← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6347

إجمال الإصابة في أقوال الصحابة

صلاح الدين العلائي

Полный текст (79 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مُقَدّمَة الْمُؤلف بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَمَا توفيقي الا بِاللَّه اما بعد حمد الله الَّذِي فضل هَذِه الامة على سَائِر الامم وَجعل للصدر الاول من ذَلِك اكثر الانصباء واوفر الْقسم واختصهم لصحبة نبيه ﵇ الْمَبْعُوث بمحاسن الشيم ومجامع الحكم وهداهم بِمَا شهدُوا من احواله وفهموا من اقواله وشاهدوا من افعاله الى ارشد لقم فهم خير الْقُرُون بالاجماع واولاها بالاقتداء والاتباع واهل الْبَأْس وَالْكَرم فَهَذَا تَحْقِيق مَا اخْتلف فِيهِ من الِاحْتِجَاج بأقوالهم المنفردة وَمَا فِي ذَلِك من الْمذَاهب المتعددة مَعَ بَيَان مداركها وايضاح مسالكها وَالْجَوَاب عَمَّا لَا يعْتَمد مِنْهَا وازاحة الشّبَه والانفصال عَنْهَا وعَلى الله الِاعْتِمَاد وَمِنْه العون واياه نسْأَل التَّوْفِيق والصون فَهُوَ على كل شَيْء قدير وبالاسعاف جدير وَالْكَلَام فِي هَذِه المسالة ينْحَصر فِي اطراف

стр. 2

الطّرف الاول قَول الصَّحَابِيّ اذا اشْتهر بَينهم جَمِيعًا وَلم ينكروه اذا قَالَ الْوَاحِد مِنْهُم قولا اَوْ اكثر من الْوَاحِد كالاثنين وَالثَّلَاثَة واشتهر ذَلِك بَين البَاقِينَ وَلم ينكروه وَلَا ظهر مِنْهُم مُوَافقَة لذَلِك الْقَائِل بقول اَوْ فعل وَلَا انكار وَهَذَا هُوَ الْمُسَمّى الاجماع السكوتي ولائمة الاصوليين فِي تصَوره طَرِيقَانِ احداهما من جعل ذَلِك فِي حق كل عصر من عصور الْمُجْتَهدين وَهَذَا هُوَ الَّذِي صرح بِهِ الْحَنَفِيَّة فِي كتبهمْ وامام الْحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخ ابو اسحاق الشِّيرَازِيّ فِي شرح اللمع وفخر الدّين الرَّازِيّ فِي كتبه وَسَائِر اصحابه وَسيف الدّين الامدي وَابْن الْحَاجِب فِي مختصريه وَغَيرهم والقرافي من الْمَالِكِيَّة وَغَيره من المتاخرين وتفصيل الْمذَاهب على هَذِه الطَّرِيقَة ان احْمَد بن حَنْبَل وَجُمْهُور الْحَنَفِيَّة وَكَثِيرًا من اصحابنا قَالُوا انه اجماع وَحجَّة وَمِنْهُم من عزاها الى الشَّافِعِي وَكَذَلِكَ قَالَ بعض الْمُعْتَزلَة لَكِن شَرط الجبائي ابو عَليّ وَغَيره مِنْهُم فِي ذَلِك انْقِرَاض الْعَصْر وَالَّذِي ذهب اليه جُمْهُور اصحابنا وَبَعض الْحَنَفِيَّة وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ ان ذَلِك لَا يكون اجماعا وَلَا حجَّة قَالَ الامام فِي الْبُرْهَان هُوَ ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَنَقله الْغَزالِيّ فِي المنخول عَن الْجَدِيد

стр. 3

وَذهب ابو بكر الصَّيْرَفِي من اصحابنا وابو هَاشم بن الجبائي الى انه حجَّة وَلَيْسَ باجماع وَقَالَ ابو عَليّ بن ابي هُرَيْرَة ان كَانَ ذَلِك حكما من الاحكام لم يكن سكُوت البَاقِينَ اجماعا وَلَا حجَّة وان فَتْوَى كَانَ سكوتهم اجماعا وَعكس الاستاذ ابو اسحاق الاسفرائيني فَقَالَ يكون اجماعا فِي الحكم دون الْفتيا وَاخْتَارَ الامدي فِي الاحكام انه يكون حجَّة وَلَيْسَ بِإِجْمَاع وَهُوَ قريب من قَول الصَّيْرَفِي وابي هَاشم وَوَافَقَهُ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره الْكَبِير وردد فِي مُخْتَصره الصَّغِير اخْتِيَاره بَين ان يكون اجماعا اَوْ حجَّة وَالطَّرِيق الثَّانِيَة قَول من خص صُورَة الْمَسْأَلَة بعصر الصَّحَابَة ﵃ دون من بعدهمْ قَالَ ذَلِك من اصحابنا ابو الْحُسَيْن الْقطَّان فِي كِتَابه اصول الْفِقْه وابو نصر بن الصّباغ فِي كِتَابه الْعدة وابو المظفر بن السَّمْعَانِيّ فِي كِتَابه الْحجَّة وَالْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى والمنخول وَابْن برهَان وَغَيرهم وَقَالَهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب من الْمَالِكِيَّة وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيّ من متأخريهم كَمَا سَيَأْتِي وَالشَّيْخ موفق الدّين الْحَنْبَلِيّ فِي الرَّوْضَة وَخَصه بالمسائل التكليفية وَقَالَ عَن احْمَد مَا يدل على انه اجماع وَحكى هَؤُلَاءِ الْمذَاهب نَحوا مِمَّا تقدم وَنقل ابْن السَّمْعَانِيّ عَن ابي بكر الصَّيْرَفِي انه قَالَ فِي كَونه حجَّة لَا اجماعا

стр. 4

وَقيل ان هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي قَالَ وَبِه قَالَ الْكَرْخِي من الْحَنَفِيَّة وَبَعض الْمُعْتَزلَة وَحكى القَوْل بِكَوْنِهِ اجماعا فِي صُورَة الحكم دون الْفَتْوَى عَن ابي اسحاق الْمروزِي لَا عَن الاستاذ ابي اسحاق وَقَالَ القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي ان كَانَ من غير عصر الصَّحَابَة فَلَا يكون انتشار قَول الْوَاحِد مِنْهُم مَعَ امساك غَيره اجماعا وَلَا حجَّة وان كَانَ فِي عصر الصَّحَابَة ﵃ فاذا قَالَ الْوَاحِد مِنْهُم قولا اَوْ حكم بِهِ فامسك الْبَاقُونَ فَهَذَا على ضَرْبَيْنِ احدهما ان يكون فِيمَا يفوت استدراكه كاراقة دم اَوْ اسْتِبَاحَة فرج فَيكون اجماعا لانهم لَو اعتقدوا خِلَافه لانكروه اذ لَا يَصح مِنْهُم ان يتفقوا على ترك انكار مُنكر وَثَانِيهمَا ان كَانَ مِمَّا لَا يفوت استدراكه كَانَ حجَّة لَان الْحق لَا يخرج عَنْهُم وَفِي كَونه اجماعا يمْنَع الِاجْتِهَاد وَجْهَان لاصحابنا احدهما يكون اجماعا لَا يسوغ مَعَه الِاجْتِهَاد وَالثَّانِي لَا يكون اجماعا وَسَوَاء كَانَ هَذَا القَوْل حكما اَوْ فتيا وَفرق ابو عَليّ ابْن ابي هُرَيْرَة فَجعله اجماعا ان كَانَ فتيا وَلم يَجعله اجماعا ان كَانَ حكما وَعَكسه غَيره من اصحابنا انْتهى كَلَامه وَاخْتَارَ امام الْحَرَمَيْنِ فِي اخر الْمَسْأَلَة انه ان كَانَ ذَلِك مِمَّا يَدُوم ويتكرر وُقُوعه والخوض فِيهِ فانه يكون السُّكُوت اجماعا وان صُورَة الْخلاف فِي السألة اذا فرض السُّكُوت فِي الزَّمن الْيَسِير

стр. 5

وَقد تقدم انه فرض الْمَسْأَلَة بِالنِّسْبَةِ الى كل عصر لَا فِي عصر الصَّحَابَة فَقَط وَهَذَا قريب من اخْتِيَار ابْن الْخَطِيب فِي قَول الصَّحَابِيّ اذا لم ينتشر وَكَانَ فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى انه حجَّة كَمَا سَيَأْتِي ان شَاءَ الله تَعَالَى تَرْجِيح وَالْمَقْصُود ان الطَّرِيقَة الثَّانِيَة وَهِي تَخْصِيص الْمَسْأَلَة بعصر الصَّحَابَة ﵃ اظهر من الطَّرِيقَة الاولى وَذَلِكَ لَان من قَالَ يكون حجَّة وَلَا يكون اجماعا انما يتَوَجَّه اذا فرض ذَلِك فِي حق الصَّحَابَة لَان منصبهم الشريف لَا يَقْتَضِي السُّكُوت عَن مثل ذَلِك مَعَ مخالفتهم فِيهِ لما عرف من عَادَتهم وَهَذَا لَا يجىء فِي حق غير الصَّحَابَة كَيفَ والتعلق هُنَا انما هُوَ بقول الْمُفْتِي اَوْ الْحَاكِم فَقَط لانه مَبْنِيّ على السَّاكِت لَا ينْسب اليه قَول كَمَا نقل عَن الامام الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَلَا حجَّة فِي قَول اُحْدُ من الْمُجْتَهدين بعد الصَّحَابَة بالِاتِّفَاقِ فاذا لم يكن ذَلِك اجماعا فَكيف يكون حجَّة بِخِلَاف مَا اذا كَانَ ذَلِك قَول صَحَابِيّ فان ذَلِك اذا لم يكن سكوتهم عَن مثله اجماعا فيصلح للاحتجاج بِهِ كَمَا سَيَأْتِي ان شَاءَ الله ثمَّ ان الشَّافِعِي ﵀ احْتج فِي كتاب الرسَالَة لاثبات الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وبالقياس بِأَن بعض الصَّحَابَة عمل بِهِ وَلم يظْهر من البَاقِينَ انكار لذَلِك فَكَانَ ذَلِك اجماعا هَذَا معنى كَلَامه فَيحْتَمل ان يُقَال لَهُ

