Полный текст (79 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فما تَخْفَى هُضَيبةُ حين تُمسِي ... ولا إطعام سَخْلتها الكلابا
تُخرِّق بالمشاقِصِ حالِبَيْهاَ ... وقد بَّلتْ مَشِيمَتُها التُّرابا
وقد أجاز سيبويه في قوله: أعبدا أن يكون منادى، أو يكون منصوبا على الحال، كأنه قال: اتفخر عبداً، أي في حال عبوديته، ولا يليق الفخر بالعبد!.
وشعبي: موضع، وغريبا: ينصب على النعت لعبد، أو على الحال من الضمير في حل.
وقوله: ألؤماً لا أبالك، واغترابا: يكونان منتصبين على وجهين أيضاً؛ أحدهما: أن يكون التقدير أتلؤم لؤماً، وتغترب اغترابا، فيكونان مصدرين منصوبين، بفعلين مضميرين.
والثاني: أن يكون التقدير: أتجمع لؤما واغترابا، فتضمر فعلا واحداً، يعمل فيهما جميعاً، وهذا الوجه عندي أحسن من الأول.
والألف في قوله: ألؤما: ألف التوبيخ والإنكار كالتي في قول العجاج:
أَطَرَباً وأنتَ قِنّسْرِيُ؟! ... وَإنما يأْتي الصِّبَا الصَّبيُّ!
وأنشد أبو القاسم في باب الاسمين اللذين لفظهما واحد، والآخر منها مضاف.
يا تَيْمَ عَدِيّ لاَ أَبَا لَكُمُ ... لا يُلْقَيَنَّكُمْ فِي سَوْأةٍ عُمَرُ!
هذا البيت: لجرير، بقوله لعمر بن لجأ.
وكان السبب في ذلك أن جريراً مر بعمر بن لجأ، وهو ينشد أرجوزة له، والناس حوله يستمعون، فوقف ليستمع، فلما بلغ إلى قوله:
قد وردت قبل إني ضَحَائِها
تَفْترسُ الحيَّاتِ في خَرْشَائِهَا
تجرُّ بالأَهوان مَنْ أرَابَها
جرَّ العجوزِ جَانِبَيْ خِبَائها
قال له جرير: أسأت، وأخفقت فيما قلت!..
فقال له عمر: فكيف أقول؟ فقال له: قل: جر العروس الثنى من أردانها فخجل عمر وقال: أنت أسوأ حالاً مني حيث تقول:
لقَوْمِي أحْمَى للحقيقة منكُم ... وأضْربُ للجبَّار والنَّقْع ساطعُ
وأَوْثق عند المردَفاتِ عشيَّةً ... لحَاقاً إذَا ما جَرَّد السَّيْفَ قاطعٌ
وإنما قال جرير: عند المرهفات، فرواه عمر: عند المردفات -!.
ثم قال لجرير: أخذن غدوةً، وأدركتهن عشية، والله ما أدركتهن إلا وقد نكحن وفضحن!.
فقال جرير: والله لهذا البيت أحب إلي من بكري حرزة!، ولكنك محلت للفرزدق، وصيرت إليها علي، وستعلم!.
ثم قال جرير قصيدته التي يقول فيها:
خَلِّ الطريقَ لمن يبني المنارَ بِها ... وابرزْ بِبَرْزة حيث اضَّطَرّك القَدَرُ
يا تَيْمُ تيْمَ عَدِيٍّ لاَ أبَا لَكُمْ! ... لاَ يُلقيَنَّكُمْ في سَوْأة عُمَرُ
ما زِلْتَ تَنْطِقُ أقوالاً وتَبْلُغني ... ريحَ المريرة حتَّى أشْخَصَ المدَرُ
أحين كنتَ سَمَاماً يا بني لجأ ... وخاطرتْ بي عن أَحْسَانها مُضَرُ؟!
فأجابه عمر بن لجأ فقال:
لقد كذبْتَ وَشَرُّ القوْل أكْذُبهُ ... ما خاطرتْ بِك عن أحسابها مُضَرُ
ألَسْتَ نَزْوَةَ خَوَّارٍ عَلَى أَمَةٍ ... لاَ يَسْبِقُ الَحْلَبَاتِ اللؤمُ والخَوَرُ
ما قلتَ من مَرَّةٍ إلاَّ سأنقضها ... يا ابن الأتان بمثلي تنْقَضُ المرَرُ
ثم نصير إلى تفسير الشعر المتقدم: يا تيم تيم عدي فيه مذهبان: مذهب سيبويه: إن تيم الأول مضاف إلى عدي، وتيم الثاني مؤكد. اعترض بين الخافض والمخفوض، كاعتراض ما في قوله تعالى: " فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ".
ومذهب أبي العباس المبرد: أن تيماً الأول، مضاف إلى محذوف دل عليه ما بعده، كأنه قال: يا تيم عدي، يا تيم عدي.
وذهب الفراء إلى نحو هذا؛ فتكون الحركة في تيم الأول حركة إعراب، وفي تيم الثاني حركة إتباع على مذهب سيبويه، والحركتان على مذهب أبي العباس حركتا إعراب.
ومن اعتقد أن الاسمين معاً جعلا اسماً واحداً، بمنزلة حضرموت، وبعلبك، أضيفا إلى عدي: كانت حركة تيم الأول حركة بناء، وحركة تيم الثاني حركة إعراب.
وأجاز السيرافي أن تكون بمنزلة بازيد بن عمرو، وجعل فيه الموصوف مع صفته بمنزلة اسم واحد، فيجري زيد في هذا الرأي مجرى عطف البيان الجاري مجرى الصفة: وقوله: لا أبالكم: لا تبرئة حذف خبرها، كأنه قال: لا أبالكم موجود في الدنيا.
فإن قلت: فما الذي يمنع أن يكون لكم هو الخبر؟، فلا يحتاج إلى إضمار؟
стр. 37
فالجواب: أن المانع من ذلك: هو ظهور الألف في الأب؛ لأن حروف المد واللين في الأب - وأخواته - أصول إنما ثبتت في حال الإضافة، فوجب من أجل الألف تكون مضافاً إلى الضمير، وتكون اللام مقحمة تأكيداً للإضافة، وإذا كان الأمر على ما وصفناه: بطل أن يكون لكم الخبر، وإنما يكون المجرور هو الخبر، إذا حذفت الألف، وقلت: لا أب لك، كما قال نهار بن توسعة اليشكري:
أبى الاسلامُ، لا أبَ لي سِواهُ ... إذَا افْتَخَرُوا بقيْسٍ، أو تميم
فإن قال قائل: كيف يصح أن يقال في هذه اللام: إنها زائدة مقحمة، وأنت إذا قلت: لا أبالك لم يجز؛ لأنه يصير الأب معرفة بالإضافة إلى الضمير، ولا تعمل في المضاف، فإذا كانت هذه اللام هيأت الاسم، وأصلحته لأن تعمل فيه لا والاعتماد عليها، فكيف يقال فيما هو معتد به؛ معتمد عليه: إنه زائد؟؟! فالجواب، أن اللام معتد بها؛ من جهة أنها هيأت الاسم لأن تعمل فيه لا، وهي غير معتدٍ بها؛ من جهة إثبات اللف في الأب.
فإن قيل: فكيف يصح أن يقال في شيء واحد: إنه معتد به، وغير معتد به؟، وهل هذا إلا بمنزلة الجمع بين النقيضين؟؟! فالجواب: أنه إنما كان يعد جمعاً بين نقيضين لو قلنا: إنه معتد بها، من جهة واحدة، بمعنى واحد، وإذا اختلف الجهتان لم يلزم هذا الذي اعترضت به؛ لأنه لا ينكر أن يكون الشيء معتداً به من جهة ما، وغير معتد به من جهة أخرى! فإن قال قائل: فإذا قلتم: لا أبا لزيد، بم تخفضون: زيدا، بإضافة الأب، أو باللام؟ فالجواب: أن الاختيار عندنا أن يكون مخفوضاً باللام لا بالإضافة، والعلة في ذلك: أنه لما اجتمع عاملان، ولم يجز أن يجر زيد بهما جميعاً - إذا لا يعمل عاملان في معمول واحد، في حالة واحدة، من جهة واحدة - لم يكن بد من تعليق أحدهما عن العمل وإعمال الآخر. فكان تعليق الاسم أولى لوجهين: أحدهما: أنا قد وجدنا الأسماء تعلق عن العمل، في نحو قولهم: مررت بخير وأفضل من ثم، وقطع يد ورجل من قاله، وقال الفرزدق:
يَا مَنْ رأى عَارِضاً أَرِقْت لَهُ ... بين ذِرَاعيْ وَجبْهةِ اْلأسَدِ
ولم نجد حرفا يعلق عن العمل، وإن كان زائداً إلا نادرا كالباء في قولنا: ليس زيد بقائم فهي زائدة، وقد عملت كما عملت غير الزائدة في: مررت بزيد.
وكذلك قلنا: ما جاءني من أحد: من: قد عملت في أحد: وهي زائدة، كما عملت غير الزائدة في قولنا: خرجت من الدار.
والوجه الثاني: أن الإسم أقوى من الحرف، والأقوى يحتمل من التعليق والحذف، ما لا يحتمله الأضعف، كذلك قال ابن جني، وأجاز القول الأول، وهو تعليق الاسم.
ويمكن من علق الحرف أن يقول: إنا قد وجدنا الحروف تعلق في الحكاية كقول الراجز:
والله ما ليلي بِنَامَ صَاحِبُه ... ولا مُخَالِط اللَّيَانَ جَانِبُه
وأنشد أبو القاسم في باب ما لا يجوز فيه إلا إثبات الياء:
يا ابنةَ عَمَّا لاَ تَلُومِي واهْجَعِي
هذا البيت: لأبي النجم العجلي، واسمه: الفضل بن قدامة. وقدامة: اسم مرتجل مشتق من التقديم، أو من التقدم، والفضل، والنجم: منقولان.
وبعده:
لا تُسْمِعي منْك لَوْماً واسْمَعِي! ... أيهاتَ أيهاتَ ولا تطَلَّعي
هِيَ المقاديرُ فَلُومِي أَوْدَعِي ... لا تَطْمَعِي في فُرْقَتِي لا تَطْمَعي!
ويروى: هي الملازم - أي الأقدار اللازمة، التي لا ينجو منها أحد!.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
يا ابنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسِي ... أَنْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ
هذا البيت: يروى لأبي زبيد الطائي، واسمه: حرملة بن المنذر، في شعر يقول فيه:
غير أنّ الجُلاَحَ هَدَّ جَنَاحِي ... يومَ فارقْتُه، بأعْلَى الصَّعيد
عن يمين الطريق، عند صُدَىٍّ ... حَرَّانَ يدعو باللَّيْل غيْرَ مَعُودِ
صادِياً يستغيثُ غيرَ مُغَاثٍ ... ولقد كان عُصْرَةَ المنْجودِ
وزبيد: اسم منقول، يجوز أن يكون تصغير زبد وهو العطاء، أو تصغير زبد المعروف، أو تصغير الزبد الذي يعلو الماء، أو تصغير: زابد، أو مزبود، أو مزبد - على معنى تصغير الترخيم.
وحرملة: منقول أيضاً من واحدة الحرمل.
стр. 38
وأما طيئ: فإنه فيعل من طاء يطوء، إذا ذهب وجاء، وأصله: طيو، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، كما فعل بسيد وميت فإذا نسبت إليه قلت: طائي، وأصله: طيئي، على مثال: طيعي، فحذف أحد اليائين تخفيفاً، وأبدلت الثانية ألفا استحساناً، لا وجوباً عن علة، كما قالوا في النسبة إلى الحيرة: حاري.
ومعنى هد: هدم وأذهب، والصعيد: وجه الأرض، والصعيد أيضاً: القبر.
والصدى: طائر، وكانت العرب تزعم أنه يتخلق من الميت المقتول، ويقول: اسقوني!، حتى يقتل قاتله، ولذلك قال: صادياً، أي عطشان - هذا هو المشهور عند العرب من امر الصدى وصياحه.
واستعمله طرفة بن العبد على معنى آخر، فقال:
كريم يُرَوِّي نفسه في حياته ... ستعلم إن متْنَا صَدَى أَيِّنَا الصَّدِيّ؟!
يقول لعاذليه عن الاستهتار بشرب الخمر: أنا أروي صداي في حياتي فلا يحتاج أن يصيح بعد موتي: اسقوني، اسقوني!، وأنت لا تروي صداك، فتعلم إن متنا غداً: صدى من يصيح؛ أصداي، أم صادك؟! والصدي: مرفوع بالابتداء، وأينا مخفوض باضافة صدى إليه كما تقول: ابن أي القوم أنت؟.
وقد أولع الناس بتنوين صدى، ورفع أينا، وهو خطأ لا وجه له. والعصرة: الملجأ، والمنجود المكروب.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
يا ابْنَ أُمِّي لو شهدتُّك إِذْ تَدْ ... عُو تَميماً وأَنْتَ غَيْر مُجَابِ
هذا البيت: لمعد يكرب، المعروف بغلفاء، يرثي أخاه شرحبيل ابن الحارث، وكان قتل يوم الكلاب، وكان في ذلك اليوم رئيس بكر وذكر ابن النحاس أنه لمهلهل، وهذا غلط!.
ومعد يكرب: اسم مرتجل ومعناه: عداك الكرب، كذا قال أبو العباس: ثعلب.
وقال بعض اللغويين؛ معنى شرحبيل؛ وشراحيل: وديعة الله. وغلفاء: منقول؛ لأنه تأنيث الأغلف، وكذلك الحارث؛ لأنه صفة مشتقة من حرث يحرث، وهذا البيت من جملة أبيات أنشدها أبو عبيدة وهي:
إنّ جَنْبِي عنْ الفراشِ لَنَابٍ ... كتجافي الأسرّ فوق الظراب
من حديث نمَىَ إليّ فَلاَ تَرْ ... قَأُعَيْني وَلاَ أُسِيغ شَرَابِي
مُرَّة كالزُّعاف أكْتُمُها النَّا ... سَ عَلَى حَرْمَلَة كالشِّهابِ
من شُرحَبْيل إذ تعاورُهُ اْلأرْ ... ماحُ في حَالِ صْبوَةٍ وشبَاب
يا ابن أُمِّي وَلوْ شَهدْتُك إِذ تَدْ ... عُو تِمَماً وأنت غَيْر مُجابِ
ثم طاعَنْتُ مِنْ وَرَائكَ حَتَّى ... أدْفعَ القَوْمَ أو تُبَزَّ ثيابي
وأنشد أبو القاسم في باب: ما لا يقع إلا في باب النداء خاصة، ولا يستعمل في غيره:
وَقَدْ رَابَنِي قَوْلُهَا: ياَ هَنَاهُ ... ويْحُكَ الحَقْتَ شَرّاً بِشَرّ!
هذا البيت: يروى لامرئ القيس بن حجر، وكان الأصمعي يروي هذا الشعر لرجل من النمر بن قاسط، يقال له ربيعة بن جشم ومعنى رابني: شككني، ومعنى ياهناه: يا رجل، وهي كلمة تقال لمن يستحقر.
ومعنى ألحقت شراً بشر: أي كنت عند الناس متهماً بأمرك، وقد زدت الآن بإقبالك إلى تهمةً على تهمةٍ! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
في لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عَنْ فُل
هذا البيت: لأبي النجم، واسمه: الفضل بن قدامة - وقبله:
تُثير أَيديها عَجَاجَ القَسْطَلِ
إذ عَصَبَتْ بالعَطَن المغَرْبَلِ
تدافع الشِّيْب ولم تُقَتِل
في لُجَّةٍ: أَمْسِكُ فُلاَناً عن فُلِ
وصف إبلا، يقول: أقبلت وأيديها تثير العجاج - وهو الغبار - لكثرتها، والقسطل: الغبار، والشيب: الشيوخ، جمع أشيب.
ومعنى ولم تقتل: أي تتزاحم، ولا تتقاتل، فشبه تزاحمها ومدافعتها بعضها بعضاً بقوم شيوخ في لجة، يدفع بعضهم في بعض، فيقال: أمسك فلانا عن فل، واللجة: اختلاط الأصوات، والمعنى: في لجة يقال فيها، فأضمر القول، كما قال : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم "، أي يقولون: سلام عليكم.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
أَطَوَّفُ ما أُطَوِّفُ ثم آوِي ... إليَ بَيْتٍ قَعيدَتُهُ لكَاَعِ
هذا البيت: للحطيئة، واسمه: جرول بن أوس، ويكنى: أبا مليكة، يهجو به امرأته.
стр. 39
وجرول، وأوس، والحطيئة، والمليكة: أسماء منقولة، فأما الجرول: فهو الحجر، قال الراجز:
يا نَخْلُ ذَاتَ السِّدْر والجُرَاوِل
تطاولي ما شِئْتِ أنْ تَطاوَلي
وأما الأوس: فالعطية على جهة العوض، وأوس الذئب، وكذلك أويس، قال الراجز:
يا ليتَ شِعْرِي عَنْكَ واْلأَمْرُ أَمَمْ ... مَا فَعَلَ الْيَوْم أُوَيْسٌ بالغَنَمْ!
ومليكة: تصغير ملكة، مؤنثة الملك، أو تصغير ملكة على مثال ظلمة، وهي الجلبانة.
وأما الحطيئة: فتصغير حطأة، وهي الضرطة، والحطأة أيضاً: الصرعة، يقال: حطأت الرجل، إذا صرعته بالأرض.
واختف في تلقيبه بالحطيئة: فقيل: لقب بذلك لقصره. وقيل: لقب بذلك: لأنه ضرط بين قوم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: حطيئة.
وقال الرياشي: سمي بذلك، لأنه كان محطوء الرجل، والرجل المحطوءة هي التي لا أخمص لها.
ومعنى أطوف ما أطوف أكثر الطواف، ويروى: أطود - بالدال غير معجمة، وهو مثل أطوف - هكذا رواه يعقوب.
وما مع الفعل بتقدير المصدر، كأنه قال: أطوف طوافي، وهو من المصادر السادة مسد الظروف، كأنه قال: مدة طوافي.
وآوي ألجأ.
وقعيدة الرجل: امرأته، سميت بذلك للزومها البيت.
ومعنى الكاع خسيسة، وإذا قيل ذلك للرجل، قيل: يا لكع، والأغلب عليهما ألا يستعملا إلا في النداء، وربما استعملا في غيره، وقد جاء في هذا الحديث: " لا تقوم الساعة حتى يلي أمور الناس لكع بن لكع " أي خسيس ابن خسيس.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
وما عليكَ أنْ تقولي كلّما ... هَلَّلْتِ أو سَبَّحْت: يا للهمْ مَا
أردُدْ علينَا شيخنا مُسَلمَّا ... من أيْنَما وَحيْثُمَا وكيفما!!
هذا الرجز: لا أعلم قائله، وزاد فيه الكوفيون:
فإننا من خيره لن نُعْدما.
أي: أمر بنيه وأهله، ومن جرى مجراهما بالدعاء له، والسلامة في السفر بعد انقضاء البغية والوطر.
وما زائدة.
وأنشد أبو القاسم في باب الاستغاثة:
يا عَجَباً لهذه الْفَلِيقَة ... هل تُذْهِبَنَّ القوباءَ الرّيقة
هذا الشعر: لا أعلم قائله.
والفليقة: الداهية، ويقال أيضاً: فليق، بغير هاء، وفلق وفلقة وفيلق.
وزعم أبو العباس المبرد: أنه يقال: فلق بفتح الفاء، وذلك غير معروف. قال سويد بن كراع:
إذا عَرَضَتْ دَاوِيَّةُ مُدلهِمَّةٌ ... وغَرَّدَ حاديِها عَمِلْنَ بها فَلْقا
وقال الآخر:
نَشُقُّهَا بِفَيْلَقٍ عنْ فَيْلَقٍ
قال خلف الأحمر: موت الإمام فلقة من الفلق؟.
والقوباء: - بفتح الواو وتسكينها - فمن فتح الواو: جعل الهمزة للتأنيث فلم يصرفها: ومن سكن واوها: جعل الهمزة للالحاق، فصرفها.
وأجاز الكوفيون ترك صرفها، مع سكون الواو، وتكون ألفها للتأنيث، ولا يجيز ذلك البصريون.
والريقة: القطعة من الريق.
وهذا البيت لأعرابي أصابته قوباء، فقيل: اجعل عليها شيئاً من ريقك وتعهدها بذلك، فإنها ستذهب، فعجب من ذلك واستغربه!.
ويروى: هل تغلبن القوباء الريقة - برفع القوباء - كأن معناها: أن الأعرابي كان يعتقد أن الريقة لا تبرؤها، فأنكر ذلك وتعجب منه! ويجوز تنوين العجب، وترك تنوينه: فمن نونه فله وجهان من الإعراب: أحدهما: أن يكون منادى منكورا، أو منادى مطولا، وهو الذي ينصب، وإن كان يقصد إليه لطوله بم ايتصل به كقولك: يا خيراً من زيد، ويسمى المشبه بالمضاف؛ لاحتياج الأول إلى الثاني، كاحتياج المضاف إلى المضاف إليه.
والوجه الثاني: أن يكون المنادى غير المتعجب، ويكون عجباً منصوباً على المصدر، كأنه قاله: يا قوم اعجبوا عجباً.
ومن روى يا عجبا بلا تنوين، فله وجهان أيضاً: أحدهما: أن يكون منادى مضافا، على لغة من يقول: يا غلاما أقبل، ونحوه قول أبي النجم:
يا ابْنَةَ عَمَّا لاَ تَلمِي واهْجَعِي.
والوجه الثاني: أن تريد: يا عجباه، وأكثر ما يستعمل هذا في الندبة، وقد جاء في غير الندبة نحو قول الآخر:
يا مَرْحَبَاهُ بحمار ناجية ... إذَا أتى قربته للسَّانية
وقال الآخر:
يا مرحباهُ بحمار عفْراء ... إذَا أتى قرْيتُه لما يَشَاء
من الحشيش والشعير والماء
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
стр. 40
تَكَنَّفَنِي الْوُشاةُ فأزْعَجُونِي ... فيا للَنَّاس لِلْوَاشِي المْطَاعِ
هذا البيت: لقيس بن ذريح، وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم. وكان تزرج لبني وأبوه كاره لذلك، فأمره بتطليقها، فأبى، وأقسم أبوه ألا يكنه سقف حتى يطلقها، ثم استلقى في الرمضاء - وهي الرملة التي قد حميت بحر الشمس - وقال: والله لا برحت من هذا الموضع حتى تطلقها أو أموت!.
فعنفه قومه: لحقوق أبيه، وقالوا: إن مات أبوك على هذه الحال كان ذلك سبة عليك، فأرضه بطلاقها، وسترغب إليه بعد ذلك في أن تراجعها - فطلقها كارهاً!.
ثم زال عقله، وندم أبوه على ما فعل، فأبى والد لبنى، وسأله أن يراجعها، فأبى وأنكحها غيره! فقال في ذلك:
أيا كَبِدَا وعاوَدَنِي رُدَاعِي ... وكانَ فراقُ لُبْنَى كالجُداع
تكَنَّفني الْوشاةُ فأزعجوني ... فيا لَلّه لِلْواشي المطاع
فأصْبحتُ الغداةَ ألُومُ نَفْسِ ... عَلَى شَيْء وَلَيْسَ بمستطاع
كمغْبُونٍ يَعُضُّ على يَدَيْه ... تَبَيَّن غَبْنَه بَعْد البِياعِ
بدار مَضِيعةٍ تركتُكَ لُبْنَى ... كَذَاك الجُيْن يَهْدي للمضَاعِ
وقد عشنا بلذِّ الْعَيْشَ حِيناً ... لو أنَّ الدّهر للإنسان راعي
ولكن الجميع إلى افتراقٍ ... وأسباب الحتُوف لها دواعي
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
يَبْكيكَ ناءِ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ ... يا لَلْكُهُولِ ولِلشُّبَابِ لِلْعَجَبِ
هذا البيت: لا أعلم قائله.
والنائي: البعيد، وأراد هاهنا: بعده منه في النسب؛ لأنه ذكر بعد مكانه من مكانه!.
ووصف ناءٍ: وهو نكرة: ببعيد الدار ال مضاف إلى معرفة، لأن إضافته في نية الانفصال، لأن الدار فاعلة في المعنى، وإن كانت مخفوضة اللفظ، لأن التقدير: بعيد داره: يقول: يبكي عليك الغريب، ويسر لموتك القريب، وذلك أحد الأعاجيب، كما قال الآخر:
يَبكي الْغَريبُ عليْه ليْس يعرفُهُ ... وذُو قرابته في الحَيِّ مسْرورُ!
وقد استغاث بهم، كما استغاث بالكهول.
وكسر لام الشبان، لأن أصل هذه اللام الكسر، وإنما فتحت فرقاً بين المستغاث به، والمستغاث من أجله، فلما عطفت أحد الاسمين على الآخر علم أنه داخل في حكمه، لأن من خاصة الواو أن تشرك بين المعطوف، والمعطوف عليه لفظاً ومعنى، فأغنى ذلك عن فتحها، فجاء بها على الأصل، وهذا ليس في كل موضع، وإنما تكون فيما لم يكن فيه حرف النداء مكرراً، كقولك: يا لزيد ولعمر وللعجب، فإذا كررت حرف النداء قلت: يا لزيد ويا لعمرو - بفتحها معاً، لن الكلام صير جملتين، قال الشاعر في التكرير:
يا لَقومي مَنْ لِلْعُلَى والمسَاعِي ... يا لَقَومي مَنْ للنَّدَى والسَّمَاحِ
يا لَعَطَّافِنَا ويا لَرياح ... ولأبي الحشْرَجِ الفتى النَّفاح
ويروى: وأبي الحشرج الفتى النفاح: وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
حارِ بنَ كَعْب أَلاَ أحْلام نزجُركم ... عَنَّا وَأَنْتُم مِنَ الجُوفِ الجماخيرِ؟!
هذا البيت: لحسان بن ثابت، وقد ذكرت اسمه فيما تقدم.
وكان سبب قوله هذا الشعر: أن النجاشي هجا بني النجار من الأنصار، بشعر يقول فيه:
لَسْتُمْ بني النَّجَّار أكْفاءَ مثْلَنا ... فابْعِدْ بكم عنَّا هنالك أبْعِد!
فإنْ شِئْتُمْ نافَرْتُكمْ عَنْ أبيكُمُ ... إلى من أردْتُم من تهام ومنُجَدِ
ألم يكُ فينا يَنْفُخ الكِيرَ باسْتِهِ ... كأنّ بشدقيه نُفَاضَةَ إثْمِدِ؟!
فقالت الأنصار لحسان بن ثابت: يا أبا الوليد: أتهجو النجاشي؟ فقال: أين أنتم من ابني عبد الرحمن؟! فقالوا إياك أردنا، فقد راجعه عبد الرحمن، فلم يصنع شيئاً!.
فوثب حسان فضربه بالباب فشجه على حاجبه، فقال: باسم الله، الهم أخلف في رسولك اليوم، ثم قال شعره الذي يقول فيه:
أبَنِي الحِمَاسِ أليس منكم ماجد ... إنَّ المْروءة في الْحِمَاسِ قليل
ثم قال: والله ما أنجزت بما قال!! ثم قال: اسمعوا:
حَارِ بْنَ كعب أَلاَ أحْلامَ تَزْجُرُكُم ... عَنَّا وأنتم من الجوف الجماخِيرِ؟!
