعد بن زيد مناة من تميم. وعبدة: تأنيث عبد، وهو منقول من الصفات الجارية مجرى الأسماء. والطبيب: الحاذق بالأشياء، الماهر بها، وفيه قال علقمة ابن عبدة: فإنْ تسْألوني بالنِّساءِ فإِّننِي ... بَصيرٌ بأدْواءِ النِّساءِ طبيبٌ وعبدة هذا، ساكن الباء، وأما عبده أبو علقمة، فهو متحرك الباء، وقد قيد هذا عبدة بن الطبيب بقوله في نفسه: يتباشرون بأن عَبْدة مقبل ... كلاّ وَمنْ جَمعَ الحجيج إلى منى وهذا البيت: من شعر رثي به قيس بن عاصم المنقري، سيد بني منقر، وقبله: عَليْكَ سلامُ اللهِ قَيْسَ بْن عَاصِم ... ورحْمتُه ما شَاء أنْ يَتَّرَحما تَحيَّةَ من غادَرتْه غَرَضَ الرَّدى ... إذَا زَارَ عَنْ شَحط بِلادكَ سلّما والهاء في قوله: ولكنه: تعود على الهلك، والمعنى: ولكن هلكه انهدام بنيان قوم تهدما، أي انهدم بيت عزهم وبنيان ههنا: مصدر استعمل استعمال الأسماء، وأراد به المبنى نفسه، لأن البنيان الذي يراد به المصدر، لا يوصف بالانهدام، وفي الحديث: من هدم بنيان الله فهو ملعون. أي: قتل نفساً مسلمة لم تستوجب القتل. وقوله: ما شاء أن يترحما، تقدر ما ههنا مع الفعل بتأويل المصدر، والمصدر ناب مناب ظرف، كأنه قال: مشيئة الترحم ومعناه: مدة مشيئته، وهو سبحانه يشاء برحمته من رحم أبداً. وتحية: مصدر مؤكد، لأن قوله: عليك سلام الله قد أفاد معنى التحتية، فهو بمنزلة قوله تعالى: " كتاب الله عليكم "، وكقول زهير: تَعلَّمنْ ها لَعمرُ اللهِ ذا قَسماً ... فاقدِرْ بِذَرْعِكَ وانظر أينَ تَنسلك

стр. 7

وقوله: غرض الردى: منصوب على الحال، وإن كان مضافاً إلى المعرفة، لأن معناه كمعنى الصفة، أي مقصود الردى، وإضافته مقدرة بالانفصال، كأنه قال: غرضاً للردى، أي مقصوداً له. وقوله: إذا زار عن شحط بلادك سلما: يحتمل أن يكون بدلا من غرض الردى، فيكون للجملة موضع من الإعراب، ويحتمل أن يكون بدلا من الهاء في غادرته، فلا يكون للجملة موضع، كما أن الصفة لا موضع لها. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: كأنَّ سَبَيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يكون مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءٌ هذا البيت: لحسان بن ثابت، بن المنذر، بن حرام الأنصاري، ويكنى: أبا الوليد. واسمه مرتجل، غير منقول، ولكنه مشتق من الحسن، فيكون وزنه: فعالاً مصروفاً. ويجوز أن يكون مشتقاً من الحس، فيكون وزنه: فعلان، غير مصروف؛ للزيادة التي في آخره، والمعرفة. والأقيس فيه: ألا يصرف، لأن حسان لم يصرف اسمه في قوله: ما هاجَ حَسَّانَ رُسُومُ المقامِ ... ومظعنُ الحيِّ ومَبنَى الخيامِ وأما ثابت، والمنذر، وحرام فأسماء منقولة غير مرتجلة. فثابت، والمنذر: وصف من الأسماء المنقولة عن الصفات: وأما حرام: فيجوز أن يكون منقولاً من قولهم: رجل حرام، أي محرم، فيكون من الأسماء المنقولة عن الصفات، ويجوز أن يكون منقولا من الحرام الذي هو ضد الحلال، فيكون منقولا إلى الأسماء عن الصفات، على أنه قد وصف به، فيكون قد قيل: شيء حرام، والحرام أيضاً: اسم للنمل. والسبيئة: الخمر المشتراة، يقال: سبأت الخمر بالهمز إذا اشتريتها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، قال ابن هرمة: غالية قَرْقَفٌ معتّقة ... يغلُو بأيدي التجار مَسبؤها وأراد بالرأس: رئيس الخمارين، وخصه بالذكر لأن خمره أعتق من خمر غيره. وقال أبو العباس المبرد: بيت رأس موضع. ويروى: كأن سلافةً، والسلافة: أول ما يسيل من الخمر، وقيل: هي ما يسيل من العنب من غير عصر، ويدل على هذا قول الشاعر: من عَتِيق الكُرُومِ جاءتْ سُلاَفاً ... لم يطأْها برجله العَّصار أراد: جاءت العصار سلافاً لم يطأها برجله.! وفي قوله: يكون مزاجها عسل وماء أربعة أقوال: قيل: هو على وجه الضرورة، وعلى ذلك أنشده سيبويه. وقيل: أراد مزاجاً لها، فأراد بالإضافة الانفصال فأخبر فيه بنكرة عن نكرة. وقيل: نصب مزاجها على الظرف الساد مسد الخبر، لا على الخبر نفسه، كأنه قال: يكون مستقراً في مزاجها. وقيل: إنما جاز ذلك؛ لأن العسل والماء نوعان، والأنواع تشبه النكرات، وقولك: أكلت العسل، وأكلت عسلاً، وشربت الماء، وشربت ماءً سواء؛ لأنه قد علم أنك لم تأكل جميع نوع العسل، ولم تشرب جميع نوع الماء. وإنما كان كذلك؛ لأن الأنواع والأجناس ليس لأجزائيهما أسماء تخصها من حيث هي أجزاء، وإنما يعبر عن كل جزء من الجنس باسم الجنس وعن كل جزء من النوع باسم النوع يقال لكل جزء من الماء: ماء، ولكل جزء من العسل: عسل. وكان أبو عثمان المازني يروي: يكون مزاجها بالرفع ويجعله اسم كان وينصب عسلاً خبرها، ويرفع ماء بفعل مضمر دل عليه المزاج كأنه قال: ومازجها ماء. وقوله: من بيت في موضع نصب على الصفة لسبيئة، ويكون مزاجها في موضع الصفة لها أيضاً، كأنه قال: سبيئة مشتراةً من بيت رأس كائناً مزاجها عسل وماء، وأما خبر كأن الذي وقع عليه التشبه فهو في بيتٍ آخر بعد هذا وهو قوله: على أنيابها أو طَعمَ غَضِّ ... من التُّفاح هَصَّره الجَناءُ وقد جرت عادة النحويين أن يجعلوا كأن للتشيبه حيث وقعت وليس ذلك بصحيح، وإنما يكون تشبيهاً محضاً إذا وقع في الخبر اسم يمثل به اسمها، ويكون الخبر أرفع من الاسم، أو أحط منه كقولك: كأن زيداً ملك، أو كأن زيداً حمار. وأما إذا كان خبرها فعلاً، أو ظرفاً، أو مجروراً، أو صفة من صفات أسمائها، فإنها يدخلها حينئذ معنى الظن والحسبان، كقولك: كأن زيداً قائم، أو كأن زيداً في الدار، فلست تشبه زيداً بشيء هاهنا، إنما تظن أنه قائم وأنه في الدار، وكذلك قول الشاعر: وداوَيتُها حتَّى شَقتْ حَبشية ... كأن عليها سندساً وسُدُوساً ولها أيضاً معانٍ أخر ليس هذا موضع ذكرها. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:

стр. 8

قِفِي قبلَ التفرُّقِ يا ضُباعَا ... ولا يَكُ موقفٌ مِنكِ الوَدَاعَا هذا البيت: للقطامي، واسمه: عمير بن شييم. وعمير اسم منقول؛ إن شئت جعلته تصغير عمرو، وهو القرط ويكون الحياة، ويكون طرف الكم، ويكون ما بين الأسنان من اللحم. وإن شئت جعلته تصغير قولهم: رجل عمرو وهو الكثير الاعتمار، وإن شئت كان مصغراً مرخماً من عامر، أو عمار، أو معمر كزهير من أزهر. وأما شييم بضم الشين وكسرها فمنقول من تصغير أشيم مرخم، وهو الذي به شامة. والقطامى منقول من الصقر، لأن الصقر يقال له: قطامى، وقطامى بضم القاف وفتحها، وهو مشتق من القطم وهو شهوة اللحم، وشهوة النكاح، يقال: فحل قطم، إذا هاج للضراب، وهو لقب غلب عليه لقوله: يَصُكّهنَّ جانباً فَجَانِبا ... صَلّ القطامِيُّ القَطَا القَواربا والشاهد في البيت رفع الموقف وهو نكرة، ونصب الوداع وهو معرفة وسهل ذلك؛ لأن اسم كان وخبرها لشيء واحد، وأن قوله: منك في موضع رفع على الصفة لموقف، كأنه قال: موقف كائن منك، والنكرة إذا وصفت قويت بالصفة، وقربت من المعرفة، فلما قومت النكرة بالصفة، وكان تعريف الألف واللام ضعيفاً ليس له قوة غيره من التعريف صار الوداع وموقف كأنهما قد تكافآ. وقد روى: ولا يك موقفي بالإضافة، وهذا لا نظر فيه. وضباعة التي شبب بها هي: ضباعة بنت زفر بن الحارث الكلابي، وهو الذي مدحه بهذا الشعر، ولذلك قال بعد هذا البيت: قفي فادى أسيرك إن قومي ... وقومَكِ لاَ أَرَى لَهمُ اْجتماعَا وَكيفَ تجامع مع ما استَحَلاّ ... من الحُرَمِ العظامِ وما أَضاعَا ألم أخبركِ أن حِبالَ قَيسٍ ... وتَغلبَ قد تَبايَنتْ انقطاعَا ويقال: وداع بفتح الواو ووداع بكسرها، وكان الوداع بكسر الواو مصدر وادعت وداعاً، وكان الوداع بالفتح هو الاسم. وأنشد في هذا الباب: فلست لأنيّ ولكن لمِلْكٍ ... تنْزّل من جوّ السماء يصوب هذا البيت لعلقمة بن عبدة، يروى له في آخر شعره الذي أوله: طحا بك قلب في الحسانِ طَروب ... بُعيد الشباب عصرَ حَان مشيب وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أنه لرجل من عبد القيس. وعلقمة، وعبدة مفتوح الباء اسمان منقولان؛ أما علقمة فالواحدة من العلقم، ويقال: طعام فيه علقمة، أي مرارة. وأما العبدة فصلاءة الطيب، والعبدة أيضاً: أجمة الأسد، والعبدة الأنفة، يقال: عبد من الشيء يعبد عبداً وعبدة إذا أنف منه. واللام في قوله لإنسىٍ متعلقة بمحذوف، وكذلك في قوله: لملك، وكلاهما له موضع من الإعراب؛ لأن اللام الأولى وقعت موقع خبر ليس فهي متعلقة بالخبر الذي نابت منابه، أي فلست ابناً لأنسى واللام الثانية التي في لملكٍ وقعت موقع خبر مبتدأ كأنه قال: ولكن أنت للملك. وقوله: تنزل من جو ... جملة في موضع الصفة لملك ويصوب جملة في موضع الحال من الضمير في تنزل، ويجوز أن تكون في موضع صفة ثانية لملك، ومعنى يصوب: يقصد إلى الأرض. وأراد لملأكٍ فجاء به على الأصل، لأن ملكاً تخفيف ملأك، نقلت حركة همزته إلى لامه، كما قالوا في يسأل: يسل، وشمل، في شمال، قال الشاعر: ثَوَى مَالِكٌ بِديارِ العدوّ ... تُسْفِيَ عليهِ رِيَاحُ الشَّمَل واختلف في وزن ملأك؛ فقال أكثر أهل التصريف وزنه: معفل مقلوب من مألك، واستدلوا على ذلك بقول العرب: ألك، إذا أرسل، وقولهم للرسالة: ألوكٍ وألوكة، قال لبيد: وغلام أرسلتْه أُمُّهُ ... بألوكٍ فبذلنا مَا سَأَل وأنشد أبو بكر ابن دريد: فَمَن مُبلغٌ فِتيانَ قَومِي أَلوكَةً ... تأتي من أقيال من كان كافرا وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وزنه مفعل وهو مشتق من لأك إذا أرسل، فلا قلب فيه على هذا. وقد يمكن أن يكون لأك مقلوباً من ألك، وقد كان ابن كيسان يزعم أن ملكاً مشتق من ملك يملك، وأن الهمزة في ملأك زائدة كزيادتها في شمأل. فوزن ملائكة على قول من جعله مقلوبا: معافلة، مقلوباً من مآلكة ووزنها على قول أبي عبيد: مفاعلة، غير مقلوبة. ووزنها على قول ابن كيسان: فعائلة وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:

стр. 9

إذا كانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئَوني ... فَإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُه الشِّتاءُ هذا البيت للربيع ضبع الفزاري، وقد ذكرناه فيما تقدم، وهذا البيت من شعر يمدح فيه بنيه وكنانته، ويذكر برهم له، وهو قوله: أَلاَ أَبِلغْ بَنِيَّ بَنِي رَبِيعٍ ... فَأَنذَالُ البَنِينِ لَكمْ فِدَاءُ بِأنِّي قد كَبِرْت ورَقَّ جِلدِي ... فَلاَ شَغَلتْكم عَنِّي النِّساءُ وإنَّ كَنائِتي نساءُ صِدْقٍ ... وَمَا أَلَّى بَنِيَّ وَلاَ أَساءُوا إذَا كانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي ... فَإنَّ الشَّيخَ يَهدِمِهُ الشِّتاءُ وأَمَّا حِينَ يَذْهبُ كلُّ قَرٍّ ... فَسِربَالٌ رَقيقٌ أوْ رِدَاءُ إذَا عَاشَ الفتَى مَائتينِ عَاماً ... فَقد ذَهَبَ المسرَّةُ والفَتَاءُ الأنذال الخساس، واحدهم نذل، ومعنى أللى: قصر في برئ يقال: ألا ألواً، فإذا كثرت الفعل قلت أللى يؤلى تأليةً، قال زهير: سَعى بَعدهم قومٌ لكَي يُدركوهمفَلم يَفعلوا ولم يُليموا ولَمْ يَأْلواً والقر: البرد، والفتى مقصور: واحد الفتيان، والفتاء ممدود: فتوة السن، يقال: فتى بين الفتوة، ويروى المروءة، واللذاذة. والتخيل: التكبر، وعجب المرء بنفسه. ويروى: يهرمه. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: فَكيفَ إذا مَرَرْتَ بِدَارِ قوْمٍ ... وَجيرَانٍ لَناَ كانُوا كَرَامِ هذا البيت: للفرزدق، واسمه همام بن غالب، وقال ابن قتيبة: هميم بن غالب، ويكنى أبا فراس. واختلف كلام ابن قتيبة في تلقيبه بالفرزدق: فقال في أدب الكتاب: الفرزدق: قطع العجين، واحدها فرزدقة، وهو لقب له؛ لأنه كان جهم الوجه.! وقال في كتاب طبقات الشعراء: إنما لقب بالفرزذق لغلظه وقصره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء، وهي الفرزدقة. والقول الأول أصح؛ لأنه كان أصابه جدري في وجهه، ثم برئ منه، فبقى وجهه جهماً مبغضاً. ويروى أن رجلاً قال له: يا أبا فراس، كأن وجهك أحراح مجموعة.! فقال: تأمل، هل ترى فيه حرح أمك؟! وهذا البيت من قصيدة يمدح بها: سليمان بن عبد الملك بن مروان، ويهجو جرير بن الخطفي. وقيل هذا البيت: هل أَنْتُم عَائِجُونَ بِنَا لَعَناًّ ... نَرَى العَرَصات أَو أَثَرَ الخِيامِ أُكَفْكِفُ عبرة العينين مِنِّي ... وما بعدَ المَدَامِعِ مِنْ مَلاَمِ لعنا: لغة في لعلنا، يقال: لعلك، ولغنك - بغين معجمة ونون - ولأنك، ورعنك، وعلك، وأنك، ولو أنك كل ذلك بمعنى واحد. ويروى: أنه أنشد سليمان هذه القصيدة، فلما بلغ إلى قوله فيها: ثَلاثٌ واثنتان فَهُنَّ خَمْس ... وَسادِسةٌ تميل إلى شِمامِي دُفِعْنَ إلي لم يَطمثهنّ قبلي ... وهنَّ أَصحَّ من بيض النَّعاَمِ فَبِتْنَ بِجانِبِيَّ مَصرَّعاتٍ ... وبتُّ أَفضُّ أَغلاَقَ الخِتاَمِ كأَنّ مَغالِقَ الرَّمان فيه ... وَجمرَ غضًى قَعدْن عليه حَامِ قال سليمان: أقررت عندي بالزنا وأنا إمام، ولابد من إقامة الحد عليك.! فقال الفرزدق: ومن أين أوجبته علي يا أمير المؤمنين؟ فقال: يقول الله : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ". فقال الفرزدق: إن كتاب الله يدرأ عني الحد، يقول الله ﵎: " والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون " وإنما قلت ما لم أفعل! فتبسم سليمان، وقال: أولى لك.!! وسلك أبو القاسم في بيت الفرزدق مسلك الخليل وسيبويه، فجعل كان فيه زائدة. وكان أبو العباس المبرد يرد ذلك، ويقول: الواو في كانوا اسم كان، ولنا خبرها، كأنه قال: وجيران كرام كانوا لنا. وتابع أبا العباس على ذلك جماعة من النحويين، وقالوا: كيف تلغ كان في هذا البيت، والضمير قد اتصل بها؟! وهذا الذي قالوه لا يلزم؛ لأن ظننت تلغى عن العمل مع اتصال الضمير بها في نحو قولك: زبد منطلق ظننت. وقد ذكرنا في الكتاب الأول ما احتج به أبو علي الفارسي وابن جنى للخليل، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

стр. 10

فموضع لنا خفض على مذهب الخليل، لأنها في موضع الصفة لجيران، وهو في موضع نصب على مذهب أبي العباس؛ لأنه في موضع خبر كان. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: إِذَا مِتُّ كانَ الناسُ صِنفانِ شامتٌ ... وآخر مُثْنٍ بالذِي كنت أَصْنَعُ هذا البيت للعجير السلولي، ينسب إلى بني سلول، وهو حي من أحياء العرب. وعجير: اسم منقول، ويحتمل أن يكون تصغير عجر، من قولهم: عجر عنقه، إذا لواها، ويحتمل أن يكون مصغراً مرخماً من أعجر وهو الناتئ السرة. وأما سلول: فاسم مرتجل غير منقول. ويروى: مِت ومُت بكسر الميم وضمها. ويروى: صنفان وصنفين ونصفين فمن رفع أضمر في كان الأمر والشأن، والناس صنفان: مبتدأ وخبر، في موضع خبر كان ومن نصب جعل الناس اسم كان، وصنفين خبرها، ولا شاهد فيه على هذه الرواية. وشامت، وآخر: مرتفعان على خبر مبتدأ مضمر، كأنه فسر الصنفين، فقال: هما شامت، وآخر مثن، ويجوز أن يرفع شامت على البدل من الصنفين. ويجوز أن يكون التقدير: أحدهما شامت، والآخر مثن. وبعد هذا البيت: ولكِنْ ستبْكينِي خطوبٌ ومجلسٌ ... وشُعثٌ أُهينوا في المجالس جُوَّع ومستلحم قد صكَّه القوم صكَّةً ... بعيد الموالي نيل ما كان يجمع رددت له ما فرط الفَيْل بالضحى ... وبالأمس حتى آبَنا وهو أضلع وما كان أن كان ابن عمِّي ولا أخي ... ولكن متى ما أملك الضُّرَّ أَنْفَعُ وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: هِيَ الشِّفاءُ لِدَأبي لو ظَفِرْتُ بها ... وليسَ منها شِفاءُ الدَّاءِ مَبْذُول هذا البيت لهشام أخي ذي الرمة. وهو اسم مرتجل، مشتق من قولهم هشمت الشيء إذا كسرته. وذكر أبو الفتح: أنه اسم منقول من مصدر هاشمت. ويجوز أن تكون ليس في هذا البيت هي العاملة، فيضمر فيها الأمر والشأن، وتجعل الجملة في موضع خبرها، ويجوز أن تكون بمنزلة ما لا يعمل شيئاً، وهي لغة لبعض العرب. ويجوز في لو أن تكون هي التي تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، والجواب محذوف، كأنه قال: لو ظفرت بها لاشتفيت، فأغنى ما تقدم من ذكر الشفاء عن إعادة ذكره، كما نقول: أنا أشكرك إن أحسنت إلي؛ فتغني الجملة عن جواب الشرط. ويجوز أن تكون لو هي التي يراد بها معنى التمني، كأنه قال: ياليتني ظفرت بها. والباء في قوله: بها متعلقة بظفرت، ومن في قوله منها متعلقة بمبذول، فلا موضع لها لتعلقها بظاهر، وبعد هذا البيت: تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنَّه مُنْهَلٌ بالرَّاح مَعْلولُ ومعنى تجلو: تكشف وتظهر، والعوارض: الضواحك، والظلم: الماء الجاري على الأسنان، والمنهل: الذي سقي سقية أولى، والمعلول: الذي سقي سقية ثانية، والراح: الخمر. ويروى هذا البيت لكعب بن زهير، ويروى لهشام. وأنشد أبو القاسم في باب الحروف التي تنصب الأسماء، وترفع الأخبار: مُعاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فأسْجِحْ ... فَلَسْنا بِالجبالِ ولا الْحَدِيدَا هذا البيت لعقيبة الأسدي، فيما ذكره سيبويه. وعقيبة: اسم منقول، ويحتمل أن يكون تصغير عقبة، وهي الثنية الصغيرة، الصعبة المصعد. ويحتمل أن يكون تصغير عقبة - مثل ظلمة - وهي بقية من المرق واللحم ونحو ذلك في القدر المستعار، أو تصغير عقبة في الركوب، أو تصغير عقبة القمر، وهي عودته تقال بكسر العين وضمها، قال الشاعر: لاتَطْعم الغِسْلَ والأدهانِ لِمَّتهُ ... ولا الذَّرِيرَةَ إِلا عُقْبة القَمَرِ ويروى عقبة القمر بالضم. وقال الكميت في عقبة القدر: وحارَدَتِ النُّكْدُ الجِلادُ وَلَمْ يَكُنْ ... لعُقبة قِدْرِ المسْتعيريِن معقِبُ وأسد اسم منقول أيضاً يحتمل أن يكون منقولاً من، اسم السبع، ويحتمل أن يكون مصدر: أسد الرجل بأسد، إذا شجع وفعل فعل الأسد. ويروى هذا البيت أيضاً لعبد الله بن الزبير الأسدي. والزبير - أيضاً - اسم منقول؛ لأن الزبير: طين الحمأة، والزبير: البئر المطوية بالحجارة، والزبير: الكتاب المكتوب، وأنشد ابن جني: كمَا زان المهَّرقَ والزُّبيْرا والزبير: الداهية، والزبير: الإهانة والزبير: المزجور المهان يقال: زبرت الرجل إذا زجرته.