стр. 6

فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ كَمَا حَكَاهُمَا ابْن الْحَاجِب وَيحْتَمل ان ينزل الْقَوْلَانِ على حَالين وَذَلِكَ باحد طَرِيقين احدهما ان يكون حَيْثُ اثْبتْ القَوْل بانه اجماع اراد بذلك عصر الصَّحَابَة ﵃ كَمَا اسْتدلَّ بِهِ لخَبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَحَيْثُ قَالَ لَا ينْسب الى سَاكِت قَول اراد بذلك من بعد الصَّحَابَة وَهَذَا اولى من ان يَجْعَل لَهُ قَولَانِ متناقضان فِي الْمَسْأَلَة من اصلها وَالثَّانِي ان يحمل نَفْيه على مَا لم يتَكَرَّر من القضايا اَوْ لم تعم بِهِ الْبلوى وَيحمل القَوْل الاخر فِي الرسَالَة على مَا كَانَ كَذَلِك كَمَا اخْتَارَهُ امام الْحَرَمَيْنِ وَابْن الْخَطِيب لَان الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِالْقِيَاسِ مِمَّا يتَكَرَّر وتعم بِهِ الْبلوى وكل من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ مُحْتَمل

стр. 7

ادلة الاقوال الْمُتَقَدّمَة الْكَلَام الان فِيمَا اسْتدلَّ بِهِ كل من قَالَ بقول مِمَّا تقدم اولا احْتج الْقَائِلُونَ بانه لَيْسَ باجماع وَلَا حجَّة بَان سكُوت الساكتين لَا يدل على الْمُوَافقَة لَا صَرِيحًا وَلَا ظَاهرا اما نفي الصراحة فَظَاهر واما نفي دلَالَته ظَاهرا فلَان السُّكُوت يحْتَمل وُجُوهًا احدها الْمُوَافقَة وَالرِّضَا بذلك وَثَانِيها انه لم يجْتَهد فِي الْمَسْأَلَة وَثَالِثهَا انه اجْتهد وَلم يظْهر لَهُ شَيْء وَرَابِعهَا انه ظهر لَهُ مَا يَقْتَضِي خلاف ذَلِك القَوْل لكنه لم يُبْدِهِ اما لاعْتِقَاده ان كل مُجْتَهد مُصِيب واما لظَنّه ان غَيره كفى الْقيام بذلك واما لهيبة الْقَائِل كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي مَسْأَلَة نفي الْعَوْل وَقد قيل

стр. 8

لَهُ لم لَا رددت على عمر ﵁ فَقَالَ هِبته وَالله واما للخوف من ثوران فتْنَة كَمَا وَقع لكثير من الصَّحَابَة مَعَ بني امية واما انه راى ان الانكار لَا يجدي شَيْئا وكل هَذِه الِاحْتِمَالَات منقدحة على السوَاء لَا تَرْجِيح لاحدها على الاخر فَلَا يكون السُّكُوت دَالا على الْمُوَافقَة بطرِيق الظُّهُور واذا انْتَفَى ان يكون اجماعا فَلَا يكون حجَّة لَان هَذَا قَول بعض الامة والعصمة انما ثبتَتْ لجميعهم لَا حجية الا فِي المدارك الْمَعْرُوفَة من الْكتاب وَالسّنة والاجماع وَالْقِيَاس وَلَيْسَ هَذَا شَيْئا مِنْهَا ثَانِيًا واجاب الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ اجماعا عَن ذَلِك بَان احْتِمَال الرِّضَا والموافقة اظهر من بَقِيَّة الِاحْتِمَالَات لَان الله تَعَالَى وصف هَذِه الامة بانهم خير امة اخرجت للنَّاس يامرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر فَلَا يَصح من جَمِيعهم الاطباق على ترك انكار الْمُنكر لَان فرض الْمَسْأَلَة فِيمَا بلغ الحكم جَمِيع الْمُجْتَهدين

стр. 9

ثمَّ الْعَادة جَارِيَة فِي كل عصر بِأَن من كَانَ عِنْده خلاف فِي شَيْء من مسَائِل الِاجْتِهَاد أبداه وَلم يسكت وانهم كَانُوا إِذا نزلت بهم نازلة فزعوا فِيهَا إِلَى الآجتهاد وَطلب الحكم فَهَذَا كُله مِمَّا يرجح احْتِمَال الْمُوَافقَة وَالرِّضَا وَبَقِيَّة الاحتم الات وَإِن كَانَت منقدحة عقلا خلاف الظَّاهِر من أَحْوَال أَرْبَاب الدّين واهل الْحل وَالْعقد فَفِي ترك الِاجْتِهَاد إهمال حكم الله تَعَالَى فِيمَا وَجب عَلَيْهِم وَلَا يظنّ بهم ذَلِك لما فِيهِ من الْمعْصِيَة وألأصل براءتهم مِنْهَا

стр. 10

وَأما كَونه لم يظْهر لَهُم وَجه الحكم فَهُوَ بعيد ايضا بل مَرْجُوح لِأَن الظَّاهِر أَنه مَا من حكم إِلَّا وَللَّه عَلَيْهِ أَمَارَات وَدَلَائِل تدل عَلَيْهِ وَالظَّاهِر مِمَّن لَهُ أَهْلِيَّة الآجتهاد الآطلآع على ذَلِك وَيلْزم من تَجْوِيز ذَلِك على جَمِيعهم خلو الْعَصْر عَن قَائِم لله بِالْحجَّةِ لَا سِيمَا أهل الْأَعْصَار الأول قبل اسْتِقْرَار الْمذَاهب وَغَلَبَة المقلدين فَإِن ذَلِك فِي تِلْكَ الْأَعْصَار مِمَّا يقطع بِعَدَمِهِ وَأما احْتِمَال ظَنّه أَن غَيره كفى الْكَلَام فِي ذَلِك فَهُوَ وَإِن كَانَ مجوزا فَلَا يَصح تطابق الْجَمِيع على ذَلِك وَالْعَادَة قاضية بِخِلَافِهِ وَلَا سِيمَا مَعَ قرب بَعضهم من بعض واطلاعهم على مَا يصدر عَنْهُم غَالِبا وَأما اعْتِقَاد أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فَلَيْسَ ذَلِك قولا لأحد من الصَّحَابَة وَإِنَّمَا ينقدح هَذَا فِيمَن بعدهمْ وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الإحتمالات من الهيبة وَالْخَوْف من ثوران فتْنَة والتقية وَظن أَن الْإِنْكَار لَا يجدي شَيْئا كل ذَلِك بعيد مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْوَال الصَّحَابَة فقد أَنْكَرُوا الْكثير على الْأَئِمَّة وعَلى غَيرهم فِي مسَائِل الْجد وَالإِخْوَة والعول وَقَوله أَنْت عَليّ حرَام وَقَالَ عَليّ

стр. 11

لعمر ﵁ حِين أَرَادَ جلد الْحَامِل لَيْسَ لَك سَبِيل على مَا فِي بَطنهَا وَكَذَلِكَ فِي إِعَادَة الْجلد فِي قصَّة الْمُغيرَة وَكَذَلِكَ على عُثْمَان ﵁ فِي إِنْكَاره الْقُرْآن بَين الْحَج وَالْعمْرَة وَأنْكرت أمْرَأَة على عمر ﵁ فِي قَوْله لَا تغَالوا بمهور النِّسَاء والوقائع فِي مثل هَذَا كَثِيرَة جدا حَتَّى من التَّابِعين أَيْضا من الصَّحَابَة فقد قَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي لعَلي ﵁ فِي مَسْأَلَة بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد رَأْيك مَعَ عمر فِي حَال الإجتماع أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك فِي الْفِتْنَة وَأما سكُوت من سكت لبني أُميَّة فَذَلِك فِيمَا يتَعَلَّق بشأن الْخلَافَة وَنَحْوهَا وَلَيْسَ الْكَلَام فِي ذَلِك وكل هَذِه مِمَّا يُقَوي اخْتِصَاص الْمَسْأَلَة بعصر