стр. 41
لا بأْسَ بالقَوْمِ مِنْ طُولٍ وَمِنْ قِصَرٍ ... جِسْمُ الْبِغَالِ وأَحْلامُ العصافير
ذَرُوا التخاجؤ وامشوا مشْيَةً سُجحاً ... إنَّ الرِّجَالَ ذَوٌو عَصْبٍ وتذكير
لا ينفع الطُّولُ من نَوْك القلوبِ وَلاَ ... يَهْدِي الإلَهُ سَبيلَ المعشَرِ البورِ
إنَّي سأقصر عرضي عن سَرَاتِكُمُ ... إنَّ النجاشيّ لَشَيْئٌ غَيْرُ مذكورِ
ألفَى أبَاه، وألْفَى جدَّه حُبِسَا ... بِمعزِلٍ عن مسَاعِي المجْد والخِيرِ
ثم قال: اكتبوها صكوكاً، وألقوها على غلمان الكتابة!.
ففعلوا، واتصل ببني عبد المدان الخبر، فأخذوا النجاشي، وأوثقوه وأتوا به حسان، وقالوا: هذا صاحبنا، وقد جئناك به، فحكمنا فيه يا أبا الوليد!.
فقال حسان: نادوا في الناس، فانجفل الناس إلى أطم حسان، ومعهم السلاح، ووضع لحسان منبر فقعد عليه، وبيده مخصرة، وقال: أين صاحبي؟ فجئ بالنجاشي، فأقعد بين يديه!.
فقال له عبد الله بن عبد المدان: هذا هو، فاحكم فيه برأيك، واكفف عنا غرب لسانك، فقد كنا نفخر على الناس بعظم أجسامنا، وبطولنا، فأفسدت ذلك علينا، فقال حسان: كلا!!، ألست القائل فيكم:
وقد كنا نقول إذا رأيْنا ... لذي جِسْم يُعَدُّ وذي بَيانِ
كأنَّكَ أيّها المعْطَى بَيَاناً ... وجِسْماً مِنْ بَنِي عَبْد المدَانِ؟!
ثم نظر إلى النجاشي ساعةً، ثم قال لابنه: أين الدراهم التي بقيت من صلة معاوية؟ فأتى بها إليه، وكانت مائة دينار، ثم قال: جيئوني ببغلة ابني عبد الرحمن، فجاءوا بها!.
فقال: حلوا عنه وثاقه، فحلوه!.
فقال حسان: خذ هذه الدراهم فأنفقها، وهذه البغلة فاركبها!.
فشكرته الجماعة على ذلك!!.
والجوف: جمع أجوف، وهو العظيم الجوف، والجماخير: جمع جمخور، وهو العظيم الجسم الخوار.
والتخاجؤ: مشي فيه تبختر، والمشبة السجج: السهلة.
والعصب: شدة الخلق، يقال: رجل معصوب، شديد الخلق.
والبور: جمع بائر، وهو الهالك.
والمعزل: المكان المعتزل عن المنازل.
والمساعي ما يسعى إليه الإنسان من خيرٍ وشر.
والمجد الشرف الكثير، والخير: الكرم.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
يا حارِ لاَ أٌرْمَينْ منكم بداهية ... لمْ يلْقَها سُوقَةٌ قَبْلِي ولا مَلِكُ
هذا البيت: من مشهور شعر زهير بن أبي سلمى، يخاطب الحارث ابن ورقاء الصيداوي الأسدي، وكان أغار على بني عبد الله بن غطفان فغنم، وأخد إبل زهير وراعيه: يسارا.
فطالبهم بذلك، ليردوا عليه ما أخذوه.
والسوقة من الناس: من دون الملك.
وانشد أبو القاسم، في هذا الباب:
أَعائِشُ ما لأَهْلِكِ لاَ أراهم ... يُضِيعُونَ الهجانَ مع الْمَضِيعِ
هذا البيت: للشماخ، واسمه معقل بن ضرار، وقد تقدم ذكره.
وبعده:
وكيف يضيَّعُ صاحبُ مُدْفآتٍ ... على أَثْياجهنَّ مِنَ الصَّقِيع
هجان الإبل: كرائمها، والمدفآت: الكثيرات الوبر، والأثباج: الأوساط، واحدها ثبج، والصقيع: الثلج.
أراد: أن على أوساطهن وبراً كثيرا يقيها البرد، قد أفئت به، أراد أن عائشة قالت له: مالك لا تزورنا، وتتشاغل برعي إبلك والتغرب بها؟ فقال لها: إن كان تضييع المال من الصواب، فما لأهلك لا يفعلون ذلك؟! فكما أن أهلك يرعون إبلهم، ولا يضيعونها، فكذلك أرعى إبلي، ولا أضيعها، ثم قال، وكيف يضيع ما له من له من الإبل جنات قد أدفئت بكثرة الأوبار على ظهورها؟! ثم قال بعد ذلك يمدح إبله، ويؤكد حفظها:
لمَالُ المرء يصلحه فَيُغْنِى ... مَغَاقِرَهُ أعَفُّ من الْقُنُوع
يُسدُّ به نوائب تعتَرِيهِ ... من الأيَّامِ كالنُّهُل الشُّرُوع
والقنوع: السؤال، والنهل: الإبل العطاش، واحدها: ناهل والشروع: التي تشرع في الماء: وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
يا أَسْمُ صَبْراً عَلَي مَا كَانَ من حَدَثٍ ... إنَّ الحوادثَ مَلْقيُّ ومُنْتَظَرُ
هذا البيت: لأبي زبيد الطائي، يعزى به أسماء أم عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وقتل بصفين، وكان مع معاوية، ولذلك قال في هذا الشعر:
стр. 42
كم من أخ لِي كعِدْل الموت مُهْلكُهُ ... أَوْدَى، فكانَ نَصِيبِي بَعْدهُ الذِّكرُ
يا جفنة كنضيح الحوض قد كُفِئَتْ ... ببطْن صِفِّين يعلو فوقها الْعَفْرُ
يقول: من الحواث ما قد لقيه الإنسان، ومنها ما ينتظره، ولا يشك في أنه يلقاه، إذ كان الإنسان مخلوقاً للفناء عالماً بأنه لا سبيل له إلا البقاء! وعدل الشيء - بكسر العين: نظيره من جنسه، تقول: عندي عدل ثوبك، أي: ثوب مثله، وعندي عدله - بفتح العين - أي: قيمته ويجوز مهلكه بفتح الميم - فيكون مصدراً بمعنى الإهلاك ويجوز مهلكه بفتح الميم - فيكون مصدراً بمعنى الهلاك.
ومفعل إذا كان الفعل ثلاثياً، فميمه مفتوحة، وإذا كان من فعل قد تجاوز الثلاثة، فميمه مضمومة.
وإذا فتحت الميم من مهلك، فلك أن تكسر اللام، ولك أن تفتحها، ويقرأ: " ما شهدنا مهلك أهله ".
والمضيح: الحوض الكبير، وكفئت قلبت والعفر: الغبار، ويقال: كفئت جفنة فلان، وصفرت وطابه، إذا مات، وذلك أن السيد: كان إذا مات كسرت جفنته، التي كان يطعم فيها، وتركت وطابه فارغة، لا يمحض فيها لبن، ولذلك قال امرؤ القيس:
وأَفْلتَهُنَّ عِلْباءٌ جريضاً ... ولو أدركْتُه صَفِراْ لوِطَابُ
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
قِفِي يا أَسْمُ هَلْ تَعْرِفينَه ... أهَذَا المغَيْرِيّ الَّذي كَانَ يذْكَرُ؟؟
هذا البيت: لعمر بن أبي ربيعة، وقد ذكرنا اسمه وكنيته.
وهذا البيت: من قصيدته المذهبة، وهي ثمانون بيتاً، وقبله:
عَلَى أنَّها قالتْ غَداةَ لَقِتُهاَ ... بمدْفَع أكْنَانٍ أهَذا المُشَهَّرُ؟!
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب.
يا مرْوُ إنَّ مَطِيَّتي مَخْبُوسَةٌ ... تَرْجُو الحِبَاءَ، وَرَبُّها لَمْ يَيْأَسِ
هذا البيت: للفرزدق، وقد ذكرنا اسمه وكنيته فيما تقدم.
وكان سبب قوله هذا الشعر: أنه كان مقيما بالمدينة، وكان أزنى الناس، فقال شعراً، يقول فيه:
هُما دَلَّيَاني مِنْ ثمانين قامةً ... كما انْفضَّ بَازٍ أَقْتَمُ الرِّيش كاَسِرُه
فلما اسْتَوَتْ رِجْلاَي في الأرض قَالتَا: ... أحَيٌّ فَيُرْجَى، أَمْ قتيل نُحاذِرُه؟
فقلت ارفعا الأَسْبابَ لا يَشْعُروا بِنَا ... وأقبلتُ في أَعجاز ليل أُبادِرُه
أحاذر بَوَّابَيْن قد وُكلاَ بِنَا ... وأَسْود مِنْ سَاجٍ تَبِصُّ مسامِرُه
فعيره جرير بذلك في شعر له طويل فقال:
لَدْ ولدتْ أمُّ الفرزدق فاجِراً ... فجاءت بَوَزْوَازٍ قَصير القوائمِ
يُوَصِّل حَبْلَيْه إذا جَنّ ليلهُ ... لَيَرْقى إلى جَارَاتِه بالسَّلاَلِمِ
تدلَّيْت تَزْني من ثمانين قَامَةً ... وقَصِّرتَ عَنْ بَاعِ العلاَ والمكارم
هو الرّجس يا أهل المدينة فاحذروا ... مداخل رجْس بالخبيثات عَالم
لقد كان إخراج الفرزدق عنكم ... طَهورا لما بين المصَّلى وواقِم
فاجتمع أشراف أهل المدينة إلى مروان بن الحكم، وكان واليها، فقالوا له: ما يصلح أن يقال مثل هذا الشعر بين أزواج النبي ﷺ ، وقد أوجب على نفسه الحد!! فقال مروان: لست أحده أنا، ولكن أكتب إلى من يحده، فأمره مروان بالخروج من المدينة، وأجله ثلاثة أيام، وفي ذلك يقول الفرزدق:
توعَّدِني واجَّلَني ثَلاثاً ... كما وُعِدَتْ بمهلكها ثمود
ثم كتب له كتابا إلى عامله، فأمره فيه بأن يحده، ويسجنه، وأوهمه أنه كتب له بجائزة!.
ثم ندم مروان على ما فعل!، فوجه إليه رسولا، وقال: إني قلت شعرا، فاسمعه، فأنشده:
قلْ للفرزدقِ والسَّفاهَةِ كاسْها ... إنْ كنتَ تارِكَ ما أمرتُك فاجلس
ودعْ المدينَ إنِّها مذمومةٌ ... واقصِدْ لمكَّةَ أو لِبَيْت المقْدِسِ
وإن اجتنبْت مِنَ الأمورِ عظيمةً ... فخذَنْ لنفسِكَ بالرباع الأكيس!
ففطن الفرزدق لما أراد، فرمى الصحيفة. وقال:
يا مَرْوُ إنّ مطيتي محبوسة ... ترجو الحِبَاءَ ورَبُّها لم يَيْأَسِ
стр. 43
وحبوتَنِي بصحيفةٍ مختومةٍ ... تَخْشَى عليّ بها حِبَاء النِّقْرَسِ
أَلْقِ الصحيفةَ يا فرزدقُ لا تكن ... نكْرَاءَ مِثْلَ صَحِيفَةِ المتَلمِّس
وخرج فاراً حتى أتى سعيد بن العاص، وعنده الحسن والحسين ﵉ وعبد الله بن جعفر، فأخبرهم الخبر، فأمر له كل واحد منهم بمائة دينار ولاراحلة، وتوجه إلى البصرة.
وقيل لمروان: أخطأت فيما فعلت؛ فإنك عرضت عرضك لشاعر مضر!! فوجه وراءه رسولاً ومعه مائة دينار وراحلة؛ خوفا من هجائه!.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
كِلِينِي لَهمٍّ يا أميمةَ نَاصِبِ ... ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيئ الكواكِب
هذا البيت: من مشهور شعره النابغة الذبياني، وكان يكنى: أبا أمامة، وأبا عقرب - بابنتين كانتا له.
واختلف في تسمية النابغة نابغة: فقيل: سمي بذلك؛ لأنه قال الشعر بعد ما كبر - يقال نبغ الرجل إذا لم يكن يقول الشعر، ثم قاله.
وقيل: سمي نابغة لقوله:
نأَتْ بِسُعَادَ عَنْكَ نَوًى شَطونُ ... فَبَاتَتْ وَالْفُؤادُ بِهَا رَهِينُ
وحلَّتْ في بَنِي القَيْنِ بن جَسْرٍ ... فقد نَبغَتْ لَنَا مِنْهُم شُؤُونُ
وقيل: هو مشتق من نبغت الحمامة إذا تعبت، قال ذلك الرياشي، وحكى ابن ولاد أنه قال: نبع الماء، ونبغ، فكأنهم أرادوا: أن له مادةً من الشعر لا تنقطع، كمادة الماء النابغ.! والناصب: المتعب، وكان قياسه أن يقول: منصب، كما قال طفيل:
تَعَنَّاكَ نَصْبَ من أُمَيْةَ مُنْصِبُ
ولكنه جاء على معنى النسب، أو على حذف الزيادة من الفعل، كما قال: أورس الشجر فهو وارس، وأبقل المكان فهو باقل: وقوله: بطئ الكواكب أراد أن الليل لطوله، يخيل إلى الساهر فيه أن كواكبه لا تبرح! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
قالتْ بَنُو عَامِرٍ خَالُوا بني أَسَدٍ ... يا بؤسَ لِلْجهلِ ضرَّاراً لأَقْوَامِ!
هذا البيت: من مشهور شعر النابغة.
ومعنى خالوا بني أسد: تاركوهم، يقال: خالي الرجل أهله، إذا طلقها.
وكانت ذبيان أرادت مخالفة بني عامر، فقال بنو عامر: لا نخالفكم حتى تتركوا ما بينكم، وبين بني أسد من الحلف، فنسبهم النابغة إلى الجهل فيما قالوا، وأعلمهم أن ذلك لا يكون؛ فإن ذلك سيضرهم عند بني أسد، ويحقدهم عليهم.
ونصب ضراراً على الحال: واللام في قوله: يا بؤس للجهل ... مقحمة، وقد قلنا فيما مضى من شعر جرير لا أبالكم: إن الاختيار أن تكون اللام هي الجارة، دون الإضافة، وإن كانت زائدة، وقلنا في هذا هناك ما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، فارجع إليه تره إن شاء الله تعالى! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
يا بؤسَ لِلْحَرْبِ الَّتِي وَضَعتْ ... أراهِطَ فاسْتَراحُوا
هذا البيت: لسعد بن مالك القيسي، يقوله في حرب البسوس حين هاجت الحرب بين بكر وتغلب، لقتل كليب، فاعتزل الحارث ابن عباد الحرب، وقال: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل، فلم يزل معتزلا لهم، إلى أن قتل مهلهل ابنه بجيراً، فأخبر بذلك، فقال: إن ابني لأعظم قتيل بركةً: إذا أصلح الله به بين ابني وائل، وكف سفاههما، وحقن دماءهما!.
والسفاه: الطيش والخفة - فقيل له إنه حين قتله قال: بؤبشيسع نعل كليب!.
فلم يصدق ذلك، وأرسل إلى مهلهل يقول له: إن كنت قتلت ابني بأخيك ورضيته ثأرا، فقد رضيت ذلك؛ لتطفأ هذه الثائرة!.
فقال مهلهل: إنما قتلته! بشسع نعله!.
فعند ذلك غضب الحارث، وقال الحارث لأمه: ردي أحمالك لألحقك بقومك، فمن أنا من ما أنت؟، فذهبت مثلا!.
وقال: -
قَرِّيَا مرْبط النَّعامة مِنِّي ... لَقِحَتْ حرب وائِل عن حيالٍ
لمْ أكن من جناتها علم الله وإنّي لحرِّها الْيَوْم صَالٍ
لا يُجَيْر أغنَى قتيلا ولا رهط كُلَيب تزاجروا عن ضلالٍ
قَرِّبَا مرْبط النَّعامة مِنِّي ... إنَّ قَتْل الغلامِ بالشِّسْعِ غْالٍ
ورجع إلى بكر بن وائل، وشهد الحرب، وكان يوم تسمية العرب: يوم التحالق، وكان سعد بن مالك قد قال - عند اعتزال الحارث الحرب يعرض به، وبمن شايعه على مذهبه: -
يا بؤسَ للِحرْبِ الّتي ... وضعتْ أراهِطَ فَاسْتَراحوا
стр. 44
والحرْبُ لا يبقى لِجَا ... حِمِهَا التَّخَيُّلُ وَالمْراحُ
إلاَّ الفَتَى الصَّبَّار في النّجِدات والفرس الْوَقَاحُ
من صدّ عن نِيرانها ... فأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ
كشفتْ لَنَا عن سَاقِهَا ... وبَدَا لَنَا مِنْهَا الصُّراحُ
فلما انقضى يوم التحالق، وكان الظهور ذلك اليوم لبكر على تغلب، قال الحارث لسعد بن مالك: أتراني فيمن وضعته الحرب؟ فقال: لا، ولكن لا مخبأ لعطر بعد عروس!.
فذهبت مثلا - ومعناه: إن لم تنصر قومك الآن، فلمن تدخر نصرك؟! ومعنى وضعت أراهط: أي أسقطتهم فلم يكن لهم ذكر في هذه الحرب فاستراحوا من مكابدة شرها، ومقاساة حرها.
وأراهط: جمع رهط، وقد جاء أراهط مستعملا على أرهط، قال رؤية:
هو الذَّلِيلُ نَفَراً في أَرْهُطِه
وأكثر النحويين؛ يرى أن أراهط جمع رهط على غير قياس.
والتخيل: الخيلاء، والمراح: النشاط.
وجاحمها: جحيمها، والنجدات الشدائد.
والنعامة: اسم فرس الحارث بن عباد.
ومعنى لقحت حملت، والحيال أن يضرب الفحل الناقة فلا تحمل، يقال: كانت حرب بكر وتغلب قبل اليوم حيالاً، أي بمنزلة الناقة الحائل، فصارت اليوم بمنزلة الولود!.
وإنما ضرب ذلك مثلا لما يولد من الحرب، من الأمور التي لم تكن تحتسب! ثم حلف الحارث بن عباد لا يصالح تغلب حتى تكله الأرض!!.
فلما كثرت وقائعه في تغلب، ورأت تغلب أنها لا تقدر على مقاومته، حفروا سربا تحت الأرض، فأدخلوا فيه إنساناً، وقالوا له: إذا مر الحارث بك فتغن بهذا الشعر:
أَبَا مُنذِرٍ أفنيْتَ فاسْتَبْقِ بعْضَنَا ... حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشر أهْوَنُ مِنْ بعض
فلما مر الحارث على ذلك الموضع اندفع الرجل يتغنى في السرب بهذا البيت، فقيل للحارث: قد بر قسمك، فايق بقية قومك، ففعل!.
وأنشد أبو القاسم في باب ما رخمت الشعراء، في غير النداء اضطراراً:
ألاَ أضْحتْ حِبالكُمُ رِمَاماً ... وأضحَتْ مِنكَ شَاسِعةً أُمَامَا
هذا البيت: لجرير بن الخطفي.
وأراد ب الحبال: العهود والمواصلة التي كانت بينهما.
ورمام: جمع رمة، وهي القطعة من الحبل البالية.
والشاسعة: البعيدة.
هكذا أنشده سيبويه شاهداً على جواز الترخيم في ضرورة الشعر على لغة من يقول: يا حار بكسر الراء.
وزعم أبو العباس محمد بن يزيد، أنه قرأ على عمارة، بن عقيل، بن بلال، بن جرير:
وما عَهْدٌ كَعهْدِك يا أُمَامَا
وهذا لا ضرورة فيه.
وبعد هذا البيت:
يشقُّ بِها الْعَاقِلَ مؤْجَدَاتٌ ... وكلِّ عَرَنْدَسٍ يَنْفِي اللُّغَامَا
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
أَلاَمَا لهذَا الدَّهر مِنْ متعَلَّلِ ... على النَّاسِ مَهْمَا شَاءَ بالنَّاسِ يفْعَلِ!
وهَذَا رِدَائِي عِنْدهُ يَسْتَعِيرُهُ ... ليْسلَبَنِي نَفْسِي، أَمَالِ بن حَنْظَلِ
هذا الشعر: للأسود بن يعفر التميمي: والأسود: اسم منقول عن الأسود الذي هو ضد الأبيض، والأسود الذي يراد به الحية، أو الأسود الذي يراد به حبة القلوب، أو سواد العين.
ويعفر: منقول من مستقبل عفر، بمنزلة يشكر، منقول من مستقبل شكر يقال: عفرت الزرع؛ إذا سقيته أول أمره، وعفرت النخل: إذا ألقحته، وعفرت الرحل في التراب، وعفر الرجل - بضم الفاء - عفارة إذا خبث وتنكر. وفيه ثلاث لغات؛ يعفر - بفتح الياء وضم الفاء -، ويعفر - بضم للياء وفتح الفاء - ويعفر - بضم الياء والفاء -.
فمن ضم الياء والفاء صرفه، وفي الوجهين الآخرين لا ينصرف. ومن روى ألا ما لهذا الدهر من متعلل كسر اللام، لأنه اسم فاعل من تعلل.
ومن روى: ألا هل لهذا الدهر ... فتح اللام من متعلل: لأنه مصدر بمنزلة التعلل.
وأراد بالرداء هاهنا الشباب، يقول.
الدهر يأخذ شبابي، ويعوضني منه الهرم ليدرجني بذلك إلى الهرم والموت!.
وهو مثل قول امرئ القيس.
إلى عِرْق الثَّرى وشجَتْ عُروقي ... وهذا الموتُ يَسْلُبُني شبَابِي
وقوله: من متعلل: في رواية من روى ألا ما لهذا الدهر: من ههنا التي تقدر مع التمييز، فإذا سقطت انتصب الاسم كقول الآخر:
يا فارساً ما أنت من فارس ... موَّطإ الأكْنَافِ رحب الذِّراع!
стр. 45
ولو سقطت من لقلت: ألا ما لهذا الدهر متعلالاً - ويا فارسا ما أنت فارساً، وإذا ظهر النصب احتمل أن يكون تمييزاً، وأن يكون حالا.
وأما من روى: ألا هل لهذا الدهر من متعلل - بفتح اللام، فإن المتعلل مصدر بمعنى التعلل، ومن زائدة كزيادتها في قولك: هل لزيد من خروج؟.
وموضع المجرور رفع بالابتداء.
قوله: يستعيره: جملة في موضع الحال من الهاء، التي هي ضمير الدهر، أو من ضمير الرداء المضمر في الظرف، لأن نعناه مستقراً عنده في هذه الحال.
فإذا كانت حالا من الدهر، كانت حالا جارية على من هي له.
وإذا كانت حالاً من ضمير الرداء، كانت حالا جارية على غير من هي له:
ولو صيّرتها اسْماً مُفْردا لقلتَ إذا كانتْ حالاً من الدَّهر:
مستعيره، فلم يظهر الفاعل.
فإذا كانت من ضمير الرداء قلت: مستعيره هو، فأظهرت الضمير الفاعل. وقوله: عنده إن شئت جعلته في موضع رفع، كما تقول: هذا زيد منطلق، وإن شئت في موضع نصب، كما تقول: هذا زيد منطلق، وإن شئت في موضع نصب، كما تقول: هذا زيد منطلقاً، وهو الوجه.
واللام في قوله: ليسلبني: لام: كي: وتسمى لام العلة، وهي متعلقة بالاستقرار، أو ب يستعيره.
ويجوز في قوله: نفسي: أن يكون مفعولاً ثانياً، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير؛ لأن السلب: تارةً. يستعمل متعدياً إلى مفعولين، وتارة متعدياً إلى مفعول واحد.
ويجوز في أمال كسر اللام على لغة من يقول: يا حار، وفتحها على لغة من يقول: يا زيد بن عمرو، وهذا لا يكون إلا على مذهب من يجعل المرخم بعد ترخيمه بمنزلة اسم قائم بنفسه لم يحذف منه شيء.
واللام في قوله لهذا متعلقة بمحذوف، لأنها في موضع خبر المبتدأ الذي هو ما، فهو بمنزلة ما لزيد.
وأما الباء في قوله: بالناس فيجوز أن تكون متعلقة ب شاء كما تقول: أردت بزيد الخير.
ويجوز أن تتعلق بيفعل، كما تقول: فعلت به الجميل، ونظير الوجه الأول قول الشاعر:
أرادَ بِي الَّتي لا خَيْر فيها ... فحالتْ دُونَهُ أيْدٍ منيعة
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
وابنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّفي قَرَنٍ ... لم يَسْتَطعْ صولةَ البُزْل الْقَنَاعِيسِ
هذا البيت: لجرير بن الخطفي.
وكان سبب قوله إياه: أنه دخل على الوليد بن عبد الملك بن مروان، وعدي بن الرقاع العاملي ينشده قصيدته التي أولها:
عَرَفَ الدِّيار توهُّماً واعتادها ... مِنْ بعد أن شمل الْبَلي أَبْلاَدها!
فلما فرغ من إنشاد القصيدة، قال له الوليد: تسمع يا ابن الخطفي؟! قال: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال عدي بن الرقاع العاملي.
قال له جرير: من الذين قال الله فيها: " وجوه يومئذٍ خاشعة، عاملة ناصبة، تصلى ناراً حامية "؟ فقال له الوليد: لا أم لك، أتقول هذا لمن يمدح أحياءنا، ويؤبن موتانا؟!!.
فقال جرير:
يُقَصِّرُ بَاعُ العامليِّ عَنْ الْعُلاَ ... ولكنَّ أَيْرُ العَامِلِيِّ طويل؟
فقال عدي: أأمك أخبرتك بطوله، أم أنت امرؤ لم تدري كيف تقول؟!.
فقال الوليد: بل هو امرؤ لم يدر كيف يقول!.
فغضب جرير، فقال عدي: يا أمير المؤمنين، أجرني من لسانه!.
فقال الوليد - لجرير -: والله لئن ذكرته في شعرك لأسرجنك وليركبنك حتى تعيرك الشعراء بذلك!!.
فلم يذكره جرير في شعره، غير أنه عرض به في قصيدته التي أولها:
حَيِّ الهِدَمْلَةَ مِنْ ذَاتِ المواعِيسِ ... فالحِنْو أصبح قَفْراً غَيْرَ مأُنُوسِ
فقال فيها:
إنِّي إذَا الشَّاعر المغرورُ حَرَّ بَني ... جار لقبر عَلَي مرَّان مرمُوسِ
قد كان أشْوسَ أبَّاءَ فأوْرَثنا ... شَغْباً على النَّاس في أبنائه الشُّوسِ
أَقْصِر فإنْ نزاراً لن يفاخِرَهُمْ ... فرعٌ لَئِمٌ وأصْلٌ غير مغروسِ
لا يستطيع امتناعا فقْع قَرْقَرةٍ ... بين الطريقين بالبِيد الأماليسِ
وابْن اللَّبُون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يستطع صولةَ البُزِل القَنَاعِيسِ
الهدملة: من الرمل - في قول أبي عبيدة -: ما استدق وطال. والمواعيس: رمال سهلة الموطأ، واحدتها ميعاس. ومعنى حربني أغضبني.