стр. 11

وهذا البيت أنشده سيبويه ولا الحديدا، بالنصب، كما أنشده أبو القاسم، ورد ذلك عليه. وقيل الشعر مخفوض القوافي، وهو: مُعَاويَ إنّنا بَشرُ فأسّجِح ... فَلسنَا بالجبالِ ولا الحديدِ أكلتُمْ أَرْضَنَا فجردتُموهَا ... فَهلْ مِن قائمٍ أو حَصِيدِ أترجونَ الخلودَ إذَا هَلكْنا ... وليسَ لنَا ولا لكَ مِن خُلودِ فَهبنَا أُمةً هلكت ضياعاً ... يزيدُ أميرها وأبو يزيدِ ذروا خَونَ الإمامة واستقيموا ... وتقديم. الأراذل والعبيد وزعم من احتج لسيبويه: أن هذا البيت من شعر منسوب لعبد الله ابن الزبير الأسدي، ويقال: إنه للكميت بن معروف الأسدي يقول فيه: رَمَى الحدثانُ نسوةَ آل عمرٍو ... بمقدار سمَدنَ له سُمودا فردَّ شُعورهنَّ السُّود بيضَا ... ورَدُّ وُجُوهنَّ البيض سُودَا أديروها بني حَرب عليكم ... ولا تَرمُوا بها الغرضَ البعيدا وليس ينكر أن يكون البيت من الشعرين جميعاً؛ لأن الشعراء قد يستعير بعضهم كلام، وربما أخذ البيت بعينه ولم يغير كقول الفرزدق: ترىَ النَّاس ما سِرنا يَسيرون خَلفَنَا ... وإنْ نحن أَومأْنا إلى النّاس وَقَّفُوا فإن هذا البيت لجميل بن عبد الله، انتحله الفرزدق. وقال قيس بن الخطيم: إذَا قَصُرت أَسيافُنا كان وَصلُها ... خُطَانا إلى أعدائنا فنضاربِ والقصيدة محفوضة القوافي، قال الأخنس بن شهاب اليشكري: وإنْ قَصُرتْ أَسْيافُنا كان وَصْلهَا ... خطانا إلى أعدائنا فنضاربُ والقصيدة مرفوعة القوافي: وقال امرؤ القيس؛ في قصيدة بائية: لمنْ الدِّيارَ تَعِّفتْ مُذْ حِقَبْ ... فجنوب الفرْد أقْوَت فالخرِبْ دَارُ حَيِّ بدِّلت مِنْ بعدهم ... ساكنَ الْوحشِ وللدَّهرُ عقب عقَّب الدَّهر بهم فانتجعوا ... أَكلَ الدَّهرُ عَليهم وشرِبْ وأخذ النابغة الجعدي نصف البيت الثالث، وعكسه في قصيدة لامية فقال: سألتني جارتي عن أُسرتي ... وإذَا ما عَيَّ ذو الُّلبِّ سَأَلْ سألتني عَن أُناسٍ هَلكوا ... شَرِبَ الدّهرُ عليهم وَأَكلْ وأنشده أبو العباس المبرد في الكامل على ما في شعر امرئ القيس ونسبه إلى النابغة الجعدي، وذلك غلط. وربما كرر الشاعر بيتاً واحداً، من شعره، في قصيدتين مختلفتي القوافي كقول الحصين بن الحمام المري: ولما رأيت الودّ ليسَ بنافعي ... وإن كان يَوماً ذَا كِوَاكبَ مُظْلِما صَبَرنا وكانَ الصّبرُ منا سَجِيّةً ... بأسيافنا يَقطعنَ كفَّا ومِعْصَما يَفلقنَ هاماً مِن أُناسٍ أَعزَّةٍ ... عَلينَا وَهُمْ كانَوا أُعقَّ وأَظْلَمَا ثم قال في قصيدة أخرى: ولما رأيت الودّ ليس بنافعي ... وإن كان يوماً ذا كوكب أشهبا صبرنا وكان الصبر منا سجية ... بأسيافنا يقطعن هاماً ومنكبا يفلقن هاماً من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأَخْرَبَاَ وفي شعر أبي الطيب المتنبي أبيات شعر كثيرة انتحلها ولم يغير فيها إلا شيئاً يسيراً، كقوله: كأنّ كلّ سؤال في مسامعه ... قميصُ يوسفَ في أجفانِ يَعقوبَ فإن هذا البيت منقول من قول الحصين: كأنّ كل سؤالٍ في مسامعه ... قميصُ يوسفَ في أجفانِ والده وكقوله: ومن نَكدِ الدُّنيا عَلى الحُرِّ أن يَرَى ... عَدُوّاً لَهُ مَا مِن صَدَاقَتهِ بُدُّ فإن هذا البيت منقول من قول إسحاق الموصلي: ومِن نَكدِ الدُّنيا على الحُرِّ أَنْ يَرَى ... عَدُوَّاً فَيهوَى أن يُقالَ: صَدِيقُ فإذا كان أمر الشعر على هذه الصفة، لم ينكر أن يكون قوله: مُعاوِيَ إننا بَشرٌ فاسْجِح......قد وقع في شعرين مختلفين لعقيبة الأسدي، أو يكون قد وقع في شعر لعقيبة، مخفوض القوافي، وشعر لابن الزبير منصوب القوافي. وأنشد أبو القاسم في باب حروف الخفض:

стр. 12

فَقلتُ للرّكبِ لَمَّا أن عَلاَ بِهمُ ... مِن عَن يَمينِ الحُبَيَّا نَظرَةٌ قَبَلُ هذا البيت للقطامي، وقد ذكرنا اسمه وبعده: ألمحةً من سَنَا بَرقٍ رأى بَصري ... أَم وَجهَ عاليةٍ اخْتالتْ به الكِلَلُ يُهدِي لَناَ كلَّمَا كانت عَلاَوَتُنا ... ريحَ الخُزَامىَ جَرَى فيها الندَى الخضِل الحُبَيَّا: موضع بالشام، وهو من الأسماء التي جاءت مُصغرة، ولا تكبير لها. ومعنى نظرة قبل: أي نظرة لم يتقدمها نظر، يقال: رأيت الهلال قبلاً، أي لم يره أحد قبلي. والركب جمع راكب، عند الأخفش، وهو عند سيبويه: اسم الجمع، وليس بجمع. ويروى: علا بهم وعلت بهم: أي جعلتهم يعلون، ويستشرفون للنظر إلى عاليه، وهو بمنزلة قولهم: أعليتهم، لأن الباء والهمزة يتعاقبان على نقل الأفعال كقولك: ذهبت بهم، وأذهبتهم. وسنا البرق ضوؤه. ومعنى اختالت تبخترت، والكلل الستور، واحدتها كلة أراد أن وجه عالية: ظهر لهم من وراء الستر، فجعلوا ينظرون إليه عجباً. ومن روى: بها رد الضمير إلى عالية. ومن روى به رد الضمير على الوجه، وإذا أنث الضمير كانت الجملة في موضع الحال من عالية، وإذا ذكر: كانت حالاً من الوجه. وكلما كانت علاوتنا أي: في مكان عال تصيبه الريح، يقال: قعد فلان على علاوة الريح، أي في موضع مشرف تصيبه الريح، وقعد في منقلبها، أي في موضع منخفض، لا تناله الريح. والخضل: الكثير البلل، يقال أخضل الماء ثوبي، إذا بله. وصير عن اسماً فأدخل عليها حرف الجر. وفي هذا البيت شاهد على أن: عن اسم، وشاهد على أن على فعل. وأنشد أبو القاسم في هذا البيت: غَدَتْ منْ عليْهِ بعدَ ما تمَّ ظِمؤها ... تصل وَعنْ قَيضٍ ببيْدَاءَ مجْهلِ هذا البيت: لِمُزاحِم بن الحارث العقيلي. ومزاحم والحارث اسمان منقولان عن الصفات إلى العلمية، ويكنى الكبش إذا كان له قرنان عظيمان: أبا مزاحم، ويسمى الشقحطب وقبله: أَذلِكَ أمْ كدْرَّية ظَلَّ فرْخها ... لَقًى بشرَوْرَى كاليتيم الْمعيَّل أراد بالكدرية: قطاه في لونها كدورة، والقطا نوعان: كدري، وجوني، الكدري: أغبر اللون، والجوني: أسود اللون، وقد ذكره زهير في قوله: جَونِية كحصاة القِسْم مَرتعُها ... بالسِّيِّ ما بِنبت القفعاءُ والحسَكُ واللَّقى: المطروح الذي لا يلتفت إليه: وشرورى: موضع وشبهه في إنفراده، وسوء حاله باليتيم. والمعيل الفقير. قال الأصمعي: وإنما قال لقى بشر ورى لأن القطا لا تبض إلا في الأرض في مفاحص ونقر، ولا تعشش في الشجر. وغدت من عليه بعد ما تم أراد: أنها أقامت مع فرخها حتى احتاجت إلى ورود الماء، وعطشت فطارت تطلب الماء عند تمام ظمئها. والظمء: مدة صبرها عن الماء، وهو ما بين الشرب، إلى الشرب، ويروى بعد ما تم خمسها، وهو ورود الماء في كل خمسة أيام ولم يرد أنها تصبر عن الماء خمسة أيام؛ وإنما ذلك للإبل لا للطير ولكنه ضربه مثلا، هذا قول أبي حاتم، ولهذا كانت رواية من روى ظمؤها أحسن وأصح معنى. وقال الأصمعي: قوله: من عليه؛ يريد من فوق الفرخ. قال أبو عبيدة: ومعناه غدت من عند فرخها. وقال يعقوب - في أبيات المعاني - بعد ما تم ظمؤها أي أنها كانت تشرب في كل ثلاثة أيام، أو أربعة مرة، فلما جاء ذلك الوقت طارت. قال أبو حاتم: وقلت للأصمعي: كيف قال: غدت من عليه، والقطاة إنما تذهب إلى الماء ليلاً، لا غدوة؟ فقال: لم يرد الغدوة، وإنما هذا مثل للتعجيل، والعرب لقول: بكر إلي العشية ولا بكور هناك، وأنشد أبو زيد: بكرت تلُو مسكَ بعدَ وْهن في النَّدى ... بَسلٌ عليك مَلاَمتي وعِتابي وعلى هذا تناوله بيت النابغة الذبياني: تحيدُ عن أَسْتَنٍ سودٌ أسَافِله ... مَشىَ الأمَاءِ الغَوادِي تحمِلُ الحزما وقال أبو حاتم: ومعنى تصل تصوت أحشاؤها من العطش واليبس، والصليل: صوت الشيء اليابس، يقال: جاءت الإبل تصل عطشاً. وقال غيره: أراد أنها تصوت في طيرانها. والقيض: قشر البيض الأعلى. ويروى بزيزاء مجهل بإضافة الزيزاء إلى المجهل، وبكسر الزاي.

стр. 13

ويروى بزيزاء مجهل بفتح الهمزة، فيكون مجهل بهذه الرواية صفة لزيزاء ولم يجز البصريون ذلك؛ فألف فعلاء المكسورة الفاء لا يكون عندهم إلا للالحاق، وكذلك فعلاء المضمومة الفاء، وإنما تكون الهمزة للتأنيث عندهم في فعلاء المفتوحة الفاء نحو: حمراء وصفراء. واحتج الكوفيون بقول الله : " من طور سيناء " في قراءة من كسر السين، فقال البصريون: ليس امتناعها من الصرف من أجل أنها للتأنيث؛ إنما ذلك من أجل أنها ذهب بها إلى الأرض، أو البقعة: والزيزاء: الغليظ من الأرض، والمجهل: القفر الذي ليس فيه أعلام يهتدى بها. ويروى ببيداء وهي الفلاة التي تبيد من يسلكها أي تهلكه، وألفها للتأنيث في قول الفريقين. وقوله ظل فرخها جملة لها موضع من الإعراب؛ لأنها في موضع الصفة للكدرية. والباء في قوله: بشروري بمعنى في، والكاف في موضع الحال من الضمير في لقى، أو في موضع الصفة للقى، ومن متعلقة بغدت فلا موضع لها لتعلقها بظاهر وما مع تم بتقدير مصدر كأنه مخفوض ببعد قال: بعد تمام. وتصل: في موضع نصب على الحال: وقوله: أذلك: إشارة إلى ظليم ذكره قبل ذلك في قوله: قَطَعتُ بشوشاةٍ كأنّ قُتَودَها ... على خَاضِبٍ يَعلُو الأماعِزَ هيكل والشوشاة الناقة الخفيفة، والقتود: عيدان الرحل، والخاضب من النعام الذي أكل الربيع فاحمرت ظنبوباه، وأطراف ريشة، فهو حينئذ أقوى ما يكون. والأماعز: الأماكن الكثيرة الحجارة: والهيكل: الضخم الخلق. وأنشد أبو القاسم في باب: حتى فياعجبا حَتَّى كُلَيبٌ تَسُبُّنِي ... كأَنَّ أَبَاهَا نْهَشْل ومُجَاشِعُ وهذا البيت للفرزدق، وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم. ويروى: فياعجباً بالتنوين، ويا عجبا بغير تنوين. فمن نونه فله وجهان: أحدهما: أن يكون منادي منكوراً. والثاني: أن يكون مصدراً، والمنادي محذوف، كأنه قال: يا قومي اعجبوا عجباً. ومن لم ينونه فله وجهان أيضاً: أحدهما - وهو الأجود: - أن يكون منادي مضافاً، على لغة من يقول: يا غلاما أقبل. كأنه قال: يا عجبا احضر؛ فهذا من أوقاتك: والآخر: أن يريد: فياعجباه، وأكثر ما تستعمل هذه الزيادة في الندبة، وقد استعمل في غير ذلك، نحو ما أنشده بعضهم: يا مرحباه بحمار تاجية ... إذا أتى قربته للسانية وقال آخر: يا مرحباه بحمار عفراء ... إذا أتى قرَّبته لما يَشاء من الحشيش والشعير والماء وقوله: حتى كليب تسبني كلام خرج مخرج الاستحقار منه لكليب، لأن حتى تستعمل في الاستحقار للشيء واستعظامه، فلم تعمل حتى في اللفظ شيئاً، لأنها لا تعمل في ألفاظ الجمل، إنما تعمل في مواضعها: وفي الكلام محذوف، كأنه قال: أتسبني الناس، حتى كليب تسبني؟! وأجاز الكوفيون خفض كليب على الغاية، ويكون تسبني تأكيداً، كما تقول: ضربت القوم حتى زيدٍ ضربته، فتخفض زيد وتجعل ضربت تأكيداً مستغنياً عنه، ومعناه: حتى كليب هذه حالها من السب والشتم، والسب - بكسر السين - الذي يسابك. وقيل البيت: أخذنا بآفاق السماء عليكمُ ... لنا قمراها والنجوم والطوالع تَنحَّ عنْ البطحاء إنّ قديمها ... لنا والجبال الراسيات الفوارع وكنا إذا الجبَار صعَّر خدَّهُ ... ضربناه حتى تستقيم الأخادِع قال المفضل: أراد بالقمرين: محمد، وإبراهيم - صلى الله عليهما - وأراد بالنجوم: الخلفاء المهتدين. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: سَرَيتُ بهم حَتىَّ تكلّ غزاتُهم ... وحَتَّى الجيادُ ما يُقدْنَ بِأرسَانِ هذا البيت: من مشهور شعر امرئ القيس. والقيس الشدة، كذا قال علي بن حمزة البصري، وأنشد: وأَنْتَ على الأعداء قيْسُ ونجدةُ ... وللطَّارق العافي هشام ونوفَلُ وقال غيره: القيس: اسم صنم نسب إليه، ولهذا كان الأصمعي بكره أن يقول: امرؤ القيس، وكان يروى: عقرت بعيري يا امرأ الله فانزل، ويكنى: أبا وهب، وأبا الحارث. وذكر بعض اللغويين: أن اسمه. جندح، وامرؤ القيس. لقب له. والجندح: كثيب أصفر من النقي، والجندح: الرملة الطيبة. والسرى. سير الليل. ومعنى ما يقدن بأرسان أنها قد أعيت فلا تحتاج أن تقاد، ونحو قول الآخر:

стр. 14

مِن الكلاَل لا يَذْقنَ عوداً ... لا عَقْلا تبغى ولا قيوداً والباء متعلقة بسريت، فهي الباء التي تعاقب همزة النقل نحو قولك: ذهبت به، وأذهبته. وتكل مطيهم جملة في موضع خفض بحتى، وتقديرها تقدير المصدر الساد مسد الظرف، وكأنه قال: إلى حين كلال مطيهم، هذا في رواية من نصب تكل، ونصبه من وجهين مختلفين: أحدهما: بحتى، والثاني: بأن مضمرة. ورفعه أيضاً على وجهين: أحدهما: أن تقدره بالماضي، والثاني: أن تكون بمعنى الحال. وأما من رفع تكل فليست الجملة محفوضة الموضع، ولكنها معطوفة، على سريت كأنه قال: سريت بهم حتى كلت مطيهم، وهي حال محكية بعد زمان وقوعها؛ فلذلك تقدر بالفعل الماضي، كأنه قال: سريت بهم حتى صاروا في هذه الحال، والحال تحكى بعد وقوعها كقولك: رأيت زيداً أمس، وهو راكب، فقولك: وهو راكب حال بالإضافة إلى وقت إخبارك. وقوله: ما يقدن بأرسان: جملة في موضع رفع، على خبر المبتدأ كأنه قال: حتى الجياد غير مقوداتٍ أو غير مقودة. والباء في قوله: بأرسان متعلقة بيقدن، فلا موضع لها لتعلقها بظاهر. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: ألقى الصحيفةَ كي يُخَفِّفَ رحْلَه ... والزَّاد حتى نَعْلِهِ ألقاها هذا البيت: ينسبه الناس إلى المتلمس، ولم يقع في ديوان شعره، وإنما هو لابن مروان النحوي، قاله في قصة المتلمس، حين فر من عمرو بن هند حكى ذلك أبو الحسن الأخفش، عن عيسى بن عمر. فيما ذكره أبو علي الفارسي، وبعده: ومضَى يظنُّ برِيدَ عمرو خَلفه ... خوفاً وفارَق أرضَه وقلاَها وإنما قال وفارق أرضه وقلاها لقول المتلمس: حَنَّتْ إلى النخْلة القُصْوَى فقلت لها ... بسْل عليك ألاَ تلك الدهاريس أُمِّي شآميَّةً إذ لا عِراقَ لنا ... قوم نوُّدهم إذْ قَومُنا شُوس لن تَسْلكي سُبُلَ البُوباة منجدةً ... ما عاش عمرو ولا ما عاش قابوس وكان المتلمس قد هجا عمرو بن هند بشعره الذي أوله: قولي لعمرو بن هند غير متَّئبة ... يا أخنس الأنْف والأضراس كالعدس ملك النَّهار، وأمّا الليل مُومسة ... ماء الرِّجال على فخذيك كالقرَسِ وكان طرفة قد هجاه أيضاً بشعره الذي أوله: فليتَ لَنا مَكانَ الملكِ عَمرو ... رَغوثاً حوْل قُبتنا تدُور فاتصل ذلك بعمرو بن هند، ولم يظهر لهما شيئاً من التغير، ثم مدحاه بعد ذلك، فكتب لكل واحد منهما كتاباً، إلى عامله بالحيرة، وأمره فيه بقتلهما إذا وصلا، وأوهمهما أنه كتب لهما بصلة، إلى الحيرة، قال المتلمس لطرفة: كل واحد منا قد هجا الملك، فلو أراد أن يعطينا لأعطانا، ولم يكتب لنا إلى الحيرة، فهلم فلندفع كتبنا إلى من يقرؤها، فإن كان فيها خير دخلنا الحيرة، وإن كان فيها شر فررنا قبل أن يعلم بمكاننا.! فقال طرفة: ما كنت لأفتح كتاب الملك! فقال المتلمس والله لأفتحن كتابي، ولأعلمن ما فيه، ولا أكون كمن يحمل حتفه بيده، فنظر المتلمس: إلى غلام قد خرج من الحيرة، فقال له: أتقرأ يا غلام؟. قال: نعم. فقال: هلم فاقرأ هذا الكتاب! فلما نظر إليه الغلام، قال ثكلت المتلمس أمه! فقال لطرفة: افتح كتابك، فما فيه إلا مثل كتابي! فقال: إن كان اجترأ عليك فلم يكن ليجترئ علي، ويوغر صدور قومي بقتلي! فألقى المتلمس صحيفته في نهر الحيرة، وفر إلى الشام وقال: وألقيتها بالثَّنيِ من جنب كافِرٍ ... كذلك أقْنو كلَّ قِطٍّ مضللِ رضيتُ لها بالماء لمَّا رأَيتُها ... يحول بها التَّيار في كل جدوَلِ ولحق طرفة فقتل، ولحق المتلمس بالشام، وهجا عمرا بشعره الذي يقول فيه: ملك يلاعب أمَّه وقطِينَها ... رخوُ المفاصل، أَيْره كالمِروَدِ بالبابِ يرصدُ كلّ طالبِ حاجةٍ ... فإذا خلا، فالمرء غير مسدَّد! وإذا حللْتُ ودون أرضي عادة ... فابرق بأرضِكَ ما بدا لك وارْعَد روى ألقى الحقيبة وهي الخرج، يحمل فيه الرجل متاعه ونحوه.