стр. 12

الصَّحَابَة ﵃ لما جعلهم الله عَلَيْهِ من الصدع بِالْحَقِّ وَالْقُوَّة فِي الدّين وَأَنَّهُمْ لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم وَأَنَّهُمْ خير قُرُون هَذِه الْأمة لَا سِيمَا فِيمَا يتَكَرَّر وُقُوعه أَو تعم الْبلوى بِهِ وَمَعَ طول الزَّمن وانقراض الْعَصْر ثمَّ لَو سلم أَن ذَلِك لَا يكون إِجْمَاعًا قَطْعِيا فَلَا ريب أَنه إِجْمَاع ظَنِّي فَيكون حجَّة وَأَيْضًا فالمعروف من عَادَة التَّابِعين وَمن بعدهمْ الإحتجاج بِمثل ذَلِك إِذا اتَّصل بهم أَن بعض الصَّحَابَة قَالَ قولا وانتشر فِي البَاقِينَ وَلم ينكروه وَلَا يَخْلُو أحد من الْمُجْتَهدين من إِيرَاد مثل ذَلِك فِي كتبهمْ على وَجه والإحتجاج بِهِ فَلَو لم يكن الْإِجْمَاع السكوتي حجَّة لزم اتِّفَاقهم على الْبَاطِل وَلَا يُقَال يلْزم أَن يكون الْإِجْمَاع السكوتي إِجْمَاعًا بِالْإِجْمَاع وَيكون الْمُخَالف فِيهِ خارقا للْإِجْمَاع وَلَيْسَ كَذَلِك لأَنا نقُول جَازَ أَن يكون من احْتج بِهِ فِي كل عصر لم احْتج بِهِ فِي كل عصر لم تتفق آراؤهم على كَونه إِجْمَاعًا وَرَآهُ الْآخرُونَ حجَّة وَلَيْسَ بِإِجْمَاع وَلَو سلم ذَلِك لمُخَالفَة للْإِجْمَاع الإستدلالي أَو الظني لَا يقْدَح فِي قَائِلهَا ثَالِثا وَأما من قَالَ إِنَّه يكون حجَّة وَلَيْسَ بِإِجْمَاع فاعتمد أَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا

стр. 13

يكون عِنْد الْعلم بِاتِّفَاق الْمُجْتَهدين وَهُوَ مَفْقُود فِي هَذِه الصُّورَة فَانْتفى كَونه إِجْمَاعًا وَأما كَونه حجَّة فَلِأَن الْعَادة تَقْتَضِي بِأَنَّهُ لَو لم يكن صَحِيحا لما تطابق الْجَمِيع على السُّكُوت عَنهُ إِذا لم يكن هُنَاكَ مَانع قوي وَلَو كَانَ ثمَّ مَانع لظهر فَإِذا لم يظْهر ذَلِك وَلَا إِنْكَار صدر من أحد مِنْهُم لذَلِك القَوْل فيبعد إِلَّا يكون الْحق فِي ذَلِك القَوْل بعد قَوِيا فَيكون حجَّة لِئَلَّا الْمَحْذُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل الْعَصْر وَعدم إظهارهم الْمُخَالفَة وَأما ابْن أبي هُرَيْرَة فَقَالَ الْعَادة جَارِيَة بالإعتراض على الْمُفْتِي دون الْحُكَّام لما فِي الإعتراض على الْحُكَّام من ثوران الْفِتَن فَإِذا سكتوا عَن الْفتيا فَإِن سكوتهم دَال على الْمُوَافقَة دون مَا إِذا سكتوا عَن الحكم وَقَالَ من عكس ذَلِك هَذَا فِي الحكم أولى لما كَانَت الْعَادة جَارِيَة بِهِ من أَن الْحَاكِم يشاور وَيُرَاجع أهل النّظر بِخِلَاف الْفَتْوَى فَإِنَّهَا تقع غَالِبا عَن الإستبداد وَاعْترض على الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ لَا فرق بَين الْفَتْوَى وَالْحكم وَقد تقدم أَنهم اعْترضُوا على الْخُلَفَاء فِي أحكامهم كثيرا وَفِي الْمَسْأَلَة مبَاحث كَثِيرَة للأصوليين من التقديرات المجوزة لسنا بصدد ذكرهَا مَرَاتِب الْإِجْمَاع السكوتي وَالْمَقْصُود أَن هُنَا مَرَاتِب مُتَفَاوِتَة فِي الْقُوَّة والضعف إِحْدَاهَا فرض ذَلِك فِي كل عصر وَهَذَا إِن كَانَ بعد اسْتِقْرَار الْمذَاهب فَلَا أثر للسكوت قطعا وَإِن كَانَ قبل ذَلِك فَفِيهِ مَا تقدم من الْخلاف

стр. 14

وَفِي جعله إِجْمَاعًا ظنيا نظر وَكَونه حجَّة وَلَيْسَ بِإِجْمَاع أبعد من ذَلِك وَثَانِيها أَن يكون ذَلِك فِي عصر الصَّحَابَة ﵃ فَهُوَ أقوى من الأول وَأولى بِأَن يكون السُّكُوت مِنْهُم دَلِيلا على الْمُوَافقَة لعلو مرتبتهم فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَعدم المذاهبة على من بعدهمْ وَإِن كَانَ لم يكن إِجْمَاعًا فَالظَّاهِر أَنه حجَّة لما تقدم وَثَالِثهَا أَن يكون ذَلِك فِيمَا يتَكَرَّر وُقُوعه فَهُوَ أولى بِأَن يكون إِجْمَاعًا أَو حجَّة لِأَن تِلْكَ الإحتمالات الْمقدرَة تبعد فِيهِ بعدا قَوِيا وَرَابِعهَا أَن يكون فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى فكون ذَلِك إِجْمَاعًا أقوى مِمَّا قبله

стр. 15

وَأظْهر فِي الحجية لِأَن انتشار ذَلِك الحكم مَعَ عُمُوم الْبلوى بِهِ يَقْتَضِي علمهمْ بذلك الحكم وموافقتهم فِيهِ وَإِلَّا لزم تطابقهم على ترك إِنْكَاره وخامسها أَن يكون فِيمَا يفوت وقته كالدماء والفروج كَمَا صُورَة الْمَاوَرْدِيّ فاشتهار ذَلِك بَينهم مَعَ سكُوت البَاقِينَ عَنهُ يدل على الرِّضَا أقوى مِمَّا فِي الصُّور الْمُتَقَدّمَة إِلَّا أَن صورته فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى ويتكرر وُقُوعه أظهر أَو الْكل على السوَاء وَالْقَوْل بحجية ذَلِك وَإِن لم يكن إِجْمَاعًا قوي إِذا قيل بِأَن قَول الصَّحَابِيّ بمفرده لَا يكون حجَّة وَالله سُبْحَانَهُ أعلم الطّرف الثَّانِي قَول الصَّحَابِيّ إِذا طلع عَلَيْهِ غَيره وَلم يعلم انتشاره بَينهم جمعيهم أَن يثبت للصحابي قَول أَو حكمه فِي مَسْأَلَة وَيعلم اطلَاع غَيره من الصَّحَابَة عَلَيْهِ أَو انتشاره بَينهم دون انتشاره بَين الْجَمِيع وَلَا يُؤثر عَن غَيره فِيهِ مُخَالفَة لَهُ فَهَذَا دون الَّتِي قبله هَذِه لعدم اشتهاره بَين الْجَمِيع وَإِن كَانَ انْتَشَر بَينهم فِي الْجُمْلَة وَبِهَذَا قَيده أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ من الْمَالِكِيَّة وَالشَّيْخ صفي الدّين الأرموي فِي كِتَابه نِهَايَة الْوُصُول وَمِنْهُم من أطلق القَوْل فِي ذَلِك وَلم يُقَيِّدهُ بالإنتشار

стр. 16

والمحكي فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه إِجْمَاع وَهُوَ بعيد جدا لِأَن الْإِجْمَاع عبارَة عَن اتِّفَاق جَمِيع الْمُجْتَهدين من أهل الْعَصْر وَذَلِكَ إِمَّا بالْقَوْل أَو بِالْفِعْلِ اتِّفَاقًا وَإِمَّا بقول الْبَعْض وسكوت البَاقِينَ مَعَ اطلاعهم على القَوْل الْمُتَقَدّم فَأَما إِذا لم يعلمُوا فَيمْتَنع رضاهم بِهِ أَو ردهم لَهُ وَالثَّانِي أَنه حجَّة وَإِن قُلْنَا إِن قَول الصَّحَابِيّ بمفرده لَيْسَ بِحجَّة لِأَنَّهُ لما انْتَشَر ذَلِك القَوْل وَلم يظْهر خلاف علم أَنه قد سَمعه الْأَكْثَر فأقروه عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يكون مِنْهُم إِلَّا عَن ثَبت وَدَلِيل لما يعلم من صلابتهم فِي الدّين وتحقيقهم فِيهِ وَالثَّالِث وَهُوَ اخْتِيَار فَخر الدّين الرَّازِيّ إِن كَانَ ذَلِك مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى وَتَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ فَهُوَ يجْرِي مجْرى الْإِجْمَاع أَو يكون حجَّة

стр. 17

الطّرف الثَّالِث قَول الصَّحَابِيّ إِذا لم يشْتَهر وَلم يُخَالِفهُ غَيره أَن يَقُول الصَّحَابِيّ قولا أَو يحكم بِحكم وَلم يثبت فِيهِ اشتهار وَلَا يُؤثر عَن غير من الصَّحَابَة مُخَالفَة فِي ذَلِك وَهَذِه الصُّورَة هِيَ أَكثر مَا يُوجد عَنْهُم وللعلماء فِيهَا أَقْوَال مُتعَدِّدَة وَالْكَلَام فِي مقامين الْمقَام الأول فِي كَونه حجَّة شَرْعِيَّة تقدم على الْقيَاس وَالَّذِي يتَحَصَّل فِي ذَلِك مَذَاهِب أَحدهَا أَنه حجَّة مُطلقًا وَالثَّانِي أَنه لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا وَالثَّالِث أَن الْحجَّة قَول أبي بكر وَعمر ﵄ دون غَيرهمَا وَالرَّابِع أَن الْحجَّة قَول الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃ فَقَط وَالْخَامِس أَن قَول الصَّحَابِيّ فِيمَا لَا يدْرك قِيَاسا فَهُوَ حجَّة دون مَا يدْرك بِالْقِيَاسِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يعبر عَنهُ ابْن الْحَاجِب بِأَنَّهُ حجَّة إِذا خَالف الْقيَاس وَالسَّادِس إِن كَانَ من أهل الْعلم والإجتهاد فَقَوله حجَّة وَإِلَّا فَلَا قَالَه العالمي من الْحَنَفِيَّة فِي كِتَابه حاكيا لَهُ عَن أَصْحَابهم وَالْجُمْهُور لم يفصلوا هَذَا التَّفْصِيل بل أطْلقُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم

стр. 18

فَأَما القَوْل بِكَوْنِهِ حجَّة فَهُوَ مَذْهَب مَالك وَجُمْهُور أَصْحَابه وسُفْيَان الثَّوْريّ وَجُمْهُور أهل الحَدِيث وَكثير من الْحَنَفِيَّة كَأبي يُوسُف وَأبي سعيد البرذعي وَأبي بكر الرَّازِيّ وَعَزاهُ الْأَصْحَاب إِلَى الْقَدِيم من قولي الشَّافِعِي وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك فَقَط كَمَا سَيَأْتِي وَهُوَ رِوَايَة مَشْهُورَة عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَبِه قَالَ أَكثر أَصْحَابه وَهُوَ مُقْتَضى أجوبته وتصرفاته فِي كثير من الْمسَائِل وَأما القَوْل بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا فإليه ذهب جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ من أَصْحَابنَا والمعتزلة وَهُوَ الَّذِي عزاهُ الْأَصْحَاب إِلَى الْجَدِيد من قَول الشَّافِعِي وَاخْتَارَهُ وأوما إِلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل فَجعل ذَلِك رِوَايَة ثَانِيَة عَنهُ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب من أَصْحَابه وَإِلَيْهِ يمِيل قَول مُحَمَّد بن الْحسن وَذهب الْكَرْخِي من الْحَنَفِيَّة إِلَى أَن قَول الصَّحَابِيّ حجَّة فِيمَا لَا يدْرك بِالْقِيَاسِ وَهُوَ اخْتِيَار الْبَزْدَوِيّ وَابْن الساعاتي وَغَيرهمَا مِنْهُم وَأما أَصْحَابنَا فقد تقدم أَنهم قطعُوا القَوْل عَن الإِمَام الشَّافِعِي بِأَن قَوْله الْقَدِيم أَنه حجَّة وَأَن قَول الْجَدِيد أَنه لَيْسَ بِحجَّة وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان ذهب الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم إِلَى أَنه حجَّة يجب على الْمُجْتَهدين من أهل الْأَمْصَار التَّمَسُّك بهَا ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يكون حجَّة إِذا لم تخْتَلف الصَّحَابَة وَلَكِن نقل وَاحِد عَن وَاحِد وَلم يظْهر خِلَافه فَيكون حنيئذ حجَّة وَإِن لم ينتشر وَقَالَ فِي بعض أَقْوَاله إِذا اخْتلف الصَّحَابَة فالتمسك بقول الْخُلَفَاء أولى قَالَ الإِمَام وَهَذَا كالدليل على أَنه لم يسْقط الإحتجاج بأقوال الصَّحَابَة لأجل الإختلاف وَقَالَ فِي بعض أَقْوَاله إِن الْقيَاس الْجَلِيّ يقدم على قَول الصَّحَابِيّ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر إِن قَول الصَّحَابِيّ

стр. 19

مقدم على الْقيَاس انْتهى كَلَام الإِمَام وَهَذِه الْأَقْوَال الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الإِمَام منصوصة للشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد أَيْضا فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب الرسَالَة الجديدة فِي أَقْوَال أَصْحَاب النَّبِي ﷺ إِذا تفَرقُوا فِيهَا نصير إِلَى مَا وَافق الْكتاب أَو السّنة أَو الْإِجْمَاع أَو كَانَ أصح فِي الْقيَاس وَإِذا قَالَ وَاحِد مِنْهُم القَوْل لَا نَحْفَظ عَن غَيره مِنْهُم لَهُ مُوَافقَة وَلَا خلافًا صرت إِلَى اتِّبَاع قَول وَاحِد إِذا لم أجد كتابا وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا شَيْئا يحكم لَهُ بحكمة أَو وجد مَعَه قِيَاس هَذَا نَصه ﵀ فِي الرسَالَة الْمَذْكُورَة من رِوَايَة الرّبيع بن سُلَيْمَان

стр. 20

وَمُقْتَضَاهُ تَقْدِيم الْقيَاس الْجَلِيّ على قَول الصَّحَابِيّ وَهُوَ المُرَاد إِن شَاءَ الله بقوله وَلَا شَيْئا فِي مَعْنَاهُ يحكم لَهُ بِحكمِهِ وَيَقْتَضِي أَيْضا أَنه إِذا تعَارض قياسان وَأَحَدهمَا مَذْهَب الصَّحَابِيّ أَنه يقدم الْقيَاس الْمُوَافق لقَوْل الصَّحَابِيّ وَقد حكى ابْن الصّباغ فِي كِتَابه الْعدة عَن بعض الْأَصْحَاب أَنه نقل عَن الشَّافِعِي أَنه إِذا كَانَ مَعَ قَول الصَّحَابِيّ قِيَاس ضَعِيف كَانَ أولى من الْقيَاس الصَّحِيح قولا وَاحِدًا ثمَّ ضعفه ابْن الصّباغ وَهَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب الْأَقْضِيَة من الْحَاوِي عَن الْقَدِيم لكنه قَالَ ذَلِك فِي الْقيَاس الْخَفي مَعَ الْجَلِيّ وَأَن الْخَفي يقدم على الْجَلِيّ إِذا كَانَ مَعَ الأول قَول الصَّحَابِيّ قَالَ ثمَّ رَجَعَ عَنهُ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد وَقَالَ الْعَمَل بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ أولى وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع من الْحَاوِي فِي مَسْأَلَة البيع بِشَرْط الْبَرَاءَة من الْعُيُوب قَول الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد أَن قِيَاس التَّقْرِيب إِذا انْضَمَّ إِلَى قَول الصَّحَابِيّ كَانَ أولى من قِيَاس التَّحْقِيق وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ فِي كتاب اختلافه مَعَ مَالك وَهُوَ من الْكتب الجديدة أَيْضا مَا كَانَ الْكتاب أَو السّنة موجودين فالعذر على من سَمعهَا مَقْطُوع إِلَّا باتباعهما فَإِذا لم يكن ذَلِك صرنا إِلَى أقاويل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَو وَاحِد مِنْهُم ثمَّ كَانَ قَول الْأَئِمَّة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ أحب إِلَيْهَا إِذا صرنا إِلَى التَّقْلِيد وَذَلِكَ إِذا لم نجد دلَالَة فِي الإختلاف تدل على أقرب الإختلاف من الْكتاب وَالسّنة فنتبع القَوْل الَّذِي مَعَه الدّلَالَة لِأَن قَول الإِمَام مَشْهُور بِأَنَّهُ يلْزم النَّاس وَمن لزم قَوْله النَّاس كَانَ أظهر

стр. 21

مِمَّن يُفْتِي الرجل أَو النَّفر وَقد يَأْخُذ بفتياه (أ) ويدعها وَأكْثر الْمُفْتِينَ يفتون الْخَاصَّة فِي بُيُوتهم ومجالسهم وَلَا يعْنى الْعَامَّة بِمَا قَالُوا عنايتهم بِمَا قَالَ الإِمَام وَقد وجدنَا الْأَئِمَّة يبتدئون فَيسْأَلُونَ عَن الْعلم من الْكتاب وَالسّنة فِيمَا أَرَادوا أَن يَقُولُوا فِيهِ وَيَقُولُونَ فيخبرون بِخِلَاف قَوْلهم فيقبلون من الْمخبر وَلَا يستنكفون أَن يرجِعوا لتقواهم الله وفضلهم فِي حالاتهم فَإِذا لم يُوجد عَن الْأَئِمَّة فأصحاب رَسُول الله ﷺ فِي الدّين فِي مَوضِع الْإِمَامَة أَخذنَا بقَوْلهمْ وَكَانَ ابتاعهم أولى بِنَا من اتِّبَاع من بعدهمْ قَالَ وَالْعلم طَبَقَات الأولى الْكتاب وَالسّنة إِذا ثبتَتْ السّنة وَالثَّانيَِة الْإِجْمَاع فِيمَا لَيْسَ فِي كتاب وَلَا سنة وَالثَّالِثَة أَن يَقُول بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَلَا نعلم لَهُ مُخَالفا مِنْهُم وَالرَّابِعَة اخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي عَنْهُم وَالْخَامِسَة الْقيَاس على بعض هَذِه الطَّبَقَات وَلَا يُصَار إِلَى شَيْء غير الْكتاب وَالسّنة وهما موجودان وَإِنَّمَا يُؤْخَذ الْعلم من أَعلَى أه هَذَا كُله نَص الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ فِي الْكتاب الْمشَار إِلَيْهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن شُيُوخه عَن الْأَصَم عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَنهُ وَهُوَ صَرِيح فِي أَن قَول الصَّحَابِيّ عِنْده حجَّة مُقَدّمَة على الْقيَاس كَمَا نَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَإِن كَانَ جُمْهُور الْأَصْحَاب أغلفوا نقل ذَلِك عَن الْجَدِيد وَيَقْتَضِي أَيْضا أَن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا كَانَ الْحجَّة فِي قَول أحد الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃ إِذا وجد عَنْهُم للمعنى الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي وَهُوَ اشتهار قَوْلهم وَرُجُوع النَّاس إِلَيْهِم