стр. 46
ومران: موضع على أربع مراحل من مكة، إلى البصرة، دون بلاد بني تميم ابن مر.
ومعنى كونه جاراً له: أنه يجئ نحوه: ينتصر وينتهر لعرضه، ويعتز بالانتساب إليه، ويفاخر الناس به!.
ومرموس مدفون، وفي الكلام حذف، معناه: جار لذي قبرٍ مرموس، بحذف المضاف، لأن القبر لا يوصف بأنه مرموس.
والأشوس: المتكبر الذي ينظر بإحدى عينيه تيهاً.
الأباء الكثير التأبي، من الظلم.
والقرقرة المكان المستوي من الأرض.
والبيد: الفلوات التي تبيد من يسلكها، واحدتها بيداء.
واللبون: الناقة التي لها لبن.
ولز: شد وريط.
والقرن: الحبل الذي يقرن به البعير أو الثور.
والبزل: الجمال المسنة، واحدها بازل، والبازل من الإبل بمنزله القارح من الخيل.
والقناعيس: جمع قنعاس، وهو الضخم، ونظير هذا البيت في معناه قول سحيم بن وثيل الرياحي:
عزرْتُ البُزْل من أَنْ خَاطَرتْ بي ... فما بَالي ومَالِ ابَني لَبُونِ
وأنشد أبو القاسم هذا البيت:
وَجدْنَا نهْشَلاً فَضَلَتْ فُقَيما ... كفضْلِ ابْن المْخَاضِ عَليَ الْفصِيلِ
هذا البيت: للفرزدق.
ونهشل، وفقيم: قبيلتان.
وابن المخاض الذي حمل على أمه، فلحقت، وذلك في السنة الثانية من مولده.
والفصيل الذي فصل عن الرضاع، وليس بينهما تفاوت كبير، فشبه بذلك تفاضل ما بين هاتين القبيلتين.
وقد أولع كثير من النحويين بأن يجيزوا في فضلت في هذا البيت - فتح الضاد وكسرها، لأن أهل اللغة حكوا أنه يقال: فضل وفضل.
واللغتان إنما هما في الفضلة من الشيء، يقال من ذلك: فضل يفضل على مثال: قعد يعقد، وفضل يفضل، مثل سمع يسمع، وفضل يفضل - بكسر الضاد من الماضي وضمها من المستقبل - وفضلت المذكورة في هذا البيت، إنما هو من قولهم: فاضلت الرجل ففضلته، أي غلبته في الفضل، وفعل من هذا الباب، وهو باب المغالبة، والمناوأة - لا يكون إلا مفتوح العين، وهو مطرد في ذلك.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
يَارُبَّ غَابِطِنا لَوْ كَانَ يُطْلُبكُمْ ... لاَقَى مُباعَدَةً مِنْكُم وَحِرْمَانَا
هذا البيت لجرير بن الخطفي، وقد مضى ذكره في باب اسم الفاعل.
وأنشد أبو القاسم في الباب الحروف التي تنصب الأفعال المستقبلة:
أُحِبُّ لُحبتهَا السّودانَ حَتَّى ... أحبّ لحبّهَا سودَ الْكِلاَبِ
هذا البيت: لا أعلم قائله.
وصف قائله أن محبوبته لما كانت سوداء، أحب كل شيء أسود من أجلها، كما قال علي بن هشام - وقد عنف على حبه سوداء: -
يكون الخالُ في وجه قبيح ... فيكسوه الْملاحة والجَمَالاَ
فكيف يُلامُ معشُوقٌ على مَنْ ... يَرَاها كلَّها في العيْن خَالاَ
ولبعض أهل هذا العصر بيتان عكس ما ذهب إليه هذا الأول، وهو قوله:
تعشّقْتُ سَوْدَاءَ على خُبْثها ... فحلَّ عليّ لَها رِدَاءُ
وعِشْقي سوداءَ عكْسُ اسْمها ... أوَّلُه سَوْ، وباقيه داء!
وقوله: حتى أحب: يحتمل أن يكون في تأويل الماضي، كما قال أبو القاسم، كأنه قال: حتى أحببت.
ويحتمل: أن يكون فعل حالٍ في وقته الذي قال فيه الشعر، كأنه قال: إني الآن في هذه الحالة، كما يقال: مرض فلان حتى لا يرجونه، أي حتى هو الآن لا يرجى.
واللام في قوله: لحبها متعلقة ب أحب وهي لام العلة والسبب، ولا موضع لها، لتعلقها بظاهر.
وأنشد أبو القاسم في باب أو:
فَقُلْتُ لَهُ: لاَ تَبْك عَيْنُك إنَّما ... نُحاولُ مثلْكاً أوْ نموتَ فنُعْذَرَا
هذا البيت: من مشهور شعر امرئ القيس، وشهرته تغنينا عن ذكر الكلام فيه.
ويروى: فنعذر - بفتح الذال - أي يعذرنا الناس، ونعذرا بكسر الذال - أي نبلغ العذر.
وأنشد أبو القاسم في باب: الواو:
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتأتِيَ مِثْلَهُعَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عظيمُ
اختلف الناس في قائل هذا الشعر.
فقوم يروونه: للأخطل.
وقوم يروونه: للمتوكل الليثي.
وقوم يروونه: لأبي الأسود الدولي، وهي أثبت الروايات، وبعده:
وابدَأْ بِنَفْسِك فانْهَهَا عن غَيِّها ... فإذَا انْتَهَتْ عَنْه فأنْتَ حكيم
وهناك يُسْمع ما تقول، ويُقْتَدَى ... بالفعل منك، ويَنْفع التَّعلِيمُ!!
стр. 47
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتقرَّ عيني ... أحبّ إليّ من لُبْسِ الشُّقُوفِ
هذا البيت: لميسون بنت بجدل الكلبية.
وميسون، وبجدل: من الأسماء المرتجلة.
أما بجدل: فلا أعلم له اشتقاقا.
وأما ميسون: فيحتمل أن يكون مشتقا من قولهم: مسنه بالسوط مسناً، إذا ضربه، فتكون ميمه أصلية، وباؤه زائدة، ووزنه: فيعول.
ويحتمل أن يكون مشتقا من ماس يميس إذا تبختر، فيكون اشتقاق ميسون - للمرأة - وميسان - للبلدة - من أصل واحد. والأشبه أن يكون من مسن، لأن اشتقاقه من ماس يوجب أن تكون النون في ميسون زائدة، والياء أصلية، فيكون وزنه: فعلوناً وسحنون وفعلون غريب لا يعرف نظيره، إلا قولهم: زيتون، فإن قوما من النحويين استدلوا على زيادة النون فيه بالزيت المعصور منه، وحكى بعض اللغويين: أرض زيتية، إذا كان فيها زيتون، وهذا يوجب أن يكون وزنه: فيعولاً.
والعباءة، والعباية: الجبة.
والشفوف: الثياب الرقاق التي يرى ما وراءها.
وكان معاوية بن أبي سفيان، تزوج ميسون هذه، وساقها من البادية، وجعلها من كرائمه، فأبغضته لكبر سنه وشيخوخته فقالت هذا البيت، وبعده:
لَبيتٌ تَخْفِق الأرواحُ فيه ... أحبُّ إليّ من قصْرٍ مُنِيفِ
لَكَلْبٌ يَنْبَحُ الأضيافَ وَهْناً ... أَحَبُّ إليَّ من قِطٍّ أليفِ
لأَمْرَدُ مِنْ شَبَابِ بَنيِ كلابٍ ... أَحَبُّ إِليّ مِنْ شيْخ عَنيفِ
فطلقها معاوية، وقال الحقي بأهلك!.
وتقدير هذا البيت: أحب إلي من لبس الشفوف، دون قرة عيني، فحذفت ذلك لما دل عليه معنى الكلام.
ويروى أن شيخاً تعرض لامرأة، فقالت له: لست أركب أشهب!! وكتب شيخ إلى امرأة متأدبة يخطبها! - وكان أفوه، طويل الأسنان - فكتبت إليه، ووقعت على ظهر كتابه:
اتّق الله في دَمِي يا مَلِيح التَّبَسُّم!.
وأنشد أبو القاسم في باب؛ من مسائل الفاء:
ألَمْ تَسْألْ الرَّبْعَ الخَوْاءَ فَيَنْطِقُوَهَلْ تُخْبِرنْكَ الْيَومَ بَيْدَاءُ سِمْلَقُ
هذا البيت: لجميل بن معمر العذري.
وجميل، ومعمر، وعذرة كلها منقولة.
أما الجميل: فالحسن من كل شيء، والجميل: الودك، قال أبو خراش.
نُقَابلُ جوعَهُمْ بمكَلَّلاَتٍ ... مِنَ الفُرْنِيِّ يَرْعبُهَا الجميل
والرعيب: الدسم.
والمعمر: موضع العمارة، ومعمر: اسم موضع بعينه.
وعذرة - الجارية -: انغلاق قبلها قبل أن تنكح، والعذرة: شعر الناصية، قال امرؤ القيس:
لها عُذَر كقُرونِ النِّسَا ... ء رُكِّبْن في يَوْمش ريح وصِرّ
والربع: المنزل حيث كان، والمربع: المنزل خاصة.
والقواء: الخالي، والبيداء الفلاة التي تبيد من يسلكها.
والسملق: التي لا شيء فيها.
ومعنى نطق الربيع: ما يبين من آثاره، والعرب تسمى كل دليل نطقاً وقولا.
وكذا قال الله تعالى: " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " ومنه قول زهير:
أمن أُمِّ أوْفَى دِمْنَةٌ لم تكلَّم ... بجوْمانة الدّرّاج فالمتثلّم
أي لم يبن لها تكلم وأثر نسيان؛ لقدم عهدها، بالنزول فيها، ونحو قوله: هللا وقفت على الجنان فقلت: من أجرى أنهارك، وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟! فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً!.
وإلى هذا ذهب أبو العلاء المعري بقوله:
أتَحْسِسَبُ أنّ البدْر لَيْسَ بناطقٍ ... فَصِيحٍ وأنَّ الشَّمْسَ لا تَتكَلَّمُ؟!
فلا قد أتانا كل ما هو زائل ... ولكننا في عَالَم ليْسَ يَعْلَم!
وبعد بيت جميل:
وإمَّا تردُّ القوْلَ: دَارٌ كأنهالطول بِلاَهَا، والتَّقادم مهْرَقُ
وقفتُ بها حتَّى تجلَّتْ عَمَايَتِي ... وملْ الوقوف اْلأَرْحبيّ المنَوَّقُ
وأنشد أبو القاسم في باب من مسائل إذا:
لَئِنْ عَادَلِي عَبْدُ الْعزِيزِ بمِثْلِها ... وأمْكنَنِي مِنْها إذاً لاض أٌقِيلُهَا
هذا البيت: لكثير عزة الخزاعي.
وعبد العزيز - هذا - هو عبد العزيز بن مروان، أبو عمر بن عبد العزيز.
وكان كثير عزة مدحه، فاستحسن شعره، فقال: سل حاجتك! فقال: تجعلني مكان كاتبك ابن رمانة! فقال: ويلك!، ذاك كاتب، وأنت شاعر - واستحمقه.!
стр. 48
وقيل: بل عرض له بجارية أن يهبها له، ويدع التغزل بعزة، فأبى من ذلك، ثم ندم على ما فعل، ثم قال شعره الذي يقول فيه:
وإنّ ابنَ لَيْلَى فَاهَ لي بمقالةٍ ... ولو سِرْت فيها كنتُ ممن يَنيِلُها
فلما تَدَبَّرْتُ الأمورَ وقد بَدَتْ ... نصيحتُهُ ودَّعْتُها ووبيلَهَا
عجبتُ لِترْكي خُطَّة الرّشد بعدما ... بَدَا لِي مِنْ عبدِ الْعَزيز قَبوُلها
وإنّي صَعْبَات الأمورِ أَرُوضها ... وقد أمْكنَنَيِ يومَ ذَاكَ ذلوُلها
حلفتُ بربّ الراقصَات إلى مِنَي ... تغُول البلادَ نَصُّها وذَمِيلُها
لئن عَادِلِي عبدُ العزيز بمثلهاوأمْكَنَنِي مِنْها إذاً لا أُقيلُها
فهل أنت إن راجعتكَ القولَ مرَّةًبأحسن منها عائد ومُنِيلُها؟!
وأنشد أبو القاسم في باب مسائل أن الخفيفة الناصبة للفعل:
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنَّوا بألْفَيْ مدَجَّج ... سرَاتُهم بالْفَارِسيّ الْمسَرَّد
هذا البيتك لدريد بن الصمة.
ودريد: اسم منقول، يمكن أن يكون من الدرد - الذي هو سقوط الأسنان، أو تصغير: الأدرد، على جهة الترخيم.
والصمة: اسم منقول أيضاً من الصمة - التي يراد بها السد - والصمة أيضاً: الشجاع.
وهذا البيت من شعر رثى به أخاه: عبد الله، وكان غزا غطفان فغنم وانصرف، فلما وصل إلى منقطع اللوى، نزل، فقال له دريد: إن هذا ليس بموضع نزول، فإن أصحاب هذه الغنيمة، لا يتركون إتيانك وطلبك! فقال له عبد الله، لا ابرح حتى أنتقع، وأرتصع واجيل السهام! فلم يقدر دريد على عصيانه، وأمر ربيئة، فصعد على شرف الأرض، وقال له: انظر، وأخبرنا بما ترى.
فمكث ساعة، وقال: أرى خيلا، عليها رجال كأنهم الصبيان، رماحهم بين آذان خيولهم! فقال عبد الله: هذه فزارة، ولا بأس! ثم قال الربيئة: أرى قوما كأن ثيابهم غمست في الجأب.
فقال عبد الله: هذه أشجع، وليست بشيء! والجأب: المغرة.
ثم قال الربيئة: أرى قوما سودا يقلقلون الأرض، دوابهم سوادهم، ويجرون الأرض بأقدامهم ورماحهم! فقال عبد الله: فهذه عبس، قد حاكم الموت الزؤام، فاركبوا! فتلاحق القوم، واقتتلوا قتالا شديدا، وعمد ذؤاب بن أسماء، إلى عبد الله فطعنه، فسقط إلى الأرض، واستغاث بأخيه دريد فاقبل دريد، فدافع الخيل عنه ساعةً وكشفها، وطعن دريد وصرع، وقتل عبد الله، وانهزم أصحابه، واستعيدت الغنيمة، فقال دريد - ويسمى هذا اليوم يوم اللوى -:
وقلتُ لِعارِضٍ وأصحابِ عَارضٍ ... وَرَهط بني السَّودَاء والقوم شُهَّدَى
وقلت لهم: إنّ الأحاليف كُلُّها ... قُعُودٌ على مَاءِ الْبُلَيْل فَتَهْمِدِ
وقلت لهم: ظُنُّوا بألفَيْ مدَّجج ... سَراتُهم بالفارسيّ المْسرَّدِ
فلما عصوني كنت منهم وقد أرَى ... غِوايتَهم، أو أنَّنِي غيرُ مهتدِي!
أمرتهم أمْرِي بمنْعَرجَ اللِّوىَ ... فلمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْد إلا ضُحى الغد
وهل أنَا إلاَّ من غَويَّة أن غَوتْ ... غَويْتُ وإن تَرشُد غويّة أرْشُدِ
والمدجج: الكامل السلاح، يقال بكسر الجيم وفتحها، وفرق بينهما بعض اللغويين، فقال.
المدجج - بالكسر - الفارس، والمدجج - بالفتح - الفرس؛ لأنهم كانوا يدرعون الخيل.
وأراد ب الفارسي: درعاً يصنع بفارس، والمسرد: المنسوج بالحلق وسراتهم: أشرافهم، واحدهم: سري، وكأنه جمع سارٍ، لأنه يقال: سرى الرجل يسري، ويسرو؛ إذا شرف، واسم الفاعل من سرى: سارٍ، كما يقال: غزا، فهو غازٍ، واسم الفاعل من سرو يسرو: سرى، كما يقال: ظرف فهو ظريف، قال الشاعر:
تَلْقَى السَّرِيَّ من الرّجال إذا سَرَا ... وابْنُ السَّريِّ إذا سَرَى أسَرَاهما
وكان القياس أن يقال: سراتهم - بضم السين - كما يقال: قضاة، وغزاة، ولا يجمع فاعل: على فعلة مفتوحة الفاء، إلا ما كان صحيحاً نحو: كافر، وكفرة، وما كان معتل العين، نحو: خائن، وخونة، وحائك وحوكة، وحائز وحوزة، ولكنهم أجروا معتل اللام مجرى معتل العين، لا تفاقهما في الإعلال.
وقد حكي: سراة - بضم السين:
стр. 49
وقد يجوز أن تكون سراة جمع سري، وجاز أن يكسر: فعيل على فعلة: من حيث كان فعيل: وفاعل: يشتر كان في المعنى الواحد، فيقال: عليم وعالم، وقدير وقادر؛ فقد اشتركا في جمعهما، كما اشتركا في مفردهما، وكما قالوا: عالم، وعلماء، وشاعر، وشعراء، وباب فعلاء في الجمع إنما هو الفعيل، نحو: حكيم وحكماء، وبصير وبصراء.
وقيل: إن سراة اسم الجمع، واستدل قائل هذا بقولهم: سرواتهم قصار، بمنزلة: قطاة وقطوات.
وحجة من ذهب إلى المذهب الأول: أن الجمع قد يجمع.
والباء في قوله: بألفي مدجج، تتعلق بظنوا، فلا موضع لها لتعلقها بظاهر: وأما الباء في قوله: بالفارسي؛ فإن اعتقدت أن سراتهم: مبتدأ، وبالفارسي: خبره، فالباء متعلقة بمحذوف، ولها موضع، كأنه قال: سراتهم متدرعة بالفارسي المسرد، أو مستلئمة.
وإن اعتقدت أن سراتهم: مرتفعة بمدجج، فالباء متعلقة بمدجج، ولا موضع لها من الإعراب لتعلقها بظاهر.
ومن اعتقد هذا الاعتقاد، رفع سراتهم على المفعول الذي لم يسم فاعله، إن فتح الجيم، وعلى الفاعل إن كسر الجيم، كأنه قال: بألفي فارسي، وقد دججت سراتهم أنفهم بالفارسي، فحذف المفعول كما قال النابغة الجعدي:
حتَّى لحقْنَاهُمْ تُعْدِي فوارسُنا ... كأننا رَعْنُ قُفٍّ يرفع الآلا
أراد: تعدي فوارسنا الخيل، وقد تقدم مثله.
وأنشد أبو القاسم في باب أفعال المقاربة:
عَسَى الكرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ... يكونُ وَرَاءَهُ فرجٌ قَريبُ
هذا البيت: لهدبة بن الخشرم العذري.
وهدبة، وخشرم - معاً - من الأسماء المنقولة.
أما هدية: فهو من هدب، الثوب، أو من هدب الأرطي، وهو ورقها، والمشهور في الأرطي: أن يقال: هدبة وهدب، كما يقال: شجرة وشجر. إلا أن ابن جني حكى أنه يقال: هدب على مثال هدب الثوب.
والخشرم: جماعة النخل، ولا واحد لها من لفظها، أنشد ابن جني للشنفري:
إذا الخَشْرَمُ المبْعُوثُ حَثْحَثَ دَبْرهُ ... مَحابيضُ أَرْدَاهن سَامٍ مُعَسِّلُ
وهذا الشعر قاله هدبة، وهو مسجون بالمدينة.
وكان السبب في ذلك: انه وقع بينه وبين رجل من بني عمه: زياد ابن زيد ملاحاة، فقتله هدبة، فرفعه أخوه عبد الرحمن إلى معاوية، فقرره معاوية، فقال: إن شئت أجبتك بنثر، وإن شئت أجبتك بنظم.
فقال معاوية: بل ينظم، فإنه أمتع! فأنشده شعرا يقول فيه:
رُمِينا فَراميْنا فَصَادَفَ سَهْمنا ... منايا رجال في كتاب وفي قَدْرِ
وأنْت أمِيرُ المؤمنين فَمَا لَنَا ... وَرَاءَك من معدًى ولا عنْك من قَصْرِ
فإن تَكُ في أمْوَالِنا لَمْ نَضِقْ بها ... ذِرَاعا وإنْ صبْرٌ، فَنَصْبِر للِصَّبْر
فقال معاوية أراك اعترفت بقتل صاحبهم!: فقال: هو ما سمعت!.
فعرض معاوية على عبد الرحمن الدية، ليقبلها، وعرض عليه أكابر قريش سبع ديات، فأبى أن يقبلها!.
وكان لزياد المقتول ابن يقال له: المسور، لم يبلغ الحلم، فقال معاوية: ابنه أولى يطلب دمه، فليحبس هدبة، حتى يبلغ ابنه فربما رضي بالدية.
فحبس سبع سنين حتى بلغ المسور الحلم، وعرض عليه الدية، فأبى إلا قتل هدبة! وزار هدبة أيام اعتقاله رجل من قرابته، يقال له أبو نمير، فأظهر الكآبة بحاله، فقال هدبة:
يؤرِّقُنِي أكتئابُ أَبِي نُميْر ... وقَلْبي مِنْ كآبتهِ كَئِيبُ
فقلتُ له: هداكَ الله مَهْلاً ... وخَيرُ القوْلِ ذو اللُّب المصيبُ!
فيأْمَنَ خائفٌ ويُفَكُّ عانٍ ... ويأتي أَهْلَه الرَّجُل الغريبُ
فإنَّا قد حلَلْنا دَارَ بَلْوَى ... ستَخْبِطُنا المنضايَا أو تصيبُ
ألاَ لَيْتَ الرِّيَاحَ مسخَّراتٌ ... لحاجتنا تُبَاكِرُ أو فَأُوبُ
ويروى: أمسيت - بفتح التاء - على المخاطبة لأبي نمير، وأمسيت - بضم التاء - على وجه الإخبار عن نفسه.
وكان في هذا البيت تامة، لا خبر لها، لأنها في معنى: يقع ويحدث.
وأكثرهم يقول: إنه حذف أن من خبر عسى على التشبيه لها بكاد.
والأحسن عندي؛ أن يقال: إن عسى شبهت بلعل؛ لأن كل واحد منهما رجاء وطمع، كما أنهم ربما أدخلوا في خبر لعل: أن تشبيها بعسى، كما قال متمم بن نويرة:
стр. 50
لعلَّك يوما أنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ ... مِنَ اللاَّئي يَدَعْنك أَجْدَعَا
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
قَدْ كادَ مِنْ طُولِ الْبشليَ أنْ يِمْصَحَا
هذا البيت: ينسب إلى رؤبة بن العجاج، ولم أجده في شعر رؤبة، ورؤبة: اسم منقول، وله أحد عشر معنى، قد ذكرتها في كتاب: الاقتضاب، وفي كتاب: المثلث.
والعجاج: اسم منقول؛ لأن العجاج مثير العجاج، وهو الغبار، ويقال: العجاج، للكثير العجيج، وقيل: إنه سمي العجاج بقوله:
حتَّى يَعَجَّ عِنْدَها مَنْ عَجْعَجَا
ومعنى يمصج: تدرس آثاره، يصف منزلا، بلى حتى كاد لا يتبين له أثر.
وأنشد أبو القاسم في باب: المفعول المحمول على المعنى:
مثْلَ القَنَافِذ هَدَّا جُونَ قد بَلَغتْ ... نجرانَ، أَوْ يَلَغَتْ سَواءَاتِهم هَجَرُ
هذا البيت: للأخطل، واسمه: غياث بن غوث، هذا قول ابن قتيبة، وقد ذكر غيره، أن اسمه: غويث بن غوث.
وهي أسماء منقولة، ويكنى: أبا مالك، وهو أيضاً منقول؛ لأن أبا مالك كنية الجوع، وكنية الهرم، والشيخ، قال الشاعر:
بِثْسَ قَريناً يَفَنٌ هَالِك ... أُمُّ عُبَيْدٍ، وأبو مَالِك
وأم عبيد: كنية المفازة، وقال الآخر:
أَبَا مَالكٍ إنّ الْغَوَانِي هَجَرْنَنِي ... أَبَا مَالِكس إنِّي أظنَك دَائِبا
والأخطل: اسم منقول من قولهم: رجل أخطل، إذا كان طويل الأذنين، وإذا كان بذئ اللسان، ويقال: إنما لقب بذلك؛ لن ابني جعيل وأمهعا؛ اختصموا وتحاكموا إليه، فقال:
لَعَمْركَ إنِّنِي وابْنشيْ جُعَيْل ... وأُمَّهُما لأَسْتارٌ لَئيمٌ
فقالوا له: إنك لأخطل، فعلب ذلك عليه! وهذا البيت: من شعر يهجو به جريرا، يقول فيه، قبل هذا البيت:
أَمَّا كُلَيْبُ بن يَرْبُوعٍ فليْسَ لَهَا ... عند التِّفاخر إبرَادٌ ولا صَدَرُ
مُخَلَّفُونَ ويُفْضي النَّاسُ أمرهموهم لغيْب وفي عَمْياء ما شَعروا
شبههم بالقنافذ، لمشيهم بالليل للسرقة والفجور، كما يمشي القنافذ، والقنفذ: يضرب به المثل في السرى بالليل، فيقال: هو أسرى من قنفذ، وهو أسرى من أنقذ - وهو القنفذ.
وهداجون مشاءون، يقال: هدج يهدج، إذا أسرع، والمصدر: الهدج والهدجان، قال العجاج يصف الظليم:
واستبدلِتْ رُسُومُهُ سَفَنَّجا
أَصَكّ نَغْضا لا يَنِي مُسْتهْدَجا
أي: منفراً.
والسوءات: الأفعال القبيحة.
ونجران، وهجر: بلدان.
وكان الوجه: أن يرفع السوءات؛ لأنها تأتي البلاد، والبلاد لا تأتي إليها، فقلت اضطرارا حين فهم المعنى.
والظاهر من كلام أبي القاسم: أنه إنما جعل الاضطرار في هجر وحدها، لأنه قال: فقلب، لأن السوءات تبلغ هجر، فنصبها ورفع هجر.
وأنشده أبو العباس المبرد، برفع نجران وهجر، وقال: تجعل الفعلين للبلدين على السعة - وهذا هو الصحيح! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
غَدَاة أَحلَّتْ لبْن أَصْرَم طعْنةٌ ... حُصَيْنٍ، عَبِيطاتِ السِّدَائِفِ، والخَمْرُ
هذا البيت: للفرزدق.
والعبيط اللحم الطري، والسدائف: سمين السنام وغيره، مما غلب عليه السمن، وكان حصين بن أصرم قد قتل له قريب، فحرم على نفسه شرب الخمر، وأكل اللحم العبيط، حتى يقتل قاتله، فلما طعنه وقتله أحلت له الخمر، وأكل اللحم.
وكان ينبغي أن يرفعها، وينصب العبيطات والخمر إلا أن الشعر موفوع القوافي، فاضطر إلى قلب الكلام عن وجهه، فقال في ذلك الفرزدق.
