← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6347

إجمال الإصابة في أقوال الصحابة

صلاح الدين العلائي

Полный текст (79 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لقوم فيهم أَبُو بكر أَن يؤمهم غَيره وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَينا أَنا نَائِم أتيت بقدح فِيهِ لبن فَشَرِبت مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لأرى الرّيّ يجْرِي فِي أظفاري ثمَّ أَعْطَيْت فضلي عمر بن الْخطاب فَشرب قَالُوا مَاذَا أولت ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ الْعلم وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن أبي ذَر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله وضع الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه وَصَححهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وروى التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم أَيْضا عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ لَو وضع علم عمر فِي كفة ميزَان وَوضع علم النَّاس فِي كفة لرجح علم عمر ﵁ وَقَالَ عَليّ ﵁ مَا كُنَّا نبعد أَن السكينَة كَانَت تنطق على لِسَان عمر ﵁ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَائِر الْكتب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعمر بن الْخطاب وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا لقيك الشَّيْطَان سالكا فجا إِلَّا سلك فجا غير

стр. 37

فجك وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ مَا رَأَيْت عمر إِلَّا وَكَأن بَين عَيْنَيْهِ ملكا يسدده وَثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لعَلي ﵁ لما بَعثه إِلَى الْيمن إِن الله سيهدي قَلْبك ويسدد لسَانك قَالَ عَليّ فَمَا شَككت فِي قَضَاء بَين اثْنَيْنِ وَعند التِّرْمِذِيّ بِسَنَد فِيهِ مقَال أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي حق عَليّ اللَّهُمَّ أدر الْحق مَعَه حَيْثُ دَار وَأخرج الْحَاكِم فِي مُسْنده بِسَنَد حسن عَن أم سَلمَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ عَليّ مَعَ الْقُرْآن وَالْقُرْآن مَعَ عَليّ لن يفترقا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض وَأخرج أَيْضا عَنهُ ﷺ قَوْله أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا لَكِن فِي إِسْنَاده ضعف

стр. 38

وَكَانَ عمر ﵁ يَقُول أعوذ بِاللَّه من معضلة لَيْسَ لَهَا أَبُو حسن يَعْنِي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَقَالَ عبد الله بن أبي يزِيد كَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِذا سُئِلَ عَن شَيْء وَكَانَ فِي كتاب الله قَالَ بِهِ فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَكَانَ عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ شَيْء قَالَ بِهِ فَإِن لم يكن عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ شَيْء قَالَ بِمَا قَالَ بِهِ أَبُو بكر وَعمر ﵄ وَقَالَ عِكْرِمَة كَانَ ابْن عَبَّاس إِذا بلغه شَيْء تكلم بِهِ عَليّ ﵁ من فتيا أَو قَضَاء لم يتجاوزه إِلَى غَيره والْآثَار فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَفِيمَا ذكر مِنْهَا كِفَايَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْمرتبَة الرَّابِعَة قَول مُطلق الصَّحَابِيّ وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِأَن قَول مُطلق الصَّحَابَة حجَّة بِوُجُوه كَثِيرَة وغالبها لَا يسلم من الِاعْتِرَاض الْوَجْه الأول قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ وَهُوَ خطاب مشافهة يخْتَص بالصحابة فِيمَا يأمرون بِهِ وَينْهَوْنَ عَنهُ فَيكون كل مَا أمروا بِهِ مَعْرُوفا وَمَا

стр. 39

نهوا عَنهُ مُنْكرا فَيكون الْأَخْذ بقَوْلهمْ أَو مَذْهَبهم وَاجِبا لِأَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَاجِب الْقبُول وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَاجِب الِامْتِثَال وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الْخطاب وَإِن كَانَ مشافهة فَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى جَمِيع الْأمة إِلَى آخر الزَّمَان فَلَا يخْتَص بالصحابة وَإِن سلم اختصاصهم فَهُوَ إِنَّمَا يدل على أَن إِجْمَاعهم حجَّة لَا على أَن قَول الْوَاحِد أَو مذهبَة حجَّة وَيُمكن الْجَواب عَن هَذَا الثَّانِي بِأَن وَصفهم بذلك أَعم من أَن يكون ذَلِك صدر من الْجَمِيع أَو من وَاحِد مِنْهُم فتندرج هَذِه الصُّورَة فِي الْآيَة لَا سِيمَا والاتفاق على أَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يتَوَقَّف على إِجْمَاع الْكل على فعله بل كل وَاحِد مُخَاطب بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بمفرده وَيجب عَلَيْهِ الْقيام بِهِ وَإِن لم يساعده غَيره وَأما الِاعْتِرَاض الأول فَهُوَ قوي الْوَجْه الثَّانِي ثَنَاء الله تَعَالَى عَلَيْهِم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ وَمن كَانَ مرضيا عَنهُ كَيفَ لَا يقْتَدى بِفِعْلِهِ وَيتبع فِي قَوْله

стр. 40

وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه﴾ الْآيَة وَكَذَلِكَ قَوْله النَّبِي ﷺ خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ الحَدِيث وَقَوله ﷺ إِن الله اختارني وَاخْتَارَ لي أصحابا فجعلهم وزراء وأنصارا الحَدِيث وَإِسْنَاده حسن إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث المشبهة لَهُ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن مَضْمُون الْجَمِيع الثَّنَاء عَلَيْهِم ووصفهم بِمَا اختصهم الله بِهِ من الْكَرَامَة وَلَا يلْزم أَن تكون أَقْوَالهم حجَّة بل يحْتَاج ذَلِك إِلَى دَلِيل يَخُصُّهُ الْوَجْه الثَّالِث قَوْله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَهَذَا مِمَّا أطبق عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وأئمة الْأُصُول على ذكره إِمَّا للإحتجاج بِهِ وَإِمَّا من جِهَة من يَقُول بذلك ثمَّ يعْتَرض على وَجه دلَالَته وَكَأن الحَدِيث صَحَّ وَلَا بُد وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يخرج فِي الْكتب السِّتَّة وَلَا فِي المسانيد الْكِبَار وَقد رُوِيَ من طرق فِي كلهَا مقَال أَحدهَا مَا روى نعيم بن حَمَّاد عَن عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي عَن أَبِيه عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سَأَلت رَبِّي فِيمَا اخْتلفت فِيهِ أَصْحَابِي من بعدِي فَأوحى الله إِلَيّ يَا مُحَمَّد إِن أَصْحَابك عِنْدِي بِمَنْزِلَة النُّجُوم فِي السَّمَاء بَعْضهَا أَضْوَأ من بعض فَمن أَخذ بِشَيْء مِمَّا هم عَلَيْهِ فَهُوَ عِنْدِي على هدى

стр. 41

وَعبد الرَّحِيم بن زيد هَذَا قَالَ فِيهِ يحيى بن معِين كَذَّاب وَقَالَ مرّة لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ أَبُو زرْعَة واهي الحَدِيث وَقَالَ البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم تَرَكُوهُ وَكَذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيّ وَغَيره مَتْرُوك وَقَالَ الْجوزجَاني لَيْسَ بِثِقَة وَالْكل متفقون على نَحْو هَذَا فِيهِ فَلَا عِبْرَة بِهَذَا الطَّرِيق وَثَانِيها مَا روى عبد بن حميد أَخْبرنِي أَحْمد بن يُونُس ثَنَا أَبُو شهَاب عَن حَمْزَة بن أبي حَمْزَة الْجَزرِي عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مثل أَصْحَابِي مثل النُّجُوم يهتدى بهَا فَأَيهمْ أَخَذْتُم بقوله اهْتَدَيْتُمْ وَحَمْزَة الْجَزرِي هَذَا قَالَ فِيهِ ابْن معِين لَا يُسَاوِي فلسًا وَقَالَ البُخَارِيّ مُنكر الحَدِيث وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك وَقَالَ ابْن عدي عَامَّة رواياته مَوْضُوعَة وَثَالِثهَا رَوَاهُ عبد الله بن روح الْمَدَائِنِي ثَنَا سَلام بن سُلَيْمَان ثَنَا الْحَارِث ابْن غصين عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل أَصْحَابِي فِي أمتِي مثل النُّجُوم بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَهَذَا السَّنَد أمثل من اللَّذين قبله فَإِن سَلام بن سُلَيْمَان هَذَا وثقة الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن مزِيد وَلَكِن قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقَالَ الْعقيلِيّ وَفِي حَدِيثه مَنَاكِير وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي هُوَ عِنْدِي مُنكر الحَدِيث وَعَامة مَا يرويهِ حسان إِلَّا أَنه لَا يُتَابع عَلَيْهِ قلت وَشَيْخه الْحَارِث بن غصين لم أجد من ذكره بتوثيق وَلَا جرح فَهُوَ مَجْهُول ثمَّ الحَدِيث شَاذ بِمرَّة لكَونه من رِوَايَة الْأَعْمَش وَهُوَ مِمَّن يجمع حَدِيثه وَلم يجىء إِلَّا من هَذِه الطَّرِيق وَلَا يحْتَمل من راوية الِانْفِرَاد بِمثلِهِ فَهُوَ شَاذ أَو مُنكر كَمَا هُوَ مُقَرر فِي مَوْضِعه