стр. 15

ويروى: ألقى الحشية وهي ما يركب عليه الراكب: ومن روى: حتى نعله بالرفع، فالهاء في ألقاها يعود على النعل، لا غير، ومن نصب النعل أو خفضها، جاز أن يكون الضمير في ألقاها عائداً على النعل وجاز أن يكون عائداً على الصحيفة، ويكون في البيت تقديم وتأخير، كأنه قال: ألقى الصحيفة ألقاها، كي يخفف رحله، والزاد حتى نعله. والرحل للناقة كالسرج للفرس. وأنشد أبو القاسم في باب: القسم. فخالفْ فَلاَ والله تَهْبِط تَلْعَةً ... من الأَرض إِلاَّ أَنتَ للذلِّ عارفُ هذا البيت: ينسبه قوم إلى مزاحم العقيلي، ولم أجده في ديوان شعره، وأظن أن الذي نسبه إليه توهم أنه من قصيدته التي أولها: أشاقَتكَ بالعرِينِ دارٌ تأبَّدتْ ... من الْحيِّ واشْتدتْ عَليها العواصف وليس هذا البيت من هذه القصيدة، ولا فيها معنى يليق بهذا البيت.! ومعنى هذا البيت: أن السائر في بلاد العرب، في غير الأشهر الحرم إن لم يكن له مجير يجيره، ومعاقد يعاقده: سلب في كل موضع، وربما قتل، فكان الرجل الغريب يستجير بسيد الحي، فيكتب له على سهم أو غيره: فلان جاري، أو يصحبه من يسير معه، حتى يخرج من طاعته فيستجير بسيد حي آخر، فلا يزال يفعل ذلك بكل مكان مر به حتى يلحق بحيه، ولذلك قال الأعشي في رجل خرج في شهر حرامٍ، ثم هم الشهر بالانفصال وهو لم يصل إلى أهله، فاعتصم برجل أجاره وحماه، فقال له الرفاد: فقبلك ما أَوْفى الرّفاد لجاره ... فأنجاهُ مما كان يَخشى ويَرهَبُ تَداركه في مُنصِل اْلآلِ بَعدما ... مضى غير دَأْدَاءِ، وقد كاد يَعطبُ والمحالفة: المعاقدة، والمصالحة، وأصلها: أن يحلف كل رجل من الرجلين لصاحبه ألا يغدر به. والتَّلعة ههنا: المكان المنخفض من الأرض، وقد يكون المرتفع من الأرض، وبيت طرفة يحتمل الأمرين جميعاً وهو قوله: ولست بِحلاَّل التّلاع مخافةً ... ولكن متى يَسترفِد القومُ أَرْفد ويروى لبيتةٍ. فمن جعل التلاع في هذا البيت المرتفعة، فمعناه أنه لا ينزل المواضع المرتفعة، مخافة أن يغار عليه، ويقوي هذا المعنى رواية من روى: لبيتةٍ ومن جعلها الموضع المنخفض كان معناه: أنه لا ينزل المواضع الخفية فاراً من قصد الأضياف إليه؛ لأن اللئيم يخفى مكانه ويقصر سمك بيته لئلا يقصد. ويؤيد هذا المعنى الثاني قوله: ولكن متى يسترفد القوم أرفد. وقوله: فلا والله تهبط أراد: فلا والله لا تهبط، فأوقع لا في غير موضعها، كما قال الأعشى: أَحَلَّ له الشَّيبُ أَثقالَهُ ... وما اغترَّهُ الشَّيبُ ألاّ اغْترَارَا أراد: وما اغْتراراً إلا الشيبُ. ويمكن أن يكون لما ذكر لا الأولى، أغناه ذلك عن أن يعيدها ثانية. وقوله: من الأرض إن جعلت من متعلقة يتهبط فلا موضع لها، لتعلقها بظاهر، وإن جعلتها متعلقة بمحذوف فلها موضع، وهي في موضع الصفة لتلعة. وقوله: إلا أنت للذل عارف: جملة لها موضع من الإعراب لأنها في موضع الحال من الضمير في تهبط. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: تَاللهِ يَبقى عَلى الأَيام ذُو حَيَدٍ ... بمشمخِرِّ به الظَّيَّان والآسُ هذا البيت: يروى لمالك بن خالد الخناعي، كذا في كتاب سيبويه. وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: أنشدني أبو نصر هذا الشعر لأبي ذؤيب الهذلي، قال: وأبو عمرو يروي هذا الشعر للفضل بن عباس عتبة بن أبي لهب. ويروى: تالله ولله، وكلاهما قسم فيه معنى التعجب. ويعني بقوله: ذو حيد الوعل والحيد الروغان والفرار، كذا رواه أبو العباس محمد بن يزيد، ويروى ذو حيد بكسر الحاء، وقال: هو جمع حيدة، بمنزلة: حيضة وحيض. وكذا رواه أبو سعيد السكري في أشعار الهذليين. وقيل: هو اعوجاج في قرن الوعل. والمشمخر: الجبل العالي، والظيان ياسمين البر، والآس: الريحان وقيل الآس: أثر النحل إذا مرت فسقط منها نقط من العسل، حكاه الشيباني. وقيل: زرق النحل على الصفا. وقيل: باقي الرماد على الأثافي. وقال صاحب كتاب العين: الآس شيء من العسل. والباء في قوله بمشمخر متعلق بكائن، أي كائن بمشمخر.

стр. 16

والباء في قوله: به الظيان لها موضع أيضاً، وهي في موضع الصفة لمشمخر كأنه قال: كائن به الظيان، أو مستقر به الظيان، والظيان على هذا فاعل بالاستقرار، ويجوز أن يكون الظيان مرفوعاً بالابتداء وبه خبره، فيكون الباء على هذا في موضع رفع، وهي في الوجه الأول في موضع خفض، وتتعلق في الوجهين معاً بمحذوف. وقوله: على الأيام في موضع الحال من ذي حيد؛ أي لا يبقى ذو حيد والأيام متعاقبة عليه، وأراد: على تعاقب الأيام، أو على مرور الأيام، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقبل هذا البيت: يَا مَيُّ إن تفقِدي قوماً وَلدْتِّهِم ... أو تُخْلِسيهم فإنَّ الدَّهر خلاَّسُ عَمرو وعبد مناف والّدِي عهدت ... ببطن مكة آبِي الضَّيم عبَّاسٌ ويروى: ببطن عرعر، كذا رواه أبو سعيد السيرافي، وأبو علي الفارسي. وأنشد أبو القاسم في هذا البيت: فقْلتُ يمينَ اللهِ أَبرحُ قَاعِداً ... وَلوْ قطَعُوا رَأسِي لَدَيك وأَوْصالي هذا البيت: من مشهور شعر امرئ القيس، وقد ذكرنا اسمه وكنيته فيما تقدم. والأوصال الأعضاء، واحدتها وصل. ومعنى: لديك: عندك. وأبرح: أزال. وجواب لو محذوف لتقدم ما أغنى عنه، كأنه قال: ولو قطعوا رأسي ما برحت! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: فقَالَ فريق القوم لمَّا نَشَدْتُهم ... نَعم، وفريق. لَيْمُن الله مَا نَدرِي هذا البيت: لنصيب، وكان عبداً أسود، لرجل من أهل وادي القرى فكاتب على نفسه، ومدح عبد العزيز بن مروان، فاشترى ولاءه. ويكنى: أبا محجن، وزعم ابن قتيبة أن كنيته: أبا الحجناء، وأنشد لكثير يهجوه: رَأيت أبا الحجْنَاءِ في النَّاس جائزا ... ولَون أبي الحجنَاءِ لَون البهائم تراه على ما لاَحَه من سَوَادِه ... وإن كان مظلوماً له وَجه ظالمِ ونصيب اسم منقول، يحتمل أن يكون تصغير نصب وهو حجر كانوا يذبحون عليه ما يقربون للأصنام، قال الله تعالى: ".. وما ذبح على النصب ". ويحتمل أن يكون تصغير نصب وهو التعب، أو تصغير نصب مفتوح النون ساكن الصاد - وهو ما نصب - فعبد من دون الله قال الله تعالى: " كأنهم إلى نصب يوفضون ". ويحتمل أن يكون تصغير نصاب، أو نصيب، ويكون مصغراً. مرخماً. وروى الأصفهاني بسند أخبر به أبو بكر بن دريد، قال: لقيت يوماً نصيباً بباب هشام بن عبد الملك، فقلت له: يا أبا محجن، لم سميت نصيباً؟ ألقولك في شعرك: عاينها النصب؟! فقال: لا، ولكني ولدت عند أهل بيت من ودان، فقال سيدي: ائتونا به ننظر إليه، فقال: إنه لمنصب الخلق، فسميت النصب ثم اشتراني عبد العزيز بن مروان فأعتقني. فهذا الخبر يقتضى أن يكون تصغير: منصب، وهو المشرف في استواء، ورخم فحذفت زوائدة، كما أنك لو صغرت محمدا ورخمته لقلت: حميد. وأما المحجن: فعصا معقفة الطرف، يقال لها: القسقاسة وصحفتها العامة فقالت: الكسكاسة. والحجناة: تأنيث الأحجن، وجمع الأحجن: حجن، قال النابغة: خطاطيف حجن في حبال منيفةٍ ... تمد بها أيدٍ إليك نوازع وهو المعوج المعتف. والشعر الذي فيه هذا البيت من أجود شعره، وهو قوله فيها: أَلاَ يا عُقَابَ الوَكْرِ وكْرِ ضريَّةٍ ... سُقيتَ الغوادي من عُقابٍ ومن وَكر تَمرّ اللّيالي والشُّهور ولا أَرَى ... مُرورَ الليالي منْسِياتي ابنةَ العمْرِ تقول: صِلينا واهجرينا، وقد تَرَى ... إذا هَجرت أن لا وصال مع الهجْرِ فلم أرْضَ ما قالتْ ولم أبد سُخْطَةً ... وضاق بما جَمْجَمتُ من حبها صدرِي ظلِلْت بذي ودَّانَ أنشد بَكْرَتِي ... ومالي عليها من قَلُوص ولا بكْرِ وما أَنْشُدُ الرُّعيانَ إلاّ تَعِلّةً ... لواضحة الأنياب طَيّبة النشْر فقال لي الرُّعيانُ: لِمْ تَلْتَبِسْ بنا؟ ... فقلت: بلى، قد كنتُ منها على ذكرِ! وقد ذكرن لي بالكئيب مؤالفا ... قِلاصَ عَدِيّ، أو قلاصَ بني وَبْر فقال فريق القوم لَماَّ نشدُّنهم: ... نعمْ، وفريق لَيمْنُ الله ما ندرِي

стр. 17

أَمَا والذي حجَّ الملبُّون بيتَهُ ... وعلمَّ أيَّامَ الذبائح والنَّحْرِ لقد زادني للغَمْر حُبّاً وأهلِهليالٍ أقامتهن ليلى على الغمْر فهل يأثُمَنِّي الله في أنْ ذكرتها ... وعَّللْت أصحابي بها ليلة النَّفْر وسكَّنْتُ ما بي من ملال ومن كَرَى ... وما بالمطايا من جُنُوحٍ ومن فَتْرِ وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: رَضِيَعيْ لِبَانِ ثَدْيِ أمٍّ تَحالفاً ... بأسْحَم دَاجٍ عَوْضُ لاَ نَتَفرَّقُ هذا البيت: لأعشى بكر، وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم. وهو من شعر يمدح به المحلق بن جشم، الكلابي، واسمه عبد العزيز وسمي المحلق؛ لأن بعيرا عضه في وجهه، فصار فيه كالحلقة. وقيل: بل كوى نفسه بكية تشبه الحلقة. وكان خامل الذكر ل اصيت له، وكان له بنات لا يخطبهن أحد: رغبةً عنهن، فمر به الأعشى، فنحر له ناقة، لم يكن له غيرها، وأطعمه وسقاه، فلما أصبح الأعشى قال له: ألك حاجة؟ قال: نعم! - تشيد ذكرى، فلعلني أشهر، ويرغب في بناتي، فنهض الأعشى إلى عكاظ وأنشد هذه القصيدة، فلم يمس حتى خطبت إليه جميع بناته!! وقبل هذا البيت: لَعَمْرِي لَقْد لاَحَتْ عيونٌ كَثيرةٌ ... إلى ضوء نار باليَفَاع تَحرَّقُ تشب لمقْرُرَيْن يصْطَليَانِها ... وباتَ على النّار النّدى والمحلَّقُ ترى الجودَ يجري ظاهراً فوق وجهه ... كما زَانَ مْتنَ الهندوانيّ روَنقُ وإنما ذكر النار والمحالفة؛ لأنهم كانوا يتحالفون على النار، وجعل الندى والمحلق كأخوين رضعا لباناً واحداً، من ثدي أم واحدة؛ مبالغة في وصفه بالكرم، وذكر أنهما تحالفا وتعاقدا ألا يفترقا أبداً، كما قال الآخر: وإنّ خَلِيليْك السّماحةَ والنَّدى ... مقيمان بالمعروف ما دمتَ تُوجَدُ وعوض ضم كان لبكر بن وائل، وقيل: هو اسم من أسماء الدهر، وزعم المازني: أنه يضم ويفتح ويكسر، وأصله: أن ما كان من أسماء الدهر أن يكون ظرفاً، كقولهم: لا آتيك عوض العائضين، كما يقال: دهر الداهرين، ثم كثر حتى أجراه مجرى أدوات القسم. وفي قوله: بأسحم داج سبعة أقوال: ١ - قيل: هو الرماد، وكانوا يحلفون به كما يحلفون بالنار، قال الشاعر: حلفتُ بالملح والرَّماد والنَّار ... وبالله نُسْلِمُ الحَلقَة حتى يَظلّ الجوادُ مُنْعَفِراً ... ويخْضِب النَّبلُ غُرَّة الدَّرَقة ٢ - وقيل: أراد الليل. ٣ - وقيل: أراد الرحم. ٤ - وقيل: أراد الدم؛ لنهم كانوا يغمسون أيديهم فيه إذا تحالفوا، حكى هذه الأقوال الأربعة يعقوب. ٥ - وقال غيره: يعني حلمة الثدي. ٦ - وقيل: يعني زق الخمر. ٧ - وقيل: يعني دماء الذبائح التي كانت تذبح للأصنام. وجعله أسحم لأنه إذا يبس اسود، وهذا نحو قول النابغة: وَمَا هُريق على الأَنْصَابِ مِنْ جَسَدٍ. وأبعد هذه الأقوال؛ قول من قال: إنه أراد الرماد؛ لأن الرماد لا يوصف بأنه أسحم ولا داج وإنما يوصف بأنه أزرق. وأما الدم فقد وصفه الطرماح بالسواد في قوله يصف ثوراً فبات يقاسي ليل أَنْقد دائبا ... ويحدُرُ بالقفِّ اختلاف العُجَاهنِِ كطوف مُتلى حجة بين غبغبٍ ... وَقرٍّ مسود من النُّسكِ فاتِنِ وقوله: تشب: أي توقد، والمقرور الذي أصابه القر، وهو البرد وخصه، لأنه يشعل النار لشدة حاجته إليها. ومعنى لاحت نظرت وتشوفت إلى هذه النار، حكى الفراء: لحت الشئ إذا نظرته، وأنشد: وأحمر من ضرب دار الملوك ... تَلُوحُ على وَجهه جعفرا بالتاء على الخطاب - وقال معناه تنظر على وجهه جعفرا. وجعل النار في يفاع، لأنه أشهر لها، ولأنها إذا كانت في يفاع - وهو الموضع المرتفع - أصابتها الرياح فاشتعلت. وأما الإعراب: فإن قوله: رضيعي ينصب على أربعة أوجه: - إن شئت كان حالا، وقوله: على النار خبر بات: - وإن شئت جعلت رضيعي خبر بات وعلى النار في موضع الحال. - وإن شئت كانا خبرين. - وإن شئت نصبت رضيعي على المدح

стр. 18

- وإن شئت جعلت الرضيع بمعنى الراضع كقولهم: قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، فيكون متعديا إلى مفعول واحد، وإن شئت جعلته بمعنى مرضع كقولهم: رب عقيد بمعنى معقد فيتعدى إلى مفعولين. ومن خفض ثدي أم جعله بدلا من لفظ اللبان، ومن نصبه أبدله من موضعه، لأنه في موضع نصب، ولا بد من تقدير مضاف محذوف في كلا الوجهين كأنه قال: رضيعي لبان ثدي أم. ويجوز أن يكون ثدي مفعولا سقط منه حرف الجر كأنه قال: رضيعي لبانٍ من ثدي أم. وقوله: عوض لا نفترق من جعل عوض اسم ضمٍ جاز في إعرابه ثلاثة أوجه: أحدهما أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قال: عوض قسما الذي يقسم به. ويجوز أن يكون في موضع نصب على أن يقدر فيه حرف الجر وتحذفه كقولك: يمين الله لأفعلن. ويجوز أن يكون في موضع خفض، على إضمار حرف القسم، وهو أضعف الوجوه. ومن اعتقد هذا لزمه أن يجعل الباء في قوله: بأسحم بمعنى في ويعني بالأسحم الليل، أو الرحم. ولا يجوز أن يكون الباء في هذا الموضع للقسم، لأن القسم لم يقع بالأسحم؛ إنما وقع بعوض الذي هو الضم: ومن جعل عوض من أسماء الدهر، ففيه وجهان: أحدهما أن يكون بدلا من أسحم، ويكون القول فيه كالقول في الوجه الأول: والوجه الثاني: أن يكون القسم بالأسحم، فتكون الباء فيه باء القسم، ويكون عوض ظرفاً، كأنه قال: لا نتفرق عوض، أي لا نتفرق طول دهرنا. وقوله: لا نتفرق جاء جواب القسم، على حكاية لفظ المتحالفين الذين نطقا به عند التحالف، ولو جاء به على لفظ الإخبار عنهما لقال: لا يفترقان، كما تقول: حلف الزيدان لا يخرجان، إذا أخبرت عنهما، ولم تحك لفظهما، فإن حكيت لفظهما قلت: حلف الزيدان لا نخرج. وأنشد أبو القاسم في باب اسم الفاعل: بَدَا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدرِكَ مَا مَضى ... ولا سَابِقاً شَيئاً إِذَا كانَ جَاثِيا وهذا البيت: يروي لزهير بن أبي سلمى، ويروي لصرمة الأنصاري، ويروي لابن رواحة الأنصاري. وزهير: اسم منقول، ويحتمل أن يكون تصغير زهر، ويحتمل أن يكون تصغير أزهر وزاهر، فيكون مصغراً مرخماً. أما سلمى: فاسم مرتجل غير منقول، مشتق من السلامة. وصرمة منقول من الصرمة التي هي القطعة من الإبل - من عشرة إلى أربعين. ورواحة مرتجل مشتق من الروح. وقوله: أني لست مدرك ما مضى جملة في موضع رفع على فاعل بدا، كأنه قال: بدا لي امتناعي من إدراك ما مضى. وقوله: لست مدرك ما مضى: جملة في محل رفع، على خبر أن كأنه قال: إني غير مدرك ما مضى. ويجوز في سابق النصب بالعطف على مدرك، والرفع على إضمار مبتدأ والخفض على توهم الباء في مدرك، كأنه قال: لست بمدركٍ ولا سابقٍ، أجاز ذلك سيبويه. ومن النحويين من لا يجيز الخفض، ومثله قول الأحوص: مشائيمُ ليسُوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعباً إلاَّ ببين غُرابُها ويجوز أن تكون ما موصولة بمعنى الذي، ومضى صلة لها، ويجوز أن تكون اسماً منكوراً، ومضى في موضع خفض على الصفة لها، كأنه قال: مدرك شيءٍ مضى - ويقوى ذلك ذكره الصفة بعد ذلك، فيكون بمنزلة قول الآخر: رُبَّما تكّرَهُ النُّفوسُ من الأمْ ... رِ لَهُ فرْجةٌ كحَلِّ العِقالِ وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: إنِّي بِحَبْلِكَ وَاصِلٌ حَبْلِي ... وبريشِ نَبْلِكَ رائشٌ نَبْلِي هذا البيت: يروي لامرئ القيس بن حجر، ويروي لامرء القيس بن عائش، وكلاهما من كندة. وعائش: اسم منقول من الصفة، وحجر اسم منقول من النوع؛ لن الحجر، والحجر - بالضم والكسر الحرام؛ قال الله تعالى: " ويقولون حجراً محجوراً " أي: حرماً محرماً، وتقول العرب: حجراً له وحجرا، أي دفعاً ومنعاً له، قال الراجز: قالت وفيها حَيْدَةٌ وذُعْر ... عَوْذٌ بِرَبِّي منكم وحُجْر ومعنى هذا البيت: أنه مثل مضروب للموافقة والمتابعة، يقول أصل حبلى بمن وصلت به حبلك من الأوداء، وأريش نبلي بمن رشته نبلك من الأعداء. وبعده: مَا لَمْ أَجِدْكَ عَلى هُدَى أَثَرٍ ... يَقرُو مَقصَّكَ قائِفٌ قَبلي وَخَلائِقي مَا قَد عَلمْتَ وَمَا ... نَبحَتْ كلابُك طَارقاً مِثلي إِنِّي لأصْرِم مَنْ يُصارِمُنِي ... وأجِدُّ وصْلَ مَن ابتغى وصلي

стр. 19

وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: وكَمْ مالئٍ عينيهِ من شَيءٍ غَيرهِ ... إذَا رَاحَ نَحوَ الجمرة الْبيضُ كالدُّمَى هذا البيت: لعمر بن أبي ربيعة، ويكنى أبا الخطاب. وعمر معدود في الأسماء المرتجلة، وإن كان معدولاً عن عامر. المعدود في الأسماء المنقولة من الصفات. فإن قلت: رجل عمر، إذا كان كثير الاعتمار، وقالوا: عمرة الحج وجمعها عمر، فما الذي يمنع أن يكون منقولاً من أحدهما؟ قيل: يمنع من ذلك أنه لو كان منقولاً من أحدهما لانصرف. وأما ربيعة فبيضة السلاح. وهذا الشعر قاله عمر بن أبي ربيعة في بنت مروان بن الحكم، وكانت قد حجت وأحبت أن تراه، وخشيت أن يتغزل بها فيفضحها، فدست إليه امرأة ساقته في الليل معصوب العينين؛ لئلا يعلم إلى أين يحمل، فأخذ في يده شيئاً من حناء، فلما وصل إلى الخباء مس بتلك الحناء حاشية الخباء، فلما دخل أزيلت العصابة عن عينيه، وحادثته مدة من الليل، فلما حان انصرافه عصبت عيناه وحمل مقوداً إلى منزله، فلما أصبح قال لبعض غلمانه: اذهب فطف بين الأخبية، فإذا وجدت حناء على خباء، فسل لمن هو؟ فذهب الغلام، وعاد إليه، فأخبره: أنه خباء بنت مروان بن الحكم، ورأت هي أثر الحناء في حاشية الخباء، فعلمت أنه هو الذي فعل ذلك! فوجهت إليه ألف دينار، ورغبت إليه ألا يفضحها، فاشترى بهات عطراً وبزاً وأهداه لها فأبت أن تقبله فقال: والله لئن لم تقبليه لأنهينه في الناس، فيكون أشهر للأمر، فقبلته! وقال في ذلك ولم يسمها: وكمْ مِنْ قتيل لا يُباءُ به دَمُ ... ومن غَلِقٍ رهْناً إذا ضَمَّه مِني! وكَمْ مَالئِ عَيْنيْه من شيءِ غَيره ... إذا راح نحوَ الجمرةِ البيضُ كالدُّمَى! يجرُّون أذيال المرُوطِ بأسْوقٍ ... خدَالٍ إذا وَلَّينَ أعْجازها رِوَى أوَانِسُ يَسْلبْنَ الحليم فُؤَادَه ... فيا طولَ ما جُزْنَ ويا حُسنَ مجتلى فلم أرَ كالتجمير مَنْظرَ نَاظِرٍ ... ولا كلَيالِي الحجِّ أقْلتْنَ ذَا هَوى وقوله: لا يباء به دم، أي لا يؤخذ له قود، ويقال أبأت فلاناً بفلان، إذا قتلته به. ولا يكاد يستعمل إلا والثاني؛ كفوء للأول. وقوله: ومن غلق رهناً؛ منصوب على التمييز، أراد ومن رجل غلق رهنه، ثم نقل الضمير إلى الصفة فصار بمنزلة حسن وجهاً. وأجاز أبو العباس محمد بن يزيد نصبه على الحال، وخفضه على البدل من غلق. ومعنى غلق الرهن: أن يثبت عند المرتهن فلا يقدر على فكاكه. ويروى البيض بالرفع، وهو المشهور. وروى بعضهم البيض بالخفض على البدل من شيء كأنه قال: وكم مالئ عينيه من البيض كالدمى. والمروط: أكسية من خز، وتكون من غيره. والخدال الممتلئة، وكذلك الروى: جمع ريان وهو ممدود، وقصره للضرورة. والمجتلى: المنظر، وهو مفتعل من قولك: اجتليت الشيء إذا نظرت إليه. ومعنى أقلتن: أهلكن بالقاف، وتقديم اللام على التاء، والقلت الهلاك، ويروى أقتلن، أي عرضنه للقتل، بالقاف أيضاً وتقديم التاء على اللام، ويروى أفلتن بالفاء وتقديم اللام على التاء، أي خلصنه فانفلت، ولم يفتن بما رأى. والتجمير من الجمار. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: هَلْ أنتَ باعثُ دينارٍ لِحاجَتِنَا ... أَوْ عَبْدَ ربٍّ أخا عَوْنِ بن مخْراقِ هذا البيت: لا أعلم قائله ودينار هاهنا اسم رجل. وقوله: أو عبد رب ينتصب بالعطف على موضع دينار، لأنه مخفوض اللفظ، منصوب في المعنى، ويجوز نصبه بإضمار، فعل كأنه قال: أو تبعث عبد رب، وهو الذي ذهب إليه أبو القاسم ﵀ ويجوز: أو عبد رب أخي - بالخفض. وزعم عيسى بن عمر: أنه سمع العرب تنشده منصوباً. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: الضَّاربون عُميراً عن بُيوتهم ... بالتَّلِّ يومَ عُميْر ظالِمٌ عَادِي هذا البيت: للقطامي، وقد ذكر اسمه فيما تقدم من شعره - وهو يمدح به زفر بن الحارث القيسي، وكان أسره ثم أطلقه، وقبله: نُبِّئتُ قَيْساً على الحُشَّاكِ قَدْ نَزلُوا ... مِنَّا بحيٍّ على الأضياف حُشَّادِ فِي الْمجدِ والشَّرف العالي ذوي أمل ... وفي الحياة وفي الأموال زهاد