وَمَغْبوقة قبْلَ العيال كأنَّها ... جرادٌ إِذَا أْجلَى عَن الْفَزَعِ الْفَجْرُ
عوايِسُ ما تَنْفَكُّ تَحْتَ بُطُونِهَا ... سَرايبلُ أبْطَالٍ بَنَائِقُهَا حُمْرُ
تركْنَ ابنض ذِي الجْدَّيْن يَنْشِجُ مسْنَداً ... وليس له إلاّ ألاَءته قبر
وهُنَّ بِسَرْحَافٍ تَدَاركْنَ دَالِقاً ... عُمَارَةَ عَبْس، بَعْدَ مَا جَنجَ الْعَصرُ
وهُنَّ على خَدَّيْ شُتَيْر بْن خَالدٍ ... أُثيرَ عَجَاجٌ مِنْ سَنَابِكها كدْرُ
غَدَاةَ أُحَلَّتْ لابْنِ أصْرَم طَعْنَه ... حُصَيْنٍ عبيطاتِ السَّدائف والخَمْرُ
стр. 51
أراد بالمغبوقة: خيلاً يؤثرها أصحابها على عيالهم، فيسقونها الغبوق، وهو ما يشرب بالعشي، من لبنٍ وغيره.
وأراد بابن ذي الجدين: بسطام بن قيس الشيباني، وكان قتله عاصم بن خليفة الضبي، فسقط على الآلاء، وهي صخرة صغيرة، ولذلك قال ابن غنمة الضبي:
فخرَّ على الآلاءَة لَمْ يوسَّدْ ... كأنَّ جَبِينَهُ سَيفٌ صَقِيلُ
ومعنى ينشج: يخرج من حرحه الدم يصوب.
والمسند الذي يعلله ويرفق بحاله، ويتبين حالة الحياة.
ودالق: هو عمارة بن الوهاب العبسي، وكان يلقب: دالقاً، لكثرة غاراته، وقتله بسرحاف الضبي.
ويروى أن يونس بن حبيبٍ لقي الكسائي، فقال له: يا أبا الحسن كيف تروي بيت الفرزدق:
غَدَاةَ أحلّت لابن أَصْرَمَ طَعْنَة ... حُصينٍ عَبيطَات السَّدائِفِ والخَمْر؟
قال: أرفع الطعنة على القياس، وأنصب العبيطات، وأقطع الخمر: وأحملها على المعنى: كأنه قال: والخمر حلت له.
فقال له يونس: ما أحسن ما قلت، ولكن الفرزدق أنشدنيه مقلوبا!.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
وَعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ ... مِنَ المالِ إلاّ مُسْحَتاً أو مجلّفُ
هذا البيت: للفرزدق، يمدح به عبد الملك بن مروان، ويهجو جريراً وقبله:
إليك أمِيرَ المؤمنين رَمَتْ بنا ... هُمُومُ المُنَى والَهْوجَلُ المتعَسَّفُ
والهوجل: الفلاة التي لا أعلام فيها يهتدى بها، وإلى هذا ذهب أبو الطيب المتنبي في قوله:
وهَوَاجلٌ وَصَوَاهِلٌ وَمناصِلٌ ... وذَوَابلٌ وتَوَعُّدٌ وتَهدُّدُ
والمتعسف: الذي يسار فيه بلا دليل، والعض: والعط - بالضاد والطاء - شدة الزمان، والمسحت: المستأصل الذي لم يبق منه بقية، والمجلف: الذي ذهب معظمه، وبقي منه يسير.
وفي هذا البيت ثلاث رواياتٍ، كلها اضطرار: أحدها. فتح الياء والدال من يدع: ونصب مسحت.
والثانية: فتح الياء من يدع: وكسر الدال، ورفع مسحت.
والثالثة: ضم الياء، وفتح الدال، ورفع مسحت.
فأما الرواية الأولى - التي ذكرها أبو القاسم، وهي المشهورة -: ففيها أربعة أقوال: أحدها: أن يكون مجلف مرفوعاً بفعل مضمر، دل عليه لم يدع كأنه قال: أو بقي مجلف.
والقول الثاني: - قول الفراء -: أن مجلف: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، كأنه قال: أو مجلف كذلك.
والقول الثالث: - حكاه هشام عن الكسائي -: أنه قال: تعطفه على الضمير في مسحت.
والقول الرابع - وجدته في بعض كلام أبي على الفارسي -: أنه معطوف على العض: قال: وهو مصدر جاء على صيغة المفعول، كما قال جل وعز: " ومزقناهم كل ممزقٍ "، كأنه قال: وعض زمان، أو تجليف.
وأما على رواية من كسر الدال من يدع. ورفع المسحت فإنه جعله من قولهم: ودع في بيته، فهو وادع إذا بقى، ورفع المسحت به، وفي الكلام حذف؛ كأنه قال: من أجله أو من سببه.
ومن روى بفتح الدال، وضم الياء - على صيغة ما لم يسم فاعله - رفع المسحت: أيضاً، إلا أنه مفعول لما لم يسم فاعله، وكان يجب أن يقول: لم يودع، ولكنه حذف الواو، كما حذفت من يدع.
وقد تكلمنا في هذا البيت، بأكثر من هذا في الكتاب الأول، فأغنى عن إعادته ها هنا.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
قَدْ سَالمَ الحيّاتُ مِنْهُ الْقَدَمَا
الأُفْعُوانَ والشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا
وَذَاتَ قَرْنَيْن ضَمُوزاً ضِرْزِمَا
هذا الرجز: لمساور العبسي، وبعده:
همَهَمْنَ في رِجْلَيْهِ حِينَ هَوَّمَا
ثُمَّ اغتدْينَ وغَدَا مُسَلَّما
ومساور: اسم منقول لأنه اسم فاعل من ساوره: إذا واثبه.
هجا رجلاً بغلط القدمين وصلابتهما؛ لطول الحفاء، فذكر أنه يطأ على الحيات، والعقارب، فيقتلها، فقد سالمت قدميه لذلك!.
وكان القياس: أن يرفع الأفعوان وما بعده على البدل من الحيات: غير أنه حمله على فعل مضمر يدل عليه سالم: لأن المسالمة إنما تكون من اثنين، فصاعدا، وإذا قلت: سالم زيد عمرا، علم أيضاً أن عمراً سالمه، فكأنه قال: وسالمت القدم الأفعوان.
والأفعوان: الذكر من الأفاعي، والشجاع الذكر من الحيات، قال عمرو بن شأس الأسدي:
وأطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ رَأَى ... مَسَاغاً لِنَابَيْهِ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا
стр. 52
والشجعم: هو الجرئ، وقيل هو الطويل، والأول أشبه بالاشتقاق.
وقوله: ذات قرنين: اراد بها العقرب، والضموز: التي لا صوت لها.
والضرزم - بكسر الضاد والزاي -: المسنة، وهو أخبث وأكثر لسمها!.
وكان الفراء يروي: قد سالمت الحيات: وينصبها على أنها مفعولة، ويجعل القدم هي الفاعلة، وقال أراد القدمان فحذف نون التثنية ضرورة، كما قال امرؤ القيس:
لها مَتْنَتَانِ خَظَاتَا، كما ... أكَبَّ عَلَى سَاعِدَيْه النَّمِر
أراد: خظاتان، وبدل على ذلك قول أبي دؤاد الإيادي:
ومتَنَتَانِ خَظاتَان ... كزُحْلُوفٍ مِنَ الهْضْبِ
وأبدل الأفعوان: وما بعد من الحيات.
ومعنى همهمن: صوين، والهمهمة: كل صوت خفي لايفهم.
ومعنى هوم نام، يقال: هوم الرجل يهوم تهويماً.
وأنشد أبو القاسم في باب الجزم.
مَتَى تَأْتِه تَعْشو إلى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدضهَا خيْر مُوقِدِ!
هذا البيت: للحطيئة - وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم - في شعر يمدح به بغيض بن عمار، بن شماس، بن لؤي، وقبله:
تَزُورُ امْرأَ يؤتّى على الحَمد مالَهُ ... ومن يُؤْتِ أَثْمَانَ المحامد يُحْمدِ
تْرَى الْبُخْلَ لا يُبْقِي عَلَى المرء مالَهُويَعْلَم أنَّ الْمَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ
كَسُوبٌ ومِتْلافٌ إذَا ما سألتَه ... تهلَّل واهتزَّ اهتزاز الُهنَّدِ
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
إن مَنْ يَدْخل الكنيسةَ يوماً ... يَلقَ فيها جآذِراً وَظِباءً
هذا البيت: للأخطل، وكان نصرانياً، فلذلك ذكر الكنيسة.
والجآذر: أولاد البقر، واحدها جؤذر - بضم الذال وفتحها - وأهل البصرة لا يعرفون فتح الذال، لأن فعللاً، عندهم غير مستعمل، وحكى الكوفيون ألفاظاً كثيرة على فعلل هي: جؤذر، برقع، وطحلب، وضفدع، وجخدب.
يقول: من دخل الكنيسة رأى فيها من نساء النصارى وبينهم أشباه الجآذر والظباء!!.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
ومهما تَكن عِندَ امرئِ مِن خليقةٍ ... وإن خَالها تَخفَى على الناسِ تُعلَمِ
هذا البيت: من مشهور شعر زهير بن أبي سلمى.
والخليقة: الطبيعة، وخالها: ظنها وحسبها.
وهذا الشعر نظير قول سالم بن وابصة:
يا أيّها المتَحَلِّي غَيْرَ سَمْتِه ... إنَّ التَخَلُّقَ يأتي دونه الخلْقُ
وقوله: من خليقة: في موضع رفع بكان، ومن زائدة، وليست متعلقة بشيء.
وقوله: وإن خالها: أي ولو خالها، وإن شرط لم يأت له بجواب؛ لأن مهما، وشرطها وجوابها سد مسدها، ونظيره في تعليق شرط، بشرط آخر، قول امرئ القيس:
وأَبْقَنَ إنْ لاَقَيْتُهُ أنّ يَومَهُ ... بِذي الرِّمْثِ إنْ مَا وتْنَهُ يَوْمُ أَنْفُسِ
وأنشد أبو القاسم هذا الباب:
إِذَا ما أَتيتَ على الرّسُولِ فَقُلْ لَهُ: ... حقَّا عَلَيكَ إذَا اطْأَنَ المجْلِسُ
هذا البيت: للعباس بن مرداس السلمي.
والعباس: اسم منقول من الرجل الكثير العبوس، وكذلك مرداس منقول، لأن المرداس الحجر، والمردس الذي يردس به، أي يرمى به، ويصدم، ويلقى به في البئر، ليتحفص به الماء، قال العجاج:
يَغمدَ الأَعْداءَ رَأساً مِرْدَسَا
وأراد بالرسول: النبي ﷺ .
ويروى: إما أتيت، وبعد هذا البيت:
يَا خْيَرَ مَنْ رَكب المطيَّ ومَنْ مَشَى ... فَوْق التُّراب إذَا تُعدُّ الأنْفُسُ
بكَ أسْلَم الطَّاغُوت واتّبع الهُدَى ... وبكَ انجلى عنَّا الظلام الحَنْدَسُ
وقوله: إذا ما أتيت: خطاب لرجل، ذكره قبل هذا في قوله:
يا أيّها الرجل الذي تَهْوِي به ... وَجْنَاءٌ مُجْمرَةُ المناسم عِرْمِسُ
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
فأَصْبَحْتَ أنَّي تَأْتِها تَشْتَجِر بِهَاكَلاَ مَرْكَبَيْها تَحْتض رِجْليءكَ شَاجِرُ
هذا البيت: للبيد بن ربيعة العامري، ويكنى: أبا عقيل.
واللبيد: الجوالق، والربيعة: بيضة السلاح.
стр. 53
هذا الشعر يخاطب به عمه عامرا، ملاعب الأسنة، وكان للبيد جار من بني عبد القيس، قد لجأ إليه، واعتصم به، فضربه عمه بالسيف، فغضب لذلك لبيد وجعل يعدد - على عمه - بلاءه عنده ويتوعده، وينكر عليه ما فعل بجاره!، ثم قال:
لي النَّصر فيكم والْوَلاَءُ عليكمُ ... ومَا كُنْتُ فَقْعاً أَنْبَتَتْهُ الْقَرَاقِرُ
وأنت فقير لم تُبَدَّلْ خَلِيفَةً ... سَوضايَ ولم يلْحَقْ بَنُوكَ الأصاغر
فَقلْتُ ازدجر أَحْنَاء طيرك واعْلمَنْ ... بأنَّكَ إنْ قدَّمْتَ رِجْلَكَ عَاثِرُ
وإن هَوَانَ الجارِ للجار مُؤْلِم ... وفَاقِرَةٌ تأوى إليها فَوَاقِرُ
فأصبحتَ أَنَّي تأْتها تَشْتَجِرْ بها ... كِلاَمرْ كَبيْها تحْت رِجْلَيْكَ شَاجِرُ
وإنْ تَتَقَدَّمْ تَغْش مِنها مُقَدَّماً ... غليظاً وإنْ أخَّرْتَ فَالكفْلُ فاجرُ
ومعنى: تشتجر تشتبك وتلتبس، ويروى تلتبس: ومعناه كمعنى تشتجر، وشاجر: مشتبك.
ويروى رجلك: ورحلك: والرحل للناقة: مثل السرج للفرس والكفل: كساء يحوى وراء الرحل، أي يدار، فيركب عليه الرديف، يقال: أرحلت البعير، وأكفلته، أي جعلت عليه رحلا وكفلاً، وهما المركبان اللذان ذكرهما.
ومعنى الشعر: أنه يقول لعمه: إنك ركبت أمراً، لاخلاص لك منه، فأنت بمنزلة من ركب ناقة صعبة، لا يقدر على النزول عنها سالما لأن رجليه قد اشتبكا بركابيها وكلا مركبيها لا يستقر عليه؛ إن ركب على مركبها المؤخر - وهو الكفل -: وجده صعباً، وإن ركب على مركبها المقدم وهو الرحل مال به وصرعه!.
والشاجر المائل غير المستقيم، والعرب تشبه النشب في العظائم بالركوب على المراكبالصعبة؛ فيقولون: ركبت مني أمراً عظيماً، ولقد ركبت مركباً صعبا، وفلان ركاب العظائم، ونحوه قول الأعشي:
لَئِنْ جَدَّ أسبابَ التَّقَاطُع بيننا ... لَتَرءتَحِلَنْ مِنّي على ظَهْر شَيْهَمِ
وقال الأخطل:
لقد جعلتْ قُيْس بنُ عَيْلاَنَ حَرْبَنَا ... عَلى يَابِس السِّيسَاء مُحْدَوْدِبِ الظَّهْرِ
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
إذا قَصُرتْ أسْيَافُنا كَانَ وَصْلُهَا ... خُطانا إلى أعدائِنا فَنُضَاربُ
هذا البيت: لقيس بن الخطيم، وقد ذكرنا اسمه، واسم أبيه فيما تقدم. وهو من شعر يذكر فيه يوم بعاث.
وبعد هذا البيت:
وَيَوْم بُعَاثٍ أَسلَمتْهُ سيوفنا ... إلى نَسَب في جِذْمِ غسّان غالب
يُعَرِّين بِيضاً حين نَلْقَى عَدُوَّنَا ... ويُغْمِدْنَ حُمْراً ناحِلاَتِ المْضَارِبِ
ويروى: إلى أعدائنا بالتقارب ولا شاهد فيه على هذه الرواية.
ويروى: وإن قصرت.... فنضارب بالرفع على الإقواء.
وخطىً جمع خطوة، وهو ما بين القدمين، والخطوة بفتح الخاء - المصدر، هذا قول الفراء، وقال غيره: هما بمعنى واحد، وهذا نظير قول أبي قيس بن الأسلت:
والسَّيف إنْ قَصَّرَهُ صانِعٌ ... طوَّله يَومَ اللِّقَا بَاعِي!
والشاهد في هذا البيت: أنه عطف فنضارب على مكان كان لأنها مجزومة الموضع، كأنه قال: نكن فنضارب، كما قال : " فأصدق وأكن من الصالحين "، فعطف أكن على موضع فأصدق، لأن الفاء لو سقطت لكان مجزوما.
وأنشد أبو القاسم في باب: ما ينصرف، وما لا ينصرف:
لَمْ تَتَلَفَّعْ يفضْل مِئْزَرِهَا ... دَعْدٌ، ولم تُسْقَ دَعْدُ بالْعُلَبِ.
هذا البيت: لجرير بن الحطفي، ويروى بن الرقيات، ولقب: الرقيات بقوله:
رُقَيَّةُ، لا رُقَيَّةُ، أيُّها الرجُل!
والتلفع: الاشتمال بالثوب.
والعلب: أقداح من جلود يحلب فيها، ويشرب فيها، ويروى في العلب، وصلح استعمال في ههنا؛ لأن المعنى لم تسق اللبن في العلب.
فمن رواه هكذا، في موضع من الإعراب؛ لأنها في موضع الحال، كأنه قال: لم تسق اللبن، كائنا في العلب.
ومن روى: بالعلب - بالباء فلا موضع لها؛ لتعلقها بظاهر.
стр. 54
والباء في قوله: بفضل متعلقة بقوله: تتلفع، فلا موضع لها أيضاً، ومعنى البيت: أنه يمدح دعدا فقال: لم تكن من البدويات اللواتي بتلفعن بالمآزر، ويشربن اللبن بالعلب، ولكنها كانت من الحضريات اللواتي نشأن في النعمة، ولبسن أحسن كسوة، وشربن في الأواني الغالية، وعشن في الرفاهية!. ويروى؛ ولم تسق.
ويجوز في دعد - الأولى - الصرف وترك الصرف، ولا يجوز الصرف في الثانية؛ لانكسار البيت.
وكرر ذكر دعد إشادة بذكرها، واستطابة له، كما قال الآخر:
عِذاب على الأفواه ما لم يذقْهم ... عَدُوُّ، وبالأفواه أسْمَؤهم تَحْلُو
وقد أوضح هذا المعنى أبو الطيب المتنبي في قوله يمدح عضد الدولة:
أَبَا شُجَاعٍ بفارِس عَضَدض الدَّ ... وْلضة فنَّا خُسْرَ، وشَهَنْشَاهَا
أسَامِياً لم تَزِدْهُ مَعْرفَةً ... وإِنَّمَا لَذَّةً ذكَرْنَاهَا
وشعر ابن الرقيات هذا، ضد قول الآخر:
لعمري لأعرابِيَّة ذاتُ بُرْدَة ... تحلّ دماثا من سويقة أو فرداً
أحب إلى القلب الذي لَجَّ في الهوى ... من اللاّبِسَاتِ الخزَّ، يُظهرن به كنْداً
وأنشد أبو القاسم في باب: أسماء القبائل والأحياء والبلدان والسور - رحمه اللع تعالى -:
فَإن تَبْخَلْ سَدُوسُ يِدِرْ هَمَيْهَا ... فَإنَّ الرِّيحَ طَيِّبَةٌ قَبُولُ
هذا البيت: للأخطل، وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم.
وسدوس: قبيلة من بني شيبان - بفتح السين، والتي من طيئ بضم السين، هكذا قول الكلبي، وقد ذكرنا في الكتاب الأول ما بين سيبويه - رحمه الله تعالى - وبين محمد بن يزيد من الخلاف في هذه اللفظة، فاغناها ذلك عن الإعادة ههنا.
والقبول من الرياح: ما يهب من الشرق.
ويروى شمول: وهي الشمال، يقال: شمال، على مثال: قذال، وشمال - الميم قبل الهمزة -، وشأمل - الميم بعد الهمزة -، وشمل مثل: فلس: وشمل على مثال: اسد، وشمول، قال امرؤ القيس:
فَتُوضِح فالمِقْراةُ لم يعْفُ رسْمُها ... لما نَسجَتْهَا مِن جَنُوبٍ وشَمْأَلِ
ويروى: وشأمل.
وقال البعيث المجاشعي:
أهاجَ عليكَ الشَّوق أطلالُ دمنَةٍ ... بِنَاصِفَةِ الخُوَّيْنِ أو جانب الهْجَل
أتى أبدٌ منْ دون حِدْثَانِ عهدها ... وجَرَّتْ عَلَيْها كلُّ نافَجةٍ شَمْل
ثَوَى مَالِكٌ ببلاد الْعَدُوْ ... وِ تَسْفِي عَليْه رِيَاحُ الشَّمَل
وأما تخصيصه الدرهمين بالذكر؛ فتوهم بعض من شرح أبيات الجمل: أنه مما وقعت فيه التثنية موقع الجمع، وليس كما قال!.
وإنما ذكر الدرهمين لمعنى يقتضى ذلك.
وذلك أن الأخطل قدم على الغضبان بن القبعثري الشيباني بالكوفة، بعد ذهاب ما كان من بكرٍ وتغلب من الفتنة، يسأله في حمالةٍ!.
فقال له الغضبان: إن شئت أعطيتك ألفين، وإن شئت درهمين؟.
فقال الأخطل: ما بال الألفين، وما بال الدرهمين؟ فقال: إن أعطيتك الألفين، لم يعطكهما إلا قليل!.
وإن أعطيتك درهمين: لم يبق بالكوفة بكسرى إلا اعطاك درهمين، وكتبت لك إلى إخواننا بمثل ذلك.
فقال الأخطل: فالدرهمان خير!.
ففرض له على كل من كان بالكوفة من بكر بن وائل درهمين، ثم كتب إلى سويد بن منجوف السدوسي بالبصرة - وكان سيد بني سدوس يقول له: إن أبا مالك قدم علي في حمالةٍ، ففرضت له على كل من كان بالكوفة من بكر: درهمين، فافرض له على من كان من بني سدوس مثلها.
فأتى الأخطل إلى البصرة، فنزل على الصلت بن حريث الحنفي، فأتى سويداً، فأخبره بحاجته التي أقدمته.
فجمع سويد بن منجوف: بني سدوس، وقال: هذا أبو مالك يسألكم أن تعينوه في حمالةٍ، وهو القائل:
إذَا مَا قُلْتُ قَدْ صَالَحْتُ بَكراً ... أبَى الأضغانُ لا النَّسب البعيد
ومُهْراقُ الدِّماء بِوَارِدَاتٍ ... تَبِيدُ الحادِثَاتُ وَلاَ تَبِيدُ
هُمَا اْخَوان يصْطَلِيان ناراً ... رِداءٌ الموْتِ بَيْنَهُمَا جديدُ
يَشُولُ ابنُ اللَّبُون إذَا رآني ... ويَخْشاني الضُّواضيَةُ الصَّعيد
فلا جُرحت يَدَيّ: بَني سَليم ... ولاّ شِعْري فيهجوني الشريدُ
стр. 55
ولَوْلا أَنْ أُخَشِّنَ صَدْرَ مَعْنٍ ... وعُتْبة شاع بالحْرَمَ النَّشيدُ
فقالت بنو سدوس: والله لا أعطيناه درهماً، وقد قال: ما قال!.
فقال الأخطل:
فإِنْ تَبْخَلْ سَدُوسُ بِدِرْهَمْيهَا ... فإن الرّيحَ طيبةٌ قبولُ
توا كَلَني بنو الْعَلاَّت مِنْهم ... وغالتْ مالِكاً ويزيدَ غُولُ
قَريعَا وَائِلٍ هَلَكَا جميعاً ... كأن الأَرْضَ بعدهما مُحُولُ
فماذا ابتغى مِنْ بَعْدُ مِنْهُمْ ... وكَلُّهم أخُو دَغَلس بَخِيلُ
وقال يهجو سويد بن منجوف - وكان رجلاً دميماً، لا ينظر إليه:
وما جِذْعُ سُوءٍ خَرَّبَ السُّوسُ جَوْفَهُ ... لما حَمَّلَتْهُ وَائِلٌ بمطيقِ
فقال سويد: أراد أبو مالك أن يهجوني فمدحني، حين جعل وائلا تحملني أمورها، وما طعمت في بني تغلب، فضلاً عن بكر بن وائل.
وأما قوله: فإن الريح طيبة قبول، فإنما هو مثل ضربه لاستغنائه عنهم بغيرهم، يقول العرب: ريح فلانٍ تهب، وريح فلانٍ عاصفة، إذا كان أمره ظاهرا، وسعده متصلاً، وتقول في ضده: فلان ساكن الريح إذا ذهب سعده، ولم يكن له ظهور، قال الله تعالى: " وتذهب ريحكم "، وقال الشاعر:
إذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فاغّتَنِمْهَا ... فعُقْبَي كُلِّ عَاصِفَسةٍ سُكُونُ
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
بَكَى الخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وأنْكرَ جِلْدَهُ ... وعَجّتْ عَجيجاً مِنْ جُذَام المطارفُ
هذا البيت: لهند بنت النعمان بن بشير النصاري، تهجو زوجها: روح ابن زنباع الجدامي: وبعد هذا البيت:
وقال الْعَبَا: قدْ كُنْتُ حِيناً لباسَكُم ... وأكسِيَة مُضْروجةٌ وقَطَائِفُ
والعجيج: رفع الصوت بالاستغاثة.
والمطارف: أكسية خزً لها أعلام، واحدها مطرف - بكسر الميم وفتحها وضمها - عن المطرز.
والعبا: ضرب من الأكسية، معروف.
والمضروجة المشقوقة، والواحدة منها عباءة وعباية بغير همز.
والقطائف: أكسية من الصوف أيضاً.
تقول: إن روحاً وقبيلته لم يكونوا أهلاً للباس الخز والمطارف، وإنما كانوا بدويين يلبسون الأكسية المخرقة، وينامون تحت القطائف، فشرفهم روح من غير قديم كان لهم، فكان روح وزير عبد الملك بن مروان، ونظير هذا قول مدرك الفقعسي:
تُشبِّهُ عَبْسٌ هَاشِماً إنْ تَسَرْبَلَتْ ... سرابيل خَزٍّ أنْكرتْها جُلُودُهَا
ويروى: وأكسية كردية، وهي التي يلبسها الكرد، فأجابها روح بن زنباع بقوله:
أبتْ هند إلاّ أن تَكون مهانة ... وكان لَهَا مِنَّا عَشِيرٌ مُؤَالِفُ
فإن نَجْزِهَا بالُهْوْن، فَهْيَ جَدِيرَةٌ ... وإن نَهْوَهَا يَهْوَ اللثامَ المقارِفُ
ويروى: فإن نجزها بالهون فالهون حقها.
واختلف في هند؛ هل هو اسم منقول، أم اسم مرتجل؟ فذهب بعضهم إلى أنه مرتجل، مشتق من قولهم: هندته المرأة إذا أورثته عشقا بالملاطفة ذكر ذلك أبو جعفر النحاس.
والظاهر من هذا الإسم أنه منقول، لأن مثله منقول في غير الناس، وشرط الاسم المرتجل: ألا يوجد في غير الأعلام.
وقد حكى اللغويون: أنه يقال للمائة: هند، والهند: جيل من الناس، ومنه قيل: بلاد الهند.
وهند - أيضاً -: اسم من أسماء الدواهي، وأنشد ابن الأعرابي:
فأَنكم لَسْتُمْ بأرض تَكِنَّةٍ ... ولكنَّما أنْتُمْ بهنْد الأَحَامِسِ
وأما بشير فاسم منقول باتفاق، وهو المبشر بما يسر.
والنعمان: اسم من أسماء الدم، ومنه قيل: شقاشق النعمان في بعض الأقوال.
وقال قوم: بل نسب إلى النعمان بن المنذر، وكان رأي منها روضة فأعجبته فحماها من الناس!: وروح أيضاً اسم منقول من الروح الذي يراد به الراحة، قال الله تعالى: " فروح وريحان وجنة نعيمٍ ".