стр. 42

وَرَابِعهَا مَا رَوَاهُ عَمْرو بن هَاشم البروقي عَن سُلَيْمَان بن أبي كَرِيمَة عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مهما أُوتِيتُمْ من كتاب الله فَالْعَمَل بِهِ وَلَا عذر لأحد فِي تَركه فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فَسنة مني مَاضِيَة فَإِن لم يكن سنة مني فَمَا قَالَ أَصْحَابِي إِن أَصْحَابِي بِمَنْزِلَة النُّجُوم فِي السَّمَاء فأيما أَخَذْتُم بِهِ اهْتَدَيْتُمْ وَاخْتِلَاف أَصْحَابِي لكم رَحْمَة وجويبر هُوَ ابْن سعيد الْمُفَسّر مُتَّفق على ضعفه أَيْضا قَالَ فِيهِ ابْن معِين لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك وَقَالَ النَّسَائِيّ والداقطني مَتْرُوك وَقَالَ الْجوزجَاني لَا يسْتَقلّ بِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث مَتنه مَشْهُور وَأَسَانِيده ضَعِيفَة لم يثبت فِي هَذَا إِسْنَاد قلت وَفِي كَلَام عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ مَا يَقْتَضِي تقويته وَلَكِن الِاعْتِمَاد على أسانيده وَهِي واهية كلهَا بَينا مَعَ نَص جمَاعَة من الْأَئِمَّة على أَنه لم يثبت مِنْهَا شَيْء وَوجه الدّلَالَة مِنْهُ أَن النَّبِي ﷺ جعل الِاقْتِدَاء لَازِما للاهتداء بِأَيّ وَاحِد مِنْهُم كَانَ وَذَلِكَ يدل على أَنه حجَّة وَإِلَّا لفرق بَين الْمُصِيب وَغير الْمُصِيب فَإِن الِاقْتِدَاء بِغَيْر الْمُصِيب لَيْسَ اهتداء وَبِهَذَا التَّقْرِير يخرج الْجَواب عَمَّن يَقُول إِنَّمَا دلّ الحَدِيث على أَن الِاقْتِدَاء بهم موصل إِلَى الله تَعَالَى وَهَذَا أَمر مجمع عَلَيْهِ فِي حَقهم وَحقّ غَيرهم من الْمُجْتَهدين وَكلهمْ طرق إِلَى الله تَعَالَى وَإِن تفاوتت مَرَاتِبهمْ فَكَمَا أَن قَول غَيرهم لَيْسَ بِحجَّة كَذَلِك قَوْلهم وَفَائِدَة التَّنْصِيص عَلَيْهِم التشريف وَأَنَّهُمْ أولى بذلك من غَيرهم وَلَا يلْزم من كَون تقليدهم هِدَايَة أَن يكون مدْركا

стр. 43

للمجتهدين إِذا سلم عَن الْمعَارض وَيُجَاب عَن هَذَا أَيْضا بِأَن تَرْتِيب الحكم على الْوَصْف الْمُشْتَقّ يشْعر بالعلية فَيظْهر اخْتِصَاص هَذَا حكم بالصحابة ﵃ وَحِينَئِذٍ فَلَا يرد مَا ذَكرُوهُ وَيلْزم أَن يكون ذَلِك لحجيته لَا لكَوْنهم مجتهدين فَقَط وترتيب هَذَا الحكم على هَذَا الْوَصْف يَقْتَضِي سلبه عَن غَيرهم لفَوَات الْوَصْف الْمُرَتّب عَلَيْهِم فيهم وَاعْترض عَلَيْهِ أَيْضا بِأَنَّهُ لَا دَلِيل فِيهِ على الْعُمُوم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الاهتداء فِي كل مَا يَقْتَدِي بِهِ وعَلى هَذَا فَيمكن حمله على الِاقْتِدَاء بهم فِيمَا يَرْوُونَهُ عَن النَّبِي ﷺ وَيَكْفِي ذَلِك فِي مَدْلُول اللَّفْظ وَجَوَابه مَا تقدم أَيْضا من أَن تَرْتِيب الحكم على الْوَصْف يشْعر بعليته لذَلِك الحكم فَيلْزم فِي كل اقْتِدَاء لَا سِيمَا مَعَ عُمُوم لفظ أَي الَّذِي هُوَ شَامِل لكل الصَّحَابَة وَأما الْحمل على الرِّوَايَة فضعيف لِأَن ذَلِك لَا يُسمى اقْتِدَاء وَالَّذِي يتَوَجَّه على دلَالَة الحَدِيث أَن الْخطاب فِيهِ مشافهة فَلَا بُد وَأَن يكون من عاصر النَّبِي ﷺ دَاخِلا فِي ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَيكون الْخطاب للعوام من الصَّحَابَة وَيكون لفظ أَصْحَابِي لَيْسَ على عُمُومه بل خَاصّا بالمجتهدين

стр. 44

وَالْفُقَهَاء مِنْهُم كَمَا قَالَه العالمي من الْحَنَفِيَّة وَهُوَ قوي وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا تنصيصه ﷺ على تفَاوت مَرَاتِبهمْ فِي الْعُلُوم كالحديث الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أرأف أمتِي بأمتي أَبُو بكر وأشدها فِي دين الله عمر وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان وأقضاهم عَليّ وأعلمهم بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثَابت وأقرؤهم أبي بن كَعْب وَلكُل قوم أَمِين وَأمين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ﵃ وَإِسْنَاده حسن وَقد أعل بَعضهم لصححه وَكَذَلِكَ تنصيصه ﷺ على أَخذ الْقُرْآن من أَرْبَعَة عبد الله بن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعند التِّرْمِذِيّ أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر واهتدوا بِهَدي عمار وتمسكوا بِعَهْد ابْن أم عبد يَعْنِي عبد الله بن مَسْعُود ﵃ وبهذه الطَّرِيق أَعنِي تَخْصِيص القَوْل بذلك بالمجتهدين من الصَّحَابَة يحصل الِانْفِصَال عَن كثير من الاعتراضات الْوَارِد فَظَاهر كَلَام أَحْمد بن حَنْبَل يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لم يَأْخُذ بِحَدِيث عَمْرو بن سَلمَة الْجرْمِي فِي إِمَامَته قومه وَهُوَ صبي وَأَشَارَ إِلَى أَنهم أَعْرَاب فِي باديتهم فَلم يحْتَج بفعلهم الْوَجْه الرَّابِع من أَدِلَّة الْقَائِلين بِأَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ حجَّة ادِّعَاء

стр. 45

الْإِجْمَاع فِي ذَلِك من جِهَة أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بَايع عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ بِشَرْط الِاقْتِدَاء بالشيخين بَعْدَمَا ذكر الْكتاب وَالسّنة أَولا فَقبل ذَلِك مِنْهُ وَكَانَ بِمحضر الصَّحَابَة وَلم ينكروا عَلَيْهِ فَكَانَ إِجْمَاعًا وَاعْترض عَلَيْهِ بَان المُرَاد بِهِ الِاقْتِدَاء بهما فِي سيرتهما وعدلهما وَنَحْو ذَلِك لَا على أَن قَوْلهمَا حجَّة يلْزم اتباعها لِأَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ لَيْسَ حجَّة على صَحَابِيّ آخر اتِّفَاقًا لَا سِيمَا فِي الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بَعضهم مَعَ بعض وَيدل لهَذَا الْحمل أَيْضا أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لما عرض ذَلِك أَولا على عَليّ ﵁ لم يقبل وَقبل مِنْهُ عُثْمَان فَالْقَوْل بذلك على الإحتجاج يَقْتَضِي تخطئة أَحدهمَا لِأَن اتِّبَاع مَذْهَب الصَّحَابِيّ إِمَّا وَاجِب أَو محرم وَفِي كل مِنْهُمَا لَا يخْتَص بِبَعْض الآخذين بِهِ دون بعض بل هُوَ على عُمُوم النَّاس وَإِذا تعذر الْحمل على ذَلِك حمل على مَا تقدم هَكَذَا ذكره جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ وَلَا يُوجد فِي شَيْء من كتب الحَدِيث مُسْند مُعْتَمد أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عرض ذَلِك أَولا على عَليّ فَلم يقبله ثمَّ عرضه على عُثْمَان فَقبله بل الَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَجَمِيع كتب السّير أَن عبد الرحمن بن عَوْف أَخذ الْعَهْد على كل من عُثْمَان وَعلي ﵄ لَئِن ولي ليعدلن وَلَئِن أَمر عَلَيْهِ الآخر ليسمعن وليطعين ثمَّ بعد ذَلِك بَايع عُثْمَان ﵁ وَالَّذِي ذكره رُوِيَ من طَرِيق سُفْيَان بن وَكِيع عَن قبيصَة عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن عَاصِم عَن أبي وَائِل قَالَ قلت لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف كَيفَ بايعتم عُثْمَان وتركتم عليا قَالَ مَا ذَنبي بدأت بعلي فَقلت أُبَايِعك على كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وسيرة أبي بكر وَعمر فَقَالَ فِيمَا اسْتَطَعْت ثمَّ عرضت ذَلِك على عُثْمَان فَقَالَ نعم رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد ابْن حَنْبَل فِي زيادات مُسْند أَبِيه وسُفْيَان بن وَكِيع ضَعِيف تكلم فِيهِ جمَاعَة وَقَالَ فِيهِ ابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان وَابْن عدي إِن وراقه أَدخل عَلَيْهِ أَحَادِيث

стр. 46

واهية فَحدث بهَا وَقَالَ فِيهِ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ مُتَّهم بِالْكَذِبِ وَالَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره هُوَ الصَّحِيح نعم قرينَة السِّيَاق تشعر بِأَن المُرَاد بالسيرة مَا كَانَا عَلَيْهِ من الْعدْل والإنصاف وَالْقُوَّة فِي دين الله وَنَحْو ذَلِك وَبعد الِانْفِصَال عَن كل مَا يعرض على هَذَا الْوَجْه وَتَسْلِيم أَن المُرَاد بالسيرة عُمُوم أقوالهما وأفعالهما لَا ينتهض دَلِيلا إِلَّا لمن يَقُول بِأَن الْحجَّة فِي قَول أبي بكر وَعمر ﵄ خَاصَّة وَأَن ذَلِك لَازم لسَائِر الصَّحَابَة أما الإحتجاج بِهِ على حجية قَول جَمِيع الصَّحَابَة فَلَا لما تقدم الْوَجْه الْخَامِس أَن الصَّحَابَة ﵃ خضروا التَّنْزِيل وفهموا كَلَام الرَّسُول الله ﷺ واطلعوا على قَرَائِن القضايا وَمَا خرج عَلَيْهِ الْكَلَام من الْأَسْبَاب والمحامل الَّتِي لَا تدْرك إِلَّا بالحضور وخصهم الله تَعَالَى بالفهم الثاقب وحدة القرائح وَحسن التَّصَرُّف لما جعل الله فيهم من الخشية والزهد والورع إِلَى غير ذَلِك من المناقب الجليلة فهم أعرف بالتأويل وَأعلم بالمقاصد فيغلب على الظَّن مصادفة أَقْوَالهم وأفعالهم الصَّوَاب أَو الْقرب مِنْهُ والبعد عَن الْخَطَأ هَذَا مَا لَا ريب فِيهِ فَيتَعَيَّن الْمصير إِلَى أَقْوَالهم وَلَا يَعْنِي كَونه مدْركا إِلَّا ذَلِك