стр. 22

فَأَما فِي الْقَدِيم فَقَوله فِيهِ مَشْهُور بحجية قَول الصَّحَابِيّ وَمن ذَلِك مَا ذكره فِي الرسَالَة الْقَدِيمَة بعد ذكره الصَّحَابَة ﵃ وَالثنَاء عَلَيْهِم بِمَا هم أَهله فَقَالَ وهم فَوْقنَا فِي كل علم واجتهاد وورع وعقل وَأمر استدرك بِهِ علم واستنبط بِهِ وآراؤهم لنا أَحْمد وَأولى بنامن آرائنا عندنَا لأنفسنا وَمن أدركنا مِمَّن نرضى أَو حُكيَ لنا عَنهُ ببلدنا صَارُوا فِيمَا لم يعلمُوا لرَسُول الله ﷺ فِيهِ سنة إِلَى قَوْلهم إِذا اجْتَمعُوا وَقَول بَعضهم إِن تفَرقُوا فَهَكَذَا نقُول إِن اجْتَمعُوا أَخذنَا بإجماعهم وَإِن قَالَ واحدهم قولا وَلم يُخَالِفهُ غَيره أَخذنَا بقوله إِن اخْتلفُوا أَخذنَا بقول بَعضهم وَلم نخرج عَن أقاويلهم كلهم قَالَ وَإِذا قَالَ الرّجلَانِ مِنْهُم فِي شَيْء قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين نظرت فَإِن كَانَ قَول أَحدهمَا أشبه بِكِتَاب الله أول أشبه بِسنة من سنَن رَسُول الله ﷺ أخذت بِهِ لِأَن مَعَه سَببا تقوى بِمثلِهِ لَيْسَ مَعَ الَّذِي يُخَالِفهُ مثله فَإِن لم يكن على وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ دلَالَة بِمَا وصفت كَانَ قَول الْأَئِمَّة أبي بكر أَو عمر أَو عُثْمَان ﵃ أحب إِلَيّ أَن أَقُول بِهِ من قَول غَيرهم إِن خالفهم من قبل أَنهم أهل علم وحكام ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك فَإِن اخْتلف الْحُكَّام استدللنا بِالْكتاب وَالسّنة فِي اخْتلَافهمْ وصرنا إِلَى القَوْل الَّذِي عَلَيْهِ الدّلَالَة من الْكتاب أَو السّنة وقلما يَخْلُو اخْتلَافهمْ من دَلَائِل كتاب أَو سنة وَإِن اخْتلف الْمفْتُون يَعْنِي من الصَّحَابَة بعد الْأَئِمَّة بِلَا دلَالَة فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ وَإِن وجدنَا للمفتين فِي زَمَاننَا وَقَبله اجتماعا فِي شَيْء لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ تَبِعْنَاهُ وَكَانَ أحد طرق الْأَخْبَار الْأَرْبَعَة وَهِي كتاب الله ثمَّ سنة نبيه ﷺ ثمَّ القَوْل لبَعض الصَّحَابَة ثمَّ اجْتِمَاع الْفُقَهَاء فَإِذا نزلت نازلة لم نجد فِيهَا وَاحِدًا من هَذِه الْأَرْبَعَة فَلَيْسَ السَّبِيل فِي الْكَلَام فِي النَّازِلَة إِلَّا اجْتِهَاد الرَّأْي

стр. 23

هَذَا كُله كَلَام الشَّافِعِي ﵀ فِي كتاب الرسَالَة الْقَدِيمَة وَالْحَاصِل عَنهُ فِي قَول الصَّحَابِيّ أَقْوَال أَحدهَا أَنه حجَّة مُقَدّمَة على الْقيَاس كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي كتاب اختلافه مَعَ مَالك وَهُوَ من كتبه الجديدة كَمَا تقدم وَالثَّانِي أَنه لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا وَهُوَ الَّذِي اشْتهر بَين الْأَصْحَاب أَنه قَوْله الْجَدِيد وَالثَّالِث أَنه حجَّة إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ قِيَاس فَيقدم حِينَئِذٍ على قِيَاس لَيْسَ مَعَه قَول صَحَابِيّ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي كتاب الرسَالَة الجديدة وَقد تقدم ذَلِك أَولا ثمَّ ظَاهر كَلَامه أَن يكون القياسان متساويين لِأَنَّهُ لم يفرق بَين قِيَاس وَتقدم فِي نقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَنهُ قَول تَخْصِيص الْقيَاس الْجَلِيّ بتقديمه على قَول الصَّحَابِيّ فعلى هَذَا يكون فِيمَا نَقله الإِمَام عَنهُ قَول رَابِع فِي الْمَسْأَلَة من أَصْلهَا وَتقدم أَيْضا عَن القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ أَن قَول الشَّافِعِي أَنه إِذا اعتضد قِيَاس التَّقْرِيب بقول الصَّحَابِيّ كَانَ أولى من قِيَاس التَّحْقِيق وَعَن ابْن الصّباغ فِيمَا نَقله عَن بعض الْأَصْحَاب عَن الشَّافِعِي أَن الْقيَاس الضَّعِيف إِذا اعتضد بقول الصَّحَابِيّ كَانَ أولى من الْقيَاس الْقوي فَيخرج من هذَيْن قَولَانِ آخرَانِ للشَّافِعِيّ أَيْضا إِن جعلنَا الْقيَاس الضَّعِيف أَعم من قِيَاس التَّقْرِيب وَغَيره وَإِلَّا فَقَوْل خَامِس زَائِد على مَا تقدم وَذكر الْغَزالِيّ فِي كِتَابه الْمُسْتَصْفى من تفاريع القَوْل الْقَدِيم فِي تَقْلِيد الصَّحَابِيّ أَن الشَّافِعِي ﵀ قَالَ فِي كِتَابه اخْتِلَاف الحَدِيث أَنه روى عَن

стр. 24

عَليّ ﵁ أَنه صلى فِي لَيْلَة سِتّ رَكْعَات كل رَكْعَة بست سَجدَات ثمَّ قَالَ إِن ثَبت ذَلِك عَن عَليّ قلت بِهِ قَالَ الْغَزالِيّ وَهَذَا لِأَنَّهُ رأى أَن القَوْل بذلك لَا يكون إِلَّا عَن تَوْقِيف إِذْ لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ قلت وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْرِيج قَول للشَّافِعِيّ أَن قَول الصَّحَابِيّ فِيمَا لَا يدْرك بِالْقِيَاسِ حجَّة دون غَيره وَفِيه نظر لِأَن الظَّاهِر أَن هَذَا من الشَّافِعِي بِنَاء على مُطلق القَوْل بِأَن قَول الصَّحَابِيّ حجَّة ثمَّ قَوْله إِن ذَلِك تَفْرِيع على الْقَدِيم ضَعِيف أَيْضا لِأَن كتاب اخْتِلَاف الحَدِيث من كتب الشَّافِعِي الجديدة بِمصْر رَوَاهُ عَنهُ الرّبيع بن سُلَيْمَان فَيكون هَذَا أَيْضا مؤيدا لما تقدم من النَّقْل عَن الرسَالَة الجديدة وَعَن كتاب اخْتِلَاف مَالك وَالشَّافِعِيّ ثمَّ هَذِه الْأَقْوَال كلهَا إِذا انْفَرد قَول الصَّحَابِيّ وَلم يُخَالِفهُ غَيره فَأَما عِنْد خلافهم فَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْمقَام الثَّانِي فِي جَوَاز تَقْلِيد الْمُجْتَهد الصَّحَابِيّ إِذا لم يكن قَوْله حجَّة وَقد أفردها الإِمَام الْغَزالِيّ بِالذكر بعد الْكَلَام فِي أَن قَول الصَّحَابِيّ حجَّة فَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفى إِن قَالَ قَائِل إِذا لم يجب تقليدهم فَهَل يجوز