والزنباع: الثقيل من الناس: ويروى أن رجلا كان يجلس أبا عبيدة معمر بن المثنى، وكان أبو عبيدة يستثقله، فقال الرجل لأبي عبيدة يوماً: ما الزنبعة في كلام العرب؟ فقال: الثقل، ولأجل هذا سمي صاحبنا زنباعاً! فهرب الرجل! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
مِنْهنَّ أَيَّامُ صِدْقٍ عُرِفْتَ بهَا ... أيَّامُ واسِط والأيّام مِنْ هجَرا
стр. 56
وهذا البيت: فيه خطأ من وجهين: أحدهما: أنه نسبه إلى الأخطل، وإنما هو للفرزدق، وكذا وقع في كتاب سيبويه منسوباً إلى الفرزدق.
والثاني: أنه نشده: عرفت - بضم التاء - وإنما هو بفتحها؛ لأنه رثى بهذا الشعر عبد الله بن معمر، وقبله:
أما قريش وأعلاها فقد رزئت ... بالشام إذ فارقتك السمع والبصرا
كم من جبان إلى الهيجا دنوت به ... يوم اللقاء، ولولا أنت ما صبرا
والمراد بالصدق - ههنا -: الشدة، يقال: رجل صدق، وحمار صدق، ونظر صدق، ومنه اشتق الصدق في المنطق؛ لأن صاحبه قوي النفس.
وأنشد أبو القاسم في باب: المعدول على فعال:
ولَنِعْمَ حَشْوُ الدَّرْع أَنْتَ إذَا ... دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ في الذُّعْرِ
هذا البيت: من مشهور شعر زهير بن أبي سلمى.
وجعل لابس الدرع حشواً لها؛ لا شتما لها عليه، كما يشتمل الإناء على ما فيه.
ومعنى لج: تمودى فيه، والذعر: الفزع.
وأنت: خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هو أنت، ويقبح أن يكون مبتدأ، ونعم حشو الدرع خبره؛ لدخول اللام على نعم، وهذه اللام إنما حكمها أن تدخل على المبتدأ، لا على خبره، ولكن كون الخبر جملة يسهل ذلك؛ لأنه لو قيل: زيد لهو قائم لجاز، كما تقول: زيد والله إنه لقائم، وإنما يتعذر ذلك إذا كان الخبر مفردا: كقولك: زيد لقائم - قال الراجز:
أم الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهْرَبة ... تَرْضَى مِن الشَّاةِ بِعظْمِ الرَّقَبَة
وقد أجاز أبو اسحق الزجاج، في قوله تعالى: " إن هذان لساحران " إن يكون هذان مبتدأ، ولساحران خبره، وقال تقديره: لهما ساحران، فأضمر مبتدأ، وجعل ساحران خبرا ليصير الكلام جملة يصح دخول اللام عليها.
وإذا: ظرف، والعامل فيه معنى الثناء، الذي قد جعل في نعم، وأما في حشو الدرع من معنى الفعل.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
إِنّضا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَيْنَا بَيْنَنَا ... فَحَمَلْتُ بَرَّة، واحتملْتَ فَجَارِ
هذا البيت: من مشهور شعر النابغة، يخاطب به زرعه بن عمرو الفزاري، وأراد ب فجار الغدر، سمى الغدر فجار، كما تسمى المرأة: حزام.
فإن قلت: لم جعلته اسما للغدر، وما دليلك على هذي الدعوى؟ قلنا: لنا على ذلك دليلان: أحدهما: أن فعال المعدول، لا يعدل إلا عن مؤنث، ألا تراه قال: دعيت نزال، فألحق، الفعل علامة التأنيث، وليس هذا في بيت زهير وحده، بل هو مطرد في فعال حيثما وقعت، ألا ترى إلى قول زيد الخيل:
وقد علمتْ سَلاَمَةُ أنَّ سَيْقى ... كَريهٌ كلَّما دُعِيتْ نَزَالِ
وقال آخر:
لحقَتْ حَلاقِ بِهم على أكْسَائهم ... ضَرْبَ الرَّقاب وَلاَيُهمُّ المْغنَمُ
والدليل الثاني: أن النابغة سمى الوفاء: برة، وهو يريد البر، وكذلك سمى الغدر: فجرة، وهو يريد الفجور.
وأراد بالخطتين البر والفجور.
وقوله في البر: حملت، وقال في الفجور: احتملت، فإن العرب إذا استعملت فعل، وافتعل - بزيادة التاء، وبغير زيادة - كان الذي لا زيادة فيه، يصلح للقليل والكثير، والذي الزيادة فيه للكثير خاصة، نحو: قدر واقتدر، كسب واكتسب، ونهب وانتهب، وأراد النابغة أن يهجو زرعه بكثرة غدره، وإتيان الفجور، فأتى باللفظة التي يراد بها الكثير خاصة، لتكون ابلغ في الهجو، ولو قال: وحملت فجلر، لأمكن أن لا يكون غدر إلا مرة واحدة، ومن ذلك قوله تعالى: " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت "، فالوجه فيه: أنه لما كان الإنسان يحازى على قليل الخير وكثيره، استعمل فيه اللفظ الذي يصلح للقليل والكثير.
стр. 57
ولما كان الإنسان لا يجازى في الشر إلا على الكبائر، دون الصغائر، والصغائر معفو عنها، غير مجازى بها، استعمل معها اللفظ الذي لا يكون إلا للكثير، وإنما يكون هذا في الأفعال التي تستعمل بالتاء تارة، وبغير التاء تارة: وأما الأفعال التي لا تستعمل إلا بالتاء، فخارجة عن هذا الحكم، لأنها لا تصلح لما قل وكثر، كقولك: استويت على الشيء، واجتويت البلد، إذا كرهته، واكتريت الدابة، فهذا الضرب من الأفعال لا يقال فيه: إنه للكثير خاصة لأنه لم يستعمل غير مزيد، وكذلك قول من قال: احتملت فجار، وعليها ما أكتسبت: إن افتعل إنما يستعمل في الشر: خطأ لا وجه له، ألا ترى أنك تقول: استويت على ظهر الفرس، واكتريت الدار، وارتويت من الماء، واعتذبت بالطعام؟ وقال الله تعالى: " الرحمن على العرش استوى "، وقال الراجز:
قدْ اسْتَوَى بِئْر عَلى العِراق ... من غير سيف ودم مهراقِ
فإن زعم هذا: أن الذي ذكر إنما هو فيما يستعمل بزيادة، وبغير زيادة مما يتعدى، انتقض عليه ما قال، بقولهم: كسب المال وأكتسبه، وقدرت عليه واقتدرت عليه، ورميت وارتميت، مع أنا لا نعلم أحداً من النحويين قال إن فعل للخير، وافتعل للشر، وإنما قالوا: إن الزيادة تدل على المبالغة، لا غير! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
فقلْتُ امكُثي حتّى يسارٍ لعلَّنَا ... نَحُجُّ مَعاً، قالتْ أَعَاماً وقابلَه؟!
لا أعلم قائل هذا الشعر غير أنه وصف أن رفيقه حبه - أوامرأة من محارمه، سألته أن يحج بها، فقال لها: لست الآن في ميسرة من المال، فامكثي حتى يسارٍ، أي حتى يكون لنا من المال ما نحج به! فقالت: أأمكث عاماً وقابله، وكأنها رأت أن الميسر لا تتهيأ له إلا بعد عامها الذي هي فيه، والعام الذي بعده.
ومعاً ينتصب على الحال، وإن شئت كان ظرفاً.
والهمزة في قوله: أعاماً همزة الإنكار.
وأنشد أبو القاسم في باب الاستثناء:
ولا أَرى فاعِلاً في النّاس يُشبِهُهُ ... وَلاَ أُحَاشِي مِنَ الأْقوام مِن أَحَدِ
هذا البيت: من مشهور شعر النابغة الذبياني.
وقوله: يشبهه: جملة في موضع نصب على الصفة لفاعل.
وقوله: الناس: في موضع نصب على المفعول الثاني لأرى، فلحرف الجر موضع لتعلقه بمحذوف.
ومن - الأولى - متعلقة أحاشي، ومن - الثانية - زائدة للتأكيد، فلا موضع لها، ولا تتعلق بشيء.
وفي هذا البيت شاهد على أن أحاشي: تكون فعلا، لأن النابغة صرفها، واشتق منها فعلاً مضارعاً، والحروف لا تصرف لها، ولا اشتقاق فيها، وقد قالوا: حاشيته من الأمر محاشاة، واشتقاقه من الحاشية، كأن المراد أنك أخرجته منهم وعذلته!.
وقوله: من أحد في موضع نصب مفعول وفاعله مضمر.
وأنشد أبو القاسم في باب الاستثناء - المقدم -:
وَمَا لِيَ إلاَّ آلَ أَحْمَدَ شيعَةٌ ... وَمَا لِيَ إلاّ مَشْعَبُ الحقّ مَشْعَبُ
وهذا البيت: للكميت بن يزيد الأسدي، ويكنى: ابا المسهل وكان أصم أصلخ، لا يسمع الرعد، وكان من الشيعة، وهذا البيت من شعر يمدح به بني هاشم.
وشيعة الإنسان: من يشايعه على أمره، ويغضب له.
ومشعب الحق: طريقته.
ويروى أن الكميت قال هذا الشعر أول انبعاثه، وقيل شهرته، فأتى الفرزدق، فقال: يا أبا فراس، إني نفثت على لساني شعر، فأردت عرضه عليك، فإن كان حسناً أمرتني بإذاعته في الناس، وإن كان قبيحاً كنت أول من ستر علي!.
فقال له الفرزدق: اما عقلم فحسن، وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فأنشدني!.
فقال:
طربت وما شوقاً إلى البيض أَطْربُ ... ولا لَعباً مِنِّي، أذو الشيب يَلْعَبُ؟
فقال الفرزدق: وما يطربك يا ابن أخي إذن؟ فقال:
ولم يُلْهشني دَارٌ ولا رسْمُ مَنْزِلٍ ... ولم يُلْهِني ثغْرٌ وكفُّ مخَضَّبُ!
فقال الفرزدق: وما ألهاك؟! فقال:
ولا أنا مِمّن يَزْجُر الطَّير: هَمُّه ... أَصاخَ غُرابٌ، أم تَعَرَّضَ ثَعْلَب؟!
ولا السَّانِحَات الْبَارِحَات عَشِيَّةً ... أَمَرَّ سضلِيمُ القَرْن، أمْ مَرَّ أَعْضب؟!
فقال الفرزدق: أجل! - فلا تنظر!! فقال:
ولكنْ إلى أهْلِ الْفَضائِل والنُّهَى ... وخَيءرِ بَنِي حَوَّاءَ، والخْيرُ يُطْلَبُ
стр. 58
فقال الفرزدق: ومن هؤلاء؟ فقال:
إلى النَّفَرِ الْبِيض الَّذينَ بحبِّهم ... إلى الله فيما نَابَنضا نَتَقَرَّبُ
فقال الفرزدق: أرحني، من هؤلاء؟! فقال: بني هاشم:
رهْطِ النبيّ فإنَّنِي ... بِهم، ولَهم أرْضي مِرَاراً وأغْضَبُ
خفضْتُ لَهمْ منِّي جناحَ مودّتَي ... إلى كَنَفٍ عَطْفاه أهْلٌ ومَرَحَبُ
يأيّ كتاب، أم بأيَّة سنةٍ ... ترى حبهم عاراَ عليَّ وتحسبُ
وماليّ الاّ آلَ أحمدَشِيعةٌ ... وَمَالِيَ الاّمشْعَبَ الحقِّ مِشعبُ
ومَنْ غَيْرُهُم أرْضَى لنفسي شيعةً ... ومن غَيْرهُمْ مِمَّن أجلّ وأرْهب
يُعَيُّيرني جُهَّالُ قوْمٍ بحُبِّهم ... وبَعْضهم أدْنى لِعَارٍ وأَعْطَبُ
يشيرون بالأيدي إليّ وقولهم ... أَلاَ خابَ هذا، والمشيرون أَخْيَب!
فطائفة قد كَفَّروني بحبِّهم ... وطائفةٌ قالوا: مُسِئٌ وَمُذْنِبُ!
فما ساءَنِي تكفير هَاتيكَ منهم ... ولاَعيْبُ هَاتِيكَ الَّتي هِيَ أعْيبُ
فلا زلتُ منهم حيثُ يتهمونني ... ولا زلت في أشياعهم أتقلَّبُ
ألم ترني في حب آل محمد ... أَرُوحُ وأغدو خائفاً أترقَّبُ
أناسٌ بِهم عَزَّتْ قُريْش فأصبَحُوا ... وفيهم حِبَاءُ المكرُمَاتُ المطَّنبُ
فقال الفرزدق: يا ابن أخي، أذع أذع هذا، فأنت - والله - أشعر من مضى وأشعر من بقى! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب أيضاً:
وَمَالِيَ لإلاَّ اللهُ لا ربَّ غيره ... وَمَالِيَ إلاّ اللهَ غَيْرك ناصرُ
وهذا البيت للكميت أيضاً: والنصف الأول من هذا البيت لا شاهد فيه، على نصب المستثنى المقدم؛ لأن اسم الله مرفوع بالابتداء، لا يجوز فيه النصب؛ لن ليس قبله شيء يستثنى منه ولا يبدل، فهو بمنزلة قولك: ما في الدار إلا زيد، وإنما الشاهد في الثاني؛ لأن التقدير: ومالي ناصر إلا الله غيرك فلما قدم المستثنى نصبهما.
ويجوز في غيرك أن يكون مستثنى، كاسم الله تعالى، فيكون بمنزلة قولك: ما جاءني إلا زيد، إلا عمرا أحد.
ويجوز أن يكون حالا من نكرة تقدمت، كانه قال أو أراد: ومالي إلا الله ناصر غيرك، على الصفة، ثم قدم صفة النكرة عليها، فصارت حالاً كما تقول: فيها قائماً رجل، ومثله قول الشاعر: الفرزدق
فأصْبَحُوا قَدْ أَعَادَ الله نعمتَهُم ... إِذ هُمْ قُريش، وإذْ مَا مَثلَهم بَشَرُ
ويجوز في هذا البيت وجه ليس بمعتاد عند النحويين، بل أكثرهم ينكره، وذلك أن القائل، إذا قال: ما جاءني أحد إلا زيد، فقد يجوز أن تكون إلا زيد صفة لأحد، بمنزلة غير، وكأنه قال: ما جاءنيمن أحد غير زيد، وإذا قدمت على هذا إلا فقلت: إلا زيدا أحد، كان قولك: إلا زيدا حالاً بمنزلة صفة النكرة، إذا تقدمت عليها، فيكون قول الكميت: إلا الله على هذا التقدير حالاً، فيجوز في قوله: ومالب إلا الله غيرك ناصر على هذا أربعة اوجه: أحدها: أن يكونا مستثنيين مقدمين.
والثاني: أن يكونا حالين، على أن تعتقد أنهما لو تأخرا بعد ناصر لكانا صفتين.
والثالث. أن تجعل إلا الله حالاً، وغيرك مستثنى مقدما.
والرابع: أن تجعل إلا الله مستثنى، وغيرك حالاً.
فإن قيل كيف يصح في قولنا: ما جاءني أحد إلا زيد: أن يكون إلا زيد صفة والحرف لا يوصف، ولا يوصف به؟ قلنا له: شرط الصفة أن تكون اسما، لأنها من خواص الأسماء وأن يكون في ذلك الإسم عموم ومعنى فعل؛ وكل واحد من هاتين الكلمتين على انفراده عارٍ من هذا الشرط، فإذا اجتمعا ادى ذلك معنى الإسمية، وأدت إلا معنى المغايرة، فقامت الصفة بمجموعهما مقام الحال، وإن كان ذلك لا يجوز في حال انفصالهما، وإذ اجتمعا يجوز لهما حكم، لا يجوز في كل واحد منهما على انفراده؛ ألا ترى أنك تقول: دخلت إلى رجل في الدار، فيكون الاسم مع الحرف في موضع الصفة لرجل، وكل واحد منهما على الانفراد لا يجوز أن يكون صفة؟ وأنشد أبو القاسم في باب الاستثناء المنقطع.
وقفتُ فيها أُصَيْلاَناً أُسَائِلُها ... عَيَّتْ جَوَاباً، وما بالرَّبْع مِنْ أحدِ
стр. 59
إلاّ أَوَارِيَّ لْياً ما أُبَيِّنُها ... والنُّؤْيُ كَالحْوْضِ بالمظلومة الجَلَدِ
هذان البيتان: من مشهور شعر النابغة الذبياني.
أُصيْلاَناً: تصغير أَصِيل، على غير قياس، كأنَّه تصغير أًصْلاَن، وهذا عكس قياس التصغير؛ لأن الجمع إذا صغر يصغر على لفظ واحده، وجاء هذا مصغراً على لفظ جمعه.
ويروى: وقفت فيها أصيلالاً - باللام.
ويروى وقفت فيها أصيلاً كي تكلمني.
وجوابا: انتصب على وجهين؛ أحدهما: أن يريد: عيت بجواب، فحذف حرف الجر، ونصب كما قال:
أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَ أمرتَ بِهِ ... فَقَدْ تركتُكَ ذَا مالٍ وذا نَشَبٍ
ومنهم من رأى أن نصبه إنما هو لسقوط الخافض فقط، دون أن يعمل فيه عامل آخر، غير الحرف الساقط، وهو مذهب الكوفيين.
وهو عند البصريين خطأ، لأنه لو كان سقوط الخافض موجبا للنصب، لوجب لكل ما سقط منه حرف الجر أن ينتصب، ونحن نجد حروف الجر تسقط، ويرتفع ما كان مجروراً بها، كقولك. ما جاءني من أحدس، و " كفى بالله شهيداً "، ألا ترى أن هذين الجارين إذا سقطا ارتفع ما كان مجرورا بهما؟ وكذلك من زعم أن العامل الساقط هو الذي نصب دون عاملٍ آخر، فقوله خطأ؛ لأنه يلزم من ذلك: أن يكون الفعل في حال وجوده: يتعدى بواسطة، وفي حال عدمه: يتعدى بغير واسطة، والشيء في حال وجوده أقوى منه في حال عدمه، فإذا كان في أقوى حاليه لا يتعدى إلا بواسطة، فكيف يتعدى في أضعف حاليه بغير واسطه؟! ويدل على استحالة هذا: ارتفاع بعض المجرورات إذا سقط الجار كقولك: ما جاءني من أحد، ثم تقول: ما جاءني أحد، فيجب أن تكون من تخفض في حال ظهورها، ويرفع أحد في حال سقوطها؛ لأنه لابد من عامل رافع سوى العامل الساقط.
ويجوز أن ينتصب جواباً على التمييز المنقول من الفاعل المنقول، فيكون من باب: تفقأ زيد شحماً، واشتعل الرأس شيباً، كأنه أراد عي حوابها، ثم نقل الفعل عن الجواب إلى الدار، ونصب.
ويدل على صحة هذا الوجه أنهم صرحوا بذلك في نحو قول الهذلي:
وقفتُ بِرسْمهَا فَعَيَّ جَوابُها ... فقلتُ وعيني دَمْعُهَا سَرِبٌ هَمِر:
وقوله: أسائلها: في موضع نصب على الحال، ولك أن تجعلها حالاً من التاء في وقفت، فتكون حالاً جاريةً على من هي له.
ولك أن تجعلها حالا من الضمير الذي في فيها وتكون حالا جارية على غير من هي له.
وإنما جاز ذلك؛ لأن في أسائلها ضميراً راجعاً إلى السائل، وضميراً راجعاً إلى المسئول، فاستتر الضمير مع جريان الحال على غير من هي له: لأن الفعل يستتر فيه ضمير الجنبي، وغير الأجنبي لقوته في الإضمار.
ولو صيرت الجملة حالا محضة، لقلت - إذا كان الحال من التاء -: وقعت فيها أصيلا مسائلها، وغذا كانت حالا من الضمير قلت: مسائلها إياها، فأظهرت الضمير.
ولا يجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من الضميرين جميعاً على حد قولك: لقيته راكبين، لاختلاف العاملين، ولما في ذلك من التناقض!.
وقوله: عيت جواباً: جملة لا موضع لها من الإعراب.
وقوله: وما بالربع من أحد، إن شئت جعلتها جملةً لا موضع لها، وإن شئت كانت في موضع الحال من الضمير في عيت، أو من الضمير في أسائلها، ويلزمك على هذا أن تقدر في الجملة ضميراً يعود على صاحب الحال، كأنك قلت: وما بالربع منها.
وعلى رأي الكوفيين تكون الألف واللام معاقبتين للضمير، كأنه قال: وما بربعها، على حد قولهم: عبد الله، أما المال فكثير، وأما الخلق فحسن، ولو جعل جاعل عيت جواباً في موضع الحال: من الهاء التي هي ضمير الدار، وأضمر قد لتقريب الماضي من الحال: لم يكن بعيداً!.
وقوله: إلا أواري فيها وجهان.
النصب على الاستثناء، والرفع على البدل من موضع من أحد لأن من: زائدة، وأحد مرفوع في المعنى، وإن كان مخفوضا في اللفظ، وليس ببدل من موضع الجار وحده، ولا من موضع المجرور وحده، ولكنها بدل من موضعهما معاً.
ويروى عن الكسائي: أنه أجاز خفض الأواري على البدل من لفظ أحد.
وهذا عند البصريين خطأ، لأنه يصير التقدير: وما بالربع إلا من أواري، فتكون من زائدة في الواجب، ومن لا تزاد إلا في النفي، ولو أنها من التي تدخل على الموجب والمنفي، لجاز ذلك، كقولك: ما أخذت من أحد إلا زيد درهماً.
стр. 60
واللأي: البرحاء، وهو مصدر لم يستعمل منه فعل إلا بالزيادة، يقال: ألأ، ولا يقال: لأي.
وقوله: ما أبينها: ما زائدة، أراد: لأباً أبينها.
ويجوز في النؤى الرفع والنصب، فمن نصب الأواري، فإنه يجوز له نصب النؤى بالعطف عليها، ويجوز رفعه بالابتداء، أو تقطعه مما قبله.
وأما من رفع الأواري: فإنه يجوز له رفع النؤى: عطفاً عليها، وإن شاء رفعه بالابتداء.
والنؤى: مانع يمنع الماء من الدخول على الخباء، وربما كان حفيراً حول الخباء، وربما كان تلا يرفع: وفي النؤى ثلاث لغات: نؤى، وهو أشهرها وأفصحها، ونأى: ونئى ونؤى على مثال: هدى.
وتجمع على: أناء وآناء، وئي، ونؤى.
وفي المظلومة أقوال: قيل: هي الأرض التي حفر فيها، ولم يكن فيها حفر قبل ذلك.
وقيل: هي التي أتاها سيل من أرض أخرى.
وقيل: هي التي مطرت في غير وقتها، ويدل على ذلك قول الحويدرة:
ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِها انْهِلاَلُ حَرِبصةٍ ... فصفى النِّطافُ بها يُعَيدض المقْلَعِ
وشعر النابغة يقتضي: أنها التي حفر فيها، ولم يكن فيها حفر.
والجلد: الصلبة، وخصها بذلك، لأنها إذا كانت كذلك تعذر الحفر فيها للحفير فلم يعمق الحفير، فهذا أوثق لتشبيه النؤى به، أم االكاف التي في قوله: كالحوض، فتحتمل وجهين: أن تجعل النؤى: مرفوعاً بالابتداء، فموضع الكاف رفع، لأنها وقعت موقع خبر المبتدأ.
وإن جعلت النؤى مرفوعا بالعطف على الأواري: فموضع الكاف نصب، لأنها في موضع الحال من النؤى.
ومن نصب النؤى بالعطف على الأواري فموضع الكاف نصب على الحال، والعامل في هذه الحال - إذا نصب النؤى - معنى الاستثناء.
وإذا رفعت النؤى: كان العامل: معنى الاستقرار، لأن الباء في قوله - بالربع: بمعنى في والباء في قوله: بالمظلومة في موضع نصب على الحال من الحوض، والعامل فيها: ما في الكاف من معنى التشبيه.
وأنشد أبو القاسم في باب النفي:
مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِها ... فأنا ابنُ قَيْسٍ لا بَرَاحُ
هذا الشعر: لسعد بن مالك القيسي، من شعر يعرض فيه بالحارث ابن عباد وغيره، ممن كان اعتزال الحرب، حرب بكر وتغلب، ولذلك قال:
بِئْس الخلائفُ بَعْدَنَا ... أَوْلاَد يَشْكُرَ، واللّقاح
أراد باللقاح: بني حنيفة، سموا لقاحا؛ لأنهم كانوا لا يؤدون الطاعة للملوك، وكانوا قد اعتزلوا حربهم، هم وبنو يشكر، فلم يشهد حربهم من بني حنيفة أحد إلا الفند الزماني، واسمه شهل من سيار لأن بكر بن وائل بعثوا إلى بني ضبيعة، يستمدونهم على تغلب، فبعثوا إليهم بشهل بن سيار وليس العرب شهل - بالشين معجمة - غيره، وكان شيخا مسناً شجاعاً عالما بالحروب، وكتبوا إليهم: قد بعثنا إليكم بثلاث مائة فارس، فلما ورد عليهم قالوا: وما تغنى هذه العشبة عنا؟! فقال: إني لكم فند!.
والفند القطعة من الجبل، والعشبة، والعشمة - بالباء والميم - الشيخ المتناهي في السن.
وقد ذكرنا شيئا من خير هذه الحرب فيما تقدم من كتابنا هذا.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
وإذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدَعى لَهَا ... وإذا يُحَاسُ الحيْس يُدْعَى جُنْدَب
هذا وجدّكم الصَّغَار بعينهلا أمَّ لي إن كان ذاك ولا أَبُ!
ذكر في كتاب سيبويه: أن هذا الشعر لرجل من مدجج.
وذكر أبو رياش: أن هذا البيت: لهمام بن مرة، أخى جاس بن مرة، قائل كليب.
وذكر الأصبهاني: أنه لضمرة بن أبي ضمرة.
وزعم ابن الأعرابي: أنه قيل قبل الإسلام بخمسمائة عام.
ويروى هذا لعمركم الصغار.
وكان لقائل هذا الشعر أخ، يسمى جندباً، وكان حية يؤثرونه ويفضلونه عليه، فانف من ذلك، وقال هذا البيت، وقبله:
أمن السّوِية أن إذا أحْصَيتم ... وأمنتّم فأنا البعيد اْلأَجْنبُ؟!
وإذا تكون كريهةٌ أُدْعَى لَهضا ... وإذا يُحَاسُ الحيْسُ يُدعى جندبُ؟!
ولجندبٍ سضهْلُ البلاد وعَذْبُها ... وَلِيَ الملاح وحَزْنُهنَّ المجْدِب؟!
عجبا لتلك قضية وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أَعْجبُ!
هذا وَجدُّكم الصَّغَار بعيْنِهِ ... لا أمَّ لِي إنْ كانَ ذَاكَ وَلاَ أبُ!
стр. 61
السوية: العدل والإنصاف، والأجنب: الغريب، ويكون البعيد، ويروى الأخيب أي الخائب، والحيس: لبن وإقط وتمر وسمن، يصنع من ذلك طعام، والغار: الذل والهوان.
وأنشد أبو القاسم في باب دخول ألف الاستفهام على لا.