стр. 47

وَأما الِاعْتِرَاض بِعَدَمِ عصمتهم وَجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِم وَمَا يقْضِي إِلَيْهِ

стр. 48

الإحتجاج بقَوْلهمْ من التَّعَارُض لاخْتِلَاف أَقْوَالهم فِي الحكم الْوَاحِد فَسَيَأْتِي الْجَواب عَنهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْوَجْه السَّادِس وَهُوَ الْمُعْتَمد أَن التَّابِعين أَجمعُوا على اتِّبَاع الصَّحَابَة فِيمَا ورد عَنْهُم وَالْأَخْذ بقَوْلهمْ والفتيا بِهِ من غير نَكِير من أحد مِنْهُم وَكَانُوا من أهل الإجتهاد أَيْضا قَالَ مَسْرُوق وجدت علم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ انْتهى إِلَى سِتَّة عمر وَعلي وَأبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَأبي الدَّرْدَاء وَعبد الله بن مَسْعُود وَقَالَ أَيْضا كَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ سِتَّة عمر وَعلي وَعبد الله وَأبي وَزيد وَأَبُو مُوسَى يَعْنِي الْأَشْعَرِيّ ﵃ وَقَالَ الشّعبِيّ كَانَ الْعلم يُؤْخَذ عَن سِتَّة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَكَانَ عمر وَعلي وعبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت يشبه بَعضهم بَعْضًا وَكَانَ يقتبس بَعضهم من بعض وَكَانَ عَليّ وَأَبُو مُوسَى وَأبي بن كَعْب يشبه علم بَعضهم بَعْضًا وَكَانَ يقتبس بَعضهم من بعض وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ لم يكن من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أحد لَهُ أَصْحَاب ٤ يقومُونَ بقوله فِي الْفِقْه إِلَّا ثَلَاثَة عبد الله بن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن عَبَّاس ﵃ ثمَّ ذكر أَصْحَاب كل وَاحِد مِنْهُم من

стр. 49

التَّابِعين الَّذين كَانُوا يفتون النَّاس بقول ذَلِك الصَّحَابِيّ وَمن أمعن النّظر فِي كتب الْآثَار وجد التَّابِعين لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الرُّجُوع إِلَى أَقْوَال الصَّحَابِيّ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كتاب وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع ثمَّ هَذَا مَشْهُور أَيْضا فِي كل عصر لَا يَخْلُو عَنهُ مستدل بهَا أَو ذَاكر لأقوالهم فِي كتبه وَلَا يُقَال فَيكون الْمُخَالف فِي ذَلِك خارقا للْإِجْمَاع لما تقدم أَن مُخَالفَة الْإِجْمَاع الاستدلالي والظني لَا يقْدَح وَمَا نَحن فِيهِ من ذَلِك وَالله ولي التَّوْفِيق وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِأَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة بِوُجُوه الْوَجْه الأول قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ . . الْآيَة وَالرَّدّ إِلَى مَذَاهِب الصَّحَابِيّ يكون تركأ لهَذَا الْوَاجِب

стр. 50

وَجَوَابه أَن الرَّد إِلَى الله وَالرَّسُول إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الحكم الْمَطْلُوب مَوْجُودا فِي الْكتاب أَو السّنة وَحِينَئِذٍ مَتى عدل عَنْهُمَا كَانَ تركا للْوَاجِب فَأَما إِذا لم يُوجد ذَلِك فِي الْكتاب وَلَا فِي السّنة مَنْصُوصا عَلَيْهِ فَلَا يكون فِي الرُّجُوع إِلَى أَقْوَال الصَّحَابَة ترك للْوَاجِب وَالْقَوْل بِاتِّبَاع مَذْهَب الصَّحَابِيّ مَشْرُوط بِعَدَمِ معارضته للْكتاب أَو السّنة إِلَّا فِي تَخْصِيص أَو حمل على أحد المحملين على مَا فِي ذَلِك من الْخلاف كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَيْضًا إِذا كَانَ الرُّجُوع إِلَى أَقْوَال الصَّحَابَة مدلولا عَلَيْهِ بالنسة كَمَا تقدم أَو باستنباط من ثَنَاء الله عَلَيْهِم فِي الْكتاب وتفضيلهم لَا يكون الرَّد إِلَيْهِم منافيا لمدلول الْآيَة وَإِلَى هَذَا يرشد قَول إمامنا الشَّافِعِي فِيمَا روينَا عَنهُ من طَرِيق عبد الله ابْن مُحَمَّد الْفرْيَابِيّ قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵀ بِبَيْت الْمُقَدّس يَقُول سلوني عَم شِئْتُم أخْبركُم بِهِ عَن كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ قَالَ فَقلت إِن هَذَا لجريء مَا تَقول أصلحك اله فِي الْمحرم يقتل الزنبور فَقَالَ نعم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَحدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن ربعي عَن حُذَيْفَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر ﵄ وَحدثنَا سُفْيَان عَن مسعر عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب أَن عمر ﵄ أَمر الْمحرم بقتل الزنبور (أهـ)

стр. 51

فَهَذِهِ الْحِكَايَة تدل على رُجُوع الشَّافِعِي ﵀ إِلَى قَول الصَّحَابِيّ وَأَنه أَخذ ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة وَهَذَا أَيْضا كَمَا يُقَال فِي الْقيَاس إِنَّه غير منَاف للْكتاب وَالسّنة لدلالتهما على الْعَمَل بِهِ الْوَجْه الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ قَالُوا وَذَلِكَ يُنَافِي جَوَاز التَّقْلِيد وَجَوَابه منع دلَالَة الْآيَة على الِاجْتِهَاد وَالْمَنْع من التَّقْلِيد كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي كتب الْأُصُول وَلَئِن سلم ذَلِك فَلَا نسلم أَن الْأَخْذ بقول الصَّحَابِيّ يكون على وَجه التَّقْلِيد لَهُ بل ذَلِك على أَنه مدرك من مدارك الشَّرْع يجب على الْمُجْتَهد الْأَخْذ بِهِ كَمَا فِي النَّص وَالْقِيَاس وَغَيرهمَا من المدارك وكما أَن الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ إِذا كَانَ دَالا على الْأَخْذ بِالْقِيَاسِ لَا يكون منافيا للأخذ بِالنَّصِّ لكَون الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ إِنَّمَا هُوَ بعد فقدان النَّص فَكَذَلِك الْأَخْذ بقول الصَّحَابِيّ فَإِنَّهُ أَيْضا مقدم على الْقيَاس عِنْد الْقَائِلين بِهِ فَلَا يكون الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ منافيا لحجيته الْوَجْه الثَّالِث قَالُوا أَجمعت الصَّحَابَة على جَوَاز مُخَالفَة بَعضهم بَعْضًا حَتَّى لم يُنكر أحد من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين على من خَالفه وَقد تقدم نبذة من ذَلِك فَلَو كَانَ مَذْهَب الصَّحَابِيّ حجَّة لما كَانَ كَذَلِك ولكان يُنكر كل مِنْهُم على من خَالفه وَجَوَابه أَنه غير دَال على صُورَة النزاع فَإِن صورته أَن قَوْلهم أَو مَذْهَبهم هَل هُوَ حجَّة على من بعدهمْ من التَّابِعين الْمُجْتَهدين وَمن بعدهمْ أم لَا فَأَما كَون الْوَاحِد من مجتهدي الصَّحَابَة يكون قَوْله حجَّة على مثله مِنْهُم فَلَيْسَ مَحل النزاع

стр. 52

الْوَجْه الرَّابِع أَن الصَّحَابِيّ من أهل الإجتهاد وَالْخَطَأ جَائِز عَلَيْهِ لكَونه غير مَعْصُوم وفَاقا وَقد وجد من أَفْرَاد مِنْهُم أَقْوَال على خلاف مَا ثَبت عَن النَّبِي ﷺ فَلم يكن الْأَخْذ بقوله وَاجِبا كَغَيْرِهِ من الْمُجْتَهدين وكما لَا يجب على غَيره من مجتهدي الصَّحَابَة الْأَخْذ بقوله أَيْضا وَجَوَابه أَنه لَا يلْزم من عدم وجوب الْعَمَل بقول الصَّحَابِيّ على صَحَابِيّ مثله وَبقول التَّابِعِيّ على تَابِعِيّ مثله عدم وجوب الْعَمَل بقول الصَّحَابِيّ على التَّابِعِيّ وَمن بعده لِأَن فِي تِلْكَ الصُّورَة التَّسَاوِي مَوْجُود وَفِي هَذَا الَّذِي هُوَ مَحل النزاع التَّفَاوُت مَوْجُود فِي الْفَضِيلَة والرتبة والتأييد للإصابة وَالْعلم بالناسخ والمنسوخ والمخصص المقالي والحالي وَمَعْرِفَة مَقَاصِد الْكَلَام وسياقه وسباقه وَسبب النُّزُول إِلَى غير ذَلِك كَمَا تقدم فَلَا يَصح قِيَاس إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ على الْأُخْرَى مَعَ ظُهُور الْفرق الْوَجْه الْخَامِس أَن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفُوا فِي مسَائِل الْحَرَام وَزوج وأبوين وَزَوْجَة وأبوين وَأم وجد وَأُخْت إِلَى غير ذَلِك من الْمسَائِل الْكَبِيرَة فَلَو كَانَ مَذْهَب الصَّحَابِيّ حجَّة لزم أَن تكون حجج الله تَعَالَى مُخْتَلفَة متناقضة وَلم يكن اتِّبَاع التَّابِع للْبَعْض أولى من اتِّبَاع الآخر وَجَوَابه أَن اخْتِلَاف مَذَاهِب الصَّحَابَة لَا يُخرجهَا عَن كَونهَا حجَجًا كَمَا فِي تعَارض الْخَبَرَيْنِ من أَخْبَار الْآحَاد وَنَحْوهَا كالقياس فَإِن وجد مُرَجّح من خَارج عمل بِهِ وَإِلَّا كَانَ الْوَقْف أَو التَّخْيِير كَمَا عرف فِي مَوْضِعه فَكَذَلِك هُنَا الْوَجْه السَّادِس أَن التَّابِعِيّ الْمُجْتَهد مُتَمَكن من إِدْرَاك الحكم