стр. 25

تقليدهم قُلْنَا أما الْعَاميّ فيقلدهم وَأما الْعَالم فَإِن جَازَ تَقْلِيد الْعَالم للْعَالم فقد اخْتلف قَول الشَّافِعِي فِي تَقْلِيد الصَّحَابَة فَقَالَ فِي الْقَدِيم يجوز تَقْلِيد الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ قولا وانتشر قَوْله وَلم يُخَالف وَقَالَ فِي مَوضِع يُقَلّد وَإِن لم ينتشر وَرجع فِي الْجَدِيد إِلَى أَنه لَا يُقَلّد الْعَالم صحابيا كَمَا لَا يُقَلّد الْعَالم عَالما آخر نقل الْمُزنِيّ عَنهُ ذَلِك وَأَن الْعمد على الْأَدِلَّة الَّتِي بهَا يجوز للصحابي الْفَتْوَى وَهُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار عندنَا انْتهى كَلَام الْغَزالِيّ ﵀ وَتَبعهُ على ذَلِك فَخر الدّين وَعَامة أَتْبَاعه والآمدي فِي الإحكام وَأعْرض ابْن الْحَاجِب عَن إِفْرَاد هَذِه الصُّورَة بِالذكر وَهُوَ الْحق لما ننبه عَلَيْهِ فَإِن الَّذِي يظْهر أَن الإِمَام الشَّافِعِي حَيْثُ صرح بتقليد الصَّحَابِيّ لم يرد بِهِ التَّقْلِيد الَّذِي هُوَ مُتَعَارَف بَين الْعلمَاء وَهُوَ قبُول قَول غَيره مِمَّن لَا يجب عَلَيْهِ اتِّبَاعه من غير حجَّة بل مُرَاده بذلك أَن قَوْله حجَّة يجب اتباعها فَإِنَّهُ قَالَ فِي أدب القَاضِي ويشاور قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأمرهمْ شُورَى بَينهم﴾ وَقَالَ لنَبيه ﷺ ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ قَالَ الْحسن إِن كَانَ لغنيا عَن مشاورتهم وَلكنه أَرَادَ بذلك أَن يستن بذلك الْأَحْكَام بعده وَلَا يشاور إِذا نزل بِهِ الْأَمر إِلَّا أَمينا عَالما بِالْكتاب وَالسّنة والْآثَار وأقاويل النَّاس ولسان الْعَرَب وَلَا يقبل وَإِن كَانَ أعلم مِنْهُ حَتَّى يُعلمهُ كعلمه أَن ذَلِك لَازم لَهُ من حَيْثُ لم تخْتَلف الرِّوَايَة فِيهِ أَو بِدلَالَة عَلَيْهِ أَو أَنه لَا يحْتَمل وَجها آخر أظهر مِنْهُ فَأَما أَن يقلده فَلم يَجْعَل الله ذَلِك لأحد بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 26

هَذَا نَصه فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ فَأطلق اسْم التَّقْلِيد على الإحتجاج بقول النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الإحتجاج بقوله فَكَذَلِك قَوْله فِي تَقْلِيد الصَّحَابِيّ وَلَا سِيمَا مَعَ مَا اسْتَقر من قَوْله المتكرر فِي غير مَوضِع بِالنَّهْي عَن التَّقْلِيد وَالْمَنْع مِنْهُ ثمَّ قَول الْغَزالِيّ ﵀ إِن ذَلِك فِي كتبه الْقَدِيمَة فَقَط وَإنَّهُ رَجَعَ عَنهُ فِي الْجَدِيد منقوض بِمَا نَص عَلَيْهِ فِي كتاب الْأُم فِي مَوَاضِع عديدة بتقليد الصَّحَابِيّ مِنْهَا قَوْله فِيمَا إِذا بَاعَ بِشَرْط الْبَرَاءَة من الْعُيُوب فَالَّذِي أذهب إِلَيْهِ فِي ذَلِك قَضَاء عُثْمَان ﵁ أَنه يبرأ من كل عيب علمه وَلم يسمه ويقفه عَلَيْهِ فلير تقليدا فَإِن كَانَ أَرَادَ الإِمَام الشَّافِعِي بالتقليد للصحابي فِي الْقَدِيم مَعْنَاهُ الْمَعْرُوف فَهُوَ كَذَلِك هُنَا أَيْضا فِي الْجَدِيد وَالْأَظْهَر أَنه أَرَادَ بِهِ الإحتجاج بقول الصَّحَابِيّ وَأطلق اسْم التَّقْلِيد عَلَيْهِ مجَازًا كَمَا أطلقهُ فِي الإحتجاج بقول النَّبِي ﷺ وَهَذَا النَّص الَّذِي نقلته عَن الشَّافِعِي ﵀ فِي البيع بِشَرْط الْبَرَاءَة قَالَه فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَفِي كتاب اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين وَهُوَ من جملَة كتب

стр. 27

الْأُم وَكِلَاهُمَا فِي الْجَدِيد وَقد ذكر الْغَزالِيّ ﵀ فِي آخر الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمُسْتَصْفى قَالَ فَإِن قيل فقد ترك الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد الْقيَاس فِي تَغْلِيظ الدِّيَة فِي الْحرم لقَوْل عُثْمَان ﵁ وَكَذَلِكَ فرق بَين الْحَيَوَان وَغَيره فِي شَرط الْبَرَاءَة لقَوْل عُثْمَان قُلْنَا لَهُ فِي شَرط الْبَرَاءَة أَقْوَال فَلَعَلَّ هَذَا مرجوع عَنهُ فَلَيْسَ كَذَلِك لما بَينا فِي غير مَوضِع من كتبه الجديدة وَقَالَ إِنَّه الَّذِي يذهب إِلَيْهِ وَبِهَذَا قطع أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَابْن خيران وَغَيرهمَا وَلم يجعلا فِي الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة للشَّافِعِيّ قولا غَيره وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الْمُتَأَخّرُونَ وَأما الْمَسْأَلَة تَغْلِيظ الدِّيَة فقد احْتج الشَّافِعِي ﵀ فِيهَا بِمَا روى عَن عُثْمَان ﵁ أَنه قضى فِي امْرَأَة قتلت فِي الْحرم بدية وَثلث دِيَة وَقد رُوِيَ نَحْو مِنْهُ عَن عمر وَابْن عَبَّاس ﵄ وَلَا مُخَالف لَهما من الصَّحَابَة فَيكون اعْتمد ذَلِك بِنَاء على مَا تقدم من الْإِجْمَاع السكوتي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَة ﵃ أَو لِأَنَّهُ قضى بِهِ عمر وَعُثْمَان ﵄ وَهُوَ قد نَص فِي الْجَدِيد كَمَا تقدم عَنهُ على الرُّجُوع إِلَى قَول أحد الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃ لِأَنَّهُ يشْتَهر غَالِبا بِخِلَاف قَول الْمُفْتى وَقد حكى الْغَزالِيّ فِي الْموضع الْمشَار إِلَيْهِ أَيْضا أَن الشَّافِعِي اخْتلف قَوْله فِيمَا إِذا اخْتلف الْإِفْتَاء وَالْحكم كمن الصَّحَابَة فَقَالَ مرّة الحكم أولى لِأَن الْعِنَايَة بِهِ أَشد والمشورة فِيهِ أبلغ وَقَالَ مرّة الْفَتْوَى أولى لِأَن سكوتهم على الحكم يحمل على الطَّاعَة لأولي الْأَمر

стр. 28

وَعزا هَذَا الإختلاف إِلَى الْقَدِيم وَجعله مرجوعا عَنهُ وَفِيه من النّظر مَا قدمْنَاهُ لما نَص عَلَيْهِ فِي كتبه الجديدة كَمَا ذكرنَا أَدِلَّة الْأَقْوَال الْمُتَقَدّمَة هَذَا مَا يتَعَلَّق بِنَقْل الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة على وَجه الإحتجاج أَو التَّقْلِيد وَالْكَلَام الْآن فِيمَا احْتج بِهِ لكل قَول مِنْهَا مَعَ بَيَان مَا يتَعَلَّق بِتِلْكَ الْأَدِلَّة على وَجه الْإِيجَار إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالنَّظَر فِي مَرَاتِب خمس تقدم القَوْل فِيهَا الأولى فِي اتِّفَاق الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الْخُلَفَاء ﵃ وَالثَّانيَِة فِي اتِّفَاق الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر ﵄ وَالثَّالِثَة فِي قَول الْوَاحِد من الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة أَي وَاحِد كَانَ مِنْهُم ﵃ وَالرَّابِعَة فِي قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة غير الْأَرْبَعَة ﵃ وَالْخَامِسَة فِي قَول الْوَاحِد مِنْهُم إِذا خَالف الْقيَاس أَو عضد الْقيَاس قَوْله وَأي قِيَاس كَانَ ذَلِك على مَا نبينه إِن شَاءَ الله

стр. 29

الْمرتبَة الأولى اتِّفَاق الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة أما اتِّفَاق الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة على حكم أَو فَتْوَى فَمن النَّاس من جعل ذَلِك إِجْمَاعًا كاتفاق الْأَئِمَّة كلهم وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حَازِم القَاضِي من الْحَنَفِيَّة وَحَكَاهُ جمَاعَة من المصنفين رِوَايَة عَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ الشَّيْخ الْمُوفق فِي الرَّوْضَة نقل عَن أَحْمد ﵀ مَا يدل على أَنه لَا يخرج عَن قَوْلهم إِلَى قَول غَيرهم وَالصَّحِيح أَن ذَلِك لَيْسَ بِإِجْمَاع وَكَلَام أَحْمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ يدل على أَن قَوْلهم حجَّة وَلَا يلْزم من كل مَا هُوَ حجَّة أَن يكون إِجْمَاعًا قلت وَكَذَلِكَ مَا تقدم عَن الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَفِي كتاب اختلافه مَعَ مَالك فِي الْجَدِيد عِنْد تفرق أَقْوَال الصَّحَابَة وَقد تقدم أَنه يصير إِلَى قَول أحد الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَحِينَئِذٍ فالإحتجاج بِمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ يكون بطرِيق الأولى وَأما كَونه إِجْمَاعًا كَمَا إِذا أَجمعت الْأمة قاطبة فبعيد لِأَن الْأَدِلَّة المتمسك بهَا لكَون الْإِجْمَاع حجَّة من النقلية والعقلية إِنَّمَا يتَنَاوَل جَمِيع الْأمة وَلَا ريب فِي أَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة لَيْسُوا جَمِيع الْأمة وَقد ذكر أَئِمَّة الْأُصُول أَن أَبَا حَازِم احْتج لكَون ذَلِك إِجْمَاعًا بقوله ﷺ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ الحَدِيث فَأوجب اتِّبَاع سنتهمْ كَمَا أوجب اتِّبَاع سنته والمخالف لسنته ﷺ لَا يعْتد بقوله فَكَذَلِك الْمُخَالف لسنتهم