أَلاَ طعانَ أَلاَ فُرْسَانَ عاديةً ... إلا تَجَشُّؤكُمْ حَوْلَ التَّنَانِيرِ؟!
هذا البيت: لحسان بن ثابت يهجو به بني الحارث بن كعب، وأوله:
حارِ بنَ كعب ألاَ أحلامض تزجركم ... عَنَّا، وأَنْتُم من الْجُوفِ الجماخيرِ؟
وقد تقدم من كلامنا ما أغنى عن إعادته.
ويروى غادية بغين معجمة - أي تغدو إلى الحرب.
ويروى عادية بعين غير معجمة، ويحتمل أن تكون من العدو، الذي هو الجري، ومن العدوان، الذي هو الاعتداء والظلم.
وتجشؤكم مرفوع على البدل، من موضع ألا طعان، ألا فرسان.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
تَعُدُّون عَقْر النِّيبِ أفْضَل مَجْدِكُمْبَنِي ضَوْ طَرَى لَوْلاَ الْكمِيَّ المقَنْعَا!
هذا البيت: لجرير بن الخطفي، يهجو به الفرزدق: وكان غالب أبو الفرزدق قد عاقر سحيم بن وثيلي الرياحي، في موضع يقال له: صور، وكان بنو تميم قد اسنتوا، في زمن علي بن أبي طالب ﵇ فانتجعوا أرضا من أرض بني كلب، في طرف السماوة، يقال له: صور على مسيرة يوم من الكوفة، فنحر غالب ناقته، وأمر أن يصنع لهم طعام، وجعل يهدى إلى قوم من بني تميم، فملأوا لهم جفاناً من ثريد، ووجه منها إلى سحيم بن وثيل جفنة، فكفأها، وضرب الذي أتى بها، وقال: أمفتقر أنا إلى طعام غالب؟! إذا هو نحر ناقة، نحرت أنا أخرى.!! فوقعت المنافرة بينهما، فنحر غالب ناقتين، فنحر سحيم ناقتين!! فنحر غالب ثلاثا، فنحر سحيم ثلاثا!! فعمد غالب إلى مائة ناقة، فنحرها، ونكل سحيم عن ذلك، فغلبه غالب!! فلما انصرف الناس إلى الكوفة قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر، هللا نحرت مثل ما نحر؟!، فكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين؟! فاعتذر بأن إبله كانت غائبة، وعمد إلى ثلاثمائة ناقة فنحرها بكناسة الكوفة، وقال للناس: شأنكم بها!.
فقال أمير المؤمنين؛ علي بن أبي طالب ﵇: هذا مما أهل لغير الله به، فلا يأكل منها أحد شيئاً!.
وأمر بطرد الناس عنها، فأكلها السباع والكلاب والطير!.
وكان الفرزدق يفخر بذلك في شعره، فقال جرير: ليس الفخر في عقر النوق، والجمال، إنما الفخر بقتل الشجعان والأبطال!.
والنيب: الإبل المسنة، واحدها ناب، والمجد: الشرف. ومعنى بني ضوطري: يا بني الحمقاء.
والكمي: الشجاع، وجمعه كماة، وليس بجمعه على الحقيقة؛ وإنما هو جمع كامٍ: كقاض وقضاة، وغازٍ وغزاة، وقد تكلمنا عليه فيما مضى.
والمقنع: الذي على رأسه مغفر.
أرمت ليربوع إيادَ أُرُومَةً ... وعِزَّ أبتْ أوتْادهُ أن مُنَزَّعَا
تُلاَقِي ليربوع إذا ما عَجَمْتَهُم ... مَنَابِت نَبْع لم يُخَالِطْنَ خِرْوَعَا
وقال في ذلك المحلي، أحد بني قطر بن نهشل، يعاضد جريراً:
وقد سَرَّني أن لا تَعُد مُجاشِعٌ ... من المجدِ إلاّ عُقرَيَاتٍ بِصُور
وأنشد أبو القاسم في باب التمييز:
أَتهْجُرُ لَيْلَى لِلْفِراق حَبِيبَهَا ... وَمَا كَانَ نَفْساُ بِالْفِراق تَطِيبُ
هذا البيت: للمخبل السعدي، واسمه: ربيعة بن مالك، ويقال: إنه لأعشى همدان. واسمه: عبد الرحمن بن عبد الله، ويكنى: أبا المصبح، وهو من شيعة الدولة الأموية، وكان يلقب: طليق أثره! وذلك أن الحجاج كان قد أغزاه ببلاد الديلم فأسر، وهويته بنسب العلج الآسر له، فواقعها ثماني مرات في ليلة، فقالت له الديلمية: يا معشر المسلمين، أهكذا تفعلون بنسائكم؟! فقال: نعم! فقالت: من أجل هذا نصرتم علينا!، ثم قالت: أرأيت إن أنا خلصتك، وفررت معك، أتصطفيني لنفسك؟ قال: نعم! فعاهدته الله أن لا يخلفها وعده، وحلت وثاقه، وفرت معه، فقال قائل:
لقد حدثتْ للدَّيْلَمِيَّةِ غُلمْة ... بِهَا فُكَّ من رتْق الأسَار أَسِيرُهَا
ومن يكُ يفْديه مِنَ الأسْر مَالهُ ... فَهَمْدانُ تُفْدِيه الْغَادَ أُيُورُهَا
стр. 62
وهذا البيت: أنشده أبو عثمان المازني شاهداً على جواز تقديم التمييز على العامل فيه، إذا كان العامل فعلاً متصرفاً، فأجاز قياساً على هذا: عرقاً تصببت، وشحماً تفقات ولا حجة فيه عند أصحابه؛ لوجهين: أحدهما: أن هذا لم يسمع إلا في الشعر، وما انفرد به الشعر ليس بأصل يقاس عليه، إنما يوجه إلى الضرورة، ويجب أن يقال له: إذا كنت تجعل هذا البيت حجة، فاجعل قول الآخر حجة على جواز تعريف التمييز، وهو:
رأيتك لما أنْ رأيت جِلاَدَنَا ... رَضِيتَ، وطبتَ النَّفءسَ يا بَكْرُ عنْ عَمْرِو
وكما أنا لا نرى هذا البيت حجةً، في جواز تعريف التمييز، إنما هو عندنا - وعندك - جرى مجرى الضرورة، وكذلك هذا البيت الاخر، وغلا فمن أين فرقت بينهما، وكل واحد منهما مما انفرد به الشعر؟! والوجه الثاني: أن أبا إسحاق الزجاجي - رحمه الله تعالى - قال: الرواية:
وما كان نفسي بالفراق تَطِيبُ
وأنشد أبو القاسم في باب التصغير:
قُدَ يْدِيمِةَ التَّجْيبَ والحْلْم إِنَّنيِ ... أرَى غَفَلاَتِ الْعَيْشِ قَبْل التَّجارب
هذا البيت: للقطامي، وقبله:
كأن قَضَيضاً مِنْ غريض غمامة ... عَلَى ظَمَأ جَاءَتْ بِهِ أمُّ غالِبِ
لمستهلك قد كاد من شدة الهوى ... يموت من طول العدَاة الكوارب
صَرِيعُ غَوَانٍ رَاقَهُنَّ وَرُقْنهُ ... لَدْنْ شَبَّ حتَّى شَاب سُودُ الَّذوَائِبِ
القضيض ما انقض من المطر، أي تفرق وسقط، والغريض: الماء الطري، والظمأ: العطش الذي يعرض نفسه للهلاك.
والغواني: جمع غانية، وهي التي غنيت بزوجها عن غيره، وقيل: هي التي غنيت بجمالها عن الزينة، وقيل: هي التي غنيت في بيت أبويها؛ ولم تتزوج.
وراقهن: أعجبهن بجماله وشبابه، ورقنه: أعجبنه.
ولدن أي من عند وقت شبابه، إلى وقت شيبه، قبل أن يجرب الأمور، ويكون له حلم ينهاه عن القبيح والفجور، فإن غفلات العيش ولذاذته، إنما هي قبل التجارب، والفكرة في العواقب!! وقد يديمه: تصغير قدام: والعامل فيه: راقهن ورقنة.
ويروى: إنني - بكسر الهمزة - على الاستئناف، وأنني بفتح الهمزة، وهو مفعول من أجله، وقد تكون إن مكسورة الهمزة، وفيها معنى المفعول من أجله، كقوله : " ويصلى سعيراً، إنه كان في أهله مسروراً "، وأجاز ذلك، لأن إن داخلة على الجمل، والجمل قد يكون فيها معنى العلة، والسبب موجود، كما قال تعالى: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وانا ربكم فاتقون " فإن المعنى. ولن هذه أمتك، ولكوني ربكم فاتقون! وأنشد أبو القاسم في باب تصغير الأسماء المبهمة:
أَلاَ قُلْ لِتيَّا قَبْلِ مِرَّتْها اسْلَمي ... تحيَّة مُشْتاقٍ إلَيْها مُتَيَّمِ
هذا البيت: لأعشي بكر بن وائل، يهاجى به بسطام بن عبد الله.
وقوله: ألا قل لتيا، أراد: قل لهذه المحبوبة قبل مرورها ونهوضها: اسلمي؛ أي سلمك الله في سفرك!.
والمرة: هي هيئة المرور، كما أن الجلسة هيئة الجلوس، ويجوز أن يريد: لمرتها استحكام نيتها في النهوض، فيكون من قولهم استمرت مرته على كذا، أي قوي، والمرة: القوة، قال البعيث.
شددتُ له أزْري بمرَّة حازم ... عَلَى مَوقْع مِنْ أمْرِه مَا يُعَادِلُه
وتحية: مصدر مؤكد حمله على معنى الفعل لا على لفظه لأنه إذا قال: اسلمي، فقد حياها، وهو مصدر مؤكد، لأنه لو قال: اسلمي، واقتصر عليه، لعلم أنه قد حياها تحية مشتاق، وهو بمنزلة قول زهير:
تعلَّمنْ ها لعمر اللهِ ذَا قَسَماً ... فَاقْدِرْ بذَرْعِكَ وانظر أين تَنْسَلِكُ
والمتيم: الذي استعبده الحب وتملكه.
وزعم بعض النحويين أن تيا اسم علم: واحتج بقول الأعشي:
أَلاَ قُلْ لِتياَّك مَابَالُهَا ... ألِلْبَيْن تَحْدجُ أَحمْالَها
وتوهم أنه مثل قول النابغة:
أَهاجَكَ مِنْ سُعْداكَ مَغْنَى الْمعَاهِد ... بِرَوْضَةِ نُعْمِيٍّ فَذَاتِ الأَسَاوِدِ
قال: ولو كان اسم إشارة، لم يجز أن يضيفه؛ لأن أسماء الإشارة لا تضاف. وهذا الذي قاله خطأ، لأن الكاف في قوله: تياك ليست اسماً مضافاً إليه، إنما هي حرف للخطاب، لا موضع لها من الإعراب، كما يقال ذاك زيد: قال ذو الرمة:
стр. 63
ألاَ ظَعَنَتْ مَيُّ فهاتيك دارُها ... بها السُّحْم تَرْدى والْحَمَام المطوَّقُ
ويروى أن أعرابياً قدم من سفره، فوجد امرأته قد ولدت، فأنكر الولد فقال:
لتقعُدِنَّ مِنِّي مَقْعَد الْقَصِيّ
مِنِّي ذُو القَاذُورَةِ المقْلِيِّ
أو يَحْلِفِي بربِّك الْعَلِيِّ
أنِّي أبُو ذَيَّالِكَ الصَّبيِّ
فقالت مجيبة له:
لاَ، والَّذِي رَدَّكَ يا صَفييِّ
مَا مَسَّنِي بَعْدكَ مِنْ إِنْسِيِّ
غَيْرُ غُلامٍ وَاحِدٍ صَبِيٍّ
بعد أمرأينِ مِنْ بَنيِ عَدِيٍّ
ثم امرأين مِنْ بِني بليّ
ها: وخمسة كَانُوا عَلَى الطَويّ
وتسعة جاءوا مَعَ الْعشِيِّ
وغير تركيّ ونصرانيّ!.
فقام إليها الأعرابي وسد فاها، وقال: اسكتي قبحك الله!.
وقال: والله لول أني سددت فاك لذكرك الإنس والجن!.
وقوله: ألا قل لتيا مخاطبة منه لنفسه.
وقوله بعده:
على قِيلها يَوْمَ التقينا وَمِنْ يكن ... على منطق الواشين يُصْرم ويصْرِم
أجدك لم تأخذ ليالي تلتقي ... شفاءك في حول جديد محرّم
سلام وتعطى كل شيء سألته ... ومن يكثر التَّسْآل لابدّ يُحرمِ
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
بكُل قريشيٍّ عَلَيْه مَهَابةٌ ... سَرِيعٌ إِلَى دَاعِي النَّدَى والتكرُّمِ
هذا البيت: لا أعلم قائله.
وقبل هذا البيت:
ولَسْتُ بِشَاوِيٍّ عَلَى دَمَامَةٌ ... إِذَا مَا غَدَا يَغْدُو بَقَوْسٍ وأَسْهُمِ
ولكنما أغدو عليَّ مُفَاضَةٌ ... دِلاصُ كأَعْيَانِ الِجْرَادِ المنَظَّمِ
الشاوي: الذي يرعى الشاء، والدمامة: بدال غير معجمة: الحقارة والمهانة، والدلاص: المصقولة البراقة.
وصف نفسه بأنه ليس من رعاة الغنم والمحتقرين، وأنه من الفرسان، الذين يستنجد بهم في الحرب!.
وأنشد أبو القاسم أيضاً في هذا الباب:
وتَضَحكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةْ ... كأنْ لم تَريْ قَبْلي أَسيراً يَمَانيا!
هذا البيت: لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وكان أسر يوم الكلاب، أسرته التيم، وكانوا يطلبونه بدم رجل منهم، فعلم أنه مقتول، فقال هذا الشعر بنوح على نفسه.
وقد تقدمت منه ستة أبيات في باب النداء.
وبعد هذا البيت:
وظَلَّ نِسَاءُ التَّيْم حَوْلي رُكُّداً ... يُرَاوِدْنَ مِنِّي مَا يُرِيدُ نِسَائِنَا
وقد عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةُ أَنَّنِي ... أَنَا اللَّيثُ مَعْديًّا عَلَيَّ وَعَادِيَا
وقد كنت نحَّارَ الجزورِ ومُعْمِل ال ... مَطيِّ وأَمضِي حَيْثُ لاَ حَيَّ مَاضِيَا
وقوله: كأن لم ترى قبلي ... رجوع من الإخبار إلى الخطاب، كما قال عنترة:
شطَّت مَزَارُ العَاشِقين فأَصْبحت ... عَسِراً عَلَيَّ طِلاَبُك ابنَةَ مَحْرَمِ
ويروى: كأن لم ترى قبلي - على الإخبار.
وكان الوجه أن يقول: كأن لم تر - بحذف الألف للجزم. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون أثبت الألف ضرورة، كما قال الراجز.
إذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطلِّقِ
ولا ترضَّاهَا وَلاَ تَمَلَّقِ
والثاني: أن يكون على لغة من يقول: راء، مقلوباً من رأى على مثال: خافٍ، فجزم، فصار لم ترأ، على مثال ثم تخففت الهمزة، فقلبها ألفاً لانفتاح ما قبلها، كما يقال في قوله: قرأ: قرا، وراء: لغة مشهورة، منها قول كثير:
وكلُّ خليلٍ رَاءَنِي فَهْوَ قائل: ... مِن أجْلِكَ هَذَا هَامَةٌ اليومَ أوْ غَدَا
وكأن: مخففة من كأن، واسمها مضمر فيها، تقديره على الأول: كأنك لم ترى، وعلى القول الثاني: كأنها لم تر.
وأنشد أبو القاسم في باب: المعرب والمبني:
ويَصْهَلُ فِي مِثْلِ جَوْفِ الطَّوِيِّ ... صَهِيْلاً تَبَيَّن لِلْعْرِبِ
هذا البيت: للنابغة الجعدي، واسمه: حبان بن قيس بن عبد الله، ويكنى: أبا ليلى، هذا قول أبي عمرو الشيباني، والقحذمي.
وقال ابن قتيبة: هو عبد الله بن قيس، وقال محمد بن سلام: هو قيس بن عبد الله.
стр. 64
وقال ابن الأعرابي: سمي نابغة، لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر، ثم قال بعد ذلك الشعر، وهذا قول محمد بن حبيب، وقال حماد الراوية قرأت على القحذمي، قال: قال النابغة الشعر في الجاهلية، ثم أجبل دهراً، ثم نبغ بعد ذلك بالشعر في الإسلام وكان يقال في شعره: خمار بوافٍ، ومطرف بآلاف!.
يريدون: أن شعره لا يتناسب: بعضه جيد، وبعضه ردئ، كذا قال ابن قتيبة.
وذكر غيره: أن هذا إنما كان يقال في شعر الكميت.
وعاش النابغة الجعدي مائة وعشرين سنة، فيما ذكره ابن قتيبة وذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ سأله عن قوله في شعره:
لبست أُنَاساً فأفْنَيْتُهم ... وأَفْنَيْتُ بَعْد أُناس أُناسَا
ثلاثةَ أهْلين أفْنيتُهم ... وكان الإلَهُ هو المسْتَآسَا!
فقال له: كم لبثت في كل أهلٍ؟ فقال: ستين سنة، فهذه مائة وثمانون سنة، ثم عمر بعد ذلك، ومات في أيام الحجاج!.
والذي قال ابن قتيبة أشبه بالصحة، لقول النابغة في مهاجاته للأخطل:
فمنْ يكُ سائلاً عنَّي فإِنِّي ... من الفِتْيان أُيّامَ الخُنَان
مَضَتْ مائةٌ لِعَامُ ولِدتُ فيه ... وعَشْر بَعْد ذاك وحِجَّتان
فقد أبقت خطوب الدهر منِّي ... كما أبقت من السَّيْف اليماني!
ويروى: ويصهل: - بكسر الهاء وفتحها - والطوى: البئر المطوية بالحجارة، وشبه بها جوف الفرس في عظمه: والمعرب: العالم للخيل العراب، ويكون أيضاً الذي له خيل عراب.
وقوله: تبين للمعرب جملة في موضع الصفة للصهيل، والتقدير: تبين المعرب أنه عتيق، فحذف المفعول، كما حذفه من قوله:
حَتَّى لَحِقْنَا بهمْ تُعْدِي فَوَارسُنَا ... كأَنَّهَا رَعْنُ قفٍّ يرفع الآلاء!
أي تعدي فوارسنا الخيل.
ويجوز أن يكون من قولهم: تبين الأمر، إذا ظهر، بمعنى بان، ولذلك قالوا في المثل: قد تبين الصبح لذي عينين! - فلا يكون في الكلام حذف.
وقبله:
كأن مَقَطَّ شَرا سَيْفِهِ ... إلى طرفِ القُنُب فالمنْقب
لُطمْن بتُرْسٍ شديد الصِّفا ... قِ مِن خشَبِ الجوْز يُثَقَّبِ
وأنشد أبو القاسم في باب الهجاء:
فإنَّ المنِيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسَوءفُ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا!
هذا البيت: للنمر بن ثولب العكلي.
والنمر: اسم منقول من النمر، الذي هو نوع من السباع والنمر من السحاب: ما كان فيه حمرة وبياض وسواد، شبه بالسبع لاختلاف ألوانه، ورجل نمر: غضبان، معبس، ونمر: قبيلة، ونمر: جمع نمرة، وهي نوع من الثياب.
واختلف في قول طرفة:
ثَمَّ زَارَتْنِي وصَحْبِي هُجَّعٌ ... في خليطَيِن: بُردٍ ونَمر
فقيل: هما ثوبان، وقيل: قبيلتان! والتولب: ولد الحمار.
والعكل: اسم مرتجل من قولهم: عكل عليه، إذا حمل عليه وعكل الشيء إذا حبسه، وعكله: إذا جمعه بعد تفرقه، قال الشاعر:
وهُمُ على شَرَفِ الأميل تداركوا ... نَعَماً تُشَلُّ إلى الرَّئيسِ وتُعْكَل
وكان أبو حاتم السجستاني يزعم: أن العرب لا تقول إلا: النمر بن تولب بسكون الميم - وهذا إنما هو على تخفيف الكسرة.
وقبل بيت النمر:
وإنْ أنْتَ لاقيتَ في نجْدة ... فَلاَ تَتَهَيَّبْكَ أنْ تَقْدِمَا
وقال أصحاب المعاني: أراد فلا تتهيب أن تقدم عليها، كما قال ابن مقبل:
وَلاَ تَهيَّبُني الموْماةُ أركبُها ... إِذا تجاوَبَست الأَصْداءُ بالسَّحَر
أراد: ولا أتهيب.
ويجوز عندي أن تكون الكاف حرف خطاب، لا موضع لها من الإعراب، كالكاف في أرأيتك زيداً ما صنع؟، والنجاءك يا رجل!، فلا يكون مقلوباً وكأنه قال: فلا تتهيب أن تقدم.
والنجدة: الشدة.
وأنشد أبو القاسم في باب: أحكام الهمزة في الخط.
إنَّ سُلَيْمَىَ واللهُ يَكْلَؤهُا ضَنَّتْ بِشَئ ما كانَ يَرْزَؤُها
هذا البيت: لإبراهيم بن هرمة القرشي وهرمة: اسم منقول من الهرم وهو نبت رخو، واحدتها: هرمة، قال الحارث بن وعيلة:
وَوَطِئْتَنَا وَطْءَا على حَنْق ... وَطْأَ المقيَّدَ يابسَ الهرْمِ
ومعنى يكلؤها: يحفظها ويحرسها.
стр. 65
وضنت: بخلت علينا بما لو بذلته، لم يكن عليها فيه من ريبة! وقوله: ما كان يرزؤها: جملة في موضع الصفة لشيء، كأنه قال: شيء غير رازٍ لها، وخير إن في قوله: ضنت.
وقوله: والله يكلؤها: اعتراض بين اسم إن وخبرها، لا موضع لها من الإعراب.
وهذه القصيدة مما اختارها الأصمعي من القصائد المهموزات، وبعد هذا البيت:
وعَوَّدَتْني فيما تُعوَّدُ بِي أظماءَ وِرْد، ما كنتُ أَجْزؤها
ولا أراها تزال ظالمة ... تحدث لي قَرْحَةً وتَنْكَؤُهَا
والأظماء - جمع ظم، وهو ما بين الشرب إلى الشرب، وضربها مثلا، أراد أنها تصله، ثم تقطعه مدة، كما تسقى الإبل أربعاً وخمساً، ونحو ذلك إلى العشر، وهو نهاية الأظماء.
ويقال: جزأت الإبل، وغيرها، إذا استغنت بأكل النبات الأخضر عن شرب الماء، والنكأ: أن يقشر الجرح.
والمعنى: تحدث لي جرحاً وتتلوه بآخر، كما قال ذو الرمة:
ولكن يكُ القَرْح بالْقَرْح أَوْجع
وأراد: وأراها لا تزال ظالمة، فقدم لا عن موضعها، كما قال الآخر:
خالفْ فَلاَ وَاللهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً ... مِنَ الأرْض إِلاّ أنْتَ للذُّلِّ عَارِفُ
وأنشد أبو القاسم في باب: المذكر والمؤنث:
كَافاً وَمِيمَيْنِ وَسِيناً طاسِماً.
هذا الرجز: لا أعلم قائله، وقبله:
تخال منها اْلأَرْسُم الرَّواسِمَا
شبه رسوم الدار، بكتاب قد درس، ولم يخص هذه الحروف دون غيرها بمعنى، ويحتمل أن يكون راى هذه الحروف في كتابه، فسأل عنها ما هي؟ فقيل: هي كاف وميمان، وسين؛ لأن العرب أكثرهم لا يميز الحروف!.
ويروى أن أبا حية النميري قيل له: أنشدنا قصيدة على روى الكاف، فأنشد:
كَفَى بالنَّأْي مِنْ أسماءَ كافٍ ... ولَيْسَ لحبها ما عِشْتُ شَافٍ
ولأجل هذا ينسبون الخط إلى النصارى واليهود؛ لأنهم كانوا أصحاب كتب، ولم يكن للعرب كتاب ألا ترى إلى قول امرئ القيس:
أتتْ حِجَجٌ بَعْدي عليها فأصْبَحَتْ ... كخطِّ زَبُور في مصاحف رُهْبَان؟
وقال أبو حية النميري:
كما خُطَّ الكتابُ بكفْ يوماً يَهُويٍّ أَوْ يُزِيلُ
وذكر أبو حاتم الرازي، أنه قبل لأعرابي: ما القلم؟ فجعل ينظر إلى أصابعه ساعة، ثم قال: لا أدري! فقيل له: توهمه في نفسك.
فقال، هو عود قلم من جوانبه، كما قلم الأظفور.
والطاسم - والطامس -: سوادهما الدارس.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
........... ... كما بُيِّنَتْ كافٌ تَلُوحُ ومِيمُها
هذا البيت: للراعي وصدره:
أَشَاقتكَ أطلالٌ تَعَفَّتْ رُسُومُها
وإنما شهوا آثار الديار بحروف المعجم؛ لأنه يستدل بها، كما يستدل بالحروف، ولذلك جعلوها تبين من الآثار ماله نظير في الكلام والمنطق مثل قول زهير:
أمِنْ أَمِّ أوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ ... بِحَوْمَانَةَ الدَّرَّاج فالْمتَثَلَّمِ
وقال جميل:
ألمْ تَسْأَل الرَّبْعَ الخَوَاءَ فَيَنْطقُ ... وهَلْ تُخْبرَنْكَ الْيومَ بَيدَاءُ سِملَقُ
ويروى: بينت على صيغة ما لم يسم فاعله، وبينت، بفتح الباء والياء، وهو أجود.
وأنشد أبو القاسم في باب أمس:
لَقَدْ رأيت عجبا مُذْ أمْسَا ... عَجَائِزاً مِثْل السَّعالِي خَمْسا
السعالي: سواحر الجن، واحدتها: سعلاة، وبعد هذين البيتين.
يَأْكُلْنَ مَا جَمَعْنَ هَمْسَا
لاَ تركَ الله لُهَنَّ ضِرْسَا
ولا لَقِينَ الدَّهْرَ الاًّ تَعْسَا!!
الهمس: الصوت الخفي، والتعس: السقوط على الوجه، والنكس: السقوط على القفي.
وأنشد أبو القاسم في باب: الحروف التي يرتفع ما بعدها بالابتداء والخبر وتسمى حروف الخفض: -
بينا تَعَنُّقِهِ الكُمَاةَ ورَوْغِهِ ... يوماً أُتيحُ لَهُ جَرئٌ سَلْفَعُ
هذا البيت: لأبي ذؤيب الهذلي.
وقبله:
والدَّهْر لا يَبْقَى على حَدثَانِهِ ... مستشعرٌ حَلَقَ الحديد مقَنَّعُ
تَعْدو به خوْصاءُ يَفْصِمُ جَرْيها ... حَلَقَ الرِّحالة فهي رِخْو تَمرَعُ
المستشعر: الذي لبس الدرع، وصيرها لجسمه كالشعار، وهو ما يلي الجسم من الثياب.
والمقنع: الذي على رأسه قناع من حديد، يعنى البيضة:
стр. 66
وقوله: تعدو به خوصاء أي تجري به فرس في عينها عور، والخوص عور في العينين.