стр. 20

الحشاك: اسم ماء، وقيل: أرض، وقيل: الذين يحشدون في كرامة الضيف أي يختلطون، وأحدهم حاشد، وهو نحو قول الآخر: المانعين من الخنا جاراتهم ... والحَاشدين على طعام النَّازل وأراد ب عمير: عمير بن الحباب السلمي، وكانت تغلب قد قتلته. والتل موضع كانت فيه وقيعة. ويروى: الضاربين، والضاربون. والعادي: المعتدي. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: الفارِجُو بابِ الأَميِرِ المُبْهمِ هذا الرجز لرجل من بني ضبة. والفارجون من باب الأمير: الفاتحوه، والمبهم: المغلق، يقال: فرجت الباب إذا فتحته، وأبهمته إذا أغلقته، وهذا يحتمل معنيين. أحدهما: أن تريد أنهم يغلبون الملوك، ويلجون أبوابهم التي قد حصنوها، فيكون كقول الآخر: حَمَّالُ ألْوِيةٍ شهَّادُ أنْدِيةٍ ... شَدَّادُ أوْهبة فتاح أسداد والوجه الآخر: أن يريد أنهم أعزة أشراف، إذا وفدوا على الرؤساء لم يمنعوا من الدخول عليهم، فيكون مثل قول الآخر: مِنَ النَّفَرِ الْبِيضِ الَّذِينَ إِذَا انْتَهواوَهابَ الرِّجالُ حَلْقةَ البابِ قَعْقَعُوا وهو ضد ما قاله جرير، في هجائه للتيم، وهو قوله: قوْم إِذا حَضر الملوكَ وُفُودُهم ... نُتِفَتْ شَوَارِبهم عَلى الأَبْوابِ وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: الحافظو عَوْرَةَ العشِيرة لا ... يَأتِيهم مِنْ ورائنا وَكَفُ هذا البيت: لقيس بن الخطيم الأنصاري. وقيْس: اسم منقول وقد ذكرناه فيما تقدم. الخطيم: من قولهم: خطمت البعير، فهو خطيم، ومخطوم، إذا جعلت في أنفه الخطام، وهو الزمام. وإنما سمي بذلك؛ لأنه ضرب على أنفه، فبقي فيه أثر الضرب، وقبل هذا البيت. أَبْلِغ بَنِي جَحْجَبي وقْوْمهُمْ الْ ... أَشْرافَ أنَّا وراءَهم أُنُفُ وإنَّنا دُونَ ما يَسُومُهُم الْ ... أعداء من ضَيْمِ خُطَّةٍ نُكْفُ العورة: المكان الذي يخاف منه العدو. والوكف ههنا: العيب، ويروى نطف وهو نحو الوكف، والنطف - أيضاً - الربية والتهمة: يقول: نحن نحفظ عورة العشيرة فلا يأتيهم من ورائنا شيء يعابون به من تضييع ثغرهم وقلة رعايته. هذا على رواية من روى: من ورائنا. ومن روى: من ورائهم أخرج الضمير مخرج الغيبة على لفظ الألف واللام؛ لأن معنى الحافظوا عورة العشيرة: نحن الذين يحفظون، كما تقول: أنا الذي قام؛ فخرج الضمير مخرج الغيبة وإن كنت تعني نفسك، لأن معناه: أنا الرجل الذي قام، وقد يقولون: أنا الرجل الذي قمت، فعلى هذه - الرواية - رواية من روى: من ورائنا. ومثل قول الآخر: وأنا الّذي قتلتُ بكراً بالقَنَا ... وتركت تغلب غير ذَاتِ سَنامِ وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: يَا رُبَّ غَابِطِنا لَوْ كَانَ يَطلبُكُمْ ... لاَقَى مُبَاعَدَةً مِنْكُم وَحِرْمَانا هذا البيت: لجرير بن عطية بن حذيفة، من بني كلب ابن يربوع. وجرير من الأسماء المنقولة؛ لأن الجرير زمام البعير، قال الشاعر: يرى في كف صاحبه حِلاه ... فَيعجبه ويُفْزعه الجرير وسمي جريراً: لأن أمه كانت ترى في نومها وهي حامل به أنها تلد جريراً، فكان يلتوي على عنق رجلٍ فيخنقه، ثم في عنق آخر، حتى كاد يخنق عدةً من الناس، ففزعت من رؤياها، وقصتها على معبر، فقال لها: إن صدقت رؤياك ولدت ولداً يكون بلاءً على الناس، فلما ولدته سمته جريراً لما كانت رأت في النوم، فكان تأويل رؤياها أنه هاجى ثمانين شاعراً، فغلبهم كلهم إلا الفرزدق!. وعطية منقول من العطية، ويراد بها الهبة: وحذيفة منقول، تصغير حذفة، وهي الرمية بالعصا. ويلقب حذيفة الخطفي بقوله: يَرفَعنَ بالليل إذا ما أَسْدَفَا ... أعْناقَ جِنَانٍ وهاماً رُجَّفا وعَنَقاً باقي الرسيم خَيطَفا ويروى خطيفا، وهو السريع. ويكنى جرير: أبا حرزة، بابن كان له، والحرزة: الفعلة من حرزت الشيء، إذا حرصته، والحرزة أيضاً: خيار المال، وفي الحديث: " لا تأخذوا من حررات أموال الناس شيئاً ". والحرزة - أيضاً -: حموضة اللبن. وقبل بيت جرير: إنَّ العُيُونَ الَّتي في طَرْفها حَوَرٌ ... قَتلْنَنَا ثم لم يُحْيِينَ قتلاَنا

стр. 21

يَصْرَعنَ ذا اللُّبِّ حَتَّى لا حِراكَ به ... وهُنَّ أضعف خَلْقِ الله إنْسانا والغابط: نحو الحاسد، إلا أن الغابط: هو الذي يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره، من غير أن يسلب المغبوط نعمة. والحاسد: هو الذي يتمنى أن يسلب المحسود نعمته، وإن لم ينل هو منها كفعل أبليس - لعنه الله - مع آدم ﵇. يقول: رب رجل يظن أننا نظفر منكم بما رغبنا، وأنكم تبذلون لنا من وصلكم ما أملناه، فيغبطنا على ذلك، ولو طلب وصلكم كما نطلب، لم يظفر بشيء مما يرغب!. وأنشد أبو القاسم في باب الأمثلة التي تعمل عمل اسم الفاعل: ضَروبٌ بِنصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها ... إذا عَدِمُوا زاداً فإنَّك عَاقِرُ هذا البيت: لأبي طالب - عم النبي ﷺ من شعر رثي به أبا أمية بن المغيرة، بن عبد الله، بن عمر، بن مخزوم، وكان ختنه، فخرج تاجراً إلى الشام، فمات بموضع يقال له: سر وسحيم، فقال أبو طالب يرثيه: أَلاَ إنَّ زَادَ الرَّكبِ غير مدافع ... بسر وسحيم غيَّبتَهُ المقابرُ بسر وسحيم عارِف ومناكر ... وفارس غاراتِ خطِيب وياسِرُ تَنادَوْا بأنْ لا سيد الحيِّ فيهم ... وقد فُحِعَ الحيَّان كعبٌ وعَامِرُ وكان إذا يأتي مِنَ الشام قافِلا ... بمَقْدمه تَسْعَى إلينا البشائِرُ فيصبح أهل الله بيضاً كأنّما ... كسَتْهم حبيراً رَيْدَة ومَعافِرُ تَرَى دَارَهُ لا يَبْرَحُ الدَّهْر عندها ... مجعجةٌ كومٌ سِمانٌ وبَاقِرُ إذا أُكِلَتْ يوماً أتى الغد مثلها ... زواهق زُهم أو مخاض بهازِرُ ضروب بنصل السيف سُوقَ سِمانِها ... إذا عَدموا زادا فإنك عاقر وإن لم يكن لحم غريض فإنه ... تكبّ على أفواههن الغرائِزُ فيا لَكَ من ناعٍ حَييت بآلة ... شراعِّية تصفر منها الأظافِرُ ونصل السيف: شفرته، فلذلك أضافه إلى السيف، وقد يسمى السيف كله: نصلاً، مدحه بأنه كان يعرقب الإبل للضيفان عند عدمه الأزواد، وسر وسحيم أعلاه. والياسر: اللاعب بالميسر، والقافل: الراجع من السفر. والبشائر: جمع بشارة. وعنى بأهل الله: قريشاً، وكانت العرب تسميهم: أهل الله، لكونهم أرباب ملة. والحبير: ثياب ناعمة، كانت تصنع في اليمن. وريدة: بلدة ذكرها طرفة في قوله: وبالسَّفْح آيات كأنّ رُسُومَها ... يمانٌ وشَتْه رَيدَةٌ وسَحُول أراد أهل ريدة. ومعافر: قبيلة من قبائل اليمن. والمجعجعة: المصروعة، والكوم: الإبل العظام الأسنمة. والباقر: اسم لجماعة البقر، والزواهق: السمان، الزهم: الكثيرات الشحم، واحدها: زهم، وقال زهير: القائد الخيْل منكوبا دَوَابِرها ... منها الشَّنُون ومنها الزَّاهِقُ الزَّهِمُ والمخاض: الحامل من الإبل، واحدتها: خَلِفَة - من غير لفظها -. والغريض: الطري. ومعنى تكب: تصب، والغرائر: الأعدال جمع غرارة. والناعي: الذي يخبر بموت الإنسان، والآلة: الحربة، والشراعية: التي أشرعت للطعن، أي سددت، وحبست: أي خصصت. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: حذِرٌ أموراً لا تَضِير وآمِنٌ ... ما لَيْسَ مُنجِيَهُ مِنَ الأقدارِ هذا البيت: مصنوع ليس بعربي، واختلف في صانعه: فزعم قوم أنه لابن المقفع، وحكى المازني قال: أخبرني أبو يحيى اللاحقي، قال: سألني سيبويه عن فعل أيتعدى؟ فوضعت له هذا البيت، ولأجل هذا رد هذا البيت على سيبويه! وقد وجدنا في شعر زيد الخيل الطائي بيتاً آخر لا مطعن فيه، وهو قوله: ألم أخبركما خَبراً أتاني ... أبو الكُساحِ جَدَّ بِهِ الوعيدُ أتاني أنهم مزقون عرضي ... جِحاشُ الكرملينِ لها فَدِيدُ وأما معنى البيت، فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يصف إنساناً بالجهل، وقلة المعرفة، وأنه يضع الأمور غير مواضعها، فيأمن ما لا ينبغي أن يؤمن، ويحذر ما لا ينبغي أن يحذر!.

стр. 22

والوجه الثاني - وهو الأشبه عندي -: أن يكون أراد أن الإنسان جاهل بعواقب الأمور، يدبر فيخونه القياس والتدبير، فيكون كقوله تعالى: " " وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ". ونحو قول أبي العتاهية: وقد يَهلِكُ الإنْسانُ مِنْ وَجهٍ أمينة ... وينجو بإذن الله من حيث يحذر وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: ثُمَّ زَادُوا أنَّهُمِ في قَومِهِمْ ... غُفُرٌ ذنْبَهُمُ غَيْرُ فُخُرْ هذا البيت: من مشهور شعر طرفة. ويروي: فجر بالجيم، وهو جمع فجور، وهو الكثير الفسق ويكون الكثير الكذب، لأنه يقال: فجر الرجل إذا كذب. ويروى أن أعرابياً أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن ناقتي قد نقبت ودبرت فاحملني.! فقال: والله ما بناقتك نقب، ولا دبر! فقال الأعرابي: أقْسمَ بالله أبو حفص عمرْ ... ما مسّها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ اغفر له اللهم إن كان فجر!. فقال عمر: اللهم اغفر لي! ثم حمله!!. ويروى: غير فخر بخاء معجمة، ومعناه: لا يفخرون بشرفهم، ولا يعجبون بنفوسهم، ولكنهم يتواضعون للناس، كما قال الآخر: ألم تر قوماً غيرنا خير قومهم ... أقل به منًّا على قومهم فَخْرا وما تَرْدَعُنَا الكِبْرِياء عليهم ... إذا كلمَّونا أن نكلمهم نَزْرا وأنشد أبو القاسم في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل: لاحِقُ بَطنٍ بِقَراً سَمِينِ هذا البيت: لحميد الأرقط، وحميد: من الأسماء المنقولة، يحتمل أن يكون تصغيراً مرخماً من أحمد، أو من حامد، أو من محمود، أو من حميداء، أو من حمدان؛ فإن هذه الأسماء كلها إذا صغرت ورخمت رجعت كلها إلى حميد. والأرقط: نحو من الأبرش، وصف حمارا. وزعم بعض من تكلم في أبيات الجمل: أنه يصف فرسا، وذلك غلط، والدليل على أنه وصف حماراً قوله قبله: أقَبَّ مِيفَاء عَلَى الرُّزُونِ أَحقبُ شَجاجٌ مِشلُّ عُونِ والأقب: الضامر الخصرين، والميفاء المشرف، والفعل منه: أوفى والفعل الرباعي لا يبني منه مفعال؛ إنما يبني مفعال من الثلاثي، ولكنه جاء على خذف الزيادة، كما قالوا: مهاوين، جمع مهوان، وهو رجل معطاء، وهو من أعطى؛ قال الكميت: شمٌّ مهاوينُ أبدَانَ الجزُورِ مَخَا ... مِيصُ العَشِيَّاتِ لاخُورٌ ولا قٌزُمُ فمهاوين: جمع مهوان، وهو من أهان. والرزون: مواضع منخفضة، يجتمع فيها الماء. والأحقب: الذي في كفله بياض، وهو موضع الحقيبة. ومعنى لاحق بطن: أن بطنه قد ضمر، حتى لحق بظهره، كما قال امرؤ القيس: طواه اضمار الشّدِّ فالبطن شازِب ... مُعَاًلي إلى المتنَيْن فهو خميص والشحاج: الشديد الشحيج، وهو الصوت. والمشل: الكثير الشلي وهو: الطرد. والعون: جماعات الحمير، واحدتها عانة. والقرا: الظهر. وأنشد أبو القاسم في باب التعجب: إذَا الرِّجالُ شَتَوْا واشتدَّ أكلُهم ... فأنتَ أبيضهم سِرْبَال طبَّاخِ هذا البيت: لطرفة بن العبد، في شعر يهجو به عمر بن هند، وأنشده الفراء: عن الكسائي. أما الملوك فأنْتَ اليوم ألأمهم ... لؤما وأبيضهم سربال طباخ وأنشد أبو محمد بن رستم في شعر طرفة عن يعقوب يهجو عمرو بن هند: أبا الجرَامِيق ترجو أن تُدينَ لكميا ابن الشَّديخ ضِياعٌ بين أجياخِ أنتَ ابنُ هنْدٍ فَاخبر من أبوكً إذاً ... لا يُصْلِحُ الملكَ إلاّ كلُّ بَذَّاخِ إن قُلتَ نَصْرٌ فَنَصر كانَ شرَّ فَتى ... قِدْماً وأبيضَهم سِربَالَ طَبَّاخِ ما في المعَالِي لَكُمْ ظِلٌّ وَلا وَرَقٌ ... وًفى المخازي لَكُم أسنَاخُ أَسناخِ إن قسّم المجد أكْدَى عَن سرَاتِكُم ... أو قُسِّم اللُّوْم فضِّلْتمْ بأشياخِ الجراميق: النيط، وهم قوم من العجم. والشديخ: الذي شدخ رأسه. والضباع: نوع من السباع عوج خلقةً، يشبه بها رهطه في الحمق، لأن الضبع يوصف بالحمق، وهي مرفوعة ب بترجوا. والأجياخ: الحجارة - عن الطوسي. والبذاخ: الكثير الفخر بآبائه وأفعاله.

стр. 23

والأسناخ: جمع سنخ، وهو الأصل، من كل شيء، ومعنى أكدى: قصر ونقص في هذا الموضع، وتكون في موضع آخر بمعنى زاد، وهو من الاضداد. وسراة القوم: أشرافهم. والمراد ببياض سربال طباخه: أنه قليل الطبخ، فسر باله نقي لا سواد فيه، وهو ضد قول مسكين الدارمي. كأنْ قدورَ قومي كلَّ يوم ... قبابُ التُّرك مُلبَسةُ الجلال كأَنَّ الموقدين لها جِمَالٌ ... طَلاَها الزِّفت والقطرانُ طَاليِ بأيدهم مَغارِفُ مِن حَدِيدٍ ... يشَبهُها فُقَيَّرةُ الدَوَالِي الفقيرة: البئر التي يجري فيها الماء من غيرها. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: جارية في دِرْعها الفَضْفاضِ ... أبيضُ من أُختِ بَنِي إِباضِ هذا الشعر: لا أعلم قائله، وقد وجدت ابن الأعرابي أنشده في نوادره: يا ليتني مثلك في البياض ... أبْيض مِنْ أخت بني إباضِ جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض وفسر قوله: تقطع الحديث بالإيماض، فقال: إذا أومضت تركوا حديثهم ونظروا إليها من حسنها؟ وقوله: في رمضان الماضي: كان جمعهم الربيع في ذلك الوقت، والإيماض ما يبدوا من بياض أسنانها عند الضحك والابتسام، وشبه بوميض البرق، وقد بين ذلك ذو الرمة بقوله: وتبسم لَمحَ البرْق عَنْ مُتوضَّخٍ ... كلَوْنِ الأقَاحِي شاقَ ألوَانُه القَطْرُ وقال آخر: كان وميض البرق بيني وبينها ... إِذَا حَانَ من بَيْنِ البيوتِ ابتسامُها وزاد غير ابن الأعرابي: مثل العزال زُيَّن بالخَضاضِ ... قبَّاء ذات كَفَلٍ رَضرَاضِ ودرع: المرأة قميصها، والفضفاض: الطويل الكامل. وبنو إباض: قوم، والخضاض: اليسير من الحلي، وقيل: هو نوع منه، قال الشاعر: وإنْ أشرَقَتْ مِنْ كَّفةِ السِّتر عَاطِلا ... لَقُلْتَ: غَزَالٌ مَا عَليْه خَضَاضُ والقباء: الضامرة البطن، والرضراض: الكثيرة اللحم. وأنشد أبو القاسم - رحمه الله تعالى - في باب: حبذا: يا حَبَّذا جَبلُ الرَّيان مِن جبلٍ ... وحَبذَا ساكنُ الرَّيانِ مِنْ كانَا هذا البيت: لجرير بن الخطفي، وقد ذكرنا اشتقاق اسمه فيما مضى من الكتاب. وهو من قصيدة يهجو فيها الأخطل، ويعد هذا البيت: وحبذا نفَحاتٌ من يمانية ... تأتيك من قِبَل الرَّيان أحياناً هبت جنوبا بذكري ما ذكرتكم ... عند الصَّفاةِ التي شَرقِيّ حَوْراناً وقوله: يا حبذا يحتمل أن تكون يا نداء، والمنادى محذوف، كأنه قال: يا قوم حبذا جبل الريان. ويحتمل أن تكون استفتاح كلام، وهو قول الأصمعي، ونحوه قول الراجز: يا لعنةَ الله عَلى أهْل الرّقم أهل الوَقِيرِ والحمير والخُزُم وقوله: من جبل في موضع نصب على التمييز، والعامل فيه الجملة المتقدمة كما قال الآخر: يا فارساً ما أنت من فارس ... موطإ الاكناف رحب الذراع كأنه قال: هو حبيب إلى من بين الجبال، أو أخصه بمحبتي من بين الجبال، كذا قال الكسائي والفراء ونفحات: جمع نفحة، من قولك: نفحت الريح، إذا هبت. ويعنى باليمانية: الجنوب؛ لأنها تهب من قبل اليمن، وقد أوضح ذلك بقوله: هبت جنوبا. وروى سيبويه: هبت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم، ومعناه: قد ذكرتكم ذكرى؟؟! وما: زائدة، وحوران: جبل، ومن في موضع نصب على خبر كان، واسمها مضمر فيها؛ كأنه قال، أي شيء كان؟ وأنشد أبو القاسم في باب الفاعلين، والمفعولين الذين بفعل كل واحد منهما بصاحبه مثل ما يفعل الآخر: ولكنّ نِصْفاً لو سَبَبتُ وسَّبنيِ ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم هذا البيت: للفرزدق، وهو من شعر يهاجي به جرير بن الخطفي. وقبله: وإنّ حَراماً أنْ أَسُبَّ مُقاعِساً ... بآبأِئيَ الشُّمِّ الكرامِ الخضارمِ وإن نصفاً لو سبَبْتُ وسّبنِي ... بنو عبد شمس من مناف وهاشمِ أولئك آبائي فجئْني بمثلهم ... وأعْبدُ أن تُهجا كليبٌ بدارِمِ