стр. 53

بطريقة وَلَا يجوز لَهُ التَّقْلِيد فِيهِ كَمَا فِي مسَائِل أصُول الدّين وَجَوَابه مَا تقدم من منع كَون ذَلِك تقليدا عِنْد الْقَائِلين باتباعه بل إِثْبَات الحكم بِهِ بطريقة كَمَا فِي إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَالْفرق بَين مسَائِل أصُول الدّين وَهَذِه ظَاهر لِأَن مسَائِل الْفُرُوع يعْمل فِيهَا بِالظَّنِّ بِخِلَاف أصُول الدّين الْوَجْه السَّابِع أَن الصَّحَابِيّ يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ والسهو وَلم تثبت عصمته فَلَا حجَّة فِي قَوْله مَعَ جَوَاز ذَلِك عَلَيْهِ وَقد كَانَ الْوَاحِد رُبمَا يجْتَهد ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ الحكم عَن النَّبِي ﷺ بِخِلَاف قَوْله كَمَا قَالَ ابْن عمر ﵄ كُنَّا نخابر وَلَا نرى بذلك بَأْسا حَتَّى روى لنا رَافع بن خديج أَن النَّبِي ﷺ نهى عَنْهَا فتركناها وَجَوَابه أَنه لَا يلْزم من عدم الْعِصْمَة وَجَوَاز الْخَطَأ ترك الْأَخْذ بقوله كَمَا أَن الْمُجْتَهد من الْعلمَاء بعد الصَّحَابَة من الْعلمَاء غير مَعْصُوم وَيجب على الْعَاميّ تَقْلِيده وَالْخَطَأ فيهم بمخالفة مَا فِيهِ نَص نَادِر جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَقْوَالهم وأفعالهم مَعَ مَا قدمنَا من اطلاعهم على مَقَاصِد الشَّرِيعَة واختصاصهم بِالسَّبقِ والأفضلية وَكَانَ الحكم فيهم الْأَغْلَب من أَحْوَالهم دون النَّار وَأَيْضًا فَمَا ثَبت فِيهِ نَص عَن النَّبِي ﷺ لَا يُعَارض قَول الصَّحَابِيّ فَلَا يكون ذَلِك مَحل النزاع كَمَا أَنه لَا يحْتَج من أفعالهم بِمَا وَقع فِي الْفِتَن مِمَّا لَا فَائِدَة فِي ذكره

стр. 54

الْوَجْه الثَّامِن أَن الْقيَاس أصل من أصُول الدّين وَحجَّة من الْحجَج الشَّرْعِيَّة وَالْعَمَل بِهِ عِنْد عدم النَّص وَاجِب فَلَا يتْرك لقَوْل الصَّحَابِيّ وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث معَاذ الْمَشْهُور وَقَوله للنَّبِي ﷺ إِنَّه يجْتَهد رَأْيه بعد الْكتاب وَالسّنة وَأقرهُ النَّبِي ﷺ وَجَوَابه أَنه لَا يلْزم من كَون الْقيَاس حجَّة إِلَّا تتقدم عَلَيْهِ غَيره من الْحجَج كَمَا أَن الْإِجْمَاع يتَقَدَّم عَلَيْهِ بل وَكَذَلِكَ على النَّص ويتضمن الْإِجْمَاع وجود نَص نَاسخ لذَلِك أَو مؤول لَهُ وَإِنَّمَا لم يذكر معَاذ ﵁ قَول الصَّحَابِيّ لِأَن قَول غَيره لَيْسَ حجَّة عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَة فِي ذكره حِينَئِذٍ

стр. 55

الْمرتبَة الْخَامِسَة قَول الصَّحَابِيّ إِذا خَالف الْقيَاس وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِأَن قَول الصَّحَابِيّ إِنَّمَا يكون حجَّة إِذا خَالف الْقيَاس بِأَنَّهُ فِي هَذِه الْحَالة لَا يكون قَوْله إِلَّا عَن تَوْقِيف إِذْ لَا مجَال لِلْعَقْلِ فِي ذَلِك وَإِن كَانَ لَهُ فِيهِ مجَال لكنه عدل عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْقيَاس فعدوله عَنهُ إِنَّمَا يكون لخَبر عِنْده فِيهِ وَإِلَّا يلْزم أَن يكون قَائِلا فِي الدّين بالتشهي من غير مُسْتَند وَذَلِكَ يقْدَح فِي دينه وَعلمه وَلَا يَنْبَغِي الْمصير إِلَيْهِ فَيتَعَيَّن اتِّبَاع قَوْله وَهُوَ قوي إِلَّا أَنه لَا يَقْتَضِي أَن لَا يكون قَوْله حجَّة فِي غير هَذِه الصُّورَة نعم إِذا تعَارض قَول صحابين وَقُلْنَا بالترجيح كَمَا سَيَأْتِي فَيظْهر أَن القَوْل الْمُخَالف للْقِيَاس يكون أرجح من الْمُوَافق لَهُ لهَذَا الْمَعْنى

стр. 56

وَقد اعْترض على هَذَا الدَّلِيل من أَصله بِأَنَّهُ يجوز أَن تكون مُخَالفَته للْقِيَاس لنَصّ ظَنّه دَلِيلا مَعَ أَنه لَيْسَ كَذَلِك فِي نفس الْأَمر وبالنقض بِمذهب التَّابِعِيّ وَمن بعده فَإِن جَمِيع مَا ذَكرُوهُ فِيهِ آتٍ فِيهِ بِعَيْنِه وَيُمكن الْجَواب عَن الأول أَن هَذَا الِاحْتِمَال وَإِن كَانَ منقدحا فَالظَّاهِر من حَال الصَّحَابِيّ ومعرفته وَشدَّة ورعه أَنه لَا يتبع الظَّن الْمَرْجُوح بِحَيْثُ يكون مَا ظَنّه دَلِيلا لَيْسَ مطابقا لظَنّه فَنحْن نتمسك بِهَذَا الظَّاهِر إِلَى أَن يُعَارضهُ مَا هُوَ أرجح مِنْهُ كَالظَّاهِرِ الْخَبَر الصَّحِيح إِذا خَالفه الصَّحَابِيّ فَإنَّا نتبع ظَاهر الْخَبَر ونقدمه على قَول الصَّحَابِيّ كَمَا سَيَأْتِي لِأَن هَذَا الظَّاهِر أرجح من هَذَا الْمُحْتَمل وَأما هُنَا فَلم يُعَارض الظَّاهِر من حَال الصَّحَابِيّ مَا هُوَ أرجح مِنْهُ وَأما النَّقْض بِمذهب التَّابِعِيّ فقد تقدم الْفرق بَين الصَّحَابِيّ وَمن بعده بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَمِمَّا يُؤَيّد مَا تقدم أَن جمَاعَة من الْعلمَاء قَالُوا فِي تَفْسِير الصَّحَابِيّ الْآيَة فِيمَا لَا مجَال للإجتهاد فِيهِ أَنه يكون مُسْندًا إِلَى النَّبِي ﷺ أَو فِي حكم الْمسند لِأَن الظَّاهِر أَنه لم يقل ذَلِك إِلَّا عَن تَوْقِيف فَكَذَلِك يَجِيء هُنَا فِي قَوْله إِذا كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس أَو لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ

стр. 57

وَقد تقدم أَن هَذَا يُؤْخَذ من قَول الشَّافِعِي ﵀ فِي صَلَاة عَليّ ﵁ سِتّ رَكْعَات فِي كل رَكْعَة سِتّ سَجدَات إِن ثَبت ذَلِك عَن عَليّ قلت بِهِ وَأَن الْغَزالِيّ قَالَ لِأَن رأى أَن القَوْل بذلك لَا يكون إِلَّا عَن تَوْقِيف إِذْ لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ وَالله سُبْحَانَهُ أعلم قَول الصَّحَابِيّ إِذا اعتضد بِالْقِيَاسِ وَأما إِذا انْضَمَّ إِلَى قَول الصَّحَابِيّ قِيَاس فَالْكَلَام فِي مقامين أَحدهمَا فِيمَا إِذا تعَارض قَول صحابيين واعتضد أَحدهمَا بِالْقِيَاسِ وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالثَّانِي فِيمَا إِذا تعَارض قياسان واعتضد أَحدهمَا بقول الصَّحَابِيّ فَمن يرى أَن قَول الصَّحَابِيّ بمفرده حجَّة مُقَدّمَة على الْقيَاس يكون احتجاجه هُنَا بقول الصَّحَابِيّ بطرِيق الأولى وَأما على القَوْل بِأَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ لَيْسَ حجَّة فإمَّا أَن يكون القياسان صَحِيحَيْنِ متساويين أَولا فَإِن كَانَا كَذَلِك وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر بمرجح فِي الأَصْل أَو حكمه أَو فِي الْعلَّة أَو دليلها أَو فِي الْفَرْع فَالظَّاهِر أَن الْقيَاس المعتضد بقول الصَّحَابِيّ يقدم وَيكون ذَلِك من الترجيحات بالأمور الخارجية كَمَا يرجح أحد الْخَبَرَيْنِ المعتارضين بِعَمَل بعض الصَّحَابَة بِهِ دون الآخر أما إِن كَانَ أحد القياسين يتَرَجَّح على الآخر فِي شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَمَعَ الْمَرْجُوح قَول بعض الصَّحَابَة فَهَذَا مَحل النّظر على القَوْل بِأَن مَذْهَب