стр. 30

ثمَّ أجابوا عَن ذَلِك بِوَجْهَيْنِ أَحدهَا أَن ذَلِك عَام فِي كل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَلَا دَلِيل فِيهِ على انحصاره فِي الْأَرْبَعَة دون غَيرهم ﵃ وَثَانِيهمَا الْمُعَارضَة بِمَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهتديم فَتحمل سنة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة فِي الحَدِيث على مَا يتَعَلَّق بالخلافة فَقَط للْجمع بَين الْأَحَادِيث كَيفَ وَمن سنتهمْ إجَازَة الْمُخَالفَة لَهُم كَمَا تقدم من رد الْمَرْأَة على عمر ﵁ فِي المغالاة بِالصَّدَاقِ وَغير ذَلِك من الصُّور الْكَثِيرَة وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون قَول الْوَاحِد مِنْهُم بمفرده حجَّة وَحِينَئِذٍ فتتعارض أَقْوَالهم كَمَا قد اخْتلف الشَّيْخَانِ ﵄ فِي الْعَطاء فَرَأى أَبُو بكر ﵁ تَسْوِيَة الصَّحَابَة فِيهِ كلهم وَرَأى عمر ﵁ التَّفَاضُل بَينهم بِحَسب السَّبق والقرب من النَّبِي ﷺ فيتعذر الْعَمَل بسنتهم فَيحمل حِينَئِذٍ كَمَا تقدم على أَمر الْخلَافَة وتجهيز الجيوش إِلَى الْأَمْصَار وَنَحْو ذَلِك وَهَذِه الإعتراضات كلهَا ضَعِيفَة ولنبدأ أَولا بِبَيَان الحَدِيث الْمُتَقَدّم وتصحيحه وَوجه الدّلَالَة مِنْهُ ثمَّ نرْجِع إِلَى مَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الاعتراضات روى خَالِد بن معدان عَن عبد الرحمن بن عَمْرو السّلمِيّ عَن الْعِرْبَاض ابْن سَارِيَة ﵁ قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ يَوْمًا صَلَاة الْفجْر ثمَّ وعظنا موعظة بليغة ذرفت مِنْهَا الْعُيُون ووجلت مِنْهَا الْقُلُوب فَقَالَ قَائِل يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا قَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن كَانَ عبدا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ من يَعش مِنْكُم بعدِي فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين تمسكوا بهَا

стр. 31

وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ فِيهِ حَدِيث حسن صَحِيح وَأخرجه الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِي كتاب الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ فِيهِ هُوَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلَا أعلم لَهُ عِلّة وصححة أَيْضا الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي وَأَبُو الْعَبَّاس الدغولي وَغَيرهمَا وَقد رُوِيَ أَيْضا من غير عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ بِنَحْوِ هَذَا وَوجه الدّلَالَة مِنْهُ ظَاهر لَا من الطَّرِيق الَّتِي تقدم أَنه احْتج بِهِ لكَون ذَلِك كالإجماع بل من جِهَة أَن النَّبِي ﷺ أَمر بالتمسك بسنتهم والعض عَلَيْهَا بالنواجذ وَذَلِكَ مجَاز كِنَايَة عَن مُلَازمَة الْأَخْذ بهَا وَعدم الْعُدُول عَنْهَا مَعَ أَنه ﷺ قرن فِي هَذِه الْأَوَامِر بَين سنته وسنتهم فَكَانَا فِي الحجية سَوَاء وَلَا يُقَال إِن ذَلِك يلْزم مِنْهُ أَن تكون سنتهمْ مُسَاوِيَة لما ثَبت من سنة النَّبِي ﷺ بِحَيْثُ يَقع التَّعَارُض بَينهمَا ويعدل إِلَى التَّرْجِيح فَرُبمَا يقدم الْعَمَل بسنتهم على مَا ثَبت عَن النَّبِي ﷺ لأَنا نقُول لَا يلْزم من كَون سنتهمْ حجَّة مُعْتَمدَة أَن يكون لَهَا هَذِه الْمُسَاوَاة بل يجوز أَن تكون مَأْمُورا باتباعها وَالْعَمَل بهَا بِشَرْط عدم وجود سنة للنَّبِي ﷺ قدمت على سنتهمْ كَمَا أَن الْقيَاس حجَّة شَرْعِيَّة وَهُوَ مُتَأَخّر فِي الرُّتْبَة عَن الْكتاب وَالسّنة وَأما كَونه مُخْتَصًّا بالخلفاء الْأَرْبَعَة دون من بعدهمْ فلإجماع الْعلمَاء قاطبة على اختصاصهم بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث وَأَنه لَا يُطلق على من بعدهمْ وَقد روى سفينة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْخلَافَة فِي

стр. 32

أمتِي ثَلَاثُونَ سنة بعدِي ثمَّ يصير ملكا وَإِسْنَاده حسن وَكَانَت مُدَّة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ﵃ نَحْو هَذَا الْمِقْدَار بالإتفاق وَبِهَذَا احْتج الْبَيْهَقِيّ وَغَيره على انصراف قَوْله ﷺ وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين إِلَى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَقصر اللَّفْظ عَلَيْهِم وَأما الحَدِيث الْمَرْوِيّ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَسَيَأْتِي بَيَانه وَأَنه حَدِيث ضَعِيف لَا يُقَاوم الحَدِيث الْمَرْوِيّ عَن الْعِرْبَاض الْمُتَقَدّم حَتَّى يَكُونَا متعارضين وعَلى تَقْدِير قيام الإحتجاج بِهِ فالجمع بَينهمَا مُمكن بِأَن يكون قَول الْجَمِيع حجَّة وَعند تعَارض أَقْوَالهم يرجح قَول الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَيقدم على قَول غَيرهم كَمَا فِي الْقيَاس مَعَ الْكتاب وَالسّنة وَهَذَا أولى من قصر لفظ السّنة على شَيْء خَاص كالخلافة وَنَحْوهَا لِأَن اللَّفْظ من صِيغ الْعُمُوم لكَونه اسْم جنس مُضَافا فَلَا يقصرعلى شَيْء خَاص إِلَّا بِدَلِيل وَلَيْسَ فِيمَا ذَكرُوهُ من الْمُعَارضَة مَا يَقْتَضِي ذَلِك كَمَا بَيناهُ من وَجه الْجمع مَعَ الْعَمَل بِعُمُوم اللَّفْظ على تَجْوِيز صِحَة حَدِيث أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ وَأما قَوْلهم إِن من سنتهمْ إجَازَة الْمُخَالفَة لَهُم فَغير وَارِد لِأَن مَا خولفوا فِيهِ وَثَبت رجوعهم كَانَ الثَّانِي هُوَ سنتهمْ وَمَا لم يرجِعوا إِلَيْهِ فَلَا يلْزمنَا ذَلِك بل يقدم مَا صاورا هم إِلَيْهِ وَأما تعَارض أَقْوَالهم فَلَيْسَ مَدْلُول الحَدِيث لِأَن سنتهمْ الَّتِي أَمر النَّبِي

стр. 33

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتمسك بهَا هِيَ مَا تفقوا عَلَيْهِ فَأَما مَا خَالف فِيهِ بَعضهم بَعْضًا فَذَلِك من الْمَرَاتِب الْآتِي ذكرهَا لَا مِمَّا نَحن فِيهِ وَسَيَأْتِي مَا يتَعَلَّق بذلك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالله أعلم الْمرتبَة الثَّانِيَة اتِّفَاق أبي بكر وَعمر ﵄ القَوْل بِاتِّفَاق الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر ﵄ وَأَنه هُوَ الْحجَّة دون غَيره فقد نَقله جمَاعَة من المصنفين دون أَن يسموا قَائِله وَاحْتج لَهُ بِحَدِيث حُذَيْفَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر ﵄ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي كِتَابَيْهِمَا بِإِسْنَاد حسن إِلَى حُذَيْفَة وحسنة التِّرْمِذِيّ وَأخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَقد رُوِيَ من طَرِيقين آخَرين إِلَى النَّبِي ﷺ وَلَكِن فيهمَا من هُوَ مُتَكَلم فِيهِ من الروَاة والعمدة حَدِيث حُذَيْفَة ﵁ وَقد اعْترض عَلَيْهِ أَئِمَّة الْأُصُول بِمَا تقدم من الْوَجْهَيْنِ فِي حَدِيث الْعِرْبَاض