стр. 24

الشم جمع أشم، وهو الذي في قصبة أنفه استواء وارتفاع، وذلك مما يمدح به، ويستعمل أيضاً بمعنى العزة والانفة، وهو من الناقة متسعار، وهي التي تعطف على البو فربما رئمته وربما شمته بأنفها فلم ترأمه، يضرب ذلك مثلا، وقد ذكر أبو تمام الطائي في قوله: من الردْينيّة اللاّتي إذا عَسلتْ ... تشم بَوّ الصغار الأنف ذا الشمم والخضارم الأجواد الكرام، شبهوا بالبحور، يقال: بحر خضرم، إذا كان كثير الماء. والنصف: الإنصاف، يقول: ليس من الإنصاف أن أهاجي من هو دوني في الحسب، وجلالة المنصب؛ وإنما الإنصاف أن أهاجي من هو كفؤلي! ومعنى أعبد آنف وأكره، ويقال: عبدت من الشيء أعبد عبدا، إذا أنفت منه وغضبت، ومنه قول الله : " قل إن كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين " أي: الآنفين. وقوله: لو سببت وسبني: جملة في موضع خبر، لكن، محمول على المعنى؛ كأنه قال: ولكن الإنصاف أن أسب بني عبد شمس. وهاشم: معطوف على عبد شمس، لا على مناف، لأن عبد شمس وهاشماً أخوان، أبوهما عبد مناف، وقد أوضح ذلك الفرزدق، في شعر، مدح به هشام بن عبد الملك، وهو قوله: وَرثْتُم ثيابَ المجد فهي لبوسُكم ... عن ابْنِي مناف: عبد شمس وهاشم وقال في قصيدة أخرى: ولو سئلتْ من كفؤنا الشمس أوْمأَتْ ... إلى ابْنَيْ مناف: عبد شمس وهاشم وأما رغبة الفرزدق بنفسه عن مهاجاة من هو دونه؛ فمذهب غير متفق عليه، بل للعرب في ذلك ثلاثة مذاهب. كان منهم من يسميه: الخسيس، فيكرم نفسه عن مراجعته، كما يروي عن بشار بن برد، أنه وقف أمامه رجل من الشطار، وبشار ينشد، فقال: استر شعرك كما تستر عورتك!. فصفق بشار بيديه وغضب، وقال: من أنت ويلك؟! فقال: أنا رجل من باهله؛ وأخوالي: سلول، وأصهاري: عكل، واسمى كلب، واسم أبي: قرد، ومولدي: بأضاح، ومنزلي بنهر بلال.! فضحك بشار، وقال: اذهب، ويحك، فأنت عتيق لؤمك، قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد!. ونحو هذا قول الآخر: نجا بك عرضك منجي الذُّباب ... حمته مقاديره أن يُنَالا وقال الآخر: اسمعني عبد بني مِسْمع ... فصنتُ عنه النفس والعِرضا ولم أُجبْه لاحتقاري له ... ومن ذا بعضّ الكلب إن عضَّا؟! وكان منهم: من إذا هجاه الخسيس هجا أفضل عشيرته كما قال الآخر: إنِّي إذا هرَّ كلْب الحيِّ قُلتُ لَهُ ... اسْلم ورَبُّك مَحْنُوق على الخَور وكان منهم من يهجو كل من هجاه من شريف وخسيس، وقد سلك الفرزدق هذا المسلك، فناقض ما قاله في هذا الشعر! وقال أبو تمام: رجا أن تنجيه خساسة قدره ... ولم يدر أنَّ الليْث يفترس الكَلْبا وأنشد أبو القاسم رحمه الله تعالى في هذا الباب: وكمتاً مُدَمَّاةً كأنّ مُتَوبها ... جَرَى فَوْقها واستَشْعَرتْ لَوْنَ مُذْهَبَ هذا البيت: لطفيل بن عوف بن ضبيس الغنوي، ويكنى: أبا قران. وكان يسمى محبراً، واختلف في تسميته بذلك؛ فقال أبو عبيد: سمي بذلك لحسن وصفه للخيل. وقال ابن قتيبة: سمي بذلك لحسن شعره، وكذلك قال أبو عبيد. وقال الصولي: سمي بذلك لقوله يصف برداً. سَمَاوَتُه أَسمال بُردٍ محَبَّر ... وصَهْوتُه مِنْ أَتحَمِيٍّ معَصَّبِ وأصح هذه الأقوال: أنه سمي بذلك لحسن شعره. وروي عن معاوية، أنه قال دعوا لي طفيلاً وسائر الشعراء لكم!! وطفيل من الأسماء المنقولة، يحتمل أن يكون تصغير طفل - المفتوح الطاء - وهو الرخيص الناعم، يقال باز طفل. ويحتمل أن يكون تصغير طفل - المكسور الطاء - وهي لفظة مشتركة، لها معان مختلفة، فالطفل: الصغير من الأناسي وغيرهم، واختلف الناس في قول زهير بن أبي سلمى. لأرتحلنْ بالفجر ثم لأدْأبنْ ... إلى الليل إلا أنْ يُعرِّجِني طِفْل فقال قوم: ولد الناقة، أي إلا أن تلد ناقتي، فأعرج عليها. وقيل: أراد بالطفل ما يسقط من الزند إذا قدح، أي إلا أن أقدح ناراً، فأنزل؛ قال ذو الرمة يصف شررة سقطت من الزند عند الاقتداح: فلمَّا بدَتْ كفَّنْتُها وهي طِفْلَة ... بَطلسَإ لم تُكْمل ذِرَاعاً ولا شِبْرَا ويروى: وهي حية.

стр. 25

وقال قوم: أراد بالطفل: اصفرار الشمس، وميلها للغروب والأشهر في هذا طفل بفتح الطاء والفاء. وقال ابن قتيبة: الطفل: صلاة لهم كانوا يصلونها عند غروب الشمس. وعوف وضبيس: اسمان منقولان، فالعوف نبت، قال النابغة: وأنبت حَوْذانا وعَوفا منوّراً ... سأهدي له من خير ما قاله قائل ويقال للجرادة: أم عوف، قال الشاعر: فما صفراء تُكنْى أُمَّ عوْفٍ ... كأن رُجيلتَيْها مِنجلاَنِ ويقال للذكر: عوف، وللفرج شريج، ويقال للمتزوج: نعم عوفك! قال الشاعر: إذا عوفُ تولَّج في شُريْج ... علانيةً فقد وَجَبَ الصدَاقُ والضبيس من الرجال: السيء الخلق. وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب الديباجة أن الكميت من الخيل بين الأحوى والأصدأ، وهو أقرب من الشَّقْر والورد إلى السواد، وأشد من الشَّقر الورد حمرة، والأنثى أيضاً كميت، وقسه ثمانية أقسام: كميت أحم، وكميت أسحم، وكميت مدمى، وكميت أحمر، وكميت مذهب، وكميت محلف، وكميت أكلف، وكميت أصدأ. فالكميت الأحم: الذي يشاكل الأحوى، والأحوى أهون سواداً من الجون. وينفصل الكميت الأحم من الكميت الأحوى بحمرة أقرابه ومرافقه. والكميت الأسحم أظهر حمرة في سراته من الكميت الأحم، غير أن حمرته ليست بصافية. والكميت المدمى: الذي شعر سراته أحمر، شديد الحمرة، وكلما انحدرت الحمرة إلى مرافقه ازدادت. والكميت الأحمر: أشد حمرة من المدمى. والكميت المذهب: الذي خالط حمرته صفرة. والكميت المحلف: الذي يحلف فيختلف الناظرون فيه، فيقول بعضهم هو أشقر، وبعضهم: هو ورد، وبعضهم: كميت. وقال: أمارة المحلف بين الأصهب والأحمر، قال الشاعر: كُميت غيرُ مُحْلِفَةٍ، ولكن ... كَلَوْنِ الصِّرْفُ عُلَّ به الأديم والكميت الأكلف: الذي لم تصف حمرته، ويرى في أطراف شعره سواد. والكميت الأصدأ: الذي فيه صدأة، أي كدرة، وتعلو كل لون من ألوان الخيل ما خلا الدهمة، وفيها صفرة قليلة، وإنما شبهوها بلون صدأ الحديد، قال أبو عبيدة: فإذا خلصت الصفرة من الكدرة، ولم تكن حمرة الكلف، فهي عفرة. وكميت من الأسماء المصغرة التي لا تكبير لها، وهو مصغر مرخم من أكمت بمنزلة حميد من أحمد، غير أن أكمت لم يستعمل، ويدل على ذلك جمعهم إياه على: كمت، وقال سيبويه: سألت الخليل - رحمهما الله تعالى - عن كميت؟ فقال: هو بمنزلة جميل وحمير، وإنما هي حمرة مخالطها سواد، ولم يخلص فإنما حقروها لأنها بين السواد والحمرة ولم يخلص أن يقال له: أسود ولا أحمر، وهو منها قريب، وإنما هو كقولك: هو دوين ذلك. والمتون: الظهور ومعنى استشعرت لبسته شعارا، والشعار: ما ولي الجسد، والدثار: ما فوقه. ونصب كمتاً: لأنه عطفه على قوله قبله: حلبنا من الأعْراف أعرافِ بيشةٍ ... وأَعرَافِ لبْني الخَيْل يا بُعْد مَحلبِ! بنَات العراب والوجيه ولا حق ... وأعوج يتمي يشبه الْمتَنَسّبِ وِراداً وحُواً مشرِفاً حُجُباتُها ... بناتُ حصان قد تعولم مَجْنَبِ وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: فَرَدَّ عليَّ الفُؤادِ هَوىً عَميداً ... وسُوئل لو يُبين لنا سُؤَالاً وقد نَغْنَى بها ونَرى عُصُوراً ... بها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذَالاَ ذكر أبو القاسم هذين البيتين: لعمر بن أبي ربيعة، وهو غلط، إنما هما للمرار الأسدي، وهو من بني فقعس، كذا في كتاب سيبويه، ولم أجدهما في ديوان شعره. وهما مراران، أسدى. وهو المرار بن سعيد، وهو الذي كان يهاجي المساور بن هند. وعدوى، وهو المرار بن منقذ من بني العدوية، وهو القائل: لا حَبَّذَا أنتِ يا صَنْعَاءُ مِنْ بلَدِ ... ولا شعوبُ هَوىً منِّي ولا نُقُمُ والمرار: اسم منقول من الصفات، وكذلك: سعيد ومنقذ وأما فقعس فاسم مرتجل لا أعلم له اشتقاقاً!. والهوى العميد: المفسد الكبد، والرجل العميد: الذي أفسد الحب كبده. وقيل: العميد، والمريض الذي لا يقدر على الجلوس حتى يعمد من جوانبه. ويدل على الوجه الأول قول الشاعر: إِنْ وصفوني فَنَاحِل الجسد ... أو فتَّشوني فابيض الكبد وقال الآخر:

стр. 26

أَهيم بدعْد ما حَيِيتُ فإن أَمُت ... فواكبدا مما لقيتُ علَى دَعد! هذا للنمر بن تولب. وقوله: فرد على الفؤاد هوى عميداً: أراد به: كان قد سلا، فلما نظر إلى منزل محبوبته راجعه هواه، كما قال بشر بن أبي خازم: خليليَّ إِنَّ الدّار غَفْر لذي الهوى ... كما يُغفَرُ المجنون أو صاحبُ الكلْم والغفر: النكس من المرض. ومعنى نغنى: نقيم. والعصور: الدهر، ومعنى يقتدننا كما تقاد الدابة، وجاء بالفعل على وزن افتعل للمبالغة في القود؛ كما يقال: كسب، واكتسب، والخرد جمع خريدة، وهي الحيية من النساء، يقال: تخردت المرأة إذا خجلت واستحيت. والخدال: جمع خدلة، وهي الكثيرة لحم الساقين. والفعلان في هذا البيت الثاني: نرى ويقتدننا أعمل الأول منهما، وهو نرى ولذلك أضمر في الثاني، ولو أعمل الثاني لحذف الضمير، ورد الفعل إلى أصله، وقال: يقتادنا الخرد الخدال، والبيت قائم الوزن، مع إعمال كل واحد من الفعلين، ولذلك وصله بالبيت، ليعلم أن القوافي منصوبة وأنه أعمل الأول. وكان ابن درستويه يقول من نصب السؤال يبين فقد أخطأ، لأن السؤال لا يتبينه المجيب، إنما يتبينه السائل، قال: وإنما هو منصوب بسوئل مصدراً له، ومفعول يبين محذوف، كأنه قال: وسوئل السؤال لو يبين لنا الجواب.! ويروى سؤالا بإسقاط الألف واللام، وهو أشبه بما قال ابن درستوية. وقال غير ابن درستوية: ليس بممتنع أن يكون منصوباً بيبين على وجهين. أحدهما: أن يريد جواب السؤال، ويحذف المضاف. والثاني: أن يقيم السؤال مقام المسئول عنه، كما يقال: ضرب الأمير، وثوب نسج اليمن، فأما بيت بن أبي ربيعة الذي أراده أبو القاسم فأخطأ، هو: إذا هِيَ لم تُستَك بِعُودِ أرَاكه ... تُنُخِّل فاسْتاكت به عُودٌ إسْحِل وأنشد أبو القاسم في باب ما يجوز تقديمه، من المضمر على الظاهر، وما لا يجوز: جزى رَبُّهُ عَنِّي عديَّ بنَ حاتِم ... جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقد فَعَلْ هذا البيت: أعلم قائله. واستشهد به أبو القاسم على تقديم المضمر، على الظاهر ضرورة. وقد تأوله قوم: على أن الضمير في ربه عائد على الجزاء الذي دل عليه جزاء؛ كما يقال: من كذب كان شراً له. وجزاء الكلاب العاويات: منصوب على المصدر، وجزاؤها: أن تضرب وتهان! ونظير قوله: وقد فعل قول المتنبي: وهذا دعاء لوْ سَكَتُّ كُفِيتُهُ ... ولكن سألْتُ الله فِيكَ وَقَدْ فَعَلْ وأنشد أبو القاسم، في باب إضافة المصدر إلى ما بعده: أَفْنَى تِلادي وما جَمَّعتُ من نَشَبٍ ... قَرْعَ القواقيز أفْواهُ الأباريقِ هذا البيت للأقيشر الأسدي، واسمه: المغيرة بن عبد الله ابن الأسود. والمغيرة، والأسود، والأقيشر: صفات منقولة التسمية، وكان الأقيشر يغضب من هذا الإسم، فمر يوماً ببني عبس، فقال له بعضهم: يا أقيشر.! فنظر إليه مغضباً وقال: أَتَدْعُوني الأقيشر ذاكَ إِسْمي ... وأدعوكَ ابن مُطْفِئَةِ السِّراجِ تناجي خِدْنَها بالليل سِرّاً ... ورَبُّ النَّاس يَعْلَم ما تُنَاجِي! فسمى ذلك الرجل: ابن مطفئة السراج، ولم يزل ذلك الاسم باقياً في عقبه.! وكان مشتهراً بالشراب لا يصحو منه، فقال في ذلك: أقول والكأْس في كفِّي أُقلِّبَها ... أُخَاطِب الصِّيد أبْناء العماليق لا تَشربن أبداً راحا مسارَفة ... إلاّ مع الْغُرِّ أبناءَ البطاريقِ أَفْنى تِلادِي وما جَمَّعْت من نَشَبٍ ... قَرْعُ القواقيز أفواهُ الأباريق كأنهن وأيدي الشّرب معملةٌ ... إذَا تلألأنَ في أيْدي الْغَرانيقِ بنات ماءٍ مَغَايِيضُ جَآجِئُها ... حُمْرُ مَنَاقِيرُهَا صُفْرُ الحْمَالِيقِ أيْدي السُّقاةِ بِهِنَّ الدّهر مُعْمَلَةٌ ... كأنَّما أَوْبُها رَجْعُ المَخْارِيقِ تلك اللَّذاذَةُ ما لَمْ تأتِ فاحشة ... أو تَرْمِ فيها بِسَهْمِ ساقط الفُوقِ عليك كلّ فتُى سمْحٍ خلائقُه ... مَحْضِ العروق كريمٍ غيْرِ ممذوقِ

стр. 27

ولا تُصَاحب لئيما فيه مَقْرفَةٌ ... ولا تزورنَّ أصحابَ الدوانيقِ الراح: الخمر، سميت بالراح لما تولد من الارتياح لشاربها، قال الشاعر: ولقيتُ ما لقِيتْ مَعَدُّ كلُّها ... وفَقَدتُ رَاحاً في الشّبابِ وَخَالِي وأراد بالراح: الابتهاج، وبالخال: الخيلاء. والغر: جمع أغر، وهو الأبيض الجميل، والأغر أيضاً: المشهور من الناس، شبه بالفرس الأغر، وهو الذي في جبهته غرة. والبطاريق: عظماء الروم وساداتهم عندهم، وأحدهم بطريق. والتلاد: المال القديم، والنشب: اسم يقع على الضيعة والمستعملات التي لا يقدر الإنسان أن يرحل بها. والقواقيز: أوان يشرب بها، واحدها: قاقوزة، وقازوزة، وقياس من قال: قازوزة: أن يقول في الجمع، قوازيز، وقد يحكى: قاقزة، وأنشد للنابغة الجعدي: كأني إنما نادمت كسرى ... له قاقُزَّةٌ ولي اثنتان والغرانيق: شبان الرجال، وأحدهم غرنوق، وغرنوق، وغرنيق وغرنيق وغرانق، وغرونق: ونبات الماء: الغرانيق أشبه بها، كما قال أبو الهندي: سَيُغْني أبا الهنْدي عن وَطْبِ سالمٍ ... أباريقُ لم يَعْلَقْ بها وَضَرُ الزُّبْدِ مُفَدَّمةٌ قَزّاً كأن رقابَها ... رقابُ بناتِ الماءِ يَفْزَعْنَ للرَّعد والفوق - من السهم: الموضع الذي يقع على الوتر، وإذا سقط فوق السهم فسد، ولم ينتفع به، فضرب ذلك مثلا. والمقرفة: دناءة الأب، والقرفة: التهمة والريبة: وأراد بأصحاب الدوانيق: السوقة، والدوانيق جمع دوناق، وهي لغة في الدانق - بفتح النون وكسرها - وهو سدس درهم، يقول: لا تنادم من يرضيه نيل دانق، ويسخطه فقده، ولكن نادم الأجواد والكرماء! ونحو من هذا قول الآخر: إذا ما غضِبَ السُّوقِيْ ... يُ فالحبة ترضيه! وتَزْعُ الْفلْس مِنْ يده ... كنزع الضِّرس من فيه ومَنْ أصبح عَبْدَ الْفَلْ ... سِ قُلْ لِي: كَيْفَ تُعطيه؟! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: وَهُنَّ وُقُوفٌ ينتظرنَ قضاءَهُ ... بِضَاحِي عَذَاةٍ أمْرَهُ وهو ضَامِزُ هذا البيت: للشماخ، واسمه معقل بن ضرار، ويكنى: أبا سعيد، حكى ذلك أبو بكر بن دريد، وذكر أنه أحد الشعراء الخمسة العور من قيس. وهذه الأسماء كلها منقولة غير مرتجلة، أما المعقل: فهو الحصن، ويكون أيضاً موضع الاعتقال. والضرار: مصدر ضار الرجل، الرجل إذا ضر كل واحد منهما صاحبه، ويكون جمع ضرير، وهو شاطئ البحر، والوادي، قال أوس ابن حجر: وما خَليج من المْرُّوتِ ذُو شُعَبٍ ... يَرْمِي الضَّريرَ بخشب الطلْح والضَّال والسعيد - ذو السعد، والسعيد: الساقية الصغيرة. والشماخ: الذي يشمخ بأنفه على الناس، أي يتعظم عليهم، ويتطاول. والضاحي: الظاهر، وما يبرز من الأرض للشمس. والعذاة: الأرض الكريمة. والضامز: الساكت الذي أغلق فاه. وصف حمر وحشٍ قد عطشت، واحتاجت إلى ورود الماء، فهي تنتظر أن ينهض فحلها، فتنهض بنهوضه، وهو ساكت. وحمر الوحش لا تنهض لورود الماء نهارا، خشية القانص، فهي تنتظر إقبال الليل، فينهض، وتنهض بنهوضه، وكذلك قال قبل هذا البيت: كأن قتودى فوق جأب مُطَرَّدٍ ... من الحُقْبِ لاَحَتْهُ الجِدَادُ الغوارِزُ طوى ظِمْئَيْها في بيضة القيظ بعدما ... جَرَتْ في عِنان الشِّعْرَييْن الأماعِز فظَلَّت بأعرافٍ كأنَّ عيونَها ... إلى الشَّمس هلْ تدنو رَكِيٌّ نَوَاكِزُ وقوف: جمع واقف، كما يقال جالس وجلوس، فكان يجب أن يقال: وهن واقفات، إن جمع واقفة جمع السلامة، أو يقول: وهن أواقف، إن جمعها جمع التكسير، والأصل وواقف، فتقلب الواو الأولى همزة؛ كراهية لاجتماع الواوين، وحملا للتكسير على التصغير، ألا ترى أنك لو صغرت واقفة للزمك أن تقول: أو يقفة، وكأن الشماخ ذكر الواحد على لغة من يحمل صفات المؤنت على معنى النسب، فيقول امرأة عاشق، وناقة ضامر، فلذلك جمعها على وقوف، أو حمل التذكير على معنى الشخص. أو لأن الجمع يذكر ويؤنث.