стр. 58

الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة وَالِاحْتِمَال منقدح وَقد تقدم حِكَايَة ابْن الصّباغ عَن بعض أَصْحَابنَا أَن الْقيَاس الضَّعِيف إِذا اعتضد بقول صَحَابِيّ يقدم على الْقيَاس الْقوي وَذَلِكَ هُنَا بطرِيق الأولى وَتقدم أَيْضا نقل القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ عَن الإِمَام الشَّافِعِي أَنه يرى فِي الْجَدِيد أَن قِيَاس التَّقْرِيب إِذا انْضَمَّ إِلَى قَول الصَّحَابِيّ كَانَ أولى من قِيَاس التَّحْقِيق وَمثل الْمَاوَرْدِيّ قِيَاس التَّقْرِيب بِمَا ذكره الشَّافِعِي ﵀ فِي مَسْأَلَة البيع بِشَرْط الْبَرَاءَة من الْعُيُوب أَن الْحَيَوَان يُفَارق مَا سواهُ لِأَنَّهُ يَعْتَرِيه الصِّحَّة والسقم وتحول طبائعه وقلما يَخْلُو من عيب وَإِن خَفِي فَلَا يُمكن الِاحْتِرَاز من عيوبه الْخفية بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَالْوُقُوف عَلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِك غير الْحَيَوَان لِأَنَّهُ قد يَخْلُو من الْعُيُوب وَيُمكن الِاحْتِرَاز مِنْهَا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا لظهورها فَدلَّ على افْتِرَاق الْحَيَوَان وَغَيره من جِهَة الْمَعْنى مَعَ مَا رُوِيَ من قصَّة عُثْمَان ﵁ وَقد ذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ قِيَاس التَّقْرِيب بِكَلَام طَوِيل حَاصله يرجع إِلَى أَنه الِاسْتِدْلَال من غير بِنَاء فرع على أصل وَمن جملَة كَلَامه قَالَ قد تثبت أصُول معللة اتّفق القائسون على عللها فَقَالَ الشَّافِعِي أَتَّخِذ تِلْكَ الْأُصُول معتبري وَأَجْعَل الاستدلالات قريبَة مِنْهَا فَإِن لم تكن بِأَعْيَانِهَا حَتَّى كَأَنَّهَا أصُول مُعْتَمدَة مثلا وَالِاسْتِدْلَال مُعْتَبر بهَا وَاعْتِبَار الْمَعْنى بِالْمَعْنَى تَقْرِيبًا أولى من اعْتِبَار صُورَة بِصُورَة لِمَعْنى جَامع ثمَّ مثل الإِمَام ذَلِك بِتَحْرِيم وَطْء الرَّجْعِيَّة فَإِنَّهُ مُعَلل عِنْد الشَّافِعِي بِأَنَّهَا متربصة فِي تبرئة الرَّحِم وتسليط الزَّوْج على شغل رَحمهَا فِي الزَّمَان الَّذِي تُؤمر فِيهِ بالتربص للتبرئة متناقض وَهَذَا معنى مَعْقُول فَإِن الْمَرْأَة لَو تربصت قبل الطَّلَاق واعتزلها الزَّوْج لم يعْتد بذلك عدَّة قَالَ وَلَو طلب الشَّافِعِي لهَذَا الْمَعْنى أصلا لم يجده وَلكنه قريب من

стр. 59

الْقَوَاعِد وَمن قَاس الرَّجْعِيَّة على الْبَائِن لم يتم لَهُ ذَلِك لِأَن الْمُخَالف يَقُول الْبَيْنُونَة هِيَ المستقلة بِتَحْرِيم الْوَطْء والرجعية لَيست مثلهَا هَذَا تَخْلِيص كَلَام الإِمَام ﵀ وَحَاصِله على مَا نَقله الْمَاوَرْدِيّ عَن الْجَدِيد من مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الْقيَاس الْمَرْجُوح إِذا اعتضد بقول الصَّحَابِيّ كَانَ مقدما على الْقيَاس الرَّاجِح فَيحْتَمل أَن يكون هَذَا تَفْرِيعا مِنْهُ على أَن قَول الصَّحَابِيّ حجَّة كَمَا تقدم عَنهُ فِي الرسَالَة الجديدة وَكتاب اختلافه مَعَ مَالك وَيحْتَمل أَن يكون على القَوْل الآخر الَّذِي اشْتهر عِنْد الْأَصْحَاب عَن الْجَدِيد أَنه لَيْسَ بِحجَّة وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم

стр. 60

الطّرف الرَّابِع أَن يخْتَلف الصَّحَابَة فِي الحكم على قَوْلَيْنِ فَأكْثر قَالَ الْآمِدِيّ فِي الإحكام اتَّفقُوا على أَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد لَا يكون حجَّة على غَيره الصَّحَابَة الْمُجْتَهدين وَتَبعهُ على نقل هَذَا الِاتِّفَاق جمَاعَة من المصنفين وَلَا ريب فِي ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى آحادهم بَعضهم على بعض وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى من بعدهمْ إِذا اخْتلفُوا فقد ظن قوم أَن حجية قَول الصَّحَابِيّ تَزُول إِذا خَالفه غَيره من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَيْسَ اتِّبَاع قَول أَحدهمَا أولى من الآخر وَرُبمَا تعلق الْقَائِل بِمَا تقدم من الْإِجْمَاع وَهُوَ ضَعِيف فقد تقدم قَول الشَّافِعِي ﵀ فِي الْجَدِيد أَنه يرجح قَول أحد الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة على من بعدهمْ وَفِي مَوضِع آخر أَنه يرجح قَول من مَعَه قِيَاس وَهَذَا ظَاهر لِأَن غَايَة اخْتلَافهمْ إِذا ثَبت ذَلِك عَنْهُم وَقيل إِن قَول الْوَاحِد مِنْهُم حجَّة أَن يكون كالخبرين إِذا تَعَارضا وَعند ذَلِك يرجع إِلَى التَّرْجِيح بِأحد المرجحات الْمُتَّصِلَة أَو الْمُنْفَصِلَة فَكَذَلِك هُنَا على القَوْل بحجية

стр. 61

أَقْوَالهم يفزع إِلَى التَّرْجِيح وَمن جملَة ذَلِك إِذا كَانَ الْقيَاس مَعَ أَحدهمَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ وَقَالَ الشَّيْخ موفق الدّين فِي الرَّوْضَة إِذا اخْتلف الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ لم يجز للمجتهد بقول بَعضهم من غير دَلِيل خلافًا لبَعض الْحَنَفِيَّة وَبَعض الْمُتَكَلِّمين أَنه يجوز ذَلِك مَا لم يُنكر على الْقَائِل قَوْله لِأَن اخْتلَافهمْ دَلِيل على تسويغ الْخلاف وَالْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَلِهَذَا رَجَعَ عمر إِلَى قَول معَاذ ﵄ قَالَ وَهَذَا فَاسد فَإِن قَول الصَّحَابِيّ لَا يزِيد على الْكتاب وَالسّنة وَلَو تعَارض دليلان من كتاب أَو سنة لم يجز الْأَخْذ بِوَاحِد مِنْهُمَا بِدُونِ التَّرْجِيح ولأنا نعلم أَن أحد الْقَوْلَيْنِ صَوَاب وَالْآخر خطأ وَلَا نعلم ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل وَإِنَّمَا يدل اخْتلَافهمْ على تسويغ الِاجْتِهَاد فِي كلا الْقَوْلَيْنِ أما على الْأَخْذ بِهِ يَعْنِي بِدُونِ مُرَجّح فَلَا وَأما رُجُوع عمر إِلَى قَول معَاذ فَلِأَنَّهُ بَان لَهُ الْحق بدليله فَرجع إِلَيْهِ انْتهى كَلَامه ويتحصل فِيمَا إِذا اخْتلفت أَقْوَال الصَّحَابَة ﵃ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا سُقُوط الحجية وَأَنه لَا يعْتَمد قَول مِنْهَا وَالثَّانِي أَن يُؤْخَذ بِأَيّ قَول مِنْهَا يُغير تَرْجِيح وَالثَّالِث أَنه يعدل إِلَى التَّرْجِيح وَهُوَ الْأَظْهر وَقد حكى ابْن عبد الْبر القَوْل بالتخيير فِي الرُّجُوع إِلَى أَي قَول شَاءَ الْمُجْتَهدين من أَقْوَالهم عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَعمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ وَعَن سُفْيَان

стр. 62

الثَّوْريّ إِن صَحَّ عَنهُ ثمَّ روى عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد من غير وَجه أَنه قَالَ لقد وسع الله على النَّاس باخْتلَاف أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أَي ذَلِك أخذت لم يكن فِي نَفسِي مِنْهُ شَيْء وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ مَا أحب أَن أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ لم يَخْتَلِفُوا لِأَنَّهُ لَو كَانَ قولا وَاحِدًا كَانَ النَّاس فِي ضيق وَإِنَّهُم أَئِمَّة يقْتَدى بهم وَإِذا أَخذ الرجل بقول أحدهم كَانَ فِي سَعَة وَعَزاهُ بَعضهم أَيْضا إِلَى أبي حنيفَة ﵀ فَإِنَّهُ قَالَ مَا ثَبت عَن النَّبِي ﷺ فعلى الرَّأْس وَالْعين وَإِذا اخْتلف الصَّحَابَة تخيرنا من أَقْوَالهم وَأما إِذا جَاءَ عَن التَّابِعين فَنحْن رجال وهم رجال وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله تخيرنا من أَقْوَالهم أَي مَا كَانَ الدَّلِيل يَقْتَضِي تَرْجِيحه كَمَا تقدم عَن الإِمَام الشَّافِعِي وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي شرح اللمع إِذا اخْتلف الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ فَإِن قُلْنَا إِن قَول الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة لم يكن قَول بَعضهم حجَّة على الْبَعْض وَلم يجز لأحد الْفَرِيقَيْنِ تَقْلِيد الآخر وَإِن قُلْنَا إِن قَول الصَّحَابِيّ حجَّة فهما حجتان تَعَارَضَتَا فيرجح أحد الْقَوْلَيْنِ على الآخر بِكَثْرَة الْعدَد فَإِن كَانَ أحد الْقَوْلَيْنِ أَكثر الصَّحَابَة وعَلى الآخر أقلهم مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَر فَإِن اسْتَويَا فِي الْعدَد قدم الْأَئِمَّة فَإِن كَانَ على أَحدهمَا إِمَام وَلَيْسَ على الآخر إِمَام قدم الَّذِي عَلَيْهِ الإِمَام لقَوْله ﷺ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي

стр. 63

فَإِن كَانَ على أَحدهمَا الْأَكْثَر وعَلى الآخر الْأَقَل إِلَّا أَن الإِمَام مَعَ الْأَقَل تَسَاويا فَإِن اسْتَويَا فِي الْعدَد وَالْأَئِمَّة وَمَعَ أَحدهمَا أحد الشَّيْخَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهُمَا سَوَاء لحَدِيث أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ وَالثَّانِي أَن الَّذِي مَعَه أحد الشَّيْخَيْنِ أولى لحَدِيث اقتدوا باللذين من بعدِي ثمَّ ذكر أَن الْفرق بَين اخْتِلَاف أَقْوَال الصَّحَابَة وَاخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي أَنه لَا يجمع بَين أَقْوَال الصَّحَابَة ﵃ بتنزيل الْمُطلق على الْمُقَيد وَتَخْصِيص الْعَام بالخاص وَتَأْويل مَا يحْتَمل وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يجمع بِهِ بَين الْأَخْبَار الْمُخْتَلفَة عَن النَّبِي ﷺ أَن جَمِيع الْأَخْبَار صادرة عَن وَاحِد وَهُوَ مَعْصُوم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ فَلَا يجوز فِيهَا الِاخْتِلَاف والتضاد من كل وَجه فَيجمع بَينهَا مَا أمكن حَتَّى لَا يكون أَحدهَا مُخَالفا للْآخر وَإِذا لم يُمكن ذَلِك كَانَ الثَّانِي نَاسِخا للْأولِ وَأما أَقْوَال الصَّحَابَة إِذا اخْتلف فَلَيْسَتْ كَذَلِك لاخْتِلَاف مقاصدهم وَأَن ذَلِك لَيْسَ صادرا عَن مُتَكَلم وَاحِد وَاحْتج ابْن عبد الْبر لما ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه لَا يتَخَيَّر بَين أَقْوَال الصَّحَابَة عِنْد اخْتلَافهمْ بل يرجع إِلَى مَا يتَرَجَّح بِهِ من خَارج بِاتِّفَاق أَصْحَاب النَّبِي ﷺ على تخطئة بَعضهم بَعْضًا وَرُجُوع بَعضهم إِلَى قَول غَيره عِنْد مُخَالفَته إِيَّاه كَمَا روى فِي قصَّة الْمَرْأَة الَّتِي بعث إِلَيْهَا عمر ﵁ ففرعت فأجهضت جَنِينا فَمَاتَ فَشَاور أَصْحَابه فِي ذَلِك فَقَالُوا مَا نرى

стр. 64

عَلَيْك شَيْئا مَا أردْت بِهَذَا إِلَّا الْخَيْر فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵁ إِن كَانَ هَؤُلَاءِ اجتهدوا رَأْيهمْ فقد قضوا مَا عَلَيْهِم وَإِن كَانُوا قاربوك فقد غشوك أما الْإِثْم فأرجو أَن يَضَعهُ الله عَنْك بنيتك وَأما الْغُلَام فَإِن عَلَيْك ضَمَانه فَقَالَ لَهُ عمر أَنْت وَالله صدقتني وَكَذَلِكَ رَجَعَ أَيْضا عمر إِلَى قَول معَاذ ﵁ لما أَرَادَ رجم الْحَامِل فَقَالَ لَهُ معَاذ لَيْسَ لَك سَبِيل على مَا فِي بَطنهَا فَتَركهَا حَتَّى وضعت وَقَالَ لَوْلَا معَاذ هلك عمر وَرجع أَيْضا إِلَى قَول عَليّ ﵁ فِي الَّتِي ولدت لسِتَّة أشهر لما احْتج لَهُ بالآيتين فِي أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر وَأنكر أَبُو مُوسَى وَابْن عَبَّاس على عَليّ ﵁ فِي تحريقه الغالية وأنكروا على ابْن عَبَّاس فِي الصّرْف

стр. 65

وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَذَلِكَ كُله دَلِيل وَاضح على أَن اخْتلَافهمْ عِنْدهم خطأ وصواب وَلَوْلَا ذَلِك كَانَ يَقُول كل وَاحِد مِنْهُم جَائِز مَا قلت أَنا وَجَائِز مَا قلت أَنْت وكلانا نجم يهتدى بِهِ فَلَا علينا شَيْء من اختلافنا قلت وبهذه النُّكْتَة تمسك من يَقُول بِأَن مُطلق قَول الصَّحَابِيّ لَيْسَ حجَّة وَقد تقدم مَعَ الْجَواب عَنهُ وَالله أعلم هَذَا تَمام الْكَلَام فِي أَقْوَال الصَّحَابَة إِذا انْفَرَدت عَن معَارض من السّنة قَول الصَّحَابِيّ الْمُخَالف للْحَدِيث واختتام الْكتاب بِمَا إِذا كَانَ قَول الصَّحَابِيّ يتَضَمَّن لحَدِيث رَوَاهُ هُوَ أَو رَوَاهُ غَيره وَذَلِكَ يَنْقَسِم على أَقسَام لِأَن ذَلِك الحَدِيث إِمَّا أَن يكون نصا قَاطع الدّلَالَة أَو ظَاهرا فِي دلَالَته فيحمله الصَّحَابِيّ على غير ذَلِك أَو مُحْتملا لأمرين فَأكْثر هُوَ فِيهَا على السوَاء فيحمله على أَحدهمَا وَالظَّاهِر إِمَّا أَن يكون عَاما فيخصه الصَّحَابِيّ بِبَعْض أَفْرَاده أَو مُطلقًا يعم أَفْرَاده عُمُوم فيقيده الصَّحَابِيّ بأحدها أَو حَقِيقَة فيحمله الصَّحَابِيّ على مجازه أَو يؤوله على معنى مَرْجُوح

стр. 66

فَنَذْكُر مَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْأَنْوَاع إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِن يكن على مساق هَذَا التَّقْسِيم الْقسم الأول التَّخْصِيص بقول الصَّحَابِيّ أَن يكون الْخَبَر عَاما فيخصه الصَّحَابِيّ بِأحد أَفْرَاده سَوَاء كَانَ هُوَ الرَّاوِي أَو لم يكن هُوَ رَاوِي ذَلِك الحَدِيث فمثال الأول حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ فَإِن لفظ من عَام يَشْمَل الْمُذكر والمؤنث عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي النِّسَاء إِذا ارتددن عَن الْإِسْلَام يحبس وَلَا يقتلن فَخص الحَدِيث بِالرِّجَالِ وَحَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن معمر بن عبد الله بن نَضْلَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يحتكر إِلَّا خاطىء أخرجه مُسلم وَفِيه

стр. 67

وَكَانَ سعيد بن الْمسيب يحتكر فَقيل لَهُ فَإنَّك تحتكر فَقَالَ إِن معمرا الَّذِي كَانَ يحدث هَذَا الحَدِيث كَانَ يحتكر قَالَ ابْن عبد الْبر كَانَا يحتكران الزَّيْت وحملا الحَدِيث على احتكار الْقُوت عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ والغلاء وَمِثَال الثَّانِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ على الْمُسلم فِي عَبده وَلَا فرسه صَدَقَة وَفِي حَدِيث عَليّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ قد عَفَوْت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل وَالرَّقِيق وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ تَخْصِيص الْخَيل بِمَا يغزى عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله فَأَما غَيرهَا فَفِيهَا الزَّكَاة وَعَن عُثْمَان ﵁ تَخْصِيصه أَيْضا بالسائمة وَأخذ من المعلوفة الزَّكَاة وَعَن عمر ﵁ نَحوه أَيْضا فَاخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك وَأطلق بعض المصنفين الْخلَافَة التَّرْجِيح وَلم يفصل قَالَ الشَّيْخ فَخر الدّين فِي الْمَحْصُول الْحق أَنه لَا يجوز التَّخْصِيص بِمذهب الرَّاوِي وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي الإحكام مَذْهَب الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد وَأكْثر الْفُقَهَاء والأصوليين أَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ إِذا كَانَ على خلاف ظَاهر الْعُمُوم

стр. 68

وَسَوَاء كَانَ هُوَ الرَّاوِي أَو لم يكن لَا يكون تَخْصِيصًا للْعُمُوم خلافًا لأَصْحَاب أبي حنيفَة والحنابلة وَعِيسَى بن أبان وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء وَوَافَقَهُمَا فِي تَجْوِيز ذَلِك سَائِر أصحابهما قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي شرح اللمع أما قَول الصَّحَابِيّ هَل يجوز التَّخْصِيص بِهِ ينظر فِيهِ فَإِن كَانَ قد انْتَشَر فِي ذَلِك وسكتوا عَن مُخَالفَته فَهُوَ حجَّة يجب الْمصير إِلَيْهِ وَفِي تَسْمِيَته إِجْمَاعًا وَجْهَان فَيجوز التَّخْصِيص بِهِ وَإِن لم ينتشر فِي الصَّحَابَة فَهَل يجوز تَخْصِيص الْعُمُوم بِهِ إِن قُلْنَا بقوله الْجَدِيد إِنَّه لَيْسَ بِحجَّة لم يجز التَّخْصِيص بِهِ وَإِن قُلْنَا بقوله الْقَدِيم إِنَّه حجَّة يقدم على الْقيَاس فَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز التَّخْصِيص بِهِ لِأَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يتركون أَقْوَالهم لعُمُوم الْكتاب وَالسّنة قَالَ وَالْمذهب أَنه يجوز تَخْصِيصه بِهِ لِأَنَّهُ على هَذَا القَوْل حجَّة يقدم على الْقيَاس وَتَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ جَائِز فَلِأَن يجوز بِمَا يقدم عَلَيْهِ أولى ثمَّ ذكر بعد ذَلِك مَا إِذا الصَّحَابِيّ هُوَ الرَّاوِي للْحَدِيث وَجزم بِأَن مذْهبه لَا يخصص عُمُوم الحَدِيث خلافًا لأبي حنيفَة وَمثله بِحَدِيث لَيْسَ على الْمُسلم فِي عَبده وَلَا فرسه صَدَقَة وَأَن الْحَنَفِيَّة حملوه على فرس الْغَازِي لقَوْل زيد بن ثَابت ﵁ مثل ذَلِك وَفِي هَذَا نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن زيد بن ثَابت لَيْسَ هُوَ الرَّاوِي للْحَدِيث وَلَا يعرف من طَرِيقه وَالثَّانِي أَن تخرج الْمَسْأَلَة على أَن قَول الصَّحَابِيّ حجَّة أملا لَا يفرق