стр. 34

من الْمُعَارضَة بِحَدِيث أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ وَحمل بِاللَّفْظِ على الإقتداء بهما فِي الْخلَافَة وَنَحْو ذَلِك لَا فِي عُمُوم كل شَيْء وَقد تقدم مَا يتَعَلَّق بمعارضة حَدِيث أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ وَأما عدم الْحمل على الْعُمُوم فَهُوَ قريب هُنَا لِأَن اقتدوا فعل أَمر مُثبت لَا عُمُوم لَهُ فَإِذا اقتدي بهما فِي قَضِيَّة وَاحِدَة فقد حصل الإمتثال إِلَّا أَن قرينَة السِّيَاق تدل على الْأَمر بالإقتداء على الْإِطْلَاق فَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ أَنه ﷺ قَالَ إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بقائي فِيكُم فاقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر فَالظَّاهِر أَن ذَلِك فِي كل الْأُمُور وَيُؤَيِّدهُ قَوْله ﷺ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة لما أدلجوا فِي سفرهم وَإِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا وَهُوَ ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ فَإِن هَذَا اللَّفْظ أقرب إِلَى الْعُمُوم وَإِن كَانَ معنويا من جِهَة أَن الشَّرْط يَقْتَضِي ذَلِك وَلَا يُقَال بِأَن هَذَا الْكَلَام خرج فِي قَضِيَّة خَاصَّة وَهِي اخْتِلَاف الْقَوْم فِي أَن النَّبِي ﷺ أمامهم أَو وَرَاءَهُمْ فَقَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك لأَنا نقُول الْعَام إِذا خرج على سَبَب خَاص كَانَ مَعْمُولا بِهِ فِي عُمُومه وَلَا يقصر بِهِ على سَببه لَكِن يظْهر أَن الْألف وَاللَّام الَّتِي فِي الْقَوْم للْعهد لَا للْجِنْس لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك بعد حكايته الِاخْتِلَاف عَن الْقَوْم الَّذين هم أَمَامه ثمَّ قَالَ وَإِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا فَيَنْصَرِف التَّعْرِيف إِلَى الْقَوْم المعهودين وَلَا يَقْتَضِي الْعُمُوم إِلَّا إِذا أَخذ ذَلِك من جِهَة الْقيَاس على الْمَذْكُورين

стр. 35

الْمرتبَة الثَّالِثَة فِي قَوْله كل وَاحِد من الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة إِذا انْفَرد ثمَّ مقتضي قَوْله ﷺ اقتدوا باللذين من بعدِي الْأَمر بالإقتداء بِكُل وَاحِد مِنْهَا إِذا انْفَرد بِخِلَاف مَا تقدم من قَوْله وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَإِذا كَانَ الْمُخَاطب بِهَذِهِ الْأَوَامِر الصَّحَابَة كَانَ فِيهَا أَنه إِذا تَعَارَضَت أَقْوَال الصَّحَابَة يكون الرُّجُوع إِلَى قَول أحد الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة دون غَيرهم وَقد تقدم نَص الإِمَام الشَّافِعِي على ذَلِك كتاب اختلافه مَعَ مَالك وَغَيره أَيْضا وَمِمَّا يحْتَج بِهِ لذَلِك أَيْضا أَنه ﷺ أَمر أَبَا بكر ﵁ فِي مرض مَوته أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ وروجع فِي ذَلِك غير مرّة فَأبى أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِلَّا هُوَ وَأنكر على من رَاجعه فِيهِ وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله فَإِن كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ فَلَزِمَ من هذَيْن أَن أَبَا بكر ﵁ كَانَ أعلم الصَّحَابَة ﵃ بِالسنةِ وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ بِسَنَد غَرِيب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يَنْبَغِي

стр. 36

لقوم فيهم أَبُو بكر أَن يؤمهم غَيره وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَينا أَنا نَائِم أتيت بقدح فِيهِ لبن فَشَرِبت مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لأرى الرّيّ يجْرِي فِي أظفاري ثمَّ أَعْطَيْت فضلي عمر بن الْخطاب فَشرب قَالُوا مَاذَا أولت ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ الْعلم وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن أبي ذَر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله وضع الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه وَصَححهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وروى التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم أَيْضا عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ لَو وضع علم عمر فِي كفة ميزَان وَوضع علم النَّاس فِي كفة لرجح علم عمر ﵁ وَقَالَ عَليّ ﵁ مَا كُنَّا نبعد أَن السكينَة كَانَت تنطق على لِسَان عمر ﵁ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَائِر الْكتب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعمر بن الْخطاب وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا لقيك الشَّيْطَان سالكا فجا إِلَّا سلك فجا غير

стр. 37

فجك وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ مَا رَأَيْت عمر إِلَّا وَكَأن بَين عَيْنَيْهِ ملكا يسدده وَثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لعَلي ﵁ لما بَعثه إِلَى الْيمن إِن الله سيهدي قَلْبك ويسدد لسَانك قَالَ عَليّ فَمَا شَككت فِي قَضَاء بَين اثْنَيْنِ وَعند التِّرْمِذِيّ بِسَنَد فِيهِ مقَال أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي حق عَليّ اللَّهُمَّ أدر الْحق مَعَه حَيْثُ دَار وَأخرج الْحَاكِم فِي مُسْنده بِسَنَد حسن عَن أم سَلمَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ عَليّ مَعَ الْقُرْآن وَالْقُرْآن مَعَ عَليّ لن يفترقا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض وَأخرج أَيْضا عَنهُ ﷺ قَوْله أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا لَكِن فِي إِسْنَاده ضعف

стр. 38

وَكَانَ عمر ﵁ يَقُول أعوذ بِاللَّه من معضلة لَيْسَ لَهَا أَبُو حسن يَعْنِي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَقَالَ عبد الله بن أبي يزِيد كَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِذا سُئِلَ عَن شَيْء وَكَانَ فِي كتاب الله قَالَ بِهِ فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَكَانَ عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ شَيْء قَالَ بِهِ فَإِن لم يكن عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ شَيْء قَالَ بِمَا قَالَ بِهِ أَبُو بكر وَعمر ﵄ وَقَالَ عِكْرِمَة كَانَ ابْن عَبَّاس إِذا بلغه شَيْء تكلم بِهِ عَليّ ﵁ من فتيا أَو قَضَاء لم يتجاوزه إِلَى غَيره والْآثَار فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَفِيمَا ذكر مِنْهَا كِفَايَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْمرتبَة الرَّابِعَة قَول مُطلق الصَّحَابِيّ وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِأَن قَول مُطلق الصَّحَابَة حجَّة بِوُجُوه كَثِيرَة وغالبها لَا يسلم من الِاعْتِرَاض الْوَجْه الأول قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ وَهُوَ خطاب مشافهة يخْتَص بالصحابة فِيمَا يأمرون بِهِ وَينْهَوْنَ عَنهُ فَيكون كل مَا أمروا بِهِ مَعْرُوفا وَمَا

стр. 39

نهوا عَنهُ مُنْكرا فَيكون الْأَخْذ بقَوْلهمْ أَو مَذْهَبهم وَاجِبا لِأَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَاجِب الْقبُول وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَاجِب الِامْتِثَال وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الْخطاب وَإِن كَانَ مشافهة فَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى جَمِيع الْأمة إِلَى آخر الزَّمَان فَلَا يخْتَص بالصحابة وَإِن سلم اختصاصهم فَهُوَ إِنَّمَا يدل على أَن إِجْمَاعهم حجَّة لَا على أَن قَول الْوَاحِد أَو مذهبَة حجَّة وَيُمكن الْجَواب عَن هَذَا الثَّانِي بِأَن وَصفهم بذلك أَعم من أَن يكون ذَلِك صدر من الْجَمِيع أَو من وَاحِد مِنْهُم فتندرج هَذِه الصُّورَة فِي الْآيَة لَا سِيمَا والاتفاق على أَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يتَوَقَّف على إِجْمَاع الْكل على فعله بل كل وَاحِد مُخَاطب بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بمفرده وَيجب عَلَيْهِ الْقيام بِهِ وَإِن لم يساعده غَيره وَأما الِاعْتِرَاض الأول فَهُوَ قوي الْوَجْه الثَّانِي ثَنَاء الله تَعَالَى عَلَيْهِم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ وَمن كَانَ مرضيا عَنهُ كَيفَ لَا يقْتَدى بِفِعْلِهِ وَيتبع فِي قَوْله

стр. 40

وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه﴾ الْآيَة وَكَذَلِكَ قَوْله النَّبِي ﷺ خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ الحَدِيث وَقَوله ﷺ إِن الله اختارني وَاخْتَارَ لي أصحابا فجعلهم وزراء وأنصارا الحَدِيث وَإِسْنَاده حسن إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث المشبهة لَهُ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن مَضْمُون الْجَمِيع الثَّنَاء عَلَيْهِم ووصفهم بِمَا اختصهم الله بِهِ من الْكَرَامَة وَلَا يلْزم أَن تكون أَقْوَالهم حجَّة بل يحْتَاج ذَلِك إِلَى دَلِيل يَخُصُّهُ الْوَجْه الثَّالِث قَوْله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَهَذَا مِمَّا أطبق عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وأئمة الْأُصُول على ذكره إِمَّا للإحتجاج بِهِ وَإِمَّا من جِهَة من يَقُول بذلك ثمَّ يعْتَرض على وَجه دلَالَته وَكَأن الحَدِيث صَحَّ وَلَا بُد وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يخرج فِي الْكتب السِّتَّة وَلَا فِي المسانيد الْكِبَار وَقد رُوِيَ من طرق فِي كلهَا مقَال أَحدهَا مَا روى نعيم بن حَمَّاد عَن عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي عَن أَبِيه عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سَأَلت رَبِّي فِيمَا اخْتلفت فِيهِ أَصْحَابِي من بعدِي فَأوحى الله إِلَيّ يَا مُحَمَّد إِن أَصْحَابك عِنْدِي بِمَنْزِلَة النُّجُوم فِي السَّمَاء بَعْضهَا أَضْوَأ من بعض فَمن أَخذ بِشَيْء مِمَّا هم عَلَيْهِ فَهُوَ عِنْدِي على هدى
следующие страницы →