стр. 28

أو يحتمل أن يريد: وهن ذوات وقوف، فحذف المضاف، فيكون الوقوف مصدراً ويكون وضع المصدر موضع اسم الفاعل، ويكون هذا نظير قولهم: فلان عدل. أو يكون التقدير: ذو عدل، أو يكون عدل بمعنى عادل، ونحوه قول الخنساء: تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتَّى إذا ادَّكرتْ ... فإنَّما هِيَ إقبالٌ وإدْبارُ وقوله: ينتظرن قضاءه: جملة في موضع الحال من الضمير في وقوف أو في موضع الصفة لوقوف. وقوله: وهو ضامز جملة في موضع الحال أيضاً، فالباء في قوله: بضاحي بمعنى في، والتقدير: وهن وقوف في ضاحي عذاه. هذا هو المعنى، ولكن لا يجب لك أن تحمله على هذا؛ لأنك تحول بين الصلة والموصول، لأن ما بعد القضاء من صلة المصدر، فيجب أن يكون ظرفاً للقضاء، لا للوقوف. والقتود: أعواد الرحل، والجأب: الحمار الغليظ. والمطرد: الذي طرده القناص عن الماء. ومعنى لاحته: غيرته. والجداد: الأتن التي ذهبت ألبانها، واحدتها: جدود، وكذلك: الغوارز والحقب: جمع أحقب، وهو الذي في موضع الحقيبة منه بياض. والظمء: ما بين الشرب إلى الشرب، ومعنى: طوى ظمئيها: أي جعل الظمئين ظمئاً واحداً؛ خوفاً من النهوض إلى الماء، فهو أشد لعطشها وعطشه!. وبيضة القيظ: شدة حره. والشعريان: كوكبان يقال لأحدهما: الشعري العبور، والثاني: الشعرى الغميصاء، وعنانهما: أول حرهما. والأماعز: المواضع الكثيرة الحجارة. وأعراف: موضع مرتفع. والركى: جمع ركية، وهي البئر. والنواكز: الذي جف بعض مائها، شبه عيونها بها لغوورها من شدة الجهد. وتدنو: تقرب من الغروب. يقول: ترقب مغيب الشمس لتنهض نحو الماء. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: لقد علمت أُوَلى المغِيرة أَنَّنِي ... لحقتُ فَلَمْ أَنْكُلْ عن الضَّرْبِ مِسمَعَا هذا البيت للمرار الأسدي. والمغيرة: الخيل - تقال: بكسر الميم وضمها. معنى أنكل أجبن وأتأخر. وأنشد سيبويه هذا البيت شاهداً على إعمال المصدر، وفيه الألف واللام. ومن النحويين من لا يجيز إعمال المصدر وفيه ألف ولام، وينصب مسمعاً لحقت لا ب الضرب. وحجتهم أن الألف واللام تبعد المصدر عن شبه الفعل، وكذلك اسم الفاعل عندهم، لا يعمل إذا كانت فيه الألف واللام، وينصبون ما بعده بفعل مضمر، أو على التشبيه بالمفعول به. يروي كررت فلم أنكل، وهذا أقرب إلى أن يكون حجةً لنصب مسمع لا بالضرب، لأنه لوعدي إليه كررت لقال: على مسمع. وقد يسوغ لمن أنكر هذا: أن يحتج بأن الشاعر حذف حرف الجر، كما قالوا: - أنبأت زيدا، يريدون: عن زيد، كقول الشاعر: أَمَرتُكَ الخبْرَ، فافعل ما أُمِرتَ به ... فقد تركْتُكَ ذا مال وذا نَشَب على أن أبا علي الفارسي، قد علل هذا، بأن قال: حرف الجر لا يحذف، إن وجدت عنه مندوحة. وبعد هذا البيت: وإِنَّي لأَعْدِي الخيْلَ تَعْثُر بالقنا ... حفاظا على المولى الحريد ليمنعا ونحن جَلَبْنا الخَيْلَ من سُوقِ حِمْيرٍ ... إلى أن وطِئْنَا أرض خثْعَمَ نُزَّعَا وأنشد أبو القاسم في باب تعريف العدد: وَهَلْ يُرْجِع النَّسْلمَ، أو يكشفُ العَمَى ... ثلاثُ الأَثَافِي، والرسومُ البلاقِعُ هذا البيت: لذي الرمة. واسمه: غيلان بن عقبة، بن بهيش، ويكنى: أبا الحارث. وغيلان اسم مرتجل، مشتق من الغيلة، وهي: أن ترضع المرأة وهي حامل، أو من الغيلة وهي المكر والخديعة، ونحو هذا مما يتشعب من هذه الكلمة، وقد ذكرنا عقبة فيما تقدم، من قول عقية الأسدي فأغنى ذلك عن إعادته ها هنا. وبهيش: منقول؛ لأنه تصغير بهش، وهو ظاهر. والحارث: منقول من حرث إذا اكتسب، والحارث أيضاً: الناكح، يقال: حرث المرأة إذا نكحها، ويقال للمرأة: حرث قال الله : " نساؤكم حرث لكم "، وقال الشاعر: يلغز بذلك. إذا أكَلَ الجرادُ حُرُوثَ قوْم ... فَحرْثي هَمُّهُ أكْلُ الجرادِ وأما تلقيبه: ذو الرمة فاختلف فيه. فزعم قوم: أنه يلقب بذلك لقوله - في صفة الوتد: لم يُبْقِ مِنْها أبَدُ الأبِيدِ ... غيرَ ثلاثٍ ما ثِلاَث سُود وغيرَ مَرْصُوخِ القفا مَوْتُود ... أَشعثَ باقي رُمَّةَ التَّقْليد

стр. 29

وزعم قوم: أن مية لقبته بذلك ولك أنه مر بخبائها قبل أن يشبب بها، فرآها فأعجبته، فأحب الكلام معها، فخرق دلوه، وأقبل إليها، وقال: يا فتاة؛ اخرزي لي دلوي!. فقالت: إني خرقاء، والخرقاء: هي التي لا تحسن العمل - فخجل غيلان، ووضع دلوه على عنقه، وهي مشدودة بحبل بالٍ، وولى راجعا، فعملت منه ما أراد، فقالت له مية: يا ذا الرمة انصرف، فانصرف!. ثم قالت: إن كنت أنا خرقاء، فإن أمتي صناع، فاجلس حتى تخرز دلوك!. ثم دعت أمتها وقالت: اخرزي الدلو، فكان ذو الرمة يسمى مية: خرقاء، لقولها: إني خرقاء، وغلب عليه ذو الرمة بقولها: يا ذا الرمة. هذا قول ثعلب. وقد قيل: إن خرقاء غير مية، وأنها امرأة من بني عامر، رآها، فاستسقاها، فخجلت، وأبت أن تسقيه، فقال لأمها: قولي لها، فلتسقني!. فقالت لها أمها: اسقيه يا خرقاء! فلذلك قال ذو الرمة: تمامُ الحْجّ أنْ تَقِفَ المطَايَا ... على خَرْقاءَ واضعة اللِّثَامِ وقال أبو العباس الاحول: سمي ذا الرمة؛ لأنه خشي عليه العين، وهو غلام، فأتى به إلى شيخ من الحي يصنع له معاذةً، وشدت في عضده!. وهذا أبعد الأقوال، والمشهور هو القول الأول، وقوله: وهل يرجع التسليم ... وصف أنه وقف على منزل مية وسلم عليه، ثم أنكر على نفسه ما فعل، فقال: وهل يرد على السلام أو يكشف ما بي من غماء الهوى، الذي حملني على زيارة المنازل، أو السلام عليه: ربع خالٍ من أهله، ليس فيه إلا الأثافي وهي حجارة القدر، والرسوم البلاقع، وهي الخالية؟! وقبله: أمنزليّ مَيّ سلامٌ عليكما ... هل الأَزْمُنُ الَّلائي مضين رَوَاجِعُ ولك أن ترفع الثلاث الأثافي بالفعل الأول، وهو اختيار الكوفيين، وبالثاني، وهو اختيار البصريين. وأصل أثافي الشديد، ولكن استعمالها مخففةً أكثر، على ألسنة العرب. ويروي بيت زهير مشدداً ومخففاً. أثافِيّ سُفْعاً في مُعرَّس مِرْجَلٍ ... ولُؤْيا كجِدْمِ الحَوْضِ لم يَتَثَلَّمِ ويقال للواحد من الأثافي: أثفية - بضم الهمزة وإثفية - بكسرها - واختلف النحويون في وزنها. فقال بعضهم: وزنها أفعولة، أصلها أثفوية، ثم قلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء، وكسرت الفاء من أجل الياء. واستدلوا بأن الهمزة زائدة بقول العرب؛ ثفيت القدر، إذا جعلتها في الأثافي، وبقولهم: امرأة مثفاة، وهي التي كان لها ثلاثة أزواج، شبهوها بالأثافي وبقول الكميت: وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا ... ولا ثُفِيتْ إلاَّ بنا حِينَ تُنْصَبُ وقال بعضهم: وزنها فعلية والهمزة أصلية، واستدلوا على ذلك بقول النابغة: لاتَقْذِفَنِّي بركن لا كفَاءَ لَهُ ... وإن تأَثَّفَك الأعداء بالرِّفد فوزن تأشفك: تفعلك، ولو كان من ثفيت لقال: أثفاك. ومن حجتهم؛ أنه يقال: أثفت الرحل أثفا، إذا ابتغبته، وهي من مسائل البصريين المشكلة وتقتضي كلاما أكثر من هذا، ولكن ليس هذا موضعه. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: ما زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إِزارَهُ ... فَسَمَا فأدرك خْمسَةَ الأشْبَارِ هذا البيت: للفرزدق: يمدح به يزيد بن المهلب، وقبله: وإذا الرَّجال رَأوْا يزيدَ رأيْتَهم ... خُضعَ الرِّفاب نَواكِسَ الأَبْصَار ومعنى سما: ارتفع، ومعنى فأدرك خمسة الأشبار: ارتفع وتجاوز حد المشي؛ لأن االفلاسفة زعموا: أن المولود إذا ولد أيام مدة الحمل، ولم تعتوره آفة في الرحم، فإنه يكون في قدر ثمانية أشبارٍ، من شبر نفسه، وتكون سرته بمنزلة المركز له، فيكون منها إلى نهاية شقه الأعلى أربعة أشبار بشبر نفسه، ومنها إلى نهاية شقه الأسفل أربعة أشبار: ومنها إلى أطراف أصابعه من يديه جميعاً أربعة أشبار، حتى أنه لو رفد على صلبه، وفتح ذراعيه، ووضع ضابط في سرته، وأدير كان يشبه الدائرة. قالوا: فم زاد على هذا أو نقص؛ فلآفةٍ عرضت له في الرحم، فإنك تجد أن من نصفه الأعلى أطول من الأسفل، ومن نصفه الأسفل أطول من نصفه الأعلى، ومن يداه قصيرتان، ومن يده الواحدة أقصر من الأخرى!. فإذا تجاوز الصبي أربعة أشبار، فقد أخذ في الترقي إلى غاية الطول! وزعم قوم: أنه أراد الخيزرانة التي كان الخلفاء يحبسونها بأيدهم. وخبر ما زال في بيت آخر بعد هذا وهو:

стр. 30

يُدْني كتائبَ مِنْ كتائبَ تَلْتَقِي ... بالطَّعْن يومَ تخاذلٍ وَعوَارِ وأنشد أبو القاسم في باب: كم كمْ بجودٍ مُقْرِفٌ نَالَ العُلاَ ... وكريمٌ بُخْلُهُ قَدْ وَضعَه! هذا البيت: لأنس بن زنيم، من شعر قاله لعبد الله بن زياد، وقبله: سَلْ أميري ما اَّلذي غَيَّرَهُ ... عنْ وِصَالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَه لا تهنِّي بعدَمَا أكرمتي ... فشد يد عادة مُنتَزَعَة لا يكن وعدُكَ بَرْفاً خُلِّباً ... إنَّ خيرَ البرق ما الْهَرْقُ مَعَه كم يجود مُقْرِفٌ نال الْعُلا ... وكريمٌ بُخْلُه قَدْ وَضَعَه أنس: من الأسماء المنقولة؛ لأن الأنس: الناس، قالت الخنساء: فذاك الحيُّ حيُّ بني سَليمٍ ... بظاعِنهم وبالأنس المقيم وزنيم: منقول أيضاً؛ لأنه تصغير زنيم مرخم، وهو الدعي والمقرف: الخسيس الأب، فإن كان خسيس الأم فهو هجين، يقول: الجود يشرف الخسيس حتى يعلو قدره! والبخل: يحط منزلة الشريف، حتى يهون أمره!. وأتى ب ودع على الأصل المرفوض، وقد قرأ بعض القراء: " ما ودعك ربك " ومثله قول الآخر: فسعى مسْعَاتَهُ في قومه ... ثُمَّ لَمْ يدركْ ولا عَجْزاً وَدَع وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: كمْ عَمَّةٌ لَكَ يا جريرُ وخالَةٍ ... فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي هذا البيت للفرزدق يهجو به جريرا، وبعده: شغَّارة تَقِدُ الفصيلَ برجلها ... فَطَّارَة لِقَوَادِمِ اْلأَبْكَارِ كُنّا نُحَاذِرُ أنْ تضيعَ لقاحُنَاولها إِذا سمِعَتْ دعاءَ يَسَارِ يقول لجرير: كيف تناجزني وعماتك وخالاتك، قد كن راعياتٍ لإبلي، وإنما يجب لك أن ترعى حقي، وتعترف بتقدمي وسبقي! والفدعاء: التي أصابها الفدع في رجليها من كثرة مشيها وراء الإبل، والفدع: زيغ وميل في القدم بينها وبين الساق، وفي الكف: زيغ، وميل بينها وبين الذراع. والعشار: النوق التي دخلت في الشهر العاشر من حملها، واحدتها: عشراء. والشغارة: التي تشغر برجليها كما يشغر الكلب إذا بال. وتقد الفصيل برجلها: تضربه إذا دنا منها عند الحلب. والفطر: الحلب بأطراف الأصابع، فإن كان بالكف كله فهو الصف، والصف إنما يكون للكبار من النوق، وأما الصغار فإنما تحلب بأطراف الأصابع لقصر ضروعها، وإنما وصف حذقها، ومعرفتها بالحلب؛ لأنها نشأت عليه!. ومن خفض العمة، والخالة، أو نصبهما: جعلها عمات وخالات كثيرة، ومن رفع: جعلها عمةً واحدةً، وخالةً واحدةً، وجعل التكثير واقعاً على المرار، كما تقول: كم جاءني زيد، أي مراراً، كثيرة جاءني زيد، ولذلك صار النصب والخفض أبلغ في الهجاء!. وإذا رفع العمة والخالة أو خفضهما، فكم: إحبار بلا خلاف في ذلك، وإذا نصبهما ففيهما خلاف: فكان السيرافي يقول: إنها استفهام، وإلى هذا ذهب أبو القاسم - رحمه الله تعالى - وكان الفارسي يقول: لا معنى هنا للاستفهام، ولكنه شبه الخبرية بالاستفهامية، فنصب بها، كما شبه الاستفهامية بالخبرية فخفض بها، في قولك: على كم جذعٍ بيتك مبني. وتوسط أبو الحسن الربعي الأمر بينهما، فقال: الوجه ما قاله أبو علي، والذي قاله السيرافي يجوز على أنه استفهمه هازئا به!. وأنشد أبو القاسم في باب: مذ ومنذ. لمِنْ الدِّيار بِقُنَّة الحِجْر ... أقْوينَ من حجَجٍ ومِنْ دهْرِ هذا البيت: يروي لزهير بن أبي سلمى. وزهير: من الأسماء المنقولة، وقد ذكرناه فيما تقدم. وأما سلمى: فمن الأسماء المرتجلة، وهو مضموم السين، مقصور على مثال حبلى. واسم أبي سلمى: ربيعة وربيعة: اسم منقول من الربيعة، وهي بيضة السلاح. والقنة: والقلة باللام والنون -: أعلى الجبل. وأقوين أقفرن، والحجج السنون، واحدها حجة، ومعناه عند البصريين: من مر حجج، ومن مر دهر، أي: أقوين من أجل مرور السنين والدهور، وتعاقبهما عليها. ويروي: مذ حجج، ومذ شهر، وهذا على لغة من يخفض بمذ على كل حال، ولأجل هذا قال أبو القاسم: وكان من لغته أن يخفض بمذ على كل حال ويجعلها بمنزلة منذ، أي كان زهير من أهل هذه اللغة.

стр. 31

وهذا اعتذار لهذه الرواية؛ لئلا يقال لمن روى هكذا: كيف تخفض بمذ ما مضى، وإنما كان حكمها أن ترفع ما مضى، وتخفض ما أنت فيه؟! على أن الأبيات الثلاثة التي في أول هذا الشعر، لم يصح أنها لزهير!. وقد روي: أن هارون الرشيد، قال للمفضل بن محمد: كيف بدأ زهير شعره بقوله: دَعْ ذَا وَعدِّ القَوْلَ في هَرِمٍ ... خيرُ البُدَاةِ وسَيِّد الحضرِ ولم يتقدم قبل ذلك شيء ينصرف إليه؟ فقال المفضل: قد جرت عادة الشعراء بأن يقدموا قبل المديح تشبيباً، ووصف إبل، وركوب فلواتٍ، ونحو ذلك، فكأن زهيراً هم بذلك، ثم قال لنفسه: دع الذي هممت به - مما جرت به العادة - واصرف قولك إلى مدح هرم؛ فهو أولى من حبر فيه القول ونظم، وأحق من بدئ بذكره الكلام وختم!. فاستحسن الرشيد قوله؟. وكان حماد الرواية حاضرا، فقال: يا أمير المؤمنين، ليس هذا أول الشعر، ولكن قبله: لمَنْ الديار بقنة الحْجْرِ ... أَقْويْنَ من حِجَجٍ ومِنْ دَهْرِ لَعِبَ الزمان بها وغيَّرها ... بعدي سَوَافِي المُورِ والقَطرِ قَفْرا بمنْدَفع النحائت مِن ... ضَفْوَيْ أُولاتِ الضَّالِّ والسَّدْرِ فالتفت الرشيد إلى المفضل، وقال: ألم تقل إن دع ذا ... أول الشعر؟ فقال: ما سمعت بهذه الزيادة إلا يومي هذا، ويوشك أن تكون مصنوعة!. فقال الرشيد لحماد: اصدقني!. فقال: أنا زدت فيه هذه الأبيات!. فقال الرشيد: من أراد الثقة والرواية الحسنة الصحيحة، فعليه بالمفضل، ومن أراد الاستكثار والتوسع، فعليه بحماد!. وقد احتذى الشعراء المحدثون كلام المفضل هذا، فقال ابن الرومي: عَدِّ عنك المنازلَ الطُّلُولَ والموَات، لاَ؟؟! إنَّ في المدْحِ في أبي الصَّقْر مِنها لَشَاغِلاَ! وقال المتنبي: إذا كان مدح فالنَّسِيبُ المقَدَّمُ ... أَكُلُّ فصيح قال شعراً مُتَيَّم لحَبُّ ابنِ عَبْدِ اللهِ أوْلَى فإنَّهُ ... بِهِ يُبْدَأُ الذكر الجميلُ ويُخْتمُ وأنشد أبو القاسم في هذا الفصل: تبكي على لُبْنَى وأَنْتَ تركْتَها ... وكنتَ عليها باْلمَلاَ أنتَ اقْدَرُ؟! هذا البيت: لقيس بن الذريح الكناني، وهو أحد عشاق العرب المشهورين، وصاحبته التي شهر بها لبنى. وقيس، والذريح، ولبنى: أسماء منقولة: أما قيس فقد تقدم، وأما الذريح فإنها الهضاب، واحدتها: ذريحة والذريح، والذرح: الطعام يجعل فيه الزعفران. وأما اللبنى فهو ضرب من الطيب، يقال: إنها الميعة، وقد ذكر هذا امرؤ القيس في قوله: وَبَاناً وأَلويّاً من الهنْدِ ذَاكِيا ... وَرَنداً ولُبْنَى، والكِبَاءَ الْمقَتِّرَا والملا: المتسع من الأرض، والملا: موضع بعينه، قال امرؤ القيس: أمنْ ذكر نبهانِيَّة حلَّ أهْلُها ... بجرع الملاَ عيناك تَبْتَدِرَانِ؟ وإنما قال: وأنت تركتها، لأنه كان تزوجها، فكلفه أبوه وأمه طلاقها، فآلى أبوه، ووضع نفسه في الرمضاء، وقال: والله لا برحت من هذا الموضع حتى أموت أو تطلقها - وهو يأبى طلاقها، لشدة كلفه بها!. فقبح قومه إليه فعله، وقالوا: إن مات أبوك على هذه الحالة، كان عاراً عليك، فأرض أباك بتطليقها، ثم تراجعها بعد ذلك!. فطلقها، ثم أراد أن يراجعها، فأبت حينذاك، وأبى أبوها، وأنكحها غيره! - فلذلك قال: تَكَنَّفني اْلوُشَاة فأزعجوني ... فيا لَلّهِ لِلواشي اْلمُطَاع وقال: فإن تكن الدنيا بلُبْنَي تَغَيَّرت ... فللدَّهْر والدُّنْيا بطُون وأظْهرُ لقد كانَ فيها للأمانَةِ مَوْضِعٌ ... ولِلْقَلبٍ مُرْتَادٌ وللعين مَنظَرُ ومعنى قوله: فللدهر والدنيا بطون وأظهر: أراد أن أمور الدنيا منها ما يظهر لإنسان وجه الصواب فيه، ومنها ما يخفى عليه!. وأنشد أبو القاسم في باب النداء: فيا رَاكِباً إمَّا عَرَضْتَ فبَلِّغَنْ ... نَدَامَايَ مِنْ نجرانَ أن لاّ تلاقِياَ هذا البيت: لعبد يغوث، بن وقاص الحارثي. ويغوث: اسم صنم نسب إليه، وقاص إسم فاعل من قولهم:

стр. 32

وقصت عنقه إذا كسرتها، وهي صفة نقلت إلى التسمية بها، وكان عبد يغوث هذا أحد من أسر يوم الكلاب، أسرته تيم الرباب، وكانوا يطلبونه بدم رجل منهم، يقال له: النعمان بن جساس: فأيقن أنه مقتول، فقال هذا الشعر ينوح على نفسه، وأوله: أَلاَ لاَ تَلُومَانِي كَفَى الَّلوْم مَابِياَفَمَا لَكُما في اللَّوْمِ خَيْرٌ ولا لِياَ ألَم تَعْلَما أنَّ المَلاَمَةَ نَفْعُها ... قليلٌ ومَا لَوْمِي أخِي مِن شِمالِيا فيارَاكِباً إمَّا عَرَضْتَ فبلِّغنْ ... نَدَامَايَ مِنْ نجْرَانَ أنْ لا تَلاقِيا أبا كُرَبٍ والأيْهمَيْنَ كِلَيْهما ... وقَيْساً بِأعْلَى حضرموت اليمانيا ومعنى عرضت. تعرضت، وأن مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، وتقديره: أنه لا تلاقيا لنا، فخبر لا التبرئة محذوف، والجملة في موضع خبر أن، وأراد: من أهل نجران فحذف المضاف، وأبو كرب، والأيهمان: رجال من اليمن، وقيس: هو ابن معديكرب، أبو قيس بن الأشعث الكندي، والشمال، واحد الشمائل. وأنشد أبو القاسم - رحمه الله تعالى في هذا الباب: أَلاَ يا نَخْلةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ... عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللهِ السّلامُ هذا البيت: لا أعلم لمن هو، وينسبه قوم إلى الأحوص. وذات عرق: موضع، وقوله: من ذات عرق في موضع الصفة لنخلة، كأنه قال: ألا يا نخلة كائنة من ذات عرق.. فمن متعلقة بمحذوف. وقوله: عليك ورحمة الله السلام: مذهب أبي الحسن الأخفش، أنه أراد: عليك السلام ورحمة الله، فقدم المعطوف ضرورة، ونظيره قول ذي الرمة: كأنَّا على أولاد أحقبَ لاَحَهَا ... ورَمْيُ السَّفَي أَنْفَاسها بسهامِ جنوبٌ ذَوَتْ عنها التَّناهِي وأنزلت ... بها يوم ذَبَّاب السَّبِيبِ صيامِ تقديره لاحها جنوب ورمي السفي. وإنما قال الأخفش هذا؛ لأن السلام عنده فاعل مرفوع بالاستقرار المضمر في عليك. ولا يلزم هذا سيبويه على مذهبه، لأن السلام عنده مرفوع بالابتداء وعليك خبر مقدم، ورحمة الله معطوف على الضمير المرفوع، الذي في عليك، فلا موضع لعلى، على رأي الأخفش، ولها موضع على قول سيبويه. والنخلة في هذا الموضع: كناية عن امرأة، وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد نهى الشعراء عن ذكر النساء في أشعارهم، لما في ذلك من الفضيحة، وكان الشعراء يكنون عن النساء بالشجر وغيره، ولذلك قال حميد بن ثور الهلالي: وهل أنَا إِنْ علّلْت نفسي بِسَرْحَةٍ ... من السَّرْحِ مَسْدُودٌ عليَّ طريق أَبِى اللهَ أن سَرْحَةً مالكٍ ... على كلِّ أفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ فقد ذهبت عرضا وما فَوْق طولها ... من السَّرْح إلاّ عَشَّةٌ وسَحُوقُ فلا الظِّل من برْد الضحى مستطيعه ... ولا الْفَيْئ من برد العشيّ تذوق وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: أَدَاراً بحَزْوَي هِجتِ للْعَين عَبرْةً ... فماء الْهَوَى يَرْفَضُّ أو يَتَرَقَرَقُ؟! هذا البيت: لذي الرمة وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم، وبعده: كَمُسْتعْبَرِي في رَسْمِ دار كأنها ... بِوَعسْاء تنْصُوها الجماهيرُ مهْرَقُ وقفنا فَسَلمْنا فكادت لمشْرِفٍ ... لعِرْفان صَوتي دِمْنَة الدَّار تَنْطقُ تُجيش إليَّ النفسُ في كل منزلٍ ... لميٍّ ويرتاع الفؤاد المشوَّقُ وحزوى: اسم موضع، وهجت: حركت العبرة: الدمعة، وسمي الدمع: ماء الهوى؛ إذ كان الهوى هو الذي يسكبه ويجريه. ويرفض: يسقط متفرقاً، ويترقرق: بتردد في العين. ومعنى قوله: كمستعبري: أي استعبرت لهذه الدار، التي بحزوي كاستعباري لهذه الدار النابية، فمستعبر: مصدر لحقته الميم، وجاء على صيغة مفعول، كما يقال: أكتسبت اكتساباً ومكتسباً - ويطرد في كل فعل جاوز ثلاثة أحرف: أن يجئ مصدره على صيغة مفعوله. والوعساء: رملة سهلة لينة. معنى تنصوها: تحتذيها وتتصل بها، من قولك: نصوت الرجل إذا أخذت بناصيته، ويروى تنضوها بضاد معجمة، أي تبرزها وتظهرها. والجماهير: الرمال العظيمة، والمهرق: الصحيفة. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:

стр. 33

ألاَ يا عبادَ الله قلبي مُتَيَّمٌ ... بأحْسنِ مَنْ صَّلى وأقْبحهم بَعْلا هذا البيت: لا أعلم قائله. ووقع في كثير من النسخ فعلا، وهو غلط وتصحيف، وإن كان له معنى حسن، لأن ما بعد هذا البيت يبطله، وهو قوله: يدبّ على أَحشائِها كلَّ ليلة ... دَبِيبَ القرَني يَقرُونَقاً سَهْلا فالبيت الثاني: يدل على أنه يمدح امرأة، ويهجو زوجها، فقال: هي أحسن الناس، وشبهه إذا علاها للنكاح بقرني تدب فوق بعل، إشارة إلى كثرة لحمها، وعظم كفلها. وفي تدب ضمير راجع إلى البعل. والقرنى: نوع من الخنافس، والنقا: الرمل المستطيل، وتقرو: تسير من موضع إلى موضع، والدبيب: المشي الضعيف، والمتيم: الذي عبده الحب، ومنه قيل: تيم اللات، واللات: صنم. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: قالتْ هُرَيْرَةُ لما جِئتُ زائِرَاها ... وبَلى عليكَ، وَوَيليِ منْك يا رَجلُ! هذا البيت: لأعشى بكر، وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم. ويروى: ويلٍ عليك، ويلا، روى بكسر اللام وفتحها. وزائرها: منصوب على الحال. ومعناه: ويلي عليك؛ لأنك تقتل بسببي، وويلي منك؛ لأنك تفضحني!. وبعده: يا من رَأى عارضا قد بتُّ أرْقُبُهُ ... كأنما البرق في حافاتِهِ شُعَل لَهُ ردَافٌ وجَوْزٌ مُفْأَمٌ عَمِلٌ ... مُنطَّقٌ بسجال الماء مُتَّصِلُ وأنشد أبو القاسم، في هذا الباب: حَيَّتْك عَزَّةُ بعد اْلهَجْر وانْصرفَتْفحيِّ وَيْحك مَنْ حَيَّاكَ يا جملُ! لَيْتَ التحيَّةَ كانتْ لِي فأشْكُرَهَا ... مكانَ؛ يا جَمَلاً: حُييِّتَ يا رجلُ! هذا الشعر: لكثير عزة، وقد ذكرناه فيما مضى. وكانت عزه قد هجرته، وحلفت ألا تكلمه، ثم لقيته بمكة فضربت بيدها على جمله، وقالت: حياك الله يا جمل! وقوله: يا جملاً، كان الوجه رفع الجمل، وترك التنوين، وبناءه على الضم، لإقبالها عليه بالنداء، كما ارتفع الرجل بالإقبال عليه، ولكنه اضطر فنونه ورده إلى أصله، وهذا اختيار أبي عمرو ابن العلاء. وقد روى: يا جمل حييت ... - بالرفع - وتنوينه للضرورة، وتركه على رفعه اختيار الخليل وسيبويه، رحمهما الله تعالى. وبعد هذا الشعر: لوْ كنْتَ حَيَّيْتهَا ما زِلت ذا مِقَةٍ ... عندي وضلاَ مَسَّك الإدلاَج والعملُ فَخَرَّ من جَذَعٍ إذْ قلْتُ ذاك له ... ورام تكْلِيمَهَا لَوْ تنطق الإبل! ويروي: فأقبلها، ويروي: يوم النفر، وهو يوم انقضاء الحج. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: أَلاَ يَا زيدُ والضَّحاكُ سِيرَا ... فَقَدْ جَاوَزْتَمَا خَمَر الطَّرِيقِ هذا البيت: لا أعلم قائله. والخمر: كل ما يستر الإنسان وغيره، من شجر وغيره. والسرى: ما سير من السحر خاصة. يقول لصاحبيه: قد جاوزتما المكان الذي فيه انقطاع السبيل، فسيرا آمنين، واتركا ما أنتما عليه. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: فما كَعْبُ ابنُ مَامَةَ وابن سُعْدَي ... بأجودَ مِنْكَ يا عمرَ الجْوَادَ هذا البيت: لجرير بن الخطفي، في شعر يمدح به عمر بن عبد العزيز، وبعده أبيات وهي: يَعَودُ الحِلم منْكَ عَلَي قُريشِ ... وتُفْرجُ عَنْهم الْكُرَبَ الشِّداد وقد امَّنْتَ وحشَهُم بِرِفْق ... ويُعْيِى النّاسَ وَحْشُكَ أن تًصاَدَا! وتَدْعُوا اللهَ مجتهداً لِيرْضَى ... وتذكرُ في رَعيّتك المعَادَا وأراد ب ابن سعدى: أوس بن حارثة، بن لأم الطائي وسعدى: أمه، وقد ذكره بشر بن خازم في قوله: إلى أَوْس بنِ حارثةَ بْنِ سُعْدَى ... لِيقْضِى حاجَتِي فِيمَنْ قَضَاهَا وما وَطِئ الثَّرَى مِثْل ابن سُعْدى ... ولا لَبِسَ النِّعال إذَا احْتَذَاهَا وكعب: هو كعب بن مامة الإيادي، وهو الذي آثر على نفسه بالماء، حتى هلك عطشاً!

стр. 34

وكان من حديث ذلك: أنه كان في رفقة، ومعه رجل من النمر بن قاسط، يقال له: يعفر بن قاسط، يقال له: يعفر بن قاسط، فقل عليهم الماء، فدفعوا ما كان معهم من الماء إلى رجل يقسمه بينهم بالسوية، فكان يضع حجراً مستديراً في إناء، ثم يصب عليه من الماء ما يغمره، ويدفع إلى كل رجل حظه من الماء، ويسمى ذلك الحجر: المقلة، وذلك لفعل التصافن، فكان الساقي إذا أراد أن يسقي كعباً حظه من الماء، نظر النمري إلى كعب نظر راغبٍ مستعطف!، فكان كعب يقول. اسق أخاك النمري!. فلم يزل يفعل ذلك حتى، جهد كعب، وضعفت قوته، وهم قد نزلوا بالقرب من موضع الماء، فسر كعب بذلك، وقيل له: رد، فقد وصلت إلى الماء! فلم يكن به نهضة، وخر ميتاً!. فقال أبوه في ذلك يرثيه، ويذكره: أوْفَى على الماءِ كَعْب ثم قيل له: رِدْ كعبُ إنّكَ وّراد فما وَرَدَا وقد ذكر ذلك الفرزدق، وكان يسافر في ركب، فقل عندهم الماء، فتصافنوه، وسأله رجل من بني العنبر بن عمرو بن غنم: أن يؤثره بحظه من الماء، ففعل ذلك الفرزدق!. ثم سأله أن يؤثره ثانية، فأبى، وقال في ذلك: ولما تَصَافَنَّا الإداوَةَ أجْهَشَتْ ... إليّ غُضُونُ الْعَنْبريِّ الجْرَاضمِ فجاء بِجُلْمود له مثل رأسِه ... لِيُسقى عَلَيْه الماءَ بَيْن الصَّرَائم فآثرتُهُ لَمَّا رَأيْتُ الَّذي بِه ... على القْوم أخْشى لاحِقَاتَ اللوائِم عَلَى حَالةٍ لو أنَّ في القومٍ حَاتِماًعلى جوده ما جاد بالماء حاتم! وكنّا كأصحابِ ابنِ مامَةَ إذ سَقَى ... أخا النَّمِر العطْشَانَ يومْ الضَّجَاعِم إذا قال كعب: هل رويت ابن قاسط؟ ... يقول له: زدْني بِلاَل الحْلاَقِم! فكنتُ ككْعب غْيرَ أنَّ مَنِيَّتِي ... تأَخَّر عنِّي نَزعُها بالأخارِمِ! وكنت أرَجِّي الشّكر منه إذا أتَى ... ذوي الشَّأْمِ من أهْل الحْفَيرِ وجَاسِمِ تمنَّى هجائي العَنْبَريُّ وَخِلتُنِي ... شديد شكَيمتي عُرضَةً للمراجِم وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: سَلاَمُ الله يا مَطَرٌ عَلَيْها ... وَليْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلامُ هذا البيت: للأحوص، واسمه محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري. والأحوص: الذي في عينيه ضيق. والمحمد الذي يحمد كثيراً، وينسب إلى الحمد، وقال زهير: أليسَ بفيَّاض يداه غَمَامةٌ ... ثِمالُ اليَتَامَى في السِّنِين محمد؟! وعاصم: إسم فاعل من العصمة، ونون مطر: ضرورة. وبعده: فإن يكن النَّكاح أحَلَ شَيءٍ ... فإنَّ نِكَاحَهَا مطراً حرامُ فطِّلْقَها فَلَسْت لها بكُفْءِ ... وإلاّ يَعْلُ مفرقَك الحُسَامُ فلا غفر الإلَهُ لمنكحيها ... ذُنُوَبُهمُ وإنْ صَلُّوا وصاموا وكان مطر دميماً، وهند أسفله، وكان أقبح الناس، وزوجه أحسن الناس!. وأراد: وإن لا تطلقها يعل مفرقك الحسام، فحذف الشرط؛ لدلاله ما قبله عليه كما قال زهير: وإلاَّ فإنَّا بالشَّربَةَّ واللِّوَى ... تُعَقِّرُ أُمَّاتِ الرِّباعِ ونَيْسر وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: ضَرَبَتْ صَدْرَهَا إليَّ وقَالَتْ ... يَاعَدِيَّا لَقَدْ وقَتْكَ الأوَاقِي هذا البيت: لمهلهل بن ربيعة التغلبي، واسمه عدي، وزعم ابن الكلبي أن اسمه: امرؤ القيس. وسمي: مهلهلاً، لأنه أول من أرق الشعر، وزعم ابن الكلبي أنه إنما سمي مهلهلاً بقوله في شعرٍ له: لما توَّعر في الغُبَار هجيهُم ... هَلْهَلتُ أثْأر جابراً أو صِنبلاً وذكر ابن الكلبي أن قوله: ضربت صدرها إلي ليس لمهلهل، وإنما هو لعديٍ أخيه، وأنشد غيره: طَفْلَة ما ابنة المحلّل شَمَّا ... ءَ لَعُوبٌ لذيذة في العِنَاق ظبية مِنْ ظباء وَجْرَة تعطو ... ويداها في ناضر الأورَاقَ ضَرَبتْ صَدْرها إليّ وقالتْ ... يا عديّاً لقدْ وَقَتْك الأَواقِي ارحلي ما إليك غير بعيد ... لا يواتي العناقَ مَنْ في الوَثَاقِ

стр. 35

ما أرِّجي بالعْيشِ بعد نداما ... يَ أراهم سُقوا بكأس حَلاق بَعْد عَمْرو وعَامرٍ وحيٍّ ... وربيع الصدوف وابني عنَاقِ وكُليب سَمّ الفوارس إذ حُم ... مَ رُمَاةُ الكماةُ بالإيفَاقِ إن تحتَ الأحْجَار حَزْماً وجوداً ... وخَصِيماً ألدَّ ذَا مِعْلاقِ حَيَّةٌ في الوَجار أرْبَد لا ينْ ... فَعُ منه السَّلِيمَ نفثةُ راقِي الطفلة: - بفتح الطاء -: الناعمة الجسم، والطفلة - بالكسر - الصغيرة، ويقال: طفلة وطفلة. والشماء: التي في أنفها شمم. ومعنى وقتك: حفظتك، والأواقي: جمع واقية، وهي: ما يقي الإنسان، ويحفظه من كلاءة الله، والأقدار السابقة، ومعناه: وقاك الله من أمور عظام أشرفت منها على الهلاك، كره اجتماع الواوين، فهمزت الواو الأولى، حملا للتكسير على التصغير إذا قلت: أو بقية. وحلاق: اسم للمنية مبني على الكسر مثل: حزام، وقطام. والكماة: الشجعان، وأحدهم كامٍ مثل: قاض وداع، وقضاة ودعاة. والإيفاق: وضع السهم على الوتر عند الرمي. والألد: الشديد الخصومة. والمغلاق: - بالغين معجمة - ما يغلق به الباب إذ يغلق بالمغلاق، ويروى: معلاق بعين غير معجمة، والمعلاق؛ شبه الخطاف الذي يعلق به الشيء، فمعناه: إذا علق بخصمه لم يتخلص منه، كما قال البعيث: ألَدُّ إذَا لاقيْت قوماً بخُطَّةٍ ... ألَحَّ عَلى أكْتَافِهمْ قَتَبٌ عُقَرْ والوجار: والوجار - بفتح الواو وكسرها -: حجر الضبع ويستعمار لغيرها. والأربد: الذي يضرب إلى السواد. وهذا الشعر يدل أنه لمهلهل، بخلاف ما قال ابن الكلبي. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: ألَمْ تَسْمَعِي: أي عَبْدَ في روْنَق الضُّحَى ... بكاءَ حَمَامَاتٍ لُهَنَّ هَدِيرُ؟ هذا البيت: لا أعلم قائله، وزعم قوم أنه لكثير، وقوله: أي عبد: أراد يا عبدة. ورونق الضحى: إشراقه وضياؤه. والهدير: والهديل - بالراء واللام - صوت الحمام، يقال، هدر يهدر هديراً، وهدل يهدل هديلا: وفي: سقلقة بتسمعي، ولا يجوز أن تقلق بالبكاء، لأنك تقدم الصلة على الموصول. وقوله: لهن هدير: جملة في موضع الصفة ل حمامات. وبعده: بَكَيْنَ فهيَّجْن اشتِيَاقِي وَلوْعتي ... وقَدْ مَرَّ مِنْ عَهْد اللّقَاءِ دُهُور والعرب تختلف في صوت الحمام؛ فمنهم من يجعله بكاء، ويزعم أنها تبكي على فرخ لها هلكت، في عهد نوح ﵇، ويسمونه الهديل، ولذلك قال الكميت: وَمَا مَنْ تهْتفينَ به لِنَصْرٍ ... بأقْرَبَ جابَةً لَك مِنْ هَدِيلِ ومنهم من يجعله غناء، كما قال الآخر: ألاَ قاتلَ الله الحمامَاتِ غدْوَةً ... عَلَى غُصْن ما هَيَّجْنَنَا حَينَ غَنَّتِ وأظهر أبو العلاء الشك في ذلك حين قال: أبَكتْ تِلْكمُ الحَمْامةُ أَمْ غَنَّ ... تْ عَلَى فَرْع غُصْنَها الَمْيّاَدِ؟! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: أَعَبْداً حلَّ في شُعَبَي غَرِيباً ... أَلْؤمْاً لاَ أبالَكَ واغْتِرَابَا؟! هذا البيت: لجرير بن الخطفي، وقد ذكرنا اسمه ونسبه فيما مضى. وكان السبب في قوله هذا الشعر: أنه لما هجا الراعي النميري فقال في هجائه: إذا غَضَبتْ عليكَ بَنُو تَمِيمٍ ... حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهم غِضَابَا عارضه العباس أو خالد بن يزيد الكندي، وكان مقيما بشعبي فقال يجاوبه: ألاَ رَغِمَتْ أُنوفُ بَنِي تَميمٍ ... فُسَاةُ التّمْر إن كانوا غضابا لَقَدْ غَضِتْ عليَّ بنو تَميمٍ ... مَمَا نَكَأَتْ بغَضْبّتهَا ذُبَابا لو اطَّلع الغُراب على تَمِيمٍ ... وما فيها من السَّوْءَاتِ شَابَا فقال جرير يهجوه. إذا جَهِل الشَّقيُّ ولم يقدِّرْ ... لِبعْضِ الأمْرِ أوْشَك أنْ يُصابَا ستَطْلُعُ من ذُرَا شُعَبَي قوافٍ ... على الكِنْديِّ تلتهبُ التهابا أعبداً حَلَّ في شُعَبَي غَريبا ... أَلؤْماً لا أبالك واغترابا؟!

стр. 36

فما تَخْفَى هُضَيبةُ حين تُمسِي ... ولا إطعام سَخْلتها الكلابا تُخرِّق بالمشاقِصِ حالِبَيْهاَ ... وقد بَّلتْ مَشِيمَتُها التُّرابا وقد أجاز سيبويه في قوله: أعبدا أن يكون منادى، أو يكون منصوبا على الحال، كأنه قال: اتفخر عبداً، أي في حال عبوديته، ولا يليق الفخر بالعبد!. وشعبي: موضع، وغريبا: ينصب على النعت لعبد، أو على الحال من الضمير في حل. وقوله: ألؤماً لا أبالك، واغترابا: يكونان منتصبين على وجهين أيضاً؛ أحدهما: أن يكون التقدير أتلؤم لؤماً، وتغترب اغترابا، فيكونان مصدرين منصوبين، بفعلين مضميرين. والثاني: أن يكون التقدير: أتجمع لؤما واغترابا، فتضمر فعلا واحداً، يعمل فيهما جميعاً، وهذا الوجه عندي أحسن من الأول. والألف في قوله: ألؤما: ألف التوبيخ والإنكار كالتي في قول العجاج: أَطَرَباً وأنتَ قِنّسْرِيُ؟! ... وَإنما يأْتي الصِّبَا الصَّبيُّ! وأنشد أبو القاسم في باب الاسمين اللذين لفظهما واحد، والآخر منها مضاف. يا تَيْمَ عَدِيّ لاَ أَبَا لَكُمُ ... لا يُلْقَيَنَّكُمْ فِي سَوْأةٍ عُمَرُ! هذا البيت: لجرير، بقوله لعمر بن لجأ. وكان السبب في ذلك أن جريراً مر بعمر بن لجأ، وهو ينشد أرجوزة له، والناس حوله يستمعون، فوقف ليستمع، فلما بلغ إلى قوله: قد وردت قبل إني ضَحَائِها تَفْترسُ الحيَّاتِ في خَرْشَائِهَا تجرُّ بالأَهوان مَنْ أرَابَها جرَّ العجوزِ جَانِبَيْ خِبَائها قال له جرير: أسأت، وأخفقت فيما قلت!.. فقال له عمر: فكيف أقول؟ فقال له: قل: جر العروس الثنى من أردانها فخجل عمر وقال: أنت أسوأ حالاً مني حيث تقول: لقَوْمِي أحْمَى للحقيقة منكُم ... وأضْربُ للجبَّار والنَّقْع ساطعُ وأَوْثق عند المردَفاتِ عشيَّةً ... لحَاقاً إذَا ما جَرَّد السَّيْفَ قاطعٌ وإنما قال جرير: عند المرهفات، فرواه عمر: عند المردفات -!. ثم قال لجرير: أخذن غدوةً، وأدركتهن عشية، والله ما أدركتهن إلا وقد نكحن وفضحن!. فقال جرير: والله لهذا البيت أحب إلي من بكري حرزة!، ولكنك محلت للفرزدق، وصيرت إليها علي، وستعلم!. ثم قال جرير قصيدته التي يقول فيها: خَلِّ الطريقَ لمن يبني المنارَ بِها ... وابرزْ بِبَرْزة حيث اضَّطَرّك القَدَرُ يا تَيْمُ تيْمَ عَدِيٍّ لاَ أبَا لَكُمْ! ... لاَ يُلقيَنَّكُمْ في سَوْأة عُمَرُ ما زِلْتَ تَنْطِقُ أقوالاً وتَبْلُغني ... ريحَ المريرة حتَّى أشْخَصَ المدَرُ أحين كنتَ سَمَاماً يا بني لجأ ... وخاطرتْ بي عن أَحْسَانها مُضَرُ؟! فأجابه عمر بن لجأ فقال: لقد كذبْتَ وَشَرُّ القوْل أكْذُبهُ ... ما خاطرتْ بِك عن أحسابها مُضَرُ ألَسْتَ نَزْوَةَ خَوَّارٍ عَلَى أَمَةٍ ... لاَ يَسْبِقُ الَحْلَبَاتِ اللؤمُ والخَوَرُ ما قلتَ من مَرَّةٍ إلاَّ سأنقضها ... يا ابن الأتان بمثلي تنْقَضُ المرَرُ ثم نصير إلى تفسير الشعر المتقدم: يا تيم تيم عدي فيه مذهبان: مذهب سيبويه: إن تيم الأول مضاف إلى عدي، وتيم الثاني مؤكد. اعترض بين الخافض والمخفوض، كاعتراض ما في قوله تعالى: " فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ". ومذهب أبي العباس المبرد: أن تيماً الأول، مضاف إلى محذوف دل عليه ما بعده، كأنه قال: يا تيم عدي، يا تيم عدي. وذهب الفراء إلى نحو هذا؛ فتكون الحركة في تيم الأول حركة إعراب، وفي تيم الثاني حركة إتباع على مذهب سيبويه، والحركتان على مذهب أبي العباس حركتا إعراب. ومن اعتقد أن الاسمين معاً جعلا اسماً واحداً، بمنزلة حضرموت، وبعلبك، أضيفا إلى عدي: كانت حركة تيم الأول حركة بناء، وحركة تيم الثاني حركة إعراب. وأجاز السيرافي أن تكون بمنزلة بازيد بن عمرو، وجعل فيه الموصوف مع صفته بمنزلة اسم واحد، فيجري زيد في هذا الرأي مجرى عطف البيان الجاري مجرى الصفة: وقوله: لا أبالكم: لا تبرئة حذف خبرها، كأنه قال: لا أبالكم موجود في الدنيا. فإن قلت: فما الذي يمنع أن يكون لكم هو الخبر؟، فلا يحتاج إلى إضمار؟