стр. 69

فِيهِ بَين أَن يكون هُوَ الرَّاوِي للْحَدِيث أم لَا كَمَا صرح بِهِ بَعضهم لِأَن تَخْصِيصه يدل على أَنه اطلع من النَّبِي ﷺ على قَرَائِن حَالية تَقْتَضِي تَخْصِيص ذَلِك الْعَام فَهُوَ أقوى من التَّخْصِيص بِمذهب صَحَابِيّ آخر لم يرو الْخَبَر وَلَعَلَّه لم يبلغهُ لَو بلغه لم يُخَالِفهُ بِإِخْرَاج بعضه وَإِلَى هَذِه الْأَوْلَوِيَّة يرشد كَلَام ابْن الْحَاجِب بقوله فِي الْمُخْتَصر مَذْهَب الصَّحَابِيّ لَا يخصص وَلَو كَانَ هُوَ الرَّاوِي خلافًا للحنفية والحنابلة نعم مَسْأَلَة التَّخْصِيص بقول الرَّاوِي لَا تخْتَص بالصحابي عِنْد الْحَنَفِيَّة فَقَط بل وَلَا بِصُورَة التَّخْصِيص بل الرَّاوِي مُطلقًا من الصَّحَابِيّ وَمن بعده إِذا خَالف الْخَبَر بتخصيص أَو غَيره حَتَّى لَو تَركه بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ مذْهبه عِنْدهم مقدما على الْخَبَر كَمَا سَيَأْتِي وَلذَلِك لم يُقيد فَخر الدّين كَلَامه الْمُتَقَدّم فِي الْمَحْصُول بالصحابي بل الرَّاوِي مُطلقًا لكنه قيد الْمُخَالفَة بِحَالَة التَّخْصِيص وَلَا تتقيد بذلك عِنْدهم كَمَا بَينا وَإِذا تقرر تَخْصِيص الصَّحَابِيّ الحَدِيث بتخريج على القَوْل بِأَن مذهبَة حجَّة لم يحْتَج إِلَى نصب اسْتِدْلَال فِيهَا من الطَّرفَيْنِ لظُهُور الْمدْرك وَأما تَفْصِيل الشَّيْخ أبي إِسْحَاق ﵀ الْمُتَقَدّم وَأَن قَول الصَّحَابِيّ إِذا انْتَشَر وَسكت الْجَمِيع عَنهُ يكون مُخَصّصا فَهُوَ قوي بِنَاء على مَا تقدم أَن ذَلِك يكون إِجْمَاعًا أَو حجَّة وَهَذِه الصُّورَة وَارِدَة على قَول من أطلق الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَسَيَأْتِي تَتِمَّة الْكَلَام فِي مثل ذَلِك إِذا كَانَ قَول الصَّحَابِيّ الْمُنْتَشِر على مُخَالفَة الْخَبَر بِالْكُلِّيَّةِ وان ذَلِك هَل يتَضَمَّن نَاسِخا أم لَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما تَقْيِيد الصَّحَابِيّ الْخَبَر الْمُطلق فَهُوَ كتخصيصه الْعَام من غير فرق وَذَلِكَ ظَاهر وَأما تَخْرِيج الشَّيْخ أبي إِسْحَق القَوْل بِكَوْنِهِ تَخْصِيصًا على الْقَدِيم فَذَلِك لما هُوَ مُسْتَقر عِنْدهم أَن مَذْهَب الشَّافِعِي الْجَدِيد أَن قَول الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة

стр. 70

وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَنه مَنْصُوص لَهُ فِي الْجَدِيد فِي غير مَوضِع وَلذَلِك اعْتمد مَذْهَب معمر بن نَضْلَة ﵁ فِي تَخْصِيصه الاحتكار بِالطَّعَامِ حَالَة الضّيق على النَّاس وَلم يعْتَمد قَول ابْن عَبَّاس فِي تَخْصِيص الْمُرْتَد بِالرجلِ دون الْمَرْأَة وَلَا قَول من خصص نفي الزَّكَاة عَن الْخَيل بِبَعْض أصنافها إِمَّا على القَوْل الآخر الْمَشْهُور لَهُ فِي الْجَدِيد أَن قَول الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة أَو لِأَن غير هَؤُلَاءِ من الصَّحَابَة خالفوهم فِي ذَلِك فقد رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قتل الْمُرْتَدَّة أَو قَالَ تقتل إِذا لم ترجع إِلَى الْإِسْلَام وَعَن عمر ﵁ أَنه امْتنع من أَخذ الزَّكَاة من الْخَيل لما سَأَلَهُ أَرْبَابهَا ذَلِك وَقَالَ حِين أَخذهَا مِنْهُم مَا لم تكن سنة راتبة وَإِذا اخْتلف الصَّحَابَة أَو تَعَارَضَت أَقْوَالهم فَيبقى الْعَام على عُمُومه وَالله أعلم الْقسم الثَّانِي أَن يكون لخَبر مُحْتملا لأمرين فيحمله الصَّحَابِيّ الرَّاوِي أَو المطلع عَلَيْهِ على أَحدهمَا وَقد مثل ذَلِك جمَاعَة بمثالين أَحدهمَا حمل ابْن عمر وَأبي بَرزَة ﵄ التَّفَرُّق الْمُوجب للْبيع على التَّفَرُّق بالأبدان وَالثَّانِي قَول عمر ﵄ فِي قَضِيَّة المصارفة وَالله لَا تُفَارِقهُ وَبَيْنك وَبَينه شَيْء ثمَّ احْتج بقول النَّبِي ﷺ الذَّهَب بالورق رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء على الْمجْلس دون المقابضة على الْفَوْر وَفِي كل من هذَيْن المثالين نظر أما الأول فَلِأَن الظَّاهِر من قَوْله ﷺ حَتَّى يَتَفَرَّقَا التَّفَرُّق بالأبدان

стр. 71

وَلَا إِشْعَار لَهُ بالتفرق بالأقوال فضلا عَن أَن يكون احْتِمَال كل مِنْهُمَا على السوَاء فالصحابي هُنَا إِنَّمَا حمل مَا رَوَاهُ على ظَاهره الْمَفْهُوم مِنْهُ وَلَيْسَ ذَلِك هُوَ الْمَفْرُوض وَأما الثَّانِي فَهُوَ أقرب من الأول بِدَلِيل قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الآخر إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة وَقَوله ﷺ لِابْنِ عمر لما سَأَلَهُ عَن اقْتِضَاء الذَّهَب عَن الْوَرق وَبِالْعَكْسِ لَا بَأْس إِذا لم تفترقا وَبَيْنك وَبَينه شَيْء فَفِي هذَيْن الْحَدِيثين مَا يَقْتَضِي أَن المُرَاد بقوله ﷺ إِلَّا هَاء وهاء مَا هُوَ الْأَعَمّ من التَّقَابُض على الْفَوْر أَو فِي الْمجْلس فَيكون حمل ﵁ لَهُ على الْمجْلس مُبينًا للمراد مِنْهُ لَكِن لقَائِل أَن لَوْلَا هَذَانِ الحديثان لَكَانَ الظَّاهِر مِنْهُ التَّقَابُض على الْفَوْر فَيكون عمر ﵁ على خلاف الظَّاهِر مِنْهُ وَلَكِن مَعَ الْحَدِيثين تبين وَكَانَا هما الْعُمْدَة فِي تَأْوِيل قَوْله هَاء وهاء فَالْمَسْأَلَة مُحْتَملَة فِي التَّمْثِيل بهَا وَقد قَالَ الْآمِدِيّ فِي هَذِه الصُّورَة أَعنِي مَا إِذا حمل الصَّحَابِيّ مَا رَوَاهُ من الْمُجْمل على أحد محمليه إِنَّا إِذا قُلْنَا إِن اللَّفْظ الْمُشْتَرك ظَاهر فِي جَمِيع محامله كالعام فتعود الْمَسْأَلَة إِلَى التَّخْصِيص بقول الصَّحَابِيّ وَإِن قُلْنَا بامتناع حمله على ذَلِك فَلَا نَعْرِف خلافًا فِي وجوب حمل الْخَبَر على مَا حمله الرَّاوِي عَلَيْهِ لِأَن الظَّاهِر من حَال النَّبِي ﷺ أَنه لَا ينْطق بِاللَّفْظِ الْمُجْمل بِقصد التشريع وتعريف الْأَحْكَام ويخليه عَن قرينَة حَالية أَو مقالية تعين الْمَقْصُود من الْكَلَام والصحابي الرَّاوِي الْمشَاهد للْحَال أعرف بذلك من غَيره فَوَجَبَ الْحمل عَلَيْهِ ثمَّ أود على وَجه الِاحْتِمَال أَن تَعْيِينه لَيْسَ أولى من تعْيين غَيره من