وقوله: يفصم: أي يكسر، يقال: بالفاء، والقاف، وقيل: الفصم بالفاء: أن ينصدع الشيء، ولا يبين بعضه عن البعض، فإذا بان بعضه من بعض، فهو قصم بالقاف.
والرحالة: القنب، والرخو السهلة الجري، وتمرى تسرع، والكماة: الشجعان، والروغ: التحفظ والحدر.
ومعنى أتيح: قدر، والجري: ذو الجرأة والإقدام، والسلفع نحوه، ذكره على جهة التأكيد.
ووقع في بعض نسخ الجمل تعانقه - بألف -، وهو خطأ، والصواب: تعنقه، وكذا وقع في شعر أبي ذؤيب؛ لن تعانق لا يتعدى إلى مفعول، إنما يقال: تعانق الرجلان، والمعانقة والاعتناق، والتعنق هي المتعدية.
والاعتناق آخر مراتب الحرب؛ لأن أول الحرب الترامي بالسهام، ثم المطاعنة بالرماح، ثم المجالدة بالسيوف، ثم الاعتناق، وهو: أن يتخاطف الفارسان، فيسقطان إلى الأرض معاً، وقد ذكر ذلك زهير في شعره، حيث يقول:
يَطْعَنُهُم ما ارْتَمَوا حَتَّى إذَا اطعَنُواضَارَبَ، حَتَّى إذا حَارَبُوا اعْتَنَقَا
يريد أنه يزيد على ما يفعلون!.
وأراد أبو ذؤيب: أن الشجاع لا يعصمه من الهلاك جرأته وشجاعته، وأن كل مخلوق فالفناء قضاؤه وغايته! وأنشد أبو القاسم في باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره:
......... ... ضَرْياً هَذَا ذَيْك وَطعْناً وَخْضاً
هذا البيت: للعجاج، واسمه: عبد الله بن رؤبة وسمي العجاج لقوله:
حتى يعُجَّ عِندَهَا مَنْ عَجْعَجَا
وقبله:
حَتَّى يُقضِّي اْلأَجَلَ المُقَضَّى
والهذ: سرعة القطع، ومعنى ضرباً هذا ذيك: أي ضرباً يهذ هذا بعد هذ.
والوخض أن يدخل الرمح في الجوف، ولا ينفذ.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
إِذَا شُقَّ برْدٌ، شُقَّ بالبردِ مثْلهُ ... دَوَالَيْكَ حَتَّى كُلُّنَا غَيْرُ لاَبِسِ!
هذا البيت: لسحيم، عبد بني الحسحاس في ابنة مولاه.
وسحيم: اسم منقول، وهو تصغير أسحم، وهو الأسود، فعلى هذا هو: مصغر مرخم، ويجوز أن يكون: تصغير سحم، وهو ضرب من النبات، قال النابغة:
إنّ العريمة مانع أرْماحَنَا ... ما كان من سَحمٍ بِها وصُفَار.
فيكون تصغيرا غير مرخم.
والوجه الأول أجود؛ لأنه كان عبداً أسود.
وأما الحسحاس: فالأشبه أن يكون مرتجلاً، مشتقا من قولهم: حسحست الشواء، إذا أزلت عنه الجمر والرماد، وقد يمكن أن يكون منقولا؛ لأنهم قد قالوا: ذو الحسحاس: لموضع بعينه، قال الشاعر:
أَلاَ ليتَ شِعْرِي: هلْ تَغيَّرَ بعدنا ... ظِبَاءٌ بِذِي الحَسَحَاسِ نُجْلٌ عيُونُها
يروى: بالسين والصاد.
والبرد: الثوب، من أي شيء كان، وكان أبو حاتم يقول: لا يقال: برد، إلا لما كان فيه وشيء، فإن كان فيه من صوف فهو بردة، كما قال بعض الأعراب:
لعمْري لعرابية ذات بُردَة ... تَحُلَّ دِمَاثاً مِن سُويْقَةً أو فَردَا
ومعنى دواليك: مداولة بعد مداولة، وهو تثنية دوال وأنشد أبو زيد:
لَعَمرِي لَقَد بَّر الضَّبَابَ بَنُوهُ ... وبَعضُ البنين حَمَّةٌ وسَعَالِ
جَزَونِي بما رَبَّيتُهُم وحَمَلْتُهم ... كَذلِكَ مَا إنَّ الخُطْوبَ دَوَالِ
ولما رأوا أنَّ العظام تحَبَّبَت ... أقاموا العظامَ، فالعظامُ طِوالَ
ويروى: دوال - بالكسر، وهو مصدر دوالت، والدوال بالفتح اسم المصدر.
وأما ما ذكره من شق البرد، فمعناه: أن العرب قد كانوا يقولون: إن المتحابين إذا شق كل واحد منهما برد صاحبه، دامت مودتها، ولذلك قال قبل هذا:
كأنّ الصُّبيرياتِ وَسطَ بُيُوتِنَا ... ظباءٌ تَبدَّت مِن خِلاَلِ المكَانِس
فكم بُردَةٍ قَد شُقَّ عَنَّا وبرُقع ... على طِفَلة مَمْكُورَةٍ غَيرِ عَانِسِ
أراد بالصبيريات: نساء من بني صبيرة بن يربوع، والممكورة المطوية الخلق، والعانس التي بقيت في بيت أبيها ولم تنكح. وأنشد أبو القاسم في باب الوقف:
........ ... أَنَا ابنُ مَاوِيَّة إذَا جَدَّ النَّقُر
هذا البيت لا أعلم قائله، وأظنه لعبيد بن ماوية الطائي، لقوله: أنا ابن ماوية: وبعده:
وجاءت الخيلُ أَثَابِي زُمَرُ
стр. 67
ومعنى جد: اشتد وتحقق، والنقر: صوت باللسان يسكن به الفرس، إذا اضطرب بفارسه، قال امرؤ القيس:
أُخَفِّضُه بالنَّقر لَمَّا عَلَوتُه ... ويرفَعُ طَرفا غَيرَ جَافِ غَضِيضِ
وقوله: أنا ابن ماوية كلام خرج مخرج الافتخار، ولا يقوله إلا مشهور عند الناس، قال أبو النجم:
أنا أبو النَّجْم وشِعرِي شعري.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
لقد خَشِيتُ أنْ أرَى جَدَيَّا
في عَامِنَا ذَا بَعدَمَا أخصَبَّا
هذا الرجز: أنشده أبو حاتم لبعض الأعراب.
ويروى جديبا:، فمن روى كذا زاد إلى الباء باء أخرى لتبقى دال الجدب ساكنة، لن التشديد في الوقف إنما يستعمل فيما كان قبل آخره حرف متحرك، ونظيره قول الاخر:
كأنّ مجرَى دَمعِها المُسْتَنِّ ... قُطْنَةٌ من أبيض القُطْنُنِّ
ويروى: القطن.
ومن روى جدبا - بغير زيادة باء - حرك الدال؛ لاجتماع الساكنين.
وكان القياس ألا يشدد جدبا، ولا أخصبا؛ لوقوع حرف الإطلاق بعد الباء من أخصب، والألف التي هي بدل من التنوين، في جدبا، ولكنه اضطر، فأجرى الوصل مجرى الوقف.
وبعد هذين البيتين:
إنّ الدَّبَا فوقَ المتُونِ دَبَّا
وهبَّتْ الرِّيح بمَوْرٍ هَبَّا
تَتْركُ ما أبقى الدَّبَا سَبْسَبَّا
كأَنَّهُ السَّيْل إذا اسلَحَبَّا
أو كالحْريقِ وَافَق الْقَصَبَّا
والتِّبْنَ والحلْفَاءَ فَالْتَهبَّا
حَتَّى تَرىَ البُوَ يْزل الإزبَّا
مِنْ عَدَمِ الْرَعى قَد اقرَعَبَّا
تبّاً لأصْحَاب الشَّوِيِّ تَبَّا
الدبا: الجراد.
والمتون: المواضع المرتفعة، والمور: الغبار المتردد بالريح، والسبسب: ما لا نبات فيه من الأرض، - وهو البسبس أيضاً، قال الشاعر:
وقاعٍ سَبْسَبٍ لا نَبْتَ فِيهِ ... كأنّ كلاَبَهُ زُبَرُ الَحْدِيدِ
واسلحبا: سال بشدة.
والبويزل: تصغير البازل من الإبل، وهو بمنزلة القارح من الخيل، وخصه بالذكر؛ لأن الكبير أحمل للجهد من الصغير.
والإزب: الغليظ الكثير اللحم.
ومعنى اقرعب: ضمر وهزل.
والشوى: لغة في الشاء: وأنشد أبو القاسم في باب ما:
بِمَا فِي فُؤادَبنا مِنَ الهمِّ والهَوى ... فيبْرَأَ مُنءهاضُ الْفُؤَادِ المشعَّفُ
هذا البيت: للفرزدق، من قصيدة أولها:
عَزَفْتَ بأَعْشَاشِ وما كنت تعَزِف ... وأنكْرتَ مِنْ حَدْرَاءَ ما كنت تأْلَف
دعوتُ الَّذِي سوَّى السَّمَواتِ أيدُهُ ... وللهُ أدْنَى من وَرِيدِي وأَلْطَفُ
ليشْغل عَنِّي بَعْلَهَا بَزمَانَةٍ ... تُدَلِّهُهُ عَنِّي، وَعَنْها فَنُسْعَفُ!
الأيد: والأود القوة، والوريد: حبل العنق، أخذه من قوله تعالى: " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ".
والزمانة: ما يصيب الإنسان من حوادث الزمن، والتدليه: ذهاب العقل!.
ويروى: فيجبر منهاض الفؤاد: على صيغة ما لم يسم فاعله، ويجبر على صيغة لفظة فعل بفعل، ويرتفع منهاض في الوجه الأول على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، وفي الوجه الثاني على أنه فاعل، لأنه يقال جبر العظم وجبرته، قال العجاج:
قَد جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجبرْ
ويروى: فيبرأ، منهاض الفؤاد: الذي عاوده الحب بعد ذهابه عنه.
والأصل في الانهياض: أن يجبر العظم ثم ينكسر.
والمشغف: الذي بلغ الحب شغافة، وهو حجاب القلب.
ويروى المشعف: - بعين غير معجمة - وهو الذي أحرقه الحب، وقيل: هو الذي بلغ الحب شعفته، وشعفة القلب أعلاه، مثل شعفة الجبل، وهي رأسه.
واللام في قوله ليشغل بمعنى: كي، وهي متعلقة بدعوت، والباء في قوله: بزمانه متعلقة ب يشغل، وتدلهه: جملة في موضع الصفة لزمانة.
ورفع فنسعف، وقطعه عما قبله، كأنه قال: فنحن نسعف، وكان الأحسن أن ينصبه بالعطف على ليشغل.
ونحوه قول جميل:
ألمْ تَسأَل الرَّبْع الَخْوَاءَ فينطقُ ... وهل تخيرنْك اليومَ بيداء سِمْلقُ
كأنه قال: فهو ينطق.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
وَمَهْمَهَين قَذَفَين مَرْتَيْنْ ... ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُور التُّرْسْين
هذا الرجز: لخطام المجاشعي - وبعده:
جُبْتَهُمَا بالنَّعتِ لاَ بالنَّعْتَين!
стр. 68
والمهمة: القفر المخوف، واشتقاقه من مهمهت بالرجل، إذا زجرته، فقلت له: مه مه! ومثله ما ذكره اللغويون في قول أبي ذؤيب:
على أَطْرِقا بالياتُ الخيام ... إلاّ التُّمامُ وإلاَّ الْعِصيّ
فإنهم ذكروا أن أطرقا موضع، وإنما مسى بذلك، لأن ثلاثة أنفس مروا فتكلم أحدهم مع صاحبه، فقال لهما الثالث: أطرقا!.
والقذف: ما ارتفع من الرض، والمرت التي لا ماء بها ولا نبات فيها.
والظهر: ما ارتفع من الأرض يشبهه بظهر الترس في ارتفاعه، وتعريه من النبت، كما قال الأعشي:
وفَلاَةٍ كأَنَّها ظَهر تُرسٍ ... لَيْسَ إلاّ الرجيعُ فيها علاقُ
وقوله: جبتهما بالنعت لا بالنعتين، أي نعتالى مرةً واحدة، فلم احتج إلى نعتهما إلى مرة أخرى!.
وصف نفسه بالحذق والمهارة!.
وأنشد أبو القاسم في باب: أقسام المفعولين:
فَكَانَ وإيَّاها كحرَّان لم يُفِقْعَن الْماءِ إذْ لاَقَاهُ حتَّى تَقَدَّدَا
هذا البيت: لكعب بن جعيل التغلبي.
والحران: العطشان، ومعنى تقدد: تشقق معاه لكثرة ما شرب من الماء!.
وصف عاشقاً، لقي محبوبته، وهو شديد الشوق إليها، فكان حاله معها كحال رجلٍ شديد العطش، ظفر بالماء، فأكثر منه حتى هلك!.
وإنما خص الماء بالذكر، لأن العرب تقول: ظمئت إلى لقائك، وعطشت إلى لقائك، فيمثلون اشتياق المحب إلى المحبوب، باشتياق الظمآن إلى الماء؛ ألا ترى إلى قول الشاعر:
أَرَى ماءَ وبِي عَطَش شديدٌ ... ولكنْ لا سبيلَ إلى الوُرُد!
وقال آخر:
أُأَمِّل أنْ أُعَلَّ بشرب لَيْلَى ... ولم أَنْهَلْ، فكيف إلى العلول؟!
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
فآلَيتُ لا أنْفَكُّ أَحْذُو وقصيدةً ... تكسُونُ وإيَّاها بِها مثَلاً بَعْدِي
هذا البيت: لأبي ذؤيب الهذلي، يخاطب به خالداً، بن أخته.
وكان أبو ذؤيب يرسله قوادا إلى معشوقةٍ له تدعى أم عمرو، فأفسدها عليه، واستمالها إلى نفسه، فقال فيه هذا، وقبله:
تُريدينَ كَيْما تجمعيني وخالداوهَلْ يُجمَعُ السَّيْفانِ وَيحَكِ في غِمْدِ؟
أَخَالِدُ مَا رَاعيتَ مِنْ ذِي قَرَابةٍ ... فتحفَظنِي في الغَيبِ، أوْ بعض ما تُبْدِي
دَعَاكَ إِليها مُقْلَتَاهَا وجِيدُهَافَمِلْتَ كما مَال المحبُّ عَلىَ عمْدش
وكنْتُ كرَقْرَاقِ السَّرَاب إِذَا جرَى ... لِقَوْمٍ وَقَدْ بَاتَ المطيُّ بِهِمْ يَحْدى
ومعنى أليت حلفت، ويقال لليمين: ألوة، وإلوة، وألوة، بفتح الهمزة وكسرها وضمها.
ومعنى لا أنفك: لا أزال.
ومعنى أحذو: أصنع وأهيئ، كما تحدى النعل على المثال، إذا سويت عليه.
ومن روى أحدو - بالدال غير معجمة - فهو من قولهم: حدوت البعير، إذا سقته وأنت تغني في إثره لينشط.
وقوله: تكون: في موضع الصفة لقصيدة، وهي صفة جرت على غير من هي له. ولو جعلتها صفة محضة لبرز ضمير الفاعل المستتر فيها، فكنت تقول: كائناً بها أنت وإياها.
والضمير في قوله: بها: يعود على القصيدة، وفي إياها: يعود على المرأة، كأنه قال: حلفت لا أزال أصنع قصيدة، تكون مع هذه المرأة بها مثلاً بعدي.! وفي هذه القصيدة، قال أبو ذؤيب لخالد:
رَعَى خالدٌ سِرِّي لَيَالِي نَفْسَهُ ... تَوالى عَلى قَصْد السَّبِيلِ أُمُورُهَا
فَلَمَّا ترَامَاهُ الشَّبابُ وغيُّهُ ... وفي النَّفْسِ مِنْه فِتْنَةٌ وفُجُورُهَا
يُعلقه منها دَلال ومُقْلة ... تظل لأصحاب السفاء تديرها
فأجابه خالد بشعر، يقول فيه:
فَلا تجْزَ عَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنتَ سِرْتَهَا ... فأَوّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرَها
تَنَقَدْتَهَا من عَبْدِ وهْب بن جابر ... وأنتَ صَفِيُّ النَفْس منْها وخِيرها
وإنما قال له هذا؛ لأن وهب بن جابر، كان صاحب هذه المرأة، وكان يوجه إليها أبا ذؤيب فأفسدها عليه، واستمالها إلى نفسه، فاحتج خالد بذلك، فقال: كيف تنكر على ما فعلت أنت مثله؟! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
تُكَلِّفُنِي سَوِيقَ الكَرْمِ جَرْمٌ ... وَمَا جَرْمٌ، وَمَا ذَاكَ السّوِيقٌ؟!
стр. 69
هذا البيت: لزيادة الأعجم وهو زياد بن جابر، وهو من عبد القيس.
وزياد: اسم منقول، وهو مصدر زايدته مزايدة وزيادا.
وسمي: أعجم، للكنةٍ كانت في لسانه.
وبعد هذا البيت:
وما شرِبتْه جَرْمُ وَهْوَ حِلٌ ... ولا غَالَتْ بِهِ مُذْ كانَ سُوقُ
فَلَمَّا أنزل التَّحْرِيم فيها ... إذَا الجَرْميّ مِنْها ما يُفيقُ
أراد ب سويق الكرم: الخمر، كنى عنها بالسوبق؛ لانسياقها في الحلق، وطيبها عند الشاربين لها.
وقوله: وما جرم وما ذاك السويق، احتقار منه لجرم والسويق الذي سألته، كما تقول: ما أنت وذاك وزيد، وفي الكلام - وإن كان موفوعا معطوفا - معنى مع.
وفيه شاهد على أن ما إذا تكرر ذكرها مع الإسم، ارتفع ولم يجز النصب، ألا ترى أنك تقول: ما أنت وقصعة من ثريد، فترفع القصعة وتنصبها، والرفع أجود لخلو الجملة من فعل؟! ولو أظهرت ما مرة ثانية، فقلت: ما أنت، وما قصعة من ثريد، لم يجز النصب بوجه.
ولو أسقطت ما الثانية من بيت زياد، فقلت: وما جرم وذاك السويق؟ رفعت ونصبت! وأما معنى الشعر: فإنه هجا جرماً، ووصفها بخساسة القدر، واستحلالها ما حرم الله، من شرب الخمر، فقال: إن جرماً في الجاهلية قبل تحريم الخمر، لم تكن - ممن يصل إلى شرب الخمر، لنفاستها عند الناس، وغلاء ثمنها، فلما حرمها الله تعالى، وترك الناس شربها، ورخص ثمنها وصلت جرم حينئذ إلى شربها، ولم تبل، بتحريم الله تعالى لها.! وأنشد أبو القاسم في هذا الباب.
فَمَا أنا والتَّلَدُّدَ حَوْلَ نَجْد ... وقد غُصَّتْ تِهامَةُ بالرِّحَالِ
هذا البيت: لمسكين الدارمي، واسمه ربيعة بن عامر، مسكين لقب له، ولذلك قال في شعره:
وسُمّيتُ مِسْكيناً وما بِيَ حَاجةُ ... وإنِّي لمسْكِينٌ إلى الله راغبُ
والتلدد: التبختر، وأصله من الديدين، وهما صفحتا العنق، فمعنى التلدد أن ينظر الإنسان يميناً وشمالا فيثنى لديديه، والديدان: جانبا الوادي فكأن معنى التلدد: أن ينظر افنسان في هذا الشيء مرة، وفي هذا الشيء مرة، ونجد بلد مرتفع، وتهامة منخفضة.
ومعنى غصت: امتلأت، وكل شيء قد أختنق بشيء، فقد غص به، طعاماً كان أو غيره.
وتهامة: اسم واقع على جزيرة العرب ما بين عدن إلى أطراف الشام، في الطول، وأما في العرض: فمن جدة وما والاها من شاطئ البحر إلى أقصى العراق.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ما بين حصن أبي موسى، إلى أطوار الشام، إلى أقصى تهامة في الطول.
وأما في العرض: فما بين رمل يبرين، إلى منقطع السماوة إلى ما وراء مكة.
قال: وما دون ذلك إلى أرض العراق فهو نجد - بفتح النون وتسكين الجيم - وهذيل يقولون: نجد - بضم النون والجيم - كأنهم جمعوا نجدا: أنجاداً، ثم جمعوا أنجاداً على نجد، قال الشاعر:
نَذُق بَرْد نَجْد بعد ما لعبتْ بِنَا ... تِهامةُ في حَمَّامِها المتوقِّدِ
وقال الراجز في اللغة الأخرى:
يَوْماً تهاميُّ، ويَوْماً بالنُّجُدْ
وقوله: غصت تهامة بالرجال جملة في موضع الحال نصباً، والباء في قوله بالرجال متعلقة بغصت.
يقول: كيف أقيم بنجد، وقد نهض الناس إلى تهامة، فيجب أن أنهض إليها، كما نهضوا.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
فما أَنا والسَّيْرَ في مَتْلَفٍ ... يُبَرِّح بالذَّكر الضَّابِطِ
هذا البيت: لأسامة بن حبيب وقال السكري: هو أسامة ابن الحارث بن حبيب الهذلي، ويكنى أبا سهم.
وأسامة. اسم منقول من الأسد، ويجوز أن يكون مشتقا من الوسم، وهو أثر الكي.
وقال غيره: من الوسامة، وهي الحسن والجمال، والهمزة مبدلة من الواو، كما أبدلت في أجوه وأقتت.
والحارث، وحبيب: اسمان منقولان، قد تقدم ذكرهما.
وأما هذيل فيمكن أن يكون تصغير هذلول على وجه الترخيم، وأن يكون أيضاً تصغير مهذول على جهة الترخيم، وهو المضطرب قال الراجز:
يَعْلوُ الهذاليل ويعْلوُ القردَدَا
وهذا ليل الرياح: أواخرها، واحدها هذلول، قال الراجز:
إمَّا يزالُ قائلٌ أَبِن أبِن ... هوْ ذَلَة المشآة عن ضِرس اللَّبن
стр. 70
وأما السهم: فيكون الذي يرمى به عن القوس، ويكون: النصب من الشيء، ويكون الغلبة في المساهمة، وهي المقارعة، يقال: ساهمته فسهمته، والسهم: القدح الذي يقارع به، والسهم: مقدار ستة أذرع في المساحة، والسهم: أيضا أن يصيب الرجل السهام، فيضربه، وهو وهج الصيف يقال فيه: سهم الرجل.
والمتلف - بفتح الميم وكسرها -: القفر الذي يتلف فيه كل من سلكه، ويبرح: يكلفه البرح، وهو المشقة.
وأراد بالذكر: الذكر من الإبل؛ لأنه أقوى على السير من الناقة، فإذا برح بالجمل، كان أحرى أن يبرح بالناقة.
والضابط: القوي، والضبط الذي يعمل بيديه جميعاً.
وقوله: فما أنا والسير: يسفه نفسه، وينكر عليها السفر في مثل هذا المتلف، الذي يهلك الإبل، وإنما قال هذا؛ لأن أصحابه سافروا إلى الشام ومصر، وأرادوا منه النهوض معهم، فأبى، وقال هذا الشعر.
وبعد هذا البيت:
وبا اْلبُزْل قدْ دَمَّهَا نيُّها ... وذاتُ المدَارَأةِ الْعَائِط
وما يَتَوقَّين من حَرَّةٍ ... وما يتجاوَزْنَ مِنْ غائِط
ومِنْ أَيْها بَعْد إِبْدانِها ... وَمِنْ شَحْم أثْبَاجِهَا الهابِط
تصيح جَنَادِبُهُ رُكَّداً ... صِيَاحَ الْمسَامِير في الوَاسِطْ
فهن على كل مُسْتَوفِزٍ ... وٌقُوع الدَّجَاجَ عَلَى الْحَائِطِ
وإلاَّ النَّعَامَ وحَفَّانَهُ ... وطَغْيَا مِنَ اللَّهَق النَّاشِطِ
إذا بلغوا مصْرَهُمْ عُوِجُلوا ... من الموْتِ بالهِمْيَغِ الذَّاعِطِ
مِن المرْبَعِينَ ومِنْ آزِلٍ ... إِذا جَنَّهُ اللَّيْلُ كَالنَّاحِطِ
عَصَاكَ الأقارب في أمرهم ... فزابِلْ بأَمْرِكَ أوْ خَالِطِ
ولا تَسْقُطَنَّ سُقوط النَّوَا ... ة من كفِّ مُرْتضِخٍ لاقِطِ
البزل: المسنة من الإبل، واحدها بازل.
ومعنى دمسها: طلاها وعلاها، والني: الشحم. والمدارأة: المدافعة، يريد الناقة التي تناطح الإبل في سيرها، لنشاطها وقوتها كما قال النابغة:
يَزُوْن إلاَلاً سَيْرُهُنَّ تَدَافُع
والعائط: التي لم تحمل أعواماً، فهو أقوى لها، والحرة: كل أرضٍ سوداء كثيرة الحجارة، والغائط: المنخفض من الأرض، والأين: الإعياء، والأثباج: الأوساط، جمع ثبج، وثبج كل شيء وسطه والهابط: الذي يذوب، فيسيل من التعب، والجنادب: الجراد، والركد: - جمع راكد - الثابتة وأراد ب الواسط الرحل، وهو موضع القربوس، والهاء في جنادبه: تعود على المتلف، والمستوفز: المكان المرتفع، والدجاج: ههنا: الديوك، والحفان - بكسر الحاء وفتحها - صغار النعام.
قال الفارسي، كان الأصمعي يروي طغيا - بضم الطاء، على مثال: حبلى، وروى أحمد بن يحيى ثعلب: طغيا - بفتح الطاء على مثال سكرى، وهي البقرة.
وروى أبو عبيدة - معر بن المثنى -: وطغياً بفتح الطاء والتنوين، وكذلك رواه أبو عمرو الشيباني، قالا: وهو الصواب: يقال: طغى يطغى طغياً ويكون للناس والبهائم.
ومن رواه هكذا، روى من اللهق، أي: صوتاً من اللهق، وهو: الثور الأبيض، ومن لم ينون، وجعله اسماً مقصوراً فإنه يروي: مع اللهق.
وقال الأصمعي: الطغيا؛ الصغيرة من بقر الوحش، والحفان: النعام، ويقال: إناثها.
والناشط: الذي يخرج من موضع إلى موضع، ولا يستقر.
والهميغ الموت السريع، والذاعط: الذابح؛ وإنما قال هذا لأن الشام ومصر كثيرتا الوباء.
والمربع: الذي تأخذه حمى الربع، والآزل: الذي ضاق عليه أمره، وساءت حالته: والناحط: الذي يعتريه النحط، وهو الزفير، أراد: أن يثبطهم بذلك عن السفر!.
والمرتضخ: الذي يدق النوى للإبل، ويروى مرتحض بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، وهو الذي يغسل النوى، ويقال: ارحضت الثوب، وارتحضته، إذا غسلته.
يقول لنفسه: عصيت عشيرتك في البقاء، وتركت السفر معهم، فلا تنزلق في رأيك بالنهوض معهم: فتكون بمنزلة النواة الساقطة من كف المرتضخ.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
وأغْفِر عَوْرَاء الكريم ادَّخارَهُ ... وأعْرِض عن شتْم اللَّئيم تَكَرُّماً!