стр. 37

فالجواب: أن المانع من ذلك: هو ظهور الألف في الأب؛ لأن حروف المد واللين في الأب - وأخواته - أصول إنما ثبتت في حال الإضافة، فوجب من أجل الألف تكون مضافاً إلى الضمير، وتكون اللام مقحمة تأكيداً للإضافة، وإذا كان الأمر على ما وصفناه: بطل أن يكون لكم الخبر، وإنما يكون المجرور هو الخبر، إذا حذفت الألف، وقلت: لا أب لك، كما قال نهار بن توسعة اليشكري: أبى الاسلامُ، لا أبَ لي سِواهُ ... إذَا افْتَخَرُوا بقيْسٍ، أو تميم فإن قال قائل: كيف يصح أن يقال في هذه اللام: إنها زائدة مقحمة، وأنت إذا قلت: لا أبالك لم يجز؛ لأنه يصير الأب معرفة بالإضافة إلى الضمير، ولا تعمل في المضاف، فإذا كانت هذه اللام هيأت الاسم، وأصلحته لأن تعمل فيه لا والاعتماد عليها، فكيف يقال فيما هو معتد به؛ معتمد عليه: إنه زائد؟؟! فالجواب، أن اللام معتد بها؛ من جهة أنها هيأت الاسم لأن تعمل فيه لا، وهي غير معتدٍ بها؛ من جهة إثبات اللف في الأب. فإن قيل: فكيف يصح أن يقال في شيء واحد: إنه معتد به، وغير معتد به؟، وهل هذا إلا بمنزلة الجمع بين النقيضين؟؟! فالجواب: أنه إنما كان يعد جمعاً بين نقيضين لو قلنا: إنه معتد بها، من جهة واحدة، بمعنى واحد، وإذا اختلف الجهتان لم يلزم هذا الذي اعترضت به؛ لأنه لا ينكر أن يكون الشيء معتداً به من جهة ما، وغير معتد به من جهة أخرى! فإن قال قائل: فإذا قلتم: لا أبا لزيد، بم تخفضون: زيدا، بإضافة الأب، أو باللام؟ فالجواب: أن الاختيار عندنا أن يكون مخفوضاً باللام لا بالإضافة، والعلة في ذلك: أنه لما اجتمع عاملان، ولم يجز أن يجر زيد بهما جميعاً - إذا لا يعمل عاملان في معمول واحد، في حالة واحدة، من جهة واحدة - لم يكن بد من تعليق أحدهما عن العمل وإعمال الآخر. فكان تعليق الاسم أولى لوجهين: أحدهما: أنا قد وجدنا الأسماء تعلق عن العمل، في نحو قولهم: مررت بخير وأفضل من ثم، وقطع يد ورجل من قاله، وقال الفرزدق: يَا مَنْ رأى عَارِضاً أَرِقْت لَهُ ... بين ذِرَاعيْ وَجبْهةِ اْلأسَدِ ولم نجد حرفا يعلق عن العمل، وإن كان زائداً إلا نادرا كالباء في قولنا: ليس زيد بقائم فهي زائدة، وقد عملت كما عملت غير الزائدة في: مررت بزيد. وكذلك قلنا: ما جاءني من أحد: من: قد عملت في أحد: وهي زائدة، كما عملت غير الزائدة في قولنا: خرجت من الدار. والوجه الثاني: أن الإسم أقوى من الحرف، والأقوى يحتمل من التعليق والحذف، ما لا يحتمله الأضعف، كذلك قال ابن جني، وأجاز القول الأول، وهو تعليق الاسم. ويمكن من علق الحرف أن يقول: إنا قد وجدنا الحروف تعلق في الحكاية كقول الراجز: والله ما ليلي بِنَامَ صَاحِبُه ... ولا مُخَالِط اللَّيَانَ جَانِبُه وأنشد أبو القاسم في باب ما لا يجوز فيه إلا إثبات الياء: يا ابنةَ عَمَّا لاَ تَلُومِي واهْجَعِي هذا البيت: لأبي النجم العجلي، واسمه: الفضل بن قدامة. وقدامة: اسم مرتجل مشتق من التقديم، أو من التقدم، والفضل، والنجم: منقولان. وبعده: لا تُسْمِعي منْك لَوْماً واسْمَعِي! ... أيهاتَ أيهاتَ ولا تطَلَّعي هِيَ المقاديرُ فَلُومِي أَوْدَعِي ... لا تَطْمَعِي في فُرْقَتِي لا تَطْمَعي! ويروى: هي الملازم - أي الأقدار اللازمة، التي لا ينجو منها أحد!. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: يا ابنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسِي ... أَنْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ هذا البيت: يروى لأبي زبيد الطائي، واسمه: حرملة بن المنذر، في شعر يقول فيه: غير أنّ الجُلاَحَ هَدَّ جَنَاحِي ... يومَ فارقْتُه، بأعْلَى الصَّعيد عن يمين الطريق، عند صُدَىٍّ ... حَرَّانَ يدعو باللَّيْل غيْرَ مَعُودِ صادِياً يستغيثُ غيرَ مُغَاثٍ ... ولقد كان عُصْرَةَ المنْجودِ وزبيد: اسم منقول، يجوز أن يكون تصغير زبد وهو العطاء، أو تصغير زبد المعروف، أو تصغير الزبد الذي يعلو الماء، أو تصغير: زابد، أو مزبود، أو مزبد - على معنى تصغير الترخيم. وحرملة: منقول أيضاً من واحدة الحرمل.

стр. 38

وأما طيئ: فإنه فيعل من طاء يطوء، إذا ذهب وجاء، وأصله: طيو، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، كما فعل بسيد وميت فإذا نسبت إليه قلت: طائي، وأصله: طيئي، على مثال: طيعي، فحذف أحد اليائين تخفيفاً، وأبدلت الثانية ألفا استحساناً، لا وجوباً عن علة، كما قالوا في النسبة إلى الحيرة: حاري. ومعنى هد: هدم وأذهب، والصعيد: وجه الأرض، والصعيد أيضاً: القبر. والصدى: طائر، وكانت العرب تزعم أنه يتخلق من الميت المقتول، ويقول: اسقوني!، حتى يقتل قاتله، ولذلك قال: صادياً، أي عطشان - هذا هو المشهور عند العرب من امر الصدى وصياحه. واستعمله طرفة بن العبد على معنى آخر، فقال: كريم يُرَوِّي نفسه في حياته ... ستعلم إن متْنَا صَدَى أَيِّنَا الصَّدِيّ؟! يقول لعاذليه عن الاستهتار بشرب الخمر: أنا أروي صداي في حياتي فلا يحتاج أن يصيح بعد موتي: اسقوني، اسقوني!، وأنت لا تروي صداك، فتعلم إن متنا غداً: صدى من يصيح؛ أصداي، أم صادك؟! والصدي: مرفوع بالابتداء، وأينا مخفوض باضافة صدى إليه كما تقول: ابن أي القوم أنت؟. وقد أولع الناس بتنوين صدى، ورفع أينا، وهو خطأ لا وجه له. والعصرة: الملجأ، والمنجود المكروب. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: يا ابْنَ أُمِّي لو شهدتُّك إِذْ تَدْ ... عُو تَميماً وأَنْتَ غَيْر مُجَابِ هذا البيت: لمعد يكرب، المعروف بغلفاء، يرثي أخاه شرحبيل ابن الحارث، وكان قتل يوم الكلاب، وكان في ذلك اليوم رئيس بكر وذكر ابن النحاس أنه لمهلهل، وهذا غلط!. ومعد يكرب: اسم مرتجل ومعناه: عداك الكرب، كذا قال أبو العباس: ثعلب. وقال بعض اللغويين؛ معنى شرحبيل؛ وشراحيل: وديعة الله. وغلفاء: منقول؛ لأنه تأنيث الأغلف، وكذلك الحارث؛ لأنه صفة مشتقة من حرث يحرث، وهذا البيت من جملة أبيات أنشدها أبو عبيدة وهي: إنّ جَنْبِي عنْ الفراشِ لَنَابٍ ... كتجافي الأسرّ فوق الظراب من حديث نمَىَ إليّ فَلاَ تَرْ ... قَأُعَيْني وَلاَ أُسِيغ شَرَابِي مُرَّة كالزُّعاف أكْتُمُها النَّا ... سَ عَلَى حَرْمَلَة كالشِّهابِ من شُرحَبْيل إذ تعاورُهُ اْلأرْ ... ماحُ في حَالِ صْبوَةٍ وشبَاب يا ابن أُمِّي وَلوْ شَهدْتُك إِذ تَدْ ... عُو تِمَماً وأنت غَيْر مُجابِ ثم طاعَنْتُ مِنْ وَرَائكَ حَتَّى ... أدْفعَ القَوْمَ أو تُبَزَّ ثيابي وأنشد أبو القاسم في باب: ما لا يقع إلا في باب النداء خاصة، ولا يستعمل في غيره: وَقَدْ رَابَنِي قَوْلُهَا: ياَ هَنَاهُ ... ويْحُكَ الحَقْتَ شَرّاً بِشَرّ! هذا البيت: يروى لامرئ القيس بن حجر، وكان الأصمعي يروي هذا الشعر لرجل من النمر بن قاسط، يقال له ربيعة بن جشم ومعنى رابني: شككني، ومعنى ياهناه: يا رجل، وهي كلمة تقال لمن يستحقر. ومعنى ألحقت شراً بشر: أي كنت عند الناس متهماً بأمرك، وقد زدت الآن بإقبالك إلى تهمةً على تهمةٍ! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: في لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عَنْ فُل هذا البيت: لأبي النجم، واسمه: الفضل بن قدامة - وقبله: تُثير أَيديها عَجَاجَ القَسْطَلِ إذ عَصَبَتْ بالعَطَن المغَرْبَلِ تدافع الشِّيْب ولم تُقَتِل في لُجَّةٍ: أَمْسِكُ فُلاَناً عن فُلِ وصف إبلا، يقول: أقبلت وأيديها تثير العجاج - وهو الغبار - لكثرتها، والقسطل: الغبار، والشيب: الشيوخ، جمع أشيب. ومعنى ولم تقتل: أي تتزاحم، ولا تتقاتل، فشبه تزاحمها ومدافعتها بعضها بعضاً بقوم شيوخ في لجة، يدفع بعضهم في بعض، فيقال: أمسك فلانا عن فل، واللجة: اختلاط الأصوات، والمعنى: في لجة يقال فيها، فأضمر القول، كما قال : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم "، أي يقولون: سلام عليكم. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: أَطَوَّفُ ما أُطَوِّفُ ثم آوِي ... إليَ بَيْتٍ قَعيدَتُهُ لكَاَعِ هذا البيت: للحطيئة، واسمه: جرول بن أوس، ويكنى: أبا مليكة، يهجو به امرأته.

стр. 39

وجرول، وأوس، والحطيئة، والمليكة: أسماء منقولة، فأما الجرول: فهو الحجر، قال الراجز: يا نَخْلُ ذَاتَ السِّدْر والجُرَاوِل تطاولي ما شِئْتِ أنْ تَطاوَلي وأما الأوس: فالعطية على جهة العوض، وأوس الذئب، وكذلك أويس، قال الراجز: يا ليتَ شِعْرِي عَنْكَ واْلأَمْرُ أَمَمْ ... مَا فَعَلَ الْيَوْم أُوَيْسٌ بالغَنَمْ! ومليكة: تصغير ملكة، مؤنثة الملك، أو تصغير ملكة على مثال ظلمة، وهي الجلبانة. وأما الحطيئة: فتصغير حطأة، وهي الضرطة، والحطأة أيضاً: الصرعة، يقال: حطأت الرجل، إذا صرعته بالأرض. واختف في تلقيبه بالحطيئة: فقيل: لقب بذلك لقصره. وقيل: لقب بذلك: لأنه ضرط بين قوم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: حطيئة. وقال الرياشي: سمي بذلك، لأنه كان محطوء الرجل، والرجل المحطوءة هي التي لا أخمص لها. ومعنى أطوف ما أطوف أكثر الطواف، ويروى: أطود - بالدال غير معجمة، وهو مثل أطوف - هكذا رواه يعقوب. وما مع الفعل بتقدير المصدر، كأنه قال: أطوف طوافي، وهو من المصادر السادة مسد الظروف، كأنه قال: مدة طوافي. وآوي ألجأ. وقعيدة الرجل: امرأته، سميت بذلك للزومها البيت. ومعنى الكاع خسيسة، وإذا قيل ذلك للرجل، قيل: يا لكع، والأغلب عليهما ألا يستعملا إلا في النداء، وربما استعملا في غيره، وقد جاء في هذا الحديث: " لا تقوم الساعة حتى يلي أمور الناس لكع بن لكع " أي خسيس ابن خسيس. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: وما عليكَ أنْ تقولي كلّما ... هَلَّلْتِ أو سَبَّحْت: يا للهمْ مَا أردُدْ علينَا شيخنا مُسَلمَّا ... من أيْنَما وَحيْثُمَا وكيفما!! هذا الرجز: لا أعلم قائله، وزاد فيه الكوفيون: فإننا من خيره لن نُعْدما. أي: أمر بنيه وأهله، ومن جرى مجراهما بالدعاء له، والسلامة في السفر بعد انقضاء البغية والوطر. وما زائدة. وأنشد أبو القاسم في باب الاستغاثة: يا عَجَباً لهذه الْفَلِيقَة ... هل تُذْهِبَنَّ القوباءَ الرّيقة هذا الشعر: لا أعلم قائله. والفليقة: الداهية، ويقال أيضاً: فليق، بغير هاء، وفلق وفلقة وفيلق. وزعم أبو العباس المبرد: أنه يقال: فلق بفتح الفاء، وذلك غير معروف. قال سويد بن كراع: إذا عَرَضَتْ دَاوِيَّةُ مُدلهِمَّةٌ ... وغَرَّدَ حاديِها عَمِلْنَ بها فَلْقا وقال الآخر: نَشُقُّهَا بِفَيْلَقٍ عنْ فَيْلَقٍ قال خلف الأحمر: موت الإمام فلقة من الفلق؟. والقوباء: - بفتح الواو وتسكينها - فمن فتح الواو: جعل الهمزة للتأنيث فلم يصرفها: ومن سكن واوها: جعل الهمزة للالحاق، فصرفها. وأجاز الكوفيون ترك صرفها، مع سكون الواو، وتكون ألفها للتأنيث، ولا يجيز ذلك البصريون. والريقة: القطعة من الريق. وهذا البيت لأعرابي أصابته قوباء، فقيل: اجعل عليها شيئاً من ريقك وتعهدها بذلك، فإنها ستذهب، فعجب من ذلك واستغربه!. ويروى: هل تغلبن القوباء الريقة - برفع القوباء - كأن معناها: أن الأعرابي كان يعتقد أن الريقة لا تبرؤها، فأنكر ذلك وتعجب منه! ويجوز تنوين العجب، وترك تنوينه: فمن نونه فله وجهان من الإعراب: أحدهما: أن يكون منادى منكورا، أو منادى مطولا، وهو الذي ينصب، وإن كان يقصد إليه لطوله بم ايتصل به كقولك: يا خيراً من زيد، ويسمى المشبه بالمضاف؛ لاحتياج الأول إلى الثاني، كاحتياج المضاف إلى المضاف إليه. والوجه الثاني: أن يكون المنادى غير المتعجب، ويكون عجباً منصوباً على المصدر، كأنه قاله: يا قوم اعجبوا عجباً. ومن روى يا عجبا بلا تنوين، فله وجهان أيضاً: أحدهما: أن يكون منادى مضافا، على لغة من يقول: يا غلاما أقبل، ونحوه قول أبي النجم: يا ابْنَةَ عَمَّا لاَ تَلمِي واهْجَعِي. والوجه الثاني: أن تريد: يا عجباه، وأكثر ما يستعمل هذا في الندبة، وقد جاء في غير الندبة نحو قول الآخر: يا مَرْحَبَاهُ بحمار ناجية ... إذَا أتى قربته للسَّانية وقال الآخر: يا مرحباهُ بحمار عفْراء ... إذَا أتى قرْيتُه لما يَشَاء من الحشيش والشعير والماء وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:

стр. 40

تَكَنَّفَنِي الْوُشاةُ فأزْعَجُونِي ... فيا للَنَّاس لِلْوَاشِي المْطَاعِ هذا البيت: لقيس بن ذريح، وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم. وكان تزرج لبني وأبوه كاره لذلك، فأمره بتطليقها، فأبى، وأقسم أبوه ألا يكنه سقف حتى يطلقها، ثم استلقى في الرمضاء - وهي الرملة التي قد حميت بحر الشمس - وقال: والله لا برحت من هذا الموضع حتى تطلقها أو أموت!. فعنفه قومه: لحقوق أبيه، وقالوا: إن مات أبوك على هذه الحال كان ذلك سبة عليك، فأرضه بطلاقها، وسترغب إليه بعد ذلك في أن تراجعها - فطلقها كارهاً!. ثم زال عقله، وندم أبوه على ما فعل، فأبى والد لبنى، وسأله أن يراجعها، فأبى وأنكحها غيره! فقال في ذلك: أيا كَبِدَا وعاوَدَنِي رُدَاعِي ... وكانَ فراقُ لُبْنَى كالجُداع تكَنَّفني الْوشاةُ فأزعجوني ... فيا لَلّه لِلْواشي المطاع فأصْبحتُ الغداةَ ألُومُ نَفْسِ ... عَلَى شَيْء وَلَيْسَ بمستطاع كمغْبُونٍ يَعُضُّ على يَدَيْه ... تَبَيَّن غَبْنَه بَعْد البِياعِ بدار مَضِيعةٍ تركتُكَ لُبْنَى ... كَذَاك الجُيْن يَهْدي للمضَاعِ وقد عشنا بلذِّ الْعَيْشَ حِيناً ... لو أنَّ الدّهر للإنسان راعي ولكن الجميع إلى افتراقٍ ... وأسباب الحتُوف لها دواعي وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: يَبْكيكَ ناءِ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ ... يا لَلْكُهُولِ ولِلشُّبَابِ لِلْعَجَبِ هذا البيت: لا أعلم قائله. والنائي: البعيد، وأراد هاهنا: بعده منه في النسب؛ لأنه ذكر بعد مكانه من مكانه!. ووصف ناءٍ: وهو نكرة: ببعيد الدار ال مضاف إلى معرفة، لأن إضافته في نية الانفصال، لأن الدار فاعلة في المعنى، وإن كانت مخفوضة اللفظ، لأن التقدير: بعيد داره: يقول: يبكي عليك الغريب، ويسر لموتك القريب، وذلك أحد الأعاجيب، كما قال الآخر: يَبكي الْغَريبُ عليْه ليْس يعرفُهُ ... وذُو قرابته في الحَيِّ مسْرورُ! وقد استغاث بهم، كما استغاث بالكهول. وكسر لام الشبان، لأن أصل هذه اللام الكسر، وإنما فتحت فرقاً بين المستغاث به، والمستغاث من أجله، فلما عطفت أحد الاسمين على الآخر علم أنه داخل في حكمه، لأن من خاصة الواو أن تشرك بين المعطوف، والمعطوف عليه لفظاً ومعنى، فأغنى ذلك عن فتحها، فجاء بها على الأصل، وهذا ليس في كل موضع، وإنما تكون فيما لم يكن فيه حرف النداء مكرراً، كقولك: يا لزيد ولعمر وللعجب، فإذا كررت حرف النداء قلت: يا لزيد ويا لعمرو - بفتحها معاً، لن الكلام صير جملتين، قال الشاعر في التكرير: يا لَقومي مَنْ لِلْعُلَى والمسَاعِي ... يا لَقَومي مَنْ للنَّدَى والسَّمَاحِ يا لَعَطَّافِنَا ويا لَرياح ... ولأبي الحشْرَجِ الفتى النَّفاح ويروى: وأبي الحشرج الفتى النفاح: وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: حارِ بنَ كَعْب أَلاَ أحْلام نزجُركم ... عَنَّا وَأَنْتُم مِنَ الجُوفِ الجماخيرِ؟! هذا البيت: لحسان بن ثابت، وقد ذكرت اسمه فيما تقدم. وكان سبب قوله هذا الشعر: أن النجاشي هجا بني النجار من الأنصار، بشعر يقول فيه: لَسْتُمْ بني النَّجَّار أكْفاءَ مثْلَنا ... فابْعِدْ بكم عنَّا هنالك أبْعِد! فإنْ شِئْتُمْ نافَرْتُكمْ عَنْ أبيكُمُ ... إلى من أردْتُم من تهام ومنُجَدِ ألم يكُ فينا يَنْفُخ الكِيرَ باسْتِهِ ... كأنّ بشدقيه نُفَاضَةَ إثْمِدِ؟! فقالت الأنصار لحسان بن ثابت: يا أبا الوليد: أتهجو النجاشي؟ فقال: أين أنتم من ابني عبد الرحمن؟! فقالوا إياك أردنا، فقد راجعه عبد الرحمن، فلم يصنع شيئاً!. فوثب حسان فضربه بالباب فشجه على حاجبه، فقال: باسم الله، الهم أخلف في رسولك اليوم، ثم قال شعره الذي يقول فيه: أبَنِي الحِمَاسِ أليس منكم ماجد ... إنَّ المْروءة في الْحِمَاسِ قليل ثم قال: والله ما أنجزت بما قال!! ثم قال: اسمعوا: حَارِ بْنَ كعب أَلاَ أحْلامَ تَزْجُرُكُم ... عَنَّا وأنتم من الجوف الجماخِيرِ؟!
следующие страницы →