стр. 72

الْمُجْتَهدين حَتَّى ينظر فَإِن انقدح لَهُ وَجه يُوجب تعْيين غير ذَلِك الِاحْتِمَال وَجب ابتاعه وَإِلَّا فتعيين الرَّاوِي صَالح للترجيح فَيجب اتِّبَاعه قلت وَهَذَا الِاحْتِمَال ضَعِيف لِأَن ظَاهر الْحَال أَن تعْيين الصَّحَابِيّ الْمشَاهد للْحَال إِنَّمَا يكون عَن قرينَة حَالية اَوْ مقالية شَاهدهَا فَلَا يعدل عَن هَذَا الظَّاهِر إِلَّا عِنْد قيام مَا يرجح عَلَيْهِ لَا لمُجَرّد كَونه مُجْتَهدا وَالله أعلم الْقسم الثَّالِث أَن يكون الْخَبَر ظَاهرا فِي شَيْء فيحمله الصَّحَابِيّ على غير ظَاهره إِمَّا بِصَرْف اللَّفْظ عَن حَقِيقَته إِلَى مجازه أَو بِغَيْر ذَلِك من وُجُوه التَّأْوِيل فَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء أَن يعْمل بِظَاهِر الحَدِيث وَلَا يخرج عَنهُ لمُجَرّد عمل الصَّحَابِيّ أَو قَوْله وَذهب أَكثر الْحَنَفِيَّة إِلَى اتِّبَاع قَول الرَّاوِي فِي ذَلِك لما سَيَأْتِي ذكره وَقَالَ بعض الْمَالِكِيَّة إِن كَانَ ذَلِك مِمَّا لَا يُمكن أَن يدْرك إِلَّا بشواهد الْأَحْوَال والقرائن الْمُقْتَضِيَة لذَلِك وَلَيْسَ للإجتهاد مساغ فِي ذَلِك اتبع قَوْله وَإِن كَانَ صرفه عَن ظَاهره يُمكن أَن يكونى بِضَرْب من الِاجْتِهَاد تعْيين الرُّجُوع إِلَى ظَاهر الْخَبَر لاحْتِمَال أَن لَا يكون اجْتِهَاده مطابقا لما فِي نفس الْأَمر فَلَا يتْرك الظَّاهِر للمحتمل حَكَاهُ عَنْهُم القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي مخلصه وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ من الْمُعْتَزلَة إِن علم أَنه لم يكن لمَذْهَب الرَّاوِي وتأويله وَجه سوى علمه بِقصد النَّبِي ﷺ لذَلِك التَّأْوِيل وَجب الْمصير إِلَيْهِ وَإِن لم يعلم ذَلِك بل جَوَاز أَن يكون قد صَار إِلَيْهِ لدَلِيل ظهر لَهُ من نَص أَو قِيَاس وَجب النّظر فِي ذَلِك الدَّلِيل فَإِن كَانَ مقتضيا لما ذهب إِلَيْهِ وَجب الْمصير إِلَيْهِ وَإِلَّا عمل بالْخبر وَلم يكن لمُخَالفَة الصَّحَابِيّ أثر وَهَذَا قوي أَيْضا

стр. 73

ولإمام الْحَرَمَيْنِ تَفْصِيل آخر يَأْتِي فِي الْقسم الَّذِي بعد هَذَا وَهُوَ الْقسم الرَّابِع أَن تكون الْمُخَالفَة بترك مَدْلُول الحَدِيث بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا ولغَ الْكُلِّي فِي إِنَاء أحدكُم فاغسلوه سبع مرار الحَدِيث وَجَاء عَن أبي هُرَيْرَة نَفسه أَنه يغسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب ثَلَاثًا وَهَذَا ذكره فَخر الدّين ابْن الْخَطِيب مِثَالا لتخصيص الرَّاوِي عُمُوم الْخَبَر وَهُوَ تَمْثِيل ضَعِيف لِأَن الْأَعْدَاد نُصُوص لَا تقبل التَّجَوُّز وَلَيْسَت من الْأَلْفَاظ الْعَامَّة حَتَّى تكون الثَّلَاثَة أحد أَفْرَاد السَّبْعَة بل هَذَا مُخَالفَة مَحْضَة لمدلول الْخَبَر وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ جُمْهُور الْعلمَاء أَنه لَا يعدل عَن الْخَبَر الظَّاهِر أَو النَّص إِلَى مَذْهَب الرَّاوِي وَإِن قُلْنَا إِن مَذْهَب الصَّحَابِيّ حجَّة لِأَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ إِنَّمَا يكون حجَّة إِذا لم يُعَارضهُ قَول النَّبِي ﷺ وَظن كَونه اطلع على نَاسخ أَو دَلِيل يتَرَجَّح على هَذَا الْخَبَر وَإِن كَانَ منقدحا فَهُوَ مَرْجُوح لما سَيَأْتِي من الِاحْتِمَالَات الَّتِي تعارضه وَالظَّن الْمُسْتَفَاد من الْخَبَر أرجح مِنْهُ وعمدة الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا الْمقَام أَن هَذَا الرَّاوِي إِمَّا أَن تكون مُخَالفَته لدَلِيل رَاجِح على هَذَا الْخَبَر أَولا لدَلِيل فَإِن كَانَ لَا لدَلِيل لزم فسقه وَخرج عَن أَهْلِيَّة من تقبل رِوَايَته فَيسْقط الْعَمَل بِالْحَدِيثِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْأَصْل خلاف ذَلِك فَتعين أَن تكون الْمُخَالفَة لدَلِيل رَاجِح على هَذَا الْخَبَر وَحِينَئِذٍ فَيجب الْمصير إِلَيْهِ

стр. 74

وَالْجَوَاب عَنهُ أَنه لَا يلْزم إِذا كَانَت الْمُخَالفَة لدَلِيل رَاجِح أَن يكون ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى نفس الْأَمر بل راجحا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ظَنّه وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم أَن يكون ذَلِك مطابقا لما فِي نفس الْأَمر بل جَازَ أَن يكون مرجوحا وَهُوَ يَظُنّهُ راجحا وَهَذَا احْتِمَال لَا مدفع لَهُ فَلَا يتْرك ظَاهر هَذَا الْخَبَر لهَذَا الْمُحْتَمل وايضا فالاتفاق على أَن الصَّحَابِيّ غير الرَّاوِي للْحَدِيث إِذا خَالفه بِالْكُلِّيَّةِ لَا يعْتد بمخالفته وَلَا يُعلل بهَا الْخَبَر بل يعْمل بِهِ ويعدل عَن مَذْهَب الصَّحَابِيّ وَمن الْجَائِز الْقوي أَن يكون ذَلِك الصَّحَابِيّ قد اطلع على هَذَا الْخَبَر وَإِنَّمَا خَالفه لمعارض ظَنّه راجحا عَلَيْهِ فَيلْزم على أصلهم اتِّبَاع أَقْوَال الصَّحَابَة الْمُخَالفَة للْأَخْبَار والعدول إِلَيْهَا دون الْأَخْبَار لعين مَا قَالُوهُ من غير فرق بَين الرَّاوِي وَغَيره وَذَلِكَ بَاطِل فَيلْزم مثله فِي الرَّاوِي أَيْضا وَقَوْلهمْ إِنَّه يكون فَاسِقًا إِذا ترك الْعَمَل بالْخبر من غير معَارض رَاجِح قلت إِنَّمَا يلْزم إِذا تَركه من غير معَارض بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا ندعي ذَلِك بل يجوز لَهُ تَركه لمعارض رَاجِح فِي ظَنّه وَلَا يلْزم فسقه إِذا لم يكن راجحا فِي نفس الْأَمر واختارإمام الْحَرَمَيْنِ تَفْصِيلًا فِي ذَلِك وَهُوَ أَنه إِن تحققنا أَن مُخَالفَة الرَّاوِي كَانَت لنسيان الْخَبَر أَو لعدم فهمه لَهُ فَلَا شكّ فِي وجوب اتِّبَاع الْخَبَر وَلذَلِك إِذا كَانَ لورع فِي الرَّاوِي بِأَن يكون الْخَبَر يَقْتَضِي ترخصا والراوي شَدِيد الْوَرع فَإِنَّهُ تحمل الْمُخَالفَة على أَخذه بِالِاحْتِيَاطِ وَالْمُبَالغَة فِي الْوَرع

стр. 75

وَإِن خَفِي عَنَّا سَبَب الْمُخَالفَة وَلَكِن علمنَا أَنه خَالف مَا رَوَاهُ عمدا فالرجوع هُنَا إِلَى قَوْله لِأَن الظَّاهِر أَنه لَا يرتكب مثل هَذِه الْمُخَالفَة إِلَّا لمسوغ يَقْتَضِي مُخَالفَة مَا رَوَاهُ وَإِن خَفِي عَنَّا أَن الْمُخَالفَة وَقعت عمدا أَو لسَبَب من الْأَسْبَاب وَلم نحط بِهِ علما فَالْوَاجِب اتِّبَاع الْخَبَر وَترك مَا ذهب إِلَيْهِ الصَّحَابِيّ الرَّاوِي وَهَذَا التَّفْصِيل يرد عَلَيْهِ فِي قَوْله إِن الْمُخَالفَة مني كَانَت عمدا فَالظَّاهِر أَنه لَا يرتكبها إِلَّا المسوغ يقتضيها (ل) مَا تقدم ان ذَلِك المسوغ يحْتَمل أَن يكون راجحا فِي نفس الْأَمر وَأَن يكون كَذَلِك فِي ظَنّه وَلَا يكون مطابقا لما ظَنّه فَلَا يتْرك ظَاهر الْخَبَر لهَذَا الِاحْتِمَال وَأما تَفْصِيل من تقدم ذكره فَلَا يخفي وَجهه والمتبع فِي ذَلِك غَلَبَة الظَّن فَمَتَى كَانَ الظَّن راجحا من جِهَة تعين اتباعها وَهَذَا كُله إِذا لم ينتشر قَول الصَّحَابِيّ الْمُخَالف للْخَبَر فَأَما إِذا انْتَشَر الْجَمِيع وَعمِلُوا بِهِ وسكتوا عَنهُ مَعَ علمهمْ بالْخبر فَإِنَّهُ يَنْبَنِي على مَا تقدم أول الْكتاب من الْأَقْوَال فَإِذا قيل بِأَنَّهُ إِجْمَاع أَو حجَّة كَانَ ذَلِك راجحا على الْخَبَر ومتضمنا وجود نَاسخ لَهُ كَانَ سَبَب مخالفتهم لَهُ وَإِن لم نطلع على ذَلِك النَّاسِخ وَذَلِكَ كَمَا تقدم فِي الصَّحِيحَيْنِ مثله وَكَذَلِكَ فِي الْحمل على الْمجَاز والعدول عَن الظَّاهِر وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
следующие страницы →