هذا البيت: لحاتم بن عبد الله الطائي، ويكنى: أبا عدي، بابنه، وأبا سفانة بابنته.
стр. 71
والعوراء: الكلمة القبيحة، يقال عورت الرجل، إذا قبحته، قال طرفة:
وعوْراءَ جاءتْ من أخ فرددتها ... بسالمةِ العينين طالبةٍ عُذْرَا
وهذا من إحكام صنعة الشعر: ومقابلة الألفاظ بما يشاكلها، ويتمم معانيها، وذلك أنه لما كان القبيح شبيه بالأعور العينين، سمي ضده بسالم العينين، ويشبه هذا في تتميم المعاني بما يليق بها؛ قول الأخطل، يهجو يربوع ابن حنظلة:
تسدُّ القاصعاء عَلَيْكَ حتَّى ... تُنَفِّقَ أو تموت بها هزالا
لما كان المهجو بهذا المعنى يسمى يربوعاً أتم المعنى، فاستعار له قاصعاء ونافقاء، ونظيره أيضاً قوله في قصيدة أخرى:
سمْونَا بِعِرْنِين أشمّ وعارضٍ ... لنَمْنَع ما بَين العراقِ إلى البِشْر
وإنما جرت العادة أن ينسب الشمم والعرنين إلى الأنف فيقال: شمم بأنفه، فلما احتاج إلى زيادة عضو آخر زاد العارض؛ إذ العارض يقرب من العرنين، ولأنه قد يقال: لهمزة يلهزه، إذا وكزه في لهزمته، فنسب اللهز إلى العارض لقربه من العرنين كما ينسب الرغم إلى الأنف، ومثل هذا لا يتنبه له إلا الحاذق العارف بمقاطع الكلام، ومن هذا النوع قول المعري.
جَلا فَرّقَدَيْهِ قَبْل نُوحٍ وآدمٍ ... إلى الْيَوْمِ لم يُدعيا في الْقَراهِب
لما كان الفرقد الذي هو الكوكب، قد وافق الفرقد، الذي هو ولد البقرة الوحشية في الاسم وكان ولد البقرة إذا طال عليه الزمان زال عنه اسم الفرقد سمي قرهباً، وهو الثور المسن: استعار ذلك للكوكب تشبيها وتتميما للمعنى، وإجادة للصنعة، والمعنى!.
وبعد بيت حاتم:
وَلاَ أَخْذُل الموْلَى وإنْ كانَ خَذِلاً ... ولا أشتُمُ ابْنَ الْعَمِّ إن كَانَ مغرَما
ولا زَادَنِي عنه غِنَايَ تَبَاعُدا ... وإن كَانَ ذا نقص من المال مُصْرَمَا
أَهُنْ للذي يَهْوَى التّلاد فإنّه ... يكونُ إذَا ما مِتُّلا نَهْباً مُقْسَمَا
ولا تَشقَينْ فيه فيَسَعَدَ وارثٌ ... بِه حِينَ تَغْشَى أَغْبَر اللَّوْنُ مُظْلِما
وشعر حاتم معظمه في الكرم والحض على مكارم الأخلاق والشيم، ومن طريف أخباره أن رجلاً يعرف بأبي خيبري مر بقبره مع أصحاب له، فباتوا قريباً من القبر، فجعل أبو خيبري يقول: يا أبا عدي أقر أضيافك!.
ثم نام، وانتبه مذعوراً يصيح، واراحلتاه، واراحلتاه!!.
فقال له أصحابه: ما شأنك؟ فقال: رأيت في منامي حاتماً قد خرج من قبره، وبيده، سيف مسلول، فعرقب به ناقتي!.
فقاموا إلى راحلته فوجدوها لا تنبعث، ولا تقدر على القيام! فقالوا: والله لقد قراك حاتم، فنحروها، وظلوا يأكلون من لحمها؛ فلما أرادوا أن يمشوا أردفوه!.
فبيناهم كذلك يسيرون إذ طلع عليهم عدي بن حاتم، ومعه جمل أسود قد قرنه إلى بعيره، فقال: إن أبي جاءني في المنام، يذكرني شتمك إياه، وأنه قراك وأصحابك براحلتك، وأمرني أن أدفع إليك عوضها، فخذ هذا الجمل، وأنشد أبياتا:
أَبَا خَيْبَرَي وأنْت امْرؤٌ ... حَسُودُ الْعَشِيرةَ لَوَّامُهَا
أتَيت بصحبك تبغى القِرَى ... لدى جَفْرة قد صَدت هامها
أتَبْغي أذاها وإعْسَارَها ... وحَوْلَكَ طَيُّ وأَنْعَامُها
وأنشد أبو القاسم في باب مواضع من:
فكفى بِنا فَضلاً على مَنْ غَيْرنَا ... حُب النَّبِيِّ مُحمدٍ إيَّانا
هذا البيت: لكعب بن مالك الأنصاري.
وكعب: اسم منقول من كعب الإنسان، والكعب القطعة من السمن، وكعب الرمح: عقدته، قال النابغة:
ولا يُشعِرُ الرُّمْحَ الطويل كعوُبُه
ومالك: اسم منقول أيضاً، وقد تقدم القول فيه.
والباء في قوله بنا زائدة، ولا تتعلق بشيء، والتقدير: فكفانا فضلا. وفضلاً: منصوب على التمييز.
وأنشد أبو القاسم في باب: القول:
أَمَّا الرَّحيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدٍ
فَمَتَى تقولُ: الدَّارُ تَجْمعُنا؟!.
هذا البيت: لعمر بن أبي ربيعة، ويكنى: أبا الخطاب، وقد تقدم كلامنا في اسمه، فأغنى.
وتجمعنا: في موضع نصب على المفعول الثاني، لتقول، وقبله:
قَالَ الخَلَيلُ: غداً تَصَدُّعُنا ... أو شَيْعَهُ فَمَتَى تشَيُّعُنا؟!
أراد بشيعه: اليوم الذي بعده.
стр. 72
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
مَتَى تقولُ: القُلُصَ الرَّواسِمَا ... يُدْنِينَ أمَّ قاسَمٍ وقاسِماً؟
هذا البيت: لهدبة بن الخشرم العذري.
والصواب: أم حازمٍ وحازما.
وأم حازم: اخت زيادة بن زيد العذري، وحازم ابنها. وكان هدبة بن خشرم، وزيادة بن زيد - وهما ابنا عمٍ - قد جمعهما سفر، وهم حجاج، ومع هدبة أخته فاطمة، فاعتقبوا سوق الإبل، فنزل زيادة بن زيد، وجعل يقول - وهو يحدو الإبل: -
عُوجِي عَلَيْنَا وارْبَعِي يا فَاطِمَا ... ما دُونَ أنْ يرَى البْعيرُ قَائِماً
وهي أبيات كثيرة، فلما سمعه هدبة يتغزل بأخته غضب، ونزل عن بعيره وجعل يحدوا، ويقول:
لَقَدء أُرَانَي وَالغُلامَ الحازِمَا ... نُزْجِي الْمِطيَّ ضُمْراً سَوَاهِما
مَتَى تَقُولُ الزُّبلَ السَّواهِمَا ... والجّلة النَّاجِية الْعَياهِمَا
يَبْلُغْنَ أمَّ حَازِمٍ وَحَازِمَا ... إذَا هَبْطنَ مُستَحيراً قَاتِما
وَرَجَّعَ الحادِي لَهَا الْهمَاهِمَا ... أَرْجفْن بالسَّوالف الجماجِمَا
تسمعُ للمرْوِ بِه الْقَمَاقِما ... كمَا يُطِنُّ الصَّيْرفُ الدَّراهما
ألاَ تَرَيْنَ الدَّمع مِنِّي سَاجِما ... حَذَارَ دَارٍ منْك أن تلائِما
والله لا يشْفى الفؤاد الهْائِمَا ... تَمْسَاحُنَا اللَّباتِ والمآكما
ولا اللِّمَام دون أن تلازِما ... ولا اللّزام دونَ أن تُفَاقِمَا
ولا الفِقَامَ دون أنْ تُفاغِمَا ... وتركَبُ القوائمُ الْقَوائِمَا!
فغضب زيادة، وكان بينهما شر، فكان ذلك سبباً أدى هدبة إلى قتل زيادة، ثم قتل هدبة.
ومعنى نزحي: تسوق برفق، والمطي: الإبل، والسواهم المتغيرة من السفر، والزبل: الضوامر، والرواسم: التي ترسم في الأرض أي تؤثر فيها بأخفافها، والجلة: الكبار من الإبل، واحدها: جليل.
والناجية: السريعة، والعياهم: الحسنة الخلق.
والمستحير: القفر الخالي، الذي يحار فيه، والقاتم: الكثير القتام، وهو الغبار، والحادي: الذي يحدو الإبل، أي يسوقها، والهمام الأصوات، وترجيعها: تكريرها.
ومعنى أرجفن: والسوالف: صفحات الأعناق، والجماجم الرءوس، والمرو: الحجارة، والقماقم الأصوات، والمآكم رءوس الأوراك، واللبات: موضع الحلي، واللمام: الزيادة، واللزام: المعانقة، والفقام - والمفاقمة -: التقبيل، ووضع الفم على الفم، والمفاغمة: شم الرائحة الطيبة، ولا يكون إلا في الرائحة الطيبة.
والقلص: جمع قلوص، وهي الفتية من الإبل.
وأنشد أبو القاسم في هذا الباب:
سَمِعْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيْثاً ... فقلتُ لصَيْدَحَ انتجِعِي بَلاَلاً
هذا البيت: لذي الرمة، يمدح به بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.
ومعنى ينتجعون: يقصدون ويطلبون.
والغيث: يكون المطر، ويكون النبات الذي ينبت عنه، وهو من تسمية الشيء باسم الشيء، إذا كان منه بسبب، قال زهير:
وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيِّ حُوٍّ تلاَعُهُ ... أَجابَتْ روابِيه النجاء هواطِله
وصيدح: اسم ناقته.
ويروى أن بلالاً، لما سمع هذا البيت، قال: يا غلام مر له بقت ونوىً، أراد أن ذا الرمة لا يحسن المدح، والقت: الرطب من الشعير.! ويروى الناس - بالرفع والنصب فمن رفع فعلى الحكاية، ولم يسمع هو ذلك، وإنما سمع قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، فحكى ما سمع.
ومن نصب الناس فهو الذي يسمع ذلك منهم.
ويجب أن يكون في الكلام مضاف محذوف، كأنه قال: سمعت قول الناس؛ لأن الأشخاص لا تسمع، وإنما يسمع أصواتها وكلامها، فإذا قلت: سمعت زيداً يقول كذا، فإنما التقدير: سمعت كلام زيد، ويقول جملة موضعها نصب على الحال، وكذلك ينتجعون في رواية من نصب الناس.
وزعم الفارسي في الإيضاح أن سمع يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان مما يسمع، كقولك: سمعت كلام زيد.
وإن كان مما لا يسمع تعدي إلى مفعولين، كقولك سمعت زيداً يقول كذا وكذا؛ فتقديره عنده في موضع المفعول الثاني.
стр. 73
وهذه من مسائله التي غلط فيها؛ لأن سمعت لو كان مما يتعدى إلى مفعولين لم يخل أن يكون من باب ما يتعدى إلى مفعولين، لا يجوز السكوت على أحدهما، وهو من باب ظننت وأخواتها، أو يكون من باب ما يجوز فيه السكوت على أحد المفعولين، وليس في العربية باب آخر له حكم ثالث.
فلا يجوز أن يكون من باب ظننت؛ لأنهم قد عدوه إلى مفعول واحد، فقالوا: سمعت كلام زيد.
ولا يجوز أن يكون من باب أعطيت، لن باب أعطيت لا يجوز أن يكون المفعول الثاني فيه إلا اسما محضاً، ولا يجوز أن يقع موقعه فعل، ولا جملة، وأنت تقول: سمعت زيداً يتكلم، وسمعت زيداً وهو يتكلم، فتأتى بعده بفعل، أو بجملة.
فإذا بطل أن يكون سمعت من باب ظننت، ومن باب أعطيت، ثبت أنه مما يتعدى إلى مفعول واحد، وأنك إذا قلت: سمعت زيداً يقول، فيقول في موضع الحال، لا في موضع المفعول الثاني، وإن تقديره: سمعت كلام زيد يقول، فتكون حاسة السمع بمنزلة الحواس الخمس في تعديها إلى مفعول واحد، كقولك: أبصرت الرجل، وشممت الطيب، وذقت الطعام، ولمست الشيء، وبعد بيت ذي الرمة:
تُنَاخِيِ عِندَ خَيْر فَتىً يمانٍ ... إذَا النَّكبَاءُ نَاوَحْت الشَّمَالاَ
والنكباء ريح تهب بين مهبي ريحين.
ومعنى ناوحت: قابلت، والشمال: الريح الجوفية، وإنما تناوح النكباء في أيام البرد والشتاء، فمدحه بالكرم في ذلك الوقت.! وأنشد أبو القاسم في باب: حكايات النكرات بمن:
أَتَوْا نَارِي، فقلْتُ: مَنُونَ أنتُم؟ ... فَقَالُوا: الجنّ، قلتُ: عِمُوا ظَلاَماً
ثم ذكر أن بعض الناس يغلطون في هذا الشعر، ويوونه: عموا صباحاً وجعل دليله على ذلك ما رواه، عن أبي دريد، عن أبي حاتم، عن أبي زيد، ثم أنشد القطعة:
وَنارٍ قَد حَضَأْتُ بُعَيدَوهنٍ ... بدار ما أُريدُ بها مُقَاماً
سِوَى تَرحِيل راحلةٍ وَعَينٍ ... أُكَالِؤها مَخَافَةَ أن تَنَامَا
أتَوا نَارِي فقلتُ: مَنُونَ أنتُم ... فقالوا: الجنُّ، قلت: عِمو ظَلاَمَا
فقلتُ: إلى الطعام، فقال منهم ... زعيمُ: تحسُدُ الإنَّسُ الطعَامَا
لقد فُضِّلتُمُ بالأكل فِينَا ... ولسكن ذاك يُعقبكُم سِقَامَا
ولم يقع هذا البيت الأخير في جميع النسخ، ويروى:
أَمِطْ عنَّا الطّعامَ؛ فإنَّ فيه ... لآكِلهِ النَّغَاصَة والسِّقَامَا
وقد صدق أبو القاسم ﵀ فيما رواه، عن ابن دريد، ولكنه أخطأ في تخئته رواية من روى عمو صباحا، لأن هذا الشعر الذي أنكره، وقع في كتاب سد مأرب، ونسبه واضع الكتاب إلى جذع بن سنان الغساني في حكاية طويلة، وزعم أنها جرت له مع الجن، وكلا الشعرين أكذبة من أكاذيب العرب، لم تقع قط!! فمنهم من يرويه على الصفة التي ذكرها أبو القاسم - رحمه الله تعالى - عن ابن دريد. ومنهم من يرويه على ما وقع في كتاب سد مأرب.
والشعر الذي على قافية الميم، ينسب إلى شمير بن الحارث، وينسب إلى تأبط شراً، وأما الشعر الذي على قافية الحاء، فلا خلاف أنه لجذع بن سنان الغساني، وهو:
أَتَوْا نَارِي، فقُلْتُ: مَنُونَ أنتم؟ ... فقالوا: الجنُّ، فقلت عِمُوا صباحا!
نزلتُ بِشِعْبِ وادِي الجنِّ لَمَّا ... رأيتُ الليلَ قد نَشَرَ الجنَاحا
أَتَيْتُهمُ، وللأقدارِ حَتْمٌ ... يُلاقي المرءَ: صُبْحاً أو رَواحَا
أتيتُهُمُ، غريبا مستغيثا ... رأوْا قَتْلى إذا فَعَلوا جُنَاحا
أتوني سافِرين فقلت: أَهْلاً ... رأيتُ وجوهَهم وُسْماً صِبَاحَا
أتاني قَاشِر وبَنُو بَنِيهِ ... وقد جَنَّ الدُّجَى والنَّجْم لاَحا
نحْرت لهم وقلتُ أَلاَ هَلمُّوا ... كُلُوا مِمَّا طَهَيْتُ لكم سَماحَا!
فنازعني الزُّجَاجة بَعْدَ وَهْنٍ ... مَزَجتُ لهم بها عَسَلاً وَرَاحَا
وحَذَّرَني أُموراً سَوْف تَأُتى ... أَهُزُّ لَهَا الصَّوارِم والرِّمَاحَا
стр. 74
سَأَمضي لِلَّذي قالوا بعزْمٍ ... ولا أبْغي لذلكم قِدَاحَا
أَسَأْتُ الظنَّ فيه ومن أساهُ ... بكلِّ النَّاسِ قَد لاَقَى نَجَاحَا!
وقد تأتي إلى المرء المنايا ... بأثءواب الأمان سُدًى صُرَاحَا
سَيُبْقى حكُم هذَا الدَّهرِ قوماً ... ويَهْلِك آخرون به ذُبَاحَا!
أَثعلبةَ بنَ عمرٍو ليس هذا ... أوانُ السَّيْر فاعتدَّ السِّلاَحَا!
ألم تعلَم بأنْ الذّلَّ مَوْتٌ ... يُتِحُ لِمَنْ ألمَّ بِه اجْتِيَاحَا؟
ولا يَبْقَى نعِيمُ الدّهر إلاّ ... لِقرْم ماجِدٍ صَدَق الكفاحَا!
ونحن نفسر الشعرين جميعا، ونذكر ما فيهما من الغريب.
فمعنى حضات: أشعلت، وأوقدت، ويقال للعود الذي تحرك به النار محضأ على وزن مفعل.
والوهن: والموهن - نحو من نصف الليل.
وترحيل - الراحلة: إزالة الرحل عن ظهرها، والرحل للإبل: كالسرج للخيل، والراحلة: التي تتخذ للركوب والسفر، سميت بذلك، لأنها ترحل براكبها، ومعنى أكالؤها: أحرسها وأحفظها، لأن لا تنام.
وكان المفضل يروى وعير بالراء، وقال: العير إنسان العين، ومنه قبل في المثل: لقيته قبل عير وما جرى، أي قبل أن ينتبه منتبه من نومه، ويقلب عير عينيه، وما مع جرى: في تقدير المصدر، فكأنه قال: قبل عير وجريه: ويروى:
أَتَوا نَارِي فَقُلتُ مَنُونَ؟ قالوا: ... سَراةُ الْجنِّ، قلتُ: عِمُوا ظَلاما
وسراة الجن: أشرافهم، واحدهم سري، وارتفاعهم على خبر المبتدأ المضمر، كأنه قال: نحن سراة الجن.
ومعنى عموا: أنعموا، يقال: عم صباحا، وعم صباحا بكسر العين وفتحها، ويقال وعم بعم، على مثال: وعد بعد، ووعم - بكسر العين - يعم، على مثال: ومق يمق.
وذهب قوم إلى أن يعم محذوف من ينعم، وقالوا: إذا قيل يعم بفتح العين فهو محذوف من ينعم المفتوح العين.
وإذا قيل: يعم - بكسر العين - فهو محذوف من ينعم مكسور العين.
وحكى يونس، أن أبا عمرو بن العلاء سئل عن قول عنترة:
يا دار عَبلةَ بالجواء تكلّمي ... وعِمَي صَبَاحاً دارَ عَبلَةَ واسلَمِي
فقال هو: من نعم المطر، إذا كثر، ونعم البحر إذا كثر زبده كأنه يدعو لها بالسقيا وكثرة الخير.
وقال الأصمعي، والفراء في قولهم: عم صباحا: إنما هو دعاء بالنعيم والهل، وهذا هو المعروف، وما حكاه يونس نادر غريب!.
وظلاما ينتصب على وجهين.
أحدهما: الظرف، كأنه قال: انعموا في ظلامكم.
والثاني: على التمييز المنقول عما كان في أصله فاعلا، ثم نقل الفعل منه إلى غيره فنصب، كأن أصله: لينعم ظلامكم، ثم نقل الفعل عن الظلام إليهم، وهذا من باب: " واشتعل الرأس شيباً " وتفقأت شحماً.
فإن قيل كيف جاز أن يقول لهم: عموا صباحا، وهم في الليل، وإنما يليق هذا الدعاء لمن يلقى في الصباح دون المساء؟ فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الرجل إذا قيل له: عم صباحاً، فليس المراد أن ينعم في الصباح دون المساء، كما أنه إذا قيل: أرغم الله أنفه، وحيا الله وجهه، فليس المراد به الوجه والأنف، دون سائر الجسد، وكذلك إذا قيل: أعلى الله كعبك، وإنما هي ألفاظ ظاهرها الخصوص، ومعناها العموم، ومثله قول الأعشي:
الواطئون على صُدور نِعَالهم ... يَمْشُون في الرَّقمِيّ والأبْرَادِ
والْوطء لا يكون على صدور النعال دون سائرها.
والوجه الثاني: أن يكون معنى أنعم الله صباحك: أطلع الله عليك كل صباح بالنعيم، لأن الصباح والظلام نوعان، والنوع يسمى كل جزء منه بما تسمى به جملته.
وقوله: فقلت إلى الطعام: إلى متعلقة بفعلٍ محذوف، وهو في حكم الظاهر؛ فلذلك لم يكن له موضع من الإعراب، كأنه قال: هلموا إلى الطعام.
وأما منهم: فموضعه نصب على الحال، تقديره: فقال زعيم الجن منهم، فلو كان هكذا لكان المجرور في موضع الصفة لزعيم، فلما قدم صفة النكرة عليها صارت حالا.
وقوله: تحسد في موضع الصفة لزعيم وزعيم القوم رئيسهم، والزعامة: الرياسة، قال لبيد:
تطير عدائد اْلأَشْراك شَفْعاً ... وَوِتْرا والزَّعَامَةُ لِلْغُلاَمِ
стр. 75
وفينا بمعنى علينا، قال الله تعالى " ولأصلبنكم في جذوع النخل ".
وهي متعلقة بفضلتم، وكذلك الباء، ولا موضع لهما من الإعراب، لتعلقهما بظاهر.
وأما قول جذع بن سنان: نزلت بشعب وادي الجن؛ فإن: الشعب: الطريق في الجبل.
وقوله: رأيت وجوههم وسماً صباحاً، فالوسم: جمع وسيم، وهو الذي عليه سمة الجمال، وكذلك الصباح واحدهم صبيح، شبهه بالصباح في إشراقه.
وطهيت طبخت، يقال: طهيت اللحم، وطهوته، فانا طاهٍ. وقوله: لا أبغي لذلكم قداحاً، أي أطلب ضرب القداح، لأنهم كانوا إذا أرادوا فعل أمر ضربوا بالقداح، فإن خرج القدح الذي عليه مكتوب: افعل، فعل الأمر وإن خرج الذي عليه لا تفعل لم يفعله.
وقوله: أسأت الظن فيه يقول: أسأت الظن بضرب القداح، والتعويل على ما يأمر به الجن وينهي عنه، وعلمت أن ما أمرتني الجن به أحرى بأن لا أعول عليه؟.
وهذا نحو ما فعل امرؤ القيس بن حجر.
وذلك أن بني أسد لما قتلوا أباه جيش جيشاً، وعزم على غزوهم، فقيل له: لا تنهض حتى تشاور ذا الخلصة، وكان صنماً باليمن، يستقسم عنده بالأزلام!.
فأتى إليه ونزل عن فرسه، وسجد بين يدي الصنم، وشكا إليه بني أسدٍ، وقتلهم لأبيه، وأنه يريد أن يغزوهم؟!.
ثم قال للسادن: أجل القداح!، فأجالها، فخرج السهم المكتوب عليه: لا تفعل! فقال له السادن: قد نهاك ربك عن الغزو!.
فانصرف فسجد ثانية، وأكد الرغبة، وقال للسادن: أجل القداح!.
فأجالها، فخرج الذي عليه: لا تفعل! فسجد ثالثة، وأجال القداح السادن، فقال: لا تفعل!! فقال امرؤ القيس: ناولني القداح، فناوله إياها فقال:
لو كنتَ ياذَا الْخَلصة الموْتورا ... دُونِي وَكَانَ شيْخُكَ المقْبُورَا
لم تَنْهَ عنْ قتل الأعادي زُورَا!!
ثم كسر القداح، وضرب بها وجه الصنم، ونهض لطيته، ولم ينثن عن وجهته، وظن الناس أنه سيهزم، وواقع بني أسد، ورجع من سفره سالما غانماً، فهان على الناس أمر الصنم، وبات عطلاً لا ينهض إليه أحد، حتى جاء افسلام، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدمه!.
وقوله: سدَى صراحاً: السدى: المهملة التي لا يردها أحد، والصراح الظاهرة.
والذباح: بضم الذال - نبات يقتل من أكله، ويسمى الذبح أيضاً، قال الراجز:
يسقيهم مِن خِلَل الصِّفاحِ ... كأْساً من الذِّيفان والذُّباحِ
ومن روى ذباحا بكسر الذال جعلها جمع ذبيح.
وقوله: يتيح لمن ألم به اجتياحا، أي يقدر ويجلب، يقال: أتاح الله كذا، أي قدره.
وألم نزل، والاجتياح: الاستئصال.
والقرم السيد، وأصله الفحل من الإبل.
والكفاح: ملاقاة الأعداء.
وأنشد أبو القاسم في باب ماذا:
أَلاَ تَسْأَلاَنِ المرءءَ مَاذَا يحاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى، أمْ ضَلاَلٌ وَبَاطِلُ؟
هذا البيت للبيد بن ربيعة العامري، وقد تقدم الكلام في اسمه. والنحب: ما ينذره الإنسان على نفسه، ويوجب عليه فعله على كل حال، وغنما ذكر شدة رغبة الإنسان في الدنيا، وحرصه عليها، فقال: اسألوه عن هذا الأمر الذي هو فيه: أهو نذره على نفسه، فرأى أنه لا بد من فعله، أو هو في ضلال، وباطل من أمره؟! وما في موضع رفع، بالابتداء، وذا خبره، ويحاول من صلة ذا، وهو بمعنى الذي، كأنه قال: أي شيءٍ الذي يحاوله؟ وقوله: أنحب مرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: أهو نحب، جاز أن تكون ما مرفوعة الموضع، وجاز أن تكون منصوبة الموضع ويقضى في موضع نصب على جواب الاستفهام.
وهذا البيت: أول قصيدة للبيد، يذم فيها الدنيا، ويحض على الزهادة فيها، وبعده:
حبائُلهُ مَبْثُوثة بسَبيلهِ ... ويَعْيا إذا ما أخْطَأتْه الَحْبَائِلُ!
وكلُّ امرئٍ يوماً سَيَعْلَم سَعْيَهُ ... إذا حَصَلَتء عند الإلَهِ المحاصَلِ!
وكل أُناسٍ سَوْف تَدخُل بينهم ... دُوَيْهيةٌ تصفرُّ مِنْها الأنَامِلُ!
وأنشد أبو القاسم في باب الصلات:
تَعَالَ فإنْ عاهَدْتَّنِي لاَ تَخُونُنِي ... نكنْ مثْل مَنْ يا ذئْبُ يَصْطَحِبانِ
هذا البيت: للفرزدق، من شعر زعم فيه أنه نزل في بعض مناهله، فرأى الذئب ناره، فأتاه، وذكر أنه أطعمه من زاده، قال:
следующие страницы →